المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

رواية (صخب ونساء وكاتب مغمور) رسمت ازمة جيل

goma abdulahيتميز اسلوب الروائي العراقي (علي بدر) في صفات معينة من المهارة الاحترافية القديرة، في محاولة النقش على جدلية التكتيك والتقنية الفنية، في اساليب تعبيرية في ثنايا الحبكة الفنية المعاصرة، فهو يحاول بأتقان رائع، صهر الاصناف والاشكال المتعددة في فن الرواية،ومزجها في بوتقة واحدة، لتخرج خليط متجانس ومتناسق من اجناس واشكال الحديثة من العمل الروائي الحديث، فنجد في طياتها وخلال مسار احداثها من. الرواية الايروتيكية. الرواية الساخرة والكوميدية السوداء. الرومانسية. السياسية والانتقادية. البوليسية، الى الفنتازيا من سريالية الواقع، يحرك دفتها السرد الرشيق والمشوق، المشبع بالتكتيات الفنية المختلفة والمتنوعة، التي تشد القارئ اليها شداً بالمتابعة المتلهفة، كما انه يملك حذاقة وحرفية التلاعب بهذه الاساليب، في اسلوبه المميز في البناء الروائي، وعلينا ان لاننسى، بأنه يدس بشكل ناعم وطريف وعلى الخفيف، وبطريقة الاقناع، رؤياه وقناعاته الشاملة في الحياة والواقع بالفلسفة الفكرية والسياسية، التي تغوص الى الاعماق في الشارع في حركته وتذبذباته وانعكاساته على المواطن، وخاصة المناطق الشعبية، اي انه يمزج بذكاء روائي بين الخيال والواقع، وبكل التفاصيل، الانسان المعدم والمهمش والمنسي والمهمل. الذي يعاني الحصار والعفونة والعوز والاضطهاد، كما لايخلو من مخالب النفاق والاحتيال، واللعب بالمواطن. اي انه باختصار عنده العمل الروائي، يمثل عالم كامل بحد ذاته لاينقصه من التناقض والتنافر، نتيجة حرائق الواقع، اي عالم مصنوع ومختلق بدقة واهتمام من انعكاسات الواقع الفعلي، ولا شائبة فيه، في اسلوبه البسيط والرشيق المتنوع في ادواته وفي الحبكة الفنية. والروائي (علي بدر) يعتبر من جيل التسعينيات، الذي يمتلك كنز وفير من نتاج الواقع ومخالبه. ويعتبر من الجيل الروائي الحديث في الرواية العربية والعراقية، بأسلوب الحداثة المعاصرة. ويصنف اكثر غزارة في الانتاج الروائي، الذي يؤرخ الواقع الفعلي في مسار عمله الروائي، بالواقعية الخلاقة، ولابد ان نذكر بأنه من الجيل الذي خرج من محرقة الحرب والنظام والحصار الدولي، وشحة الحياة بالحرمان والعسف. اي انه من جيل الذي يحمل كوابيس الحياة ومعاناتها وشرورها، ووقعها على كاهل المواطن، الذي يعاني في داخله من انكسارات وهزائم. ورواية (صخب ونساء وكاتب مغمور) خير شاهد على تلك المرحلة الصعبة والحرجة. وهي تدل على ازمة جيل يلوك الضياع والحرمان، بهوس الهجرة والمغادرة، ليتخلص من شرنقة جحيم الواقع.

  ×× احداث الرواية ومساراتها :

في هذه الرواية يحاول ان يقدم تكتيك حديث، الذي يخرج من عباءة حكايات الف ليلة وليلة، ولكن باسلوب معاصر يتلاعب على الادوات الفنية، بالتقنية الحديثة، في القطع وهوامش المتنوعة، كأنها سلسلة متكاملة غير قابلة للقص والحذف. وتدور احداث الرواية بضمير المتكلم، والرواي احداثها هو (الكاتب المغمور) وما يأتي على لسانه من تفاصيل. مسرح الرواية الرئيسي هو، استوديو صغير ورثه الرواي (الكاتب المغمور) من جده، ويحلم ان يكون كاتباً مشهوراً على الصعيد العربي والعالمي. مثل (نجيب محفوظ)، حتى يمزق الاهمال والحرمان والعفونة، والاستلاب والفقر. بأن تجلب له الشهرة العالمية، الحظ السعيد، في النساء والمال الذي يسقط عليه كالمطر الغزير، وان يكون فارس الاعلام والصحافة ودور النشر دون منازع. ويكون من سكنة الفنادق الراقية والفخمة وهي تسلط عليه الاضواء بالبهجة والاغتباط، هذه الاحلام الوردية، هي رد طبيعي للازمة التي يعاني منها، التي جعلته مختنق ومحاصر، يحاول ان يمسك بطوق النجاة حتى لو كان قشة. فهو كان جندياً خرج من محرقة الحرب والخراب، ليدخل في محرقة الحصار الدولي الذي فرض على العراق في التسعينات، ورماه على ضفة الحرمان واليأس والفقر المدقع، مفلساً بجيوب خاوية وفارغة لا يملك سوى استوديو صغير قديم ومتعفن، ويشعر ان حياته لا تطاق وتحتمل بارهاقها الثقيل (اريد ان اهاجر بأي ثمن. اريد ان اغادر الى الابد) ص14. وكانت حمى السفر والهجرة تسيطر على عقول الشباب العراقيين من كل الاجناس، رداً لعسف مظاليم الحياة القاحلة والجدبة، والتي جعلت حياتهم على كف عفريت. يروي (الكاتب المغمور) مسار حياة (سعاد التركمانية) التي كانت تتبختر بغنج واغراء وغواية في مفاتنها وجمالها، فهي من عاهرة في البيوت الرخيصة، الى فتاة شركات الاعلانات المضيئة بالبهرجة البراقة، الى عاهرة استقراطية لصلات الرقص والملاهي الراقية على مستوى الطبقة الاستقراطية، وتتنقل من عشيق ثري الى اخر في نفس المستوى من الاستقراطية، ويسعدها الحظ بان تصبح عشيقة لاحد كبار الضباط الاثرياء، في عهد (عبدالكريم قاسم) وتعيش معه في الترف والنعيم والبذخ الاستقراطي. ولكن الانقلاب الذي اطاح بحكومة (عبدالكريم قاسم) ومقتل عشيقها الضابط الكبير، اصابها بالصميم، وشحت الاموال والبذخ، وطردت الخدم والبواب والسائق، وراحت تفتش عن عشيق ثري، لكن لم يحالفها الحظ، فشيئاً فشيئاً تعود الى مهنتها الاولى، عاهرة في البيوت الرخيصة، فقد جعلتها الحياة تترنح بقسوة وعناء، وينتهي بها المطاف، ان تتزوج من (عبود) سائق عشيقها الضابط الكبير. وتذهب معه الى منزله، في حي بائس وفقير في مدينة الثورة. وتتجرع كأس المرارة والعذاب والبؤس،بحياة لا تطاق من زوجها (عبود) من الاستقراطية الباذخة الى الفقر المدقع. وكان زوجها (عبود) يتبجح بفخر امام عامة الناس، بأنه تزوج من زوجة ضابط كبير، لكي يسترها من عواقب الزمن (والله شأسوي. تزوجت. من ارملة المقدم محمود المارودي، صديق عبدالكريم قاسم) ص73. ولكن حين ينشب العراك والخصام بينهما، يصرخ في وجهها غاضباً، ويذكرها بأنها كانت عاهرة في بيوت البتاوين الرخيصة، وهي ترد عليه بعصبية وحنق، بأنه كان سائق ذليل نائب عريف، ويرد عليها الصاع صاعين بأن يذكرها في ماضيها المخزي (من تكون حتى تعيره، فهي لم تكن سوى عاهرة في البتاوين. فأن اصبحت عشيقة المقدم. هذا لايعني زوجته، او انها كبيرة) ص74، وانجبت منه ولد (عباس) وبنت (تمارى)، وتطلب الطلاق، فيتم ذلك. ويعود (عبود) الى زوجته القديمة واولاده، حنى مات حزيناً.. (عباس) يصبح صاحب محل لتصليح الساعات. و(تمارى) تتنقل من عشيق الى اخر. و (عباس) يرتبط بصداقة قديمة مع (الكاتب المغمور) ويطلب منه ان يترجم الرسائل باللغة الفرنسية، لان (عباس) تعرف خلال تواجد الوفد المغربي الرياضي، على فتاة سمراء (عيشة) كانت ضمن الوفد الرياضي، واتفق معها على الزواج، حين وصولها الى المغرب (طنجة) سترسل الف دولار، تكاليف السفر الى المغرب، حتى يتم الزواج في (طنجة)، ويبعث اليها عدة رسائل يطلب منها ارسال مبلغ السفر بالسرعة اللازمة، لانه لا يملكه، حتى يتم الزواج، وترد علية باللازمة المتكررة، بأن يتدبر المبلغ الف دولار، وحين يصل الى (طنجة) ستعوضه على كل المصاريف. ويجد (الكاتب المغمور) نفسه شريك فعلي، لان سفر (عباس) وزواجه، سيفتح الطريق له للهجرة، حتى ينقذ نفسه من الواقع المرير الذي يكتنف حياته، يتخلص من الواقع المدمر الذي يعيشه، بالفقر والحرمان والاستلاب، ومن قحط الحياة التي اصبحت صحراء قاحلة، سوى من العواصف الرملية (هل أنا المسؤول عن غزو الكويت. هل أنا من يستحق العفونة، وحياتي وفردتي، أين يذهبان، هل اتعفن بقية حياتي في هذه الحجرة المنخورة والرطبة. وما اكتبه اين يذهب. أنا اتعفن في الخراء، بينما يعيش الشباب في العالم على ضفاف البحار المشمسة، وهم يجدفون في البحر) ص129. ويتساءل هل تنقذه (عيشة) المغربية بعد زواجها من (عباس) ويفتح له طريق الهجرة والمغادرة من بغداد ( لقد ضجرت من بغداد. ضجرت من حصارها الشنيع، وفقرها المدقع، وحرارة صيفها المدمرة، واسعارها الباهظة، ودنانيرها الطبع) ص130. ويتعرف على (وليد) الشاعر المزيف والمخادع والمحتال، الذي يضحك على الكثير من الكتاب والادباء، بأنه ابن الشاعر اللبناني (سعيد العقل)، فيضحك على (عباس) في عملية احتيالية، فيقنعه ببيع محل تصليح الساعات بخمسمائة دولار، ثم يشتري سجادة ثمينة بالمبلغ ليبعها بالف دولار بعد ذلك، ويتم ذلك بموافقة وحماس (الكاتب المغمور) حتى يحصل على الف دولار، ويطير الى المغرب (طنجة) ويتم اجراءات الزواج، ويرسل له مبلغ السفر ليلحق به، ليجد العالم الجديد، الذي سيطلق شهرته العالمية من (طنجة). ولكن في النهاية تسرق (السجادة) ويطير المال والمحل في عملية احتيال، ولم يجد وسيلة لانقاذ وضعه المأجور، سوى في بيع (الاستوديو الصغير) بالف وخمسمائة دولار، يعطي، الف دولار الى (عباس) حتى يطير الى (عيشة المغربية) ليتزوجها، ويرسل المال له، حتى يلحق به. ولكن اخبار (عباس) انقطعت عنه وتضيع اخباره، ولكن بعد ثلاثة شهور، بعد كتابة عدة رسائل الى (عباس) يرجوه ان يرسل المبلغ الف دولار، يستلم الجواب الصاعق بأن (عباس ذهب الى المغرب، ولكن لم يجد اثراً ل (عيشة) المغربية، وان العنوان الذي زودته به، لا اساس له من الصحة، ولا وجود بهذا العنوان على الاطلاق). ثم يعرف، بأن (عباس) يقبض عليه في وكر اللصوص ومهربي الحشيشة في طنجة، بعد ماسرقوه وتركه في الوكر، وتشك به الشرطة المغربية بشبهة الجاسوسية، ولكن لم يثبت اي شيء عليه، يطلق سراحه ويسفر الى بغداد. هكذا تتحطم احلام وامال (الكاتب المغمور) وتذهب ادراح السراب، فيظل متعفن ومهمل ومنسي، فلا كتابة رواية ولا شهرة، ولا احلام السفر والهجرة، لكنه يقتنع ان يبدأ حياته من جديد من بغداد وليس من طنجة المغربية، بأن ينطلق بجدية

الى علم الادب والرواية وبشكل جديد من العمل والمثابرة

 

- صدرت عن دار نون للنشر - في الامارات العربية

- تاريخ النشر عام 2005

- 218 صفحة

 

استطيقا الرؤيا الشعرية والروائية في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد (2-2)

2- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة (صمت البحر) لحميد سعيد:

لابد من الإشارة بداية إلى أن قصيدة (صمت البحر) لحميد سعيد تعد درة قصائد (أولئك أصحابي) رؤيوياً، من حيث كثافة أحداثها، وتعدد رؤاها، وغنى موحياتها ومؤثراتها الفاعلة في توجيه الرؤى صوب مركز رؤيوي محدد يصب في دائرة الاحتجاج والرفض الصامت، فالقصيدة تطرح رؤيتها بجسارة إبداعية، وقوة تصويرية بالغة العمق، والفاعلية، والتحفيز الجمالي، ولذلك، فإن قارئ هذه القصيدة لا يخفى عليه عمق الطرح، وقوة الحدث، وتنوعه في حقل الوعي، والإثارة، esam shartahورشاقة الأسلوب، وغناها بالرؤى، والمواقف الاحتجاجية الرافضة في الموقف والسلوك، ولعل أبرز مفاتيح الدخول فضاء هذه القصيدة ما أضاء نقاطها الكثيرة حمدي مخلف الحديثي، إذ يقول: رواية – صمت البحر – للكاتب والرسام الفرنسي جان بريلير المولود في باريس عام 1902، وفيركور اسم مستعار عرف به أيام مقاومة الاحتلال النازي لفرنسا، وظل معروفاً به حتى وفاته في باريس عام 1992 .كتب – صمت البحر – في العام 1942، أيامها كانت فرنسا تحت الاحتلال النازي، ووزعت كمنشور سري، ضمن سلسلة منشورات " نصف الليل" التي أصدرتها المقاومة، ومما قيل عنها وعن تأثيرها، إنها كانت مثل شعلة نار في كومة قش؛ تتناول الرواية حياة المجتمع الفرنسي خلال الاحتلال الألماني، وكانت من أشهر روايات المقاومة، ومكان أحداثها قرية فرنسية، يأتي جنديان ألمانيان إلى منزل ريفي يسكنه رجل كهل وابنة أخته الشابة، يتفحصان الغرفة من أجل أن يقيم فيها ضابط ألماني، لأن الضباط الألمان كانوا يقيمون في بيوت الفرنسيين .جاء الضابط إلى المنزل واختار غرفة فيه، وقدم نفسه، كان اسمه فرنرفون.ويتحدث الخال قائلاً: كان الضابط يجيد الفرنسية، ويتحدث بإسهاب، لكنه وابنة أخته قابلا أحاديثه بالصمت، فشعر بأنه انتهك خصوصية المنزل وساكنيه، إذ كان الصمت سيد الموقف .بمرور الأيام أحب الخال الضابط، واعتاد وجوده، وكشف الضابط عن وجه آخر له، ثقافة واسعة، وموهبة في العزف على البيانو.كان الفرنسيون يرفضون الاحتلال ورموزه والمتعاونين معه، وكان الضابط الألماني في عذاب نفسي، حتى أعلن يوماً إنه راحل إلى الجحيم مختاراً أن يكون فرداً في معركة بدلاً من أن يكون ضابطاً يواجه بالكراهية، وكان يدرك أن الصمت قد قهره، صمت الخال والفتاة وصمت المنزل والبلاد، وأخيراً قالت له الفتاة كلمة واحدة هي : وداعاً" (16) .

تطرح القصيدة رؤيتها بجسارة، من خلال البنى، والمتعلقات، والإسقاطات الرؤيوية، فهو يعلن من خلال قصيدته (صمت البحر) صرخته الاحتجاجية على الممارسات الأمريكية في حقه من مداهمة منزله، وكسره، ونهب مقتنياته، برؤى صارخة كاشفة، من خلال ربط الواقعين معاً، (الواقع الروائي-والواقع الشعري) ؛ولهذا، يحاول الشاعر أن يرسم ملامح الحدث، برصد مشهدي بالغ الدقة، والحساسية، والرهافة الشعورية، وهو كعادته دوماً يبدأ قصائده بداية سردية توصيفية بالتمهيد لصوغ الحدث الشعري، أو التمهيد للدخول بواطن النص من فضاءات الحدث، ومتعلقاته من وصف الأماكن أو الأحداث، أو وصف المشاعر الصاخبة التي تجول في خاطره في لجوة الاحتدامات والصراعات الداخلية، كما في هذه البداية الموفقة التالية:

"ظلَّ يدفَعُ عنه مخاوِفَهُ.. بالتذكُّرِ

ماذا تَبَقّى له؟

والبلادُ تُفارِقهُ.. وسيرحلُ بعدَ قليلٍ..

إلى أين؟" (17) .

إن الرصد الشعوري لبواطن الذات والخوف الذي ينتاب الذات الشاعرة قبل مغادرة البلاد جعله مفتاح المتخيل الشعري لدخول فضاءات القصيدة، وبواطن الشخصية الروائية، فهو يرصد ما يغلي في داخله من توجسات واصطراعات؛ إلى أين المسير في ظل هذا الجو العاصف بالرصاص، والخراب، والدمار، وهذا السؤال جاء ليثير الحدث الشعري، ويمهد الطريق لبوابة الرؤيا الشعرية، وفضائها المفتوح، وكأن الشاعر يعلن بداية رصد التوجسات والمشاعر المحتدمة، والقلق الذي ينتاب الذات لحظة فراقها الوطن إلى أين المسير، وما هي الطرق المفضية إلى الهرب بأمان:

"توقظهُ رشقةٌ من رصاصٍ..

يرى كلَّ ما كانَ في بيته..

قبلَ أن يدخل الجنودُ إليهِ..

على غيرِ ما كانَ

إذْ لمْ يَجِدْ ساعة الجدار التي طالما شاركَتْهُ الليالي..

إلى الفجرِ

لا صورة المتنبّي.. التي رافقته من زمن القرنفل البابليِّ

إلى اللحظة الأخيرةِ..

هذا الحُطامُ الذي يملأُ الأرضَ" (18) .

هنا، يعبر الشاعر أستطيقياً تعبيراً مشهدياً عن الواقع الذي عاناه في زمنه الواقعي إزاء الاحتلال الأمريكي وممارساته الإجرامية من تدمير أثاث منزله، والسطو على ممتلكاته، والعبث بدواوينه، وأوراقه، ومكتبته، وكأن الذي حدث بالأمس، يحمل من الوجاعة، والأسى، والحزن ما يجعل حطامه راسخاً في ذاكرته لا يمحي أثره أو يزول، وهكذا، تتلون الدلالات والرؤى المريرة، بجامع الالتحام بين واقعه الذي حدث له في العراق وشخصياته الروائية التي عانت الاضطهاد، والاحتلال الألماني، فكما انتهك الجندي الرسام بيت الرجل العجوز وابنة أخته التي تعيش معه في نفس المنزل، فاحتجا عليه بالصمت، فهو كذلك احتج على الممارسات الأمريكية ليس بالصمت الكظيم، والتنديد بالواقع، وإنما بالغليان الداخلي، وتعرية مواقفه الوحشية، ورصد المشاهد الإجرامية بعين لاقطة لا تنسى أي لقطة من تلكم اللقطات، أو مشهداً من تلك المشاهد، كما في قوله:

كان فضاءُ القصيدةِ

تُقبِلُ من كوكبٍ بعيدٍ .. إليهْ

تُغافِلُهُ

ثمَّ تدنو مُشاكِسَةً .. لتُريه مفاتِنها

تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..

وتتركُ جمرتَها في يديهْ" (19) .

فكما عانى الشاعر الاضطهاد عانت شخصيته الروائية الواقع ذاته، وأعلنت طقس حدادها المرير، وهذا يعني كثافة الرؤى المريرة، وكثافة المدلول الحارق على الذات، وفداحة الرؤيا واتساع وقعها المرير (تُشعل النار في ما تبقّى من الوقت..وتتركُ جمرتَها في يديهْ"؛وهكذا تتلون الرؤى، وتتداخل الأحداث الروائية بالشعرية، والواقع الاغترابي الكظيم بالواقع الحالي، كما في قوله:

قبلَ أنْ تبدأ القصيدةُ.. طقسَ الحِدادِ

رأى الضابطَ الأمريكيَّ .. مُرتبِكاً

ضائعاً في تضاريسها..

مثلما ضاعَ في ما يرى..

رجلٌ غائبٌ وظلالُ ابنةٍ غائبهْ

رجلٌ واحدٌ..تتدافعُ في ذهنهِ صورٌ شاحِبهْ

لماذا يجيءُ إلى بيته الضابطُ الأمريكيُّ ؟!

ماذا جرى..

ليرى أصابعَ العريفِ الملوَّنِ..

تعبثُ بالمُعجَمِ العربيِّ؟!

يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ

وما ضمَّتْ المكتبهْ

من فرائدَ.." (20) 0

هنا، يرصد الشاعر الممارسات الإجرامية التي حدثت معه في العراق من مشاهد، وصور عالقة في الأذهان، وكأن ثمة إحساساً مريراً متصدعاً تعاني منه الذات في اغترابها وأساها المرير، إزاء المشاهد الوحشية المترامية التي تجول في خاطره، وتركت وقعها المرير ماثلاً في مخيلته، قبل مغادرته العراق، وهذا يعني أن الحركة النصية مفتوحة على رؤى ممتدة تشي بوجاعتها، وإحساسها المرير، وتصدعها المؤلم، وهذه المشاهد عبر عنها بقسوة بالغة وجارحة، كما في قوله: (يدوسُ ببسطاله كتبَ الجاحظِ وابنَ المقفَّعِ وابن هشامْ وما ضمَّتْ المكتبهْ من فرائدَ.) ؛ وهكذا، تتلون الدلالات، والرؤى، والمداليل الشعرية الباعثة على التأمل، والإثارة والتأزم الداخلي، كما في قوله:

"هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..

عداءٌ قديمْ؟

لماذا تَخَيَّرَ تاريخَه واستباحَ الفصولْ ؟

لوحةٌ من سمرقّند .. حيث المدينة حشدُ قَبابْ

وأخرى..

عجوزٌ يدبُّ على الثلج من أصفهانْ

كلُّ ما كانَ في البيتِ.. غطّى شذاه الدخانْ" (21) .

وما ينبغي الإشارة إليه بداية أن القيمة الجمالية التي تنبني عليها القصيدة، تتأسس على الانتقال المفاجئ من التجريد على التجسيد، والانتقال من الحدث الروائي إلى الحدث الشعري بمناوشة دلالية مفتوحة تنفتح على فضاءات الرواية، بتعرجاتها الكثيرة، وفضاءات الرؤيا الشعرية بأطيافها الرؤيوية الواسعة، وهذا يعني أن ثمة مناوبة بين إثارة الصورة المشهدية في مدها الدلالي، وإثارة الحدث الشعري، بجوامع كاشفة عمق الحدث، وعمق تمثل الرؤية الروائية-الشعرية، وتأسيساً على هذا، تتفاعل الرؤى، والمؤثرات الشعرية حاملة مجموعة من الدلائل، والمشاهد الشعورية المترامية، متسائلاً على سبيل السخرية، والتهكم: ("هل كان بين العريف الملوَّنِ والطبرّي..عداءٌ قديمْ؟)، وهذا يعني احتدام الرؤى المتداخلة بين الواقع الروائي، والوقع الشعري، وكأن هذا المد الشعوري المترامي، يرصد الحالة بكل وجاعتها وإحساسها التعروي الصارخ، كما في قوله:

كأنَّ الذي كانَ.. كلّ الذي كانَ..

صارَ سؤالاً..

أما زلتَ بعد الذي كان.. كلّ الذي كانَ..

تَزعمٌ إنَّ الجمالَ

يرفعُ راياته في مواجهة القوّة الغاشمه ْ؟!

منذُ سقراط والفلسفهْ

تَتَخَيَّلُ فردوسها.. وتُسَيِّجُهُ بالملاحم والشعر والمعرفهْ

وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!

فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ" (22) .

هنا، ينقل المأساة الوجودية إلى رقعة التساؤل الرؤيوي المفتوح، هل الجمال ينتصر على القبح؟! وهل الإيجاب ينتصر على السلب؟ وهل يصمد الجمال أمام قوة الحرب وآلياته المدمرة، ووحشيتها البشعة؟!!، فالإجرام مازال هو المسيطر على التاريخ، ومازالت القوى الغاشمة تفرض نفسها على جميع معالم البراءة، والصفاء، والجمال، بقوة وتبيد الحضارات، وتمحى أمام قوى الشر الغاشمة وآلياتها المدمرة: (وفي كلِّ عصرٍ يجيْ الغزاةُ . . بما تحملُ الآزِفَهْ !!فتمحو السطورَ التي خطّها الحكماءُ ..كما تفعل العاصفهْ") .، وهذا يعني أن رؤيا الشاعر تساؤلية مفتوحة على آفاق مدلولية لاتحد، وذلك بالانفتاح على جو الرواية، وجو المآسي الوجودية التي تحدث في جميع العصور، وفي كل الأزمان، فالآلة المدمرة هي هي دائماً رغم اختلاف العصور، وامتداد الأزمنة هي التي تمحو البطولات والأمجاد، وتعلن الخراب والدمار وتمحو معالم الثقافة والحضارات التي شهدتها الأمم، كما في قوله:

"بينَ صحوٍ وغيبوبةٍ..

جاءَ – ورنر فون – من صفحاتٍ مُمَزَّقَةٍ

وطروسٍ مُحَرَّقَةٍ..

وأناشيد َ بيضْ

هادئاً ونحيلاً

وغابَ العريفُ الملوَّنُ والضابطُ الأمريكيُّ

كأنَّ الرُكامَ الذي كان بيتاً جميلاً..

يعودُ إلى البيتِ

يستقبلُ الهادئ النحيلَ الذي فاجأته الدماءْ

أيّها الهادئ النحيلُ.. كيفَ وصلتَ؟!

وكيفَ ارتضى صاحباكَ.. باخ وموزارتْ ..

أَنْ يشهدا ما شهِدتَ ؟

يَمُدُّ الرصاصُ مخالبهُ في النشيد الألهي..

أو في المقامِ العراقيِّ..

في ما تُغَنّي النساءُ .. لأطفالهنَّ

وينزلُ سيلُ دمٍ من ربابي

تغصُّ به صفحاتُ كتابي"" (23) .

لاشك في أن انفتاح الرؤيا على آفاق الرواية، يكثف من مردودها الإيحائي؛فالشاعر لا يقيس زمنه بزمان شخصيته الروائية، وإنما يستقطب الشخصية الروائية لتعيش زمنه الراهن وإحساسه المأزوم، وكأن الشاعر ينقل إحساسه الرؤيوي عبر مناوشة الأحداث الروائية تارة، ومناوشة عوالمه الماضية، بكل مرارتها، وأساها المفجع، على قلبه تارة أخرى، كحنينه الدامع إلى منزله، ورغبته في العودة وحنينه إلى الوطن، ولعل هذا التفصيل في شخصيات الرواية (ونر فون) وصاحبيه (باخ وموزارت)، يقرب الواقع الرؤيوي إلى الواقع الشعري، ويجعل الرؤيا الروائية والشعرية تصب في خانة واحدة هي الرفض والاحتجاج على وجود المحتل، (الرواية بالاحتجاج الصامت) والقصيدة (بالاحتجاج الصارخ) والتعرية الكاشفة؛ وهكذا يحاول الشاعر أن يؤسس رؤيته التفاؤلية رغم الغربة الداخلية، والاحتراق الشعوري، كما في قوله:

بين صحوٍ وغيبوبةٍ.. جاءَ

الفضاءُ الرماديُّ أغلقَ باب الصباحِ..

من أينَ جاءَ؟

الطريق إليه يَمُرُّ قريباً من الشجرِ المستباحِ..

من أينَ جاءَ ؟

رآهُ.. يُجَمِّعُ أوراقَهُ

ويمسحُ عنها الدماءْ" (24) .

هنا، يحاول الشاعر أن يمثل دور العائد إلى أحضان الوطن، مغيباً شخصيته الروائية، لتحل شخصيته، بديلاً عنها، وتتراكم الرؤى والتساؤلات إيذاناً بعودة قريبة يلملم من خلالها شعث آلامه، وجراح غربته، وهكذا، تتأسس هذه القصيدة على رؤى عميقة، تصب جلها في رحم الرؤيا الاستطيقية (غربة الذات والشخصية الروائية)، ورصد المشاهد الدموية الراسخة في الأذهان إبان الاحتلال الأمريكي للعراق؛وتأسيساً على هذا تحقق القصيدة موجوديتها الفاعلة، ومتحققها الرؤيوي، وطاقتها الإبداعية الخلاقة، ودليلنا على ذلك أن الشخصية الروائية لم تكن سكونية، ولم تكن رهينة حدثها الروائي الملتصق بها في زمنها الروائي المعتاد؛ فكما رحل الجندي النازي إثر الاحتجاج الصامت، فالعدو الأمريكي رحل باحتجاجه الصارخ، وصرخته الاحتجاجية المدوية؛وهكذا استطاع الشاعر أن يشكل رؤيته الفنية، بالاعتماد على الحدث الروائي، والارتقاء به إلى الحدث الشعري، من خلال نقل الحدث الروائي إلى الواقع الراهن، وتكثيف مردوده الراسخ في الذهن، وكأن ما حدث للشاعر بالأمس ماثل في حاضره وزمنه الراهن واقعاً معاشاً الآن لا ذكريات ولت في زمنها وقضي أمرها.

وصفوة القول: إن شعرية الرؤيا في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد تبني عالمها الشعري-الروائي بقالب فني متغير، بتضافر كتلة من الأحداث والمواقف والرؤى المتغيرة، والإحالات الجديدة التي تتضافر فيما بينها في تعزيز الموقف الشعري والحدث الروائي المرتبط به.

 

3- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة (لم تشرق الشمس ثانية) لحميد سعيد:

يحاول الشاعر في هذه القصيدة تمثل رواية (ثم تشرق الشمس) لآرنست همنغواي، وتتناول أحداث الرواية مجموعة من المغتربين الأمريكيين في أوربا، وتحديداً في فرنسا، خلال عشرينيات القرن العشرين، وقد عاش همنغواي في باريس من 1921 إلى 1926 والتقى بشخصيات أدبية أمريكية، منهم إزرا باوند وفتزجيرالد سكوت .فالرواية سيرية في مكون من مكوناتها، والراوي صحفي مغترب يعيش في باريس يدعى – جاك برنز – وهو معوق بسبب إصابته في الحرب.يلتقي بأصدقائه في باريس ثم يسافر إلى مدينة بنبلونا الإسبانية ويقضون أوقاتهم بين الصيد والسهر الليلي وحضور عروض مصارعة الثيران، والصراع على امرأة، تتلاعب بهم .وما يؤكد إن الرواية سيرية في مكون من مكوناتها، إن همنغواي سافر إلى بنبلونا في صيف سنة 1925 برفقة مجموعة من أصدقائه المغتربين الأمريكيين وأعجب بالسيدة دوف، وأحس بالغيرة عندما عرف أنها قضت أسبوعاً مع لويب في باريس، فحدث شجار بينه وبين لويب" (25) .

تحاول القصيدة أن تطرح رؤيتها من خلال جسارة المنظور الشعري وإبراز جو الاصطراع، ونقله من جو التصادم والتصارع على امرأة عشقها ثلاثة أصدقاء في الواقع، إلى حلبة الصراع مع الثيران، إلى الفضاء الروائي والشعري؛وهنا، تبرز لغة القص الشعري، أو لغة الراوي الذي تمرس في سرد الأوصاف، والتعبير عن المشاهد بحرفنة سردية شائقة، ورؤية فنية مفتوحة، كما في قوله:

"في النزل الريفيِّ تعارفنا

رسامٌ بوليفيٌ ومصارعُ ثيرانٍ معتزلٌ..

وأنا وامرأةٌ سمراءْ

تقولُ..

رأيتكَ من قبلُ بمقهى في الدار البيضاءْ

وتُشيرُ إلى طاولَةٍ في أقصى الصالةِ..

كان هنا يجلسُ همنغواي.. ليكتبَ في كلِّ مساءْ

صفحاتٍ..

تَتَشَكَّلُ فيها قاراتٌ.. يتخيَّلها

مدنٌ صاخبةٌ .. حاناتٌ وفنادقُ..

أنهارٌ.. غاباتٌ وجبالٌ وموانئُ..

بحارّونَ .. نساءْ

ذاتَ ضحىً.. يستقبلنا بدرو روميرو.. فتحدَّثْنا عن بدرو روميرو" (26) .

هنا، يبدو المشهد الشعري توصيفياً سردياً يقع ضمن دائرة سرد السيرة، وكأن الروائي اختار هذه اللغة (السير-ذاتية) لإبراز الواقع التصادمي الذي يعيشه الأصدقاء الثالثة، وولعهم بالمرأة ذاتها التي أحبها كل واحد منهم على طريقته، وهنا؛ يكثف الأحداث، والمشاهد المحتدمة، ليرصد الحراك التصادمي بين أولئك الثلاثة، كما في قوله:

كُنتُ قريباً منهُ.. فيسألُني

هلْ صَدَّقت الأمريكيَّ المتَطَفِّلَ .. في ما قالَ؟

أحقاً.. تعنيكَ مصارعةَ الثيران؟!

وتلكَ المُدمنةُ العجفاءْ

يتقاسمُها في الليلِ سكارى فقراءْ

فيجعلُ منها امرأةً..

تتهادى بينَ رجالٍ ورجالٍ .. في خُيَلاءْ" (27) .

إن القارئ للقصيدة يتضح له البعد الدرامي في تصوير ملامحها، خاصة عندما يستغرق في ترسيم الأوصاف والاصطراع على تلك الفتاة من قبل الأصدقاء الثلاثة، وهنا؛ تتضح الحبكة القصصية، وتتسع الأطياف الدالة في رؤاها، ومتغيراتها النسقية، وكأن الشاعر يبث رؤاه الصاخبة بقلق، وانكسار، وتأزم شعوري عميق، كما في قوله:

إنَّ امرأةً أُخرى..

تظهرُ لي بين ذؤابةِ سيفٍ مسلولْ

وضَراعةِ ثورٍ مخذولْ

ترقصُ في غابات النارْ

فيجثو.. كبناءٍ ينهارْ

كنتُ أراها مُفردَةً في الجمعِ..

تُناديني

وكما النجمةُ تصعدُ من خلف الأسوارِ..

تُحَييّني

فإذا انفضَّ المُحتفلونْ

أَفَلَتْ.." (28) .

إن القارئ للقصيدة يلحظ التوصيف الدقيق لكل شخصية في الرواية، وهذا التوصيف المشاعري يكتظ بالرؤى الدقيقة التي ترصد الواقع الروائي، بكل ما فيه من أحداث، ورؤى، ومشاهد تعود إلى الوقع الروائي، بكل مسبباته ورؤاه، خاصة بإدخال المرأة المعشوقة حيز الصراع وحلبة السيرك، وكأنه يروض الشخصية الروائية لتنطق بمتغيره الشعوري ورؤاه الصاخبة، كما في قوله:

وأنا مُذْ غادرتُ الميدانْ

أَبحثُ عنها في كلِّ مكانْ

هلْ كنتُ أراها؟!

أمْ كانتْ روحاً تحميني..

من خطرٍ يتراءى لي.. أتفاداهُ

وتدفعُ عنّي الموتَ.. وكنتُ أراهُ" (29) .

هنا، يحوِّر الشاعر بالشخصيات الروائية، ليكون مربي الثيران البوليفي البطل الروائي لأحداثها والشخصية المحركة لكل أجواء الرواية؛ليس فقط عاشق الفتاة الحسناء التي يتصارع مع أصدقائه من أجلها، بل هو الذي يبرهن أن الصراع على الحياة أقسى وأمر من الصراع مع الثيران، لأن الحياة أوسع في الميدان، وأكثر قوة وصعوبة في مواجهتها، إذ يقول:

"يقولُ الرسامُ البوليفيُّ..

وكنتَ محاطاً بالرسامينَ وبالشعراءْ؟

فيصمتُ.. ثمَّ يقولُ..

لا أَتذكَّرُ إنّي كنتُ محاطاً بالرسامين وبالشعراءْ

أنا رجلٌ.. أعرفُ كيف أربي الثيرانَ..

وأعرفُ كيفَ أقاتلها

فيقول الرسام البوليفيُّ.. تربّي الثيرانَ وتَقتلُها

أقتُلها..

أقتُلُها..

إنْ لم أقتلها تقتلني .. أو يقتُلُها غيري

أوْ يقتلها القصّابُ .. لتأكلها" (30) .

هنا، يحكي الشاعر على لسان الرسام البوليفي واقعه الروائي في الصراع مع الثيران، وهذا الصراع هو أشبه بصراع الحياة، فكما أن الصراع مع الثيران إمَّا أن تكون قاتلاً، وإما أن تكون صريعاً، فكذلك صراعك مع الحياة قد تضعك الحياة في هذه المواقف في كثير من الأحيان، ولهذا، يرى في صراع الثيران، صراع الواقع بكل مرارته المؤلمة، وأساه المرير، إذ يقول:

في الليلِ نرى امرأةً.. ولّتْ شمسُ أنوثتها..

في بار النزل الريفيِّ..

وحدَّثنا النادلُ عنها.. إذْ تأتي حين يحلُّ الصيفُ

وتسألُ عن رجلٍ كان هنا..

تحكي عنه إذا سكرتْ

فإذا قيلَ لها لنْ يأتي.. امتعضتْ

تُخرجُ من طيّاتِ حقيبتها.. صوراً وقصاصات من صحف الأمسِ..

تُحَدِّثُ مَنْ فيها..

أتكونُ المرأةُ تبحثُ عما كنّا نبحثُ عنهُ (31) .

هنا، يصور لنا المرأة المعشوقة كيف بقيت لوحدها في الحلبة، وانتهى الصراع وبقيت وحيدة في الحانة تنتظر عشاقها المتصارعين من أجلها، تحاول أن تستعيد زمنها القديم، وواقعها الذي كان، لكن دون جدوى انتهى كل شيء، وبقيت مجرد ذكريات، وبقايا صور، تتلقفها بالدموع، والحسرات، والأنات المريرة.وهكذا، انتهت الرؤية الشعرية لتحط رؤاها، على مدلولات عميقة، فكما أن المحبوبة قد فقدت بريق أيامها، ولياليها الخصبة الغناء، فكذلك هو فقد فضاءاته البغدادية وأزمنته الماضية التي كانت تموج بالخصوبة والجمال؛فكلاهما فقد الجو الذي يحب، وكلاهما فقد العالم المزدهي الذي يرغب؛وهكذا، تتلون الرؤى والدلالات في القصيدة لتصل في النهاية إلى الفكرة الرؤيوية المبئرة للحدث الشعري:

"تُغَنّي السيِّدةُ السمراءْ

كانَ هنا بدرو روميرو.. ومضى يبحثُ عمّن كانَ يُحبُّ

سيأتي يوماً ليرى " باريت"

تصحو المرأةُ..

وتقولُ.. أنا باريت.. أنا باريتْ

سيأتي من أجلي وأنا مَن كان يُحبْ

تتوارى الشمسُ بعيداً .. وتضيء أعالي الأشجارْ

تعمُّ العتمةُ..

في ما يهرع من كان هناك.. إلى الحاناتْ

نواصلُ سهرتنا..

وتشاركنا في الليل الأحلامْ" (32) .

هنا، يدخلنا الشاعر فضاء الرواية بمتخيل شعري يبث الأمل في نفس العاشقة المهجورة التي فقدت زمنها وأهميتها، وفقدت سحرها الذي كان، وهكذا، تتلون الرؤى، وتدخل غمار الحدث الشعري، وتزداد قوة الحدث تعبيراً عن الواقع الروائي، الذي تتنوع أحداثه، ورؤاه بكثافة الرؤى الشعرية، والإحالات الجديدة المكتسبة إلى الشخصية، وبناءً على ما تقدم يمكن القول: تتمحور قصائد (أولئك أصحابي) على التفعيل الفني للشخصيات الروائية، لتنطق بواقع رؤيوي جديد، يمنح الشخصيات الروائية متنفساً إبداعياً جديداً؛ وهذا ما يحسب لها في تكوين تشكيلها الرؤيوي، ورؤيتها الجمالية الخلاقة؛وهذا يقودنا إلى القول: إن زبدة الحدث الروائي تتأسس على مرجعية فنية خلاقة، تثير الحدث الشعري، وتحقق متغيره الجمالي، لاسيما عندما يضفي الشاعر على الشخصية والأحداث من لمساته الشيء الكثير، وهذا ما يمنحها أهميتها في النسق الشعري المتضمنة فيه.

وصفوة القول:

إن ارتياد فضاء قصائد (أولئك أصحابي) من بوابة الرؤيا الاستطيقية وفاعليتها في توجيه الأحداث وتنامي التجربة، لمغامرة في حد ذاتها لأن توهج الرؤيا، وتعدد مساربها الدلالية، يفرض على القارئ تعدد الرؤى والأساليب في الدخول متنها؛ وهذا ما حاولنا الارتكاز عليه في الكشف عن الكثير من الرؤى والدلالات التي ترتكز عليها هذه القصائد في مسارها الرؤيوي المفتوح.ولا نبالغ في قولنا: إن جوهر الرؤيا الشعرية في هذه القصائد يعود إلى إبراز المتغير الوجودي في الحياة؛وإبراز جوانب الصراع بين الخير/ والشر، والحق/والباطل، والوعي/والجهل، والقوة /والضعف، فكل واحدة من شخصياته الروائية تظهر الجانبين معا، وربما تظهر السلوكين معاً، ولهذا، تشكل وجهي الحياة المتناقض أو المحتدم، لأنها متغيرة، ومنفتحة على الحياة بكل إيجابياتها، وسلبياتها، واستكانتها، وتمردها،، ويخطئ من يظن أن هذه القصائد لعبة شاعر تجريبي، وإنما قدرة شاعر إبداعي رائي أراد أن يُضَمِّن قصائده نبض الحياة، ليكون هو شخصية خفية ضمن شخصياته الروائية، يعيش تجربته كرواية، يرويها من خلف الكواليس، مظهراً غربته، وحرقته الداخلية، وجوانب مهمة من غربته الروحية.وهذا لا يدركه إلا من تغور عمق الدلالات وحراكها على المستوى الباطني.

 

عصام شرتح

..............................

الحواشي:

(1) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص313.

(2) جابر، يوسف، 1991- قضايا الإبداع في قصيدة النثر، دمشق، دار الحصاد، ط1، دمشق، ص180.

(3) عوض، ريتا، 1993- رائد القصيدة الحديثة يعيد للشعر دوره الحضاري، مقدمة ديوان (خليل حاوي) بيروت،

دار العودة، ص10.

(4) أدونيس، 1971- مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط4، ص120-121.

(5) شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية (حوار بشرى البستاني ص365-366.

(6) شرتح، عصام، 2016- حوار مع حميد سعيد حول مجموعته (أولئك أصحابي)، مجلة ديوان العرب، موجود على الرابط الإلكتروني التالي: www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(7) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(8) المرجع نفسه على الرابط نفسه.

(9) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص61.

(10) المصدر نفسه، ص61.

(11) المصدر نفسه، ص62.

(12) المصدر نفسه، ص62.

(13) المصدر نفسه، ص63.

(14) المصدر نفسه، ص63.

(15) المصدر نفسه، ص64.

(16) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(17) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص48.

(18) المصدر نفسه، ص48-49.

(19) المصدر نفسه، ص49.

(20) المصدر نفسه، ص50

(21) المصدر نفسه، ص50

(22) المصدر نفسه، ص51

(23) المصدر نفسه، ص51.

(24) المصدر نفسه، ص52.

(25) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، بحث موجود على الرابط الإلكترونيwww.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article...

(26) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص30.

(27) المصدر نفسه، ص30.

(28) المصدر نفسه، ص31.

(29) المصدر نفسه، ص31.

(30) المصدر نفسه، ص32.

(31) المصدر نفسه، ص33.

(32) المصدر نفسه، ص34.

 

استطيقا الرؤيا الشعرية والروائية في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد (1-2)

esam shartahلا شك في أن مصطلح (الرؤيا) من المصطلحات المهمة التي تطرق إليه الكثير من باحثينا ودارسينا في حقل الشعر والشعرية، لاسيما الكبار من النقاد والشعراء، أمثال أدونيس، وعلي جعفر العلاق، وعز الدين المناصرة، وآخرين، ويرى أدونيس - في الشعر الرؤيوي- التجاوز، والابتكار، والخلق الإبداعي الجديد، وهو ينظر إلى الشعر الإبداعي الحقيقي على أنه خلق، وتجاوز دائم، وحراك رؤيوي مستمر، وتطور ملحوظ في الرؤيا، وطريقة التعبير، وهذا ما يراه شاعرنا حميد سعيد، إذ يرى أن الشعر الحقيقي هو الذي ينطوي على رؤيا إبداعية خلاقة، ولغة وثابة متوهجة، بالبكارة، والغنى، والثراء، والتجدد، والخصوبة الرؤيوية، والدهشة التعبيرية والغنى القاموسي (خصوبة المعجم الشعري وتنوع حقوله الدلالية)، وذلك لئلا يكون الشعر مجرد تكرار لفظي تقليدي ممجوج لما قد سلف، ولهذا، يقرن الشاعر حميد سعيد الشعر التجاوزي الإبداعي بكل ما هو خلاق ومبدع في الشكل اللغوي، والرؤيا المتوهجة الخلاقة التي ينطوي عليها، وهذا الشعر هو الذي ينبغي أن يحظى بالرعاية والاهتمام؛وهذا ما يؤكده إذ يقول: (إن الكثير من النصوص الشعرية التي تبدو جميلة ومقبولة لا تستهوي النقاد، ولا يجد فيها الناقد ما يستدعي قراءة نقدية مهمة" (1) .لأن الشعر الحقيقي هو الذي يقدم رؤيا شاملة، ونظرة متجددة للحياة، والخلق، والكون، ولا يهم التنميق، والتوشية اللفظية، والمشاكلات اللفظية المموسقة الفارغة، وإنما ما يهم –بالدرجة الأولى- الرؤيا الخلاقة المتوهجة التي تتجاوز زمنها الخاص وتخلق زمنها الإبداعي المتفرد.

ويرى الناقد يوسف جابر أن الرؤيا" هي حصيلة معاناة اجتماعية قامت أساساً على محاور كونية متقاطعة، توحد في مركزها الشاعر مع الحياة بفئاتها حتى خبرها واستوعبها، وصار من هذا المركز يبث رؤاه على تلك المحاور في اتجاهاتها المختلفة تبعاً لغنى تجربته وخصبها" (2) .وهذا المنظور الشامل للرؤيا، يجعلها محور الوجود التأملي لدى المبدع؛ولهذا، نجد أن الكثير ممن خبروا العملية الإبداعية على حقيقتها، يقفون على رؤى دقيقة لحقيقة الإبداع والشعرية، فهاهو الشاعر الكبير خليل حاوي يعرِّف الشعر باعتماد ركيزة الرؤيا في تحديد جمالية الإبداع الشعري الحقيقي عما سواه، قائلاً: "الشعر رؤيا تنير تجربة، وفن قادر على تجسيدهما" (3) .وبهذا التعريف المختصر يضعنا في صلب الوعي الدقيق لمفهوم (الرؤيا) في جوهرها الإبداعي الذي وعاه أدونيس وعبر عنه في أكثر من موقف، ولهذا يرى أدونيس أن الشعر في رؤياه الخلاقة هو تجاوز، وخرق أسلوبي وفكري لكل ما هو معتاد، ليس على صعيد اللغة والشكل اللغوي فحسب، وإنما على صعيد الفكر، والرؤيا، والإحساس الجمالي، إذ يقول:" فكل واقع في الشعر نتجاوزه ويوصلنا إلى واقع آخر أغنى وأسمى.. هذا البحث عن الواقع الآخر، عن الممكنات، هو ما يعطي الكشوف الشعرية فرادتها. ففي هذه الكشوف يتعانق المرئي مع اللامرئي، والمعروف مع المجهول، والواقع المحسوس مع الحلم. وهكذا، تكتمل رؤيا الشاعر في جدلية الأنا والآخر، الشخص والتاريخ، الذات والموضوع، الواقع وما فوق الواقع" (4) .

وما نقصده ب (أستطيقا الرؤيا) القيمة الإبداعية التي تحققها القصيدة في توهجها الرؤيوي، وبكارة الطرح الرؤيوي، والقوة الدافقة التي تولده في النص، بما يثير الحركة الشعرية، ويخلق الرؤية الجمالية الفتانة في القصيدة، فالنص الإبداعي لا يسمو ولا يحقق فرادته إلا بتوفر عاملين –على حد تعبير الناقدة بشرى البستاني- هما اللغة المتوهجة الوثابة، والطاقة الرؤيوية الفاعلة (شعرية االرؤيا)، وهذان هما الشرطان الضروريان في الإبداع، وفي تخليق المنتج الجمالي الإبداعي المؤثر؛ تقول الناقدة المبدعة بشرى البستاني:" البحث عن الشعرية وفي الشعر –باعتقادي- ليس هو إلا البحث في اللغة والرؤيا، وعند التنقيب في هذين المجالين ترد كل التقنيات الأخرى، فالبحث في الصورة الفنية إنما هو بحث في اللغة، ومن ورائها المخيلة التي تشكلها، والبحث في الرمز بحث في اللغة، وفي المخيلة التي تعمل على تشكيل الروابط بين الرامز والمرموز له، والبحث في الإيقاع هو بحث في اللغة، وفي طرائق تشكها، وأنظمة تعبيرها زمنياً، والبحث في المعجم الشعري، وفي تراكيبه هو بحث في اللغة، وفي طرائق اللعب الحر بها؛ فالفن هو أرقى أنواع اللعب، لأنه يمتلك قوانينه الدقيقة والراقية" (5) . وهذا يعني أن لعبة الفن الاستطيقية هي العزف على استطيقا اللغة، وأستطيقا الرؤيا، ومادام توهج اللغة من توهج الرؤيا سينصب البحث في أتون فاعلية الرؤيا وتوهجها فنياً في مسار الحركة التي تحكم سيرورة هذه القصائد في مدها الدلالي وحراكها الرؤيوي المكثف.

 

فواعل الرؤيا الشعرية والروائية أستطيقياً في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد:

إن قارئ قصائد (أولئك أصدقائي) لا يخفى عليه القيمة العظمى التي تمتاز بها هذه القصائد على مستوى توهج الرؤيا، وحساسية المنظور الشعري، فالشاعر حميد سعيد كما صرح لنا بالدافع الذي كان وراء إنتاج مثل هذه القصائد وهو (الرؤيا الجمالية) يؤكد في موضع آخر الآلية الجمالية في توهج هذه القصائد ومطلبها الإبداعي المتوخى منها، إذ يقول:" نعم، أنا أوظف ما أتوفر عليه من معرفة وما أمتلك من ثقافة، في كل ما أكتب، وبخاصة في ما أكتب من شعر، وقد عرفنا شعراء كثيرين موهوبين، وبداياتهم تفصح عن موهبتهم، لكنهم يظلون عند البدايات، يكررونها من دون تجديد أو إضافة، لأنهم لا يمتلكون ثقافة عميقة، وجادة وحيوية، أو لأن ثقافتهم محدودة، وهامشية، وأمثال هؤلاء، أما أن ينصرفوا عن الكتابة الشعرية فتضمر موهبتهم، أو أن يكون نتاجهم، مجرد كم يتكرر .وسواء في قصائد هذه المجموعة أو في سواها، أجد في الثقافة وفي القراءات، ما يغني تجربتي الشعرية، ويعدد مساراتها، وينفتح بها على آفاق واسعة، وأمداء جديدة.هل كان عليَ، أن أتنازل عن معارفي وثقافتي وتجاربي وقراءاتي، وأضعها في محيط معزول، لتبدو قصيدتي سطحية وباهتة، لا تقارب إلا ما هو شائع ومعروف ومكرر من الأفكار والصور، من أجل أن أتصالح مع ناقد كسول، وقارئ أكثر كسلاً،، أو مستمع يصفق لما يعرف وينأى بنفسه عما لا يعرف" (6) .

ولهذا، حاول حميد سعيد أن يرتقي بالرؤيا الشعرية بفواعلها الاستطيقية البليغة، لتصيب مرماها الفني، بقوة تعبيرية فعالة، وحراك رؤيوي مفتوح، ومن يقرأ قصائد (أولئك أصحابي) - بعمق وشمولية- يلحظ أن غنى الحركة الجمالية إبداعياً فيها يعود إلى توهج الرؤيا، وتنوع مساربها الدلالية، والدلائل الاستطيقية على ذلك كثيرة؛ فقوة الحدث في مسار الشخصيات وفواعلها النشطة في هذه القصائد ترتد إلى شعرية الرؤيا، وتوهجها فنياً، وكذلك سموق الزمن الشعري بفواعله المحرضة يرتبط بالرؤيا ومحفزاتها للحدث والمشهد الشعري في آن، وكذلك فإن شعرية الحدث ترتبط بشعرية الزمن وحراك المواقف والأحداث الشعرية ضمن مسار القصيدة ترتبط بشعرية الرؤيا كذلك، فالشعرية إذاً- في هذه القصائد كل متكامل- ترتبط بجذرها الإبداعي- وهو استطيقيا الرؤيا – وترتبط بالأحداث المتعلقة بالشخصيات والمواقف الجديدة التي تفرزها هذه القصائد في مسارها الإبداعي؛ فكما ترتقي بعض القصائد بفواعل الحدث، وحراك المشاهد الدرامية فإن بعضها الآخر يرتقي بمحفزات الرؤيا والإحالات الجديدة المضافة لتبدو الرؤيا الشعرية ليست وليدة الرواية، وإنما وليدة الذات الشعرية، في حراكها الشعوري المكثف، وهذا يرتد إلى فواعل الرؤيا المتوهجة التي حركت الأحداث، وأكسبت المواقف قوة بلاغية في تعزيز الرؤيا الشعرية المتعلقة بالحدث الروائي والشعري معاً؛وهذا يعني – باختصار- أن قوى الجمال -في هذه القصائد- ترتد إلى الفواعل المشتركة بين الأحداث، والرؤى، والتجارب، والمواقف الجديدة التي تنطوي عليها الحركة الدلالية والرؤيوية في هذه القصائد، سواء على مستوى حراك الشخصيات أم على مستوى كثافة الأحداث، وتوترها الدرامي، أو البانورامي في هذه القصائد.

 

1- أستطيقيا الرؤيا الشعرية والروائية في قصيدة (قريباً من الليدي شاترلي .. بعيداً عنها) لحميد سعيد:

لابد من الإشارة بداية أن خصوبة الرؤيا الشعرية- في هذه القصائد- لا ترجع إلى الشخصيات الروائية، ولا إلى أحداثها، وفواعلها الرؤيوية النشطة في الرواية، وإنما إلى فواعل الحدث الشعري، والموقف الشعري الجديد المتخذ في تحريك الشخصيات، فالشخصية الروائية لا تحمل الأهمية من كونها لب الحدث الشعري، أو لب الاستقطاب الرؤيوي للمواقف، والإحالات، والأحداث الجديدة، ولكنها من كونها تعرض رؤيا متوهجة، تعايش الواقع الراهن، وتسعى إلى تجاوزه، ولهذا، يضفي الشاعر على الحدث الروائي ما هو متخيل من جهة، وما هو معاصر لنا في واقعنا الراهن من جهة ثانية؛ وهذه المفارقة هي ما يكسب هذه القصائد سحرها الجمالي وعجائبية مردودها الإيحائي، وتوالدها الرؤيوي على الدوام، ففي هذه القصيدة (قريباً من الليدي شاترلي.. بعيداً عنها) لحميد سعيد، يتمثل فيها الشاعر رواية" عشيق الليدي شاترلي" ل- د. ه لورنس - . و(ديفيد هربرت لورنس، كاتب بريطاني، ولد في قرية ايستورد في العام 1885، وكان والده من عمال المناجم، وكانت والدته مدرسة، وتزوج من فتاة ألمانية وتوفي في العام 1930نشرت رواية – عشيق الليدي شاترلي– في العام 1928 في إيطاليا، ولم تنشر في بريطانيا إلا في العام 1960 .وهي تحكي علاقة جسدية بين رجل من الطبقة العاملة، وامرأة من الطبقة الأرستقراطية، ويقال إن – لورنس – استوحى هذه الرواية من الواقع الاجتماعي الذي عاشه، ومن علاقة حقيقية كانت بين السيدة –أوتلاين موريل – الأرستقراطية وعشيقها البناء –تايغر– الذي دخل قصرها لبناء قاعدة حجرية لأحد التماثيل في الحديقة المنزلية" (7) .

وقد كان الناقد حمدي مخلف الحديثي، محقاً في تعليقه على هذه القصيدة بقوله:" إن هذه القصيدة تصدر عن تجربة غنية، فلم يذهب بها الشاعر إلى محددات قصيدة الغزل، في الوقت الذي كان من الممكن أن تكون تجربة الليدي شاترلي مع عشيقها تمهد لقصيدة غزلية مثلاً.إنها قصيدة ذات رؤية اجتماعية عميقة، تكشف دراما الذات حين تصطدم بدراما المجتمع في تقاليده ومعطياته الطبقية، ومع هذا كان يمكن أيضاً أن ينزلق الشاعر إلى تناولها في هذه الحدود، الاجتماعية والطبقية، لكن شاعراً مثقفا وموهوباً مثل حميد سعيد جعل منها تجربة إنسانية فريدة" (8) .

وهذا القول الحصيف من الناقد يدل على دراية ومعرفة بالبعد الرؤيوي للقصيدة، فهي ليست صراعاً بين شعرية الجسد أو شعرية الروح، إنها صراع استطيقي بين المتناقضات، أو المتضادات (الجوهر/والمادة)، و(الواقع/ والمثال)، و(الممكن/والمستحيل)، و(الحسي/والمعنوي)، صحيح أن الشاعر غلَّب الطابع الغريزي الحسي على شخصيته الروائية، لتعلن ثورتها بالجنس والجسد، على حساب الجوهر أو الروح، ليؤكد أن للقصيدة طيفها الرؤيوي المختلف عن نسق الرواية، إنه أراد أن يبين أن قوة الجسد تجذب الروح، لاسيما حين تجمح هذه القوة، وتعلن ثورتها على الأعراف والتقاليد، ولهذا كرَّس هذا الجانب في هذه القصيدة على الروح:

للجمرِ.. في الجَسَدِ المعبّأ بالزوابع والرعودِ ..

خريطَةٌ صمّاءُ مُعتِمَةٌ

سيفتَحُ في خطوط الطول حيناً

أو خطوط العَرضِ .. حيناً آخرَ..

الأبوابَ..

نحوَ فضاءِ فتنتها.. وما اكتنزتْ من الأسرارْ" (9) .

هنا، يلعب الشاعر أستطيقياً بالعزف على شعرية الجسد، ويبث رؤاه الاغترابية الثائرة من خلال لغة الجسد الجموح بالرغبة رغم كل القيود، وهنا، يفتح بوابة الاصطراع بين تغليب الحسي على المعنوي، وتغليب المعنوي على الحسي بمفارقة رؤيوية مصطرعة بين ما تمثله شخصيته الروائية (الليدي شاترلي) من قوة ورغبة جامحة تؤكد عصيانها وتمردها على الواقع وبين إحساسه الوجودي؛ فهو يعلن تمرده على الواقع ليس بلغة الجسد، وإنما بعزيمة الروح، فالقصيدة هي صراع بين قوة الجسد وثورته ممثله ب (الليدي شاترلي)، ورغبتها وتمردها المشبوب بالانفتاح والتمرد وكسر القيود الاجتماعية، وقوة الروح وثباتها ممثلة بشخصية الشاعر، فكلاهما يعلن ثورته في جانب على حساب الجانب الآخر، وكلاهما يعلن تمرده الفائق، واغترابه المحتدم، وهنا؛ تنفتح التساؤلات، وتطرح القصيدة جملة من المتغيرات والمفارقات المفتوحة على أشدها، كما في هذه التساؤلات المدببة بالرفض والتمرد والثورة، (الليدي شاترلي) على واقعها، وهو على واقعه الاغترابي المرير، كما في قوله:

مَنْ أعطى الرياحَ شراسةَ الإعصارْ

تِلكَ التستفيقُ على جليدٍ .. يسكنُ الرحمَ البليدَ

رأتْ صباحاً لا حدودَ لهُ..

وشمساً طفلةً تتسلّقُ الأشجارْ

تقترنُ السحالي بالسحالي

والسناجبُ بالسناجبِ..

كلُّ ما في الغابة العذراء من شَجَرٍ..

يحضُّ الماء..

تغتلِمُ الثمارْ" (10) .

هنا، ينتقل الشاعر بمرواحة أستطيقية مكثفة من التساؤلات المفتوحة التي تشير إلى شخصيته الروائية من بعد؛ ليترك الرؤيا الروائية مشرعة كل الاحتمالات أي مشرعة على رؤى ودلالات متتابعة لا تسكن في موقف أو هدف بَيِّن ظاهر، وهذا يعني انشغال الشخصية بالجزئيات والمرئيات البسيطة على حساب القضايا والرؤى الكبرى، (كلُّ ما في الغابة العذراء من شَجَرٍ..يحضُّ الماء..تغتلِمُ الثمارْ"؛وهذه الرؤى تنفتح بكثافة لتزداد قوة الحدث، وتوهج الرؤى المحتدمة، وكأن الإحالات الرؤيوية الجديدة فعَّلت الشخصية، وأكسبتها قوة في نقل الحدث، والتعبير عن شعرية الجسد، وثورته على جميع الأعراف، والتقاليد، والأنظمة الاجتماعية الضيقة، ليدخل لب الحدث الروائي في حراك رؤيوي مفتوح، كما في قوله:

"في ليلةٍ ما عادَ يذكرها..

وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً

فَتَهرَعُ كي تراهْ

وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها ..

وفي غَيبوبةٍ بيضاء.. تَشْتَبِكُ الحرائقُ

أيُّ عاصفةٍ من الرغباتِ..

يطلقُ جمْرَها الجسدُ الجميلُ

أكانتْ امرأةَ ؟

يكادُ يَشُكُّ ..

ما هذا الثراء الفضُّ في إيقاعِ ربوَتِها..

وفي النهدين ؟!

كيفَ يكونُ هذا السحرُ في لغةٍ..

تنوءُ بما تُشيرُ إليه منْ فِتَنٍ " (11) .

هنا، يدخلنا الشاعر أجواء الرواية، ويسرد لنا الأحداث بلعبة أستطيقية مكشوفة بتفاصيلها، ورؤاها الجزئية، ومشاهدها، ولقطاتها المتخيلة . كيف تهرع إليه، وهو يتلقفها ويستقبلها بذراعيه، ويشتم أريجها بعبق يفيض بالشهوة والغريزة، وهنا، تتراكم التساؤلات المدببة بالرؤيا الشعرية المفتوحة، وتزداد الأسئلة حراكاً وكثافة كلما أوغل القارئ في تتبع حيثياتها الجزئية: (وكان يمرُّ قُرْبَ فنارها الذهبيِّ.. مُرتاباً فَتَهرَعُ كي تراهْ وإذا دنا منها.. تُفاجِئُهُ حرائقُها)، وهذا التصوير المشهدي البانورامي الحي يدلنا على طزاجة الرؤيا وحراكها المشهدي المتتابع، وهكذا، فإن الرؤيا الشعرية تؤسطر الجسد الأنثوي، ليقف القارئ أمام لوحة في تجسيد مفاتن الأنثى وإحساسها الداخلي، بلغة تقترب في وقعها من حساسية القارئ، ولذلك، تتمثل القصيدة الواقع الروائي، وترصد تفاصيله برؤى متخيلة تتغوَّر أعماق الشخصية، ومداراكها كافة، ولو تتبع القارئ الجزئيات والمشاهد المتخيلة لأدرك شعرية الرؤيا، وعمق ما تصيبه من رؤى ودلالات ثائرة ترتد إلى عمق الشخصية الروائية، وعمق الذات الشعرية في تمثل أبعاد الشخصية، وماتنطوي عليه من رؤى ومشاعر محتدمة في قرارة الذات الداخلية، كما في قوله:

تقولُ لهُ..

أَ نقرأها معاً ؟

ماذا سنقرأُ ؟!

إنَّ مُعجَمها تعثَّرَ بارتياب العاشقينْ

وليسَ ثَمَّةَ من يقينْ

بما ادعتهُ..

ستندمينَ .. إذا ارتضيتِ حدودَ فتنتها..

فذاكَ فضاؤها

ابتعدي قليلاً أو كثيراً.. وليكنْ لكِ ما يخصّكِ من فضاءْ" (12) .

هنا، تتعدى الرؤيا حيز المشهد الحواري الوصفي لتدخل قمة المعمعة الشعورية بين إحساس الذات الشعرية، والشخصية الروائية التي تنفتح على أكثر من محرق دلالي، وكأن المشهد الحواري الغريزي الذي تنطق به شخصيته الروائية يرتد إلى الداخل، إلى الإحساس بالتمرد والثورة على الواقع، بكل ما فيه من سلبيات، ومواقف صاخبة تمتد في مسار رؤيوي، على أكثر من محرق دلالي، وأكثر من رؤية، كما في قوله:

كيفَ التقاها ؟

عندَ بابِ الفندقِ الجبليِّ .. في .... ؟!

كانت بقبَّعَةٍ وبنطالٍ قصيرٍ

لم يكن يسعى إليها

كان معتزلاً حزيناً..

هلْ تَذَكَّرها ؟

وإذ حلَّ المساءْ

تَخيَّلته كما تشاءْ

وأدخَلَتهُ خريفَ غابتها.. وأمطَرَت السماءْ

وكأنَّ عُريَهُما أعادَ إليهما..ما كانَ بينهما

و" أسدلت الظلامَ على الضياءْ"

وبانتظار ثمارها

غطّى ضجيج العُريِّ بالأزهارْ

إنَّ أريجها الليلي يدخلُ في استعارات الكلام

وإذ تحاولُ أن ْ.... ؟!

تفيضُ ضفافُها حُمَماً..

وتحرمُ كلَّ مَنْ في الغابة السوداء..

مِنْ نِعَمِ المَنامْ." (13) .

هنا، يقوم الشاعر برصد المشهد الغرامي الحميم المتخيل بين شخصيته البطلة (الليدي شاترلي) وعشيقها، وكأن الشاعر يرصد المشهد عن قرب بإحساس رؤيوي شامل، من خلال الإحاطة بالمكان، ورسم تفاصيله الجزئية، وهذه القوة في رصد المشهد بتفاصيله، هو ما يهب الإحالات الرؤيوية المتخيلة قيمة عليا من التكثيف، والتفعيل الرؤيوي الكاشف، ولهذا، يستغرق الشاعر في رصد المشهد بقوى بلاغية رؤيوية مفتوحة، كما في قوله:

"في مهرجان الماءِ.. تنشَأُ مرَّةً أُخرى ويَنْشَاُ

كان يخلقُها

وتخلقهُ

ويرجو أن تكون وأنْ يكونْ

ويغادران معاً .. ويفترِقان ..

لامرأةٍ من البللور كان قد اقتناها..

من مَزادٍ هامشيٍّ في الضواحي

بعضُ ما قد كان فيها

هل ستخرُجُ ذاتَ يومٍ من تَشَكُّلها المُريب ؟!

وهل تكون ؟

وهل يكون ؟ (14) .

إن اللعبة الاستطيقية الرؤيوية تتبدى في التساؤلات المتخيلة المفتوحة على كم وافر من المفارقات والاستفهامات اللامتناهية عن جمالها، وفتنتها، وثورتها الجسدية التي تكسر حاجز العرف، والعادة، وتحلق في سماء أنوثتها، وفتنتها، وهذا ما يضمن للقصيدة شعرية الرؤيا، وكثافة التعبير، وتنامي الدلالات وانتشار طيفها الدلالي الواسع، وهنا، تتلون الدلالات، تبعاً لمنعرجات الحدث، وفواعل الشخصية، وحراكها الرؤيوي المتجدد، كما في قوله:

"مازالَ حين يمرُّ بالشجرِ المُخاتل .. حيثُ كانا

يَتَخَيّلُ امرأةً.. تَسلَّلُ في الظلام إليهِ..

من مسكٍ وغارْ

شاخت أعاصيرُ البلادِ .. ولَمْ تَشِخْ

فَرَسٌ ..

تَذَكَّرَ ما تجودُ به عواصفُها..

وما تهبُ الرياحُ

حتى إذا اقتربَ الصباحُ

لمَّت بقايا عطرها السريِّ ..واعتكفَتْ بعيداً..

وانتهى الحُلُمُ المُباحُ" (15) .

هنا، يفتح الشاعر بوابة الرؤيا، ليحكي على لسان عاشقها، بما يجول في خاطره، من رؤى متخيلة لرغبته بها والأنس بجسدها البض الجميل، وكأن رغبة الشاعر بها رغبة في العودة إلى عالمه الوجودي العراقي، إلى زمنه القديم، ليستعيد ما كان، فالشاعر أراد أن يجسد من خلال هذه القصيدة فكرة الحب المثالي، أو الثورة الوجودية على الأعراف، والعادات، والتقاليد الاجتماعية، برؤى مفتوحة، تشي بأكثر من دلالة، وتفيض بأكثر من مدلول، وهكذا، تتأسس الرؤى الشعرية على تحريك المداليل الرافضة للأعراف، والعادات، والقوانين الصارمة، وما شخصية (الليدي شارترلي) إلا الشخصية الرمز الثائرة على وجودها، عبر حرية الجسد، والانفتاح به على واقع وجودي مفتوح على كل زمان ومكان، فهي رمز لقوة العراق، وحيويتها، وزهوها في الزمن الماضي، ولهذا، تكاثفت الرؤى، وانفتحت على أكثر من معنى، ومدلول، وإيحاء. وهذا يقودنا إلى القول : إن فواعل الرؤيا الشعرية تنطلق من الرؤى المتخيلة المضافة للشخصيات، والأدوار التي لعبتها بفواعل رؤيوية نشطة، تثير الدلالات الجديدة، وتغدو الشخصيات الشعرية متنفس الشاعر الوجودي في التعبير عن رؤاه العميقة، ومنظوراته الرؤيوية الجدلية للحياة. ولهذا، تلعب الشخصيات الروائية في المتن الشعري دور المحرك للرؤى الشعرية، ودور الباعث الرؤيوي الدافق، لتفاعل الأحداث، والمواقف الرؤيوية –الشعرية التي تبثها القصائد في محرقها الرؤيوي، وحراكها الدلالي المفتوح.

 

الطلياني واللاز وجهان لعملة واحدة .. مصرع أيديولوجيا اليسار على أرض العرب

aboyouns marofiالمقدمة: يقول بن طباطبا: "واليد تنعم بالملمس اللين الناعم وتتأذى بالخشن المؤذي والفهم يأنس من الكلام بالعدل والصواب الحق والجائز المألوف ويتشوف إليه ويتجلى له ويستوحش من الكلام الجائر والخطأ الباطل والمحال المجهول المنكر وينفر منه ويصدأ له فإذا كان الكلام الوارد على الفهم منظوما مصفى من كدر العي مقوما من أود الخطأ واللحن سالما من جور التأليف موزونا بميزان الصواب لفظا ومعنى وتركيبا اتسعت طرقه ولطفت موالجه فقبله الفهم وارتاح له وأنس به وإذا ورد عليه على ضد هذه الصفة وكان باطلا محالا مجهولا انسدت طرقه ونفاه واستوحش عنه حسه وصدئ له1 ويقصد بهذا القول ما يكون عليه الوسيط الذي تقتضيه عملية الاتصال فلا يكفي وجود مرسل ومرسل ورسالة كوساطة بينهما إن لم يكن هناك اتفاق مسبق ولا يخرج عن هذا المفهوم ذلك التواصل الذي يحدث بين المبدع والقارئ فذاك مرسل معلوم وهذا مرسل إليه مجهول الهوية ولكن لا يتم تشكيل الخطاب إلا بحضوره في ذهن المبدع فتكون الواسطة التي يلتقيان داخلها فإما الجفاء والقطيعة وأما المودة والتآلف والتواصل المستمر ويصف الدكتور محمد مبارك صاحب كتاب استقبال النص عند العرب هذه العملية التواصلية والفهم المشترك بأنها أكثر العمليات الأدبية دقة وصعوبة لأنها تلخص العملية الإبداعية برمتها باعتبار أن هناك دافع يؤدي إلى إنتاج النص وتقابله استجابة التلقي كحتمية تلازمية فالعملية في نظره تقتضي أن يتوصل الطرفان إلى الوعي بأهمية العامل المشترك بينهما وهو النص لتهيئة المجال لنمو النص في ذهن المتلقي ولا يكتمل ذلك إلا بإدراك القيم المتضمنة في كل إبداع أدبي لأنه السبيل الذي يجعل أحدهما مفهوما من الآخر2 .مبدئيا هناك جملة من العوامل المشتركة أساسها لغة التخاطب وللغة ركائز ترتكز عليها فتنطلق منها عند استحضار المتلقي ومحاورته محاورة جادة، والبدء تواصلا يقتضي الأقرب كنقطة محورية أساسية لا يمكن تجاوزها والابتعاد عنها إلا باتفاق ضمني يكون فيه للمتلقي رأي يلزم المرسل باحترامه في حدود الإمكان وما من شك أن باختين وهو يتحدث عن الإيديولوجيا في الرواية على أنها مادة أولية في بناء الرواية كان يتحدث عن ذلك العامل المهم في عملية التوافق لأن النص لا يمكن له التموقع خارج الواقع الأيديولوجي المنبعث منه كلغة تختزن مقومات تاريخية عقائدية داخل حيزها الجغرافي بداية ثم تتوسع بعدها إلى ذلك البعد الإنساني في مثاليته المنشودة

وما دمنا بصدد البحث في الرواية كمادة إرسال وتلقي لا تخرج عن هذا السياق فإننا يجب أن نبحث في كيفية التوصل إلى توافق ضمني بين المرسل والمرسل إليه وكل له أيديولوجيته الخاصة هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن كل نص روائي يُبنى على المبدأ الحواري الذي تتصارع فيه شخصيات بأيديولوجيات مختلفة ما يجعل المبدع مقيدا إلى حد ما في إدارته للصراع لأن «العمل الأدبي يمتلك قطبين يمكن تسميتهما بالقطب الفني، والقطب الجمالي. ويعني الأول النص كما أبدعه المؤلف، أما الثاني فهو تحقيق القارئ له(..) ومن التقاء النص بالقارئ يولد العمل الأدبي»3 وهكذا فإن المبدع الذي لا يلتزم بإدارة إيديولوجيات النص بما يضمن التكافؤ والحياد سيرد له خطابه إن آجلا أم عاجلا .

إنّ باختين في معاكسته للنظرة الماركسية يرفض الكلام عن موقف الكاتب أو على الأصح يعتبر الموقف الجوهري للكاتب هو الحياد أمام صراع الأيديولوجيات فلا يتدخل أبد لصالح إيديولوجية دون أخرى إلى الحد الذي يعجز فيه القارئ على تحديد الموقف الحقيقي للمبدع لأن الحياد من منظور أيديولوجي هو أيضا موقف أيديولوجي إلا أنه عندما يكون في إطار فني إبداعي يكون غالبا معبرا عن حيرة معرفية وإنسانية مثيرة للمشاعر4 و هو الذي يصنع التوافق الذي ذكرنا ولكن حين يحاول المبدع توجيه فكر الناس في اتجاه مضاد عن طريق مناقضة المعتقدات النظرية التي كانت من قبيل المسلمات في عصره"5 وينزع إلى التوظيف المادي أساسا للصراع مثلما يرى ماركس الذي ينظر دائما إلى الجانب الاقتصادي بوصفه العامل النهائي الذي يتحكم في غيره من الجوانب الأخرى وهو إهمال واضح للقارئ بما يحمله من معتقدات ومفاهيم وإلغاء لدوره في عملية التحقيق ومهما اجتهد صاحبه في تصديره ضمن قالب فني إبداعي فإنه سيظل يمثل غزوا فكريا يثير مشاعر الاشمئزاز والنفور ولكن هذا الفكر الماركسي بما يحمله من نظريات سياسية وعقائدية سيطر على جزء كبير من الفكر والفلسفة وقد وجد العقل العربي أرضا خصبة كانت لسياسة التجهيل الاستعمارية فضلا في الرضوخ له بسهولة والانجذاب لشعارات التحرر والعدل والإخاء والمساواة التي كان يتغنى بها هذا الفكر وهكذا قفز المفكرون والساسة العرب في حضنه وتبنوه فروجوا له حتى أن منهم من صنف النبي محمد صلى الله عليه وسلم كزعيم ثوري6 فظهر التزامهم الشيوعي سياسيا كسلطة حاكمة وفي كل الفنون الأدبية كاستعمار ثقافي وفي خضم ازدهار الشيوعية واحتلالها القطبية الثنائية آنذاك نزع كتابها والمتعاطفون معها والانتهازيون إلى الخوض في الأدب بكل أجناسه ملتزمين بالتوجيهات الماركسية محاولين فرض الواقعية الاشتراكية في كل نظرياتهم الفكرية، ففي الجزائر يمكن "الاستشهاد بكتاب كاترين سيمون "الجزائر سنوات الأقدام الحمراء" الذي تسلط فيه الضوء على مرحلة هامة من تاريخ الجزائر غداة الاستقلال فهي تجمع فيه شهادات لعناصر شيوعية قدمت إلى الجزائر في إطار مد يد العون لبناء مؤسسات الدولة الفنية لكنها ما فتئت أن تسللت إلى مفاصل الدولة بغرض خلق حالة من الإرباك والتشويش على توجهاتها وجرها للابتعاد عن المبادئ التي قامت على ثورة التحرير المباركة "7 ومن بين الأسماء المتواجدة ضمن الفوج الأول الذي وصل إلى الجزائر نجد فرنسواس لفي شقيقة الصهيوني برنار ليفي Bernard Henri Lévy الذي قام بدور تحطيم ليبيا وهو ما جاء في ص 24 من كتاب "تشكيل تيار أفكار وطنية" على لسان الدكتور مشال مارتيني Michel martiniالذي قدم إلى الجزائر وكله أمل "في المساعدة في بناء نظام اشتراكي والمكوث بالجزائر" ولم يكتفوا بذلك بل نجدهم قد تسللوا إلى كل ثوابت الأمة في محاولة منهم للعبث بها وها هو مالك بن نبي يذكر قصته مع بركات شعبان وهو شيوعي حيث قام بطريقة غير مشروعة بترجمة كتابه"مستقبل الإسلام" دون إذن من صاحبه ونشره دون أن يذكر على الغلاف اسم مؤلفه وهو أحد أوجه السرقة وحسب المؤلف فإن السارق لجأ إلى بعثرة الأفكار وهذا حتى لا تأتي تحت نفس الاسم كطريقة للانتقاص من قيمة الشيء وفي رأيي فإنهم إنما شرعوا في التسلل إلى المجتمع بشتى الطرق والوسائل حتى عن طريق الدين الإسلامي8 لصناعة واقعية اشتراكية بكل الأساليب فلم يراعوا للقارئ حرمة في كل ما أنتجوه فسخروا من دينه ولوثوا تراثه وعابوا عليه التواصل مع سلفه من العلماء محاولين فرضها كفكر شاذ لطالما انتصب في كتاباتهم كأنها التي تحرك العالم وتديره كما يشاء أصحابها .

ونحن من خلال قراءتنا لرواية الطلياني للكاتب اليساري التونسي شكري المبخوت وجدنا هذه الواقعية الاشتراكية تلملم أشلاءها من جديد على يد هذا الروائي وكنا نحسبها بما تحمله من أفكار ولدت ميتة قد دفنها الروس حين فككوا اتحادهم الاشتراكي المزعوم وهو بالضبط ما سوف نقف عليه في هذا العمل الروائي وفي تناصه مع رواية "اللاز" للطاهر وطار .

 

القراءة المجيزة وتأثيرها على لاوعي القارئ

إنّ تثمين وانتقاء أي عمل روائي من طرف زمرة معينة من المروي لهم بغض النظر عن وظائفهم الأدبية و مستوى التلقي لديهم لا يعد بأي حال من الأحوال مقياسا موضوعيا لأن هؤلاء ما هم إلا جزء يسير من كتلة القراء باعتبار أن "النص في صراعه مع عناصر الكتلة لا يرضى أن يكون مقروءاً فقط، بل يحلم بإثارة جملة من التفاعلات تعود على صاحبه نهاية الأمر بما يُقوّمُ به نزعته وتوجهه العام، أو يفتح أمامه آفاقاً أرحب وأوسع."9 إذا فهؤلاء لا يستعطون بأي حال من الأحوال النفاذ خارج دائرة السيطرة والتأثير النصي ثم التفاعل معه تعاطفا أو شذبا ومن ثمة لا يمكن أن يصنف رأيهم فوقيا يُعتد به كمعيار ذا ديمومة "لأن الدور الذي تقوم به لجان القراءة ما هو إلا سلطة تنضاف إلى جملة السلطات التقييدية التي يرزح تحتها الإبداع"10 وهكذا "فالقراءة المجيزة" التي تميز بها لجان التحكيم الأعمال المترشحة، والتي هي قراءة من بين عدة قراءات يقع فيها ما يحصل في غيرها من نجاح أو إخفاق. وحين يصيب القراءة المجيزة خلل ما لا يمكن للجائزة إلا أن تكون بتراء"11 .فإذا كان انتقاء اللجنة لأي عمل يُمكن له التثمين فإنه في حقيقته سيظل مجرد فعل إشهاري كأي عمل تقوم به وكالة إشهار تدفع بالمنتوج إلى واجهة العرض فقط" ويدخل الإشهار كلغة تحريضية -ذات شأن- في ترويج السلعة فتنتصب في وجه "المستهلك" بتقنياتها المتطورة "لتفرض" المنتوج فرضاً يستقر في اللاوعي العام فينقاد إليه." 12 ويبقى بعد ذلك دور الذوق والطعم ومدى تفاعل هذا مع ذاك، فالتتويج في حقيقة تثمين للبضاعة يصنع الرغبة لاقتناء المنتوج لدى المستهلك "القارئ" فقط، وقد يستمر تأثير هذا التتويج أو الإشهار إن صح التعبير عند البعض فيصدرون قرارات ودراسات تتوافق والرأي الذي أفرز عملية الإشهار كما هو الحال بالنسبة للكثيرين الذي أبدوا إعجابهم برواية "الطلياني" مع تفاوت مستوياتهم فظهر التمجيد إما لتعصب وإما لعدم تمييز أو أتى كمجاملة ولم يخرج عن الإطراء إلا قليلا وهؤلاءلم يستمر تأثير التتويج عليهم طويلا، لأن بعضا آخر من القراء هم "جمهور على درجة عالية من الذكاء والذوق والمعرفة، إنه خبير بسرّ العملية الإبداعية وقواعدها وآفاقها، فهو ينتظر من الكاتب تجسيد ذلك الأفق، وتحقيقه في صورة تضمن اللذة والمتعة على السواء. أو تفسح صدر النص لجملة من الصراعات المثمرة بين القارئ والنص من جهة، وبينه وبين الكاتب من جهة أخرى."13 والمؤكد أن رأي اللجنة سيلازم القارئ منهم عند امتطائه صهوة القراءة وقد يُربكه لفترة معينة غير أنه سرعان ما يتراجع ويتلاشى وتصبح "اللغة المستعملة أو اللّسان المسند إلى الذات المتكلمة "14 هو وحده القادر على صناعة (الفعـل التأثيـريL’acte perlocutoire ) لشد القارئ إذا ما وظفت الوسائل الكلامية بتقنية احترافية في تشكيل الخطاب للوصول إلى الهدف شريطة أن لا يكون ذلك بمعزل عن المحيط، وأن لا يكون تعامله مع جمهوره المستحضر زمن عملية البناء النصي فوقيا متعاليا لأن التغريد هنا سيصبح خارج سيمفونية السرب .فلا كتابة من دون قراءة، لأن كل خاصية لغوية في أسلوب الخطاب تطابق خاصية نفسية كما يرى (أمادو ألونسو) ويعني هذا أن الخصائص اللغوية والقيم التعبيرية للغة كاشف للدوافع النفسية وفي الخطاب الروائي فهي كشف عن نوازع السارد من قبل المسرود له وهي أولى درجات الفهم والاستيعاب "15 ، وفي النهاية فإن انطباع اللجنة يلزمها وحدها وما تتويجها رواية الطلياني بجائزة البوكر العربية إلا فعل إشهاري ربما نتج عن تطابق في إيديولوجيات الكاتب وأعضاء اللجنة ورغم ذلك فهو الذي دفعني دفعا ككل القراء إلى البحث عنها وقراءتها.

 يتبع.....

 

ابو يونس معروفي عمر الطيب - الجزائر مايو 2016

........................

هوامش

 1- ابن طباطبا العلوي عيار الشعر ص 14 ذكره الدكتور .محمد مبارك استقبال النص عند العرب ص 154

 2- ابن طباطبا العلوي عيار الشعر ص 14 ذكره الدكتور .محمد مبارك استقبال النص عند العرب ص 154

3- جورج بليخانوف الفن والتصور المادي للتاريخ، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ط1، 1977. ص 116 – 118.

4- الدكتور حميد لحمداني النقد الروائي والايدولوجيا من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي ص 52 انظر الهامش أيضا

5- دليل القارئ إلى النظرية الأدبية المعاصرة" "Guide to contemporary literary theory" أنظر رامان، سلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، دار قباء (القاهرة)، د ط، 1998، هامش ص 40

6- تصريح رشيد بوجدرة الذي أعلن فيه إلحاده بقناة الشروق الجزائرية حصة المحكمة – الجلسة الثامنة – 03/06/2015

7- مالك بن نبي، في الحضارة وفي الايديولوحيا (نصوص غير معروفة ) ترجمة ، تقديم وتعليق محمد بغداد باي الم الافكار الطبعة dl 2167 /2013 ص 83

8- مالك بن نبي، في الحضارة وفي الإيديولوجيا (نصوص غير معروفة ) ترجمة ، تقديم وتعليق محمد بغداد باي الم الافكار الطبعة dl 2167 /2013 ص 85

9- القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص206من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

10- القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص204 من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

11- الجوائز العربية..المكافأة المبتورة المصدر :السعيد يقطين الجزيرة نت 25/2/2016

12- القـراءة و الحداثـة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص204 من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

13- القـراءة و الحداثة مقاربة الكائن والممكن في القراءة العربية ص206من منشورات اتحاد الكتاب العرب2000 للدكتور حبيب مونسي

14- – J. Dubois et al (2001) : Dictionnaire de linguistique، Paris، Larousse.

15- د .محمد مبارك استقبال النص عند العرب ص 63

 

هوشنك أوسي من ارتجالات الأزرق إلى قلائد النّارالضّالة!!

rasheed alahmadصدرت مؤخّراً عن دار "فضاءات"  2016 في المملكة الأردنيّة  للسّوريّ "الكُرديّ" هوشنك أوسي" صاحب (ارتجالات الأزرق) و(الكلام الشّهيد) مجموعة جديدة بعنوان (قلائدُ النّار الضَّال في مديح القرابين ) حوالي 176 صفحة من القطع المتوسّط ، منطوية على ثلاث عشرة قصيدة متنوّعة بالتساوي في كلّ قصيدة، ممزوجة بين العشق، الوطن، السوداويّة، الغَبن، الخيانة إلى حد الاستماتة، الحرب والمجزرة وسفك الدّماء، الأسطورة، وربّما عالم الجن...

هذه المجموعةٍ الشعريّة ذات سقفٍ مقبَّب تتدلّى منها صورٌ مؤطّرة قديمة غير واضحة للقارئ العادي، عملٌ خارج عن المألوف المتداول، المحكي، يضعنا أمام إشكالياتٍ معقّدة، ولغةٍ صعبة للقارئ الذي اعتاد لغة «التواصل الاجتماعيّ» بمفهومها الحديث، أصحاب الوجبات السّريعة.

نحنُ هنا أمام مفهوم «أوركسترا» إيقاع معزوفة قد تستهج بها، بينما تحتاج إلى ضَليع في اللغة كي يلقنكَ اللغة التي تتحدّث بها النصوص الشّعريّة، نحنُ هنا أمام بركات وسليم، في آنينٍ معاً، أمام «أدونيس» الشّاعر، و«علي إسبر» الغامض، والمختلف، أمام عقدةٍ كلاسيكيّةٍ إن جاز التعبير...

أمام مُجازفةٍ في ساحة الشّعر المحكي، البسيط، الذي لا يطلب من القارئ أيّة لغة، سوى مذيعة تلفزيونيّة أنيقة، تلقي على القارئ، صوراً بيانيّة، تشبيهات بليغة، ترافقها عزفٌ حزين...

الأمر هُنا مختلفٌ تماماً، بعيدٌ كل البُعد عن مفهوم «الماغوط» النثريّ، هُنا اجتياحاتٌ لغويّة، واختزالاتٌ مربكة جدّاً، هنا ليس كلاماً كُتِب على يافطة تهتف للثورة، بل تحتاج إلى أدوات لغويّة، وخبرات عالية- عالية- حتّى تتمكّن في الخوض في هذه المعركة التي تبدأ من العنوان المعقّد، الذي قد يصدم به القارئ لما يحمل في طياته احتمالاتً مُتشابكة من «خوفٍ، قلقٍ، انصياعٍ، إرباك...»، لكن الإهداء الذي أهداه الشّاعر «هوشنك أوسي» لحبيبته «نسرين» قد يخفّ من وقع الصّدمة- على القارئ المُرتبك، ويشجّعه على المتابعة، وهول تلك الصّدمة، وهو يقول: «إلى من تفيض من عينيها، حقولُ عبّاد الشّمس، وظلالُ الغابات».

تجنّب "أوسي" في مجموعته الشعرية هذه، السّهولة، والبساطة، عمداً، واختار الطّريق الصّعب، الحذاقة في اختيار المفردات، الصقل والتّرصّع اللغويّ، والتّواشج في إيقاع المفردات، الاعتماد على تشكيل الصّور، والكنايات، والتشبيهات اللغويّة في الكلمة نفسها، والجملة كَكل، الأمر الذي يضعنا أمام تلكَ الإشكاليات آنفة الذكر، عن هذا العمل اللغوي الذي أقل ما يمكن وصفه بالوجبة اللغوية الدّسمة، وهي حرب الاستمتاع واللّعب بالمفردات، حربٌ أعلنها الشّاعر على نفسه أولاً ثم على جمهور الشّعر والنقّاد، والأدباء، وعلماء الطبوغرافيا، والجيولوجيا، والتاريخ ثانياً، لكن ليس باستطاعته أن ينهيها، اختار جمهوره بعناية، ورفض التّصفيق بيدٍ واحدة، قالها علناً لقارئ العناوين، والمقدّمات الجميلة "كش ملك" أنت هُنا في قلبِ معركة "شطرنج" مات فيها جميع الحُرّاس، والجنود، ولم يبقَ سوى أمراء حرب، ورُتب عليا، وملوك، وجبابرة لغة، وقرابين لأبناء النّار الضّالة.

لا أعرف إذا ما كانت قراءتي للنصوص التي احترتُ في تأويلها، كانت مقاربة نوعاً ما،"أوسي" الشّاعر  يسرد لنا قصصه، يضعُكَ أمام كلّ الاحتمالات، ويجعلك تختار رؤيتك، وحاجاتك الشّخصيّة، ما ينقصكَ، ويقول لكَ: احمل حقيبتكَ اللغويّة، وأفسح المجال لغيرك "إنْ شئْتَ أو لم تشأ سأُسيّجكَ بالعثماتِ الصّخرِ في مساراته، والماءِ المنبجسِ، من عظامكَ.. سأدلقُ عليكَ قليلاً من السّماءِ العاشرةِ.." ينسى هذا الكُرديّ الضّال المجروح، أنّه يتكلّم بلغة المنافي، لغته الثّانيّة، وكأنّه يريد أن يُثبت للجميع تعلّقه وعشقه لهذه اللغة، يتحدّى الجميع في هذه العلاقة الحميميّة.

لا يجوز للقارئ أن يقرأ لـ"أوسي" وهو يُفكّر في أمرٍ آخر، سيصعب عليه العودة إلى النصّ من جديد، وربّما يفقد الرّعشة المثقّلة بالدّهشة، والحلول الرّياضيّة، أنت أمام تفاعلات، كيميائيّة، معادلات حسابيّة، أيّ سهوٍ سيجعل من الرقم واحد مليوناً بعشر أصفار.

الأمر الثاني هو، قبل أن تنتهي من حلّ المعادلة، يضعكَ أمام بابٍ آخر، باب العشق، والغزل، فيها قصّة المرأة- ليس الأنوثة المعتادة لدى الشّعراء- وهل يصحّ لهذا الكُرديّ ألا يجعلكَ تنصدم بجدرانٍ من الطّين؟! بنساء الشّمال، اللاتي يحملْنَ في جيوبهنَّ النهر، والمنجل، وأغاني، وعويل وحقول القمح وهنَّ ضائعات عندما يقول: يا عذارى الزيتونِ أفِقْنَ ..ثيبٌ أغانيكنّ ..قفروٌ مراميكنّ ..كذبٌ بشاراتكنّ ..عويلٌ خوابيكنّ ..أفقْنَ من دمكنَّ الدّائخِ في حضرةِ صائغ الضّالات ..هذا الوعلُ يودُّ الاختلالَ بأدغالِ عاناتكنّ".

استخدم الشاعر المواربة، والتّماهي الملوّن في استعمال الشّهوات في مقاطع نصوصه، بالفصحى، كما هُنا أيضاً" حيثُ أنتابك احتلاماً ..هذا قدُّكِ أنضدهُ بالعثماتي وألمي ..هذا شَعرُكِ أتشمّمهُ قصيدةً ..دوَّنها شيطانٌ عاشق ..ها هما نهداكِ أتوسَّلهما كطفلاٍ يتيم .. الشاعر يلج عوالم من مسقطِ رأسه، بسياق تعبيري، وعلى منسوب متفاوت بين المرأة كقضيّة، والوطن كضحيّة، والجلاد، والولوج التدريجي في أقبيته الضّالة، بين خطوط طول كل قصيدة، وخطوط عرض القرابين، يلج في عوالم تلك القرابين خطوةً كلمة.. وهناك مشاهد في نصوصه ينقلنا إليها "أوسي" هي عنوانات قصّة حكايته، بين الحقل والمنجل، وقصّة المنفى والمدينة...

 

راشد الأحمد - كاتب وإعلاميّ سوريّ

مقيم في النرويج

 

شعراء الواحدة (4): دَوْسَر بن ذُهَيْل القُريْعيّ

karem merzaلم تذكر لنا المراجع ترجمه لهذا الشاعر الدوسر سوى هذه القصيدة الواحدة التي ندوّنها، ونتكلم بما يتوفر لدينا، وما يأتي به القلم ُ، تذكر بعض المصادرعند الحديث عن عشائر وبطون تميم المضريه ألعدنانيه أنّ نسبة (الدوسري) تعود إلى دَوْسَر بن ذُهَيْل القُرَيْعي، من ذرية قريع بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم . يقول دَوسر القريعي، وتذكر مطلع قصيدته (1)

 ويذكر د.مسعود بوبو في مقالته (ما أخذه العرب من اللغات الأخرى)، أن معنى كلمة دوسر هي: " إحدى كتيبتي النعمان بن امرئ القيس، اسم نبات، الجمل الضخم، اسم قلعة جعبر المعروفة قرب الرقة بشمال سورية، اسم شاعر هو دوسر بن ذهيل القريعي، ومعناها: (ذو الرأسين) " (2)

والقصيدة يرويها الأصمعي في (أصمعياته)، دون أي ذكر لترجمة له، سوى ذكر اسمه: قال دَوْسَر بن ذُهَيْل القُريْعيّ:

1 - وقائلـةٍ مَا بالُ دَوسَرَ بَعدَنَــا ******* صَحَـا قلبُهُ مِنْ آلِ لَيْلَى وعنْ هِنْدِ

2 - فإنْ تــكُ أثْوَابِي تَمَزَّقْنَ لِلْبِلَى ***** فإنِّي كَنَصْلِ السَّيْفِ في خَلَقِ الغِمدِ

3 - وإِنْ يَكُ شَيبٌ قدْ عَلاني فرُبَّمَـــا ****** أَرَاني في رَيْعِ الشبابِ معَ المُرْدِ

4 - طَوِيلُ يدِ السِّرْبَالِ أَغْيَدُ لِلصِّـــبَا ****** أكُفُّ علـــى ذِفْرَايَ ذَا خُصَلٍ جَعْدِ

5 - وحَنَّــــتْ قَلُوصِي مِنْ عَدَانَ إلى نَجْدٍ****** ولمْ يُنْسِها أوطانَها قِدَمُ العَهدِ

6 - وإنَّ الذي لاقيتِ في القَــلبِ مِثْلُهُ ******* إلى آلِ نجدٍ مِنْ غَليلٍ ومِنْ وَجدِ

7 - إذَا شِــــئْتِ لاقَيْــتِ القِلاصَ ولا أَرَى******** لِـــقَوْمِيَ أَبدَالاً فَيَأْلَفَهُمْ وُدِّي

8 - وأَرْمِي الذي يَرْمُونَ عنْ قَوسِ بِغْضَةٍ * وليسَ عَلى مَوْلايَ حَدِّي ولا عَهدِي

9 - إذَا مَـا امْرُؤٌ ولَّـــى عَلَيَّ بِوُدِّهِ *******وأَدْبَــــــــرَ لـم يَصْدُرْ بإدبــــارِه وُدِّي

10 - ولم أَتَعَذَّرْ مِن خِلالٍ تَسُــــوءُهُ******* لِمَـا كان يَأْتِـي مثلَهُنَّ علــــــى عَمْدِ

11 - وذي نَخَوَاتٍ طامِحِ الرأسِ جـــاذَبَتْ ***** حِبَالِي فَرَخَّى مِن عَلابِيِّهِ مَــــدِّي(3)

الإنسان هو الإنسان، مهما طالت العهود، وانقلبت العصور، الجنس الآخر شغله الشاغل، وإن تكلّف، وتزّهد، وتعفف ...!! لم يطلع علينا إلا بـ (وقائلةٍ)، ويردف بليلى وهند في عجزه، وما أجمل التصوير والتشبيه والطباق في البيتين الثاني والثالث:

2 - فإنْ تــكُ أثْوَابِي تَمَزَّقْنَ لِلْبِلَى ***** فإنِّي كَنَصْلِ السَّيْفِ في خَلَقِ الغِمدِ

 ألم يذكرك هذا الدوسر البالي الرميم، بأحمد الصافي النجفي بعقاله وكوفيته وجلبابه، وبساطة ثيابه، وهو الصارم المهند، ويصكّ مسامعك بقوله:

سنّي بروحي، لا بعدّ سنيني ******* فسأهزنّ غداً من التسعينِ

عمري إلى السبعين يمشي راكضاً ** والروح ثابتةٌ على التسعينِ 

ولكن ربما صافينا النجفي، كان يتلبس المعنى بوقارًوهدوء وابتسامة عابرة ذات مغزى، أما صاحبنا على ما يبدو كان يلهو ويعبث ويلعب مذ فتوته وصبابته، وبقى على عهده حتى اشتعل رأسه شيباً، اقرأ معي:

 3 - وإِنْ يَكُ شَيبٌ قدْ عَلاني فرُبَّمَـــا ****** أَرَاني في رَيْعِ الشبابِ معَ المُرْدِ

على حين دعبل الخزاعي، على ما أظنه قد علاه الشيب مبكراً، إذ في أول إطلالته على الرشيد (172 هـ)، وما كان قد تجاوز الرابعة والعشرين من عمره المديد، أطرب رشيده بفصيدته، ومنها قوله:

لا تعجبي يا سلمُ من رجلٍ *** ضحك المشيبُ برأسهِ فبكى ..!!

وليس غريباً ولا عجيباً مَن مثل دوسرينا الذي قضى حياته لهواً وعبثاً وأنساً مع أصحابه ما بين شيوخٍ بشيبتهم، وشبابٍ بريعانهم، ومردٍ بصبوتهم، يحسّ بالوحشة الرهيبة، والغربة القاتلة حين يفارق ناسه وأهله، وعند عودته لقى ما يلقى الإنسان من جفاء طبع، وغلظة عشرة، وبغض وحقد، بينما ناقته لم تتجشم هذا العناء والشعور، وعادت إلى نوقها وصويحباتها على الطبع الفطري، والجبلة النوقية ...!!! اقرأ وتأمل رجاءً:

5 - وحَنَّــــتْ قَلُوصِي مِنْ عَدَانَ إلى نَجْدٍ****** ولمْ يُنْسِها أوطانَها قِدَمُ العَهدِ

6 - وإنَّ الذي لاقيتِ في القَــلبِ مِثْلُهُ ******* إلى آلِ نجدٍ مِنْ غَليلٍ ومِنْ وَجدِ

7 - إذَا شِــــئْتِ لاقَيْــتِ القِلاصَ ولا أَرَى******** لِـــقَوْمِيَ أَبدَالاً فَيَأْلَفَهُمْ وُدِّي

8 - وأَرْمِي الذي يَرْمُونَ عنْ قَوسِ بِغْضَةٍ * وليسَ عَلى مَوْلايَ حَدِّي ولا عَهدِي

مخاطبة أو محاورة الشاعر العربي لناقته، أو قلوصه، أو فرسه، أمرٌ مألوف في الشعر العربي، فهذا المتنبي يخاطبه حصانه في شُعب بوان ببلاد فارس، ويردُّ عليه:

يَقُولُ بشِعْبِ بَوّانٍ حِصَاني: *** أعَنْ هَذا يُسَارُ إلى الطّعَانِ؟!

أبُوكُمْ آدَمٌ سَنّ المَعَـــاصِي *******وَعَلّمَكُمْ مُفَارَقَةَ الجِنَانِ

فَقُلتُ: إذا رَأيْتُ أبَا شُجاعٍ ***سَلَوْتُ عَنِ العِبادِ وَذا المَكانِ

 وتذكّرت الآن بيتي المنخل اليشكري، وهو أيضاً من شعراء الواحدة، إذ يرفع منزلة ناقته إلى المنزلة الآدمية في شعورها وأحاسيسها:

وأحبـــــها وتحبنى******ويحب نـــــاقتها بعيرى

 

ولقد شربت الخمر بالخيل** الانـــــــــاث وبالذكور

بقى عليّ أن أشركك بوجهة نظري،إذ أرى كلمة (مولاي) الواردة في عجز البيت الثامن، أشكّ في استعمالها بالشعر الجاهلي، لأن الكلمة شاعت بعد الفتوحات الإسلامية، واختلاط العرب بالأعاجم، وهي من كلمات الأضداد، فالمولى تطلق على العبد والسيد، أو المالك والمملوك في عصور المماليك والمملوكات، ولا أعني الدول التي قامت باسمهم من بعد ...!

يكفي ويفي ما سردناه عن دَوْسَرالقُريْعيّ، وإلى ملتقانا مع ابن زريق البغدادي وواحدته الفريدة الخالدة في الشعر العربي...!! 

 

كريم مرزة الأسدي 

....................................

(1) راجع: شبكة العراق الثقافية

http://www.iraqcenter.net/vb/showthread.php?t=52011

(2) (ما أخذه العرب من اللغات الأخرى): د.مسعود بوبو - موقع ستارتايمز

 http://www.startimes.com/?

 (3) الأصمعيات  - مصدر الكتاب: موقع الوراق (3) الأصمعيات: الأصمعي - 1 / 8 - 9

 http://www.alwarraq.com

 وتجدها في (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي 4/ 366

(4) معهد آفاق التيسير للتعليم عن بعد > علوم اللغة > متون علوم اللغة العربية > الأدب > الأصمعيات: معاني بعض الكلمات كما أوردها المعهد:

http://afaqattaiseer.net/vb/showthread.php?t=15077#.VxCG3Hpk9-w

دِ 1 - خلق الغمد: أراد الغمد الخلق أي البالي، فأضاف الصفة للموصوف.

4 - السربال: القميص. الأغيد: المائل العنق اللين الأعطاف. الذفري: العظم الشاخص خلف الأذن أراد أنه يرد شعره إلى ما وراء أذنيه.

 5 - عدان: موضع.

 6 - يخاطب ناقته، يقول: بي مثل ما بك من حنين ووجد.

 8 - يريد بالمولى القريب أو الحليف. الحد: الحدة والغضب. يقول: إنه ينصر قومه لا يريه منهم مناصرة أو عونًا على ما ينوبه من الحقوق.

11 - نخوات: جمع نخوة، وهي العظمة والكبر والفخر. جاذبت حبالى: أي جاذبته حبالى. علابى: في حاشية الشنقيطية «جمع علباء: عرق في العنق». أراد بذلك أنه أذله وأخفضه.

 

قراءة نقدية في نص: جنون في النقل لا في العقل للكاتب العراقي كريم خلف جبر الغالبي

مقدّمة: عندما يطالعني نص للأستاذ كريم خلف جبر الغالبي، أتحضّر لوجبة دسمة من الحكمة والبلاغة، غنيّة بالفلسفة والرموز العميقة، مشبّعة بكل أنواع التوابل المُحضرة من حضارات مختلفة، والعابقة برائحة الأزمان، ليأتي التوازن برشة ملح يتقن الكاتب تقديرها بالكم بدقة متناهية، وبعدها .. لك أن تتمتّع بطعم لن تنسيك الأيام لذّته...

مدرّس رياضيات وتربوي كبير من العراق من مدينة الناصرية، تلك المدينة التي لا يكاد بيت فيها يخلو من عالم أو أديب .. وقد جمع كاتبنا علوم العقل واللسان، فاقترب من حال الفلاسفة ..

 

الموضوع:

عندما قرأت النص، وجدته يغوص في تساؤلات [فلسفية]، تحديداً هو حوارية تدحض الفلسفة الوجودية وإدعاءاتها، تذكّرتُ كتاب / قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن /للعلّامة نديم الجسر مفتي طرابلس لبنان، وهو عبارة عن حوار رائع مطوّل بين شاب متشكك في وجود الله وبين عالم شرعي، يتميّز الكتاب بانسياب مشاهده وأفكاره، وقد عرض فيه الأدلّة العقلية والفلسفية على وجود الله، وكشف عن مواطن الخلل المنهجي في الفكرة الإلحادية، واشتمل على تلخيصات رائعة جداً لأفكار كثير من الفلاسفة الكبار .

ولا أظن أن هذا النص لا يقل شأناً عما جاء بالكتاب.

كمايحضرني ابن المقفع بكتابه الرائع كليلة ودمنة، الذي أجرى فيه [الحكمة] على لسان الحيوان، وللكاتب تجربة رائدة في هذا المجال، هناك سلسلة كتبها على لسان الهدهد والعفريت، وأنا في هذا النص أُكبِر فيه أنه أنطق أنثى بالحكمة وجعلها تجيب على تساؤلات ذكر، بإشارة منه إلى سمو الأنثى ورفعتهاعندما يزيّنها عقل يفوق شَعرها جمالاً ..

وهذا يفتح لنا باباً اخر للتناص تطرّق إليه الكاتب، هو الجانب الإنساني، والمقبولية [الاجتماعية]، المرأة ومكانتها الراقية في المجتمع، وهي مكانة للأسف خسرتها بشكل أو بآخر في أيامنا هذه، أخذ رأيها واستشارتها في أمور كبيرة، تتجاوز نطاقاتها الأنثوية، بل قد تصل إلى فضاءات تتنافس فيها مع ذوي العقول الكبيرة، وقد تفوقهم، فضاءات العلم والحكمة والفلسفة والتحليل المنطقي للظواهرالمتغيرة والثوابت والماديات، إضافة إلى العلوم الإجتماعية، هذا الدور كانت تشغله منذ بدء الخليقة، ولنا في أم سلمة أم المؤمنين خير مثال يوم سألها الرسول الكريم المشورة بشأن أصحابه الذين رفضوا الامتثال لأمره بالرجوع إلى المدينة وعدم إتمام الحج في ذلك العام، وكان حزيناً حائراً، فأشارت عليه صَلّى الله عليه وسلّم بذبح أضحيته والتحلّل من الإحرام، استشارها بأمر يخص الأمّة ..! لم يستشر أحداً من أصحابه، وإنما استشار أنثى، بأمر اربكه ...!

عقل الرجل مبرمج على نظام الصناديق، يصنّف أولوياته في صناديق مختلفة، إذا أراد إحداها بحث عنها، فتح صندوقها وغاص فيه ثم عند الانتهاء منه يغلقه بإحكام، وعملية البحث عن الصندوق قد تكون مربكة وتأخذ وقتاً، أما عقل المرأة فهو صندوق واحد يسع كل عقلها، تضع فيه كل أولوياتها وعلومها واهتماماتها، يسهل عليها الوصول إلى أي منها، كل شيء عندها مرتب في أماكن مكشوفة وظاهرة، لذلك لديها القدرة على الخوض بكل المجالات برؤية دقيقة عميقة حكيمة ومنطقية، ناهيك عن الإخلاص والإتقان الذي تعتمده كأساس لحياة ناجحة .

وهذا ما نجح الكاتب في التأكيد عليه .. المرأة تاجها العقل وليس الشعر ...

وأود هنا أن أشير أيضاً إلى ناحية مهمة أيضاً تعتبر من الأدبيات الاجتماعية الهامة جداً، وهي [أدب الحوار]، وهو حيثية نفتقدها إلى حد ما في زماننا هذا، فن الإصغاء، واحترام المحاور، والتركيز معه في دقائق الحديث، ومحاولة إدراك ما ترمي إليه، أيضاً الحرص على أن يكون الحديث مترابط، ومراعاة السياق والتسلسل والترتيب من مقدّمة وعرض ونتيجة، وهذا فن موجود قديماً في مجتمعاتنا العربية تدخل ضمن فن الخطابة، 

 

الهيكلية الأخبارية والحبكة

١- الزمكانية:

النص (مقالة حوارية) يتبع المدرسة الواقعية الإتباعية الفلسفية التي تميل إلى الحكمة التي تعيش في كل زمان ومكان .

النص منطوٍ تحت النظرية الفن للمجتمع، حفل النص بصور بيانية رائعة وكأن الكاتب يرسم لوحة من حروف لوَّنها ومرّ عليها بعصا سحريّة فأكسبتها هالة ...

إن أخضعنا النص لميزات النص الأدبي السبعة نجده:

١- الربط

٢- التماسك

٣- القصدية

٤- المقبولية

٥- الموفقية

٦- التناص

٧- الإخبارية

يعني يحقق معظم الميزات، لذلك يخضع للتفكيك والنقد

 

٢- الصراع الدرامي:

الصراع (فكري عقائدي فلسفي)، انتهى بنقطة التقاء مُؤسِّسة لبناء فكرة تكون ركيزة لبناء (مجتمع) يقوم على سيادة (العقل والمنطق والحكمة) ضمن أسس ناظمة تهدف لإعادة الإنتماء إلى (الإنسانية بكل ما فيها من قيم راقية).

يبدأ الكاتب مقالته بعنوان مثير / جنون في النقل لا في العقل /

عنوان مُلَخِّص للمقالة، تنفي عن العقل تهمة الجنون، والجنون هو السرطان الذي إن هاجم العقل صرعه ...

الجنون الحاصل هو جنون أتى بالانتقال عبر الأجيال والأزمان ..

حوار يبدؤه شاب باحث عن الحقيقة، يخاطب فتاة تتجلَّى فيها الحكمة في أعلى درجاتها، يلخّص الشاب فكرة النشوء والاستمرار، يبحث أصل البشر منذ بداية الخلق، من زمن أبينا آدم وأمنا حواء إلى النهاية القدرية التي وضعها الله، شريط مجهري متناهي بالصغر، شيفرة وراثية (DNA)، في نواة خلية، لأجلها خلق الله الكون مرّت عبر العصورالطويلة كزمان وعبر تضاريس الأرض قاطبة كمكان، والأرض مستقرها ومستودعها..

عند حدوث الطوفان قدّر لها الله النجاة، نجت بزوجين اثنين على ظهر سفينة نوح، تلاقحا لتأمين الاستمرارية والانتقال، أُنقِذت البشرية بأمر الله، وهذا أمر عصي الفهم على الوجوديين، وعلى يد سيدنا نوح الذي كان من أولي العزم بين الرسل، بنى السفينة التي عبرت بالبشرية إلى مشيئة الله، بطريق شائك رافقته الأحزان والقسوة والظلم، حال الدنيا بالمجمل ..

هكذا قدّم الشاب لحديثه مع الفتاة، يؤكد إيمانه، و وحدة النسل والأصل (أنا يابنة النبي من سلالتكم)، يوقّر محدّثته (يا ابنة الأنبياء، ويؤسّس لحديثه معها بطريقة حضارية راقية، بادئاً بتحضير القلوب وغسلها من الذنوب، على مبدأ (التخلية)، ثم يمضي في حوار بنّاء يقصد فيه الوصول إلى إقناع واقتناع ...

يستأذن بطرح أسئلة حار منها عقله، وتألّم منها قلبه، أسئلة عقيدة ..

الشمس والقمر، آيتان ماديتان متناوبتان ..

الليل والنهار، آيتان زمنيتان متناوبتان..

إن كان الشمس أو القمر مخلوق مادي ثابت، فهل الليل والنهار ثابتان أيضاً؟ أم أن ليل الأمس غير ليل اليوم؟ ونهار الغد غير نهار اليوم؟

لنلاحظ أدب الحوار ...

مهّد لحديثه بطريقة لبقة جداً، أثنى على رجاحة عقل الفتاة، وسأل أسئلته وانتظر الإجابة ...

أين نحن من ذاك الأدب؟

يأتيه الجواب بفلسفة علمية راقية، ومحاكاة عقلية:

هناك فرق بين الولادة والتكرار، وعلى من يقارن بينهما أن يكون محايداً، هذا شرط، لأن من الوارد أن يكون منتمياً لأحدهما أو للاثنين دون أن يدري ..

القاعدة الأساس التي يحب الاتفاق عليها لفهم الفرق بين التوالد والتكرارهي [الجزءأصغر من الكل ولا يمكن أن يساويه] هذه قاعدة في علم المادة، يجمع عليها الجميع وأولهم الوجوديين .

 

٣- العقدة

يقاطعها كعادة البشر [لتوالد وهم لتكرار لا نشعر به]!!

[وعلى اعتبار (خاطئ) أن الجزء يساوي الكل والكل يساوي الجزء]

والصحيح [أن الجزء يماثل الكل في مادته لكن لا يساويه]

هذا الإفتراض يقود إلى تساؤل أخطر هو [هل الفرد هو تكرار لموجود أم أنه توالد مستمر؟ وما معنى التكرار؟ هل هو وجود شيء مطابق للشيء نفسه؟ أم أنه الشيء نفسه لكنه بدّل أماكنه؟ بهذه الحالة تكراره لا يعني تكرار وجوده وإنما تكرار ظهوره، وهل التوالد مختص بالمادة دون الروح؟ويأتي السؤال الأخطر: هل نحن تكرار لشخص واحد ينتهي بآدم؟]

 

٤- الانفراج

أسئلة تتحدى العقول، تأتيه الإجابة من جنس السؤال، هي تستخدم معه نفس الأداة التي يقارع بها، العقل والعلم والمنطق:

[التوالد هو تكرار يمر بأطوار، الإنسان هو إنسان الأمس، هو آدم بمادته، كما الليل والنهار والشمس والشجرة كمادة، النخبة التي أسقطت رطباً على مريم بنت عمران هي نفسها نخلة اليوم بمادتها والتي قدّر الله عليها أن تطرح نفس الرطب]

وبمنتهى الذكاء والفطنة هي تطرح عليه سؤالها: [هل ننتظر من إنسان اليوم ما انتظرناه من آدم؟وهل على إنسان اليوم أن ينتج ما أنتجه آدم؟]

سؤال جعله مشدوهاً ..!

لكنه يجيب معترفاً بعجزه:

[ما أسهل الجواب عندما ننظر للخلقة (المادة) وما أعجزه عندما ننظر إلى ما وراء المادة، العقل وأفكاره، فهل عقل الأمس كعقل اليوم؟هكذا ينبغي للسؤال أن يكون .. إنسان هذا العصر الذي بلغ أعلى درجات التطور على المستوى المادي، هل بلغ عقله أيضاً نفس درجة التطور؟

هل نملك عقولاً أكثر تطوراً من عقل آدم؟]

 

٥- النهاية:

تأتي إجابتها قمة في الإبهار:

[إذا كان الأمر كذلك، فالقمة ليست أكثر أهمية من الأساس، وما نريد أن نبنيه لا بد من الاهتمام بأسسه وقواعده أكثر من قمته، فهل يحقّ لنا أن نقول: أيننا من عقول آبائنا، أم أننا نقول: أينهم من عقولنا].

وتدور الدائرة ...بين القمة والأساس...

 

الجمالية في النص والأسلوب

١- السرد:

الكاتب مختبئ بحوار شخصيتين، ادعى أنه فقط ينقل حوارهما، لكنه بالحقيقة هو المحرّك والموجّه الرئيسي للفكرة

 

٢- الحوار:

خارجي مباشر كشف أبعاد الشخصية وأظهر النفس الغامضة فيها، قام بوظيفته بالتطور بالحدث للوصول إلى عقدة، انتهت أيضاً بالحوار إلى انفراج، ونهاية تدويرية رائعة ..

 

٣- الصور البلاغية:

النص زاخر بالصور البيانية والاستعارات

يا أول بنت آدم # كناية عن الأخوة

تعتز له كل خيوط شباك الكون # استعارة مكنية

يا ابنة النبي، يا ابنة الأنبياء # كناية عن كرامة الأصل

ما أناإلا نقطة تصب في خلية حسية # تشبيه تمثيلي

معبداً ذلك الطريق بإيفاء من دموع الحرمان # استعارة مكنية

صابغاً أرصفته بلون احمرار طرفي عينيه اللائذتين .. # استعارة مكنية

أسئلة في القلب جائرة، وفي العقل حائرة # استعارة مكنية

القلب - العقل # طباق إيجاب

حائرة - جائرة # جناس ناقص

مرئي - لا مرئي # طباق سلب

قمة- أساس # طباق إيجاب

 

الشخصيات:

شخصيتان رئيسيتان، الشاب المؤمن حقيقة لكن تؤرقه تساؤلات فلسفية وجودية عديدة، حار فيها وحزبه أمرها فلجأ إلى الشخصية الثانية، ويبدو أنها مشروع حبّه، زوّدها الكاتب بالحكمة والفطنة، وجعلها تقود الحوار لتوصل الشخصية الأولى إلى العقدة، وبعدها تستلم هي الزمام لتصل بالحوار إلى الإنفراج ومن ثم النهاية ببراعة كبيرة .

 

الدلالات السيميائية:

ألقيت الضوء على ثلاث مفاصل في هذا النص ...

١- فلسفي:

- الشمس هي هي # المادة

- فهل أن الليل والنهار هو هو؟# هل الليل والنهار مادة؟

- إن ما يأتي من ليل لا يشبه ليل مضى #الليل ليس واحد، ليس مادة

- وما يأتي من نهار لا يشبه نهار قضى # النهار ليس هو هو ليس مادة .

- هناك فرق بين من يتوالد وبين ما يتكرر # هناك فرق بين المجسم واللامرئي.

- الجزء أصغر من الكل ولا يمكن أن يساويه # قانون طبيعة

- هل التوالد مختص بالأجسام دون الأرواح طالما الروح واحدة # سؤال فلسفي وجودي

- التكرار وجود شيء مطابق للشيء نفسه؟ # سؤال فلسفي

- ام أن الشي نفسه قد تعددت أماكنه؟ # سؤال فلسفي

- وهذا لا يعني تكراره وإنما تكرار ظهوره # استنتاج فلسفي

- هل نحن تكرار لشخص واحد؟ #

سؤال فلسفي

 

٢- حكمة ومنطق:

- التوالد هو تكرار لا بد أن يمر بأطوار # استنتاح منطقي

- إنسان اليوم هو إنسان الأمس # استنتاح منطقي

- هل ما ننتظره منك كالذي انتظرناه من آدام # سؤال منطقي

- هل عقل الأمس كعقل اليوم؟ # سؤال منطقي

- هل نملك عقولاً أكثر تطوراً من عقل أول ابن لآدم؟# سؤال منطق

- القمة ليست أكثر أهمية من الأساس # حكمة

- ما نريد أن نبنيه لا بد من الاهتمام بأسسه وقواعده أكثر من قمته # حكمة

- أيننا من عقول آبائنا أم أننا نقول أينهم من عقولنا؟# سؤال واستنتاج منطق

 

٣- الأدبي الاجتماعي:

- ما بيني وبينك يا أول بنت آدم، يا ابنة الأنبياء، أنا يا ابنة النبي # توقير وتبجيل للأنثى ومدح لأصلها وكرامتها.

- لن يمنع وصولي إليك قطع من ليل ولا تلافيف من نهار # إصراره على وصلها والسعي إليها

- فما بين القلوب لا تحجبه إلا الذنوب # تأكيد على صفاء نيّته اتجاهها.

- ولا بد لك تجيبي على أسئلة في القلب جائرة، وفي العقل حائرة # إقرار ضمني برجاحة عقلها وطلب مباشر للمشورة

- أنصتي إلي في لحظة عابرة واسمعي قولي هذا # استئذان بالإصْغاء

 

الخاتمة:

الحقيقة لا أنكر مطلقاً أن النص أتعبني في الجري وراء كوامنه، فهو نص فلسفي رمزي بمسحة سريالية، الغوص فيه عميق، وسبر دواخله منهك، لكن لذة البحث وتفكيكه تجعل التعب يزول بسرعة لتحل مكانه نشوة ظفر ...

تحياتي وتقديري للأديب الفيلسوف كريم خلف جبر الغالبي، أتمنى أن أكون موفقة في إعطاء النص حقه بقراءتي هذه ...

 

 

جنون في النقل لا في العقل

ما بيني وبينك يا أول بنت لآدم، ليس سوى خيطٍ واهٍ من خيوط شبكة عصور عنكبوتية، وما أنا إلا نقطة عصب في خلية حسية، تهتزُّ لها كل خيوط شباك الكون، مروراً بعصورها الجليدية حتى آخر عاصفة في صحراء الجزيرة العربية، أنا يا ابنة النبي من سلالتكم، ركبت في سفينة نوح بعد أن رست على أرض منفية في آخر جزيرة من جزر يعيش عليها من كل زوجين اثنين، فما زال سكانها يرقبونه آتياً على أول طريق اختار الرحيل فيه بعد الطوفان، عسى أن يحتفي معهم كي يمنحونه وسام البقاء على أرضهم المنسية، لقد رسم ملامح ذلك الطريق بيديه المتعبتين من دقِّ المسامير على آخر خشبة سندت أضلاع تلك السفينة، معبداً ذلك الطريق بإسفلتٍ من دموع الحرمان، صابغاً أرصفته بلون احمرار طرفي عينيه اللائذتين خجلاً من أنظار شرار قومه المستهزئين، يا ابنة الأنبياء سوف لن يمنع وصولي إليك قطع من ليل ولا تلافيف من نهار، فما بين القلوب لا تحجبه إلا الذنوب ولابد لك أن تجيبين على أسئلة في القلب جائرة، وفي العقل حائرة، فأنصتي إليَّ في لحظة عابرة واسمعي قولي هذا:

- إذا كانت الشمس هي هي وكذلك القمر، فهل إن الليل والنهار هو هو أيضا؟ أم إن من يأتي من ليل لا يشبه ليل مضى؟ وما يأتي من نهار لا يشبه نهار قضى .

أجابته:

- لابد لنا أن نعرف بأن هناك فرقاً كبيرا بين من يتوالد وبين من يتكرر، والذي يجيد فن المقارنة بين الاثنين لابد أن يكون حيادياً، وإن كان ينتمي لأحدهما دون أن يدري، أو ربما ينتمي إلى اثنيهما في عالم لا مرئي، ولكي نفرق بين التوالد والتكرار لابد لنا أن نعرف، أن الجزء أصغر من الكل ولا يمكن أن يساويه .

قال لها:

- ما يحدث من توالد ما هو إلا وهم لتكرار لا نشعر به، فإذا كان الجزء يساوي الكل والكل يساوي الجزء، فهل الفرد هو تكرار لفكرة وجود أم توالد مستمر؟ وهل التوالد مختص بالأجسام دون الأرواح طالما الروح هي واحدة؟ وما معنى التكرار بالضبط؟ هل هو وجود شيء مطابق للشيء نفسه؟ أم إن الشيء نفسه قد تعددت أماكنه، وهذا لا يعني تكراره وإنما تكرار ظهوره، وهل نحن تكرار لشخص واحد ينتهي بآدم؟

أجابته:

- في هذه الحالة لابد لنا أن نعترف إن التوالد هو تكرار لابد أن يمر بأطوار، فإنسان اليوم هو إنسان الأمس، وما أنت إلا كأول الخلق من آدم، لأن الليل هو الليل، والنهار هو النهار، والشمس هي الشمس، والشجرة هي الشجرة، وأن النخلة التي تساقطت رطباً جنياً على مريم بنت عمران هي هي نخلة اليوم، وعليها أن تمنحنا الرطب نفسه، وهنا لابد من سؤال: فهل ما ننتظره منك كالذي انتظرناه من آدم؟

قال لها:

- ما أسهل الجواب عندما ننظر للخلقة وما أصعبه وأبعده منالا عندما ننظر إلى ما وراء الخلقة، إلى ذلك العقل وما جاء به من أفكار، فهل عقل الأمس كعقل اليوم؟وما دمنا في أعلى درجات التطور، فهل نملك عقولاً أكثر تطورا من عقل أول ابن لآدم؟

أجابته:

- إذا كان الأمر كذلك، فالقمة ليست أكثر أهمية من الأساس، وما نريد أن نبنيه لابد من الاهتمام بأسسه وقواعده أكثر من قمته، فهل يحق لنا أن نقول؟ أيننا من عقول آبائنا أم إننا نقول أينهم من عقولنا؟

 

قدّمتها الناقدة السورية الدكتورة عبير خالد يحيي

 

رؤية تحليلية لنص الأديبة فيحاء نابلسي (يقهقهون)

يقهقهون

يغوص في لجّةٍ لزجة، يستجدي أنفاسا عسيرة، يجاهد في انتزاع جسده العالق، ينازعه توق لبعض هواء، قوّة خفيّة تدفعه إلى أعلى، تباغته نسمة باردة تملأ رئتيه بشهقة قصيرة تغادره على عجل زفيرا لاهثا، ينتفض مُجفلا .. ينصت ساكنا لنبضه المتسارع، يتوه لوهلة عن الزمان والمكان، يعبر عتبة الغياب إلى الحضور بمزاج كَدِر...

كم لبثتُ غافيا؟؟ يسأل نفسه وهو يرمش بعينيه .. ربما دقائق .. أو ساعات!! يملأ حدقتيه الظلام .. لا يبين شيئا حوله، يفتح عينيه على اتساعهما يقتفي أثرا من نور يكسر حدّة العتمة .

يتحسّس بأصابعه جواله تحت الوسادة، ينقر مفتاح التشغيل، تضيء الشاشة، الثانية وخمس وعشرين دقيقة بعد منتصف الليل، لم يمض على غفوته سوى ثلث ساعة !! ما الذي أيقظه؟؟؟ .. ملعون من أرّقه كائنا من كان .. يتحسس جسده بيديه، ما يزال بملابس العمل، كان ينوي أن يستريح قليلا ثم ينهض ليأخذ حماما دافئا ويرتدي ملابس نوم نظيفة، لم يمهله التعب .

ضحكات مجلجلة تقتحم سكون غرفته، يتأمل المروحة الساكنة في السقف، تقنين الكهرباء الطويل وحرًّ الصيف الخانق يلجئه إلى تلك النافذة المشرعة على الظلام وضجيج الجوار وأسراب البعوض الذي لا يرتوي من عروقه الضامرة ...

تدوي الضحكات من جديد، تخرق هدوء منتصف الليل، تعبث بمزاجه، كعازف سيء ينقر نغمات نشاز على أوتار مشدودة . ليس ضحكا، يبدو قهقهة، أو شيء أشبه بصهيل خيل جامح، يخفت قليلا ثم ينتهي بشهقات وصوت شخير ..

يقهقهون !!! ... تتعالى الضحكات في سكون الليل، تداهم الصمت، تغتال السكينة، تسري في أعصابه كشحنة كهربائية عالية في سلك مكشوف، يرتعش، ينتفض، يكور قبضته وهو يزفر حنقا وغيظا .. لعلهم شلة من الفاشلين يقتلون الوقت بلعب الورق وسيَرِ الناس .. عديمي الاحساس والضمير، يسمرون ويلهون من غير اعتبار لراحة الجيران وكأنهم يعيشون على جزيرة مهجورة .

يتخيل نفسه ماردا عملاقا بعضلات مفتولة، يحمل هراوة ضخمة يهوي بها على رؤوسهم الفارغة، يحطم عظامهم، تتناثر أسنانهم على الأرض كحبات البرد المتساقط، يهمدون، تخمد أصواتهم، تمنحه الصورة شيئا من الراحة، تسترخي عضلات وجهه المشدودة، يباغته خاطر كومضة برق في ليلة حالكة .. ما الذي يمكن أن يجعل أحدا في هذا البلد يبتسم ؟؟ .

يتغضّن جبينه ويتقارب حاجباه وهو يعتصر ذاكرته مستجديا ذكرى آخر مرة ضحك فيها، تتوه الذكريات، ترمح بعيدا إلى مراتع الطفولة، تتباعد شفتاه كمزلاج باب صدأ، تفتر عن ابتسامة مبتورة، تسترخي قسمات وجهه، يستريح حاجباه فوق عينين مترعتين بخيالات وضيئة، يتنهّد بصمت ..

كانوا يضحكون .. يضحكون في أي وقت وعلى أي شيء ومن أي شيء ومن غير سبب . كانوا يضحكون حتى تسيل ريالتهم ويمسحون أفواههم بأطراف أكمامهم، يضحكون حتى تختفي أصواتهم، وتسيل دموعهم، أحيانا كانوا يبللون سراوليهم عندما يستغرون في ضحك طويل ... كانوا يضحكون لأنهم كانوا لا يفهمون .. عندما فهموا أصبح الضحك شحيحا، غار بعيدا في هوة الوجع والحسرة على ما أرادوا وما كان ..

عادت الأصوات تصهل عاليا، يهمّ بالنهوض، يسحب نفسا عميقا يزفره بحنق، تختلج تفاحة آدم وتكاد تفر من حلقه صيحة غضب مجلجل، يبتلع غيظه، يسرح بصره في ظلمة المكان، ينكفأ على نفسه، يتعثر في تيه لجي، ظلمات بعضها فوق بعض إذا تلمس دربا لم يكد يراه ..

تتقافز خواطره في رأسه كأرنب مذعور يفر من طلقات صياد شره .. شهاداته الغافية في ملفها على رف الخزانة !! خطيبته التي أذبلها الانتظار !! ميراث جدّه الذي يأبى أعمامه الاتفاق عليه !! أكوام القمامة التي يتعثر بها كل يوم في طريقه !! مصاص الدماء الذي يعمل تحت امرته !!

و .. و .. و .. سبعون ألفا وثلاثمئة وسبع وثلاثين .. !! .... موظفة أنيقة تسلمه البطاقة، تبتسم تكرر الرقم المحظوظ، سبعتان وثلاثتان، رقمان محظوظان تكرر بضحكة خافتة، يستجر من أعماقه ضحكة يجاملها بها كما لو أنه ينزح قعر بئر جاف، يزيحه المراجع التالي عن النافذة، يتتابع المراجعون، يستلمون بطاقات تعدهم بوظيفة في علم الغيب، يتنحى جانبا يتأمل بطاقته، يحدق في السبعتين، يتخيلهما اشارتي نصر، يبتسم، يضحك، يقهقه، نملأ قهقهته المكان، يمسكون به، يسحبونه خارجا، يتعثر بخطواته، يقع، ينهض،، يتابع الضحك، يتلفت إليه المارّة، بعضهم يبتسم، بعضهم يضحك وآخرون يكيلون له الشتائم والسباب لكنه يتابع الضحك ...

تدفقت في خياله اشارات النصر الكثيرة التي شهدها خلال أربعين سنة، النازحون من الجنوب باتجاه الشمال كانوا يرفعون اشارات النصر، أيضا العائدون من الشمال إلى الجنوب وكذلك الذين ذهبوا شرقا والذين جاؤوا من وراء البحار وكل الذين هتفوا وقفزوا ورفعوا أعلاما وشارات وشعارات كلهم شرعوا السبابة والوسطى في الهواء محتفين بالنصر بينما الوطن ملقى كخرقة بالية يقضمها على مهل جرذ هرم ..

تنفجر ضحكات مجلجلة، تنفذ إلى حطام نفسه شواظا من قهر وكمد، يهيج الألم أعاصير حزن وزوابع أسى، تتصدع جدران صبره ينهمر الوجع ضحكات مجنونة، تعلو ضحكاتهم، يقهقه، يقهقهون ....

فيحاء نابلسي

.........................

 

يندرج النص تحت مسمى ق ق، بدايته عنونة "يقهقهون" .. وقفت عند العنوان كثيراً، أسأل نفسي أيقهقهون فرحاً وسعادة، أم قهقهة المغلوب على أمره الممتلئ قلبه حزناً وكمداً ... تماشياً مع المثل القائل "شر البلية ما يضحك"، دفعتني التساؤلات للولوج بالنص كي أحصل على إجابة لتساؤلاتي وحيرتي ولأتمكن من سبر غوره فوجدت أن الكاتبة تكتب بأعمدة رمزية رائعة الجمال وبرمزية لم تصل إلى التلغيز العميق .. ساعدها أسلوبها الذي يحوي إزاحية خدمت النص وأضافت جماليات لمقصدية الكاتبة، العنونة هنا قوية تجذب المتلقي تجعله يبحث عم يُضحك هؤلاء .. علام الضحك ولِمَ؟ .. وجاء العنوان فعلا مضارعاً "يقهقه" "ون" ... الفعل المضارع يفيد استمرارية الضحك مما يدل على استمرارية مسبب الضحك، وإضافة "ون" تفيد أن الضحك أصاب مجموعة كبيرة وليس فرد أو فردين ... فالظاهرة عامة .

بدأت الكاتبة بوصف بطل القصة بأنه يغوص في لجةٍ لزجة ... استوقفتني كلمة لجة وهنا يجوز تفسيرها بأنه يغوص في تزاحم من الأصوات حوله بكل مكان ويجوز أن تفسر بأنه يغوص في عرقه ومن كثرته أصبح لزجاً، ويجوز أن تكون اللجة بحر الحيرة الذي غاص فيه وبمائه اللزج الذي يغرقه ولا يساعده على أن يطوف فوقه، وحينما تعمقت في النص وجدت أن الكاتبة كانت من الذكاء الذي أصفه بأنه ذكاء شديد فاختيارها لتلك الكلمة "لجة" أرادت بها كل المعاني معاً فجميعها تنطبق على ما تريد قوله .

" أنفاسا عسيرة، جسده العالق، بعض هواء، إلى أعلى، بشهقة قصيرة،زفيرا لاهثا" ... هذه الكلمات جميعها جعلتني أتيقن من قصدية الكاتبة في اختيار كلمة لجة .... ثم تضيف بعد ذلك (مُجفلا، نبضه المتسارع، يتوه، مزاج كَدِر، غافيا؟؟)... أزالت الكاتبة حيرة القارئ وأجابت تساؤلاته عن مكانية بطل القصة فهو استيقظ من نومه فزعاً تتسارع نبضاته، تائهاً فلا يعي الزمكانية، ومزاجه كدر ... وضعتنا بكلماتها ووصفها هذا داخل الحدث لنعيشه لكننا كنا لا نقرأ بل كنا نشاهد مشهداً صورته الكاتبة ببراعة جسدته أمامنا مشهداً تمثيلياً حياً لا كلمات تُقرأ.

صورت لنا باقي المشهد بكلمات (يرمش.. ربما دقائق ... أو ساعات !! الظلام ... لا يبين، يقتفي، نور، العتمة) ... اختيارها دقيق للكلمات التي تريد أن توصل بها ما تريد قوله للمتلقي وما تريد أن يشعر به ... فتح الرمش بصعوبة دلالة الاستغراق بالنوم، لا يبين دلالة شدة العتمة التي يعيشها حتى في نومه، يبحث عن النور فما حوله حالك السواد .. وهناك شعاع من نور يمكن أن يشعره بأن هناك حياة وأنه ليس بظلمة القبر فهو ما زال على قيد الحياة .

تزيدنا الكاتبة توضيح وتفسير أسباب الحالة التي يمر بها بطل قصتها باختيارها لكلمات أخرى خدمت قصديتها بشدة (يتحسس جسده، بملابس العمل، ثم ينهض، حماما دافئا، نظيفة،، التعب) لقد غط في نوم عميق من شدة التعب فهو مازال بملابس العمل وكان ينوي أخذ حمام دافئ وتبديل ملابس العمل بملابس نظيفة ويستريح ... لكن لم يمهله التعب .. فللجسد حق علينا وإن لم نعطه إياه أخذه عنوة ودون سابق إنذار.

تنقلنا الكاتبة لتصوير كيفية معيشة بطل القصة بإنتقائها كلمات لها دلالات توضيحية تفسيرية رائعة (ضحكات مجلجلة، المروحة الساكنة، تقنين الكهرباء، حرًّ، النافذة المشرعة على الظلام وضجيج الجوار، البعوض، عروقه الضامرة) ... المنطقة التي يقطن بها مزدحمة، الجوار فيها متقارب، تصل إليه همسات الجيران فما بالنا بضحكاتهم الصاخبة، هو ليس تعباً فقط .. إنما تقنين الكهرباء والوضع الذي يعم على وطنه جعله يستجدي نسمة الهواء من النافذة التي تطل على ظلام دلالة إنعدام الأمل في رؤية بصيص نور الحرية والمعيشة الإنسانية فحتى البعوض لا يتركه في حاله أيضا يمتص ما تبقى من دمه .

تزيدنا الكاتبة تفسيراً بالدخول في مكنون عنوانها" يقهقهون" ... (الضحكات، تخرق، الليل، تعبث بمزاجه، أوتار مشدودة .، قهقهة، خيل جامح، شهقات، شخير).. ها هو يسمع جيرانه يقهقهون بشدة حتى تشبه قهقهاتهم صهيل الخيول الجامحة دلالة تشبيه انخراطهم في ضحك هستيري أكدته بكلمتي شهقات وشخير ... مما زادني اصراراً على أن الكاتبة تتحدث عن (شر البلية ما يضحك) .

جاءت جملتها التالية حشواً زائداً واستزادة في شرح الموقف مما يضعف المشهد ويعطى المتلقي إحساساً بالملل من قراءة هذه الجمل (تتعالى الضحكات في سكون الليل، تداهم الصمت، تغتال السكينة، تسري في أعصابه كشحنة كهربائية عالية في سلك مكشوف، يرتعش، ينتفض، يكور قبضته وهو يزفر حنقا وغيظا).... كان من الممكن اختصارها بجملة واحدة تحتوي على الكلمات الأخيرة كأن تقول (تشنجت أعصابه كشحنة كهربائية عالية في سلك مكشوف، يرتعش، ينتفض، يكورقبضته وهو يزفر حنقاً وغيضاً) .

يخمن بعدها أسباباً لاختراق تلك الضحكات سكون الليل دون مراعاه الجار وحقوقه ... ثم يأتي تخيل بطل القصة العنيف تجاه مصدري ذلك الإزعاج ذلك العنف الذي اعتبره زائداً مبالغاً فيه فلو تمنينا أن نفعل بكل من يؤذينا مثلما فكر بطل القصة لكثرت الجرائم بشكل لا يمكن تصوره فنحن نعلم أن نصف الأحلام والأماني تقريباً يتم تحقيقها .

يأتي سؤاله الذي كان لابد أن يكون أبدر من ذلك فقد تأخر في سؤاله جدا ... ما الذي يمكن أن يجعل أحداً بهذا البلد يضحك هكذا؟ ... سؤال أدخلنا في معمعة الوطن الحزين ... و دلالة على أنه لا يوجد شيء بالوطن مفرح أو حتى يمكن أن يرسم ابتسامة على وجه أحد .. وكثرة المآسي والأحزان وعمومية الحالة على جميع المواطنين مؤيد لما يحدث ومعارض له .. الكل حزين لا يبتسم.

يتذكر الأيام الخوالي السعيدة وقتما كانوا يضحكون حتى تسيل الريالة والدموع والبول أيضاً .. الآن السائد هو الوجع والكسرة والحسرة .

تطيل الكاتبة بزيادة وصف وتكرار حاله عندما سمع الضحك من جديد مما أعتبره إسهاباً وتطويلاً وإعادة كان لابد من التقليل منها لتزداد جمالية النص .

يعدد في خواطره كل ما يضايقه ويعيشه مرغماً بداية من شهادته الغافية إلى القمامة التي تسكن الشوارع ... تتزاحم جميع المقطبات للجبين برأسه الذي شبهته بأنه كرأس أرنب يفر من طلقات الصياد الشره وفي تشبيهها إثراء للحالة التي أرادت وصفها .

تنقلنا نقلة أخرى من الضيق وانطباق الضلوع على الأحزان إلى سماع رقم من موظفة أنيقة فيصبح بنفس الحالة التي كان يعيشها جيرانه ليلاً ...أناس يقهقهون وهو لا يستطيع الإبتسام .. إنقلب الحال ويقهقه هو ومن حوله أصبحوا بمثل حالته ليلاً ... لا حال دائم وما تعيبه على أحد قد تجد نفسك فاعله بعدها مباشرة ...

يشاهد في طريقه إشارات النصر شاهدها كثيرا من قبل خلال أربعين سنة مضت .. وهنا يأتي السؤال الاستنكاري كيف يكون نصراً والوطن ملقى كأنه خرقة بالية بقضمها على مهل جرذ هرم ؟؟!!! ... فيقهقه بشكل هستيري مجلجل قهقهات قهر وكمد قهقهات ألم وأسى إنها القهقهات المجنونة قهقهات شر البلية .

الفن لا تأسره حواجز ولا ترسمه آفاق والكاتبة أظهرت هنا فناً رائعاً رسمت هي آفاقه بيدها لم توجز بل أسهبت وتغلغلت في وجدان بطلها لتوصل للمتلقي مقصديتها فلم توصل ما تريد بل تغلغلت هي داخل القارئ بحروفها السلسة وتدريج الإسلوب من فقرة لفقرة حتى تصل لما تريد قوله، هي لم تغص بخلجة من خلجات النفس البشرية بل غاصت بخلجات عدة مما يعطيني انطباعاً مؤكداً بأن الكاتبة روائية أكثر منها كاتبة ق ق ...

رسمت الكاتبة تفاصيل ملامح البطل الجسمانية والنفسية والعقلية كذلك الإمكانيات الإقتصادية والثقافية والحالة النفسية ومعطياتها إعتنت بذلك عن طريق التصوير والتشبه والإستعارة والكثير من الإزاحات التي أثرت النص وجعلته يبدو كأنه بناء معماري فني تعمقت فيه بوصف المكان والزمان بإسلوب غير مباشرغاية في الإبداع والتقنية بسرد متدفق مرتب وكلمات منتقاة .

الكلمات الدلالية ...لأول مرة أقر بأن كل كلمة بالنص هي كلمة دلالية قصدتها الكاتبة للتعبير عن حدث أو موقف أو حالة نفسية مما يُحسب للكاتبة وبراعتها .

النص رائع لا ينقصه إلا حذف ما يمكن حذفه دون أن يتأثر النص .

خالص تحياتي للكاتبة ونصها الرائع وأتمنى أن أكون وفقت في رؤيتي .

 

كتبتها هالة محمود

 

حروب سنان أنطون

saleh alrazukفي أعمال سنان أنطون مشكلتان بغاية الأهمية.

*الأولى لغته أو مفرداته. فهو يوظف في الحوار المحكيات المحلية وبعض التعابير الأعجمية الدارجة. وأعتقد أن للعجمة موضعا خاصا في أفكاره، فأول أعماله كانت بعنوان (إعجام)(1). وهي رواية مقترة بالتفاصيل، ومحدودة العدد بالشخصيات، من غير أحداث وبلا حبكة، وتتطوع لمتابعة السقوط النفسي لشخصية البطل. لكنه مع ذلك لا يكتب بالدارجة على طريقة حنان الشيخ وإدوار الخراط. فكلاهما يفصل الحوار عن الأحداث حتى يبدو أننا حيال عالمين. أحدهما ذات الرواية والآخر ذات الواقع. والسبب ليس ازدواجية الأصوات وإنما اختلاف المعايير. فالأحداث تختبئ وراء صوت الكاتب بينما الحوار يختبئ وراء أصوات الشخصيات.

لكن الحبكة في أعمال أنطون تتطور ببطء وبالتدريج ولا تعزل الحياة النفسية عن الواقع. أما الحوار فيتركب من محورين. الأول أفقي له جذور في الحياة العامة. والثاني عمودي وله علاقة بنشاط النخبة. بمعنى أنه في مجمل أعماله يفرض المعاني على المفردات ولا يضحي بالحكمة التي وراءها. وفي هذه المنطقة المحايدة يعمل بكثير من الشغف مثل همنغواي ليصالح بين الأحداث والتصورات. كانت الحبكة عند همنغواي بمثابة أمنيات مؤجلة. وهذا ما يراهن عليه سنان أنطون. فهو أقرب ما يكون لترتيب أوراقه كلما وضعته الأقدار في موقف محرج.

لذلك كان الحوار في رواياته بمثابة صدع بنيوي أو خلل تتحرر به الشخصيات من رقابة الكاتب. تماما مثلما تتحرر به الأنماط من القدر المفروض عليها مسبقا نتيجة عيب أو انحراف تفرضه الصدفة أو ظروف إنتاج النمط.

وفي رواية (فهرس) الصادرة لأول مرة في بواكير عام  2016 (2) توجد شخصيات بمنتهى الإحراج.

- مرايا التي تبحث عن التوازن مع ماضيها، وبالاستطراد والتحويل مع ذاكرتها الغائبة (ص233). فهي عمليا بيضاء لكن لونها أسود. وهذا يفرض شرط اغتراب فلسفي بين العرق والانتماء.

- والراوي – ذات الكاتب- الذي يحمل أعباء السرد بضمير المتكلم. وينظر إلى الخلف بينما كل حركته نحو الأمام. مثل أي شخصية اغترابية تعاني من السقوط والاضمحلال. فهو أبيض في مجتمع يصبغه بلون أسود. باعتبار أن هويته هجينة، تجمع الشعور بالتحسس والشعور بضرورات الاندماج. وهذا يضعك دائما أمام مشكلة ضياع الخيارات وتفكيك الذات. أو كما ورد في الرواية يزيد من تعجبك من عمل ومزاج الذاكرة (ص262).

لقد كان لماضي بطل الرواية حدود وهمية كأنها إشارات تفيد في تنظيم ضياعنا في هذا الوجود العشوائي (ص264). فالذات الحضارية في الرواية موجودة لكن دون صور وتراكيب واقعها الراهن، والإنسان كما يقول بطل الرواية: يكتشف لاحقا أنه يدور حول نفسه، ويبحث عن الثقب الأسود الذي يعيده إلى العدم (ص265).

- ثم ودود الذي يلعب دور وحدات فوق سردية. فهو يجمع في شخصيته كل خصال العقل والذاكرة والوجدان. ويقدمها بشكل لا شعور جماعي الغاية منه تنبيه شعور الأفراد. وهو ما تسميه الرواية باسم فلسفة الحقيقة أو فلسفة المشاعر (ص21).

*و من هذه النقطة تبدأ معاناة الرواية مع بنيتها. وهي المشكلة الثانية.

لقد كانت الفصول والفقرات تأتي بالتناوب موزعة بين الكاتب الافتراضي ودود والكاتب الفعلي نمير. بتعبير آخر: كانت الرواية بشكل مدونة داخل حكاية.

لقد قفز سنان أنطون من فوق الحبكة الكلاسيكية ذات البداية والنهاية لكن احتفظ بدور الشخصيات. سواء الأساسية أو الثانوية. وأضاف إليها ذاكرة الجمادات. وخلط أوراقه مع أوراق غيره. ووضع فكرة الرواية بجانب عقلية المرويات والأساطير.

ولو احتكمنا لعمله السابق وهو روايته (يا مريم)(3) نجد أنه أيضا جزأ العالم النفسي في جوهر الحبكة إلى عدة حساسيات مقسومة مناصفة بين وعي الداخل ووعي الخارج بحيث أن الأحداث تجري شرطيا. بمعنى أن الواقع كان مرهونا بجملة من الأمنيات الممكنة والتي لم تحدث.

لقد اختار محمود الريماوي هذه البنية في روايته اللطيفة (من يؤنس السيدة) وجعل الشروط هي التي تعزل الماهيات عن ذاتها. وللتوضيح لقد رسم لروايته مصيرا واحدا من خلال مسارين متوازيين، الأول لسيدة مسنة مسلمة، والثاني لجارتها المسيحية. وكانت فكرة مقارعة الموت هي التي تحدو كل مسار لصناعة نهايته الخاصة به.

وهذا هو ما يتمسك به سنان أنطون في مجمل أعماله. إنه يعزل المسارات، ويترك بينها مساحات فارغة، لكنه يتوصل في الخاتمة لنفس النتيجة. وهي السقوط في حفرة العدم.

إن جرعة الشك عند سنان أنطون لا تبدو جازمة. كما هو الحال عند غيره من فرسان الروايات الوجودية التي تدور في إطار عسكري (أمثال هاني الراهب وحليم بركات). فهو يقلل من شأن الغموض والارتياب حينما يساوي بين البدايات وبين النهايات. وفي روايته (فهرس) ومع أنه يختار لودود عدة نهايات محتملة يؤكد أننا خلقنا لنموت. ويسأل نفسه:  ترى هل نحن نتنفس لنموت؟ (ص 254).

وقبل ذلك بقليل صرح أن ولادة أي كائن في مجتمع الهزيمة والنكسة بمثابة جرح أو حكم مؤجل بالموت،  حتى الأشجار هي جرح لا يندمل في ذاكرة الإنسان. (ص253).

إن رواية (فهرس) لا تعيد تشكيل صور الهوية في الداخل والمنفى وعلاقة كل منهما بالذاكرة المفقودة. و برأيي إن سنان أنطون  يبحث عن تلك المعاني الأساسية في الذاكرة القريبة لأعماله.

في (يا مريم) عمد لتحويل الواقع إلى جبهة مفتوحة مع أساطير الذات الوطنية. وفي (فهرس) تكلم عن صراع حضارات. ويجب أن نفترض ضمنا أنها حضارات تشير لأساطير عقلية المهاجر بكل ما تحمله من ميتافيزيقا معاني الأرض والهوية.

عموما إن روايات الشتات والهجرة تدين بكل ثقلها لمجموعة من اللبنانيين و أدباء القرن الإفريقي قبل أن يدخل العراق على الخط. وبالتحديد قبل التجربة المتميزة لعلي بدر وجنان جاسم حلاوي. ومن الرعيل السابق غائب طعمة فرمان ورديفه برهان الخطيب.

لقد اهتمت هذه التجارب بدموية الصراع على المبادئ والثوابت وبديناميكية الصراع مع الغرب بحثا عن مأوى آمن وقبل كل شيء بحثا عن البضاعة المفقودة في عموم الشرق وهي الحرية. ويمكن القول إن الرواية العربية بدأت من صدمة الغرب وديالكتيك نفيه. أو من التناقض الكلاسيكي المعروف بين المقاومة والتنوير. لكن أدب الشتات كان صدمة موجهة ضد الصورة الإيديولوجية لليوتوبيا السابقة. بعبارة أخرى: إن ما بدأ من حلقة تمفصل مع الحضارة انتهى لحلقة تمفصل مع الإيديولوجيا.

وكما أرى إن سنان أنطون يحزم أدواته ليعود بها إلى البدايات، إلى الموقف الحضاري من الذات. ولو شئنا المقارنة هو استمرارية لصنع الله إبراهيم وعمله الأول طرا (تلك الرائحة). فالنخوة السياسية المفقودة والسباحة في بحيرة الخطأ الوجودي تضعهما جنبا إلى جنب.. لقد اهتما بالكثير من الفذلكة التاريخية في شؤون الذات من مأكل وملبس وجنوسة، والقليل من الهموم السياسية. والسياسة لديهما تكتسب مستوى رياضة روحية، أو تطهير للمدنس بواسطة الكد الفكري، ما يمكن أن نقول عنه (مشاعر سياسية) ولكن أبدا ليس سياسة أو عملا سياسيا ملتزما. ناهيك عن أن الحروب كانت في خلفية الأحداث وليس من الحبكة.

إن (فهرس) تتعامل مع الوطن كقضية مأسوف عليها. ومحورا الرواية، البطل الموجود نمير والبطل الغائب ودود، يتبادلان المواقع والأفكار. أحدهما يضيع في تيار الحضارة الكاسحة، والآخر يعتكف في جدران زنزانته الشخصية.

كذلك الأول يضع الحياة وراء ظهره والذات أمامه. والثاني يهتم بتجريد الأشياء العامة وذهنية المشرق التي تسقط من مضمار الفلسفة إلى مضمار الحكمة. ولكن كان كل منهما يحمل في داخله إشارة بخراب قرينه كما قال الراوي في الخاتمة (ص282).

 

د. صالح الرزوق

....................

(1) منشورات دار الآداب، 2004.

(2) منشورات الجمل. بيروت وبغداد. 2016. 285 ص.

(3) منشورات دار الجمل. 2012.

 

خديجة غربوب تصنع بدلة الإمبراطور غير المرئية .. انطباعات حول بعض نصوصهاالشعرية

abdulfatah almutalibiإذا كانتِ الحداثةُ الشعريةُ بمعناها الواسعِ هي إنتاجُ نصوصٍ تنتسبُ إلى زمنِها الحاضرِ بكلِّ إرهاصاتهِ وإذا كانتْ تعني التمردَ على الموروثِ الشعري العربي والخروجَ على قوانين الِخليلِ وما اتفقتْ عليه العربُ من قوالبٍ لغويةٍ وموسيقيةٍ والتخلصُ من كلِّ ما يُعيقُ التعبيرَعمّا يجيشُ في نفسِ الشاعرِ منْ مخلوقاتِ المعنى المعتمدةِ على الإشارة ِوالسيمياءِ وديناميكيةِ الحفرِ والإستحداثِ في اللغةِ والتوغلِ في مجاهلِ الطبقات ِالتحتيةِ لللاوعي العميقِ الذي أهملتْه ُالذاكرةُ الواعيةُ طويلاً والصعودُ إلى مخلوقاتِ الهامشِ التي تُعدّ من أغنى البيئاتِ الشعريةِ التي تعبّرُ عن القسم ِالأكبرِ من الحياةِ بمجملها كونَها تمثل الترابَ الأركيولوجي الناتجَ عن حفرياتنا في مجملِ طبقاتِ اللاوعي والتي تحتاجُ إلى نصوصٍ غربالية تماما مثل غربالِ الأركيولوجي في طبقاته، إذا كان كل ما تقدم يعني الحداثة في الشعر فإن الدكتورة الشاعرة وأستاذة النقد الأدبي (خديجة غربوب) قد فعلت ذلك عبر نصوصها الشعرية.

تشتغل نصوص خديجة غربوب على مستويين رئيسيين أولهما المستوى الدلالي المعتمد على المقابسة المتقاطعة بين الطاقة الإيحائية للمفردة في الجملة الشعرية وبين الهدف النهائي للنسق الإنفجاري في المعنى المتشضي مثل قنبله ذكية تختار أهدافها وهم ذلك النوع من المتلقين الذين يصلحون كمجسات التقاط لتلك الطاقة الإيحائية المذكورةِ آنفا وعند حصول هذا التقاطع على أو في حيّزتفكير المتلقي النوعي تحصل المقابسة المتبادلة صانعةً ما يشبه الوشيجة ذات العرى القوية بين النص وقارئه، شيءٌما يتوهج في نسق الجملة وشيءٌ ما يتوهج في الذات القارئةِ والمستوى الثاني هو الإشتغال في المناطق الشائكة أو المحضورة أو المهملة بنيّةِ إعادة إنتاجها وتدويرها لجعلها منتجا ذهنيا صالحا للإستهلاك الذهني والعاطفي بكل مناحيه النفسية وطاقات (اللبيدو) مضرجةً جسد الواقع بدم االخيال لتضمده بضماد منقوع بالنوستالجيا الإستثنائية على نغم الحداثة مضيفةً نكهتها اللاذعة أحياناً والواخزةِ أحيانا أخرى وفي كل الأحوال تنتهج نهجا متحرشا بالعقل المتسائل، العقل النقدي مقدمةً جمهرةً من الأجوبة ومطلقةً سيلاً من أسئلةٍ طالما مارس البعض الحيود عنها، وكأنها ذلك المقاتل الذي وجد النجاة في الهروب إلى الأمام لمواجهة الوقائع الملتبسة بعينين عاريتين وجلدٍ أجرد ممتطيةً قوارب اليأس والمستحيل:

الدكاكين الصغيرة تبيع الشكلاطة الرخيصة

اشتريت قطعة لأجعل الحزن شهيا ولذيذا

أيقظت ألم الأسنان وصرت بحزنين

ضحكت قبل أن أشرع في تنفيذ لهستيريا

أضفت التين الى الشاي ,وتجاوزت نفسي

مجموعة من الشتائم اقتحمت غرفتي

الكل يريد تلميع غائطه على حساب حمقي البائس

تمثلت حائط برلين ,ووضعته بيني وبينهم

وأنا في الحافلة أحمل معي هذا الحائط

وكلما ترنحت ,خفت أن يسقط الجدار

على جهة معينة

الازدحام يرغمنا على أن نلتصق بعضنا ببعض

ونكون على وشك تحقيق الوحدة

الحافلة تهدد سيادتي

أمشي على الأقدام كي أتخلص من الثقل

شاي بالتين لايكلف شيئا لنضحك

على رزانتنا المصطنعة

 بلغةٍ إستثنائية حروفها أدوات تجرح وتخدش وتحفر تشق القصيدة بطلة اللحظة طريقها في لحم الوهم الثخين ومع أن روح القصيدة في الحافلة ذاتها ومع أن الآخرين بدوا كمخلوقات من لحم وشحم ذلك الذي أشار إليه المتنبي ليُشبّههُ بورمٍ ربما يهدد بالإنفجار كل لحظة، ورغم محاولات حمقنا البئيس باستدراع الفردانية الشخوصية لكنها تبدو كمن يضحك على انعكاسِ صورته في المرآة، سيادتنا، وحدتنا، رزانتنا، جدراننا التي نحمل، كل ذلك يدعو للضحك حقا (شاي بالتين لا يكلف شيئاً لنضحك)*، نص عميق ينفتح على متسع من التأويلات، ما يبهج في كتابة مثل هذه النصوص تحرشها بالعقل وكهربته واستدراجه للهذيان الرؤيوي بطريقة المجالد الروماني في حلبة الحياة لا تمل مجالدةً ومنافحةً او لا تركن إلى السكونية التعبيرية بل تجنح في نصوصها إلى الإنغماس في الساكن وتشضيته أو هزه صانعةً موجات من المعنى المتعاقب بدوائر متعددة مثل إلقاء حجرٍ في بركةٍ ساكنة، تفعل ذلك من أجل إيمانها بالحرب الدائرة بين الذات الشاعرة وبين الحياة إذ أنها تعلم جيدا أن السجال قائمٌ بين تلك الذات وبين الحياة منذ الصرخة الأولى في الخروج الأول حتى النهاية وكأنها قد آمنت أن نفحة الحياة اللذيذة تكتنفها نفثات من سمٍ مخبوء بين طياتها الناعمة وأن سكونها سكون الأفعى في فراشك وأنت تغط في نومٍ عميق لا تدري كيف ومتى ستهاجمك وفي أحسن الأحوال فإن الحياة تكيل لك الصفعات وتذيقك الآلام وكلما أمعنت الحياة بإهاناتها أعدّتِ الذاكرةُ سردابها ليكونَ مقبرةً تدفن فيها الذات الشاعرة أرتال المشاعر الميتة والقتيلة في هذه الحرب المستمرة حتى الموت ففي حيّزنا الزمكاني نحنُ الذين مازلنا على قيد الحياة نتلقى إهاناتها بشكل متواصل، الكثيرُ منا يولي الأدبارَمستخذياً ويترك قفاه معرّضا للسعِ سياطِها وفرقعات صفعها بتخاذلٍ مريعٍ والقليل منا الذي يرد على قدر ما يستطيع، أحيانا بنظرةٍ غاضبةٍ وتقطيبةِ جبينٍ أو صمتٍ كالذي يحصل قبل العاصفة يعقب ذلك انفتاق جرح على جلد الروح الرهيف وفي لحمها الحي فتنزف أرواحنا دمها على الورق ( الكتابةُ انفتاح جرحٍ ما- فرانز كافكا) نشعر بعدها أننا نسترد جزءاً من كرامتنا المهدورة، أولئك النازفون هم هذا القليلُ خالقُ كائنات الكتابة ...

في بعض نصوصها أتت اشتغالات خديجة غربوب على اللغة بما يشبه التوهج المقدس الذي استخدمته حقب كثيرة، أكاد أجزم أن في رأسها معصرة للكلمات تستقطر منها روح المعنى وبذلك قد تجاوزت الرأي القائل أن الشعر يقوم على المعنى، تجاوزته إلى تلك القضية الإشكالية التي تكتنف معنى الروح وتحيله إلى سؤال كوني واقف أبدا لا يريم، تلك النصوص الإشكالية تعتني عناية خاصة بالبحث عن قارئ في الخضم قارئٍ غريق يحتاج قاربها السحري لانتشاله مما هو فيه وربما لا تعني أولئك المتفرجين على الشاطئ، تلك ميزتها ولايكفي أن نقول أنها مبدعة، هناك شيء آخر أبحث عن زاويةٍ مناسبة تماما كما تتطلب القصيدة عند خديجة، أظن أنني وجدت أثرا، ربما تضع في الجانب الذي لا يظهر من الصورة بعض أدوات الحفر، هي تحفر في ذاكرة الهامش الجمعي، أكاد أشم ما تعثر عليه من لقىً، لحم الهامش، فتات المصائب، أناشيد ضائعة تتردد على رنين الفجيعة المتصل في أصقاعنا العربية...

 

يتكلم بعينين غير صافيتين

لاأحب هذا النوع من البشر

لاعذر للمكر الذي يحدق

في تفاصيل لغتي

أضحك من موت يتحرك أمامي

لن أذرف الدموع فالأحاسيس تعرف الطريق

أيها الرجل الذي يحمل الرشاش في قلبه

أنا أحرص على وضع الأسلاك الشائكة

بيني وبينك ,لاتخترق الحدود

الموت يشبه الانسان ,له ألوان متعددة

أنا أشتهي موت جدتي

عندما عادت من الغاب ,أوقدت النار

وأغرت الموت بالدخان المنبعث من سيجارتها

المحشوة بالعشب

أكره أن تتبعثر أعضائي في الملهى الليلي

أو أنا داخل المسجد أنتظر مرور العاصفة

لاتصنعوا لي موتا بألوانكم الحاملة للجنابة

أتخيلكم وأنتم تمارسون الحب

أصواتكم مزعجة وأنتم تقذفون الكراهية

يا الله لاتدعهم يشاركون في موتي

أنا أشتهي موتا خاليا من الأسلحة

ومفعما بالرومانسية وقصائد الحب

لاتترك الكلمات تندس مع الغصة

استجب يا الله

الذات الشاعرة عند خديجة غربوب قد غادرت الجانب السكوني وانغمست في هذه الفوضى البانورامية ذلك الخليط المتنوع من الآلام والآمال وخرائط الهجوم والتقهقر والهزائم الكثيرة المشوبة بلحظات نصر قصير لا يلبث أن يتحول إلى خيبة واندحار فلاتجد ذاتها إلا في خضم الصراخ الإحتجاجي ونزيف الألم المنسرب من قربةِ الحياة المعطوبة عبر اشتباكاتها معه حتى يأتي الردُّ من تلك المناطق النائية في الذاكرة عبر فعل الكتابة بشروعٍ تشترك فيه الحواس كلها في اللحظة المناسبة فيهدأ النزيف قليلاً ربما يكون ردا مقابلا أو موازيا أو محايثاً لتلك الصفعات، تلك هي لحظة الكتابة عند خديجة غربوب التي تتطلب استنفاراً لمقابرالذاكرةِ وجاهزيةً للحواس فالعين ليست لرؤية ما حولها فحسب بل لتكييفها بحيث تستطيع التقاط اللحظة، لحظة تلك الصفعة، الدماغ وتلافيفه معنيٌ بعجين الفكرة وتخميرها ثم خبز رغيفها بتنورالوعي المشتعل، هناك ما يتعلق بجروح اندملت على صديدها وقبعت في اللاوعي لتصبح فيما بعد دماملَ وجروحاً متقيحةً تنفجرُ في لحظةٍ ما ويسيلُ صديدُها على الورقِ ممثلةً للحظةِ الكتابة عندها أيضاً، إنفجار صديد الخزين المتقيح من الأفكار والمواقف يندرج أيضا تحت عنوان الرد على تلك التغولات والإهانات القديمة لهذه الحياة وجميعنا قد حصلَ على حصتهِ من هذه الصفعات وعانينا الشجا حتى أُصبنا بداء التفكير وهمّ الكتابة إذ أن المعتوهين وحدهمُ الذين لا يتعرضون لأزماتٍ نفسية تجبرهم أحيانا على فتح نوافذ الخيال لتسريب دخانها الخانق، المعتوهون هم خارج هذه الحرب، هي ليست حربهم بل حرب المهووسين بصناعة السؤال وهنا تأتي ضرورة الإستنجاد بالمخيلة مهمازا مؤثراً في حلبة السباق إلى بلوغ المرامي والمقاصد حينَ تكون فظاعات الواقع المعيش قد تجاوزت الحد الأقصى وأصبح من العسير التكلم عليها بكلامٍ واقعي نقداً وفضحاً وباتَ علينا البحث عن قوةِ الخيالِ لفعل ذلك فلطالما كانت الروحُ النقديةُ للخيال وزجّها في المعركة ضد القبح اليومي مؤثرةً وناجحةً ذلك أن العقل النقدي هو بالضرورة عقلٌ يجنح إلى الخيال في أدواته بل ويكون سلاحه الفاتك وعلى هذا الأساس أجد أن خديجة غربوب تواصل حربها ضد القبح تطلق في كل قصيدة من قصائدها سيلاً من قذائفها التي تحيل الوقائع المخجلة في حياتنا إلى مجرمٍ متلبسٍ بالجرم ألقت قصائدها القبض عليه ووضعته في قفص الإتهام وهي تواصل محاكمته لتكون هي القاضي وهي الإدعاء العام وهي المحامي لكنها بالنتيجة تحكم بنسف القبح والعدوان وتحيلهُ هباءً.

 

عبد الفتاح المطلبي

........................

*كما علمت أن هذا النوع من الشاي معروف في بعض المدن الفقيرة في المغرب وهو يعطي حالة استثنائية للإسترخاء و للضحك.

 

أستطيقيا الحدث الروائي والشعري في قصائد: أولئك أصحابي لحميد سعيد (1)

esam shartahإن الدخول عمق النصوص الشعرية من خلال الحدث الشعري لهو مجازفة في الكشف النصي خاصة إذا أدركنا أن الحدث من مستلزمات بنية السرد من قصص، وخواطر، ورواية، أما أن يُعتمد هذا المدخل في لغة الشعر فهو من باب الكشف المجازف، والغير مسبوق لاسيما في ظل كثرة المفاتيح النصية في الدخول أتون النصوص الشعرية التي تستعيض عن فضاء الأحداث، وشعرية الموقف، بالمتخيل الشعري، والصورة، والرمز، والتشكيل الفني الجمالي وما إلى ذلك، أما أن تلجأ إلى الحدث؛ لتشكل ملمحها الشعري الفني الجمالي فهو أمر لم يكن من حسابات الشعرية فيما مضى، ولا في مداخل بنية القصيدة على هذا النحو من الحراك الدلالي والرهان الفني إلا في العصر الراهن عصر الانفتاح على كل الفنون الإبداعية الأخرى التي طورت في شكل القصيدة، وتقنياتها الفنية المتوالدة على الدوام، وهذا ما لم يكن من حسبانها فيما مضى على الإطلاق؛ ولم يكن ليدخل ضمن نطاقها بتاتاً، ولكن في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد فالأمر جاء جد مختلف، لتؤكد هذه المجموعة أن لعبة الحدث أستطيقياً ليس فقط من لعبة القص الشعري، أو مداخل الحدث الروائي، ولكن من ضمن فعالية الرؤية الشعرية، ومتغيراتها الفنية في مضمار القصيدة الجديدة التي حاولت أن ترتقي بالحدث الشعري والمشهد أو الموقف المحيط بالحدث من طابع السكونية، والجمود في النسق السردي، إلى طابع الفن، والشعرية، والمحفزات الجمالية في الفضاء الشعري، التي ارتقت في شكل القصيدة، وتركت الطيف الجمالي مفتوحاً على محركات الشعرية، في أوج تكثيفها، وتناميها، وفواعلها الرؤيوية المنفتحة على آفاق خصبة من الإيحاء، والتكثيف الدلالي، والدفق الجمالي.

•  فواعل الحدث الشعري- الروائي أستطيقياً في قصائد (أولئك أصحابي) :

لاشك في أن قصائد (أولئك أصحابي) تسجل حضورها الجمالي -استطيقياً- بالتلاعب بالحدث الروائي، تبعاً لمتغيرات، ومستجدات الحدث الشعري، وهذا يعني أن هذه القصائد تراهن بفاعلية الحدثين معاً ضمن القصيدة (الحدث الشعري المتخيل بإحالات رؤيوية جديدة، والحدث الروائي المركَّز الذي ارتكزت عليه القصيدة في بناء حدثها الشعري الجديد، ويخطئ من يظن أن الحدث الشعري جاء محايثاً للحدث الروائي في مجموعة هذه القصائد، وإنما جاء الحدث الشعري مغامراً أستطيقياً في بناء الرؤيا الشعرية الجديدة، ليكون الحدث الروائي نقطة تفعيل الحدث الشعري، ونقطة إبراز متخيله الجمالي والرؤيوي الجديد، فكما أن الشخصيات الروائية تحركت في قصائده بأدوار، وفواعل، ومنظورات جديدة، فكذلك ارتبطت الأحداث الروائية المرتبطة بها بأدوار، وإحالات، ومؤثرات جديدة ترصد واقع الشاعر الراهن، وتواكب المرحلة التي عاشها في اغترابه، ومنفاه الوجودي بعيداً عن الفضاءات البغدادية، وأجوائها الفسيحة بفضاء متخيلها النفسي والوجودي الفسيح، ولهذا نقول: إن شعرية الحدث الروائي في قصائد (أولئك أصحابي) لا تتأتى من شعرية الحدث الروائي، وحبكته المستعادة أو المكرورة كما يظن البعض، وإنما من شعرية الرؤيا، وتوهجها في الحدث الشعري الجديد، الذي نوع في أدوار الشخصيات، وفواعلها المتخيلة ضمن القصيدة، ووفق هذا المنظور، تطورت الرؤيا الشعرية في هذه القصائد، لتشير إلى مرحلة، وتراهن على مرحلة وجودية عاصفة في حياة الشاعر، جسدها من خلال كتلة الأحداث، وفواعل الشخصيات الروائية في قصائده، وهذا يؤكد أن غنى هذه القصائد من غنى موحياتها، ومؤثراتها المكتسبة وإضافاتها الجديدة من خصوبة الرؤيا ومنعكساتها الوجودية التي يمتلكها الشاعر.

ولعلنا لا نجافي الحقيقة في قولنا: إن الحدث الشعري لا يكتسب قيمته إلا من فاعلية الرؤيا التي يبثها هذا الحدث في القصيدة، ومتغيرها الوجودي المحرك للشعرية، فكم من القصائد لا تغتني إلا بتنوع أحداثها، وتعددها في القصيدة، ولهذا، تحتفي حركة الحداثة الشعرية بالأحداث الدرامية التي تتلون مسبباتها وأصواتها ومتغيراتها الوجودية التي تضمن تكثيف الرؤيا وإبراز متغيرها الوجودي الفني في الكثير من القصائد ولولا النزعة الدرامية وكثافة الأحداث، وتعدد الأصوات الشعرية لفقدت تلكم القصائد بريقها واضمحلت شعريتها، ووفق هذا التصور، فإن كل ما يثير الحدث الروائي في النص الشعري الجديد ليس الحدث بكينونته الزمنية وأجوائه الروائية الماضوية السابقة، وإنما بإحالاته الفنية والرؤيوية الجديدة التي اكتسبها من النص الشعري وفق فاعلية المتخيل الشعري، وموحيات الشخصية والإيحاءات والرؤى المبثوثة على لسانها.ولدراسة فاعلية الحدث الشعري والروائي في قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد، لابد من الوقوف على المواقف المحرضة للشعرية في بنى هذه القصائد وفق ما يلي:

 

1-  الحدث الشعري- الروائي وفاعلية الموقف الدرامي أستطيقيا في تخليق الشعرية

تتأسس شعرية قصائد (أولئك أصحابي) أستطيقياً على فاعلية الموقف الدرامي المؤسس للشعرية، ولولا فاعلية الحدث الدرامي لفقدت القصائد جزءاً مهماً من حركتها الاستطيقية البليغة في إصابة المعنى العميق، والدلالة الفارقة، وقد كان الحدث الدرامي في قصائد (أولئك أصحابي) نقطة تمفصل الدلالات، وحراكها الرؤيوي المكثف، لاسيما في خلق الإثارة والتشويق في الشخصية الروائية، وطقوسها المتخيلة التي تكتسبها من المولد الاستطيقي المفجر للرؤى والدلالات الجديدة، والمواقف البانورامية المحتدمة التي تتعرض إليها الشخصية، ومن أبرز القصائد الدالة في هذا المقام قصيدة (سيدي حامد يبحث عن دون كيخوتيه) لحميد سعيد، وفيها يتمثل شخصية"دون كيخوتيه" بطل رواية" دون كيخوتيه" لسرفانتس. ورواية (دون كيخوتيه) ، واحدة من أهم الروايات في تاريخ الرواية، وعدها مؤرخو الفن الروائي، فاتحة الرواية الحديثة في العالم ورائدتها، وبطلها دون كيخوتيه المهووس بكتب الفروسية، والذي عاش مغامرة أن يكون فارسا، بعد أن انتهى عصر الفروسية وتقاليدها ومتمماتها، الخادم المرافق والمعشوقة، وكان لدون كيخوتيه خادمه المرافق ومعشوقته المتخبلة .وينسب –سرفانتس- أحداث روايته إلى رجل من الموريسكيين اسمه سيدي حامد بن الأيل، ومازالت هذه الرواية تحظى باهتمام متواصل من قبل النقاد والباحثين ومؤرخي الأدب" (1) . .

وتمتاز هذه الرواية بأسطرة أحداثها، وتنوع مؤثراتها، وهي خصبة بالمغامرات، والمفاجآت في قالب كوميدي، يسجل فيه الشاعر رؤاه الساخرة، بعوالم هذه الشخصية؛ ليجسد من خلال هذه الرواية سخريته من الواقع الاغترابي المأزوم ومؤثراته، وهي تسجل قيمتها من هذا التكثيف، وتراكم الأحداث، وتنوعها في القصيدة، وهي تحفل بالدلالات والتناقضات الكثيرة بين المثال المنشود، والواقع المتناقض الذي يدل على فداحة الهوة بين (الواقع / والمثال) و (الحلم / والحقيقة) ؛ وكعادته في بناء قصائده في هذه المجموعة يبدأ قصيدته بالسرد الوصفي، كاشفاً من خلاله عن ولعه بالفن الروائي إحساساً ونبضاً، ولهذا؛ تتشكل الأحداث بعيداً عن أجواء الرواية، لتحكي روايته الذاتية، وإحساسه، وتفاعله بالشخصية الروائية، وكأنه يجري أحداثها، بلمساته، وأحاسيسه الرؤيوية العميقة إذ يقول:

"ظهيرةٌ قائظةٌ

وكان صاحبي يقول لي.. وصلْنا

وهنا؛ سنلتقي بالفارس الحزينِ..

هذه قريتهُ..

وتلكَ حيثُ انعطفَ النهرُ.. طواحينُ الهواءِ

قُلتُ.. 

ذلكَ الذي يخبُّ الفرس الأعجفَ.. دون كيخوتيهْ

أُناديهِ..

فغابَ في اشتباك الغابْ

هلْ أنكرني؟

أنا الذي جئتُ به إلى هذي البلاد.. من أسطورة بيضاءْ

في هذه الأمداءْ

تبدو قلاعُ الأمسِ.. حيثُ كانَ..

مُدُناً مهجورةً

تأوي إلى أحراشها الذئابْ

لا الفنادق التي غزاها.. فتحت أبوابها لنا

ولم نجد من كان في انتظارنا من الأصحابْ" (2) .

هنا، تتراكم الرؤى، والأحداث، والمنظورات المتخيلة، عمق المفاجآت الرؤيوية الكاشفة واقع الشخصية الروائية (شخصية) (دون كيشوت) وتخيله طواحين الهواء بأنها جيش عرمرم من جنود الأعداء جاء ليحاربه، إذ يمتطي حصانه، ويضرب برمحه طواحين الهواء التي تدور لكن سرعان ما تدور طواحين الهواء عليه، وتطرحه أرضا، وفي خضم هذه المفارقات تزداد الأحداث الشعرية بين متخيلات الشاعر، ورؤاه العميقة، ومدلولات الرؤية الحدثية التي تطرحها الرواية، وهنا، تتفاعل أستطيقياً الأحداث، وتتلون بالدلالات والرؤى المباغتة، وفق مسار شعري متناغم حدثاً، ورؤيا، ونتيجة أستطيقية باعثة للشعرية ومحركاتها الشعورية:

"من ظلال غابة الفلّينْ

بانتظار امرأةٍ تسألُه الدفاع َ عنها..

منْ تَعَثُّر السهوبِ بالذي تبقّى من خيالٍ صاخبٍ..

ومنْ أكاذيب الرواةِ..

جاءَ

ضامِراً مُنكَسراً.. وحيداً

ليقولَ لي..

خَرَجتُ عارياً..

إذْ خطفَ اللصوصُ فَرَسي..وكسروا الرمحَ..

وباعوا السيفَ والترسَ.. بدرهمينْ" (3) .

هنا، تتداخل الأحداث، وتتراكم الرؤى، ليرصد حاضره الواقعي، فهو أشبه ببطله (دون كيشوت) الذي يحلم ويتخيل بالبطولة والفروسية، لكن دون جدوى فقد خسر الرهان، لأن رهان المستقبل خاسر، ورهان الماضي خاسر يدل على الوهن والهشاشة والضعف، ولهذا، بدت الأحداث مترافقة بمشاعر اغترابية أستطيقية تدل على المقاومة رغم خسارة الرهان، فالشخصية الروائية تدعو إلى المثل، ولكن كيف تتحقق هذه المثل في ظل تغير الأزمنة، (جاء ضامراً منكسراً.. وحيداً)، وهنا، يأتي الحدث دراماتيكياً، فشخصيته البطلة فقدت قوتها، وخسرت الرهان: (خرجت عارياً.. إذ خطف اللصوص فرسي.. وكسروا الرمح.. وباعوا السيف والترس.. بدرهمين)، وهنا تبدو الشخصية ضعيفة منكسرة ليدل من خلالها على مرحلة الاغتراب الواهنة التي عاشها مجسداً من خلال شخصيته فواعل التداخل بين الحدث الروائي والحدث الشعري، مع فارق أستطيقي أن الحدث في القصيدة هو حدث شعري يقوم على المتخيل الرؤيوي في تفعيل القصيدة؛ في حين أن الحدث الروائي حدث مؤسطر يُحَمِّل الشخصية أكثر من مدلول وأكثر من مغامرة، ويقرنها بالبطولة الخائبة أو البطولة التي تعيش زمنها الماضي الواهن ولا تعيش زمنها الراهن اليوم، إن الشاعر أراد ن يجمع الحدث الماضي بالحدث الحاضر، والحدث الشعري بالحدث الروائي، والحدث القصصي بالحدث الدرامي، كاشفاً من خلالهما عن حدث الحاضر الاغترابي الذي يعيشه، ولا نبالغ في قولنا: إن الحدث الشعري هو تفعيل للحدث الروائي والشخصية الروائية، وما تعداد الشخصيات في الرواية والقصيدة معاً إلا ملمحاً أستطيقياً يجعله الشاعر مرتكز الرؤية الاغترابية الراهنة بأحداثها المتداخلة، ومتغيراتها الكثيرة.ولهذا، تتعدد الرؤية الاغترابية التي تبثها القصيدة، وتتغير أدوارها، تبعاً لموجة الأحداث المتداخلة وغليانها في الحدثين الروائي والشعري معاً، وهنا، تتفاعل الأحداث بمناوشة أستطيقية بحركة الأحداث بين الأحداث الواقعية، والأحداث المتخيلة، بفواعل نشطة دلالياً في مدها الرؤيوي وحراكها الدلالي، كما في قوله:

" سانشو بنثا".. حامل الأسلحةِ الظريفِ صار السيّد المُطاعْ

تخدمهُ قبائلٌ من الرعاعْ

وها أنا.. أَضربُ في المتاهةِ..

انتظرتُ أن تجيئني بما يُعيدُني.. إلى ما كانَ بيننا..

من كَذِبٍ طفلٍ ومن تواطؤٍ جميلْ" (4) .

إن قارئ القصيدة يدرك قوة الحدث بفواعل الشخصيات الروائية، وتحريك أدوارها، وأحداثها، ورؤاها الكثيرة، فالخادم في الشخصية الروائية أصبح السيد المطاع، والفارس المقدام أصبح في سفلة القوم، يضرب في المتاهة بفوضى، وضياع، واغتراب، وبؤس، وضنك، وشدة، وفقر، وهكذا، يتابع الشاعر سرد الأحداث بفواعل ورؤى نشطة تعزز قيمة الفعل الشعري، وقيمة المؤثر الروائي، والحدث المصاحب للشخصية الروائية، كما في قوله 

"أراكَ راجلاً..

فهل تخلىّ عنكَ " روثينانتا" سابق الأفراس؟

وهلْ هَجرتَ " دولثينا" التي بأمرها قاتلتَ..

وبأمرها..فارقتَ ما ألفتَ من حياة الناس ؟!

يقولُ لي..

أكادُ أنسى كلَّ ما أوهمتني به..

وما عَلَّمتني.. وما أشعتَ عنّي..

لمْ أَعُدْ وحدي كما كنتُ.." (5) .

إن القارئ للقصيدة يدرك أن تنويع الأحداث يزيد من فواعلها، ورؤاها، وبناها المحركة، وهذا التلوين في تكثيف الأحداث، والشخصيات يضفي عليها من الرؤى ما يغنيها (روثينانتا) و (دولثينا)، هي شخصيات من الرواية، ولم تكن غائبة عن أحداث الرواية، ولهذا، تنوعت فواعل الرؤية الشعرية، وتنوعت الأحداث أستطيقياً بغنى الموجات الحدثية والرؤيوية المرتبطة بالشخصية، وهذا ما أغناها وأضفى عليها الحركة الجمالية بوصفها محور التلاعب بالحدث، وتأثيره الفاعل، كما في قوله:

قرأتُ في كتابٍ استعرتهُ من حارس الغابةِ..

إن " دون كيخوتيه".. دخل التاريخَ من جميع أبواب العصور..

ويُقيمُ الآنَ في الأكواخ والقصورِ

لمْ أَعُدْ وحدي كما كنتُ..

وإن الرؤساء والملوك والأعيانْ

تعلموا .. الذي علّمتني..

وأسرجوا الخيولَ.. قاتلوا طواحين الهواء..

في الأحلامْ

وبعدَ كلِّ ما لقيتَ..

هل تراني مُخطئاً في ما فعلتُ؟!

لمْ أَكُنْ أقصدُ أن تكونَ..في ما كنتَ فيه..

بلْ حاولتُ..أن أكشفَ ما في الروح من أسىً..

وفي العالَمِ من شرورْ

في مُدُنٍ تُقيمُ في الديجورْ

لأفتح الأبوابْ

لنجمةٍ ضائعةٍ تبحثُ عن مدارْ

لضحكةٍ حييَّةٍ..

أوقفها المدججون بالعصاب خلفَ هذه الأسوار" (6) .

هنا، تتحرك المشاهد، والأحداث أستطيقياً بكثافة الرؤى، و المشاهد، والأدوار، والمؤثرات بين ما في الأحداث الروائية، وما تتضمنه رؤاه الجديدة من محفزات، ومثيرات، تتراكم في مجريات القصيدة، وتبعث متغيرها الحدثي، تبعا لما تشي به الرواية، وما يتخيله من أحداثها، وما يرسمه بريشة المتخيل الحدثي الجمالي، وكأن الأحداث بفواعلها الاستطيقية تبني متغيرها الوجودي بالارتكاز على الرواية، وتحميلها من البني المتغيرة ما يشي بالموقف الدرامي، والحركة المفتوحة رؤيا، ومشهداً، وحدثاً شعورياً متخيلاً، كما في المجريات السردية الحدثية التالية:

 

" نُؤجِّلُ الحديثَ عن كلِّ الذي مضى..

ونطوي صفحةَ العِتابْ

ونبدأُ الروايةَ الأخرى..

التي يكونُ فيها" دون كيخوتيه" مصرفيّاً حاذقاً

أو سارقاً..

و" سانشو بنثا" راقصاً في علب الليلِ

وبهلواناً في عروض السيركْ" (7) .

هنا، يعزز الشاعر الأدوار، ويتلاعب بالشخصية الروائية أستطيقياً، ويحرك في فواعلها الرؤيوية؛ وهذا ما جعله يسخر بالواقع كسخريته بالشخصية الروائية، وذلك بتغيير أدوارها، والعبث بأوصافها، وأفعالها، وفواعلها وملصقاتها الرؤيوية، ولهذا، بدا الحدث مغترباً، وبدا الشاعر مغترباً في متخيله الشعري كغربة شخصياته وتشويه أدوارها، كتشويه الوجود، ومفارقاته الساخرة في واقعه الراهن (ونبدأُ الروايةَ الأخرى..التي يكونُ فيها" دون كيخوتيه" مصرفيّاً حاذقاً أو سارقاً.."و سانشو بنثا" راقصاً في علب الليلِ)، وهكذا، تشتغل الأحداث الروائية والشعرية في تكثيف الرؤية الاغترابية التي تنزع إلى السخرية بالشخصية الروائية، وأدوارها، ومحركاتها الشعورية المفتوحة في حراكها الجمالي والرؤيوي المفتوح على آفاق لا متناهية من الأطياف والرؤى المتداخلة، تصل إلى ذروة الحس الجمالي والموقف الشعوري المحتدم:

هلْ تصحبُنا إلى بلادٍ .. كلُّ من عرفت فيها..

بانتظار أنْ يراكَ؟

أيّهذا الرجل ُالمُعتزلُ البعيدُ عن كلِّ الذي كانَ..

وعن كل الذي يكونْ

لو كنّا معاً هناكَ..

لو كنّا معاً..

لوْ.." (8) .

إن الملمح الذي تبثه القصيدة أستطيقياً على مستوى الحدث الشعري والروائي يبقى حدثاً مفتوحاً في رؤاه ومحركاته الشعورية، فالشاعر ما أراد أن يكثف الأحداث درامياً إلا لإبراز القوى المواجهة بين (الواقع / والمثال) ، و (التقليدي / والجديد)، و (الخيالي / والواقعي)، وهذا يعني أن القصيدة تطرح متغيرها الشعوري من فواعل الحدث الملصق بالشخصية تارة، والإحالات الجديدة المكتسبة أو المضافة من السياق الشعري، بفواعل مفتوحة في حركتها النفسية والشعورية المتغيرة.

وصفوة القول: إن شعرية الحدث الروائي تتمظهر من خلال شعرية الحدث الشعري، وفواعله النفسية وإحالاته الرؤيوية الجديدة التي تحرك المشهد، وتبثه بإحالات، وأدوار جديدة، لدرجة تبدو الأحداث كتلة تفاعلات رؤيوية في حيزها الشعري، وفواعل السرد تتنامى كلما تعقدت الحبكة، وتنوعت الأدوار الجديدة المضافة للشخصية الروائية ولا نبالغ إذا قلنا : إن الملمح الجمالي للحدث الروائي والشعري في قصائد (أولئك أصحابي) يتحقق أستطيقا جمالية من خلال تنامي الأحداث، وتشعبها، وإحالاتها الشعورية المسقطة على الأحداث الراهنة التي يعيشها الشاعر، ولهذا كان الشاعر حميد سعيد محقاً في قوله: (. إن ما شغلني، لزمن طويل، وأنا أفكر بكيفية تمثل شخصيات روائية، تعايشتُ معها إلى حد أن أتخيَل إنني عرفتها في الواقع، وليس على صفحات رواية وفصول كتاب، هو الجمال الإبداعي، في هذا التمثُل، أكثر مما شغلني، ماذا أقول، أو ماذا تقول هذه الشخصية أو تلك، في النص الشعري الذي أكتبه أو سأكتبه.لكن الشخصية ورمزيتها، لا بد أن تظهر في النص، بما هي فيه، أو بما تضيف إليها المخيلة، وحين تعددت الشخصيات بتعدد قصائد المجموعة، كانت الحياة، بتنوعها، وتعدديتها في الثقافة، والسلوك، ومكونات الإنسان الاجتماعية والنفسية، فالقارئ يلتقي، بأنموذج إنساني إيجابي مثل الدكتور (زيفاغو)، ويلتقي أيضاً بشخصية سلبية مثل الأب كرامازوف، ولكل منهما، حياته، ولكل منهما أثره الذي يبقى متفاعلاً مع فكر المتلقي، وما يصح على الشخصيتين المذكورتين، يصح على شخصيات أخرى، ألتقي بها في أولئك أصحابي" (9) .وهذا يعني أن فيوضات الشعور والحس الشاعري، والإحساس الجمالي أو الرؤيا الجمالية هي ما تمنح هذه القصائد المراهنة والمعاصرة لواقعنا الجديد، ولهذا، احتفت هذه القصائد بالحركة الجمالية على صعيد رؤاها، ومتغيراتها، وإحالاتها الجديدة، وهذا ما أكسبها العمق، والإيحاء، وشاعرية التكثيف الدلالي والرؤيوي في آن معاً، فكما أن الرواية في واقعها الروائي غنية بالمواقف، والأحداث، والمتناقضات جاءت القصيدة كذلك بمتخيل رؤيوي أعمق يحاور الشخصية من الداخل، ويخلق أفقها الرؤيوي المتنامي، وبذلك تحقق هذه القصائد متنفسها الإبداعي الخاص بها، وأفقها المتجدد على فضاءات لا متناهية من التكثيف والشاعرية والإيحاء.

 

2-  الحدث الشعري- الروائي قوة أستطيقية خلاقة في تفعيل الرؤيا الشعرية والموقف الشعري:

لاشك في أن غنى الشخصيات الروائية بالمواقف، والمؤثرات، والأحداث من فواعل القصيدة ومحرقها الجمالي، خاصة إذا أدركنا أن فواعل الرؤيا الشعرية تتأسس على الإحالات، والأدوار، والرؤى الجديدة المكتسبة من سياقها الجمالي، فكما أن الشخصية الروائية في ملصقها الحدثي المقترن بها في الرواية تتأزم في موقفها، وتصطدم في واقعها السلبي تارة، وموقفها الإيجابي تارة أخرى، فإن الشخصية الروائية في القصيدة تنطوي على موقف وجودي صادم يربطها بالسلب كما الإيجاب لتكون الشخصية حية نابضة بمتغيرات الواقع ومستجدات الحياة، فالإيجاب لا يظهر في معناه الخلاق إلا بمضاده السلب، ولهذا، يجد القارئ متعة في قراءة هذه القصائد لأنها تمثل الجانبين معاً، وترصد وجهي الحياة المتناقض، ولهذا؛ فإن حراك الشخصيات الروائية في هذه القصائد ينبع من حراكها الرؤيوي الخلاق، الذي يثمر بالرؤى، والمؤثرات، والأحداث المحتدمة في فواعلها الرؤيوية المكثفة، وتعد تقنية تراكم الأحداث، وكثافتها اللعبة الاستطيقية التي تشتغل عليها قصائد (أولئك أصحابي) أستطيقياً وفنياً، وهذا أكثر ما نجده في قصيدة (الأخوة كرامازوف) لحميد سعيد، وفيها يتمثل رواية" الأخوة كرامازوف" لديستوفسكي، وأبرز مفاتيح الرواية ما يقدمه الباحث خلف مخلف الحديثي قائلاً. (تعد الأخوة كرامازوف قمة أعمال ديستوفسكي، وقد أمضى ما يقارب عامين في كتابتها، ونشرت فصولها الأولى في مجلة – الرسول الروسي – وتم إنجازها في تشرين الثاني من عام 1879، وعالجت الروابط العائلية وتربية الأبناء والعلاقة بين الدولة والكنيسة، كما تناولت موضوعات الخير والشر، والعدالة السماوية والخلود، والحرية.المحور المهم فيها هو اندلاع صراع مرير بين الأب –فيودوركارامازوف– وابنه البكر – ديمتري – بسبب علاقتهما بامرأة –كراشونيكا- وعمرها 22 عاما، وكانت على علاقة جنسية بالوالد والولد .الأب يهدد الابن بالقتل إذا اقترب من خليلته، والابن لا يرعوي بحجة الدفاع عن حبه، ويطلع على هذا الصراع خادم الأب، - ساداراكوف– ويقال أنه لقيط وابن غير شرهي للأب، ويقدم يوما على قتل الأب ويتهم الابن – ديمتري - بقتل سيبريا.وتضيع العائلة بموت جميع أفرادها، ويدفن القاتل الحقيقة معه مسألة مقتل والده، وتستمر الأحداث وجلسات المحكمة لتنتهي الرواية بالحكم على ديمتري بالأعمال الشاقة لمدة عشرين سنة " (10) .

إن الشاعر أراد في هذه القصيدة أن يتمثل جو الصراع الدائر بين الشخصيات، ويراكم الأحداث الدرامية البانورامية المفتوحة، وكأن الصراع المنقول من الرواية يجسد الصراع والتناحر القائم في الحياة من خلال رمزية الصراع بين الأخوة الأشقاء، لينقل الصراع من جو الرواية، إلى جو القصيدة، ومن جو القصيدة إلى جو الحياة، كاشفاً من خلال هذه القصيدة الطقس التناحري المصطدم بين الأخوة الأشقاء في عالمنا العربي، وكأن أقدارنا نحن العرب أن نبقى في تناحر دائم وصراع مستمر كما هو حال الأخوة كرامازوف، إذ يقول:

"هي أقدارُنا..

وكأنَّ الرائيَّ السُلافيَّ أنبأنا بالذي سيكون لنا..

أُمماً وأناساً

فكُنّا .. كما كانَ أولئكَ الضائعونَ..

في ما أُعِدَّ لهمْ من مصائرَ مُربِكَةٍ..

ليسَ هذا الذي نحنُ فيهِ

غير الذي كان فيه آل كرامازوف..

من فِتَنٍ

الأشقّاءُ يقتتلون..

ويصطرِعُ الأبُ والابنُ من أجلِ ... !!

هلْ كانت امرأةً أم خرابا ؟

وفي لحظةٍ تتقاطعُ فيها الوعودُ

كلُّ ابن أنثى يُقيمُ لهُ وطناً

ويكونُ إذا شاءَ سَيِّدَهُ المُتَفَرِّدَ

ثُمَّ يكونُ إلها" (11) .

هنا، تتراكم الرؤى، والأحداث، وتنتقل في حراك رؤيوي كاشف من جو الرواية، إلى جو القصيدة، متسائلاً هل هذا الخراب هو الذي تنبأ به القدماء لنا، منذ زمن بعيد من تكالب الأمم على المسلمين، والاصطراع الدائر بين الأخوة، كما هو حال التناحر والصدام بين الأخوة كرامازوف، من أجل امرأة، وهل الصراع الدائر هو صراع الحياة بوجهيهاالمتناقضين: (الخير / والشر)، و (الظلم / والعدل)، و (الحق / والباطل)، و (النور / الظلمة)، و (العهر / والطهر)، و (الوفاء / والخيانة)، ويتساءل هل هذه الاصطراعات هي التي تكرسها النوازع الإنسانية والمطامع الشخصية أم هي صراعات داخلية في النفوس البشرية منذ الأزل، وهنا، تتلون الدلالات، من خلال تناوش أحداث الرواية بأحداث الواقع الذي تبثه القصيدة، ثم يعود ليمركز الحدث الروائي، لأنه يمثل ذروة الصراع الدرامي المتوتر، قائلاً:

"في خريف العلاقةِ العائليَّةِ أو في خريف البلادْ

أَبٌ فاجِرٌ.. وثلاثةُ أبناءْ

الأبيقوريُ والمتعالمُ والمتصوِّفُ

كُلٌ له حُلُمٌ يتآكلُ في عالمٍ عَطِنٍ..

مثل تُفّاحةٍ فاسدهْ" (12) .

لاشك في أن تلاقح الحدثين الروائي والشعري في القصيدة يهبها تفعيل الموقف والرؤيا الشعرية معاً، من خلال الاحتدام والمناوشة بين ما يطمح إليه الشاعر، وما يجسده في واقعه الروائي، ومتخيله الشعري، فهو أراد أن يعري مواقف الأب الفاسدة والأسرة المتهتكة كما هي حال واقعنا العربي المتعفن بالمفاسد، والضلال، والانحراف، والجريان وراء المطامع، والمكاسب على حساب كرامة الوطن، وكرامة أبنائه، وهذا يدلنا أن شخصية الأب المتسلط في غرائزه، ومطامعه هي نفسها شخصية المواطن الفاسد الذي يبيع وطنه من أجل مكاسب دنيوية سرعان ما تذوي وتزول، وهنا، صحيح أن أحداث الرواية وشخصياتها هي الناطقة أستطيقياً بحيثيات الواقع، وأحداث الرؤية الاغترابية المريرة التي يعيشها الشاعر في ظل تدني القيم، وتفاوت المطامع والغرائز، لكن لا يهم كل ذلك، المهم هو أن يعري المواقف السلبية في شخصيته الروائية، لتكون مثالاً منفراً للواقع الفاسد الموبوء بالعفونة، والتفسخ، والضياع، ولهذا، نلحظ تتابع الأحداث والرؤى بكثافة وتنويع إحالي عجيب في حركة الضمائر، ليلعب بالقصيدة على أكثر من إيقاع، ودلالة، كما في قوله:

"لُغَةٌ باردهْ

ونصوصٌ تَساقَطُ منها الفواصلُ.. تدخلُ في بعضها..

طَيِّبون ؟

نعمْ ..

أَربَكتهم طقوسُ الكتابةِ .. تلكَ التي..!!

مَنْ سَيقرأُ هذا الهراء ؟

ومَن سَيُعيدُ الصبا للمياه.. إذا شاخت الأسئلهْ ؟!

ومن سيُجيبُكَ عمّا جهلتَ..

إذا شاركتْكَ فراشكَ طيلةَ ليل شتاءِ طويلْ

خاطرةٌ عارضهْ 

فكرَةٌ غامضهْ

نَزَلَتْ في ديار آل كرامازوف ..

وانتشرتْ في فضاءاتها الشاسعهْ " (13) .

هنا، يبتعد الشاعر بالحدث من الحرارة إلى فيض من التجريد، والتلاعب الذهني بأسئلة ممتدة مفتوحة أستطيقياً؛تشي ببعدها، ونبضها، وحراكها الدافق، وكأن ثمة حراكاً ذهنياً تفيض به المخيلة الإبداعية، وهذا الحراك تتابع بفيض إيحائي ممتد يشي بأبعاد، ورؤى مفتوحة (مَنْ سَيقرأُ هذا الهراء ؟ / ومَن سَيُعيدُ الصبا للمياه.. إذا شاخت الأسئلهْ ؟! / ومن سيُجيبُكَ عمّا جهلتَ.. / إذا شاركتْكَ فراشكَ طيلةَ ليل شتاءِ طويلْ / خاطرةٌ عارضهْ)، وكأن الحدث انتشر من رمزيته إلى تجريديته، ليبتعد من سذاجة الحدث، إلى استطيقيته المشفرة أو المُرَمَّزة، وبهذا، ينأى برؤيته بعيداً، ويرتقي بالحدث والرؤيا إلى فضاءات لا متناهية من الرؤى، والأحداث المتداخلة؛ إذ يقول: 

"أَيُهذا الرائي السلافيُ..

كيفَ جمعتَ في ما رأيتَ .. النقائضَ؟

حيثُ رأيت ..

الوقاحةَ والجُبنَ في رجلٍ واحدٍ..

والبراءة والعُهرَ في امرأةٍ واحدهْ !

ماذا أردتَ من عالَمٍ ..

تأكلُ السرطاناتُ فيه جاراتها السرطانات..

يَسّابَقُ الابنُ والأبُ.. والأخُ والأخُ ..

نحو فراش سَيِّدَةٍ ساحرهْ !

تتجاوزُ فيه النساءُ أحلامَهُنَّ .. إلى كلِّ من يفتحُ البابَ..

حتّى يُطِلُّ الخرابُ .." (14) .

هنا، يخاطب الشاعر شخصيته الروائية (كرامازوف) مخاطبة مواجهة يعري من خلالها الموقف المتناقض السلبي الذي اتخذته هذه الشخصية في عالمها الوجودي، من تناقض، واصطراعات محتدمة، تجمع المتناقضات في حيز وجودي مفتوح، كما في الثنائيات المفتوحة (الوقاحة / الجبن)، و (البراءة / والعهر) ؛وهذا يولد كثافة من الرؤى المحتدمة، بين ما تخفيه الشخصية من رؤى متناقضة، وما يحاول إضفاء صفات جديدة عليها ليظهر من خلالها فساد العالم الخاص بالشخصية الروائية، والموقف السلبي الذي اتخذته في وجودها؛ لتنتهي نهاية تراجيدية مكثفة تبين النهاية الحتمية الأخيرة التي تؤول إليها الشخصيات المصطرعة بمواقفها السلبية، ورؤاها المحتدمة :

"والناسُ.. مُذْ فَرَّقَتْهمْ مصائرُهُمْ

صارَ كلُّ فتى في المدينة .. ينتظرُ اللهَ..

يسعى إلى من يجيء إليه..

وهو في غرفة النومِ .. بالمُعجزهْ

وأنّى توجَّهتَ ..

في ما ترى من فضاء المدينةِ..

أو في فضاء الروايةِ..تَصحَبُكَ الثرثرهْ

في الحياةِ أو الموتِ

في الديرِ والحانِ

في ما يقولُ العبيدُ وفي ما يقولُ أسيادُهمْ

كأنَّ البلادَ التي تتهاوى..

كما يتهاوى الجليدُ بعد شتاءٍ ثقيلْ

ليسَ لها غير ما تهبُ الأبجديَّةُ.. مِنْ مأثَرهْ" (15) .

إن اللعبة الأستطيقية مفتوحة في مدها الرؤيوي، ولهذا، تسعى الشخصية الروائية أن تسطر رؤيتها في مدها الشعوري بين رؤى وأحداث مفتوحة تشي بها، وتحركها بفواعل مكثفة تستمر في حراكها الحدثي اللامتناهي، وكأن اللعبة الاستطيقية بالأحداث تتنامى تدريجياً، لتصل ذروة التكثيف والاحتدام الشعوري، كما في قوله:

أَليشا كرامازوفْ

هل هو وعدُ السماءْ ؟

أم هو آخرُ مَنْ حرّرتهُ طفولتُهُ .. من طقوس الرياءْ ؟

يُحاوِلُ أَن يتجنَّب ما كان في الناسِ..

مِنْ غَفْلَةٍ وجفاءْ

كُلُّهمْ يَدَّعون محبَّتهُ .. ويظلُّ وحيدا

ويتبعهم حيث كانوا..ويبقى بعيدا

تَتَجلّى بصيرتُهُ .. فتطِلُّ عليه البلادُ بأسمالها..

وعقابيلِها..

أيُّ معجزةٍ ستُعيدُ إلى الأرض..

ماكانَ في غدها من بهاءْ ؟!" (16) .

إن فاعلية الحدث أستطيقياً تتبدى في الفواعل المحركة للشخصية برؤى مسقطة عليها من مشاعر الشاعر ورؤاه المتخيلة بين ما تنطوي عليه الشخصية في واقعها من تناقض، واحتدام، وما تمثله من وجه السلب، وهنا؛ يتحدث عنها بلسان الحدث الماضوي حيناً، وبلسان المواجه الواقعي حيناً آخر، وهذا ما يكسب الشخصية شعرية الرؤية، وسخونة الحدث، لاسيما بكثافة التساؤلات المفتوحة التي تشي بها، كما في قوله:

هي أقدارُنا..

يُقبِلُ الموتُ مقترناً بالخرابِ .. وبالشكِّ

وهو يُرافِقُنا حيثُ كنّا ..

ويَسْكُنُ أحلامَنا..

إنَّ تعويذةً ورثتها القبيلةُ..

تُبعِدُ عن هذه المدينةِ .. أبناءَها

وتُغَيِّبُهم في سراب فرائضها..

وتَغيبْ" (17)

هنا، ينتقل الشاعر بلعبة أستطيقية من خطاب الشخصية الروائية إلى خطاب الواقع الراهن بكل مظاهر تناقضاته وسلبياته، فيتحدث عن فساد البلاد، وضياع القبيلة، وهو يرمز بالقبيلة إلى أبناء قومه الذين باعوا العراق، وأضاعوا البلاد، وشردوا بنيها، لدرجة غيبتهم الغربة في فيافي التشرد، والضياع، وغياهب السجون، وهكذا، انفتحت القصيدة على كم هائل من الأحداث والرؤى التي ترصد الواقعين الشعري والروائي بحراك شعوري مفتوح ورؤى كاشفة عن نبض الذات، وتوقها إلى الخلاص، والانعتاق من ربقة الاغتراب ولياليه البائسة إلى عالم يفيض بالأنس والشفافية والجمال؛وهكذا، تأسست الرؤيا الشعرية على كثافة الأحداث واصطراعها وتناقضها الذي يظهر على مستوى الشخصية الروائية، وواقعها الروائي، وفضاء متخيلها الشعري في القصيدة، وهو ما يمنحها التنوع والاختلاف، والكثافة في تحريك الأحداث وخلق متغيرها الجمالي.

•  وصفوة القول: إن فواعل الحدث الشعري- الروائي أستطيقياً في قصائد (أولئك أصحابي) تتمثل في تفعيل الرؤى المتعلقة بالشخصية الروائية بالتلاعب بالأحداث تبعاً لمحفزات الرؤيا الشعرية، وفواعلها الرؤيوية الكاشفة، التي تنفتح على أكثر من دور، وأكثر من ملصق، وأكثر من إحالة، وهذا ما يكسبها شعرية مضاعفة في تعميق الموقف الدرامي أو الرؤيوي الذي تطرحه القصيدة؛ ولا عجب أن تكون الأحداث بتنوعها من أحداث سردية بسيطة، إلى أحداث وصفية متتابعة، إلى أحداث بانورامية منفتحة، نقطة تفعيل الشخصية الروائية وحراكها في هذه القصائد على اختلاف أدوارها، وملحقاتها، ورؤاها المبثوثة على لسان الشاعر، يوجهها بعين الرؤيا لا الرؤية، وبعين الحدث الرؤيوي العميق لا الحدث الوصفي الجامد الذي يرصد تتابع الشخصية من الخارج، ليتغلغل في باطنها، ويحركها بأحداث ورؤى جديدة يمنحها تميزها، وانفرادها جمالياً في هذه القصائد، وهذا ما يحسب لها على الصعيد الإبداعي.

3-  الحدث الشعري نقطة تفاعل الرؤى أستطيقياً، وتعميق الرؤيا الشعرية والروائية في آن معاً:

 إن قارئ قصائد (أولئك أصحابي) في فواعلها الاستطيقية والرؤيوية يدرك أن لعبة الحدث فيها من مغرياتها الخلاقة في شكلها، ومنحاها الإبداعي، فلا يستطيع القارئ أن يغيِّب الدلالة عن مرجعها الحقيقي في الرواية، ولا يستطيع أن يعزل هذه القصائد عن فضاء متخيلها الروائي، إن هذه القصائد فيض من التلاحم، والحراك الرؤيوي الكاشف عن تفاعل الحدث الروائي، والحدث الشعري، وهذا التفاعل ينعكس مردوده على الرؤيتين معاً (الرؤيا الشعرية) بإحالتها الجديدة، وإضافتها الفارقة جمالياً، و (الرؤيا الروائية)، ومرجعيتها الدافقة بالحس، والحراك الجمالي الفاعل، ووفق هذا التصور، فإن ما يثير الحركة الجمالية - في هذه القصائد- ليس فواعل الحدث منعزلاً عن الرؤيا؛ ولا فواعل الرؤيا منعزلة عن الحدث والزمن، إن هذه القصائد كتله من التحولات الإبداعية والتفاعلات الإشارية، التي تتأسس على حراك الدلالات، ومرجعيتها الدافقة، بالحس، والشعور، والجمال؛ولعل أبرز المؤثرات أستطيقياً على مستوى الحدث، ما تفرزه بعض القصائد من كثافة الرؤى والأحداث، كما في قصيدة (الأخوة الأعداء) لحميد سعيد، وفيها يتمثل رواية " الأخوة الأعداء" لنيكوس كازنزاكي، وتعد هذه الرواية لكازنزاكي (رواية عظيمة، قد تفوق روايته – زوربا اليوناني – في بنائها السردي وصراعات أبطالها، وما تحيط بهم من تحديات وأحداث . إنها رواية مفعمة بتوجهاتها الإنسانية، حيث الصراع والتضحية ، والحقد والحب أيضا. وإن شخصية –انداروس– في توقها إلى الحرية والعدالة والإيمان، تكاد تختصر مأساة الإنسان الوجودية في عصرنا المضطرب القاسي) (18) .

تتأسس القصيدة في حركتها الانفتاحية على كم هائل من الأحداث المتصارعة بين واقع اليوم، وواقع الأمس، وزمن اليوم، وزمن الأمس، في حركة أستطيقية منفتحة في مدها الدلالي، وحركة الأحداث، وتفاعلها في السياق، وهنا، تتفاعل المؤثرات بين الحدث الروائي والحدث الشعري، وتتلون إثرها الدلالات في لجة الأحداث المتداخلة، وطبيعتها المتفاعلة، كما في قوله:

"في كتاب الأساطير تمحو الأساطير..

للأزرق الأثيني..

قال. . يسألُني كلُّ من التقيه في هذه المدينةِ

لِمْ ولماذا.. تُشَوِّهُ هيلين صورة هيلينْ

ولماذا.. يُسَفِّهُ هومير أشعار هوميرْ

كنتُ أقول.. من هي هيلين؟!

وأنا ما سمعتُ بهومير..

لمْ أرَ في ما قرأتُ من كتب الأقدمين..

أو كتب المُحْدَثين.. أخبارهُ !!

أو تأكَّدَ لي ما يُقالْ

بعدَ أنْ نزلَتْ في البلاد النوازلُ

أصحو على هَرَجٍ. (19) .

إن القارئ يلحظ تفاعل الرؤى بين ما تعكسه شخصيات الرواية (هومير) و (هيلين)، والواقع الذي تعيشه شخصيات القصيدة، وتراكم أحداثها الراهنة، وهذا يعني أن ثمة قوى دافعة تحرك بنية السرد، لتعرية الواقع، والكشف عن منعرجات الرؤيا أستطيقياً، لتفعيل الأحداث، والبنى الفاعلة في تكثيف الأحداث، والمواقف الشعورية الكثيفة في مجريات القصيدة، ولهذا، يعرض واقع اليوم من خلال ذكريات الماضي أو مجريات الأمس، ويرصد مرارة الأسى، باسترجاع أجواء الرواية وأحداثها وعكس ما يحدث من خلالها على واقعنا المعاصر، كما في قوله:

لمْ يكُنْ حين غادرتُ مقهى المدينةِ في أوّل الليلِ

كان الطريقُ إلى البيت يفتحُ للقمر الرماديِّ ..

باباً 

سيدخلهُ آمناً..ويطوف على كلِّ ما كان في البيتِ..

يمسحُ أِشجارَهُ والرياحَ..

وأحلامَ أطفالِهِ والأغاني القديمةَ والماءَ..

بالنورِ..

هذا الفضاءُ الذي لا حدود للشعر فيهِ..

للحبِّ والأسئلهْ

صارَ حقلَ رمادٍ تمدَّدَ في كتب السَفَهِ..

اقترحَ السُفهاءُ..

أنْ تطرد البلادُ بساتينَها

ويكونُ على كلِّ مُنعَطَفٍ مقصلهْ" (20) .

هنا، يرصد الشاعر الواقع الروائي من خلال استحضار الأحداث، ويكثف نواتجها الدلالية، واللافت أن الشاعر يكثف الصور والرؤى الاغترابية التجريدية التي ترصد واقع مثالي لا واقع عياني مرئي مجسد، وهذا ما يجعل الحدث يتناوب بين الحدث الوصفي: (يمسحُ أِشجارَهُ والرياحَ..وأحلامَ أطفالِهِ والأغاني القديمةَ والماءَ..بالنورِ..) ؛والحدث التراجيدي المتخيل (هذا الفضاءُ الذي لا حدود للشعر فيهِ..للحبِّ والأسئلهْ... صارَ حقلَ رمادٍ تمدَّدَ في كتب السَفَهِ..) والحدث الملحمي الذي يفيض بالرؤى والمشاعر التراجيدية المؤسطرة للواقع الدموي الذي يدل على الانحلال والتفسخ والقتل وإراقة الدماء، كما في قوله: (اقترح السفهاء أنْ تطرد البلادُ بساتينَها ويكونُ على كلِّ مُنعَطَفٍ مقصلهْ) "؛وهكذا، تتراكم الأحداث، والرؤى، والصور بمتخيلات تكشف جوانب الصراع الداخلي بين الواقع والمثال، ومن هذا المنطلق، تتكاثف الرؤى في نسق شعري متآلف، يفيض بالرؤى والمتغيرات والمشاعر المتراكمة، وكأن الحدث الشعري يصبح حدثاً مزدوجاً، يجمع الحدث الوصفي بالمشهدي بالمتخيل:

"وتودِعُ أشجارهُ السودُ في كلِّ غصنٍ تدلّى على الطرقات..

ومسَّ حجارتها .. قُنبلهْ

وسيزرًعُهُ القتَلَهْ

حنظَلاً..

أوَ كُنّا على موعدٍ بالذي كان..

لا أحَدٌ في البلاد التي تتعثَّرُ بالموتِ..

ينجو من الموتِ

مَن لمْ يمُتْ بالرصاص المُخَبًّأ في الخبز..

يقتُلهُ الخبزُ

ومَنْ لمْ يَنَلْهُ رصاصُ الجنودِ

نالهُ من رصاص أخيهِ !" (21) .

هنا، يرصد الشاعر الواقع التراجيدي المؤلم وحالة الموت التي تتخطف المواطنين العراقيين في واقعهم المأساوي المؤلم، وهنا، ينقل الصراع من حلبة الرواية إلى فضاء القصيدة إلى حلبة الاصطراع الراهن بين الأخوة الأشقاء في واقعهم الوجودي وإحساسهم المرير، وكأن الذي صار بالأمس انعكس أثره على واقع اليوم، وانهارت القيم، وعاد الصراع الدموي هو الحكم الفصل في عالم الخلق وطبيعة الوجود، وهكذا، تتفاعل الأحداث، وتتحرك على أكثر من محور أستطيقي بالغ الإشارة والدلالة، كما في قوله:

"في الليلة الأخيرةِ من موعدٍ لن يكونْ

تذهبُ كلُّ نساء القرى بثياب الحدادٍ..

إلى المقبَرَهْ 

يتبادلنَ جمرَ المراثي ويسألنَ عن دم أبنائهنَّ

فارغة كانت القبورُ

ومهجورة هذه المقبرهْ" (22) .

هنا، يرصد الشاعر مشهداً واقعياً بإحساس تراجيدي بالغ الأثر، والتأثير؛ إذ يرصد مشهد الحداد الذي تتناوبه الأحداث الوصفية والأحداث الدرامية، وهذا يرتد بالنص إلى الحدث الوصفي التراجيدي، وكأن واقع الحداد الذي تعيشه العراق هو الذي جعل الشاعر يشعر بالخواء والوحشة والانغلاق والقيدية والاختناق، إثر المفارقات اليومية ومظاهر التناقض في علاقات الأشياء، ومصيرها التراجيدي المؤلم، كما في قوله:

"يخرجُ من كلِّ بيتٍ إمامان..

يفتي الأب القادمُ من صفحات كتابٍ عتيقٍ..

بغير فتوى ابنه الداخلِ في كذبٍ الحاضِرِ..

يختلفانْ

كُلٌ له من قراءاته الفاسدهْ

لغةٌ باردهْ

ويَقتَتِلُ الأخوةُ.. كلُّ الذين يموتونَ..

جاءوا إلى الموت .. من مدن الفقراء

والفقهاءُ..

يغتنمون الأساطيرَ والوهمَ..

من أجل متعتهم بالدماءْ" (23) .

هنا، يصور الأحداث الوصفية بإحساس تراجيدي يصور الواقع الدموي والاقتتال المرير بين الأخوة والأقارب، والبؤساء في زمننا العربي المؤلم الذي يعاني من ضنك العيش، ومرارة الفقر والحروب الشيء الكثير منذ الأزل، خاصة في الواقع الراهن المحمل بشتى أنواع الفقر، والضنك، والألم، والتعطش للدماء، وهكذا تشتغل القصيدة على تقنيات عدة منها التلاعب بالأحداث والانتقال من حدث وصفي إلى حدث درامي، إلى حدث

مشهدي، وهكذا دواليك، محققاً بلاغتين : بلاغة في السرد الوصفي للأحداث، وبلاغة في تكثيف الملصقات الرؤيوية المرتبطة بالأحداث في السياق الشعري، وهذا يرتد إلى شعرية النسق الوصفي المتخيل وفضاء الذات الشعرية وتفعيلها للأحداث الراهنة، كما في قوله: 

يقفُ الأبُ بين بنيه وبينَ بنيهْ

لا يُفَرِّقُ من أيِّ أبنائهِ ..اخترقتهُ الرماحْ

كأنَ الكلامَ بين أخٍ وأخيه .. انتهى

ليسَ من لغةٍ..

بينَ مَنْ فَرَقّتهمْ أساطيرُ سوداءُ..

غير السلاحْ" (24) .

إن الشاعر يعكس الواقع العربي الراهن الذي يقوم على التناحر والاقتتال، وكأن التاريخ يعيد نفسه، فالأخوة يتصارعون على الحكم، ويقتتلون في واقعهم الراهن، الذي يقوم على الصراع الدائر بينهم من أجل مصالح دنيوية زائلة لا يرعون لحق الأخوة، والقرابة، والانتماء ووحدة المصير، وهكذا، جاءت القصيدة تعروية كاشفة للمواقف السلبية الراهنة، ومعبرة بعمق عن شعور الشاعر التراجيدي المحتدم، لتلعب الأحداث المسقطة من الحدث الروائي على الواقع الراهن بكل مظاهره السلبية، دور الكاشف المحرض لتنشيط الدلالات، وتكثيف رؤاها المحتدمة، وهكذا؛ تتسع دائرة الأحداث، لتنفتح على رؤى مفتوحة، كما في قوله:

على هامشٍ من كتاب.. الأساطير تمحو الأساطير

يكتبُ شيخُ الطريقة .. يأتي زمانٌ على هذه البلادِ

يُسَفِّهُ فيه المعريُّ شعرَ المعريِّ..

تُسفِّهُ فيه النساءُ النساءْ

يعمُّ البلاءْ

ويهجرها الشعراءْ

يعتزلُ الوردُ أكمامهُ والحدائقَ والماءَ

كانَ تبرّأَ من عطرهِ

أتُرى سيغادرُ ألوانِهُ ويهاجرُ .. معتزلاً

ضَيِّقٌ.. ضَيِّقٌ .. ضَيِّقٌ

في المنافي الفضاءْ" (25) .

إن الشاعر يبين الأسى والواقع الاغترابي الراهن من خلال إسقاط إحساسه على الواقع الحالي، بعد مقارنة ما يجري على أرض الواقع، وما حدث في الماضي من تناقض وتشويه، ولهذا، يرى أن العربي مكتوب عليه ضنك الحروب، والفقر، والاغتراب الدائم، والمنافي منذ الأزل، وتأسيساً على هذا تتلون الأحداث أستطيقياً لتعبر عن قمة الأسى ومرارة المنافي وقلق الاغتراب، لدرجة أن المنفي تضيق عليه الدنيا، وتغدو كدارة مقفلة، (ضَيِّقٌ.. ضَيِّقٌ .. ضَيِّقٌ في المنافي الفضاءْ) .وهكذا، تتلون الدلالات وتنفتح على أكثر من رؤيا ومردود دلالي، كما في قوله:

يتوارى القتيلُ والقاتلُ خلفَ تواريخ رعناء

ينسبها قائلٌ غامضٌ . . لرواة غلاظْ

وينسبُهُم – أيّ أكذوبة يتوارثها الجهلاءُ –

إلى ملكوت السماء!!

كلُّ ما جاء في كتاب الأساطير تمحو الأساطير..

ليس سوى كذب وافتراءْ

ليس سوى مرجعٍ.. يستظلُّ به القتلهْ

هل سيعرفُ بعد فوات الأوان .. أخٌ وأخوه يقتتلانْ

أين هي المعضلهْ ؟!" (26) .

إن التساؤل يبقى مفتوحاً، وتبقى الأسئلة تتلجج في الروح (هل سيعرفُ بعد فوات الأوان .. أخٌ وأخوه يقتتلانْ أين هي المعضلهْ ؟!"، بهذا التساؤل يغلق دارة القصيدة، ويترك المد الدلالي لتساؤله مفتوحاً إلى ما لانهاية، وكأن هذا السؤال يمثل تساؤل الوجود ومعضلة الحياة، وهكذا، تنفتح القصيدة على شعرية الحدث أو بلاغة الحدث أستطيقياً، من خلال فواعل الرؤيا المبثوثة عبر تفاعل الأحداث، وتكثيف مردودها في سياق القصيدة.وهذا ما يحسب لقصائد هذه المجموعة أن أحداثها تشكل بؤرة تنامي شعريتها، وليس فقط الشخصيات الروائية في حوارها وتفاعلها النصي، وهذا ما لم يلحظه الكثير ممن تناولوا هذه القصائد بالدراسة والتجريب، ولهذا؛ جاءت هذه الدراسة لتبين فواعل الأحداث أستطيقياً في شعرية قصائد (أولئك أصحابي) لحميد سعيد التي تتنوع مثيراتها الأستطيقية بين حراك الشخصيات، وحراك الأحداث، وتنويع الدلائل والإحالات الجديدة المضافة إلى الشخصية، وهذا ما يجعل فضاءها الشعري مفتوحاً بالرؤى والدلالات الجديدة التي لا يتدفق سيلها الجارف على الإطلاق.

وصفوة القول:إن قصائد (أولئك أصحابي) ليست تبعية للحدث الروائي، وليست نسخاً له، وإنما هي استشفاف جميل للأحداث، وتمثل فاعل للشخصيات في حراكها، ونبضها، وإحساسها الوجودي، ولهذا، تتنوع الشخصيات وتتنوع الأحداث، والمنظورات لدرجة أن هذه القصائد تخرج القارئ إلى متعة المماحكة الرؤيوية البالغة، وكأن رؤية الشاعر رؤية إبداعية تصنع الشخصيات بنبض جميل، وكأنه خالقها، وليس متمثلاً لها في هذه الأعمال الروائية الخالدة في زمنها الإبداعي الذي تجاوزته لتحيا زمننا الوجودي. من خلال حساسية شاعر مرهف غرف من هذا المعين الخالد ما جعل منتجه الإبداعي فتحاً جديداً في فضاء الشعرية المعاصرة اليوم.

 

عصام شرتح

.......................

 الحواشي:

 (1) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، مجلة ديوان العرب، مجلة إلكترونية، موجودة على الرابط التالي:

www.diwanalarab.com / spip.php?page=article&id_article...

 (2) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص48.

 (3) المصدر نفسه، ص49.

 (4) المصدر نفسه، 50

 (5) المصدر نفسه، 50

 (6) المصدر نفسه، ص51

 (7) المصدر نفسه، ص51.

 (8) المصدر نفسه، ص52.

 (9) شرتح، عصام، 2016-حوار مع حميد سعيد حول مجموعته (أولئك أصحابي) موجود مجلة ديوان العرب

موجود على الرابط الإلكتروني التالي:

www.diwanalarab.com / spip.php?page=article&id_article...

 

 

 (10) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، مجلة ديوان العرب، مجلة إلكترونية، موجودة على الرابط التالي: www.diwanalarab.com / spip.php?page=article&id_article...

 (11) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص56.

 (12) المصدر نفسه، ص57.

 (13) المصدر نفسه، ص57.

 (14) المصدر نفسه، ص58.

 (15) المصدر نفسه، ص59.

 (16) المصدر نفسه، ص59.

 (17) المصدر نفسه، ص60.

 (18) مخلف الحديثي، حمدي، 2016- تكامل الرؤى، مجلة ديوان العرب، مجلة إلكترونية، موجودة على الرابط التالي: www.diwanalarab.com / spip.php?page=article&id_article...

 (19) سعيد، حميد، 2015- أولئك أصحابي، ص64.

 (20) المصدر نفسه، ص65.

 (21) المصدر نفسه، ص66.

 (22) المصدر نفسه، ص67.

 (23) المصدر نفسه، ص68.

 (24) المصدر نفسه، ص68.

 (25) المصدر نفسه، ص69.

 (26) المصدر نفسه، ص69.

 

أسئلة محمولات الألم – إخفاء الأجوبة .. قصيدة: لو تدرين للشاعر الراحل أديب ابو نوار

adnan aboandolisرغم استرسال الأسئلة وتداعياتها المخفية برضوخ تام، فأن حالة الاستلاب القهري بإفصاح ذلك لم يعلنهُ الشاعر، حيثُ أتى بقصدية مسبقاً بجملتة المركزة – أسئلة وإنتهت – إدخرهُ لنفسهِ فقط ؛ جعلهُ وقود ذاك الأتون المستعر أبداً، لا يهمهُ ما راح وما أتى،بقي هو في سكونٍ راسخٍ لا يفصح عنها، ليعبر عن مكنوناته وفق طريقتهِ ؛ بيسر وسهولة . بل إختزنها وإختزلها في عنونة تفصح المخبوء،ولا تتطلب الإجابة – لو تدرين – محذوفاً بداية جملة ونهايتها بدون علامة أو نقطة توقف سيل هذه الجملة –العبارة،بل تركها سائبة، يراد من القارىء أن يعيد صياغتها بإجابة وكما يتطلع هو . فالخيار للمتلقي أن يكمل ذلك بتقنية شعورية ملائمة لتلك الحالة الإستفهامية –المبهمة –ناقصة التكوين –لكن على يبدو بأن دلالتها تتسع المزيد من الإضافات المعقولة – فـ لو –حرف شرط غير جازم –إمتناع – يفضي إلى تأويلات أُخرى بذلك الحرف –فالمخاطب –المعني –أُنثى – سواءً كانت عاقلة أم غير ذلك ربما هي النفس –الذات – الأنا، والتي يحارورها همساً محاكاة، يلومها –يصبرها فهي ذات التوظيف الذي قد عثني بهِ - دنيا،حياة –معمورة،

الأسئلة التي حيّرنا بها، من أن يبوح بها أو يكشف مايلاقيهِ من عتمة قهرية ركنتهُ في زاوية لا إنفراج منها، لا تقبل إلا الانغلاق البات على مايبدو: لوتدرين

أسئلة وأنتهت

فما شأني بظلمة المحيط

وتثاؤب شمس هذا

الزمان

………...

أسئلة وإنتهت ؟ حيث لا يعنى الطرف الآخر بها ,كـ قضي الامر،كلام لحظوي عابر سِرٌ يراد منهُ الآخر بمعرفة أو الإطلاع عليهِ البتة، بل هو صاحب الشآن –أسئلة ليست لها أجوبة،إذن لاجدوى من السؤال، رضوخ الشاعر لحتمية القدر –المصير –فلا شأن الآخر بهِ . فما شأني بظلمة المحيط –وما الظلام القابع في أعماقهِ مضاعف لعتمة المحيط،مادام هو المستلب –المقموع –المركون في زاوية قهرية لايرى فيها النور اصلاً –فما شأنهُ إذن ! إن أشرقت الشمس أوغربت –في هذا الوقت الذي يتضور ألماً بالذات .

بعد إطلاق عبارتهِ –أسئلة وإنتهت – فما جدوى الأجوبة إذن –ليست الحرية في العراء كما يبدو لهُ –فالنعاج تسرح أيضاً –كذلك الغربان سائحة –سانحة –عملية جمع مفردات عقيمة حياتية ليس لها أجوبة –نعاج –غربان –عراء –رجل أعمى –قلب إسفنجي –تابوت،هذه المحمولات التي قد زوج بها مواءمة حالتهِ، هذهِ مطاوعِة كونها رخوة –مهملة –كما هي الحياة عندهُ،تمثل لحظتها مصير المستلب القهري دون جدوى من الحياة –ماثلة أمامهِ طيلة المكوث –ذلك الإستلاب –اليأس –القنوط،قد لمها في هذا المقطع الغائر في سوداوية وسكون سيتلاشى حين إنفراج الحالة تلك:

 ليس مهماً أن يسرح

أولاد آدم في عراء الخليقة

فالنعاج تسرح أيضاً

وكذلك الغربان المعفرة

بالهشيم

ولكن: مهم أن يقف

المنجم

أعني الرجل الاعمي

ذا القلب الاسفنج..

ويرفع اصبعه بجرأة

تجاه تابوت الحقيقة

فما الشفتين إلا هما قوتي الخير والشر –الموجب والسالب –الغرق والنجاة -المادي والمعنوي- تتلوع الأماني بهذه الثنائيات المتضادة،وما بينهما عنصر حياتي –جمالي –تفاؤلي –هو –الياسمين –الذي يبث حرية الإستنشاق –الخارج –الحرية \نسمة – متضادهُ –الفولاذ –الداخل –القيد –القبو –السجن –الدهليز،لو تُرك ذاك الباب الموصود لما رزح كل هذه المدة تحت القضبان الصدئة –فالعقل يطرح رؤاه خارجاً –يدب كما السلحفاة .......... هذه الإشتراطات ولدت كماً هائلاً من الأماني المكبوتة –المحطمة – داخل \ خارج سياق الحرية – المضيء – المحيط – المعتم أبد الدهر.

بين ضفتين لشق عظيم..

تتلوع الامنية

اذ أنتخبتك تكسّر

الاقحوان

فهل للفولاذ معني؟

هل له..

اتركي الباب موصداً

فالعقل يدب كالسلحفاة

علي ورق القصيدة

من خلال التمعن في مقاطع القصيدة الثلاث – كانت أسئلة موجههة إلى الذات –بحوار الهمس مع إجابة قد تكون مقنعة بصمت محبب للنتيجة " أسئلة وإنتهت " والتي صدرت من بين الشفتين اللتين تاهت بهما الأسئلة عن الحلول،لعلها قد تكون عصية الإجابة، كونها أصلاً غير مطروحة بل رددت همساً بحوارية صامتة بدءاً من الإستعاضات المتوافقة للمعني بمفردة وقرينتها –صفتها مثل : ظلمة المحيط = قتامة النفس \ تثاؤب الشمس = لحظة غروبها \ السرح = الإنطلاق- الحرية –العراء \ الاعمى –النظر في الغور الداخلي = المنجم \ الهشيم =الزوال \ الجرأة =الموت المحقق –الحتمي \ شق عظيم =الفم –الضفتين =الشفاه المتيبسة – الأمنية =إجابة مخنوقة =صمت \ الباب الموصد = إخفاء،هذه هي نتائج الإجابات " الصامتة " لأسئلة حادّة لا تنتهي أبداً .  .

 

عدنان أبو أندلس

 

من خطيئة الحب الناقص إلى فضيلة الحب الكامل .. قراءة في نص للشاعرة فاطمة نزال

كيف للشغف أن يصل إلى منتهاه

فأدرك بلحظة تعرٍّ مع ذاتي، أنني أهبك كلّي طواعية

ناسكة لا تطمع إلا بالرضا من إله

يسكن عينيك؟!!!

 

من هذا النص/الجملة ينبعث صوت(أوّل) هو صوت المتلفّظة أو المتكلّمة ذات الحضور المزدوج، من حيث أنّها الناطقة بالخطاب والحاضرة في المشيرات الخطابيّة المكثّفة للأنا في بعدين: تلفّظي ومرجعيّ..وهذه الجملة/النص، تتعلّق بعمل إنشائي مداره المتكلمة (وهي الموجود الفعلي في الكون) وخطابها(وهو الوجود الفعليّ لفظا) والكون(وهو المطلوب كونه أو وجوده، فيظلّ وجودا ممكنا غير واجب الوجود..) وليس لنا منه سوى محتوى دلاليّ موسوم بالقول..

وللازدواج في الخطاب وجوه من اللطف متراكبة، منها الوجه الخطابيّ المذكور، وهو منعكس على الزمن (حاضر/مستقبل) وعلى التركيب (طلب حاصل/إثبات مطلوب ممكن) وعلى الصورة (استعارة الطريق أو السبيل/مسيرة العشق...) ومنها الوجه الوجداني (الحب في درجة ما/ الحب في درجة أرقى أو في الدرجة الأرقى..) ومنها الوجه الفلسفي (منزلة الإنسان بين النقص والكمال..) ومن خلال كلّ ذلك نفهم تنزّل القول في لحظة عشقيّة دنيا، لا ترضاها المتكلّمة، لأنّها دون مطمحها المقاميّ..ولذلك أوّلنا الخطاب تأويلا، فجعلناه خطاب الخطيئة، أي خطيئة الحب الناقص، وفي الآن ذاته هو خطاب التّوق والشوق إلى الفضيلة، أي فضيلة الحب الكامل المطلق..

وانبثاقا عن هذه المقولة في وحدة مكونيها (الخطيئة والفضيلة) وارتدادا إليها يكون الكلام ويظل، هو الوجود في اللغة وبها، طموحا إلى أن يكون ويتحوّل من دلالة ذهنيّة إلى كون في الخارج، بلا اللغة، ما استطاعت العاشقة الشّغوف...

 

1) الاستفهام عن الكيفيّة : مقولة القصور والقدرة

يتصدّر الخطاب اسم الاستفهام ناضحا بالرغبة والحيرة والتمني والإرادة، واسما من الدلالات ما يتعلق بالحاضر، عزوفا عنه باعتباره زمن نقص وتردّ ووقوع ووقوف عند درجة وضيعة من سلّم العشق، لا تلائم المطمح الرفيع..وهو أيضا زمن عشق في درجة الشغف  (سويداء القلب) مضن حارق ممرض..ومع ذلك تطلب المتكلمة فيه المزيد، وترى فيه النقص ووضاعة المقام..

ولنا في التصوير سلّمٌ للشغف تبغي المتكلمة منتهاه لا نهايته..ولا معنى للمنتهى بلا ابتداء وانقداح، منه تنطلق الحركة إلى منتهى الغاية..والمتكلمة تتنزّل بين النقطتين أو الدرجتين أو المقامين..ليست هي في المبتدأ، لأنها في طور حارق من الشغف، لكنها تطلب الصعود إلى نار سعير...ألا يقال في المعاجم :"  الشَّغَفُ أَن يَكْوِي بَطنَها حُبُّه..." وكذا هي درجة المنتهى، في معنى القوة والاستعار والافتتان والولع..

 

كيف للشغف أن يصل إلى منتهاه...؟

ويُردفُ السّلّم الشغفيّ بعمل استعاري، يلتقي فيه مجالان : الحبّ والرّحلة في اتجاهين: أفقيّ وعموديّ، أو أفقيّ فعموديّ..وكذا تُمفهم الشاعرة تجربتها، بترجمتها حسّيّا واستدعاء مجالٍ يقولها على وجه يقرّبها، ويخرجها على صورة مدركة بعض الإدراك..ففي القول خروج ومسير، يسكت عنهما الخطاب ولكنه يقولهما اقتضاء، مادام القول في الوصول المأمول الممكن..

وبصورتيْ السّلّم والسبيل نفهم حركة الذهن والوجدان في بعدها الأفقي فالعموديّ، ارتقاء واعتلاء لمدارج الشغف وتوقا إلى درجة الشرف وسنام الحب وذروة الكمال..

ولعلّ من أدق المعاني الممكنة في هذا الخطاب التردّد بين حالي القصور والقدرة، وفي أصداء الاستفهام رجْع أصوات تشكّل جوقة يتفاعل فيها متلفّظون مختلفون ظاهرون متخفّون، لا يبدون إلا في ثنايا الوحدات المعجمية أو التراكيب وما ينعقد بينها من صلات..

ومن هذه الأصوات ما يقول إنّ هذا الشغف سيصل إلى منتهاه أو يشقّ أن يصل أو لن يصل، أو سيكون أمرا عظيما أن يصل..

وفي الاستفهام عن الكيفية ما يفتح أبوابا تأويلية على إمكانات عدّة في القراءة ..ومن أقرب ما يبدو من المعاني في هذا السياق شوق المتكلمة إلى ذاك المنتهى وتحسّسها السبيل إليه، لتكون فيه ابتداء آخر وتخلق خلقا ثانيا..

 

2) منتهى الشغف..لاستعادة الذّات..والفناء في المحبوب..بمنتهى الحرية..ومنتهى العبوديّة...

تصل فاء السببيّة، سببيّا، بين منتهى الشغف، درجة عليا ومقاما رفيعا من مقامات الحب، وشفافيّة الذّات لحظة إدراكيّة تحرريّة تكون جسرا للاتصال والتماهي والانصهار مع الحبيب..

فأدرك بلحظة تعرٍّ مع ذاتي، أنني أهبك كلّي طواعية

واعتمادا على قوّة المفهمة  الاستعاريّة، يفضي مجال الرّحلة إلى مجال التعرّي والعري، تجرّدا من اللّبوس الحضاريّ والثّقافيّ والتّاريخيّ ومن قشرة الكينونة المعطاة وحجاب الزّمان، لتعيش المتكلّمة، إمكانا وأمنية، لحظة الشفافيّة والحرّيّة، فتمتلك القدرة على موهبة الذّات للمخاطب، ترجمانا للحب وتحررا من قيود الأنا والأنانيّة..فيدخل الخطاب معبدا للتقرّب، إذ تزفّ العاشقة القديسة ذاتها عروسا للحبيب الكونيّ الكامن فيها، وحين تبلغ ذاتها تبلغه، فتملكه، وتملّك نفسها إيّاه..

تلك هي اللحظة العصيّة البعيدة القريبة التي تريد المتكلمة بلوغها، ولمّا تبلغها..فتحياها افتراضا ووهما عظيما، ويقينا، وحلما واقعا، وواقعا حلما..

 

3) العبوديّة والعبادة لله الحبّ..تبشيرا بدين الحبّ...

يستقرّ الخطاب ويبلغ منتهاه وإن توسّع في الوصف  بالحال والنعت..ولنا في الحال 1(ناسكة) ما يختزل صورة العاشقة إن بلغت أو متى بلغت منتهى الشغف، فتتجرّد من أردية الوجود وتعود إلى أصل الوجود:

ناسكة لا تطمع إلا بالرضا من إله...

وقصدنا إلى فصل الموصوف عن صفته (إله /يسكن عينيك) لنتبيّن بنية القول الشعريّ وهي تنمو معجميا وتركيبيّا، فتتضافر دلالة النسك ودلالة القصر/الحصر، لتنزيل الخطاب في سياق زهديّ "تقليديّ" لو سكتت الشاعرة عن الوصف..إلا أنّ الطفرة الوصفيّة :

ناسكة لا تطمع إلا بالرضا من إله يسكن عينيك

كسرت السيرورة السيميائيّة العتيقة، وحوّلتها لتوليد معنى عشقي يتماهى فيه الإلهي والإنسانيّ، ويكون فيه الحب سبيلا إلى الكمال الإنساني، حين يلقى الإنسان ربّه بعد شوق الدّهور، وقد خاله بعيدا، وإذا هو قريب، بل هو الحب والجمال حيثما كانا..في زهرة..في نظرة..في عينيْ من نحبّ..لأنّه هو الله الحبّ في قلب من أحبّت فشغفت فأدركت فنسكت فصلّت، لأنّها عرفت، كما عرف الشاعر حين قال:

والذي يعرف ريتا ، ينحني

ويصلي

لإلهٍ في العيون العسليّة!...

 

الحبيب بالحاج سالم

 

"فحم وطباشير" بين عتمة المعنى وصبح القصد

saad yassinyousufإذا سلمنا بأن مجموعة "فحم وطباشير" لفلاح الشابندر الصادرة عن دار العراب – دمشق عام 2011 تندرج ضمن المجاميع التي تصنف نصوصها ضمن النصوص الرمزية  وأحيانا المغرقة في الرمزية، فأن ذلك يدعونا بكل تأكيد الى طرح جديد  لعمليّة القراءة ووظيفة القارئ في التعامل مع هذه النصوص ..

ولما كان الرمز  من أعقد صور التخيّل، إذ يتداخل فيه الثقافيّ بالنفسيّ والاجتماعي بالذاتيّ، فأن الكتابة في هذا المجال تعكس رؤية  الشاعر وتجاربه التي تعمقها  ثقافته  وروافده الفكرية  ..

وإذا عدنا الى تقسيم "إيريك فروم" بحسب  كتابه اللغة المنسيّة، الصادرعن المركز الثقافي العربيّ، الدار البيضاء، 1996، نجد انه قسم الرموز الى الرمز "الاصطلاحيّ" والرمز " العرضيّ " والرمز " الجامع " .. غير أن ما يهمنا هنا في تجربة الكتابة الشعرية هو الرمز العرضي  وهو الرمز المتعلق بتجربة الذات وهو غير قابل للفهم فَهماً مباشرا من قِبل الآخرين" لأنّ الرمز العرضي  وثيق الصلة بتجربة الانسان  وارتباطه بحدث معيّن لكنه يخرج من دلالته الأولى ويتلبّس بدلالات جديدة يضفيها عليه ذلك الحدث، فيتمثله الشاعر برؤية جديدة عبر نصوصه التي تتطلب من المتلقي تفكيك شفرات النص للوصول الى المعنى قبل تشظيه .

ولذلك فان فحم وطباشير فلاح الشابندر هو جملة تجارب ذاتية واحداث مضمرة انزاحت عن معانيها الأصلية لتتلبس بمعانٍ جديدة يتقن الشابندر تشكيلها وفق رؤيته كونه كائن  يكتب لما هو ابعد من رؤية الحاضر وتمثلاتهِ اليومية المستهلكة حتى لو  أنطلق منها عبر معاناته اليومية  .

إنَّ الشابندر يكتبُ قصيدةٍ لا تنتمي إلى السلاسةِ الشعرية ِ الظاهرة وانما الى تمثل المعنى الكامنِ فيها منطلقاً في كل كتاباتهِ من ثيماتٍ أساسية ٍ مهيمنة تترددُ أصداؤها  في جنبات ِ النصوص التي يقدمُها للقاريء،  والقاريء النخبوي بشكلٍ خاص ... مدركا  أن َّ هذا الغموض   ليس لعبا باللغة والكلمات ..

(اللعبة

رمية نرد .. وهبتها الحماسة

وإذا ما تعثرت تعذرت بأسبابنا

وهكذا تأخذنا بأسبابنا  .

خسارات لاتقبل التورية) ص6

إنَّ مفاتيحَ  شفراتِ نصوص ِفلاح شحيحةٌ ظاهريا  ويكادُ يخفيها تحتَ طرف ِ سجادةِ النص أحيانا أو بينَ شُجيراتِ المعنى  ..

( .......

الحبل النازل – نصفه

الدلو الصاعد نصفه

ونصفه ..

صليب يبكي هلاله الذي

في السماء.) ص35

ولعلَّ من أهمِ مهيمناتِ فلاح الشابندر في نصوصه ِ التي طالعتُها عبر" فحم وطباشير"  هي:

- الأحساس بالغربة:

نكادُ نجد أنَّ هاجس الغربة وحيرة الانسان  في هذا الكون من جراء ِما يلاقيه من انسحاقٍ قسريٍ ومكابدات واحساس بالنفي  بسبب فناءِ لحظاتِ الصفاءِ بعد أن استلبَتْنا مخاوفُ عديدة أفقدتنا براءةَ الحياة ِ والاحساسَ بجمالياتِها ... في أغلبِ نصوصِ الشابندر وبشكلٍ ملفت ٍلانستطيع أنْ نتجاوزَهُ  أو المرور على النص ِدونَ أنْ يُمسكَ بنا دالا ًعلى جُزء ٍ من فكرة ِذلكَ النص .

 

( ... من منفاه المعلق على فضاء النهار

يدخل خارجه

ويخرج داخله .... عصفور الضوء

حتى عسعست زهرة الشمس وأختلط الظل

صار

يقفز

يجاهد

يقفز

يجاهد الغرق عميقا

في

ماء

العتمة  .) ص146

 

- مهيمنة الحرب

هذه المهيمنةُ  عند فلاح الشابندر تتجسدُ بالحربِ الداخليةِ التي يعانيها مع ذاته الشفافة التي ترفضُ كلَّ ما  يقتلُ زهورَ الجمالِ ويشوهُ وجهَ الحياة ..

ولذا فإنَّ هذا الصراع ينعكسُ على الصراعِ الحاصلِ بتعالقِ المفرداتِ التي يستخدمُها في قصائده ِ.. ظاهرياً قد لانجد علاقة بين المفردةِ التي يرصفُها لنا فلاح الشابندر على سطرِ القصيدة ِ مع المفردة ِالمجاورة .. ولكن لو تعمقنا أكثر بمدلولاتِ كل ٍ منهما لأهتدينا إلى حجمِ الجنونِ وفداحةِ الألم ِالذي يريدُ أن يأخذَنا اليه فلاح بتجاوراتِ جمله الشعرية ومفرداته هذه وهو يطلقها أسئلة تبحث عن إجابات .

 

(  رأسي في بئر الأرق

والأشياء تتعثر ..

تتبعثر

تتسلق الأسباب والأسرار

أين ؟

متى؟

كيف ؟

عائد بلا أثر لايمس التراب من خطاي ) ص134

 

- مهيمنة الأنا ...

حينما يشرع فلاح الشابندر في عملية الكتابة فأنه يسعى جاهدا في محاولة الإجابة عن كينونته كأنسان وهذا ما أراد أنْ يصرخ به في أغلب قصائده التي ضمها ديوانه الأول فحم وطباشير..باحثا عن معناه ..

هذا السؤال الأزلي الذي أرق الفلاسفة والكتاب والفنانين كما أرهق من قبلهم  كلكامش ..

 

(على ضفة الظل

جميل أن ننسى

والأجمل أنْ لانعرف

ما القادم الآتي

ذلك ظلنا

فما معناك؟.) ص9

في قصيدته مسرح المرايا يورد  الشابندر كلمة (من أنت) 32 مرة برصفها بشكل سطري ليختمها ..

(من ..أنا .. من أنت

أرهقني السؤال

.....) ص70

وفي قصيدته فحم وطباشير (2) يتداخل لديه الأنا والأنت ثانية لكنه هذه المرة توحد بوطن صادرعمره :

(أكتبك ..تهمس

أكتب .. من أنا

كتبتك ... وطن

كتبتك ...تصادرني) ص85

 

ولكن فلاح بعد أن تتشظي القصيدة لديه وهو يبحث عن سره يلوذ بمهيمنة اخرى من المهيمنات التي يتميز بها الا وهي ..

 

- مهيمنة المرأة ...

المرأة عند فلاح الشابندر بوصفها الحديقة والملاذ والمكمل له في رحلة البحث عن معناه هي أنكيدو التي يستعين بها في الإجابة على سؤال معناه قد تتمرد عليه أحيانا وقد يتمرد جزعا منها لكنها تبقى رفيق رحلة البحث التي انطلق بها منذ أنْ أمسك القلم ليكتب أول كلمة في سطر الشعر .

 

(الماء

أي توتر في جوف الصخرة الصلبة

كون يرسم لنفسه عشبة حره

انتحب .... تكنْ

من هنا الممر ..

امرأة من ندى تتقاطر على الصمت ندى.) ص30

 

- مهيمنة الانتظار:

انتظار  لما هو آتٍ على حد سواء  فناءً كان  أم منقذا هو يريد عبر مخاضاته الشعرية أنْ يصلَ الى رصيفٍ يرسو عليه وشجرةٍ يستظلُّ بظلّها ونهايةٍ  تُسكت ذلك الصراخ الذي  يترددُ صداهُ وهو ينتظرُ خلاصه في ظلِ اشتباكِ الرؤى وتعددِ المسالك للوصولِ الى اللاشيء.. الى متاهاتٍ تعقدُ المشهدَ اليومي لحياتِنا ..

 

( لا للدخول ...

عبر زجاج المقهى

لا للخروج ...

ولايدري ... صلاته

انطفأ  اللون

ونقض الضوء الأوفى عهده

لا للدخول ... لا للخروج

ساعة الحائط

قلق صفري ..) ص 97

 

 

- مهيمنة القلق ففلاح الشابندر قلق دائم قلق في مواجهة الشيء ونقيضه، قلق في مواجهة  المرأة بوصفها النّدّ، قلق في مواجهة الواقع، قلق في مواجهة الأسئلة الكبرى للحياة .. وهذا القلق الأزلي هو ما يصنع القصيدة ومن ثم الشاعر لذا فانه يكتب أحيانا هروبا من هذا القلق الذي يفترسه افتراسا .. لذلك فلا غرابة أن ْنجدَ كلماتِ الشابندر  تحملُ هذه السمة من التفكك وعدم التجاور الظاهري وابتعاد الدال عن المدلول ..

لكنه في قصيدته فحم وطباشير (2) يتعمد أن يضع أمام القاريء مفاتيح النص ليدخله في عالمه الشعري  القلق:

(عذبني الفحم

أجهد أنْ أرحله

يباغتني رغما عني

يعاودني ...فصلا في الآخر

وطباشيري ..سر من ذاك الفحم

نفس كتبت  ...كتبت ..تتعذب بذات السر بين فحم

................... وطباشير .) ص81

فالشاعر الذي يرفض نقيض (الطباشير)، وهو الشر،الظلام، الخيانة، الموت، الأمر بالسوء، السواد، ما يلبث أنْ يعلن أنَّ طباشيره (نوره) سر من ذاك الفحم موآخيا بين أضداده بشكل مقصود لأنه يدرك أنَّ الانسان يحمل في ثناياه هذين المتضادين وما الصراع الذي يعتمل النفس البشرية إلا نتاج لهذا التصادم بين الفحم والطباشير .

أما فيما يخص لغة القصيدة عند فلاح نجد أنَّ لغة الكتابة لديه لغة عكرة لاتستميل القاريء برومانسية عذبة بل تطرق باب التفكير لديه بعنف وتهزه للوصول به الى ماهية الفكرة او الاقتراب قليلا من شواطيء ادراكها أو حتى تكوين فكرة مجاورة للفكرة التي سعى إليها أو لم يسعى الشاعر الشابندر إلى رسمها بقصدية الكتابة  ..

وهو في رسم وتكوين صوره الشعرية يسعى إلى اعادة الحياة لمهملات الأشياء وهوامشها ليمنحها رؤية فلسفية عبر صياغتها وتأطيرها بأطر فكرية جديدة نابضة، أحيانا يغيب عن ذروة الوعي أثناء كتابة القصيدة فتكتب القصيدة نفسها بعيدا عن سلطة وعية وهو بذلك  مجتهد في منح اللامعنى معنى جديدا .

 

د . سعد ياسين يوسف

 

"لا مكان لا وط " للمغربي عبد اللطيف بن اموينة سرديات بنفس ملحمي يستنطق الهوية والذاكرة

ahmad alshekhawiصحيح أنه لا نص يملك الكمال،مهما روعيت تقنيات الكتابة وسمت مراتب التفنن في إبراز الثقل الإبداعي حدّ التحام التجربة بأسلوب حياتي غير قابل للاستنساخ،يمنحها بصمة القفز فوق النعوت المرتبطة بترجمة المكنون على نحو كرنفالي هش.

دائما ثمة مناقب و مثالب وإن هيمنت الأولى،لذا وجب غربلة العديد من المفاهيم قصد إسقاط الهلامية أو المثالية أو الهالة والقداسة عن المنجز ،مقابل الوظيفة التفكيكية التي بمقدورها تبسيط المعقد وتقويم المعوج وما يشوش على الذائقة أو يخدش جوارح التلقي السلس والسليم.

بيد أن الحرف يكون له شأن آخر ومغاير تماما لما تنطلق الذات من معاناة الاختمار الطويل وتراكمات ورواسب تحكي عن ترهل الذاكرة وفق منطوق ناري فوضوي الزمكان .

ولعله اتجاه مساير للتناسل الدلالي الزاخرة به باكورة أعمال المبدع المغربي عبد اللطيف بن اموينة، الإصدار العابر للأجناس والموسوم بــما يفيد نفي الحيز الوجودي للذات المتمردة وقد اعتصرتها المزاوجة بين القلق والشك حيال ما ينسج من شماعات وزيف معتم على ماهية الهوية والانتماء.

الكتاب ومنذ العتبات الأولى له ، يطالعنا بنبرة غاضب محبط يتوسل سبل الاتزان والإنصات والإنصاف، بمعزل عن الخطابات التحريضية الحاقدة والمتشددة. لكنه تدلي الحمولة النفسية وتراخيها حدّ اعتناق النفس الملحمي غير المهادن في تفجير سرديات غير آبهة للتسلسل المنطقي أو ما شابه ، أقل ما تهمس به يرفد في تيار تعرية الراهن وتوبيخه.

إذ وبعد الإهداء المشتعل حنينا إلى أمومة يجدر ادخارها كوقود للملمات والنوازل ومفاجآت المصير الموغل في شتى مناحي الاغتراب وتفتت الهوية وتجريب علقمية الفشل، تزأر الجملة الواحدة لتلون محطات وجدانية تتشرب الخبايا وتتنفس شطحات الخلاص عبر مسامات الذاكرة كما النزعة الإستشرافية والومضة المنكفئة على الحس الغيبي.

صهيل خانة الموتى في حدود ما يمليه المشهد الجنائزي ويكرس لمنظومة سوسيوثقافية مؤشرة على تجليات انقراض لم ولن يشهد لها العالم مثيلا.

نظرية الشبيه المتكرر المحتكم إلى أنانيته المريضة في ممارسة ساديته على الكائنات من حوله ،المتغني حدّ الهستيريا بدغمائية التعاليم.

" العزلة اختراع رومانطيقي وشاعري لمواجهة العالم

أما الوحدة فهي حالة فضيعة لا تطاق

توجعني ــ وللأبد ــ هاته الأصوات،

هذا الحلم المنبعث من رماد العالم خلال هذا الصباح المشرق

لحظة خاصة من الحنين والانبهار

ها أني اسرق وقتا من زمني، من زمن الانتظار،من زمن العالم

كي أعيد ــ ما استطعت ــ تشكيل هذه الذات الصاخبة

كي أنصرف قليلا عن الفخاخ التي تترصّدني بين اللحظة والأبدية.

أحبُّ مشاهدة الغيوم وهي تعبر فوق رأسي راحلة،

خفيفة ورائعة

تذكرني بالطفولة البعيدة،

بزمن لا يستعاد ، زمن سعيد.

أحبُّ أيضا تأمل السماء زرقاء، صافية ونقية إلا من بعض الغيوم

العابرة المهادنة البيضاء

السماء سقف حياتنا للأبد

السماء الآن هي أمي ،سيدتي، حلمي، وجعي وانتظاري،مرآتي ( الكبيرة) العظيمة التي أرى فيها حياتي،أيامي ،جروحي ألمي،خساراتي وغدي الغامض

السماء (سمائي) دولاب التفاصيل والذكريات المفرحة والأليمة

السماء شاشة نراها، نتأملها،نتهجى حروفها وإيماءاتها نتفرج عليها، نطل منها،نرى الآباء والأمهات،المربين والأصدقاء،الأشقياء، العطل والألعاب،رسائل الحب البريئة والبليدة

نسمع حكايات الجدة، صراخ الصغار، ودردشة الجيران.

نشم رائحة الحلوى والشاي الساخن والحساء

نتذكر شمس المغيب

نشم رائحة عطور النساء والعذارى القادمات للتو من زفاف قريب

نسمع صوت المذيع الرياضي وأغاني الصباح الشجية

لكل منا سماؤه

يتأملها،يحتفل بها، يخاف منها أويتركها

ينساها ليعود إليها،ذات لحظة من لحظات العمر المنفلتة"

إقحام المكون الطبيعي واستحضاره كتيمة للنص المفتوح الثري بالرمزية الواشية بتدفق المعنى متسربلا بالجدة والإضافة ومنبثقا من السائد والطرفاوي والمألوف.

شذرات مشوبة باشتهاء العري الذي قد تمنحنا إياه المريا في محاكاة لذاتية السماء الكامنة فينا حين تطالنا مخالب المنفى وتزلزل أعماقنا صيحة الغريب في بيته.

لكنها أشبه بترنيمة في واد إزاء ما يتلقفها من جداريات إسمنتية باردة تتنكر لصدى الصمت الذي ضمن أخاديده نتنفس أحلامنا الغائرة في طفولة بريئة ونائية جدا.

إحالات على الطراز المتفشي  والموزّع على خارطة قصّ يروم السهل الممتنع ليورّط المتلقي ويطعنه بمعسول جماليات تأول النهاية.  

شعرية المابين المتسامقة والمموهة بفضاءات إبداعية عبرها اختارت الذات خانة القتلى ... قتلى الفشل والإحباط والخواء والعبثية وأقصى تجليات جلد الذات، بلغة نثرية ذروة في بساطة المبنى و أوجا في المعنى الكريستالي الصافي المقيم في أقنعة ساخرة تلدغ الراهن وتوبّخ العالم وتستنطق الهوية والذاكرة..

 

أحمد الشيخاوي/ كاتب مغربي

 

سناء الحافي: خذني إليكَ .. أما كفى هذا الجفا؟!! .. انتصاراً للمرأة العربية (7)

karem merza1 - مدخل: تقول الشاعرة سناء الحافي من البحر الكامل:

خذني إليكَ، أما كفى هذا الجفا ؟!!**فرحي توارى في بعادك واختفى

في وحدتي أضحى غيابك آفــةً *** تدمي ضلوعي ليت قلبك قد صفا

ليس الذي عانيتُ منه هيّنــــا **** ذنبٌ ... وما أحلى الكريم إذا عفا

ارحم فؤاداً كنت يوماً نبضــــهُ ***** لا زال ينبضُ بالمــودة والوفــا

إنّي لأعجب كيف أنّي لم أمــتْ ****من بعد هجرك ...عدْ إليَّ فقـد كفى

 

أ . سناء الحافي: إعلامية، شاعرة، كاتبة، ناشطة .

2 - المقدمة:

ليس واحدة بواحدة، ولو أن ردّ الفضل بالفضل أفضل، ولكن لم أتقصد الأمر أن تكون السناء انتصاراً للمرأة العربية، كردّ جميل على حوارها المطول معي بحلقتين لصالح جريدة (الحقيقة العراقية) الصادرة من بغداد وذلك في الفترة ما بين 6 - 11 / 11 / 2013 م، وربّما جاءها الإيعاز من رئاسة إدارة وتحرير الصحيفة الغراء لإجراء الحوار معي، لأنّ من متابعتي لمسيرة الجريدة حينذاك، ونباهتي لمواضيعها، لمست هنالك توجّه للتركيز على الشعراء والأدباء العراقيين، لاسيما المغتربين منهم، وفعلاً أجرت الجريدة الموقرة عدّة حوارات من قبل ومن بعدُ مع شعراء آخرين، ولاريب هذه مبادرات وطنية وذكية مشكورة، لتفعيل التواصل الثقافي بين عراقي الخارج وعراقي الداخل - كما يقولون - وقد قدمت المحاورة الكريمة على لسان الجريدة ما يلي للدخول الحوار:

" عدد اليوم من صحيفة (الحقيقة) نستضيف على مائدة الحوار شاعرا وناقدا وباحثا عراقيا، بزغ وهجه من النجف الأشرف ليمتد به إلى أقاصي عوالم الأدب، فاعتلى عرش النقد بكل جدارة، وعانق الشعر بحبٍ وشغفٍ ...حريص على جودة الكلمة وغيور على قيمتها أكثر من مجايليه من الأدباء...و من مشيئةٍ توقظ لون التميز الإبداعي غاص في بحور الشعر دراسة وتحليلا ليقدّم القصيدة وفق ما تستحقه من قداسة التراث والبلاغة،ضيفنا الشاعر والباحث كريم مرزة الأسدي،صدرت له عدة ...."

 زمان طويل مضى، ولا أخفيك سرّاً، أحمل في فكري رغبة ملحة للكتابة عن المرأة العربية، ودورها الريادي لقيادة المجتمع فعلاً ومساواة في مجتمع ساد فيه الجنس الذكوري تسلطاً، بل استعباداً، فوصلت أمتنا إلى ما وصلت إليه من تخلف وصراعات دامية مدمرة دون توزانٍ حيويٍّ، كما أرادت لنا الحياة، فقلبنا الحياة على رؤوسنا ...!!

أعرف أن المهمة صعبة جداً، وسأتعرض لألسنة العقل الجمعي، وفي مقدمتها ألسنة عقل المتثقفين - أو الحاسدين - الذين يتفهمون كما يفهمون، ويفسرون كما يشتهون ...!! ونحن سائرون كما يقولون، فالمازني نقلاً عن أديب غربي عملاق يذكر: " ليكتب الكاتب على أنّ كل الناس أعداء وخصوم "، وأزيد وليسلك المجتهد حسب قناعاته في مجتمع مريض حتى النخاع، (المهم شعلينا ..!! )، " كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " .

 والحق أنا لا أفهم ولا أتفهّم لماذا الرجل بعمومه، ربّما الشرقي أكثر حدّة من الغربي قليلاً، يريد من المرأة أن تدعمه على طول الخط، وتبرزه، ويتماهى أن تكون وراءه، ولا يكلّف نفسه، ولا يتجرأ أن يشق غبار الماضي المشوش بالأقاويل والعيب ليدعمها حين تستحق هذا الدعم ؟!! وحتى في أرقى بلدان الغرب حضارة وتفتحاً، وأعني فرنسا حين قال الشاعر الفرنسي لويس أراغون سنة 1963: (المرأة مستقبل الرجل )، قامت قيامة الرجال، وثارت ثائرتهم ونسوا أن المرأة شريكتهم في الحياة، تتقاسم معهم مهامها وأعباءها في البيت والعمل والوطن، يريدونها دائماً تحت وصايتهم، وتنزل عند كلمتهم .

 

3 - اقصيدة الصدفة تقودني إليها:

الصدفة لعبت دورها، الأستاذة سناء علّقت على منشور لي في صفحة تواصلي الاجتماعي (الفيس بوك)، فدخلت على صفحتها الاجتماعية، فعثرت على قصيدتين عموديتين إحداهما من البحر المتقارب، والأخرى من البحر الكامل، وأنا - كما تعرفون - من الأنصار المتشددين للشعر الموزون بنوعيه العمودي والتفعيلة، فعجبتني جداً قصيدتها الكاملية الفائية، إليك إيّاها:

خذني اليك ..أما كفى هذا الجفا؟ ** فرحي توارى في بعادك واختفى

في وحدتي أضحى غيابك آفــةً *** تدمي ضلوعي ليت قلبك قد صفا

ليس الذي عانيتُ منه هيّنــــا **** ذنبٌ .. وما أحلى الكريم إذا عفا

ارحم فؤاداً كنت يوماً نبضــــهُ ***** لا زال ينبضُ بالمــودة والوفا

إنّي لأعجب كيف أنّي لم أمتْ ****من بعد هجرك ...عدْ إليَّ فقد كفى

يا من سكنت بخاطري وبمهجتي ***** ارحمْ فؤاداً هـــــام فيك وآلفا

فألفتُ فيك قصــــائدا برّاقــــــةً ***** القلب صـــاغ حروفها وتكلًفا

خذني إليكَ ..إلى مدائن لهفتــي *** فلمن أعيش وداخلي فقد الدّفا؟

قد كنتَ لي رغم الجراح عواصماً ***** كـان الفؤاد بها أميراً مُترفا

أجهضتُ نسلي طوع أمرك سيدي ** لو قيل: جارَ، يقول قلبيَ: أنصفا

فقدِ اصْطفاك القلب يا كلّ الهوى ***والقلبُ يخضع راضياً لمنِ اصْطفى

لا تبتعدْ يا دفءَ قلـــبيَ واقتربْ *****فالشـــوق محتجبٌ لقربك قــد طفا

خذ يا أميري لهفتي وتصـــــوّري **** واسكنْ بأخيلتي ودع عنك الجفـا

عانقتُ طيفكَ في الخيــــالِ فزادني *****شــــوقاً إليك فإنَّ قلـــــبيَ مدنفـا

خذني إليك فأنــت كل مذاهـــــبي ****** حوريٌـــةٌ كاــــنت تريد تعــــفّفا

ودعِ الّتعالي والغرور كلاهمـــــا****** قد يرديان بمن أضــــر وأجحفـــــا

ها قد نظمت إليك ما في خاطري ****** فلعل نبض الحرف يظهر مــــا خفا

الله الله الله ما هذه القصيدة، كأني بالولّادة بنت الخليفة المستكفي بالله، تصبّ براكين عشقها على الوزير المسكين المبتلي بحسّاده وزلّاته ابن زيدون .!!

4 - ولادتها ... نشأتها ...المناصب الإعلامية .. الدواوين والمؤلفات:.

 سناء من مواليد وجدة 1983 م، وأنا درّست في معاهد هذه المدينة المرتمية في أحضان الحدود الجزائرية المغربية، ما بين 1978 - 1979م، أخذتني الحمية الوجدية والوجدانية، ولاسيما قد أجرت معي الأستاذة السناء حوارا موسعاً، لم أجد نفسي إلا أن أرتجل بيتين، معلقاً على قصيدتها أو عليها ...!!، كما هي عادتي، فقلت مسرعاً معارضاً مرتجلاً:

إيْهٍ سنائي قمْركِ لقدِ اخْتفى *** لا أدْرِ هلْ كانَ الصّدودُ من الجّفا ؟!!

كمْ مرّةٍ ناجيتُ نفسي هامساً *** هل بنتُ وجْدة حاورتني، قد كفى؟!!!

سؤال جزماً سيبقى دون جواب ...!! لو لم يكن لسناء سوى هذه القصيدة لكفاني أن أكتب عنها منتصراً ...!!

 

من هي هذه السناء الحافي؟!!

مغربية الجنسية، ولدت في مدينة وجدة في (5 /5 / 1983م)، إعلامية وشاعرة عمودية، وتكتب النص النثري، ولها رواية، وعدة دواوين مطبوعة، ومؤلف، تجيد اللغات العربية والفرنسية والإنكليزية، تنقلت في عدة أقطار عربية لغرض الدراسة، والعمل الصحفي، ومن هذه الأقطار السودان والبحرين والكويت والعراق والأردن، حيث تقيم الآن بعمان.

- نالت شهادة البكالوريوس (علاقات دولية) من (جامعة أفريقيا) - الخرطوم - السودان .

- شهادة الاعلامية المتميزة من الاتحاد الدولي للاعلام.

- تحضيررسالة ماجستير في العلوم السياسية - (دور الهيمنة الغربية / الامريكية في العلاقات الدولية) - (الجامعة العربية المفتوحة) - عمان - الأردن .

مما يدل على نشاطها الفعال في مجال الإعلام كثرة المهام التي شغلتها في عدة أقطار عربية منها:

رئيس قسم الاعلام والعلاقات العامة /– مكتب اعلامي - أم درمان - السودان -

 - مدير مكتب جريدة الحقيقة العرقية - عمان .

 - مدير قسم التحقيقات والحوارات مجلة كل الناس.

- رئيس تحرير مجلة أصيلة الأدبية البحرينية.

 - محررة صفحة الحوارات والتحقيقات بجريدة الصباح الكويتية.

 - الناطق الاعلامي لجمعية الصحراء المغربية للتنمية والتعاون: مرئي - ورقي

 إعداد برامج اجتماعية وثقافية وتحقيقات استقصائية.

- كاتبة بزاوية اسبوعية بجريدة القدس العربي.

- كاتبة زاوية أسبوعية بجريدة الشرق السعودية.

- محررة بجريدة الرؤية الاماراتية.

 

المؤلفات:

 . - مجاميع شعرية: غواية امرأة - شمس النساء - حورية المنافي - عروس الرماد

 - كتاب الإصلاح السياسي في المغرب (آفاق وتطلعات).

: - لها قيد الطبع

 رواية وديوان شعري.

 

5 - أضواء خاطفة على قصائد سناء، وقصص قصيدة جداً:

من عناوين دواوينها تشمّ طيب مسك العطر الباريسي لحورية المنافي، ولون مخملها الوردي لغواية مخدعها الملائكي، وملمسها الأنثوي ... أنوثة تامة، مغرية حتى الأمومة، مشوبة بطعم مرارة اللاموقف الرجولي، وملح الرماد الأنثوي ... لندخل - وأنت معي - محرابها، وسعة رحابها، كي نلمس توجّسها من أن تعطي دون أن تأخذ، أو أن تلتزم باللاملتزم، فالعناوين لم تأتِ من فراغ، أو مجرد اشتهاء، بل تجارب حياة، وفلسفة وجود، الحال لا يبقى على حال، هذا هو الإنسان، (وأين عن طينتنا نعدّي !!) - كما يقول ابن الرومي -، إليك بعض ما تتوجس به السناء المرأة، بل كل أنوثة مدفوعة بغريزة الأمومة للاستقرار والهناء، وتزيد دوافع الغريزة التراكمات المخزونة في اللاوعي والوعي عقبى التجارب الإنسانية لمسيرة المرأة كتابع للتسلط الذكوري ...!! فمن بحر كاملها التام، تتلوى بين الوجد المتفاني والهجران المتواري، ولا أراها هنا إلا مدفوعة بغريزة أنثوية خالصة، إنّه لها وحدها وكفى !!:

 خذني اليك ..أما كفى هذا الجفا؟ ** فرحي توارى في بعادك واختفى

في وحدتي أضحى غيابك آفــةً *** تدمي ضلوعي ليت قلبك قد صفا

ليس الذي عانيتُ منه هيّنــــا **** ذنبٌ ... وما أحلى الكريم إذا عفا

ارحم فؤاداً كنت يوماً نبضــــهُ ***** لا زال ينبضُ بالمــودة والوفــا

إنّي لأعجب كيف أنّي لم أمــتْ ****مـن بعد هجرك ...عدْ إليَّ فقد كفى

وفي قصص قصيدة جداً، نقرأ هذا المقطع باستعارته المكنية الرائعة (البحر):

إذا كَانَ مِنْ عُقُوقِ الْبَحْر

ألاّ يُعيدُ دَائِماً إِلى الْبَرّ غَرْقَاه ..!!

شبهت حبيبها أو عشيقها، وربما زوجها، فما أدراك، ومن أدراني، فالمرأة لا يعرف سرّها إلا الذي خلقا ...! أقول جعلته بحراً عاقاً لا يعيد غرقاه، أيّ جردّت إنسانيته، ومنحته صفة البحر، أشهد الله قد رفعته، وبالغت في حقه، بارك الله فيها، من يكون بحجم البحر ؟!! ولكن كبسته من بعد، ورمته بالعقوق، وأخالني قد ذرفت الدموع، لمفارقة الموضوع، ولا أدري متى أعادت المرأة من يغرق ببحر عينيها، أويقتل بسهام لحاظها ...!!:

إنّ العيون التي في طرفها حورٌ **** قتلننا ثم لم يحيين قتلانا...!!

 يصرعنَ ذا اللُّبِّ حتى لا حراكَ بهِ**وَهُـنَّ أضعفُ خلقِ الله أركانا

اقرأ وواصل مسيرة المقطع وتأمل رجاءً:

 أَعْتَرِف لِأَجْلِ النِّصْفِ الّذِي يُحِبّك

وَ النَصْف الآخَر الّذِي يَتَعَذّب

أنّي ضَبَطْتُ نَفْسِي مُتَلَبّسَةً بِحُبِّك

إِكْراماً...لإيقَاعِ النّزَواتِ

فَكَيْفَ أَدَّخِرُ نَزِيفَ عُمْري في بَوْتَقَةٍ

 لِأَكْسِبَ رِهانَ إِذْلالِي

هنا تعترف - بلا لبس ولا مواربة، ولا أخذ ولا رد، وهي ما بين الوجد واوجع - بالحب، ولا تزيد، إلا بكلمة عابرة: (إِكْراماً...لإيقَاعِ النّزَواتِ) .

لا ندري بأعماقها، ولا مدى إيقاع نزواتها، وعلى أي وترٍ تضرب نغمات إيقاعها، جزماً كغيرها من التساء الشاعرات العاشقات، ستقول: إنه لرجل الأحلام، أو لرجل بعد لم تلده أمه ...!!

 لا أحسب هذا الحب الأنثوي الجارف مجرد نزوات عابرة، وأهواء طارئة، بل هو مشيئة القدر الأنثوي إبان حدوث شرخ طارئ لزلزلة الترابط العشقي أو عقد الكيان الأسرى المتفاهم عليه، ففي معظم الحالات، تضحي المرأة، وتتخذ في صراعها الموقف الرزين الذي يتطلع إلى الاستقرار العاطفي والأسري بتوازن رهيب

أَعْتَرِف لِأَجْلِ النِّصْفِ الّذِي يُحِبّك

وَ النَصْف الآخَر الّذِي يَتَعَذّب

أنّي ضَبَطْتُ نَفْسِي مُتَلَبّسَةً بِحُبِّك

فَكَيْفَ أَدَّخِرُ نَزِيفَ عُمْري في بَوْتَقَةٍ

 لِأَكْسِبَ رِهانَ إِذْلالِي

 وعلى الضفة الأخرى في أحيانٍ كثيرة، يميل الجنس الذكوري إلى اللاموقف العبثي من هذا الصراع، ومن هنا نكسب نقطة لصالح انتصارنا للمرأة، ساستشهد لك ببعض ما جادت به قريحة سنائنا في لحظات إبداعية تندفع فيها العاطفة أكثر مما يضبطها العقل، لتفتح لنا الأفق الأنثوي للتوازن الدقيق في تسيير دفّة العش الملائكي ...!!

فمن قصيدتها (كنّا معاً)، من البحر البسيط، تقول:

 

 كنّا معاً ...شطرنا هجرٌ وريح صبا *** والشّطرُ ثانيِهِ مجدافا لمن رغبا

وقِبلةٌ من هموم الحب وجهتنـــــا ****هناك قلبي علــــى أعتابها صلبا

إنّي أُعاتبُ أحلاماً مقنّـــــــــــعةً ****كانـــتْ لنا حبل ودٍّ .. أصبحَتْ لُعبا

محتالةٌ في بلاد الوهم كنت أنا *****أحتلّ فيــــها ضفافاً.... نهرها نضبا

كنّا معاً والهوى طفل نداعبــه ****فكيــــفَ أصبح صافي ودّنــــا كـــذبا؟

دائماً المناصفة، والتوازن حاضرة في حياتها، الشطر الأول هجر، وريح صبا، والشطر الثاني مجداف للمسيرة، وبالتاي هي الضحية في بلاد الوهم، فالنهر قد نضبا، والودّ قد كذبا،

شاعرتنا تتغزل بلوعة المتيم الولهان، يودّ كلّ رجل أن يحظي بمثل هذا الوجد الأنثوي الفتان، ولكن الله يعطي ما شاء لمن لا يشاء، في العصور القديمة الجاهلي، الأموي، العباسي، الشاعرات يذكرن أسماء من يعشقن من الرجال، تذكرت العباسة، وهي من هي، أخت الرشيد، وهي علية بنت الخليفة المهدي، وكانت شاعرة غاية الجمال واللباقة والأدب (160 - 210 هـ / 777 - 825 م)، ومحنتها قي الموقف الصعب بين بين، وقيل حتى مقتل جعفر بن يحيى البرمكي كان بسببها، إذ زوجها الرشيد منه، وطلب عدم الاقتراب منها ...!! المهم مما يروى عنها: قد خاطبت حبيبها (طل)، وهو غلام جميل في قصر الخلافة، ولما شاع أمرها، صيرته (ظل)، بالأبيات التالية من مجزوء الكامل المرفل:

سـلِّم على ذاكَ الغزال ***الأغـيـدُ الحسـنُ الـدَّلالِ

سـلِّم عـليـه وقـل لــه *** يا غِـل ألـبـابَ الرجـالِ

خليتَ جسمي ضاحياً *** وسكنتَ في ظلِّ الحجالِ

وبـلَـغـتَ مـنِّي غـايـةً *** لم أدرِ فيها ما احتيالـي

 والولّادة بنت المستكفي (994 - 1091م)، تلهفاً لحبيبها ابن زيدون، وقيل للوزير أبي جعفر أحمد بن سعيد، قالت تتغزل:

أغارُ عليكَ من عينيَّ ومنِّي *** ومنكَ ومن زمانِكَ والمكانِ

ولو أني خبـأتُـكَ في عيوني *** إلى يـومِ القيامـةِ مـا كفـَّاني

بل ذهبت بعيداً هذه الأميرة الحسناء الولّادة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بغزلها المفتوح !!!:

اشتهرت ببيتين شهيرين من الشعر قيل أنها كانت تكتب كل واحد منهما على جهة من ثوبها:

أنا والله أصلح للمعالـــي****وأمشي مشيـــتي وأتيه تيهاً

أمكّنُ عاشقي من صحن خد***وأعطي قبلتي من يشتهيها

نعود إلى شاعرتنا وقصيدة لها وسمتها بـ (عروس الرماد) - من الكامل - تقول ببعض أبياتها:

قدرٌ ودار مع الزمـان دوار**** وتكسّرتْ بيد الهوى اﻻعمارُ

هي ضحكةٌ كانتْ وغاب بريقها ** فتنهدتْ بفم الرؤى الأشعارُ

وابتل ثوب العرس من دمع الندى* فتخاصمت بمدارها اﻻطيارُ

كنّا وظلّ الريح يجمع خطونــــا **** وبفيئــــه تتنفس اﻻنوارُ

حتى اعتلى قلبي براق زمانه *** ومشت تسوق سنينه اﻻفكار

فتآلفت روحي بروح تنهـــدي *** فتنهدت مـن شوقها اﻻزهارُ

كنّا اشتعلنا فانطفت سكراتنـــــــا ***واذا الحريق يجره التيـــارُ

انا لست اخر من تعيش لحلمها ****واليـه تحكي سرّها السمار

نعم قدر يدور، وهوى يجور،وأشعار تثور،وكأنما سناء قد أُلهِمت أنفاس شوقي، ورؤاه حين يقول:

لك أَن تلوم، ولي من الأَعذار**أن الهوى قدرٌ من الأقدارِ

ما كنت أسلمُ للعيون سلامتي*وأَبيحُ حادثة َ الغرام وَقاري

وطَرٌ تَعَلَّقَه الفؤادُ وينقضي**والنفسُ ماضية ٌ مع الأوطار

يا قلبُ، شأْنَك، لا أَمُدُّك في الهوى*أبداً ولا أدعوك للأقصار

 ونعم مرّة أخرى - يا سناء -: (هي ضحكةٌ كانتْ وغاب بريقها)، هذي هي الدنيا، ومن يعرف أسرارها، وصدق المعري، وما كان ملحداً حين قال:

 ضَحِكنا وَكانَ الضِحكُ مِنّا سَفاهَةً ***وَحُقَّ لِسُكّانِ البَسيطَةِ أَن يَبكوا

يُحَطِّمُنا رَيبُ الزَمانِ كَأَنَّنـــــا ****زُجــــاجٌ وَلَكِن لا يُعادُ لَـــهُ سَبكُ

الله الأعلم بأسرار خلقه، ونحن نختم ما أبدع خلقه، من جمالٍ وخيالٍ، وكلامٍ وسلامْ، وهذا ختامْ

 

كريم مرزة الأسدي

 

بلدة في علبة رواية حامد فاضل .. الوثيقة وصدى ذاكرة المدينة

jamal alatabiيفصح الروائي حامد فاضل في مقدمته لروايته (بلدة في علبة) عن إسلوب كتابة الرواية، يوجز ذلك بأختصار: تحدثت عن السردية في الصورة الفوتغرافية، ويعرّف النص بوضوح أكثر، كمحاولة لكتابة سيرة زمكانية لمدينة السماوة، ويزيح الروائي الإلتباس مع عنوان مشابه لقصة للكاتب أحمد خلف (صراخ في علبة)، معللاً ان الكاتب لم يرَضيراً في ذلك .

قدم حامد فاضل أكثر من مظهر لوقائع يمتزج فيها السير الذاتي بالتاريخي والميثيولوجي بالسياسي، والسارد الكاتب حرص على تحطيم الإيهام بالواقع مدمجا صوته ضمن الأصوات المتعددة في بيئاتها وتاريخها ومعجمها وتلفظاتها، وواضعا نفسه موضع تساؤل، في الإطار نفسه، فإن الرواية تتناول الواقع الإنساني في حالة صيرورة وتناقض، وتخوض في العوالم الخفية والظاهرة .

الرواية الصادرة عن دار سطور عام 2015، ضمت واحدا وعشرين فصلا أو مقطعا، الأب المناضل سامي، جمع حصاد البلدة في صور السنين العجاف، شاعر ينشد بالصورة قصائده كأجنحة تخفق من حوله، يتجشم عناء السفر الى الموصل بحثاً عن صورة جسر مدينته الخشبي، ترك السماوة في ليل أدهم ليختفي عن أعين جواسيس السلطة، فحمل كامرته قاصداً الشامية، يقوّض الأب سامي خيمة غربته بعد عام من تموز58، ويعود لمدينته، مسقط رأسه .

السنوات العجاف اللاتي آتين البلدة، وهي ماتزال تلعق جراح الحروب، حوّلت أهل المدينة الى أعجاز نخل خاوية، قضموا موجودات بيوتهم وآثاثها، في سنوات الحصارات لم يبق سوى الجدران العارية، ليس أمام سلام الابن فرصة في الحياة وإعالة عائلته سوى الهجرة لبلد مجاور، فشدّ الرحال عبر ليل الصحراء، كيف للفتى الهروب ؟ تاركا صباحاته الملغومة ببكاء الام والابناء والاخوات الذين فقدوا حنو الزمان، هل جديد هو الفقر؟إذ يرث الفقراء مآثر آبائهم، في لحظة خوف من مواجهة حرس الحدود يعود سلام، خائبا.

بأصابع مرتجفة تسقط الأم مفتاحا فضيا يفضي الى غرفة أبيه، مصور المدينة وخازن أسرارها، الذي مات في السجن، لم تبق على الجدارإلاّ صورته، هناك كان مخبأه، مثل كنز الحكايات في جوف الخزانة علبة من خشب الساج، فيها تعب العمر من الصور والذكريات .

حامد فاضل يحتفي بالمكان الذي عاش فيه وأحبه، المكان الذي يعيش في قلبه ويمتلك إحساسه بوحدة الزمن، المكان كونُه الاول، أو ركنه في العالم على حد تعبير باشلار، إن هذا الافق الذي يفتحه باشلار، يستعيده الروائي في الغور بتاريخ مدينته ومنشدًا اليه، لاأشك ان الروائي عاد الى جماليات المكان ووجد ضالته بقول الكاتب الروسي باسترناك : (الانسان بذاته أخرس، والصورة هي التي تتكلم). وشكلت موضوع روايته، كل العوالم الروائية تصاغ في تجربة حامد فاضل، من تشابك كبير في التجربة الواقعية، وبين التجربة الذهنية المتخيلة، الرواية مطلقة على واقع معاش أحبه، أو أشخاص عرفهم، فقدّم تجسيدا لقلقهم ومعاناتهم، عبر شهادة حية عن أحداث تاريخية لمن يسعى للبحث الاجتماعي والانثروبولجي او السايكولوجي .

الروائي جعل من المدينة شخصية روائية لها تاريخها وفضاءاتها فاكتسبت ابعادها الترميزية لتدلّ على الوضع الاجتماعي والسياسي، إستحضار التمازج بين الواقعي والأسطوري والرمزي، وحفلت بمساحات للتخييل، تحاور الفن المعماري، وتستفيد من أنماط الحكي الشفوي والكتابات القديمة، أصوات الذاكرة، المشاهدات، الأحداث السياسية والتاريخية والاحلام والاماني .

في الصورة، يطلّ الرواة (الناصح) الذي جعل النصيحة سداة حكاياته، والغياث الذي يغيث لحمتها، والشيخ النوري الذي خلع على السماوة حلّة زاهية ملونة بمختلف الوقائع والاخبار عبر مراحل التاريخ، عارفا بتاريخ العراق، منقّبا فيه بعمق .فهو أحد الساردين الاساسيين الى جانب الجد والاب والجد والابن، والشيخ شير علي .

يشكل التاريخ المرجعية الاولى للرواية وجذرها الاصيل، إلاّ ان الكاتب لايعتمد تسلسلا تاريخيا او حقائق تاريخية، فهذه ليست مهمته إنما هي مهمة المؤرخ، بينما هوفنان يعتمد فن الرواية الذي يبني من تاريخ المدينة، معمارها الفني، وهذا يقتضي ان يكون على معرفة جيدة وتماس بالناس ومراقبة ودراسة وجودهم الاجتماعي، فأفصح عن مهارة ممتازة في الرصد والتقصي بصدق ووعي .لذا حفلت الرواية باحداث واسماء شخصيات أسهمت بتحديد ملامح المكان عبر مراحل زمنية متعددة، وأقول بهذا الصدد، ان حامد أعاد اليّ شخصيا طراوة الأمكنة وترافة النهر، وحضور الشخصيات بقوة الى ذاكرتي، إذ كنت طالبا في ثانوية السماوة مطلع ستينيات القرن الماضي، الاصدقاء والمدرسين وأحياء الشرقي والغربي وطقوس عاشوراء، أم موسى المرأة المناضلة، قطار الموت، ومأثرة سائقه عباس المفرجي، وأبناء المدينة في إنقاذ السجناء حينما حشروا في توابيت من الحديد في لهيب تموز عام 63 .

ينفتح النص على أسواق وشوارع ومقاهي السماوة وأنماط من الشخصيات، الظرفاء والسكارى والباعة ورجال ادارة وباعة وتجار، بإسلوب مشرق، يكون لنهر الفرات حضوراً متميزاً، بلغة شعرية صافية باذخة الجمال، ليدلّ على هوية المدينة الخاصة. الروائي ينجح هنا في تقديم رؤية مجتمع منسجمة مع تركيبة أبنائة واختلاف افكارهم، بثراء المعلومة ومفردات الروائي، وقدرته على التشكيل المكاني والخيالي، بلغة سردية سهلة لاتحتمل التأويل، تقوم عل مايمتلكه من حس انساني رفيع، مستثمراً الامتداد التاريخي لمدينته، تدع القارىء في حالة يقظة، مشدودا لملامح الزمن الماضي والاتي بإتجاه تعميق الصورة لديه .

من النقّاد من يرى، ان الرواية التي تساعد القارىء على طرح الاسئلة و تثير التفكير، هي الرواية الناجحة، والتي تعنى بإعادة تشكيل العالم ضمن أشكال وأنساق أكثر إنسجاماً، ووفق هذا الرأي نتساءل كذلك، هل ان حامد فاضل أخضع هذا النص الى قواعد النص السردي التي تخلق تنوعها داخل العمل وتحقق جماليته، هل خلقت الرواية تنميطاتها ضمن هذه القواعد؟ وبصيغة اخرى للسؤال، هل نسج الكاتب نصّاً روائياً كجنس أدبي متميز في تكوينه وشكله لإحتواء المضمون؟ بلغة تتعارض فيها المستويات وتتداخل بمايخلقه من إحساس دائم بالتوتر، نصاً تولده لعبة التقنية والأسئلة التي يطرحها على مفهوم السرد وآلياته، والعلاقة بين الراوي وما يرويه، أم ان الروائي إحتمى بالتاريخ ليقصّ علينا حكايات من عصور غابرة، خفتت فيها إشراقة النص سيما في فصول الرواية الاخيرة، وأعني تحديداً فصل الليرات العشرة، الذي صعب علينا فهم الاسترسال الممل فيه بذكر وقائع ثورة العشرين، مثلما إفتقرت الرواية الى قوة سلطان الحب، ولم تحتف به بإهتمام، إذ لم تسرد الرواية حكايا العشاق وتأجج العواطف الانسانية، سوى تلك اللمحة الخاطفة لرسالة حب من الطالبة المراهقة (امل علوان) أوعَدَت سلام بقبلة لم ترو ظمأه في فصل (قبلة سبارتكوس) .في حين ان قصص الحب تسبح في نهر الفرات، تعبرعلى جسريه الصبايا الفاتنات، وتفتح شناشيل ضفافه نوافذ للوجوه الانيقة .

يبدو لي ان مهام الروائي خرقت الشروط التي أشرنا اليها، اذا ما دعته بعض الضرورات الفنية، فتعددت أوجه لغة الحوارالى مجالات صياغة أسئلة الوجود وأسئلة الذات . الشيخ النوري يخاطب سلام : أربعة قرون يا ولدي الانسان أخطر وحش على هذه البيضة الخرافية التي يسمونها الارض، أتدري ان الانسان القادر على تدجين الوحش يعجز عن تدجين النفس الأمّارة بالسوء ص262. فضلا عن تعدد الاجناس التعبيرية إذ تخللت النص، الوصف والحوار لتكون خلفية تضيء وتستضيئ، أشعار غنائية، شعرشعبي، أغان، أهازيج وقصائد، مقالة تندرج في المحكي الشعبي .

(بلدة في علبة)، الوثيقة، عمل إبداعي، يمتلك قيمته في الموقف من المكان والطبيعة والحياة والإنسان، يشكل صدى عميقا للذاكرة وللمدينة التي أحبها الروائي حامد فاضل .

 

جمال العتّابي

 

اشتراطات النثر وارتطام الأجنحة

jasim alayffبدأ القاص "محمد سهيل أحمد" شاعراً، و نشر قصائده في الصحف البصرية-العراقية، ثم توجه لكتابة القصة القصيرة. عام 1964تقاسم مع القاصين"محمد خضير ومحمد عبد المجيد" الفوز بمسابقة ملحق جريدة "الجمهورية" الثقافي الخاصة بالقصة القصيرة(*). أصدر مجموعته القصصية الأولى (العين والشباك) - 1985- مطبعة الرسالة- الكويت، وحظيت باهتمام بعض النقاد العرب والعراقيين. أما مجموعته القصصية الثانية "الآن أو بعد سنين"- دار الشؤون الثقافية- وزارة الثقافة - بغداد- فصدرت بعد (30) عاماً على صدور مجموعته الأولى.

"محمد " كاتب قصة يتقن الصنعة، وقصصه مشحونة بالتوتر، والسرد لديه يخضع لمعارفه وقدراته وخبراته المتراكمة في التكنيك الفني عند كتابته للقصة القصيرة، وهو لظروف خاصة به، لم يأخذ مكانه الطبيعي بين القصاصين العراقيين خاصة الذين بدأ مسيرته معهم.

"محمد سهيل" في القصة القصيرة ينحو، كأي قاصٍ جادٍ، ويحس بمسؤولية ما يكتب ويطرح أمام القراء، إلى ثلاث مراحل، نرى إنها: برق الالتماعة الأولى أو الانبثاق، والخزن الذي قد يطول أو يقصر زمنياً، ومن ثم الاشتغال والمعالجة. نلاحظ التبدل الجوهري الذي طرأ على الخطاب السردي الذي ميز مجموعته الأولى، حيث كان أسيراً للحالة الشعرية التي أطرت بداياته الثقافية، ومن هنا عمل على توظيف شخوص مجموعته الأولى مع إضاءة بعض هذه اللحظات شعرياً، وذلك عبر النفس الغنائي الوجداني، وهذا النزوع طبع معظم قصصها، عدا قصة "يوميات فراشة ملونة" الذي كان مكثفاً مكتنزاً بالوقائع اليومية- القاسية و التي اكتنفت حياة طالبة مدرسة - ابنة دلالة سلع تحيطها الشائعات- إضافة إلى اعتماده في الاشتغال، بقصته تلك، على آليات التقطيع والسيناريو السينمائي، ما أهل قصة (فراشة ملونة) لأن تتحول إلى فيلم تلفزيوني عُرض في الفضائية العراقية أواخر التسعينات، وخضع لبعض التغييرات التي كان لابد منها في ذلك الزمان، وقد أخرجه المخرج "فائز الكنعاني".

 نلاحظ إن المجموعة القصصية "الآن أو بعد سنين"، تنحو باتجاه منظور علائقي ظاهراتي تميز بالتماثل والتضاد والانسجام والتنافر والقبح والجمال . ثمة ثمانٍ من قصصها دارت أحداثها في الدول العربية:" الكويت والأردن وليبيا". وقد انصاع، القاص (محمد سهيل)، في قصص مجموعته، لاشتراطات النثر بكل ما يتوفر فيه من خشونة وتحفرات وارتطام الأجنحة التي تمتلكها الشخصية القصصية بوحول الثرى، من ناحية لغته السردية التي لا تفتقد للعاطفة، أو تتنكر للرؤى التي تخضع للتوجهات الفنية واشتراطاتها، وكذلك طبيعة شخصياتها، من الناحية السايكلوجية - الاجتماعية. في (الآن وبعد سنين) نرى، بوضوح، إن "محمد " يهتم جداً بالمتلقي، مهما كان مستواه الاجتماعي، وتوجهاته الفكرية- الحياتية، و بدت شخوص قصصه، خليطاً من أصناف عدة، وتنتمي جميعها إلى قاع العالم الاجتماعي منها: خادمات من سيلان والباكستان، سوداني يعمل في مزارع الزيتون الليبية يُتهم بإغواء فتاة قاصر، ونماذج أخرى مُنسحقة بيد إنها تحيى، عبر أحلامها الخاصة،  واقعاً آخر، مرفهاً وباذخاً. تتسم الشخصيات القصصية، في "الآن أو بعد سنين" بشرائح تبدو سايكولوجيتها مركبة،  بحكم تباين عوالمها. ومنها قصص: امرأة بلون الشاي(ص75) و البانكوكيات (ص97) وثلاثة طوابق(ص103)، و أخرى غيرها، وقسم من القصص لا يتجاوز صفحة ونصف الصفحة. بعض شخوص (الآن وبعد سنين) مقتربات لشخصيات حقيقية التقاها "القاص" وتعايش عبر علاقات خاصة معها، وأخرى سمع عنها وعن الأحداث الغرائبية التي أطرتها، ومنها الطاهر النقي الذيل، وبعضها الآخر المدنس،  و لم تخلُ، القصص، من الجانب ألابتكاري في رسمها وما خضعت له من وقائع صادمة .

(الآن وبعد سنين) تكشف أن القصص ليست في الاختلاق من عدمه، فما أكثر الشخصيات المبتكرة التي تخلقها ذائقة أو رغبات القاص، أي قاص. نلاحظ أن القصص الأربع الأولى تدور إحداثها في الشمال الإفريقي، وكل نص من النصوص الأربعة يعمل على رسم صورة شخصية محورية تتحكم بالحدث أو يتحكم هو بها، وتتميز بغرائبية أفعالها، ولا اعتيادية هواجسها فقصة "مملكة الرجل الوحيد"(ص5 ) تتناول مدرس مصري يعاني الوحدة والحرمان الجنسي فيداوي آلامه بمراسلة أعداد كبيرة من الفتيات، يعشن في مدن افريقية وآسيوية، ما يقوده بالتالي إلى الوقوع تحت براثن الروتين، إذ يخصص ركناً سريا لسجلات رسائل العشق، الواردة والصادرة. أما قصة "دوار الريح" (ص13) فهي نص غنائي النبرة تتوزع أحداثه بين عالمين متباينين : عالم الريح والرمل في الجانب الليبي وعالم ريح الصبا وسط حاضرة اسمها (تونس) العاصمة . وتنتهي الحكاية حين يتحقق للسارد، البطل، ما يريد: البحث عن امرأة لكنه يفقدها من جديد؟!. قصة " أحلام خفاش" (ص23 ) تتناول مدير مدرسة يقلب المدرسة التي يديرها إلى ما يشبه القلعة المغلقة ويبدو شخصياً أشبه بسجان: " تتدلى من كمر بنطاله عشرات المفاتيح"، ويعد النص صورة كاريكاتيرية مريرة لطاغية مستبد يمثل الصورة المصغرة لطغاة ووحوش السياسة والتوجهات والممارسات (التوتاليتارية) في كل مكان من هذا العالم، وخاصةً في عالمنا العربي. أما قصة "خبز وجمر"(ص37 -72) فهي مطولة وقد بذل القاص فيها جهداً كبيراً لضغطها كي لا تتمدد، باتجاه الرواية القصيرة، وثيمتها حكاية مطاردة لشاب أفريقي يعاني قدراً من النظرة الدونية في قلب بيته (أفريقيا السوداء) إذ يتهم البطل (عثمان كومبو) بإغواء فتاة قاصر. وبعد أن يقبض عليه تنفذ فيه أبشع أصناف العقوبات؟!. ويعد النص لوحة لوسط مكاني يقع بين الساحل الليبي والواحة وما يدور في رؤوس رجال الواحة، وما عرف عنهم عبر قناعات وتقاليد فيها قدر كبير من القسوة والعنف .أما تجربة القاص"محمد سهيل أحمد" الخليجية، وعمله وحياته هناك، فتضم أربع قصص أيضاً، فكانت، بعضها، ترسم لوحات سردية تتباين وتتماثل في آن معا: فقصة "الخروج من النقعة" (ص67) تروي عن شخصية بحار، خليجي، عجوز تخونه زوجته الشابة، بسبب عدم مقدرته على إشباعها جسدياً .أما قصة "البانكوكيات" (ص97 ) فهي نكتة شديدة الإيلام وإبطالها فئة من المتقاعدين المترفين الذين يسافرون إلى (بانكوك) بحثاً عن بقايا قوة علَ أعضاءهم الجنسية المتهالكة تجود بها!!.أما قصة "امرأة بلون الشاي" (ص86) فتتفرد بتناولها الغنائي أسلوباً، والإنساني اختياراً لشخوصه المكبلة بالتابوات والحرمانات الجنسية والوقوع تحت براثن الفقر والاستلاب، وتتلخص بتعاطف يصل لحد عشق الراوي، خادمة (سيلانية)، تدفع بها ريح الفاقة إلى عالم الدعارة العلنية . أما قصة "ثلاثة طوابق" (ص103) فهي متعددة المستويات، وتحكي قصة فتاة عاملة في إحدى شركات الأثاث بـ(الكويت) يدعوها رب العمل إلى عالمه السري في الطابق السفلي لتكتشف أركاناً تضم مقتنيات مثيرة للفزع والاستغراب وتفر عائدة إلى الطابق الأرضي قاذفة بنفسها إلى بحيرة من الكرات الملونة في القسم الخاص بالأطفال.بقية نصوص المجموعة تضم عدداً من القصص القصيرة جداً ونصاً مطولاً واحداً هو "هدايا مارس"(ص150) تستظل جميعاً بعنوان واحد هو(سطوح). و يلتقي القارئ بقصص متفرقة وعلى النحو التالي : "فانتازيا حساء القش"(ص125 ) وهي من قصص الإدانة اللامباشرة إذ تشتغل على شخصية (الأب) الذي يطعم أبناءه حساء القش ليل نهار، إنها استعارة تحمل مزيجا من الغرائبية والجنون عبر تناول أسلوبي يعتمد السرد الوصفي و الداخلي والغرائبية - الترميزية في آن معاً. أما قصص "من يقرع الباب، والأزرق الكبير، واسميك التايتانيك أيضاً، و أمام الشباك، ورحيل غالى السراب، والحبل السري" (ص171- 199) فهي، بحكم ثيماتها وحجمها تقع ضمن جنس (القصة القصيرة جداً). و تعتمد الصورة الموحية، أو الومضة، من خلال تقنية تتشابه في تبنيها للغنائية المتقشفة والسرد الشاعري العبارة، دون الوقوع في فخاخ المباشرة و التميع.

 

جاسم العايف

......................    

 (*) بعد تخرجه في قسم اللغة الإنكليزية- كلية التربية - جامعة البصرة، نشر تراجم عدة، منها رسائل"رامبو"، مجلة (الأقلام) حزيران1974، و رواية (أردابيولا) لـ (يفتوشينكو) 2014 - دار تموز- دمشق. نهاية السبعينات ولظروف شخصية غادر إلى (الكويت)، وعمل في صحافتها، وأضطر للعودة بعد احتلالها، وفي تسعينات الحصار، هاجر خارج العراق، وعمل في الصحافة الأردنية، ثم ذهب إلى ( ليبيا) لتدريس اللغة الانكليزية. بعد سقوط النظام، عاد إلى العراق وعمل محرراً في صحيفة "المنارة" نصف الأسبوعية، والتي كانت تصدر في البصرة، عن مؤسسة الجنوب للنشر والإعلام، وتوزع في كل أنحاء العراق، وبعض دول الخليج العربي. اختار (الصليب الأحمر الدولي) قصته " متاهة الجندي" ضمن كتاب، صدر في بيروت عام 2007 باللغتين العربية والانكليزية، وحمل عنوان (جروح في شجر النخيل)، وضم (20) قصة لعدد من القصاصين العراقيين. ولـه مساهمات قصصية - بحثية في كتابي "المشغل السردي- البصري"- بقعة زيت، و ذاكرة المقهى. وقد صدرا ضمن "فنارات "مجلة (اتحاد أدباء وكتاب البصرة). كما صدر له عن اتحاد أدباء وكتاب البصرة، عام 2014 مجموعته القصصية الثالثة المعنونة " اتبع النهر".

 

التجربة الزجلية المغربية غلّة جمالية مضاعفة

ahmad alshekhawiما الانتعاشة التي بات  يشهدها هذا الجنس التعبيري والوثيرة المتسارعة لتفشيه في المشهد الإبداعي الطليعي المغربي على نحو خاص، إلاّ برهانا ساطعا على وعي جماهيري آخذ في التوهج وحسّ يستغرق الصميم الإنساني ويختصر المسافة إلى ذائقة الهامش عبر القاموس الدارج نحو أدبيات الانفصال عن الشفهي إلى ذاكرة النصي والمخطوط .

 

المنطوق المجذوبي الموزون

هكذا وباعتماد تلكم المرجعية،أخالها مجانبة للإنصاف أيما مقاربة في هذا المضمار لا تستحضر رموز التأصيل للإنزياحات اللسانية و تولج في نسيج الفسيفساء الكلامية اللهجة كآلية للبناء الذاتي والمجتمعي، و تحتفي بالريادي الأول حامل لواء الشعر العامي المغربي وأسطورة كل الأجيال ولسان القرن السابع عشر الميلادي، الزاهد والصوفي عبد الرحمن المجذوب وكيف أن تأثير موروثه اجتاز بلاد المغرب العربي ليخترق إفريقيا قاطبة مرورا إلى آفاق العالمية، بحيث لم تزل حتى يومنا هذا تتغنى برباعياته الأمصار القاصية والدانية على حد سواء، لما يتضمنه نسغ شعريته من وفرة وغزارة في جرد للحكم وتعدادها اتكاء على أسلوبية تروم التجريبية والابتكار وتعارض المتعارف عليه و تعانق بذخا بنيويا يتبنّى لغة السهل الممتنع.

حتى أنه ما انفك ينهل من أدق التفاصيل الحياتية لإبراز تجربة ذروة في الفنية والفرادة القائمة على تشاطر الهم كاملا وصادقا مع المتلقي احتماء بأقنعة خطابية تنشد التلاقح والتفاعل دونما تلفيق أو تنميق، الشيء الذي أتاح للمنطوق المجذوبي الموزون ذيوعا وانتشارا لافتا لا يتسنى لغير عمالقة البوح على مرّ وتعاقب الأجيال.

 

يا صَاحب كُن صَبّاراُصبر على ما جرَى لَك

اُرقد علَى الشُوك عريان حَتّى يَطلع نهَارك

 

لا تْخَمّمْ لا تْدَبَّرلا تَرْفَدْ الهَمْ دِيمَة

الفلك ما هو مسَمَّر و لا الدنيا مقيمة

 

لا تخمم في ضيق الحال شف عند الله ماوسعها

الشدة تهزم الأرذال أما الرجال لاتقطعها

 

سافر تعرف الناس و كبير القوم طيعه

كبير الكرش و الراس بنص فلس بيعه

 

لا تسرج حتى تلجم و اعقد عقدة صحيحة

لا تتكلم ختى تخمم لا تعود لك فضيحة..."

 

نيوكلاسيكية التجربة عند أحمد لمسيح

 

باعتبار الفعل الزجلي ضمن حدودها ينطلق من واقعية مهيمنة الملامح و حيية التمرد وتتلمظ معسول هلاميتها من المراوحة بين القطيعة مع الضاغط باتجاه استنساخ هيأة شفهية مثقلة بالحمولات الوجدانية والوجودية المتقادمة، و التوليدات الذهنية الاستشرافية المتسربلة بنزعة الفلسفة الآنية .

تلكم  معاناة الاسترسال في امتصاص صدمة زخم من تأويلات التيار المضاد أو النقيض لما يحصر ويحشر صراع الألسن في خندق خذلان لغة الضاد والاصطفاف مع المهجن أو الدخيل مع الكثير من تغافل حتمية التنوع والتكامل وضرورة المواكبة.

إنها حمية و مطبّ اجتراح معيارية ليست تراعي سوى الهذيانات الأنوية داخل جغرافية هامسة لا رابع لأبعادها/قلم وبياض وعزلة، شأن المنطبق على زجالنا الألمعي احمد لمسيح  المترنم بشعرية تمتدّ جذورها إلى أواسط السبعينيات لتكلل حتى يومنا هذا بباقة من المجاميع الشافية والوافية والباسقة بنبضها الطرفاوي والموغلة في خلخلة السائد  والشاذ.

من عناوينه في جودها العفوي بغلّة جمالية مضاعفة نقرأ الطقوس التالية : "الرياح التي ستأتي" و "شكون طرز الما" و"ظل الروح" و"توحشت راسي" و "احريفات" و"حال وأحوال" و"خيال الما" و"ريحت الكلام" و "نجمة" و"بلادي" و"كلام ضاوي" و"كلام آخر".

 

زئبقية المعنى في لهجة رشيد حداش

البصمة لدى نظير شاعرنا الواعد هذا، تنبثق من تجليات الومضة المكثفة للمعنى المتفلّت و النوتة النافرة المتشبعة بالتقاط فتات اليومي والمعطّل وكل صاعق بتجليات الممارسة المغرقة في حساسية جديدة ومغايرة تلبّي تطلعات جيل استثنائي في مواقفه تجاه الذات فالآخر فالعالم إجمالا.

ومتهم بإدمان لعنة رؤى رمادية تتحكم بخيوط المصير و إكراهات المعيشي  بقدر ما تتوسم في الكلمة الخلاص و جوانية تصالح وتصافي ورتق شرخ ولملمة هوية.

 

"عكزت صبري لبلاد النية ريبة

طلعت العكابي بالدفيع

مسحت عركي فجبال الريبة

ملوحة محلوبة بلا رضيع

...............

يااااه يا لوليد

هاك من الحكمة أحكام

وخلي مرايتهم

تصورنا كيف بغاو

أنا مواعدك ما نتصورو

غير بالحرية لجام

.................

نهار كتغمزني المعنى

كنعنكها ونقبلها

ونكودها لطريق الشوار

بالفهم والرزانة

ؤ الحطة على زوج كفات

كيتساوى لعبار بلا غيار "

هذا و أحسب الوجوه المؤثثة لطرحنا أقحمت للمثال لا الحصر، ناهيك عن أصوات أنثوية  رائدة في هذا المجال و تشغل حيزا هاما إن نوعية أو كمّا ..  وعليه فإن نافلة القول تكمن  في كون الذاكرة الإنسانية دوما مشرعة على صدى الإبدالات الواشية بدال بديهي مفاده أن الأسماء الوازنة  في كليتها إنما تصنعها قصيدة لا أكثر، لذا نحن معنيون اليوم أكثر من أي وقت مضى،بالنبش في سير هامات تشهد لها الصولة بين مجايليها والامتداد وموازاة الفضول الإبداعي في جرأة وسيزيفية تخترق حجب الغيب صوب سرّة النص الطيفي، بصرف النظر عن خلاف ما يفضي إلى مضاعفة المكاسب المعرفية والجمالية ويقلّص الهوة بين الألسن والأجناس.

 

احمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

 

اتّكاءُ آمال عوّاد رضوان على عكّازِ الرّوح!

amal awadaردُّ الرّوائيّة فاطمة ذياب على قراءة د. منير توما في أدموزك وتتعشترين!

مَقالةُ د. منير توما بعنوان البوْحُ الجنسيُّ الرّمزيُّ الاستعاريُّ في مَجموعةِ- أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ- للشاعرة آمال عوّاد رضوان قرأتُها وأُثمّنُها عاليًا، وبصراحةٍ، كادتْ تَعابيرُهُ الحلوةُ المُترابطةُ أنْ تَسحبَني لفِكرتِهِ، لكنّها لم تفعلْ، فلكلٍّ منّا قراءتُهُ ونظرتُهُ ورؤيتُهُ المَعيشةُ والمُتخيّلةُ، وبمُجرّدِ أنْ تأخذَنا نصوصُ "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ" إلى تناقضاتِ المَعنى وازدواجيّةِ الإيحاءِ، فهذا يُدلّلُ على قدرةِ الشّاعرةِ آمال البلاغيّةِ، مِن حيثُ الاتّكاءِ على عكّازِ الرّوح لبعض القرّاء، أو على عكّازِ الجنسِ عندَ بعضِ القرّاء، أو عكازِ شيءٍ آخرَ تمامًا.

قد رأيتُ د. منير توما يَقفُ على ضفافِ شاطئٍ آخرَ مِن بَحرِ المَعاني الدّالّةِ والمَدلولةِ في شعر آمال عوّاد رضوان، فشتّانَ ما بينَ الدّلالاتِ الصّوفيّةِ الّتي أستشِفُّها شخصيّا، وبينَ الإيحاءِ والبوحِ الجنسيِّ الرّمزيِّ الاستعاريِّ الّذي عناهُ د. منير توما، إذ رأى الذّكوريّةَ في عكّازٍ يتوكّأ عليهِ النّصّ الذّكوريّ، والغيمةَ المُستمطَرةَ وعاءً للرّغبةِ، بقدرِ ما كانتْ تعبيرًا للخصوبةِ والعطاءِ، ولكنّي كمحاوِرةً وقارئةٍ تعشقُ الماوراء بتحفّظٍ، وليسَ بقصدِ الدّفاعِ أو الاتّهام، عدتُ إلى النّصوصِ مُجدّدا، أحاولُ استدلالَ الما وراء مرّة أخرى، فلم أجدْني إلّا أكثرَ تَمَسُّكًا بما كتبتُ مِن مدلولاتٍ جاءتْ ضمنَ قراءتي الأولى "أُدَمْوِزُكِ وَتَتَعَشْتَرِينَ"! فمِن وجهةِ نظري، النّصوصُ روحيّةٌ صوفيّةٌ، تتّكئُ على عكّازِ البلاغةِ التعبيريّةِ والصّورِ المُترابطةِ، ولعلّ جَماليّةَ النصّ تنبعُ مِن تعدُّدِ المَلامحِ للوجهِ الواحدِ وللجسدِ الواحد، بوجهاتِ اختلافٍ وائتلافٍ تثيرُ الجدل!

لا نُنكِرُ على الشّاعرةِ آمال عوّاد رضوان جرأتَها وتَميُّزَ مُفرداتِها، لكنّ مجموعتَها الشعريّةَ العشقيّةِ هذه أدموزك وتتعشترين، ورغمَ الصّياغةِ الفنّيّةِ المُتراسِلةِ والطّانبةِ في أبعادِها، فإنّ قصائدَها تتضمّخُ بصوفيّةٍ عذراءَ وبعشقٍ صوفيٍّ أسطوريٍّ، ما كانَ لبني بَشرٍ إلّا كعشقٍ آخرَ لوطنٍ ولبلدٍ وأرضٍ، تلكَ العلاقةُ الجدليّةُ بينَ شاعرةٍ تتوهّجُ بالحُلمِ، وتُطرّزُ مَعانيها مِن عصارةِ نبضٍ يُوجعُها، فتختارُ صنوفَ المَعاني المُستقاةَ مِن الأسطورة بثيابِ عاشقٍ حدَّ الثّمالةِ، حيثُ تصبحُ المُناجاةُ صلاةً، وكأنّي بها تخاطبُ الأرضَ فتقولُ:

"صُدَاحُكِ.. شَهِيًّا.. يَتَعَالَى/ يَجْرِفُ سُيُولِي بِشَغَفٍ.. إِلَى مُدُنِ خَيَالِي/ وَصَوْتُكِ.. يَأْتِينِي مُتَلَبِّدًا.. بِجَفَافِ شَوْقِي اللَّاهِبِ/ مُبَلَّلًا.. بِشَظَايَا آهَاتِي!/ رُحْمَاكِ.. أَدْخِلِينِي غَيْمَةً شَهِيَّةً/ وَبِلَمَسَاتِكِ الْمُضْرَمَةِ بِالرَّغْبَةِ/ أَمْطِرِينِي.. وَلْيَحْمِلِ النَّاسُ الْمِظَلَّاتِ/ فَلَا نَظَلُّ مُبَلَّلَيْنِ/ عَلَى نَاصِيَةِ رِيحٍ.. بِلَا مَصَابِيح!

أمطريني: آمالًا، أحلامًا، أمانًا، ..إلخ، ليَحملَ النّاسُ المِظلّات؟ مظلّاتِ الخيرِ والنورِ والمَحبّةِ والسّلام، بدلًا مِن أنْ نظلَّ مُبلّلين بالدّماءِ والدّمع والوجع على ناصيةِ ريحِ الغربةِ والتّشرّدِ والضّياعِ، بلا مصابيحَ ورجاءٍ، بلا بَصيصِ أمَلٍ في عتمٍ دامسٍ!

نعم، بلا مصابيحَ في ظِلِّ غيمةٍ كنّا ولم نَزلْ نُعانقُ هواها، ونتّكئُ على عكّازها:         سَأَجْعَلُ الْغَيْمَةَ/ حُـــــبْــــــــلَـــــــــى.. بِشُــــمُـــوخِــكِ/ أَحْرُسُهَا.. أَنَا رَاعِيهَا/ وسَاعَةَ الْوِلَادَةِ.. أَهُشُّ عَلَيْهَا.. بِعُكَّازِي/ وَبِلَا آلَامٍ.. يَأْتِيهَا الْمَخَاضُ يَسِيرًا.

الشاعرة آمال عوّاد رضوان تتوسّلُ الغيمةَ أنْ تحبلَ بشموخِها الطّاغي، فتستمطرُها كي تحلَّ خيرًا وعطاءً وحلًّا سِلميًّا في جَفافِ الواقع، هناكَ تقفُ الشّاعرةُ ونقفُ معها، حيثُ الغيمةُ حُبلى بشموخِ الآماني، نستمتطرُها ربيعًا بكريًّا لم يُدَنَّسْ، لِينبُتَ الكوْنُ ويُزهِرُ سلامًا في أرضِ القداسةِ!    وتقولُ: فِي عَبِيرِ نَهْدَيْكِ.. أَسُووووووحُ/ فيُمْطِرَانِنِي شَوْقًا.. يَتَّقِدُنِي/ وَأَذْرِفُكِ.. عِطْرًا مُتَفَرِّدًا. هكذا أعتمِدُ الحِسَّ الأنثويَّ المُترامي في وَعيِهِ وأبعادِهِ حدَّ الاتّقاد، فهل يمكنُ أنْ نُنكِرَ الجَماليّةَ الرّمزيّةَ والوصفيّةَ، حينَ نرى شقّي الوطنِ الواحدِ المُتجسّدِ في جسدِ المرأةِ الجميلِ الخصبِ الوَلودِ، بنهدَيْها الخِصبيْنِ، وبشفتيْها الباسمتيْنِ، وبشَعرِها ومُحيّاها وقدِّها وأناقتِها؟

الوطنُ امرأةٌ فاتنةٌ لهُ فِعلُهُ في عاشقِهِ، تمامًا كنهْدَي امرأةٍ  في جسدٍ جميل، فلمْ تتحدّثْ عن ثدْيٍ واحدٍ وآخرَ مبتورٍ، إذ لا يَكتمِلُ قوامُها إلّا بكِلا ثدْييْها اليمينيِّ واليساريِّ، ولا تكتملُ بسمتُها إلّا بكلتا شفتيْها السّفلى والعُليا، فالشّاعرة آمال عوّاد رضوان تتناولُ جسدَ المرأةِ الخصبِ الولودِ الجميلِ برمزيّةٍ وتفرُّدٍ بليغٍ، يَصِلُ إلى حدِّ التّقديسِ والعبادة، كتقديسِها لكلِّ تفاصيلِ جسَدِها ووطنِها فتقولُ: تَـسْـجِـنِـيـنَـنِـي.. بِمَفَاتِنِكِ/ تَـنْـسِـجِـيـنَـنِـي.. مِنْ لَدُنِ رُوحِكِ/ فأَطْفُوَ عَدْوَ ظَبْيٍ.. إلَى مَقَامِ الْهُيَامِ/ وأُجِيدُ طُقُوسَ هُطُولِي/ عَلَى أَجِيجِكِ الثّائِرِ!

نعم، هذا الجسدُ الّذي ما فتئَ ينتظرُ هطولَ المطرِ في بوْتقةِ حُلمٍ شهيٍّ، يَتأجّجُ شوْقًا مُضرمًا للخصوبةِ المُشتهاةِ. هكذا استخدمتْ شاعرتُنا آمال عوّاد رضوان العلاقةَ القدسيّةَ ما بينَ الوطنِ الأنثى والمُواطِنِ الذكوريّ، وما التأجُّجُ إلّا أزيزَ مَشاعر تتّقدُ فينا، تخترقُنا ونخترقُها عشقًا لا يُشبهُ أيَّ عشقٍ، فهذهِ الأرضُ المُتراميةُ ما بين الغيومِ والسّحابِ ضفافٌ مِن العشقِ المُوظَّفِ بأسطورتِهِ وبَلاغتِهِ، فيجعلُ القارئَ يَسبحُ بأفكارِهِ، ويَطفو فوقَ موجِ الماوراء، فتأخذُنا إلى بُحورِها المُنتقاةِ، وتُعلّمُنا طقوسَ القُبَلِ المُلتهبةِ على شفتيْ وطنٍ، تستمطرُ حليبَ النّهديْنِ كطفلٍ رضيعٍ، مُقبِلًا بلذّةِ القُربِ والتّلاحمِ والانصهارِ في الآمال الحيّةِ الطّازجة.

آمال عوّاد رضوان شاعرةٌ رقراقةٌ نديّةٌ، تكتبُنا وتكتبُ عشقَنا للوطنِ، فتراهُ مُجسَّدًا ما بينَ نهديْنِ رمزِ العطاءِ وما بين شفتيْ قُبَل! فهل تلتقي الشّفاهُ؛ غزّة والضفّة؟ آمال بعِشقِها الأسطوريِّ استخدمَتْ وأوغلتْ في رمزيّتِها، ما بين رُموزٍ ورومانسيّةٍ حُبلى بالمُفرداتِ العشقيّة:

وَلَمَّا يَزَلْ طَعْمُ نَهْدَيْكِ/ عَلَى لِسَانِي.. مُذْ كُنْتُ رَضِيعَكِ/ وَلَمَّا أَزَلْ.. أَفْتَقِدُ بَيَاضَ حَلِيبٍ/ يَدُرُّ شَبَقًا عَلَى شِفَاهِي!/ مَا أَفُلَتِ اللَّذَّةُ.. فِي رَعْشَتِهَا/ وَمَا اكْتَنَزَ ارْتِوَاؤُهَا.. إِلَّا بِتَعَطُّشِكِ الصَّامِتِ/ آآآآآآه/ نَشْوَةُ آهَتِي الْمَكْتُومَةُ/ مُتْخَمَةٌ.. بِلَدْغَاتِ تَجَاهُلِكِ!/ وَتَظَلُّ خَيَّالَةُ جُنُونِكِ.. نَبْعَ مُشْتَهَاتِي!

نعم، هي رسائلُ عشقٍ ما بينَ الشاعرةِ والمكان، تُوظّفُ أدواتِ لغتِها ببراعةٍ وإتقانٍ مَلفوفيْنِ بالغموضِ والرمزيّةِ، فتتركُنا نلهثُ وراءَ رمزيّتِها ونعيشُ تصَوُّرَنا، والوطنُ الأنثى جَوْعى لتعابيرَ ملفوفةٍ ومكشوفةٍ، هي علاقةُ الرّوحِ بالجسدِ، وعلاقةُ الحُلمِ بالواقع ولا انفصامَ بيْنَهما.

أعتقدُ جازمةً أنّ في ديوان- أُدَمْوِزُكِ وتَتَعَشْترين- أكثرَ مِن فكرةٍ تُقدّمُها ليتخيّلَ كلٌّ منّا ما يريدُ، وهنا مَربطُ الفرَس؛ إنّهُ نصٌّ عشقيٌّ صوفيٌّ ما بين الجسد والوطن بشقّيْهِ، ونَهدَيْهِ وشَفتيْهِ.

أُدَمْــــــوِزُكِ.. وتَـــتَـــعَـــشْـــتَـــرِيـــن/ أُلْقِي عَلَيْكِ.. مَلَاءَاتِي الْخَضْرَاءَ/ فَتَسْتَعِيدُ أَعْشَاشِي/ تَـرْتِـيـبَ عَـصَـافِـيـرِهَا/ وَتَتَسَرْبَلينَ.. أَنْهَارَ خُصُوبَتِكِ!

نقفُ أمامَ أوجُهِ المعاني الجدليّةِ، ونَحارُ أينَ تُوجّهُها، لكنّنا نجدُها طفلةً مُسترسلةً بالانتماءِ لمَكانِها وزمانِها، تُجسّدُ العلاقة الجدليّة مِن تحتِ إبطِ مَلاءةٍ، وأعشاشٍ، وعصافير ووطنٍ نراهُ حاضرًا كما العصافير مِن زمنٍ إلى زمن، يُغرّدُنا ونُزقزقُهُ حروفًا مِن علاقاتِنا الوجدانيّةِ،  تتحدّثُ عن الطفولةِ برمزيّةِ الأعشاشِ وزقرقةِ العصافير- الأطفال!

إِهْدَاء/ أَيَا عَرُوسَ شِعْرِي الْأَخْرَس!/ إِلَيْكَ/ مُهْرَةَ بَوْحِي فَتِيَّةً/ بِفَوَانِيسِ صَفَائِهَا.. بِنَوَامِيسِ نَقَائِهَا/ حَلِّقْ بِبَياضِهَا/ صَوْبَ ذَاكِرَةٍ عَذْرَاءَ/ وَتَطَهَّرْ/ بِنَارِ الُحُبِّ.. وَنورِ الْحَيَاة!

هي الأرضُ تُطارحُها الهوى بكلماتِ شِعرٍ أخرسَ لا يَصِلُ إليها، أو هكذا يُخيّلُ لك كقارئ، تُخاطبُكَ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان بلغةٍ عِشقيّةٍ تَعزفُ على أوتارِ عشقٍ مُتفرّدٍ لغةً ومَضمونًا، نعم أيّتها الأرضُ الطيّبةُ، لكِ شِعري وحروفُ نثري، (بِفَوَانِيسِ صَفَائِهَا.. بِنَوَامِيسِ نَقَائِهَا)، تُحلّقُ وتسمو صوْبَ ذاكرةٍ عذراءَ!

هو الإهداءُ الناطقُ باللّوْعةِ والاشتياقِ عجبًا، تأخذني إليهِ مِن الحرفِ الأوّلِ، وكأنّها رسالةٌ لنا كي نقرأ عِشقَها ولغتَها العشقيّة بعُذريّةٍ، كما ذهبَتْ إليها، عساها تُمطِرُ (بِنَارِ الُحُبِّ.. وَنورِ الْحَيَاة!)! ونتدرّجُ ما بينَ النّقاطِ والفواصلِ، ونلتقي معَ الشاعرة آمال عوّاد رضوان في قصيدتِها:

يَابِسَةٌ سَمَاوَاتِي/ أَمَامَ اشْتِعَالِ اشْتِيَاقِي/ أَأَظَلُّ.. أَتَضَوَّرُ شَهْوَةً؟/ أَحْلَامِي مُعَلَّقَةٌ..  بَــ ~~ يــْـ ~~نَ.. وُعُودِكِ الْمُؤَجَّلَةِ/ وَأَقْدَامِي تَتَعَثَّرُ.. بَــ ~~ يــْـ ~~نَ.. جُدْرَانِكِ الْــ تَتَهَاوَى!/ عَلَى خَدِّ شُعَاعٍ.. مُضَمَّخٍ/ بِــــالْــ~~دَّ~هْـــ~شَــ~ةِ/ ثَ رْ ثِ رِ ي نِ ي.. صَدًى/ لِأَرْسُمَ.. بَعْثَــكِ الْمُشْتَهَى!/ قَلْبِي الْــــ  يَــــكْـــــــبُــــــــــــــــرُ  بِكِ/ حينَ.. يَـ~~جْـ~~ـمَـ~~ـحُ.. شَجْوًا/ تَــــتَـــيَـــقَّـــظُ.. ثُــغُــورُ رَبــِيــعِــي الْــــ غَـــفَـــا

مَبْسُوطَةً.. تَمْتَدُّ رَاحَةُ فَجْرِكِ/ مُخَضَّبَةً.. بِحَنَانِ أَنَامِلِكِ الظَّمْأَى/ حِينَ أَلْثُمُهَا.. يَتَّقِدُ عَبَثِي/ وَعَلَى شَفَتَيْكِ.. أَعْزِفُ ابْتِسَامَتِي/ فَأَغْدُو وَارِفَ الْمَدَى/ أَلَا يَـــتَّـــــسِــــــعُ.. لِأَوْتَارِكِ الْبَحْرِيَّة؟/ كَأَنَّ حُبِّي وَهْمٌ.. كَإِلهٍ.. إنْ لَمْ يَتَجَسَّدْ؟!/ جَمَالُكِ.. لَا تُثْمِلُهُ أَمْوَاجِي/ وَحْدَهَا أَعْمَاقِي.. تُسْكِرُ نَزْفَ أَنْفَاسِهِ!

 وَجَــــلَالُـــــكِ/ مِنْ هُوَاةِ الزَّرْعِ وَالسَّوَاقِي.. أَنَا/  وَأَطْيَبُ أَحْلَامِي.. مَا كَانَ.. فِي بَطْنِ سَاقِيَةٍ ضَيِّقَةٍ/ تَوَقَّفَ فِيهَا الْمَاءُ.. هُنَيْهَةً!/ أَنَا/ مَا كُنْتُ.. مِنْ رُعَاةِ الْغَيْمِ وَالسَّمَاوَاتِ/ فَــفِي أَثِيرِكِ الْحَرِيرِيِّ/ أَتِيحِي لِيَ التَّحْلِيقَ/ بِأَجْنِحَتِكِ الْعَاجِيَّةِ!

سَمَاوَاتِي الْمُضِيئَةُ.. انْطَفَأَتْ/ مُنْذُ.. أَلْفَ عامٍ.. وَغَيْمَةٍ/ وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي.. تَتَحَجَّبُ/ خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ!/ دَعِينِي.. أَكْمِشُ بَعْضَ بُرُوقِكِ/ واُغْمُرِينِي.. بِحَفْنَةٍ مِنْ كَلِمَاتِكِ/ لِأَبْقَى.. عَلَى قَيْدِ الْبَرْقِ! تُقَاسِمِينَنِي/ صُورَتَكِ الْـــــ.. تُـــثِــــيـــرُ فِيَّ كُــــلَّ حِــــرْمَــــانِــي/ وكَفَرَاشَةٍ.. أَحْتَرِقُ بِرَحِيقِ هُيَامِكِ!/ أَغُورُ.. فِي صَخَبِ لِسِانِكِ/ أُسْرِفُ.. فِي اشْتِهَاءَاتِهِ الْمُعَتَّقَةِ/ وأَغُوصُ.. فِي صَرْخَتِكِ النَّقِيَّةِ!

سماواتُ الشاعرةُ آمال عوّاد رضوان يابسةٌ، لا تمطرُ غيرَ الجفافِ والكرهِ والتفجُّرِ والانفجارِ، في ظِلِّ حروبٍ مُدمّرةٍ، فتشتعلُ أحلامُ الشّاعرة كما تشتعلُ ثورةُ حُلمِها شهوةً ورغبةً، وتتماهى إلى حدٍّ بعيدٍ معَ الشّهوةِ الأخرى، ولا عجَب، فإنّ المادّةَ مِن حَرفِها الأوّلِ حتّى الأخيرِ مادّةٌ عشقيّةٌ، تتّكئُ على العلاقةِ ما بينَ الذكورةِ والأنوثةِ، لتُظلّلَ الوطنَ والإنسانَ في شهوةِ اللقاءِ والعناقِ، بأبعادٍ أخرى تنسجُ خيوطَ مَعانيها، كما غليانُ الحُبِّ في مَراجلِ العشّاق، مُستخرَجةً ببوحٍ عذريًّ يتسامى إلى أبعدِ مِن حدودِ العلاقاتِ البشريّة، كي يكبرَ وتكبرَ معهُ ويكبرَ بها في هوى مُستزادٍ، تتأمّلُ الأملَ الظمأى المُتّقدةَ بعبثيّةٍ على الشفاه، ويغدو مداها وارفًا يتّسعُ لأوتارِها البحريّة:    أَنَا مَن تَزْفُرُنِي.. زُرْقَةُ أنْفَاسِكِ الْبَحْرِيَّةِ/ كَمْ تُغَبِّطُنِي أَشْرِعَتُكِ.. تَخْفُقُ/ فِي سَمَاوَاتِ مَسَاءَاتِي الْمَحْرُوقَةِ!

إذن؛ هي الشّاعرة الإنسانُ، وهو وطنُها الذي تطارحُهُ الهوى والعشقَ، كي تُزهرَ حقولَ الفرحِ لديْها، ما بينَ الأملِ والقنوطِ: هَاءَنَذا.. أُدَوْزِنُ أَوْتَارَ غُرْبَتِي/ عَلَى كَمَانِ طَيْفِكِ الضَّبَابِيِّ/ وَأَعْزِفُنِي مَزامِيرَ اسْتِغْفَارٍ/ لِئَلَّا يَخْبُوَ.. مَجْدُ حُضُورِكِ

وما بينَ الرّغبةِ والحاجةِ تشتعلُ الشاعرةُ شِعرًا ولغةً نرجسيّةً، منتقاةً على مَقاسِ أحلامِها وعِشقِها المُتميّز بأرضٍ ووطن، وتَظلُّ تُصارعُ اليأسَ بقولِها: كَأَنَّ حُبِّي وَهْمٌ.. كَإِلهٍ.. إنْ لَمْ يَتَجَسَّدْ؟! فهذا الوطنُ الإلهُ لم يتجسّدْ في رُؤاها وكأنّهُ مُجرّدُ وهمٍ في خيالاتِ شاعرةٍ، فتصبو لتأليهِه!

عزيزتي آمال عوّاد رضوان، صلاتُكِ هي صَلاتُنا، وأمانيكِ هي أمانينا، وحرفُكِ يُجسّدُنا عشقًا وصلاةً ورجاءً، كي لا نظلَّ عالقينَ بحبالِ الضّياع: (دَعِي ظِلالَنَا النَّائِحَةَ.. تُلَامِسُ الْأَرْضَ/ فَلَا نَبْقَى مُعَلَّقَيْنِ .. بِحِبَالِ الضَّيَاعِ!) حتّى نُلامسَ أرضَنا ونُعانقَ عذريّةَ عشقِنا، نحن الهاربونَ معكِ إلى حدودِ الغيم، نستمطرُ الغيثَ في جفافِ سنواتِنا العِجافِ: (وَلَمَّا أَزَلْ.. مُضَاءً بِكِ.. حَدَّ الْهَرَبِ/ صَوْبَ غَيْمِكِ.. جِهَةَ ضِفَافِ الْحَيْرَةِ/ أَرِفُّ .. أَتَلَأْلَأُ.. وَيَفُوحُ عُشْبِي.. بَلَلًا!/ إِلَامَ أَبْقَى عَائِمًا.. عَلَى وَجْهِ وَجَعِي/ تُلَوِّحُنِي الرَّغْبَةُ.. بِيَدَيْنِ مَبْتُورَتَيْنِ؟)

نحنُ أمامَ شاعرةٍ صوفيّةِ الهوى، تفردُ حروفَها بإيحاءٍ عشقيٍّ مُتفرّدٍ حيث تقولُ: أَمْطِرِينِي.. وَلْيَحْمِلِ النَّاسُ الْمِظَلَّاتِ/ فَلَا نَظَلُّ مُبَلَّلَيْنِ/ عَلَى نَاصِيَةِ رِيحٍ.. بِلَا مَصَابِيح!

مثلها نشتاقُ ونبحثُ في نواصي الريح عن ومضةِ مصباحٍ، يُنيرُ دروبَنا المعتمةَ الغارقة بظلمةِ واقعِها: وَحَقّ جَمَالِكِ/ خَفْقِي.. مَكْتُومٌ أَجَلُهُ/ يَحْبُو عِشْقًا/ عَلَى دُرُوبِ تَوَحُّدٍ.. يُعَوِّلُ عَلَيْكِ!

على دروبِ التّائهينَ في هذا الوطن الحزين ننتظرُ ساعةَ ميلادٍ، ولحظة مَخاضٍ لحُلمِنا الموعودِ، وفي تَعدُّدِ الما وراء تكمُنُ جماليّةُ المعاني: كَرِيحٍ.. تَنْثُرِينَ الشَّهْوَةَ هَسيسَ نَشْوَةٍ/ في أَعْــمَــاقِــي/ وَقَدُّكِ.. يَجْلِبُ لِيَ الْمَطَرَ/ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ فَجٍّ!/ دُونَ نُضُوبٍ.. تَسْفُكُنِي ذَاكِرَتِي/ عَلَى مَسَامَاتِ احْتِرَاقِي/ وَأَظَلُّ فَضَاءَكِ الْمُشَرَّعَ.. عَلَى قَيْدِ الاشْتِعَالِ!

كريحٍ تنتثرُ الشهوةُ هسيسَ نشوةٍ في تَعدُّدِ مَراميها وسِرُّ بلاغتِها، حينَ تُجسّدُ عشقَها ما بينَ ذكورةِ الوطنِ وأنوثةِ العِشق إلى حدِّ الاشتعالِ، فتخطُّهُ لغةً مِن أدراج العاشقين؛ نشوة، هسيس، اشتعال، شموع!

لغةٌ مُترعةٌ تضمخُ بأبعادها السماويّةِ، وإن كانتْ يابسةً سماواتُها، وحتّى صرختُها الدالّةُ والمدلولةُ (في عبيرِ نهْدَيْكِ أسوحُ)، ونمضي إلى نهدَيْنِ في جسدٍ لكن لا يَلتقيانِ، يَجمعُهما جسدُ الوطنِ الجريحِ، فأراها الضفّة الغربيّة وغزّة المُطوّقة، لكن لن يَتلاشى الجسدُ: سَمَاوَاتِي الْمُضِيئَةُ.. انْطَفَأَتْ مُنْذُ.. أَلْفَ عامٍ.. وَغَيْمَةٍ وَمَا انْفَكَّتْ سُحُبِي.. تَتَحَجَّبُ خِشْيَةَ الصَّوَاعِقِ وَالنّكَسِاتِ! دَعِينِي.. أَكْمِشُ بَعْضَ بُرُوقِكِ واُغْمُرِينِي.. بِحَفْنَةٍ مِنْ كَلِمَاتِكِ لِأَبْقَى.. عَلَى قَيْدِ الْبَرْقِ!

عندَ هذهِ الخلاصةِ نقفُ، لنرى الشاعرةَ آمال عوّاد رضوان تضعُ النقاطَ على حروفِها الجوْعى للضّوءِ ولبذورِ الأمل، وقد شاغلتْنا بعِشقِها ومَلامحِهِ السّماويّةِ المُتسامية، حيثُ ترسمُ مَراحلَ تدَرُّجِها الواعي عبرَ ألفَ عامٍ وغيمة، والغيومُ ما انفكّتْ كما سلاسلُ القيدِ حلقاتٍ مِن غيرِ انفصام، فعن أيّةِ صواعقَ وعن أيّةِ نكساتٍ توحي لنا، ونحن الذين معَها نُعايشُها ونعايشُ الوطنَ ولم نزلْ، مِن نكسةٍ إلى وكسةٍ، ومِن خيبةٍ إلى مليون خيبةٍ تختصرُ حدّةَ المسافاتِ، لتقطعَ الشّكَّ باليقين، وترسمَ لنا مَرامي الكلمات!

 

فاطمة ذياب

 

 

الوعي بالعري سبيل إلى الغواية

شكلت القصة القصيرة غواية عند عشاقها، حيث أسرت الكثير من المبدعين وأغرتهم بركوب مغامرة الكتابة القصصية، وذلك لأهميتها في التشخيص والتجسيد أي تشخيص ظواهر اجتماعية أو إنسانية عامة، حيث تتيح لكاتبها من جهة إبداء رأيه وموقفه في تلك الظواهر، وتتيح للقارئ من جهة ثانية فسحة التأمل فيها والاستمتاع بجمالية التشخيص عبر آليات السرد أو إواليات الإخراج السردي لتلك الموضوعات .غير أن هذه الغواية لا تعني أن الكتابة القصصية سهلة ويسيرة، بل هي مغامرة محفوفة بكثير من المزالق، مما يفيد أن هناك كتابا نجحوا فعلا في هذه المغامرة وآخرين لم يكونوا في الموعد ومن بين النصوص القصصية التي مارست غوايتها قصة " اشتهاء" للكاتب المصري أحمد السروجي1

 

المتن:

يحتويني ذلك الحضور الأنثوي الطاغي، ويستعصي على الإفلات من مجاله الجاذبي. أنوثة لا يحد من طغيانها سوى ذلك النائم على ركبتيها، تهدهده بينما هي شاردة عبر نافذة الترام، أختلس إليها النظرات متأملا ملامحها الأنثوية المثيرة والرقيقة تماما ثم أهرب بنظراتي حينما تنزع نفسها من النافذة إثر حراك الصغير،محاولة إعادة السكينة التي فارقته، وللحظات يستحوذ على انتباهي: يفرك قدميه ثم يتقمصه عفريت لتشارك الأيدي مع الأقدام في معركة وهمية يضرب فيها خبط عشواء بين الهواء وجسدها فيطيح بزر قميصها الأعلى فيكشف عن ثدي بلون الحليب، يشعل جذوة انتباهي .

يكتسي وجهها لون الدم، وهي تنحني لالتقاط الزر المخلوع بينما عيناي تخترقان هذا الجزء المكشوف والذي سرعان ما تمتد يدها لتغلقه بضم قميصها من أعلى . أتأجج أنا، فتبدأ مباراة في غاية الإثارة بين محاولاتي المتلصصة لاقتناص نظرة وتصميمها الحديدي على ألا تسمح بها.فتضم بإحكام طرفي قميصها من أعلى بيد بينما اليد الأخرى تمسك بالصغير وتنشغل هي باللعبة الدائرة بيننا. في حين الصغير يواصل الحراك على حجرها فيتزحزح قليلا قليلا، حتى يقترب من حافة ركبتيها فتمتد يدها بسرعة عجيبة لتعيده إلى مكانه ثم بذات السرعة تعود لتمسك بطرفي قميصها . واكون انا قد اقتنصت نظرة بينما يصطبغ وجهها الحليبي بلون الدم .

أغوص مستمتعا إلى أقصى حد في حرارة اللعبة ويتوهج اشتهائي أكثر فأكثر مع كل نظرة اقتنصها من ثديها الرائع فينطلق خيالي ليستكمل صورته، ثم يتخذ ذلك منطلقا لما أبعد .ولكنه فجأة يطلق عقيرته ببكاء حاد متواصل ليحيل اللعبة إلى توتر أخاذ يزداد مع تدفق صراخه، بينما هي تحاول تهدئته بأرجحة ركبتيها ولكن اللعين لا يستجيب ويستمر في بكاء متصل لا تغني معه الهدهدة ولا صوتها الرقيق يناجيه . فتخرج ثديها بتلقائية وبساطة لتضعه رفق في فمه الصغير بينما تنطفئ جذوة اشتهائي بشكل فجائي وحاد .  خالد السروجي : اشتهاء (قصة) منتديات مجلة اقلام .

www.aklaam.net www.aklaam.net

تتخذ القصة من الاشتهاء كرغبة أو لذة موضوعها، حيث يحكي السارد من خلال ضمير المتكلم كيف تولد لديه اشتهاء جسد امرأة وكيف حاول الاستجابة له وماذا ترتب عن ذلك ....

و الاشتهاء إحساس يتخذ مسارا عند صاحبه، أي أنه ينتقل به من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وذلك حسب السياق المولد له، لأنه لا ينبعث من تلقاء نفسه وإن كان كامنا في الذات فهو يشترط ذاتا أخرى للتجلي والتحقق وظروفا يتولد فيها أي ينبعث وينمو او يموت ويقبر .

إن فعل الاشتهاء يتركب من العناصر التالية : الذات التي تشتهي، ثم الموضوع المشتهى وأخيرا الوسائط التي تقرب أو تبعد، تفصل أو توصل بين المشتهي والمشتهى . جاء في التنزيل " ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم " أي الجنة كجزاء في العالم الأخروي جزاء عن الأعمال في العالم الدنيوي . والاشتهاء الرغبة والنزوع أو اشتداد الرغبة في الشيء. وينقسم الاشتهاء بالنظر إلى مصدره إلى اشتهاء إرادي واشتهاء قدري، الأول يكون برغبة الذات المشتهية وتكون واعية به ومتحمسة له وساعية إليه، بينما في النمط الثاني، الاشتهاء قدر وقضاء أي سلطة أكبر من الذات الراغبة وبالتالي لا يسعها إلا التنفيذ والاستجابة .

يضاف إلى الذات المشتهية والموضوع المشتهى الوسائط أو المحمولات التي تحمل بذور الاشتهاء والتلذذ ومن بين ما يمنح الاشتهاء خصوصيته وميزته: الموضوع المشتهى، فقد يكون ماديا أو معنويا، واقعيا أومتخيلا، يتعلق بالإنساني أو غيرالإنساني، قد يكون مباحا مسموحا به أو مكروها محرما، وبالتالي فعملية الاشتهاء عملية مركبة تتحكم فيها أكثر من جهة، إن على مستوى الانبعاث أو الهدف أو الكيف والصيغة التي تتم بها الاستجابة.

ومن بين أكثر الموضوعات ارتباطا بالشهوة المرأة، حيث هي الموضوع الأكثر إثارة لذلك، وهذا الأمر يقترن في جوهره بالسلوك الجنسي عند الإنسان ن وربما نفس الأمر عند الحيوان . إن السلوك الجنسي غير محصور في الفعل الآلي العملي بين الذكر والأنثى وما يترتب على ذلك من آثار نفسية وعضوية واجتماعية، بل أكثر من ذلك بكثير حيث هذا الفعل أو السلوك يخضع لآليات تنظيمية وإجراءات تربوية تهذيبية تخرجه من الحالة الطبيعية الحيوانية إلى حالة ثقافية . وهذا السلوك مثلما يكون في مستوى الاعتدال قد يكون في مستوى الانحراف أو الشذوذ .

إن الاشتهاء كرغبة تتحقق عبر سيرورة أو مسار يمكن تخيله وبالتالي سرده داخل نصوص شعرية أو سردية أو مسرحية ....فكيف تحقق الاشتهاء في النص؟ وما هو موضوعه ؟ وماذا ترتب عنه؟

 

تسريد الاشتهاء:

يشكل جسد النص القصصي من بدايته إلى نهايته مسار الاشتهاء، حيث يحكي ذلك عبر متواليات سردية تتوالد انطلاقا من نواة أو وضعية جاءت كالتالي :

بداية الاشتهاء أو ميلاد الشهوة

غمرة الاشتهاء

فتور الشتهاء

لقد بدا النص بتلصص السارد على المرأة المقابلة له، حيث بين الفينة والأخرى يقطف بعينه بعض الثمار من شجرة الشهوة الماثلة قبالته، غير أن ذلك يتم في غفلة من المرأة وعندما تشعر بتلصصه تبدأ في الممانعة لحماية جسدها. غير أن المتلصص يتابع اقتناص وقطاف ثمار اللذة متخيلا أنها استجابت له وحقق بذلك انتصارا على ممانعتها ورفضها، لكن الالتذاذ يتقطع بسبب صراخ الطفل باعتباره معيقا أو منافسا، وتستمر المناورة بين المشتهي والمرأة خاصة بعد أن انفرج قميصها عن تديها فكان ذلك فرصة للمتلصص أن يبلغ اشتهاؤه ذروته . لقد حارت المرأة بين ستر ثديها ومده لرضيعها،إذ في الستر حماية لجسدها، ومنع للمعتدي عليها، غير أن صراخ الرغبة في الثدي الصادر من جهتين مختلفتين : جهة المتلصص وجهة الرضيع جعل مهمتها صعبة لتختار في النهاية حلا ربما يسكت الصراخين معا: صراخ الرضيع وصراخ المتلصص اليافع الراشد.لقد اختارت أن تمد ثديها للرضيع فتسكت الصراخين معا .و هذا ما شكل لحظة النهاية أي فتور الاشتهاء.

 

الاشتهاء والاستيهام:

الاشتهاء فعل قصدي، تتحقق قصديته بقوة الموضوع أو المثير أي قوة الحافز والباعث على اللذة، ويكشف ذلك نوعية التخطيط والاستراتيجية المتبعة لتحقيق ذلك . إن الحضور الأنثوي كما ورد على لسان السارد هو الموضوع المثير وأنوثة المرأة متعددة المصادر فقد تكون عائدة إلى جسدها أو لباسها أو هما معا أو هيأتها مثل الزينة التي تظهر عليها. إن الأنوثة مجال جذب وتأثير أو غواية ينفذ إليه المتلصص وينفلت منه، لكن ذروة الانشداد إلى هذا العالم عندما انفلت تدي المرأة من مكانه أو من مشده،و ما ترتب عنه من انفعال المرأة من جهة وانفعال المتلصص من جهة ثانية، وانفعال المرأة انفعال المفضوح أمره المكشوف سره، وكأن كل عورة المرأة في التدي .

إن لعبة التلصص تكمن في سرقة واختلاس للشهوة أو اللذة من موضوعها اي من صاحبها في حالة التجربة الإنسانية .و الإشباع أو الاستجابة لذلك الاشتهاء يقتضي المشاركة والتفاعل البيني أي الذكر والأنثى وهذا هو الوضع الطبيعي، لكن من الممكن تتم من طرف واحد، وهذا ما تم في النص، حيث استعان السارد بخياله واستيهاماته في تحقيق اشتهائه .

لقد انبنى النص سرديا عبر تعارض برنامجين سرديين :

برنامج الإقبال : تحقق الإقبال من طرف المتلصص من خلال جملة من الخطوات مثل :

- أختلس إليها النظرات متأملا ملامحها الأنثوية المثيرة ...ثم أهرب

- يطيح بزر قميصها الأعلى فينكشف عن ثدي بلون الحليب يشعل جذوة انتباهي

- أتأجج أنا ...فتبدأ مباراة في غاية الإثارة

- محاولاتي المتلصصة لاقتناص نظرة

- وأكون أنا قد اقتنصت نظرة

- أغوص مستمتعا إلى أقصى حد في حرارة اللعبة ويتوهج اشتهائي ...

- مع كل نظرة أقتنصها من ثديها الرائع فينطلق خيالي ليستكمل صورته ..

إن برنامج الإقبال لدى المتلصص يقوم على التقدم والتوغل كلما شعر بأنه اقترب من موضوعه أو اقتنص منه ما يستجيب لإحساسه ورغبته .

 

برنامج الامتناع:

بدأ برنامج المرأة في الامتناع منذ أن وعت بأن المتلصص يسرق منها شيئا ثمينا ليس من حقه ودون استشارة منها أو رضاها، وقد بدأ الامتناع عفويا وخاصة عندما تغير من وضعيتها " تنزع نفسها من النافذة "و يصبح الامتناع استراتيجية دفاعية عندما سقط زر قميصها وكشف عن ثدي بلون الحليب :

- يكتسي وجهها لون الدم وهي تنحني لالتقاط الزر المخلوع

- تمتد يدها لتغلقه بضم قميصها من أعلى

- تصميمها الحديدي ...فتضم بإحكام طفي قميصها من أعلى

- تمتد يدها بسرعة عميقة لتعيده إلى مكانه ثم بذات السرعة تعود لتمسك بطرفي قميصها

إذن بين الاقتناص والاحتماء أو الامتناع، وبين الهجوم والهروب، وبين الإقبال والإدبار،بين الحصار والانفلات ....تتغير وتيرة الاشتهاء وتمتد ذبذباته، وما يسمح له بذلك هو ضراوة السلاح المعتمد في هذه اللعبة :العين والخيال أو الاستيهام لدى المتلصص

 

الاشتهاء بين الشحن والتفريغ

أكدت التجربة الإنسانية وخاصة فيما يخص السلوك الجنسي، أن في الجسد مكامن الفتنة والغواية مثل الصوت والرائحة والحركة والنظرة أو الأعضاء واللباس أو العري ... ومن بين أكثر الأعضاء إثارة وبعثا للاشتهاء الجنسي : النهد وهو أداة قديمة للإثارة والإظها، والكاتئن الإنساني هو الوحيد الذي له وعي بهذا الفعل فيمارسه كطقوس وشعائر ويحتفل به، في حين الحيوان يمارس رغباتهمع شريكه بالغريزة .

إن الجسد الإنساني حامل للرغبة ومنظم لها ورقيب عليها وهذه ميزته وخاصيته، غير أن الرغبة قد تنفلت أو تخرج عن إطارها وحدها الطبيعي فتقمع أو تكبت أو تمارس في غير إطارها .

إن العين هنا في النص هي رائد المتلصص ومستكشف فضاء الأنوثة، والعين تشبه المحارب الذي يتقدم بهدف اكتشاف منطقة العدو أو ميدان الصراع وقد كان النهد المكان المستعصي أو المستغلق، لكن بانفلاته أصبح في مرمى القناص/ العدو (العين) فكان في مرمى سهامه وأولى ضحاياه وتلك بداية انهيار مملكة المرأة .

العين تحمل رسائل الرغبة وتبحث عن موضوعها، أي ما يعمل على تفريغ شحنات الشهوة واللذة، وقد كشف السارد عن تلك الحمولة من الاشتهاء:

- يشعل جذوة انتباهي ...

- أتأجج أنا ....

- أغوص مستمتعا إلى أقصى حد ....

يتوهج اشتهائي ....

- يستكمل صورته .....

تكشف هذه المقاطع عن المسار الذي يقطعه الاشتهاء بين مرحلتين متتاليتين: مرحلة الشحن ثم مرحلة التفريغ، وبالتالي فقد كانت لعبة التلصص تمتد من الارتياد أي البحث عن مكان للصيد ثم الهجوم والمحاصرة ثانيا هذا من جهة المتلصص .

العثور على الموضوع لحظة الاستكشاف أو الريادة تضاعف من شحن الشهوة الكامنة في الجسد، وقد تحقق ذلك بواسطة العين. وبقدر ما تشحن الجسد وترفع فيه منسوب الرغبة تعمل على تفريغها. فالعين تحمل الشهوة من عوالم مظلمة جوانية إلى عوالم خارجية ظاهرية، وتخترق بواسطة الاشتهاء والاستيهام والخيال الموضوع المشتهى فتعمل على استهلاكه والاستمتاع به.

بالعين يقتنص المتلصص ويجني ثمار اللذة وبالعين يشحن الرغبات ويفرغها ....

 

د. المصطفى سلام

..................

- أحمد السروجي كاتب مصري من مواليد 1964 بمصر، من كتاباته : الصوت المعدني (قصص) وزهرة الدم (قصص) ثم طقوس الاحتضار( رواية ) والشطرنجي (رواية) .....نال عدة جوائز في مسابقات كثيرة وينشر أعماله في كثير من المواقع الإلكترونية .

 

سناء الحافي حورية المنافي .. كيف تسللت الى المنفى الشعري بين الالم والذات الشعرية

nema alsodaniفي الشعر العربي اليوم الكثير من الشواعر اللواتي يكتبن الشعر باساليب وطرق متعددة،،ولاهمية الجانب المعرفي والنقدي  لشاعرية النص وجماليته وهو ينتشر بمساحات واسعة على الانترنيت وايضا في المطبوع الورقي، ولان النص يبقى يحمل معه تطبيقاته وافتراضاته بالرغم من وجود او انعدام الذائقة الشعرية ..وكما نعلم ايضا ان الشعر هو كالشراب اللذيذ نتمتع به حينما نتذوقه،لكننا لانعرف تكويناته، فالشعر هو غموض والشاعر لابد وان يحتاج الى هدوء وسكون امام اسراره الشاعرية كي يستطيع ان يقد لذة البوح المنتظرة لدى القاريء.. .

كما ان الناقد بعض الاحيان يحاول الوصول الى باب المعبد ولكن لايدخل لاسباب قد تمنعه، لان النقد ايضا عملية بناء وشرح وجهة نظر ايجابية، حتى لو كانت هناك قسوة، لكنها قسوة بانية، لبناء النص وتقويمة من خلال الملاحظات الفنية ! كما نقول عن طريقة البناء المعماري لشكل النص فهو مهم جدا كي يتناسب مع المضمون الذي يشكل بفكرته خارطة طريق لرسم افكار الشاعرة او الشاعر !

كان القمر الأخضر حين التقينا،

مشرّدا

و رحم الحزن انشقّ

ليلد عشقنا المستعار،

حتى ضاعت سذاجتي

بين أوراق ربيعٍ

أحمر الرداء،

فراقصت الزهر مع المطر البريء

لأغتسل بطهر الفصول

و أنت

على خاصرة العشق،

تسترق مني أشتال البقاء ....

 

 سناء الحافي .. شاعرة من طراز خاص ..

 دخلت المعترك السياسي في بداية حياتها العملية بقضية مهمة تتعلق بوطنها،فكتبت المقال السياسي، ومن ثم ابتعدت عنه لفترة طويلة بسبب المضايقات التي واجهتها في بداية التوجه السياسي لها .

 لها ايمان خاص بقضية وطنها فيما يتعلق بالصحراء المغربية .. هذا الايمان كان له الاثر الكبير والبالغ في العديد من أعمالها الأدبية بشكل عام والشعرية بشكل خاص .

 فقد عبرت عن موقفها هذا في المحافل العربية التي قامت بحضورها وتسليط الضوء على أهمية القضية ....

شاركت في مؤتمر الجمعية المغربية للصحراء والتضامن في سنة 2012 الذي اقيم في مدينة مراكش المغربية وكانت رفقة وجوه اعلامية وادبية كبيرة.

من مؤلفاتها ثلاثة مجاميع شعرية (شمس النساء) (غواية امرأة) و(حورية المنافي) الذي كشفت لنا به عن طاقات جديدة متنوعة بالكتابة فهي تتفرد بهذه المجموعة لكونها شاعرة مختلفة حيث تجمع فيها كل أوجاعها وآلامها التي خاضتها معبرة عنها في قصائد تتباين بين العمودي والحر والمنثور.

الصدفة قادتني الى ان اضع نفسي امام شاعرة مركبة المزاح والروح والنفس ..قادتني بشغف ولذة الى طريق الاطلاع على منجزها الشعري الذي يحتوي على مؤلفاتها الشعرية الثلاثة :

 (شمس النساء) (غواية امرأة) و(حورية المنافي)،،،

حورية المنافي مجموعة شعرية مهمة جدا كشفت لنا به الشاعرة العربية عن طاقات جديدة متنوعة بالكتابة فهي تتفرد بهذه المجموعة لكونها شاعرة مختلفة حيث تجمع فيها كل أوجاعها وآلامها التي خاضتها معبرة عنها في قصائد تتباين بين العمودي والحر والمنثور.

 صوت وصدى تاتى من تراكمات حياتية،، صوت الذات العاري الوحيد الذي يتبع اثار اليتم ويسير نحوها صور تتناسل باشكال النثر قصيدة نثر او بالشعر العمودي اشكال كتابيه فنية مختلفة كلها تعبر عن الالم ودرجات القساوة التي اكتنزت هذه التجربة للشاعرة المغربية سناء الحافي !! في عالم ينتمي الى القصيدة ولتهويمات الشاعرة التي تتوارى خلف جدران نصوصها تارة ومختبئة في واحة في قلب الصحراء تحيطها اربعة جبال كسور تنهض كفراشة حول غديرها تحلق لتمتص رحيق الازهار . حالمة .بالامل والحب،، وسرعان ما تجد نفسها في عمق الرمال الجاثمة على صدرها وكانها في حدائق الفردوس المفقود، تلثم اعناق الحب بسيف قلمها لتعلن حربا ضد المنافي التي عاشتها وهي لم تزل حورية !

في هذه المجموعة الشعرية ايضا (حورية المنافى) نجد من المستوى الخاص لجمالية الصورة الشعرية من حيث الايقاع والموسيقا والارتباط والتوازن بلون اللغة وادواتها كانها لوحة فنية تشكيلية !!وانت تقرأ تجد نفسك امام ومضات تُصبُ عبر انفعالات وجدانية للروح للحب سيد الاشياء تعبر وتسطر ما يخرج عن جوانيات الشاعرة المكلومة بالالم والحرمان العاطفي والاجتماعي  والحنين .. انها تبوح بكل قوة وشجاعة لحب قد افضى مهزلة :

آهٍ مـــــــــــن الحب آهٍ من عـــــــــــمائله

لقـــــــــد تمـــــكن من قلـــــــــبي فأوهاني

أذعـــــــــــتُ حبا حرصت الـــدهر أكتمهُ

والـــــــــــــيوم أفــــــــــشيهِ يا حبا تولاني

لا ســـــــــــامحَ الحب، أفضى بي لمهزلةٍ

فــــــــــيا تــــــرى ما الذي بالحب أعماني

دمــــــــــــعي يسح عـــــلى الخدين منهمرا

فالعـــــــــين بحري وســــاح الخد شطآني

في اللغة والصور الشعرية نجدها تعتمد في كتاباتها على حالة الوعي واللاوعي التمرد والتحديق من خلال هذه اللغة في اسلوبها وشكلها حينما تسمعها مع نفسك بصوتها الداخلي تشنف اذانك اليها !!!

هذه التجربة الشعرية تعتمد على وجدان صادق مفعم بالفكرة والفلسفة الخاصة بها، منطلقة من عبارات الذات والايحاء والايماءات من خلف سلالم الموسيقا الداخلية للنص منسجمة مع خيالها والواقع المؤلم !! فنرى المواقف الفكرية التي تنبثق من حياتها التي عاشتها بين الشرق والغرب العربي من المغرب حتى الاردن والعراق والكويت والسودان وغانا !!! لغة شعرية ذات مستوى متطور وظفتها بشكل صحيح، عميقة في الغوص في النص لاصطياد اللؤلوء من الدرر للمعنى الجمالي للصورة كي تكتمل لها نظرتها بالقيمة والاختزال الشعري الذي يفسر لنا الصورة حيث تبث في اي عتبة من عتبات النص وفضاءاته المتعددة !!!

شاعرة تقف امام الاستلاب الروحي والماساة بالرغم من الانقلابات العديدة في حياتها لكنها قوية وناعمة كالحرير،، تعبر عن رغبة الجسد الذي لاينيء! تكتب الوجع الحقيقي على شكل نص ادبي رصين لكل حالة عشق تمر بها،فالوطن،والحبيب والاهل كلهم عتبات مهمة داخل فضاء النص !!

 رصيد كبير في حروف هذه الشاعرة تتناثر على حال لسانها وهي مفجوعة بالاسى والحمى !! حمى الوداع والفراق والوطن !

 

يا وطن المجد،

و لا أدري

لما أخجل من حبري

فقد أقمت عليه في الغياب

ألف حدِّ،

كما ترى يا وطني

لا أقوى على الابحار،

فقد ذبلت بالخوف اشرعتي

و صنعت شراعا من كفني

لأبدأ رحلتي اليك

و أسارع بين المدّ والجزر

حقّ الشوق واللحد

سناء الحافي شاعرة من المغرب .. تستحق التوقف لقراءة افكارها التي تنطلق من الواقع والخيال، من البساطة وجزالة القول في المعنى واللغة، انها سهل ممتنع، تصنع انموذجا شعريا جديدا غير مكرر، يشكل نصا بصريا حين تتامله العين !

لغتها الشعرية مليئة بالالم والشجن والحزن فيها غربة الروح وغربة الوطن، المكان والزمان والعلاقات والعادات،كلها محطات ثقيلة على نفسها، لكنها كورد شقائق النعمان ينبت ثم يخرج من بين الحجر والصخر مفعما باللون والعطر، تخرج متاملة والفرح يكتنز قلبها، وعيونها مبتسمة، انها تعبر عن زوايا غربتها المتعددة،تحمل حكايا وقصص فيها البوح والمجهول والتاويل .

الشاعرة عبارة عن حكايات سبرت غور النص الابداعي وتحدثت بمنطق الشعر الصادق العفيف هذا المنطق الذي تراه في قاع المجموعة الشعرية يمتد على جسد كل النصوص المتسلسلة في الالم والماساة، والمترتبة بالايقاع والموسيقا التي تنعش كل ذاكرة لكل رحال فينا وغريب او عاش غربة ما في حياته حتى لو كانت في وطنه وما اقساها !!!!!

 تكتب والجمال يتسيد روح القصيدة،وتفتح لنا نافذة على الحياة حتى تزاحم الشعر نفسه ! الابعاد الانسانية والفنية هي خليط تلك الارواح التي تتشبث في الامساك بتلابيب الحبيب الغائب والوطن البعيد .

 

 تشابك العلاقات الداخلية للنص الشعري وظاهرة الانزياح :

قصائد مكتنزة تحمل في عتباتها المتنوعة الجميلة في الاختيار بدءا من عنوان القصيدة الى اخر كلمة او نقطة او فارزة فيها كما يشير ذلك  على مستوى النص المفتوح عبر ذلك التوتر العاطفي التي تشتعل به الشاعرة يتوضح لنا على مستوى المضمون والبناء الدرامي للنص منذ نقطة الشروع الى تطورالصراع المستمر بينها وبين ماتكتب على الورق هذا ينطلق من تجليات نفس الشاعرة وجوانيتها المليئة بالحزن بصورة بالغة الاثر، وبالمقابل تحركها فلسفة من التناقضات بين الفرح والسعادة والحزن والتعاسة تمتد على جسد المجموعة الشعرية هذه (حورية المنافي) ومن عنوانها الواضح جمال يتمثل في الحورية والالم يعتصر المنافي !!

ان الاسلوب الذي تكتب به الشاعرة سناء يقودنا الى مستويات متعددة بين التركيبي والدلالي والايقاعي ضمن عملية الانزياح في كسر الرتابة المالوفة ومن ثم الكشف عن الذات الشعرية وايضا الاشارة الى اوجه التاويل والغموض في النص .مما يجعل من القاريء ان يتخيل على راحته تلك المفردات التي غادرت والتي حلت بديلا عنها دلالات محذوفة  يشعر بها القاريء في منأى عن الشاعرة لانها تعمل على ناصية الشعرية والايجاز، وايضا راينا عملية انتاج دلالات جديدة في كسر الزمن والكتابة باتجاه حياة جديدة والابتعاد عن الماضي من اجل تغيير واقع الحال ! ولم نرى اسلوب انشائي في مدلولها الشعري على العكس كان هناك تعميق في الصورة وتكثيفها  واستخدام لغة موفقة جدا واستعارات عديدة، فنجد بالقصائد ماهو حسي اكثر مما هو معنوي وبعض الاحيان محسوس فيه من الاستعارة،، هناك ترابط عضوي بين صور النص الشعري وهناك نظام يتضمن الربط في الجملة الشعرية وسواها كما هناك الابتكار والاثارة والجدية التي ميزت لغة الشاعرة سناء الحافي كما في هذا النص:

قدسية الطين

قدّيسة الطين، طهري يكتسي خجلا

فـــــي منتهى حنقي أو بــــدء زلاّتي

ويل لطبعي، ويـــا لي كيف أدفنني

فامـــنن عليّ أيا طــــوقا لمرسـاتي

فالقــــلب يأمرني أرنــــو لعاشقه

و النفس تأبى بأن أخطو بويلاتي

لكنما الهجر أردى بـــي وزهدنـي

عـــن الحبيب وعـــن كل الملذاتِ

 

وحقيقة اخرى لابد من التحدث عنها في مملكة الشاعرة سناء الحافي التي تثير فينا شهوة النص البصري والمشاكسات التي يخلقها النص للذات الغائبة والروح الملتهبة يعملان بشكل متناوب بين الملامة والفراق وبين العذاب واللقاء، تقودنا الى مراث ومرافيء حزينة ولكن في مناخات من نصوص متالقة بشجن محب يلامس اللوعة وتذهب بنا نحو الهم الروحي الانساني الذي يعبر عن نبض الحياة وتختزل المسافات بين المفردة والاخرى وتشكل لنا صورا ذات حركة مؤثرة، فافكارها تنتمي الى عالم الحلم البعيد الذي لم يتحقق بعد.

وكما في هذه المفردات التي تاخذ طابعا اخر ومعاني عديدة :

 

كما ترى يا وطني...

لا أقوى على الابحار،

فقد ذبلت بالخوف اشرعتي

و صنعت شراعا من كفني

لأبدأ رحلتي اليك...

و أسارع بين المدّ والجزر

حقّ الشوق واللحد...

فتسابق الطيور المرهقة ظلي

و أنت ....كالشهاب

تلهث وسط السماء

لتخيط ثيابي الرثّة بالودِّ

حتى يأتي اللقاء ولا يأتي...،

الآن أدركت ثورة الموج..

الآن قواربي تشرع في الغرق

الآن يا وطني

أوفيتك الوعد...

و هذي السماء المحتشمة

ليتها تصدّق وعدي!!!

 

الصمت .. والصوت ... والصدى .. والبوح .. الضجر .. رثاء الحال، اللوعة، والعشق .

الشاعرة مميزة في كتابتها، فلكل معنى لهذه الكلمات شكل اخر من اللغة لانها تبحث عن البديل في الغوص بروح المفردة لانتاج لغة اخرى لها مقارنة لتضعها على شكل دال ومدلول، تصنع لغة شعرية متقدة للقاريء الذي يتفاعل مع هذا الاتقاد، فنجد لها تفرد مميز في توصيل اشاراتها الصادقة عبر التاويل في شكل اللغة مضافا اليه الاحساس في الكلمة وكانها ترسم بالحروف لوحات فنية وصورا شعرية ملونة، تستخدم كل الوان اللغة والطبيعة ! في التجريد والسريالية منطلقة من الواقع والمحاكاة التي اعتصرت ذاكرتها، لذلك نجد القصيدة تسمو وتزهو بهذه العلاقات الداخلية حتى تلامس وجداننا ونتلمسها فتؤثر فينا ! ان الايقاع والمعنى الجمالي للنص يتركزفي البحث عن الحب واختلافاته عند سناء الحافي لوجود حيز كبير من التناقضات في ذات الشاعرة وما للغياب والمنفى من اثر بالغ، والبعد عن الموطن الاصلي، والحب، والحقيقة الضائعة، كل هذه العلاقات الداخلية تظهر لنا على سطح القصيدة :

أخبرني عن ضياع الالوان في عشقك

عن ذبول الظهيرة في أحضان النساء

لأعانق المدى بوصيّة

من خجلي

فترثيني لونا ..

 يهرب من ألواح المساء

 

توظيف اللغة في كتابة النص الشعري:

الغدر، العنوسة، الطوفان، الفزع، الطهارة، الطفولة، المرافيء، الحزن، الليل، الغربة، الهجران، الدمعة الرصاصة، عتبات الوطن، البكاء، الخجل، الارق، الشوق للضفة الاخرى الى اخره ....

كل هذه الصفات والافعال تشكل قاموس الشاعرة ولغتها . تدخل ضمن بناء القصيدة الدرامي حتى يكاد الينا ان نسمع انفاس كل كلمة عبر توظيفها الى اللغة بشكل مثير ...

انت لم تعلم بعد

ان جروحي مبتلة بالغدر

الاعوام تمضي

وانا كالعوانس

افتش عن ضلعي الايسر

حتى احتمي ببقايا وطن

لاشط فيه ولا مرفأ ...

 

تجربة تتمتع بصوت خاص !!!

ان العمل على توظيف اللغة في كتابة الشعر يلعب دورا مهما في ثقافة وكينونة الشاعرة سناء الحافي يعطينا دليل على قدرتها الفنية والموهبة الشعرية التي تتمتع بها لصياغات شعرية حديثة فيها من اللمعان والبريق والتالق حتى يسمو النص الى سموات عالية بفضاءات مؤثثة بروح الشاعرة ونبضات قلبها ! فمرة تحيلنا الى الدهشة والتلقائية والعفوية وتجمعنا حول مائدة لذة النص والصوت الشعري الذي يخترق كل المجموعة الشعرية الذي يدهشنا وهو يتدلى عموديا فتتحلق حوله كل المفردات من فرح والم كانها معزوفة موسيقية تسترخي وسط النص وتؤثر على المنظومة الحسية كلها فتجعلنا ان نصغي لها تماما ! بحب ووجل . وهذا يعود كله الى ادوات اللغة المتطورة التي تمتلكها كي تعمل على توازن في النص يشعرنا امام لغة متماسكة ورصينه !!!

 تعزف في لغتها الشعرية اللون والاغاني والموسيقا، لغتها تنبع من دواحلها كانها كالحرير ايضا فهي من جهة ناعمة في الوصف وفي تكوين جمالية للصورة وقوية بتحديها للزمن الذي لم ينصفها وهي تعيش المنافي ! توظيف طاقة اللغة يمتد بشكل متناسق ومتناغم في مسافات القصيدة المتراصة مع بعضها فلا تترك لنا ثغرة يتخلخل فيها النص !

الروح غريبة مثلي

تموج مع الموج القصير

لتقذفنا الى الوطن الحافي

وتعزف التيه على أرصفة العراء

حتى اخشع قرب الوميض الابيض

وتعلن بعفة الحداد .. الحان المقابر

اغثني ياوطن الحمى !

 

حينما نقترب من القصيدة، ونسمعها بصمت، سنرى اتجاه الروح للشاعرة ياخذنا الى ماجري من حولها من احداث مؤلمة فترمينا وسط ذلك الاشتباك، سنضطر الى ان نقف بجانبها ونعلن موقفا صريحا بذلك الدعم الانساني لما تعيشه من حالات ظلم وقسر والم . سنجد ايضا فيها تعبير عن رؤية شعرية صادقة تعتمد الجمال بالرغم من كل الالام والقساوة التي عبرت عنها في مجموعتها -- حورية المنافي --

لاشط فيه ولا مرفأ ...

 

تجربة تتمتع بصوت خاص !!!! النص المصور بين المرئي واللغة

ان الروعة في صناعة الشفرات والترميزات، لانها الاقرب الى حياة الشاعرة سناء، وهي تبصم لنفسها خصوصية كما هي جراحاتها وعذاباتها في المجموعات الشعرية التي قدمتها للقاريء !

فكتبت القصيدة العمودية باحترافية كبيرة وعالية حتى لقّبها البعض من النقاد والادباء بخنساء عصرها لما تتميز به عن بنات جنسها من فطنة وموهبة وجمال بالاضافة لمستوى ثقافتها ورقيّ تصرفاتها التي تنبأ الكثيرين بأنها سيدة مجتمع ترقى لخدمة رسالتها الأدبية والعملية وجعلها تدخل قلوب الاخرين دون استئذان حقا . ان مدلول تجربتها الشعرية مليء بالافتراق والتحام توديع ولقاؤ نصوص ثرية بمقياس الجمال والمعايير الحسية والسمعية منها والبصرية .وما يتعلق بين اللغة التصويرية من خلال النص المرئي النص البصري الذي رسم علامة مميزة في اعمال هذه الشاعرة المتفردة ! كما هنا في حنين الصبا :

 

أغِثني

يا زمن الصبى....

عُد بي للصمت الموصول

بطيش الصغار...

بلا صور ...

بلا رؤى....

حتى يصلي الوجع في جلال القدر المغادر

و تشيّعني على أكفّ الغباء،

بعدما شُدّ قلبك قسرا اليّ ...

و شاع اللحن في الروح

حتى غاب عنك المساء...

لترثيني ....

كالفجر الطريّ

و تسلب من جسمي المذاب

ظنونك في النساء !!

فتسقط منك أقنعة الألحان

بين المعابر

 

كما هو الحال في عالم القصيدة النثرية فقد صاغتها في قالب جديد ومغاير محتفظة بجمالية الصور الشعرية وايقاعها وغموضها وحين نقرأ لسناء الحافي نجد أن لها لغة خاصة لا يتقنها غيرها ولا يصل الى مستواها الا من يدرك قيمة القصيدة الأصيلة واللغة الرصينة وصوتها الخاص . من خلال الموسيقا التي تشكل لغة خاصة تصويرية فتجمع بين ماهو مرئي وما هو مكتوب مثلما تحدثنا سابقا عن الدال والمدلول بالفكرة وعلى اهمية الدال في الشعر.

 وفي خضم هذا الجمال الذي يصاحب الصورة والموسيقا واللغة في الكلمة والمعنى والاخلاق، فهي نبتة طيبة تعكسها للقاريء تعبر فيها صدق واخلاص لقضية الشعر !

 

شاعرة اصيلة تنطلق من خصائص وادراكات ومشاعر تتصارع بداخلها في التاثير والمؤثر مؤثرة تارة ومتاثرة تارة اخرى، عصامية النزعة قوية البأس بشخصيتها، توصلنا بلحظات مدركة بالحس الى نقطة الذروة وتجعلنا بين نقطتين العقل والعاطفة وهنا يكتمل الشعر بين الاحساس والمشاعر بصور مكتملة واخرى يكملها القاريء، انها نصوص خلقت للتفاعل الانساني !! خيالها، وعيها، الواقع الذي تعيشه، هذه المفردات تشكل لها فضاءات مهمة قد تغيب عنها العين ولاتنتجها، الا انها وبنظرتها الثاقبة ولامتلاكها البصر الحقيقي والداخلي كما هو الصوت الداخلي للنص نجد انفسنا امام خصائص شعرية لشاعرة متميزة وحرفية عالية !

ان التقنية والمعمار في كتابة القصيدة انما هو اتحاد مع كل العناصر الفنية وبالتالي نقف امام محصلة اعمال متعددة بمستويات مختلفه تتحكم بها لغة الشاعرة ذات قيمة جمالية، كما وانها تشكل علامة مضيئة وجديدة، فالمضمون والشكل متحدان غير منفصلان فكل حيز يكمل الاخر ويعملان على اساس انهما واحد !

ان تكثيف الفكرة ! اي فكرة يبعث الاحساس والانتماء الحقيقي للتعبير عن فلسفة الشاعر ووضعه الاجتماعي والعاطفي والاخلاقي من فرح وحزن  هو قاسم مشترك لطرفي المعادلة بين الشاعر والقاريء هو انتصار كبير للقصيدة ! حينما يتفق الطرفان على حب القصيدة !

 

المحاكاة وادراك التغيير في التحولات الشعرية في الحركة والفعل وذات الشاعرة:

ان متابعة دقيقة لجذر تطورات الحداثة في الشعر والذي يمتد الى عشرات السنين يجعلنا ان نرى ذلك التدفق الفني والاحساس والمشاعر في جمالية الصورة من خلال اعادة النظر في الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المجتمع العربي !! لذلك جاءت التحولات باتجاه استكمال الصور الرومانسية بالرغم من التناقضات في النص التي تاتي من تناقضات الافكار التي تعيشها الشاعرة سناء في مجتمعها المتقلب الاهواء! لذلك هذه التناقضات تجعل منها البحث عن افكار جديدة لتؤثر في القاريء من حيث الحركة والفعل داخل النص في اشتباك العلاقات الداخلية لتغيير المدركات الحسية له والتاثير عليها ومن ثم هي تعيد رسم القيم الشعرية الموروثه بصيغ جديدة وكانها تضع احساس كل قطعة شعرية بتاريخ معين وفي ازمان مختلفة وتحاكي المشاعر والقلب -- عاطفة وعقلا -- لتقدم لنا محاكاة شعرية جديدة متميزة ..وفي هذا الميدان نرى الشاعرة تبحث عن روح هذا الزمان في لغة شعرية مميزة تعيد النظر ببعض المفاهيم القديمة وتقدمها بصور جديدة تماشيا مع تطور الفكر والذهن البشري عن المستمع والقاريء  في آن واحد !

قـــد كـــاد يقتـلـنـي عـنــاء عـواطـفـي  انّــي اريـحـك مـــن تـوابـيـت الـعـبـر

ارحـل بـلا عـذرٍ كمـا ريـح الضّحـى  تـرثـي صحاريـنـا بلـحـنٍ مــن هــذَر

و اذا هفـت روحــي وراء مواسـمـي  ايــاك أن تنـسـى سـراديـب الـصـغـر

حيث المدى بينـي وبينـك قـد سـرى  والحلم مصلوبٌ علـى كتـف الشجـر

لـو ألـف عـامٍ عشـت مـولـى للـجـوى  الاَّ مـعـي قــد يرتـقـي فـيــك الـنـظـر

صبراً على جرح النسـاء ولـو أبـت  من صبرهـا شمسـاً تبـوح لهـا مطـر

يفـنـى بحـضـن عيونـهـا رجــلا بــلا  قلـبٍ ولا وطـنٍ ولا سعـف البشـر

لذلك نجد هذه المتغيرات في نصوص الشاعرة تقوم على نظرة التغيير في الحياة وايضا العيش مناهضة  التناقضات والفوضى التي تسود الحياة في كل المجالات ! وتقديم ما هو جميل واجمل .ومن ثم جاءت لنا باسلوب مختلف اثارته فينا ذهنيا وعاطفيا .وتشكل منطلق جديد في ادراك التغييرات الحركية والفعلية في ذات الشاعرة من حيث المضمون والشكل للنص .

كما واستطاعت عن ترسم لنا نصوصا شعرية فيها من الترميز واللغة واللفظ المتين ومعان كثيرة متغيرة وتاويلات  للصورة تساهم في تحرير شاعريتها من الكبت الاجتماعي التي وضعت فيه ومن ثم تدنو الى صحوة في الشعر تدعو فيها الى التغيير في اتجاهات الشعر بصريا .

شاعرة تحمل في افكارها الابداع ودور الشعر من خلال المحاكاة بشكل حقيقي وموضوعي وذاتي من خلال مخاطبة الذات البشرية التي تعاني من اضطرابات نفسيه عاطفيه غير بالية للخطوط الحمراء التي يضعها المجتمع امامها ! لان اساس ذلك هو اعتمادها على الاحساس والتفاعل بيها وبين الموضوع لان ما يقدم من محاكاة شعرية هو انعكاس للواقع التي تعيشه هي !! وهذا هو الاخطر لما يحصل للقاريء والمتذوق لانها تخاطبه بمشاعرها ولغتها وهي العارفة مقدما هي تشرك الذهن والعقل والعاطفة والحس  في عملية التذوف الفني هذه من خلال النصوص الشعرية التي جاءت في هذه المجموعة - حورية المنافي-.

أنين العشق

اليوم أشدو أنينا يا صديقاتي

كأنما الحب دربا للمذلاتِ !

أبيع نفسي وأشقيها، وأسحقها

فهل ترى النفس عندي من عدواتي؟

انصحنني إن ترين النصح ينفعني ....

لعل في النصح بشرى بالمسراتِ

تعبت والعشق يسري بي ويرجع بي ....

عبر الخيال فمّلتني خيالاتي

فحبه في شراييني يخالطني ....

وطيفهُ لم يزل يحيي لُيَيْلاتي

ولا يبارحني حتى ألامسه ....

حتى أرى فيه إيناساً لملهاتي

ولا أرى لذةً من دونهِ أبدا ....

كأنما هو في كل المسامات

أذلني حبه إني شغفت بهِ ....

فلا غنىً عنه في أتراب حالاتي

إن احترامي لذاتي لست أتركهٌ ....

وسوف أبقى عليها للنهايات

ان تفعيل الحركة والفعل يعمل على اثارة الذهن والحس  للقاريء وتساهم في عملية الابداع الفني بين الطرفين القاريء والشاعر . لانها حريصة على تصل الفكرة للقاريء كي يقول لها جميلة جدا هذه الصورة او تلك  !

على القاريء الذي يقراء الشاعرة سناء الحافي ان يكون واعيا شعريا وحسيا  وان يغوص باعمالها الشعرية حد القاع كي يجد جميع الوان الشعر المتناغم المتعدد من خلال التحدي والصرخة ضد ماهو غير واقعي وغير منطقي وهي تستخدم الاستعارات والرمز على المتناقضات والمتنافرات وايضا المتشابهات وهذا يجعل من القاريء ان يتابع بشكل مكثف لاهمية الصور الشعرية من حيث تكوينها لنظام رصين في البناء الشعري .

شاعرتنا هنا تجمع مابين الكلاسيكي للجمال برؤيا جديدة واقعية ليومنا هذا،منطلقة من ذاتها الشعرية ضمن سياقات الحياة التي تعيش فيها وتتحرك بداخلها،ومن هنا تاتي المتعة والتذوق لانه تملك دواخل جميلة في ذاتها بالاضافة الى الجمال هناك التامل وبراعتها كشاعرة متميزة !

هي كتلة من مشاعر دائمة فيها كالنهر الذي يجري من دون توقف وتفصح وتبوح عن وجودها الروحي  لتجسد النص صادقا حقيقيا من الناحية الشعورية والادراك . اخيرا لابد من القول ان الشاعرة حينما تنقلت في هذه المجموعة (حورية المنافي) بين الشعر العمودي والنثر، انما هي قدمت لنا مجموعة مختلفة عن مجاميعها الشعرية المتبقيه وفقد كمعت الامها واحزانها التي عاشتها ولم تزل محتفظة بلذة النص وجمالية الصورة الشعرية المفعمة بالايقاعات والتاويلات،حتى حينما يتداخل علينا بعض الغموض في لغتها الخاصة التي لايتعرف عليها الا من يدرك قيمة القصيدة ذات الاصول العربية بما فيها الى اللغة الرصينة والاسلوب المتميز .

لقد تجمعت في هذه المجموعة مواصفات تعكس لنا طبيعة روح الشاعرة من فطنة وموهبة وجمال وثقافة !بوماضيع انسانية وعاطفية وفكرية جستها لنا كبستان من الورد او كمسلة موسيقية فنية رائعة !

شاعرة تنطبق عليها معادلة تفكك الزمن فلسفيا ولغويا كانها تعيش في حالات من العبث اليومي  فسعت لنا بخلق مقاربات جديدة لتوصيف الحياة والحب والوطن والبحث عن ماهو جديد!

 

الناقد نعمة السوداني

هولندا -- بغداد

 

نملة يوسف ادريس

ali alsawadالراحل يوسف ادريس حاول في جزء من منجزه الادبي المهم ان يهتم بسيرة حياة الانسان العربي المقهور والمهمش، الذي لاصوت له ولا راي له بسبب ما ترتكبه بحقه الانظمة الدكتاتورية.فمثلا قصة الرجل والنملة التي تتحدث عن قهر السجون وعالمها المحجوب بالسواتر العالية المانعة لاي محاولة كشف او رصد لاي حالة اعتداء نفسية او جسدية على  اي سجين،قد اختطف من الشارع او من البيت او من موقع عمله، دون ان يعرف به احد حتى اقتيد بقوة الى سجون لاشرعية ولا اخلاقية. فقط اقيمت برغبة انتقامية لحاكم سياسي مختلس للسلطة. يريد استمرار حكمه الهمجي وبصرف النظر عن ظلمه للشعب.

 وبالتالي فأن السجون هي وسائل قمع وارهاب لتخويف الداعين بحقوقهم الوطنية، ولهذا فان الحاكم سيصرعلى اصدار الاوامر الى سجانيه الهمج والقساة كي يستهدفوا سجناء لاذنب لهم الا لانهم احتجوا على سياسة الحاكم،الذي استفرد بادارة بلدهم لسرقة احلامهم وثرواتهم.انه عالم السجون الخفي الذي يدار خلف جدران الزنازين المظلمة والرطبة والباردة من خلال زمرة افراد منزوعة من الاحساس الانساني،انهم زمرة من المشوهين الوقحين الذين لايترددون باتلاف شخصية السجين وسحقه بقسوة.

والعبث بمشاعره، والهتك العلني لكرامته واجباره على ممارسات قد تتجاوزغرائبية الخرافة والشذوذ،فاحد السجانيين يطلب من السجين الممارسة الجنسية مع (النملة) هكذا وباستخفاف علني والسجين قد ارتجف كل كيانه وذهل مما سمع، لكنه وبسرعة حاول ان يستعيد حضوره او ماتبقى له من بقايا لحضوره الذهني والنفسي كي يستوعب تداعيات وقاحة الطلب الغرائبي على حالته النفسية والمعنوية بشكل عام، ليتدبر الامر، او كيفية التعامل مع هكذا امنية بشعة، حتى ظل الصمت يقيده عن اي ردة فعل ممكن ان (توازيها في المقدار وتعاكسها في الاتجاه) كما قال:نيوتن،كتعويض ولو بسيط للرد على من فقد انسانيته.

 وتحول الى الة قمع وتعذيب وشذوذ كشذوذ هذا السجان الاجوف الذي ربما كان يعاني في وقتها من رغبة مؤخرته الملحة الى طعنات قضيب جامح يقذف فيها مادته الصمغية الساخنة والا كيف يطلب من ضحية لاتقوى على تحريك اطرافها الاربعة؟ بسبب التعذيب الذي تعرضت له والتجويع المستمر ولهذا هي في حالة سيئة جدا على صعيد النفسي والجسدي، فبعد كل هذا الضعف العام للضحية،فكيف لها ان تقوى على تحريك غريزتها او  تفعيل قضيب والقضيب هو كعضو حساس؟ لايمكنه ان يستجيب لتدفق الدم في شراينه في مثل هكذا اجواء مليئة بالالم والخوف والاذلال . 

فكيف تتم المضاجعة مع نملة كما يريد السجان؟ الذي لم يقل او يخبر السجين كيف عرف هو بالتحديد انها انثى.؟! الا انه غير معني بحالتها وهذا الاحتمال يبقى هو الاقوى اي سواء كانت انثى او ذكر، ولكن مثل هذه الحالة من حق السجين ان يستغل هذه الثغرة كي يستفيد هو منها ليطالب السجان دون تردد بتحديد نوع جنس النملة كمحاولة  ليثنيه او اضعافه ولو بالسؤال المباغت له لربما يترك طلبه الشيطاني في حال اذا ما فشل واكيد انه سيفشل في تحديد جنس نملته لانه لايملك مختبرا ولا هو متخصص في علم الحشرات وبالتالي قد يتراجع ويعفي السجين سيء الحظ الذي تذكر ايضا محنة تلك القملة التي تعرضت للاغتصاب لثلاث ليالي على التوالي.

 فهي ايضا لم يحدد جنسها لان مالدرور لم يذكر كيف عرف انها انثى؟ ولكننا نعرف انه قد ضاجعها والاكيد ان مالدرور ليس مثليا،انها قملة مالدرور المتفرد بنرجسيته والمتفرد ايضا بروحه الفائرة بخرابها والالامها القاسية. ان مالدرور خلاصة حياته هي ابداعاته الخاصة  في اناشيده المذهلة في لغتها الجريئة والفاحشة في صورها ورموزها واجوائها المثيرة للكابة والقلق. التي اخترقت واستوعبت كل شيء في عالم الوجود المحسوس واللامحسوس انها عبقرية مالدرور المتفرد في كتابة النص الابداعي الذي انجزه في بداية عمره المبكر ورحل. بينما سجاننا يجتر بتفاهة تكرار طلبه مرة اخرى على السجين المكوم على الارض.

 بسبب وهن حالته الصحية السيئة ورغم ذلك فهو ملزم ان ينفذ الامر واذا لم يستجب فأن نوبات التعذيب ستستمر وباكثر قسوة عن مامضى وبالتالي هو الان عليه ان ينسى،لانه ليس كما كان قبل الطلب، اي انه كسجين كان يحتفظ بالاقل مما تبقى له من كرامته.ولكن بعد الطلب الفضائحي فانه قد تحول الى كائن يعاني من تدهور حالته النفسية وهي الاخطر في كل سنوات سجنه لانها ماساة سجين عليه ان يضاجع نملة،ولذلك فهو الان في حالة هذيان قد اطاحت بقدرة تحمله،حتى راح يردد لماذا هذا و كيف هذا يكون؟ وهل النملة بعد المضاجعة ستضع مولودها المسخ كما مسخ هذا السجان ام ستمتلئ كلها بالمادة الساخنة؟ وبالتالي تتحول كبالون في اقصى مراحل توتره لينفجر لاحقا بوجه السجان الذي اخفى رغبته الكاوية وهي بان يقع هذا الانفجار في عمق تلته الواقعة بالضبط تحت حزامه، وبالتالي سيحصل من الانفجار على لذة المادة السائلة وهي الاهم في كل دراما النملة.!

 

علي السواد  

 

الذاكرة: صابلاخ والرواة الثلاثة / راشيل إليزابيث غرين

saleh alrazukالفاصل الكرونولوجي في رواية شلومو الكردي: أنا والزمان لسمير النقاش يقسم النص إلى قسمين. أحدهما يتألف من مفهوم "الإسقاط النبوئي المزيف" والثاني من "الذاكرة الرضية" وهذا يخدم في تصوير الأثر المزدوج للقلق والانحراف الرضي اللذين عانى منهما شلومو في حياته بعد صابلاخ. ومن بين القسمين، الثاني، فضاء الإسقاط النبوئى المزيف، هو الأقرب بشكله للتسلسل التاريخي. وفوق ذلك إن محاولة السرد للكتابة بطريقة تاريخية، ولا سيما أحداث الرضة المركزية في صابلاخ من خلال النبوءة المزيفة، يجعل تشكيل الرضة مستحيلا لأن الذات المريضة تبقى بمواجهة أدواتها الخاصة، بينما ذاكرته تستعيد ببراعة كل الأحداث، ولكن القليل منها كانت له نوافذ ومعابر لتفاصيل وآراء تزيد عما يتوفر لديه.

وعليه كانت الذات المريضة والمصدومة بحاجة لفرض تسلسل موجب على خبراته الشخصية الناجمة من أثر الرضة وقد فعل ذلك بتوفير حضور أكثر من سارد واحد، وهذا تجده في النص. وقد قالت نانسي هوكير*:" التذكر [في النص] يتطور ويعمل من خلال مجموعتين متوازيتين ومعقدتين من المحاورات: إحداهما مع شلومو قاطاني ( ولاحقا يعرف بالكردي)، ويشخصن حياة الصبي شلومو، وثانيهما، مهذب وقوي الشكيمة، ومع مرور الوقت، يستعاد للمساعدة في تسجيل هذه الذكريات (١).  

إن شلومو، ذات شلومو اليافع-- والذي يشار له بأبو سلمان، مثل زمان، يلعب دورا في السرد. والنتيجة بانوراما تاريخية، مفروضة على بانوراما خبرات رضية، حيث الرواة الثلاثة يشتركون لتعقيد الحبكة بشكل روتيني وبواسطة قدراتهم الخاصة وبواسطة عجز الذاكرة وضعف التعاطف. وينجم عن تآزرهم تفعيل مكثف جدا لكلا الأثر الرضي وتقديم الموضوع من خلال رواة مختلفين في أوقات مختلفة.  وهو ما يقوم بدور الشاهد والذات الرضية.

عند هذا التقاطع من المهم أن تلاحظ أن بنية مثلث السرد (القطاعات الثلاثة) التي تكلمت عنها هوكير تقدم لنا عنصرا حاسما في هذا السرد المتميز برضته: وهو العائد لصفة شاهد. وتقول كاروث** إن الاستماع للآخر شيء حساس تتأثر به الذات الرضية وهكذا تنفصل عن موضع الرضة وتبتعد عنه. ولكن دوري لوب ***و هو يتكلم عن لحظة الرضة نفسها، يتعرف على انهيار الشهادة عند موقع الرضة باعتبار أنه صفة تكتفي بذاتها. (٢). وبكلمات أخرى، لا يمكن للشخص أن يكون شاهدا على نفسه (سواء هو ذكر أو أنثى)، وعليه بهذا المصطلح يشير لوب إلى ما استوعبته النفس الرضية على أنه عدم كفاءة أي كائن آخر في تحمل أعباء الشهادة أمام حادث رضي (يحقق صدمة ويتسبب بجرح نفسي) في وقت نشوئه وبروزه. وإن وجود شاهد في مسرح الرضة سيكون تعارضا مع المصطلحات، ذلك لأن وجود شاهد هناك، سيضطره أخلاقيا للتدخل.

وحقيقة أن الحادث يظهر خلسة يملي علينا أنه لا يوجد من يشهد عليه. وهكذا، إن الحضور المزدوج لأبو سلمان وزمان يورط شلومو ليس مع شاهد ضمني بذاته، ولكن، يدفعه للالتحام عضويا في ما بعد البنية الخاصة بالشهادة وميكانيزم السرد حيث أن كل سارد يلعب بالتناوب دورا مختلفا من أجل تفعيل ومحاولة التغلب على انهيار الشهادة (كما قال لوب). بهذا المنطق، إن تمحيص خصائص كل الرواة، وكذلك طبيعة تعاضد الأجزاء الثلاثة، تساعد في تفكيك دور ما بعد بنية الشهادة والسرد وعملها في تحقيق التشتت التاريخي المتسلسل الناجم عن النص وتحويل أو انحراف زمن النبوءة وذاكرة الرضة.

في بعض الأحيان يكون السارد الذي يتكلم مبهما، ولكن بوجه الإجمال من الممكن أن تعلم أنه يعتمد إما على السياق، أو على نوع الضمير المستعمل: أساسا ضمير الشخص الثالث الذي يستعمله زمان، بينما يستعمل الشخص الثاني شلومو أو زمان وذلك بالعادة لمخاطبة الذات الرضية لأبو سلمان،  أما الشخص الأول فيستعمله أساسا أبو سلمان نفسه. وحينما لا يستجيب التحليل القواعدي ولا يقدم إجابة واضحة، يمكن الاعتماد على نبرة السارد: أبو سلمان يروي الموضوعات المنقولة ولكنه يميل للتوقف كلما اقترب من لحظة العاطفة أو الرضة  (٣). شلومو يتفلسف وزمان يتكلم، بأسلوب بارد وهادئ ومنفصل. ويمكنك القول، في بعض الفقرات، إن الانشطار في السرد يبقى غامضا، وربما هذا يقود إلى أو يتسبب في توصيل الرواة بعضهم ببعض.

من بين الرواة، يبدو أبو سلمان وكأنه يلعب دور جوهر المتبقي المادي من الخبرات الرضية. فهو يتكلم قليلا، وغالبا يأخذ دور لوحة صامتة تحمل صورة مؤثرات وذكريات شلومو. الساردان الآخران يصفان على نحو متكرر تعابير وجهه، المصدوم بالرضة والمبتهج، وذلك بتفاصيل مسهبة وبالعادة باستعمال الشخص الثاني، ولكنه الأقل وعيا بفضاء الذات من بين الثلاثة، وهو يروي الأحداث كما تبدو دون تأملها كما يجب أو التفكير بمجرياتها. إن حضور أبو سلمان، هو من نوع، جهاز أدبي يتضمن الحوار حيث أن شلومو ونفسه الصغرى (اليافعة) موجودان. وهذا من الواضح أنه يمكّن شلومو من العودة حرفيا إلى موقع الرضة، في محاولة أخيرة ليكون شاهدا على الأحداث وهي تتحرك.

وفقط من خلال حضور أبو سلمان يتمكن شلومو من أن يشهد على كل شيء، وذلك بخلق انقطاع بين ذاكرة / جسد/ صوت شلومو (الأكبر بالعمر)، ونفس المعايير تنطبق على الجزء (الأصغر) بالعمر من نفس الشخصية والتي كانت موجودة وحاضرة في صابلاخ.

على أية حال، لم يشغل شلومو دائما دور شاهد ثابت على أبو سلمان حامل الرضة، وفي بعض اللحظات كان أيضا يعود لحضانة طور حالة رضة. ويفقد خيط السردية ويدخل في طور صمت. ولهذا السبب إن وجود زمان كان هاما جدا: زمان يرى كل شيء. وعليه، كان شلومو أحيانا قادرا على الأداء الوظيفي، وفي شهادته على أبو سلمان، وكأنه نائب شاهد يحل محل الشاهد الحقيقي (المباشر): تايم Time، أو باللغة العربية، زمان.

وبما أن شلومو وقع بين حصاد نقطتين، أو دورين، للذات الرضية من طرف، وهو شاهد على الرضة من الجانب الآخر. لم يكن شلومو قادرا على أن يشاهد تماما ماضيه ويحرر نفسه اليافعة من العودة المتكررة للرضة. فزمان بالضرورة مشارك في الحوار، لأنه من بين الثلاثة، كان وحده قادرا على أن يكون شاهدا من زاوية نظر موضوعية مثمرة.

ومن بين الرواة الثلاث، زمان هو الذي يأخذ دور حالة ذاكرة لامتناهية، وهذا بوأه موقع مؤرخ لوقائع حازمة ومعينة، وفي نفس الوقت كان بلا جدال الضد الواضح والفظ للنسيان الانتقائي الذي يمر به الإنسان:

قال: إننا نطويها وتطوينا، فأُمتدح بلا استحقاق وأُلعن من غير ذنب. أنا لا أكثر من شاهد. العيون ترى، كثيرا، لا حصر لها. لا أعرف النسيان. لا يد لي ولا قلب، فلا أدري لماذا تتمهلون بي وتتوسلون أحيانا. <<رحماك يا زمان>>. أو <<اللعنة على الزمان>> (٣٠-٢٣١).

ومع أنه يعترف أنه ليس محبوبا من قبل الجنس البشري، يصنف زمان نفسه على أنه شاهد من النوع الموثوق. فهو لا يفترض، ويترك صفحات التاريخ تدفعه إلى الأمام، وهذا لا يثير دهشتنا باعتبار أنه بلا يد يقلب بها صفحات أحواله التي تسجل سيرته بأسلوبه. لقد كانت له عيون عديدة وبمقدوره أن يرى ما لا يمكن أن يراه شلومو وأبو سلمان، وسعة ذاكرته غير المحدود والهائل يعني أنه لديه مناعة ضد النسيان والحذف. وقصور القلب لديه قد يدل على أنه رواقي أخير، يفلح وبدقة في استعادة الأحداث غير أنه يفشل في توفير أي نوع من التعاطف البشري أو التعرف على الذات الرضية (٤).

إن عقدة شلومو والعلاقات التكافئية الأخيرة مع زمان، هذا المؤرخ الصارم وغير الافتراضي الذي لا يوجد في صدره قلب يخفق ويتأثر، يخدم في تأطير الاهتمامات الوجودية الكبيرة في الرواية. 

إن تقابل شلومو مع زمان نقطة بنقطة، يعمل على دفع زمان مباشرة لمساعدته، ثم يلوم زمان لأنه يخونه هو والإنسانية.

وكما قال شلومو:"والوقت ينفد، وهو يكون في قبضة من قبضتين، قبضة ممدوحة وقبضة ملعونة"(٢٥٨). وبالرغم من تنصل زمان يهتم شلومو يهتم به، ويشحنه بالمسؤولية لأنه يرهن وجوده بالانصهار مع الأحوال ahwāl، أو الذعر ويتعهد أنه سوف ينتقم(٩-١٠).

وفوق ذلك، بالرغم من حنقه من زمان، يكون شلومو بحاجة لمعونته. وهو أيضا بسبب وعيه وتفهمه للحدود المفروضة على الجنس البشري (إقامة الحدود والعراقيل)، فإنه يسبر زمان ويحضه على أن يتكلم، أن يتحمل مسووليته في أن يكون شاهدا، على حكاية فرهود ومقتل أسمار في نفس الوقت الذي يدعو فيه أبو سلمان للصمت:

القلب ما عاد يحتمل الفاجعة الملعونة، فلا أنت تعود ترويها، ولا أرددها أنا على أسماعك ولندع الزمان الراوي - الشاهد يرويها في صمت وخشوع. إذا هو أدرى منك ومني بتفصيل الأحداث [...] تحدث أيها الزمان الراوي الشاهد بالقصة. ارويها بأمانتك المعصومة من كذب أو نسيان الإنسان، ومن تشويه الأحداث أو سهوته عنها(٤٥-٤٦).

يلح شلومو على زمان ليتكلم وفي نفس الوقت يطلب من أبو سلمان أن يلتزم الصمت بسبب عمق أحزانه، على الرغم من مرور عقود. إنه يلح على زمان أن يتكلم لأن لزمان ذاكرة متفوقة ودقيقة: الإنسان ينسى ويحرّف، لكن زمان مخلص وموثوق. واستبعاد أبو سلمان من الكلام كان على أساس وزن حزنه، واستبعاد أبو سلمان ونفسه من الكلام كان على أساس هشاشة قوى ذاكرتيهما الضعيفة التي تنحدر للفناء بيسر. وما أن انصاع زمان، ووصل إلى الحالة المؤلمة -- الجريمة الدرامية التي استهدفت المرأة الفاضلة ذات العباءة السوداء والتي قتلت بين الجموع بطعنة سكين، كان شلومو قد أخذ كفايته.

صاح بأعلى صوته:" يكفي يا زمان! قد نعيت الغالية المحبوبة << أم البنين>> فدع من أولى وأجدر منك ينوح عليها".

وبقدر ما هو يمتعض من سوء الحظ الذي أتى به زمان، هو يعلم أنه يتطلب من زمان التعاون في الإخبار بالحكاية، وذلك ليسلو خسارته وليحرر نفسه من العودة المتكررة للرضة. ولكن مع أن الزمن يستطيع أن يكشف ويروي، بمقدوره أن يفعل ذلك من مسافة باردة. ربما لا يمكن للفانين أن يتكرروا بوضوح أو دقة، ولكن بما أن الحكاية كشف عنها الستار الآن، فقد حان الوقت على زمان المؤرخ كي يتنحى.

وبينما يعير زمان السرد قدراته ليضفي على التاريخ معنى الزمن، يلح شلومو أنه هو أيضا لديه مساهمة هامة يود أن يدلي بها: التشويه (التحريف بالحرف الواحد taḥrīf). وبينما يحافظ زمان على هذا التشويه (التحريف) فهو يضعه أمام الأحداث كلما تطورت ووقعت، ويؤكد شلومو أن مثل هذا التحريف هو بالضرورة يقوم على أرض استراتيجية واستاطيقية:

ينسى المرء ما يبغي نسيانه، ويتذكر ما لا يبغي أن ينساه. ويحرف من التحريف (٩٨).

ولاحقا يشير لهذا النوع من التحريف على أنه استثمار فني:

بل أنا أعرف منك بخبايا نفوس الناس، وبصياغة الأحداث صياغة الفنان المضفي عليها جمالية لا تعرفها أنت. أنا فنان لست بموثّق. وأنا أقتحم أفكار الشخصيات ومشاريعها. فأقدمها للقارئ، وليمة شهية. (١٣٥).

هنا، بالدفاع عن حق الإنسان بنسيان ما يرغب نسيانه، وأن يحرف ما يرغب تشويهه، شلومو بلا تردد يمتلئ بهدف زمان والذي، تكون ذاكرة الإنسان بجزء كبير منها، غير قادرة على إعادة ترتيب الاحداث بدقة. وعلاوة على ذلك، شلومو يتوسل إلى زمان ويلح أنه لا يزال هناك هدف ومعنى لوجهة نظر البطل، في هذه الحالة هو أبو سلمان، ونفس شلومو اليافعة. وعليه إن كلا من شلومو وأبو سلمان يجب أن يسمح لهما بالحصول على نصيب من الإخبار بالحكاية.

بهذه الطريقة، شلومو يجادل ضمنيا أن هناك قيمة في وجهة النظر مع أنها ليست "دقيقة" تماما أو متحررة من الحذف:

 ذلك أنه يوجد مكان للتخيل في بناء ذاكرة البشر. ولذلك يقدم شلومو ليس صورة عن القدرات البشرية في الاستعادة أو الدقة، إنها قدرات موجودة فعلا، ولكن، هي قدرة الفن والتخيل. وبتوفير قدراته الفنية كمواهب ذات قيمة، يشير شلومو ضمنا لطريق بديل للعمل بواسطة الرضة: الذات الرضية التي يمكنها في النهاية أن تعود إلى موقع الرضة، وحتى لو أنه لا يستطيع أبدا تقديم سجل حقيقي مثل زمان، لا يزال بإمكانه في الإخبار والسرد تقديم حساسياته الإستاطيقية في تشكيل وحفر ما تبقى من ذاكرته بنعومة. وبكلمات أخرى، الدقة لا تكفي. وعوضا عن ذلك، بتقديم نفسه كفنان، يقترح شلومو أنه ليس الدقة فقط، ولكن التحريف أيضا، يلعب دورا هاما في تجميع وسرد الرضة. الدقة مطلوبة من أجل الأحداث، غير أن التحريف بمكن أن يكون مطلوبا من أجل الذات.

السرد التشاركي يسمح بحياكة كل خيوط السجل معا، وكذلك الأثر والتخيل والذي بدوره يسمح للذات الرضية أن تنشط النسيان الرضي للأحداث في نفس الوقت الذي تكتشف فيه الأحداث المروية ونتذكرها، وهو ما يسمح لها أن تكون منطوقة. وبهذه الطريقة، تكون الذاكرة في النص دائما تبديدية (إنها تنفق) ولكنها أيضا محروسة ("لديها احتياطي"). وكونها قيد النسيان والتذكر، فهي باستمرار تحاك مع أثر الرضة ومشاعر الزهو والكبرياء. وهذه عناصر يمكن أن تتداخل مع السيولة الانتقالية في النص بين النسيان والتذكر. وهكذا، إن بويطيقا الفجوة السوداء للذات الرضية تتذكر وتنسى فورا،   وهو ما يسمح للذات أن يعكس ويصور نطاق كل شيء، من الأبكم إلى الناطق، دون أن يتخلى عن مشاعره الحاملة لقيم تربوية وثقافية، وهو بلسان متعدد يتكلم عن الرضة بينما في نفس الوقت يكتب نفسه في التعابير الثقافية لكلام العالم الذي يتلاشى ويغيب بالتدريج.

 

ترجمة: صالح الرزوق / من أطروحة ماجستير للكاتبة Rachel Elizabeth Green عنوانها ( نحو بويطيقا الحفرة السوداء)، وهي مرقونة في جامعة تكساس بأوستين. الولايات المتحدة الأمريكية. ٢٠١٣.

............................

هوامش الكاتب:

١- نانسي هوكير " تشرد مزراحي" دراسات في اليسار الجديد، ٢٥ كانون الأول- شباط، ٢٠٠٤. متوفر على الرابط:

http://newleftreview.org/II/25/nancy-hawker-mizrahi-wanderings.

٢- دوري لوب،" الحقيقة والشهادة: السيرورة والصراع"، في الرضة: اكتشاف الذاكرة. تحرير كاثي كاروث( بولتيمور: منشورات جامعة جون هوبكنز، ١٩٩٥).

٣- مقابلة شلومو مع امرأة التحذير.

٤- جدير بالذكر، زمان قادر أيضا على اللجوء للتعابير السطحية والأثر الفيزيائي عند الناس الذين يتكلم عنهم-- وهو نوع من تحويل الأثر من الذات الرضية إلى الشاهد الغريب. على سبيل المثال، حينما يخبر زمان عن يوم الاصطبل، فإن بداية النهاية جدلا لعدم فناء صابلاخ في الحرب، يستعمل الابتسامة المتهكمة لأبو سلمان (١٨٨).

 

هوامش المترجم:

*من كلية الدراسات الاستشراقية في جامعة أوكسفورد.

** أستاذة في كلية العلوم الإنسانية في جامعة كورنويل.

*** أستاذ مساعد في العيادة النفسية في جامعة يال.

 

التناول المسرحي لمعاناة الإنتظار بين صموئيل بيكيت وأونوريه دي بلزاك

fatehi alhabowbiلعلّي لن أضيف شيئا جديدا إن ذكّرت بأنّ الروائي والمسرحي والشاعرالأيرلندي الكبير صموئيل بيكيت (Samuel Beckett)هو أحد أبرز الأدباء العالميين وأشهر الكتّاب المسرحيين الطليعىيين في القرن العشرين. فقد عاش حياة مفعمة بالمجد ونال شهرة واسعة طبَّقت الآفاقَ. ويعود الفضل في هذه الشهرة بالأساس إلى انخراطه في الكتابة ضمن ما يعرف بمسرح اللامعقول أو مسرح العبث بما هو مسرح اللاّمكان واللاّزمان وغياب الأحداث. وقد تبدّى ذلك بصورة جليّة منذ كتابته سنة 1948 لمسرحيّته الشهيرة التي نال بها جائزة نوبل للآداب وعنوانها "في  انتظار غودو "  (En attendant Godot) التي كانت باكورة إنتاجاته في مجال المسرح العبثي-. وهي مسرحيّة تخوض بعمق في قضيّة الإنتظار الذي قد يطول دون أن يحلّ -أو يظهر وفق الرواية الدينيّة سواء في الإسلام أو في المسيحيّة أو في اليهوديّة-  من كان محلّ انتظار الآخرين. بما يجعل فعل الانتظار عموما ضربا من المعاناة الإنسانيّة الصعبة وشكلا من أشكال العذاب الذي قد لا ينتهي، رغم ما يحمله هذا الإنتظار، في بعض ردهاته، من أمل مهما كان ضئيلا. إنّ مجرّد إلمامات سريعة بالمسرحيّة المذكورة، تفيدنا بأنّها قائمة على مشهدين و5 ممثّلين أهمّهم "فلاديمير" و"ستراجون" (Vladimir et Estragon)، وهما من المشرّدين المعدمين اللذين كانا جالسين قرب شجرة  تكاد تكون عارية من الأوراق على طريق ريفية بأرض جرداء. وقد مكثا على هذه الحال على مدى يومين كاملين في إنتظار شخص يدعى "غودو". ذلك أنّه كان يمثّل بالنسبة لهما كلّ الأمل في الخلاص  من حالة التشرّد والفقر والحزن والحيرة واليأس والغربة والجوع ونحو ذلك من تعبيرات الشقاء والألم والتيه والضياع في هذا العالم الرحب الذي يداس فيه الضعيف تحت الأقدام دون رحمة ولا شفقة ممّن يشعرون بوهم القوّة. وهي تعبيرات تترجم بحقّ وبصدق مرارة الواقع المعيش البائس والتعيس، بعد أن تغيّر سلّم القيم السياسية والإجتماعية والدينية. كما تبرز بالتأكيد، ثقل مناخ الخوف الذي كانت تتّسم به السنوات التى أعقبت الحرب العالمية الثانية (أي زمن كتابة المسرحيّة الذي وافق زمن انتشار الفلسفة الوجوديّة). لكنّ "غودو" هذا لا يأتي أبدا. بما يعني أن عملية انتظار "غودو" كانت على نحو ما ضربا من العبث بمفهومه الفلسفي الذي يعود إلى تيّار الفلسفة العبثية المنبثقة أساسا من الفلسفة الوجودية العدمية في أغلبها. ومعلوم أنّ الفلسفة العبثيّة تعتبر أنّ  كلّ مجهودات الإنسان للبحث عن هدفه من الحياة، وكذا طرحه لمعنى الوجود بما هو إدراك لمعنى الكون تنتهي دائما بالفشل الحتمي، لذلك فهي تعتبر عبثية. وهو ما يجعل الإنسان  يعيش نوعا من التيه/ الضياع، .بحيث يصبح لا  معنى لسلوكه ولا مضمون لأفكاره، لأنّه لم يعد بوسعه رؤية الأشياء بحجمها الطبيعي. ولعلّ ذلك ما يفسّر محاولة الإنتحار التي أتاها استراجون وفلاديمير، في نهايه المسرحيّة، عندما تأكّدا أنّ غودو لن يأتي. إنسجاما مع هذه المقاربة، وإنطلاقا من هذا المعنى العبثي الوجودي لمسرحيّة "في انتظار غودو "، فقد قال الناقد المسرحى الأمريكي "اريك بنتلى":  (Eric Bentley) »إنّها مسرحيّة تتضمّن خلاصة الفكر الوجودى. لقد كان يمكن أن يكتبها سارتر. «

وبصرف النظر عن أنّ كلّ إبداع في نهاية التحليل  ليس إلّا استعارة من الحياة بكلّ وجوهها وتشعّباتها. وبصرف النظر عن تمرّد هذه المسرحية على قواعد أرسطو* الثلاث من مكان وزمان وحدث، وتجاوزها لقواعد البنية الدرامية لمختلف أنماط المسرحية التقليدية وفق ما يعرف ً بهرم فريتاغ (Freytag's Pyramid)، الذي يوضّح مراحل حبكة المسرحيّة (التقديم، الحدث الصاعد، الذروة، الحدث النازل، وحلّ العقدة أو النهاية)، فإنّنا نشير إلى أنّ  مسرحية "الصانع"  (Le Faiseur) التي ألّفها "بالزاك"(Balzac) قبل قرن من الزمن  من ظهور مسرحيّة " في انتظار غودو"  لصموئيل بيكيت، تتمحور فيما تتمحور أحداثها  هي الأخرى حول الانتظار، رغم أنّ محورها الأساس إنّما هو كشف الجشع أو الشره المرضي إلى المال(Boulimie d’argent) لدى رجال الأعمال ومن ثمّة تقديم صورة دقيقة لما يعرف ببورجوازية الأعمال وعموما بالرأسماليّة  في عصر بالزاك، في فترة أصبحت فيها القوة المهيمنة هي المال .أمّا محور الإنتظار فتجسّده  شخصيات المسرحية التي تنتظر طويلا "السيد  غودو " Godeau) (Monsieur  الذي ياتي متأخّرا، لإنقاذها من الانهيار النفسي والدمار. وذلك بدفع الديون المتخلّدة بذمّتها لفائدة الدائنين. فأهمّ الشخصيات الرئيسية وهو "مركدات" (Mercadet)، رجل أعمال عديم الضمير ومنفصل عن أي واقع غير واقع عالم المال، يبلغ حالة الإنهيار لأنّه شارف على الإفلاس. فيحاول طمأنة دائنيه الذين ماانفكّوا يمارسون عليه ضغطا على نحو متزايد.  لهذه الغاية فهو يناشد، شريك سابق له هو "السيد غودو"، الذي ذهب إلى الهند لجمع ثروة طائلة. يناشده أن يسدّد عند عودته، كل الديون المتخلّدة بذمّة  "مركدات". لكن تمرّ 4 فصول كاملة و5 مشاهد من الفصل الخامس من المسرحيّة دون أن يعود  "السيد غودو" إلى باريس. ولمّا يملّ الجميع الإنتظار يعبّرون عن ذلك في المشهد الموالي من ذات الفصل (5)،  فتخرج هذه الجمل الحائرة:» غودو! ... ولكن غودو هو أسطورة !... هو  خرافة ...! غودو هو شبح!...هل رأيتم غودو ؟ ... دعونا نرى غودو «. وهو ما  يحيل إلى التفكير في أنّ  "السيّد غودو" قد لا يأتي أبدا، كما كان الشأن في مسرحية بيكيت.  لا بل إنّه يحيل ويدفع إلى الشعور بالفراغ  القاتل والعبث الذي يمثّله فعل الإنتظار. وقد كنّا أشرنا إليه بإطناب عند عرض لمحات من مضمون مسرحية "في انتظار غودو".

اللّافت للإنتباه هنا، هو أنّ المسرحيتين تتمحوران حول الإنتظار وحول نفس الإسم تقريبا. فهو ذات الإسم في النطق العربي والفرنسي مع اختلاف  طفيف في الحروف في علاقة بالكتابة باللغة الفرنسية فحسب(Godeau /Godot). لكن رغم هذا التشابه الواضح في تناول الموضوع وفي الشخصية المركزية الحاضرة بالغياب بعد الشخصيّة الرئيسيّة الحاضرة على الركح، فإنّ صموئيل بيكيت قد أكّد، على أنّه لم يقرأ مسرحيّة بالزاك إلّا بعد كتابته لمسرحيّته العبثية الشهيرة موضوع هذا المبحث. إلّا انّه، وبعد أربعين سنة، صرّح في ذات السياق أنّه استوحى مسرحيته "في انتظار غودو"  من  لوحة بعنوان "رجلان يتأمّلان القمر" للرسّام الألماني كاسبار دافيد فريدريش(Caspar David Friedrich)، أنجزت سنة (1819) وتسنّى له الإطلاع عليها بألمانيا سنة (1937). وفي سياق متّصل، فقد نشر الكاتب الصحفي البلجيكي ستيفان لامبرت (Stéphane Lambert) في مستهلّ  (2016)   كتابه الجديد بعنوان "قبل غودو" (Avant Godot)  بيّن فيه هذا الارتباط بين إبداعين متباعدين في الزمن ومبدعين مختلفين في أنماطهما الإبداعيّة أي بين مسرحيّة  صمويل بيكيت ولوحة كاسبار دافيد فريدريش. حيث أنّ هذه اللوحة التشكيليّة قد رسمت، في بيئة طبيعية من جهة اليسار للّوحة، رجلان  يتأمّلان القمر عند غروب الشمس، أحدهما متوكئ بذراعه اليمنى على الكتف الأيسر للآخر. أمّا من جهة اليمين فنشاهد  شجرة ميتة قد اقتلعت من جذورها وصخورا وجزء من شجرة مقطوعة. فيما أنّ أحداث مسرحية "في انتظار غودو"  تدور حول شخصين مشرّدين يقفان ذات مساء، بعد الغروب، على قارعة الطريق في أرض جرداء بالقرب من شجرة لم يبق عليها سوي عدّة أوراق لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

 هذا التشابه في المشهد ودلالاته الذي يكاد يكون تطابقا وتماهيا، يذكّرنا بمسرحية تيركارات  أو رجل المال  Turcaret ou le Financier  وهي الكوميديا  التي كتبها آلان رينيه ليساج Alain-René Lesage  وعرضت سنة 1709، وقالت عنها في 2009 جريدة لومند Le Monde (عن تيكارات  بالذات) أنّه "جد المحتالين المعاصرين" Turcaret, l'ancêtre de nos escrocs contemporains والتي تكاد تكون مطابقة لمضمون مسرحية "المرائي أو الدجّال" (tartuffe ou l'imposteur) التي سبق أن كتبها موليير  45 سنة قبل  ظهور مسرحيّة تيركارات .  وذلك بالرغم  من كونها تتطرّق بالأساس إلى النفاق أكثر من تطرّقها إلى إحتيال المستكرشين من أجل الحصول على المال .

ولعلّ كتابة  مسرحيّة في " انتظار غودو" من قبل المسرحي الأيرلندي صموئيل بيكيت انطلاقا من عمل (لوحة بعنوان "رجلان يتأمّلان القمر")،  لفنّان ومبدع آخر، هو الألماني كاسبار دافيد فريدريش، ثمّ الشهرة الواسعة التي نالتها المسرحية، تلفتان أنظارنا بطريقة ذكيّة إلى أنّ المبدع، أي مبدع، يمكن أن يضيء طريقه من خلال  عمل مبدع آخر مهما كان نمط / جنس إبداعه. بما يعني أنّه قد يكون للآخر دور حاسم  في الرحلة الإبداعية الذاتية لكلّ مبدع.  ذلك أنّ اللقاء بين مبدعين، وعموما بين ذاتين فاعلتين مختلفتين، لا يمكن أن يكون، في الأغلب الأعمّ، إلّا مصدر إلهام وقوة تمكّن، بالتأكيد،من تجاوز الشلل الذي يسبّبه الشكّ في القدرات الذاتية، وتمضي بنا قدما نحو انجاز مشاريعنا وتحقيق نجاحاتنا. وهو ما يعني إمكانيّة نحت ذواتنا من خلال إضاءة  تشعّ علينا من الآخر المختلف عنّا من زاوية نظره الإبداعيّة.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

......................

* أنظر كتاب الخطابة والشعر لأرسطو (335 قبل الميلاد)

 

تداعيات الألم في مجموعة "التابوت" لصبيحة شبر

بعد مجاميعها القصصية "التمثال 1979" و"امرأة سيئة السمعة 2005" و"لائحة الاتهام تطول 2007"، تعزز الكاتبة العراقية صبيحة شبر مسارها الإبداعي بمجموعة قصصية جديدة عنونتها بـ"التابوت". وهي مجموعة تضم ست عشرة قصة قصيرة تباينت نصوصها من حيث الطول والقصر، كما تفاوتت عناوينها وموضوعاتها من حيث المقصدية والدلالة.

ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا المقام هو عنوان المجموعة "التابوت" الذي اختارته الكاتبة ناطقا رسميا باسم المجموعة. فالعنوان يتألف من كلمة واحدة معرفة تحيل مباشرة إلى فضاء له علاقة وطيدة بالمكان يمنح للقارئ المتلقي افتراضات وتأويلات أولية منها أن التابوت قد يكون من حديد أو خشب، كما أن من مواصفاته الضيق والانغلاق والظلمة. هو مكان قد تحرز فيه الأمتعة أو تودع فيه الجثث. والتابوت، بهذا المعنى أو ذاك، إشارة قوية إلى الموت والهلاك تارة، وإلى الحفظ والإخفاء تارة أخرى...

فأية الدلالات القصصية التي رامت إليها الكاتبة صبيحة شبر في هذه المجموعة ؟ وماذا عن القضايا والأسئلة الجوهرية التي تطرحها كتجربة فنية تواجه بها القارئ المفترض وتدعوه للتأمل وإعمال النظر على مستوى اللغة والأساليب وطرائق السرد المختلفة؟

تقدم المجوعة نصوصا قصصية قصيرة تلامس بعض القضايا السياسية والاجتماعية وكذا الاقتصادية، من خلال شخوص واقعية ومتخيلة في آن، وفي ملامسة تقوم على التعارض والتقابل بين الماضي والحاضر من ناحية، وبين الظاهر والباطن من ناحية ثانية.

 إنها نصوص قصصية تحاول التقاط تفاصيل الحياة اليومية والهامشية لتجعل منها مادة حكائية قابلة للوصف والتفسير والتعليق. ومن ثمة لا غرابة أن نجد موضوعات حكائية لصيقة بالذات الإنسانية في علاقتها بالأنا والآخر من جهة، وبالمحيط والعالم من حولها من جهة ثانية. مثلما نقرأ في قصة "الرهان" حيث الصراع من أجل البقاء وتأكيد الهوية، بما يطبع هذا الصراع الآدمي من مفاضلات بين القوة والجمال والفقر والغنى ومن لحظات الإخفاق والانتصار. فمع الإحساس باليتم والحرمان تزداد بطلة القصة صبرا وتجلدا لمواجهة المعركة (معركة الحياة) ومقاومة الهزيمة. تقول الكاتبة على لسان الساردة: "تعود إلى سحبي على الأرض، متمنية أن ينطلق لي صوت يدل على الألم ونفاذ الصبر، ولكني ما إن أرى تلك الرغبة واضحة على ملامح وجهها الأبي، حتى تنطلق ضحكتي مجلجلة، منتصرة على آلام جسدي الكثيرة، وعلى جراحه الآخذة بالازدياد" (ص9)

وفي نفس السياق، سياق المجابهة والتحدي، تستوقفنا بعض النماذج من شخوص المجموعة، شخوص بدت مدعوة أكثر من أي وقت مضى إلى تحمل المزيد من القسوة والألم لمواصلة الحياة بل واستحقاقها، كما في قصة "مزاح" تلك المسرحية الهزلية التي أساءت إلى الإنسان وأرغمته على تحمل الضربات واللكمات دون أن يجد من المتفرجين من يتدخل لإنقاذه أو يأخذ بيده، وحتى وإن وجد من يستنكر هذا الوضع المأساوي فسرعان من تنقلب الكفة على هذا الأخير ليصبح بدل المضروب ضحية جديدة تتقاذفه الأرجل والأيدي وسط الساحة من كل جانب.

تقول الكاتب على لسان سارد القصة مستغربا مستنكرا ما يجري أمامه: "تتوالى الضربات بقوة متناهية، على ذلك الواقف في وسط الساحة، أحدهم يشكه بمسمار، والثاني يضربه بعصا مدببة الرأس، وثالث يصب عليه ماء مغليا، ورابع يسكب فوق رأسه ماء مجمدا،  وخامس يرمي عليه كيس القمامة، أتساءل مع نفسي.. لماذا أنا غريب وسط هذه الجماعة؟ ولماذا أنشأني الأهل وأنا بمثل هذا الضعف لا أستطيع أن أسيء إلى مخلوق؟ ولا أستسيغ أن أرى دموعا سائلة على وجنتي أحد، لم يوضحوا لي ماذا فعل ذلك الإنسان... ولم جمعونا كي نستشهد تلك العذابات" (ص58)

ولما كانت شخصية المرأة حاضرة بقوة في اهتمام الكاتبة فقد أولتها عناية هامة في مجموعتها "التابوت" كما في مجاميعها السابقة، نظرا لما يطرحه موضوع المرأة من إشكالات اجتماعية وحقوقية ومن اضطرابات نفسية مختلفة. وهكذا قدمت نصوص المجموعة المرأة كشخصية قصصية ضمن سياقات متباينة. فتارة هي الأم البائسة المستضعفة التي شح حليبها وفترت رغبتها تبعا لحالتها النفسية المتوترة حيث الوحدة والغربة وهجر الحبيب والإحساس بالعجز والضياع، ليكون الطفل أول ضحية لبرودها وشرودها. تقول الساردة في قصة "طفل يصرخ" : "ثديك يابس، جفت به مياه الحب، وتركه ينبوع الحليب، وبقيت شجرة بلا ثمار، أيتها المخلوقة البلهاء، كيف يطاوعك قلبك الرؤوم، أن تتركي طفلك صارخا يئن، بلا توقف... أنت حائرة، تعطف بك الأفكار... تحلق بك المتاعب وأنت حيرى، عاجزة عن القيام بأي عمل" (ص50-51). وتارة أخرى، وفي مقام آخر، هي الزوجة التي سكنتها الوساوس وقضت مضاجعها الغيرة وحرقة السؤال، فبح صوتها وامتصتها الأحداث والأوجاع الغريبة.

تقول الساردة في قصة "الزائرة": "تعودين إلى المطبخ، والغضب يستبد بك، لماذا أنت غاضبة، أنسيت قرارتك وتصميمك؟ اخرجي، اتركيهما، انفذي بجلدك، ما شأنك إن تناولا الطعام، أو ماتا جوعا، وماذا يجديك كرمك؟... لماذا لا تخرجين الآن من المنزل؟ دعيهما، أبعديه تماما عن فكرك، احسبيه ميتا، لا تبالي، كلي الطعام كله.. أطعميه لجيرانك، ارميه بالمزبلة، لماذا ترهقين نفسك؟... اخرجي الآن، الباب أمامك، لا تتبعي نفسك، ولا ترهقي قلبك، وأنت المكدودة من تعب النهار، تجلسين في المطبخ وهما يتناجيان..." (ص74-75).

وهكذا نجد الكاتبة حريصة كل الحرص على تقديم شخصياتها القصصية بما يتناسب وطبيعة الموضوع المعالج، سواء أكانت هذه الشخصيات رجالية أم نسائية، راشدة أم قاصرة، رئيسة أم ثانوية. ليتسنى لها، بعد ذلك، عرض الأحداث ووصف المشاهد وبالتالي، استخلاص المواقف وردود الأفعال، سواء بالرفض أو القبول، أو الما بين.

لقد شكلت موضوعة الألم بروافده المختلفة (كالحزن واليتم والغربة، والضياع، والقهر والضجر، والظلم والحرمان وغيرها) مادة دسمة لمحاكمة الواقع وانتقاد سلوكيات أفراده، رجلا كان أم امرأة، تارة، وجماعاته كسلطة حقيقية أو رمزية، تارة أخرى. غير أنه بالرغم من وجود الإحساس بالقهر والشعور بالألم لدى شخصيات المجموعة فثمة ردود أفعال متفاوتة صادرة عنها، فمن الشخصيات من لجأت إلى الصراخ وتأنيب الضمير واللوم والعتاب، كما في قصتي "تأنيب" و "صراع" مثلا، ومنها من  اختارت الاحتجاج والمقاومة والانتصار للأنا ولحقوق الإنسان، كما في قصة "رد فعل" حيث جاء على لسان الساردة متسائلة مستفسرة: "..ولكن هذا الذي ارتبطت به، ظنا منك أنك اشتعلت به حبا، واحترقت فيه هياما، بعد أن اشتعل قلبه حبا لك، وجاءك، ليقدم فؤاده هدية جميلة مدى الحياة، صدقت دعواه، وبادلته مشاعره، وكنت تظنين أن تلك المشاعر خالدة لك، فلم ترغبي بالجاه والمال، وجمال الشكل، وحلاوة اللسان، طلبت عاطفة الحب تظل متوهجة طوال الحياة، ولم تبالي بشيء آخر، ولكن الذي أثار حيرتك، أنك لا تعلمين سبب غضبه المفاجئ، وأن صوته يرتفع بدون توقع، ولا يدع مجالا لك للرد، أو الدفاع عن نفسك، تتساءلين، لماذا يتصرف هكذا..ماذا جرى؟" (ص40-41).

لقد جنحت الكاتبة صبيحة شبر، وهي تنحت تفاصيل موضوعاتها القائمة على الملاحظة والتتبع والوصف الدقيق، إلى النبش، غير ما مرة، في أسرار وسلوكيات الشخوص، في انفعالهم وتفاعلهم وفي اضطرابهم وانشراحهم. ومن ثمة لم تكن موضوعة الألم سوى ملمح من ملامح الجرح الاجتماعي والقهر الإنساني مع لفت الانتباه إلى بعض ما يعتري المجتمع من إكراهات ومضايقات تحيد به عن كل ما هو آدمي، لذلك كان رصد الكاتبة لمواجع الأبطال، حيث اليأس والإحباط والفزع والشكوى واغتيال الحلم ومصادرة الحرية وأشكال التعذيب أمرا مبررا. تقول الكاتبة على لسان السارد في قصة "التابوت": "يواصل الشخصان دق المسامير في التابوت، يمسك الرجل منشارا، ويشرع بقص الألواح الخشبية، ينطلق صوت صراخ مرعب، تموت قدرتي على الرؤية الواضحة، وتهرب الكلمات مني، ولم أعد قادرا على التفكير بشيء مما يحدث معي، يسيطر علي منظر واحد، لا يفارقني، رجل تسيل الدماء من أنحاء جسده المعذب، وقد أدخل رغما عنه في تابوت" (ص67). وهكذا تعيش معظم شخوص المجموعة مغتربة ومعذبة، حيث تلعب الظروف لعبتها الملغومة، فتضاعف الإحساس بالقهر والتهميش.

لقد تعددت وتنوعت شخوص المجموعة، جنسا وهوية ومكانة ووظيفة (طفل، طفلة، امرأة، رجل، شيخ، شرطي) وتفاوتت من حيث المهام التي أسندت لها حكائيا، ومن حيث الأفعال وردود الأفعال التي تبنتها تبعا للسياق والمقام. تقول الكاتبة في قصة (طفل يصرخ): "ثديك يابس، جفت به مياه الحب، وتركه ينبوع الحليب، وبقيت شجرة بلا ثمار، أيتها المخلوقة البلهاء، كيف يطاوعك قلبك الرؤوم، أن تتركي طفلك صارخا يئن، بلا توقف.." (ص50-51).

كما تنوعت الأمكنة أيضا بحسب الشخوص (بيت، غرفة، مطبخ، شارع، سوق، ساحة). تقول الكاتبة في قصة (أم بديلة) مثلا: "الشوارع متشابهة، والأزقة تأخذك إلى دروب أخرى، وأنت في دوامة، إلى أين تولين وجهك؟ آذنت الشمس بالمغيب، وأوشك النهار أن يودعك، خرجت مسرعة من البيت بعد أن أسيئ إليك، لم تعتادي سماع تلك الكلمات الغاضبة المهينة، وأنت ابنة أبيك الوجيه المعروف.." (ص88).

أما عنصر الزمان فتراوح بدوره بين الماضي والحاضر والمستقبل. وقد كان لعنصر "الذاكرة" كلحظة للاسترجاع تأثير كبير في تطور الحكاية، فبها تتغذى الشخوص لتعيش لحظاتها الراهنة انهزاما أو انتصارا، حرقة أو انتعاشا، تقول الساردة مثلا في قصة "تشابه واختلاف": "ما زالت الذكريات تؤلمك، تشجيك، وتسعدك معا، مشاعر متناقضة تعيشين بها، طوال حياتك، تتراءى أمامك المشاهد، وتتوالى معك الأحداث وأنت جالسة في مقعدك المعتاد، قرب النافذة، لا أحد قربك، يبادلك الحديث، أو تشاركينه لواعج النفس، وآلام الذكريات، أنت غريبة هنا، مهملة، يطالبونك باستمرار أن تعتني بهم، تنفذي رغباتهم، وأنت جندي مجهول، تعملين بصمت، لا أحد يكلف نفسه عناء سؤالك عن رغباتك.." (ص100)

خلاصة القول إن الكاتبة اعتمدت، في ما اعتمدت عليه، برنامجا سرديا قائما على التدرج في الحكاية، انطلاقا من الوضعية الأولى كبداية، مرورا بلحظات التحول والأحداث الطارئة، ووصولا إلى الوضعية الأخيرة كنهاية. أما سارد الحكاية، سواء أكان مشاركا في الحدث أم غير مشارك، فقد تجلت ملامحه من خلال تنوع الضمائر بين متكلم ومخاطب وغائب. ومن ثمة تنوعت تبعا لذلك، الرؤية السردية. كما توسلت الكاتبة بتقنية الوصف من خلال تعقب ملامح الشخصيات ورسم أبعادها النفسية والاجتماعية، دون إغفال الحديث عن وصف الأماكن بدورها، المغلق منها والمنفتح، أما اللغة والحوار فيستمدان جماليتهما من عمق الحكاية واتساع خيال الكاتبة صبيحة شبر، لعل إعادة القراءة في ضوء هذا الملمح الشكلي كفيل بالكشف عن ذلك.

أخيرا، يمكن اعتبار مجموعة "التابوت" للقاصة صبيحة شبر، قيمة أدبية بما توافر لها من إمكانات سردية عالية، تروم طرح السؤال وفتح الحوار أمام قضايا الإنسان والمجتمع قصد اتخاذ المواقف والحلول، أكثر مما تروم العرض والإخبار فحسب؛ وهو ما يجعل المجموعة تشكل في النهاية، إضافة نوعية قمينة بالقراءة والمتابعة والمساءلة أيضا.

 

د. أحـمـد زنـيـبـر

باحث، شاعر وناقد من المغرب

.........................

* التابوت، صبيحة شبّر، دار كيان للنشر والتوزيع، القاهرة،  2008

 

أحمد الخميسي في مجموعته "أنا وأنت" بين شمولية الرؤية والشغف بجمالية اللغة

ثمة قصص على غاية من الإبداع شكلاً ومضموناً، تجد نفسك من دون شعور مسبق أنك منقاد إليها، شغوف بلغتها، متلهف إلى الدخول فى محاور شمول رؤيتها وهى تشكل عوالمها القصصية من عبق الزهر وضياء القمر ودندنات القلم وهو يخط على بياض الورق ما اختزن فى أعماق مبدعها من أفكار ناضجة ولغة شغوفة، وإحساس مباشر بجماليات الحياة، والهيمان في فضاء الأحلام وتداعيات الخيال والتخييل، حيث الوطن ... ولادة، وحياة، حاضر ومستقبل، يتماهى بعناصره وتحولاته ونتائجه مع حساسية القاص المرهف وهو ينتقل بين حقول الخاصة بالقلب، والأسرة، وصراع الأجيال والعلاقات الإنسانية والسياسية، وبين الوطن العام الذي يضم الكل فى وحدة الجزء، ويدعم الجزء فى لحمة الكل فى نسيج قصصي موار بالحركة والحياة، وهو ينتقل بفضل براعة الفنان المرهف بين الواقعي والواقعية، الرومانسي والرومانسية، الحلمي والتخييلى، فإذا بالقصص حوامل صادقة ومعبرة لكل مارسمه مبدعها وما أراده لها في انفراد وتألق وتمايز، مقدماً نماذج حية، صادقة ومعبرة لأدب إنساني ، ربما نحن بأمس الحاجة إليه ، فى زمن ندر الإبداع فيه وقل فى مواجهة ذلك الكم الكبير من أنصاف المبدعين الذين يجترون أفكارهم من دون هدف أو قيمة.

بين التنقل الإبداعي المتمدد مابين صفحة واحدة، وثلاث وثمانية وعشرين ثم القصة الأطول 52 صفحة، اشتغلت على فضاء قص طويل شكل بكل ما أشار إليه وأفرزه إلى أنه مشروع رواية فنية كامل ومتكامل.

على تنافر صفحات كل قصة من القصص الخمس عشر التي شكلت المجموعة اللافتة للنظر (أنا وأنت) اشتغل المبدع (أحمد الخميسي) على قص فني قائم على روح قصصية حاضرة، مرهفة، ومتألقة، تشير إلى غنى ثقافي مرجعي، وأفق تخييلي رحب، ساعده كثيراً فى تحقيق ذلك التمايز الذي حظي به بين كتاب القصة المعاصرة.

من يقرأ عنوان المجموعة ( أنا – و – أنت ) يعتقد القارئ أن القصص تدور جميعها حول ثنائية الرجل والمرأة، وما تفرزه هذه الثنائية من علاقات متوائمة ومتنافرة، مراوحة بين شوق وحنين ولقاء وفراق وطلاق، وغير ذلك مما تفرضه مثل هذه الثنائية المتجذرة فى عروق الحياة منذ اللحظة التى خلق المولى آدم ومن ضلعه خلق حواء.

إلا أن من يقرأ القصص لا يجد مؤثرات مثل هذه العلاقة إلا فى حالات قليلة، اقتصرت على القصة الأولى التي حملت عنوان المجموعة نفسها، لتروى حكاية ممتعه من حكايات العلاقة الزوجية القائمة على وفاء الزوج لزوجته المتوفاة التي تبقى على الرغم من رحيلها ساكنه بيته وغرفته ومائدة طعامه، ثم أعماقه وإحساسه المرهف الذي يتحرك دائماً باتجاهها واتجاه ذكرياتهما المشتركة "أتملى وجهك بحب وعمق ويأس فى حجرة النوم، تمتدين بصرك من فوق كتفي إلى صوان الملابس، تهبطين برأسك إلى الوسادة، تطفئين المصباح الصغير، يظل قلبي متيماً بك وفيه أمل لا ينتهي، فقط لو تقولين لي: من منا الذي مات ولم يعد يرى الآخر ؟" ص9 .

قيمة الوفاء النادر صاغه المبدع بلغة شعرية شغوفة واعية ومعبرة ومثل هذه اللغة تجدها فى القصة الرومانسية الهامسة (سأفتح الباب وأراك ص 37- 45) والتي تماهت على عشرة مقاطع لم تخرج عن الأمل الذي يطير متأرجحاً فى قلبه "يارب لا تجعل حياتي شاهدة على قلب يحترق، اجعله ثابتاً بين ضلوعي، دعه راسخاً فى صدري، ينظر إلى الرب قائلاً: هذا قلبك لأنه يحب قلبك لأنه يعرف مالا تعرفه أنت فاطلب له السماح ولا تنكره " ص39

عشرة مقاطع شكلت سيمفونية العواطف النبيلة، مما حولها من فضاء القص إلى رحاب الخواطر الوجدانية المتسربلة بإيحاءات لغة شفافة كانت الشعرية أهم سمة من سماتها الفنية والبلاغية وربما كان من الأسباب التي جعلت القصة تخرج من إطار القص المنضبط بقواعده ومصطلحاته، إلى رحاب الخاطرة المفتوحة على المشاعر والأحاسيس الشغوفة بكل حب وتألق وجمال على أن القصص الأخرى لم تخل في ذلك الفضاء الشعري والشاعري إلا أنه لم يخرج عن حدود مصطلح القص وإن جنح فى بعض الأحيان إلى التخييل الذي اشتغل عليه بشكل فني في قصة (روح الضباب ص11: 24) من خلال تصوير جو مشحون بصرخات دفعته إلى الهروب من الضباب حتى دخل مصعداً حديديا ليجد فتاة جالسة على أرضية المصعد خائفة، هاربة من الصرخات الحادة التي كانت تسمعها من الضباب الأزرق ويدخل معها فى حوار قربهما من بعض "امتد موج الصوت يلعق حوائط العمارة، لزم الاثنان الصمت تماماً، كفا عن الإتيان بأية حركة راحا يتنصتان على الهواء بتوتر انحسر الصوت مهزوماً" ص12 .

ويعرف أنها في المصعد من يومين أو ربما ثلاثة فهي لا تحب أن تموت مرمية بجوار بالوعة على الرصيف مثل طيور ضربتها عاصفة.

ويرى أن كل شئ بدأ فى فضائح النجوم مروراً بالاكتشافات العلمية حتى الكوارث الطبيعية والحروب ص8 ، وتعرف نفسها باسمها هدى وأنها طبيبة نساء وأن ما يصدر من أصوات حالة نادرة سبق وسمعت مثلها عام1970 فى مدينة برستول البريطانية ومدينة تاوس وأيرلندا واسكتلندا ونيوزلندا وأمريكا وغيرها وافترض بعضهم أن الصوت وافد من كوكب أخر ومن يسمع الصوت يصاب بمرض نفسي، تألف الوحدة بينهما ويطمئنها بأنها ستخرج عما قريب وتعود إلى بيتها وستنسين حتى أننا التقينا ذات ليلة فى كابينة ضيقة فتجيبه: لا.. لن أنسى، لقد تقاسمنا الخوف والحيرة والهواء القليل، فكيف أنسى؟ ص20، ويحين الوقت للانصراف رفعت رأسها لأعلى وقامت بشهيق عميق، خطت خطوة صغيرة إلى الأمام، أعقبتها خطوة ثانية، ثم خطوة ثالثة، هبطا ببطء درجات المدخل، توقفا وراء الساتر الأسمنتي، هبت عليهما نسمة باردة من الشارع الغارق فى الضباب، حدجت فيه ودمعها يهتز على أهدابها، أمعن النظر إليها، كيف اجتمع لجمالها كل هذا الإنهاك وكل هذا النور ؟ ص24

ومثل هذا التخييل نراه بصورة أكثر شاعرية فى قصة النور حيث يدخل الراوي في حكاية ظهور المصباح الحقيقية والتي تعود إلى القمر الذي كان يلهم البشر عن طريق النور إلى الشعر والعشق وفى بعض الليالي كان القمر يهبط إلى الأرض ويسبح فى البحيرات فيلمع نوره فأعجب صياد بذلك النور فتربص بالقمر وصاده، كان القمر ساخناً من مشاعر العشاق فتركه الصياد حتى خفت حرارته وفى المصباح راح يحطمه بمعول ضخم إلى قطع وشظايا صغيرة، وراحت المصانع تعبئ الشظايا فى علب ورقية وراحوا يبيعونها للناس ... النور ... النور هكذا ظهر المصباح فى كل بيت.

قصة صغيرة لم تتجاوز الصفحة الواحدة، تألق فيها الخيال والتخييل مع اللغة الشاعرة لتسهم في بناء قصة خفيفة الظل ممتعه ومشوقه.

وفى قصة ليلة بلا قمر حكاية بقدر ماتحمل من المفارقة والسخرية السوداء تحمل كثيراً من معاني الخوف من المستبد حتى وإن دفع الخوف إلى شنق إنسان برئ، فبعد أن أحيل إلى المكلفين بالإعدام عشرين رجلاً لإعدامهم، وبعد أن تم الشنق يلاحظ أحدهما أن العدد تسعة عشر وليس عشريناً فثمة مشنوق هارب مما يدفعهم الخوف من مرؤوسهم إلى اصطياد طفل لا يتجاوز السادسة عشره من عمره فيخبرهما " أنا ذهبت بأمي إلى خالي لأنه على فراش الموت وعائد إلى دارى" ص27، لم يستمعا إليه إلى رجائه يقودانه إلى المشنقة وينفذان فيه حكم الشنق وبعد أن تم لهما ما أراد يلاحظان أن الفتى أقصر من الآخرين فيعقب الآخر: أقصر أطول المهم أنهم عشرون ص30.

وفى قصة بالميرو والتي لم تكن غير لافته كتب عليها كافيه بالميرو دخلها صحفي حضر إلى (محج قلعة عاصمة داغستان) ليحضر احتفالاً بذكرى أحد كبار شعراء القوقاز فيخرج من الاحتفال ليرسل تقريره إلى الجريدة فيدخل المعنى تستقبله شابه يطلب منها فنجان شاي بالنعناع تحضره ناقصاً سكراً فيقول فى سره يسرقون الزبون ويفكر إن كان بحوزته مايكفى من روبلات وعندما سأل عن الحساب أجاب من قدمت له الشاي لا شئ، أشكرك هذا كافيه ولابد من المحاسبة، أجابته هذا بيت ليس كافيه لكن هناك لافته ضخمه مكتوب عليها كوفي شوب بالميرو، قال الشاب: نعم، لكن مدخل الكوفي شوب على الناصية الأخرى من الشارع وكل من خدمك زوجتي ومن تراهم جالسين عمى وابن عمى أنت سألتني عن انترنت وأنا عندي. الشاي وغيره وهو واجب الضيافة ص36 بمثل هذه الخاتمة الاندهاشية يتألق القص الناجح القائم على المفارقة التى تخيل قارئها إلى خاتمة على الأقل أنها غير متوقعه مثل هذا الشغل على المفارقات والنهايات المدهشة كانت قاسماً مشتركاً فى معظم قصص المجموعة ولا سيما قصته الأطول بيت جدي 95 – 146 التى امتدت على مساحة اثنين وخمسين صفحة حتى بدت مشروع رواية لا ينقصها شئ كثير حتى تتحول إلى رواية أجيال حيث الجد والأولاد والحفيد والأم والزوج السجين وكل منهم بسمته وسماته إنما يشكل تاريخاً لحياة جد بأفكاره المتزمتة وحياة أولاد منفتحين على التيارات الماركسية وإيمانهم بقدر الثورة والأم المكافحة مع أولادها وزوجها معتقل سياسياً وتمر على حرب السويس والانزل الصهيوني والمشاركة في المقاومة الوطنية واستشهاد جدتهم كل هذه الأحداث المتنقلة من مكان إلى مكان وزمان إلى آخر ومن جيل إلى جيل أخر شكلت معمار قصة طويلة ظلت خيوط نسيجها المعماري تحت سيطرة المبدع الذي عمق إحساس كل جيل بما يفكر وينتمي إليه.

على أن هذه القصص على الرغم من تنوع موضوعاتها وتناغمها مع الواقع الحقيقي أو الخيالي المتخيل لم تخل من وقفات ناقدة كاشفه وفاضحة لا يمكن تجاوزها لأنها فى صلب آلية القص المتداخل مع الحياة بكامل عناصره وفى ذلك ما جاء فى الصفحة 18 "غريب أن يتابع الأحداث بوعيه فقط، من ناحية هو فى قلب الأحداث تماماً ومن ناحية هو خارجها تماماً يتفرج بالحريق ولا يكتوي بناره كأنه فى عرض سينمائي "أليس في هذا نقد واضح لكثير من الناس السلبيين الذين لا يعرفون أين يضعون أقدامهم.

وفى موقع آخر نقرأ: كل الناس يقتلون ويعذبون أمامنا ونحن نواصل حياتنا كأن شيئاً لم يكن، أي عذاب عانى منه الرجل الصعيدي الذي ألقى بطفليه الصغيرين فى النيل بسوهاج لأنه غير قادر على إطعامهما، أي عذاب أحسه رجل قبل أن يشنق نفسه بسبب الجوع على عمود لوحة إعلانات كبيرة، ومع ذلك كنا نتجه إلى أعمالنا، نأكل ونشرب ونتبادل البسمات كنت أحاول أحياناً أن أفكر في المحامى الشاب الذي توفى تحت وطأة التعذيب فى قسم شرطة ص20.

مثل هذا النقد اللاذع نجده فى الصفحة 22 وهو يصور كيفن كارتر عام1993 لطفلة سودانية فى الرابعة من عمرها وهى تزحف ببطء شديد على الأرض هزيلة جائعة إلى مركز توزيع الطعام واللبن ص22. ويكفى قراءة قصة الصبي الذي يأكل الماء لتتعرف على مأسي أطفال الشوارع "صبى ينمو على الماء مثلما تنمو الزهور، صبى قد يموت من الجوع تحت أحد كباري المدينة أو قرب جراج سيارات، صبى قد يصبح مقاتل شوارع ينتزع قوت يومه بالمطواة ويحسبون له ألف حساب، صبى تنتهي حياته بين جدران أحد السجون، صبى قد يصبح بمعجزة عالماً عظيماً " ص84 وحتى يوثق نظرته ونظريته اتجاه أطفال الشوارع يستعين بما جاء فى تقرير للجهاز المركزي للإحصاء 1 يناير2010 فى أن مليونا طفل فقير فى الشوارع بلا تعليم ولا طعام يكدحون فى مختلف الأعمال الشاقة يعيشون فى المقابر والعشش والجراجات والسلالم والمساجد ص84 . ويكمل استشهاداته بما ورد فى تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام2014 وما أوردته جريدة الاتحاد عن عدد المرشحين لمنصب الرئيس بعد عزل حسنى مبارك وبينهم لص يدعى محمد رشاد مؤكداً أنه تاب وأنه أجدر المرشحين بمنصب رئيس بلد عظيم وغنى مثل مصر ص86 . وما نشرته جريدة الشروق 10 مارس2014 بأن مجموع ثروات رجال الأعمال المصريين زاد بعد ثورة يناير2011 إلى أربعة مليارات وبلغ 22.3 مليار، وما نشرته صحف مصرية 12 ديسمبر2014 بأن طفلاً مصرياً فى مركز الفشن بمحافظة بني سويف شعر بالجوع فسرق خمسة أرغفة من مخبز فسجنه القاضي لمدة عام .ص89

بمثل هذا التناول الواقعي الجرئ والنقد الأجرأ تتبلور قيمة المبدع الأصيل وهو يقدم إبداع كاشف وناقد لا يجرح ويستعطف بعض دموع آنية، إنما ليضع يده مباشرة على مكامن المرض ويكشف ما يخفيه من أبعاد تضر بالإنسان والمجتمع ومن بعدهما الوطن .

ولا أجد في كلمة اختم بها دراستي المتواضعة أجدر وأصدق من كلمة مهندس القصة العربية الأستاذ يوسف إدريس حيث قال "يقدم أحمد الخميسي نموذجاً آخر فى القصة الجديدة، أما عن الكاتب فهنا المشكلة والمعجزة ، أحمد يكتب قصة من النوع الجديد وكالسيد البدوي بأسنان كاملة، وأكثر بذقن وشارب، ضعوا القصة فيما شئتم من خانات، أنا شخصياً أضعها فى الخانة الجيدة جداً، ثم اعلموا أو فلتعلموا أن كاتبها سنه – وقتئذ – ثمانية عشر عاماً، واحتاروا مثلى، أين تضعونها بعد هذا ... برافو ياأحمد كتبت" وتألقت ونجحت وحفرت اليوم لك موقعاً متجاوزاً ومتميزاً بين كتاب القصة العربية القصيرة.

مرة أخرى وبعد ما يقارب الخمسين عاماً من مقولة يوسف إدريس نقول:

مرحى لك وطوبى لك وأكثر من برافو فقد تعبت واجتهدت وها أنت تحصد أزاهير تعبك وبيارق اجتهادك.

 

بقلم: فرج مجاهد عبد الوهاب

 

أشجار خريف موحش للشاعر د. سعد ياسين يوسف .. مهرجانية أشجار الاصغاء المصفّى وتناصات الايدلوجيا

981-saadسعد ياسين يوسف، بمجموعته الشعرية "اشجارخريف موحش " يوزع الشاعر رؤيته الفنية لشعره بين اتجاهات نظمية عدة، الكثير منها يتجه جهة قيمة ثقافية تؤكد الروح الشعبية والمتجهة اليها جُل الاهتمامات العالمية، تذوقا ودراسة وتسويقا تداوليا.. انها مصوغات للاصغاء المصفى بالتناصات والمهرجانية والايدلوجيا .

الشاعر يضع نصب اهتمامه عيناً تتجه في تبصرها صوب الارث الشعبي التراثي للعصور الحضارية الوسيطة التي صيرت الطاقة القومية للبلدان العربية قيمة تصاهر بعيدة عن الاقليميات والتواريخ المضللة، يصلح ان نطلق عليها " مشاعية الفكر الشعري المديني لجنوب غرب اسيا وشمال افريقيا "، مُعِدّاً المدن حواضر للالفة والابداع والتآخي والمصير المتقارب،توقا الى حاضرة مستقبلية لاتدين للوجود الا بالتسامح والابداع والفن، يمَكِّنَه من ذلك ما تحتويه لغته وذاكرته من روحية نفسية واجتماعية، طقوسية وعمرانية، للمدن العربية دونما قيود او حدود للمسافات والقناعات .وقد يعمم رؤيته لاجل التصالح العالمي في الدعوة للتعايش السلمي الآمن والتآخي العام بين البشر. في مضفورات طرائقه تستجد حيثيات تشبه الظواهر الشعرية المتجددة تتيح لنا متابعتها على الاوجه الآتية:

اولا: التناصات: تذكر الدكتورة بشرى صالح في مجتزء لها يخص موضوعة التناص نظريا .. تقول:

"اجرائيا يتحقق التناص عبر منفذين أحدهما المباشر والواعي ويتم بوسيط الاقتباس أو التضمين أو التلميح أو الاشارة... أما المنفذ الاخر فهو غير المباشر أو الضمني الذي يكشف ويرتبط بالمرجعيات المتباينة التي تشكل القوام المعرفي للمبدع وتظهر في نتاجه على نحو غير واع ومن حيث لا يشعر. وتقول في موضع آخر من كتابها(المفكرة النقدية) ما مجمله (أن التناص استيعاب لفكرة تشابك النص مع غيره من النصوص. فلدينا إذاً ثلاثة متجهات تناصية تفيد موضوعنا وسنضيف لها رابعا فتكون:

 أـ تناصات الطريق الواعي المباشر للاقتباس والتضمين والتلميح والاشارة

ب ـ تناصات المنفذ غير الواعي اللاشعوري.

 ج ـ تناصات الاستيعاب التشابكي (الخلائطي).

 د ـ تناص التحاور .

 

أ ـ تناص المنفذ الواعي

[يا سائق الغمام مذ سنوات وخراجك لك وحدك لا حقول الري تشبعنا ولا افضت لنا بغزلانها الفلوات ... يا سائق الغمام ... عجل، فالمدى صبح وامساك عن الصيام] .

ينقسم الى/

1ـ تناص التضمين القصصيعند تتبعنا للنص المتقدم سنجده منجزاً شعرياً يختلط نصه بثلاث قصص تراثية شائعة شعبيا / * القصة الاولى هي: الصيد في الفلوات ومحتواها الدارج بين الناس في: أن صيادا ذهب الى الصيد مع زوجته فرأيا ان الاشواك عطشى فسقيا الاشواك بما لديهما من ماء، لكنهما ماتا عطشا بعد ذلك . القصة الثانية محتواها: أن الخليفة العباسي هارون الرشيد يخاطب الغيم بأن يروضه بكونه أينما يذهب فسيلقي مطره في ملك هارون الرشيد، وهارون الرشيد سيأخذه على شكل خراج من عماله في الاقاليم التي يحكمها . القصة الثالثة: تتضمن خبراً جيء به الى امريء القيس مفاده (ان أباه قد قتل) وكان يشرب الخمر فقال اليوم خمر وغدا امر لا صحو اليوم ولا سكر غداً . القصيدة على قلة مصاغاتها الجملية الا أنها مثال للتضمين التراثي الواعي المثقف بروحية المشاع الشعبي، وهي واحدة من مميزات الشاعر الخاصة به كونه لاينأى عن الشعبية ولا يدنو كثيرا من حوشية اللغة الشعبية .

2ـ التضمين الإشاري والتلميح الاشارة في النص القادم نوعان اشارة استفهامية واشارة دلالية وكلاهما ليستا اشارة نحوية . لتكن الاشارة الإستفهامية (هنا) غير مشمولة بالتقصي إذ هي خارج سياق التلميح ..

إذاً سنتابع الاشارة بكونها تلميحا لبوح لم يصرح به، بمعنى ان الإشارة (هنا) تأشيرا لحالة دلالية فقط . تتعدد المعاني التي تسهم في تأشير تلميحات الدلالات، فمنها قيمية تتناصص مع قيم، ومنها سياقات مع مكملات . عليه سنتابع الآتي للتفرقة بينهما، علما ان هذا لا ينطبق إلّاعلى النص قيد المتابعة .

[رفعت فوطتها اللوعة كشفت صدر الهمِّ سنونو السنوات استصرخت الغيمَ قصت كلَ جدائلها رفعتها ورمتها..].

الاشارات المهمة: (اللوعة، الفوطة، السنونو، القص، الجدائل، الرفع والرمي) .إشارات القيم: (الفوطة، الجدائل) .الفوطة / تقابل / الشرف الريفي للامهات المستنجدات بالآباء والاخوة والازواج .

الجدائل / تقابل / التحشيم والإهانة والتحقير، إن لم تُثِر هِمَّة وضمير الخائفين. إشارات السياقات المكملة: (اللوعة، السنونو، القص، الرفع والرمي) . اللوعة: جزء من سياق اجتماعي يخص التظلم والشكوى والاحتجاج .

السنونو: اشارة لسياق الهجرة الاضطرارية والطرد والابعاد القسري .

القص: اشارة لسياق يكتمل في السلوك الاجتماعي فالنفس الإنسانية حين لا تجد منفذا سوى العودة الى التبرؤ ممن خذلوا او اسهموا في بث الخوف وساندوا الاعتداء .

الرفع والرمي: اشارة تكمل سياقا للعادات والتقاليد الإنوثية التي بها تفجر المرأة كل غضبها وجزعها وعوفها ملاذات الآخرين .كيف تعمل مثل هذه المجموعة الاشارية على خلق دلالات منطقية وشعرية نافعة وممتعة وشاعرية شعبية ؟ ان هذه المنظومة مترابطة في اداءاتها والتقسيم السابق يهدف التوضيح الموسع لمضان الدلائل . تقوم تلك المنظومة بالفعل الشعبي من خلال /

1ـ أن الفوطة لبس لرأس المرأة يشمل جميع مناطق العراق واكثر البلدان العربية والشرقية لذا فهي، لإشارة دقيقة تعطي للفظ، ضمن جملته ودلالته، طاقة روحية شعبية .

2ـ الجدائل لها شيوع كبير في وسط وجنوب العراق في كونها من أبهى مظاهر الجمال الأنثوي . وورودها هنا يعني انتماء النص الى بيئته الشعبية التي تحتفي بالجمال مختزلا بالجديلة .

3ـ السياقات الأخرى تعدُّ ناقصة مالم يكملها التراث المتراكم من الدلائل المحلية والشعبية التي تربط متواصلات النص ليصير قطعة واحدة يمكننا إجمال فهمها بالآتي/

(ان الالم الذي ما عاد محتملا أظهر كل مخزون الجور المضموم بصدور الناس،حتى أن المرأة الخجلى الصابرة قد قصت جديلتها انتخاء وجزعا وخوفا من أن تصلها هجرة السنونو ترفعها وترميها مثل الجديلة في حضن اعداء الانسان والجمال).

4ـ الشعرية تتألف من الصوت والدلالة والصورة البلاغية الإنزياحية"

وجود انزياح ذي تردد دال هو وحده يسمح بتحويل الحدس والعاطفة ... الى حقيقة واقعية ـ يقصد حقيقة شعرية .

5ـ منطق المتعة والنفع يتحقق برأينا في / ـ جماليات الصوغ ولُغزيات المعنى بغض النظر عن الدلالة الرئيسة التي وضحناها في الرقم (3) أعلاه .

ـ الإبتهاج بولوج القيم الشعبية الحماسية والخلقية الى النص دونما اقحام او ابتسار الرؤى وافتعالها .

ـ الانـزياح الإستعاري بين اللوعة والغيم والجديلة والسنونو، تلك المقاربات الكلمية عَمَّدت القول بعشرات الاستعارات كونها مفارقات لفظية وقيمية وصياغية قولية.

لعل ابرز تلك الاستعارات اشارة الشاعر الى ان السنونو هو الذي استصرخ الغيم .. بمعنى أن اللوعة تكشف الهم والسنونو يعلنه بصوت امرأة عراقية يقص لها الجديلة ويرميها الى الأعداء او الاصدقاء لينتخوا لها او يُنَخّوا (ينحنوا) خوفا وراءها . أي أن الشاعرية قد تحققت في انزياح عن انزياح عن انزياح .

 

ب ـ تناصات المنفذ غير الواعي (اللاشعوري)

 طاقة اللاشعور بالنسبة للمبدع ليست قدرة غير مدربة وبلا اية دراية، اذ هي جزء من تكوينه النفسي والبيئي مختزن في اللاشعور الذي يستحضر ذاته دونما وعي من حامله .. وهذه الطاقة لا تتكيف دائما مع موضوعة بذاتها او قد تقوم بدمج غير مفكر به يصعب التكهن بقيمته من قبل المبدع نفسه .. وقد تكون الطاقة هذه عاملا فاعلا بدرجة تتجاوز الدربة كونها عفوية فعل خلاق فطري الخلق والسلوك .

لنتابع فقد نجد بغيتنا /

[ تكاثر فينا المحل

وَلجَ الخنجرُ في خاصرةً الحلمِ

ضجَ الناسُ وضجتْ

فوق الارض تراتيل ...

يا ذابح الحمام

الارض قبض الله، دعها

لرفيف سنبلة تنوء بحملها

ياسائق الغمام، دمٌ غيثكَ

لا يُطلع الصبحَ فوق دارنا، ولا يُرقص النجمَ ولا يُفرحُ الطفلَ].

تلك المنسوجة الشعرية تستحضر الفطرة الشعبية المُتَّكِلَة على القدرة الربانية، التي تقرر المصائر وتوكل اليها الاعمال الخيرة وغيرها، في كونها قوة لايمكن ردها .. وهذه تندفع الى مأثورات الشاعر دون دراية منه ـ على الاغلب ـ فهي تنبع من التخاطر الغيبي بين الشاعر وثقافته المكتسبة بالخبرة الاجتماعية التي تضاهي مكتسبات الطفولة لسببين هما /

(الفطرة العالية في بساطة التعبير، والثانية عمق الأثر في النفس على المستوى الفردي والجماعي) ..لذا فهي متناثرات شعرية تجسر الفهم الشعبي الحضاري العميق للشعر الفصيح متمثلة بالمواصفات الآتية /

ـ انها تنساب بلغة مموسقة ذاتيا تشبه الاهازيج الشعبية لمواسم الحصاد والبذار الحقلي .

ـ احتفاؤها بالحلم كمُعادل للامل، والغور في الحزن بمعادل المَحْل .

ـ التوسيم الطفلي لواقع الطفولة بعدّها هبة الله مثل الارض .

ـ التفتيت المقصود للحلم بالألم (الخنجر) لتأكيد العتب لعدم تعميم العدالة التي وزعها الله لتسود بين البشر . ـ التناظر بين سائق الغمام وذابح الحمام يؤدي الى تمكين الصورة الشعرية الى الجمع بين النعمة التي فطرها الله للناس، ونعمة السلام التي فرضتها قدريته، وابتداع الظلم البشري لقيمة ذبح الامن والسلام ومصادرة نِعَم البيئة المتآخية لأجل رخاء وسعادة الانسان .

* المهم في هذا أن تلك التمثلات القيمية والصورية على الرغم من إنها فطرية وغير واعية فهي أدت وظيفة شعرية تلائم " التخطي " الى نموذج خاص من الناظم غير المقيد لكنه متسق كإتساق الاغنية واللازمة النصية لنهاية الدبكة الحزينة . * الفطرة الموهوبة للمشيدات الشعرية تعيدنا الى القول الشائع من أن الانسان بدأ شاعرا .

تُرى أن الحالة بهذه البساطة فعلاً ؟

 

ج ـ تناصات الاستيعاب التشابكي:

يبدو أن مباديء التناص هي من متصفات الشعر عندما يخلط المشابك السلوكية مع الطرائق الفنية للقول .. قـد يـكـون لـهـذه الـبـدهـيـة اهـمـيـة خـاصـة فـي الـتـنـاصـات الـتـي تـحـفـل بـهـا شـاعـريـة (أشجار خريف موحش) .. لنضع النص القادم بإزاء البرهنة /

[ ضجت الدكةُ ... تستصرخُ كاهنيها: ........... ويعُول في المعبد صوتٌ: ـ اسكتوا صوتَ الأغاني،

ماسمعتُ الدمَ يحترفُ الغناءَ،

ـ ما لهذا الصوت .. يقتلني ؟!!.. اسكتوه لكم الرصاصُ ... العبواتُ لكم الكواتم ـ أجهزوا الآن على هذا الغناء فخخوه ... ].

تشتبك كائنات النص بتناصات خليطة من تقانات التحادث والتعقيبات الى، حوارات القص الى، فوتوغرافية الواقع العراقي الى، تقانات الصداح الغنائي .

كما أن النص جمع الى تلك الوسائل ما يسمى بـ (قناع الشاعر) باعتباره راويا ومرويا له .

ولكل واحدة من تلك الوجوه رديفٌ صوريٌ وسلوكيٌ شعبي.. ان لتلك الظاهرة فعل شعري يأخذ بأسباب ونتائج الظرف السياسي والإجتماعي ليصيغه شعرا وسردا وما يشبه الحكايات لكن باسلوب يقترب من الرسالة السياسية التي تعمل من القول آلية لمحاربة السلوك الشائن للقوى المضادة للحركة الحضارية والانسانية، المداهنة بمصائر الناس. الشاعر يضع نفسه داعية شعريا، ينتقم من المتحكمين والمستأجرين بطريقة الفضح والتعرية والتوجع مع قوى الشعب المجهضة، المغلوبة على امرها .. لنتابع الجدول أدناه لنتخذ منه فهما لشعرية جمال آسى الشعب. سنرى خبرة السلوك الاجتماعي وكيفية تماهيه مع الشيفرات الانسانية لما نعتقده تراثا انسانيا محليا وعالميا من خلال الشعر القابض على زمام روحية الصبر والتوجع، المتجاوز

ـ بالغناء والحنين والمخالفة ـ كل ما يحيطه من أسى وصعوبات .. الشاعر لسان الناس المتبرم المحتج المتجشم مسؤولية الموقف شعرا وفكرا ..

ولعل أهم النتائج محتويات تلك المتناصات الفكرية الشعبية أن يتلون القول الشعري بالسبك والتنغيم الغنائي الابصاري السلوكي لخدمة قضية كبرى هي الفن حياة أخرى .. لننظر ..جدول فن الحياة والشعب

النص التناص نوعه السلوك الشعبي المقابل

ضجت الدكة الأماكن الشعبية التي تستثمر لتبليغ الاخبارفوتوغرافي ادبي في المهرجانات والاعياد والمآتم تكون الدكات مكان التجمع وممارسة الطقوس

تستصرخ كاهنيها ادعاءالعبادة، أو،كما هي لدى كهنة سومر القديمة حواري الصراخ هي للإحتجاج الشعبي والاستغاثة واحيانا تعبر عن التمرد الفردي على السلوك الشعبي التقليدي

يعول في المعبد صوت اشعار السياب في الحنين الموجع للوطن  تراث شعري التقليد الشعبي يرى في العويل طريقة لتأكيد الإظهار المسموح به للفجيعة

اسكتوا صوت الاغاني التعامد (بالمخالفة) مع اصوات صداح الاغاني الراقصة صداح  يتماهى السكوت والصياح مع الدارج في المعتقد السلوكي في أن الطغاة لا يحتملون جمال الاغاني فهم يروها حرية فوق المسموح به من قبلهم

ما سمعت الدم يحترف الغناء  الصدى التأريخي لدم الحلاج (معاكسا) إذ كان الحلاج يعني الحكمة والجمال والحرية تحايثي حكمة الشعب تقتضي سلوكا روحانيا مثلما هو شعر الحلاج لكن بمستوى تجديد المطالب الشعبية .

الصوت يقتلني موروث الشعراء الشعبيون الذي يقول:الغناء يذبح الجبناء تعقيبي في سلوك الشعب شيء من حكمة القول " بالغناء تقتل الوحشة " والوحشة هي، والشعر صوت غناء يبلغ عن مظلومية المقهورين

اسكتوه تناص مع" اعطوه"الخاصة بشعراء المديح السلطاني حواري معكوس  السلوك الشعبي يضمر الفهم اللاأخلاقي للمتحكمين الجدد في البلاد

لكم الرصاص ... العبوات الظرف السياسي للإرهاب  فوتوغرافي ادبي وعي وسائل الارهاب كونها وسائل الحكم الاجرامي لمافيات الاحزاب الدينية

لكم الكواتم الظرف السياسي للإرهاب  فوتوغرافي ادبي الفهم الشعبي يتهكم من الكواتم كمسكتات للناس عن حقوقها المادية والمعنوية

اجهزوا الآن على هذا الغناء  فكر الحكم الشمولي تحايثي سياسي التضاد بين السلطة والديمقراطية

فخخوه الظرف السياسي للإرهاب  تحايثي سياسي التفخيخ المُسَكِّتُ للناس عن حقوقها

 

د ـ تناص ذوبان الأمكنة:

تتحاور الاماكن عند تنقلها من الذاكرة الى الفضاء الكتابي ثم ترتدالى ذاكرة الوجود الاصلي في عمليات التناصات المتبادلة حد ذوبان الواحد بالآخر .

"تستمد الأماكن مكوناتها وخصائصها البنائية من منطلق خيالي في المقام الاول، يوجد في عوالم افتراضية،تفترضه / تخلقه/ تمنحه تشيؤه على مقربة من العالم الموضوعي وخارج الـتـمـاس الـمـبـاشـر مـعـه فـي آن واحـد، إنـهـا أمـكـنـة تـحـيـل الـمـتـلـقـي الى منطقة الصفر الاعظم /

اللامكان حيث السيادة للتعالقات غير المنطقية بين الموجودات الاشياء ".

من المؤكد أننا لانهتم بالمكان كـ (يوتوبيا) إنما عنينا أن نقيم للكيان الشعري (يـوتـوبـيـا ) فضائلية داخل جسد الاستثمار القولي للفصيح الشعبي من الشعر، وهو ما نميزه بالتركيب المتخيل للمكان الشعري المتصف بالـ /1ـ انه مكان مسمى له علاقة ضمرية تتعلق بالضمير الجمعي للناس لكن من خلال ابصار لا مكاني (شعري تحديدا). 2 ـ أنه في الاصل متخيل ذهالي يحتفي بالاشياء . 3 ـ هو مؤثث نظمي نصي للشعرية الشعبية . 4 ـ معاكسه المختلف له علاقة بالأخلاق القويمة النموذجية . 5 ـ يتجاور العالم الشعري الخيالي مع الواقع الفعلي لسلوك الجماعات . 6 ـ يتعالق مع دلالات اخرى لتمكين الجمال الفني من اتمام فعله التأثيري . * لأجل إزالة اللبس في الفهم يمكن التدقيق في فاعلية (هذا) بنتائج تلائم الفرائض المذكورة اعلاه .. لنجرب منصص القول:

[من "عكد التوراة "

من خطوتِكَ الأولى فيها

عندَ اذانِ الفجرِوناقوس الآحادِ

الى "السراي"كانت تصبو ..

نحوَ القمرِالطالعِ من عتمتِها عيناكَ

وكنتَ اذا ما نَزَّ الحزنُ تصعّدّ فيكَ تؤوبُ

الى النهرِ القادمِ من بين نخيلِ "الدفاس" وسدرِ النبقِ الحلوِ يداعبُ كلَّ نوارسِ جزرته .... أكنت تفكرُ أنكَ تغدو نورسة ].

للنص المثبت هذا نتائج نراها في /

1ـ للمكان الشعري مسميات منها هو مستل من الذاكرة ومنها مستل من ذهال شعري، وكلا النوعين يشكل حالة مكان لمضمرات الضمير الجمعي بشكل علاقات شاعرية استذكارية .

فالعناصر الاسمية شبه المادية (المستعادة بالذكرى) تتشكل من: (عكد التواراة، السراي، الدفاس) .. هي أسماء تؤثث القصيدة بثوابت موهمة منها او كلها تتعلق بالأحياء والاماكن الاثنية للطوائف غير الإسلامية .. المسميات الذهالية (الهلامية): (الخطوة الاولى، اذان الفجر، ناقوس الاحاد،القمر، العتمة، العينان،الحزن، النهر، النخيل،النبق الحلو، نوارس الجزرة) .. تلك الموجودات ليس لها وجودٌ ماديٌ مطلقا إذ أنها مخزونة في ضمير المجموعات الأثنية وضمير الجوار المسالم من الطوائف كافة، فهي ضميرية ومضمرة ومستعادة من خلال القول الشعري المعبر عن حالات الناس ورغباتهم في التعايش السلمي والصداقات النظيفة بطفولتها الرحبة المسامحة دوما .

فـ: ـ عكد التوراة مثال للعيش المتضامن بين المسلمين والمسيحين واليهود والصابئة وكذلك السراي والدفاس ..

ـ ثم هي احياء هيأت للأشياء الاخرى أن تأخذ منحاها الشعري والسلوكي الافتراضي والضميري الضمري .. انها روابط علائقية للعناصر الاخرى الناسجة للقول بشعرية شعبية تلائم بين العمق والبساطة وتتلائم مع السلوك الجمعي الخيّر بين متآلفي الاحياء اعلاه.

2 ـ الاشياء شبه المادية (الثلاثة) والاشياء الهلامية الذهالية الـ (الإحدى عشرة) تتضافر بينها لتؤلب العقل المستذكر، ليجعلها منظومة ذاكراتية متوحدة في تصيير التخيل الذهالي شعرا تعبيريا صادقا الى درجة شبه ملموسة وهي في ذات الحال متخيلة بدرجة تسييل الاشياء كصور مرئية لكنها فطرية الماهية ليس لها هيكل حقيقي غير ما يوحي به النص من مخمنات دلالية .

3 ـ يتأثث النص بالموجودات اعلاه إذ هي موصلات بين الذهن المنتج (الشاعر) والمتلقي المتحسس للقيم الشعبية، والمظهر الذي يمثل الوجود الوسيط بين المجمع الصوري القادر على احتواء وتسويغ السلوك الشعري نصيا بكونه طريقة لزرع " الشعرية " كتأثيث للمتن الشاعري المجتمعي .

4 ـ ليس لتلك الاماكن قدرات شعرية لولا ذوبانها بطريقة الاختلاف مع الظرف السياسي الاجتماعي السائد الآن، اي عام كتابة القصائد، وهي شعرية الاخلاق المقارنة، التي توازي معكوسها الآني. فهي قد جَمَّلتحالة شعورية مستفيدة من الجرح ـ تقويمها ـ بالشعر والخُلُق النموذجية التي كانت عليها طوائف العراق قبل (التطرف) السياسي والعرقي والديني!

5ـ التناظر الذي اوجدته المفارقة يُصَيِّر الاشياءَ صورا شعرية محضة لولا انها تضمر انساقا تتبوأ مكانة فكرية، فوجود عكد التورات /بمقابل/آذان الفجر، ثم، وجود السراي / بمقابل/ ظهور القمر، ثم، ظهور القمر / بمقابل / عتمة عين الصديق .. هذة المتقابلات صور سلوكية للجماعات المختلفة عرقيا ودينيا، المتآخية اجتماعيا .. تلك الانماط السلوكية تحولت من سلوك للجماعات الى سلوك للمودة والخير الذي تبنيه الانسانية بطريقة " مجاورة العالم التخيلي للعالم المادي " السلوكي المجتمعي .

6 ـ من الجانب الفني هناك متعالقات تبني صيغا جملية جمالية تؤدي غايات دلالية مسهمة في إثبات القناعة بالقول كونه شعرا، وبالشعر كونه اخلاقا، وبالأخلاق كونها حلاً أمثلاً لقضيتي الشعر والبشر، اي قضيتا ايصال الشعر الى اكبر شرائح الشعب، وجعله رديفا لحل أعمق مشكلة ثقافية في العصر الحالي . نرى ان تلك العلائق تتجلى بآصرتين، هما: ـ الترابط الكلمي = صواب (بلاغة ونحو) الجمل .. ومثل هذا الترابط يتأكد بالحفاظ الصياغي لكل شروط النمط الشعري عموما (النغمية، التطريبية، الاتساق، القصدية).

ـ التوصيل القادر على الاقناع بالمنطق الدلالي للغايات الفكرية الموجهة للقاريء .. يتحقق على أثر القراءة الحيادية لكل من جدوى الشعر للذائقة القرائية وجدوى الشعر كحل ثقافي ونفعي وجمالي، والنص اعلاه جاء ليؤلف هذه القناعات للحد الذي جعل الجملة القولية قريبة من العقل الشعبي والذوق الشعبي والسلوك الشعبي، دون فقدانها لجمالها الشعري الرفيع، مما اكسبها درجة اقناع مناسبة لطموحات القاريء.

ثانيا: المهرجانية قد تُفهم المهرجانية على انها التهويل والمبالغة والتلون السلوكي وعدم مراعاة الشروط الاخلاقية، وفي اللغة قد تُفهم بكونها البهرجة اللغوية والتزويق الكلامي غير المبرر .

بينما الغرض الادبي يتعامل مع الـ "مهرجانية ـ أو المهرجة ـ ان كان هذا صالحاً كمصطلح مقابل للمهرجانية" بطريقة منضبطة، تشمل الايماء والتلوين والمشهدية والكورالية . ترى .. كيف؟ [لاتطفئوا الضوء

لا تغلقوا النوافذ

لاتسدلوا الستائر لاتسكتوا الفواخت

......

قبل اشتعال الماس

قبل أن يستفيق لحن تائه

لاتسدلوا الستائر

أ ـ الإيماء: يفيض به كل من (لا تطفئوا الضوء،لاتسكتوا الفواخت)، إذ هما جملتان لاتتحققان لكونهما تومئان الى النهي عن مساوئ لا عن عمل او فعل او حركة .

ب ـ التلوين: يناسبه التمثل في التنوع الصياغي حيث وجود التشكيل الجملي الشعري، والجملي الاخباري، واللوازم بدالتين هما / ـ (لا) في اول السطرالاول والثاني والثالث والرابع والسابع . ـ عبارة (لاتسدلوا الستائر) فهي لازمة مكررة تنهي وتحذر وتتوعد، وفي الحالات كلها تؤدي تنوعاً مهماً لكل من التنغيم والتركيب للغنائية والجمالية.

ج ـ المشهدية: تتمثل في المعنى العام الذي ينطوي على حكاية مضمرة عن جريمة انسانية تأتي الخلاصة الشعرية لتتقاطع، بمشهد مقابل، للقول المجمل الدائر بين الناس، إذ يعتقد القاريء أن الجريمة لن تموت، ولن يفلت المجرمون، ولن يُسدل الستار على الجريمة بتقادم الزمن.

د ـ كورال الاداء الجماعي: يمكن ان نقول بان النص له لسن ينطق بفردية لكنه يقصد الجماعة وينطق بإسم الجماعة كأنهم فرد، وهذا الآداء يشبه فعاليات الانشاد او الاداء الجماعي .

المهم ان كل هذه المضامين لها هدف واحد هو جعل روح الشعب المحبة للخير والجمال تتجسد في اللغة الناطقة بلسانه ببساطة ومتقدة قضايا اساسية كالحرية والرفاه والامن .

 

ثالثا: شعبية الآيدلوجيا

يشبع مصطلح الايدلوجيا كتعبير عن التوجهات الفكرية المنظمة ذات التأطير المحدد للاسس والحدود والغايات والوسائل .. وتلك تتطابق مع اتجاهات العلوم التقنية ومدارس العلوم الاجتماعية والاحزاب السياسية .. لكننا في شعرية (اشجار خريف موحش) نجدها آيدلوجيا الإنحياز للفقراء ذوي الكثرة العددية والثراء الثقافي والمعرفي المتراكم عبر عصور الوجود البشري .. يحاول بها الشاعر سعد ياسين يوسف استقراء تلك الروح المتضامنة رفعة الحكمة الشعبية النامية لصوت الناس المطالب بالحصول على حقوق الفقراء، قطاع الناس صانعي الحضارة دون تصنع او مباهاة .. * يبدأها بتورية نورانية لمحمد (ص) كونه رسول الفقراء. [ لو لم يكن نورا سماويا

لما وصل الضياء

لو لم يكن نهرا من الشمس لما استفاق في الارض

غرسٌ

وتنفست حقولها الصحراء ].

* ثم ينتقل الى تحديد الحاجات الشعبية .

[ ايقظ الرغبة بالرمل

ان تغدو

تراتيل السماء

ثوبا وارغفة ].

* كما انه يرسم طبيعة ايدلوجيا الفقراء طبقة المجتمع العريضة (متن الشعب الشعري)

[ياصرخة الجياع ياصرخة من لا وجه له].

ختم شعرية (اشجار خريف موحش) للشاعر سعد ياسين يوسف تفوق في توغلها ما اسلفنا قوله، تحتاج الى توسع آخر في الاستعارات والتقنيات، (هي) خارج موضوعنا حتى هذه المرحلة من تقصينا للشعر الشعبي الفصيح .

 

الناقد اسماعيل ابراهيم عبد

 

قراءة نقدية: الشخصية القصصية بين التشكّل الفني والتشكّل الواقعي .. تراجيديا العصر الحديث

عذراء شنكال" للكاتب عبد الكريم الساعدي أنموذجاً

 

تصدير:

هتفت روحي ذات توق: "إن لم يكن لك جناح فابتكر جناحا"

 

مدخل:

"عذراء شنكال" نص يراودك، إن لم تراوده، جريء حدّ الفجيعة، ناعم كالحرير، صلب كالصخر، يقصف مني القلب والعقل يترجّل قلمي على صفحاتي البكر ـ تماما كعذراء شنكال ـ ليمزق المسكوت عنه، ويكشف عفن الأفعال والسلوكيات، يصدمني صدى صراخ روح تتفتت بين مخالب الذئاب، ذئاب بشرية، بمخالب وأضراس، تماما كحكايات الجدة الحنون تحت وقع المطر، وهي تدثرني في حضنها الموغل في التاريخ.

الطريق إلى المقصد وعرة، لكن العزيمة كالرخام، والرحلة انطلقت منذ راودت "عذراء شنكال" ذات طريق حزين.فما هو السبيل لاستنطاق هذا الكائن الورقي، علّه يبوح بكل الأسرار، دون وجل أو خجل؟

 

قراءة في العنوان:

"عذراء" على وزن فعلاء وهي صفة، وتعني البكر، لم تمسسها يد، وهي أحد بروج السماء،

والعذراء، ومنها "العذرية" صفة تحتفي بها المجتمعات العربية، وبها تحدّد شرف المرأة وطهرها.

" شنكال" فضاء عربي، يقع في الشمال الشرقي للعراق.

وقد ورد العنوان مركبا إضافيا، يفيد التعريف بالشخصية، فهي تخرج من واقع عربي، لتعبر عن قضايا عربية

من هنا تتجلى المرأة الرمز، ففيم تتمثل رمزية هذه الشخصية؟

 

المتن: عالم الحكاية

أ ـ عالم الشخصية:

إن "الشخصية"باعتبارها عنصرا مكونا لعالم القص هي واقعة كغيرها من العناصر الأخرى في شبكة من العلاقات السردية تستمد منها مقوماتها الأساسية وتساهم في بنائها وتطويرها.

وقد ذهب بعضهم إلى القول إن "الشخصية" متى حلت في السرد وأُ نتجت فيه فقدت واقعيتها حتى وإن كانت واقعية

ويذهب "جيرار جونيت " في تحليله لخصوصيات التواصل التخييلي من الوجهة البراغماتية إلى القول " بأن ما يصدر عن الشخصيات القصصية من أفعال كلامية كالإثبات والاستفهام والأمر وغير ذلك ..ينظر إليه خلافا للفعل التخييلي العام المؤطّر لها على أنها أفعال كلامية حقيقية وجدية لأنها ملزمة للشخصيات في سياق القص"

وبناء عليه نرصد الشخصيات في "عذراء شنكال" فنلحظ كيف اهتم الكاتب بصناعة الشخصية، فأسند لها أسماء وضبط بعض ملامحها ليربطها بالواقعي أكثر من الورقي.

 

ـ الشخصيات: الخصائص والوظائف

1 ـ شخصية "فيان"

وقد ندخل لها عبر بوابة كبرى هي الوجه، وقد تشكلت كالتالي:

وجه ــــــــــــــــــــــــ ذابت ملامحه

عينان ـــــــــــــــــــــــ تبرقان حزنا + تتوهان في مهب الخجل

ومن هنا تتجلى المأساة، فالعين بؤرة تكشف عن البواطن ( الحزن + الخجل) فندرك أن ثمة ما يدعو لهذه الحالة، ولا نستطيع أن نفهم الحادثة إلا بتقدم السرد وتصريح الشخصية ببعض ما يخالجها، إذن لا نستطيع أن ندرك عالم الشخصية إلا إذا سمحت لنا بذلك، من خلال أقوالها وما يحيطها من أفعال، لذلك علينا أن ندرك بقية الشخصيات، حتى نخرج بإطار واضح المعالم.

2 ـ شخصية سعيد:

وهي شخصية تنبع من بواطن الشخصية الرئيسية، وبالتالي مساعدة على توضيح الوقائع وفهمها.

سعيد، اسم يحمل معنى الفرح والبهجة، لكنها السعادة المهدورة على قارعة الحلم، وهو قربان من قرابين الموت، تفتح السماء أبوابها لتلتهم الأرواح البريئة، من هنا تتجلى عوالم القصة المشحون بالموت والقهر.

3 ـ الشخصية "الهم"

حضرت هذه الشخصية عن طريق الأفعال، فنرصد إعمالها كالتالي.:

أحرقوا / نحروا / ساقونا / لا يعرفون غير مفارق الأرداف...

تكشف أ فعالهم عن صورة متوحشة، لا نعثر على ما يدل أنهم من عالم الإنس، نشعر للوهلة الأولى أنهم كائنات غريبة، من طينة غير طينة البشر، من كوكب غير كوكب الأرض، تعوي الروح وهي تتبع أثرهم في القصة " من أين جاؤوا وقد سيجنا عالمنا بالتنوير والفكر" من سلالة إبليس، بل حتى إبليس يخجل " من مفارق الأرداف" و "انفراج السيقان" إن إبليس يخجل أن ينال من "فيان" لكن ينال منها الذئاب، لكن ليس الذئب في حكايات الجدة الحنون، إنه الذئب البشري، وما أشده من ذئب، يفتك بالروح والجسد معا.

إن المشهد الذي يقدم هؤلاء يحيلنا على عالم غريب، بعيد عن عصر التنوير، يعيدنا إلى الجاهلية الأولى بل إلى البدائية الأولى، عالم التوحش، ما قبل الإنسانية.

يا الله، في عصر التنوير، تساق النساء سبايا، ويباع الإنسان في سوق العبيد، في عصر التنوير يعوض سوق "عكاظ" بسوق "الجنس".

وا حسرتاه، على أمة، كان شعارها القرطاس والقلم، فأصبح شعارها يندى له الفكر، يترفع القلم أن يذكره.

4 ـ شخصية الدكتورة "ثناء"

تلعب دور المساعد، ترمز للحب والشفقة، فهي لحظة دفء أرادها الكاتب ليبعث بعض الأمل، ويشحن العزيمة، فنراها " تضمها / تحنو / تجفف دمعها "

هي لحظة "تنوير" في القصة، فقد بعثت "النور" في القصة وفي بواطن الشخصية

لقد لعبت الشخصيات وظائف عديدة:

منها المساهمة في بناء العقدة القصصية إذ لا تستمد الشخصية قيمتها إلا من خلال علاقتها ببقية الشخصيات والدور الذي تقوم به في القصة فتكون في مراتب مختلفة، رئيسية / مكملة / مساعدة / معرقلة

وقد جسمت منظومة من القيم، إذ كانت شخصية "فيان" شخصية رمزية، تحتضن صورة الوطن المغتصب من طرف الذئاب الجريحة، والخفافيش التي تخشى النور فلا تحيا إلا في العتمة، ولا تنام إلا ورؤوسها إلى الأسفل، لأن وجودها ينحصر في الجزء "الأسفل"

 

ب ـ في مقصدية الخطاب:

ـ الإنسان الذئب: بين جدلية الجسد والدين.

إن الدين جاء ليكرم هذا الإنسان ويبسط بين يديه طرق التعايش السليم، فقنن العلاقات بين البشر، بمنظومة قيمية، لا ترقى إليها أعظم دساتير العالم، والمجال لا يتسع لشرحها.

لكن نلاحظ إن الذين يشتغلون على الخطاب الديني ينطلقون من تأويلات خادمة لأغراض اشباعية، حسية/ جنسية فنجدهم يشرعون لحق امتلاك الجسد الأنثوي، بمختلف الطرق، فهذا ينادي بالتشريع لتعدد الزوجات ـ وهو لا يستطيع أن يلتزم بتوفير شروط الحياة الكريمة لواحدة ـ والآخر يطل علينا في سذاجة وبلاهة ليتحدث كبلهوان عن ما "ملكت أيديكم"، ليشرع لأمور تتنافى كليا مع النص الديني، حتى يصل به الأمر للتشريع لحج "المايو" وتقام له المنابر ويتمكن من فرصة للتحليل ونشر سذاجته وأباطيله.

ونصنا لا ينأى بأبطاله عن هذا الطرح الذي سأتناوله، فما تعرضت له "فيان" كان من طرف مجموعة، تدعي الدين وتشرع لانتهاك حرمة الجسد الأنثوي، لأنهم لا يرون في المرأة إلا الجسد، ولا علاقة لهم بالدين والتدين، والإسلام منه يتذمر، والله في علاه يتوعدهم، بعذاب أليم، وهم يعيدون أنفسهم بالحور العين

من هنا أنطلق بوضع هؤلاء على الفحص السريري، فالمسألة ـ في تقديري ـ تعود إلى الحرمان، فتصبح المرأة هي الوحيدة للتخلص من الكبت، بكل أنواعه الجنسي / الفكري/ الثقافي

ولعل الممارسات التي يشهدها العالم العربي، في ظل سيطرة "نظام الخفافيش" تؤكد ذلك، حيث تقاد المرأة إلى أوكارهم لينفذ فيها جرائم إرهابية يندى لها جبين التاريخ، فتوظف كأداة للترفيه والمتعة، فتداس الأرواح وتغتصب الإنسانية بأفكار قذرة، تعيدنا إلى عصر التوحش، عندما كان الإنسان وحشا يحيا لإشباع غرائزه، غريزة "البطن"

وغريزة "العورة" وهو ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة "الحيوانية".

ومن هنا يمكن أن نتحدث عن تراجيديا العصر الحديث، وهي تنبع من "توظيف الدين"، فإن كانت التراجيديا عند الإغريق تتمثل في الصراع بين الإنسان والقوى الإلهية المسيطرة على الكون، أي صراع الإنسان مع قوى فوق الإنسان، ثم جاء القرن السابع عشر فإذا نحن أمام تراجيديا تجسد الصراع بين الإنسان ونفسه، فمع "بيار كونال" قائمة على حوادث التاريخ، ومع "جون راسين" فهي صراع بين عاطفة وعاطفة.

أما في عصرنا فشكل جديد من التراجيديا، فهي صراع بين المفاهيم، مفهوم الإنسان في أرقى تجلياته، والإنسان المعولم الذي بدا مستنسخا من نظام رديء، يتهدد منظومة القيم خاصة، ويعد لعودة الإنسان المتوحش

فيتشكل في هيئة إنسان لكن يحمل مكونات دماغية قريبة من الحيوان، قد أسميه " الكائن المُحَنْوَنُ" إذا أجازت لي اللغة هذا الاصطلاح.

 

ـ خاتمة:

"عذراء شنكال" أنموذج في القص فريد ، كما هي كل أعمال الكاتب العراقي عبد الكريم الساعدي، تسافر في تضاريس الروح لتكشف الوجه القبيح لواقعنا هذا، تصاب بالهذيان وأنت تتوغل في عوالم الشخصية، فتصغي إلى أرواحها الممزقة، كأسمال بالية، تترشف قيح الفجيعة، وتلازم الفراش بعد أن تكمل رحلتك معها، يسكننك الصداع، حتى كأن طبول الهزيمة تقرع عند عتبات فكرك العنيد.

أغادر "عذراء شنكال" وأنا أهتف بأعلى صوتي: " أنا مثلك لا أخشى حرب القبائل" مع تحياتي وتقديري .

 

بقلم الأستاذة: سامية البحري - تونس 

 

قراءة في قصة "مظروف" للأديب المصري أحمد الخميسي

abdulkadir kabanمن يقف أمام المجموعة القصصية الموسومة "كناري" للأديب المصري أحمد الخميسي سيستفزه  ذلك العنوان الذي لم يكن اختياره اعتباطيا، ونجد دليلا واضحا على ذلك من خلال الكلمة التي كتبتها في البداية الكاتبة نوال مصطفى، والتي اعتبرت هذا الإنجاز القصصي عبارة عن حوار خيالي جمع بين المؤلف وبين عصفوره الكناري فيما يشبه المناجاة بين حبيبين.

كلنا نعلم أن الخطاب القصصي يقوم على أسس جمالية ووظيفية تواصلية، وهذا ما نلمسه في قصص "كناري" بشكل عام، أين ينسج الخميسي سردا قصصيا يربط الواقع بالخيال، وعليه سنتوجه إلى أنموذج جاء تحت عنوان "مظروف" والذي يشير دلاليا إلى شيء مادي قد يكون رسالة ونحوها، كما قد يتسع في معناه ليعني الورقة المطوية المشتملة على رسائل أو غيرها من الوثائق.

إن تجلي دلالة عنوان هذه القصة لا يتوقف عند مستواه السطحي وإنما يتعداه إلى داخل النص، أين جعل منه الكاتب النواة الأولى التي تنبني عليها عملية السرد إجمالا.

تظهر كلمة "مظروف" منذ أول سطر كإضاءة رمزية تساعد القارئ على التغلغل في فكرة النص، وتحثه على متابعة الحدث في محاولة منه ليكتشف ذلك السر الخفي لبطل القصة: "لكن المظروف الأصفر ظل في مكانه نحو أسبوعين حتى غلفته طبقة خفيفة من غبار وفتات خبز ورماد. كان بصره يقع عليه من وقت لآخر، فيقول سآخذه أول مرة أغادر فيها البيت. بم تلهى عنه؟ لا يدري بالضبط." (ص 91).

نشهد حيرة وقلقا يسكن بطل القصة حيال ذلك المظروف، والشيء المثير للانتباه هو اللامبالاة التي عرفتها تلك الاستمارة التي ظلت سجينة في نفس المظروف لأسباب مجهولة، وهذا ما يزيد جو القصة ثراء دلاليا وحلة رمزية تبعث القلق والتفكير أيضا لدى المتلقي.

جاءت المكالمة الهاتفية لتكسر البعد الإيحائي لذلك المظروف، لنصل كقراء لاستنتاج أولي عن حالة البطل التي يسكنها الإحباط بشكل غير مباشر كما نقرأ على لسان السارد: "مرة أخرى تلقى اتصالا هاتفيا بشأن مكافأة نهاية الخدمة، وللحظة وهو يدفع ذراعه بعجل في كم القميص ومض المظروف في خياله ثم انطفأ في لهوجة ارتداء بقية ملابسه، وخرج. تذكره فقط حين رجع وهو أمام الشقة يفتح الباب، فمط شفته السفلى باستسلام." (ص 91).

ومن وحي الظروف الاجتماعية يتضح للبطل أهمية ذلك المظروف الذي ظل سجين النسيان، أين يوحي بانطواء نفسية صاحبه على أسرار الذات وعجزه عن البوح بها: "صباح اليوم فتح باب الثلاجة فلم يجد على أرففها المضاءة ما يؤكل ولا حتى قطعة جبن صغيرة. فقط كانت ثمة طبق صيني واحد على طرفه شريحة طماطم حمراء ضرب العفن الأبيض في حوافها. لا بد من شراء أي شيء. خبز، علبة سردين محفوظ، ليمون، أي شيء. وضع يده على مقبض الباب، منهكا من ثلاث ليال متعاقبة من كوابيس ونوم متقطع وصمت، وشاهد المظروف مرشوقا ونصفه العلوي مدلى لأسفل." (ص 91-92).

يحاول المبدع أحمد الخميسي تأكيد فرضية النظام البيروقراطي السائد في مجتمعنا العربي للأسف الشديد من خلال شخصية بطل هذه القصة، التي قدمها انطلاقا من رؤيته الفكرية الثاقبة كما نقرأ في المقطع الموالي: "تقدم إلى الشباك، لكن الموظف نهض في تلك اللحظة بالذات، وانسحب إلى عمق القاعة الكبيرة وبدا أقصر مما كان في سيره بين الأعمدة الطويلة في القاعة. وتوقف بعيدا قرب خزانات مرتفعة حتى السقف امتلأت رفوفها بسجلات سميكة مرتبة." (ص 92).

كما وقد ركز الخميسي أيضا على فقدان ثقة البطل بنفسه حيال ما فعله ذلك الموظف في مبنى الأحوال المدنية، الذي يسعى كغيره بشكل أو بآخر إلى عرقلة السير الطبيعي لشؤون المواطن العربي كما جاء على لسان السارد: "طال الوقت وشعر بساقيه ترتعشان من الوقفة، فلوح بالمظروف في الهواء ليذكر الموظف بوجوده، ووقعت دورة المظروف المتكررة في مجال رؤية الموظف فحاد ببصره نحو الشباك، ثم عاد إلى عمله وهو يضم أطراف أصابعه، يهزها في الهواء، طالبا منه بالإشارة أن يتريث." (ص 93).  

انطلاقا من هذه التجربة التي عاشها البطل، سيدرك القارئ حتما أن الالتزام بأداء المهنة هو الحلقة المفقودة في قصة "مظروف"، وأنه بهذا التصور الذي رسمه الخميسي بدقة لا متناهية بات يعيش المواطن العربي نفس الحالة التي تفتقد إلى إستراتيجية واضحة الملامح من قبل النظام الإداري بشكل عام: "استدار إلى القاعة وخطا حتى توقف أمام الشباك. حدق في العتمة متوقعا أن يبرز مسئول من وراء حاجز أو خزانة حاملا شمعة، إلى أن أيقن أنه وحده في الظلمة والصمت. تلاحقت أنفاسه وهتف بقوة ويأس وغضب: أيعقل هذا؟" (ص 94).

كما نجح القاص في عرض مشاعر بطل قصته بطريقة جعلته يتأرجح في سماء من الوحدة والحيرة والحب الذي لا يجرأ على البوح به كذلك، وكل ذلك جاء بطريقة لا تخلو من المتعة والوضوح: "كان يعبر الجهة المقابلة للشرفة كل يوم ليسترق النظر إلى رأسها ونور اللمبة الأصفر الباهت يتشتت حوله، يخترق العتمة، صبيا عابرا دون أن يجرؤ على رفع بصره نحوها، آملا كل ليلة أن ذلك السكون الهش الرقيق يولد من أجله هو." (ص 93).

على هذا الأساس يكشف الأديب أحمد الخميسي من خلال خلفية قصصية أزمة الفكر الإداري والإيديولوجيا المتبعة في جانب الممارسات الإدارية بشكل عام، والتي تحتاج إلى معالجة فعالة لخدمة المواطن العربي بالدرجة الأولى.  

 

بقلم عبد القادر كعبان

........................

 (1) أحمد الخميسي: كناري، مؤسسة أخبار اليوم، 2010