المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الشاعرة الجزائرية نسيمة بوصلاح أنوثة تتجاوز زخرف البوح إلى مساءلة المعطـّل

ahmad alshekhawiلعل فضول الإحاطة ـ جمالياــ بالكينونة الذاتية ومعرفيا حتى ،أو بالأحرى التقيد بخوض مغامرات اقتناص بعض الحظ مما قد يقود إلى مستويات النبش في أسرار وجودية تبرّر نسبية انفتاحنا على ما يعمّق فهمنا للعوالم التحتية والدفينة في ارتباطاتها وتداخلاتها مع منظومة أسئلة لحظية مستعصية تتيح مقاربات منطقية لتخوم أنوية النزوع نحو الهامشي والمعطل مرورا بغيبوبة تمنحها الميتافيزيقيا الدالة على بؤر التصالح مع الذات والانخراط في حيثيات الراهن .

لعلّ ذلك و ما يوازيه يعدّ من أبرز ما يحفّز على الكتابة،و فضّ بكارة البياض وتقليص حيّز العشوائية والارتجال،ضمن نطاق تصول فيه الذهنية وتجول فوق ما تفعل أدوات الفعل الإبداعي.إنه ثقل المعلومة و وطئتها وحجمها الخرافي وتمنّعها على الاختزال في المعنى الواحد واليتيم .

أخال الشاعرة الجزائرية نسيمة بوصلاح لا تزيغ في مجمل منجزها عن السرب المترنم بكهذا طرح . إنها نموذج صوتي لا يضحي بفنية العنصر التعبيري إلا اضطرارا،وإن ثمّ لها ذلك ففي حلّة تصعق محاولات النفاد والتسلل إلى كنوزها الإيديولوجية التي تنتصر للوازع الإنساني وتفجّر مكامن النضارة في تجعّدات المنجز.

لذا سنقتصر في احتضاننا لهذه التجربة المكتظة بمواويل الأنوثة الصارخة والمتحصنة بهودج الرؤى المقارعة لفحولة الأصوات الرجالية. نكتفي بالقصيدة الموسومة بــ " هامش على شره البحر الوهراني " ما دام يفي بالأغراض المفذلك لها سالفا.

الرُّؤَى..،

سَعَفٌ تَدَاوَلَهُ الرُّوَاةْ...

والكَتَاتِيبُ اخْتِصَارٌ..،

للأَقَاوِيلِ الَّتِي..،

قَدْ عَطَّلَتْ لُغْمَ اللُّغَاتْ...

حضاري وإنساني أن نلج مرحة الاستغناء الواعي عن اللغم أو أي سلاح مهما صغرت أو كبرت حدّة الخطورة المترتبة عليه، كانسلاخ سلوكي إلى تعمير عالمي يفيض تآخ ومحبة واستقرارا وأمنا و تعايشا وسلاما. بيد أن لغم اللغة يأخذ مفاهيم مغايرة تماما، وقد ذيّل المقطع أعلاه بسطر شعري صريح الوشاية بتلك المفاهيم.

إنها رؤى استباقية تنزع عن الصحراء رداء البراءة وتزكّي الطرح الممسوس باستذئابها وتعطشها المرضي للدم في زماننا الحالي .وكأنها تعيش دورة كاملة يتأرجح منحنى جاهليتها أفقيا وعموديا ليبلغ ذروته زمكانيا أكثر من يدفع ثمنه جيل الشاعرة.

ذنب هذه الصحراء أنها سنحت لكتاتيب الأقاويل المغذية للتّطرف، و رخّصت لها سبل التعشيش والتفريخ، فكان من البديهي أن يغرق العالم وتصطبغ صحراؤه بالدماء.

وَالفَضَا..،

مَاءٌ تَكَلَّسَ فِي جَبِينِ حِكَايَةٍ،

تُفْشِي العَرَائِسَ ..،

للَّذِينَ تَنَاقَلُوا خَبَرَ الوَفَاةْ...

هِيَ ذِي البَلَاغَةُ تَقْتَفِي شَبَقَ الخُيُولْ..،

تَذْرُو الرِّمَالَ عَلَى مَتَاهَاتِ الكِنَايَةِ،

واهْتِرَاءَاتِ النُّحَاةْ،

لا أخسّ وأقذر من أن يتلطّخ الفضاء بدوره بما جنت يد البشر وأملت شيطنة الإتجار في الدين. أن يتحول الفضاء إلى جوقة تمتهن وظيفة النعي وتغلّب خيول السبق إلى الأنانيات والتقوقع على المآرب الشخصية، مقابل قشور تفضحها الكتابة الحقيقية المحتفية بالمتبقي فينا من آدمية وكرامة وعنفوان.

فُكَّنِي..،

يَا أَيُّهَا الـمُفْضِي إِلَى شَرَهِ البِحَارْ..،

فُكَّنِي..،

كَيْ أَسْتَقِيلَ مِنَ الكِتَابَةِ،

والمجازاتِ الَّتِي مَا أَمْطَرَتْ،

غَيْرَ التلكؤ فِي مَطَارِ الأُمْنِيَاتْ...

هي كينونة مقترنة التجليات بثيمة كتابة الهامش المفضي إلى البحر، بكل تأكيد. هي كينونة دافعة باتجاه اعتزال كتابة الإجترار والتكرار والمجازات الفكهية المكفّرة والمحرّفة للأبعاد الدينية الرسالية، وتنصل من عنق مجازاة الأثرة والتعسف الفكري والعقدي . هي كينونة لا يزادن تجوالها إلا بالإنغماس فيما هو حداثي لا ينم عن تبعية أو انزلاق متهور من نسج غواية دخيل.

هَا ظِلُّكَ العَرَبِيُّ يَعْبَثُ بِالتَّفَاصِيلِ الَّتِي..،

قَدْ قَلَّبَتْ قَلْبَ الحَدَاثَةِ،

واسْتَطَالَ بِهَا الشَّتَاتْ...

البَحْرُ حِبْرٌ زَاخِرٌ..،

والـمَجَادِيفُ اسْتَعَدَّتْ،

كَيْ تَقُولَ لِكُلِّ هَاتِيكَ الـمَرَاثِي:

عَرَّشَ التَّانْغُو عَلَى سَفْحِ الحِكَايَةِ،

موسما"للنَّازِلَاتِ الـمَاحِقَاتْ،

فاشْهَدُوا"..،

أَنَّ الجِهَاتِ تَبَدَّلَتْ أَسْمَاؤُهَا،

لِتَقُولَ إِنَّكَ..،

صِرْتَ وَحْدَكَ..،

كُلَّ هَاتِيكَ الجِهَاتْ...

أَعِدِ الشَّرِيطَ..،

الأرجح أن حثالة العربدة والفتك والبطش القائم ، فوق نعتها بالظلال العربية العابثة بالتفاصيل، والمبدّلة لأسماء الجهات والمتسببة بكل هذه المرثي،والمزينة للروح انزوائها واعتكافها على المشهد البحري الهامس إذ يضمد جراحات ذاكرة مترهّلة مثقلة بمسارح الدم المسفوك حمية وجهالة، حدّ تصور البحر مدادا تهب أسراره وطقوس تمليه طاقة موجبة تخول الكتابة المضاهية للوثنية والهمجية والشذوذ.

لذا تلزم إعادة عرض الشريط ، ومحاسبة النفس، و محاولة ترتيب الأوراق من جديد.

رُبَّمَا.. تَمْشِي الجَرَائِدُ فِي جَنَازَتِكَ الَّتِي..،

لَمْ يَبْكِهَا إِلَّا الصَّعَالِيكُ العُصَاةْ...

رُبَّمَا.. فَتَّقْتَ جُدْرَانَ القَصَائِدِ بِالبُكَاءْ..،

وانْتَقَمْتَ مِنَ الفَرَاغَاتِ الَّتِي..،

رَصَّعْتَهَا بِدَمِ الحَيَاةْ...

أَعِدِ الشَّرِيطَ لِكَيْ أُلَوِّنَ غُصَّتِي..،

وَأَقُولَ إِنَّ غُثَاءَكَ الفِضِّيَ أَبْرَقَ..،

ثُمَّ أَرْعَدَ..،

ثُمَّ أَرَّقَنِي وَمَاتْ...

لا جرم أن جريمة الإعلام عموما ماثلة في الانحياز السافر إلى الخطابات المسوّقة للأصولية في معناها القدحي المرفوض ، أو المنابر المقامرة بالعنصر البشري عبر التعتيم الممنهج والمقصود المواري لخلايا الإرهاب النائمة.

وإذن... بالغثاء الفضي للصعاليك العصاة ، في استعارات ملهمها البحر ، الوهراني هنا، كما في حالة شاعرتنا ، البحر كمتنفسّ ومعلّم حقيقي، و فضاء سيريالي ينطوي غموضه ورمزيته على ما يجعل زوايا النظر إلى الراهن وعالميته مختلفة تماما ومتزنة غير مندفعة و لا هوجاء .

بهذيانهم تتمّ عملية الانتقام المشروع من فراغات يحصل استغلالها لصالح صناع الموت وعشاق الفوضى وآلهة الخراب.

فدم الحياة يجب أن يطغى ويسود. وألوان الحياة التي تعقب غصة مرثاة المشهد، لن تجود بها غير أرحام القصائد الصافية المتمردة على القيود البالية والهاجس العقدي المهجن والمدنّس .

قصائد صادمة من حيث معادلها الإنساني الكامن في مدى اكتساب المقدرة والجرأة كذلك على نبذ السائد وخلخلة الموازين وتبني الهامشي ومساءلة المعطّل .

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

جمالية الصورة الفنية تضاهي جمالية اللغة في ديوان (فلورا) للشاعرة اللبنانية فلورا قازان

802-flouraان ما يميز ديوان فلورا هو الاشتغال الجدي على اللغة باعبتارها الوسيلة الافضل للتعبير بمصداقية عن الافكار والهواجس والرؤى بشتى تمفصلاتها وذلك عبر الايحاءات التي تخلقها في جسد القصيدة، فالشعر في هيكلته خلق لغوي جمالي ماتع، يحاكي عن طريق الجواني – البراني، فيعتمد على الالفاظ المرصوفة ذات الوحدة العضوية المتماسكة وذات الابعاد التشكيلية الصورية الناطقة والتي بدورها تلامس عميقاً الذات الشاعرة وتجربتها وجديتها في تحويل التجربة الى صور انفعالية تترك في مساراتها وتموسقها اثراً رائعاً.. وهذا ما يتجلى بشكل واضح ومؤثر في قصائد فلورا التي تمنطق رؤاها وهواجسها وافكارها بجدلية ماتعة تمنحها مساحات واسعة سواء من حيث التخيلات او التأويلات المتعددة والتي بدورها تماهي الاسلوبية المنوعة المعتمدة من قبل الشاعرة نفسها في طرح رؤاها وافكارها وهواجسها،. مما يشكل اجمالا صورية تلازمية نابعة من الحراك الشعري الذاتي داخل المنظومة الشعرية العامة.. ففي قصائد " عبث،، نبوءة مطر،، رقصة ظلال،، بعدَ مُنتَصفِ الهوى........" وبعض القصائد الاخرى نلامس هذا الحراك المتوهج ذاتياً من حيث الحضور الذاتي المصور لافاقها وتجلياتها ورغباتها لتخلق من هواجسها صور شعرية ماتعة ذات ايحاء رائع ومؤثر على نفسية المتلقي، والتي تنم عن مدى التفاعل والجهد الابداعي الذي بذلته الشاعرة 802-flouraللاشتغال على الصورية باعتبارها الجزء الاكثر فنية والاكثر حداثية في بنية النص الشعري باغلب اجناسه..فحين نقرأ لها في "قصيدة عبث: نتقاسم سطــورهــا على دفتركّ / وتُهدهد المكبوت في دفتري.. وفي قصيدة نبوءة مطر : مساء الأناجيل أهديكم،،، فإني النبوءة لا لا بل أجملُ... وفي قصيدة رقص الظلال: أنا مهرجانُ اشتياقِ الطُيورِ..." وفي قصيدة خطيئة " أمارس طقوس الصحراء بعيدة عن الخطيئة.." نلاحظ مدى التفاعل الذاتي والسعي الحثيث لخلق الصورة الشعرية الامثل التي تمكن الذات من خلالها ايصال الرؤية بكل حراكاتها وانفعالاتها وتفاعلاتها الى المتلقي .. وهذا بلاشك لايتم الا من خلال البناء اللغوي المتين المستوحاة من الاحساس الداخلي لصور البيان.. وهذا ما يتكرر بوضوح واتقان في العديد من نصوص هذه المجموعة الشعرية " أنْثى فِي جذوةِ الحبِ / قلبي متيم/ في لون عينيك/ قداسة الرغبة /اعتراف فلورا......." ، وفي خضم هذا التفاعل الذاتي مع الحراك النصي نلامس تنوعاً بلاغياً اسلوبياً صورياً يتيح للمتلقي مساحات تخييل واسعة مما يمكنه ان يندمج بصورة كلية مع دلالات ومعاني النصوص.. مما يعني بالتالي الكشف عن القدرة التصويرية للشاعرة والاشتغال الحسن عليها باعتبارها عنصراً رئيساً في بنية الشعر الحداثي بما يكمن في عناصرها من دهشة ومفارقة وانزياح وخيال فسيح، لاسيما ان الشاعرة تستطيع من خلال توظيفاتها ان تنقل المتلقي من الذاتية المتفاعلة الى حراك متبادل بحيث يعيش المتلقي نفسه التجربة ويكون ضمن مداراتها ومحركاتها وهذا ما يتجلى بصورة واضحة في بعض نصوص الديوان كقصيدة، انفاس الشوق " أيُّها المُزركشُ بشراهَةَ دَميْ،،،، مُدّ لي كفيْكَ من عرْشِ الجمالِ" وفي قصيدة الزمن الجميل " وأثْمَلْنا مَحابِرَ النَّبيذِ مَطَرا،،،،،،ارْتَدَيْنا أجْنِحَةَ الأحْلامِ..." و في قصيدة " حين يرقص جنوني" يا من تحترفُ امتلاكَ أنوثتي.." وعلى نفس النسق في قصائد اخرى ك" عودة،، حررني حبيبي،، لأنَّك أنت ،، على أديم وجهك،، ...."، حيث نجد بان الصورة الشعرية فيها تفتح الافاق لدى المتلقي لقراءات متعددة ومفتوحة.   فيتحول المتلقي من صفة التلقي الى صفة التشارك مع حيثيات الرؤية النصية وحراكاتها، فالصورة الشعرية لدى شاعرتنا تنمو داخل ذاتها مع النص الشعري، وليست شكلا منفصلا انما تلتحم بها التحاما ممشوقاً فتأتي الصور اكثر تجاوزاً للظواهر ومواجهةً للحقيقة الباطنية خالقة في مسارها علائقية واضحة بين المفردات بوسائل بيانية تؤدي الى الصورة الفنية التي تستمد طاقتها الايحائية وحقيقتها من تسامهيا ومتانة وجاذبية تراكيبها.

لاتبقي الشاعرة على نمط متكرر من الاشتغالات الصورية بل نجدها تسعى وبكل قوة ان تخلق من خلال اسلوبها الخاص قيم بلاغية صورية تنقل المتلقي من متلقي الى مشارك ومن ثم الى دائرة اكثر شمولية حيث الوطن، وشاعرتنا تعيش وطنها بكل قلقلها وانفعالاتها حتى يعلو ذلك في خطابها الشعري كما في قصيدة بر الافول " أيا وطني هل كنتُ أرسمُ صحوتي أم غفوتي،،،،، نحو حدودِ وطنٍ مأهولٍ بالأشجانِ ..."، وفي قصيدة ذبيحة قائمة " أنك بألف خير كالوطن !،،،، تجرد الوطن من الوطنية..." وفي قصيدة دموع الوطن "لا وقتَ للنَّحيبِ والدموعِ يا وطني ..."، وفي قصيدة لاشيء مثلي " يرمّمون خراب الوطن.."، وتتعدى حدود دائرة الوطن الام لتعيش موجبات انتمائية بدائرة اكثر شمولية كما في قصيدة أردن أنشودة الأزمان" يا بلسماً للروحِ والاحزانِ..."، وفي قصيدة مكتظة بحضارة النيروز ..، وهذه الصور الشعرية القلقة والانفعالية تتكرر في نصوص اخرى ضمن قصائد الديوان، وكلها تعطي انطباعاً واضحاً على القيمة التفاعلية للذات الشاعرة مع الحراك النصي الحداثي بحيث تظهر الذات وكأنها احدى اهم الركائز الشعرية .. لتشكل بذلك اجمالا معالم اخرى تضاف الى رصيدها الشعري المتنوع، وما يؤكد مقولة التنوع الصوري والاسلوبي في الديوان كونها اشتغلت على النمط الحواري الشعري ايضاً ففي قصيدة حوار السحاب تضيف انموذجاً حوارياً متوهجاً " قال :في رماد الحنين شباب // قالت : كم عمر سيكفيني الثواب ..."، وفي قصائد" غدق هطول،، قال لي،، قالت حدثني.." حيث ظهر هذا التوهج البلاغي التشكيلي مما شكل معلماً اخراً لاشتغالات الشاعرة على المستويين الصوري واللغوي..ولشاعرة مثل فلورا تعرف كيف تستخدم ادواتها الشعرية لايسعنا الا ان نتمنى لها المزيد من الالق والمزيد من الابداع الشعري العذب.

 

جوتيار تمر/ كوردستان تقديم:

 

قراءة في "وطن العصافير" لوهيب نديم وهبة: حكاية كنائية عن السلام

804-wahibأسعدني الأديب والشاعر الأستاذ "وهيب نديم وهبة" بإهدائهِ إيّاي كتابه الجميل أنيق الإصدار الذي يحمل عنوان "وطن العصافير" حيث تتمحور في مضمون هذا الكتاب فكرة السلام من خلال قصة كتبها أديبنا العزيز تتّسم بالطابع الأليجوري أو ما يُعرف بالأمثولة أو القصة الكنائية (allegory) وفيها يصوّر الكاتب الغابة وقد سيطرت عليها الحيوانات المفترسة الأخرى والكبيرة كالفيلة والتماسيح وغيرها وطغت وتجبّرت فيها ممّا أدّى إلى هجرة العصافير التي كانت تعيش آمنة هناك، وبالتالي فقد حلّ الفوضى والدّمار في الغابة ممّا جعل الحطّاب يشعر بحرمانهِ من أهازيج العصافير العذبة في الصباح نتيجة ما حلّ في الغابة، من خراب، الأمر الذي جلب الصعوبات والمشاق له في نقل أكياس الفحم بعربته إلى المدينة التي حين جاء حاكمها لاستطلاع ما جرى في الغابة، خرجت بعض الأفاعي التي اختبأت في أكياس الفحم وقرصت الحاكم فمات جراء ذلك، واتّهم الحطّاب بمقتله، ولكن بعد تحقيق طويل ومضنٍ، ظهرت حقيقة براءة الحطّاب الذي توصّل إلى اتفاق مع المحقق أن يسعى لإحلال السّلام في الغابة عن طريق تقسيم الغابة إلى نصفين بحيث يكون نصف الغابة للحيوانات والنصف الآخر للعصافير، وبفضل جهود الحطاب والخيّرين الذين تعاونوا معه فقد أصلحوا ما ساد الغابة من دمار وخراب وعادت المياه لمجاريها وحلّ السلام في الغابة وفقًا للحل الذي تمّ التوصّل إليه بقيادة الحطاب فعادت العصافير مع الحيوانات إلى مرتعها السّابق لتحيا جميعها بوئام واتفاق وسلام.

804-wahibيتَّضح من موجز هذه القصة أنّ الكاتب قد لجأ إلى أسلوب القصة الأليجورية أو الكنائية التي رمى من خلالها إبراز أهمية المصالحة بين طرفين أو فريقين متنازعين سياسيًا حول وطن مشترك يسكنه أفراد الطرفين وذلك من خلال حياة سلامية مشتركة وتسوية يتقاسم فيها الفريقان هذا الوطن المشترك ليعيش الفريق القوي مع الفريق الآخر الأقل قوةً، وبذلك يكون هذا الحل بمثابة الخروج والخلاص من حالة الخراب والدّمار التي تأتي بها الصراعات والنزاعات بين الشعوب المتخاصمة واختلال ميزان القوى بين الطرفين المتنازعين برجحان كفة الطرف الأقوى على الطرف الآخر الذي يتطلّع إلى السلام والعيش بطمأنينة وسكينة وهدوء والمتمثل في هذه القصة رمزيًا بعصافير الغابة.

وممّا تقدّم يمكن القول بأنّ الأستاذ "وهيب نديم وهبة" قد تناول فكرة أو تيمة السلام بمهارة وحنكة أدبية متميزة مستخدمًا الأليجوريا في فن القصة من خلال الإيحاء رمزيًا بما يقصده ويريد أن يوصله إلى القارئ الحصيف الذي يمكنه بسهولة أن يفهم المعاني الرمزية التي يتوخّى الكاتب أن تصل إلى أذهان القرّاء حيث إنه بهذا الأسلوب يكون قد أرضى فكريًا القارئ البالغ الواعي للرمزية الكامنة في القصة من جهة، في حين أنه من الجهة الأخرى يكون قد زوّد القارئ الصغير من الأولاد والناشئة ووفّر لهم قصة تتناسب وتتلاءم مع أعمارهم بمفهومها المباشر دون أن يلجأوا إلى التحليل الرمزي أو المعنى الكنائي للقصة بكونها قصة أليجورية للكبار.

وهكذا يكون الكاتب بفنّيتهِ الأدبية وحكمته الفكرية قد نجح نجاحًا باهرًا في طرح مبدئه السلامي الذي يمكننا وصفه بالمصطلح الأجنبي بأل (pacifism) وعليه يكون الأستاذ "وهيب نديم وهبة" داعية للسلام (pacifist) لأنّه يمتلك النزعة الإنسانية وينحو منحى الوئام والتفاهم بين الشعوب بتعدد شرائحها وأطيافها وانتماءاتها.

ولا يفوتنا في كتاب "وطن العصافير" الذي نحن بصدده هنا والذي حاز على إعجابنا بشكله ومضمونه وحسن إخراجه وأناقة إصداره، أن نشير إلى الرسومات التي تخلّلت صفحات الكتاب والتي أبدعتها بريشتها الفنانة الموهوبة والأصيلة صبحية حسن؛ تلك الرسومات التي أضفت جمالية ورمزية خاصة على أحداث القصة أخص بالذكر منها لوحتين استرعتا انتباهي هما: الأولى لوحة ايدي شخصين مقيدتين بالأغلال (صفحة 18 من الكتاب) والثانية لوحة اليدين المتصافحتين التي تحلق فوقهما حمامة بيضاء (صفحة 68) ممّا يوحي برمزية معينة ومقصودة لمعاني أحداث الكتاب، فاللوحة الأولى المشار إليها هنا تمثّل في رأينا ومنظورنا القيود التي يفرضها العداء المستحكم بين طرفين متنازعين بفعل الحواجز والأغلال النفسية والعرقية والتي تستلزم التخلّص والتّحرّر من هذه المعوّقات التي تحول دون التوصل إلى السلام والوئام المنشود بإحلال التفاهم والتصالح بغية التعايش السلمي. ومن زاوية أخرى، فإنّ هذا القيد الذي يكبّل ويربط ايدي شخصين إنّما ترمز إلى قيود الفوضى والصراع التي تمنع حرية التصرف السليم والحركة الرشيقة في وسط أي مجتمع ما. ومن هنا فإنّ اللوحة الثانية ذات اليدين المتصافحتين ترمز إلى حالة التحوّل والتغيّر والتبديل من حالة الفوضى والصراع في رمزية اللوحة الأولى إلى حالة التصالح والنظام والقانون الإنساني بينما ترمز الحمامة البيضاء المحلّقة فوقهما إلى طول مدة السلام الذي سيسود بفضل الإخلاص في روح النور والسلام وانتقال من حالة حياتية في العالم إلى حالة أخرى، بالإضافة إلى البراءة وطول العمر والسلام الذي سيسود بفعل الإخلاص والانتصار على الموت النابع من النزاعات والصراعات. كما أنّ الحمامة في العهد القديم من الكتاب المقدّس ترمز وتمثّل البساطة، الوداعة، وعدم الضرر والأذى.

وهكذا، لا يسعنا أخيرًا إلّا أن نُشيد بالأديب والشاعر "وهيب نديم وهبة" على ما قدّمه من أفكار نيّرة تتمركز حول تيمة أو فكرة السلام من خلال أسلوب الحكاية الكنائية أو ما يعرف بفن الأليجوريا حيث أجاد وأحسن في عرض فكرته بكل سهولةٍ وبساطة وانسيابية لغوية من شأنها أن تستحوذ على ذائقة الكبار برمزيتها، وتشوّق الصغار لبعدها عن الوعورة والتعقيد، علاوةً على مصاحبة النص للرسومات واللوحات الجميلة الأنيقة الأخّاذة بفنيتها التي أبدعتها الفنانة صبحية حسن لتشكّل بذلك جزءًا هامًّا لمحتويات الكتاب والمعاني التي يتضمنها.

فللأستاذ "وهيب نديم وهبة" والفنانة "صبحية حسن" خالص الثناء والإطراء، وأطيب التمنيات بدوام التوفيق والعطاء المقرونة بالتقدير والاحترام، وكذلك لما قامت به الأديبة "بروريا هورفيتس" من ترجمة مرافقة للنص العربي في الكتاب، وما قدمه الدكتور "صفا فرحات" من تدقيق ومراجعة لغوية للنص العربي.

 

إشارات:

• وطن العصافير: قصة للشبيبة- ضمن مشروع "أدب الشباب" للشاعر الأديب – وهيب نديم وهبة.

• الرسومات: للرسامة المبدعة "صبحية حسن".

• صدرت الطبعة الأولى عام 2014 - عن دار الهدى- كريم.

• الترجمة إلى لغة أجنبية عام- 2014.

• وطن العصافير - ضمن مشروع مسيرة الكتاب في المدارس.

• تم مسرحه " وطن العصافير " على خشبة المسرح عام- 2015.

 

الناقد والشاعر الدكتور: منير توما

البياتي إلماماً بين باب الشيخ والحلاج وابن عربي فمقبرته

karem merzaفي 21 ربيع الثاني 1420 هـ الموافق 3 آب 1999م توفي الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي، وكان قد أوصى قبل وفاته أن يدفن قرب ضريح المتصوف الشهير محيي الدين ابن عربي (1) على سفح جبل قاسيون، إذ أقيم للشيخ الأكبر مسجد كبيرا حول ضريحه، يزوره المسلمون من محبيه ومريديه وعاشقي طريقته التصوفية (وحدة الوجود) التي تعتبر الله هو الوجود الحق، متأثرين بالفكر الحلولي و التي استقر عليها البياتي أواخر حياته، بعد أن تخطى فلسفة القناع الحلاجية، كما جاء في دعوته للثورة في (بستان عائشة) 1989م، وما عائشة إلاّ محبوبته الأبدية، يستخدمها رمزا للحرية والثورة، وأحياناً يستعير عشتار بدلا منها، وذلك بمدلولات عميقة، و بإيجاز شديد، ينعت الشهيد:

يتوهج في نور المشكاة

متحداً في ذات الله

لا يفنى

مثل شعوب الأرضْ

يتحدى في ثورته الموتْ

ولا تفوت القارئ الكريم إشارته في " متحداً في ذات الله " إلى الفكر الحلولي وبيتي الحسين بن منصور الحلاج (قتل 309 هـ / 922م):

أنا من أهوى ومن أهوى أنا *** نحن روحان حللنا بدنا

أدنيتني منك حتى *** ظننتُ أنّكً أنّي

تأثر البياتي بالمتصوفين والزاهدين الإسلاميين، كما يذكر هو في كتابه (تجربتي الشعرية)، ومما أورده في دواوينه ممن تأثر يهم، أمثال الجامي، وجلال الدين الرومي، والسهروردي، والخيام، والشافعي، وأبي العلاء المعري، إضافة إلى الحلاج وابن عربي وغيرهم، وسنمرُّ على قصيدة البياتي الموسومة " عين الشمس أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق "، وذلك في ديوانه " قصائد حبٍّ على بوابات العالم السبع " الصادر عام (1971م)، لنبين مدى تأثره بابن عربي اقرأ معي:

فكلُّ اسمٍ شاردٍ وواردٍ أذكرهُ، عنها أكني واسمها أعني

وكلُّ دار ٍفي الضحى أندبهُ، فدارها أعني

توحد الواحدَ في الكلِّ

والظلُّ في الظلِّ

وولد العالمَ من بعدي ومن قبلي

يتكلم الشاعر بلسان ابن عربي، بل يوظف عبارة له على سبيل التناص:" فكلّ اسمٍ أذكره، في هذا الجزء فعنها أكني، وكلُّ دار ٍأندبها، فدارها أعني " (2)، فكرة الحلول، ورؤية وحدة الوجود السرمدي يتجلى في النص تماماً، وشاعرنا مرة يحقق التناص لأقوال متصوفيه، وتارة يلمح بإشارات موجزة، أو بإشعاعات موحية، ولكن بإسلوب متجدد معاصر.

مهما يكن من أمر، نُفذت وصيته، سيان من قبل عائلة الفقيد - ولا أعتقد أنها كانت - أو السلطات السورية التي كانت تحيطه برعاية تامة واهتمام خاص، ولكن بدرجة أقل مما حظاه الجواهري عندهم، وهذا قد غاض النظام العراقي الأسبق وسيده المطلق، أما السوريون فكانوا يعرفون من أين تؤكل الكتف ! ومن الإنصاف والعدل أنْ نذكر أنّ البياتي قد مدح الجواهري إبان مكوثه في دمشق بقصيدة سينية عمودية رائعة، لا تتجاوز أبياتها اثنتين وعشرين - إن لم تخني الذاكرة - و قد حضرت تشييعه، ومراسم دفنه في أراض وعرة خلف مسجد المتصوف العربي، إذ توجد مقبرة صغيرة، وإلى جوارها مقبرة (زين العابدين)، ودعتني بعد ذلك وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السورية رسمياً لتقديم بحث أو قصيدة عن الشاعر الرمز في حفل تأبين عالمي للبياتي الكبير، وكنت قد كتبت عنه وعن شاعريته من قبلُ - (1994م) - عدة مقالات، ونشرت في الصحف، ولكن في هذه المرة حدد الموعد بعد التاريخ الذي حددته هيئة الأمم المتحدة لهجرتي، وظروفي وظروف عائلتي لم تكن تسمح لتجاوزه، ولا أعرف من الأمر شيئاً بعد ذلك .

وعلى ما يبدو لي أن البياتي قد لبى الدعوة السورية للإقامة في دمشق في سنة (1997م)، إمّا لضغوط مورست عليه لمدح رئيس النظام الأسبق في ظروف لا يحسد عليها العراق، وإن كان قد جعل رئيسه اسطورة التاريخ في قول عابر له أيام الوجد " هو الذي رأى كلّ شيء "، لكن سرعان ما قلب السحر على الساحر في (قصيدة العراء)، لمّا عرّى الشعراء المخصيين، وهتف " يموت الديكتاتور، ويبقى ا الشعراء" ! ومَنْ نعته بـ (الدمية)، كان الأجدر أن يعرف نفسه، وينعت بها غيره وغيره، فهذا ظلم لأن دواوينه لا تتسم بهذا الوصف، وإنما بالواقعية والواقعية الاشتراكية والإسطورة والصوفية والعولمة الإنسانيه، ووظف العشرات من قصائده لنصرة المظلومين والفقراء والمعدمين والكادحين، هذا الغالب الأعم، أقول قولي هذا وأنا غير ملزم بقبول كل ما يراه ويرتأيه متفلسفاً أو متصوفاً أو مفكراً، المهم وجد نفسه في وضع حرج، وهو رجل كثير التوجس، شديد الإحساس، قلق الشعور، شأنه شأن معظم الشعراء الكبار، أو وجّه وجهه شطرالشام لينهي حياته فيها جنب إمام متصوفيه، بعد أن قدم إليها من بغداد قاضياً فيها ثلاثة أشهر، إثر عودته من عمان الأردن، على عكس الجواهري الذي تشبث بالعودة إلى العراق أواخر حياته ليدفن في وطنه، ولكن لظروف غامضة لم تتحقق رغبته، وأهله أدرى بالأمر مني، وبياتينا قد ألمح منذ 1971م بدون وعي منه إلى قبره في دمشق و قاسيونها، وابن عربيّه ورحلته الأبديّة قي قصيدته السابقة (عين الشمس)، وصدق حدسه في قوله:

عدتُ إلى دمشق بعد الموت

أحملُ قاسيون

أعيدهُ إليها

مقبلاً يديها

فهذه الأرضُ التي تحدها السماءُ والصحراء

والبحر والسماء

طاردني أمواتها وأغلقوا علي باب القبر

وحاصروا دمش

وليست غريبة على شاعرنا عبد الوهاب أحمد البياتي هذه الأجواء، فلقد كانت ولادته سنة (1926م / 1345هـ) في محلة باب الشيخ قرب ضريح الشيخ المتصوف الشهير (عبد القادر الكيلاني) (3)، وهي من محلات بغداد الشعبية، ويقول البياتي نفسه عن حيّه " كان الحي يعجُُّ بالفقراء والمجذوبين والباعة والعمال والمهاجرين من الريف والبرجوازيين الصغار، كانت هذه المعرفة هي مصدر ألمي الكبير الأول "، والحقيقة أن الرجل كان يشعر بالأضطراب والخوف المرضي وتفاهة الحياة والكآبة والحزن، ولكن الحزن لا يسكبه على شكل آهات ودموع كما تصبه نازك الملائكة، وإنما يجعل من نفسه شهيداً حلاجياً، كما أسلفنا، أو يتخذ من سيزيف رمزاً للجهود الإنسانية الضائعة:

الصخرة الصماء للوادي يدحرجها العبيد

" سيزيف "يبعث من جديد من جديد

في صورة المنفي الشريد

التراكمات اللاشعورية الطفولية التي خزنت في عقله الباطن أخذت تتجلى أفعالاً وأقوالاً، نلمسها في سلوكه وكتاباته، بالرغم من أنّ عائلته كانت متوسطة الحال اقتصادياً، إذ كان أبوه يبيع المواد المنزلية في دكان له في سوق (الصدرية)، كما سمع زميله في الدراسة الأستاذ فؤاد التكرلي، وذكر ذلك في صحيفة (الشرق الأوسط) (4)، ومما يؤكد خبر التكرلي ما ذكرته الدكتورة ميسون البياتي، وهي ابنة أخيه السيد عبد الرزاق - في مقال لها في (الحوار المتمدن) بأنّ والدها (تولد 1928م) وعميها الآخرين عدنان (الأصغر) وعبد الستار (الأكبر)، كانوا تجار مواد غذائية، بل تزيد أنّ عمها الأخير عميد أسرتهم كان نائباً لرئيس غرفة تجارة بغداد، وله أختان وهما السيدتان مريم وخديجة، وزوجته السيدة هند نوري، وابنه علي، وابنته نادية التي توفيت في امريكا عام 1991 م والأخرى اسمها أسماء والبقية لم تذكرهم، ولم تخف أن عائلتهم كانت ذات ميول شيوعية، والدليل إسقاط الجنسية العراقية عن الشاعر عام 1963م عقبى رفضه العودة من موسكو(5)، ربما الميول تغيرت من بعد، لأن الشاعر وبعض أقربائه المخصوصين تسنموا عدّة مناصب تعتبر للمحظوظين في الدولة والمجتمع ... على العموم أنا لا يهمني هذا كثيرا، ولا تهمني العلاقات والميول والأتجاهات والمشاحنات والقيل والقال والسلوك الشخصي للمبدع، إلا إذا أثرت هذه الأمور على مسيرته الإبداعية، وحق المجتمع، أو الضرر بالشعب، وهذا ما سرت عليه في كل بحوثي عن العباقرة والشعراء الملهمين قديماً وحديثاً، فالمصالح الشخصية من طبيعة البشر، (وأين عن طينتنا نـُعدي ؟)! كما يقول ابن الرومي، وقد ذكرت في مقال سابق أنّ العبقرية حالة غير مستديمة في الفرد، إذ سرعان ما يعود المتميز إلى حالته الطبيعية وسلوكه المعتاد، والناس الذين لا يدركون هذه الحقيقة يندهشون ويختلفون حولهم، وما أنا بمندهش، ولا أتعب نفسي بنبش خصوصيتهم لعلمي أنهم بعض الأنام، لهم محاسنهم، وعليهم مثالبهم .

ولم أرَ أنّ البياتي قد وظف شعره ضد مجتمعه لمصالح شخصية، في مجتمع اختلطت فيه الثقافة بالسياسة جبراً، فالرجل عاش معظم حياته مغترباً متنقلاً حاملاً راية الثقافة بدليل شهرته - مع علمي بالمناصب الوظيفية التي شغلها - واستطاع بذلك أن ينقل الشعر العربي إلى آفاق عالمية، ووثق علاقاته مع شعراء عالميين كبار، وتذكر الدكتورة ميسون، قد أطلق اسمه على شارع ومكتبة في مدريد .

نعود والعود أحمد، والحديث شجون البيئة الطفولية بشموليتها وبمراحلها الثلاث، هي التي تعكس بعض ملامح شعر الشاعر، لذلك ترى مثلاً اختلافا بيّناً بين شعري السياب والبياتي، بل بين سلوكيهما أيضاً، وهذا أمر بديهي، لقروية الأول ببساطتها الطيبة، وطبيعتها الخلابة، وجداولها الجارية، وبساتينها الثرة، وتبغدد الثاني بجوها الصاخب وتعقد علاقاتها، ومجد تراثها، ونيران حرّها، يقول وهابها فيها:

ولدت من زبد البحر

ومن نار الشموس الخالده

كلما ماتت بعصر بعثت

قامت من الموت وعادت للظهور

أنت عنقاء الحضارات

وأنثى سارق النيران

في كل العصور !

وإذا أردت المقارنة بين شعري الشاعرين الخصمين في فرض الوجود على الموجود، إليك ما يقول السياب وتأمل ولا تفضل، فالعراق هو الأفضل !

بويب

بويب

اجراس برج ضاع في قرارة البحر

الماء في الجرار، والغروب في الشجر

وتنضح الجرار اجراسا من المطر

بلورها يذوب في انين

بويب يا بويب

فيدلهم في دمي الحنين

اليك يا بويب

يا نهري الحزين كالمطر

2 - في تعليق على تعليق لما كتبته سابقا، ذكرت أنني لست بدارس لشعر البياتي الكبير، ولا بباحث في تعلقه بمتصوفيه، وفلسفته، وتوجهاته، ولكن مرّت ببالي خاطرة من خلال قراءتي لـ (مذكرات رجل مجهول)، ولتجديد دعوة للشعراء العراقيين سبقني إليها من سبق، سنأتي عليها في الحلقة الثالثة - بإذن الله - وكنت قد كتبت عن القصيدة وشاعرها من قبل، ولا بد للتجديد من تمهيد، و بياتينا يستحق المزيد، فشرعتُ بحضوري تشييعه ومدفنه يوم وفاته - رحمه الله - ووصيته، وحدسه في أنْ يقبر بدمشق، ولا ريب من الضرورة بمكان أن أستشهد لماماً بأشعاره الصوفية، وشعره في حدسه، ومما يحزّ في القلب أن يدوس ممن يحسب نفسه من كبار الشعراء - واستلم أوسمة الإستحقاق الممتازة من دول - على هامة عملاق من عمالقة الشعر العربي المتجدد، بل العالمي بعد وفاته، كلمات ثعوزها المروءة والأخلاق، و للعلم أنا لا أعرف البياتي شخصيا ولا واحداً من مخصوصيه وكأنما الرجل يستصغر عقول القراء الكرام ومتعدياً على مروءتهم، ومعرفتهم بخفايا الأمور، فيريد أن يفهمنا قول المتنبي العظيم دون أن يتفهمه:

ويدفنُ بعضنا بعضاً وتمشي *** أواخرنا على هام الأوالي !!

ولو جاء هذا الأمر من عامة الناس لما أوليته هذا الاهتمام، وكاتب هذه السطور قد ألف محاولة بسيطة عن العبقرية وأسرارها مستشهداً بعباقرة الدنيا ببعديها الزمكاني، وضمن كتابه عن ضرورة تمجيد أفذاذنا قول العقاد العظيم " فماذا يساوي إنسانٌ لا يساوي الإنسان العظيم شيئاً لديه، وأي معرفة بحقٍّ من الحقوق يناط بها الرجاء إذا كان حقّ العظمة بين الناس غير معروفة " (6)، ومرادي من التكرار تذكير المأمول في العقول، ولأنّ دنيانا تسير بالمقلوب، وكلّ جهدنا مسلوب، وتقع المسؤولية التاريخية لتصحيح المسار المطلوب على عاتق المثقف الموهوب، والسياسي المرغوب !، وليس على كاتب هذه السطور المغلوب ....!! ولأن - مرة ثانية - الإشارة لا تفعل فعل الحجارة ! والنيل من عبافرة العراق ورجالاته الأفذاذ في جميع المجالات، لا يجوز السكوت عنه مطلقاً، بل تعتبر جريمة أخلاقية وتاريخية ووطنية لمن يفقه سبب تخلفنا الرهيب واقتتال أبنائنا، و يعرف الوطنية الحقة المقلوبة، وتعب الأيام، وسهر الليالي، والإصرار والتفاني والتضححية والأخلاق، فناهيك عن قدمائه . خذ من معروفه وسيابه وشبيبه ويعقوبه وعبد جباره وسليم جواده ومقتل بدريه وذبح السيد صدره حتى بياتينا وجواهرينا... نعم نتذكرهم بعد مماتهم - والحمد لله - بمقالات عاجزة، وبحوث غير نافذة !! وفي يومنا الحاضر هنالك العشرات من الفنانين والاكاديميين والتقنيين والعلماء والشعراء يجوبون هذا العالم ...وهذه الدنيا... في داخل العراق وخارجه، لا يسأل عنهم سائل، ولا يبالي بهم عارف، وهم ممن لا يحتاج إلى تعريف... والأمم، بل الإنسانية جمعاء، لا تنهض شامخة عامرة إلا بعظمائها الكبار، يقول رالف والدو إمرسن (1803- 1882، وهو من أكابر أساتذة الحكمة والفلسفة وأعلام الأدب في التاريخ الحاضر (امريكي) في كتابه الشهير (ممثلو الإنسانية) " ربطتْ الإنسانية مصيرها في جميع العصور بأشخاص قلائل، كانوا جديرين بأن يكونوا قادة أو صانعي قوانين وشرائع، ومع كل عقل جديد يتجلى سرّ جديد من أسرار الطبيعة ... ويكفي وجود رجل عاقل حكيم بين جماعة من الناس ليصبحوا جميعاً عقلاء حكماء، فأن العدوى حين ذاك سريعة، والرجال العظماء قطرة تزيل من عيوننا عواشى الأنانية ... " ولا تتخيل الذي مات منهم قد فات، فيواصل إمرسن - وهذه المعلومات لم أدرجها في كتابي عن العبقرية لتكثيف مواضيعه - قوله " والعبقرية الإنسانية هي وجهة النظر الصحيحة في التاريخ، فالصفات تبقى مرتسمة على جبين آخر، وإن رحل أصحابها، وقد وجد الرجال العظماء ليكونوا مدرجة لظهور رجال أعظم منهم ..." وببساطة البقاء للنوع لا للفرد، والنوع بعظمائه القلائل، فلا تبخسوا رجالكم حقوقهم يارجال، ويقول جلّ شأنه " ولا تبخسوا الناس أشياءهم ..." (الأعراف 10)، بمعنى أخر لا تثبطوا العزائم، وتضعوا العراقيل أمام عقول الوطن . وأفكارإننسانه، وإلا سنبقى آخر الأمم ... قليلاّ من الوفاء والحياء يا مسؤولي العراق في حميع عهوده..!! ولو أن الله منح العبقرية عزيمة لا يزعزها مزعزع، والرياح لا تجابه الجبال، ولكن وقفوا لها بالصيد والمرصاد ! ربما تقول كلّ هذا عن البياتي ..نعم بكل تأكيد عن البياتي كرمز للعبقرية، ومثله مثلهم، وللتوعية والتذكرة !

نعود لبياتينا الكبير، دخل الصبي مدرسة (باب الشيخ الأبتدائية) في في منطقة (شيخ رفيع)، وفي سنة 1939 م، كان في السادس الأبتدائي ()، يذكر هذه المعلومة الأستاذ فؤاد التكرلي الذي يذكر أنّ مدفنه في مقبرة السيدة زينب بدمشق، وهذا المعلومة غير صحيحة، بالرغم من أنها حديثة العهد وشهيرة، وعلى أغلب الظن وردت سهواً، ولكنها تجعلني غير مطمئن تماما لتواريخه، ويستطرد التكرلي أنه في سنة 1943 م كانا في الثالث المتوسط في (متوسطة الرصافة للبنين) بمحلة السنك، ويلمح أنه كان انعزاليا منطويا على نفسه قليل الأصدقاء(8)، وهنا يجب التأمل قليلاً، فالمرحلة حساسة في كبت العقد النفسية في العقل الباطن، هل هذا الانطواء والانعزال جاء عقبى اشمئزازه من أصحابه كردّة فعل لتصرفاتهم السيئة ضده، أم لزهوه واستعلائه عليهم، لأن هنالك كلمات هجائية قاسية وردت بشعره على صيغة شتيمة وسخرية (خصي ...كلب ...ضفدع ...بوم ...إلخ)، بل كان مشاكساً مع زملائه من الشعراء الكبار، ويرى يجب فرض قصائده بالقوة، ويدافع عنها بشدة - مهلا سنأتي على السبب -

وعلى ما يبدو لي مما ذكره التكرلي، إنَّ البياتي، أمّا دخل المدرسة متأخراَ بسنة لظروف مرحلة بديات ثلاثينات القرن الماضي، أو لحالته المادية التي لم تساعده، وإما تأخر سنتين في مرحلتي الأبتدائية احتمالاً والمتوسطة حتماً، تخرج من (الإعدادية المركزية)، الفرع الأدبي سنة 1945 م، ودخل الكلية العسكرية، ولم يمض ِفيها سوى ثلاثة أشهر، وخسر سنة ثالثة، لإنشغاله بالشعر همه الأول والأخير، والشاعر بطبعه لا يميل إلى الالتزام، لأنه يحدد من حريته، والحرية أساس الإبداع والإلهام، وتخرج من دار المعلمين العالية (1950 م) فرع اللغة العربية مع زميلته الشاعرة لميعة عباس عمارة، وكان هو والسياب ونازك وبلند الحيدري من الرواد الأوائل للشعر الحر (شعر التفعيلة ثم انشقت منه قصيدة النثر حتى وصلت للومضة) (9)، وفي سنة تخرجه أصدر ديوانه الأول (ملائكة وشياطين)، واشتغل مدرساً بعد تخرجه لثلاث سنوات، ثم اشتغل بالصحافة والإعلام، ونقف عند هذا، لأنّ لنا موقفاً بعد هذا !

وأرغب أن أعرج على العنوان الذي صدّر الأستاذ التكرلي به مقاله " شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء اسطورته الشخصية " (10) ومن وجهة نظري كان الأجدر أن تبدل كلمة (الشخصية) بـ (الشعرية)، لأن الأولى ربما مثلبة، والثانية حقـّاً منقبة، وهنالك خيط رفيغ للفصل بين تمازجهما، وعلينا أن نميز بين العباقرة، ومن العباقرة الشعراء الملهمين، وبين الأبطال، ومن الأبطال الديكتاتوريين، فالفرق أحياناً كبير في السبل التي يسلكونها لتحقيق غاياتهم، يرى العقاد في (تعريفه بشكسبير): " وكلا البطل والعبقري معذور في عنفه وإصراره وانطلاقه إلى الغاية التي لا محيد عنها، لأنهما يطلبان ما ينفع الحياة والأحياء، ولا ينفعهما إلا بمقدار ما يحققان من تلك المنفعة الباقية، غير أن البطل والعبقري قد يتفاوتان في هذه الخميلة، فإن البطل قد ينحرف عن الجادة الكبرى مرضاةً لكبريائه وسلطانه، ولا يكترث العبقري لجاهٍ أو سلطان إذا حادا عن غايته، وهي خلق الأمثلة الجديدة والقيم البديعة في أحلام الناس، ثم في واقع الحياة " (11)، وهذا ما يعبر عنه البياتي في قصيدته (الموت و القنديل):

صيحاتي وأنا أتسلق أسوار المدن الأرضية

أرحل تحت الثلج أواصل موتي (...) حيث

الموسيقى والثورة والحب وحيث الله .

وكل شاعر وعبقري يصارع من أجل أسطورته الأدبية وأكثر، وأتينا الآن على ما فات من أسباب، والموضوع يتجلى في تاريخنا، وتاريخ الأمم الأخرى، بالقخر وهجاء الأنداد، والمساجلات والمعارك الأدبية، والأدب يتسع للجميع، وينادي هل من مزيد، وسناتي بالأمثلة، لتلطيف الأجواء، وزيادة الإثراء، ثم نعلق هل نسيتم تناقضات الفرزدق وجرير، يقول أولهما للثاني:

يا ابن المراغة كيف تطلبُ دارماً *** وأبوكَ بينَ حمارةٍ وحمارِ ِ

فيجيبه الثاني على سبيل الفوز والغلبة، والدافع الصراع:

هو الرجس يا أهل المدينة فاحذروا *** مداخل رجس ٍبالخبيثات عالم ِ

ومات الفرزدق 110هـ على رواية، فرثاه جرير أشجى رثاء، والسبب انتهى شعره المتجدد، والصراع - وبكلمة أرقى التنافس - تفرضه الحياة على البشر، وهذا البشرالطامح للخلود السرمدي، ينظر إلى الأبعد والأبعد، ويتوجس بغريزته من الندّ ليس على مستوى الحياة فقط، بل وعلى طول الممات، البحتري وصل إلى قصور الخلفاء، وأصبح شاعر القصر الجعفري في سامراء (والأصح لغوياً سرّ من رأى)، وكان يجالس الخليفة المتوكل ووزيره الفتح بن خاقان، ومن جاء بعدهما، وكان معاصره ابن الرومي موسوساً فقيراً مسكينا متطيراً، هجا البحتري بقصيدة، لأنّ الأخير كان يحط من منزلته وشأنه وضعفه، قال ابن الرومي من قصيدته:

الحظ ُّ أعمى ولولا ذاك لم نرهُ *** للبحتري ّ بلا عقل ٍ ولا حســب ِ

وغدٌ يعافُ مديح الناس كلهمُ *** ويطلب الشتم منهم جاهدَ الطلب ِ

البحتري على سمو رفعته الرسمية والإجتماعية وشهرته - ابن الرومي اشتهر بعد موته - لم يغفر لهذا المسكين البائس، أرسل إليه تختاً يحتوي مواد غذائية وملابس وكيس دراهم، وفي داخل التخت بيتان من الشعر تنمان عن اللؤم والحقد:

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتي كلابهُ

إنًّ مَن لا أعزّهُ *** لعزيز ٌ جوابه ُ

والبحتري على أغلب الظن كان يهابه شعرياً، وهذه فلتة لسان لا تعبر على اللبيب .

دعونا عن طغيان المتنبي لبناء اسطورته بالليل والخيل، وأيّ محل ارتقي، والدهر من رواة قصائدي، وأبي العلاء المعري، وإني وإن كنت الأخير زمانه، والا في سبيل المجد ما أنا فاعلُ، لنصل إلى حافظ إبراهيم وصراعه مع أحمد شوقي، فلم تـُعطَ الإمارة إلى شوقي حتى نال حافظ شهادة شاعر النيل، ولو أنّ الأخير أول من بايع الأول !!، ومن الطريف أنّ حافظ هجا شوقي بتورية:

يقولون: إنَّ الشوقَ نارٌ ولوعة ٌ ***فما بال (شوقي) اليوم أصبح بارداً؟ !

وما أراد الشاعر شوقه، وإنّما أراد (شوقيه)، فرد شوقي الصاع بصاعين بتورية أقسى:

حمّلنا الإنسان والكلب أمانة ً***فخانها الإنسانُ... والكلبُ (حافظ ُ)

أما المعارك الأدبية والشخصية بين الزهاوي والرصافي، و التي أشعل فتيلها أحمد حامد الصراف ببعيدة عن الأذهان، قد استمرت حتى وفاة الزهاوي 1936م .

والبياتي من هؤلاء بالطبع يريد أن يبني اسطورته الشعرية والأدبية من أجل الخلود، وما عساه أن يفعل ؟! هل يدور خائباً يلاحق الشمس أنـّى تدور، بلا دور سوى التقصير والقصور ؟ ويكون كما يقول المثل الجاهلي الذي استشهد به الجواهري مرتين (كحامل التمر من جهل إلى هجر ِ)، أم أنّه يسابق الريح، ليأتي بجديد مريح، فليسرق النار من الألهة كسارق نبيل، ويقدم الحكمة والعلم والرؤية الصائبة للأجيال والأنام، وليلعنه من يلعن من الأباء في الظلام !! كما فعل الإله الجبار (بروميثيوس) الأغريقي المحب للبشر، فغضبت عليه الألهة في أسطورته ! هذا التنافس والصراع بين العملاقة لسرقة النار - وإن كان فيها نرجسية - يخدم الأدب والإنسانية، وإلا فالسكون جمود خمول، والجهد الضائع نتاجه تراب مبذول، وقالها البياتي في قصيدته (سارق النار):

داروا مع الشمس فانهارت عزائمهم

وعاد أولهم ينعي على الثاني

وسارق النارِ لم يبرح كعادته

يسابق الريح من حان إلى حان

ولم تزل لعنةُ الآباء تتبعه

وتحجب الأرض عن مصباحه القاني

وحدي احترقت ! أنا وحدي ! وكم عبرت

بي الشموس ولم تحفل بأحزاني

إني غفرت لهم إني رثيت لهم

إني تركت لهم يا رب أكفاني

وما علي إذا عادوا بخيبتهم

وعاد أولهم ينعى على الثاني

ولعلك تسألني، ألم تقل أن الأدب والشعر والفن يتسع للجميع، فلماذا التنافس والصراع لسرقة النار، وبناء الأسطورة ؟!

عزيزي - القارئء الكريم - هنالك خصائص للعبقرية والشعراء الملهمين و الفنانين الكبار، ذكرتها في كتابي (للعبقرية أسرارها ...)، وهي تنطبق على معظمهم، أنا لا أحتاج ألى معرفة الجواهري وذويه، ولست ملزماً بصداقة البياتي والتقرب إلى متعلقيه، لأكتب عنهما، وأحلل نفسيتهما، واتفهم سلوكهما، وإلا لحتاج الناقد أن يخترق كلّ الأزمنة، ويجوب جميع الأمكنة للكتابة عن أفذاذ العالم، العقاد والمازني كتبا عن ابن الرومي، وقد جاءا بعده بأكثر من ألف ومائتي عام، والدكتور طه حسين كتب عن المتنبي بعد ألف عام، وذلك لأن الشعر هو الشاعر نفسه، والكلام صفة المتكلم . إضافة لما تزودنا به علوم النفس والاجتماع والتاريخ، نعم قد نحتاج المتعلقين بالقصائد الضائعة، والمعلومات الخصوصية عن البيئة والسلوك الشاذ عن شذوذ العباقرة لاستنباط أشياء جديدة، ومعلومات مفيدة، يفهمها من يفهمهم بعد تطابقها أو مقاربتها لسلوك عباقرة آخرين .

التسابق للسعي وراء بنا الأسطورة، تقف وراءه (الأنانية) التي تبدأ مع ولادة الوليد بشكل غريزي لاستمرار الوجود، ثم عندما يتطور الأحساس غير المدرك إلى الذاتية المدركة، تتمركز الأنانية حول ذاته، وأخيراً تخفت تدريجيا كلما ازداد تصادمه مع إرادات الأخرين حتى يندمج مع المجتمع ويصبح جزءًا من كيانه، أما الشاعر الملهم والعبقري الفنان تبقى غريزة الأنانية قوية لديه، فلا تستغرب عندما يبالع في نتاجه، ويزهو بنفسه، ويشتد عناده، ويتمسك بأصراره ويبحث عن مراده لبلوغ أسطورته، لا يلتفت إلى يمين أو شمال سيان على المستوى الفردي أوالمستوى السلطوي بأتجاهاته المختلفة ! ولكن متى وقع تحت وطأة الآخرين، وقسوة الأقدار تنحرف عبقريته عن مجالها الإنساني الشمولي (12)، لذلك يقول دافيد ديتشير " التعبير عن الذات في الفن لا قيمة له إلا إذا أضاء الفنان في التعبير عن نفسه بعض التجارب الإنسانية، أي يجسد تجربة ما مرتبطة بالتجربة العامة للناس وبالتالي ذات قيمة موضوعية " (13) وت . س . إليوت يذهب أبعد من ذلك، فهو يرى " الشعر ليس إطلاقاً لعنان الانفعال، بل هروب، وليس تعبيراًعن الشخصية، بل هروب منها " ثم يزيد قائلاً " إنّ تقدم الفنان ما هو إلا دأبه على التضحية الذاتية، أي دأبه على محو شخصيته "، وهذه المقولة قد تتبناها بعض المدارس الشعرية الغربية، ومال إليها عدة شعراء عرب كبار، المهم متى ما استطاع الشاعر الملهم أن يوازن تماماً بين الحقائق الخارجية والوجدان، وهذا ما يطلق عليه بالمعادل الموضوعي (14)، استطاع أن ينبثق ويشق طريقه نحو الخلود، وهذا ما تأثر به شاعرنا الكبير البياتي الذي جاب الدنيا مشرداً ومنفياً ومتنقلاً ومتأثراً بشعراء عالميين كناظم حكمت وروفائيل ألبرتي وبابلو نيرودا وغيرهم، ومعجبا بنضال وإصرار وتضحية الشاعر الأسباني الكبير عارسيا لوركا حتى القتل على يد قوات الديكتاتور فرانكو، لذلك يعتبره الناقد المصري المعروف رجاء النقاش شاعراً عالمياً يكتب باللغة العربية، ورشحه لجائزة نوبل، وهو محق في رأيه، وفيما أحسب أنـّه أكثر الشعراء العراقيين، وربما العرب، ترجمت أشعاره للـّغات الأجنبية، ولكن أرى السياب وقباني والجواهري ونازك أقرب للأذن العربية، بسبب ضعف الإيقاع الموسيقي عند البياتي إلا عند الحداثويين، والناس أجناس، يقول شاعرنا في قصيدته (الموت في البسفور، التي نظمها في اسطنبول بتاريخ 4 / 11 / 1973، إلى ذكرى صديقه ناظم حكمت:

بعدك كان الموت والفراق في استامبول

يمارسان لعبة المنتظر المخدوع

(منورٌ) تزوجت ورحلت

والآخرون أحرقوا الجسور (15)

توفي ناظم حكمت في 3 حزيران 1963 في موسكو، ومنور زوجته الأولى، تزوجت بعد وفاته ورحلت .

ومن أسرار العبقرية الملهمة للفنان والشاعر، بقدر ما تكون الأنانية عنده قوية لأبراز الذات في سبيل الخلود، وتراه يفخر بعمله، ويزهو بنفسه، ولا يكترث لغيره كما أسلفنا، تدفعه للإصرار والتفاني لتكملة المشوار، أناء الليل والنهار، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، إذا اقتضى الأمر في سبيل الحق العام، والعدل التام، ربما لا تحدّه حدود، ولا تصده سدود إلا الحنان على الأبناء، فلا يستطيع تجاوزه، فهو خط أحمر، لايستطيع تجاوزه لتعلقه بحياة الأقربين، والبياتي ناضل نضالاً مريراً في سبيل الشعر، وهذا أكسبه شهرة كبيرة عربياَ ولعله فاق الشعراء العرب عالمياً. ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ!!

3 - الدكتورصلاح خالص ودعوته أواخر 1953م ... والدعوة الجديدة لمدرسة واقعية أخرى حسب الظروف الموضوعية الحالية !!:

أسرار الحياة عجيبة غريبة، واللبيب من يكتشفها، ويشير إليها ليسجل نقطة لصالح الإنسانية، وهذا شأن العباقرة التي بنيت الحضارة على عاتقهم في جميع المجالات المهم أنّ الأمور عابرة عليك وتعرفها، فمن منا لا يعرف " على قدر أهل العزم تأتي العزائم " ومن منا لا يعرف " لكلّ جديد لذة " ومن منا لا يعرف " لكلّ امرئ من دهره ما تعوّدا " ومن منا لا يفقه، وهم قلائل في التاريخ البشري، ولا أريد أن أضرب الأمثلة والمشوار قصير، ولكن كم من مليارات أفراد النوع الإنساني مثل أرخميدس وحمامه، والخوارزمي وجبره، وابن خلدون ومجتمعه ونيوتن وتفاحته، والمتنبي وحكمته، هنا أرغب أنْ أنوّه عن الشعر و أود أنْ أشير ليس " أمس الذي مرّ على قربه ....يعجز أهل الأرض عن رده " ولكن العبقرية تكمن في الإشارة إليها، وتسجيلها، والمضحك أننا ننبهر بها ونصفق لها، ونقول: إننا نعرفها ونتوهم بساطتها، نعود لشكسبير ولغته، وابن رشد وديكارت ...و شكهما المنهجي وآدم سمث واقتصاده الذي بناه على التنافس والأنانية، والأنانية إحدى ألعوامل الرئيسية لنجاح رجال الأعمال الكبار، ولفرض هيمنة دول على دول أخرى، وفي الوقت الذي نادى في عصر التنوير توماس هوبنز بدكتاتورية السلطة لتحقيق العدل والمساواة على أساس الإنسان شرير بطبعه، ولولا السلطة الصارمة لسادت شريعة الغاب، و ذهب جون لوك وجان جاك روسو إلى أن الإنسان خير بطبعه، وكانت الأخلاق سائدة في عصر المشاعية الأولئ في القدم، وطالبوا بالحرية الشخصية للفرد، و يجب وضع عقد اجتماعي بين الفرد والدولة لتطبيق القوانين، وتحديد الحرية الشخصية بحيث لا تؤثر على حرية الآخرين، وعلى فلسفة جون لوك ومريديه سارت آمريكا، وعلى آراء وفلسفة جان جاك روسو وأشياعه خطت فرنسا خطواتها، أما الإسلام سبقهما مذهباً وسطاً، وإن قدم الفجور على التقوى، ولكن أعطى الإنسان عقلاً ليتحكم في سلوكه، ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (الشمس 7 - 8)، والعقل نادى به العرب والمسلمون قبل غيرهم من المعتزلة حتى أبي العلاء المعري، والشيعة رفعوا علم الأجتهاد لا القياس، لعلمهم أن الزمان يتطور وما هذه المقدمة البسيطة إلا لكي نصل إلى أن العبقرية أنانية تحتاج إلى الحرية والعقل للإبداع، إذ أن العقل يتدخل ا للتوازن المقبول اجتماعياً حين الأنحراف أو التمادي، ومن دراسة الغرائز الأساسية في علم النفس على الكائنات الحيوانية ومنها الإنسان، وجد(بافلوف) ترتيب االغرائز من الأقوى للأضعف تأتي كما يلي: 1 - الأمومة 2 - العطش 3 - الجوع 4 - الجنس، (ومنهم من يضع الجوع قبل العطش)، وهذا لايهمني، تهمني الغريزة الأولى: الإمومة وتقابلها الأبوة عند الذكر، وتتولد عقبى إفراز هرمون البرولاكتين من الفص الأمامي للغدة النخامية، ودافعها تلبية حاجات الأبناء والحفاظ عليهم ورعايتهم ومن هنا يتشكل الحنان المفرط، ويزداد طردياً بازدياد إفراز الهرمون المذكور، أما غريزة الجنس الأخيرة دافعها التملك، وحاجتها تلبية اللذة ومن ثم الإنجاب، والدليل على أن غريزة الأمومة (الأبوة) أقوى، إذا تعرض الأبناء إلى المخاطر ينسى الوالدان غريزة الجنس، وتضعف لديهما غريزتا العطش والجوع، ومن الجدير ذكره أن الطاقة الجنسية عند الشعراء الملهمين والعباقرة قوية، كأنما تريد الطبيعة أن تعمم صفاتهم الفذة بين البشرية من باب الصراع، والبقاء للأقوى، ولكن (فرويد) يذكر يمكن تحويل الطاقة المتحررة الفائضة للقيام بأعمال أخرى واستغلالها لصالح الفرد كالرياضة وسرعة العمل ...أو إلى جهد فكري أو فني، ومن الفنون الشعر .

وخلاصة القول:إنّ العباقرة والشعراء الموهوبين - ومنهم البياتي - يتمتعون بصفات منها البساطة والطفولية، وإياك أن تعتبرهما سذاجة أو سهولة، بل هم أشد الناس صلابة وإصراراً وتحدياً وتفانياً وزهواً، والأنانية والشرود الذهني أحياناً أمام الأفراد، ولكن تراهم أكثر الناس تضحية في سبيل الحق العام (النوع)، إضافة إلى أمتيازهم بقضية الفوات، أي لا يحملون الحقد وينسون الإساءة إليهم، كأنها مسحت بيد ماح ٍ، وهذا لا يعتبر ازدواجية في الموقف كما يتوهم البعض، بل هو تسامح الكبار، وربما يكونون سريعي الغضب في لحظات معينة، والمعادل الموضوعي للإصرار والتحدي والتفاني في الظروف الأجتماعية أو السياسية الصعبة هو الحنان والعلاقات العائلية، يستطيع الشاعر التضحية بنفسه، ولكن لا يستطيع تجاوز حدوده ليصل إلى التضحية بأفراد أسرته، واستغلت الأنظمة هذه النقطة لصالحها، مظفر النواب انتبه لهذا الموضوغ من باب الترحال والتنقل وسرعة الهروب خفيفاً، ولكن لم يذق طعم الأبوة، ومثلما بررنا للجواهري سكوته في زمن صعب وأتينا بأمثلة تدعم موقفه، وبيّنا مدى تعلقه بأهله: ســـــــــلامٌ كلـّه قبلُ ***كانّ صميمها شعلُ

سلاماً أيّها الأحباب *** إنَّ محبــــــة ً أملُ

وصدر كتابه (ذكرياتي) الجزء الأول:" أُهديه إلى من هم أعز علي من صفو الحياة ...".

تأمل في الكلمة ملياً فأهله أعزّ عليه من صفو الحياة، وبثّ ما يختلج في نفسه من مشاعر وأحاسيس ليريح ويستريح، والشاعر رغم التشكي والتبرم والتشاؤم في شعره حيث يصعب التوازن بين الحق العام ومتطلبات الطموحات العائلية، فنراه يشير إلى ذلك في قصيدته المرسلة للسيد جلال الطالباني الذي حثـّه على النضال بعد الحرب العراقية بثلاثة أشهر قائلاً:

يا صاحبي - ويموت المؤمنون غداً - *** وخالدٌ صدقُ قــــــولٍ ناصفٍ زَمِنِ ِ

حتـّى كأنّي - وأشبـــالي - بعيدهـــــمُ *** عُفـْرُ الأضاحي من المنحورةٍ البُدُن ِ

وكنتُ منهم كمصلوبٍ على وثــــــن *** **ضحى على ربّــــــــهِ يوماً ولم يدن ِ

فلـــنْ أغني بأعـــــراس ٍ مهلهلــــــةٍ *** ** ولنْ أنوحَ علــــــى موتى بلا ثمن ِ

والبيت الأخير واضح ومبين، فلا تضحية بلا ثمن ثمين، يعود مردوده للشعب والملايين، هذا رأيه، والسياب في قصيدته (مرحى غيلان) تطغي عليه غريزة الأبوة:

بابا بابا

ينساب صوتك في الظلام إليّ كالمطر الغضير

ينساب من خلل النعاس و أنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء ؟ أي سماوة ؟ أي انطلاق

و أظل أسبح في رشاش منه أسبح في عبير

فكأن أودية العراق ..."

فلماذا إذن نتساءل عن سكوت البياتي وصمته، بل يرميه البعض - كما رُمي الجواهري والسياب - بالوصولية والانتهازية ؟!!، أنا لست بحاجة للاستفسار من أهله والمتعلقين به عن صمته، وجبره على السكوت أو المغازلة البسيطة، ومدى صعوبة التوازن بين حنانه وتعلقه المفعم بالحب لعائلته، وقوة غريزته الأبوية الفطرية وبين التعبير عن آمال المجتمع وتطلعاته ومآسيه وأمانيه، وربما هذا السر لا يبوح به إلى أقرب مقربيه، فللعواطف المباحة حدود غير متاحة، أنقل إليك من قصيدته (أغنية إلى ولدي علي)، وتخيل مدى عمق الحنان الأبوي المخزون في حنايا القلب المفعم بالغربة والشوق لفراق ابنه ووداع زوجته إبان منفاه في لبنان 1955م:

وَلدي الحبيب

ناديتُ باسمك، والجليد

كالليلِ يهبطُ فوقَ رأسي، كالضباب

كَعُيونِ أمكَ في وَداعي، كالمغيب

ناديتَ باسمك

في مهبِّ الريحِ

في المنفى

فجاوَبَني الصَّدى: ولدي الحبيب

نداء موجع من قلب أب حنون، وحزن رجل لفراق زوج وعيون، جمدت الحياة بوجهه كالجليد، ومستقبل مجهول بين ضباب وسراب، والريح القاسية العاتية لا ترحمه، تعمق غربته، ولم يرد عليه ابنه الحبيب سوى الصدى يجيب ليعصر قلبه ويدمع عينه، ولا تغيب عليك التشبيهات المتتالية المرسلة بوجود أدوات التشبيه (الكاف) . والأستعارات المكنية كالليل الهابط والصدى المجاوب، ونواصل ونعقب:

والقاتلون

يُحْصون أنفاسي، وفي وطني المعذَّب يَسجنون

آباء أخوتك الصغار

ويبشرون بالعالم الحر، العبيد

في هذا المقطع ومنذ سنة 1955م، وكانت الأمور أخف كثيراً مما جاء بعدها من عهود اتسمت بالذبح والقتل وهتك الحرمات واغتصاب المحصنات والتهجير القسري والأغتيالات والحروب والأخذ على الشبهة، بل لمجرد تخويف الآخرين، أقول ومن تلك الأيام نعت البياتي الحكام بالقاتلين، ويحصون الأنفاس كالنقود، ولا تخفى الأستعارة المكنية هنا، ويستخدم الأفعال كلها بالمضارع دلالة على استمرارية النهج والإصرار عليه، ويختم المقطع بخداع المسؤولين بهذا الطباق بين الحر والعبيد، هذه الصراحة برسم واقع الحال، والتبشير بحرية المآل لتحقيق الطموح والآمال، وعدم الخوف على الأهل والابن والمال، مقدمة لما تسمى بالمدرسة الواقعية .

وكان الشاعر قد مهد لهذا المنهج عبر تراكمات التجارب الوجدانية الجماعية لرفع المستوى التطوري للمجتمع من الناحية الثقافية والاقتصادية والطبقية، وشرع للوقوف مع الفقراء والكادحين والمستضعفين بأسلوب قصصي، وبعبارات تفهمها العامة، وترضى بها الخاصة معتمداً على دقة الملاحظة والمتابعة لجزئيات المشاهد المتتالية كمصور يرسم الأحداث بريشته الناطقة، والدافع الحرب العالمية الثانية، والحروب الذرية، زالوعي القومي بعد 1948م، والفروق الطبقية، وحدوث ثورة مصر1952م والأحتكاك بالتجارب العالمية ...إلخ، حفزت البياتي لنظم قصيدته الجميلة " مذكرات رجل مجهول ":

8 نيسان

أنا عامل، أدعى سعيد

من الجنوب

أبواي ماتا في طريقهما إلى قبر الحسين

و كان عمري آنذاك

سنتين - ما أقسى الحياة

و أبشع الليل الطويل

و الموت في الريف العراقي الحزين -

و كان جدي لا يزال

كالكوكب الخاوي، على قيد الحياة

13

مارس

أعرف معنى أن تكون ؟

متسولاً، عريان، في أرجاء عالمنا الكبير!

و ذقت طعم اليتم مثلى و ضياع ؟

أعرف معنى أن تكون ؟

لصاً تطارده الظلام

و الخوف عبر مقابر الريف الحزين !

16 حزيران

إني لأخجل أن أعري، هكذا بؤسي، أمام الآخرين

و أن أرى متسولاً، عريان، في أرجاء عالمنا الكبير

و أن أمرغ ذكرياتي في التراب

فنحن، يا مولاي، قوم طيبون

بسطاء، يمنعنا الحياء من الوقوف

أبداً على أبواب قصرك، جائعين

13 تموز

و مات جدي، كالغراب، مع الخريف

كالجرذ، كالصرصور، مات مع الخريف

فدفنته في ظل نخلتنا و باركت الحياة

فنحن، يا مولاي، نحن الكادحين

ننسى، كما تنسى، بأنك دودة في حقل عالمنا الكبير

25 آب

و هجرت قريتنا، و أمي الأرض تحلم بالربيع

و مدافع الحرب الأخير، لم تزل تعوى، هناك

ككلاب صيدك لم تزل مولاي تعوي في الصقيع

و كان عمري آنذاك

عشرين عام

و مدافع الحرب الأخير لم تزل .. عشرين عام

مولاي ... ! تعوى في الصقيع

29 أيلول

ما زلت خادمك المطيع

لكنه علم الكتاب

و ما يثير برأس أمثالي من الهوس الغريب

و يقظة العملاق في جسدي الكئيب

و شعوري الطاغي، بأني في يديك ذبابة تدمى

و أنك عنكبوت

و عصرنا الذهبي، عصر الكادحين

عصر المصانع و الحقول

ما زال يغريني، بقتلك أيها القرد الخليع

30 تشرين 1

مولاي ! أمثالي من البسطاء لا يتمردون

لأنهم لا يعلمون

بأن أمثالي لهم حق الحياة

و حق تقرير المصير

و أن في أطراف كوكبنا الحزين

تسيل أنهار الدماء

من أجل انسان، الغد الآتي، السعيد

من أجلنا، مولاي أنهار الدماء

تسيل من أطراف كوكبنا الحزين

19 تشرين 2

الليل في بغداد، و الدم و الظلال

أبداً، تطاردني كأني لا أزال

ظمآن عبر مقابر الريف البعيد و كان إنسان الغد الآتي السعيد

إنسان عالمنا الجديد

مولاي ! يولد في المصانع و الحقول

هذه الأمور دعت الدكتور صلاح خالص بتحريض من جماعته أن يشرف على تحرير مجلة (الثقافة الجديدة) مع الدكتور صفاء الحافظ وقد صدر العدد الأول منها في تشرين الثاني سنة 1953م ربما ما زالت تصدر حتى اليوم، وكان البياتي يشرف على الجانب الأدبي منها بعد فصله من وظيفته كمدرس، وهي مجلة اهتمت بالثقافة القومية للعرب والأكراد، وبالهموم والمعاناة الشعبية، وكانت تحسب على اليسار التقدمي، لذلك غلقت عدة مرات ولكن لم تهيمن عليها جهة سياسية معينة، ولو أنها حسبت على الشيوعيين وإنما تقدمية وطنية قومية إنسانية شعبية كتب فيها الشيخ الشبيبي والدكتور المخزومي والدكتور صلاح خالص والدكتور إبراهيم السامرائي، والدكتورة نزيهة الدليمي والدكتور فيصل السامر والدكتور محمدمهدي البصير والدكتور حسين قاسم العزيز، ومن الشعراء السياب والبياتي وكوران إضافة الى القصاصين فؤاد التكرلي والدكتور شاكر خصباك وعبد الملك نوري، وفي المسرح يوسف العاني ...(16) بحوث رزينة، ومقالات رفيعة، وأشعار رائدة وقصص هادفة لشخصيات كبيرة وشهيرة ومعروفة، ثم أصبح د خالص رئيسا لتحريرها (1954- 1969 م) إضافة لتأسيسه مجلة (الثقافة)، ورئاسة تحريرها بين السنوات (1971 - 1987 م) بعد وفاته، والرجل من مواليد البصرة (1925م)، ولا يهمني في بحثي عن البياتي إلا مقال الدكتور خالص الذي نشر في العدد الأول المذكور تاريخه آنفاً تحت عنوان (المدرسة الواقعية في الفن والأدب)، كما عرض الدكتور صلاح خالص كتاب الدكتور صالح أحمد العلي الموسوم: " التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة "،

وعلى إثره تصارع البياتي والسياب على أيّهما أكثر فناً لتفهم المدرسة الواقعية، والتقرب منها حتى تطور الأمر إلى كتلتين متصارعتين حولهما من القوميين والشيوعيين، أما نازك الملائكة فقد وقفت ضد تسييس الشعر، وكتبت مقالاً تحت عنوان (الشعر والمجتمع (17)، ونظم السياب (أطفالنا، ونظم البياتي (السجين المجهول)، أما كوران فقدم قصيدة (مصير العشاق) ونشروها في المجلة الجديدة، من قصيدة البياتي:

عبر السجن عبر الظلمات

كوخنا يلمع في السهل

و موتي و النجوم

و قبور القرية البيضاء و السور القديم

.......

عبر السجن غنوا يا رفاقي

يا رفاقي و النجوم

يا رفاقي في الطريق

و مسرات ليالينا العميقة و الطواحين العتيقة

من المفرادت يتبين لنا توجهاته السياسية حينذاك، وفي العدد الثاني قدم البياتي الشاعر بابلو نيرودا كشخصية العدد، والسياب نشر قصيدته (البغايا في الليل)، وسار الشاعران في بداية حياتهما الشعرية على طريق المدرسة الرومانسية التي تعتمد على الوجدان والإسلوب الفني والذاتية، ومن روادها خليل مطران وإيليا أبو ماضي، وخصوصاً في مرحلتهما الجامعية، ولا ننسى الجواهري في بداياته، وجاءت المدرسة الرومانسية - التي خفتت 1945م - على أعتاب المدرسة الإتباعية (البعث والإحياء الكلاسيكية) الني أحياها البارودي ومن بعده شوقي.

ولكن السياب انشق عن الخط الماركسي واتجه نحو التيار القومي وبالرغم من مدحه عبد الكريم قاسم الذي لم ينصفه، ثم هلهل لحركة 8 شباط بقصيدة فنال الصاع صاعين !! وحدثت مشاحنات ومقالات قاسية بينه وبين رفاقه السابقين، وكانت نازك محقة إلى حد ما في توجهاتها الفنية وأبعد نظرا، نظراً لإنتكاسات الشعراء من بعد ووقوع الشعراء تحت وطأة الطغاة إلا من هرب ونجا بجلده، وبقى خائفاً أن يعلن عن رأيه الصريح بالنظام وبررنا الأسباب إلا السيد مصطفى جمال الدين من المشهورين خصّ النظام بالهجاء المرير بعد أن سحب كل عائلته والمتعلقين به من مخيم رفحاء، ولا أعتقد أن مظفرالنواب نظم عن النظام الفاشي بشكل خاص، وإنما عممَّ هجاءه على جميع الحكام باستثناء القذافي، وهذه من وجهة نظره ليس منقصة له بل كان ذكاء منه لديمومة نضاله، ولكن شمولية الهجاء تخفف الضغط عن مخصوص بعينه (يا ستة سويت الستين !)، وربما عنده هجاء قاس ٍ مخصوص بالنظام الفاشي ولم أسمع به، والحقيقة أنا أخترت النواب من بين عباقرة الدنيا الأولين والآخرين على أمتداد الزمان والمكان لدراسة خصائصهم وكيفية تشكل العبقرية بدراسة مقارنة (مجرد محاولة)، لأنه أكتسب شهرة عظيمة في الوطن العربي، وفرض الشهرة مكملة للعبقرية .

المهم أخذ الكتاب والشعراء يتهافتون على توعية المجتمع العراقي في عصر متخلف تسوده الإقطاعية المنهارة والفقر المقذع، والجهل المتفشي، والأمراض الأجتماعية السائدة، فلا تستغرب حين ينظم الجواهري مستبقاً تنويمة الجياع (نامي جياع الشعب نامي)، والمصير المحتوم (أيا ابن سعيدٍ يلهب الناس سوطه)، وبعد المقال نظم قصيدة الراعي (لفّ العباءة واستقلا)، والسياب سبق بالمومس العمياء وحفار القبور والأسلحة والأطفال وأنشودة المطر ومزج مابين الواقعية والرومانسية - كالبياتي - ووظف الأسطورة والرمز للوصول الى غايته، والحقيقة هذه من سمات الواقعية التي تعتبر الأنسان هو المحور وتعرية الزيف الأجتماعي، أما أن تنتهج منهجاً سريالياً غامضاً صعب الفهم والأدراك من العامة بإستخدام أساطير ورموز عربية أو غير عربية مفتوحة أو مغلقة ! ما أشبه الليلة بالبارحة، ولكن هذا لا يصلح للمرحلة الحالية، فلكلّ زمن خصوصيته، فبعد احروب وغسل الأدمغة بثقافة موجهة، هنالك أسلوب واضح بسيط عفوي بدون إسفاف أو تساهل في استخدام اللغة وقواعدها، يقول الشاعر السوري ممدوح عدوان " البساطة لا تتناقض مع العمق إذ يمكن للقصيدة أن تكون بسيطة وعميقة بآن واحد، ولكن هناك التباساً بين البساطة والسطحية والغموض المقصود بين المباشرة السياسية وبين التعامل الواضح مع الموضوع " (18) أما الشاعربلند الحيدري في صحيفة بغداد فيقول: " حين يكون المتلقي ابن الشارع العراقي فأنا أتحدث بلغته وبسطاته، أما في قصيدة (حوار عبر الأبعاد ...الثلاثة) فهناك متلق آخر يدرك أبعادها من خلال الإنسان في المطلق كما يقول (هيغل) وهي قصيدة ذات أبعاد فلسفية بحاجة إلى قارئ من طراز أخر يدرك لمعرفة جوهرها الفعلي، في الأعوام الأخيرة يحس القارئ أن بلند الحيدري يتعامل مع القصيدة ببسهولة وبساطة ملفتين، ويرى بعض هؤلاء، بأني قد تخلفت عن تجاربي السابقة، وهذا حق لا أنكره وهو الحق الذي وجهه بعض النقاد إلى (بابلو نيرودا) حينما سألوه لماذا تكتب شعرا بهذا المستوى ؟ فأجاب " تعالوا وأنظروا الدم في الشوارع ثم أسألوني لماذا أكتب هذا الشعر ليكفي أني أكتب شعراً، أرخت به حياتي وما أثير به أبناء شعبي ..." (19) وما أحوجنا إلى هذه النهضة لتوعية المجتمع للوحدة الوطنية ومحاربة الجهل والمرض والفقر بعد عقود من الحروب والصراعات والتكتلات، بشرط عدم تسييس الشعر والإنحياز إلى جهة معينة، والحث على الكراهية والفرقة والبغضاء في زمن حرج وصعب وحساس بمعنى ما يشبه التزواج بين أراء نازك وتخوفها من الإنجرار إلى ما لا تحمد عقباه وبين أراء وتوجهات المدرسة الواقعية المنفتحة البليغة المستقلة والتي تصب في مصلحة العراق كله، هل نحن مدركون أم غافلون، الوطن في خطر شديد بإعاقاته الداخلية، وتكتلاته في جميع الأتجاهات، ومخاطره الخارجية، والشعب العراقي حيوي لا تعوزه العبقرية ولا الرجال الوطنيون المخلصون، هل أنتم تتذكرون وعاملون ؟ !كان الله في عون شعبنا وعونكم وعون الجميع، وعون البساطة العميقة الهادفة المجهولة ! وهذه تحتاج لدراسة موسعة مركزة، فعذراً للإشارة الخاطفة العابرة . شكراً لكم .

 

 

كريم مرزة الاسدي

..............................

(1) هو محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي، وإن كان أندلسياً، إذ جاء أجداده إليها منذ زمن الفتوحات الإسلامية، فهو من سلالة عربية عريقة، يطلق عليه الشيخ الأكبر ولد العربي في مرسيه الأندلس عام (558 هـ /1164م)، وتوفي في دمشق (638 هـ /1240 م) .

(2) ترجمان الأشواق: محيي الدين ابن عربي ط 3 صنة 2003 م المقدمة دار الحصاد

(3) هو عبد القادر الجيلاني (الكيلاني) ابن أبي صالح موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد، بعضهم يرجع نسبه إلى الإمام الحسن (ع)، فقيه حنبلي متصوف، تنسب إليه كرامات، ويلقبه مريدوه بتاج العارفين، وشيخ الشيوخ، ولد في كيلان (470 هـ / 1077م)، وتوفي بعد ميلاد محيي الدين ابن عربي بسنتين، وذلك في (561 هـ / 1166م) .

(4) صحيفة الشرق الأوسط: عدد 24/ 9/ 2003م مقال بقلم الأستاذ فؤاد التكرلي تحت عنوان: شاعر لم يكن يهمه شيء سوى بناء أسطورته الشخصية .

(5) الحوار المتمدن: العدد 2069 بتاريخ 15 / 10 /2007 مقال بقلم د . ميسون البياتي

(6) العبقرية الإسلامية: عباس محمود العقاد - المجلد الأول - ص 15 دار الكتاب اللبناني .

(7) الشرق الأوسط: العدد9066 بتاريخ 24 سمبتمبر 2003 الأربعاء

(8) المصدر نفسه .

(9) ولدت عمارة 1929م ترزق الحياة في (أمريكا)، و تخرج السياب 1948 م من فرع اللغة الإنكليزية، وتأخر سنة دراسية في الجامعة، لدخوله بادئاً فرع اللغة العربية، والسياب أيضاًًً من مواليد سنة 1926م، توفي قي (الكويت) أواخر 1964م، وبلند الحيدري ولد في السنة نفسها 1926م، حياته كانت مضطربة بادئ الأمر، لم ينهِ دراسته الثانوية، ثقف نفسه بنفسه في المكتبة العامة، نوفي في (نيويورك)1996 م، بينما نازك الملائكة ولدت 1923م، وتخرجت من دار المعلمين فرع اللغة العربية 1944م، وتخرجت من معهد الفنون الجميلة، فرع الموسيقا 1949م من بغداد، توفيت في (القاهرة) 2007م، أما الجواهري (ت 1997م)، والسيد مصطفى جمال الدين (1996 م)، والبياتي (1999م) مكانت وفياتهم في (دمشق الشام)، تأملوا رجاء دقيقة بصمت، رحمهم الله في الآخرة، ورحم الله العراق في هذه الحياة و ألم أقل لكم الحياة في العراق مفلوبة على أعقابها، وهذا سبب رئيسي لتخلفنا ؟!!

(10) التكرلي: المصدر السابق.

(11)التعريف بشكسبير: عباس محمود العقاد ص9 عصر شكسبير - 1976م - مؤسسة المعارف للطباعة والنشر.

(12) للتوسع راجع كتابي (للعبقرية أسرارها تشكلها ...خصائصها...دراسة نقدية مقارنة): كريم مرزة الاسدي ص 87 - 97 - دار فجر الغروبه 1996م دمشق .

(13)الأدب والمجتمع: دافيد ديتشر ص 185 ترجمة عارف حديفة .

(14) راجع حول إليوت: إليوت: الدكتور فائق متي طبعة 1966م (ص 2 - 29)

(15) سيرة ذاتية .. سارق النار: عبد الوهاب البياتي ص 64، ط 2، 1985م، دار الشروق

(16) موقع النور: مجلة الثقافة الجديدة: فصل من تاريخ العراق المعاصر - أ. د .خليل إبراهيم العلاف

: ديوان " أباريق مهشمة " والطريق إلى الأدب الحديث: سامي مهد gehat.com (17)

(18) صحيفة السفير: 29 / 9 / 1994م ص 29 عدد يوم الخميس .

(19) صحيفة بغداد:العدد (197) ص 8 الشاعر بلند الحيدري في حوار

 

 

الشاعر يبحث عن المسؤولية في قصيدة: الفراق يقظة الحواس للشاعر اللبناني المغترب كامل محمود بزي

qasim madiبين همومهِ الشخصية الوقتية الضاغطة، وبين ما يحطيه من العلاقات الوجدانية القديمة والحديثة من الذين أحبهم عبر رحلة طويلة، توجهاً بالبحث عن الذات والشعور بالصداقة وحقوقها على الإنسان، ونحن نعيش حالة التمزق في العلاقات الإنسانية واشتغال كل فرد بنفسه في هذا العصر المضطرب والمشوش والذي يفتقد الوجه الإنساني .

" أبوح ُ بوجعي، فيبتلعني بئرُ حزني " بيننا والصداقة، عشرةُ عمر، خمرها الزمن "

لغتهُ الشعرية متهيئة لأداء مهمتها التي اتخذها في تشكيل صوره بكل مشخصاتها للصورة الشعرية المرسومة للمكان والزمان، روحه الشعرية المشتعلة بمحيطه الإغترابي وذاكرة المدينة التي لا يستطيع نسيانها، وهو يساعدنا " بزي " على تنسيق مشاعرنا من خلال الاثارات المتنوعة التي تثير فينا صوره، ويبدو الشاعر الذي تعلم ودرس في مغتربه الامريكي سار على نظرية الفيلسوف " كرتشمير " والذي عرف خصائص أنماط أربعة للناس تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا، وهذا الاختلاف الجوهري في الطبائع، لابد أن ينتج عنه اختلاف الناس في استجابتهم للصورة الحسية ومدى تأثرهم بها،ولهذا أصبحت ذاكرته الإغترابية حقيبة تحمل في داخلها الهم الإنساني والمعرفي

"مفتاح مسَرة للقلوب، الفراق ُ يقظة ُ الحواس، واستنفارها، والشوق ٌ إليك َ يحرقني"

وهو يعمل على إستعادة صوره الشعرية بمفردات ودلالات شعرية فيها من درجات الخيال الكثير، ولعلنا في أيامنا هذه ندرك بيسر هذا التوالج بين وحدانية الحقيقة وتعدد الأنظمة الراصدة لمضمونها،

"وعند بداية كل صباح، وها أنا اليومَ أعود ُ إلى الديار، وأقرأ أقداراً مخطوطة في دفتر الفراق"

ذلك أن ما تشتمل عليه أي لغة من الصيغ الأدائية يمثل نظاما آخر مكتملا من الإحالات، فلنهوم معاً في الذاكرة المستعادة، وهذا شيء طبيعي بإن مجموعة من الصور تكون قد نبتت في عقل شاعرنا " بزي " الامر الذي جعله يستجيب للصور الحسية ويتأثر بها، ولو دققنا في قصائده القديمة والجديدة نجدها تعبر عن طموحه الشخصي لابداع الجديد في مجال الصورة الشعرية التي إنطلق منها،

" المنزلُ الذي جفاهُ النوم، ولفهُ عشبُ الحنين، يفيضُ من الحب الذي تركتَه "

وهكذا أراد شاعرنا أن يقول لنا، وهو يؤكد في هذه القصيدة التراتب الزمني للإستذكار، عبر شريط حياتي بصري، فيه حياة وقوة، وكأنك في عالم ذي سياق سينمائي فيه الكثير من الصور المحزنة والتي تُفتت القلوب .

" فعزفت سيمفونية الوداع، وتوارى القمرُ، بين غيوم الفقد، وغاب َ النجمُ سريعاُ "

وهو يرصد تاريخا ً منذ أن ُصدم جلجامش بموت أنكيدو، فانبعثت أسئلته عن الرحيل الأبدي، والشاعر " بزي " المعبأ بالكثير من الإرهاصات المشخصة التي يحتويها عقله وقلبه الكبير العاج بالحب والتسامح .

"في دياركَ الأبدية، سلاُم لذكراك َ الطيبة، أنا فيك َ المعُزَى "

وهو يختزل الفواصل الزمنية في مواءمة معرفية، لا تلغي خصوصيات المراحل التاريخية، ناشراً على الأمكنة السواد،

" ملأت َ كأسي بخمر الفجيعة " وتعميقاً للفجيعة فأنها جعلت من شاعرنا " بزي " يخاطب نفسه ومن حوله وخاصة أبناء " مدينة بنت جبيل " وهو يمدح عبر خطابه الشعري، صوره المرئية واللامرئية التي تلامس واقع الشاعر النفسي، مؤكداً بذلك قول لكل ماله بداية فله نهاية

كم من مرةٍ

تقاسمنا الحلم َ بالعودة ِ

الى المرابع الاليفة

الى ربوع (بنت جبيل)

 

قاسم ماضي – ديترويت

دجلة والفرات ودلالتهما في الشعر العراقي

sadam alasadiاجد من نافلة القول ان اعرف النهرين بدلالتهما اللغوية، فدجلة يجوز تأنيثه على اللفظ وتذكيره على نية النهر وربما دخلته (أل) فيقال الدجلة وسمي بذلك لأنه غطى الارض بمائه حين فاض، اما الفرات هو الماء العذب جدا ً يقال ماء فرات ومياه فرات، والفراتان تعني دجلة والفرات، وقد ورد ذكر الفرات في القرآن الكريم في المرسلات (وجعلنا فيها رواسي شامخات واسقيناكم ماءً فراتا) ومنذ العصر الجاهلي احتل الرافدان مساحة في الشعر العربي وشغلا حيزا في قصائد الشعراء في مختلف الاغراض الشعرية فهذا الشاعر عدي العبادي يتوسل بالنعمان ليطلق سراحه:

منحتهم الفرات وجانبيه     وتسقينا الاواجن والملاحا

وقال في دجلة:

واخو الحضر اذ بناه واذ     دجلة تجبى اليه والخابور

والمعلوم ان الخابور نهران بهذا الاسم والمقصود في بيت الشاعر الخابور الأكبر ويعني رافدا ً من نهر الفرات، وفي العصر العباسي قال الشاعر العباس بن الاحنف في دجلة مقترنا ً عطر نسيمها بعطر فرز:

وجد الناس ساطع المسك من

دجلة قد اوسع المسارب طيبا

وقال البحتري واصفا ً انعكاس ضوء القمر على دجلة:

واذا دجلة مدت شاؤها     وجرت جري اللجين المنسك ِ

وقال مهلهل بن يموت واصفا دجلة:

لم انس دجلة والدجى متصرم       والبدر في افق السماء مغرب ُ

وهكذا وصل لنا فيض من وصف تقليدي حتى العصر الحديث تغيرت ملامح الرؤيا للنهرين العظيمين مع تلك الصورة التقليدية التي ابتدأ بها الكاظمي قائلا ً:

ويحسبني بماء النيل اروى     وبي ظمأ لدجلة والفرات

ومثله قال الشبيبي:

قتلى بدجلة منها دجلة امتلأ     ت والنهروان والانقاض والدررُ

وقال الدكتور البصير:

سلام على دجلة في البكور   وان طاب لي كل اوقاتيه

فثمة دلالات تولدت في رؤيا الشعراء منها:

 

1-      دلالات العطاء الدائم والخصب والسلام:

قال الدكتور عبد الكريم راضي جعفر مشيرا ً الى الارتباط القومي والتوحد العربي

يا ايها الشامخ المستقيم الذي عانقته

عذوق المحبين وان الشأم

يرتمي متعبا فوق عشب الفرات

وعندما يريد دلالة عاطفية يصف عيني حبيبته قائلا ً:

لعينيك طعم الفرات     وصوتك كالشعر في العرب الاولين

ولم يفت السياب ذكر الرافدين، ومشاهدته (دجلة الغضب) قال فيها شاكيا ً مما تلاقيه من جور وظلم

علموا دجلة الظلامات والغدر   فعادت ولا تفي عهد جار

وللشاعر علي جعفر العلاق دلالة قومية عربية:

ومضيت اصغي     مهرة مصرية   يصل الفرات انينها بالنيل

وللشاعر عبد الرزاق عبد الواحد شواهد كثيرة بتلك الدلالة:

يقيم الرافدان مناؤ ماء ٍ   يلوذ به مدى الزمن الضماء

وقوله:

اصبح الماء في لرافدين اشهى

صار اندى حتى هجير الرمال

 

وقوله:

الا لأن الرافدين كليهما

كانا شعاع الكون في ظلمائه

 

2-      دلالات التحدي والاصرار على تحمل المصاعب

قال عدنان الراوي:

وكم على دجلة السمراء لهم         سما ليل حسبنا هم شياطينا

وقال رشدي العامل:

ايهذا الوطن

كيف ترخي عيونك

والنهر يغلي دما ً والعناق

بين نهريك دجلة تأتي اليك ويأتي الفرات

وقال ايضا ً:

ها ذبلنا واذبل الفرات الشجيرات

ما عاد في الغضن ورد

وفي النخل عذق

حتى يصرخ مستغيثا ً بالرافدين:

ما زالت فوق مدامع النهرين اصرخ في بكايا

وحينا ً يعاتب رشدي الفرات قائلا:

هل صنعت من الجذور السمر فرشاة

ومن طلع النخيل زيتا ومن سعفاته ورقا

ومن زبد الفرات وطينه ماء نحيل

 

3-      دلالات اهل الرافدين وقيمهم وحبهم للسلام

قال عبد الرزاق عبد الواحد:

صقور الرافدين ولست ادعو   لمذبحة يعم بها الفناء

واشار الى نصر العراق وزغردة نسوته:

وما هلهلت بين الفراتين حرة     وما ماج موج في شواطئنا الخضرا

واشار الى اصالة النهرين وقدمهما قدم التاريخ

والرافدان هنا والشمس مذ طلعت

والراسيان عليها الثلج والغرب

 

4-      الدلالة الجماعية بحمل الهم للدفاع عن الرافدين

قال عبد الرزاق عبد الواحد

ونحن على مجرى الفراتين غابة       يعانقها مجرى الفراتين لاعبا

بلى ابصرت وجه الفراتين داميا ً   وما ابصرت وجه الفراتين شاحبا

ولكن للنخل العظيم اذا انتخى     هلاهل تذكي الرافدين حرائبا

ثم يتساءل متهكما ً بالاعداء الذين يتطاولون بعنجهيتهم على العراق:

والف عام مياه الرافدين كبت

وكل انهارها جفت مساربها

وقد وضع الشاعر حدا ً فاصلا لا مناص فيه:

وللفرات وزهدي من غواربه    ملاحم قط لم يغمض بها مقله

وكذا اطلقوا عدة تسميات على الرافدين، قال منذر الجبوري (الفرات الذي هجرته العروبة) وقال المرحوم كاظم التميمي (يا ايها الفارس المستحيل ) .

وبهذا الايجاز رأينا كيف نال النهران حظا ً وافرا ً من الانهار والتقديس فهما مرتل الخير والرزق والعطاء والنمو والراحة في نظرة جمالية دالة على الاستقرار وكذلك هما مصدران لفخر الشاعر بماضيه العريق وحضارته الخالدة وهما رمزان للتحدي ومن اجلهما تسيل دماء العراقيين انهارا ً، وهما يمثلان للشعراء موقفا ً من القوى المختلفة التي يتعامل كل شاعر معهما في اطار واقعة، كانت تلكح القوى مطلقة انسانية، كونية، تكشف عن اسرار تفاعله معها وتحرس ابداعه في بذورهما !! وبعد هل الرافدين بسمه محددة !! نعم انها البصرة الفيحاء في قول الشاعرة عاتكة الخزرجي

افيحاء يابسمة الرافدين   لقد هجت في الروح حنانها

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

 

البنيوية في النقد الأدبي: مدخل تعريفي

hasna alidreesiمدخل: إذا كان الإنسان، بطبعه، خاضعا للتطور باعتباره سنة الطبيعة، فإن نظرته للفن والجمال تتغير أيضا، بل يجب عليها أن تتغير. ومن مظاهر هذا التغير في المجال الأدبي تطور الإبداعات في مجال السرد مثلا. وهو تطور صاحبته ثورة في طرائق نقده ودراسته وتحليله...و هكذا ظهرت عدة مناهج تتبنى مبادئ معينة في مقاربة العمل الأدبي السردي منها، على سبيل التمثيل لا الحصر، المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي وغيرهما. وسنحاول في هذا العرض الموجز التعريف بمنهج بات يصطلح عليه ب "المنهج البنيوي" محاولين الإجابة على عدة أسئلة تدور في خلدنا نبغي من خلالها الاقتراب من هذا الموضوع النقدي الشائك. ونصوغ هذه الأسئلة وفق الشاكلة التالية: ما معنى البنيوية في النقد الأدبي؟ متى ظهرت؟ وما روافدها ومبادئها؟ ومن هم روادها في العالم الغربي أولا والعربي ثانيا؟ وما المفاهيم التي توظفها في الممارسة النقدية؟ وكيف يشتغل البنيويون على النصوص السردية، نموذجا، يا ترى؟

 

1 – مفهوم البنيوية/ Le structuralisme

نستهل بحثنا هذا بتسليط الضوء على مفهوم البنيوية منطلقين من الدلالة اللغوية لها، بحيث أتت من بنى يبني بناء أي الشكل والصورة والكيفية التي شيد عليها بناء ما. وهي أيضا كيفية البناء والتركيب. أما في مقامنا هذا، فنحن لا نعني بالبنية عملية البناء نفسها أو المواد التي تتكون منها، وإنما نعني بذلك كيفية تجميع وتركيب وتأليف هذه المواد لتكوين الشيء وخلقه لوظائف وأغراض معينة. والبنية كما ترى يمنى العيد في كتابها الموسوم بعنوان: (تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي، ص 318 ): "مفهوم ينظر إلى الحدث في نسق من العلاقات له نظامه"؛ أي أنها التصميم الداخلي للأعمال الأدبية بما يشمله من عناصر رئيسة متضمنة الكثير من الرموز والدلالات بحيث يتبع كل عنصر عنصرا آخر.

 

2 – ظهور البنيوية في النقد الأدبي وأهم روافدها

يقول حسين الواد في كتابه المعنون ب: (قراءات في مناهج الدراسات الأدبية، ص 45): "و في منتصف هذا القرن نشأ المنهج الهيكلاني من انتشار مكاسب علم اللسان الحديث والتقائها بالتراث الشكلاني". ويقصد بذلك أن المدرسة البنيوية أو المنهج البنيوي لم يظهر في الساحة النقدية الأدبية إلا في منتصف القرن العشرين إثر ذيوع صيت اللسانيات الحديث وتقاطعه مع الشكلانية، إلا أنه يمكننا رصد نقط اختلافهما والمتمثلة أساسا في كون هذه الأخيرة أرست أسس الاختلاف بين الشكل والمضمون داعية إلى الاعتناء أكثر بالشكل على حساب المضمون، أما البنيوية فقد حاولت دمج الشكل في المضمون والدال في المدلول (المعنى)، لأن الدال الواحد لا بد أن ينتج مدلولات مختلفة بالنسبة لشخصين أو متلقيين اثنين مختلفين حسب التجارب الفردية. وعليه يصير النص واحدا والقراءات متعددة. كما أجمع العديد من الدارسين والنقاد على أن الشكلانية والبنيوية قد ظهرتا معا كرد فعل ضد اللاعقلانية الرومانسية وعلى التحليلات التي تربط الأدب بمحيطه الاجتماعي ونقصد تلكم النزعة الماركسية بالدرجة الأولى، ها هنا. ومن أعلام النقد البنيوي في الغرب نجد بليخانوف ورولان بارث وتزفيتان تودوروف وجيرار جينيت وغيرهم. أما في العالم العربي فنجد كلا من لحميداني حميد وصلاح فضل ومحمد مفتاح على سبيل التمثيل لا الحصر.

 

3 - أهداف البنيوية ومبادئها

أ – الأهداف

لقد وضع البنيويون نصب أعينهم غاية كبرى تتمثل في دراسة أبنية العمل الأدبي وعلاقاتها ببعضها البعض، وكيفية أدائها لوظائفها الجمالية واختبار لغة الكتابة الأدبية عن طريق رصد مدى تماسكها وتنظيمها المنطقي والرمزي ومدى قوتها وضعفها بصرف النظر عن الحقيقة التي تعكسها. وقد رفعوا شعار عريضا ألا وهو: النص ولا شيء غير النص أي البحث في داخل النص فقط عما يشكل أدبيته أي طابعه الأدبي. وقد حاولوا من خلال ذلك علمنة الأدب أي إضفاء الطابع العلمي الموضوعي على عملية الاشتغال عليه قصد تجاوز الأحكام المغرضة والإيديولوجية التي قد تشوه هذه الممارسة النقدية.

 

ب - المبادئ

يقول حسين الواد في المرجع المذكور سابقا إن: "الأدب نص مادي تام منغلق على نفسه" أي أن دراسة الأعمال الأدبية عملية تتم في ذاتها بغض النظر عن المحيط الذي أنتجت في؛ فالنص الأدبي منغلق في وجه كل التأويلات غير البريئة التي تعطيه أبعادا اجتماعية أو نفسية أو حتى تاريخية، ومادي في كونه قائم على اللغة أي الكلمات والجمل. وتنضاف إلى هذا مسألة "موت المؤلف" - التي نادى بها رولان بارث - أو إلغاء شخصية الكاتب بل حتى المتلقي حتى يتولد المعنى بعيدا عن كل المؤثرات الخارجية.

وفي نفس السياق، يتابع الناقد التونسي الدكتور حسين الواد قائلا إن هذا النص الأدبي: " ينبني على نظام داخلي يجعل منه وحدة محددة"، ولأن العمل الإبداعي الأدبي منغلق على ذاته فإنه يقوم على نظام داخلي يجعل منه كلا متماسكا تنشأ بين عناصره (الكلمات) شبكة من العلاقات التي تستمد قيمتها من علاقاتها المتبادلة. فكل خصائص العمل الأدبي مجتمعة في بنائه الداخلي وبالتالي فلا حاجة بنا للبحث عنها خارجه. وفي هذا الاتجاه تقول الناقدة آن موريل Anne Maurel في سياق حديثها عن التحليل البنيوي للحكايات من زاوية منطق الأفعال في الفصل الرابع من كتابها الذي يتعنون ب: (النقد الأدبي المعاصر: مناهج، اتجاهات، قضايا" ص 95):

"أما المرجع المشترك في كل هذه الأبحاث فهو اللسانيات البنيوية، فكلها تسلم بأن الحكاية تشابه الجملة، بل هي جملة كبيرة يجب توضيح قواعد توليدها، وهي خاضعة لقيود المنطق الإلزامية، ويمكننا تقطيع وحدات صغرى في الحكاية كما نقطعها في الجملة ولو كانت تلك الوحدات أكبر بكثير من الوحدات المكونة للجمل، وتبيان كيف يندمج بعضها في بعض ويتألف ليشكل حكاية؛ فقوانين تحولاتها هي التي تشكل التركيب السردي".

هذا وتجب الإشارة إلى أن البنيوية لا تهتم بالمعنى بالدرجة الأولى بقدر ما تهتم بآليات إنتاجه وخلقه. وهكذا يقول الناقد المصري عبد العزيز حمودة في كتابه الموسوم ب: ) الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص، ص 92) :

"البنيوية (...) تنطلق من نقطة وجود المعنى كأمر مسلم به ومفروغ منه ومن تم تتحول عن دراسة المعنى إلى آليات خلق المعنى حسب قواعد علمية، وهذا ما أشرنا إليه باعتباره تجاهلا تاما للمعنى".

 

- خلاصة:

بعد هذه الإطلالة السريعة على ماهية هذه المدرسة البنيوية في النقد الأدبي، فإننا نستطيع أن نقول، كخلاصة عامة، مع اللساني المغربي عبد السلام عشير في كتابه الذي يحمل عنوان: (تطور التفكير اللغوي من النحو إلى اللسانيات إلى التواصل، ص 42)، إن:

"البنيوية كاتجاه تعد جزءا من تاريخ الفكر الفرنسي المعاصر، لكن جذورها ترجع إلى مفهوم النظام ، وهو مصطلح سوسير (Système) الذي أصبح فيما بعد يعرف بمصطلح بنية (Structure) وذلك مراعاة للجانب الشكلي. وقد وصفت البنية بأنها نسق مغلق، لها قوانينها التي تكفل انتظامها الداخلي ولها قواعد تحفظ تعالق عناصرها، كما اعتمدت منهجا استقرائيا لجمع الظواهر وتبويبها وتصنيفها مثل سابقتها التاريخية. إنها بهذا الوصف تقترب من العلوم الصورية، بحيث لا تهتم بالمعنى. إنها تدرس فقط العلاقات القائمة بين عناصر أجزاء كل بنية، على أساس أن لا محتوى لها خارج عنها أي أن البنية لها طبيعة شكلية".

 

بقلم: حسناء الإدريسي الكيري*

مراجعة: ذ. لحسن الكيري*

......................

لائحة المراجع المعتمدة:

1 – الواد، حسين: "قراءات في مناهج الدراسات الأدبية"، سراش للنشر، تونس 1985.

2 – موريل، آن: "النقد الادبي المعاصر: مناهج، اتجاهات، قضايا"، ترجمة إبراهيم أولحيان، محمد الزكراوي. المركز القومي للترجمة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 2006.

3 – حمودة، عبد العزيز: "الخروج من التيه: دراسة في سلطة النص"، ضمن سلسلة عالم المعرفة، 2003.

4 – عشير، عبد السلام: "تطور التفكير اللغوي: من النحو إلى اللسانيات إلى التواصل"، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2010.

5 – العيد، يمنى: "تقنيات السرد الروائي في ضوء المنهج البنيوي"، منشورات دار الفارابي، الطبعة الثانية (مزيدة ومنقحة)، 2010.

6 – طالبة بقسم الدراسات العربية/ كلية الآداب/ عين الشق/ الدار البيضاء.

7 – كاتب وباحث في قضايا الترجمة والتواصل/ الدار البيضاء/ المغرب.

خصوصية العالم الشعري عند الشاعر تقي محمد البحارنة

mohamad shadadalharakمقدمة: حينما يتسرب الجمال والبهاء من بين فجوات بعض الأشعار، وحينما تتألق نصوصها وتصبح حبلى ببديع الصور باذخة برشيق الكلمات وجميل العبارات، يجد القارئ المتذوق للفن نفسه مشدودة إلى محاورة تلك القطع الفنية من أجل الاستماع إلى الأصوات المنبعثة من قراراتها وارتشاف رحيق الجمال الكامن في أعماقها. يجد نفسه متوثبة للتعرف على الأنامل المبدعة التي حركت النفس واستفزت الخيال وتفننت في الرسم بالكلمات.

لقد عشت هذه التجربة الجميلة وذقت حلاوة القراءة ومتعتها وأنا أتجول في حدائق شعرية غناء ازدانت جنباتها بأشعار متنوعة أبدعتها وسقتها شاعرية فنان مسكون بحب الجمال، عاشق للكلمة الحالمة، مهووس بحب الوطن العربي في امتداداته الجغرافية والطبيعية وفي تعدديته الثقافية والسياسية. شاعر أصيل يربط بالكلمة الشعرية أطراف هذا الوطن، وينسج انتماءه العربي حبا وشعرا. يتجاوز الحدود المصطنعة بخياله الواسع، ويخترق المسافات الطويلة بقلمه الدفاق، ويلون أجنحة الحياة بإبداعه الوديع. يمزج مياه البحرين برذاذ المحيط، ويذيب كل جبال البعد الفاصلة بين الأجساد، ليتيح للقلوب والأرواح كي تتصافح وتتعانق بكل محبة ومودة. عشت هذه التجربة القرائية الممتعة مع شاعر دولة البحرين المتألق، وأحد مثقفيها الكبار، الأديب الديبلوماسي المبدع تقي محمد البحارنة1. شاعر لا يعترف بحدود للغة الشعر، يتجاوز بالكلمة الشعرية الأمكنة، ويسافر بخياله عبر الأزمنة، ويرتشف الجمال من كل الصور في هذا الكون البديع، ويعب منه إلى حد الثمالة. شاعر حساس موهوب، تشهد آثاره على تألقه وموهبته الشعرية، وهي آثار جديرة بالقراءة النقدية المسائلة للخبايا ولمواطن الشاعرية والكاشفة عن مكامن القوة والجمال فيها.    

يعد الأديب تقي محمد البحارنة من الأصوات الشعرية الأصيلة التي أمسكت بزمام القول الشعري وأعطت للكلمة الشعرية الفرصة كي تتفجر جمالا وروعة وإثارة. شاعر ينتمي إلى النبض الجمالي ويصدر عن رؤية مبدعة تستوعب التراث والحداثة، تذيب الحدود وتضع كل الجسور الممكنة للعبور بين الأزمنة والتجارب الشعرية. إنه شاعر مقتدر منفتح مكتمل الأدوات الفنية، يمتلك آليات النظم على النمط التقليدي، كما يمتلك ميكانيزمات الحداثة الشعرية. اجتمعت فيه الشاعرية والمعرفة والحكمة والدراية الواسعة والخبرة بسراديب الحياة ومنعرجاتها. فتحولت تجاربه الشعرية إلى سيرة ذاتية لشخصيته الهادئة العاشقة للجمال والسابرة لأغوار الواقع والمتأملة في الوجود والإنسان والحياة.

لقد وجدت نفسي محاصرا بسياج شعري مذهب الأركان، يجذبك إليه جذبا، ويدعوك إلى مغازلته والارتماء في أحضانه كي تنال حظك من جماله وعذوبته التي تنساب بغزارة لتروي الجميع. وجدتني بإزاء عالم شعري فسيح ومتنوع، تتدفق منه الجمال بلا انقطاع. يموج بنبضات شعرية نابعة من مبدع ذي عمق معرفي وذي دراية واسعة بقواعد النظم وشروطه وأصوله، من شاعر ملهم يطرق القول الشعري بالأصالة لا بالتبعية، من شاعر له وعي بالشعر وبأبعاده الروحية والجمالية والإنسانية.

ولهذا اخترت الاقتراب من عالم هذا الشاعر المقتدر بغرض إدراك السياق الرؤيوي الذي تنتظم فيه تجاربه الشعرية. ولعل الدخول إلى هذا العالم الشعري المثير يحتاج إلى شجاعة كبيرة وإلى جرأة قوية بنفس درجة ما يحتاج إلى مفاتيح وظيفية قادرة على فك شفرات النصوص، وقادرة على إحداث فجوات يتسلل من خلالها القارئ لاستنطاق دلالاتها القريبة والبعيدة، ولتفكيك بناها العميقة بكل ما تتضمنه من متخيلات وتحليقات وسياحات جمالية. فالمخزون الإبداعي لشاعرنا لا يمكن فهمه أو التحاور معه أو اختراق جداره إلا باستيعاب تام للسياق النفسي والفكري الذي ينتظم هذا الإبداع، والذي يشكل الخلفية الذهنية لكل ولادة شعرية. فالدواوين الشعرية التي أبدعتها يد هذا الفنان الأنيق تترجم ملامح شخصيته الملهمة التي كانت وراء ممارسته الشعرية، كما أنها تفصح عن مساهمة إبداعية ناضجة وشمت الساحة الثقافية العربية وأغنت خزانتنا الأدبية:

- ديوان "بنات الشعر" صدر عام 1996

- و ديوان" في خاطري.. يبكي الحنين" صدر عام 2003

- وديوان" من يضيء السراج"صدر عام 2009

هذه الأعمال الشعرية نابعة من رؤية شعرية منفتحة تنهل من التراث العربي وتتغذى بمائه وترتوي بروائه، كما أنها تنصت إلى همسات العصر ونبض التراب وتستجيب لذبذبات الحياة. تستوعب الموروث الشعري وتحترم قواعده وآلياته، وفي الآن عينه تنفتح على قضايا الراهن وتتفهم أذواقه واختياراته. يتقاطع فيها الهاجس الوطني بالحس القومي بأحلام الذات وبأسئلة الحياة. تتعدد فيها الألوان والأطياف والظلال بتعدد ألوان أعلام الوطن العربي، وتمتد فيها الكلمات بامتداد خريطة هذا الوطن. فهذه الدواوين الشعرية- وإن اختلفت عناوينها- كتبت بمداد ملتزم أصيل، وبروح متعالية عن التعصب والطائفية، وبوعي إنساني يحترم كرامة الإنسان ويقدر مشاعره. ولذلك تتحاور القصائد الوطنية مع شقيقاتها القومية والإنسانية والإخوانية. وتتعايش فيها أسئلة الواقع مع أسئلة الذات. وتسافر فيها الكلمة الشعرية بين المحيط والخليج غير عابئة بالحواجز الجغرافية والسياسية والأيديولوجية القائمة. في هذه الدواوين يلتقي حب البحرين وعشق ترابه بحب وعشق كل ذرة رمل من بلادنا العربية. ينبعث منها نشيد العروبة وصوت الأقصى وصيحات العراق ونبضات الخليج في أقصى الشرق، كما تنبعث منها نسمات أزهار المغرب ورذاذ مياه المحيط في أقصى الغرب. تتوحد فيها القصائد والمقطوعات والأبيات لتنسج ثوب الأصالة ورداء الهوية ولتصوغ شهادة الانتماء. وكل ذلك بأسلوب شعري خاص متميز، تظهر فيه ملامح صاحبه، وتنتصب فيه شاعريته الأصيلة التي شقت طريقها وسط كون شعري تعددت صوره وأصواته وتجاربه. فقد قرأ الشاعر لأسلافه ولمعاصريه، واحتك بتجارب غيره، وأرهف السمع والذوق لكل صوت شعري عذب، لكنه توقف عند عتبة هذه التجارب الشعرية القديمة والحديثة، فلم يتخذها قوالب جاهزة، ولم يتخذ أصحابها أوثانا معبودة مقدسة، ولم يكتف بترديد ما سمعه أو ترتيل ما قرأه، وإنما صاغ حمولته الشعرية وبضاعته الفنية صياغة فريدة، تحكمت فيها موهبته الشعرية وذوقه الخاص، وغذتها ثقافته الأدبية وحساسيته الجمالية. وقد عبر الشاعر عن أصالة شاعريته بقوله: "لا أستطيع القول إنني تأثرت بشاعر معين من هؤلاء بحيث حاولت أن أنسج على منواله، ولكني استفدت منهم في تكوين ذخيرة شعرية وذوق أدبي. فالشاعر الملهم يجب أن يكون له أسلوبه الخاص وطابعه المميز"1

 

- مفهوم الشعر ورسالته

لكي أقتحم العالم الشعري للشاعر تقي البحارنة، أقدم بين يدي القارئ شهادته التي حدد فيها علاقته بالشعر. وفيها يقول:" لم يكن الشعر عندي من أجل تحقيق جمال لغة التعبير فقط وإنما هو التعبير عن مشاعر النفس بأسلوب رصين وسهل يتجاهله اليوم كثير من الشعراء المحدثين. ولست ممن يستطيع أن يقول الشعر بناء على طلب من أحد. وقد مارست العمل الدبلوماسي والعمل في مجلس الشورى من دون أن أتخلى عن الشعر ووظفت شعري وشعر الآخرين في تضمينه خطاباتي وكتابتي بما يؤيد اتجاهاتي الفكرية وأحيانا بما يلطف الجو على الحضور... ومازلت أفعل ذلك."2

هذه الشهادة متضمنة لأكثر من إشارة وأكثر من منبه. ففيها نستخلص رؤية نقدية واضحة تترجم مفهوم الشعر عند هذا الشاعر، وتنتقد بعض طرائق الكتابة والإبداع التي انحرفت مساراتها ببعض الشعراء المحدثين. كما نجد فيها اعترافا صريحا بكون الشعر لم يكن غاية لذاته بقدر ما كان وسيلة طيعة للتعبير عن هموم الذات وللترويح عنها ولترجمة المواقف والقناعات والمنطلقات التصورية للشاعر.

من هنا تتراءى لنا الخطوط العريضة للسياق الرؤيوي الذي تنتظم في إطاره الممارسة الشعرية عند تقي البحارنة. كما تتراءى لنا معالم السياق النفسي والذهني الذي ينتظم عملية الإبداع عند هذا الشاعر. فلقد ارتبطت تجربته الشعرية بتجربته الحياتية، وكان الشعر بوصلته الهادية التي ترشده إلى الجمال وتهديه إلى عشق الإنسان والوطن. ارتبط قلبه وفكره بتراب أرضه، واستحم بأنوار بلاده، واغترف من معين تراثه ليصبح شاعرا للبحرين، وليتسع شعره لكل البلاد العربية. لم تسرقه مهامه التجارية ووظائفه الدبلوماسية من أحضان الشعر وموائد الأدب، ولم تستطع عزله عن محيطه الفني الذي يرتوي به في كل وقت وحين، وإنما كان الشعر له سندا ورفيقا في أسفاره وسياحاته وانشغالاته اليومية، وكان بالنسبة إليه دفترا حميما يعود إليه للتذكر والحنين كلما تغرب عن الديار، وكان واحة هادئة وارفة الظلال باذخة بالجمال يلجأ إليها للترويح عن النفس كلما اشتدت الأزمات، وكان أيضا لحظة تأمل وجودي عميق تيسّر له التخلص من أعباء الحياة كلما تكاثرت المسؤوليات.وهكذا جعل شعره جزءا من حياته، فلا تستقيم نبضات قلبه إلا بهمسات الشعر وإشاراته، ولا تستوي أنفاسه إلا إذا اختلطت بنسيم الشعر ونفحاته، ولا يطيب له مقام إلا إذا رنت موسيقى الشعر وألحانه.

بهذا الهوس الشعري تعلن هذه الشخصية الشعرية عن حضورها الإبداعي في الساحة الأدبية العربية، ترسم صورتها المتميزة وتفرض وجودها في نادي الشعراء العرب. تحمل معها رصيدا من التجارب يؤهلها لتكون مدرسة شعرية ناضجة ومتزنة، تجمع بين الأصالة الرصينة والمعاصرة المتزنة، وتربط عبق الماضي بهدير الحاضر، وتؤسس لمستقبل شعري جديد تتم فيه إضاءة دروب الإبداع الشعري من أجل تصحيح مسارات المواهب الناشئة.

لقد كان الشاعر تقي البحارنة حريصا على الوفاء لمفهومه للشعر ولرسالته، فلم يجعل إبداعه ترفا فنيا مقصودا لذاته منفصلا عن واقعه، ولم يسخره تسخيرا انتهازيا مناسباتيا أو ظرفيا، ولم ينزله من عرشه، ولم يقلل من كبريائه، وإنما جعله نافذة فنية مشرعة يطل القارئ من خلالها على صخب الحياة بكل تناقضاتها وبكل قضاياها وأسئلتها، كما يطل من خلالها على العالم الجواني للشاعر وما يعتمل فيه من صراعات دفينة وأحاسيس عنيفة مضمرة وتساؤلات مؤرقة. كان هذا الشعر تعبيرا فنيا عن رؤية خاصة للعالم وترجمة صادقة لذبذبات وعي قوي بما يحيط بالشاعر من قضايا سياسية واجتماعية وثقافية. وقد أكد الشاعر في أحاديثه وشهاداته على أن الرسالة الفكرية والإنسانية في الشعر يمكن أن تؤدي غرضها وأن تحقق هدفها دون أن تخمد جذوة الفعل الجمالي .

 

د . محمد شداد الحراق

أستاذ باحث من المغرب

.....................

1- التقيت بهذا الأديب المبدع على متن قطار متجه نحو مدينة أصيلا المغربية وقد كان ضيفا لموسمها الثقافي سنة 2005. وبعد سنوات من الغياب شاءت الأقدار أن نلتقي بمدينة الدار البيضاء. ثم توطدت العلاقة فيما بيننا وتبادلنا الزيارات والمؤلفات.

2 /3- حوار خاص ضمن: صحيفة الوسط البحرينية - العدد 1625 - السبت 17 فبراير 2007م الموافق 29 محرم 1428هـ

 

الحداثة الشعرية العربية (2): بين الحداثة والمعاصرة

alkabir aldasisiبعد أن أشرنا في الجزء الأول لمعاني الحداثة ووقوفنا على الحداثة الشعرية العربية المفهوم والمصطلح والسياق التاريخي، وجدنا أنفسنا أمام عدد من المصطلحات التي تتداخل ومفهوم الحداثة، خاصة مفهوم المعاصرة لدرجة يكاد معها لا يخلو أي موضوع حول الحداثة من إشارة إلى مصطلح المعاصرة، والمقارنة بين المصطلحين، حتى أصبحت المعاصرة جارة الحداثة وربيبتها التي لا يمكن أن تفترق عنها، أثناء كل حديث عن التحديث والتجديد في الشعر بالخصوص، من هذا المنطلق نجد أنفسنا مضطرين للتعرض إلى ثنائية الحداثة/المعاصرة.

يذهب الكثير من الباحثين إلى ربط الحداثة بالعصر الحديث، ومن ثم إعطاؤها نفس دلالة المعاصرة. وهو أمر يبدو مجافيا للصواب، وبالتالي ضرورة التفريق بين المصطلحين.

فمصطلح المعاصرة يفرض طرح سؤالين: الأول يتعلق بمعنى المعاصرة، والثاني يرتبط بعلاقتها مع التراث، والمتمعن يرى أنهما سؤالان متصلان إذ "لكي تكون عصريا لا بد أن تحدد موقفك من التراث" ويجيبنا زكي نجيب محمود ببساطة أن جميع الشعراء الذين يعيشون بيننا عصريون فقط لأنهم أبناء هذا العصر. وللمعاصرة شكلان يختلف أحدهما عن الآخر اختلافا واضح المعالم: شكل سطحي يحاول الشاعر فيه أن يتحدث عن مبتكرات ومخترعات عصره، وتركيباته الاجتماعية والسياسية... معتقدا أنه يمثل عصره ويصوره وينقله للمتلقي، بل ويظن أنه يشارك في سيرورته وتطوره. كل ذلك بأشكال وأساليب وتراكيب بل ورؤى قديمة تجعل الشاعر يعيش بعيدا عن هذا المجتمع. فليس المجدد المعاصر من عرف الطائرة والصاروخ والسيارة والمذياع وكتب عنها، وإنما قد يكون مجددا وهو يتحدث عن الناقة والفرس والكرم والشجاعة، إذ أن المجددين هم "الذين يهيئون للتراث الاستمرار والحيوية لا أولئك الذين يحنطونه بالتكرار والتقليد فيحكمون عليه بالعقم" .

وشكل مغالى فيه ينادي ويطلب بالعصرية المطلقة والانفصال التام عن التراث، مع التسليم بالفساد لكل القيم التقليدية، والبحث عن تحطيم قدسية التراث. كانت بداية هذا الشكل منذ الصرخة الواضحة التي أطلقها رامبو "لا بد أن نكون عصريين بشكل مطلق "ومعنى هذا أنه ينبغي أن تعكس أشعار هؤلاء، بصورة مرؤوية، شهورهم بالظواهر المعاصرة كالآلة والمدينة الصناعية...

إن هذا الشكل يشكل موقفا عدائيا ورافضا مباشرا للتراث، وتجدر الإشارة إلى أن فكرة الحداثة غير مرتبطة بالمعاصرة، إذ أن الحداثة "تتضمن تخصيص حصول الواقعة في نقطة محددة من محور الزمن الطبيعي، من هذا المنطلق يمكن لنقطة الحداثة أن تتعين في أي مجال من مجالات محور الزمن الطبيعي، والمهم أنها إذا تعينت قسمت محور الزمن إلى سابق ولاحق، هي التي تتوسطهما بنفسها، ولكننا نعلم من جهة أخرى أن الزمن الفيزيائي منقسم بصفة دائمة ومستمرة بين ماض ومستقبل، تتوسطهما لحظة الحاضر التي هي دائمة التحول طبيعيا، بحيث تكون نقطة الصفر، ويرمز للسابق بعلامة(+) واللاحق بعلامة(-)" انطلاقا من هذا النص يمكننا أن نضع هذه الترسيمة:

قديم

الحداثة

حديث

-

o

+

ماض

المعاصرة

مستقبل

-

o

+

لنفترق بين مصطلحي الحداثة والمعاصرة، ولنبين أنهما مختلفان. فالحداثة ليست هي المعاصرة ولا مرتبطة بالزمن لأنها لو كانت كذلك لفقدت صفتها بمجرد مرور قليل من الزمن.

من هنا تبدو ضرورة الفصل بين مصطلحي الحداثة والمعاصرة. فالمعاصرة (contemporaine) إذن مصطلح ينطبق على الزمن ليس غير، وهو محايد الإحالة ليس محملا بأية حساسية إيديولوجية، ولا يضم أي حكم قيمة. بينما الحداثة (modernité ) تعني الأسلوب والحساسية والوعي الجديد بمتغيرات الحياة، إنها من هذا المنظور تتضمن حكما ووصفا نقديا. إن الذين يوحدون بين الحداثة والمعاصرة وبالتالي يربطون الحداثة بالعصر الراهن، مؤمنون بأن ما يجري الآن أفضل مما كان، وأن الآتي أحسن من الحاضر، وهي نظرة تركز على الزمن لا على الإبداع على الشاعر لا على إبداعه. ومن الخطأ أن نربط الحداثة بالمعاصرة أو بالزمن لأن من الحداثة ما يسبق الزمن ومنها ما يسايره ومنها ما يتاخر عنه.

وإذا كان الأمر كذلك فما الذي يجعل من النص نصا حداثيا:

سؤال كثيرا ما لاكته الألسن وطرح في الصحف والمجلات، ويبدو سؤال بسيطا، لكن عند طرق باب الأجوبة ترصد في وجهنا كل الأبواب لأن كل الأجوبة لم تتمكن من وضع الملح على الجرح، ولم تستطع تسييج كل ظاهرة إبداعية لتموضعها في محلها اللائق بها. فغذى السؤال سؤالا فضفاضا بلا ضفاف لكثرة استهلاكه، أجوف فاقدا لحيوية عناصره، وحتى لا تبقى دار لقمان على حالها نعيد طرح السؤال آملين أن نجد له جوابا يرتاح له المسائل ولو نسبيا.

1- هناك من حاول ربط النص الحديث بالعصر الراهن باعتباره الإطار الذي يحوي حركات التغير والتطور والإنسلاخ عن السلف –ومن تم فهو معادل للنص المعاصر- ونظرة هؤلاء للإبداع نظرة مثالية تجريدية شكلية تؤكد على الزمن، وتهمش الفن، تقبض على الشاعر وينفلت منها قوله بل تركز على السطح ولا تستطيع الغوص إلى الأعماق، إنها بكل بساطة نظرة تفضل النص الحديث، على شقيقه القديم وتتجاهل أن التحديث في الشعر ليس متزامنا دائما وبالضرورة مع "حداثة" الزمن، فالنص الشعري لا يكتسب حداثته من زمنيته وإنما يكتسبها من بنيته ذاتها.

2- وهناك من يرى أن النص الحديث هو ما يقع في الضفة المغايرة، او الجانب المناقض للنص القديم، ويقصرون تحديثيته على كونه مغايرا للنص الجاهلي او العباسي... إما في الشكل أو المضمون، فإلى هؤلاء نقول إن هذه الفكرة فكرة آلية تعتمد كأساس لها، فكرة إنتاج النقيض ومن هنا تقصر الإبداع في لعبة التضاد.

فالنظرة الأولى تضاد الزمن بالزمن وهذه تضاد النص بالنص هكذا مع هؤلاء يصبح الشعر ينفي بعضه بعضا مما يبطل معنى الشعر وإبداعه على السواء.

3- ونجد من الباحثين من لهم منطقهم الخاص، إذ يرون أن النص الحديث لا يكون حديثا إلا إذا كان صورة طبق الأصل للشعر الغربي. ويجب –إذا أراد النص العربي أن يكون حديثا- أن يحتذي الغرب في مقاييسه وأشكاله ومضامينه. وهي نظرة تنطلق من فكرة "المركزية الأوربية" وتقر –شاءت أم كرهت- بتفوق مسبق للغرب، ويعلنون تأخر الشعر العربي عن اللحاق بالشعر الغربي. إنهم يقعون في الاستلاب الكامل إلى درجة الذوبان في الآخر. ومن هنا ينفون خصوصية الشاعر العربي. ولا يصبح غير معيد أو مجتر لنجاح الآخر.

4- وهناك من الباحثين من يذهب إلى أن النص الشعري الحديث، هو الذي يخرج عن الأوزان القديمة. وأصحاب هذا الرأي هم المتحمسون لما سمي بـ "قصيدة النثر" باعتبارها –في رأيهم- تمثل تماثلا كاملا مع الكاتبة الشعرية الغربية، وتتنافى ومعمارية الكتابة الشعرية العربية. وهذه المقولة تنسى أنها تركز على أداة من أدوات الشعر ولا تعير أي اهتمام لجوهر الشعر.

5- إلا أن هناك من الباحثين من يقصر حداثية النص في كونه يعكس ويتناول قضايا عصره ومخترعاته وانجازاته. فهي رؤية ساذجة، لأنه قد يحدث أن يعبر الشاعر عن كل هذه المضامين لكن برؤى تقليدية، فالمواضيع لا تحدد الحداثة في النص، فلا ينبغي لنا البحث عن الحداثة في الأدوات.

نكتفي بهذه المواقف والآراء –على سبيل التمثيل لا الحصر- التي حاولت الإجابة عن هذا السؤال وان تنسج له ثوبا يحميه شر التيارات الجارفة، إلا أنها عجزت عن ذلك وبقي السؤال عاريا يتطلب منا حقه من الثياب. وسنحاول –قصارى جهدنا- أن ننسج لهذا السؤال ثوبا يقيه. ونطرح السؤال بصيغة أخرى تقربنا من الدخول في الجواب: ماذا يميز النص الحديث عن القديم؟ إن حداثة النص الشعري تشكل موقفا قبل كل شيء، ويتضح ذلك في أنه يجب على الشاعر أن يعبر عن تجربته الحياتية الحقيقية كما يعيها بعقله وقلبه على السواء. أي أن يكون النص تعبيرا عن روح العصر، لا انعكاسا مرآويا، وذلك باستخدام الصورة الحية القائمة في التاريخ والحياة، بشكل يحاول الانفلات من قبضة الأنماط والقوالب الموروثة، بل واستبدال التعابير والمفردات القديمة بمفردات جديدة، لا نقصد المفرد بالمعنى الحرفي، وإنما نقصد اللغة الشعرية باعتبارها إحساسا ووعيا مقصودا، تفرض نفسها فوق الرسالة التي تتضمنها وتعلن نفسها بشكل سافر. ها هنا تخرج الألفاظ عن كونها مجرد وسائل، غنها تتحول من الدوال إلى المدلولات، ويصبح كل شيء مقصودا وله معنى: الكلمات، ترتيبها، أشكالها الداخلية والخارجية... إننا لا نريد أن نقر أن الكلمة تكسب هذه القيمة بمعزل عن السياق العام للنص، بقدر ما نؤكد أنها لا تكتسب الوظيفة إلا من خلال حضورها ضمن بنية تعبيرية تحدد إيماءاتها الدلالية في جسد النص.

ففي النص الحديث يصبح كل شيء له معنى حتى البياض أو الصمت اللغوي، فإنه ليس بريئا بل إنه أصبح أحد المعالم المميزة للقصيدة الحديثة. وله صور مختلفة، وفي كل الصور لا يقتصر الإبداع على المبدع، وحده، إن النص الحديث يحاول إشراك القارئ في دلالة النص الغائبة المتمثلة في الصمت إذ أن اللغة، "لا تقدر أن تتجاوز سطح التجربة أما الباقي فيظل خارج اللغة يلفه الصمت" .

والشعر الحديث يهدف إلى تطوير الإيقاع، وتحطيم قدسية الأوزان القديمة، لكن ليس هدفه وغايته في تحطيم هذه الأوزان فقط، وإنما في صقلها لتطابق المضامين الجديدة، فينبغي في النص الحديث أن يكون الشكل مطابقا للمضمون بل ومعبرا عنه ورغم أن النص الحديث يهدف للتمايز عن النص القديم فإنه ما ينفك بغوص في أعماق التراث وفهمه والتفاعل معه باستخدام الإيحاءات التاريخية والأسطورية والفلكلورية ما دام هدفه هو تعميق الفكرة.

 

ذ. الكبير الداديسي

...................

1 عز الدين إسماعيل، "الشعر العربي المعاصر"، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية"، دار العودة ودار الثقافة، بيروت، طـ 2، 1972، ص 9.

2 عبد السلام المسدي، "النقد والحداثة"، ص 8-9.

3 كمال خير بك، "حركة الحداثة في الشعر العربي المعاصر"، ص 152.

شعرية الرمز الخمري في القصيدة الصوفية عند الشيخ الحراق

mohamad shadadalharakإن غاية كل صوفي مغرم متيم بحب خالقه، هي الظفر بالمحبوب والاتصال به والفناء في حضرته. ولذلك تجد السالك العارف يستعذب كل أنواع المكابدات والمجاهدات من أجل شهود هذه اللحظة النورانية الخاصة. ويمتد مسار مكابداته سنوات طويلة، يقاسي فيها مرارة الانتظار، ويعيش أحوال التذلل والهيام والخيبة والحسرة واللوعة والغربة والانكسار، حتى يحظى بشرف اللقاء وبمتعة الوصال والأنس. ومن حظي بهذا الشرف فقد نال القبول، وتكشفت له الأسرار، وشهد الحقائق العلوية، وصار من أهل الله وخاصته. وحينئذ يحق له أن يقتبس نورا من جمال المحبوب، الذي هو الجمال المطلق الأزلي، الذي يزري بكل جمال مادي عرضي زائل، وأن تستحم روحه في بحار الفيوضات الربانية والفتوحات اللدنية، فيعيش تجربة جديدة، يفقد فيها وعيه وإدراكه، وينتابه إحساس غريب بالغيبوبة وفقدان التوازن الذاتي وخمول العقل وعجزه عن التمييز والفهم. وقد عبر الصوفية عن هذه الحال بالسكر في حضرة الذات الإلهية. فاستعاروا المعجم الخمري ووظفوا ألفاظه وعباراته للتعبير عن قوة تأثير المحبة على عقل السالك المتيم، ووصفوا بأساليب الخمريات وصورها ضعف العاشق واستسلامه أمام جمال المحبوب، وانغماسه في بحر المحبة الذي لا ساحل ولا قرار له، فتجدهم " يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها،ويريدون بها ما أدار اللّه على ألبابهم من المعرفة أومن الشوق والمحبّة. والحبيب في عبارته، عبارة عن حضرة الرسول عليه الصلاة والسّلام، وقد يريدون به ذات الخالق القديم جلّ وعلا."1 وهكذا أسس الصوفية لنوع جديد من الثقافة هي ثقافة السكر الوجداني، وهو نوع من الغيبوبة الحادة الناتجة عن المفعول القوي للخمرة الروحية التي يعب منها -إلى حد الارتواء والثمالة- كل من عرف طعم الحقيقة، وانغمس في محيط الجمال المطلق. كما يقول الشلبي، وهو من كبار الصوفية:

إن المحبة للرحمن تسكرني              وهل رأيت محبا غير سكران

وقد تغنى معظم الصوفية بهذه الخمرة الروحية الأزلية حتى صارت إحدى الخصائص المميزة للتجربة الصوفية ومن لوازمها. ولم يكن أمام الشيخ الحراق بد من أن يدلي بدلوه في هذا الموضوع وقد أخذت منه المحبة الإلهية لبه وعقله، وملكت كيانه ووجدانه. فقد عبر عن انتشائه بخمر المحبة في أكثر من قصيدة، ورسم أحواله وعربدته الصوفية بعدما عب من كؤوس المحبة إلى حد الثمالة. ولما ذاق خمر المحبة ونال الإذن بشربها صارت دينه وملته، وفي ذلك يقول:

أباح لي الخمار منه تفضلا

فإن شئتـها صرفا شربت وإن أشاجناها فصار الشرب ديني وملتي

مزجت لأن الكل في طي قبضتي

   وللتعبير عن انغماسه في متعة العشق وعن لذة سكره الروحي قدم الحراق وصفا دقيقا لشدة تأثيرها على كيانه، مستعيرا التراث الخمري، ومقتبسا من التجارب الشعرية السابقة التي تغنت بالخمر المادية الحسية، وذكرت أسماءها ومتعلقاتها، لكن الشيخ الحراق غيّر هويتها، وجرّدها من بعدها المادي، وأسقط عليها الطابع العرفاني الخالص، ووجهها في اتجاه روحي ديني يعاكس كل تصور مادي، ويرفض كل تفسير سطحي أو تأويل مغرض أو متسرع. يقول في وصف خمرة المحبة:

وخمري أثارت في الجميع ضياءها

مدام تزيل الهم وهي بدنها

تراها بحشو الكأس وهي زجاجة

بها هم ممسوك وقد مسكت به

                   وحقا بأنواع الوجود استبدت

وينشط كل الكون منها بنفحة

ولو لم تكن فيه لذاب بسرعة

تلون كأسي في تلون خمرتي2

وواضح في هذا النص أن الشاعر يستعير من الخمريات الشعرية الموروثة آلياتها التعبيرية والتصويرية، ليقدم صورة فنية شعرية واصفة للتأثير الوجداني الذي تحدثه المحبة في شخصية السالك كلما أصابه الفناء في حب مولاه. وهكذا نجد الشيخ الحراق يستخدم ما درج عليه أصحاب الخمريات من مفردات وتعبيرات مرتبطة بنوع الخمر وآثارها وأدواتها : ضياء/ مدام/الدن/الكأس/ الزجاجة/تلون...

وفي السياق نفسه، نجده يصف حالة أهل السكر الصوفي وعربدتهم وترنحهم، وقد تمكنت منهم خمر المحبة، وأخذت ألبابهم كؤوسها، وغشيت قلوبهم ألوانها ورائحتها. وفي ذلك يقول:

وكسرنا الكؤوس بها افتتانا

وصار السكر بعد الوصل صحوا

                   وهمنا في المدير بلا مدارا

وأين السكر من حسن العذارى3

ولم يقف الشاعر عند حدود وصف حالة السالكين الواصلين للمحبوب الفانين في جماله وأنواره، بل نجده يساير شعراء الخمريات ويحاكيهم في وصف أنوار الخمرة وصفائها، فقد غدت شمسا ساطعة في عقل من تذوقها واستمتع بطعمها، وبذلك معادلا لما يحيط به من أكوان دالة عليه .وفي ذلك يقول:

شمس متى سطعت في عقل شاربها             يصير ذاتا لها الأكوان أسماء

ومعلوم أن وصف الخمر بالشمس هو من التقاليد الفنية التي تطرد كثيرا في التراث الشعري العربي، وقد وجد فيها الصوفية إشارة معبرة مناسبة عن جمال الذات الإلهية، ذلك الجمال الذي سطعت أنواره وأشرق سناه وفاض ضياؤه فغمر الكون وحير العقول. وفي مقدمة هؤلاء الشعراء الصوفية ابن الفارض سلطان العاشقين، إذ نجده يستعين بهذه الصورة الحسية في رسمه لحبه الإلهي بقوله:

شَربنا عَلى ذكر الحبيبِ مُدامةً

لَها البَدرُ كأسٌ، وهي شمسٌ، يُديرها

ولولا شَذاها ما اهتديتُ لِحانِها،

ولَمْ يُبقِ منها الدهرُ غيرَ حُشاشةٍ،

فإن ذكرتْ في الحيّ أصبحَ أهلُهُ

ومِن بينِ أحشاء الدّنانِ تصاعدتْ،

                   سَكِرنا بها، مِن قبل أن يُخلَقَ الكَرْمُ

هلالٌ، وكم يبدو إذا مُزِجتْ نَجْمُ

ولولا سناها ما تصوّرها الوَهْمُ

كأنّ خفاها، في صدور النُّهى، كَتْمُ

نشاوَى، ولا عارٌ عليهم، ولا إثــمُ

وَ لَمْ يبقَ منها، في الحقيقة، إلّا اسمُ4

 

 

ومن شدة اعتماده على التراث الشعري الخمري، نجد الشيخ الحراق يضمن شعره بعض أبيات أبي نواس في حديثه عن خمرته التي استبدت بعقله وقلبه، ويستعير منه عباراته، ويقتبس صوره ومعانيه، كقوله في همزيته:

لج المعاتب في لومي فقلت له

هذا ولا تلتمس برئي بمعتبة

                   (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء)

(وداوني بالتي كانت هي الداء)5

وفيها تضمين واضح لقول أبي نواس في خمريته الشهيرة:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء         وداوني بالتي كانت هي الداء

فقد وجد الشيخ في هذه الحال المنزاحة عن العادة من التجليات ومن الأنس والفناء ما جعله يتحدى كل محاولة يائسة لثنيه عن سلوك هذه الطريق، ودفعه لأن يقف في وجه كل من تجرأ على استنكار اختياره، أو كل من عاب عليه منهجه في المحبة والغرام. فهذه الخمر الأزلية بالنسبة إليه هي داؤه ودواؤه، وهي أصل عذابه وسر متعته، وهي سجنه الجميل الذي يحس فيه بانتشاء القلب وبحرية الروح وانطلاقها. وفي هذا المقام الروحاني يدرك المرء الذي اتصل بأسرار الملكوت أن وجوده المادي الطيني مجرد ظل يعكس وجوده الحقيقي المرتبط بأصله الرباني العلوي، ويدرك أنه تلك النفحة القدسية التي فاضت من روح خالقه.

إن السالك العارف المحب حينما تستوطن في قلبه حقيقة الحب الإلهي، وينغرس في وجدانه مطمح الاتصال بالمحبوب، فإنه حينئذ يعيش تجربة حياتية خاصة، ينفصل فيها وجوده عن بعده المادي، وينفلت فيها كيانه من مغناطيس التراب وجاذبية الواقع، يعيش لحظة استثنائية في اللازمان واللامكان، لحظة الحضور والاتصال بعدما عانى كثيرا من أجلها، فتهيم روحه، وتتبلد أحاسيسه، وتشتغل فيه حواس جديدة لا يملكها إلا من أوتي صدق المحبة، وحظي بالقبول ونال الاستئذان لولوج مقام المشاهدة. في هذا المقام تتوالى التجليات، وترفع الأستار، وتنكشف الحقائق، فيرى المحب المخلص الصادق بقلبه وحدسه لا بعينه ووعيه، يرى الجمال الأزلي والنور الرباني، جزاء له على صدق محبته وصفاء طويته. فتتغير أحواله، ويفقد سيطرته على نفسه الفانية في جلال اللحظة النورانية، وينقاد لها باستسلام تام، فتصدر عنه شطحات عرفانية، وتنهمر على قلبه فيوضات ربانية. ولترجمة هذه المعاناة الوجدانية، تجده يرسم هذه الأحوال وهذه الانفعالات الشعورية بريشة الكلمة الشعرية الشفافة المحملة بالإشارات والإيحاءات، ويسطر تجربته أبياتا رقيقة تنبعث منها أنات المحب وآهات العاشق وهذيان الثمل الذي فقد توازنه الذاتي.

 

د. محمد شداد الحراق

.........................

هوامش:

1- شرح ديوان ابن الفارض: الشيخ حسن البوريني والشيخ عبد الغني النابلسي، ج 2/ ص 138-139

2- ديوان الحراق، دار النجاح، الدار البيضاء د.ت

3- م نفسه

4- ابن الفارض ، عمر. الديوان. تحقيق: مهدي محمد ناصر الدين دار الكتب العملية. . بيروت، 2005م.ص:179

5- ديوان الحراق،

تنوعات الوجع العراقي في العائد الى الغربة للقاص احمد عواد الخزاعي

khudir awadalkozaiمن رحم معاناة مجتمعنا الذي جلدته سياط الحروب، وعصفت به الأزمات على مر تأريخه المعاصر، لابد لنا من صيرورة جديدة وثقافة تلامس واقعنا بتجرد وتطرح مشاكلنا بطريقة تصل للجميع كي يشترك الجميع في التفكير والبحث عن حلول لها”.بهذه المقطع من المقدمة القصيرة للكاتب أحمد الخزاعي يفتح الباب أمام المتلقي كي تكون عوناً له في قراءة مجموعته القصصية الأولى”العائد إلى الغربة” الصادرة عن دار سطور 2015 . والمتتبع لهذه النصوص السردية يلاحظ بجلاء حجم المعاناة التي نوه إليها الكاتب في مقدمته تلك، قسم الكاتب مجموعته القصصية إلى قسمين، القسم الأول هو مجموعة القصص القصيرة، فيما خصص القسم الثاني، لمجموعة قصص قصيرة جداً، إسلوبياً تعامل الكاتب مع نصه السردي بطريقة مفتوحة متنقلاً بين مستوياته المختلفة، حسب اختلاف شخوصها وأماكنها وأزمانها وأحداثها، وهذا التباين في مستويات النصوص وثيماتها، أضاف لها الكثير من الثراء ومنحها المرونة في الانتقال والتنوع في نسيجها السردي الواحد، من قصص المدينة، كما في قصة “الخيمة” و”العائد الى الغربة” و”موت خمس نجوم” و”التي سقطت في عش الغراب” و”المواطن عبدالله وبلاد السويد” و”امطار الحزن”. إلى قصص الحرب، كما في قصة “الحقيبة” و”الحرز” و”الحارس” و”الرذيلة” و”الهارب”، إلى مجموعة القصص التي تتضمن بعض المعالجات النفسية ووالأزمات الشخصية، كما في قصص: “الكرسي المدولب” و” عالم افتراضي” و”موعد خلف جدران الصمت”و”رسائل الى غودو” و”أنا سعيد”و”البندول”. مفسحاً مجالاً رحباً لقصص الريف، كما في قصص:”أرض الجوع” و”الحشر” و”ضفائر عشتار” و”النهيبة” وعرس”.

799-ahmadفي مجموعة”العائد إلى الغربة” هناك أكثر من قاسم مشترك يجمع بين قصص المجموعة. فهناك العامل النفسي في هواجسه وانفعالاته والذي نجح الكاتب في تناوله وصياغته بصورٍ قريبة وصادقة، العامل الآخر المهم الذي سيطر على أجواء المجموعة هو هذا الكم الكبير من العودات، وهيَّ بالتأكيد عودات بطعم الهجرة والإغتراب، لأنها كانت في مكابداتها الروحية، مقاربة للهجرة أكثر منها للإياب، فلقد تمكن الإغتراب وبعد طول انقطاع، روحي ونفسي وليس مكاني فقط بتقاطعه مع كل تفاصيل الواقع، الإجتماعية والنفسية، والاقتصادية، من النفوس والعقول والأرواح والمشاعر، وكان محفزاً لها لتعيش تلك العزلة، وذلك الإنقطاع، لتنكفأ على نفسها، ملومة متحسرة، وخائبة، نلمس ذلك في أكثر من نص سردي، كما في قصته الأولى”الخيمة” حيث يتحول انتظار الزوجة لزوجها،الغائب/العائد، والذي خرج ذات يوم ولم يعد، تحوّل إلى هجرة روحية في داخل أعماق الزوجة، وان كانت تلك الهجرة لا تتعدى حدود عالمها الروحي وحدود خيمتها مع ولديها، مع هذا الخيط الرفيع من الأمل الذي يجعلها ان تبقي باب خيمتها مفتوحاً لأكثر من عام، أما في قصة “العائد إلى الغربة” والتي منها عنوان المجموعة، والتي يجد بطلها نفسه غريباً وسط من تبقى من أهله بعد عودته من الأسر، الذي سرقه من أهله لعشر سنوات، فلقد رحلت الزوجة، وتوفيت الأم، وكبر الأبن، ولم يتبقى له غير ذكريات عليه أن يعيد اجترارها بحسرة، مردداً مع نفسه، تلك الترنيمة التي لايجيدها غير المتأسفين على ضياع حياتهم”ياحريمة”. عودة أخرى بطعم الإغتراب والهجرة، لكنها هجرة أخيرة نحو الفناء، تلك التي يعيش لحظاتها الأخيرة الجندي المنسحب من الحرب، وهو يحمل على كتفه بندقيته وحقيبته، التي وضع فيها كل ما يمتلك من حطام الدنيا أو كنوزها”رسائلها وكتبه”. لكن “الموت الوطني” كان له بالمرصاد، بعد أن نجا من الموت قتلاً في الحرب، فيستسلم لحتمية قدره الأخير، الموت بيد أبناء جلدته، بعد أن يدس رسالة حبيبته في جيبه، لتكون رفيق رحلته الأبدية، في مستوى آخر من المجموعة، هناك نوع آخر من الهجرات، وهو ما يمكن أن نطلق عليه” الهجرات السومرية” حيث أختار الكاتب وبروح مفعمة بالتفاعل شخوصه السومريين من جنوب العراق، وهم يواجهون مصائرهم منفردين أمام قوى متجبرة، كالفقر، كما في قصة “أرض الجوع” بنفسها التراجيدي، ونهايتها المفجعة، حيث يكون الموت هو البديل الآخر لبؤس الحياة وجورها” حين يهمس الأخ بإذن شقيقته التي رحلت قبل أن يوصل لها دوائها ” نامي خوية بدرية وارتاحي” فيما يكون الإقطاع، وجهاً آخر من وجوه تلك القوى المتسيدة لحياة الناس في تلك البقاع السومرية من أرض العراق، كما في قصة “الحشر” حين يتحول الناس إلى عبيد، من أجل أن تزدهر أرض الشيخ فيما تبور وتموت حياة الناس، ولن يكون أمام الفلاح “حمد” وحبيبته”ليرة” إلا الهروب والهجرة إلى مدن الصفيح، التي لن تكون إلا امتداداً لحياة البؤس والكدح التي عاشاها هناك في القرية، وفي رجعية التقاليد وتخلفها ، كما في قصة”ضفائر عشتار” يكون على الصبية “فرحة” أن تدفع ثمن، حياة ابن الشيخ، حياتها وحياة حبيبها “سلمان”، الذي حاول مستبسلاً تخليصها مما كان ينتظرها من مصير اسود برفقة ذلك الشيخ المتجبر.

فيما كان الشعور بالقهر هو القاسم المشترك الآخر لمجموعة أخرى من القصص، يكون العامل النفسي والشعور العالي بالإحباط قد تمكن من ذوات ونفوس أبطاله، كما في قصة “أمطار الحزن”، حينما يتحول الفقر إلى قدر يمسك بمصائر الناس ويقودهم إلى حتفهم، فلن يكون هناك من مهرب غير البكاء والدموع، في مقاربة تاريخية مع استذكار واقعة كربلاء.

في القسم الثاني من المجموعة هناك مجموعة من القصص القصيرة جداً، تقع في 32 قصة، هيّ امتداد لقصص المجموعة الاخرى في القسم الأول، لكن ما يميزها هو الكثافة والاختزال واللغة الموجزة الثرية بالمعاني، انها ومضات تحاول ايجاز حالات الانكسار والخيبة كما في قصص:”أرق”و”هاجس” و”عبيد”و”الفاتحون”والكثير من القصص، في مجموعته القصصية “العائد إلى الغربة” كانت هناك التقاطات مؤثرة من الواقع العراقي، بكل تنوعه الإجتماعي والبيئي، أشرت عمق الفاجعة التي أحاطت بحياة الناس، لعقود من السنين، وما زالت تعيد انتاج نفسها بصور متغيّرة، وفي هذه المجموعة يضيف القاص أحمد الخزاعي منجزاً مهماً إلى الأدب القصصي العراقي، ويترك له بصمة متميزة كمنجز أول له في عالم الأدب، يستحق القراءة والاهتمام.

 

بقلم الروائي والناقد خضر عواد الخزاعي

كيف نستخدم العلم في خدمة الفن ..المونو دراما نموذجاً

hayelali almotheabi"المونو دراما" شكل فني يقصد به المسرحية التي يؤديها شخص واحد، والمصطلح ليس حقلاً لغوياً، أو دلالياً، حتى يشير إلى أبعد مما يعنيه حرفياً، لكن تجاوز الشخص الواحد "المونو" لأداء المسرحية، يتطلب أسساً علمية، وإلا لم يعد مونو درامياً، وانتقل إلى المسرحية الدرامية ..

لنفترض أننا نريد أن نقدم مسرحية مونو درامية تؤديها شخصيتان أو أكثر بدون أن نتجاوز معنى مصطلح المونو دراما .. كيف؟

لا يمكن أن نؤدي ذلك إلا في حالة واحدة وهي الانطلاق من أسس علمية ترتبط بالشخصية الواحدة للإنسان وتفصيلاتها النفسية والفلسفية..

يقال في علم الشخصية أن للإنسان ثلاث شخصيات : تلك التي هو عليها، وتلك التي لا يعرف عنها شيئاً، وتلك التي يظن أنه هي..

من هذا يمكن أداء مسرحية مونو درامية بدون أن نتجاوز المعنى الذي يشير إليه المصطلح " مونو دراما" ونخلق مسرحية مونو درامية من ثلاث شخصيات..

وهناك مصطلح القرين الذي يشير إلى أن لكل إنسان قرينه ومنه يمكن خلق مسرحية مونو درامية مزدوجة يؤديها شخصان بدون تجاوز مصطلح المونو دراما وما يشير إليه..

أما إذا أردنا أن نخلق مسرحية مونو درامية تؤديها شخصية ذكورية وشخصية أنثوية بدون تجاوز المصطلح فيمكننا الرجوع إلى نظرية علمية نفسية فلسفية هي نظرية العالم النرويجي " جوستاف كارل يونج " التي تفيد بإن الإنسان ثنائي الجنسية وأن داخل كل رجل حس أنثوي يسمى الأنيما وداخل كل أنثى حس ذكوري يسمى الأنيموس أي أن داخل كل أنثى رجل وأن داخل كل رجل أنثى .. ومن هنا يمكن خلق شخصيتين داخل مسرحية مونو درامية بدون تجاوز المصطلح ..

ويمكن وعلى أسس علمية خلق مسرحية مونو درامية ويؤديها خمسة أشخاص أو سبعة أشخاص بناء على نظرية علم الشخصية وتقسيماتها للشخصية البشرية وبناء على مصطلح القرين وكذلك نظرية العالم يونج ودمجها في مسرحية واحدة مونو درامية .. وبذلك نكون قد استخدمنا العلم لخدمة الفن.

 

هايل المذابي

 

ابن زيدون عـاد يُبكيـنـا والولادة لِمَن يشتهيها!(4)

karem merzaعلى مهلك معي رويداً رويداً...!!

الولاّدة تكتب على طرازين وضعتهما على عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعــالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاً

أمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها

وفي أول لقاء ابن زيدون بها، رماها بهذين البيتين:

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ويودّعها عند الانصراف بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعك

يقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْ

يا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْ

إن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

 

1 - من هو ابن زيدون:

مما جاء في (وفيّات أعيان) ابن خلكان:

أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور؛ قال ابن بسام صاحب الذخيرة في حقه: كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم . أخذ من حر الأيام حراً، وفاق الأنام طراً، وصرف السلطان نفعاً وضراً، ووسع البيان نظماً ونثراً. إلى اديب ليس للبحر تدفقه، ولا للبدر تألقه. وشعر ليس للسحر بيانه، ولا للنجوم الزهر اقترانه. وحظ من النثر غريب المياني، شعري الألفاظ والمعاني. وكان من أبناء وجوه الفقهاء بقرطبة، وبرع أدبه، وجاد شعره، وعلا شأنه، وانطلق لسانه. ثم انتقل عن قرطبة إلى المعتضد عباد صاحب إشبيلية في سنة إحدى وأربعين وأربعمائة، فجعله من خواصه: يجالسه في خلواته، ويركن إلى إشاراته. وكان معه في صورة وزير. وذكر له شيئاً كثيراً من الرسائل والنظم، فمن ذلك قوله:

بيني وبينك ما لو شئت لم يضعِ **** سرٌّ إذا ذاعت الأسرار لم يذعِ

يا بائعاً حظه مني، ولو بذلــتْ ***** لي الحياة بحظي منه لم أبعِ

يكفيك أنك إن حمّلت قلبي مـا ***** لا تستطيع قلوب الناس يستطعِ

ته أحتمل واستطل أصبر وعز أهن ** وول أقبل وقل أسمع ومر أطع

... وله القصائد الطنانة، ولولا خوف الإطالة لذكرت بعضها .

ومن بديع قلائده قصيدته النونية التي منها:

نكاد حين تناجيكم ضمائرنا *** يقضي علينا الأسـى لولا تأسينا

حالت لبعدكم، أيامنا فغــــدت *** سوداً وكـانت بكم بيضاً ليالينا

بالأمس كناوما يخشى تفرقنا *** واليوم نحن وما يرجى تلاقينا

وهي طويلة، وكل أبياتها نخب، والتطويل يخرج بنا عن المقصود . " (1)

ولد ابن زيدون في رصافة قرطبة سنة (1003 م / 394هـ)، كان والده فقيهاً كبيراً شهيراً، مستشاراً لقاضي قرطتبته، رعى ابنه، وتلمذه على يده، وأحاطه برعاية تامة، وقرّبه من أصدقائه العلماء والفقهاء، فأخذ منهم، وتثقف وتعلّم منهم كثيراً، توفي الأب سنة (405 هـ /1014م)، والابن في الحادية عشرة من عمره.

نشأ ابن زيدون في مدينته، ولعبقريته الفذة، ونبوغه الشديد شق طريق حياته العلمية والأدبية باقتدار كبير، وإمكانية عالية، وجهد مميز حتى سما وذاع صيته، وامتدّ نفوذه، ولكن عصره كان مضطرباً قلقاً مليء بالدسائس والمؤامرات والانقلابات، إذ محقت الدولة الأموية، ففقدت سطوتها تماماً بعد سقوطها !!

وعندما أسس أبو الحزم بن جهور دولته الجهورية (422 هـ - 468 هـ)، ساهم ابن زيدون في إرساء ركائزها، وتولى مناصب رفيعة فيها، ولكن حيكت الأحابيل للإيقاع به، فوقع بين جدر السجون لعام ونصف، وفر من سجنه، ثم عفا عنه أبو الحزم الحازم، ولما توّلى أبوالوليد سلطة الحكم، تقرّب إليه، وخدمه، وتقلد مسؤولية ديوان أهل الذمّة، وعدة مناصب دبلوماسية، وتعرف على ملوك عصر طوائفه حتى وصل إلى بلاط المعتضد في إشبيلية سنة (441 هـ ـ 1049م)، ففضل البقاء فيه لميول المعتضد الأدبية، فقرّبه الأخير إليه، بل صيّره وزيره الأول، ولقّب بذي الوزارتين !!

وبفى وبقى رفيع في منصبه، عالي في همته، شهير في شعره وأدبه حتى توفي المعتضد، وقام ابنه المعتمد، والمعتمد ما قصّر في حقّه، بل كرّمه وزاده إلى أن دخل حسّاده بينهما، فجفاه، وقلب عليه ظهر المجن، إذ نزل تحت مشورتهم، لإبعاده عن البلاط بإرساله على رأس حملة مهمتها إخماد ثورة العامة على اليهود بإشبيلية، فتناهبته الأمراض والأسقام حتى لفظ أنفاسه في سنة (463هـ/1071م) (2)

ويذكر الزركلي في (أعلامه) عنه " وزير كاتب شاعر، من أهل قرطبة، انقطع إلى ابن جهور (من ملوك الطوائف بالاندلس)، فكان السفير بينه وبين الاندلس، فأعجبوا به واتهمه ابن جهور بالميل إلى المعتضد بن عباد، فحبسه، ولكن المستشرق كور يرى (أن سبب حبسه اتهامه بمؤامرة لارجاع الامويين)، وقد استعطف ابن زيدون ابن جهوربرسائل عجيبة فلم يعطف، فهرب، واتصل بالمعتضد صاحب إشبيلية فولاه وزارته، وفوض إليه أمر مملكته فأقام مبجلاً مقرباً إلى أن توفي باشبيلية في أيام المعتمد على الله ابن المعتضد .

وفي الكتاب من يلقب ابن زيدون ب (بحتري المغرب) وهو صاحب (أضحى التنائي بديلا من تدانينا) من القصائد المعروفة .

وأما طبقته في النثر فرفيعة أيضا، وهو صاحب (رسالة ابن زيدون - ط) التهكمية، بعث بها عن لسان ولادة إلى ابن عبدوس وكان يزاحمه على حب ولادة بنت المستكفي .وله رسالة وجهها إلى ابن جهور طبعت مع سيرة حياته في كوبنهاغن (3)

 

2 - الولّادة:

جاء في (نزهة الجلساء في أشعار النساء) للسيوطي:

" قال: وكانت ولادة في بني أمية بالمغرب كعلية في بني أمية بالمشرق. إلا أن هذه تزيد بمزية الحسن الفائق!! وذكرها ابن بشكوال في الصلة فقال: كانت أديبة شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر، وكانت تخالط الشعراء، وتساجل الأدباء، وتعرف البرعاء، وعمرت طويلاً، ولم تتزوج قط .

ماتت لليلتين خلتا من صفر سنة ثمانين، وقيل سنة أربع وثمانين وأربعمائة. وكانت قد كتبت في طراز جعلته في إحدى عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاً

وكتب في الطراز الآخر:

أمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها

وهي التي أولع بحبها أبو الوليد بن زيدون فكتبت إليه بعد طول تمنع:

ترقّب إذا جـــــنَّ الظلام زيـــــارتي **** فإني رأيـــت الليــــلُ أكتم للسرِّ

وبي منك ما لو كان بالشمس لم تلح **وبالبدر لم يطلع، وبالنجم لم يسرِ

ووفت له بما وعدت، ولما أرادت الانصراف ودعها بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعك

يقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْ

يا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْ

إن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

وكتبت إليه:

ألا هل لنا من بعد هذا التفـــــرّقِ **** سبيل ؛ فيشكو كل صب بما لقي

وقد كنت أوقات التزاور في الشتا ** أبيت على جمر من الشوق محرقِ

فكيف وقد أمسيت في حال قطعةٍ **** لقد عجّل المقـدارُ ما كـــنت أتقي

تمر الليالي لا أرى البين ينقضي *** ولا الصبر من رق التشوق معتقي

سقى الله أرضاً قد غدت لك منزلاً *** بكل سكوب هــــاطل الوبل مغدقِ (4)

قصة ليست كبقية القصص، والعرب أمة تشبّعت بقصص الحب والعشق والعذوبة والعاطفة والرقة والوفاء والإنسانية، تراثها زاخر، وتاريخهم مليءٌ بالمآثر، ومما يحزّ في قلوبنا حاضرهم هذا الحاضر !! وعقلهم الجمعي هذا العقل بين سيفٍ وجلفٍ وجزرٍ وجهلٍ ورياءٍ ونفاقٍ وتصنعٍ وتحليلٍ وتحريمٍ وقيل وقال، فاختلط الحابل بالنابل، فصار كبيرنا صغيراً مكبوتا، وصفيرنا كبيرا منفوخا، لا رأي لمن لا يطاع، ومن يطاع ليس له رأي:

لا يصلح القوم فوضى لا سراة لهم **** و لا سراة إذا جهالهم سادوا

نعم نحن الحاضر لسنا بأمة امرئ القيس بفاطمته، ولا عنترة بعبلته، ولا جرير بإنسانته، ولا الرشيد بزبيدته وألف ليلته، ولا المأمون ببورانته (أعظم وأخلد وأثرى زواج في الإنسانية كلها على امتداد تاريخها، باعتراف الغرب قبل الشرق هكذا نجل المرأة من قبل)، ولا أبي نؤاس بجنانه ولا أبي العتاهيه بعتبته، ولا ابن الرومي بوحيدته، ولا المتنبي بخولته، ولا الشريف بظبية بانه ... ولا حتى بالسيد جعفر الحلي بقامة رشأه، ولا الحبوبي بغزال كرخه ولا الجواهري بعريانته ...!!

أمة فتك بها بعض فقهائها، بتحريك من سلاطينها، أوباجتهادات غير مسؤولة، وبسنود غير واعية، ولا مؤهلة، فأفتوا بفتاوٍمتناقضة مكفرة ومتخلفة، فضلوا عن طريق سيد الخلق آجمعين، محمدنا الأمين (ص)، وأضلوا، والفقه يمثل العقيدة، والعقيدة لا يغلبها غالب !!. فتخلف الأمة ليس بسبب شعرها وفنها وأدبها، بل نحن من أرقى أمم العالم بهذا المجال، لو كان ينصف المنصفون، ولكن كل مغلوبٍ مأكول !!

ونعود للقصة التي تعد من أجمل قصص الحب في تاريخ الأندلس وفي تاريخ الأدب العربي بصفة عامة . والولادة - كما ذكرنا - كانت تتمتع بالجمال، وتمتلك ثقافة عالية، و لها مجلس بقرطبة إبان حكم أبي الحزم بن جهور، يجتمع فيه أشهر المثقفين والشعراء والأدباء. وكان ابن زيدون وزيراً في حكومة هذا الحزم، ومن أولئك الأدباء الذين ارتادوا مجالسها الأدبية وكان آنذاك في شرخ شبابه، ورونق بهائه . وفي أول لقائه بها، رماها بهذين البيتين

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ولكن بعد الحب والعشق واللقاءات، استمع ابن الزيدون لجارية الولادة، واسمها عتبة، تغني، فطرب، وطلب الإعادة، غضبت الأميرة الشاعرة، وهدهدت له هذه الأبيات:

لو كنت تنصف في الهوى ما بيننا *** لم تهو جاريتي ولم تتخيّر

وتركت غصناً مثمراً بجمالـــــه *** وجنحتَ للغصن الذي لم يثمر

ولقد علمت بأنّني بدر السمـــا **** لكن دهيت لشقوتي بالمشتري

وكان خصمه في حبها الوزير أبو عامر ابن عبدوس.وتتعاون الاضطرابات السياسية، التي كانت سائدة في ذلك العصر، وما نتج عنها من مؤامرات ووسائل لم ينج منها أي شيء حتى الحب الصادق بالإضافة إلى الغيرة، فلما سنحت هذه الفرصة تدخل هذا العبدوس بينهما متقرباً لولادة ولم نتتظر الولادة كثيراً حتى قطعت علاقتها بعشيقها واختارت الثاني ليكون العاشق الجديد نِكاية بصاحبها العتيد:

لكل جديدة لذة غير أنني *** وجدت لذيذ الموت غير جديد!!

ونترككم لجديد، وكل آت قريب، وما الموعد ببعيد !!

 

كريم مرزة الأسدي

..........................

(1) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر بن خلكان - المحقق: إحسان عباس - ج 1 - ص 40 - دار صادر - بيروت - ط 0 - 1900 م.

(2) مجلة الرافد تصدر عن دائرة الثقافة والإعلام في حكومة الشارقة / ص 10

الشاعر ابن زيدون

د. سهـى محمـود بعيـون

الدكتورة تجعل وفاة ابن زيدون 1070م ونحن خرج لدينا بدايات 1071م، وهو توفي في رجب 463هـ .

(3) الأعلام: الزركلي مصدر الكتاب: موقع يعسوب - 1 /158 - الموسوسعة الشاملة

راجع في ترجمته كما يذكر الزركلي:وفيات الاعيان 1: 43 وقلائد العقيان 70 وآداب اللغة 3: 54 والذخيرة، المجلد الاول من القسم الاول 289 وفيه مجموعة حسنة من شعره ونثره.

ودائرة المعارف الاسلامية 1: 186 وجذوة المقتبس 121 وتاريخ الخميس 2: 360 والنجوم الزاهرة 5: 215 وانظر إعتاب الكتاب 207

(4) نزهة الجلساء في أشعار النساء: عبد الرحمن السيوطي جلال الدين - 1/ 10 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

قراءة فى القصة القصيرة: رسائل الموتى للأديب العراقى عبد الكريم الساعدى

mohsin altokiنص القصة: قبل أن يلتهمه شبق الطريق الممتدّ نحو البحر، ويسدل النهار ستار التلاشي، رمقت عيناه غيمة شاردة في اللااتجاه، خطواته التائهة ارتدت مئزر المجهول، خطوات بعثرها الخوف والحيرة، يرافقها صدى صوت منبعث من انكسار طبقة الملح المغطّية وجه الأرض، الأرض قطعة من ملح عالقة بغفوة أطلال منسيّة، مترعة بالوحشة والغياب، عيناه المكحّلتان بالضباب، الأحلام البائسة، تستحمّ بأمل العثورعلى وحدته العسكرية الجديدة، لا ملاذ يرتجي غير خنادق يسكرالموت فيها، كلّ شيء مفزع، وحده الطريق يرافقه والغيمة الشاردة صوب المجهول، أصوات انفجارات ودوي المدافع ليس بعيداً عن مسمعه، أصوات اختلطت بصفير الرياح الموحشة، صفير يشجيه خوفاً خانقاً كلّما أوغل في تفاصيل الاحتمالات، حفر كثيرة وعميقة منتشرة على امتداد المكان، كأنها بثور تشكّلت فوق خدّ صفعه الطاعون، حفرتها القنابل الآتية من شرق الأرض وغربها، حفرتها آلة الحرب والخراب بلا مبالاة، شقوق الأرض الملتصقة بحافة الطريق، تلوذ بأشلاء متناثرة هنا وهناك، تتشكّل جسداً يشهق بأنين الموتى، يفوح بعطر متخم برائحة الدخان والشواء، يصدح بهتاف بلّله العطش، كان الجسد جندياً معمّداً بالموت، تشكّل من أشلاء شتّى، كان طرفه الأيمن يقبع في جيب بسطال أحمر، أقصر بقليل من طرفه الآخر الذي علّق به حذاء أسود، لوّح له بيدين غير متناسقتين، كلتيهما يمين، يخيل إليه أن الجسد جحافل من رفات، تحمل رأساً ذا عيون كثيرة، قابعة في محاجرها، جسد مخيف لا يشبه إلا ظلّه الزاحف سعياً خلفه، أطلق صوتاً محموماً مختنقاً بالجراح، كان الجندي يرعى براري الملح وخوفه من المجهول قبل أن يدركه الصدى، انتفض فزعاً يحتمي بخطواته المرتعشة بالرعب، الطريق يضيق، أكوام الملح تخبط عينيه، الحفر باتت مغارات تتستّر بقناع الفجيعة، كان الصوت موشّى بتمائم النسيان، تقطر منه دموع أطفأت مسامات الخوف وهشّمت الحجب الخفية، تسفح ما تبقى من سنين العمر المعلّقة على هدب، يحمل عويل المسافات، يعبر الجندي أضلع الخوف، يعانق وجه التساؤلات التي أطلقتها جحافل الرفات، المسافة بينهما ساكنة، اختزلت ضباب الضجيج، كان البوح يرتدي نشيج الشوق إلى أحلام معلّقة في الهواء، أحلام معتّقة بالنسيان، مرتبكة بظلال الدخان المتصاعد من حرائق الحسرات والندم، كانت التساؤلات تنتقل من العيون إلى عيني الجندي خبباً، عيون تلعق وجه الأرض، غائرة في زوايا من حجر، تسلّقت مرايا الموت، تؤطرها أقراص معدنية متدلّية من عنق سلسلة فضية، موشاة بقطرات دماء جفّفها ملح أديم الأرض، أقراص تبرق بأسماء أصابها الصدأ بعدما أخذ الجسد شكل الماضي، منفصلاً عن ظلّه، تحمله جحافل من الرفات، تمترس ببقايا وطن معلّق برمش ارتجاف الأرض، وطن يبحث عن رأسه،

- أيّها الجندي، تمهّل، إلى أين؟

كان الصوت مخنوقاً بوجع الهزيمة:

- ارتجي دليلاً إلى وحدتي.

- لاشيء غير الهاوية، بروق الموت تعبث بضفتي النهر.

- لابدّ من الرحيل أو الموت، أنا مدرك أنّ فرقة الإعدام خلفي، لاخيار لي. - تمهّل، إنّك تسير على سطر من الألغام وسطر من الأجداث، الطريق يتناسل موتى ولم يعد لخطواتك معنى، كلّ الخطوات متشابهة عند شجيرات الحنّاء المتيبسة، وبساتين النخل التي أصابها الظمأ.

بدأ يتقبل فكرة الانتظار، تسلّل من بين أنامل خوفه طيفاً، يلوّح له عن بعد بكركرات أطفاله، ظلّ عباءة امرأة هدّها القلق، شبح بيت تحمله أنقاض العوز والحرمان، لم يعد مواصلة الطريق أمراً مألوفاً لديه، فربما يحمله الخطو إلى مساءات مسكونة بالأمن، فيغفو كطفل تحت دثار الحكايات. تسوّرته أيدي الرفات بفرح، ألقت إليه حقائب مملؤة بالجراح، أسمالاً كان الموت معلقاً بها، رسائل توارت خلفها أسرار خفية، بلّلتها دموع الفراق، مطوّقة بالأقراص المعدنية وظلال صور، مزّقت إطارها رصاصات تائهة، تبحث عن مأوى، فكانت هي المأوى. وقبل أن يتدارك موته همست الشفاه بصوت واحد:

- لاتنسَ، إنّا كنّا لعبة الموت، وبين كومة ملح وأخرى كان موتنا، وأنّ أجسادنا مازالت هنا.

وبعد إن يمّمت عيناه النهايات ونطقت خطاه بألم الثّرى وعري البراري، تساءل بدهشة،

" ( كيف يذعن الموت لكلّ هؤلاء القتلى؟ وكيف يمضي الضجيج، بينما يبقى كلّ هذا الألم؟) "*.

ومضى، تسابقه الخطوات، بيد أنّ الأسماء ظلّت هناك، تلوّح بالغياب.

*عبدالعزيز موافي / ديوان شعر ( 1405 )

 

القراءة

تجربة الفقد، واحدة من أقسى التجارب الإنسانية .

التيه .. أن تختلط الاتجاهات، فلا يصير لها معنى ولا دلالة، وتفقد الدليل، والمورد والأمان .

عبد الكريم الساعدى لا يكشف التجربة كاملة، إنما يعطيك ملامحها، ويقودك فى دروبها بإشارات ودلالات تعمق فى وجدانك الأثر المطلوب . هو لا يحكى قصة جندى فرد، ولكنه يسلط الضوء على فعل الحرب وما يتركه من شرخ عميق ليس فى النفس الإنسانية فقط، بلا فى جوهر الحضارة الإنسانية ذاته .

والفقد فى النص لا يقتصر على كونه فقدا ماديا يتعلق بالأمكنة والاتجاهات، لكنه أيضا فقدا نفسيا يتعلق بافتقاد المعنى والأمان . فالجندى الذى يبحث عن وحدته الجديدة يتقدم بوجل مابين (الغيمة الشاردة فى اللاتجاه) على مدى البصر، وبين فرق الإعدام التى تقتفى أثره . وهو محير مابين المراوحة فى المكان فرقا من المجهول، ومابين التقدم فرارا من الخطر المحدق .

ولا تفارق تلك الازدواجية سياق السرد، يظل المتلقى طوال النص يعاين حالة التوتر فى تلك المنطقة بين المطرقة والسندان . وعبد الكريم يجيد مهارة الاحتفاظ بقارئه فى تلك المنطقة الخطرة مهما انتقل فى السرد .

لا ملاذ للجندى فى طريق البحث عن وحدته غير خنادق يسكر فيها الموت، والسكر حالة من حالات النشوة . فما العلاقة بين النشوة وبين معالم الفزع وأصوات الانفجارات ودوى المدافع، وصفير الرياح الموحشة، والأشلاء المتناثرة، والهواء المتخم برائحة الشواء والدخان.

نلمح الموت المتربص فى الجملة الاستهلالية (قبل أن يلتهمه شبق الطريق الممتد نحو البحر) .. فالجندى يسعى إلى حتفه غير المبرر إلا على ضوء الجدلية التى تفترض أنه ليس إلا وقودا لشهوة مستعرة لكائن غير ذى ملامح . اذ هو ليس كائنا ماديا، إنما هو ذلك الميل الانسانى الى تدمير الذات والذى يشكل سمة من سمات الحضارات والتجمعات الإنسانية .. ثنائية (الأيروس / والثاناتوس) المترنحة مابين غريزتى الحياة والموت . فنحن لا ننتبه الى عمليهما طالما كان قاصرا على الداخل، إنما نفطن إليهما حينما تتجهان الى الخارج، فتميل الأولى الى البناء والارتقاء بالجنس، بينما تتحول الثانية الى نزعة تدميرية غالبا مايكون وقودها البسطاء الذين يساقون الى حتفهم دون غاية تمدهم ولو حتى بتعويض نفسى زائف .

لا يصل الجندى إلى البحر أبداً، إنه يخوض فقط فى دروب ومتاهات بطعم الملح، فالغيمة الشاردة فى اللاتجاه ماهى إلا الهزيمة التى تصبغ الوجود بطعم وملمس الملح .

والمشهد المضمخ بالأسى والفجيعة الذى يطالع المتلقى منذ أن يلتقى الجندى بالجسد المشوه على جانب الطريق هو مشهد يعبر عن مواجهة الذات، فالجندى التائه يلتقى بذاته بلا رتوش ولا أكاذيب، وحينها يتوقف خوفه، إذ تنبسط أمام عينيه حقيقة الأمر وجوهره .

فالجسد المشوه لجندى معمد بالموت لا يعبر عن شخص بذاته بقدر مايعبر عن النوع . فهو يبدو فى النص جحافلا من رفات شتى، يحمل رأسا ذى عيون كثيرة، هى رفات غائرة فى زوايا من حجر، تسلقت مرايا الموت، تؤطرها أقراص معدنية متدلية من عنق سلسلة فضية، إنها هويات كل الجنود الذين قتلوا لغير ذى سبب أو غاية، وما حصدوا إلا الهزيمة والهوان، يحركهم دافع مجنون يسكن وطن بلا رأس . والجسد المشوه معمد بالموت، فإن كان التعميد بالماء يقود الى الملكوت، فإلى أين يقود التعميد بالموت (كانت التساؤلات تنتقل من العيون الى عين الجندى خببا) .. تأتى اإجابة على لسان الجندى المشوه

لاشيء غير الهاوية، بروق الموت تعبث بضفتي النهر.

إنّك تسير على سطر من الألغام وسطر من الأجداث، الطريق يتناسل موتى ولم يعد لخطواتك معنى، كلّ الخطوات متشابهة عند شجيرات الحنّاء المتيبسة، وبساتين النخل التي أصابها الظمأ.

الإشارة إلى النهر، وبساتين النخل توحى بالمكان المضمر، فالكاتب يعزف فى الحقيقة على مواجع وطن، وهو فى سبيل رفع مستوى التجربة الى مستوى كونى شامل يغفل الأسماء والصفات، لكنه يمدنا بالعلامات التى تشى بمكمن وجعه الخاص .

يلتقى الجندى التائه إذن بذاته وقد تكشفت الحقائق . والحوار القصير الدال هو حوار بين الجندى وذاته التى تماهت مع مشاهد الخراب والضياع، والأشلاء التى تناثرت على طول الطريق لقتلى الحرب الدائرة . تنكشف للجندى ملامح القبضة العاتية التى تمسك بخناقه مابين أفق مجهول، وخطر محدق، تحت غيمة قوامها التيه والهزيمة .

وتقبل فترة الانتظار لا يعبر عن الوصول الى هدف، بقدر ماهو تسليم بواقع لا فكاك منه . فالحركة تساوى السكون، كلاهما محفوف بالمخاطر . إنه الانتظار الذى يتساوى مع العدم، فلا شىء سوف يأتى سوى المصير المحتوم . وهو مايشير إليه طقس التعميد بالموت . ويكون آخر ما يراوده هو خيالات وأطياف من وهم الوجود المعلق بخيوط الفناء . كركرات أطفاله، وظل امرأته التى هدها القلق، وشبح بيت تحمله أنقاض العوز والحرمان .

وقبل أن يتدارك موته همست الشفاة بصوت واحد : لا تنس أنا كنا لعبة الموت .

(وأننا جميعاً سوف نرحل)

بينما يبقى كل هذا الألم .

لا شىء سيبقى سوى الألم .

نص جميل بلغة سردية تراوح مابين وضوح الفكرة الذى يميز النثر، وبين تحليق الشعر الذى يحشد فى اتجاه تكثيف دفقة شعورية . فالمتلقى الى جانب استيعاب التجربة الشخصية المريرة لجندى يساق الى حتفه محروما من الدعم المادى أو النفسى، منقوع فى الأسى لشعوره بالضياع وعدم الفهم كونه يساق الى المذبح بلا قضية، يشعر ذلك المتلقى بما يشبه طعم الملح . فالملح مرتبط بالجفاف واليبس . وازدهار الحياة البيولوجية يتناسب عكسيا مع ازدياد نسبة الملح . فالملح فى النص هو المعادل لانسحاب الحياة، ونذير بالموت والفناء . وحرص الكاتب على توظيف لفظ الملح يشى برؤيته المتشائمة التى تصبغ التجربة . فنراه يورد اللفظ فى ستة جمل على مدار السرد . يجعل من الأخيرة جملة الختام (وبين كومة ملح وأخرى كان موتنا) .

نص جميل ثرى، لا تكفيه ككل نصوص عبد الكريم الساعدى قراة عابرة .

تحياتى لصديقى المبدع الرائع .

 

الناقد: محسن الطوخي

مصر

الروايات المصرية الحديثة بين التعمق الفكرى واللغوى

almoktar saeedتعد الرواية المصرية من أهم الروايات فى الوطن العربى فمنها خرج العظيم نجيب محفوظ صاحب نوبل وعلى أرضها جاء العديد من الكتاب والروائيين لينشروا أعمالهم محاولين أن يأخذو فرصة عرض أعمالهم.

قررت منذ أشهر قليل أقتناء عدد من الروايات المصرية بعدما أبتعدت لسنوات عنها

وبداخلى شغف شديد للتعرف إلى ماوصلت إليه الرواية ومستوى مايقدم وهل سقطت الرواية هناك كما سقطت الاغنية الطربية المصرية، والسينما المصرية؟ أم هناك من يحافظ عليها وسط كل تلك السقطات.

فى البداية قررت قراءة رواية لأديب مصرى واسع الصيت والشهرة هو أشرف الخمايسى وهو الذى تم ترشيحه مرتين متتاليتين للبوكر العربية ورأى العديد أن أستبعاده غير مبرر ويشكك فى نزاهة الجائزة.

فتحت صفحات روايته " إنحراف حاد" وبكل صراحة لم يعجبنى غلافة الرواية وشعرت أن دار النشر تساهلت فى تصميمه فالمتواجد على الأوراق يحتاج للوحة فنية يرسمها فنان تشكيلى لتكون خير واجهة لما ستتعرض له.

الخمايسى والذى يطلق على نفسه " آله السرد فى مصر" هو حالة أدبية خاصة هو كاتب يعبر بلغة شعرية متعمقة ، وإلفاظاً رشيقة متنوعة ، وبإسلوب سارق للخيال والإحساس تندمج معه حتى النهاية.

الرواية دون الغوص فى الإحداث رواية فلسفية تدور أحداثها داخل سيارة متسعة " ميكروباص" تخرج منه الأحداث فى تسلسل وبراعة تجعلك تتلهف لمعرفة إسرار كل

واقعة ومكنون شخصياتها وبراعة أحداثها.

الخمايسى حالة أدبية فريدة فى مصر تحتاج إلى تركيز من كافة دور النشر العربية فإعماله تحتاج إلى تسليط الضوء بشكل أكثر فاعلية ، وعلينا أستدعائه فى بلادنا لتعريف القراء بما يقدمة من أعمال ادبية ربما تؤهله لجائزة نوبل فى المستقبل.

الكاتب الثانى كان لشخصا يعمل بمجال القضاء فى مصر وهو المستشار أشرف العشماوى وكان لروايته " البارمان"نصيبا أن تجلس بين يدى لأقرأها مرتين متتاليتين.

البارمان رواية تعد أفضل ماصدر فى مصر والوطن العربى خلال العام الماضى والجارى فهى رواية عبقرية تلتف خيوطها وفكرتها حول معنى فلسفى شديد التعقيد هو " من منا لايملك ساقى للخمر يقدم لنا نشوة غير حقيقية وزائفة ولا نفيق منها ألا بعد ضياع التوقيت المناسب".

الرواية تدور أحداثها فى فترة ماقبل قيام ثورة المصريين والإطاحة بحسنى مبارك ويبرز الكاتب ببراعة العيوب النفسية لدى المواطنين أنفسهم التى تتفوق على أى

فساد سياسى أو سلطوى فالطبيعة الإنتهازية والمادية لا يمكن ان تنصلح بسهولة حتى مع تغير التركيب السياسى للدول.

كان للشباب نصيب فى إطلاعى وكانت رواية "قندهار " للكاتب الشاب أحمد حسين

الدور فى إطلاعى ، بكل صراحة حزنت من غلاف الرواية فهول لا يليق برواية متتعة فكريا بهذا الشكل.

رواية قندهار بكل بساطة تقدم نموذج أدبى يعبر عن الشباب فكرة ممتازة باسلوب سردى ربما يميل للخبرى لا تستطيع ان تنتقده وتصفه بالابتزال ولا تستطيع وصفه بالفصاحة اللغوية المتعمقة لكنه فى نهاية الحال اسلوب ممتع .

ولم يكن الكاتب مقلد لأحد فى سرده فهو صاحب نظرية الفكر والإبداع بالفاظ بسيطه دارجة ثم يجاول أن يرسم بها لوحة متقنه فى الوصف دون إرهاق بدنى أو ذهنى للقارئ او المتلقى.

الرواية فلسفية سياسية تروى احداث انفصال اشقاء اصولهم مصرية فى الحرب الامريكية على افغانستان وكيف تبدل حالهم مع تغير البيئة الاجتماعية لكل منهم، الكاتب الشاب يستحق الإشادة فرغبته أن يقدم عملا فكري فلسفى يؤكد أن مصر لن تصاب بالعقم الأدبى نهائيا.

استكمل قراءة العديد من روايات الأدب المصرى الحديث وبداخلى سعادة بما رأيته من إبداع يؤكد أستمرار ملجأ الفنون فى مكانته وريادته.

 

كتب: المختار سعيد

 

اللغة وأساليب التعبير في الكتابة السردية عبر النوعية .. رواية عندما يبكي الرجال لوفاء مليح أنموذجا

mohamad ayatahmadمحاور الدراسة:

أولا: أسئلة النص الروائي عند باختين.

ثانيا: مكونات الخطاب الروائي عند باختين.

ثالثا: اللغة في الرواية عبر النوعية (امتدادات الفهم).

رابعا: خلاصة.

خامسا: اللغة والأسلوب في رواية ” عندما يبكي الرجال ” لوفاء مليح (مقاربات في تآزر النظري بالعملي).

1 - شعرية اللغة والأسلوب في ”عندما يبكي الرجال ”.

2 - اللغة العامية في ”عندما يبكي الرجال ” (لغة الأم – لغة الذاكرة).

 

أولا: أسئلة النص الروائي عند باختين

اهتم باختين كثيرا بسؤال ماهية الرواية واعتبر تحديدها أهم إشكال واجهه وهو يقارب النص الروائي، وقد ركز باختين خلافا للمنظرين السابقين على الطابع الحواري للرواية وعلى انفتاحها.

فالرواية في رأيه، لا تخضع لتعريف قار. ولا تلتزم بقوانين ثابتة بسبب تطورها المستمر، وارتباطها بالواقع الذي يعطيها إمكانية التغير والتجدد.[1]

إنها في رأيه، جنس يأبى الانغلاق ولا يحافظ على تميزه إلا في انفتاحه واستمراره كجنس دياليكتيكي تكمن خصوصيته في تطوره، وفي إمكاناته المفتوحة.

فقرار الجنس الروائي هو سيرورته وابتعاده المستمر عن أشكاله الأخرى.

وتقوم الرواية عنده على التعدد في مختلف مستوياته، تأكيدا للطابع الغيري للإبداع والتواصل، أنه تعدد للأسلوب واللغات والأصوات. وهو ما جعله يعتبر الرواية تنوعا اجتماعيا للغات، وأحيانا للغات والأصوات الفردية، تنوعا منظما أدبيا.

ففي أساس تشكل الرواية صراع الإنسان ضد أحادية اللغة ونسبيتها، لأن اللغة الواحدة لا تستطيع الإلمام بتعقد العالم واتساعه.

وبهذا وجدت منذ القديم نصوص نثرية حطمت ” مركزية اللغة وخالفت اتجاه قوى توحيد الإديولوجيات اللفظية وعملت على إيجاد كثرة لسانية تترجم الوعي بضرورة تعدد اللغات والملفوظات ”[2]

من هذا الركام القديم انبثقت الرواية ملتحمة بالطبقات الشعبية متخذة بينها وبين الأجناس النبيلة مسافة شاسعة.

فقد ولدت هذه الأخيرة في أحضان الطبقة المسيطرة، واستمرت في سماء الموروث وحماية الماضي.

إنها أشكال ثابتة وأجناس مكتملة بل قديمة وبالية في رأي باختين من أهم خصائصها الخارجية طبيعتها الشفوية والخطابية، لأنها سبقت الكتابة، بينما ارتبطت الرواية بالقراءة.

عاشت الرواية بعيدا عن هذه الأنواع، بل ظلت خارج الأدب الرسمي لأنها كانت من طبيعة يصعب معها التعايش مع الأنواع الأخرى.

يقول باختين ” وحدها الأنواع الأدبية تدخل ضمن الجملة العضوية التراتبية للأدب...وكانت هذه الأنواع تستطيع أن تتكامل وتتحد بدورها مع الاحتفاظ بطبيعتها كأنواع أدبية، ذلك أنها متحدة ومتقاربة في ما بينها، بسبب خصائصها التكوينية العميقة ”[3]

 

ثانيا: مكونات الخطاب الروائي عند باختين

لقد اعتبر باختين الرواية ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ورأى أن المحلل يعثر فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللا متجانسة التي توجد أحيانا على مستويات لسانية مختلفة، وخاضعة لقواعد لسانية متعددة.

فما هي هذه الوحدات الأسلوبية (المكونة لمختلف أجزاء الكل الروائي)، التي تحقق التعدد على المستويات الثلاثة: الأسلوب واللغة والصوت؟

أ‌) - الأسلوب.

يؤكد باختين على الطابع الحواري للنصوص، إذ ينذر أن نعثر فيها على بنية نصية لا تنفتح على بنيات أخرى مخالفة لها.

ومن ثم فإن الرواية باعتبارها ملفوظا حواريا، تدخل إلى كيانها أساليب متعددة سواء كانت أدبية كالقصص، والأشعار والقصائد والمقاطع الكوميدية وغيرها، أو خارج أدبية كالدراسات عن السلوك والنصوص البلاغية أو العلمية أو الدينية،بالإضافة إلى أساليب أخرى كالوصف الإتنوغرافي وأسلوب التقرير أو بعض الأجناس التعبيرية الأخرى التي تحدد شكل الرواية (مذكرات – رسائل – رحلات...الخ)

 

ب‌)- التعدد اللغوي

يقول باختين ” إن الرواية هي التنوع الاجتماعي للغات ”[4]يفترض هذا التعريف حضور الرواية كحقل تتعامل فيه لغات مختلفة، فاللغة تنقسم إلى لهجات اجتماعية، وطرائق كلام حسب الأجيال والأعمار والمدارس والسلطات والنوادي، وإلى لغات للأيام الاجتماعية والسياسية، وبما أن الرواية جنس أدبي مرتبط بالواقع، فإنها توظف مختلف الأشكال اللغوية.

ج)- التعدد الصوتي.

يفترض من التعدد الأسلوبي واللغوي تعددا صوتيا، ذلك أن الرواية يتقاسمها خطاب الكاتب وسارديه، والأجناس التعبيرية المتخللة وأقوال الشخوص.

وبذلك تنتفي سلطة الصوت الواحد، خاصة صوت الكاتب المهيمن على شخصياته (يقول باختين بحياد الكاتب).

إن التعدد الصوتي يجعل الرواية حقلا تتقابل فيه أصوات متعددة، تعكس الاختلاف على مستوى الرؤى والإيديولوجيات.

وتتحدد هذه الوحدات الأسلوبية المتباينة عند دخولها إلى الرواية لتكون نسقا أدبيا، فهي لا تأخذ معان متفردة ومستقلة عن السياق الذي وردت فيه، كما لا يمكن التوصل إلى معانيها إلا انطلاقا من العلاقات الرابطة فيما بينها، أي داخل مجموع الوحدات الأخرى (لا يمكن دراستها بشكل مستقل عن السياق الذي وردت فيه ...)

أكد باختين على خاصية التعدد التي تسم الرواية، فاهتم بدراسة المتكلم وهو كل شخصية لها صوتها داخل الرواية.

وهو بالأساس فرد اجتماعي ملموس ومحدد تاريخيا، وخطابه لغة اجتماعية.

يقول باختين ” المتكلم في الرواية هو دائما وبدرجة مختلفة منتج إيديولوجيا، وكلماته هي دئما عينة إيديولوجية، واللغة الخاصة برواية ما تقدم دائما وجهة نظر خاصة عن العالم تنزع إلى دلالة اجتماعية.

الإنسان في الرواية يكون فاعلا ولفعله إضاءة إيديولوجية ”[5]

وقد أشار إلى أنماط ثلاثة تعمل على رسم صورة اللغة وتبين بعده الحواري، هي: التهجين – العلاقات المتداخلة ذات الطابع الحواري (الأسلبة، التنويع، الباروديا) – الحوارات الخالصة.

- التهجين:هو المزج بين لغتين اجتماعيتين في ملفوظ واحد، إنه لقاء في حلبة هذاالملفوظ بين وعيين لغويين مفصولين بحقبة، أو باختلاف اجتماعي أو بهما معا.

يقول باختين ” ونحن نصف بالبناء الهجين ملفوظا ينتمي حسب مؤشراته النحوية (التركيبية) والتوليفية إلى متكلم واحد، لكن يمتزج فيه عمليا، ملفوظان، وطريقتان، في الكلام، وأسلوبان و ” لغتان“ ومنظوران دلاليان واجتماعيان.5[6]

ويميز باختين بين التهجين اللا إرادي الذي يقع ادة بين اللغات في كلام الناس اليومي والمألوف، والتهجين الإرادي الذي يقصده الروائي.

يتخذ التهجين بعدين: الأول فردي، إذ اللغة تمثل في الرواية وعي الأفراد، والثاني اجتماعي لأنها تعبر عن وجهات نظر اجتماعية أو عن رؤى متباينة للعالم.

 

- العلاقات المتداخلة ذات الطابع الحواري بين اللغات

الأسلبة:وهي إضاءة متبادلة بين اللغات ولا يشتررط فيها حضور لغتين في ملفوظ واحد، فهناك وعي لساني ضمني يعمل بشكل غير مباشر على تحيين لغة أخرى، كأن نستعمل لغة قديمة في نص حديث وهذا الاستعمال هو ما يجعلها آنية، ولا يمكنها أن تصبح كذلك إلا من خلال صوت آخر أو لغة أخرى هي اللغة الواصفة التي تكون ضمنية، فالمؤسلب لا يتحدث عن موضوعه إلا من خلال اللغة التي يؤسلبها وهي لغة أجنبية عنه.

نكون في الأسلبة إزاء لغة واحدة تنتمي إلى لغة أجنبية عن السارد، ومؤسلبة من طرفه أو بمعنى آخر، إن المادة اللغوية تنتمي إلى وعي آخر، إنه وعي غيري.

يمكن للمؤسلب أن يمهد إلى هذا الخطاب بتدخل يحمل سخرية أو انتقادا (لنفترض أن السارد يتحدث عن متصوف فلا بد أن يختار لغته ولكن تدخله قد يبدو من خلال علامات الترقيم أو التعجب)

التنويع:وهو إضاءة متبادلة بين اللغات، يقول باختين ” وفي الأسلبة يعمل الوعي اللساني للمؤسلب فقط بالمادة الأولية للغة موضوع الأسلبة، فيضيئها ويدخل إليها اهتماماته ‘ الأجنبية ‘ لكنه لا يدخل إليها مادته الأجنبية المعاصرة، والأسلبة بهذا المعنى يجب أن يحافظ عليها من البداية إلى النهاية، لكن إذا أدخلت إليها المادة اللسانية المعاصرة: كلمة أو شكل أو صيغة أو جملة...الخ فإنها تشتمل عندئذ على خلل أو خطأ أو مفارقة عصرية.[7]

الباروديا:إلى جانب التنويع يشير باختين إلى الباروديا، وهي المحاكاة الساخرة، وغالبا ما تحمل موقفا ساخرا، يقول ” هناك نموذج آخر حيث اللغة المشخصة لا تتوافق مع نوايا اللغة المشخصة، فتقاومها، وتصور العالم الغيري الحقيقي لا بمساعدة اللغة المشخصة باعتبارها وجهة نظر منتجة، وإنما عن طريق فضحها وتحطيمها وهنا يتعلق الأمر بأسلبة بارودية[8].

في الباروديا يتكلم المؤلف بواسطة كلمة الآخرين، لكنه يدخل في هذه الكلمة اتجاها دلاليا يتعارض تماما مع النزعة الغيرية، ” إن الصوت الثاني الذي استقر في الكلمة الغيرية يتصادم مع سيد الدار الأصلي ويجبره على خدمة أهداف تتعارض مع الأهداف الأصلية تماما، تتحول الكلمة إلى ساحة صراع صوتين اثنين، لذلك في المحاكاة الساخرة يتعذر امتزاج صوتين.

يكون استعمال الكلمة الغيرية في رأي باختين شائعا في الحوار حيث يكرر المحاور في حالات عديدة حرفيا ما يؤكده المحاور الآخر محملا إياه قيمة جديدة ومضيفا إليه نبرة خاصة به للتعبير عن الشك أو الاستياء أو التهكم أو الاستهزاء ”.[9]

- الحوارات الخالصة:وهو حوار بين الشخصيات .. يسعى بدوره إلى التعبير عن تصارع أنماط الوعي والرؤى للعالم، وهو لا يقل قيمة عن الأساليب الأخرى، لأنه بدوره يعكس التنوع والاختلاف الصوتي والأسلوبي واللغوي.

 

ثالثا: اللغة في الرواية عبر النوعية (امتدادات الفهم)

يتحدث الناقد اليابوري عن المكون اللغوي باعتباره عنصرا أساسا ساهم في بلورة أنموذج أسلوبي - لغوي مغاير، ينطلق في ذلك من الطرح الباختيني الذي يرى في التعدد اللغوي واللا تمركزه دعامة أساسية لتشكل الجنس الروائي الجديد.

أصبح سجل الأدب متنوعا يشمل أجناسا متعددة (السرد - عبر النوعي) منها المقال والقصة والمسرحية والرواية، وقد أتاحت المثاقفة تأثر اللغة العربية بلغات أجنبية أخرى كالفرنسية والأنجليزية، تسربت بنياتها وكلماتها إلى اللغة العربية، مما أدى إلى تحول في البنية اللغوية، تمثل في الابتعاد عن الأصول والأساليب القديمة التي استنفذت طاقتها إزاء محاولات يائسة في ترجمة الانسجام واللا انسجام في رؤية العالم، في المقابل تم الجنوح إلى استعمال لغة بسيطة – زئبقية الإدراك، ولم يكن هذا التحول عرضيا، بل نتيجة وعي بضرورته وأهميته حتى لمن توفر من الروائيين على تكوين لغوي سليم، بهذا المعنى تجردت العملية الإبداعية من مستواها الأكاديمي إلى أن أصبحت في مقدور ومتناول كل قادر على فهم مقولة الكتابة، يضيف اليابوري أن التداخل بين الصحافة والإنتاج الروائي كان مسؤولا عن اتخاذ الرواية الجدية لشعار التبسيط الزئبقي والتدريج مطية لنقل خطابها.[10]

 

رابعا: خلاصة

من خلال هذه التقنيات يتم بناء اللغة في النص الروائي عبر النوعي المغربي المعاصر، وهي اللغة الملفوظ، الكلمة الخطاب المحملة بالقصدية والوعي، إنها اللغة التي تبتعد عن دلالة المعجم لتحتضن معاني المتكلمين داخل الرواية، وتكشف عن أنماط العلائق القائمة بين الشخوص وعن القصدية الكامنة وراء كلامهم وأفعالهم (محمد برادة، مقدمة الخطاب الروائي) لأن دلالة الكلمة وفهمها من طرف الغير، تخرج عن حدود الأعضاء الفيزيولوجية المنعزلة، فالمعنى يتطلب الجماعة، لأننا ودوما عندما نتحدث نتوجه إلى شخص آخر يشارك في تشكيل معنى الملفوظ إلى جانب العناصر الاجتماعية لإطار التلفظ.

من هنا لا يمكن لأي ملفوظ أن يرتبط بالمتكلم وحده، إنه نتاج تداخل المتكلمين والمخاطبين والسياق.

” هذا ما دفع الروائي العربي على حد سواء أن يسير على أرض متحركة محاولا اللحاق بركب الرواية الغربية التي ما فتئت تجدد أشكالها وتنصرف عن سننها رغبة في التحديث وسعيا إلى تطوير آليات الخطاب وخلق إمكانات جديدة للكتابة ”[11]

خامسا: اللغة والأسلوب في رواية ” عندما يبكي الرجال ” لوفاء مليح (مقاربات في تآزر النظري بالعملي)

 

1 - شعرية اللغة والأسلوب في ” عندما يبكي الرجال ”.

يقول روجر فاولر ” وسط الروائي هو اللغة، ومهما ينتج بوصفه روائيا فإنه ينتج في اللغة ومن خلالها، إن بنية الرواية - ومهما كان ما تريد إيصاله – هي تحت السيطرة المباشرة لتلاعب الروائي باللغة ومن تم تلاعب الروائي بالعاطفة المتجددة للقارئ ”[12]

 

أ - الاشتغال على اللغة والأسلوب (طبيعته ومستجداته)

رواية ” عندما يبكي الرجال لوفاء مليح " فضاء تتفاعل فيه أساليب لغوية مختلفة، وخطابات متنوعة استدعت البحث في اللغة، لتجسد مختلف أنماط الوعي المتصارعة، واعتبرت أن لا يمكن احترام الحقيقة النفسية والألسنية للغات المتداولة ” اللغة العامية – اللسان الدارج ” من دون اعتناقها، إذ من الصعب أن نتصور روايتها محافظة على حواريتها وخصوصيتها المتمثلة في كونها وسيلة لمحاولة تشخيص الواقع،“ وتؤدي هذه البنيات الخطابية إلى اختلاف التقنيات اللسانية التي تعبر عنها...وتكشف عن حدود انتسابها الاجتماعي“[13]

إنها لغة أسلوبية اعتمدت توليد كلمات جديدة يفرضها السياق، كما استثمرت جملا قصيرة مبتورة عن سياقها.

لغة لا ترتهن للمعنى المعجمي ولكنها محملة بدلالات المتكلمين، ” تجبرنا هذه اللغة على اتخاذ أسلوب معين يعلن عن انتمائنا إلى مجموعة اتصالية معينة، كما أننا نجعل أنفسنا نشير بشكل محتوم إلى منظورنا في الموضوعات التي نتحدث فيها أو نكتب عنها، وهذا هو البعد اللساني الاجتماعي في الخطاب ”[14]

تعدد اللغة في هذه الرواية كان لابد منه لأجل كتابة مغايرة، يجسد تمردا على الكثير من معالم الكتابة الروائية الكلاسيكية لصوغ بنى سردية قادرة على صوغ القلق والشك، ولا يقينية العالم، ” إذ إنها ذات مستويات لغوية متعددة تتعدد وظائفها داخل النص الروائي، ومع ذلك فإن هناك وظيفتين في لغة الرواية ، الأولى شعرية والأخرى براغماتية، ولذلك فإن اللغة السردية في الرواية يمكن أن تعد مشتركا إشكاليا بين الأنا والآخرـ ويتجلى مثل هذا الأمر عبر الحوارات الرصينة التي تدفع أحد طرفي الحوار إلى استعمال الآخر لهدف معين ”[15] وهذا ما يمكن أن نبينه من خلال: أولا علاقة اللغة بالشخصية وبالحكاية، ثانيا علاقة اللغة بتكسير خطية السرد وتعدد الأصوات السردية، ثالثا علاقة اللغة بالمكان، رابعا علاقة اللغة بالأجناس التعبيرية الموظفة، خامسا علاقة اللغة بالزمن، وأخيرا علاقة اللغة بالقارئ، إيمانا بمسلمة ترابط المكونات السردية وصعوبة عزل بعضها عن الآخر.

 

ب – اللغة والأسلوب / الشخصية / الحكاية.

اللغة وعاء يحتوي قلق الشخصيات وتحولها، عدم ثباتها وعدم استقرارها، رهينة اللحظة السردية (البوح والكشف).

اللغة تصوير لخضوع الشخصيات للأشياء، كأن لا وجود مستقل لها. وهذا ما يتضح بجلاء في هذه المقتطفات النصية التي اخترناها من رواية وفاء مليح.[16]

” .. حالة لا جدوى ولا معنى، أدخلتني في دوامة من الأسئلة المشروعة وغير المشروعة، سوداوية الصورة ترافقني، والكون أمامي غباء في غباء، وحكاية الشجن تلازم ليالي ونهاراتي، هذه أنا لا حلم لي أسكنه، كيف أحتمي من جحيم تعطيل الحواس والإدراك؟؟ هل أحتمي منها بالغوص في أحلام اليقظة ؟؟ أم ألتجئ إلى اعتناق أمل يائس ولو كان على حافة الخداع؟ ”[17]

بل أكثر من هذا أضحى القالب اللغوي يلتحم مع جدة الأسلوب، لاستلاب سمة الإنسانية من الشخصيات، الحكاية شكوك طويلة تسعى إلى اعتناق الإنسانية التي غدت حلما من الصعب بما كان اعتناقه:

جاء في الصفحة 24:” ...أنا لست إنسانا. هذا ما أشعر به في حالتي هذه. أنا ديناميت، قنبلة قد تفجر نفسها في أي زمن وفي أي مكان، أنا ذلك الزخم العتيد المحمل باللغم والسؤال، أخترق الأيام عابرا التاريخ. وأقبض على هامشه. أغوص في ذاتي. في الآخر وفي الأشياء...“[18]

إنه إعلان عن الدمار الإنساني، إعلان على أن الإنسان مجرد شيء على شبه الغرار لا المطابقة، بحث في طرق ملتوية عن معنى الإنسان...

اللغة تعكس تماهي الشخصيات مع بعضها، إذ ” شخصية السارد تتماهى كلية مع شخصية المؤلف وضمير المتكلم، إذ يهيمن في تصريف الكلام وتوجيهه، فيفصح عن ذلك حتى عندما يكون الآخرون هم مصدر التلفظ، يظل السارد/المؤلف موقع البؤرة، إليه يوجه الكلام وبسببه وعنه يقال، هو ذات الكلام وموضوعه في آن واحد، وهو من يقوم في البدء والمنتهى بوظيفتي التنظيم والتأويل“[19]

ونسوق بهذا الصدد كلاما مدرجا في ص 123 لتأكيد هكذا تماهي:

”... قال لي والفرحة تلمع في عينه، ففي قرارة نفسه يشعر أنه أسدى خدمة إنسانية. وأن هذا الفعل سيعلي من مكانه عندي، دعوته إلى غذاء في بيتي. طال الحديث بيننا حول أشياء كثيرة في الحياة المهمة منها والعابرة. أرتاح كثيرا لإبراهيم ولأمانته، سارعت بأخذ الوصفة كل ليلة. واظبت على تتبع نصائحه في أخذ العلاج...“[20]

السارد يؤول يتدخل في ملفوظ الآخرين، يتماهى معهم، يبدوا كل شيئ بسببه وعنه يقال هو الموضوع وهو الحكاية، وما الأطراف الأخرى المتدخلة إلا وهو موليهم، موجها للخطاب كل وقت وحين...

ضمير الأنا يطفواعلى النص، كأن المؤلفة/ذاتها هي السارد، هي الموزعة للأدوار السردية، بشكل منظم ومتقن...

اللغة تعكس التناقض: بين الذات مع ذاتها، بين الذات مع الواقع ” أزمة ذاتية وأحادية، أزمة الذات مع نفسها نتيجة لأزمتها مع الواقع الذي يتخطاها ويتجاوزها ”[21]

ص 32.”...أرى نفسي مع هذه المشاعر المتناقضة تنشق إلى شقين. واحدة أبتلع فيها مرارتي وأخرى أطل منها على العالم. حياتي في مكان آخر لا هدنة ولا سلام...“ [22]

ص 66”... يسكنني الحنين الموجع وجع الشهقة الأولى لقبلة مرتعشة لم تكتمه. ..[23]

ص 90”...باليما محضن حميم لكل التناقضات...“22 [24]

في قالب لغوي مؤسلب بنفحات التحول، أضحى كل شيء قابل للتحول، نسيج من المغايرات المتشابكة صراع الذات مع نفسها، صراع الذات مع الواقع، هكذا اللغة إذن عملت على تشخيص الألوان الحربائية لذوات تعيش مخاضا مزدوجا، إزاء نفسها، إزاء رؤيتها للعالم.

كل شيء يبدو مختلفا، كأن لا شيء حقيقي، كأن كل شيء مزيف، إنها رحلة بحث الذات عن نفسها، عن واقعها، رحلة اغتراب واستلاب، بحث شيطاني متى يحن له أن يرى أفق الحقيقة، أحاسيس بالمنطق تترجم ذلتها تطرح الفكرة وتربطها بنقيضها... عسى أن تواكب الواقع الذي تخطاها وتجاوزها...

اللغة نسيج من تعدد المغايرات وتكرار وبتر وتعليق، تحكم تقنيات ألقت بظلالها على الحكاية وأفقدتها تماسكها المألوف، حكاية مبتورة متعثرة، أو معلقة، تتلون بتعدد الأصوات السردية، زارعة الشك في نفس القارئ الذي لا يستطيع الثبات والاستقرار على معرفة واحدة يقينية، حكاية تسلك مسارات ملتوية، تجعل منها لغزا يظل سبيل حله خارج العمل التخييلي، حكاية تأتي مضاعفة، تبئر أحداثا على مستوى الظاهر، ولكنها تمد القارئ بوسائل تجعله يبني حكاية موازية، تشتغل على مستوى الباطن كنص غائب، كما أنها في أحيان كثيرة، ترسم نهايات مفتوحة مشرعة لممكنات سردية أخرى، نسوق بهذا الصدد قول أحمد:

ص 173.”...أصبحت أنسج خيوط وحدتي من عصارة الوجع والأنين، فللحزن نافذة في القلب ولمساءاتي جرح وتكرار آه. في جسدي تجري دماء عروق الأيام الخاسرة، كلما كتبت في وحدتي هاته رسالة إلى الوطن يعيدها إلي ساعي البريد لأنني دائما أخطئ في العنوان، الواقع أن الوطن هو الذي يخطئ عنواني...“[25]

” إن واقعنا اليومي حاليا يمثل أزمة حادة ليس فيها أي اصطناع وعلى جميع المستويات، وهذا ما يبرر مواقفنا في التساؤل والنقاش والانتقاد وإعادة النظر والتقييم إزاء كل ما يعرض لنا، ما فينا، وما حولنا...“[26]

 

ج) – اللغة والأسلوب/ المكان.

اللغة تصور المكان، كأنه لم يعد فضاء للاستقرار، بل أضحى فضاء للتوتر والصراع، أمكنة تسيطر على الشخصيات، وتعلن عداءها اتجاهها، وتجعل عاجزة عن فهمها وإدراكها. تقول فاتن بهذا الصدد:

ص 22” ... لكن أحيانا كثيرة حين أسعى إلى قلب هذه الفضاءات في لحظات الحطام الكلي والهزيمة المباغثة أخرج منها تائهة. مشردة وفي داخلي عراء موحش، فالذكريات التي تشتعل في مخيلتي لا تزيدني إلا توترا...“[27]

أفضية عدوانية تعلن غربة الشخصيات ووحدتها، تحاصرها ولا تترك لها مجالا للتحرك، فضاء متحول لا يثبت على حال، هو ثارة فضاء للحكي والمتعة السردية، وأخرى فضاء للموت والدمار والهواجس النفسية القاتمة.

”... بين جدران الغرفة. أسافر وأسافر. أعبر البحار والأوطان ثم أعود إلى فضائي. مستكينة. عادة السفر هذه في المكان أصبحت تلازمني...[28]

 

د) – اللغة والأجناس التعبيرية الموظفة.

اللغة أضحت وسيلة لانتهاك الحدود بين الأجناس التعبيرية (لننظر إذا ما كانت هناك قراءة قادرة على سبر أغوار نص وفاء مليح، كيف يساهم استحضار أدب المذكرات ” تأويل جزافي ” في تسليم الصوت السردي في الرواية).

ص 23”... ارتكنت إلى فراشي وفتحت دفتي المذكرات وانصهرت أقرأ ...“ [29]

إذ فيما يلي إعلان عن تسليم الصوت السردي، من فاتن إلى أحمد لكن مع إذكاء وعي سردي واستحضار لأنماط أخرى وتوسل بتقنيات لعل أبرزها هنا هو دور ” المذكرة ” في الانتقال بين الأدوار السردية:

ص 58”... طويت دفتي المذكرات. وضعتها على المنضدة بجانبي، فوجئت بوجود والدتي التي كانت جالسة على حافة السرير...“ 28[30]

ها هو ذا الصوت السردي يعود إلى فاتن، بعد أن طوت ” المذكرة ” كأن بهذا الفعل استرداد لدورها السردي...

اللغة أضحت ممكنا من ممكنات استدراج الأدب غير الرسمي إلى مركز الكتابة، يبرز هذا بجلاء من خلال حضور الأغنية الشعبية المغربية واستلهام التراث المغربي الإنساني من خلال حضور المثل المغربي واستيحاء الذاكرة الفردية مما أضفى على النص الروائي لوفاء مليح متعة البوح والكشف.

إذ الكتابة عبر النوعية هي ” الكتابة التي تحفل بتناصات متشابكة من حكايات إلى أمثال، نوادر، قصص، مسرحيات، شعر مقامات إلى غيره، فهذا الامتزاج أكيد أنه يخلق لغة متميزة ” وهو ما أرق الوضع النقدي المغربي والعربي المعاصر ” ومن الطبيعي أن ينحو الصراع النقدي عندنا هذا المنحى، لأن الممارسة الثقافية أضحت تتحرك أكثر من أي وقت مضى فوق سطح اجتماعي تاريخي ساخن بالتناقض والإشكال ”[31]

ينظر إلى (ص66 - 69 – 70) من رواية ” عندما يبكي الرجال لوفاء مليح، حيث يغطي حضور الأغنية الشعبية طول الصفحتين معا... إذ يعكس حضور هذا المتخيل الشعبي فسحة من التأمل وعبورا في العالم...

 

هـ) – اللغة / الزمن.

اللغة بأسلوبها الرمزي والإيحائي المكثف بلورت فعل تداخل الأزمنة وتعددها، مما يجعل الزمن يفقد أهم خصائصه وهي التتابع، والتطور الكرونولوجي، ليغدوا بذلك زمنا مبهما خاضعا للانكسار، وتصير الأحداث في بعدها الزمني خاضعة لتجاوز فضائي يفقدها تماسكها الدلالي، أزمنة متشابكة ومختلطة في أحيان كثيرة يستعصي على القارئ وضع الحدود بينها: فيها الحلم والغريب والعجائبي.

ص 74.”... تذكرت أني اعتكف في الغرفة منذ أيام، لم أشعر بمرور الوقت. الليالي كالنهارات، ونافذة مشرعة على المجهول، الغذ آت والأمس ولى ...“[32]

الغد آت والأمس ولى، كأن لا قيمة للزمن الفيزيقي، سيرورته بادية للعيان لا يحتاج إلى استعمال أكثر من الاستعمال اليومي له، زمن مبتذل ما عاد قادرا على احتواء الذكريات وتوصيف المآسي، ما عاد قادرا على استكناه ما يختلج الذات الكاتبة، الزمن النفسي وشم جل عبارات النص، له وجود بالقوة والفعل، إنه البراديغم المنشود.

 

و) – اللغة / القارئ.

مع هذا النمط من المركبات اللغوية التي تتحد للائتلاف مكونة أسلوبا متميزا ينتج النص، ويوجه الخطاب، أضحى القارئ في هذه الرواية الإبداعية، قارئا مشاركا في العملية الإبداعية مطالب بحشر مرجعياته لسد البياضات والفراغات النصية، يشارك عبر الهدم والتفكيك والتأويل.

” ومن تم يمكن القول بأن اللغة البانية في الخطاب الأدبي لا تستمد سلطتها من سطوتها التقليدية أو من نفوذها الوظيفي فحسب، وإنما أيضا بحضورها الجارف الذي يقتحم القارئ ويملأ عليه جوارحه وطاقاته الفكرية والفنية والنفسية، ويلقي به في دنيا غير الدنيا، وفي واقع غير الواقع ”[33]

يكفي أن نتأمل كيف يحضر أحمد باسم رمزي آخر هو ” الوطن“ حتى نكتشف أن مرايا السرد الخطية خادعة بامتياز، تاركة فراغات، هو القارئ المتمرس الذي يمتح من خارج العمل التخييلي أنساقا تحليلية له قادر على هدم وتفكيك وتأويل هذا النص المتملص.

يكفي أن نتأمل حضور ” الجسد ” عاريا في أغلب الأحيان، حتى نفهم عري المجتمع المقصود، بل يكفي أن نتأمل المكان (الأوداية – باب الرواح – باليما...) حتى يبدو واضحا أن العبارات لا يشفع لها الإبراء العلمي...

 

2 - اللغة العامية في ” عندما يبكي الرجال ” (لغة الأم – لغة الذاكرة).

” اللغة هي أول عناصر الأدب كما عبر بذلك غوركي، وهي بهذا تكون المفتاح لفهم المؤلفات الأدبية بشكلها المتكامل ومفرداتها والطابع المتميز لنحوها وبناء كلامها، لهما بمثابة الأرضية التي تنبت عليها الصور والأفكار“[34]

أم فاتن من البدء حتى المنتهى هي التي تحيي اللسان الدارج، تتكلم به من دون أي احتياط يذكر، ليس ذلك كما يبدوا ضربا من الصدفة في النسيج الحكائي، الدارجة عبرت عن انتسابها الاجتماعي المعهود. (ينظر على سبيل المثال إلى ص 58.) حيث صراع الأم مع الابنة واختلاف نمط التفكير وتضارب الرؤى ... لم يكن من حل يسعف غير إطلاق العنان للسان الدارج.

العامية تأتي لتقول ما لا يمكن أن يقال بالفصحى.

تعكس لغة الهامش، تجسد التفاوت الطبقي، إن ثقافيا أو اجتماعيا.

تحضر العامية أيضا كلغة للذاكرة تحيي الماضي، تحيي التراث الشفهي، ...

 

سادسا:جرأة اللغة والأسلوب في رواية ” وفاء مليح ”

1 – جرأة اللغة في مناقشة تيمة ” الحب والجنس ”

الأسلوب ” يحدد نوعية التجربة ويحللها ويقوم بتقييمها، لأن الشكل بنية رمزية لا نسخة من الحياة، فهو يعتمد على امتلاك المعنى واستمرار الفهم المركب البعيد عن التبسيط للواقع والذات واكتشاف المجهول ”[35]، أو هو بمعنى آخر كما يقول رولان بارت في لذة النص ” الأسلوب هو الرجل le style c'est Lhomme ”.

هي تيمة نوقشت بكل جرأة كاشفة بذلك اختلاط القيم وتناقضات المجتمع القائم على ازدواجية هجينة، كما سلطت الضوء على الفرد في حالاته الحميمية التي تكشف تمزقه واختلاله تظهر المرأة خاضعة للرجل تابعة له، تم فضح هذه العلاقة بجرأة كبيرة توضح خلفيات السند التاريخي للمجتمع المغربي.

 

3 - جرأة اللغة في مناقشة تيمة ” الهوية والوطن ”

الجسد وطن، الشخصيات كلها تسعى لتشكيل الوطن، أين الوطن؟ هذا الوطن الذي شغل بال المؤلفة في كل كلمة ينميها النص.

ص 11”.. ما دام الوطن لا يحتضن لماذا نحضنه. وطني هو ذاك الذي أحسه ينصت لألمي، لفرحي ينفعل مع كل انفعالاتي، يمد يديه لينتشلني من حالات الغرق. يقسو وفي قسوته حب. لكن أين نحن من كل هذه الحالات والمشاعر؟؟...[36]

أحمد يساوي الوطن؟، كيف يمكن للوطن أن يحب؟، تيمة العطالة، تعقدات المجتمع المغربي، إكراهات الأسرة، تاريخية الأمكنة، كلها مؤشرات دالة على أن الوطن مهزوز، من يحتاج إلى وطن كمن احتاج لمن يحب واحتاج له من يحبه.

بل أبعد من ذلك فلنتأمل كيف يكون الجسد وطنا، جسد أحمد جسد يعاني، فالوطن يعاني في مضمرات الخطاب:

ص 97” تسألني المرآة أمامي: ألا ترى أنك تظلم الجسد ؟؟ عندما نمتلك مفاتيح جغرافية جسدنا حينها نتدبر جيدا جغرافية الأرض أي جغرافية الوطن ...“ [37]

 

محمد ايت احمد

..................

[1]- استفدنا كثيرا في هذا التأطير النظري من محاضرات الدكتورة بديعة الطاهري، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-أكادير، الموسم الجامعي 2012.

[2]- ميخائيل باختين، الرواية والملحمة، ترجمة جمال شحيد، ص 29.

[3]- نفسه، ص 30.

[4]- ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،ترجمة محمد برادة. ص51

[5]- ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،ترجمة محمد برادة. ص55

-[6] الخطاب الروائي، نفسه ص 66.

[7]- نفسه ، ص 66.

[8]- نفسه، ص 66.

[9]- ميخائيل باختين، شعرية دوستويفسكي، ص 284

[10]- اليابوري، في الرواية العربية التشكل والاشتغال، ص 26 – 27.

[11]- السرد والحكاية ،قراءات في الرواية المغربية،تنسيق شعيب حليفي،ط 1 2010، ص 126

[12]- روجر فاولر، اللسانيات والرواية، ترجمة أحمد صبرة، ص 21

[13]- اللسانيات والرواية، نفسه، ص 159

[14]- اللسانيات والرواية، نفسه، ص 121

[15]- موسى ربابعة، الأنا والآخر .. عبر اللغة السردية في الرواية العربية، مجلة الكويت، ع 248، ص 87.

[16]- ينظر إلى وفاء مليح، عندما يبكي الرجال، إفريقيا الشرق، ط02، 2011، ص 13.

[17]- وفاء مليح، عندما يبكي الرجال، إفريقيا الشرق، ط02، 2011، ص 15.

[18]- وفاء مليح، عندما يبكي الرجال، إفريقيا الشرق، ط02، 2011، ص 24.

[19]- عبد الحميد عقار "الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب".

[20]- عندما يبكي الرجال، ص 123.

[21]-نجيب العوفي: ‘درجة الوعي في الكتابة’ ، مطبعة دار النشر المغربية، ص 419.

[22]- عندما يبكي الرجال، ص32

[23]- عندما يبكي الرجال، ص 66

[24]- عندما يبكي الرجال، ص90

[25]- عندما يبكي الرجال، ص 173

[26]- حداثة الرواية/ رواية الحداثة، محمد الباردي، مجلة الثقافة المغربية، ع 17 أكتوبر 2000 ص 61

[27]- عندما يبكي الرجال، ص 22

[28]- عندما يبكي الرجال، ص 23

[29]- عندما يبكي الرجال، ص23

[30]- عندما يبكي الرجال،ص 58

[31]- "العبر نوعية: النظرية والإشكالية" موقع محمد أسليم -2002

[32]- عندما يبكي الرجال، ص74

[33]- محمد خرماش، جدلية اللغة والواقع في الخطاب الروائي – مقاربة نظرية، مجلة علامات، ع8، ص 68.

[34]- عبد الحميد عقار "الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب".

[35]- عبد الحميد عقار "الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب".

[36]- عندما يبكي الرجال، ص11

[37]- عندما يبكي الرجال، ص 97

(جبت كل العراق وجيت) ملحمة الأديب والشاعر العراقي الدكتور خير الله سعيد .. وقـفــة وتأمّــل

qusay askarقبل كل شيء أودّ ان أنوّه الى ان طريقتي في النقد هي ان التقط كلمة او جملة تستفزني في النص فأتوسع في دراستها من حيث استقطابها للكلمات والصور الاخرى، لكن هذه الطريقة تنفع فقط في القصيدة ولا يمكن تطبيقها في القصة والرواية فكيف وانا الان امام عمل مميز هو ملحمة، ثم ان هذه الملحمة مكتوبة أساسا باللغة العراقية او باللهجة العراقية !!

لذلك وجدتني أباشر الموضوع من عدة زوايا غير زاوية الكلمة النواة التي ألفتها في دراسة القصيدة ومعالجتها وتحليل صورها، والحق اراني امام عمل طويل يعلن عن نفسه بملحميته المتدفقة في اكثر من إطار وحقل معرفي يشير إليك ان توغل باعماقه لتغوص في مكنوناته، هذه الحقول يمكن ان أضعها وفق العنوانات التالية:

 

اولاً: الجانب الزماني والمكاني او فلسفة الزمن والمكان.

تتجلى هذه الفلسفة في البدء الذي اختاره الشاعر لملحمته، ولو انعمنا النظر جيدا لوجدنا اختياره يقع على الفعل "نگلت" او "نقلت" . للوهلة الاولى ندرك اننا امام فعل ماض،فاعل وفعل ماض وهنا يأتي السر الملحمي في الكشف عن الديمومة، فالفعل ماض مستمر في الماضي مثلما هو موغل ايضا في المستقبل لان الملحمة تنتظر حركة زمنية اخرى مستقبلية لها جذر في الماضي . ان استمرارية الفعل الماضي التي لها شبيه في الانكليزية بالماضي المستمر past continue نجد لها شبيها في لغتنا العربية خلال فعل الامر الذي يعبر عن الاستمرارية في قول الشاعر:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى   ما الحب الّا للحبيب الاول

كم منزل في الارض يألفه الفتى     وحنينه أبـداً لأوّل منـــزل

ان الشاعر استوعب المستقبل عبر فعل الامر، اما لغتنا العامية فكان بإمكانها ان تستوعب المستقبل من خلال استمرارية الماضي، تلك الاستمرارية التي لا تنقطع فجأة لان الشاعر نفسه نقل خطواته ليجلب تلك الأشياء عبر صورة تؤطر الزمان بمكان .

والصـرّة على متـــوني

استمرار في الماضي أعقبه دخول مكاني مميز ، لنتخيل أنفسنا امام تمثال وعلى كتفي التمثال كيس فيه أشياء كثيرة، انه استنساخ لشخص يقف حاملاً كيساً من قماش على كتفيه، ماذا نحتاج الى تأمل التمثال؟ نحتاج بالتأكيد ان نلف حوله ونتطلع في أية زاوية من زواياه بضع دقائق او ثوان، فالتمثال اصبح زماناً ومكاناً في الان نفسه اي زمنكان ان الشاعر ينتقل من استمرار بالماضي الى زمن ومكان ثم يدخل الى الحاضر بحيوية:

جايب صورة محبّين

لم يباشر الدخول بفعل مضارع، لكنه وفق الصيغة العربية يستخدم اسم الفاعل الذي يعبّر في كثير من الحالات عن الفعل، فمثلما يدخل المضارع في جوهر الاسمية ليصبح اسما كأن نقول لحظة يفكرون، اي لحظة تفكيرهم يتحول الاسم الى فعل بالمعنى (جايب) لان الشاعر بدا ملحمته بماض دخل الحاضر ثم جمع في السطر التالي الزمان والمكان ليدخل عبر الاسم الى المضارع، وعن هذا الطريق يستدرج الحاضر الى الماضي فيجعلهما يتقابلان ليمثل كل منهما الآخر. ثم هو مع ذلك لا يغفل عن وحدات الزمن. التي تساعده في رسم صوره ومنحها عمقاً يقول:

على الفطرة اجيت بليل

أدور عَل الأصيل ادوار

لگيته يــدوّر اخباري

بليل وفجر ويَّ انهــار

ان الزمن، الجزء الذي هو الليل، احتلّ كل الازمان فلعلنا نسأل: لم اختار الشاعر البحث ليلاً ؟، انه بلا شك يبحث عن شيء ثمين والليل ذو عتمة فيكون البحث فيه اصعب والجهد المبذول اوفر، بحث اقرب الى المحال، الأصيل الذي نبحث عنه هو الوطن والنَّاس والانتماء، بتعبير اخر كل ما يثبت الهوية، واظن الاصالة تعني الوطن والنَّاس في هذا الموضع. تلك الاصالة التي. لم يجدها الشاعر في مكان اخر بل في وطنه فحسب، بالمقابل تفرّع ليل البحث المضني عنده فيما بعد الى زمان مطلق، فالوطن، الأصيل، بحث عن الشاعر في كل الازمان اي الفجر والنهار والليل، كل منهما يبحثان، الشاعر نفسه منهمك بالليل والآخر المبحوث عنه يبحث ايضاً في كل الأوقات. ليتم التوافق بين زمني الملحمة الجزئي والكلي.

 

ثانيا: فلسفة التركيبة اللغوية في الملحمة:

الملحمة كتبت باللغة العراقية الدارجة التي نطلق عليها اللهجة العامية، وأظنها ابتعدت كثيراً عن صيغ وقواعد سارت وفقها لغتنا العربية في إعرابها ونطقها وتوليفها، فأصبحت - العامية-أشبه باللّغة المستقلة. لهجتنا العامية لها عدة منابع يجب ان تراعى فيها وهي:

المنبع العربي القبلي القديم، لغة قريش والقبائل الاخرى.

المنبع السومري والبابلي .

المنبع الفارسي .

المنبع التركي ثم الإنكليزي.

هذه المفردات المهاجرة مثل الأسماك من جداول مختلفة، نجدها شكّلت صور الشاعر، فلم نشعر بغرابتها حتى الكلمات التي لا نعرف معناها نفهمها من سياق الجملة والصورة الشعرية، لدينا مثالان على تفاعل الصورة من خلال المفردة بقدمها التاريخي مع وجودها المعاصر، يقول الشاعر:

جبت لك هم بثيث وياي،

وصـم زعـتر والمــــربّى

جبت لك صوغه ݘف حنّه،

وهــم ياس إوّرد،

والسَمِـــنْ والمنّه .

ان كلمة زعتر في الأصل عربية، أصلها: كما توضح القواميس: صعتر بالصاد او سعتر لكن اللّسان في اللغة الشعبية حوّل حرفان من حروف الكلمة الفصحى الى حرف لين يسبق العين هو الزاي، لكي تبدو الكلمة مقبولة في النثر والشعر، فبدا جمال الكلمة من خلال تغيير في. تركيبتها أضيف إليها لاحقا وتجلى الإبداع من قبل الشاعر في ربط الكلمة التي طرأ على نطقها تغيير بكلمات ذات مدلول قديم، فكري وديني، ككلمتي مَنٌّ وسلوى المرتبطتين بقصة موسى وبني اسرائيل وتكوين الطبيعة للأشياء من دون تدخل الانسان، مع حصر شكل الصورة بكلمة محدودة واسعة مثل " صَم" وتعني قبضة اليد او ما تعبر عنه اللغة الانكليزية بكلمة ( handful) .

ان قبضة اليد "صَم" صغيرة لكن الصغر هنا لا يعني القلة، بدليل تعدد الأشياء المطلوبة وتكرار كلمة "جبت" عدة مرات بين فاعل الجلب "الأنا " والمخاطب " انت"، ونجد ذلك في كلمة " بثيث" التي هي اللبن الخاثر المُجفّـف، اي الملموم على نفسه، في حين نجد في اللغة العربية ان " بث" تعني فرق ونشر، فالتصادم هو ما قصده الشاعر باختياره لتلك الكلمات من خلال معناها الخفي الذي يهيمن على مشاعرنا وأحاسيسنا. ان الشاعر تعامل مع الكلمات ذات الأصل العربي تعاملاً حيويّاً، بخاصة مع الكلمات التي اصلها فصيح لكن معناها تغيّر الى مدلول اخر في لهجتنا فقط، كما نجده في كلمة " صوغة" انّها مأخوذة من الكلمة العربية صياغة، من صاغ يصوغ الشيء اي سبكه سباكة، ومنها صائغ الذهب، ولكون الهدية لا تقدر بثمن، مهما كانت، سواءٌ غالية الثمن أم سعرها رخيص، فإنها تشبه السبيكة بقيمتها المعنوية. ان المقطع السالف الذكر وردت فيه كلمات عربية الأصول، تفاعلت مع بعضها لتشكل موسما من مواسم فرح الحنّاء في الزواج والأعراس واللبن الخاثر للربع والصحة والسلامة والمن والسلوى لخير الطبيعة والصياغة والهدايا بين الناس للترابط الاجتماعي، نجده - الشاعر- لا يغفل عن استيعاب الكلمات التي ورثناها عن أسلافنا سكان العراق القدامى التي نعتز بها يقول:

جبت حنطة وشعير

وطابگ وسمݘه

أعلاه نجد ثلاث كلمات عربية الجذر، الحنطة والشعير والسمكة، احاطت إحاطة تامة بمفردة ذات جذر سومري هي طابگ التي يعرفها الشاعر، انها كلمة تعني عند السومريين: رغيف سميك عماد تركيبته دقيق الرز يعمل على دائرة او قرص تسمى طابگ ايضاً، قطرها متر، لنرى سعة الرغيف والمواد التي يضعها أمامنا الشاعر: سمك وحنطة وشعير، وموروث سومري يرد إلينا عبر الزمن، فالصورة ليست جامدة ولا مجرد رسم او تذكار للوحة، بل هي صورة حية اعادها مؤلف الملحمة الى اذهاننا من جديد بصيغة اخرى، فهو ليس مؤرّخاً ولا باحثاً في حقل الاقتصاد او الاجتماع، لكنه فنّـان يشكل لوحته وفق الصورة التي يجدها مناسبة تحقق تأثيراً ما في المتلقي.

 

ثالثا: في الصورة البؤرة والصورة العدسة:

نقصد بالصورة البؤرة، ان يشير الشاعر بكلمة ما الى عادة اجتماعية او فلكلور من خلال كلمة تثير في ذاكرتنا امتدادات احتفالية:

وهم ياس وورد

والسمـن والمنّه

الياس في العراق له تأثير نفسي وديني كبير، ومن إسقاطاته الاحتفالية ان ينتشر بعيد يسمى عيد خضر الياس، يوم الخضر او خضر الياس يقطف الناس مسلمين وغير مسلمين أغصان شجر الآس او يلقونها في الماء، فنعلم ان تلك النبتة تعني المقدس النبي او الرجل الصالح الذي شرب من عين الحياة فنجا من الموت، عدسة الشاعر لم تسجل الصورة الاحتفالية بكل تفاصيلها بل لمّح لها مذكّرا بكلمةٍ، وما على المتلقي إلّا ان يشحذ ذاكرته ليكمل التصوير، نجد ذلك ايضا في الكلمة التالية:

ومگوار اهلنا بثورة العشرين

وقصة المگوار والمدفع في ثورة العشرين معروفة ومشهورة، سجّـلتها اهزوجة شعبية رددتها الألسن حينذاك " الطوب أحسن لو مگواري" وهي واحدة من تلميحات الملحمة الذكية.

وجبت شنّاطة بعيجي

بشعر اسود وخيط معدّل من الصوف

وياهـا طبگ من يجــفي عَل العصفور

وثوبــك من ݘنــت جاهـــل

وانت تخاتل الزرزور

هذه صور تم التقاطها بعدسة واسعة بدقة وتفصيل، فهي تحكي عن قصة صيد الاطفال للزرازير، الطفل يجلب آلة هي عبارة عن خيط من الصوف وطبق وهو وعاء مصنوع من سعف النخل الذي يطلق عليه الجريد يضعه الصيادون في مكان ما ويدسون فيه الشنّاطة وهي خيط يلف عليه مجموعة من شعر ذيل الحصان كما تلف ربطة العنق، فيضع الطفل الحَبَّ تحت الطبق المائل فما أن يأتي العصفور وينقره، فإمّا ان تنطبق عليه الشناطة او ينزل فوقه الطبق ويحبسه، وقد عزز الشاعر صوره بجملتين معترضتين بدتا تقوّيان دقة المشهد وهما:

من يجفي

تخــــاتـل

ولا يغفل الشاعر في الصورة العدسية الإشارة الى الحيوان ونفسيته، فهو لا يتوقف عند مشاعر الانسان فقط بل يتعدى الى ابعد من ذلك يقول في المشهد التالي:

وغطّات الثعالب من تريد تبوگ

ويطير الحِمام وينكشف للهـــور

التعبير عن الاختلاس للثعلب وتلهفه لسرقة شيء ما، واقتناص حمامة حيث يغط تحت الماء لينقضَّ عليها ذلك التصوير الذي نقلته إلينا كلمة غطاء .

 

رابعا: الملحمة القاموس:

لقد سجل الشاعر في ثنايا ملحمته كلمات، بعضها انقرضت والأخرى تكاد تنقرض، وهذا سبق يسجّـل له، اذ ليس من المعقول ان ننسى ونحن ندخل عصر الاتصالات الواسع تراثنا اللغوي القريب، مما يدل على ان الأديب خيرالله موسوعة شعبية لغوية عاصر الكلمة وعايشها، فليست ملحمته مجرد رصف للكلمات ووصف لها، انه ينقل تلك الكلمات الغائبة عنّا والميتة فينا والحاضرة منها إلينا عبر أحاسيسه ووجدانه، لنأخذ كلمة " بعيجي" وهو طائر أسود من فصيلة العصفور، كان يغزو العراق في موسم الصيف بشكل دفعات كثيفة، فتسود السماء من مجموعاته، ولكون البصرة تميل الى قلب الجيم ياء لان اصول سكانها الحاليين من قبيلة تميم وأسد وكعب، وقبيلة تميم تلفظ منذ عصر ما قبل الاسلام الجيم ياءً فتقول دياية عن دجاجة، وريلي عن رجلي وهكذا، فقد قلب أهل البصرة كلمة بعيجي الى

بعيعي، ولعل عادة ما تتعلق بنبات او شيء ما تختفي فترة ثم تعود فتجد الملحمة تذكرها:

واطفال السلف تجمع لك الخرنوب

وتتبادل لعــب بالشيص والخرّيط

الخريط، كان شائعاً في العهد الملكي، ثم اختفى ثم عاد، لكن ذاكرة الشاعر الإيقاظية عادت اليه بإيقاع جديد فادرجته مع نباتات اخرىً مما يدل على خصب الطبيعة العراقية وحيويتها وحيوية الملحمة التي ضمتها بين سطورها كذلك يدل هذا على الاصالة الكامنة فينا فنرجع نتذكر من خلال الملحمة - بخاصة جيلنا-تلك الكلمات والعادات والصور التي رسمها الشاعر عبر الفن وما يرسمه الشعر من كلمات وعادات وصور يظل خالدا ولنا حجة في ذلك شعرنا قبل الاسلام الذي حفظ لنا كثيرا من المعتقدات والعادات والكلمات التي كادت تضيع لولاه.

 

خامسا: الاعلام

مثلما اهتم الشاعر بالمجتمع العراقي وطبيعته الجامدة والمتحركة والاحداث التي عايشها وتفاعل معها، فإنّه لم يغفل الإشارة الى بعض الاعلام والتصريح بأسمائهم، لم يسجل المعاصرين فقط، بل الماضين ايضاً، ذكر الفقير والغني والوطني والمطرب والشاعر ورجل العلم والدين وغير هؤلاء ممن سجلوا حضورهم في ذاكرة المجتمع العراقي،انها عمل ملحمي كان للتسجيل فيه نصيب، لكنه لم يكن تسجيلاً مباشراً، بل هو جزء من صورة قرأنا العراق كله من خلالها، بما فيه من طبيعة وانسان واحداث فتفاعلنا مع تلك الملحمة وانفعلنا بها بكل أحاسيسنا .

 

قُصي الشيخ عسكر

نوتنغهام/ المملكة المتحدة

في ٨/١١/٢٠١٥

الألياذه والرغبات الأنثوية

abduljabar noriالمقدمه: الألياذة باليونانية هي ملحمة شعرية تحكي قصة حرب طرواده، وتعتبر مع الأوديسا أهم ملحمة شعرية أغريقية للشاعر الأعمى "هوميروس" (يعتقد) أنّهُ هو الذي كتب الملحمة، وتأريخ الملحمة يعود إلى القرن التاسع أو الثامن قبل الميلاد، وهي عبارة عن نص شعري يقال أنّها كُتبتْ مع ملحمة الأوديسا وجُمعتْ أشعارها عام 700 ق.م بعد مائة عام من وفاتهِ، وتروي قصة حصار مدينة طرواده، وكانت قصائد هوميروس من الأدب الشعبي، وكانت تروى شفاهة، وتضُمْ هاتين الملحمتين الطويلتين اللتين نسج على منوالهما ملاحمهم الشعراء (فيرجيل) باللاتينية، ودانتي بالأيطالية، وجون ملتون بالأنجليزية، تُعدْ الألياذه من أعظم ملاحم الأدب الغربي الكلاسيكي، الذي أرسى بها هوميروس أسس الشعر الملحمي شكلاً ومضموناً، وتمثل الرؤيا الملحمية الشعرية لحرب طرواده، وهي حرب نشبت بين اليونانيين والطرواديين مدة عشر سنوات .

العرض: هوميروس شاعر ملحمي أغريقي (أسطوري) ومن نسج (خيالي) كما يؤيد ذلك الباحثون المعاصرون الذين نسجوا الرحلات الخيالية إلى العالم الآخر أصبحت فكرة أنسانية مشتركة تحدثت بها الأساطير كالكوميديا الألهية (الملهاة) للشاعر الأيطالي دانتي 1265 م- 1321 م هو الآخر نسج أفكارهُ بشعرٍ ملحمي، تحتوي على نظرة (خيالية) في الأستعانة بالعناصر المجازية حول الآخرة حسب الديانة المسيحية، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري وهو شاعر وفيلسوف عاش في العصر العباسي 973 -1057 م وهي رحلة خيالية مدهشة إلى الدار الآخرة، والأسراء والمعراج حدثت قبل ولادة المعري وهي الأخرى رحلة سماوية للقاء الخالق والوصول إلى سدرة المنتهى مع عرض مفصّل للجحيم والنعيم، وجميع هذه النتاجات الفكرية تعتبر من روائع الأدب العالمي، ومن أهم الذخائر الثرّة التي توجت خزانة الفكر الأنساني وأبدعت بالخيال في البحث عن الأنسان المصلح والأرتقاء البشري إلى الكمال، وبقي أسلوب هوميروس فريداً بين شعراء زمانه بموهبة فائقة في النظمْ الكتابي أي التتابع الأدبي الرصين، ومتدفق رغم تغيير الأفكار والمواضيع مما يفرق بين هوميروس وبين شعراء الملحمة الغنائية مثل فيرجيل ودانتي وجون ميلتون، وإلى جانبي السرد والرسم كان للتحليل والتنبؤ موقع بارز في ملحمة هوميروس، وذلك بعد تصوره بأنّ الحرب تشمل العالم الأغريقي .

 

الألياذه والرغبات الأنثوية

واحدة من جماليات الألياذة هي ربط الحرب بالرغبات الأنثوية، اذ تذكر في أكثر من مناسبة دور الأنثى ظاهراً ومستتراً وعلاقتها مع الحرب والمقاتلين وتغيير مسار الحرب أو أعطاءه الزخم في الدفع إلى الأ مام وتكريس حوافز ومقومات الحرب في الثبات والصمود والصبروالمطاولة ونيل النصر، وهذه الدقة في السرد تعد مكملة لحوادث الحرب الأساسية أذ تعبر عن مدى تأثير العاطفة الأنثوية على سير الحرب، ولما للمراة من أسلحة كواتم (خُلبْ) بصوت ناعم وعاطفي مؤثر، أستخدمه الكثير من الرواة والقاصون، وكان لهوميروس قصب السبق في هذا النهج منذ سنة 850 ق. م ومن خلال قصة الألياذه { التي تقول ذات يوم دُعيتْ الآلهات الثلاثة – آلهات الحب والخير والعطاء والخصوبة – هيرا، وأثينا، وأفروديت إلى عرس (ثيتس) ولم تكن (أيريس) آلهة النزاع مدعوّة، مما أدى إلى أستيقاض نزعة الشر في هاجسها، فقررت الأنتقام من الآلهات الثلاثة لتثير بينهم النزاع، فألقت بين المدعويين (تفاحة ذهب) مكتوبٌ عليها " أنّها للأجمل "!! وقام النزاع فعلا بين الآلهة الثلاثة : أيهنّ أحقُ بهذه التفاحه ؟ وحسما النزاع بالتحكيم عند أجمل الرجال فكان من حظ (باريس) ملك طرواده، وأُحضر أمامه الآلهات الثلاثة، وسعت كل واحدة منهنّ أنْ تستعطفه وتستميله إلى جانبها لتكون التفاحة من نصيبها : ** فوعدتهُ " هيرا " بالعظمة الملكية، ** وعدتهُ " أثينا " بالنصر في الحروب، بينما وعدتهُ " أفروديت " ألهة الحب والجمال : بأجمل نساء العالم ليتزوجها فحكم لها التفاحه، وعندها ساعدتهُ للوصول إلى حبيبتهِ القديمة " هيلين " – وهي زوجة مينيلاوس ملك مملكة أرجوس في اليونان وأستطاع أنْ يفرُّ ويهرب بها خلسة – وهنا نقف على المفصلية السردية في ألياذة هوميروس – وذلك أنّ ملك طرواده " باريس " وقع بالمحذور وأرتكب خطيئاتٍ لا تغتفر حين 1-جلب لنفسه عداء الملكتين هيرا وأثينا آلهات الخصب والنماء والخير . 2- ثار ثائرة كل خُطاب هيلين السابقبن وأصطفوا بجانب أعداء باريس. 3- حصل على خطيئة عدم أحترام مبدأ الأختيار، وبدأ الصراع وتنقسم الآلهة ويتبادلون الشتائم ولتتطور إلى حرب ضروس محفوف بخسائر وهزائم بين الطرفين {اليونانيين والطرواديين} ولعشر سنوات، وفعلا تمكن الشاعر هوميروس ان يظهر تألقة في السرد القصصي الملحمي حين وضح بشكل جلي تأثيرات الأسلحة " الأنثوية " العاطفية والرقيقة في سير هذه الحرب المخيفة .

الخاتمه: عندما نستعرض ألألياذة الملحمية لهوميروس نتذوّق ونتحسس الأبداع، والأرتقاء الروحي في عالم التسامي وخصوصا عندما أدخل صيرورة التأثيرات الأنثوية في تقنية السرد، فأنّهُ أضاف مسحة جمالية واسعة وأضاءات مشرقة على حلقات الأحداث المتسارعه ليترك الشاعر الأغريقى الأعمى بصماته في سفر التراث العالمي منذ 850 ق . م. ولم تبقى نتاجاته الفريدة أسير (زمكنتها) بل أختزلت الجغرافيه وطوت أوراق التأريخ لتصل لمؤرخين معاصرين أيدوا بأقلامهم (ديناميكية الرغبات الأنثوية في تحريك أحداث الحروب) بل هي نفسها التي أشعلت الحرب الأغريقة هي ذاتها التي حرّكت حروب التاريخ الغربي والشرق أوسطي، وليس بالضرورة انْ تكون الحكايات على طراز الأسطوره الأغريقية بيد أنّها من الحكايات السردية لحروبٍ كان فيها الرغبات الأنثوية دوراً مؤثراً في مسار تلك الحقبة التأريخية للحروب مثل :ا

** بلقيس ملكة سبأ عندما أستلمت رسالة سليمان- ملك المملكة العبرية في أورشيليم- التحذيرية والمليئة بالحكمة والعقلانية في وحدة أندماجية، ذهبت أليه بنفسها حاملة معها هدايا ثمينه، وأقرّتْ بحكمه وحكمته وتزوجته وتوحدت الممالك اليهودية الأولى والثانية كما هو مذكورٌ في " العهد القديم " وحسب سفر الملوك الأوائل تمكنت " بلقيس أطفاء نيران الحرب وحقن الدماء .

** جان دارك القسيسه الفرنسية : ولادة 1412 م- 1431 م، وهي في السادسة عشرة من عمرها لازمت الكنيسة والتديّنْ وعُمدتْ بالعقيدة اللاهوتية الخيالية الغيبية مع ملوك فرنسا المرشحين أصلاً من قبل الكنيسة الأنجيلية، فهذه العزيمة والعقيدة الدينية وتأييد الكنيسة وبلاط الملك الفرنسي أصبح تحت تصرفها وتمكنت من أقتحام قلاع الجيش الأنكليزي والأنتصار عليهم وأسترجاع أقليم " روان " والعديد من الحصون الفرنسية وتكبيدهم شر الهزائم والخسائر في الأرواح والمعدات، والمحصّلة من مشاركة هذه الأنثى الصغيرة في تغيير مجرى الحرب هو قلب المعادلة لصالح الفرنسيين في أشهر معدودة ---- وأترك النتيجة النهائية حين أتهمت بالزندقة والهرطقة من قبل قاده متدينون في الكنيسة الفرنسية وأعدمت في 1431 م .

 

عبد الجبار نوري / السويد

.....................

الهومش

* ألياذة هوميروس / لميخائيل صوايا،

* بوابة اليونان القديم،

* غريغوري ناجي / أفضل الأقيان – مفهومات البطل في الشعر الأغريقي 1979 – ص-269 – 300 .

* كتاب العهد القديم القدس، القديسه جان دارك / الموسوعه البريطانية والموسوعة الكاثوليكية .

 

المذهب الرمزي وتوظيفه في الدراما السورية الفانتازية

aous hasanاحتلت الدراما السورية في الآونة الأخيرة مكانة مؤثرة وفعالة، في تأسيس ثقافة بصرية، عن طريق محاكاة الأحاسيس والمشاعر لدى المشاهد، وتحديدا هنا يهمنا الدراما الفانتازية التاريخية التي ابتدأت مسيرتها في بداية التسعينات وكان للمخرج السوري القدير نجدت اسماعيل أنزور، والكاتب السوري هاني السعدي، دور تاسيسي وجذري في هذا الإنقلاب الدرامي على الساحة العربية، بعدما أمسى التلفزيون شكلا من أشكال الترفيه والتسلية، فكانت أعمال البركان-الجوارح –الكواسر-غضب الصحراء –الموت القادم إلى الشرق –رمح النار- الفوارس -البواسل –المسلوب، من الأعمال الدرامية التلفزيونية التي احتلت مكانة متميزة وخاصة في ذهن المشاهد العربي.

الدراما كفن إنساني نشأت عن طريق الميل الغريزي للمحاكاة عند الإنسان، والدراما هي جزء من الفن المسرحي المتكامل، فقد ارتبطت ارتباطا وثيقا بنشأة الإنسان على هذه الأرض، وقد جسدت صراعه مع الطبيعة والقوى الخفية، والدراما هي نوع من النصوص الأدبية التي تؤدي تمثيلا في المسرح أو السينما أو التلفزيون، (أخذت الكلمة من اللغة الإغريقية القديمة، وتعني العمل، وتأتي بمعنى التناقض أيضا، حيث أنها كلمة مشتقة من عدة اسماء لكتاب وفلاسفة مشهورين، وهذا النوع من التمثيل عبارة عن مزيج من الأشياء، والتناقضات، كالضحك، والجد، والحزن، وغالبا ما تهتم الدراما بالتفاعل، الإنساني، وكثيرا ما يصاحبها الغناء والموسيقى ويدخل فيها فن الأوبرا) *، والدراما قد تكون مضحكة وهو ما يطلق عليها الملهاة، أو محزنة ويطلق عليها المأساة، وهناك ما يجمع بين الإثنين ويسمى التراجيوكوميدي، حيث يتم تناول الشخصيات الإسطورية ببعض السخرية ويطلق عليه أحيانا بالكوميديا السوداء.

****

ساهمت الدراما الفانتازية في استغلال الثورة البصرية التي وظفت توظيفا فعالا في المسرح الرمزي من خلال الإضاءة والديكور والموسيقى، والأزياء، ومن خلال الفراغات في السيناريو أو لغة الصمت، التي تثير في المشاهد مجموعة من التساؤلات المبهمة والجوهرية، وتحاكي عوالمه الداخلية وأحلامه الخفية، و تساعد على اثراء مخيلته واستفزازها، في كثير من الجوانب، وساهمت الموسيقى والإضاءة والتركيز على الجانب الحركي للمثل، ولغة الجسد في تحديد وتكوين الإنسجام البصري الكامل، هذا اضافة إلى الألوان، والرقصات التعبيرية، واستحضار الحكايا الإسطورية في كثير من جوانب السرد الدرامي.

أما الرمزية كمفهوم شائع ومتداول في الأوساط الثقافية:- فهي عبارة عن حركة ثورية في الأدب والفن ظهرت في فرنسا في آواخر القرن التاسع عشر كرد فعل على المدرستين الواقعية والرومانسية، وكان هدفها التعبير عن سر الوجود باستخدام الرمز، معبرة عن الوعي الباطن للإنسان، وعن أحلامه الداخلية؛لذا فقد رفضت الرمزية محاكاة الواقع، بشكله المباشر والظاهري، واتجهت إلى الجوهر غير الملموس، معتبرة أن الحقيقة لاتدرك بالعقل وانما عن طريق الخيال، وإن الفنان يكون رؤيته الرمزية عبر مجموعة من الإدراكات الحسية.

إن توظيف الرمزية في الدراما السورية الفانتازية، معتمدة بذلك على عناصر المسرح الرمزي، وعناصر فن السينوغرافيا كوحدة متكاملة للعرض المسرحي؛ ساهمت في نشوء ثورة حقيقية في تاريخ الدراما العربية، ورغم أن الفانتازيا التاريخية في السينما والدراما، ليست جديدة في العالم، فقد وظفت سابقا في السينما العالمية( الصينية واليابانية)، إلا أن نشأتها في الدراما السورية في بداية التسعينات، أحدثت انقلابا هاما وجذريا في وعي المتلقي العربي، فقد تناولت التاريخ ضمن سياقات جديدة خارج الزمن والجغرافيا، واستحضرت الأساطير والحكايات الشعبية التي تشبه كثيرا، حكايات ألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، بلغة فصحى بليغة، وبصور واستعارات مدهشة وصادمة في نفس الوقت.

كانت أغلب هذه الأعمال تتمحور حول الصراع بين قوى الخير والشر، حول طغاة وجبابرة حكموا صحراء العرب، في بعد مكاني متخيل خارج الزمان، حول عصبة الغرباء وشذاذ الآفاق الذين استحلوا مدينة النور الموعودة، حول الفارس العربي الصعلوك الذي يخرج من صحراء العرب، بعد أن أيقظه حلم الخلاص؛ ليلم شمل القبائل العربية، وينتصر على الروم المستعمرين، حول الثأر والحقد والخيانة والحسد، وأخيرا حول ولوج إلى الإنسان إلى جوهر ذاته وتخلصه من عبودية النفس التي كبلته ردحا طويلا من الزمن.

يحسب للمخرج السوري نجدت اسماعيل أنزور والكاتب السوري هاني السعدي هذا الذكاء في توظيف الفنون الإنسانية في الدراما، فهي لم تشمل المسرح أيضا، بل استخدمت فن القص وشعرية الحداثة، والكثير من التقنيات المستخدمة في السينما، إضافة إلى جمالية الصورة وحركتها، والمشهد الصامت الملتقط، المشهد المليء بالغموض والأسرار الذي يكتنف أي لوحة تشكيلية بارعة الجمال والتكوين.

في زمن يسود فيه الإنحدار الفكري والإبداعي على جميع المستويات والأصعدة، في زمن ساد فيه الفن الإستهلاكي والتجاري، نحتاج إلى فعل جمعي خلاق يؤسس لثقافة صورية حقيقية من خلال الدراما والسينما، نحتاج إلى مرآة صافية ونقية للوعي، إلى تلك الصورة التي ستبقى راسخة في مخيلتنا على مر الأجيال والأزمان القادمة.

 

أوس حسن

.......................

هوامش

*مفهوم الدراما نبذة تعريفية (ويكبيديا الموسوعة الحرة)

تأثرت الدراما السورية أيضا كثيرا، بالآداب العالمية، وخصوصا الروائية منها، فعالجت قضايا اجتماعية وسياسية وثقافية، واستحضرت كثيرا من القصص العالمية لكتاب عالميين كبار، واعادت انتاجها في إطار شرقي خاص. نذكر على سبيل المثال سلسلة مرايا لكاتبها ومؤلفها المبدع ياسر العظمة (بدأت بالثمنينات وما زالت مستمرة إلى وقتنا الحاضر)، وسلسلة بقعة الضوء التي بدأت البث سنة 2001 وما زالت مستمرة إلى حد الآن.

الموت القادم إلى الشرق من الأعمال التاريخية الفانتازية في الدراما السورية، وهو من الأنساق المبتكرة التي اتخذت من قوة الرمز أداة مؤثرة للتعبير عن القضية الفلسطينية، وشعبها المضطهد، لكن المتابع الحقيقي لهذا العمل والذي يملك مخيلة تحليلية عميقة، سيلاحظ هناك مجموعة من العناصر الدالة المرتبطة مع بعضها البعض بقوة إيحاء غامض، يدفعنا نحو هاوية من الأسئلة الحادة. هذا الإيحاء كان رؤية مستقبلية من الكاتب.رؤية استباقية تنبأت بما سيحصل اليوم في الشرق من ويلات ومآسي وانقسامات، ودخول شراذم الغرباء من جميع أنحاء العالم؛ليعيثوا ظلما فسادا في الشرق المستباح.

تفاصيل نص موغل في تقنية السهل الممتنع

ahmad alshekhawiشعرية طيبة النواب لا تكتسي طابع الغموض، بل على العكس من ذلك تماما فهي تتسم بالبساطة العميقة المرغبة في طرق أبواب التأويل كأداة ممكنة من فهم الآخر كقرين متغلغل في لا وعي شاعرة من هذا الطراز، تؤطر شخصيتها بصيرة يتقاذفها الحلم من جهة كمتنفس أخير وجغرافية للنزوح والوطن من جهة ثانية كحبيب أول وقبلة لإفراغ روحي في أعنف تجلياته لا يتخطى حدود العتاب.

" في وطني

زحمة سير تفقدك عقلك

لكنها

تجعلك تسير وحيدا بجانب دجلة

فتجد ما لا تجده

وتكسب نفسك

روحك

وقلبك

تشعر وكأنك في غفلة عن أرضك.

 

وفي وطني

مشردين

يكسبون أملهم

بابتسامة منك

فابتسم من فضلك.

 

فيه نحتاج لمل

يصل السماء

لنعيش بقوة حتى نصل الأهداف

ونحتاج الدعاء

لأناس إذا حرمنا القدر منهم

سنعيش بصعوبة

حتى أن نودع الحياة

كلها، وليس الأوطان.

 

في وطني

نكتب، نقرأ، نحلم،

نتفوق

ولا أحد يبالي بالنجاح

فالانتقاد أسلوبنا للمعيشة

حياتنا أن نكسر بعضنا

لكننا نقويها

بأن نحلم ذات الحلم

أن نعيش

بحرية وسلام.."

نصا شذريا يعكس أنين الذات الشاعرة تحت نير التمزق في الإحساس تجاه ما يعتري الوطن من تناقضات وصعوبات في التأقلم مع زخم من المتغيرات في خلوها النسبي من قيمتين أساسيتين يصعب العيش بدونهما، الحرية والسلام، وإزاء كهذه إسقاطات على الوطن الذي من المفترض أنه ماهية ينهل منها ما يمنح التوازن الوجداني،ويحول دون الهروب السلبي،على اعتبار ارتماء"طيبة" بين أحضان الطبيعة/دجلة،ضربا من ضروب العزلة الإبداعية،تصيدا لما يكمل نقائص الوطن وأوجه ضعفه.

تفتتح كل قطعة من النص، بلازمة" في وطني" للتأكيد على تمحور القلق حياله كأرض تحاصر الوعي المجهد بما ألمّ بها من محفزات على الركض خلف سراب المفقود( فتجد ما لا تجده /وتكسب نفسك )

وأيضا غياب الابتسامة أو ندرتها ارتقى بها ــ رمزيا ــ إلى ما عدله الأمل المكتسب وفيه إحالة على مسألة الرغيف كهم يكتسح قائمة الأولويات،ليس في وطن موجوع ما تنفك تعاتبه الشاعرة، بل في الأوطان العربية قاطبة، فينضاف إلى الجوع الفكري والروحي جوع الكد وتحصيل متطلبات الحياة ( يكسبون أملهم/ بابتسامة منك / فابتسم من فضلك)

كما أن الأمل الزائف الذي لا يحلق تصاعديا إلى السماء، لا ينفع بقد ما يعتم على ضعف يحجب ثمار الأهداف المسطرة وخير وأجل من يرتجى طبعا هو الله جل جلاله إذ في دعاءه موجبات النظر إلى خلقه بعين الرحمة وبالتالي كشف غمة الأمة .. فزوال الأوطان بسفك دماء الأحبة ظلما وعدوانا وباستشراء الأمل الكاذب المراوغ ( فيه نحتاج / لأمل يصل السماء / لنعيش بقوة حتى نصل الأهداف /ونحتاج الدعاء )

وتختم الشاعرة طيبة النواب نصها المتشظي، بالتلميح إلى حقيقة مرة تعيق عجلة التطور صوب الأحسن في مجتمعاتنا، إنها إشكالية النقد اللاذع المغيبة عنه الحنكة والشفافية والحياد في مواجهة المعطيات، ما يشوه معيارية النجاح كدعامة لا يقوم الوطن ولا يقوّم المعوج منه إلا بها .

الانتقاد كسلاح لتحطيم زجاج القلوب العنيدة الذاهب بتشاؤمها القفز فوق الواقع غلى الحلم ذاته، في وشاية بفكر ووعي جمعي(بأن نحلم ذات الحلم) الحلم بالحرية وبالسلام، وسلم هذا الطموح الإنساني المشروع متمثل في القراءة والكتابة (نكتب، نقرأ، نحلم / نتفوق / ولا أحد يبالي بالنجاح /إلخ...)

بقي ان ألفت عناية المتلقي الكريم إلى نقطة أخيرة ضمن هذه الورقة النقدية، تكمن في استعمال " طيبة " للأفعال ( تفقدك / تجعلك/ تكسبك/ ابتسم / نكتب / نقرأ / نحلم/...) وكأن الغرض منه إضفاء عنصر التشويق على العرض برمّته، وهي تقص علينا معاناته كأنها لاجئة أو نازحة نأت بها ويلات الحرب الملعونة المشتعلة في مناطق ما يسمى بالربيع العربي .

زكما سبق وأشرت، قد لا يجد القارئ صعوبة تذكر في استيعاب هذا النص بيد انه مفخخ بسهله الممتنع الدال على رؤية متوهجة وانسجام تام مع الذات بتحويل قلقها إلى جوانب إيجابية.

وإذن نحن إزاء شاعرة توظف تقنية كشف أسرار خبايا نفس مثقلة بالقطوف برغم تهجم الظرفية وقد وضعت بين أيدينا ومضة جسد شعري بسهله الممتنع استطاع فك شفرات المعادلة الإنسانية كحالة شخصية عاشتها " طيبة " لتنقلها عبر نص عبر نص محترم، ‘لى عالمية مؤثرة جدا.

 

احمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي/14//11/2015

 

إشكالية التعصب للنسب في الشعر العربي (1)

karem merzaأعداء الأمّة إلى أين؟!!

يقول دعبل الخزاعي، وللقول حديثٌ وحديث، من يقف ضد الأمة وتراثها ولغتها وآدابها و أفذاذها، يقف مع أعدائها صفاً بصف، وأجرم، والقضية ليست بشخصية جزماً، من يتخيل أنّه يملك السيف والمال والجنس، وسيغلب القلم والفكر والفن، لهو في ضلالٍ مبين !! والحكم للتاريخ والأمة والذوق العربي:

نعوني ولمّا ينعني غيرُ شـــامتٍ*** وغيرُ عدو ٍ قـــد أصيبتْ مقاتلـهْ

يقولون إن ذاقَ الردى ماتَ شعرُهُ**وهيهات عمرُالشعرطالتْ طوائلهْ

سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناس أمرهٌ****ويكثرُ مـــن أهل الروايةِ حاملهْ

يموتُ رديءالشعر ِ من قبل أهلهِ*** وجيدهُ يبقــى وإنْ مـــات قائـلـهْ

 

المقدمة:

إشكالية التعصب للنسب لاحقت الإنسان من قديم الزمان على مستوى الأمم والشعوب والقبائل والأفراد، وكلٌّ ينادي بالإنسان، والإنسان نفسه حيران، يتعصب ويضحي بالمجان، والحقيقة أنّ المغالاة في التعصب للنسب، ورمي الآخرين بالنقص والعيب والدونية، قد ولـّد من المشاكل الكبرى، والجرائم العظمى ما لا تحصى، وإنْ بدت في بادئها من الأمورالصغرى، وقديماً أبدع طرفة بن العبد (ت 569 م) - توفي قبل ولادة النبي الكريم (ص) بسنة واحدة - حين قال:

قد يبعثُ الأمرَ العظيمَ صغيرُهُ **** حتى تظلَّ لهُ الدماءُ تصبّبُ

والظّلمُ فرّقّ بيــــــنَ حيِّ وائل ٍ **** بكرٌ تساقيها المنايا تغلبُ

وقضية حرب البسوس بين بكر وتغلب شهيرة في التاريخ العربي وأدبه، وكذلك دعوة ملك الحيرة عمرو بن هند غير الموفقه لأم الشاعر التغلبي الشهير عمرو بن كلثوم لخدمة أمه، ومعلقته الشهيرة:

أَلاَ هُـبِّـي بِصَحْـنِـكِ فَاصْبَحِيْـنَا *** وَلاَ تُـبْـقِي خُـمُـوْرَ الأَنْدَرِيْـنَا

أَلاَ لاَ يَـجْـهَـلَـنَّ أَحَـدٌ عَـلَـيْـنَــا*** فَنَجْهَـلَ فَـوْقَ جَهْـلِ الجَاهِلِيْنَا

بِـاَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْـرُو بْــنَ هِـنْـدٍ*** نَكُـوْنُ لِقَيْلِـكُمْ فِيْـهَـا قَطِـيْـنَـا

بِـأَيِّ مَشِيْئَـةٍ عَمْرَو بْــنَ هِـنْـدٍ ** تُطِـيْعُ بِـنَا الـوُشَاةَ وَتَـزْدَرِيْـنَـا

تَـهَــدَّدُنَــا وَتُـوْعِــدُنَــا رُوَيْــداً *** مَـتَـى كُـنَّـا لأُمِّـــكَ مَقْتَـوِيْـنَـا

فَــإِنَّ قَنَاتَـنَـا يَــا عَـمْـرُو أَعْـيَـتْ ***عَلى الأَعْـدَاءِ قَبَـلَكَ أَنْ تَلِيْـنَا

وَرِثْنَـا مَجْـدَ عَلْقَمَـةَ بِـنْ سَيْـفٍ *** أَبَاحَ لَنَا حُـصُـوْنَ المَجْـدِ دِيْـنَا

وَرَثْــتُ مُهَلْـهِـلاً وَالـخَـيْـرَ مِـنْهُ *** زُهَـيْـراً نِـعْمَ ذُخْـ رُ الذَّاخِـرِيْـنَا

وَعَـتَّـابــاً وَكُـلْـثُـوْمــاً جَـمِـيْـعــاً ***بِـهِـمْ نِـلْـنَا تُـــرَاثَ الأَكْرَمِـيْـنَـا

وَنَـحْـنُ الحَـاكِـمُـوْنَ إِذَا أُطِـعْـنَـا*** وَنَـحْـنُ الـعَازِمُوْنَ إِذَا عُصِـيْـنَا

وَنَحْـنُ التَّارِكُـوْنَ لِـمَـا سَخِطْـنَـا**** وَنَـحْـنُ الآخِـذُوْنَ لِـمَا رَضِـيْـنَا

كَــأَنَّ غُضُوْنَـهُـنَّ مُـتُـوْنُ غُـــدْرٍ **** تُصَفِّـقُـهَا الـرِّيَـاحُ إِذَا جَـرَيْـنَا

كَـأَنَّــا وَالـسُّـيُــوْفُ مُـسَـلَّــلاَتٌ **** وَلَـدْنَـا الـنَّـاسَ طُـرّاً أَجْمَعِـيْـنَـا

وَقَـدْ عَلِـمَ القَبَـائِـلُ مِــنْ مَـعَـدٍّ **** إِذَا قُــبَــبٌ بِـأَبـطَـحِـهَـا بُـنِـيْـنَــا

بِـأَنَّــا المُـطْـعِـمُـوْنَ إِذَا قَــدَرْنَــا *****وَأَنَّـا المُـهْـلِـكُـوْنَ إِذَا ابْتُـلِـيْـنَا

وَأَنَّـــا المَـانِـعُـوْنَ لِـمَــا أَرَدْنَـــا***** وَأَنَّا النَّـازِلُـوْنَ بِـحَـيْـثُ شِـيْـنَا

إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً ***** أَبَـيْـنَـا أَنْ نُــقِــرَّ الــــذُّلَّ فِـيْـنَـا

مَلأْنَـا الـبَـرَّ حَـتَّـى ضَــاقَ عَـنَّـا **** وَظَـهـرَ البَـحْـرِ نَمْـلَـؤُهُ سَفِـيْـنَــا

إِذَا بَـلَـغَ الـفِـطَـامَ لَـنَــا صَـبِــيٌّ ***** تَـخِـرُّ لَــهُ الجَـبَـابِـرُ سَاجِـديْـنَـا(1)

وقال أفنون التغلبي مذكـّراً بهذه الدعوة:

لعمرك ما عمرو بن هند إذا دعا *** ليخدم أمى أمه بموفق ِ

ويقال إن أخ الشاعر القاتل واسمه مرة بن كلثوم هو أيضاً قد قتل المنذر بن النعمان بن المنذر من قبل، وفي ذلك يقول الأخطل التغلبي مفتخراً !:

أبنى كليب إن عمى اللذا *** قتلا الملوك وفككا الأغلالا

يعني بعميه عمراً ومرة ابني كلثوم، ولشغف تغلب بقصيدة ابن كلثومهم، وكثرة روايتهم لها قال بعض الشعراء متهكماً:

ألهى بنى تغلب عن كل مكرمة *** قصيدة قالها عمرو بن كلثوم

يفاخرون بها مذ كان أولهم **** يا للـــرجال لفخر غير مسؤوم (2)

كان النسب الشغل الشاغل للعرب منذ تصنيفهم الأمة إلى عرب عاربة وعرب مستعربة، فقيلهم وقالهم مشتعل بين الطرفين حتى أنّ الله أنزل نبيهم من هؤلاء المستعربين لا العاربين، ومن ثمّ تولى المستعربون - كما نعتهم المجحفون - الخلافة الإسلامية طيلة العصرين الأموي والعباسي ! وأشار إلى ذلك جرير عندما هجا الأخطل التغلبي، إذ فخر الأول بإسلامه ومضريته قائلاً:

إنّ الذي حرمَ المكارمَ تغلباً *** جعلَ الخلافة والنبوّة فينا

لا أعلم لماذا جرير لم يقدم النبوّة على الخلافة؟! وهي أعظم مقاماً، وأسبق زمناً، والشعر يمشي وزنا ً، فالبيت من البحر (الكامل)، المهم لم يكتفوا بهذا التفاخر والتنابز ورمي الآخرين حتى ذهبوا إلى المقابر يعددون موتاهم، فأنزل الله عليهم " ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر "، وجرّهم الأمر إلى رمي بعضهم بعضاً إلى أمم أخرى، بل تطاولوا على عباقرتهم وأفذاذهم، فقذفوهم للأجانب والأباعد، وهؤلاء يستحوذون ويصرخون هل من مزيد لهذا المجد التليد؟!! صرخ المتنبي العظيم متهكماً داعياً للصحوة والتعقل:

أغاية َ الدّين أنْ تحفوا شواربكمْ ***يا أمّة َ ضحكتْ من جهلها الأممُ؟!

ذهبت صرخته أدراج الرياح كما ذهبت صرخات السابقين واللاحقين، والإشكالية قائمة حتى يومنا هذا المستكين !

نعم ما بين التعصب القبلي، والتكسب المصلحي، والتجاذب السياسي، والتصارع الدنيوي، يبزغ فجر الأثافي الثلاث لتركيب الشعر العربي في عصره الأموي،أولهم أخطلهم، وثانيهم فرزدقهم، وثالثهم جريرهم - سنتكلم عنهم حسب ضرورة البحث - ...هؤلاء جاهليون في نزعاتهم، إسلاميون في أيامهم، يُحرَّكون ويتحركون، ملأوا الدنيا بنقائضهم، و هجائهم، وفخرهم، ومدحهم ... حالهم ليس على حال، وموقفهم ليس على موقف، يوم لهم ويوم عليهم، وبقى صخبهم من يومهم الأول حتى يومنا الأخير، شغلوا حيزاً واسعاً في تاريخ الأدب العربي، تناسى هذا التاريخ الطغاة والملوك أو كاد، وما نسى هؤلاء الشعراء، ولا كاد !! .

ولكن لم يُقرن شاعران في تاريخ الأدب العربي، كما قُرن جرير بالفرزدق، فما ذُكر أحدهما إلا و رفرف الآخر بظلاله على الذاكرين المتذكرين، ليقول: أنا هنا،، كلاهما من بني تميم، ولكن الفرزدق من نسبٍ رفيع، وجرير من نسبٍ وضيع، كما صُنّفا، وليس منّا !!، أمّا لماذا سنلحق جرير بالفرزدق، لأن الأخير أكبر سنّا، وأطول عمراً في هذه الحياة، فالفرزدق هو همام (وقيل: غمّام) بن غالب بن صعصعة، ولد بالبصرة، وتوفي فيها بعد عمر مديد (20 هـ - 114 هـ / 641 م - 732م) - وستأتيك ترجمة جرير- كنية فرزدقنا أبو فراس، ولقبه الفرزدق، ولقب به، لغلظة في وجهه، كان أبوه من أشراف البصرة ووجهائها، وكرمائها، سليل أجداد من ذوي المآثر الحميدة بين العرب، فهو ينتمي إلى مجاشع بن دارم من تميم (3)، فقد جمع بين زهوي النسب العريق، والشعر الرقيق، لذلك نراه يفخر على غريمه جرير قائلاً:

مِنّا الّذِي اخْتِيرَ الرّجالَ سَماحَةً *** وَخَيراً إذا هَبّ الرّياحُ الزّعَازِعُ

وَمِنّا الّذي أعْطَى الرّسُولُ عَطِيّةً *** *أُسارَى تَمِيمٍ، وَالعُيُونُ دَوَامِعُ

وَمِنّا خَطِيبٌ لا يُعابُ، وَحامِلٌ **** أغَرُّ إذا التَفّتْ عَلَيهِ المَــــجَامِعُ

وَمِنّا الّذي أحْيَا الوَئِيدَ وَغالِبٌ ***** وَعَمْروٌ وَمِنّــا حاجِبٌ وَالأقارِعُ

وَمِنّا الّذي قادَ الجِيادَ عَلى الوَجَا**** لنَجْرَانَ حَتى صَبّحَتها النّــزَائِعُ

أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِمْ ***** إذا جَمَعَتْنا يـــــــا جَرِيرُ المَجَامِعُ

ليس هذا فقط، بل لمّا يروم هجاء جرير، يذكّره بنسبه التميمي الوضيع، ويلحق نفسه بنسبهم الرفيع، وكان الأمر مألوفاً محقّاً في ذلك العصر، رغم أن الإسلام نادى بالسواسية، وعدم التفرقة، ولكن الخلفاء قربوا الأقرباء، والعرب الأصحاء، والتنابز بين القبائل والشعراء، اقرأ كيف يقذف الفرزدق جريراً بعد فخره في الأبيات السابقة:

يا ابن المراغة كيف تطلب دارما *** وأبوك بين حمارة وحمــــــار

وإذا كلاب بني المراغة ربّضت *** خطرت ورائي دارمي وجماري

دارم قوم الفرزدق، باذخة المجد والشرف والعزّة، وما جرير إلا بدوي من أعراب بني كليب التميميين الفقراء الرعاة، ويتمادى في قسوته،إذ يتعرض في البيت التالي إلى قريبات جرير اللواتي رعين ماشيته :

كم خالة لك يا جرير وعمة *** فدعاء قد حلبت عليّ عشاري

ولكن هل كان الرجل الفرزدق الشاعر على شاكلة أبائه وأجداده؟ كلا - يا قارئي الكريم - فقد اتهم بالفسق والفجور، مزواجا مطلاقاً، بعيداً عن أخلاق باديته وأهله - سوى الخشونة والفظاظة -، متقلباً في مواقفه صباح مساء، نشبت بينه وبين جرير - شاركهما الأخطل التغلبي - معارك شعرية، اتسمت بالهجاء والسخرية حتى قذف محصنات الطرف الآخر، وبالمقابل الفخر بالنفس والقبيلة،سميت بالنقائض، وكانت معروفة بشكل أخف منذ العصر الجاهلي، وخمدت جذواتها في صدر الإسلام، لمحاربة الإسلام النزعة القبلية الجاهلية، وأججت بشكل أعنف وأشد في العصر الأموي، بدوافع تحريضية من قبل الخلفاء، والأسباب سياسية وقبلية، وتلاقفها الشعراء لإبراز مواهبهم، ورفعة شأنهم، وقوة نفوذهم السياسي والاجتماعي، وتحصيل أرزاقهم، وتنمية أموالهم، وكان الفرزدق ينحت شعره بالصخر فخراً، إذ يوظف فخامة اللفظ، وصلابة النظم، وعراقة الأصل، وسعة الخيال، وتوليد المعاني المبتكرة، وترك لجرير أن يغرف من بحر ما يشاء من شعر مطبوع، لين الإسلوب، رقيق العبارة، متعدد الأغراض، ومال كثيرً للغزل والنسيب والتشبيب، فطغى شعره سيرورة، أمّا الأخطل، فإضافة لمشاركتهما المدح والهجاء والنقائض، أجاد في وصف الخمر والدن، والندمان .

لقد مدح الفرزدق خلفاء بني أمية أمثال عبد الملك بن مروان، وولديه الوليد وسليمان، وعلى أعلب الظن لتقية تحميه، وارتزاق يكفيه، ولدفع شبهة لصقت فيه، إذ كان أبوه من أصحاب الإمام علي (ع) المقربين، ثم أنّ القصيدة الميمية في مدح الإمام السجاد،كان يجب أن يدفع ثمنها، والرجل رجل دنيا، لولا ميميته العليا، مهما يكن، قد غالى في مدحهم، اقرأ كيف يخاطب سليمانهم :

أنت الذي نعت الكتاب لنا**في ناطق التوراة والزبرِ

كم كان من قسٍّ يخبرنا **** بخلافة المهدي أو حَبْرِ

إنا لنرجو أن تعيد لنا *** سنن الخلائف من بني فهر

عثمان إذ ظلموه وانتهكوا ***دمه صبيحة ليلة النحر

لم يمدحهم لكرم، أو شجاعة، أو سماحة ...، بل جعلهم أحقّ الخلق بالخلافة، وهم سيوف الله، والقمر الذي يهتدى به ...

أمّا جرير فهو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي ...ابن كليب اليربوعي التميمي (كنيته أبو حرزة، ولد بتهامة سنة (33 هـ / 653 م) من أب فقير، وضيع، خامل، بخيل (4)، ولم ينكر الشاعر هذا الأمر، بل كان يتماهى بنفسه عصامياً، وتوفي   سنة (114هـ / 732 م) بعد فترة وجيزة، لا تتجاوز ثلاثة أشهرمن وفاة غريمه الفرزدق، وقد رثاه الجرير ، ثم ودع دنياه بعد خمسين عاما من المهاجاة، والتنابز، والمباهاة، ومن الرثاء قوله:

لعمرِي لقد أشجي تميما وهـداها ** على نكبات الدهرِ موت الفرزدق

عشـية راحـوا للفـراق بنعشـه **** إلى جدث في هوّة الأرض معمق

ثوى حامل الأثقال عن كلّ مغـرم ****ودامغ شيطان الغشوم السمـلق

عمـاد تمـيم كلها ولسانــها ***** وناطقها البـــــــــذاخ في كل منـطق

فمن لذوِي الأَرحامِ بعد ابن غالب ****لجار وعان في السّلاسل مـوثق

وكـم من دم غال تحـمّل ثقـله *** ****وكان حمولا في وفاء ومصدق

تفـتّح أبـواب المـلوك لوجـهِه *******بغيـــــــرِ حجاب دونـه أو تمـلّق

فتى عاش يبني المجد تسعين حجّه*** وكان إلى الخيرات والمجد يرتقي

قصيدة موجعة، مؤلمة، مؤكدة أنَّ لا إنسان إلا بالإنسان، فما كانا أن يكونا مخلدين إلاّ بالاثنين، ولا بمحظوظين إلاّ باللسانين،وما كانت المهاجاة،وما كان التنابز بالألفاظ إلا لإبراز الذات، وجذب انتباه عقول ومسامع الذوات، وقد نجحا في مرماهما، ويقيني لو كان العكس، لحدث العكس.

الراعي النميري بين مطرقة جرير وسندان الفرزدق، وبنو نمير يدفعون الثمن الباهض !!:            

ومن سخرية أقدار الحياة، حين تورّط الشاعر الراعي النميري في إصدار حكمه بتفضيل الفرزدق هجاءً على جرير، بتحريض وإلحاح من عرّادة النميري - نديم الفرزدق - في جلسة شرب بالبصرة، فما أن أخذ منه الشراب مأخذا، حتى قال بيته الشهير (الكامل):

يا صاحبي دنا الأصيل فسيرا *** غلب الفرزدق في الهجاء جريرا

فجنّ جنون هذا الجرير الكبير، ولما سمع البيت، وبعد قيل وقال مع الراعي، ذهب إلى منزله، وندع عبد القادر البغدادي يكمل روايته، كما وردت في (خزانته) "، وقال للحسين راويته: زد في دهن سراجك الليلة، وأعدد لوحاً ودواة. ثم أقبل على هجاء بني نمير، فلم يزل يملي حتى ورد عليه قوله: (الوافر)

فغض الطرف إنك من نمير *** فلا كعباً بلغت ولا كلابا

فقال حسبك أطفئ سراجك ونم فرغت منه ثم إن جريرا أتم هذه بعد وكان يسميها الدامغة أو الدماغة وكان يسمى هذه القافية المنصورة..." (5)

وهذا البيت المشؤوم على بني نمير، من قصيدة طويلة عدد أبياتها مائة وتسعة، كما يذكر البغدادي نفسه، مطلعها:

أقلي اللوم عاذل والعتابا *** وقولي إن أصبت لقد اصابا

ومنها:

إذا غضبت عليكَ بنو تميمٍ *** حسبتَ الناسَ كلّهمُ غضابا

وأراد هذا العبيد الراعي أن يردّه بقوله:

أتاني أن جحش بني كليب *** تعرض حول دجلة ثم هابا

فأولى أن يظل البحر يطفو *** بحيث ينازع الماء السحابا

ولمّا عجز عن أن يجاريه،عكف عن الأمر، فمن يسمع لجرير، لا يلتفت للراعي، ولو أنَّ الأخير كان يُعتبر شاعر مضر، فمن قصد البحر استقلَّ السواقيا، وحاول الفرزدق نفسه، وهو من سادة تميم، وأشرافها، أن يعارض ابن عمه جرير التميمي ثأراً لناصره المتعثر، بقصيدة مطلعها:

أنا ابن العاصمين بني تميم *** إذا ما أعظم الحدثان نابا

وتجاوز الناس الفرزدق، والراعي، وتمسكوا ببني نمير، فقال الراعي لابنه: " يا غلام بئس ما كسبنا قومنا. ثم قام من ساعته وقال لأصحابه: ركابكم فليس لكم هاهنا مقام، فضحكم جرير. فقال له بعض القوم: ذلك بشؤمك وشؤم ابنك.....وسبوه وسبوا ابنه. وهم يتشاءمون به إلى الآنقال ..." (6)، ولا أطيل عليكم، قد غيّر معظم بني نمير أنسابهم، ولحقوا بنسب أعلى جدّا، وهاجروا بصرتهم الفيحاء، لا تتعجب - عزيزي القارئ - كان للشعر دور كبير في وجدان الأمة، يزلزل القاعدة والقمة ...!!

 

 

كريم مرزة الأسدي

......................

ط 2 - ت: سمير جابر- ج 11 ص 54 وما بعدها - - (1) (الأغاني): أبو الفرج الأصفهاني دار الفكر.

(2) راجع ( الشعر والشعراء): ابن قتيبة الدينوري - 1 /42 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(3) (تاريخ الأدب العربي): حنا فافخوري - ص 283 - م . س .

(4)م . ن .ص 294 م . س .

(5)، (6) (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي - 1 / 25 - 26 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

 

ناطق خلوصي يفضح (اعترافات زوجة رجل مهم)

nahar hasaballahما أن تقرأ رواية (اعترافات زوجة رجل مهم)* التي نسج خيوط أحداثها القاص والروائي العراقي ناطق خلوصي، حتى تبدو مرغماً على تغيير الكثير من قناعاتك بالواقع السياسي الراهن..

اعترافات زوجة رجل مهم .. ما هي إلا ورقة احتجاج على الوضع السياسي الذي شهده العراق ما بعد حرب 2003، اعترافات كُتبت بمرارة لتكشف حقيقة سياسيي الصدفة، والخديعة، من خلال شخصية البطلة (شهد) التي أرادها المؤلف ان تكون شاهداً، لا بل ان تكون وسيلة لفضح الحكاية كلها، لتجعل القارئ على مدار الرواية بمواجه مباشرة مع غياب الجانب الانساني ومدى الانحطاط الاخلاقي فضلاً عن غياب الحس الوطني الذي يتمتع به أبطال الرواية الذين هم ذاتهم ابطال الواقع السياسي العراقي..

كُتبت حروف هذه التجربة الروائية بجرأة غريبة لتضعنا أمام ما هو مسكوت عنه.. ولتكشف لنا عن قدرة امرأة تعتمد على جسدها الانثوي وسيلة للسيطرة والتلاعب بالقائمين على المنظومة السياسية كلها، فضلاً عن قدرة تلون زوجها (الحاج فاخر) السياسي الذي صنع نفسه وكون وجوده من أقذر وأقبح السلوكيات التي قد نجدها شاخصة متوجهة في بعض صناع القرار السياسي، فهو يجيد التضحية بالقيم والشرف والمبادئ كلها مقابل التسلق الى قمة السلطة..

وفي متابعة خطوط الأحداث يرتسم أمامنا خطا متصاعدا يؤشر مستويات تطور الأحداث مع تطور الشخوص والوقائع لنقف عند المكائد التي يتفنن رسم معالمها المتحالفون السياسيون..

اعتمد المؤلف في كتابة تلك الاعترافات على خطين سرديين في آن واحد، تقنية السرد الحكائي الاستذكاري (الفلاش باك) في تصوير اعترافات الماضي الى جانب تقنية سرد الاحداث الواقعية، وهو ما يضفي لمسة فنية رائعة تبقي القارئ في فضاء ترقب متغيرات الاحداث وهو أمر يحسب للمؤلف ولمنجزه الابداعي.

كشف الاحداث داخل المتن الروائي كان متسلسلاً على نحو فني بعيد عن الرتابة والتقليدية، مما يدعو القارئ لربط أحداث الرواية التي تسرد على لسان الراوي مع اعترافات الزمن الماضي التي تكتبها (شهد) خفية، والتي عمد المؤلف على تمييزها بخط عريض (Bold) مغاير للخط الذي يتحدث به الراوي ، من خلال مزاوجة الماضي بالحاضر لتتكون صورة ابداعية متكاملة.

اعترافات زوجة الرجل المهم لم تنته مع نهاية حروف الرواية لأن الرجل المهم مازال يتمتع ويستأثر بالسلطة والنفوذ والجاه.. ولكن ما أرغم المؤلف على نهاية الرواية هو شوق البطلة وحنينها الى انسانيها الضائعة رغما عنها..

 

نهار حسب الله

رواية (اعترافات الملازم زكي) للكاتب القدير راضي المترفي

goma abdulahيمكن اطلاق على الرواية او الحلقات (اعترافات الملازم زكي - 71 حلقة نشرت في موقع مركز النور للثقافة والاعلام) بانها رواية شمولية جامعة، وهي تسلط الضوء الكاشف على الحقبة السوداء من تاريخ العراق السياسي، حقبة الدكتاتورية البعثية وقائدها الاوحد (قائد الضرورة)، التي احرقت واهلكت الانسان والحجر والشجر، وكانت أسوأ فترة خراب هبت على الشعب العراقي، بفداحتها وخسائرها الكبيرة، التي جعلت مصير الانسان العراقي في مهب الريح والمجهول، في خيبة الامل والخوف من المجهول، بين الارهاب الحزبي، والسواتر الترابية وتحت الخنادق على جبهات القتال، في الحرب المجنونة والرعناء، التي اعلنها القائد الاوحد الارعن، المصاب بمرض حب العظمة، اشعلها ضد ايران، وطالت ثماني سنوات عجاف من الموت المجاني، وتجرع الشعب العراقي المرارة والمهانة والخراب والذل، اضافة الى الاساليب القمعية بالبطش الوحشي في مصادرة حقوق الانسان، لكي يكون المواطن العراقي، خادم ذليل ومهان الى القائد المجنون وحزب البعث، لقد سلطت الرواية على كل جوانب الحقبة السوداء من العهد الدكتاتوري البغيض، ورعونة القائد الاوحد الطائش بحب الكرسي والابهة المزيفة، حتى لو كانت على انهار من الدماء والجماجم، ليكون الشعب حطب ووقود لرعونته وطيشه المجنون، وان يكون الشعب تحت رحمة شرور نيران الارهاب الامني والفساد الكلي في مناحي الحياة، وتشويه القيم والعادات المجتمع العراقي، كما توغلت في كشف مباضع الانتهازية والوصولية والازدواجية الشخصية المتناقضة بين الظاهر والباطن عند المواطن العراقي، في اجواء الرعب البعثي، ومصادرة الحريات الانسانية والحياتية، في مناخ الخراب الشمولي، لكننا لا يمكن ان نغفل بعض القيم الانسانية الخيرة بالمثل العليا، الموزعة هنا وهناك في ثنايا الرواية، التي حافظت على قيمتها لم تتلوث في حريق وثقافة البعث المدمرة . ان الرواية كانت بحق المرآة التي عكست بصدق حثيثيات الواقع وتفاصيله الدقيقة آنذاك، وصادقة في ترجمتها للواقع، بالكم الهائل من الاعمال والافعال والتصرفات والسلوكيات، في عذاب الانسان العراقي وقهره، ليكون تحت شفقة محرقة وماكنة الالة الحزبية والامنية، سواء داخل او خارج خنادق جبهات الحرب، سواء كانت في الحرب العراقية الايرانية، او في غزو الكويت واحتلاله، بحجة عودة الفرع الى اصله الام، ثم طرده من الكويت، بشرهزيمة يجرجر اذيال الذل والمهانة، بالانكسار الكبير لجيش العراقي، وتحوله الى فحم محترق، ثم اشعال انتفاضة الشعب ضد النظام الدكتاتوري . انها عمل ادبي ابداعي كبير، بهذا الجهد المرموق، لتدوين تلك الحقبة السوداء، وعكس حقيقتها المشؤومة من تاريخ العراق السياسي، وقد استخدم المؤثرات التقنية الفنية، في تطعيم الرواية بالموروثات الشعبية، وفي لغة السرد المطعمة باللهجة العراقية الشعبية، وكذلك في توظيف تلك الاغاني التي سادت على الاعلام في تلك المرحلة الدكتاتورية، وخاصة اغاني الحرب التي تمجد عظمة الدكتاتور السفاح المجنون بالتعظيم المقدس، وتمجد العنف الوحشي، بتحول الانسان العراقي الى وحشي مارق ومصاص دماء وجزار يذبح دون رحمة وشفقة . انها صورت وترجمت وقائع الحرب بعين الراصد، المراسل الحربي المرموق، الذي يرصد كل شاردة وواردة، سواء داخل السواتر التربية لجبهات الحرب، او الرعب والارهاب المسيطر على الحياة العامة والخاصة، انها رواية او (الحلقات 71) واقعية من المعايشة الصميمية لكل حزئيات اشياء الواقع، ونقلها بالامانة، من التكتيكات الفنية للعمل الروائي الحديث، بالواقعية السياسية بشكل مباشر، وعبر الاسلوب السردي العميق بالتشويق، والرشيق في النقل والتصوير والتسجيل، انها تصلح لعمل سينمائي كبير ورائع، سيكون له شأن كبير، وكما انحازت الرواية الى الاسلوب الانتقاد الساخر واللاذع، لاعلام النظام المستند على النظرية النازية (اكذب . اكذب، ثم اكذب حتى يصدقك الناس) المحرف والمزيف، الذي يبحث عن قشة او شعرة، ليجعلها هالة ضخمة بعظمة الملاحم النصر ومآثره العظيمة، لحراس البوابة الشرقية (البوابة اللعينة) وهم في زحمة النفاق المسعور، من اجل خداع الرأي العراقي والخارجي، بان جند صدام الاشاوس يسجلون الانتصارات تلو الانتصارت، ولكن في عقولهم المريضة والمعتوهة . هذا الكم الهائل الكاشف والمسلط على الزيف المنحرف في تشويه الحقائق والوقائع الفعلية . استطاع الكاتب ان يضبط هذه الايقاعات، بالترتيب والتنسيق في الصياغة والتعبير، بقدرة مدهشة . لكن القارئ والمتابع لهذه (الحلقات 71) يتحير في تصنيفها من الادب الروائي، هل هي رواية مذكرات . مشاهدات . اعترافات . رواية تصنف في قسم الرواية السياسية، ام رواية تاريخية - وثائقية تؤرخ تلك المرحلة المنصرمة . ويمكن ان نطلق عليها رواية شمولية جامعة كل هذه الاصناف، ونستشف بها الحقيقة والواقع المعاشي الملموس آنذاك، في المعيشة الصميمية عن قرب، لاشخاص عاشوا في محرقتها، منهم من احترق، ومنهم من خرج سليماً وسط هذا الخراب الكبير، ويمكن لاي مواطن عراقي عايش تلك محرقة الدكتاتورية، ان يدعي بانها ترسم جزء من حياته في تلك المرحلة المشؤومة والسوداء، في زمن لا يرحم، بان يكون حطباً لنزوات قائد مجنون بحب العظمة، ومرعبة في كل تفاصيلها . بان يجعل الانسان العراقي يعيش الغربة والاغتراب وفقدان الامل، سواء داخل العراق او خارجه، ومهما حاول البعض الهروب من الذل والمهانة المفروضة عليه عنوة، فأنه يصتدم بجدار حديدي مطوق ومحاصر في كل مكان، حتى في احلامه وفي غرفة النوم . هكذا كانت العقلية الدكتاتورية في ممارسة قمع الانسان في احلامه وامانيه، وتجعله محبط بالقنوط واليأس والخيبة، وبان تجعله يعترف بالقدر الدكتاتوري المسلط عليه، ولكننا لا ننكر ولا نجحف بعض محاولات التمرد والرفض لهذا الواقع المرير، رغم الماكنة الارهابية والامنية . انها رواية تحمل في طياتها الجروح العميقة النازفة بالدم والقيح، في وسط النار الحارقة، ولا نستبعد ان يكون الكاتب الروائي، عاش ذلك الجنون الفنطازي بالسريالية المرعبة، وخرج بدمه ولحمه حياً، ليسجل هذه الشهادات او الاعترافات، ليكون شاهد عيان بالمعايشة الحقيقية، لتلك المرحلة المرة كالحنظل . ان كل حلقة من حلقاتها (71) تحمل نكهة ومرارة خاصة، لذلك نجد بعض الحلقات تعصر القلب عصراً حد الاختناق بالالم، وبعضها يولد حمم نار الغضب والسخط والحقد على الدكتاتورية واساليبها الوحشية والهمجية، في سلوكية انسلاخ الانسان العراقي من انسانيته، ليكون جزء من الصناعة الدكتاتورية وثقافتها الارهابية، والتي تمجد وتعظم الفرد (قائد الضرورة)، فان حلقات (اعترافات الملازم زكي صفوك شمران) تتحدث عن انسان بسيط ينتمي الى عائلة فقيرة، والده خدم في سلك الشرطة في مركز شرطة (الشطرة) وينقل الى بيجي في صلاح الدين ليكون حارس في محطة قطارها، حتى نال التقاعد برتبة (عريف) وهناك كانت ولادة (الملازم زكي) ووصم بلقب (التكريتي) عنوة وزوراً، ويكمل تعليمه الاعدادي، ويريد ان يحقق رغبة وامنية امه، بان يكون ضابطاً، لكنه فشل في القبول بحجة (ش . ش . ش - معناها بالعراقي شيعي وشروكي وشيوعي)، ويرفض في الكلية العسكرية . في كلية الشرطة . في كلية القوة الجوية، ويساق الى التجنيد، وهناك لعب طير السعد او الحظ، بسبب لقبه (التكريتي) بان يختاره العقيد ابو شوارب (8) ضمن صنف (ملازم احتياط) ويرسل الى جبهات الحرب للدفاع عن البوابة الشرقية (التي هلكت البلاد والعباد) وفي سلسلة من الافعال على جبهات الحرب، في التزييف والنفاق، في البحث عن قشة او شعرة واهية، واعتبارها نصراً كبيراً، ينال صاحبها اوسمة وانواط الشجاعة والرتب العالية، وبهذه الطريقة القرقوزية، تدرج في الرتب العالية وامتلاك انواط الشجاعة حتى وصل الى عميد ركن (ما صايرة حتى في افلام الكارتون) في فنطازية الدكتاتورية واعلامها الغث والاهوج المبني على تمجيد القائد والحرب والحزب والثورة، حتى الهزائم تتحول الى انتصارات كبيرة بأسم القائد الاوحد، وبتلفيق التهم الجبن والخيانة والتخاذل، بأبسط اشكالها، بان هدف القادة الميدانيون البقاء والصمود حتى الموت، وتشطب كل الاعذار بالانسحاب، يعني الاعدامات في الجبهات الخلفية وفي الساحات امام انظار الجنود، ان الاساليب المخادعة حالفت حظ (الملازم زكي) لانه تكريتي ومن اقارب وعشيرة السيد الرئيس . لكنه اكتسب بعض الصداقات النزيهة والشريفة، بعيداً عن عيون جواسيس البعث الحزبيين، وخاصة صداقة، الجندي (جاسم حسوني) والجندي (حسان) وبعدها الجندي (حوشي مطير) رغم علاقاتهم غير الودية لحزب البعث، وعليهم علامات استفهام، بالشكوك بعدم ولاءهم للحزب والثورة . يتزوج (الملازم زكي)، وتتحدث الرواية عن اطالة امد الحرب دون انفراج، وتحولت الى حطب ورماد وانهار من الدماء، لاشك استمرار حريق الحرب، تضع النظام في مأزق كبير، وانه وقع في الفخ المدبر والمقصود من دول الخليج وخاصة (السعودية والكويت) اللذان تعهدا، بان يتحملوا صرفيات ونفقات الحرب، وان الشعب يساق الى طاحونة الموت، هكذا دفعوا النظام الدكتاتوري وانصاع الى رغباتهم . مما جعلوا مصير الشعب العراقي في مهب الريح، ان يعيش بين حمم النيران وتحت الخنادق، يداهمهم الموت باية لحظة، وتحول مسار الحرب بطرد القطعات العسكرية العراقية من كل الاراضي الايرانية التي احتلت في بداية الحرب، ان طرد الجيش العراقي الى الحدود الدولية، كانت تكلفة باهظة الثمن بشكل مرعب، فقط في جبهة (المحمرة) تكبد الجيش العراقي خسائر فادحة، قرابة الاربعين الف عسكري، ويصاب (الملازم زكي) الذي صار (مقدم زكي) بجروح خطيرة، وانقذ من الموت المحتم، ونقل الى الى المستشفى وانقذت حياته، واعتبر صموده في خندقه بطولة وانتصار، لذلك تقلد انواط الشجاعة وحصل على رتبة العميد، حتى اعلان وقف النار وموافقة الجانبين (العراقي والايراني) على قرار مجلس الامن رقم 598 (المطرب سعدي الحلي يقول عن القرار . البداية تبشر بالخير) وبعدها يدخل العميد زكي صفوك شمران، كلية الاركان ليصبح عميد ركن . ولم يهنى الشعب العراقي بانهاء الحرب العراقية الايرانية، حتى ادخل الشعب العراقي مرة اخرى في حرب مدمرة وهالكة، بغزو الكويت واحتلالها، وينقلنا الكاتب بالعين الكامرة المصورة، عمليات النهب والسرقة، دون شفاعة ورحمة، بسرقة الغالي والنفيس من الكويت، هكذا تحولوا رفاق البعث الصناديد، الى عصابات سرقة ولصوصية تحت رعاية ودعم النظام البعثي . لقد دخل العراق في حرب خاسرة ومدمرة (ما اخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة، وانتم اخذتم الكويت بليلة سوده، وراح تطلعون منها بليلة اكثر سواداً) وراحت ماكنة الاعلام البعثي تبرر الغزو والاحتلال على لسان القائد المجنون (لقد صمم اخوانكم في العراق على الجهاد من غير تردد او تراجع ومن غير مهابة تجاه قوى الاجنبي، ليحوزوا على الحسنيين بأذن الله . النصر ورضا الله العزيز الحكيم . رضا الامة . واننا لمنتصرون بعون الله، وسندمر الغزاة وسيندحر باندحارهم الظلم والفساد، حيثما كان وستطلع على امة العرب والمسلمين شمس لا تغيب، وسيكون الله راضياً عنه . بعد ان نطهر النفس والارض من رجس الاجنبي) وتفشل كل الوساطات العربية والدولية، وتدق ساعة القيامة باشعال براكين حمم النيران على القطعات العسكرية العراقية وحتى داخل عموم العراق، وينكسر الجيش العراقي بالهزيمة المنكرة والقاسية، وهو يجر اذيال الهزيمة والعار والاندحار، ونتيجة هذا الخراب المدمر، في قوات الجيش والحرس الجمهوري، بطردهم وقطع الطرق عنهم، بالتطويق المحكم، وتحرير الكويت، وحصيلة الخسائر العراقية الكبرى . أسر 86 ألف من القوات العراقية، اضافة الى عشرات الالاف القتلى والجرحى . تدمير او الاستيلاء على 3847 دبابة . تدمير او الاستيلاء على 1450 ناقلة جند مدرعة . تدمير او الاستيلاء على 2917 قطعة مدفعية من مختلف الانواع، هذه فداحة نزوات النظام الدكتاتوري الطائشة والمجنونة. وكانت نهايتها يتوسط (حوش مطير) جموع العسكرين الذي خرجوا سالمين من طاحونة الموت والرعب ويهتف باعلى صوته (أنا اليوم من هذا المكان، من ساحة سعد تحديداً، اعلن بأسمكم جميعاً، واذا بعدكم تخافون يكفي ان اعلنها بأسمي فقط، انا حوش ابن مطير، على صدام والبعث وكل الذيول، ثورة حتى النصر، وسأطلق اطلاقاتها الاولى لتكون شرارة حارقة لا تبقي ولا نذر، وتدفع بالجميع للانتفاض والثورة على بركة الله) ثم نزل داخل الدبابة ووجه مدفعها الى جدارية الرئيس واطلق عليها، فتم تدميرها، فتعالت الهتافات وارتفعت الاصوات منادية بسقوط صدام حسين، معلنة انتفاضة شعبية عارمة ضد نظام البعث وصدام .

 

جمعة عبدالله

صورة الطبيعة بين شاعرين جاهليين

sadam alasadiالمقدمة: كل عاصفة تلتقي مع الفارس وعندما تنتهي يبقى الفارس مشدودا بظهر فرسه الا القصيدة الجاهلية ... طليقة العنان ... لا يستطيع اي واحد منا ان يحدد بالدقة المطلقة بدايتها ونهايتها ... فهي معلقة في عنق الزمن ولا نكاد نصل الى لمعتها وبريقها من خلال رحلة سريعة وانا اخترت الجوامد الناطقة التي سرها سر معقد عن الجاهلي – الريح والبرق والمطر .. واخترت لها شاعرين يستحقان باعتزاز ان نسميهما وصافي الطبيعة في الشعر الجاهلي .. هما امرئ القيس وعبيد بن الابرص وقد اتجاوز على الشعر الجاهلي واقترب من بحره الكبير فلعله يهب لي نسمة من ريحه ولمعة من برقه وقطرة من مطره فهل ترك لنا الباحثون شيئا لنكتبه؟ فانه شعر زاخر بالروائع في فترة نضجت بها القصيدة ووصلت قمتها ... فالمحال ان اصل لما اراد الشاعران ... فلعلي اضع اصبعا واحدة على كهربائية هذا الشعر واصطاد قدحة فاني مددت كفا لانهل بها من بحر الشعر غرفة واحدة لسد الظمأ وطلبت يدا تعلن بارقة الامل امام حصاني الجامح لذا اخترت عاصفتي ورميت سنارتي في هذا البحر فلن افكر بما اصطاد بقدر ما سيقدره لي القدر وكما تعتاد المقدمات على التبويب استقرت عاصفتي على بابين:

الباب الاول:

أ: لماذا الريح والبرق والمطر ب: تسميات الصور الثلاث ج: الغرض الشعري الذي وردت به الصور د: العلاقة الجدلية بين الصور هـ: وسيلة الشاعر لاستخدامها

الباب الثاني:

أ: علاقة الصور الثلاث بالحيوان ب: صورة امرئ القيس ج: صورة عبيد بن الابرص د: الفرق بين الصورتين الخاتمة ... المصادر ...

في نهاية مقدمتي اسأل الباري عز وجل ان يفتح امامنا السعادة والتوفيق ويهدينا لطريق العلم والمعرفة في خدمة وطني الحبيب الغالي العراق .

وقد تشرفت بأستاذي الدكتور اياد عبد المجيد ابراهيم عام 1993 كنت طالبا ً في الماجستير في كلية التربية .

 

الباب الاول:

أ: لماذا الريح والبرق والمطر؟

لا يختلف اثنان على الارض بان الطبيعة نصف حياة الشاعر اذا ما اعطينا المرأة ربعا وحياته الذاتية باقيها ..

و كلنا نعلم بان الشعر الجاهلي نبرات شعرية رائعة صادقة مثيرة للانتباه ولا تكاد قصيدة ان تخلو من البرقة اللامعة من خلال وصف او تشبيه او حكمة ..

فكيف نتساءل عن الصور الثلاث وهي ركائز المكان (البادية) وسبب الرعي الذي تقوم به وعليه حياة الجاهلي ..

و الماء روح البدو وعصب حياتهم وهو (سر الحياة والمطر اهم مصدر للماء في الجزيرة العربية)[1]

فعندما يظهر الجفاف وتمحل الارض فيسألون عن الغائب المنقذ وتبقى عيونهم مشدودة للسماء مبحرة في مناظر السحب مراقبة حركة الريح لذا وقف الشعراء بخفقة قلب ونفس منتظرتين ..

فصور البرق والرعد وجلجلة السحاب وما تجود به السيول فمتى ما نزل المطر انبعثت روائح الارض الطيبة فكم اخافهم الجفاف عندما يقترن بريح السموم وحيث تهطل الامطار فلا تدوم الا لايام معدودات وفي مواسم متقاربة وقد صور الكاتب العربي الموسوعي الجاحظ [2]

(اذا تتابعت عليهم الازمات وركد عليهم البلاء واشتد الجدب واحتاجوا الى الاستمطار اجتمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر ثم عقدوا بين اذنابها وبين عراقيبها السلع ثم صعدوا الى جبل وعر واشعلوا النيران وضجوا بالدعاء والتضرع وكانوا يرون ذلك من اسباب السقيا)

فهم يطلبون الغيث اينما وقع كقول الاخنس بن شهاب التغلبي:

و نحن اناس لا حجاز بأرضنا   مع الغيث مما نلقى ومن هو غالب[3]

و قد يحكي لنا التاريخ ان نصف مشاكل العرب وقعت بسبب المنافسة والشجار على المراعي والابار والعيون.

و صوت الريح قد الفه العرب قديما وعدوه مبشرا بسقوط المطر حاملا نسيم الاحبة ورائحتهم فما الذي يحدو ميسون الكلبية ان تفضل خيمة تخفق فيها الارواح والرياح وتمر من كل جانب احب اليها من القصر العالي ..

لبيت تخفق الارواح فيه     احب الي من قصر منيف

و اصوات الرياح بكل فج     احب الي من نقر الدفوف

و ربما تصبح الرياح والامطار عوامل سيئة في اندثار الديار وقد نرى بعضهم يصف دياره ولم تغيرها الريح والمطر كقول بن حذام:

لأل هند بجنبي نفف دار   لم يمح جدتها ريح وامطار

و قد يستهل المهلهل بن ربيعة بها الاطلال رغم وقفته القصيرة فيصف دموعه والامه حزينا على كليب:

هل عرفت الغداة من اطلال   رهن ريح وديمة مهطال

و يرى مالك بن الريب في الريح عاملا يغطي جسد الرجال عند موتهم:

بانكما خلفتماني بقفرة   تهب علي الريح فيها السواقيا[4]

و قد يخشى بعضهم ويخاف من الريح والمطر وهو يتحسر على شبابه ويعلن تشاؤمه من الحياة كقول ربيع الفزاري:

والذئب اخشاه ان مررت به   وحدي واخشى الرياح والمطرا

ومنهم من يراها عاملا للخصب والفرح بعدما تسف الرياح والتراب من الديار وينهل المطر فتعشب الارض وتربع بها البقر كقول النابغة الذبياني:

تعاورها السواري والغوادي   وما تذري الرياح من الرمال

تأبد لا ترى الا صوارا         بمرقوم عليه العهد خال [5]

وهكذا تفاعلوا مع تلك الاسماء فكثرت اسماء الريح والبرق والمطر فان الماء عندهم ذو قداسة لا توصف رغم افساده للديار والزروع فعندما يدعو الشاعر بالسقيا لدار الحبيبة استدرك وقال (غير مفسدها) فماذا يحصل لارضهم عندما يشح المطر .. فتحصل هجرتهم من مناطقهم لاجل الماء (ولا يجدون سبيلا للحصول عليه الا من خلال ارضاء القوة المهيمنة على المطر بطقوس الاستسقاء)[6]، فان قسوة الطبيعة في جزيرة العرب هو تحدي امام الانسان فيصبح رد فعلهم هو التشبث بالحياة والمحاولة بصنع رد فعل للبقاء واوله الارتحال والبعد عن الديار لذلك (تعين على العرب معرفة اوقات نزول المطر فيسألون متى يسقط واين كما يسألون عن الغد كيف سيحل)[7]

ولذا اصبح عند بعضهم اعتقاد يقر بان النجوم تمطر الناس بأمر من الله تعالى وقد حدا بعضهم ان تنبأ بالمطر من خلال مهب الريح ومقدار الرطوبة فسموها رياح الجنوب او اللواقح او العقيمة عندما تكون باردة وقد سموا الرياح طباعا اختصت بها مثل الصبا عندما تكون مبعثا للخير والدبور في الشر (والبرق كان علامة يستبشرون به المطر فاذا كان شاميا حسبوه (خلبا) وقد يشم الشاعر البرق ويصنع لوحات للمطر ليبدد الوقت الذي يفصل بينه وبين حبيبته)[8]

فكثرت حاجاتهم وعلا صوتهم بمخاطبة الطبيعة قاسية او معطية وتكررت في قدحات قصائدهم المفردات ...

ب – تسميات الصور الثلاث:

تفسر النظرة الدينية عند العرب كثيرا من تسميات الازمنة والامكنة والسنين المتبعة وطقوس النذور والاستسقاء)[9]

فجاءت الاسماء متنوعة وكثيرة وبما توسعت به اللغة العربية من اشتقاقات للأسماء حتى للشخص الواحد قد يطلقوا تسميتين وللحيوانات والاشجار وصور الريح والبرق والمطر ... ترى ما هي الاسماء التي ورد بها كلمة الريح عند العرب بالإثبات الشعري ...

1-   ريح جنوب: كقول امرئ القيس:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها     لما نسجتها من جنوب وشمال

و قول تميم بن ابي مقبل:

يهززن بالمشي اوصالا منعمة   هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا

و قول علقمة بن الفحل:

تخشخشت ابدان الحديد عليهم   كما خشخشت يبس الحصاد جنوب

2-   ريح جوافل: قول امية بن ابي الصلت:

اذعن بها جوافل معصفات   كما تذري الململمة الطحونا

3-   ريح حصباء: قول ابي قيس بن الاسلت:

كأن اطراف ولياتها   في شمأل حصاء زعزاع

4-   ريح حرجف: وهي الرياح الباردة الشديدة قول المتخل الهذلي:

اذا ما الحرجف النكباء ترمي   بيوت الحي بالورق السقاط

5-   ريح خريق: قول زهير بن ابي سلمى:

مكلل بأصول النجم تنسجه     ريح خريق لضاحي مائة حبك

و قول المهلهل بن ربيعة:

ليس لمن لم يعد في بغيه   عداية تخريق ريح خريق

6-   ريح خزامى: قول امرئ القيس:

كأن المدام وصوت الغمام   وريح الخزامى ونشر القطر

و قول النمر بن تولب:

كأن ريح خزامها وحنوتها   بالليل ريح يلنجوج واهضام

و قول القطامي:

تهدي لنا كل ما كانت علاوتنا     ريح الخزامى جرى فيها الندى الخضل[10]

7-   ذاريات – اذيال: وهي اواخر الريتح كقول امية بن ابي الصلت:

و سافرت الرياح بهن عصرا     باذيال يرحن ويغتدينا

8-   ذيول الريح: قول ابي ذؤيب الهذلي:[11]

فعفت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

9-   رامسات: هي الرياح التي تدفن الاثر كقول النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها   عليه حصير نمقته الصوانع

10-                     زعزع: في قول ابي ذؤيب الهذلي:

و يلوذ بالارطى اذا ما شفه   قطر ورائحه بليل زعزع

11- ريح سموم: كقول ابي زبيد الطائي:[12]

كالبلايا رؤوسها في الولايا     ما نحات السموم سفع الخدود

12- ريح شمال: قول تماضر بنت مسعود وهي تحن الى حياة الصحراء:

و صوت شمال زعزعت بعد هدأة   الاء واسباطا وارخى من الجعل

و قول أمرئ القيس:

و هبت له ريح بمختلف الصوا   صبا وشمال في منازل قفال

13- ريح شتاء: في قول محمد بن كعب الغنوي:

و لم يدع فتيانا كراما لميسر اذا اشتد من ريح الشتاء هبوب

14- ريح شفان: وهي الريح الباردة قول النابغة:

باتت له ليلة شهباء تسفعه   بحاجب ذات شفان وامطار

15- ريح صبا: قول أمرئ القيس:

يجول بأفاق البلاد مغربا   وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

و قول حاتم الطائي:

كجمر الغضا هبت له بعد هجعة   من الليل ارواح الصبا فتنسما

و قول بشر بن ابي خازم:

لعبت بها ريح الصبا فتنكرت   الا بقية نؤيها المتهدم

16- ريح صيف قول المثقب العبدي في محبوبته فاطم:

فلا تعدي مواعد كاذبات   تمر بها رياح الصيف دوني

17- ريح عجاجة: كقول بشر بن ابي خازم:

فهزمن جمعهم وافلت حاجب   تحت العجاجة في الغبار الاقشم

18- ريح معصفات: قول امية بن ابي الصلت:

اذعن بها جوافل معصفات   كما تذري الململمة الطحونا

19- ريح ناجة: وهي الريح الشديدة ي قول طرفة بن العبد:

اربت بها ناجة تزدهي الحصى   واسحم وكاف العشي هطول

20- ريح هيف هزوج: هي الرياح الحارة التي لها صوت كقول تميم بن ابي مقبل

21- هيف هزوج الضحى بهو مناكبها   يكسونها بالعشيات العثانينا

اما اسماء البرق فهي تسمية واحدة لم ترد بأنواع وقد كانت العرب تشيم البرق فاذا كان وليفا استبشروا وانتظروا المطر واذا كان شاميا حسبوه (خلفا)[13]

و من اسماء البرق وعلاماته:

1-   قول عنترة العبسي:

كيف التقدم والرماح كأنها   برق تلألأ في السحاب الازكم[14]

2-   قول المهلهل بن ربيعة:

ذاك وقد عن لهم عارض   كجنح ليل في سماء بروق

3-   قول القطامي:

المحة من سنا برق رأى بصري   ام وجه عالية اختالت بها الكلل

4-   قول عمرو بن احمر:

ثم استمرت كبرق الليل وانحسرت   عنها الشقائق من تيهان والظفر

5-   قول أمرئ القيس:

اصاح ترى برقا اريك وميضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

 

اما المطر: عناية العرب النجوم التي تصنع انواؤها المطر قديمة وان طقوس الاستسقاء قد تلاشت بعد بزوغ فجر الاسلام ..

و للمطر اسماء عديدة قد وردت في قصائد الشعراء كل اسم منها يعبر عن دلالة .. سأستعرض اشهرها حسب الترتيب الابجدي ..

1-   البكر: (المطر في اول الربيع) قول عنترة العبسي:

جادت عليه كل بكر حرة   فتركن كل قرارة كالدرهم .

2-   جعل: وهو السحاب الذي اراق ماءه، قول المسيب بن علس:

و الدهم كالعيدان ازرها   وسط الاشاء ململم جعل

3-   الحبي: السحاب المتجمع بغزارة قول أمرئ القيس:

اعني على برق اراه وميض   يضيء حبيا في شماريخ بيض

4-   ديمة: (الغيمة المحملة) النمر بن تولب:

اذا يجف ثراها بلها ديم   من كوكب بزل بالماء سجام

و قول أمرئ القيس في البيتين:

ديمة هطلا فيها وطف   طبق الارض تحري وتدر

فدمعهما سكب وسح وديمة   ورش وتوكان وتنهملان

5-   ذهاب: اسم المطر القليل، قول متمم بن نديرة:

سقى الله ارضا حلها قبر مالك   ذهاب الغوادي المدجنات فامرعا

6-   ذو برد: قول امرئ القيس:

و للسوط فيها مجال كما     تنزل ذو برد منهمر

7-   رشاش: (المطر الخفيف) قول قيس بن الخطيم:

اتت عصبة للاوس تخطر بالقنا   كمشي الاسود في رشاش الاهاضب

8-   رباب: (الغيمة الغزيرة) قول لبيد:

فافرع في الرباب يقود بلقا   مجوفة تذب عن السخال

و قول امرئ القيس:

يضيء ربابه في المزن حبشا   قياما بالحراب وبالاءلال

و قول عبيد بن الابرص:

سقى الرباب مجلجل   الاكناف لماع برقه

9-   الزحاف: هو السحاب السكوب قول الغنوي:

سقى كل ذكر جارنا من مؤمل   على الناي زحاف السحاب مسكوب

10- سح: قول عنترة:

سحا وتسكابا فكل عشية   يجري عليها الماء لم يتصرم

11- صهباء: تعني السحابة الحمراء قول الشنفرى الازدي:

فلها هباب في الزمام كأنها   صهباء خف مع الجنوب جحامها

12- طل: قول النمر بن تولب:

وحمر تراها بالفناء كأنها   ذرا كثب قد مسها الطل تهطل

و قول عمرو بن احمر:

تطايح الطل عن اردافها صعدا   كما تطايح من مأموسه الشرر

13- عهد: قول ابي زبيد الطائي:

اصلتي تسمو العيون اليه   مستنيرا كالبدر عام العهود

14- عارض ويمان: قول علقمة بن عبده:

سقاك يمان ذو حبي وعارض   تخف به جنح العشي جنوب

15- غمامة: كقول قيس بن الخطيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة   بدا حاجب منها وضنت بحاجب

و قول عمرو بن احمر:

يعلوا معدا ويستسقي الغمام به   بدر قضاء لفيه الشمس والقمر

16- غوادي: قول متمم بن نويره:

اذا مت فاعتاري القبور فسلمي   على الرمس اسقيت السحاب الغواديا

17- غيث: (اسم المطر) قول عمرو بن احمر:

حتى تناهى بها غيث ولج بها   بهو تلاقت به الارام والبقر

و قول زهير بن ابي سلمى:

رعى بغيث لادراك مناصفة   من الشتاء فلما شاؤه نقعا

و قول امرئ القيس:

و غيث كالوان الفنا قد هبطته   تعاون فيه كل اوطف جنان

18- غيبة: (دفقة من المطر) قول امرئ القيس:

و بات على ارطأة صف كأنها   اذا الثقتها غيبة بيت معرس

19- القطر: (اسم المطر) عند امرئ القيس:

كأن المدام وصوب الغمام   وريح الخزامى ونشر القطر

20- اقعر: هو السحاب الابيض قول المنخل الهذلي:

تمد له حوالب مشعلات       يجللهن اقعر ذو انعكاط

21- المطر، قول امرئ القيس:

 

و قول ربيع الفزاري:

و الذئب اخشاه ان مررت به   وحدي واخشى الرياح والمطرا

و قول اعشى باهلة:

تنعى امرءا لا تغيب الحي جفنته   اذا الكواكب حوى نوءها المطر

22- الوابل: (اسم المطر) كقول النابغة الذبياني:

و بات ضيفا لارطاة والجأه   مع الظلام اليها وابل سار

و قول امرئ القيس:

و ولى كشؤبوب العشي بوابل   ويخرجن من جعد تراه منصبا

و قول لبيد العامري:

و اردف مزنة الملحين وبلا   سريعا صوبه صوب العزالي

23- وسمي (اسم المطر) قول متمم بن نويره:

و اثر سيل الواديين بديمة   ترشح وسميا من البنت خروعا

و قول امرئ القيس:

و غيث من الوسمي حو تلاعه   تبطنته بشيظم صلتان

24- الهطال: وهو المطر الدائم، قول امرئ القيس:

ديار لسلمى عافيات بذي خال     الح عليها كل اسحم هطال

 

ج- الغرض الذي وردت به الصور:

بعد ان استعرضت انواع الاسماء التي وردت بها صوري الثلاث بشكل موجز لابد ان اعرج على الغرض الذي وردت فيه تلك الاسماء:

أ‌-       محاكاة الحبيبة والدعاء لها بالسقيا:

ان البرق يبعث في الرجاء اصواتا متواصلة كأنها فحل يهدر وحول الشاعر ابل مجتمعة، فيضيء السحاب الكثيف مبشرا بالسقيا التي تنتظرها الحبيبية لتخضر الارض ويزهو الزرع وتبزغ بعد لك الشمس، كقول لبيد العمري:

كأن ثقال المزن بين تضارع     وشامة برك من جذام لبيج

فذلك سقيا ام عمرو فانني     لما بذلت من سيبها لبهيج

و قول الرقش:

الدار قفر والرسوم كما     رقش في ظهر الاديم قلم

ديار اسماء التي تبلت       قلبي فعيني ماؤها يسجم

و النساء عندهم اربع منهن معمع لها شيئها اجمع ونهم تبع تضر ولا تنفع ومنهن صدع تفرق ومنهن غيث لعنع اذا وقع ببلد امرع [15]، فهم يشبهون النساء بالمطر المخصب عند نزوله على اي بلد ..

ب‌-نزول الغيث يثير الشجاعة: حتى قيل انهم اذا اخصبوا هاجت اضغانهم وطلبوا الثأر من اعدائهم وتمنوا ان يتصل الغيث حتى يغيروا على الملوك فيسلبون عروشها وكانت بداية لقتالهم في الخصب لا في الجدب كقول الحارث الايادي:

قوم اذا نبت الربيع لهم     نبتت عداوتهم مع البقل

ج- الصيد في شعر الفتيان: يتكون مشهد الصيد عادة من وصف لمكان اصابة الغيث[16]، فأمرع وراها بالزرع الذي يجتذب الوحش والقسم الاخر من مشهد الحصان، قول امرئ القيس:

و قد اغتدي والطير في وكناتها     لغيث من الوسمي رائده خال

تحاماه اطراف الرماح تخاميا     وجاد عليه كل اسحم هطال

و قول زهير:

و غيث من الوسمي حو تلاعه     اصابت روابيه النجا وهواطله

هبطت بمسود النواشر سابح     ممر اسيل الخد نهد مراكله

و قول لبيد العامري:

و غيث بدكدك يزين وهاده     نبات كوشي العبقري المخلب

اربت عليه كل وطفاء جونة     هتوف متى ينزل لها الوبل تسكب

و قول تميم بن ابي مقبل:

و غيث مريع لم يجدع نباته     ولته اهاليل السماكين معشب

د- وصف الديار: يصف المنازل وطلولها الدوارس فقد تعاورتها الرياح وغمرت معالمها حتى اصبح كالوشم[17]، قول عبد الله الغامدي:

لمن الديار بتولع ويبوس     فبياض ريطة غير ذات انيس

امست بمستن الرياح مفيلة     كالوشم رصع في اليد المكنوس

 

و قول النابغة:

ارسما جديدا من سعاد تجنب   عفت روضة الاجداد منها فيثقب

عفا اية ريح الجنوب مع الصبا     واسحم دان مزنه متصوب

هـ - ربط الصور بالكرام توقد النار في الليل وهب الريح عليها، قول لبيد:

و يكللون اذا الرياح تناوحت     خلجا تمد شوارعا ايتامها[18]

و – تجديد الديار والاطلال باثار الرياح والامطار: وذلك حين تقود السواري ليلا ونهارا حتى تفرغ ما في اسقيتها في اوعية الاطلال، قول لبيد العامري:

رزقت مرابع النجوم وصابها       ودق الرواعد جودها فرهامها

من كل سارية وغاد مدجن   وعشية متجاوب ارزامها

و جلا السيول عن الطلول كأنها     زبر تجد متونها اق65غلامها

ز- التفكير النفسي: يرى في صورها النعيم والعذاب والايجاب والسلب فليس في رتابتها ما يثير وجدان المرء فيجعل الرياح تنقب عن المعالم التي يبحث عنها الشاعر وقد جعلها البدائل عن بعضها فقد تناول امرئ القيس معاول الرياح لتصلح ريح الجنوب ما افسدته ريح الشمال حين سرت على جسد الطلل [19]:

فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها     لما نسجتها من جنوب وشمأل

و يلقي لبيد نفسه على الرياح والامطار لكي تحمل معانيه وتجربته .

ح- التفريق بين الصور .. والميل بالمطر والسيول دون الرياح: لان الرياح تزيل الاثر وتعرقل السير للرحلة .. وان هي ازالت غم ودثار الطلل البالي انما في الحقيقة تزيل غم ودثار نفسية الشاعر فهي عوامل تجدد الامل في الحياة .

ط – الرحلة وعدم الاستقرار في المكان: لان الجفاف عندهم يقترن بريح السموم والمطر ينزل في مواسم وليس دائما فزادت حركتهم ورحلتهم بتواصل ولهذا قالوا في المثل (من اجدب جنابه انتجع)[20]، فهم يفتخرون بكثرة التطواف والتجوال لذلك يقول الاخنس التغلبي:

و نحن اناس لا حجاز بارضنا     مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب

فهم لا يخافون احدا يتبعون الغيث اينما وقع [21] وربما كان اختيارهم الصحراء وتفضيلها انهم رأوا في المدن والابنية معرة ونقصا فالتحويط والابنية حصر عن التصرف في الارض [22] .

ي- الرثاء: في هذا الغرض تدل دلالة المزن والشتائم والخوف والعمر .. فالمهلهل يستهل الاطلال التي لم يطل الوقوف عندها ولا ذكر رحلة اهلها بالتفصيل وهو يسرع لوصف دموعه والامه التي تسيطر على صدره حزنا على كليب عندما يستذكره راثيا:

هل عرفت الغداة من اطلال   وهن ريح وديمة مهطال

و يقول:

كيف يبكي الطلول من هو رهن     بطعان الانام جيلا فجيلا

ك – الخوف من الصور الثلاث: عندما يسئم الشاعر الحياة ويمل البقاء ... ولا يقوى على حمل السلاح ولا يتحكم في زمام البعير ويخشى الذئاب وترتعد فرائصه من الريح والمطر .. فهذا ربيع بن ضبيع الفزاري يقول:

اصبحت لا احمل السلاح ولا     املك رأس البعير ان نفرا

و الذئب اخشاه ان مررت به     وحدي واخشى الرياح والمطرا

ل – التفاؤل والامل بالخصب والحياة: عندما تسف الرياح وينهمل المطر تعشب الارض وتمرع وتتحول الى مرابع لاسراب البقر فهذا النابغة يصف ذلك:

تعاورها السواري والغوادي       وما تذري الرياح من الرمال

اثبت نبته جعد ثـــــــراه       به عوذ المطاحل والمتالي

م – التشبيه بصور الريح والبرق والمطر: فقد شبهوا التراب الذي ذرته الرياح فوق الاطلال بالطحين المتناثر ومنه من يرى في الاثار البالية التي عفتها الامطار وغيرتها الرياح وكأنها سيف مغلل حده مثل قول طفيل الغنوي:

ترى جل ما ابقى السواري كأنه     بعيد السواقي اثر سيف مفلل

و قول الشاعر بشر بن ابي خازم:

قليلا والشباب سحاب ريح   اذا ولى فليس له ارتجاع

و قول عمرو بن قميئة:

و ما عيش الفتى في الناس الا    كما اشعلت في ريح شهابا

و قول عدي بن زيد:

ثم اضحوا كأنهم ورق     جف فالوت به الصبا والدبور

و قول لبيد العامري:

و انا واخوان لنا قد تتابعوا   لكالمعتدي والرائح المتهجر

و قد شبه امرئ القيس حركة البرق بمصابيح الرهبان ووصف السحاب وهو سيح الماء ووصف غزارته فيصبح سيلا متدفقا يكتسح البيوت ثم يصف جبلا غشاه المطر [23]

ن – صورة الموت مأخوذة من الطبيعة [24]: بعض صور الحياة والموت مأخوذة مباشرة من الطبيعة مثل صورة بطش الحيوان بالموت وتصور الدهر راميا يرمي ويصيد الانسان وتشبيه حياة الانسان العابرة بتألق الشهاب وكذلك الانسان رهينة للدهر .. وتصوير الموت بالماء .

س – تشبيه الدماء التي تسيل في القتال كالمطر عند دريد بن الصمة:

فما توهمت اني خضت معركة   الا تركت الدما تنهل كالمطر

د – العلاقة الجدلية بين الصور:

قد اوجد الشاعر صلة واضحة بين علاقات تلك الصور الثلاث فتكاد تكمل نقص بعضها فهي ترتبط ببعضها فتعمل على تكوين علاقة واحدة ولكن يبقى الخيار منها والغاية مختلفين .. فالريح لها دلالة الخير عندما تحمل رائحة الاحبة من الديار وهي عامل شر عندما تمسح اثرهم والبرق يعطي في برقته بشرى السقوط الغيث الذي يسقي عطش الارض فهو دلالة وعلامة خير ولكنه يتحول الى عامل خوف عندما يثير الناس والاحبة بصوته الشديد وربما يكشف البقرة وصفارها في عين الكلاب والصياد في رحلة الصيد فتكشف مكانها عن طريق الظلام الدامس فهو شر لا مهرب منه .

و المطر ايضا فهو عامل خصب وخير وعطاء ولكن لا ينفع عندما يزيل الاثر والذكرى ويساعد في تهديم الاطلال ..

لقد اوجد الشاعر صلة واضحة بين الفعل عفا ومشتقاته واندفاع المطر باشكاله (الملث – العيث رعدة في موضع والهطال في اخر حتى اصبحت الصورتان متلازمتان في حديثه فيأتي الفعل اولا ثم يعقبه حديث المطر بأشكاله المرسومة وهيأته المندفعة .

لقد وجد الشعراء في هذه الصور الثلاث ملازمة واحدة صاخبة اسهمت فيها المظاهر الطبيعية اتفاقا فنيا مقبولا وعملا شعريا متلازما اتحدت فيه اندفاعات المطر وهي تقع فوق الربع .

هل كانت الامطار وحدها كافية لتصفية الاثر ؟ لا ولهذا كانت الريح تعاونها في النحت وتقف معها في ازالة المعالم لذا استملوا الافعال (لعبت – ارب – تعاور) وكثيرا ما يحاول الشعراء ان يجعلوا للريح اصواتا كأصوات الحنين لتسهم في ايجاد الصورة المجسدة وايضاح الابعاد[25] الموحية في جعل الصورة متحركة من جهة وملونة صارخة من جهة اخرى ولاجل ان اثبت العلاقة الجدلية بين هذه الصور اخترت صورة لامريء القيس في ديوانه:

ديمة هطلاء فيها وطف   طبق الارض تجري وتدور

تخرج الودق اذا ما اشحذت     وتواريه اذا ما تشتكر

ساعة ثم انتامها وابل     ساقط الاكناف واه منهمر

راح تمريه الصبا ثم انتحى     فيه شؤبوب جنوب منفجر

لقد اجتمعت الصور ثلاثتها فكان الشاعر فرحا بها تلك الفرحة التي تزينت بها الاشجار وتوالت الامطار فما رد الفعل من الشاعر الا ان ينطلق بفرسه يمتع البصر والفؤاد بالطبيعة الرائعة، وهل يفضل الشاعر واحدة منها .. نعم ان المطر خير عطاء لابد منه ولكن هل يأتي دون الريح والبرق ؟

 

هــ - ما وسيلة الشاعر لاستخدام الصور ومناقضتها:

1-   ان الشاعر حين يستوحي الانواء لا يجعل منه مجرد مراة تعكس الظاهرة بما فيها من نشاط وحركة واضطراب فهو ليس مجرد شاعر وصاف وانما هو شاعر يعبر عن حياة كاملة لصنف خاص من الناس لهم لونهم المعين .. لذلك يبقى يتغنى بالمطر وان وصف السحاب هو احتفال بالحياة القادمة .

2-   في البرق خفقان لقلب الشاعر وفي الغيث سقي لعطشه وصوت الرعد صوت لاهدار ابله لهذا شبه ذلك احد الهذليين:

يجشن رعدا كهدر الفحل تتبعه   ادم تعطف حول الفحل ضحصماح

3-   لم يجعل الشاعر حديث المطر موضوعا منفردا بما قبله وانما يتصل بالصورتين الباقيتين ويبقى يتابع مشهد لوحته يقظا لا مرثيا الالفاظ لاجلها بل هو احساس بالطبيعة العليا والسفلى فما يأتي من السماء تلتقي به مكملات الارض فيتكلم عن الطير والظباء وربما الضفادع وهو يجمع شمل الطبيعة المتفرقة، مثل قول ابي ذؤيب الهذلي:

امنك برق ابيت الليل ارقبه   كأنه في عراض الشام مصباح

رأيت واهلي بوادي الرجيع   في ارض قيلة برقا مليحا[26]

4-   هذه التناقضات في اوقات سقوط المطر وهبوب الريح (ريح السموم – ريح الصبا) قد لا تدوم الا لايام معدودات ولا تهطل الامطار الا في مواسم معدودة .. هذه الوسائل تزيد الجاهلي حركة ورحلة من مكانه .

5-   رد الفعل الذي يملكه في صراعه مع الطبيعة بما يمتلك من وسائل عندما يبرق البرق ويبعث اصواتا من الرعد ترهب نفسه بقوة اعظم من قوتها فيخرج متحديا هذه الظواهر بالناقة التعبة والفرس الجامح والكلاب الهاجمة .. لانها متيسرات في حياته لتحدي الطبيعة .

 

الباب الثاني:

أ‌-       علاقة الصور الثلاث بالحيوان:

اذا وجد المطر وحركته الريح واثبته البرق فهل تخلو الارض من المستفيد الاول منه .. الانسان والحيوان، فقد ارى ان الانسان له كل شيء في الحياة فاترك علاقته مع الصور لأنها علاقة معقدة وطويلة واختار الحيوان .

1-   التلاحم بين الشاعر والناقة والمطر والناقة لقد اخرجها الشاعر وهي ترعى نشوانة مع ولدها بعد استقرار المطر وبزوغ الشمس وخصب الارض واخرجها بصورة اخرى تبتعد عن ولدها في شتات الرعي ووضع في نفس الوقت من يترصد حركاتها ثم يصور عقدتها في ظلمة حالكة بدخول الليل عليها وتساقط الامطار فقضت ليلها المظلم وسط هطول الامطار وهي تستظل باغصان الشجر اتقاء البرد والمطر، قول الاعشى:

يعلو طريقة متنها متواتر   في ليلة كفر النجوم غمامها

تجتاف اصلا قالصا قنيذا     بعجوب اتقاء يميل هيامها

و يحاول ان يدلل من خلال تلك العلاقة باجتماع ضياع ولدها وظلمة الليل وشدة المطر وتكالب الاعداء .

2-   الظليم والنعامة: فالظليم هو ذكر النعامة وقد يصف الشاعر صورة مع ما يرتبط مهما من علاقة ففي قصته عنهما يصف الطبيعة الخصبة وخروج النعامة للرعي ويوشك النهار على الرحيل ويدخل المساء فتغرم على العودة، كما في وصف علقمة الفحل:

حتى تذكر بيضات وهيجه       يوم رذاذ عليه الريح مغيوم

3-   يصور امرئ القيس حصانه مباريا للريح اطراف الجهات:

يجول بافاق البلاد مغربا وتسحقه ريح الصبا كل مسحق

و قول المرار بن منقذ:

و اذا نحن حمصنا بدنه     وعصرناه فعقب وخصر

يؤلف الشد على الشد كما     حفش الوابل غيث مبكر

 

4-   وهناك تشبيهات جديرة بالذكر تركز على علاقة الصور بالحيوان منها:

أ‌-       تشبيه السحاب بالابل واختيار البارك منها في قول ابي ذؤيب:

كأن ثقال المزن بين تضارع     وسامة برك من جذام السبيج

سقى ام عمرو كل اخر ليلة     حناتم سود ماؤهن شجيج

ب‌-تشبيه الرعد بالفحل .. قول ابي ذؤيب:

يجيش رعدا كهدر الفحل تتبعه     ادم تعطف حول الفحل فخصاح

ج- وصف السرب مع الغيمة كقول لبيد:

فافرع في الرباب يقود بلقا     مجوفة تذب عن السخال

د- علاقة الرباب بالحبش (الحمير) في قول امرئ القيس:

يضيء ربابه في المزن حبشا     قياما بالحراب وبالاءلال

هـ - وصف وثبات وحوافر الناقة بالسحاب عند امرئ القيس:

لها وثبات كصوب السحاب     فؤاد خطاء رواد مطر

و – اعطاء صفة الانوثة الى الغيمة قول عنترة:

جارت عليه كل بكر حرة     فتركن كل قرارة كالدرهم

ز – اعطاء بعض صور وجه المرأة الى السحابة قول قيس بن الحظيم:

تبدت لنا كالشمس تحت غمامة     بدا حاجب منها وضنت بحاجب

ح – تشبيه مشي الاسد برشاش المطر عند قيس بن الحظيم:

اتت عصبة للاوس تخطر بالقنا   كمشي الاسود في رشاش الاهاضب

ط – سرعة مشي الناقة بالريح عند ابي قيس بن الاسلت:

كأن اطراف ولياتها     في شمأل حصاء زعزاع

ي – وصف ذيل الحيوان واستعارة من الريح في قول ابي ذؤيب الهذلي:

فعنت ذيول الريح بعد عليهما   والدهر يحصد ريبه ما يزرع

ك – استعارة زحف الحيوان الى السحاب كقول محمد بن كعب الغنوي:

سقى كل ذكر جاءنا من مؤمل     على النأي زحاف السحاب مسكوب

ل – تشبيه حركة البقرة بالبرق الليلي البارز بين ظلمه كقول عمرو بن احمر:

ثم استمرت كبرق الليل وانحسرت   عنها الشقائق من تيهان والظفر

م – اعطاء الريح مناكب كأنها بقرة عند تميم بن ابي مقبل:

هيف هزوج الضحا سهو مناكبها   يكسونها بالعشيات العثانينا

ن – اعطاء الرامسات من الريح ذيلا عند النابغة:

كأن مجر الرامسات ذيولها   عليه حصير نمقته الصوانع

و مثله يفعل عبد الله بن سلمة:

و كأنما جر الروامس ذيلها    في صحنها المعفو ذيل عروس

مما تقدم قد رأينا الشاعر الجاهلي يربط علاقات الصور الثلاث الريح، البرق، المطر بحركة الجزء المكمل لها الحيوان فالعلاقة ليست جدلية بين الصور لوحدها وحسب بل بينها ايضا وبين الحيوان ..

 

صورة امرئ القيس ..

من خلال رحلتي مع ديوان امرئ القيس المتكون من 34 قصيدة والمتكون من 637 بيت من الشعر فقد وجدت فقط تسعة وعشرين بيتا في وصف الريح والبرق والمطر وقد تخلو بعض القصائد من تلك الصور وربما ضاعت تلك الابيات التي تحملها ..

و اذا شئنا الدقة والتحليل والتعليل فان الطبيعة المصدر الاول الثابت امام الشاعر اذا ما تغيرت المصادر الاخرى كالمرأة والناقة والدار ووجد البديل عنها .

يلجأ الشاعر الى الطبيعة وهو يحمل الخوف والحزن والفرح ويزاوج بينها بعد التأمل وبث الاحزان والاشجان فيصبح مفتونا بها ويستعمل لغتها ويصفها حية لما عليها من حيوان ونبات وكل جزء منها يعطيه قيمة كبيرة فالحيوان يكنيه، كالأسد (ابا الحارث) والثعلب (ابا الحصين) والفرس (ابا مضاء) والنعامة (ام وئام) والصور يعطيها تسمياتها ودرجات قوتها وشدة لحظاتها كما رأينا تسميات الريح العديدة ومثلها المطر .

و السؤال الذي نسأله هل افرد الشاعر الجاهلي في وصف الطبيعة قصائد خاصة ؟ والجواب لا بالتأكيد لانه عرض تلك الصور في ثنايا قصائده فقد يرعد الرعد ويبرق البرق وتهمي السماء وتغضب الريح فيصف هذه اللوحات المباشرة التي الهمته ايحاءا رائعا جادت معه قريحته فوصف حتى عدد البرقات فكأنه متهيء لحسابها فيقول رباب – وابل وقطر مع اللحظة المناسبة في ولادة قصيدته فلماذا ما كانت الكلمة واحدة ولماذا الريح السموم – الشمال – الصبا – الصيف ... ؟

ان هذه الصور اوحت لامرؤ القيس بالشعور بالعنف والقسوة فلعله يفجر السحابة المثقلة ويطش بها جفاف الارض (فيأتي المطر غامرا في بلاد عريضة وارض اريضته)[27]

و امرئ القيس وصاف الطبيعة الاول في الشعر الجاهلي ! كيف تعامل مع هذه الصور وكيف نظر اليها – فهناك عشرات الآراء قيلت تختلف في كل رأي منها في تفاعله الذاتي مع الصور واستطيع ان اذكر في هذا البحث دقة تفاعله معها:

1-   الغيث: جعله كريما قويا نبيلا يناصر الضعفاء ويهدد الاقوياء ويبطش بالفاتكين فقد لف الجبل واغرق الوحش ..

راح تمريه الصبا ثم انتحى   فيه شؤبوب جنوب منفجر

2-   صورة لهو وعلامة ترف عند الشاعر في مشاريع صيده وفروسيته فهو يبحث عن متحد قوي يناصره على غلبته من قتله ابيه، فقد سيطرت الطبيعة عليه تماما ولو لا غزله الفاحش ولهوه ووصفه لسميناه شاعر الطبيعة .

3-   لم يستعمل الطبيعة وسيلة للمديح مثل زهير بن ابي سلمى وقد يؤكد حسين عطوان (ان الشعر الجاهلي يزخر بقطع يصف فيها الشعراء مناظر الصيد ومن ابدعها واروعها صور امرئ القيس)[28]

4-   لم يصف الطبيعة بشكل تجريدي كما اشار الدكتور شوقي ضيف (اجاد بوصف الطبيعة المتحركة بما فيها من خيل وحش والطبيعة الصامتة بما فيها من امطار وسيول)[29]

اذن برزت عند الشاعر طبيعتان الجامدة والمتحركة ولم يقصد الشاعر بوصف الطبيعة بقدر ما ارادها وسيلة يشرح من خلالها قضيته من خلال التلاعب باشكال تلك الصور فيعمل على تضخيم السحاب بالكثافة وتشبيه برقة السماء بخطفة الاعداء الذين برقوا على قومه فخطفوا الابصار بسرعتهم ووصف حبائل الامطار التي فاض بها المكان .

و قد تحمل كل واحدة منها دلالة وترتبط بعلاقة جدلية مع بعضها فمثلما تقف نسمة الريح مغيرة للمناخ ومسببة حركة الارض ونزول الغيث فقد تنعكس ضدها قيم المدح والفخر والكرم لانها ثابتة لا تتغير في السراء والضراء ..

ان هذه الصور تضغط على الشاعر بدون انفراد وهي انماط تصويرية تعطي ايحاءات فلسفية مدركها ان الانسان البدائي نتاج مباشر للظواهر تلك جسما وروحا بل ان الطبيعة مصدر الوعي وينبوعه وللايضاح بدقة نقول ان الطبيعة مهما صغرت لا قوة لتغييرها بيد الانسان فهل وقف المناخ العربي مع الصحراء المجدبة نقيضا والقحط يهلك الحرث والنسل وتساقط الامطار بشكل كثيف يهلكها ايضا ... ولهذا انفردت الصفات لكل منها فصفة التراكم للسحاب والغزارة للمطر والقوة للريح .[30]

5-   شبه امريء القيس حركة البرق بمصابيح الرهبان ..

اصاح ترى برقا اريك وميضه     كلمع اليدين في حبي مكلل

يضيء سناه او مصابيح راهب     امال السبيط بالذبال المفتل

6-   شبه امرئ القيس نزول المطر بنزول التاجر اليماني وشبه ضروب النبات الناشئة من المطر بصنوف الثياب التي نشرها التاجر ..[31]

و القى بصحراء الغبيط بعاعة     نزول اليماني ذي العياب المحمل

7-   شبه امرئ القيس من المطر رجلا كبيرا سيد اناس قد تلفف بكساء مخطط ..

كأن ثبيرا في عرانين وبله     كبير اناس في بجاد مزمل

8-   كان من الشعراء الذين عنوا عناية فائقة بالصور الثلاث وصورها تصويرا بارعا، ومن هذه الابداعات:

1-   ارقت لبرق بليل اهل   يضيء سناه باعلى الجبل

2-   اصاح ترى برقا كأن ومضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

3-   كأن ابانا في افانين ودقه   كبير اناس في بجاد مزمل

4-   راح تمريه الصبا ثم انتحى   فيه شؤبوب جنوب منفجر

9-   ابرز ما في وصف امرئ القيس الحصان والصور الثلاث، فقد اعطى للحصان العربي صفات ثبتت مع القصيدة طوال حياتها وللمطاردة والصيد جزءا من هذا الوصف، والوصف الثاني وصف الامطار وان وصف للامطار ليس عن البعد لانه يخرج الى الصيد [32]، ويريد بهذه العلاقة ان يربط بين المطر والحصان:

- وغيث من الوسمي حو تلاعه   تبطنته بشيظم صلتان

- وقد اغتدي والطير في وكناتها   لغيث من الوسمي رائده خال

- تحاماه اطراف الرياح تحاميا     وجاد عليه كل اسحم هطال

- وغيث كالوان الفنا قد هبطته   تعاور فيه كل اسحم حنان

و هو يرى بتفسير تلك العلاقة بين الفرس والصيد والمطر صلة واحدة)[33]

10- الالوان التي ركز فيها امرئ القيس وصف الصور وعلاقتها فقد كان السحاب اسحما مثل:

ديار لسلمى عافيات بذي خال   الح عليها كل اسحم هطال

و غيث كالوان الفنا قد هبطته     تعاون فيه كل اوطف حنان

11- صورة التناقض واحدة عند امرئ القيس مهب الريح والنار الشديدة:

و هبت له ريح بمختلف الصوا   حبا وشمأل في منازل قفال

12- اخذ المطر جسرا للاختفاء والوصول الى الهدف:

و بيت عذارى يوم رجف ولجته   يطفن بجباء المرافق مكسال

13- يجعل الريح متكلمة ويعطيها الصورة الادمية:

اذا ما جرى شأوين وابتل عطفه     تقول هزيز الريح مرت بأشاب

14- وصف حركة الحصان بحركة دفقة المطر:

و ولى كشؤبوب العشي بوابل   ويخرجن من جعد تراه منصبا

15- من يقدر ان يصف حركات السحاب والمطر غيره مما يشف عن نفس مثقلة بالأعباء بحث عن سعادة لا تجدها[34]

16- المطر عند امرئ القيس يكون رفيقا وليس مدمرا .. ويتفاءل معه بفرحته وهو ينطلق على فرسه:

فلما اجزنا ساحة الحي وانتحى     بنا بطن ضعف ذي ركام عقنقل

اذا التفتت نحوي تضوع ريحها   نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل

17- اي شاعر يجمع انواع المطر في بيت واحد غيره ؟

فمدمعها سكب وسح وديمة   ورش وتوكاف وتنهملان

فالديمة المطر الدائم والتوكاف القليل من المطر .

18- من يجمع بين البروق والمزن غيره ؟

تشيم بروق المزن اين مصابه   ولا شيء يشفي منك يا ابنة غزرا

19- يضيف الماء الى السحاب:

بماء سحاب زل عن متن صخرة   الى بطن اخرى طيب ماؤها خصر

20- ان المطر تلاقح مع الارض والمرأة هي الارض والرجل هو المطر[35] وهذا ما اراه في شعر امرئ القيس .

 

صورة عبيد بن الابرص ...

يسمونه استاذ امرئ القيس وتلميذه ولا اكاد اجد فرقا بينهما في محاكاة الطبيعة فقد عنى بها كلاهما واضافا لها موسيقى عذبة وحيوية رائعة فهما بحق يستحقان لقبي وصافي الطبيعة وشاعري الريح والبرق والمطر .

و مما يزيد هذه السطور تأكيدا قول الدكتور اياد عبد المجيد عندما اخترت مع امرئ القيس الشاعر علقمة الفحل فامرني ان اتركه واختار عبيد بن الابرص وكان اختياره صادقا .

و مما يؤيد هذا اكثر قول الدكتور سيد حنفي حسين: (لا يستطيع من ينظر في ديوان عبيد بن الابرص نظرة فاحصة محققة ان يعتقد ان كل ما جاء بهذا الديوان هو لعبيد)[36] .

فهناك علاقة فنية واضحة بين الشاعرين وليس هذا من العجب فكلاهما ولدا البيئة العربية والصحراء الواسعة والمجتمع الواخد .

فلو وصلنا من شعر عبيد شيء اكثر مما سجله الرواة لكان من المحتمل ان نكشف عن الاثر الذي تركه عبيد ونشعر ايضا بان الصور التي عبر بها عبيد من احاسيسه كانت مصدر الهام لأمرئ القيس مثل صورة وصف البرق التي يقول فيها عبيد:

صاح ترى برقا بت ارقبه     ذات العشاء في غمائم غر

و امرئ القيس يقول:

اصاح ترى برقا كأن وميضه   كلمع اليدين في حبي مكلل

و قد نجد عند الشاعرين مغامرات اخذت هذه الصور بتركيبها العميق ولكن امرئ القيس يوهب الصور ابداعا ودقة في التصوير فقد يصف عبيد السحب البيضاء الممطرة كأنها مصباح النبيط[37]، وامرئ القيس وصفها مصابيح الرهبان:

يضيء سناه او مصابيح راهب     اهان السليط في الذبال المفتل

و قد صدق ابن سلام عندما وصف عبيد بن الابرص: (من اقدم الفحول وقديم الذكر عظيم الشهرة يصف الهوادج بالوانها المزركشة وثيابها الفضفاضة المختلفة الانواع)[38] .

و لو اخذنا لاميته الرائعة التي يزجر بها نفسه عن البكاء في ديار حبيبته التي درست اثارها ولم يبق منها سوى نؤى بال ويعدد ما بدلها من رياح وسحب ومطر .. فهو كسير النفس ذاهب العقل [39]:

قد جرت الرياح بها ذيلها     عاما وجون مسبل هطال

حتى عفاها صيت رعده       راني النواصي مسبل وابل

فالجون سحاب متراكب والصيت هو الرعد والوابل المطر الشديد وقد نلحظ ان عبيد يهتم بالتقاليد التي نجدها عند امرئ القيس فهو يحصي في مقدمته الديار وما حدث بها من تغيير ويعطي للرياح صوتا حين تنحرف يقرأها في اسراب النعام فهو يشارك امرئ القيس في رسم المقدمة الطللية وبأجزائها ثم يعقب على بداية الرحلة:

امن منزل عاف ومن رسم اطلال   بكت وهل يبكي الشوق اقبالي

ديارهم اذ هم جميع فاصبحت     يسايس الا الوحش في البلد الخالي

و قد يقف عبيد مع وصف الثور ايضا ويسميه الشبب ولكنه يصفه اضعف من الريح في قوله:

او شبب يحفر الرخامي     تلفه شمأل وهبوب

و رغم ان صور الريح والبرق والمطر قليلة في البائية التي اشتهر بها فهو يذكر تلك الصور في قصائد اخرى بعمق ودلالة .

 

مقارنة بين الصورتين:

1-   صور امرئ القيس اقدر من غيرها على اختزان الشحنات العاطفية وبثها في روح المتلقي لانه يوظف لها الاحساس والخيال والعاطفة فتكتمل صورتها اكثر من عبيد .

2-   صورة امرئ القيس كانت تأتي مع ومضة المعنى لهذا كانت متينة في صرح القصيدة لهذا يقول يوسف خليف: (ان صوره طبيعية بسيطة غير معقدة) [40] اما صورة عبيد فاقل منها شأنا .

3-   عند الشاعرين اطلق الجدب جناحه في الطلل فطار بمراحل الطبيعة وصورها وهذا الانطفاء عندهما انهدام حضاري [41] .

4-   سيطرة الطبيعة على الشاعرين وان اخترنا ابا لها فهو امرئ القيس ومن بعده عبيد .

5-   كلاهما يعزفان من خلال الريح والبرق والمطر على اغاني الروح وترانيم الاسى .

6-   مغامرات امرئ القيس اكثر مما لعبيد فنراه قد ربط المشاهد مع حركته الكثيرة ولابد من خبرة المعايشة من ابداع .

7-   كلاهما يصوران وتبقى الدقة والتشخيص والابداع لأمرئ القيس اكثر من صاحبه .

8-   ان امرئ القيس شب في ديار بني اسد بالقرب من تيماء وان عبيد بن الابرص كان يعاصره [42] وقد اشتهر كل منهما بوصف المطر واحسانهما فيه .

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

.......................

[1]- الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام، ص39 .

[2]- الحيوان، ج4، ص466 .

[3]- المفضليات،ص206 .

[4]- المفضليات، ص206 .

[5]- العهد: اسم من اسماء المطر .

[6]- الزمن عند الشعراء العرب قبل الاسلام، ص41 .

[7]- شعر الهذليين في العصرين، ص363 .

[8]- نفس المصدر، ص364 .

[9]- الزمن عند الشعراء، ص16 .

[10]- الجمهرة، ص845 .

[11]- شعر الهذليين في العصرين، ص .

[12]- الجمهرة، ص741 .

[13]- مر ذكره في شعر الهذليين، ص363.

[14]- الجمهرة، ص462 وما بعده .

[15]- الزمن عند الشعراء، ص218 .

[16]- الحياة والموت في الشعر الجاهلي، ص218 .

[17]- خصوبة القصيدة الجاهلية، ص85 .

[18]- ديوان لبيد، ص178، والمعلقات السبع للزوزني، ص248 .

[19]- خصوبة القصيدة الجاهلية، ص209 .

[20]- مقدمة القصيدة العربية، ص47 .

[21]- مقدمة القصيدة العربية، ص48 .

[22]- نفس المصدر .

[23]- ديوان امرئ القيس، ص24-25 .

[24]- الحياة والموت في الشعر الجاهلي، ص354 .

[25]- في الادب الجاهلي، ص150 .

[26]- شعر الهذليين، ص343 .

[27]- الاصول الفنية في الشعر الجاهلي، ص245 .

[28]- مقدمة القصيدة الجاهلية، ص179 .

[29]- العصر الجاهلي، ص256 .

[30]- الفروسية في الشعر الجاهلي، ص42 .

[31]- شرح المعلقات السبع، الزوزني، ص46-48 .

[32]- في الادب الجاهلي، ص257 .

[33]- نفس المصدر، ص258 .

[34]- الاصول الفنية في الشعر الجاهلي، ص224 .

[35]- رأي رائع طرحه الدكتور اياد عبد المجيد في المحاضرة 23/11/1993م .

[36]- الشعر الجاهلي مراحله واتجاهاته الفنية، ص53 .

[37]- النبيط: اولئك القوم الذين عرفهم الجاهليون يسكنون فلسطين وغالبا ما كانوا من المسيحيين .

[38]- طبقات فحول الشعراء، ص23 .

[39]- مقدمة القصيدة العربية، ص86 .

[40]- مقالات في الشعر الجاهلي، ص132 .

[41]- نفس المصدر .

[42]- العصر الجاهلي، ص248 .

غياب المفاهيم الجمالية عن النقد الأدبي

nabe  odaكيف يمكن تقييم حالتنا النقدية في العقدين الأخيرين؟

كانت رؤيتي ومازالت ان النقد يشبه الإبداع ويحركه ليس فقط ردُّ الفعل السلبي أو الإيجابي من قراءة النص، إنما الرؤية الثقافية الشاملة والمتكاملة التي تتفجّر تلقائيا وتتناول العلاقة الشرطية بين الإبداع بكل صياغته وجماليته والواقع الإنساني، وما عدا ذلك كل ما يكتب يقع في باب الإنشاء البسيط.

لم أجد في النقد الأدبي إلا أجوبة جزئية عن تساؤلاتي.. للأسف تحوّل معظم النقد إلى اتجاه انتقائي لا يعكس واقع ثقافتنا. تأويلات بعض النقاد لا علاقة لها بالمضمون الإنساني للنصوص الأدبية، يذهبون بعيدا خارج الثقافة لإيجاد تبريرات وتركيبات نقدية لا أراها ذات قيمة أو أهمية تذكر.. إلا نوعاً من تطبيق نظريات لم تنشأ أصلا في ثقافتنا، يحاول فيها الناقد تطبيقها على ثقافتنا التي تختلف في مبناها وتطورها عن النظريات المستوردة، والتي لم تنشأ الظروف الفكرية لتصبح ضمن مشاغلنا الثقافيةَ!!

لأكون أكثر وضوحا أقول إني مازلت أرى بمنهج مارون عبود النقدي، الأقرب والأكثر اندماجا مع أجواء ثقافتنا ومدلولاتها.

من ناحية أخرى يمكن القول، وبشكلٍ نسبيٍّ كبيرٍ، إن نقدنا لا يتعامل مع حركتنا الثقافية بتعدّد وجوهها الإبداعية، إنما بانتقائية لا تعبّر إلا بشكل جزئي عن ثقافتنا.

هل الناقد على اطّلاع على مجمل ما ينتج في ثقافتنا؟

أنا بقناعة كاملة ان هناك انقطاع جزئي كبير بين إبداعاتنا ونقدنا الأدبي.

في دراسة أكاديمية جديدة صدرت بطباعة "سوبر أنيقة" وجدت ان الناقد مازال عالقا بنسبة كبيرة من متابعته لأدبنا بسنوات السبعين والثمانين من القرن الماضي، الذي يشكل معظم ما يتناوله ويبني عليه نظرياته النقدية (التي ينقلها عن الثقافة الغربية)، دون أي جهد ليطّلع على التحولات الكبيرة سلبا أو إيجابا في إبداعنا الأدبي الحديث. كنت أودُّ ألا أقول أني أكاد أكون واثقا انه لا يقرأ، الا القليل مما ينشر وبانتقائية لا تبريرَ لها لمن يدّعي انه يُقيم حركة ثقافية، يؤسفني ان أقول انه يجري تجاهلُ أسماء لها دورها ومكانتها، ولا أريد الإفصاح أكثر حتى لا أثير الظن بأن موضوعي شخصيٌّ، رغم انه من حقي ان أتساءل أيضا عن ذلك. طبعا ليس هذا ما يهمني بالمكان الأول، إنما يهمني أكثر ان يكون الناقد منصفا ومطّلعا بدون حواجز أقامها حوله متجاهلا مجمل إبداعنا وربما أهم وأبرز ما به، أقول هذا بلا تردُّد وقد يعتبرها البعض وقاحة... إن من يصمت هو أشبه بالسمكة الميتة التي تنجرف مع التيار!!

طبعا احترم الكتابات الثقافية حول الإصدارات الجديدة (ولا أراها نقدا) وأراها أقرب للتقارير الصحفية. لذلك أنبه إني أميز بين الدراسات النقدية وبين العرض الثقافي للإصدارات الجديدة..  

القضايا الثقافية لمجتمعنا الصغير، المجتمع العربي داخل إسرائيل، ولمجتمعنا الأكثر اتساعا، المجتمعات العربية... تلفت انتباهي واهتمامي من زوايا مختلفة، بصفتها مقياسا لتقدم المجتمع المدني أولاً، كقاعدة لا يمكن تجاهل دورها في الرقي الحضاري، الذي يشمل تطوير التعليم، القضاء على الأمية، تطوير اللغة لملاءمتها لعصر الحضارات والعلوم والتقنيات.. وبالطبع الإبداع الأدبي هو الجانب الروحي من حضارة المجتمعات البشرية... غيابه وركوده والفوضى التي تسود حقوله المختلفة، تشكل معياراً آخر لمستوى تقدمنا الاجتماعي والثقافي، أو تراجعنا.

العقل السوي المدرك يفهم ان المجتمعات البشرية تستهلك الثقافة بصفتها قيمة روحية تثري عالمها بجماليات مختلفة، تثري الإنسان على المستوى الشخصي، فكراً ومعرفة، توسع مداركه لحقائق الحياة، لأساليب بناء العلاقات الاجتماعية والتواصل الإنساني داخل المجتمع الواحد، بدل حالة التشرذم والعداء التي تسود للأسف الشديد مجتمعاتنا على قاعدة فكرية ودينية واثنيه، إلى جانب أنها تعمق وعيه الفلسفي والجمالي والأخلاقي حول مجمل القضايا المطروحة.

الثقافة بكل أشكالها الروحية (أي الإبداع الأدبي) والمادية (أي الإنتاج الصناعي والتقنيات والعلوم) كانت دائماً معياراً صحيحاً لتطور المجتمعات البشرية، ومازال المؤرخون يعتمدون الثقافات القديمة، كأداة لفهم طبيعة تلك المجتمعات ومدى رقيها وتطورها.

أشعر ببعض الامتعاض من بعض الكتابات التي تتعامل مع ثقافتنا من خارج الفكر الثقافي، تنحو نحو الكتابة دون اعتماد العقل والمنطق والقدرة على الربط بين النص والواقع وقدرة النص على ان يشكل قوة جذب وإضافة للقارئ.

هناك هوة غير قابلة للتجسير بين التشجيع، دون ان نثير الوهم بالإكتمال، وبين ادعاء النقد الذي يرتكب فيه الناقد خيانة لثقافته ولجمهور القراء. بكلمات أخرى يفقد شرعيته الثقافية.

حين نُغيّب العقل نُغيّب الفطنة، ونستبدلها بكليشيهات جاهزة، ملّها المتلقي (القارئ) وبالطبع في هذه الحالة يصبح الادعاء ان واقعنا الثقافي يشهد نهضة ثقافية وانتشارا واسعا للثقافة، نوع من السخرية السوداء.

مثلا قرأت قبل فترة رواية للكاتب والناقد الدكتور أفنان القاسم بعنوان "أبو بكر الآشي" (قرأت له أعمالا أخرى أيضا وهو يواصل نشر رواياته على صفحات "الحوار المتمدن") لكن تلك الرواية بشكل مميز سحرتني بأجوائها وتفاصيلها وتساءلت كيف لم تصل إلى القارئ العربي، هل هناك تعتيم على أسماء ما؟ أفنان القاسم كاتب فلسطيني مخضرم وله عشرات المؤلفات. لكني لم أجد ان القارئ أو نقاد الأدب العربي متنبّهون لأعماله الكثيرة والمميزة. هل المشكلة في أفنان نفسه أم بواقعنا الثقافي المغلق؟

"أبو بكر الآشي" (منشورة على شبكة الانترنت) من أجمل الروايات العربية وغير العربية التي قرأتها!!

عندما أقرأ نقدا يتناول مسائل هامشية تماما، مثلا كم مرة ذكر الكاتب كلمة حيفا في روايته، كم مرة ذكر كلمة سيارة، كم مرة ذكر كلمة تفاح، لا اعرف ما علاقة النقد الأدبي بذلك، ماذا يضيف لموضوع النقد (النص) أو للقارئ؟ ما هي الأهمية الإبداعية بتعداد الأمكنة التي تناولها الكاتب في نصه (رغم ان المضمون نفسه هو التعبير عن المكان). أو انه ذكر مكان ما ويندفع الناقد في تأويل ذكر المكان رغم ان المكان لم يلعب أي دور في النص القصصي، والمضحك انه يجعل من ذلك ثيمة خاصة للكاتب، رغم ان المكان لا أثر مميز له، على الأغلب... في المضمون القصصي موضوع نقده. لنفترض ان حدث ما جرى في الناصرة، لكنه يمكن ان يكون في حيفا أو سخنين أو ايلات دون ان يؤثر (أحيانا) على موضوع النص. السؤال ماذا أضاف المكان للنص، من يهم هذا الأمر؟ ما هو دوره في تقييم النص؟ هل تكرار الكاتب مثلا لذكر الساعة (الزمن) يغير من المضمون الانساني او الفني للنص؟

هناك نقّادٌ يحاولون تطبيق نظريات نقدية غربية على إنتاجنا الأدبي. لاحظت ذلك وامتنعت عن الكتابة عنهم وكنت متأكدا ان الناقد يكتب دون ان يثير النص لديه أي حاسة جمالية. هل حقا هم واعون إلى الفجوة بين مفاهيمنا الثقافية وتلك النظريات..؟

قرأت دراسة في الأيام الأخيرة تناولت موضوع "العنوان". ما الذي أعطته هذه الدراسة للكتاب وللقراء؟ العنوان هو نتاج النص وليس النص هو نتاج العنوان. ولا أرى ان العنوان يستحق مثل هذا الجهد رغم أهميته، أضعت يومين أو أكثر في قراءة كتاب نقدي لا اشك بقدرة مؤلفه، ولولا اسم الناقد ومكانته لما أتممتُ القراءة، من يخدم هذا النقد؟ صحيح ان ما لفت انتباهي أيضا إني كنت غائبا عن دراسته رغم يقيني اني أحد البارزين (والأبرز إطلاقا وأقولها بدون تردد وبدون تفاخر) في اختيار العناوين لقصصي. ولا أريد ان أقول ان نصوصي القصصية الجديدة أحدثت فيها نقلة كبيرة في الفكرة واللغة والتكنيك والنهاية عن الأسلوب الكلاسيكي (التقليدي) الذي يميز أكثرية قصصنا. بصراحة لا أرى ان العنوان يستحق الوقوف وإعداد دراسة تعتمد نظرية غربية لثقافة مختلفة بمضامينها واهتماماتها.

تأويل العناوين كان مناقضا للمفاهيم الثقافية الإبداعية التي بدأت تتشكل في وعيي وفلسفتي الثقافية عبر تجربتي الطويلة الممتدة منذ العام 1962 بلا توقف.. وهو ان إسناد العمل الأدبي لموضوع سياسي (وطني أو غير وطني)، هو إسناد يشوه العمل الأدبي. الأدب في تناوله للواقع هو تعامل إنساني وجمالي وليس سياسي أو أيديولوجي، كلنا تورطنا بمفاهيم "الواقعية الاشتراكية" في مرحلة هامة من نشاطنا الإبداعي، أعاق ذلك انطلاقتنا الفكرية والجمالية، مازالت آثار الفكر الدوغماتي الأدبي تسود الكثير من كتابات البعض وتفكيرهم.. أنا شخصيا تحررت من دوغماتية جعل الأدب خطابا سياسيا أو أيديولوجيا، عبرت إلى مفاهيم "أدب إنساني" و"أدب لا إنساني" وكل المدارس الأخرى يجب تصنيفها ضمن هذين الاتجاهين.. مثلا في قصة لي اسمها "الحاجز".. أول قصة إطلاقا كتبت عن انتفاضة الحجارة الفلسطينية... أرى اليوم جانبها الإنساني والفني بدون أي علاقة بالموضوع السياسي والصراع القومي.. هذا لا ينفي قوتها التعبيرية عن واقع إنساني قائم لكني لا أرى أهمية جعل العنوان تعبيرا أيديولوجيا، وكأن المحرك للإبداع الأدبي هو محرك سياسي أو وطني فقط.. هذا غير صحيح، المحرك دائما إنساني جمالي فني ومن هنا قوة العمل وقيمته، وإلا أصبح النص خطابا سياسيا فجّاً، وما أكثر القصص الفجّة التي كتبت عن الانتفاضة والاحتلال والقمع.. بتجاهل لأهمية فنية العمل وإنسانيته.

عندما يبدأ ناقد ما بتفسيره السياسي للإبداع يشوه القيمة الفنية، الجمالية، الأدبية والإنسانية للإبداع. لذلك العنوان رغم انه رمز لواقع سياسي والقصة تتناول واقعا سياسيا، إلا ان نجاح العمل الأدبي (القصة في حالتنا) هو مدى استيعاب الكاتب للجانب الإنساني، الجمالي والفني في بناء نصه وليس الخطاب السياسي الذي لا يختلف عن المقال، هنا يجب الفصل الكامل بين النص الإبداعي والمقال السياسي..

من هنا النقد الذي يجعل من دراسة العناوين هدفه الجوهري وتأويله سياسيا.. لا أراه إلا خطابا يفرغ الأعمال الأدبية من مضمونها الأهم.. جماليتها وفنيتها الصياغية!!

أنا لا أحيا في الثقافة الأوروبية، أتأثر بها بلا شك، ولا أرى أن نظرياتهم وتطبيقاتهم النقدية يمكن نقلها كما هي لتطبيقها على أدبنا.

مجتمعنا مازال يحبو وراء الحداثة التي انتقلوا في الغرب إلى مرحلتها الجديدة: "ما بعد الحداثة" ونحن مازلنا نطرح اصطلاح الحداثة بنصه وليس بمضمونه واصلا لم تنشا الظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لتطور مفاهيم الحداثة في مجتمعاتنا القبلية، التي مازالت الماضوية هي أبرز وجوهها والقوة الدافعة لها إلى التخلف.

الحداثة ليست في الظاهرة الأدبية فقط، إنما هي ظاهرة حضارية تشمل مجمل الحياة الاجتماعية والعلمية والاقتصادية، وكم يضحكني استعمال مثقفين لهذا الاصطلاح بمفهومه الضيق جدا وكأنه مفهوم نشأ للأدب فقط.. متناسين أن الأدب هو انعكاس جمالي لمجمل الواقع الاجتماعي.

يبقى السؤال: أين نقدنا من ذلك؟؟  

 

نبيل عودة

حفريات في جماليات نص يستغرق حمولة الموروث الديني

51ahmad alshekhawi تفاحة على الشجرة للشاعر الليبي عاشور الطويبي

هو كذلك هذا الطراز النادر جدا من الشعراء حدّ تأمم أبراج الحكاية المعسولة إذ تدبّ في لبّها هموم العامة و تكتسح نسغها انشغالات أغلبية ساحقة تستبد بها هواجس صناعة قرارات لا تخطئ بعض الحظ في خطوها إلى مصير لا يراد لها بقدر ما تختاره هي بدافع ما تكتنز من قناعات ومبادئ راسخة و متجذّرة وعصية على أية ابتذال أو مساومة.

وتساميا على كلمة ضيقة تعافها النفوس أو تنافق وتجامل داخل حدود حيز نخبوي يهبّ ضدا لما قد تشتهي تطلعات الجماهير.

هو كذلك الشاعر الليبي المتمرس عاشور الطويبي الذي يأنف في مجمل منجزه ويأبى إلا أن يجذب ذهنية التلقي ويستقطبها إلى فراديس ما هو عذري محض ما بين البياض وحيثيات البوح.

وكأنما يتعمّد بشكل أو بآخر توريطنا في ما هو قائم الصلة والماهية بعوالم ما تسكت عنه الذات الشاعرة، منمّقة لنا ومُبهرجة طياتها وفحوى ما تحجب ظلال ما لم تقله مكتفية بما يشير ويدل عليه فقط.

في موسوعته النموذجية التي بين أيدينا، ألفي الرجل لا يتكلّف توجيهنا إلى البعض من شيفرات ولوج نطاق جمالي يأسر الذائقة ويصدم بمغامرة مقاربة مستويات طيفية لتجربة شعرية تعيش نخوة ونشوة قران فني، بينها، في انكفائها على احتمالات خبء الحقول الدلالية لشجرة شاعرنا المحرمة ــ مجازيا ــ وبين الحضور الصاعق والمكثف للرمز الديني.

 

1

فتى في الثالثة عشر من عمره:

حين يشتدّ به الأمرُ يحرّكُ شفتيه.

 

فتى لم يبلغ الحلم بعد:

جرّ بطرف لسانه أمّةً إلى آخر الأرض والسماء.

 

فتى في الثالثة عشر من عمره:

يروي ما رأى وما سمع.

 

فتى في الثالثة عشر من عمره:

خياله أجود من الريح المرسلة.

 

2

فتىً إصبعه نارٌ، ولسانه كتابٌ.

فتىً لا يعرف من أمور النساء شيئاً

وقال: النار أولى بهن.

 

3

فتىً قال:

نهيتم بكسر جراركم.

نهيتم ألاّ تخلطوا ماءً بتمرٍ أو زبيب.

 

4

عرفتُ أنها النخلة، لكني استحييت.*

إيّاك من شجر يسقط ورقه.

إيّاك من لسانٍ مربوط.

إيّاك من قلبٍ لا يرى.

إيّاك من وقتٍ لا يتقلّب.

 

في سياق معاناة حشوها عولمة الخطاب و عالمية التشكيل والرؤيا، يُجري صاحبنا على ألسنه زخما هاما من التراث الديني في شخص حبر الأمة وعالمها الأول ابن عباس، بغرض تحقيق إسقاطات تستهدف راهن الفوضى والعبثية المتلاعب بجيل يتحين فرص النجاة وملامح الخلاص وبالكاد يتهجّى أسباب انتشال ما لم تلطّخه بعد دماء الهزيمة.

تقنية كلامية تتفشى بمنأى عن المعيارية التحريضية المدمرة، كما تزين رحاب طقوس العودة إلى الذات قصد التصالح معها على نحو لا يخلو من استثارة الهمم وضخّ الحماسة في عروق راح يتيبّس كبرياؤها وتنقشع جذوة انتصافها للهوية والجذر الإنساني إجمالا.

أنّى لا تنتشي الذاكرة، بل وتركن إلى غيبوبة رافعة، في حضرة فتى مختلف تماما، في سن له مبكّرة جدا، باشرت بوادر نبوغه وحكمته الفياضة بالانبلاج.أنّى لا يحدث فوق وأرقى وأسمى مما هو من قبيل ذلك؟

فتى يقود الخيال إلى حيت تستنبت الأنامل واللسان شجرة العظمة المحرمة على النساء تحديدا، ليس إقصاء، بقدر ما المسألة أشبه بجناية محيلة على زلّة أمنا حواء كأصل وبذرة لامتهان الظاهرة برمتها.

تذيل المشهد نبرة متهكمة محذرة من أربع، شجر يرضى العري ولسان لا ينشد الحرية ويترنم بقيمتها وقلب أعمى وأخيرا وقت مقيم يسوم الكرامة حمئة وزقوم الثبات والموت على ذل وهوان الحال.

 

هذه فرجةٌ،

لا تصلح لخيطِ ضريرٍ!

بابها من طين

ترابها رطبٌ بماء الغُسل.

 

6

مازالت الشهقات معلّقة على سعف النخل.

 

7

ما دلّه عليه إلا أثر حوت في البحر.

ما الذي سيدلُّ عليّ؟!!

أمّي لم تضع في صرتها حجراً ولا ثريداً.

 

8

قال الفتى: لا أدري إن كنتُ قد مددتُ ردائي

ولا أدري إن غرف بيديه مرّة أو مرّتين!

أنا أدرى به وبما غرف قال الخليفة.

 

9

شيخٌ يصلي في كلّ وقتٍ وأنا على يساره أو يمينه.

 

10

الصلاة أمامَكَ*. ثم نزل فبال.

11

كنتُ أترك الماءَ في الخلاء.

 

12

لا يدري أحدكم أين باتت يده*.

 

13

لا تسلّم على من إزار عليه.

14

سيصعد الصراخُ كِسرة الجريد ويرتخي العذابُ في تراب القبر.

 

15

ما حاجتك إلى حائطٍ أو جدار؟!

 

رأيته بين رجلين تخطّ رجلاه الأرض*.

 

16

الإزاراتُ مرفوعةٌ فلا ترفعنّ رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوساً.

 

17

كنتُ أخرجُ معه إذا خرج، وأبقى معه إذا بقى.

أنام على يمينه أو على شماله.

وأفرح حين يضع يده على رأسي.

 

18

ويسجدون إذا سجد.

 

19

أهل كتاب وأهل وثن.

ادخل من بابهم.

اخرج من بابهم.

أهل كتاب وأهل وثن

يغنّون أغنية واحدة.

 

20

العطاء يبدأ من خمس.

الوقت يبدأ من خمس.

 

21

لك أن تأتي راكباً على بقرتك أو ناقتك

أو أن تطأك بأخفافها،

حولك أناسٌ جفّ ضرعهم وخرست منهم الألسنة.

لا تأت مولاك ببقرةٍ لها خوار.

 

22

كنتُ أمسح عنّي الرحضاء وأقابل عين الشمس*.

آكلة الخضراء أنا!

 

23

لا خيار لك يا عبدُ

ولاؤك لمن ملكك وولاؤك لمن اعتقك*.

 

24

هذا عنبرٌ قد دسره البحر*

عنبرٌ بلّله الماء يرقد الآن على الشطّ!

 

25

مبارك أنت يا وادي

شققت طريقك ليسيل ماؤك.

على ضفتيك وقفت سكينة ترنو لنخل في آخر البستان.

ضحكت حين تذكرت أنها تتأوه من متعة وتصهل.

 

26

لا سقاية اليوم.

يجعلون أيديهم في الماء*.

مِلْ كي نقضي حاجتنا.

 

27

كم بيدك من حصى الوادي يا فتى؟!

ارمها واحدة واحدة

امسح من على قلبك العتمة.

28

أيّ بأسٍ على ميتٍ من غطاء رأسه.

قيل يبعتُ يُهِلُّ*.

 

29

طأطأ الثوب بيده

ثم قال لفتاه: صبّ الماء على رأسي ولا تراع!

 

30

عليك أن تغطيّ حالك على كلّ حال.

يتوالى تفاح شاعرنا في التدلي والبروز متقلبا بين غواية وأخرى أشهى وأطيب قطفا وطعما واستحواذا على العاطفة والفكر كليهما. ولما يشوك الإيقاع طوارئ التقطع والتبرقع، وتنجر لحمة النص إلى لعبة استئساد التشظي والصيغة الشذرية، يقتضب إقحام الحالة الإنسانية في ارتباطاتها بالرمز الديني، بغية لملمة المشهد واحتواء البياض وترك الكلمة لما قد تنبض به ما ورائيات اللون.

منظومة حكم تسربلها شاعرية من يستنطق خبايا النفس مخجلا كنه السؤال. منظومة حكم تتوافد فتمتزج وتتداخل مشكلة خلطة فسيفسائية أحوى و أستر لحال الفرجة وفرجة الحال.

 

31

كنتُ أحلم بأعوادٍ أجلس عليها أعلّم الناس.

 

32

بكت النخلة، فضمّها إليه حتى سكنت.

 

33

قال الفتى: الكتاب كلّه على ياء*.

 

34

قال الفتى: كاتبكم قد نعس*.

 

35

في شيخوختي لم تعد عيناي تعرفان الوقت.

أُرسلُ رجلاً يخبرني

مجيء الفجر وغروب الشمس*.

هي حصاتي أدفع بها إلى البحر

يأخذ من أنينها ما يأخذ

وأنام على وسادة فارغة من الحكايا.

 

36

لقد أذكرني ما اسقطتُّ من آيات*.

 

37

ماذا نفعل إذن؟!

أهل كتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم*.

 

38

كانوا يحرّقون أقواماً لأنهم لم يتبعوهم*.

لو كنتُ أنا لقتلتهم بشيء ليس فيه من النار شيء.

 

39

قال لي صاحبي: وضعت سيفي في بطنه ثم تحاملت عليه حتى قرع العظم وأتيتُ سلّماً لهم*.

هكذا قتل رجلاً لم يعرفه.

 

40

كان يوم خميس حين أوصى بثلاث.

ذكرت اثنتين ونسيت الثالثة*.

كان يوم خميس حين أوصى ثلاث!

 

41

ابن صيّاد، قالوا هو وليس هو.

ابن صيّاد أنا، وصافٍ قميصه.

ليت أمّه لم توقظه، كان بيّن قال الرسول*!

يأتيني صادق وكاذب.

لم أبلغ الحلم، وهم يقسمون أني هو

كنتُ سأختار معك أيّ شجرة تصلح لنعلّق عليها نفسينا.

غير أنّك مضيت إلى أبعد من حمّى عابرة أو قيظ قيلولة ساخنة.

 

42

لا رجوع بعد سجود.

 

43

الصلاة رداء الخائف.

 

44

حيٌّ أنت إن جاءتك الريح من مشرق الأرض

وميت أنت إن جاءتك الريح من مغرب.

 

45

الخائف ذلك النهار أكثر من الواقفين خارج البيت!

كانت صغيرة كرّمانة حين غطست الشمس في المدى الكئيب.

كانت أقدامهم الخشنة تحفر في الأرض حُفراً رآها الذين مرّوا وبطونهم خاوية.

كان صليل السيوف يسمع من بعيد وهي ما زالت في أغمادها.

كانت الأرض تدور على ألف قلب وكان البحر خيط دخان في البيداء المقفرة.

 

46

الآن حلّوا أوكية القرب لقد حان العهد.

 

47

لقد اختلط ريقه بريقي *

وسقط السواك المبتلّ حين سقطت اليد*

 

48

حدّثني من فيه إلى فيّ*

 

49

كنتُ أعلم أنّ وراء كلّ حائط رجل يوحى إليه.

"هكذا لا ينقطع اللحن ولا تتعب الراقصات." قال وعيناه نصف مغمضتين.

 

50

الحجارة لم تنقطع عن الصلاة.

هل ترى ذلك الوادي؟

كان شريداً، آواه ذلك الجبل!

51

هل ترى ذلك الكثيب؟

كان حبّة رمل حين وُضع الكرسيّ على الماء!

هل ترى ذلك الفتى؟

كان رديف حبيبته ذات ليلة كالحة!

هل ترى ذلك النسيم؟

كان بحّة مجروحة في فم الأغنية!

هل ترى ذلك الطائر؟

كان وشماً بارزاً في نهد الأرض!

هل ترى يدي هذه؟

كانت تفاحةً في تلك الشجرة!

 

أذهب أبعد مما تقدّم وأزعم أن هيكلة القصيدة اعتمادا على المشتقّ من صحيح مسلم، منحها قيمة مضافة وجنّبها دهاليز التيه والتخبط في دهاليز استسهال الشعر المنثور وبالتالي التدحرج إلى قفص ما يشوّه الذائقة ويفسدها.

وتأتي الوحدة الأخيرة كعصارة ــ تقريبا ــ لما أغرت به تابوهات النص، المتلقي كطرف تشاركي تفاعلي تمتد به العملية الإبداعية حدّ تبني أسلوب جمالي مغاير لا يفتقر البتة إلى المغزى المعرفي الأجدر بخلخلة السائد وقلب موازينه والتأثير إيجابا في عقلية ومناحي حياة كل من تحاصره اللحظة الرمادية بإكراهاتها ومفارقاتها وتناقضاتها.

 

أحمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

المنتج الرحلي وثنائية الفني والمعرفي .. رحلة: الرياحين الوردية للمكي الناصري أنموذجا

1mohamad shadadalharak- أدب الرحلة ومسألة التجنيس: لقد أثير نقاش طويل وسجال علمي كبير بين النقاد حول مسألة تجنيس نص الرحلة، وحول مدى امتلاكه للخاصية الأدبية التي تخول له الانضمام إلى حظيرة الأجناس الأدبية. كما ظهرت مواقف نقدية تدعو إلى ضرورة إنصاف هذا النوع من الكتابة والتأليف ليحتل موقعا معترفا به ضمن الفنون الأدبية. وإذا كانت الدراسات الأولى1 التي اهتمت بأدب الرحلة قد اكتفت باستعراض الحمولة العلمية والأدبية والإتنوغرافية في النص الرحلي، دونما تركيز على مسألة التجنيس، ودونما تحديد الخصائص والمميزات التي تميز نصوص الرحلة عن غيرها من الفنون.فإن الدراسات المعاصرة2 المتسلحة بالمناهج النقدية الحديثة ؛السردية والسيميائية تحاول الإتيان بما لم تستطعه الدراسات السابقة. وتعمل على تبني الرحلة كخطاب مستقل عن بقية الخطابات الأدبية الأخرى. وهكذا صرنا نقرأ في العديد من الأبحاث والدراسات عن أدبية الرحلة باعتبارها جنسا أدبيا، له كيانه الفني، وله عالمه النصي الذي يفرض الاعتراف به. وزيادة في تمتيع الرحلة بالاستقلالية التامة، يحاول بعض الباحثين مراجعة عبارة "أدب الرحلة" باعتبارها عبارة تكرس فهما مسيئا لهوية هذا الجنس الأدبي. لأن في ربط الرحلة بالمعيارية الأدبية السائدة إساءة لهذا الفن. وكأنه لا يستطيع أن يمتلك هوية أدبية إلا بهذه المعيارية، بدليل أن هذا الإسناد لا نجده مع باقي الأجناس الأدبية، فلا نقول أدب الشعر أو أدب القصة. ولهذا وجب الإقتناع التام بكون الرحلة جنسا أدبيا قائم الذات استنادا إلى تراكم كمي وكيفي ميزه عن غيره من النصوص3.

لقد استطاع أدب الرحلة فرض وجوده الأدبي، وتمكن من اكتساب هويته الخاصة التي منحته موقعا معترفا به ضمن الأجناس الأدبية، إلى درجة أصبح معها انتماء الرحلة إلى حقل الأدب مسلّمة ثابتة لا تحتاج إلى دليل. فبالرغم من ارتباط هذا النوع الأدبي بالأدب الجغرافي وبالكتابة التوثيقية التسجيلية، فقد أثبت أنه خلق أدبي يزحف إلى كل المجالات، ويسير في كل الاتجاهات، وينفتح على كل الخطابات، ويذيب الحدود مع الفنون الأخرى ويزخر بكم هائل من الظواهر الخطابية المختلفة.فهو غني بالمضامين الإتنوغرافية المتنوعة التي تعتبر المادة القاعدية الأساس في الدراسات الأنتربولوجية والسوسيولوجية، ويجمع بين ثنايا نصوصه مختلف المعارف وركاما هاما وزاخرا من المواد التاريخية والعلمية والثقافية والدينية والأدبية، وكل ما يفيد في استجلاء العديد من الحقائق المنسية، وكل ما يساعد على إضاءة الكثير من المساحات المعتمة والبؤر المظلمة في التاريخ السياسي والثقافي لكثير من المجتمعات البشرية. وتلتقي هذه المواد المختلفة وتتداخل هذه الخطابات المتنوعة، وتنصهر وتتلاحم لتشكل التركيب العضوي لنص الرحلة. وإلى جانب هذا كله، تتمتع نصوص الرحلة بنصيب أدبي وفني وافر، وبقدرات سردية عالية، بحيث تميل مضامينها إلى المحتوى السردي الفني،كما تناظر مقوماتها وآلياتها السردية الأدوات الفنية التي يستعين بها الخطاب السردي في بناء كيانه الجمالي.ولهذا لم يكن الرحالة ناقلا بسيطا للواقع أو ساردا ساذجا للأخبار، وإنما كان متلقيا متذوقا لكل تلقياته ومنتجا للمواقف والرؤى والأحكام والانطباعات . تبرز شخصيته الأدبية بقوة من خلال التوظيف الموفق للأسلوب القصصي،ومن خلال الاستخدام الدقيق لكل الأدوات التي يستعين بها الأدباء في صياغة نصوصهم السردية، من سرد ووصف واعتناء بالفضاء وبالشخوص، ومن تنظيم ذكي للمادة الحكائية، وتوضيب دقيق لشريط الأحداث بشكل يضمن للنص السردي التشويق والجاذبية، ويوفر للقارئ اللذة و المتعة الذهنية.

 

2- الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية4: المتن وصاحبه

كان محمد المكي بن موسى الناصري5- بحكم أسفاره الكثيرة ورحلاته المتنوعة عبر ربوع المغرب- من بين العلماء والأدباء القلائل الذين اعتنوا بتسجيل أحداث رحلاتهم ووقائع أسفارهم الداخلية. وتعد مساهمته في هذا المجال أحد الأعمال العلمية والأدبية الطريفة في سجل الرحلات المغربية، خاصة وأنها من صنف الرحلات الداخلية القليلة في تراث المغاربة6.فهي تعطينا صورة مفصلة عن الواقع المغربي بمختلف مكوناته الطبيعية والبشرية والثقافية. وتقدم لنا مادة أتنوغرافيا مفيدة في الكشف عن العديد من الحقائق المتعلقة بمكونات المجتمع المغربي وبأحوال الناس وطباعهم وانشغالاتهم في القرن الثاني عشر الهجري. وهذا النص الرحلي يمكن إدراجه ضمن الرحلات الزيارية التي يعرفها الأستاذ محمد الفاسي، بقوله : "هي التي يقصد صاحبها من سفره زيارة أضرحة الأنبياء والأولياء ومشاهدهم، وذكر فضائلهم وكراماتهم. والرحلات المؤلفة في هذا الموضوع من أهم المصادر عن تاريخ الحياة الدينية والحركة الصوفية"7

أما مؤلفها فهو الأديب والعالم والمؤرخ محمد بن موسى بن محمد الناصري،الملقب (بالمكي) ، من أعلام القرن الثاني عشر الهجري/18م، توفي بعد 1184هـ. أحد الرموز العلمية المنتمية للبيت الناصري العريق، وصاحب تجربة تأليفية وإبداعية غنية ومتنوعة. تمحورت جهوده حول المجال الدرعي بشكل عام، وحول التراث الناصري على وجه الخصوص. إذ انبرى دون غيره من أبناء الزاوية إلى خدمة تراثها العلمي والأدبي جمعا وتدوينا وتوثيقا وتأريخا وترجمة وشرحا وتصنيفا.

وكانت أول تجربة للرحلة بالنسبة للمكي الناصري، في سنة (1147)8، حيث قصد مدينة مراكش لزيارة ضريح الشيخ محمد بن سعيد المرغيثي (ت : 1089) وضريح الشيح أبي بكر يوسف السجتاني (ت : 1063). وباستثناء هذا النشاط، فإننا لا نملك تفاصيل هذه الرحلة ولا معرفة بغاياتها الحقيقية. ولعل المكي الناصري، في هذه السنة، لم يكن قد خطط بعد لمشروعه العلمي، ولم تكن معالم شخصيته العلمية قد برزت أو تشكلت ملامحها الأولى.

إلا أن سنة (1149) كانت هي المحك الحقيقي الذي صقل مواهب هذه الشخصية، وحدد ملامحها وطموحاتها، ففي هذه السنة خطط الناصري لرحلته الثانية إلى مراكش، وحدد أهدافها ومقاصدها، وسجل تفاصيلها وأحداثها، ووصف الوقائع والمشاهد والمناظر، وذكر الرجال والمساجد والمجالس والمعالم و الآثار، فكانت بحق رحلة متميزة، تمخض عنها عمله الرحلي (الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية).

ولاشك في أن الاقتراب من عالم هذه الرحلة سيمكننا من التفاعل مع خصائص الخطاب الرحلي ومع آليات الكتابة التاريخية والأدبية عند هذا الأديب المغربي الذي بدأت الدراسات الجامعية تلتفت إلى أعماله التأليفية والإبداعية الدالة على عمق تكوينه المعرفي وعلى تنوع مشاركته الثقافية وعلى أصالة مشروعه العلمي .

وإن مقاربة هذه الرحلة الغنية بالإحالات المتنوعة تقتضي الوقوف عند أنواع الخطاب التي يتشكل بها نسيجها المعرفي والأدبي، والتي تمنحها سلطة الوثيقة الحاملة لحقائق مثيرة عن خبايا الواقع المغربي وعن بعض الظواهر الاجتماعية والثقافية التي شهدها القرن الثاني عشر. والجدير بالذكر أن هذه الرحلة تبدو مستعصية على التصنيف. فهي ظاهريا رحلة صوفية زيارية، لكنها في واقع الأمر نص منفتح على قضايا معرفية ودينية وأدبية جغرافية واجتماعية. وهذا ما يستدعي استراتيجية خاصة في المقاربة النقدية لهذا المتن الرحلي المتعدد الواجهات والمضامين. "فالرياحين الوردية" تمتنع أن تكون دليلا سياحيا جامدا، كما ترفض أن تكون استطلاعا تسجيليا أو تقريرا بانوراميا محايدا، بدليل أن حضور صاحبها يتخلل كل المرويات ويتابع كل التسجيلات والملاحظات. فقد ظل الناصري طيلة عملتي الارتحال والتدوين حاضر الذهن، دقيق الملاحظة، شديد الحساسية، يلتفت إلى أدق التفاصيل، ويتدخل في كل المشاهدات والوقائع. كما أن ذائقته الأدبية الناقدة كانت حاضرة بقوة من خلال عمل الوصف والتوثيق وفعل الرواية واستعراض النصوص النثرية والشعرية.

ولهذا وجب الانتقال إلى مستوى مساءلة هذا المتن الرحلي وتفكيك خطاباته المتعددة والمتداخلة ودراسة مادته الدسمة والمتشعبة من أجل الوصول إلى ملامسة الحدود الفاصلة بين محتواه الأتنوغرافي والسوسيولوجي وبين حمولته الأدبية لضبط جمالية التأليف وفنية الصياغة والسرد، باعتبار النص الرحلي عملا إبداعيا متكاملا، يتقاطع فيه الخيال بالواقع، وتتفاعل فيه الحساسية الفنية مع فضول البحث الاستقرائي الميداني.

 

3- تقاطع الخطابات في "الرياحين الوردية"

تقدم لنا "الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية" أنموذجا إبداعيا يمتلك كل المؤهلات الفنية التي تجعله ينضم إلى جنس أدب الرحلة. كما تقدم لنا صورة عن شخصية ثقافية مغربية مهووسة بالسفر ومسكونة بحب الجمال وعاشقة للعلم والمعرفة والفن. كما أن هذه الرحلة تكشف عن تجربة أدبية متميزة في مجال إنتاج الرحلات الداخلية. وهي من التجارب الإبداعية القليلة في تراثنا الرحلي. إنها تجربة واعية رسمت صورة شاملة للمجتمع المغربي في إحدى فترات التاريخ/القرن 12 الهجري-18م، ووضعت الأصبع على الكثير من الاختلالات الاجتماعية والثقافية والسلوكية، وكشفت النقاب وألقت الضوء على العديد من الوقائع والأحداث والحقائق التي ظلت حينا من الدهر مجهولة متوارية. كما أماطت الحجاب عن زاد علمي وركام معرفي وأدبي زاخر مكث زمنا طويلا في منطقة الظل نسيا منسيا مهملا. وقد ساهم الأديب الرحالة محمد المكي بن موسى الناصري (ت بعد1184) بهذا الإنجاز في ملء بعض الفراغات المعرفية، وفي تقديم خدمة جليلة للدرس العلمي وإضافة نوعية للخزانة المغربية.

إن نص الرحلة- باعتباره خطابا أدبيا- لديه القابلية للاستجابة لكل القراءات النقدية الساعية إلى دراسة بنية العمل الفني، والهادفة إلى تحليل مكوناته الجمالية، دونما إغفال لمقاصده ورسائله أو إقصاء لحمولته الفكرية والعلمية والأدبية. ويفرض متن هذه الرحلة على قارئه النظر إليها من زاويتين متكاملين لا تلغي إحداهما الأخرى. وذلك وفاء لخصوصية هذا المتن أولا، وإخلاصا لفلسفة صاحبه الذي يحمل- من خلال هذا الإنجاز- رسالة ثقافية وحضارية في عصره، تجاوزت منطق الفن من أجل الفن . وهو الأمر الذي يوجه كل دارس يسعى إلى الخوض في دراسة المتن الرحلي، أو يهدف إلى بيان غنى هذا الجنس الأدبي وثرائه من حيث محتواه الإتنوغرافي والأدبي، وكذا من حيث كونه عالما إبداعيا ينقل القارئ من مستوى الوعي بالواقع المادي إلى مستوى تذوق الفن السردي والانصهار مع أجوائه وطقوسه ومكوناته الجمالية. وفي كل ذلك كانت "الرياحين الوردية" تستجيب وتتفاعل مع كل قراءة، وتقدم للباحث إمكانيات لمقاربتها وتحليلها سعيا وراء اكتشاف المعرفة الكامنة في أغوارها، وبحثا عن عناصر الفن والجمال المشكلة لخطابها.

تتميز تجربة الناصري في الإنتاج الرحلي بالخصائص التالية:

- إن الرياحين الوردية من النصوص القليلة في تراثنا الأدبي التي اعتنت بالرحلة الداخلية، فهي عمل علمي/أدبي يستحق العناية والاهتمام، بعدما تنكرت العديد من كتب الرحلة لتراث المغرب ولتاريخه ولثقافة أهله، وهي النصوص التي حظيت - من قبل الدارسين- بأكثر من اهتمام وإشادة.

- الرياحين الوردية وثيقة إتنوغرافية توفر للبحث الأنتربولوجي والسوسيولوجي مادة غنية ومتنوعة، تساعد الباحث في استجلاء الكثير من القضايا الاجتماعية والثقافية والدينية، وتقدم تشريحا دقيقا للبنية الذهنية السائدة في المجتمع المغربي خلال القرن الثاني عشر الهجري/18م.

- الرياحين الوردية نص إبداعي يحوي كل عناصر الكتابة السردية، بأسلوب مشوق وبأدوات فنية متنوعة، تتقاطع فيه الخطابات وتنصهر في لحمة واندماج لبناء الكيان الفني لهذا العمل الأدبي. وبذلك استطاعت هذه الرحلة أن تكسب معركة الانتساب إلى مملكة الأجناس الأدبية باستحقاق لا يحتاج إلى إثبات. ولهذا تحتاج الرحلة إلى دراسة جوانبها الشكلية والأسلوبية، التي عادة ما تتميز بها النصوص السردية، على اعتبار أن النص الرحلي منتج سردي كذلك، يتمحور حول بنية أساسية هي بنية السفر. وهي المدار الذي دارت حوله العملية السردية من بداية النص إلى نهايته. وخلال عملية السرد تنتصب صورة البطل وهو يلبس أكثر من ثوب، ويضع أكثر من قناع. كما يبرز صوت قوي ومهيمن ،هو صوت السارد الذي يتبادل الأدوار مع البطل، ويستعير منه شخصيته وملامح هويته، ويتحرك لسانه ونظره مع حركة البطل في المكان الرحلي، لينجز وظائف عديدة تقرب نص الرحلة من المتلقي وتدفعه إلى تلقي هذا العمل والتواصل معه كخطاب أدبي.

- الرياحين الوردية خزانة لفنون الأدب الرفيع ومستودع للأخبار والأشعار والطرائف والاستطرادات. تتضمن زادا أدبيا وفيرا ونصوصا شعرية نادرة. وهذا المحتوى الأدبي يجعلها شبه كتاب في المختارات الأدبية، تحقق الإفادة لقارئها كما تحقق له الإمتاع. وقد جاءت مادتها الأدبية متفاعلة ومتحاورة مع مادتها الإخبارية والجغرافية والدينية. ففي متن هذه الرحلة يتحمّل الرصيد العلمي الوثائقي مادة الأدب بمختلف فنونه، ويتحاور الجمال مع المعرفة في تفاعل وتكامل، ويتعايشان معا في تناغم وانسجام تامين.

- تعكس الرياحين الوردية ميول مؤلفها واهتماماته، وتدل على برنامجه العلمي، وترسم صورة ناصعة لشخصيته الثقافية ولمختلف الروافد التي ساهمت في تكوينه. فهذا العمل التأليفي هو جزء من مشروع علمي كبير اضطلع به الأديب الناصري لخدمة تراث المغاربة، وللتعريف برجالات العلم والأدب والتصوف الذين استوطنوا البوادي والحواضر، ولازموا الزوايا والمساجد والخلوات. ولهذا أعتبر هذه الرحلة إضافة نوعية في المشروع التوثيقي والتأريخي للمكي الناصري، ألقت الضوء على الكثير من المواقع العلمية والأسماء الثقافية التي أهملتها كتب التاريخ والتراجم.

- تضم الرياحين الوردية العديد من الرسائل التنبيهية والنقدية الهامة والتي تعكس حساسية صاحبها، وتدل على وعيه بواقعه القائم والممكن، وتؤشر لمدى تفاعله الإيجابي مع الظواهر الثقافية والاجتماعية والدينية. حيث نجد الناصري يمارس النقد السياسي والاجتماعي والديني، ويوجه خطابات لاذعة للمنحرفين من الصوفية، ويستنكر ما اعترى الجسم الصوفي من بدع وضلالات شوّهت صورته السنية الأصيلة التي تربى عليها في زاويته. كما نجده يستنكر مستوى التردي الثقافي والانحطاط الفكري في واقعه، ويرسم صورة بائسة للبنية الذهنية السائدة في بعض المجتمعات التي يسود فيها الجمود الثقافي ويهيمن التحجر على عقول الناس، ويسيطر الانحراف العقدي والسلوكي وكل مظاهر التخلف.  

 

د.محمد شداد الحراق

.........................ز

هوامش

1- مثل: شوقي ضيف:الرحلات، وعثمان موافي:لون من أدب الرحلات.وحسين محمد فهيم:أدب الرحلات.وجورج غريب:أدب الرحلة وتاريخه وأعلامه.وفؤاد قنديل:أدب الرحلة في التراث العربي.

2- أنظر دراسة ،عبد الرحيم المودن:أدبية الرحلة،دار الثقافة،1996.

3- عبد الرحيم المودن:رحلة أدبية أم أدبية الرحلة.

4- تحتفظ الخزانة المغربية بنسختين خطيتين من هذه الرحلة ، هما :

1 / ـ نسخة المكتبة الوطنية : 1864 / د، أول مجموع، وهي النسخة التي كتبها المؤلف نفسه، وتحمل خطه، ولاشك أنها كتبت عقب إنجازه لرحلته عمليا. والظاهر أن مجموع 1864/د، هو عبارة عن كناشة خاصة لمحمد المكي، تتضمن كتابيه: البرق الماطر والرياحين الوردية وطائفة من أشعاره ومقيداته. تبتدئ الرحلة من الصفحة : (5)، وتنتهي بـ ص : (147) وهي من الحجم المتوسط.

2 / ـ نسخة المكتبة الوطنية: 88 / ج، أول مجموع، وتاريخ نسخها هو 17 ربيع الثاني (1345)، واسم ناسخها هو محمد بن عبد الله المراكشي وتبتدئ من ص (1) وتنتهي بـ ص (83)، من الحجم الكبير.

وقد كان تحقيق هذه الر حلة محور أطروحة جامعية بعنوان : الرياحين الوردية في الرحلة المراكشية: محمد المكي بن موسى الناصري دراسة وتحقيق: بشرى وجيت،كلية الآداب: الرباط 2013

5 - تنظر ترجمته في :أبو القاسم العميري ،فهرسة العميري مخ خ الحسنية 560،ص:99. محمد بن عبد الله الخليفتي الدرة الجليلة في محاسن الخليفة.. تحقيق :أحمد عمالك ،رسالة جامعية مرقونة كلية الآداب ،الرباط ص:174. ابن إبراهيم، الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام ترجمة رقم:750،ج6/65-97.محمد شداد الحراق: محمد المكي بن ناصر الدرعي: تراثه العلمي والأدبي..تصنيف ودراسة:رسالة جامعية مرقونة ،كلية الآداب ،تطوان.1998.الأسرة العلمية الناصرية في خدمة تراث البادية، الفصل الأول دار الوطن للطباعة والنشر الرباط 2015

6 ـ لا تحتفظ الخزانة المغربية إلا بثماني رحلات داخلية.

7 ـ مقدمة تحقيق رحلة "الإكسيرفي فكاك الأسير"، لابن عثمان المكناسي،تحقيق محمد الفاسي،منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي الرباط 1965 ، ص : (د).

8 - انظر :الناصري،محمد المكي، الروض الزاهر في التعريف بابن حسين وأتباعه الأكابر،مخ خ الحسنية 11861/ز ، ص : 196.  

 

ذاكرة المكان في نص "مرت بجانبي"

ahmad alshekhawiمن رخويات الكلام ألا تنافس الفكرة في عدا ما يقدمها مغلفة بالمعنى القريب جدا من الأذهان، لا أقول العصي، بل المتمنع وزئبقي المنال لكنه في الوقت ذاته،يمتلك قابلية الاشتعال ليثمل الجوارح والذائقة ويغذي وينير العقل، لدى أدنى احتكاك تأويلي يروم استنباط الشعرية الكامنة وقد هذبها اختمار التجربة وعتّقها الوعي العميق بالمعاناة.

حين يمتزج الدم بالفعل الإبداعي ويزبد وجع المكان حدّ التمكين للذات من شتى ألوان التحول في توا شجه مع الطقوس الخاضعة لهيمنة ذاكرة المكان.

هي فذلكة تنزلق بالمتلقي إلى مقاربة صوت نسوي مغربي واعد،ألفت صاحبته أن تتحفنا بسهلها الممتنع وتأسرنا بما يفضح صمتها داخل غرف البوح المتضوع بسحر بلاغة العاطفة الصادقة والحس الإنساني الجياش وبمنظومة ما به تنبض ما ورائيات البياض عموما.

هي كذلك شاعرتنا الرقيقة بثينة هيلالي كريران، وهي تذهب في قليل كلامها المستحوذ على حيز الحماسة الرصينة وغير المندفعة، بالمقدار الصانع من الذات الإبداعية فوق ما يدهش ويميط أقنعة المشهد على هامة إرباكية ذات ميزة وخصوصية تغشى أطوار التلقي وتغدو ظلالا له وذاكرة حية مقيمة في عبور المكان.

 

تحمل الحياة بداخلها..

سيدة لا استطيع القول

أنها جميلة أو العكس

لم أنظر إلى وجهها

و أتملى قامتها

لكن رونق ما تحمل

يتطلع إلي بعينين مغمضتين

عينان لم تعلمهما الحياة

أن لهما أدوارا أخرى

غير النظر والرؤيا..

هذه لوحة مغيبة، هنا لحظة اقتناص تفاصيلها المحيلة على حقول دلالية عدة، التوقيع على لذاذة ما تقترح من صور ومظاهر للألم المكبوت في عناقه الكوني للحلم كبوابة للمضي قدما دونما التفات واهم إلى ما يعطل عجلة إنشاد الأفضل.

عوالم يشي بسيط القول أنها غامضة وتعج بالأسرار، علما أن البصمة فيها لأنثى متمردة على المكان مقتنعة بلازمة تعشقه على حاله الجائر وفق ما يتيح سدّ فراغات مراوغة قد ينفذ من خللها كل زيف.

الظاهرة هنا سيدة مجهولة مهللة بما تحجبه قشور الرؤية وتكتنز به الأغوار الروحية من آي تثري الدستور المفترض التزود منه لمضاهاة تشعب أدوار الحياة في عدم الاكتفاء بما تمليه السذاجة والسطحية وتخطيهما إلى ما يكفل هتك ستار الرؤيا كذلك.

 

مرت بجانبي

في لا مبالاة الغرباء

لكنها تركت في

نفسي أثرا.

غريب بطعم البحر

في مساءات الأيام الماطرة

يجتاحك برائحته النفاذة

وصدق الحركة في أمواجه

بين مد وجزر

يعرف كل واحد منهما

حدوده وموعده

يأتي ويرحل في نعومة

حتى في أشد أوقات الغضب والهياج..

 

وكأن المطلوب بالتمام والكمال دوما، هو ذلكم العبور الذي لا يشبه إلا نفسه،و لا يقيم في غير جغرافية عبور ثان ينعى سابقه وينبعث من الرماد الأول، كشرط أساس مخوّل للذاكرة استئناف انتعاشها ومغالبة سائر نوبات الموت والتلاشي والاضمحلال.

ترك أثر تنسجه عضّات الشعر،بغرائبية وهلامية وتغضّب البحر على شاكلة مغرقة في سرد النقائص النفسية ومسرفة في استدعاء أسباب النسبية.

ذهبت وبقي طيفها..

رافقني ما بقي من النهار

لكني اعتذرت منه

ساعة النوم

فأنا لا أحب الغرباء

في نومي وأحلامي..

ذهب الطيف

و بقي أثره

متشبثا بجدار الذاكرة

في كل لحظة

يتسلقه إلى مكان أعمق..

وإذن... هو المغزى المستمد من قهر الفناء وسلطته وجبروته، والنهاية الحتمية التي لا مناص من ارتشاف مرارتها.

ثيمة العبور يسجله الرفض العلني والمطلق لتنصيب الطيف على المكان مهما اكتسح أعمارنا بنايات أبلغ إيلاما.

كون الأثر الفردوسي على وجه التحديد، يقوي ويزيد من صلابة جدار الذاكرة الشاهدة على تمرّغ الجسد في مستنقعات وجع يتعدد معلنا فشله أمام خلود الروح وإن تجردت من كل ما تملك وتدلّت على جهات العري.

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

الحبوبي بكأسه والجواهري بعريانته للوصول لابن زيدون وولّادته (3)

karem merzaانتصاراً للمرأة العربية: الحلقات الثلاث التي قدمناها هذه ومن قبل - للوصول إلى ابن زيدون وولاّدته، أي من امرئ القيس وفاطمته حتى الجواهري وعريانته كلّها كرمال لعيون الأميرة الولّادة بنت المستكفي ( ت 484 هـ - 1091م) حبيبة الوزير ابن زيدون التي كتبت في طراز جعلته في إحدى عاتقيها:

أنا والله أصلح للمعالـــــي **** وأمشي مشيتي وأتيه تيهاً

أمكن عاشقي من صحن خدي *** وأمنح قبلتي من يشتهيه

هكذا نحن نتذوق الجمال والرقة والإنسانية، ونمثل تراث أمتنا الخالد، ولغتنا الجميلة، لا من تآمر عليها مع الأعداء بلغة السيف والقتل والنهب والاغتصاب، وإننا لبرمصاد !!  

أمّا بعد: سنأخذ متنبي هذا العصر - كما يقال - الجواهري وغزله الفاضح، وتهتكه الواضح، ومجونه المازح،ولم أرَ شاعراً بلغ قمة الصراحة قي تهتكه مثل هذا الرجل الفاضح !!

الحقيقة الجواهري عاصر العالم والثائر والشاعر السيد محمد سعيد الحبوبي خمس عشرة سنة من ولادة الجواهري نفسه (26 تموز 1899م) حتى وفاة السيد الحبوبي في (22 تشرين الثاني 1914م)، وفي هذه السنوات كانت النجف تعجّ وتمجُّ بالانتفاضات والثورات والتحرر الفكري، فالجدال محتدم ما بين المشروطة والمستبدة، والأنكليز على أبواب البصرة، ودخل (مودهم) بغداد، والطليان هجموا على ليبيا، وثار الثوار الليبيون، وعلماء النجف أفتوا بمناصرتهم والوقوف إلى جانب ثورتهم، والروس هجموا على إيران، وأفتى ملا كاظم الخراساني بمحاربتهم، وتهيأ للسفر شخصياً، فمات بشكل غامض ليلة السفر (1911م)، وأتُهِم الروس بتسميمه، فشرع شاعرنا يتشرب نسغ التمرد، والخروج على السالف السائد، ولاسيما سيدنا الحبوبي الذي أخذ شعره - وشعرعشرته المبشرة، وهو من ضمنهم، والشيخ عبد الحسين الجواهري والد جواهرينا منهم - يطفح بالغزل العذري الرقيق، والتشبيب الصارخ العميق، وحتى بالكأس الفارغة كالعقيق، اقرأ كيف يتغزل الحبوبي:

ياغزال الكرخ واوجدي عليك

كاد ســــــري فيـك أن يُنتَهكا

هذه الصهبآء والكـأسُ لديك

وغرامي في هــــواك إحتَنكا

فآسقني كأساً وخُذْ كأساً اليك

فلذيذ ُ العـيش أن نشــــــتركا

إترع الأقــــــداح راحـاً قرقفاً

فلمُاك العذبُ أحلـــى مرشفــا

وُحميا الكــــاس لمّــا صفقَتْ

أخذتْ تجــلى عروســاً بيـدَيه

خلتها فـــي ثغره قَــــد عُتـقتْ

زمناً واعتُصرتْ مـــن وجنتيه

السيد الحبوبي مع كل هذا الغزل، ووصفه للخمر أدق وصف، وأحسن من شاربيه، ولما سئل ؟ أجاب والله ما ذقتها !! جزماً لم يذقها، ولكنها إيحاءات شاعر شاعر، وفوق كل ذلك كان الحبوبي مقداماً جريئاً، وزعيماً دينياً، ومناضلاً عنيداً ضد الاحتلالين (العثماني والإنكليزي) حتى مات شهيداً على محراب صلاته في (معركة الشعيبه).

كان الحبوبي مثلاً أعلى للجواهري، وكذلك تأثر بغزل السيد جعفر الحلي وصهبائه، (توفي 1897 م قبل ولادة الجواهري بعامين) وغزله الرهيب، وصهبائه والعجيب، كل ذلك تأثر به الجواهري، ولكن خلي في بالك قول الحبوبي: (كاد ســــــري فيك أن يُنتَهكا) !! هو ماذا بقى يرحم والديك ؟!! وصف الخمر أكثر ممن شربها من السكارى الماجنين، وحاشا السيد الجليل، هذا هو الشعر، وإلهام الشعراء، ويلومون كاتب هذه السطور كيف يكتب عن الولّادة وعشيقها ابن زيدون !!، انتظروا رجاءً للأفظع من الشيخ الجواهري إبان منتصف عشرينات القرن الفائت، عندما كانت المرأة تلبس ثلاث عباءات !!، وأكرر القول يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره، لأن الخيال يمتزج بالواقع، ولا يوجد خيط رفيع للاتهام والبرهان، فبأي آلاء ربّكما تكذبان !!

ثلاث سنوات قضاها الجواهري في البلاط نظم فيها عشر قصائد مديح أو أكثر في حق صاحب الجلالة الفيصل الأول، وبقت ذكريات هذه السنوات عالقة في ذهنه حتى كلفته 180 صفحة من (ذكرياتي)، الجزء الأول، بل زادها مدحاً للملك حسين أواخر أيام حياته كضريبة حب وولاء للبيت الهاشمي.

جواهرينا طري القلب،رقيق الطبع، كئيب الوجه، حلو العشرة، سريع الغضب، حاد المزاج، علاقته مع النساء معقدة، عندما تطلّ عليه الكاعب الحسناء، يخرّ صريعاً من شدّة الإحساس، وتوهج الغريزة الجنسية العمياء، فيتوسم اللقاء،ليمتع نفسه باللذات كما يشاء، وعلى الدنيا العفاء، وإذا عزّ اللقاء، يتوسل بالرجاء !!:

جَرِّبِيني مِنْ قبل أنْ تَزْدَرِيني ***واذا ما ذَمَّمْتِيني فاهْجُريني

ويقيناً ستندمينَ عَلَى أنَّـ ***** ـــكِ مِنْ قبل كنتِ لمْ تعرفيِني

لاتَقِيسى عَلَى ملامحِ وجهِـــى****وتقاطيعِهِ جمـــيعَ شؤونِي

أنا لى في الحياةِ طبعٌ رقيقٌ**** يتنافَى ولونَ وجهِــيَ الحزينِ

أنا ضدُّ الجمهورِ في العيشِ والتَّفْـ ** ـكيرِ طُرّا وضدُّهُ في الدِّينِ

مَتِّعِيني قبلَ المماتِ فما يُــــدْ *****ـــريكُما بعدَهُ، وما يُدرينــي

اسمحي لي بقبلة تملكيني ****** ودعي لي الخيار في التعيين

قربيني من اللذاذة المسها ****** اريني بداعة التكويــــــــــــن

انزليني الي الحضيض اذا ما شئت ***** او فوق ربوة فضعيني

كل ما في الوجود من عقبات******* عن وصولي اليك لا يثنيني

إحمليني كالطفل بين ذراعيـ *******ــك احتضاناً ومثلــــه دلليني

وإذا ما سُئلت عني فقولــــــي******* ليــس بدعاً إغاثة المسكين

لست اُمّاً لكن بأمثال (هذا) ******* شـــاءت الأمهات أنْ تبتليـــني

(الطميني) إذا مجنت فعمداً *******أتحري المجـــــون كي تلطميني

العشق لا يأتي بالعافية والتوسل، والرجاء، والكلمات الحنونة، هو لقاء نفسي متكامل، يتبلور في لحظة ما عقبى نظرة، ابتسامة، كلمة، لمسة ...، وربما يأتي بالقسوة والرجولة، العنف،والملاحفة الجريئة حتى تستلهم المرأة معايير أخرى،تلتفت إليها وتستكين لها، وتستسلم تماماً لما خلقت إليه، فيدرك الرجل ما مقدار عظمتها، ودورها، وقدسيتها، فينهال عليها حناناً، ورعاية، وفداء، ولكن قصيدة الجواهري عبثية ثعلبية ماكرة، جاءت في عصر لا يمكن له أن يسلك معها إلا بلطم منها وتوسل إليها، وحضن أم يحميه !!! ومن قبله العفريت أبو نؤاس طلب من جارية إغاثة المسكين !!

شاعرنا لم تكن لديه وظيفة صاحب قرار، أو كلمة مسموعة في تسيير شؤون الدولة، وإنما مجرد حاجب يستلم الكتب الواردة، ويبعث بالصادرة، أو يجمع الأخبار من الصحف التي تغمر البلاط، ليقدمها لعلية القوم، وصاحب الجلالة، وكان سعيداً بهذا المنصب، وغاية ما وصل إليه هو مبعوث من البلاط إلى رجال الدين في النجف، وكانت أسرته الجواهرية لها منزلة دينية حوزوية رفيعة .

هذه القصيدة الـ (جربيني)، التي نظمها عام 1929م، وكان المجتمع العراقي حاله حال، ولا سيما الجواهري كان معمماً، و من عائلة دينية كبيره،ووالده وأعمامه من أقطابها، بل من أقطاب النجف الأشرف، أ ثارت القصيدة ضجة كبيرة، وأثار الملك مَن أثار، فبعث عليه وعاتبه عتاباً شديداً، فاستقال الجواهري من منصبه،وغادر البلاط قاسماً بالطارق والنجم الثاقب، ان يعود، ويضحي بألف ألف وظيفة في سبيل أن يعود، وقد عاد بعد ذلك عَوْداً بما لا يقل إن لم يزد على جربيني، فكانت النزغةعام 1930 م (راجع ذكرياتي ج 1 216)، وفي (نزغته)، لا تجد جربيني، وإغاثة المسكيني، والطميني، وبمثل هذا حضن الأمهات تبتليني، بل هجوماً وتهتكاً،وإصراراً وتحدياً، لا يطيل المساومة حتى يصل اللذة والانغماسة،، وعلى اسم الشيطان يأتي على نصيب غنيمته وانتهازه وافتراسه:

لم أُطل سومها وكنت متى****** يعجبني الشيء لا أطيل مكاسه

ثم كانت دعابة.. فمجون ********* فارتخاء.. فلذة.. فانغماسه

وعلي اسم الشيطان دست عضوضاً * ناتيْ الجنبتين، حلو المداسه

لبداً.. تنهل اللبانة مــــــنه *****لا بحزن ضرس.. ولا ذي دهاسه

وكان العبير في ضرم اللـــــذة ********يذكــــــــي بنفحةٍ أنفاسه

كأن الثقل المؤرجح بين الصدر****** والصدر.. يستطيب مراسه

وكأن (البديع) في روعة الأسلوب****** يملي(طباقه) و(جناسـه)

لك في هذه الحياة نصيـــــــــــبٌ ****** أغنمية انتهازه وافتراسه

تارة صاحبي يصفق كأســــــــي ****** وأنا تـــــــارة أصفق كاسه

لا (الحسين الخليع) يبلغ شأونا *****ولا (مسلم) ولا ذو (النواسه)

قال لي صاحبي الظريف وفي ** الكف ارتعاش وفي اللسان انحباسه

أين غادرت (عِمّةً) واحتفاظاً ***** قلت: إني طرحتها في الكُناسه

لا تعليق !! وإذا تريد أنت تعلّق علّق، أنا لا أمسكك، وما لي شغل !!

ثم ماذا ؟!! هذه الدنيا، وهذه سنة الله في خلقه، والتكامل ضرورة حياتية لاستمرارية البقاء، والملهم في لحظات ما قد يخترق الحواجز ليصل إلى الحقيقة، ولو أن الناس تراه ضرباً من الجنون، وهو قال ذلك تصريحاً لا تلميحاً:

ما أشد احتياجة الشاعر الحسّاس يوما لساعة من جنونِ

ماذا تريد من بعد هذا التهتك والغزل المفضوح، والمجون والجنون !! بقت لدينا (عريانته) التي نظمها في سنة 1932 م وتتضمن تصويراً حسياً رهيباً لجسد المرأة ومفاتنها من الصدر حتى الكعاب، كأنما يريد أن يطغي على ابن مدينته الشاعر العربي الشهيرأحمد الصافي النجفي القائل:

يا ليتني برغوثةٌ *** أدخل في ثيابها

ألثمها من رأسها *** لمنتهى كعابها

لكن هذه العموميات لا تشبع غريزة شيخنا الجواهري، انتظراً رجاءً، جاءت على ذهني فكرة !! معقول هؤلاء الشعراء عاصرونا، أو منهم من عاش وعاصر آباءنا وأجدادنا الصلبيين المعاصرين، كم كانوا يعشقون الإنسان ويقدرونه، ويسمون به للسماء حتى وضعوا هذه الخرائد والروائع في حقّه، كم تأملوا في خلق الله، وحسن صنعته، وتمام خلقه هذا هو الإنسان نفسه الذي نقتله اليوم برصاصة طائشة، أو نقطع رأسه بسيف رخيص، أو نغتصب عرضة فعلاً في لحظة هوسٍ وجنون، وننتهب كد عمره، وعرق جبينه في يوم لعين مجرم !!

دعنا - رحمك الله - لنبقى مع الجواهري العظيم، وهذه القصيدة العاهرة التي أخذت كل تلابيب عقله، ولحظات عبقريته، ومشاعر إنسانيته، وأحاسيس غريزته، ليرسم جسد امرأة وأنوثتها في لحظات ملهمة، ويجعل منها تحفة جمال سرمد، وصورة خيال مخلّد، كما خلد من قبل العبقري الخالد ابن الرومي وحيدة المغنية، فإليك - ما تيسر - إياها، والله ما أحلاها :

أنتِ تدرين أنني ذو لُبانَهْ الهوى يستثيرُ فيَّ المَجانَهْ

وقوافيَّ مثلَ حُسنك لمــــا تَتَعرَّينَ حـــــــرّةٌ عُريانة

وإذا الحبُّ ثار فيَّ فلا تَمْنَــــعُ أيُّ احتشـــامة ثوَرَانه

فلماذا تُحاولين بأنْ أعلــنَ ما يُنـــكِرُ الـورى إعــلانه

ولماذا تُهيِّجِين من الشاعِر أغفـــى إحساسُهُ، بركانه

لا تقولي تجهُّمٌ وانقباضٌ بُغَّضا منــــه وجهَــه ولسانه

فهما ثورةٌ على الدهر منّي كجَواد لا يرتضي مَيــــدانه

أنا في مجلسٍ يضمُّكِ نشوانُ ســـــروراً كأنني في حانه

رجفة لا تمسُّ ما بين رفْغَيْكِ وتُبقي الصدرَالجميلَ مكانه

والذراعَينَ كلُّ ريانةٍ فعمــــاءَ تَلْــــقى في فَعمةٍ رَيّــــــانه

والثُدِيَّيْنِ كلُّ رُمانة فرعــــــاءَ تَهـــــــــزا بأُختِها الرُمّانه

عاريا ظهرُك الرشيقُ تحبُ العيـــــــنُ منه اتساقَهُ واتزانه

ما به من نحافةٍ يُستَشَفُّ العظمُ منهــــــا ولا به من سَمانه

وتراه يجيء بين ظُهور الخُرَّدِ الغـــــــيدِ سابقاً أقرانــــــــه

عندما تبسمين فينا فتفترُّ الشـــــــفاهُ اللطــافُ عن أقحُوانه

إذ يحار الراؤون في حُسنك الفتّـــــــانِ بـل في ثيابك الفَتّانه

رُب جسمٍ تُطرى الملاحةُ فيــــــــــه ثم تَعدوه مُطرياً فُستانه

ليت شعري ما السرُّفي إن بدت للعَين جَهراً أعضاؤُكِ الحُسّانه

واختفى عضْوُك الذي مازَه الله عـــــــــلى كل ما لديك وزانه

الذي نال حُظوةً حُرِم الانســـــــــــــــانُ منها خُصَّت الإنسانه

وتمنّى على الطبيعة شَكلا هو مـــــــــــن خير ما يكونُ فكانه

جسمُك الغضُ مَنطقٌ يدحَض الحجّة لو لـــــم تُسَتِّري بُرهانه

ملءَ عيني رأيت منكِ مع الأخـــــــــرى غرامَ البَناتِ يا فتّانه

رشفةٌ قد حُرمْتُها منك باتت عند غـــــيري رخيصةً مُستَهانه

معها " بعتِ " خفةً ومُجونا ومعي " بِعتِ " عفّـــةً ورزَانه

لو كإتيان هذه لك آتي رجـــــــــــــــــــــــــــلاً لم تحبِّذي إتيانه

أتُريدين أن أقولَ لمن لـــــــــــــــــــــم يدر ما بينكُنَّ من إدمانه

فتيات الهوى استبحن مـــــــــــــــــن اللذات ما لم يُبِحنَه فتيانه

أعروسان في مكان وعِرِّيســــــــــــــــانِ كلٌ منهم يُخَلَّى وشانه

اللهم أنت جميل تحب الجمال، وهذا خلقك، وهذه سنتك، فمن لا يتلمس الجمال ويقدّسه، لا يفقه الإنسان ومعجزة إبداعه، ولا يتفهم معنى الإنسانية ويقدسها، وبالتالي لا يقدّس الله، وكافر بنعمته، اللهم أشهد !!!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

تشكيل المشهد الاسطوري في الشعر العراقي الحديث

sadam alasadiاجد من نافلة القول ان اعرف الاسطورة (سرد قصصي مشوه للأحداث التاريخية، تعمد اليه المخيلة الشعبية فتبتدع الحكايات الدينية والقومية والفلسفية لتثير انتباه الجمهور، والاسطورة تعتمد عادة تقاليد العامة واحداثهم وحكاياتهم فتتخذ منها عنصرا اوليا ينمو مع الزمن بإضافات جديدة، حسب الرواة والبلدان، فتصبح غنية بالأخيلة والاحداث و العقد)، وقد تكون الاسطورة من صنع كاتب او شاعر معين ادرك العوامل المثيرة له واطلع على قواعد شعبية فتوسل بأسلوبه الخاص ليضع اسطورة ناجحة تصبح على مرور الزمن من الفولكلور المحلي او التراث الشعبي، ترددها الناس وتتخذها انموذجا للاختصار والاشارة، ولها وظيفة، (تمثيلية وتعليمية، اذ لا يتعدى استعمال الاسطورة كونه اسلوبا لتعمية المراد واخفائه بدلا من ان يكون وسيلة لشحن المعنى بالإمكانات والاسرار)، وقد يتساءل الكثيرون هل الاسطورة وليدة العصر الحديث، وربما لا تعني الاسطورة القديمة اليوم شيئا في نظر الرجل العادي ولا يحس باستجابة لها (و لكن الاسطورة عادت اليوم تحيا من جديد، حتى اصبح الانسان الحديث يرى ان معرفته متبلورة من هذه الاساطير القديمة)، والمعروف لدى الدارسين ان (الاسطورة تعود في نشأتها الى وعي الانسان البدائي العالمة، وقد كانت تكتنفه الاسرار المغلقة والمفاجآت العجيبة فاعتراه شعور الحيرة والدهشة وبلغ حد العجز، فلجأ الى خياله يستعينه في تفسير العوامل والاسباب التي تكمن وراء ظواهر الطبيعة)، ولعل التشكيل الاسطوري للطبيعة كان في مقدمة ذلك الادراك الذي شعر به الانسان وهو يتناول الطبيعة بوصفها زاخرة بالحياة والجدة والباعثة على دهشة طفولية، فلم تكن الطبيعة شيئا ساكنا بل حياة عاملة تفرح وتأسى، لذا استخدمت الطبيعة رموزا وقد استحوذت على اساطير القدماء مركزة على محورين الانفعالي والسحري المتعلقين بدلالات عاطفية تقف على حياة وقداسة وتبتعد عن التجريد ناظرين اليها دالة على القداسة بنظرة دينية صرفة، لذا (احتضنت الرموز الاسطورية عالم الانسان القديم واشبعت رغبته في تصور نشأة الكون وتفسير ظواهر الطبيعة على نحو سحري)، وقد اندمجت الطبيعة بالتشكيل الاسطوري بالألوهية، وقد كان الانسان القديم يفهمها على نحو انساني من حيث انها تفعل وتنفعل وقد تستجيب لرغباته او لا تستجيب، وهكذا تعلق الامر بأسطورة الطبيعة في الثقافة القديمة حيث تحولت الى خصائص جوهرية منها الاعتقاد في ان الحياة منبثة في الكون باسره ولا فرق في ذلك بين حيوان او نبات او حجار .

و منذ ان ادرك الانسان ان الطبيعة لم تعد تفهم لغته او تستجيب لشعائره وطقوسه، اخذ الطابع الاسطوري يضمر شيئا فشيئا، واتجه الانسان الى تفهم الطبيعة من خلال فلسفة تأملية واخرى تجريبية، واتخذ الفن والادب وسيلتين للتعبير عن تلك الاسطورة التي تعد مصدر الهام (فكم بين ايدينا من الاعمال الفنية والشعرية ما هو صياغة جديدة لاسطورة من الاساطير القديمة)، وما دام تراثنا العربي غنيا بالعطاء (لم يقتصر على الجانب الحقيقي او الواقعي، بل حاول ان يبتكر تراثا اسطوريا يوازن بين التراث الحقيقي في دلالاته) .

و هنا يحضرنا قول السياب شاهدا على صحة ما ذكرنا حيث اشار في مقابلة معه وقال (لعلي اول شاعر عربي معاصر بدأ باستعمال الاساطير ليتخذ منها رموزا، كان الدافع السياسي اول ما دفعني الى ذلك، فحين اردت مقاومة الحكم الملكي السعيدي بالشعر، اتخذت من الاساطير التي ما كان زبانية نوري السعيد ليفهمونها – ستارا لاغراضي تلك، كما اني استعملتها للغرض ذاته في عهد قاسم، ففي قصيدتي المسماة (سربروس في بابل) هجوت قاسما ونظامه ابشع هجاء في قصيدتي (مدينة السندباد) وقد علق الدكتور عيسى بلاطة على وظيفة الاسطورة وسمى هذا المفهوم ساذجا والذي نراه ان السياب قد نجح في استعمالها ونشرها بين معاصريه، واجاد في كتابتها بقصائد ناجحة قدمت رؤيا صادقة للحياة المعاصرة تتميز بالعفوية والصميمية والاخلاص، وقد اكد الدكتور عيسى بلاطة ذلك قائلا: (وجد السياب في الاساطير النماذج الازلية التي تجسد امال الانسان ومخاوفه فلاءم بينها وبين حال الانسان الحديث) ، وكان السياب يدرك بان الاساطير قديمة قدم الانسان ولكنه وجد فيها شيئا جديدا يثير عند الشاعر الالفة والدفء ليتخطى بهما العالم الحديث الذي لا يعطيه سوى علاقات متدهورة، والشاعر صاحب الموهبة التي بواسطتها (يخلق اساطيره الخاصة بما فيه من موهبة والهام او قوة تخيلية غير ان هذه القوة لن تعد تأتيه من شيطان او من ربة شعر او من السماء وانما تصدر من قرارة نفسه فذلك هو مركز الاسطورة وذلك هو اللاشعور) .

و ما دام الشعراء اصحاب تجارب ومواقف متنوعة فبواسطة الاسطورة ينقلون تجاربهم، قاصدين اهدافهم المعينة وفهم من يولع بالأسطورة حتى تمتلئ مجموعته الشعرية بالإشارات الكثيرة عنها مثال ذلك ديوان الشاعر عادل البياتي (ظل الفارس النحاسي) و(لو انبأني العراف) للشاعرة لميعة عباس عمارة، وقد عدت قضية الرمز والاسطورة (احدى الانجازات المهمة في القصيدة العراقية الحديثة) وقد ترتبط الاسطورة بالوعي الثقافي للشاعر الذي يركز فيه على قراءة التراث العربي فيستغل بعض الرموز الاسطورية ليلبسها حلة جديدة ويضيف اليها من قدرته وابداعه فيخرجها بألفاظ جديدة ومعاني معبرة يهبان القارئ متعة وفكرا خالصا، وقد اكد الشاعر يوسف الصائغ في رسالته (الشعر الحر في العراق) (ان اندفاع السياب الى الاسطورة جاء لمزاجه الشخصي المنفعل وميله الى الاجواء الغربية الشاذة)، ولعل الصائغ قد وضع حكمه هذا في وقت قريب من رحيل السياب، والا ماذا سيقول على الجيل الذي جاء بعد السياب، واصبحت الاسطورة عنده هما يوميا وتقليدا ثقافيا، كما سماها الدكتور محسن اطميش (الحمى الاسطورية)، ويراها الدكتور عبد الرضا علي (وسيلة لسد الفراغ)، ونرى هذا الرأي غير منصف للسياب فالأسطورة نغمة صدح بها الشعر العربي منذ السياب الى يومنا هذا وهي تحمل اسبابها التي دعت الشعراء الى هذا التوجه الاسطوري، ومن بين تلك الاسباب التظاهر بالثقافة والتدليل على سعة المعرفة، وتعد الاسطورة ايضا (فضيلة تميز الشاعر عن اقرانه)، زد على ذلك ما تأثر به الشعراء من ثقافة غريبة وافدة مع درايتهم بان (ادباء العالم من حوله قد تجاوزوا منطقة الاسطورة القديمة وما ينبثق عنها من رموز واخذوا ينادون بضرورة توجه الاديب الى عالمه الخاص ليخلق منه اسطورته) وكذلك لمواكبة التجديد ورد فعل للواقع المعاصر وخلق جسر بين الامس واليوم وهي (خيال خلاق تدل على امتلاك الشاعر للعنصر الغنائي وقدرته على صنع الاسطورة)، وان العنصر المهم في خلق الاساطير هو السعي للبحث عن السعادة ورفض التناقض الاجتماعي وهذا ما وجدناه في حديث السياب المار ذكره، وربما يؤدي التناقض لمعكوس مقبول مثلما اكتشف (دونييه) في اسطورته ان الموت في الحب وقد اشار ميخائيل امطانيوس قائلا: (في تجربة الانعزال الحضاري يلتقي الواقع بالأسطورة، والمعقول بالامعقول وتنفتح صحراء الرفض المتعالي في اقصى لحظات اليأس والتمزق لتجسيم صيرورة الايقاع المتوحد من خلال غنائية شفافة تنعطف على مناخات العقل البدائي واشياء العالم العفوية الصامتة والمتحركة)، لذا الح الشاعر العراقي على الرمز كتعبير فني وليس اخفاءاً وسترا لبعض المعاني، كما اراد السياب، وقد خلق الشاعر رموزه الخاصة بدلالات متنوعة وكثيرة ترتبط بالتاريخ والواقع مزواجا بينهما مستفيدا من بث الوعي من خلالهما وهو يسعى جاهدا لرسم مشهده الاسطوري بتشكيلات وانماط متنوعة ضمن منهج اسطوري (يجعل للشعر طابعا مميزا في باب المعارف الانسانية يميزه عن الفلسفة وعن العلوم التجريبية ويجعله شعرا) .

و قد يكون الرمز الاسطوري واحدا من اساليب او وسائل نباء الصورة الشعرية، بل اهم وسيلة فيها مع الرمز والتشبيه والوصف وتبادل المدركات الحسية، وبعد هذا التمهيد الموجز لابد وان نعرج على دراسة التشكيلات الاسطورية التي نود ان نقسمها الى قسمين

1- القسم الاول: تشكيلات اسطورية تحمل رموزها، مشيرة الى الذكور اولا، والاناث ثانيا ودلالة كل منهما ثم رموز الطبيعة والقبائل وكيف تفاعل معها الشعراء .

2- القسم الثاني: تشكيلات اسطورية تحمل عنصرا بنائيا لا يشير الى الاسطورة مباشرة .

 

القسم الاول:

أ‌- (رموز الذكور) الغربية .

1- تموز: دموز، ادونيس، من الرموز التي افاد منها الشعراء، وهو اله الخصب والنماء، ورمز الانبعاث من جديد، وقد ارتداه السياب قناعا قائلا:

و حين تنفست عند انحسار الليل عشتار

تنفض جرح تموز المدمى تغسل التربا

و جاءت قصائده تحمل عناوين تؤكد هذا الرمز منها، (تموز جيكور) وفيها تقمص السياب شخصية الاله البابلي تموز، ليحيل الاسطورة الى قضية معاصرة، كما اكد الباحث الثامري (و بذلك فان تموز جيكور يكون هو سياب جيكور وموت تموز وبعثه هو موت السياب وبعثه وظلت مفردة اسطورة، اساطير تتردد في شعر السياب دون مسميات فالقصيدة الاولى الخاصة بالأسطورة كتبها في 24/3/1948 سماها (اساطير) قال فيها السياب:

 

اساطير من حشرجات الزمان

نسيج اليد العالية

و يأتي تموز رمزا للخصب في قول الشاعر محمد جميل شلش:

تموز يا اله الخصب يا ينبوع فني

لك يا تموز يا شهر الشهور

و في غنائية الشاعر عبد المنعم الجادر لشط العرب والخليج العربي، يتخذ من تموز حاضرا يبشر بالمستقبل ...

يا عذارانا على صدر الخليج العربي

ان تموز لات

حلما اخضر ريان الروافد

2- الرمز الاسطوري سيزيف: ينسب اليه المحال والقوة وقد يختصر اسمه الشعراء (سيف) وكان الشاعر رشدي العامل من اكثر الشعراء تأكيدا على هذا الرمز، فعندما يسقط سيزيف يكون كل شيء قد رحل معه الى الابد

الموت خدرناه يا سيزيف فاعبر دون قبره

الموت قطرناه يا سيزيف في شفتيك خمرا

سيزيف قمطناك مولودا

و ارضعناك طفلا

و عندما يرفع سيزيف الصخرة وحيدا قال رشدي بالقصيدة نفسها :

شفتاك يا سيزيف بركان فكن للصخر ربا

كفاك يا سيزيف اشرعة تلوح في البحار

فاعبر الينا ليلنا المسحوق يحلم بالنهار

ان الشاعر يستنجد ويستغيث بسيزيف، لذا يريد منه ان يمنحه طفولته وابوته:

سيزيف ما انبلك

ما اظلم الدني وما اعدلك

سيزيف هبني ابا يضمني في المساء

سيزيف هبني وجه امي ميتا في العراء

سيزيف يا سيزيف هنا صمتك الابدي

و اكد الشاعر محمد جميل شلش على سيزيف قائلا:

ما اروع الانسان يرفع للعلاء

في صراعه الرهيب صخرة سيزيف

و قال ايضا:

ايها الشعب الذي يرفع للقمة

سيزيف الدماء الرافعة

ايها الصامد كالبحر بوجه العاصفة

و رمز الشاعر الى حزب البعث واصفا قوته كقوة سيزيف، والحزب قد غير الواقع العربي الى واقع جديد، انظر قوله:

يزرع الفجر على افاقنا

يبدع سيزيف جديدا

يقذف الشعب الى نهر المجرة

قدرا يسخر بالاقدار

بالموت يغني يالصخرة

كورت شمسا وتاريخا وفكرة

فهي في اعماق سيزيف بلادي

منجم يعمر صدره

و دم يذكي دم الاجيال ثورة

و رأى الشاعر راضي السيفي صورة سيزيف في السياب المتحدي وهو يحمل صخرته القصيدة بثقلها وقوتها ويصبح مجددا في عصره:

فهو سيزيف مزقت كتفيه وامانيه صخرة الاندحار

3- الرمز الاسطوري عوليس: لقد اخرج السياب هذا الرمز من دلالته القديمة الدالة على الجواب والمغترب واكسبها دلالة جديدة (المنقذ) وهنا يكمن اثر التشكيل الجديد للمشهد الاسطوري، فيلتقي الشاعر ببطله ويحاول ان يثير فيه همته ويحرضه على المغامرة

قال السياب:

هلم فماء شيني بانتظارك يحبس الانفاس

هلم فان وحشا فيه يحلم فيك دون الناس

و يخشى ان تفجر عينه الحمراء بالظلم

و ان كنوزه العذراء تسأل عن شراعك

خافق النسيم

و اشار الشاعر محفوظ داود سليمان في قصيدة (اسطورة) الى عوليس قائلا:

اين عوليس والزوارق غضبى ونداء المعاد للشطآن

4- الرمز الاسطوري بروميثيوس: وهو اله النار عند اليونان جبل من التراب، منحه انانا روحا اختطفها من الصاعقة فأثار السماء، فامر زفس ان يسمر على جبل القفقاس فيقتات عقاب من كبده، وكلما اكل منها تجددت، وقد حرره هرقل، قال الشاعر محمد جميل شلش مشيرا الى مشعل بروميثيوس:

صخرة سيزيف ومصباح ديوجين

و مشعل بروميثيوس صانع اللهب

و للشاعر عبد الامير الحصري في قصيدته (هجر القرار) دعوات تصاعدت للرمز الاسطوري قال:

دعوات تصاعدت لبروميثيوس حزنى من قبل مليون عام

لا صلاة الكهان تشبع بالطاعة للريح شهوة الانتقام

5- الرمز الاسطوري ديوجين: فيلسوف اليونان (327 ق م) احتقر الغنى والتقاليد والناس، قضى حياته في برميل، خرج يوما في منتصف النهار يحمل قنديلا وقال (انني ابحث عن رجل) وقد اشار الشاعر محمد جميل شلش اليه قائلا:

الى اخواني الشعراء

يا يدا ترفع مصباح ديوجين شعار

6- الرمز الاسطوري اوديسيوس: قال فيه السياب غاضبا من زوجه:

و لولا زوجتي ومزاجها الفوار لم تنهد اعصابي

و لم ترتد مثل الخيط رجلي دونما قوة

و لم يرتج ظهري فهو يسحبني الى هوه

و لا فارقت احبابي

و لا خلفت اوديسيوس يضرب في دجى الغاب

و تقذفه البحار الى سواها دونما مرسى

و قال الشاعر عباس الحساني ممثلا السياب بشخصيته اوديسيوس الغائب:

اليك يا جيكور اوديسيوس عاد

في رحلة طويلة الاماد

مخضب القدمين من شوك الهرم

و يحمل القربان يعركه الالم

7- الرمز الاسطوري هرقل: ليس من المعقول ان يكون هناك تفسير واحد لأسطورة هرقل التي حظيت باهتمام الكتاب والشعراء والفلاسفة منذ اقدم العصور الى يومنا هذا واتخذت كل مرة مفهوما جديدا يتلاءم مع قيم اهل هذا العصر او ذاك، وقد اشار الباحث د. احمد عثمان (ان اسطورة هيراقلس قد احتلت في نصوص ادب القرن العشرين الاوربي المكانة التي احتلتها اسطورة اوديب في نصوص القرن التاسع عشر) وقد وجدنا بان هيراكلس يعني (مجد هيرا) وقد طرد من مكان مقدس لدى هيرا واستبعد من طقس يقام لهذه الالهة، وهناك من يرى العكس (ان هيراقلس هو الذي اقام معبد هيرا في مدينة اسبارطة وكان هذا البطل يدعى ان زيوس) وهناك من يرى ان هيراقلس صورة مذكرة للربة هيرا وهو زوجها، وكان هيراقلس الها للحرب يتطلع الى عونه كل من يتوجه الى الحماس والشجاعة، وقد جاء في قصائد الشعراء العراقيين رمزا للقوة والتحدي .

8- الرمز الاسطوري نوروز: جاء في قصيدة الشاعرة لميعة عباس عمارة، مشيرة الى عيد الاكراد في مدية اربيل احدى محافظات العراق:

نوروز الراعي

و خراف بيض تسرح في الوديان

و باقيا ثلج فوق (سري رش) وحاجي عمران

و قالت الشاعرة لميعة عباس عمارة في ديوانها عراقية:

نوروز رش خضرة الحقول

على جبين الثلج والماء

فاورق الضياء

قال الشاعر راضي مهدي السعيد في رمز نوروز

احملي اجنحتي فوق مطاوي النورسي اشهد نوروز يصلي

 

القسم الاول

ب/ رموز الذكور العربية

1- الرمز الاسطوري العربي شهريار: وهو بطل حكايات الف ليلة وليلة وفارس شهرزاد التي قصت عليه الف حكاية الى ان ولدت له ابنا ولم يقتلها كما اعتاد على قتل النساء قبل شهرزاد .

و قد جاء صوت السياب مدويا مدافعا عن شهريار الملك المتعب المرهق وهو يريد نفسه قائلا:

عند الغروب

هو الخريف ونحن نسمر حول النار

و كمستفيق في العراء

من حكمة

هو شهريار وتلمس الكف الخواء

اما الشاعر شاذل طاقة فينحاز كثيرا للملك شهريار يصفه متعبا وقد اسقط الشخصية على نفسه:

متعب متعب شهريارك فابتعدي

ودعيه ينام

ولتكن هذه ليلة الصمت ان مباح الكلام

ويرفض الشاعر طاقة تلك السعادة المزعومة التي امتلكها شهريار وهو يلبس نفسه هذا القناع قائلا:

كذبوا كذبوا

ليس في الليل من شهريار سعيد .

بل يرفض الملك وشهرزاد معه قائلا:

ما انا شهرزاد ولا طيفها

لا ولا طفلة من حفيداتها

ايها المتعب المشتثار

لست ذيالك الشهريار

و للشاعر رزوق فرج رزوق حكاية مع عاشقة الشمس (البصرة) يتطرق فيها الى شهريار قائلا:

و انت يا عاشقة الشمس

يا قصة لم ترويها شهرزاد

لشهريار وليالي السهاد

عبر الليالي الالف بالامس

2- الرمز الاسطوري العربي السندباد البحري: رمز يعبر عنه الشعراء في قصائدهم واصفين رحلته القاسية تلك الرحلة التي تحمل رؤيا حضارية مثقلة انساني هو الابحار من اجل حضارة مصابة بالعقم، وان هم الانسان القديم كشف المجهول، وقد استخدم السياب شخصية السندباد رمزا وكناية عن الثوري الذي يجوب الافاق وهو شخصية بغدادية انطلق برحلاته من البصرة الى جزر نائية وكان البحر مسرح احداث ومخاطرات السندباد الباحث عن التطلع والرافض للصمت، وربما يعتقد بعضهم ان السندباد شخصية عالمية لا تخص العراق وقد ارتبطت تلك الشخصية خاصة بالبصرة قديما حتى سميت جزيرة في البصرة باسمه (جزيرة السندباد) وكان السياب واحدا من الشعراء الذين اسقطوا على انفسهم السندباد قناعا وقد اكد تلك الشخصية مرارا، اذ قال في احدى قصائده:

يا سندباد اما تعود

كاد الشباب يزول تنطفيء الزنابق

في الخدود

فمن هو الذي زال شبابه، اليس السياب نفسه؟ وللشاعر سعدي يوسف حكاية مع السندباد اذ ازاح الثلج عن تلك الصخرة التي اقتحم بابها فرأى الافعى انها اشارة الى كلكامش وبحثه عن الخلود، انها حكاية ينسجها الشاعر سعدي واصفا نفسه مغتربا كالسندباد يبحث عن الطموح قائلا:

حين ازاح السندباد الثلج عن بوابة الحجرة

و اضطربت كفاه وهو يغني موقظا اقفالها العشرة

و اقتحم الباب وصلى لمحت عيناه

افعى بلا عينين تلتف على زهرة

و لشدة اعجاب الشاعر مؤيد عبد الواحد بالسندباد سمى ديوانه (مرفأ السندباد) الذي تضمن قصائد ذاتية، وللشاعر ابراهيم الوائلي قصيدة عن السندباد ومخاطراته وهو يستقل الريح ويستاف حب الرمل ويتيه مشردا ولكنه يبقى رمزا للتحدي وسحق المصاعب فقد وصف الوائلي السندباد:

و السندباد وهل عرفت مصيره في غمرة الاسفار والهبوات

جواب افاق بعيد مطامح دامى الشراع مخضب المرساة

و لكم تحطم بالصخور سفينة فمضى يشق مجاهل الفلوات

و للشاعر راضي السيفي تساؤلات عن السندباد وهو يطلب من البصرة ان تجيبه على سؤاله، ما الذي حصل للسندباد وكان يلقي بقناعه على السياب:

حدثيني عن سندبادك كم جاب بلادا وكم طوى من بحار

و قد جاء السندباد رمزا في قصيدة (العودة من البحر) للشاعر كاظم نعمة التميمي:

بوجه البحر ان سفينة التعب

تهددها بحار الحلم مثقلة مراسيها

و فوق شراعها وعمود صاريها

يشيخ السندباد يجف من سغب

و جمع الشاعر محمد جميل شلش بين شهرزاد والسندباد رمزين عربيين قال:

المح في بغداد

زنودكم تحطم الاصفاد

المحها توقظ في عالمنا المعذب الفؤاد

احلام شهرزاد، احلام سندباد

و نرى الشاعر تركي الحميري يائسا من عودة السندباد ومن المحال ان يعود يوما اذ قال:

ربما يصبح كل الناس من غير عيون

و جنون ورماد

لم يعد في الارض هذي سندباد

اما الشاعر محفوظ داود سليمان قد وصف نفسه بالسندباد الذي يحمل لاميرته المنتظرة ما تريد قائلا:

يا اميرة

اه لو كومة فخار صغيرة

فانا فارسك الظمآن والعتمة زادي

احمل المرجان واللؤلؤ مثل السندباد

و يصرح الشاعر شاذل طاقة بان شهرزاد قد احرقت نفسها حين لم يعد سندبادها قائلا:

ام ترى احرقت نفسها شهرزاد

حين لم يعد سندباد

بل هو الفجر من بعد ليل طويل

كاحزان امي وصبابات عشقنا

جاء يحمله في سفينته السندباد

و يرى الشاعر شفيق الكمالي في قصيدته (اغنية الى بغداد) ان السندباد ما زال ممزق الشراع اذ قال:

السندباد لم يزل يجوب في البحار

ممزق الشراع

يسائل الطيور عنك والرياح

و البياتي يخاطب سندباده طالبا عدم ايقاظ جروحه:

و انا يا سندبادي

متعب قلبي عزوف

اه لا توقظ جراحاتي

و دعني حول امواتي اطوف

3- الرمز الاسطوري العربي سطيح: الكاهن الذي كان منسطحا على الارض لا يقدر على القيام والقعود وكان من كهنة العرب المعمرين وهو رمز للقعيد معدم الحركة، اشار الشاعر شاذل طاقة الى ذلك الوليد الغريب الذي اخذ نطفته من رجل مسلول من رحم انثى الغول، قال:

سطيح يا سطيح

يا نطفة من رجل مسلول

في رحم انثى الغول

جئناك نشكو همنا الوبيلا

فاقرأ سطور الريح

و اكشف لنا المصير والمجهولا

4- الرمز الاسطوري العربي حصيب الرومي: الذي حلم بالنار القادمة من اخر العالم لتحرق دجلة وكان علامة دالة على الشر، وقد اشار الى ذلك الرمز الشاعر حميد سعيد في قصيدته (مقاطع التاريخ الهجري) وقد قدم في مقطعه الشعري عن خبر نقله ابن الجوزي في احد فصول كتابه (السفين والمزمار) باب الخصبين:

و اما حلم حصيب الرومي

تأتي نار من اطراف العالم

تحرق دجلة

حينئذ تتفتت اجزاء الدولة

و يلي ذلك عام حداد

يلعق جنس اصفر فيه ثديي بغداد

5- الرمز الاسطوري العربي عازر: وهو من رموز السياب العربي الذي يعاني من الام الانبعاث المشوه بعد ان يعطي عليه تغيير الواقع المتهرئ قال:

عيناه في الظلام تسربان كالسفين

باي حقل تحلمان، ايما نهر

بصورة الاب الكسيح بقراره الضريح

اميت فيهتف المسيح

من بعد ان يزحزح الحجر

هلم يا عزر

 

القسم الثاني: رموز الاناث الغربية:

تقف المرأة بين عوالم هذه الرموز الهة معبودة او خادمة معبد مقدس تمنح كل ما تملك من مال وجسد بغية ارضاء الاله الاكبر، بعدما كانت تقترن في ادب ايام العرب بالناقة والجمل والفرس وجميعها ترمز الى الفناء الابدي للبشرية، فالمرأة الاولى عاشت تحت حماية الرجل مثقلة بمتاعب الجنين لا تتبرم بخضوعها، لان الرجل القديم كان شبيها بالحيوان لا يضطهد المرأة ولا يعذبها الا متى فكر في اختطافها وحيازتها لنفسه، وتغير هذا بحكم تحضر الحياة وتغير الاعراف والتقاليد، واذ كان الحب والجمال متلازمين عند العرب وهما مصدران لفضائل كثيرة توحي بها المرأة (و لم يكن هذا شأنه عند اليونان مثلا، اذ الحب كعاطفة لم يكن يظهر عندهم ولا تتغنى به شعرائهم، فشعر هوميروس خال منه، صحيح ان هيلين كانت السبب المباشر لحرب طروادة ولكن هذه الحروب ما ثارت حبا بهيلين نفسها، فاليونان لم يحاربوا من اجل اكرامها بل حاربوا حبا للغلبة ورغبة في الانتصار)، لذا فاليونانيون لا يعرفون الحب كعاطفة وكذلك الرومان لم نجد في اشعارهم ما نسميه (بفن الحب) ومع ذلك فان رموزهم الاسطوريه عن المرأة كانت اكثر من رموز العرب لذا تواردت الاجيال من الموروث الغربي تلك الرموز دالة على شهرتها وتواردها في مساحة كبيرة في الادب .

و من الرموز التي توارثت في الشعر العراقي:

1- عشتروت: وهي البعلة معبودة الفينيقيين الالهة الام ربة الحب والخصب والحرب التي امتدت عبادتها من اوغاريت الى المدن الفينيقية الاخرى والى فلسطين وقد جاء هذا الرمز ديوانا للشاعر رشدي العامل بعنوان (اغاني عشتروت عام 1951م) قال فيه:

عشتروت

اغنيتي في خفوت

تطوي الدجى والقفار

هناك في لا قرار

تسير حيث السكون

و قد لحقه الشاعر البياتي متأثرا بما قاله رشدي في رمزه هذا، فقال:

عشتروت

ربيعنا لن يموت

ما دام عبر البحار

امرأة تنتظر

يا حبها المحتضر

و اعتمد الشاعر عبد القادر رشيد الناصري على رمز عشتروت التي عرفت بانها ملكة السماء، وفي منظور الشاعر ان عشتروت ليست الهة خصب وانما هي طريق الخلاص من الظلام الذي يعاني منه الشاعر في قوله:

خذيني واجعلي مني صليبا لأحيا فوق صدرك ان بليت

خلقت من التراب وانت نور فاسألك السنا يا عشتروت

2- عشتار: الهبة الحرب والحب لدى سكان ما بين النهرين، ابنة انو وهي رديفة عشتروت وافروديت عند اليونان والرومان، ما زالت هياكلها في اورك واشور وهي نجمة الصباح والمساء، قال الشاعر البياتي في قصيدته (العودة من بابل):

بابل تحت قدم الزمان

تنتظر البعث، فيا عشتار قومي املأي الجرار

و بللي شفاه هذا الاسد الجريح

لكنما عشتار

ظلت على الجدار مقطوعة اليدين

يعلو وجهها التراب

و الصمت والاعشاب

ايتها الحبيبة، عودي الى الاسطورة

فكما نلاحظ ان الشاعر يرفض بقاء عشتار مصلوبة في هذا الهيكل الذي لا يساوي قيمتها الحقيقية فيطلب منها ان ترجع الى اسطورتها الحقيقية اما الشاعرة لميعة عباس عمارة حين تخاطب فارسها نوروز تخبره عن عشتار الاميرة التي احبت جميع الرعاة في قلعة اربيل:

كل رعاتك تهواهم عشتار

يا قلعة اربيل ومعبد عشتار

اليوم يقوم من الاعماق ربيعا تموز

3- الاسطورة انانا: وهي ملكة الحب والضياء والبركة، جاءت في قصيدة الشاعر عادل البياتي رمزا للخير لكنها بخلت ان تعطيه خبزا:

انانا ملكة السماء

الهة الحب والحياة والضياء

اكلت خبزها

و طرت في سماء اور باكيا

و سرت في صحبة ابراهيم

من قلب فلسطين مهاجرا

و عدت لا خبز (نانا) في ربوع وطني

4- ميدوزا: وهي الاسطورة اليونانية التي قيل عنها، انها تحيل من تقع عليه عيناها صخرا، وقد اعجب بها الشعراء العراقيون رمزا اسطوريا، فالشاعر زهير غازي زاهد قال:

الا يا روضة الاحلام فيك الحسن حيانا

و هز الحلم شادية فغنى فيك نشوانا

فما للنظر الواشي تنزى فيك غضبانا

اشعت عين ميدوزا على افاق دنيانا

و للشاعر عبد الامير الموسوي في ديوانه (المرفأ الازرق) وصف لعيون ميدوزا قال

يا عين ميدوزا اتورق بسمة مثل الصباح فتلتوي بلقاك

5- فينوس: الهة الجمال والحب عند الرومان، تقابلها افروديت عند اليونان، وعشتروت عند الفينيقيين قال فيها الشاعر محفوظ داود سليمان:

اين فينوس والعذارى عرايا خالعات غلائل الاردان

و من الرموز العربية الخاصة بأعلام الاناث:

1- زرقاء اليمامة: وهي فتاة الحي المعروفة بشدة بصرها في المسافات البعيدة، قال فيها الشاعر عبد الامير الحصري:

و كل ارهاف سمع في نقائهما طاف اعين فتاة الحي اذناك

2- شهرزاد: وهي بطلة شهريار في الف ليلة وليلة العربية التي امتلكت القدرة على الحديث وسعة الاطلاع وسرد القصص الطوال حفاظا على نفسها من القتل الذي لابد منه من قبل الملك، وقد انتصرت عليه اخرا وانقذت نفسها ووليدها من الموت، قال فيها الشاعر رشدي العامل:

شهرزاد، اغنية تستعاد

ترجيع انغامها، يرف في كل واد

شهرزاد هات اغاني الفؤاد

و رجعي سحرها الحان تلك البلاد

شهرزاد الليل سحر الفؤاد

3- سلفا وهي المدينة التي ترمز للمسيح المزور .

4- سونيا: وهي اسطورة منقولة من اغاني السندباد البحري، جاء ذكرها في قصيدة عبد الوهاب البياتي (سونيا والاسطورة):

و يظل في ليل المصح الاخرون

بلا دموع يذبلون

على فراش من رماد

تظل سونيا في اغاني السندباد

اسطورة تروى واغنية تعاد .

3- رموز الطبيعة: لقد كان فهم الانسان القديم للطبيعة فهما ذاتيا وقد تصورها على نحو انساني، بعد ان تصور نشأة الكون وفسر ظواهر الطبيعة على نحو سحري، ومن هنا استحوذت الطبيعة على اساطير القدماء مركزة على محورين كما مر ذكرهما، الانفعالي والسحري، ومن اهم تلك الرموز:

1- ارم ذات العماد: ارم مدينة اسطورية وهي رمز لعالم تخيله الشاعر كي يثير به المتلقي ليلتمس ضفاف تلك الجنة الاسطورية التي يقال انها بنيت من الذهب والؤلؤ ثم اختفت، فاذا كانت ارم المدينة قد ارتبطت مادية فان ارم الشاعر هي جنة الخيال التي تفوق ارم الاسطورية، وعند السياب تكاد ان تكون ارم، رمزا اسطوريا كاملا قد وظفه السياب في حديثه عن شداد بن عاد الذي بنى جنة لينافس بها جنة الله وهي ارم، وحين اهلك الله قوم عاد اختفت ارم وظلت تطوف وهي مستورة في الارض لا يراها الانسان الا مرة في الاربعين عاما وسعيد من انفتح له بابها، قال السياب:

و ليس يرجع الزمان ما مضى

سوى اراها فيكم

فانتم الاريج بعد ذبول زهرتي

فان رأى ارم

و احدكم، فليطرق الباب ولا نم

ارم، في خاطري من ذاكرة الم ..

و قد جاء بعده الشاعر عبد القادر رشيد الناصري وبنى رمزا لجنة الخيال القدير وعالما مسحورا لا تضاهيه جنائن عاد،(و قد تعامل الشاعر مع الرمز تعاملا حيا منسجما مع تجربته ونقل الرمز من مواصفاته المعروفة الى حالة خلق جديد)

قال الشاعر:

يا ابنة الوهم والرؤى والشعور هذه جنة الخيال القدير

اين من سحرها جنائن عاد وفراديس بابل والسدير

ارم لا تقاس وهي اساطير بلذات عالمي المسحور

و كلنا يعلم بان ارم ذات العماد جاء ذكرها في القران الكريم في سورة الفجر وقد صورها الله تعالى ذات عماد لم يخلق مثلها في البلاد واكد البيضاوي في تفسيره ان ارم ذات العماد تمثل مدينة لها صفات الجنة

2- جنة ادم: عبر حكايات الف ليلة وليلة ما قال الشاعر حسب الشيخ جعفر:

حدثنا عن جده السندباد

عن ادم، عن نخلة لم تزل مثمرة

ان بلادا هي صحو البلاء

3- جبل الياقوت: جاء في قول الشاعر يوسف الصائغ:

ثم اغتسلت

غسلوا الياقوت على جبل

و التمع الموت سوارا

4- العنقاء: قال الشاعر عبد الامير الحصيري:

و لو تشربت العنقاء عتمته لم تفن مشهدها الابصار انفاقا

5- وادي عبقر: جاءت اشارة الشاعر راضي السيفي اليه قائلا:

غارقا في بحار عبقر ما شاء يروي بالسحر عطش القفار

و في قصيدة الشاعر راضي مهدي السعيد (الوية الريح) جاء ذكر عبقر:

العالم في كلمات الشعر نهر من فرح اخضر

فليولد طفلك يا عبقر

و لتتبارك كل الاسماء المكتوبة

في سفر الارض الابدية

ما دام الانسان الجوهر

رابعا: الاساطير الذهنية: ثمة رموز اسطورية لا تعد من الانواع المارة وهي تتأرجح بين التذكير والتأنيث وتغلب عليها الصورة الذهنية مثال ذلك:

1- الاعور الدجال: استلهم الشاعر شاذل طاقة الموروث للدلالة على الواقع المرير وقد رمز للصهاينة الذين سماهم تترا، مجوسا، يهودا، مغولا، قال:

و قالوا

و كان المسيح المزور

سمينا واعور

2- الغانية العارية: جاء في الاساطير ان هناك غانية تغتسل تحت شلال فتشفى من المرض، قال الشاعر عادل البياتي:

تئن من اضلاعها

من وجع المفاصل

مهورة مسحوقة العظام

داست على اشلائها

سنابك اللئام

3- ظل الفارس البرونزي: الذي ذكره القدماء وكان موجودا في احدى مدن الشرق النحاسية وهو فارس مدجج يعكس نور الشمس فيبيد جيوشا، اذا اصابه حجر او ضربه سيف او رمح يخرج صدى رعب يملأ الافاق، وقد ذكروا ان لهذه المدينة سورا اذا اعتلاه مخلوق رمى بنفسه ولن يعود، قال الشاعر عادل البياتي:

كان بلا قيد

و قيدت يداه

كان بلا هم وقال اه

4- سربروس بابل: اشارة الى الكلب في الاساطير اليونانية الذي قام بحراسة مملكة الموت، وقد خلق السياب مناخا اسطوريا معاصرا جابه به الوضع السيء الذي كان يمر به الوطن في مطلع الخمسينيات:

ليعو سربروس في الدروب

في بابل الحزينة المهدمة

و يملأ الفضاء زمزمه

5- زهور الريح: تلك الاسطورة التي تتحدث عن زهور بيضاء مجنحة تحمل الاطفال في السحر الى عوالم ابدية رقيقة تعيش في الريح، قال فيها الشاعر تركي الحميري:

فاشهقي يا زهور الريح

يا فجرا من التجريح

جناحك فوق هذي الارض لي

للناس جناحك قبل ان امتاح هذي الكؤوس

القسم الثاني: تشكيلات بنائية لا اسم للأسطورة فيها:

كلنا يعلم احيانا بأن قصيدة الشاعر تتكئ على شخصية ما وربما لا يصرح بها شاعر اخر ويرمز اليها رمزا من خلال وحدة بناء تفي بالغرض الاسطوري المطلوب، ومن امثلة ذلك:

1- بجماليون وجالاتيا: تتحدث اسطورة بجماليون عن ملك قبرص الذي كان نحاتا بارعا وذات يوم عزم على رسم وصنع صورة لفتاة غاية في الجمال واطلق عليها اسم (جالاتيا) فلما راعه جمال ما صنعت يداه توسل الى الهة الحب (افروديت) ان تنفث نفثة الحياة في الرخام البارد تمثاله وقد احست افروديت بالارتياح بقدر احساسها بالانتصار ازاء هذا التغير في الرأي من جانب الانسان الفاني الذي كان حتى تلك اللحظة برهانا ضد نفوذها وذات يوم تحركت نفس بجماليون لتقبيل شفتي التمثال، وفي تلك اللحظة الصادقة تحركت الهة الحب فنفثت الحياة في الجسم واصبحت جالاتيا كائنا حيا ذا جمال ساحر ومع مرور الوقت صار بجماليون زوجها

و قد وقف الشاعر عبد القادر رشيد الناصري موقف المبدع ليشكل لوحة بنائية لا يذكر فيها اسم الاسطورة ولكن يقترب من مضمونها قائلا:

ثم تقربت الى هيكله بابتهالات نبي ملهم

و متى قبلت منه موضعا رقصت من فرحة اللثم دماي

يا لقلبي كيف يهوى صنما منحته نعمة الخلق يداي

و دلالة الشاعر تقف مقارنة بين جالاتيا التي بوأت حبيبها الذرى في جمالها حين نفخ فيها الروح فقد منحته نفسها زوجا له عندما دبت بها الحياة ردا على جميله، بينما حبيبة الشاعر الناصري تعقه حينما قدم قلبه وارجعته الى الثرى، انظر قوله:

يا فؤادي لا تقل كن حذرا من جمال يتحدى القدرا

فلقد بأك الحب الذرى مثلما انزلك الحب الثرى

ما الذي تأمله من حجر ابدعت كفاك منه بشرا

ان الشاعر لم يستخدم اسما بل رسم تجربة كانت في الاسطورة قصدها في ذاته ونسجها في روحه فشكلت في تجربته خلفية شعرية عبر عنها باداء رائع يكسب المتلقي الخبرة والمعرفة بجذور الاسطورة، وقد اكد الدكتور عز الدين اسماعيل قائلا (يستطيع المتلقي ان ينفعل بالعبارة حتى وان لم يلم بالأسطورة)

و هكذا اثرت الرموز الاسطورة بناءا شعريا منسجما مع نفسية الشاعر بتفاعل صادق وتجربة دقيقة ونهضت الصورة مؤثرة في الايحاء والاشارة وهذا تشكيل فني جديد للرموز الاسطورية في الشعر العراقي وقد خرج عن قابلية وصف الاسماء والمخاطبة (الوصف الحسي المباشر .

2- الرمز الاسطوري علاء الدين والفانوس السحري: لقد اشار الشاعر تركي الحميري في قصيدته (فوانيس علائية) الى وحدة بناء دون ان يذكر اسم علاء وقد سهل على المتلقي بذكر الفانوس انظر قوله:

احلم في فانوس

يحيلني سيد هذا العصر والاوان

و اصنع الجنان

و اعبر الحياة طائرا تحمله الشموس

الفارس المجنح

يعبر ارض السبخة الموات

اتيا من عالم مورجح

تخصب الرغبة في اهاته ظلا اخضرا

و يفرح السبات

حصانه القمر

سياطه الحقول والشجر

يطير في بساطه الريح

و هكذا يستمر بناء قصيدته بسرد قدرات مصباح علاء الدين، فتأتي صور النبي سليمان وحوله الاحزان من الجن والبشر وكذلك بلقيس العرجاء التي خاضت اللجة وينتقل الى مقطع اخر يتحدث عن هارون الرشيد وخادمه مسرور وجواريه، ولم تنفصل وحدة بنائه بل يستمر ويذكر ايوب (عليه السلام) ومرضه وكل هذه الانتقالات تحصل عن طريق الفانوس:

لمحته يسأل في مملكتي صبيا

ما اسمك يا مورد المحيا

عبوس، كيف كنت يا اينع من عروس

مبارك، تبارك الفانوس

اذ يجعل الحرية مرأته ويصقل النفوس

يحطم الصولجان

يجعل من هرون في عبوسه انسان

3- الصيحة القاتلة: تقول الاسطورة ان الصيحة كانت تترامى الى المدينة من وراء الجبل، فاذا ادركت شخصا منتبه نودي باسمه، فلبى النداء ومضى فلا يرجع ابدا، قال الشاعر عادل البياتي:

مشى الى المخدع يستريح

و صائح الموت به يصيح

يلوح تحت ناظريه غادر

و نسب الخيانة الصريح

مساوم في ارضه جبان

يهمه الثمن الربيح

القاك اشلاء بكل درب

و جيفة من نتنها تفوح

و يبدو الرمز الاسطوري واضحا بدلالة بنائه التي رسمها الشاعر فقد وصف طاغية ظالما يحمل الخيانة والغدر حتى حانت ساعة رحيله فصار جثة، ان الشاعر عادل البياتي يلتقط من تلك الصيحة مدخلا ليوظف به قصيدته بوصف اسطوري يتمعن فيه المتلقي ويجد بناءا وصياغة جديدة لا تخرج من مضمونها عن روح الاسطورة الحقيقية ولكن بشكل جديد وتشكيل دال على ذهن وقدرة وابداع ..

4- جنية البحر والصخرة: قال البياتي في قصيدة (حجر):

جنية البحر على الصخرة تبكي مات سندباد

و ها انا اراه

بورق الجرائد الصفراء مدفونا ولا اراه

مركبه يباع في المزاد

و سيفه يكسره الحداد

من يشتري عبدا طروبا، قالت الاصفاد

و قال لي الجلاد

رباه طالت غربتي رباه

و غرقت عبر الليالي – ارم العماد –

5- اسم الاسطورة والمبالغة في الرؤيا لها:

قال طه ياسين حافظ في قصيدة (طريقة جديدة لمسك الضوء)

تحملهم تحملنا المراكب القديمة المصبوغة

الجديدة، البحر

امواجه المناورات الرشوة الطقوس

التجسس الشجاعة الخيانة الشرف

تنكسر الاسطورة الخزف

و يرى الشاعر زهير غازي زاهد اسطورته في السنوات السبع، ضائعة في (وادي عبقر)

لا تبوحي هواك جرح نشيدي ومجاليك شهقة في وجودي

و امانيك غمغمات ترامت لهاث على لهات الرعود

و مطاويك كلما يسفح العمر حذاء في هاويات الخمود

لا تبوحي فالنفس خفقة اوهام حيارى متشنجات الورود

يا رؤى عبقر تشقق واديك قلوعا مستنفر الرفعات

رفرفت نجمة على صوته المغمور تدنو مرتاعة السمات

تشرب المنى تصفق للازمات تهفو لوهم فجر ات

قالت الشاعر لميعة عباس عمارة في قصيدتها ويوجين مطلع القصيدة (احمل فانوسي ظهرا وافتش عنها) وهنا تبدأ لترجع بنا الى الاسطورة ولكنها لم تتطرق لاسمه بل ترو قصته قائلة:

انا لم ابصر شيئا

لا تسأليني

و احمل فانوسك

كي توهم نفسك

انك تبحث عنها

قال محفوظ داود سليمان في قصيدة عنوانها (اسطورة) :

الارض هذي سدوم الخطاة والكفران

خيولها ماضيات تشد بالأرسان

تقود هذي السرايا لعالم النيران

هياكل قد تهاوت معفرات المباني

ماذا يبقى غد في شواهد الصلبان

اسطورة نسجتها انامل الفنان 1962م وفي قصيدة الرماد

ها انت في عريك اسطورة كم ارتوى منها رماد السنين

و انت ما انت سوى هيكل تنخره الديدان في كل حين

و للبياتي قصيدة عنوانها (سونيا والاسطورة) في ديوانه المجد للأطفال والزيتون

تظل سونيا في اغاني السندباد

اسطورة تروى واغنية تعاد

في وحشة الردهات في صحراء ليل الهالكين

يا هودج الحب الحزين

و يشير البياتي في قصيدته الحجر الى ارم ذات العماد وعصا سليمان قائلا:

رباه طالت غربتي رباه

و غرقت عبر الليالي ارم ذات العماد

عصا سليمان على بلاطه الزمان

و هو عليها نائم متكيء يقظان

ينخرها السوس، فيهوى ميتا رحيم

قال الجواهري:

جزائر اسطورة حلوة شمس ترد على يوشع

الاسطورة تشير دائما الى وقائع يزعم انها حدثت منذ زمن بعيد، لكن النمط الذي تصفه يكون بلا زمن

جوهر الاسطورة لا يكمن في اسلوبها او موسيقاها او في بنيتها ولكن في القصة التي تحكيها

 

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

كلية التربية / البصرة

.................................

مصادر البحث

1- البرج، ياسين طه حافظ، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1977م .

2- مرايا الزمن المنكسر، راضي مهدي السعيد، مطبعة الاديب، بغداد 1972م .

3- العطشى في السفينة، تركي الحميري، مطبعة الاهالي، بغداد، 1986م، ص31

4- ظمأ البحر، زهير تركي زاهد، مطبعة الفنون، النجف الاشرف، 1970م، ص

5- عراقية، لميعة عباس عمارة، دار العودة، بيروت، 1971م، ص24 .

6- اغاني بلا دموع، رشدي العامل، مطبعة دار السلام، بغداد، 1957، ص46 .

7- النار والكلمات، عبد الوهاب البياتي، دار العودة، بيروت، 1970 .

8- شجرة القمر، نازك الملائكة، دار العودة، بيروت، 1967 .

9- لو انبأني العراف، لميعة عباس عمارة، الدار العراقية للنشر، بيروت، ط2، 1985م .

10- صلاة بدائية، محفوظ داود سليمان، دار الحرية للطباعة، 1976 .

11- اشرعة الجحيم، عبد الامير الحصيري، مطبعة الندى الحديثة، 1974م، سندباد والحلم ص43، فتاة الحي ص63 .

12- الذي يأتي ولا يأتي، عبد الوهاب البياتي، دار الادب، بيروت، 1966م، ارم العماد ص61 .

13- ظل الفارس النحاسي، عادل البياتي، مطبعة عماد، بغداد، 1971م .

14- المجد للاطفال والزيتون، البياتي، دار الكاتب العربي، القاهرة، ط3، 1967م .