المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

منطلقات الحكمة بسفينة جمالية الشعر .. ديوان (ما لم ابح به لكم)

wejdan abdulazizكنت عبر تلك الليالي الخريفية، احلق بأجنحة مفترضة وأقترب من أشياء الطبيعة، أتشظى مع أوراقي المبعثرة أصلا وسط غرفة ضيقة الجدران ذات نافذة مشرعة دوما، نرى الحياة من خلالها معلقة بشعرة، يثبتها خيال الشاعرة التي تكثف خطابها من خلال ديوانها (ما لم أبح به لكم)، يشدنا الانتظار بوح الشاعرة صليحة نعيجة، (وهي الموعد المورق بالبقاء)، لان (الاسرار تعلن البوح / دمعا / جرحا / وقلبا راعفا لايمل البكاء)، فـ(هل يكشف الفن (أو الشعر) عن حقيقة وان كانت هناك حقيقة يعبر عنها الفن، فما هي هذه الحقيقة وما صلتها بالواقع الانساني؟ ومن ثم هل يمكن ان يوصف الفن بالصدق او بالكذب؟ ومتى يكون الفنان صادقا؟)*، ونحن اذ نلاحظ شاعرتنا صليحة نعيجة تلجأ الى الحكمة من خلال الاهداء: (الى كل فلاسفة الحكمة والى أبي)، لنفترض حالة التهدأة لعواطفها المنفعلة شعريا، ونحن ندرك تمام الادراك ان الشعر هو انفعال عاطفي وتأثر يعتري الانسان ويوهج مشاعره واحاسيسه، للتقط جمال الكلمات ويصور من خلالها موقفه المتحصّل تجاه أشياء المحيط ومن منطلق الحكمة وبسيفينة الشعر الجمالية تحاول الشاعرة تركيز موقفها من صور الحياة المحيطة بها، تقول:

 

(المزاج هوى على ناصية الأمنية

و كونفوشيوس يعى حكمته

و أنا أيضا أدعى أننى احفظ كل حكم أبيقور

و كل الفلاسفة العقلاء

هزمتنى فلسفة الصمت فى أوجه البله

والأدنياء

والأغبياء

هزمتنى ابتسامتى الساخرة

هزمتنى سكاكين تلك الرؤى

تلك التى ادعيت نبل خطوها

نحو هذى البرارى التى لا طقوس لها الا بهائى

البهاء لا يدعى مئذنة للهراء .

المواويل تغنى للصمت والحكمة البائسة .)

 

راسمة هنا موقفها بكل صلابة المرأة التي تحاول رفض الدناءة، لاظهار صوت الجمال وصورته , وتحاول تجاوز فلسفة الصمت، لتكون في فلسفة الكلام الذي يظهر بهاء الانسان وتمسكه بجمال الحياة والحب .. ثم تخاطب الحكماء بأن ..

 

(انهضوا من سبات القرون لأبثكم وحدةً مرعبة

الزمان الذى أدعى أننى

أعقل صولاته خان وعدى وفات

تاركا لى ترف الأبهة.)

 

وهذا مثل لنا مسار سخرية الشاعرة من زمن لايصغي لصوت الحكمة، انما يلفه صوت النفعية التي تختال صوت الجمال .. لذا جاء صوتها بنبرة الذات الواعية، جاهدة في تأسيس بناء جديد على قيم الخير والحب ومباديء الامنيات المحلقة في خيالاتها، وهي تحاول الخروج (من سطوة طفلة / لاتجيد الا الصلاة)، وتعني انها مسكونة في ابحث وفي ادامى صلتها بالحكمة الازلية، عساها العثور على الحقيقة، لذا كانت تعمد الى ذكر أسماء الحكماء والأب والأم والجدة .. كي تترع من خلال هذا وتشبع وتتسلح بهدوء المعالجة وترويض الكلمة الشعرية، بما يجعلها معبرة بشفافية عن ذاتها المحترقة بلهيب البحث عن قيم الجمال كما في قولها :

 

(و هكذا أنا

أحن الى

أحن الى امرأة لا تمل الحياة .

و لكنها ....

امرأة قد تعى جيدا

ما ....الحياة؟)

 

وهذه صورة من صور الواقع المخلوط بالخيال ..(والخيال هو المملكة التي تخلق وتبث الصور الشعرية، واحسب ان لا ملكة عقلية اصعب على التعريف من هذه، ولا ملكة كالخيال جمعت من حولها التعاريف الطنانة والمنوعة وعلى ما يبدو متضاربة)، كما يقول "سيسل دي لويس"، ويبدو ان خيال الشاعرة صليحة قد اوصلها الى حقيقة جوار الاخر مرددة :

 

(أنتَ تعى ما معنى أن أتركَ المدينة الصاخبة باللغةِ

لأهدأَ بجوار كَ؟

هدوءكَ يمنحنى   طمأنينةَ غيابهم بحضورهمْ

كنتَ وحدكَ بلسمًا للجرح

لا متسع للتفاصيل كى تشرحَ أنشودتها

فأنتَ العنوان الوحيد للقارة الآمنة)

 

وعكس هذا مدى انتظامها في فهم مدرك لعنوانات الحياة وكيف هو السبيل الحكيم للوصول الى القارة الآمنة، او الملاذ الوحيد للابتعاد عن ضجيج تلك الاسئلة التي يثيرها عالم الشعر في مخيلة أي شاعر في العالم , ثم تستدرك بقولها رغم ان .. (الصمتُ رسالتى التى تفهمها جيدًا

هو المرادف للحزنِ والتوقِ الى الله

هو التوبة الى نفسى

هو الهسيس الذى لا أمله بحضرة الوجدِ

هو الصاحب الذى يعى خرير القلب وهديره

هو الناحت والمنحوت

يسترسل فى صقلى بالحكمة التى

لا أظلها الا بالرفقة المارقة

وهذه صورة من صور الواقع المخلوط بالخيال ..(والخيال هو المملكة التي تخلق وتبث الصور الشعرية، واحسب ان لا ملكة عقلية اصعب على التعريف من هذه، ولا ملكة كالخيال جمعت من حولها التعاريف الطنانة والمنوعة وعلى ما يبدو متضاربة)، كما يقول "سيسل دي لويس"، ويبدو ان خيال الشاعرة صليحة قد اوصلها الى حقيقة جوار الاخر مرددة :

 

(أنتَ تعى ما معنى أن أتركَ المدينة الصاخبة باللغةِ

لأهدأَ بجوار كَ؟

هدوءكَ يمنحنى   طمأنينةَ غيابهم بحضورهمْ

كنتَ وحدكَ بلسمًا للجرح

لا متسع للتفاصيل كى تشرحَ أنشودتها

فأنتَ العنوان الوحيد للقارة الآمنة)

 

وعكس هذا مدى انتظامها في فهم مدرك لعنوانات الحياة وكيف هو السبيل الحكيم للوصول الى القارة الآمنة، او الملاذ الوحيد للابتعاد عن ضجيج تلك الاسئلة التي يثيرها عالم الشعر في مخيلة أي شاعر في العالم , ثم تستدرك بقولها رغم ان .. (الصمتُ رسالتى التى تفهمها جيدًا

هو المرادف للحزنِ والتوقِ الى الله

هو التوبة الى نفسى

هو الهسيس الذى لا أمله بحضرة الوجدِ

هو الصاحب الذى يعى خرير القلب وهديره

هو الناحت والمنحوت

يسترسل فى صقلى بالحكمة التى

لا أظلها الا بالرفقة المارقة

(لها فاجعة الفرح

و فاجعة الحزن

لها أسئلة لا تنتهى

و أجوبة مفتوحة على كل الاحتمالات الممكنة .

لها نهايات البدء

لها بدايات الحفر فى الوجد الغبى

لها مدن بلهاء بطيبتها

لهاأسئلة متقدة النباهة

و لها ..أقلام لا تجف .

لغة لا تعترف بالعنا

لى وتر ونهد امرأة أرقة

لى شحوب الأزقة فى وجه خضرتى

لى غصة الفرح وارتجاف عند حلق الارتجافة

لى نظرة شزراء وبوح مستحيل)

 

فنكون امام تكويرة من الحالات الانفعالية التي تنتاب الانسان، وهو في المقابل يستوعبها ويتأمل محيط الاشياء وتفاعلها مع افكاره، حيث نجد صليحة نعيجة قد نثرت ومزجت الوانها في لوحة تحتاج منا فك اشتاكلتها وقراءة مساحاتها الجمالية بأنفتاح من حرية الرأي وحرية التأويل، فاقلامها لاتجف بعد ان تدمع من الحبر بخطوط متضادة من الحزن والفرح والبدايات والنهايات والاسئلة المتوالدة، وكل هذا يجعلنا نقر بان الشاعر او الشاعرة الحديثة تستنطق اللغة وما ورائها لتبث دلالات اخرى، وان شاعرتنا بهذا المعنى ليست انسانة عادية، انما تحمل دالة البحث عن الجمال في صعودها وسموها المثالي مثيرة بذلك اسئلة (أيكون سبب جمال الوردة هو شكلها ولونها؟ ام تكون الاشياء الجميلة جميلة بفضل علة اخرى معقولة مثالية، هي مثال الجمال؟) ص77فلسفة الجمال(وقد يرى بعض الصوفية ان الصور الجميلة المحسوسة المشاهدة على الارض، انما تفيض عن جمال الذات الالهية) ص79 نفس المصدر من هذا نجدها تقع في حالات توتر من استعارة الكلمات وجعلها حبلى بالمعاني، حتى تبين لنا بـ(ان الشعر عملية تواصلية للكشف عن الحقيقة والاستمتاع بالمسرات المتجددة دوما في الحياة، لان الخيال حقلا عظيم الثراء والقدرة على وهب الحقيقة والجمال في نفس الآن، وان الفنون كلها ضرب من الشعر، مادام الشعر عملية خلق وابداع لقيم معرفية تسهم في اغناء حياة البشر، فالناس اغلبهم ينساقون اليه بفعل الحاجة الانسانية، كونه المصدر الاساسي لمنابع الجمال والوسيلة الفضلى لادراك الحقيقة) ص51 تلقيح النص، تقول الشاعرة :

 

(أتعبنى الصمت

له حكمة ...أعترفُ بها.

له اكتفاء وارتواء

له سنابل ضوء تصطدم بالنباهة

و تشرئب للعتاب البهى الذى يمقت الأجوبة الجاهزة .)

        

           و

 

(عندما أخلع جبروت أنوثتى

يموت النبل فى حلق الصميم الذى تدفنه الذاكرة

و تصطدم الطعنات التى لا تأبه للحزن والكبرياء)

               و

(الدموع لا تزال أغنيتى الصامتة التى تنحت أساطير البقاء)

فهي تحث الخطى وتغذ السير نحو امنية ...

(قد ضاجعتها السحابات الغزيرة بالهطول والابتهاج

المرح لغتى التى أحبها

و ذاكرتى التى أوهمتنى الصدق بهاءً

وارتياحًا بكل هاتيكَ الاساطير)

وتعلن (انه زمن العولمة الذى مكن الفسيفساء أن تلتقى

و تلقنهم أبجديات الحياة من بعدى)

 

وهنا رفض وقبول بحاجة لحوار ونقاش كي تكتشف الشاعرة ذاتها في وسط حوارات الاخر وجدل الحياة، رغم انها تقول :

 

(أنا أدعى الصمت

فعنوة أنا أدعى الكلام (أيضًا)

 

وهذا الصراع الذي سير مسارات الديوان واظهر بعضا من مواجع الشاعرة صليحة نعيجة في اظهار اسئلة تتوالد منها اسئلة اخرى، ولابد لنا من اطلاق دعوة لقراءة انتاجها الشعري بسبب قبوله التأويلات المتعددة ..

 

وجدان عبدالعزيز- ناقد عراقى

................

/ كتاب (الصورة الشعرية) سيل دي لويس ت/د.احمدنصيف الجنابي ومالك ميري وسلمان حسن ابراهيم / مراجعة د.عناد غزوان ـ منشورات وزارة الثقافة العراقية لسنة 1982 م ص72

/ كتاب (التحليل النقدي والجمالي للادب) د.عناد غزوان ـ دار الشؤون الثقافية العربية العامة ـ افاق عربية ـ بغداد العراق لسنة 1985 ص59

/ كتاب (التلقي وشعر ما قبل الاسلام في النقد الحديث) د.حسنة محمد رحمة الساعدي ـ مؤسسة العهد الصادق ط1 2010م ص19

/ كتاب (فلسفة الجمال) د.اميرة حلمي ـ مشروع النشر المشترك ـ دار الشؤون الثقافية العامة بغداد العراق ـ الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة ص77 ـ 79

/ كتاب (تلقيح النص بالتلقي) مؤيد عليوي / مؤسسة الفكر الجديد ـ النجف العراق ط1 2011م ص51

 

الراقدون في المغارة وآلهة الأرض .. قراءة في نص الشاعر فلاح الشابندر "رقدنا المغارة"

inaam hashimiفي ترجماتي العديدةِ ترجمتُ الكثيرَ مِن النصوصِ الأدبيَّةِ لعددٍ مِن الشعراءِ العراقيين للإنجليزية. ولكي تكونَ التَرجَمةُ مقاربةً لأصلِ النصِّ روحاً وجَماليةً فقد قمتُ بدِراسَةِ أساليبِهم كي أتفهَّمَ مقاصِدَهم، والبعضُ مِنهم تابعتُه في أكثر مِن ترجمةٍ وقراءةٍ وتعليق. فلاح الشابندر واحدٌ ممَّن تابعتُهم بسبب تفرّدُ الأسلوبِ في نصوصِهم وتحدِّيه لمقدِرات القارئ العادِي. والتفرّدُ في كلِّ حالةٍ درستُها يأخذُ اتجاهاً مختلفاً كاتجاهاتِ الريحِ المختلفةِ لا تلتقِي إلا بتصادفٍ عَشوائي. ولاحظتُ أن التفرُّدَ أمدُه محدودٌ حيث يبهَتُ بالتِكرارِ وبتقليدِ الآخرينَ له. أما ذلك الذي يمضي في اتِّجاههِ الذي اختارَه لأسلوبِهِ المُمَيَّزِ وأطلقَ العنانَ لقلمِهِ ليتجَدَّدَ فيه بعيداً عن الجمودِ والدَورانِ في حلقةٍ مُفرغةٍ حولَ نفسِهِ فلا يبهتُ بل يومِضُ ويتألّقُ ويزدادُ تألُّقُه باهتمامِ ذوِي الرأيِ بِه وبَذلِهم الجُهدَ في حلِّ مَغالِيقِ النصِّ الخاضِعِ لهذ الأسلوبِ المتمَيِّزِ والمُتَجَدِّد.

591-inam

يقفُ فلاح الشابندر بأسلوبٍ لا يجاريه أسلوبٌ آخر في الأدبِ الحديثِ العراقيّ الذي نطَّلعُ عليه يومياً والعربيّ عموماً . لا أقولُ أنّه مدرسةٌ، فالمدرسةُ يمكنُ اتِّباعُ أسلوبِها وبكثرَةِ المقلِّدينَ تفقدُ تفرُّدَها كما شاهَدنا في التفرُّدِ والمتفرِّدين السابقين ومقِّلديهم . أسلوبُ الشابندر لهُ نهجٌ لا يمكنُ وصفُه بأبعادٍ وتعاريفَ محدَّدة سوى أنّه يتَّصًفُ برمزيتِهِ المُكثَّفةِ مكتوبة بكلماتٍ بسيطةٍ وواضِحة.

فلاح لا يتشَبًّهُ بأحَدٍ ولا يقلِّدُ أحداً، كما أن تقليده ليسَ بالأمرِ الهيِّن، وهو لا يبذلُ جُهداً لإقناعِ أيّ فردٍ باتِّباعِ أسلوبِهِ أو حتى فهمِهِ ... هو يكتبُ ما يفكِّرُ بِهِ وبأسلوبِهِ الخاص ... ومحاوَلَةُ تقليدِه مِن قبل مَن لا يفكِّرُ بطريقتِهِ لابد وأن يبدو ناتجُها للقارئ كهَذياناتٍ لا معنىً لها ...

هنالك فَرقٌ بين الرمزِيَّة، التي أصبحَ فلاح الشابندر ممثِّلاً لها بأسلوبِه الذي لا يشبِهُ غيرَهُ مِن المُحدِثين، وبين الهَذياناتِ التي نراها في نصوصٍ أخرى تنزعُ للرمزِيَّةِ أو تتشبَّهُ بها بحَشرِ تعابيرَ قصدُها إثارَة الدَهشةِ اللغوِيَّةِ لا غير وناتِجُها الإرتباكُ في الصُوَرِ التي تمثِّلُها، وهذا ما تعجُّ به النصوصُ التي تدخلُ ضِمنَ ما يسمَّى اليومَ بـ "قصيدة النثر" والتي تسيرُ يوماً بعد يومٍ على دربٍ يشيرُ إلى فقدانِ ما يربطُها بمعنى "القصيدة" وافتقادِ الفِكرِ الذي يُفترَض به أن يقفَ وراءَها . هذا مِن ناحية، ومِن ناحيةٍ أخرى لا وجهَ لمقارنتِها بالنصوصِ ذاتِ اللُّغةِ المباشِرةِ التي هي أشبه بالخواطِرِ التي تصِلُ أحياناً حدِّ السذاجةِ وتلكَ التي تشبهُ المقالاتِ المختصرة المقطَّعةِ إلى سطورٍ قصيرة.

هذا النصُّ "رقدنا المغارة" على قِصَرِهِ فيه عمقٌ يراه المطلِّعُ على كتاباتِ فلاح الشابندر ومَن يفهمُ أسلوبَهُ ويمسكُ بالمفاتيحِ لمغاليقِها. وحتى مَن فَهِمَ أسلوبَ الشابندر عليه أن يتوقَّفَ قليلاً حتى يجدَ ثغرةً ينفذُ مِنها إلى فحوى النصّ.. أنا أيضاً أقفُ احياناً حائرةً حتى أجِدَ هذه الثغرةَ ومِنها ينبعِثُ الضوءُ الكاشِفُ فتتفتحُ المنافذُ الأخرى. لا يمكنُ أو لا يصِحُّ أن نأخذَ هذا النصَّ بتفاصيلِ أسطرِهِ وإنَما جملةً بمجموعِها بالفكرِ الذي توحِي به والصُوَرِ التي تتخلَّلهُ بتركيبِ الأجزاءِ لتكوِّنَ الكُلّ. وسآتي فيما بعد إلى الأجزاءِ التي أقلقتني أو لفتت نظرِي لبعضِ الشطحاتِ فيها وخاصَّةً اللغويَّة مِنها.

حينَ قرأتُ النصَّ وفيه ثلاثةٌ ومغارةٌ تذكَّرتُ أهلَ الكهف " سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ " .. فلابدَّ أن يكونَ هناكَ رابِعٌ، ولكنِّي ما ظننتُه كلبَهم ذلك لأنني ما لبِثتُ أن ربطتَه بما جاءَ في كتابِ "آلهة الأرض" للشاعرِ المهجريّ اللبناني- الأمريكي جبران خليل جبران وسيطرت هذه الفكرةُ على ذهني حتى عدتُ لقراءةِ " آلهة الأرض" بحثاً عمّا جّلبَ فكرةَ الربطِ بهذا الإصرارِ والإلحاحِ إلى ذهني. ...

النصُّ الذي بين أيدينا " رقدنا المغارة" حِوارِيٌّ مسرَحِيٌّ فيه ثلاثةُ أشخاصٍ وأصواتٍ يتحاورونَ كما في كتابِ جبران "آلهة الأرض"، ثلاثةُ أشخاصٍ، يسميهم آلهةَ الأرض، يتحاورون في نصٍّ شُبهِ مسرحيٍّ حيثُ يتكلمُ الأول ويردُّ عليه الثاني "أخوه" وحِوارهما يأخذُ اتجاهينِ متعاكِسَين. الأوّلُ يتذمَّرُ بقلقٍ وبيأس من الحياة ويريدُ التخلِّي عن إلوهيتِه، والثاني راضٍ بما يحيطُ به أو بما يتذمَّرُ مِنه الأول ويجِدُ له تبريراً أو تفسيراً ويتقبَّلُ الحياةَ رغمَ تِبيانِه ضعفَ قُدرَةِ الإنسان، الذي هو مِن خَلقِهِم كي يكونَ عبداً وخبزاً لهم. ثمّ يدخلُ الثالث "أخوهم الأصغر" التوفيقِيّ بين الإتجاهينِ المُتناقِضينِ في حِوارِ الأول والثاني أو الرافِضُ لكِلا الموقِفين ويرى ما لا يَرَيانَهُ غيرأنَّهما لا يسمعان ما يقولُه رغمَ أنه مشتركٌ معهما بالحِوار. والحديث بينهم يدورُ حولَ البشريَّةِ والخليقةِ والجمالِ والقبحِ والمحبة وعلاقة الإنسانِ بالآلهةِ، كما يذكرُاتجاهاتِ الريحِ بما يوحيِ ضِمنِيّاً إلى كونِها اربعة، كما جاء في نصِّ الشابندر. وحوارُ الآلهةِ فيه قلقُ واضِحٌ على مصيرِ الإنسانِ والإنسانية وعلاقتها بالآلهة. كما يشيرُ الآلهة إلى وجودِ إلهٍ رابع يحتِّمُه اكتمالُ الخليقةِ والوجودُ . وبفهمي أنَّهُ الإله المخَلّص ولكنهم يرمزون له بـ "الزمَن" الذي يمشي في ظلِّ نورِهِم ويرى بأعينِهم. . وأرى أن نصَّ الشابندر بإشارتِهِ لاتجاهاتِ الريحِ الأربعةِ إنَّما يشيرُ للحاجةِ إلى إله رابعٍ يأتي بالخلاصِ مِن الواقِعِ المرتبِكِ ويحقِّقَ الهارمونِيَّةَ والتوافقَ لعالَمٍ مليئٍ بالتناقضات، وهم ثلاثةٌ فقط ولا يمكِنُهم مَسكَ زِمامِ الريحِ باتِّجاهاتِها الأربعة.

بهذا الربط شعرت أنَّ روحَ جبران قد تلبَّسَت نصَّ الشابندر، ورغمَ أنَّ النَصَّين كُتِبا في زمَنَين مختلِفَين وبإسلوبين مختلِفَين إلا أنَّ الظرفَ الفِكرِيّ لجبران آنذاك ومشاعِرَهُ إزاءَ الإرتباك والإختلال وفِقدان التوازنِ السياسيِّ فيما يحيطُ بموطِنِه الأصليّ لبنان يشبِهُ إلى حدٍّ ما الإرتباكَ والاختلالَ الذي يحيطُ بالعراقِ الذي يعيشُهُ الشابندر فِكريّاً وجَسَدِيّاً. قد لا يصِحُّ الربطُ بينَ نصٍّ مركَّزٍ مُختَصَرٍ كنصِّ الشابندر ونصٍّ حِوارِيٍّ مُشبَعٍ ومكثَّف، كالذي هو مضمونُ آلهةِ الأرض لجبران، ولكن تبقى الومضاتُ الفِكرِيَّةِ المتمثِّلةُ بالفِكرةِ والتعبيرِ عنها الخيطَ الرابط.

الربطُ بينَ ما يكتُبُه فلاح الشابندر مِن ناحيةٍ وكتاباتِ جبران خليل جبران من الناحيةِ الأخرى ليسَ جديداً عليّ، فقد سبقَ وأن أشرتُ لذلكَ في مناسباتٍ أخرى. وأشيرُ هنا إلى الحِواريةِ النقدِيَّةِ التي ضمَّنتُها كتابَ "أنا وفلاح الشابندر: متابعة حوارية " وإلى إجاباتِهِ على بعضِ أسئلتِي حول التأثرِ بالآخرين حيثُ أشرتُ فيها لتأثُّرِهِ بالشاعرِ الأمريكيِّ أدغار ألان بو والشاعِرِ المَهجَرِيِّ جبران خليل جبران و رامبو ومركَبهِ السكران، وكذلك بيكيت في مالنكولِيَّتِه .. ففي إجاباتِهِ اشارَ إلى أنَّه ربَّما تأثَّرَ برامبو ولكنَّهُ نَفى أن يكونَ قد تقمَّصَ شخصيَّةَ بيكيت الشاعِرة أو غيرها مِن الشخصِيّاتِ الأدِبَّيةِ التي شَعَرَ أنَّ التشبيهَ بها أو المقارنَةَ معها كثيرةٌ على حَرفِهِ، كما ذَكَرَ أنَّ مكتبتَهُ لا تَحتوِي أيَّاً مِن كُتُبِ جبران ... إذاً، فتلبّسُ روح جبران في كتاباتِ الشابندر هو غزوٌ لا إراديّ واتِّصالٌ غيبِيٌّ بينَ زَمَنَينِ وفِكرَين وحَّدَتهما ظروفُ الوطنِ لكلٍّ مِنهما والمتَّصِفة بالإرتباك الفِكريِّ والسِياسِيِّ والعَقائِديّ وتخبُّطِ القياداتِ السلطويّة والمتمثلةِ باختلاطِ الأصواتِ وتضارُبِ الإتجاهاتِ فيها كما جاء في نصِّ الشابندر وفي آلهة الأرض.

اقفُ هنا لأقولَ أنني حينَ دخلتُ في هذا التعليقِ علمتُ أنني دخلتُ متاهةً، أو ربَّما متاهتين توازي إحداهُما الأخرى أو تشتبِكُ الواحدةُ مع الأخرى، تلكَ هي متاهةُ آلهةِ جبران الثلاثة ومتاهةُ فلاح الشابندر بالأصواتِ الثلاثة التي في النهايةِ "رقدت فراغ المغارة .... إلى الأبد... "

في متاهةِ جبران أعدتُ قراءتي لألهةِ الأرض وكنتُ قد قرأتُ الكتابَ في وقتٍ مضى وأعدتُ قراءتَهُ مجدداً أكثرَ مِن مرًّةٍ، وباللغتين العربيّة والانجليزيّة، وفي كلِّ مرَّةٍ أكتشِفُهُ مِن جديد . في هذه المرَّة بحثتُ عن مَنفذٍ او مَنافذَ تخترِقُ جدرانَ المَتاهةِ وتعبرُ الحواجزَ إلى متاهةِ فلاح الشابندر. وهنا ارتأيتُ اقتطافَ مقاطع مِنه كي أضعَكم في أجواء آلهة جبران الثلاثة فربَّما تجدون التبريرَ لي بالربطِ يبنهم وبينَ أصواتِ الشابندر في "رقدنا المغارة". ولن أعطيكم الكثيرَ خوفاً مِن أن يضعكم ذلك في المتاهةِ ذاتِها. وعلي ان أشير هنا إلى انَّ جبران كتب آلهة الأرض بالإنجليزيَّة وبلُغةِ الشِعرِ النثرِي او النثرِ الشِعرِيّ الفتّانِ، وكان آخرَ ما نشرَهُ قُبيل وفاتِه في العاشر من نيسان 1931. ووردَ أنَّه كَتَبَ ثُلثَيهِ بين 1914 و 1915 . أما التعريب فهو للأرشمندريت أنطونيوس بشير.

 

(وعندما حلت ليلة العصر الثاني عشر

وابتلع الصمت الذي هو مد بحر الليل ـ جميع التلال،

ظهر الآلهة الثلاثة، المولودون في الأرض، وأسياد الحياة، على الجبال .

فتراكضت الأنهار إلى أقدامهم،

وغمرت أمواج الضباب صدورهم،

وارتفعت رؤوسهم بجلال فوق العالم،

ثم تكلموا فتموجت أصواتهم، كالرعد البعيد فوق السهول.

الإله الأول:

إن الريح تهب شرقاً،

فأريد أن أحول وجهي نحو الجنوب،

لأن الريح تملأ مشامتيّ برائحة الأشياء الميتة

 

الاله الثاني:

هذه رائحة الأجسام المحترقة، وهي لذيذة وسخية،

,انا أود أن أتنشقها .) (جبران: آلهة الأرض)

 

أما نصِّ الشابندر، وبشكلٍ عام، فأفهمُ مِنه الإرتباكَ في الأوضاعِ المحيطةِ به، وهي شاغلُه الشاغلُ وشاغِلُ كلّ مفكِّرٍ يعيشُ أوضاعَ العراقِ التي لا يخفى ارتباكُها على الراصِد، وفي هذا الإرتباك تعلو الأصواتُ المتضاربة، وكلٌ مِنها له عِلّةٌ يشكو مِنها وموقِفٌ مختلِفٌ من الأوضاع. هذه الأصوات تحاولُ السيطرةَ على الموقفِ وإيجادِ الحلولِ بهارمونيةٍ وباتخاذِ وجهةً موحَّدةً تتفِقُ عليها، حيثُ اقترحَ الأوّل وجهةَ البحرِ وفيه احتمالُ الغرق، والثاني وجهةَ البَرِّ وفيه احتمالُ الظمأ والشمسِ المًحرِقة، والثالث وُجهَةَ الريحِ ولكن للريحِ أربعةَ اتّجاهات كما للشفَقِ أربعةُ اتّجاهات، وهم ثلائة ينقصُهم الرابع... فهل هم بحاجةٍ إلى إلهٍ رابع كما وجدَ آلهةُ الأرضِ رابعَهم في "الزمان؟" وهذا الإلهُ بيدِه الخلاصُ المُرتَجى؟ لهذا سلَّموا أمرَهم للرقادِ في اللاجَدوى والطريقِ المسدود " مغارة الصوت التي خارج النفاذ" إ لى الأبد ؟

(يخرج منا الصوت مغارة

لعلها المفازة...؟

ورقدنا فراغ المغارة

ابـــــــــــــــــــــــــــــداً.........................!!)

 

لعلها المفازة ... والمفازةُ حسب القواميس قد تعني : "البرِّية" أوقد تعني "المَنجاة" أو عكسَها "المهلَكة". وفي المعنيين الآخيرين يتجَسَّد الخَلاص ... فقد بحثوا عن طريقٍ للسماء وفيه الخلاص

" توهموا سلّماً ليلمسوا غيمة" ولكن المؤذِّنَ أنذرهم أن الليلَ قادِمٌ ...وما هذا بسلَّمٍ وإنما هو خيطٌ مِن خيوطِ الليلِ الذي اختلط بالنهارِ وهو” يحفرُ واديه” ...

هل هو يحفرُ قبرهم؟

أهي نهايتُهم؟

وهل هذا سببُ الخوفُ الذي جَمَعَهُم ودليلُهُ الإرتِباكُ الواضحُ في التِكرار: "صوت فينا...فينا صوت"

أم هل هو القنوطُ الذي دفَعَهم للتسليمِ والرقادِ في مغارةِ الصوتِ حتى يأتيَهم الخلاصُ على يَدِ الزمنِ إما بالنجاةِ أو بالمَهلَكةِ؟ وفي كِلتا الحالتين هو الخلاص. أما حياة وفيها الخلاصُ مِن مغارةِ الصوت، أو الموت وهذا خلاصٌ أيضاً حيث تتحرَّر الروحُ مِن جسدِها معقلَ المعاناة...

ويبقى المعنى في قلب الشاعر!

 

والرقادُ والنومُ هو ما يلجأ له آلهة جبران في النهاية: وأقتطف من أقوال الآلهة ما يشير لذلك :

الإلهُ الأول الذي هو أكثرُهم تذمُّراً بإلوهيَّته وينحو نحوَ رفعِ يَدِهِ عن الخَلقِ، بعدَ جَدَلٍ طويلٍ يجِدُ في النومِ حلاً لقَلَقِهِ على مصيرِ الإنسانِ أو يأسهِ منه وضيقِه ذرعاً بإلوهِيَّتِه التي تتسيَّدُ على الإنسانِ وتجعله عبداً لها وتجعلُ منه طعاماً للآلهة ولهذا يحاول الانفصام عن ذاته الإلهيّة والتخلي عن مسئوليتِهِ تجاه البشر:

 

(دعني أطمئن هنيهة .

إن نفسي تريد ان تستريح الليلة،

فقد يغلبني النوم، وفي نومي أرى عالماً أكثر نوراً من هذا العالم،

فتأتي مخلوقات أبهى من مخلوقاتنا فتسترق طريقها الى فكري.) (جبران: آلهة الأرض)

 

والإلهُ الثاني الذي يتقَّبلُ الحياةَ وعِلاقَةَ الآلهةِ بالإنسانِ رغمَ احتقارِهِ لعدمِ قدرةِ الإنسانِ، وهو من خَلْقِ الآلِهةِ، على التغَلُّبِ على ضعفِهِ والارتقاءِ إٌلى مستوى الإلوهيَّةِ، مما يجعلُ مِن حقِّها السيطرةَ عليهِ والتَحَكُّمَ به، فيقول:

 

(يا لتفاهة الكيان، والنهوض، والاحتراق أمام الشمس اللاهبة، والمراقبة لليالي الأحياء ـ

كما تراقبنا عين الجوزاء!

يالحقارة مجابهة الرياح الأربعة برأس مكللٍ رفيع،

وشفاء أسقام الناس بأنفاس لا مدَّ في بحرها ؟

إن الخيام جالس يخبط خبط عشواء أمام نوله،

والخزاف يدير دولابه بعدم اكتراث،

أما نحن الذين لا ينامون، ويعرفون كل شيء،

فقد اعتقنا من ظلمة الظن والتخمين .

فنحن لا نتردد ولا نمعن النظر .

لأننا قد سمونا رفعة على جميع الأسئلة القلقة .

فلنعش مطمئنين، ولنطلق طيور أحلامنا من أقفاصها .

وكالأنهار فلنسكب في البحر ــ

من غير أن تديرنا حافات الصخور،

فإذا بلغنا قلب اللجة، وابتلعتنا أمواجها،

انقطعنا عن المجادلة والتأمل في مصير الغد، إلى الأبد.)

(جبران: آلهة الأرض)

 

أما الإله الثالث الذي هو أكثرهم ثقة بالمحبة الإنسانية فمن أقواله:

 

(أيَّة زهرة تساقطت من السماء .

أي لهيب ارتفع من الجحيم،

فحمل قلب الصمت الى هذا الفرح والخوف المقطع الأنفاس ؟

أي حلم حلمناه على الأعالي،

أيّ فكر بعثناة في الريح،

فايقظ غفلة الوادي

وفتح عيني الليل؟) (جبران: آلهة الأرض)

 

وهو في الختامِ يجِدُ في الخلودِ للنومِ حلاً حكيماً أو خَلاصاً وتركِ الأمرِ والقيادةِ للغَدِ المقبِلِ والمَحَبَّة البشريّة وإن كانت ضعيفة!

 

(سنعبر إلى الشفق البعيد،

فقد نستيقظ في فجرعالم آخر،

ولكن المحبة باقية

ولن تمحى آثار أصابعها

إن الكور المقدس متأجج بالنار،

وكل شعلة تصدر منه هي شمس محترقة .

فالأجدر والأحكم لمصلحتنا ــ

أن نفتش عن قرنة صغيرة فننام في الوهيتنا الأرضية

تاركين قيادتنا الى اليوم المقبل، إلى المحبة البشرية الضعيفة. ) (جبران: آلهة الأرض)

 

وهنا قد يكمنُ سِرُّ الرقادِ في المَغارةِ ... مَغارةَ الصَوتِ في نَصِّ الشابندر.... ذلك بتسليمِ القِيادَةِ للمحبَّةِ البَشرِيَّةِ الواهِنَةِ لتأخذُهُم إلى اليومِ المُقبِلِ.. إلى الغَدِ ...

وهنا أخرجُ مِن متاهةِ جبران وربطِها بمَتاهةِ الشابندر وأنتقلُ إلى الناحيةِ اللغويَّةِ في نَصِّ الشابندر، كما وعدتُ من قبل، فقد لَفَتً نظري أكثرُ مِن تصرُّفٍ لغوِيّ في النصّ ...البعضُ منها أقلقَني حيثُ لم أجد لهُ تصريفاً أو معنىً مُقنِعاً، ابتداءَ من العنوان .

العنوان "رقدنا المغارة" هل يعني "رقدنا في المغارة" كما رقدَ أهل ُالكَهف؟ وهل حذفَ الشابندر حَرفَ الجرِّ " في" لأنّه يجِدُ فيهِ زيادةً لا ضرورة لها؟ ويعتبِرُ المعنى مفهوماً دونَه كما في القول" توسّدنا الوِسادة"؟ أم هل يقصدُ "رقَّدْنا المغارة" بتشديد القاف، أي أنَّ المغارةَ هي الراقدة؟... والمغارةُ هي الصوتُ في النصّ، فهل يعني ذلك أنّهم أسكتوا الصوت؟ رقَّدوه؟ أم رَقَدوا فيه؟

 

(مغارةٌ هو الصوت..

خارج النفاذ

يخرج منا الصوت مغارة)

 

أنا رجَّحتُ الاحتمال الأول والذي يعني "رقدنا في المغارة" وهي الصوتُ المختلِطُ فيهم ومِنهم وحولَهم.

والإلتباس الآخر تكرَّر كلمةُ "إجْمِع" وبهذا التحريك، كسر الهمزة وكسر الميم !

لم أجد لهذا التحريكِ تفسيراً إلا أن يكونَ خطأ طباعياً ... ومِن هنا قد تكونُ الكلمةُ الصحيحةُ "أجْمَع" لتعني جميعاً، أو لتعني "تجَمَّع"، أو أجمَعوا الرأيَ والأمر؟؟ أنا فهمتُها بالمعنى الأول ولا أدري إن كان التحرِيكُ متعَمَّداً ليعني شيئاً آخرَ لا أعرفُه!

في كلّ الأحوالِ لم يغيِّر ذلك َمن الصورةِ الكلّ في النص.

 

ومِن أساليبِ فلاح الشابندر التكرارُ لتبيانِ اللَّغط والديناميكيّة التي لا تصوِّرُها الكلمةُ الواحدةُ،

ومن أساليبه أيضاَ بترُ الجملةِ وتركها للقارئ ليكمِلَها كما في:

(كان دغلاً دربيَّ، وعباءتي..!)

ما أمرُ عباءته؟ لعلّها من صوفٍ والدغلُ يعلَقُ بالعباءةِ الصوف ويجرِّدُه منها إن لم يطوِيها ويرفَعها فوقَ رأسِه !!!

وفي هذا النصِّ، إضافةً إلى التكرارِ والَبترِ، استعمل الشابندر رَميَ البديهيّة بصيغةِ الغموض والتناقضِ باستعماله تلاعباً لغويّاً طريفاً في:

(وقال الأول ... ثالثهم: )

(وقال الثاني ... ثالثهم: )

لأول وهلةٍ قد يظنُّها القارئُ لخبطةً لغويّة .. ولكنها ليست كذلك، فبالتأكيد كلُّ واحدِ مِنهم هو ثالثُهم ما داموا ثلاثة! يبدو لي في هذه وكأنَّه يشاكِسُ القارئَ أو يداعِبُه!!!

وفي الختام أقول أو أتساءل:

هل مِن حقِّ الشاعرِ أن يُتعِبَ قرّاءَهُ بالحَدَس؟ ولماذا نحنُ نوقِعُ أنفسَنا في هذا الفخّ، فخَّ قِراءَةِ هذه النصوصِ والدخولِ في متاهةِ التحليلِ والتفسيرِ والحَدسِ في حلِّ اللُّغزِ فيها.؟

إنها لعبةُ تشغيلِ الدماغِ التي يرمينا فيها الشاعرُويتَّكئ، ربَّما ضاحِكاً وربَّما منتظِراً أوراقَ الامتحانِ ليصحِّحَها ويُقَيِّمَ على أساسِها قُدراتنا القرائيّةَ او التحليليَّة. كم سيطولُ نَفَسُنا في هذه اللُّعبة؟ وكم مِن اللاعِبين الجدد سيدخلون الحلبةَ حينَ يخرجُ بعضُنا مِنها؟

هذا ما سيأتي مع "الزمَن" وربَّما يكونُ ذلك حينَ يتحققُ الخلاصُ للراقدين في المغارةِ بالمفازة، المنجاة أو المَهلَكة !!

 

حرير و ذهب (إنعام)

الولايات المتحدة

 

المقاطع الختامية من أصل "آلهة الأرض" بالإنجليزية

 

         SECOND GOD:

        

         Thus has it been since the first morn

         Discharged the plains to hill and vale,

         And thus shall it be to the last even-tide.

         Our roots have brought forth the dancing branches in the valley,

         And we are the flowering of the song-scent that rises to the heights.

         Immortal and mortal, twin rivers calling to the sea.

         There is no emptiness between call and call,

         But only in the ear.Time maketh our listening more certain,

         And giveth it more desire.

         Only doubt in mortal hushes the sound.

         We have outsoared the doubt.

         Man is a child of our younger heart.

         Man is god in slow arising;

         And betwixt his joy and his pain

         Lies our sleeping, and the dreaming thereof.

        

         FIRST GOD:

        

         Let the singer cry, and let the dancer whirl her feet

         And let me be content awhile.

         Let my soul be serene this night.

         Perchance I may drowse, and drowsing

         Behold a brighter world

         And creatures more starry supple to my mind.

        

         THIRD GOD:

        

         Now I will rise and strip me of time and space,

         And I wil dance in that field untrodden,

         And the dancer's feet will move with my feet;

         And I will sing in that higher air,

         And a human voice will throb within my voice.

         We shall pass into the twilight;

         Perchance to wake to the dawn of another world.

         But love shall stay,

         And his finger-marks shall not be erased.

         The blessed forge burns,

         The sparks rise, and each spark is a sun.

         Better it is for us, and wiser,

         To seek a shadowed nook and sleep in our earth divintiy,

         And let love, human and frail, command the coming day.

        

         )Gibran Khalil Gibran(

          *******

 

...................

ورقدنا المغارة..!

فلاح الشابندر

 falah alshabandar

في جزيرةٍ صدئة ملساء..،

على أطراف الليل ..وللنهارِ كذلك اطراف ..!

تسكنها أصوات ..،

والاصوات كانت ثلاثة...

حولهم ..

الاول:

كان دغلاً دربيَّ ، وعباءتي..!

الثاني:

حلزونٌ ما الالتواء إلاّ حلزون ...؟!

وثقب دربي ..ورئتي سعالٌ يجرفها..

الثالث:

أقِيمُ تحتَ اظافري بيتيَ العظمي

الشمسُ تختلسني فاغتسلُ بها

إجْمِعُ حولهم

وللافقِ جهات اربع

ونحن ثلاثةٌ

قال أولهم..ثالثهم:

لنمضي البحرَ وجهةً

قال الثاني..ثالثهم:

الوجهة هي البر..!

إجْمع:

...لنأخذ الريح وجهة

لكن للريحِ جهاتٌ اربع

ونبقى ثلاثةٌ

توهموا سلّماً ليلمسوا غيمة

صاح مؤذنهم:

إنَّ الليل يقرب النهار

يحفرُ واديه

إلتموا على بعضهم ...!

إن فينا...منا ..حولنا

صوتٌ

إختلط فينا الصوت

أين يهدي الصوت هذا..!؟

لئلا يمحى

صوت فينا

صوت فينا

صوت فينا

فينا صوت

فينا صوت

فينا صوت ...!

مغارةٌ هو الصوت..

خارج النفاذ

يخرج منا الصوت مغارة

لعلها المفازة...؟

ورقدنا فراغ المغارة

ابـــــــــــــــــــــــــــــداً.........................!

*****

رابط النص الأصلي:

http://95.211.218.232/index.php/nesos2014/887643.html

 

أ. د. إنعام الهاشمي (حرير و ذهب)

 

رواية "طشّاري".. حنين السرد الى وطن يضيع

amir hushamأصدرت الروائية والصحفية العراقية إنعام كجه جي والمقيمة في باريس روايتها الجديدة "طشّاري" وذلك عن دار الجديد في طبعتين كانت أولاهما في صيف عام ٢٠١٣ وأما الطبعة الثانية فكانت في ربيع عام ٢٠١٤. وقد جاءت الرواية على ما يقرب من ٢٥٠ صفحة من القطع المتوسط ومهداة الى ماهي شمّاس (لا أعرف عن ماهيته/ها شيئا، وشّماس أسم يعود لجذور سريانية) لتكون رواية الشتات العراقي. وقد أستهلّتها المؤلفة الواثقة من حبكتها وبنائها بمقطع من قصيدة بدر السيّاب والتي يقول فيها: لو جئتِ في البلد الغريب اليَّ ما كَمُلَ اللقاء .

 

الملتقى بكِ والعراق على يديّ هو اللقاء

وتُسرَد الحكاية على لسان طبيبة عراقية مسيحية من مدينة الموصل، تخرجت من كلية طب جامعة بغداد لتواصل خدمتها الطبية لأبناء مدينة الديوانية بل قل لبناتها وسيداتها حيث كانت تعمل في مجال طب النسائية والتوليد. والروائية أنعام كجه جي صحفية في مهنتها التي عملت فيها لسنين طوال وما زالت، فما كان من قلمها وخيالها الاّ أن يتأثرا بواقع الصحافة والكتابة الصحفية من تحرير خبر أو كتابة تحقيق صحفي يستجوب أشخاصا ويبحث عن مستور مخفي.

وقد قسّمت الروايةُ فتطشرّت الى ٤٠ فصلا تبادلت فيها الراوية العليمة القص خارج حدود الوطن هجرةً والبقاء داخله معاناة ما بعدها معاناة. فقد راحت فصول الرواية جميعها تتناقل الماضي والحاضر للطبيبة وعائلتها من والديها وزوجها وبنتها وولدها وما له علاقة بعلاقاتهم الأجتماعية التي تفرضها ظروف الحياة التي تختلف بين شخص وآخر. وهكذا تتاح الفرصة للكاتبة أن تستعرض زمنا يمتد على ما يقرب من ٨٠ عاما هو عمر الشخصية الرئيسة الدكتورة وردية أسكندر في الرواية وعمر نشوء الدولة العراقية ذاتها. فكأن الوردية (الطبيبة) هي كناية عن وطن، فيصبح الحديث عن شتات وردية وعائلتها دلالة ومعادلا موضوعيا عن تشتت الوطن نفسه وأنقسامه على بعضه. ولعمري فأن أحداث السياسة المتسارعة على الأرض تظل سابقة على ما يكتبه الكتّاب والروائيون. فإذا كانت الشخصية الرئيسة في رواية طشّاري من الموصل الحدباء فأن هذه المدينة غيرها اليوم، وقس على ذلك مما تتناوله الرواية من أحداث بغدادية أو ديوانية (نسبة الى مدينتي بغداد والديوانية).

ولعل مما يلفت الأنتباه حقا هو أن الكاتبة وهي تقص للقاريء حكاية وردية مستخدمة ضمير الغائب في أكثر الفصول وعلى لسان راوٍ عليم أنما تركز على حياة شخصيات الرواية في الداخل العراقي رغم تواجد هذه الشخصيات في الخارج هجرة ولجوءا بعد سقوط بغداد وأحتلالها عام ٢٠٠٣. وهي بذلك لا تخرج الى المرحلة الثانية من مهمات السرد العراقي بخصوصيته والتي نتوقع أن تتناول حياة الأجيال العراقية المهاجرة الى دول العالم المختلفة. فقد فصلّت الرواية عن حياة وردية وعملها الطبي في مدينة جنوبية عراقية لها تقاليدها العشائرية التي تجعل لسيدة من المدينة مثل العلوية شذرة تأثيرها الذي لا ينازع فيه على مجريات الأمور دون أن نغفل ما يعتمل في الواقع السياسي والأجتماعي لتلك المدينة التي لا تختلف جذريا عن مدن العراق الأخرى. فلم يعرف العراق الاّ تعايشا سلميا بين أفراد المجتمع وفسيفسائه المعروفة والتي كانت مضرب الأمثال في التعايش والتفاهم والمودة.

وهكذا راحت كجه جي تستعرض حياة وردية العراقية بتفصيل فيه من الدقة العلمية مما يعطي الأنطباع بأنها قد بحثت في شؤون الطب والصحة عراقيا وعالميا. وهو الأمر الواضح بعد ان يستزيد قاريء الرواية سردا عن حياة هندة أبنة وردية وهي تكمل مسيرة دراساتها العليا في الطب بكندا حيث نظامها الأمتحاني الخاص وطبيعة العمل الطبي الخاصة.

 

مقبرة للعراقيين أفتراضية:

وكان لابد من ضربة صحفية في رواية كجه جي   " طشّاري"، حيث يسعى أسكندر الأبن الذي له خبرته في الحاسوب الى تصميم مقبرة للأموات والأحياء العراقيين أفتراضية على الشبكة العنكبوتية حيث يخصّصها للحالات غير الأعتيادية، كناية عن ما تعرضت له الشخصية من معاناة وعذابات في الحياة حتى يضمن لها مكانا في مقبرته الأفتراضية هذه. وفي الفصول الأخيرة من الرواية سعت الراوية لأن تضمّن كل ما قد يمر بخاطر الأنسان العراقي من شواهد وطنية سواء كانت على الجانب الفني أو السياسي أو الأجتماعي العام العراقي كمعنى ودلالة على حنين الرواية للوطن الذي تطشرّت ناسه رافعة بذلك من المستوى العاطفي في لغة السرد التي تميزت بسهولتها وعذوبتها وشفافيتها وقربها من لغة الصحافة دون أسهاب ممل أو أطناب غير مرغوب فيه أو لا طائل من ورائه.

ففي أنزياحها اللغوي تذكر بلاد ألف ويلة وويلة بدلا عن ما هو معروف عن بغداد المدينة التي نصفها بأرض ألف ليلة وليلة. ثم أنها تشير في ص ٢٤٠ الى النشطاء الألكترونيين العراقيين المذهلين كما تصفهم وهم يتجولون أفتراضيا في وطن تظهر صوره على شاشات الحاسوب لا غير. فتأتي النساء المحجبات والسافرات ولابسات العباءة، ويطلع على الشاشة المعمَّمون والرهبان والصوفيون وضاربو الدرباشة وباعة الشلغم والسميط وشربت الرمان والضباط المتقاعدين، حملة نياشين الحروب....ولعل في تساؤل الرواية في سطرها الأخير: أمَ يشبعون من الدم؟ المغزى، حيث السعي لكي تجعل من قارئها باحثا معها عن جواب أضنى الحكماء والعقلاء.

ان رواية "طشّاري" بتعدد فضاءاتها وتبئير سردها حول شخصياتها المحددة والمأزومة بشكل أو بآخر ، وبأشاراتها المتعددة الى مدلولات شعبية أجتماعية محببة لا تغفلها عين القاريء الفاحصة، أنما تعتبر أضافة نوعية مهمة للسرد الروائي العراقي في سنوات ما بعد ٢٠٠٣ والتي تتناول حقيقة التفتّت الأجتماعي الذي أصاب لحمة المجتمع العراقي من خلال هجرة أجبارية لخيرة أبناء وطن عانى ما عانى عبر حقب تاريخه السياسي المضطرب، دون أن تتشعب فتضيف أبعادا أخرى لحكاياتها بأن تذكر مثلا أغتيالات الأطباء في العراق وعمليات خطفهم والتي جرت وسجلت ضد مجهول. ولا أنسى إشارة الرواية هنا في ص٢٤٩ الى أنه " يولد العراقيون فرادى ويموتون جماعات". وعودة لغلاف الرواية فقد كان التصميم قائما على صورة لطبيبة جرّاحة لا علاقة لها بالصفة الطشّارية للرواية، سوى الإشارة على الغلاف الداخلي من أن الصورة هي من أرشيف المؤلفة الشخصي، وكأنها تريد أن تقول أنها ستسرد ذاتها في رواية حصلت على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون ونجحت في الوصول الى القائمة الصغيرة الأخيرة لجائزة الرواية العربية أو البوكر لعام ٢٠١٤. وعندي أن عتبة الرواية في عنوانها الدال عليها قد أعطتها صفة غامضة أضطرتها لتفصيل المعنى في متن السرد، رغم أستخدامها لأسم مشتق من فعل له جذوره في اللغة العامية العراقية.

ان المسؤولية التاريخية للأدباء والمثقفين العراقيين انما تلقي على كاهلهم مهمة سبر أغوار واقع مريض لا يعبر عن حقيقة الوطن وصولا لرسم ملامح مستقبل أفضل ولو عن طريق الرواية التي تمزج واقعها بالخيال.

سفير العشق العراقــــي

tarik alrobaieلي درة في شغاف القلب غافية

إن غادرته فماذا بعدها أجدُ

بكيتها قبل أن تنأى وواعجبا

من أدمع كاد منها الثلج يتقد

إذا تهادت تراءى الكون أغنية

وأزهد الخلق في محرابها سجدوا

تحفها أينما حلت ملائكة

لأنها عن بنات الوحي تنفرد ...

أبيات الشعر هذه لم يكتبها جميل بثينة او مجنون ليلى أو اي من شعراء الغزل العذري، ولم يسمع بها أحد من أبناء القرنين الثاني والثالث الهجريين، رغم إننا نلمس فيها بوضوح الخصائص الفنية التي امتاز بها شعر الغزل آنذاك، من وحدة الموضوع، وحرارة العاطفة، وبساطة المفردة الموحية، والمشاعر الفياضة، وجمالية الصورة الشعرية .. إن هذه الأبيات من قصيدة (عاصمة النساء) للشاعر العراقي حامد خضير الشمري الذي ينسج على منوال أسلافه من شعراء العربية الفطاحل دون ان يجعل من نفسه نسخة أخرى منهم . وإن كنا عند قراءتنا لنصوص الشعراء العرب الكبار الأقدمين نقف حيارى أمام كلمة أو عبارة محاولين فك الغموض الذي يتلبسها، باحثين في قواميس اللغة عن تفسير لها يزيح النقاب عن المراد منها، إلإ إننا لن نضطر لذلك عند قراءتنا لحامد الشمري . فأبياته الشعرية تأتي سلسلة عذبة يعانق بعضها البعض بقوة، خالية من التكلف والصنعة ومن غريب الكلام الذي يقطع علينا متعة الإسترسال بالقراءة ونشوة اللذة التي تعترينا . مفرداته بسيطة، ثرية بالدلالات والرؤى، معبأة بحمولة كبيرة من الطاقة الشعرية، والخيال الخصب، والعاطفة المتأججة الصادقة التي نشعر بها في كل بيت من أبيات القصيدة ونتفاعل معها، ولا نجد أنفسنا إزاء ذلك إلا ونحن ننهل من هذا الينبوع العذب الذي يتدفق بمرونة وهدوء لا يقف عند حاجز يصده، او ينحرف بسبب إنعطافة نحوية مفاجئة إن صح التعبير .. وفي هذه الأبيات من قصيدة (شهد البنفسج) نلمس الطابع الوجداني العميق الذي يميز نصوص الشاعر عن سواه، مع وضوح المعاني، وحلاوة الألفاظ وفصاحتها

أدنو فتدنو وكادت فيّ تلتصق

وما حسبت بأنا سوف نفترق

لا تطفئيني دعي الأشواق تصهرني

إني بمائك قبل النار أحترق

إذا تجليت ِ يا أبهى مقدسة ٍ

يخرّ موسى بلا وعي وينصعق ...

وبهذا الإسلوب العذب والشعر المطاوع للغناء وتوظيف الرموز المقدسة واستثمارها بحرفية عالية استطاع الشاعر حامد الشمري أن يتجاوز الخطوط الفاصلة بين النخبة والجمهور البسيط، وأن ينقل تجربته الشعورية الى الجميع بلا مشقة او عناء، لتنساب مفرداته ومعانيها كالنهر الذي يجري يفيض ببركاته على شاطئيه بسخاء . وان كان لكل مبدع أصيل هدف سام يصبو إليه، ويحث الخطى نحوه، ورسالة يبشر بها، فإن الحب هو غاية الشمري ورسالته، وعشق المراة هو الوسيلة للنفاذ الى ذلك الهدف الأسمى، الذي يسعى اليه الشاعر في زمن كثر فيه دعاة الكراهية والبغض، ونفثت فيه أفاعي الدواعش بمختلف أشكالها وألوانها أقذر السموم الطائفية والعنصرية، ونادت بالقبح كشعار لها . فلم يكن الغزل الشمري تعبيرا عن تجربة شعورية منفردة، منعزلة عن الواقع المعاش، بل اصبح سلاحا يشهره بوجه خفافيش الظلام، تلك التي لا تعرف العيش سوى في العتمة والعفن، ولا تجيد سوى القتل وسفك الدماء، ولاتكره شيئا قدر كرهها للنور والحب، ففي كل قصيدة غزل جديدة يكتبها الشاعر ترياق لنا وسم زعاف لهم، وتحد شجاع، وقدرة على مواصلة الحياة، وإصرار على ان نبقى نحب بالرغم من كل شيء . وفي هذه الأبيات من قصيدة (رحيل البنفسج) يعبر الشاعر عن عقيدته في الحب بإعتباره الغاية التي جاءت لأجلها الأديان، والمبدأ الذي بشر به الأنبياء، وقيمة عليا تعتنقها البشرية على مختلف الملل والنحل، متخذا من وصف معشوقته معراجا لغايته الكبرى :

هي تؤأم الفردوس إلا إنها

الأحلى لأن الله فيها يسطعُ

نفحٌ من القرآن في نبراتها

وصدىً من الإنجيلِ فيها يُسمعُ

وزبورُ داودٍ وألواح التقى

لمقام موسى من يديها تُرفعُ ..... إلى أن يصل في قوله

والملحدون إذا رأوا آياتِها

شهدوا بان الله حيٌ مبدعُ ....

لا استطيع الإحاطة بكل ما يميز الشاعر العراقي حامد خضير الشمري من خلال هذه المقالة البسيطة، إلا إنني أقول وبحسب قناعتي إنه يمثل النموذج الرائع للشاعر الأصيل الملتزم بمبدأه الإنساني، والمؤمن بان له رسالة يجب ان يوصلها للناس مهما كبر حجم العوائق في طريقه مادام مقتنعا راضيا عن نفسه وعن جوهر رسالته . فهو لا يبحث عن الظهور الإعلامي الزائف والشهرة المؤقتة ومكاسبها المادية وما يصاحب ذلك من بريق خلاب سرعان ما يضمحل وينطفىء بعد مرور قليل من الوقت يضيع معه كل شيء ليصبح نسيا منسيا . إن من الظواهر الأدبية البارزة التي شاعت في مجتمعاتنا العربية في العصر الحديث هي التقليد الممسوخ للغرب، والتجرد من الخصوصية والهوية العربية التي تميزنا عن سوانا الى درجة إننا نقرأ في كثير من الاحيان نماذج شعرية نحسب ان كتًابها نظموها وهم تحت تأثير حالة من الهذيان، فلا نعرف هل ما نقرأه شعر أم طلاسم أم احاجي علينا ان نُجهد عقولنا في فك رموزها . وهنا تبرز أصالة الشمري الذي يغترف من ينابيع اللغة العربية الدافقة، ومن تراث أدبها العريق، فضلا عن إنه ينهل من تراث الامم الأخرى وآدابها دون أن يكون لها سلطان عليه يقتلعه من جذوره البابلية ويجرده من هويته . فهو المترجم الامين القدير الذي لطالما اتحفنا بنصوص عالمية من اللغات الفارسية والروسية والإنكليزية كانت روح كتًابها حية نابضة فيها لم يعتريها عور وإضطراب جراء النقل من لغة الى أخرى . وهو المعبر الصادق عن تجربة وجدانية عاشها وما زال يعيشها حتى اليوم . كل ذلك كان له الأثر الكبير في تميزه بعمق العاطفة، وقوة التأثير في المتلقي، وبخصوبة الخيال، وروعة النظم بعيدا عن التكلف والغموض، مما اعطاه نكهة فريدة وبصمة مفارقة لمن سواه من مبدعي العراق الأصلاء ليس في شعر الغزل فحسب بل في مختلف الأغراض الشعرية الاخرى التي تناولها .

لمحة موجزة: حامد خضير الشمري عضو اتحاد الادباء العراقيين، شاعر ومترجم وصحفي، أمين سر جمعية الرواد الثقافية المستقلة المركز العام – بابل لأربع دورات متتالية، نشر العديد من القصائد والتراجم والمقالات والدراسات في الصحف العراقية والعربية . أصدر (نقوش على كوفية أبي جهل) ديوان شعر، وقصائد حب عالمية مترجم عن اللغة الانكليزية .... قام بترجمة عدة دواوين وقصائد مختارة .. لديه العديد من المؤلفات غير المطبوعة في الشعر والترجمة .

بحور مستحدثة تبطل ما في جعبة شعراء الحداثة من أعذار

nadheer khazrajiعاش الإنسان من غابر العصور والدهور، ومرّ في الفيافي، وتنقل في الوديان، وارتقى الجبال، وركب البحر، وتعامل مع الحجر والمدر والحيوان، وطوّع لحاجاته اليومية بعض الفلزات وغير الفلزات، واستعمل الدابة في الحرث والحركة، وظل لفترة طويلة على هذا المنوال، وفي كل مرّة يكتشف الجديد به يتطور ويطوّر، وعلى يديه تتسارع مراحل الحياة، وفي كل فترة زمنية تشهد الأرض طفرة علمية تتناسب والوضع الاجتماعي العام والأمداء العقلية التي بلغتها البشرية، حتى وصلنا وما وصلنا اليه من تطويع للذرة التي لا ترى بالعين المجردة، والتي بها يُضرب المثل لضاءلة حجمها، ودخلت في كل مفاصل الحياة السلمية والحربية، وهذا التطور السريع الطفرات يشهد يوماً بعد آخر ارتفاعاً في الخطوات واتساعاً في الخطو، حتى بات العلم في بعض أجزائه خطراً على الحياة وعلى عموم البشرية والكرة الأرضية بما تحمل من جبال ووديان وانهر وبحار ومحيطات وبما تحيط بها من طبقة أوزون واقية.

ولم تخل دائرة من دوائر الحياة من توسع قطرها بالاكتشافات والإبداعات والاختراعات، بما أودع الله من سنن في باطن الأرض وخارجها، وهي سنن فوّض إلى الإنسان أمر استخراجها من خزانة المستور، بما جعل في عيبة جمجمته من عقل ينشد الصقل كلما علاه الصدأ أو ران على قلبه الرين.

ولم تكن صناعة الكلام، بما قذفته الألسن والأفهام وأسالته المحابر والأقلام، بمنأى عن سنن التطور، وفي حقل القوافي والأوزان شكّل الخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى عام 175هـ، معلماً فارقاً ومميزاً في إرجاع الشعر العربي الى تلازم تفاعيله المشكّلة لوزنه وبحره، فكانت التفاعيل ثمان، وهي: (فعولن، فاعلن مفاعلتن، متفاعلن، مفاعيلن، مستفعلن، فاعلاتُن، مفعولاتُ)، ومن هذه التفاعيل جاء الفراهيدي بالبحور الخمسة عشر: الطويل، المتقارب، البسيط، الرجز، السريع، المنسرح، الكامل، الوافر، المديد، الرَّمل، الخفيف، الهزج، المضارع، المقتضب، والمجتث، وكلها مستخرجة من دوائر خمس هي: المختلف، المتفق، المؤتلف، المجتلب، والمشتبه، وزاد الأخفش سعيد بن مسعدة المتوفى عام 215هـ ببحر المتدارك.

وظلت براءة اكتشاف بحور الشعر مقفولة على الفراهيدي، حتى جاء القرن الخامس عشر الهجري، لا ليكتشف الأديب والمحقق والفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي بحوراً جديدة من بطون الشعر العربي، كما فعل الفراهيدي، وإنما ليستحدث دوائر شعرية جديدة بلغت 43 دائرة وليبدع بحوراً جديدة بلغت 210 ابحر من اثنتي عشرة تفعيلة أخرى هي: (فعْلن، مفاعيلتُنْ، مفاعلن، مفتعلن، مستفعلتُن، فعلاتُن، فاعلاتتُن، متفاعلتن، مفتعلتُنْ، مفعولنْ، مفعولاتُنن متفاعيلتُن)، وهذه الدوائر والبحور قيّد براءة استحداثها في ثلاثة كتب صدرت في عام 2011م هي: "هندسة العروض من جديد"، "الأوزان الشعرية العروض والقافية"، و"بحور العروض"، وحتى يضع الأديب الكرباسي عشاق الأدب العربي وطلابه ودارسيه في جو البحور الجديدة عمد الى وضع ديوان "ظلال العروض في ظئاب المطالع والملاحق" في ثلاثة أجزاء، ضم كل قصيدة مطلعاً فيه تفعيلة البحر الجديد (التام والمجزوء والمنهوك) وأبدع الشاعر الجزائري الدكتور عبد العزيز مختار شبين في إتمام مطلع القصيدة بملاحق من سنخ التفعيلة والبحر والوزن والروي في مئات الأغراض الشعرية توزعت على (639) قصيدة بديعة، ضم الجزء الأول (199) قصيدة، فيما ضم الجزء الثاني الصادر حديثا (2014م) في 424 صفحة من القطع الوزيري عن بيت العلم للنابهين في بيروت، من (200 قصيدة) والبقية تأتي في الجزء الثالث والأخير.

 

تفعيلات وتفريعات

يتركب البحر التام من ثمان تفعيلات متناصفة بين الصدر والعجز، ومن تراكيب التفعيلات يتحدد نوع البحر، والتفعيلات التي جاء بها الكرباسي الى جانب تفعيلات الفراهيدي خلقت هذا العدد الكبير من البحور ضمن متواليات هندسية تشكل التفعيلة العمود الفقري لها، وإذا حُذفت تفعيلة من الصدر ومثلها من العجز صار البحر مجزوءاً، وإذا لحق الحذفَ تفعيلتان صار البحر منهوكاً، وبهذا صارت البحور 210 أبحر ومثلها المجزوء ومثلها المنهوك، وهو ما يعطي فسحة كبيرة للشاعر والناظم في اختيار البحور وتفريعاته، كما يفتح طريق التفكير أمام شعراء الحداثة والحر والنثر المقفى أكثر من مرة للعودة الى حضن الشعر العمودي القريض الذي يتسيد قصر الشعر العربي وحوله الأبيات والأبحر.

وكمثال على التفعيلة التامة والمجزوءة والمنهوكة التي استحدثها الأديب الكرباسي، هو بحر المرجوز التام وتفعيلته:

مستفعلن مفاعيلن مفاعيلن مستفعلن ... مستفعلن مفاعيلن مفاعيلن مستفعلن

ومثاله قصيدة بعنوان (الحكام باعوا وبايعوا)، يدين بشدة احتلال البلدان الإسلامية بسبب عمالة بعض الساسة وانبطاحيتهم، ونموذجه العراق وما حصل فيه ويحصل اليوم، ومطلعها:

مالى أرى العِدا في أرضنا جوراً قد سارعوا ... والحاكمون قد باعوا مغانينا أو بايعوا

وألحق الدكتور عبد العزيز شبّين المطلع بعشرة أبيات يقول فيها:

الأرضُ لي وغِربانُ الصدى في صمتٍ حوَّموا ... غدراً على نواحي الحُزن فيها بَوْحٌ نازعُ

ثم يضيف:

أين الصِّبا؟ خضيلَ الرَّبْعِ، كنّا في نَيْسانه ... والآن صُرِّمَت وُرْقُ الضحى لا طيرٌ ساجعُ

ويختم ملاحق المطلع بالبيت التالي:

يا عاصفاً بريحٍ جُنَّ فيها غدرٌ جارحٌ ... منهٌ التظى بساحٍ النار مفجوعٌ أو فاجعُ

أما تفعيلة بحر مجزوء المرجوز، فهي على النحو التالي:

مستفعلن مفاعيلن مفاعيلن ... مستفعلن مفاعيلن مفاعيلن

ومثالها قصيدة بعنوان (رزايا الحسين لا تنطفي)، يقول الأديب الكرباسي في مطلعها:

هذا الحسينُ مازالت رزاياهُ ... تطفو كأنَّها تجلو قضاياهُ

ويلحقها الشاعر شبين بعشرة أبيات يقول في بعضها:

هذا الغليلُ في طفٍّ تُناديه ... عند البلا دِماً تَغلي وأمواهُ

يا أرضُ كربلا لِلحُزنِ تاريخٌ ... فيك اشتعَلتُ حُزناً لستُ أنساهُ

ويختمها بقوله:

يخطو النخيلُ نحو الخُلد لم يَهزُزْ ... هُ العصفُ كلّما مارت صحاراهُ

وأما تفعيلة بحر منهوك المرجوز، فهي على النحو التالي:

مستفعلن مفاعيلن ... مستفعلن مفاعيلن

ومثاله قصيدة بعنوان (العروبة)، رأى فيها أن العروبة مشتقة من العرب ومأخوذ في معناها الواقعي الإبانة والفصاحة لا المعاني الضيقة والتوظيفات السيئة لها في مقابل التعالى على الأقوام والمجتمعات والأمم الأخرى، جاء مطلعها:

لي في عروبتي رأيُ ... يُقصى الدَّنيُّ والمِرْيُ

فيما ألحقه الدكتور شبين بأبيات عشرة، وفيها:

معنى عروبتي ضادٌ ... يزكو بلوحه الوحيُ

ضاءت حروفها ليلاً ... منها الصباحُ والهديُ

ويختم بقوله مشدداً على أهمية التقوى في فهم العروبة:

إنّ العروبةَ المُثلى ... تقوًى رياضُهُ الفيُّ

وجرت البحور جميعها بتامها ومجزوئها ومنهوكها على ذات السياق، ولكن عدد أبيات الملاحق تختلف من قصيدة لأخرى إلا أن القاسم المشترك لها هو مطلع مع أبيات عشرة، وذلك أن معيار الأديب الدكتور محمد صادق الكرباسي في القصيدة المتكاملة عشرة أبيات وما دون العشرة مقطوعة، وما دون المقطوعة قطعة ثم البيت الواحد.

 

أبعاد وأغراض

لديوان ضلال العروض وما حواه من قصائد متألقة، أبعاد وأغراض مختلفة تعكس قدرة الأديب الكرباسي والشاعر شَبِّين على توظيف الكلمة والقافية والبحر في أغراض شعرية كثيرة توزعت بين الاجتماع والسياسة والدين والشريعة والتاريخ والسيرة والحكمة والنصيحة والمشورة والكرم والعطاء والبذل والحب والعشق ومودة الآل والوطن والزمان والأطلال والآثار، وغيرها كثير. فمن بحر المرمول التام وتحت عنوان "الكريم يُقصد" في إشارة الى المنقذ المهدي الذي تهوي اليه أفئدة الناس لنيل كرمه والخلاص من الظلم والطغيان على يديه، فينشد صاحب المطلع:

قاصدٌ بيتَ الكريم الذي يلي أمورنا ... إذ يفي بالوعد دون الورى يَعي صدورنا

ثم ينشد صاحب المطالع:

معبرٌ قد بتُّ أسعى اليه والمدى هبا ... ءٌ يصدُّ الليلُ فيه بمكره عُبورَنا

إذ يطير القلبُ شوقاً الى رفيف ظلّه ... حيثُ غيثُ الكَرْمِ يروي من الظَّما طُيورَنا

ويختم بقوله:

أشعريه أنَّنا في اصطبارنا ثوابتٌ ... أيقظَ الإلهامُ عبرَ انصبابه شعُورنا

ويُلاحظ في أبيات الملاحق فطنة الشاعر في استخدام فن الجناس لتنتهي كلمة القافية من جناس اللفظ الأولى من كل بيت، فجاءت الأبيات العشرة في مقدماتها وقوافيها على النحو التالي: (معبرٌ- عبورنا)، (يطيرُ – طيورنا)، (يُزهر- زهورنا)، (أبدرت- بُدورنا)، (هُجِّرت- هجيرنا)، (سعَّرت- سعيرنا)، (عبِّري- عبيرنا)، (أبصر- بصيرنا)، (أضمر- ضُمورنا) و(أشعر- شعورنا).

ومن مفارقات الحياة أنك تجد انساناً يشكو لك الفراغ وسأمه وطول النهار وهمّه، ينتظر الليل ليلتحف حالكه ويتوسد دامسه، بانتظار يوم جديد لعل شيئا ما يبدر او حدثا يصدر يغير من رتابة الحياة ومللها، وما أكثر العاطلين النائمين على وسادة الفراغ، ولكن الكرباسي في قصيدة بعنوان "صراعُ الوقت" من بحر مجزوء المتضارع، يشكو من قلة الفراغ، فهو والزمن في صراع دائم، يسارع عقارب الساعة وتسارعه أيهما يلحق بصاحبه، بل إن هذا الديوان وأكثر من ستة عشر ديواناً آخر بين مطبوع ومخطوط، تنضّدت عقودها في لندن على وقع أقدامه التي تنقله صباحا الى المركز الحسيني للدراسات قادماً من منزله وتعيده عصراً ويراعه يسطر الأبيات على وريقات يدسها في جيب جبته يستلها عند ذهابه وايابه يحبرها شعراً، يسرق الزمن ولا يدعه يغلبه، في دورة يومية يتحرك بها ضمن خارطة "أدب الطريق"، فينظم:

أنا والوقتُ المعنّى في صراع ... فلا أدري سارقٌ لي أم كُراعي

فيلاحقه الدكتور شبّين ناظماً:

على درب الدهر حرٌ أم أسيرٌ ... وعبرَ الأيام يزداد اتباعي

ثم يختم بالبيتن:

فؤادي لا تتبع السهوَ انزياحاً ... يريدُ الدنيا عن الأمر المطاعٍ

حلا لي عزفُ الهوى لمّا انجلى غيـــ ... ـــــهبي يا نفسُ استعدي لن تُراعي

وحيث توزعت قصائد الجزء الأول في مطالعها وملاحقها على 75 بحراً جديداً مبتدعاً، فإن قصائد الجزء الثاني توزعت على 74 بحراً آخر، هي التالية حسب الحروف الهجائية: (المتحلّف، المتخلّع، المتدارك، المتدرّك، المتراجز، المتراكب، المترجّز، المتركّب، المترمّل، المتزايد، المتسارع، المتسرّح، المتسرّد، المتسرّع، المتشابك، المتشارك، المتضارع، المتعاكس، المتقابل، المتقارب، المتقاسم، المتقبّل، المتكامل، المتمازج، المتمايز، المتوازن، المتوافر، المتوفّر، المثمّل، المجاز، المجتث، المجمع، المجمل، المجموع، المجوز، المحلّف، المحمود، المخالط، المخصب، المخصّص، المخصوص، المخفف، المخلط، المخلوط، المخلوع، المدق، المديد، المذلّل، المرتجز، المرجّز، المرجوز، المركّب، المركوب، المرمّل، المرمول، المزاد، المزج، المزوّد، المزيج، المزيد، المستجمع، المستجمل، المستحدث، المستحلف، المستخلص، المستخلع، المستدرك، المستدق، المسترجز، المسترمل، المستزاد، المستزيد، المستشبه، والمستضرب.

في الواقع لن يدرك جليل ما جاء في ديوان ضلال العروض إلا حين يتنقل المرء بنحل ناظريه ومشاعره بين مشاتل العناوين وأغصان البحور وورود القوافي، وحسب تعبير الأديب والأكاديمي اليمني الدكتور محمد مسعد العودي وهو في تعليقه على الديوان كما جاء في الجزء الأول منه الصادر في العام 2014م في 360 صفحة، بعد أن يتحدث عن أدب الطريق الذي انتهجه الكرباسي منذ سنوات طوال: (اكتملت أدوات الإبداع في يد الشاعر فراح يصوغُ من الخواطر الدُّرر، ومن قبسات فكره العِبَر، يتسامى بنيانُ الشعر شموخاً في محرابه، لا تطوله غربان الظلام، وتمتد بأعناقها إليه أطيار النور، هو الكوثر الذي تحوم حوله عطاشُ المواهب، تلتمس منه معينُ الرُّواء). مضيفا في بيان ما أنتجته قريحة صاحبي المطلع والملحق واستخدامهما المتنوع للمفردة: (نحا الشاعران في تعاملهما مع المعجم اللغوي منحىً مجازياً، يعطيها أكثر فسحة للتصوير، ويهبُها أرحب خيال في التعبير، ويجعلها أكثر ليونة على استيعاب التجربة الشعرية الرائدة التي يخوضها الشاعران الكرباسي وشبّين كسابقة فريدة في شعرنا العربي، هذا الديوان "ظلال العروض" صنع اللغة عجينة من ورق في الفضاء يداعبها النسيمُ كيف شاء، وينقلها إلى حيث يريدُ).

وخلاصة الأمر، فكما أن كتاب "هندسة العروض من جديد"، وتمظهراته في "الأوزان الشعرية" و"بحور العروض"، تمثل عدة كل باحث عن منافذ الأدب المنظوم، ومرجع كل دارس في كليات الأدب ومعاهدها، وأدوات كل شاعر ينشد القريض من عيونه الرقراقة، فإن "ضلال العروض في ظئاب المطالع والملاحق" هو التطبيق الشعري لتفاعيل البحور المخلّقة من ماء الإبداع الأدبي.

الواقعية الانتقادية في رواية (زينة) لنوال السعداوي (1)

alkabir aldasisiفي إطار متابعة الرواية العربية بنون النسوة، نقف اليوم على هرم من أهرام الرواية النسائية في العالم العربي، ورقم صعب في معادلة التأليف الروائي النسوي، فعن سن تجاوز الثمانين سنة لا زالت نوال السعدواي، كما عهدها القارئ العربي، وفية لأفكارها ومبادئها التي كرست لها حياتها، ولم يزدها الفصل من العمل، والمحاكمات والمضايقات والسجن والنفي والتهديد بالقتل إلا الإصرار، والتبني لقضايا نساء مصر والمرأة عموما، ورغم تعدد مؤلفاتها التي نيفت على الأربعين كتابا دون العديد من المقالات والحوارات،تبقى رواياتها من أهم ما خلفت هذه الكاتبة والحقوقية المصرية و من هذه الروايات نذكر:

• رواية موت الرجل الوحيد على الأرض.

• رواية كانت هي الأضعف.

• رواية جنات وإبليس.

• رواية الصورة الممزقة.

• رواية امرأة عند نقطة الصفر

• رواية الأغنية الدائرية.

• رواية سقوط الإمام 1987ترجمت إلى 14 لغة

• رواية الرواية

• رواية امرأتان في امرأة

• راوية الحب في زمن النفط.

• رواية زينة 2009

تعد رواية زينة إذن من آخر أعمال نوال السعداوي الروائية صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى سنة 2009 عن دار الساقي ثم في طبعة ثانية سنة 2010 في ما يزبد عن 318 صفحة من الحجم المتوسط وهي الطبعة التي سنعتمد في هذه القراءة

تحكي الرواية قصة امرأة (بدور) تنحدر من أسرة معروفة فأبوها اللواء أحمد الدامهري(كان ضابطا في الجيش حين قامت الثورة ... حصل على منصب مدير عام أو أمين عام مؤسسة الثقافة الجديدة) . تعرفت في مظاهرة تطالب بإسقاط الملكية على شاب (نسيم) أعجبت به ودخلت معه في علاقة نتج عنها حمل خارج مؤسسة الزواج، بعد اعتقاله ووفاته تحت التعذيب وضعت فتاة (زينة)، اضطرت للتخلص منها بتركها في الشارع بعد عجزها عن مواجهة المجتمع وتقاليده، التقطتها وربتها امرأة فقيرة (زينات) ... تمكنت بدور من تجاوز محنتها وواصلت حياتها وتزوجت من الصحفي زكريا الخرتيتي وأنجبا ابنتهما (مجيدة) ؛ تبتدئ أحداث الرواية بالفتاتين (زينة ومجيدة) في المدرسة، والمعلم يطلب من تلامذته كتابة أسماءهم الثلاثية على السبورة، وفي الوقت الذي يفتخر كل تلميذ بمن فيهم مجيدة باسمه واسم أبيه وجده، لا تجني زينة سوى وسخرية التلاميذ من اسمها (زينة بنت زينات)، لأن المجتمع يعتبرها ابنة زنى لا أب لها، من هذه البداية تشرع نوال السعداوي في تشريع الواقع المصري، ومنه الواقع العربي، موجهة سهام نقدها للتقاليد، وفساد السياسة ورجعية الفكر الديني الذكوري، و تحالف الجماعات السلفية مع السلطة في مصر وتسخيرهما للإعلام من أجل توجيه الرأي العام والتأثير فيه وفق ما يخدم أجندتهما، وبالتالي فالرواية تندرج ضمن مشروع نوال السعداوي والذي تحملت من أجله الكثير

رغم كثرة بطلات الرواية (مجيدة، بدور، بدرية، صافي، زينة، زينات..) فالكاتبة اختارت اسم زينة دون غيره من الأسماء عنوانا للرواية لأسباب كثيرة حددت الساردة بعضها بقولها: (لأنها جاءت من قاع المدينة وصعدت إلى قبة السماء، لأنها حولت أصعب مأساة إلى انتصار مفعم بالبهجة والثراء، لأنها تعزف النغمة الصحيحة في اللحظة الصحيحة في هذا الزمن الرديء، لأنها تخلع الأقنعة عن الوجوه المحجبة،تفضح الكذب والزيف)، وفي ذلك الاختيار قصدٌ من نوال السعداوي لإظهار أن المرأة بموهبتها وحريتها وليست بمكانتها الاجتماعية وأسم عائلتها، فزينة فرضت نفسها على المجتمع دونما حاجة لسلطة الأب والنسب، ودون الحصول على شهادة جامعية، أو الانتماء لطبقة اجتماعية أوغيرها من الوسائط التي تتوهم بعض النساء أنها ضرورية لترقي سلم الشهرة والمجد، باختيار (زينة) عنوانا دون باقي النساء الأخريات وفيهن المثقفة، والكاتبة الصحفية، والمنحدرة من أسرة عريقة، والتي يسندها اسم الزوج أو الأب ...

تعلن نوال السعداوي من خلال الرواية رفضها لنموذج المرأة الخانعة المستسلمة ومن تم رفض اختزال المرأة في الجسد واعتبارها مجرد أداة لمتعة الرجل أو بضاعة للمتاجرة والمضاجعة وإشباع غرائزه ونزواته في مقابل ذلك تعلن تأييدها للمرأة المعتمدة على طاقتها ومجهودها الشخصي وهو النموذج الذي طالما دعت إليه نوال السعداوي ودافعت عنه .

من الناحية الفنية القصة تحكيها الساردة " مجيدة الخرتيتي " ابنة "زكريا الخرتيتي" و"بدور الدامهيري" يتراوح السرد بين زمن الحاضر؛ اللحظة الآنية التي تعيشها الساردة اليوم و بين الماضي إذ يرتد السرد إلى أحداث سلفت فيذكِّـر بما عاشه الأبطال في طفولتهم، وما أنتج حاضرهم المرير المحبط والمشبع بالتناقض، هكذا يغوص السرد في طفولة بدور الدامهيري منذ كانت طفلة تلعب مع ابن عمها أحمد وحبه لنفسه ورغبته في امتلاك ما ليس له كما تجلى في اغتصابه وتدميره لدميتها، وصدمتها عند اكتشاف أبيها يغتصب طفلا أعرج من أطفال الشارع؛ ليكون لهذين الرجلين أكبر الأثر في حياتها، تقول الساردة عن بدور وهي تكتشف فعل أبيها: (تصورت لأول نظرة أنهما جسد واحد ثم انتبهت إلى أنهما جسدان، جسد أبيها وجسد الطفل الولد الأعرج من أولاد الشوارع، عمره ثمانية أعوام مثل عمرها)

مرورا بمرحلة المراهقة،وحماس الشباب، وخروجها في مظاهرات ضد الملكية، وتعرفها على نسيم وتعلقها به وإنجابها لزينة سفاحا، وقبولها الزواج عقب ثورة 1952 من زكريا الخرتيتي مدير صحفية،الصحفي الإنتهازي، الوصولي رغم عدم حبها له،ليكون الرجل الثالث المؤثر في حياتها لأنه (يحبها ويكرهها في آن واحد،وهي أيضا تعاني الازدواجية تريه ولا تريده،تحبه وتكرهه) .. هكذا عاشت تعيسة وهي أستاذة للنقد الأدبي المرموقة في الجامعة، وكذلك عاشت ابنتها مجيدة تعان في صمت من كثرة مشاجرات أبويها، ومع ذلك واصلت مجيدة مثل أمها دراستها بنجاح، وغدت صحفية لها عمود خاص دون أن تكون لها رغبة أو موهبة في الصحافة، مما جعلها تحلم طيلة حياتها أن تكون لها شخصية وموهبة زينة ابنة زينات وشخصيتها القوية المتحررة تتبع أحداث الرواية يتضح أن نوال السعداوي أغرقت أبطالها في واقع فاسد واختارت أن تخلص الشخصيات الإيجابية "النموذجية" التي تمثل وجهة نظر الكاتبة (زينة، والصحفي أحمد محمود) تعبيرا منها عن تفضيل الموت على العيش في الفساد والسكوت عليه... واستمرت في تعذيب باقي الشخصيات الخانعة والفاسدة بإغراقها في المعاناة و الأمراض النفسية الحادة (مجيدة، بدور، أحمد الدامهيري زكريا الخرتيتي..)، كل منهم يحمل همومه، وتبقى بدور المتواطئة بصمتها وخنوعها خير من يمثل ملامح من هذه الأمراض النفسية في الرواية، وعبرت عن ذلك من خلال كتابة رواية بطلاها نعيم وبدرية، وهي الرواية التي حكت فيها ما لم تستطع قوله في علاقتها بزوجها، تلك الرواية التي سيسرقها منها زوجها زكريا الخرتيتي وينسبها لنفسه لتنتهي رواية(زينة) بوفاة بدور عند اكتشافها لهذه السرقة تقول الساردة في أخر سطور الرواية (تمددت بدور الدامهيري على الرصيف .. جفونها نصف مغلقة، نصف مفتوحة، صدرها لا يعلو، لا يهبط لا شيء فيها يتحرك، إلا ثوبها القطني الأبيض الخفيف، يحركه الهواء، نرفعه الريح، عن جسدها الراقد فوق الرصيف..) وبذلك تكون نوال السعداوي قد اختارت نهاية مأساوية لبطلتي روايتها، كاعتراف منها بالفشل في تغيير الواقع، فقتلت زينة بطلقات نارية من المتعصبين بعد إدراج اسمها ضمن لائحة الموت، وقتلت بدور عقب فشلها في تغيير سلوك زوجها، واكتشافها سرقته لروايتها، ومن تم وقفت الرواية في حدود الواقعية الانتقادية التي تكشف تناقضات المجتمع دون الرقي إلى مستوى الواقع الاشتراكية التي يثور فيها الأبطال على واقعهم ويغيرونه، صحيح أن روايتها جنحت نحو تصوير الواقع، لكن تصويرها تركيزا على تشوهات المجتمع، وانتقادا لاذعا للحاكمين والمحكومين، للأغنياء والفقراء، للمثقفين والأميين، للكبار والصغار، ولكل مؤسسات التربية ةالتنشئة من الأسرة إلى المدرسة مرورا بالشارع والأحزاب فالجامعة والمسجد والكنيسة.. كان انتقادها شديدا لكل مناحي الحياة في المجتمع المصري، فما مظاهر هذه الانتقادية في رواية زينة؟؟

انتظرونا في الحلقة القادمة نبرز فيها مظاهر الواقية الانتقادية في رواية زينة

 

..............

1 - زينة، نوال السعداوي دار الساقس الطبعة الثانية 2010 - ص - 16

2 - ص - 271

3 - ص – 219 - 220

4 - ص - 128

5 - ص - 130

6 - ص- 318

الإيقاع .. ومراحل تطوره في الشعر العربي (1)

karem merzaالإيقاع ظاهرة طبيعية تعني التسلسل المنتظم لمجموعة من العناصر، فنبضات القلب، ودقات الساعة، وشعر الشعراء، وضربات الصفارين، ورقص الراقصين، والرسوم المتناظرة للرسامين والمهندسين، حتى الروائح الشمية، والمناظر العينية، والإحساسات اللمسية، والمذيبات الذوقية، كلـّها إيقاعات، إنْ جاءت متسلسلة زمنياً بإنتظام، أما اذا تدخل العقل والفكر والإبداع بين ثناياها، فعندها تكون الإيقاعات غير تامة الإنتظام، فتصبح فناً، ولهذا يرى عالم الجمال (هو جارت): إن القاعدة الثابتة في الفن هي تحاشي الإنتظام، ويقصد التام .(1)

نقول في هذه الحالات ترتقي الإيقاعات الى درجة أرفع، وهيئة أعقد، فتكون متباينة بتناسق بديع، لتشكل الفنون الجميلة المختلفة، ومن هذه الفنون الشعر، وعلى الشعر بنى العروضيون عروضهم، وبسط (ابن فارس) هذه العلاقة بقوله : إنّ " أهل العروض يجمعون على أنه لا فرق بين صناعة العروض وصناعة الإيقاع، إلا أنّ صناعة الإيقاع تقسم الزمان بالنغم، وصناعة العروض تقسم الزمان بالحروف المسموعة " (2)، ونحا السيوطي نحوه في هذا المجال .  

فإذن الإيقاع الشعري الموسيقي العربي (الكمي)، هو الأصل والفصل قبل العروض وميزانه، والترقيم وأفنانه، والشعر وألحانه، شرع به العربي في ترحاله بـ (الحداء)، أغنية الصحراء، وأعقبه بـ (النصب) بنغماته الرقيقة، وأشجانه العذبة التي تتوالى بفواصل زمنية عند الجهد والهمِّ والأعياء، وذكره النابغة بقوله : " كليني لِهمٍّ ٍّ يا أميمة ُ ناصبِ "، ثم هلـّت (الركبانية)، إنشودة المسافات الطويلة الجماعية، بترنيمات فطرية، ونبرات عالية، وإيقاعات منتظمة، مع بعض الآلات الموسيقية، النافخة والوترية، ومن الإيقاعات الغنائية الاخرى (القلس)، وهذا مصحوب بالدف والضرب والرقص، واللعب بالسيوف والريحان، والضرب بالأيدي على الصدور، والتهليل والإنحناء تعبدا، فالعادة قديمة بادت ثم سادت !، وذكره الكميت قائلاً " غنّى المقلّسُ بطريقاً بأسوار ِ" ومن كلمة بطريق - وهو رجل دين مسيحي - نستدل أنّ هذا النوع موروث ما قبل الإسلام، ويبقى عندنا (التهليل)، وهو من الشعائر التعبدية البسيطة من دون بهرجة، فلا رقص ولا دف ولا سيف، قوامه السجع المرتل بصوت مسموع للتلبية، أخذ الطابع الجماعي، و(التغبير) أيضا ظاهرة تعبدية قديمة انقرضت، مثله مثل (التهليل)، ولكن أكثر منه وأقل من القلس تعقيداً، وملامح الغبار توسم ناشديه عقبى التمريغ بالتراب، ومن غباره التغبير !، وأكثر هذه الإيقاعات تطورا في ثباتها واستقرارها بعد السجع المنتظم لما سبق، يأتي (الرجز)، الذي يُعتبر أبسط أنواع الشعر نظما وسهولة (3)، ولكنه ليس الأساس لتطور الشعر العربي، فالشعر الجاهلي وصلنا ناضجاً خصباً غنياً في تجربته ومنهجه وإيقاعه وصوره، ولا ندري متى وكيف تطور سوى أنّ امرأ القيس (500 - 540 م)، أشار إلى ابن حذام الذي سبقه، ولا نعرف شيئاًعن هذا الابن حذامِ :

عوجاً على الطلل المحيل لعلّنا *** نبكي الديار كما بك ابن حذامِ ِ(4)

ورأى حسان بن ثابت (ت 54 هـ-674م)، شاعر الرسول (ص)، أنّ الغناء هو المقياس الإيقاعي، والمجال الروحي للشعر :

تغنَّ بالشعر إمّا كنت قائله *** إنّ الغناءَ لهذا الشعر مضمارُ

وفذلكة الأقوال نقول، الشعر الشعر هو الإبداع، والشاعر الشاعر هو المبدع، والموهبة تكاد تكون مكتملة، وعلى ركن هذا وأساس ذاك، وضع العرضيون عروضهم، وقاسوا بميزانهما أوزانهم، وغرفوا من بحرهما بحورهم، والعروض علم يعتمد على عقول علمائه وتقنيناتها، فعندما يتمرد عباقرة الشعر على أوزانه، يجب أن يسايرهم جهابذة العروض على جديدهم الجميل الرائع، لأن دائرة الخيال الفني، وموهبته الإيقاعية أوسع من دائرة الأدراك الحسي العقلي وتفعيلاته العروضية العربية، ومقاطعه الأفرنجية، وهذا ليس تنازلاً لأصحاب النص النثري ، فانا قد رضيت بالتمرد العبقري لأنه ولود، ونوهت بأبي العتاهية رائدهم الأول، ورفضت الرفض لأنه عقيم، والحقيقة أن الفراهيدي نفسه، وبكلمة أدق عصره لم يستوعب حالات التمرد أو الشذوذ في شعر من سبقه ومن لحقه، ويشير الدكتور جوادعلي في (مفصله) الى خروج بعض الشعراء الجاهليين عن قواعد العروض والنحو، ويستشهد بروايات تاريخية عن امرىء القيس، وقصيدة " عبيد الله بن الأبرص" :

أقفرمن أهله ملحوب *** فالقطيبات فالذنوبُ

فهي من مخلع البسيط، قلما يخلو بيت منها من حذف في بعض تفاعيله أو زيادة . وفي قصيدة المرقش الأكبر :

هل بالديار أن تصيب*** لو كان رسمٌ ناطقا كلـّم

فهي من السريع، وقد خرجت شطور أبياتها على هذا الوزن، كالشطر الثاني من هذا البيت :

ما ذنبنا في أن غزا ملكٌ ***من آل جفنة حازم ٌ مرغم

فأنه من الكامل، ورووا اضطرابا وقع في شعر عدي بن زيد العبادي على النحو المذكور، خرج فيه من السريع الى وزن المديد، وفي شعر غيره كذلك مثل نونية " سلمى بن ربيعة " : إنّ شواء ونشوة وخبب البازل الأمون، فهي خارجة عن عروض الخليل (5)، ويواصل الدكتور استشهاده، ويتوصل الى قوله : " وتستحق هذه الأمور وأمثالها أن تكون موضع دراسة خاصة، لما لها من أهمية في تكوين رأي علمي دقيق عن تطور العروض في الجاهلية، ..." (6)

ربما يعود تغافل الفراهيدي لصرامة عصره، وميول مسامع أهله للبحور السائدة والشائعة والسالفة، لكل زمان دولة وشوؤن، وذوق وفنون، ولكل جيل من الأجيال نغماته المحببة، وموسيقاه المطربة، وألحانه الشجية، وبحوره الطرية، ففي العصر الجاهلي ساد (الطويل) لجلاله وفخامته، ومن روائعه معلقات طرفة ولبيد وامرىء القيس، وظلت سيطرته حتى القرن الثالث الهجري . ثم تراجع عن مكانته، وفي عصرنا صعب مراسه، لازدواج تفعيلاته، فابتعد عنه أنصار الشعر الحر (التفعيلة)، ومثله في هذه الخصائص المهيبة (البسيط)، ولكن أقل شيوعا منه في جاهليتهما، وعدهما حازم القرطاجني في (منهاجه) أعلى درجة البحور في الافتتان (7)، وترافقا في مسيرتهما حتى الإحيائيين، وفاقت صياغة الأخير على الأول لدى الرومانسيين في الربع الأول من القرن العشرين، ومن بعدهما يأتي عند العرب القدماء في ذيوعه (الوافر)، وهبطت منزلته في القرن الثاني الهجري، وعاد الى صدارته عند شعراء الرومانسية، ولم يتأثر به شعراء التفعيلة كسابقيه المهابين، ولكن الرجز وإن كان من أقدم البحور العربية المعروفة، لارتباطه بحركة أقدام الأبل وحدو البدوي على إيقاعها، لم يذع بين الجاهليين، وازداد رواجه في العصر الأموي، واستخدمت صياغته في الشعر التعليمي (الأرجوزة)، وأطربت تفعيلته المتكررة (مستفعلن)ا لسياب العبقري، فتوج بها أروع قصائده (إنشودة المطر) :

عيناكِ غابتا نخيل ٍ ساعة السحرْ

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حينَ تبسمان تورق ُ الكروم

وترقص الأضواءُ..كالأقمار فــي نهرْ

أكرر البيتين، وانا أعرف معرفتك لهما، والأدرى بأنني طرقت مسامعك من قبل بهما، لروعة الجمال، وحسن الأفتتان، ونتقرب الآن إلى (المتقارب) الذي شغل نسبة عالية في العصر الجاهلي، ثم تراجع طوال العهود الإسلامية حتى تلاقفنته الفترة الرومانسية العربية الحديثة، ويتقدم ليصبح أكثر البحور دورانا في محيط رواد الشعر الحر، و(المتدارك) الذي بالكاد ولد في أحضان الأخفش وأهمله الشعراء لسرعة حركاته الإيقاعية الراقصة، تناؤب عليه الزجالون في زجلهم، ونظم على بحره الحصري القيرواني قصيدته الشهيرة :

يا ليلُ الصبّ متى غدهُ *** أقيام ُ الساعة ِموعدهُ

ونظم أحمد شوقي على هذاالمنوال معارضا (مضناك جفاه مرقده)، زادالاهتمام به في العصر الحديث، ثم ازداد جدا في منظومات شعر التفعيلة، و(الرمل) كان شائعا في الجاهلية، وأصبح شعبيا في العصر العباسي الأول، يلجأ إليه أبو العتاهية في زهدياته، وأبو نؤاس في خمرياته، وتلاقفه الأندلسيون ليشدوا من خلاله موشحاتهم، وأخيرا نظم الإيحائيون بعض عقودهم منه، وزاودهم عليه الرومانسيون، وركن إليه رواد القصيدة التفعيلية المعاصرون، واستأنسوا بلطف نغماته، وإن سألت عن (الهزج)، ندر لدى الجاهليين، زاد في عصور الغناء العباسي، وعاد ليمثل المسرحيات الحديثة بلسان شخوصها، وعن (الخفيف)، فقد صار البحر الأول عند إسلامي الحجاز، وزاد عند شعراء الرومانسية، واذا طلبت المزيد، فعليك بالدكتور سيد البحراوي و(عروضه) (8)، وهذه النظرة العاجلة تفي بالغرض المراد بأن لكل عصر ذوقه الشعري المتميز، بل ولكل بيئة اجتماعية أوتشكيلة مناطقية أو جماعة ثقافية خصوصيتها الشعرية وميولها الإيقاعية، فالإيقاع الشعري ليس له قيمة ثابتة، ونغمة محددة، ورتابة واحدة في كل الأمصار والعصور، فالأيام تسير، والناس شتى، والليالي يلدن كل ّ عجيب، وللأذن ذوق رقيب، وللموروث جذر عريب !

(العروض)، وما استجد عن (الإيقاع) الشعري :

الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي البصري (ولد في عمان 100هجرية /718م - توفي في البصرة 174هجرية \ 790م) (9)، واضع علم - ولك أن تقول صناعة لحاجته للتمرن - (العروض) على أغلب الظن، أو مجدده على رواية ابن فارس (10) التي بخست الخليل حقه، لأن المعلومات وإن كانت متوفرة قبله، لم تصل الى درجة العلم المنهجي، والدراسة الواعية، والقواعد الراكزة، والاستقراءات الرائعة، والصناعة الماهرة، فالعصر المنفتح على مختلف الثقافات، وأجناس الناس، تفجر عن مدارس القياس في الفقه والنحو والعروض ..لغربلة الشاذ والملحون، وصد هجمات الدخيل والهجين، ومهما يكن من سبب تسمية الأخير بالعروض، إمّا كي يعرض الشعر عليه ليعرف صحيح وزنه من مكسوره، أو نسبة لمكان بين الطائف ومكة وضع فيه خليلنا علمه المعلوم، وقياسه المشهور، ولكن كيف ؟!

يقال إنّ الرجل مرّ ذات يوم بسوق الصفارين، فطرقت مسامعه مطارقهم على الطست، (تن، تتن، تتتن...) فرجع إلى بيته، وراجع تدويناته وتقنيناته، وقايس ومارس، ووقع اصابعه، وحركها ولملمها، ولاريب أنه كان ذا ذهن رياضي تحليلي تركيبي، وأذن موسيقيه، وحس مرهف، وحافظة قوية، وربما قال مع نفسه : الشعر لفظ موزون مقفى ذو معنى، واللفظ صوت مسموع في الشعر، لا حرف مرسوم، والحروف بحركات وسكون، تتوالى بانتظام ا

إلى حد ما، لتشكل الأنغام، وشبه بيت الشعِر ببيت الشعَر (الخيمة)، بأسبابها وأوتادها، وفواصلها، ومصراعيها ...، وكما تعلم أن العرب لا تبدأ بساكن، فوضع أركان علم العروض أوزانه وتفاعيله، وسار على نهجه القدماء، رغم الإضافات والتعديلات الطفيفة، كالأخفش والجوهري والزمخشري والشيباني والمعري وابن جني وحازم القرطاجني وغيرهم، فتتركب أوزانه من شيئين، أحدهما مركب من حرفين (السبب) : إما متحرك أوساكن، وهو ( السبب الخفيف) مثل لنْ (/ه)، وإما متحركين، وهو(السبب الثقيل) مثل لكَ (//)، والثاني مركب من ثلاثة أحرف (الوتد) : إما متحركين يتوسطهما ساكن، وهو ( الوتد المفروق) مثل لات (/ه/)، وإما متحركين يعقبهما ساكن، وهو (الوتد المجموع) مثل نعم (//ه) (11)، فإذن أساس الإيقاع العربي - الذي يسمى مجازا الوزن - هما (السبب والوتد)، واذا أمعنت قليلا، سترى الوتد هو الأصل الذي أشتق منه السبب بشقيه، وما ثلاثة أسباب إلا وتدين، وتتردد هذه بما لها من كم ٍّ إيقاعي بفترات زمنية منتظمة ذات مقدار، ويخضع كمُّها للزحافات والعلل التي ترضاها أذن السامع المرهف، وتطرق الأغريق من قبل إلى مثل هذه الحالة الى ما اسموه (الرتيم)(12)، وتبعهم الأوربيون المعاصرون حاليا مستخدمين المصطلح نفسه، وسبق للزمخشري أن نوّه بذلك عند تعريفه للشعر العربي - إذا أستثنيا اللفظ - فالأشياء الثلاثة الأخرى، ويعني الوزن والقافية والمعنى " الأمر فيها على التساوي بين الأمم قاطبة " (13)، وسنواصل المسيرة الموجزة للحالات المتجددة، والله الموفق .

 

 

...........

(1) د . علي يونس : نظرة جديدة في موسيقى الشعر العربي .

(2) ابن فارس : الصاحبي في فقه اللغة، تحقيق د صطفى الشويمي، وراجع السيوطي : المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق وضبط محمد أحمد جاد المولى، -

(3) راجع: عبد الرحمن الوجي :الإيقاع في الشعر العربي

(4) المصدر نفسه .

(5) د جواد علي :المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، )

(7) ابو الحسن حازم القرطاجني : منهاج البلغاء ومسيرة الأدباء .

(8) .د سيدالبحراوي : العروض وإيقاع الشعر العربي .

(9)الخليل بن أحمد الفراهيدي (الفرهودي)الأزدي أبو عبد الرحمن: سيدأهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، كان من تلامذة عيسى بن عمرو وأبي عمرو ابن العلاء، وأخذعنه سيبويه والنضر بن شميل والكسائي الكوفي، وهو أول من استخرج علم العروض وضبط اللغة، وأملى كتاب (العين)،

(10) يرى (أحمد بن فارس) في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة) إن أبا الأسود ليس أول من وضع العربية، ولا الخليل أول من تكلم في العروض، وإنما هذان العلمان كانا معروفين قديما، وتجددا على أيديهما .

 

.................

(11) الزمخشري : القسطاس في علم العروض .

RYTHMOS(12) .

(13) المصدر نفسه

 

الرقص على وتر العاطفة وعاصفة العقل في سيسولوجية الشاعر عثمان حسين

hadla alkassarبما أننا نؤمن أن جميع ما يقوم به الفرد على وجه الأرض يحمل حلما ورسالة تعبر عن رغبة تطوير الذات وتغذية المعرفة من ثقافة الحياة ..

وهذا ما كنا نبحث عنه دون هدف في جلسة حوار أدبي جمعتني ببعض الزملاء الشعراء والكتاب في جالري غزة الثقافي، حيث استمعتما بقراءة بعض من نصوص الشاعر الفلسطيني عثمان حسين، الذي ذكرني أو أنني لم أنسى إهدائه لي ديوانه الأخير(كأنني أدحرج المجرات) لأعيد قراءة ما بداخل هذا الشاعر الساكن/ الهادئ/ السارح في ملكوت التأمل .. بسعيه للتعبير عن القيم الإنسانية، والوجودية، في قضايا مجتمعه المرتبط بقضاياه الحسية، مما شكل فراداته الشعورية، والابتكار في تنوع الأسلوب والمضمون .. من خلال تقنيات تصوراته الفلسفية الإبداعية في تجربته التي خرج منها بما يقارب خمسة دواوين لا تخلو من العمق أنساني والاجتماعي والسياسي ..

 

بيد أنني ما زلت أتأمل كلمات الشاعر وأعيد بذاكرتي إلى ما قرأته سابقا، فما كان من فضولنا سوى وضع مقارنة بين قديمة وجديدة بالتعاون مع مكتبة اتحاد الكتاب الفلسطيني.

لنفتح باب البداية المحملة بمنجل النقد وسكين الفكر، ولنبحر في عالم شاعر علق صهيله في شريان القلم، دون أن يدرك إن عين الناقد نصف نائمة ونصف متيقظة، تراقب كيف يموت الشاعر ويحيى على أوراق الذات التي منحته الحب والألم، ومنحنيات الفكرة والموت والحياة، وما يعانيه في ظل الاحتلال في تجربته الثانية التي تحمل عنوان " البحار يعتذر عن الغرق "

المحمل بمعانات متوضئة بمطر البوح العالق في حلق الشاعر الذي أرغم صوره الشاعرية على الانحناء والنشوة الحاضرة في تجربة جعلته كغزالة تسرح في ملكوت المشاعر الإنسانية والوجدانية.. تسكن تسعة وثلاثون قصيدة، تناولناها بإسهاب فبل أن نغرق في محطات تجربته الأخيرة " وكأني أدحرج المجرات " لنؤكد انزحاياته الصورية التي تبتعد وتقترب من نافذة تطل على تسجيل لحظات الشاعر الواقعة الدلالة المعني، في العبارات اللفظية، والتراكيب اللغوية في سياقات مختلفة تسير بين الواقع المرئي، وبين المفردات والمعنى، وبين الصور والمغذى، في تنقله إلى تصوير حالات أخرى اشد قساوة وحزنا .

 

هذا ما استنتجتاه من ديوان يرتدي نصف حداد لبحار يعتذر عن الغرق " لكن لم يكن هذا البحار سوى الشاعر عثمان حسين، الذي استيقظ في نهاية المطاف لان يعتذر عن الغرق من عالم الحزن .

لذا حاول الشاعر أن يحي خيالات الموت وسوداوية الرؤى، التي أفرغها على أوراق أبحرت بقصائد تحمل عناوين دالة على عتمة الشاعر، إلا وهي " البلاد التي رتبت ظلها" و الحياة / و/قصائد في متناول الوجع / تعب/ مشروع وطن / وطن مشروع/ سادية / استفزاز/ احتمالات../ أنا سيد الأمنيات/ الخريف الذي جاء قبل المجيء/ البحار يعتذر عن الغرق/ حالة / انهزامي ../ الخامسة / رباعية البقاء/ فاتحة/ نرجسية/ انتقام/ خاتمة / خماسية الوصول إلى جلفار/ توحد/ انكسار/ ارتطام/ اشتعال/ جلفار/ كتابات/ عقوبة / اشتهاء/ مجازفة/(( "قصيدة بأربعة أقدام" الأولى...، الثانية، الثالثة، الرابعة))/ خواتم/ بثينة/ و / ميسون .

 

كغيمات استدرجتنا هذه العناوين لنعري ركاب القصائد، ونفضح ما يجول في قلب شاعر يتجول في زوايا الرؤية والألم، ليسبح في تجليات أمواجا من صور وضعها في أسطو أفرغت كل ما لديه من سادية الرؤى التي استنزفت مخيلة عراف جالت به الأقدار، إلى أن فتحت له رؤية ما خلف "سوسيولوجيا" الظواهر الإنسانية والاجتماعية التي لم تبتعد بعيدا عن المجتمع الغزي الذي ما زال الاحتلال يملك نجمته وغيرها من المجرات التي تكلم عنها الشاعر عثمان، في ديوانه ( كأني أدحرج المجرات)

 

وبما أننا نحاول أن نختصر تصفيف النصوص، سنضع تجربة الشاعرة الثانية بعد ديوانه الأول ( رفح) لأول المشترك، كنموذج لتقنيات مخيلة الشاعر التي زرعها بصور تنحني لقصيدة " البلاد التي رتبت ظلها"

 

عائد هكذا ....

والمكان يجرجر أنحاءه

السماء على عاتقي

منذ ألف وخمسين عمراً

والمسف الذي راود الصبح

وما زال يعوي

ويمضي معي في شتاتي

كأني تخلقت في ريئتيه

على مسمع من حدود المساء

كأني أعود كما شاء لي أن أعود

 

بكل صدق وألم وغموض عبر الشاعر من خلال هذا النص عن بياض الحلم وعتمة الواقع في ظل خيال أعاده في نهاية المطاف إلى مساء شاء له أن يعود .

وهكذا جعلنا الشاعر ان نعيش ارتباطه بالحلم الذي تخطى الألم من خلال انخراطه بالعاطفة والعشق والموت والهروب من مخلفات الحزن، وما بينهم من بينات الابتكار والتوليد، وما خفية في الجزء العميق من رؤية الشاعر وما تحتاجه حدود كتابة (البحار يعتذر عن الغرق) وما يحمله من صور تطارد الأخرى، إلى أن يترك الشاعر أثرا له في كل قصيدة، سجل فيه ذاتيته بكل صدق، رغم فيضان الحزن الذي ماج في أرواق تضيء لنا رؤية جديدة من لحظات التأمل المنتقلة من رحم الجنين إلى الحياة ...

انه شاعر يملك أسلوب ينبع من فكر عاطفي مهما تواضعت منزلته الإنسانية والوجودية .

 

حيث يذهب بنا الشاعر إلى نص آخر بعنوان " كما يموت العازفون"

ماذا ستخسر

لو أخذت من الجريمة

لحظة دموية

وسفكت كوكبها سدى

ماذا ستخسر

لو تحاصر حكمتي

وتفر حين اشاغل الوجع

المقرفص في ثغاء الناي

غير حمامة مكية

حملت مشيمتها البغية

واستراحت من ضجيج القلب

ماذا لو ينام الصبح فيجسد النهار

وتتقيني كل فجر خائب ماذا ستخر

غير انك لن تموت كما يموت العازفون

الله يا وطني

وطن الله في أوقاته

والناس يكترثون بالناس

الذين يلطخون حنينهم والزهور مصيدة

****

جميعنا نعلم بالمثال القائل " يموت الزمار وأصابعه تحرك الأوتار دون وتر " أما شاعرنا في هذا النص طرح تساؤلات حول وجود الإنسان الذي يموت متألما إلى أن تذهب روحه إلى كفن الأقدار، لكن يبقى الألم متوارث عبر الأجيال ...

وفي نص آخر بعنوان " الحياة يعود الشاعر مرة أخرى ليذكرنا بما تاه منه فيما سبق من لغز "الحياة" التي انتهت حسب تقسيمه الشاعر لهذا النص الذي نثر على شكل ومضات معنونة بخمسة أحرف إلا وهي : ( تبدأ بالاف / ولام /و/ميم /و تنتهي ب / التا )

فلو جمعنا أحرف مقطوعات هذه القصيدة التي قسم فيها الحياة إلى خمسة احرف!! تجمع كلمة "الموت " فإلى أي حدا كان الشاعر عثمان حسين يعاني من سوداويات الحياة القائمة منذ تاريخ 1987 ، حسب تاريخ كتابة " نصوص البحار يعتذر عن الغرق، التي امتدت حتى العام 1991 ، فهل نعذر تكاثر الحزن عند الشاعر عثمان حسين، في مثل هذا الإبداع الذي حول صور الحياة اللامرئية إلى ضوء خرج منها بمخيلة كادت أن تتلبس الشاعر لولا قفز إلى تدوين تجارب أخرى متنوعة منها : (من سيقطع رأس البحر) (له أنتِ) و (الأشياء متروكة إلى الزرقة) وغيره من العناوين إلى أن أوصلنا إلى سريالية ديوانه الأخير( وكأنني أدحرج المجرات( كان الشاعر أراد يقص لنا ما بداخل كل نص من خلال عناوين أكثر انشراحا .... يبدوا ضوء الشاعر سار باتجاه قريحة أكثر انفتاحا حيث الألوان تظهر أكثر ضوءا .

هكذا قرانا أوراق الشاعر من قبيل السياحة حيث نقلتنا الدهشة والانفعال السريع إلى نصوص تنبثق من دائرة السيسولوجيا المكثفة بالصور والأفكار الممتلئة بالأصوات والألوان والروائح ... وما يعبر ذاكرته الدافئة لتشمل فضائه الذي ما زال يبحر ويبحر فوق أمواج تسجل هدير الغرق بأصابع تلمع بفضة الصور وذهب الأخيلة في أجندة شاعر يزدحم بإحزان العقل وقبور الرغبات واقتحامها الخفي والمجهول .

فيما تعرش مجرات الشاعر في أوراق محملة بالألم، والمعاناة، والحيرة، والتساؤلات، وبداية النهايات، وغيرهم من الأسماء كـ "( أشرقت كفراشة مسها اللهب / نكوص/ أجهل ما اريد /قوسقزح/قول/ ألم / سؤال قديم/ السارق/الموت عادة مملة بأنياب/ رثاء/على غير العادة/ في حالتي / كأني أدحرج المجرات/ يوم عادي )

جميعها نصوص مملوءة بصور تلاحق عجلات الزمن وأنفاس فجرا قد يأتي وقد يذهب دون ضوء ... ليتكئ من جديد على صراط الموقف والموهبة بما أنها سيدة الإبداع . من حيث المضمون الثقافي .

 

إذا هذا هو الشاعر عثمان حسين، الطائر الجميل الذي صاحب كيانه، كما لو انه يشبه لوحات الرسم غير المنقوشة، لنرسم بأنفسنا حالاته المستلقية على سطور وضعت تحت مستوى الضوء، لتبقى كالإيقاع النفسي وشهقة الزفير في كلمات تشعل لهب الروح المسكونة في قلم يسجل الهم الوطني والنفسي والاجتماعي، كلما داهمته رؤية تعانق الحروف التي تنبض " بسيسيولوجية" العمق والإدراك الحسي والباطني...

وكأن الأفق تدحرج به حين أبحر في سماء الوجد، وابتهالات عالم لا يمر تحت سمائه، حيث ملائكة الروح تسير على ضفاف أفق يقترب من منجل لذة الألم الذي جعل الشاعر في نهاية المطاف أن يعتذر من الغرق، ليبحث في المجرات عن الجانب الروحي والإنساني في العشق والحب وما بينهما من ألم وحزن ورثاء، وما أدركتها لغة النفس من جماليات صور تعتمد على التأويل والتركيز والتحريض الذي يمدنا بالقيم الإنسانية كما جاء تأملنا في دواوين قصائده المتعددة الاتجاهات والمنابر لإنتاجه الفكري، لنرى انعكاس الحياة على نفس الشاعر، حيث يقتحم الخفي والمجهول والظاهر، ليجمع تناقضاته وانسلابه التأملي بالرؤى الصوفية في صور تخلق ذاته من عيوب التناقضات الإنسانية بحثا عن الأمان في ضبابية الحياة .

مما أستحضرنا أغنيات شكسبير الوجدانية، حيث نزعات القلب والعقل تأتي من نهر السريرة, التي تتحول إلى صور تطارد الأخرى، لتبدو كالموسيقى تدخل الإذن قبل العين، التي لم تعد تقتصر على التأملات الفلسفية فقط .

 

فماذا نقول لشاعر أراد الإبحار في حروف الزهد وعناق الورق بما لذا وطاب من إبداعات تعيد ترتيب أوراق الشاعر في " كأنني أدحرج المجرات " الذي بد لنا كسعال كاهن متعبا من نصف أنثى معتمة، ونصف عالم مشتت بحالات تكاد أن تكون فوق طبيعية الإنسان المتجلية في العمق الشعوري .

ربما ماج الشاعر بأصابع خفية، وربما طاوعته حروف العلة بأصواتها المتحركة كلهاث هادئ تنتصب في روح الشاعر كزلزلة تصب في أناء تولد فرشات لذة الشعر التي أرغمت الشاعر الهروب من السوداوية إلى الحب والعاطفية ومفرداتها، والغضب وعنفوانه، والمعرفة ومتدرجاتها، لنكتشف الوجه الآخر للشاعر عثمان حسين، من خلال قصائده المخصبة بشاعرية النص ونثريات الحداثة، في محاورة إستراتيجية الذات وآلياتها ....

مرة أخرى نسال ماذا لو رف النرد تحت أقدام خيال شاعر أدرك تماما معنى كاس قهوته، وما يحمله من حواس في قصائد تبحث عن أناء الشاعر في صحراء تتسع لجيوش نصوصه ونكهتهم المختلفة، حيث يطلق سهامه على أذان تلتقط ما يدور من رؤى الشاعر عثمان حسين، الذي لا تهجره صحوة ولا نوم، وكأنه يبحث عن الحب في ارض ملتهبة لا يمارس الحب فيها حيث يطلق خيالاته بأسئلة مشرعة يمتزج فيها الفهم بالشعور المتكئ على أفق يحمل مطر الأمل في مجرات تشمل الشمس والأرض والقمر والكواكب ومتفرعاتها ....

ليدخل من جديد الهم الإنساني المتغلغل في شذراته اللاشعورية، ولنسمع دقات قلب شاعر يقودنا إلى تذكر بني آدم المكون من فرحا وحزن في مشاعر تتغذى على عالم الشعر والشعور الذي يضع الحكمة في مكان العلم..

حيث يلجأ الشاعر عثمان حسين إلى منظور الشعر القادر على أن يجمع حاجات مشاعرنا في الشعر الذي يمنحنا مفتاحا نكتشف من خلاله موائد إنسانيتنا التي نضعها في نصوص رسائلنا التي تنصت للمعنى الذي نواجه فيها انكساراتنا وأفراحنا وما وراء أفق الشاعر من مخيلة ورؤى لذا تدرك غصة الشاعر الفلسطيني عثمان حسين وما يجول في جوف مخيلته الصلبة .....

 

بقلم / الكاتبة والشاعرة هدلا القصار

 

 

دوائر الحنين في شعر السياب

rafef alfaresصوتٌ مسافر

عطر يتصاعد.

اسمه الحنين .

 

في اللغة كلمة حنين، مصدرها حَنَّ والحَنين (اسم)، وهو خروج الصوت من الفم وصوت النَّاقة إذا حنت وصوت الأم الى ولدها وصوت الذي في فؤاده نزعة ألم

وصوت الريح والنسيم الرقيق وصوت العود عند النقر عليه وصوت القوس عند الإنباض وصوت المرأة تفتقد زوجها (1) وهو اخيرا صوت المشتاق.

فالحنين اذن كل ما يشعر به الانسان من اشتياق يتعدى التذكر.

 

(الام)

حين نتناول السياب شعرا فأن اول ما يتبادر الى الذهن هو غربته .. يحلم بحضن الام التي لن تعود لتُقبل دمع صغيرها..تبدأ حياة السياب بحرمان لا يردم المه اي فرح .. ويكبر السؤال معه عن تلك التي لن تعود ..

((كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:

بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها، ثمَّ حين لجّ في السؤال

قالوا له: "بعد غدٍ تعودْ .. "

لا بدَّ أن تعودْ

وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ

في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛)) (2)

 

لهذه الصورة الاليمة (الطفل يلج في السؤال عن عودة الام) اثر المعاول في اديم الروح.. الضياع الذي يولد فراغا لا يملؤه الا الدمع المنساب على جوانب النص والذي راكمته الغربة المتمثلة بالبعد عن القرية والوطن والام..

((هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه

في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه

هي وجه أمي في الظلام

وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام)) (3)

 

(جيكور)

حنين يفرضه الواقع المر لليتم هذه الدائرة التي تشكلت في قلب الشاعر صغيرا ادرك من خلالها قيمة النعم الصغيرة التي تتجسد فرحة في قلب اي انسان يعاني الما مزمنا .. النعم التي لازمت الطفولة وكونت ذكرياتها الصغيرة الفرحة، النخيل الذي يعشقه في وهج النهار ويخاف اخيلته ليلا.. حبات المطر التي ترتسم في مخيلته بكل معانيها الهادئة والجامحة، الخير الذي يجلبه ومماثلته للدمع .. القمر حين يحتل كبد السماء هيبة وجمال .. السفن المصطفة بأشرعتها البيضاء والسمراء.. الطفولة بكل فوضويتها وفضولها تمد خيال الشاعر بالصور الصادقة التي ترتفع معها امواج الذكريات والحنين الى القرية الام ومنها الى اتساع العالم حيث ان العالم في نظر الصغير نهر ونخيل وجيكور التي احتضنت احلامه الصغيرة ..

 

((جيكور جيكور يا حقلا من النور

يا جدولا من فراشات نطاردها

في الليل في عالم الأحلام و القمر

ينشرن أجنحة أندى من المطر

في أول الصيف

يا باب الأساطير)) (4)

 

(الوطن)

دوائر الحنين في ذهن السياب متداخلة دوما فلا فاصل زمني يفصلها ولا فاصل مكاني انما يحركها ويوسعها او يقلصها عامل الغربة وما يعتمل في نفس الشاعر من حوار داخلي يناجي عالم الذكريات والحاجة الى الملاذ، وبالتالي الشعور بالحنين لا يخضع لفترة زمنية معينة فلايمكن ان ينتهي في سنةٍ ما ليبدأ في سنة اخرى، بل هو خضم متصار ع احيانا لا يجد لتقلباته عنوان معين او مسمى او حتى مسوغ .. الحنين بحر متلاطم لا يعرف حدودا او وجهة، يتدفق او يستفيض كلما اشتدت حالة من حالات الخيبة او الانتظار فيشتد صراع تفرضه حالة انية يحمل الشاعر على جناح الانين الذي لا يحط الا وقد أُنهِك بوحا ....

((جيكور ماذا ؟ أنمشي نحن في الزمن

أم أنه الماشي

و نحن فيه وقوف

أين أوله

و أين آخره

هل مر أطوله

أم مرّ أقصره الممتد في الشجن)) (4)

 

تسؤلات يوجهها الى افياء جيكور ونخيلها ولعب صباه يستنطق البعد علّ المسافات تهدأ حنينه الممتد في عمر يناضل ليقتنص بقاياه ((اين اوله ... اين اخره .. هل مر اطوله)) الانتظار يولد الخيبة والخيبة تمد اذرعها لتغترف من الذكريات طمأنة العاشق المريض الذي يبحث عن مأوى وسط نضال يمتد وصراع يأن تحت واقع مرير من الظلم والذي حاول بطبيعته الثائرة ان يغيره او يتمرد عليه بحثا هنا وهناك عن حالة استقرار ما.. في فكرة او انتماء يعوض الفراغ الذي يولده انتظار الافضل من الواقع المعاش..

((وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

رحىً تدور في الحقول ... حولها بشرْ)) (2)

 

وفي العراق جوع ومطر .. انها الدوامة التي تُصدع اخر صروح المقاومة الانسانية .. الحنين داخل الرحم .. الغربة في الوطن الذي ينوء تحت الجراح ..

إلى الماء يسعى من يغص بلقمة ... إلى أين يسعى من يغص بمـاء(5)

اذا كانت اخر حصون الروح لا تحمل الملاذ فالى اين يسعى من يستنزفه الخذلان وتنهكه الانتظارات غير النكوص الى الذكريات (الحنين ) من جديد سعيا لراحة منشودة

((من أيما ظلم

و أي أزمنة في الليل سرناها

حتى أتيناك أقبلنا من العدم

أم من حياة نسيناها

جيكور مسّي جبيني فهو ملتهب

مسّيه بالسّعف

و السنبل الترف

مديّ علي الظلال السمر تنسحب

ليلاً فتخفي هجيري في حناياها)) (4)

فلا يجد الشاعر بدا من العودة الى احضان اليتم الاول وان كانت قسوته تلهب الروح فجيعة الا انه الحنين الذي يتأصل ثم يبزغ من ثنايا الالم يمنح النفس الهائمة هدوء لحظة ما قبل الرحيل)) كأنها كسر من أنجم سقطت

كأنها سرج الموتى تقلبها أيدي العرائس من حال

إلى حال

أفياء جيكور أهواها

كأنها انسرحت من قبرها البالي

من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى و عيناها

من أرض جيكور ترعاني و أرعاها.)) (4)

 

(الحب)

انها نهاية التمني بعد اليأس فقد اسلم قياده الى النخيل الى تراب القبر الذي امتزج بحنان اضلاع الام التعبى يرعى اخر امنيات الشاعر الذي هده الحنين الى الذكريات يرعاه من مجهول ما .. لكن النخيل لم يكن مجثم شجن بقدر ما كان حافز تأمل يذكره بعيني الحبيبة.. الحينين الى العشق

((عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ ...)) (2)

فعينا الحبيبة لدى الشاعر تضم نخيل جيكور ونهرها الذي يرجه المجذاف والقمر الذي كان يطارده صغيرا والنجوم التي تنبض بالمستقبل .. خلاصة تلك الدوائر بعد هم الوطن الذي عجز الشاعر عن ان ينتزعه من نفسه بالابتعاد والاغتراب، ففي غربته الجغرافية كان كل همه العودة الى العراق على ما كان يعرف فيه من الم ومطاردة .. فهي غربة تقوم امامها امواج الحنين الى الوطن

((جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج

و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج

أعلى من العبّاب يهدر رغوه و من الضجيج"

صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق

كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي عراق

و الموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق ‍‍

البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون

و البحر دونك يا عراق)) .... (3 )

في تداخل عميق بين دائرتين من الحنين مابرحتا تتنازعان نفس الشاعر، الحبيبة والعراق

((أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟

.

.

وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .

مطر ...)) (2)

مهما حاول الابتعاد عن هاتين الدائرتين من دوائر الحنين الى اخريتين اقل حدة واكثر امنا واوضح معالم .. جيكور والام (من أرض جيكور ترعاني و أرعاها)

فالحنين الى ذكريات الطفولة هو البحث عن ملاذ امن من جور الحنين الاقسى .. الحنين الذي يعيشه في الحاضر وهو يطبق على اوردته، حبه للوطن الجريح الذي لا يجد فيه السكينة وحبه للحبيبة البعيدة .. دوائر من الشعور بالشد والاخذ والامتزاج تغلف شعر السياب بثورة هائلة ضد الواقع الاليم تمثلت بالمفردة المتقدة وحتى بحياته التي لا تعرف الهدوء من سفر الى سفر الى اعتناق افكار والانقلاب على تلك الافكار، الى ثورته ضد قوانين الكلمة مما انتج كنهاية منطقية لصراع قديم وممتد، ريادته لمنعطف القصيدة العربية وقيادته لها ثائرا على القيد الذي استحكم على عنق حياته، الى الوضوح والتبسيط وعمق الفكرة .

 

....................

هوامش

(1) قاموس المعاني

(2) من قصيدة انشودة المطر 1954

(3) غريب على الخليج

(4) افياء جيكور

(5) قصيدة نسيم عبير في غلالة ماء للشاعر العباسي (317هـ) نصر بن أحمد بن نصر البصري المشهور بالخبز أرزي وقد جمع ديوانه صديقه ابن لنكك .

 

 

 

نادية الدليمي على بساط الشعر .. تتهجى الجرح على بصيص الأنين

zayd alheliقبل سنوات مضت، زرتُ صديقاً تولى مسؤولية الدار الوطنية للنشر والاعلان والتوزيع بوزارة الاعلام، التي غُيبت بعد نيسان 2003 وأراد هذا الصديق تكريمي بالمطبوعات التي تتعامل بها الدار، فاصطحبني بسيارته الى شارع المطار، وتوقف بي قرب ساحة "عباس بن فرناس" فدلف الى احدى الطرق الترابية، حيث دخلنا ابنية (جملونات) تضم اطنان من الكتب والمطبوعات بمختلف الموضوعات .. فطلب الى موظف وحيد، كان هناك، بجمع (كمية) من تلك المطبوعات ورزمها ووضعها في صندوق سيارته الفارهة !!

وقبل ان اعبر عن استغرابي من وجود تلك الكميات من المطبوعات التي توسدت التراب، طلب مني مضيفي، ان نؤجل الحديث عن ذلك، ثم وجه سائقه، ان يتجه الى مخازن " القطن الطبي " قرب كلية الآداب السابقة في الوزيرية، بمحاذاة المرور السريع ببغداد.. وبعد مدة، كنا هناك، فشهدتُ ما يشبه مقبرة مخازن " عباس بن فرناس " حيث آلاف الكتب المبعثرة لعناوين شتى .. وطلب ان تُرزم كميات منها ايضاً، ووضعها في سيارته ... كان حجم هذه الرزمة وسابقتها، تمثل نواة لمكتبة ..!

وفي العودة الى دائرته، سألت عن "طوفان" تلك الكتب، فقال انها مطبوعات، قامت وزارة الاعلام، بطبعها، مجاملة، لكتاب ثانويين ومغمورين ولفعاليات تخص مناسبات مختلفة، وهي لا تجد من يقرأها، لخواء محتوياتها، وسطحية مضمونها ...!

ولم يعتريني الخجل ابداً، حين رجوت صديقي ان يعذرني عن تقبل هديته، ومنذ ذلك الحين، عاهدتً نفسي بعدم، اشغال وقتي بقراءة كتب مطبوعة لمناسبات حكومية .. ومثلما ان لكل قاعدة استثناء، فقد نبهني احد الزملاء الى شاعرة، شابة، طبعت لها وزارة الثقافة ديوانها الاول لمناسبة احتفالية " بغداد عاصمة الثقافة العربية 2013" .. وبعد تردد، اطلعتُ في احدى المساءات على الديوان، فأستوقفني عنوانه (حبر على قلق) وهو عنوان جديد في رؤيته ومعطياته، واناقة طبعه، وصغر حجمه (64) من القطع الصغير .. واسم شاعرته " نادية الدليمي " لم يثرني، فهو جديد على عيني وأذني ..

إدراك شعري عميق

وبدأت اقرأ..

بداية، اؤكد ان، الادراك الشعري كلما كان عميقاً، كان تفسيره أصعب، وكلما تعمّق الإحساس بالأشياء، كان التحليل أقرب الى المنطق .. لقد وجدتُ في سطور نادية نافذة شعرية واعدة، وفي شعرها، السهل الممتنع شجن وجداني واسع المدى، وهذا في ما اظن، سيجعل من اسمها ركيزة في مستقبل خارطة الشاعرات العراقيات، اذا ما واصلت العطاء بسياقها الذي لمسته في ديوانها الاول ... انها من جيل الشباب، تبنت لغة مختلفة ولديها طموح ثقافي يقوم بالأساس على الانحياز للصورة الشعرية وجمالياتها، والشباب، كما يقولون، هو ربيع العمر، لأنه يمثل الفترة الزمنية الزاهية في حياة الإنسان ، إنه مرحلة القوة والفتوة... وهو ايضاً مخفف أحزان الحياة، ومانح القدرة على تحمل أكدارها ومتاعبها..

اثنتان وعشرون قصيدة، في نفس قصير، لكنه مفعم بالوجد والشجن والاحساس ... انني امام شعر استوقفني، وجعلني اتأمل عمق الحزن الجميل الذي بسطته الشاعرة على ضوع صدق انساني، عميق في معانيه .. ..

وهي تقول في مدخل ديوانها:

( قال: احبك كيفما تكوني

قلت: سأكون كما تحب ..

انتهزني غيمة لم ترتكب الهطول

لأفيض حبا على أخاديد ظمئك

فقد انتظرتك

قاب عمرين

او اقصى

من التلهف ..

كل الاشياء من نسل الـ (لا شيء)

كل الاشخاص من نسل الـ (لا احد)

كل الجهات تمضي الى الـ (لا مكان)

وحدك

تحمل كل معاني الاشياء

حتى غيابك

كائن له حضوره ..

                         **********    

ابتعدت الشاعرة عن التكرار والإعادة والتطويل وهذا ما أوصلها الى غاية من ما تريد من بعث صوتها الشعري، ورسمت ألوانها الشعرية متعددة الرؤى بفرشاة ملآى بكلمات وجيزة، وهي احدى سمات الشاعر الذي يحترم القارئ ويثق به ويطمئن الى ذكائه.

وفي قصيدتها (انين مكتوم) قالت:

ما زلتُ ارتادهُ

مقهى عينيك المكتظ بحكايا نساء الخدور

حيث رائحة النشوة

تفوح من اباريق نزواتك

انتبذ ركنا كان لإحداهن

وارمقني فيك

ما زلت جالسة على رصيف قلبك

ارتدي اللامُبالاة

اضع قناعاً واقياً للخيبة

اغلف اشتعالي بالبرود

ابدد دخان صبري

بتنهدات خفية

(انين مكتوم)

وانتظر دوري

على ناصية التشظي

في مسافة بين ارتباكي وارتباكك

احاول الإ تزان

فمازال في العمر مدخر للندم

ومازال في القلب

باب للقلق ..  

                     ***********

في هذه القصيدة، ومعظم قصائدها ، شكّل التشاؤم والشجن، ما يشبه حالة من اليأس لديها، لكنه كان يأساً مكبوتا، وهنا اقول لشاعرتنا الواعدة، التي لمستُ في سطورها، حزن شفيف، غلّف ابداعها الشعري، أن التفاؤل أهم معاول هدم الحزن، وهو النسيم الذي تستنشقه روح الحياة، وان تعكر صفو التفاؤل بالحزن، يشلّ نبضات القوة في هيكل الحياة... فليكن شعارك: لا للحزن واهلاً ببهجة الحياة .. فالشعر، صدى الحياة، وموسيقى نشاطها الحيوي، وتلوين حركتها بألوان الزمان والمكان .. والحلم بالحب، بمعانيه الطلقة السمحاء الصافية، يسوّغ الوجود ويبني المستقبل ويرسمُ الأحلام، وينفض صدأ الحزن والقلق والحيرة والضياع المعتم .. فحين تقبل الحياة بكل بهجتها يغار الحزن ويغتصب الابتسامة من الشفاه ..!

وفي قصيدة اخرى، أسمتها " أرق ".. تقول:

تذرعني الليالي

تتعثر بجثة حلم مسفوح

تنفثني محمولة على عاتق الدخان

من رئتي سيجارة

مُطفأة الروح

والأرق

قاطع طريق

يعقد حاجبيه

ليرهب النعاس ..

                           ***********

حين يفقد المرء أحلامه ويقود الآخرون دفة حياته، سيجد نفسه وسط سكون الموج وهدير العاصفة، ويسعى الى أوراق الشجن ليكتب حلم حياته الميت !

لقد صورت الشاعرة، احساس المرء كيف يشعر في اليوم الواحد، او الساعة الواحدة بالحب للحظات، وبالكره للحظات أخرى، ويشعر بالخوف والقلق والأرق تارة وبالأمن والطمأنينة وسكينة النفس تارة أخرى، ويشعر بالفرح والسرور بعض الوقت وبالحزن والكآبة في بعض الأحيان، وهكذا تمضي حياته اليومية في تغيير مستمر وتقلب دائم، إنه الأرق بعينه، وهو من الأحاسيس المؤلمة وأساس المتاعب النفسية التي يعاني منها الانسان .. وهو مسبب دمار الذاكرة والتذكر، وهو عقبة كأداء في رؤية الأمل،وهي التي قالت في قصيدة اخرى عنوانها "الأمل":

عند مفترق الامنيات

ضاع أمل

كنت ارغمته الجلوس على رصيف الصبر

لكنه، غافلني

والتحق بقافلة الاحلام

بعد ان ادمى اليأس قدميه ..

                                 **********

ديوان الشاعرة نادية الدليمي، ليس سوى محاولة للتعايش مع الفضاء الشعري وحدوده إللاّ متناهية ومحاولة تتماهى مع ومضة شعرية غضة، لا تستسلم لها ولا تتمرد عليها، تتوحد مع وقتها ولا تبحث عن إجابة محددة، وتجتهد من أجل اكتشاف المزيد من الاسئلة.

شكراً لصديقي، الذي نبهني الى شاعرة واعدة، وجعلني اعيد النظر في قرار لازمني منذ ربع قرن .. فبين ركام المجاملة، ربما نجد لؤلؤة.. وقد وجدتها !

 

البوح ألساخر في (قريبا سأحبك)

rahman khodairabasللكاتب المغربي محمد كروم، صدرت مجموعة قصصية جديدة، بعنوان (قريبا ساحبك) وهي العمل الثالث في مسيرته الكتابية بعد (شجرة القهر) وهي مجموعته القصصية الأولى التي صدرت عام 2008 ثم روايته (بادية الرماد) التي صدرت عام 2011. والكاتب من مواليد مراكش، حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربية من جامعة القاضي عياض. وقد مارس الكتابة الصحفية والأدبية، وفاز ببعض الجوائز ومنها الجائزة الثانية في مسابقة أحمد بوزفور للقصة القصيرة.

حينما تَلجُ ابواب المجموعة تجد أنها قد إتّخذت مسارين مختلفين وفضائين مختلفين أيضا . الأول فضاء المدينة وبكل ماتنطوي عليه من أسرار وملذات وترف وتناقضات . المدينة التي تبدو بشعة رغم تبرجها . حيث أنّ خمارها الحضاري لم يستر عوراتها، فأظهرها الكاتب وكأنها مسرح للعلاقات العاطفية والجنسية الطائشة وغير البريئة .أمّا الفضاء الثاني فهو فضاء القرية، بشظف عيشها وبقسوتها وفاقتها وقدرتها على التكيف أمام الصعاب . القرية الطاردة لأبنائها والجاذبة لهم، القاذفة بهم في وهج الحياة الحادة كالصخر، والحانية عليهم بعطف أمومي . القرية التي تنزوي في كيانها وفي ترتيبها الهامشي في أدنى مرتبات التدرج الإجتماعي والإقتصادي والتعليمي .

لقد كان إنحياز الكاتب الى القرية وقيمها وفضائها الإجتماعي والنفسي واضحا، فكان يدافع عنها، مقارنا بين عفتها ونقائها وبين عهر المدن وتلوث قيَمها " بدت له المدينة كعاهرة شمطاء وكل مافيها ومن فيها رديء ...ص50 " . لذا فقد أفرد جُلّ قصص المجموعة عن أجواء الريف وعلاقة الأنسان بالأرض وطرق الإنتاج والإستهلاك والتقشف الذي فرضته الفاقة المحيطة بذالك الفضاء، وتمسك الأنسان بالأرض تمسكا جعله يرفض كل إفرازات الحداثة(آثاث البيوت والتلفزة والدراجة البخارية ..الخ) حتى جعلته يرفض حتى انتماء الأبناء الذين لايحافظون على أرض آبائهم، حينما قال زعفان لأبنه غاضبا: " الله يلعن أبوك وابوهم ".

القصص الأولى، إبتداءاً من الغزو الجميل الى عصافير، تتناول العلاقات الإنسانية وتحديدا بين المرأة والرجل . المطارحات الغرامية، العشق واوجاع الرغبة، أحلام في لقاء او فراق . ففي القصة ألأولى يسفح الكاتب نصا يكشف عن تصدع في مؤسسة الزواج وإنكسارها، لطبقات إجتماعية مترفة ولكنها جائعة لرغبات الجسد . " في البيت سألها الزوج هازئا عن حفلة رأس السنة فردت هادئة - أحلى حفلة في حياتي ..ص8 . وفي القصة الثانية تبرز الثيمة إيّاها، من خلال حوار ساخن عن مشروع حب يتأرجح بين الحقيقة والتمني، ويتكرر نفس الموقف في النصوص الموالية . ولكن الصوت الذكوري هو الذي يطوّع السرد لصالحه، فتبدو المرأة صدى باهتاً لصرخات الجسد، كما تبدو غير قادرة على لجم رغباتها الجنسية . ومن المفيد القول أنّ الكاتب استخدم قدرته التعبيرية، واستخدم ثراءه اللغوي ليتحول النص النثري أحيانا الى مقاطع شعرية كما في قصة هي هجرة أخرى والتي يشحنها بلغة اقرب الى الشعر منها الى النثر " فلتشربي البحر أيتها ألسماء/ فلتمطري أكثر أيها السحابة المحلقة ...الخ ص20 .بعد ذالك ينتقل الكاتب الى فضائه الأثير على نفسه وهو الريف، الذي يتجلى من خلال الطفولة الشقية والمعذبة والتي تعاني من إنعدام وسائل النظافة والتي تجعل هذا الطفل الصغير فريسة لأسراب القمل الذي يعشعش في راسه وبين ملابسه، ومن خلال السرد يقرب لنا الكاتب وبواقعية عالية، اسلوب المعيشة القروي وتدني اساليب التعليم وقسوتها .وفي قصة اخرى يتناول حدة الواقع المعيشي وخشونته وطريقة وسائل الإنتاج التي تعتمد على المقايضة- البيضة مقابل علبة الكبريت - ووفق هذه التضاريس الأجتماعية التي تسرق الإنسان من طفولته . ولكنه -اي الطفل يحاول أن يتمسك بحلمه وألعابه، ولكنه يفقد علبة الكبريت ويكون العقاب كبيرا ..كما تناول القاص من خلال الطفولة لحظة الختان بشكل قصصي جميل، يبين الألم والإفتتان به مستفيدا من المفاهيم الفرويدية في هذا المجال، وكأن لحظة الختان رغم ألمها ودمها قربانا للفحولة الآتية، وكأنه شبيه للزواج . ومن خلال الدم تعلن لحظة البلوغ والرجولة ومن خلال الدم للبكارة تعلن لحظة إثبات العفة معجونا بالأنوثة ولذة الألم .لقد استطاع الكاتب أن يغوص بالجانب النفسي للطفولة وهي تحاول أن تصل الى مبتغاها الغريزي لتأكيد سيرورة الجنس البشري وهو يتناسل . بعد ذالك يتحول القاص الى تناول عالم القرية من خلال بطل واحد اطلق عليه إسم (زعفان) ومع ان الزمن الذي يحيط بزعفان لاينمو بشكل طبيعي ، وإنّ طبيعة الأحداث وتسلسلها لاتثير الأعتقاد إنه ذات الشخص . لأن زعفان في الرجال والأرض هو غير زعفان في الجائزة الكبرى، وكذالك في القصص التي تليها ،فمرة يكون شيخا حكيما يتمسك بأرضه ومرة يظهر كطفل مشاكس او كمراهق أومغامر . مما يدعو الى الإستغراب، هل اراد الكاتب ان يجعل من هذا الإسم رمزا لأبناء القرى والمناطق النائية ؟ قد يكون الإحتمال واردا، لاسيما وان الأسم بحد ذاته ذو دلالة على الغضب حسب اللهجة الدارجة المغربية، وقد يكون من نتاج الأسلوب الساخر الذي إتّخذه القاص طريقةً للتعبير . هل أراد أنْ يعبر عن الغضب مما هو سائد ،ام أراد السخرية من الواقع بإختراع اسم سيصبح قاسما مشتركا لكل الفضاء القروي ؟ كلا الأحتمالين وارد وممكن .

في قصته (الرجال والأرض) يدرك ألبطل قيمة الأرض ويقاوم كل محاولات الإغراء والضغوط لبيعها . لكنه يجد نفسه وحيداً أمام تيار التفريط بالأرض وبيعها لتلبية الحاجات الأستهلاكية الطارئة، حتى إبنه لم يقف معه . وكأن الكاتب يرمز الى إنهيار الأصالة وندرة من يتشبث بها . ولكنه في قصة أخرى يجعل زعفان كدون كيشوت يحارب طواحين الفقر بافتراضات غريبة، يوحي للجميع بأنه تحول الى فارس لايشق له غبار وإنه دخل باب الشهرة ولكنه ينكشف أمام الناس ويتحول الى شيء تافه . وفي قصة (المحاكمة) والتي تتحول الى توزيع أدوار لكل المهمشين والذين يعبرون عن مظالمهم يشكل تراجيدي وإنهم يحاكمون الواقع بإستحضار تراجيديا مفتعلة وواقعية في آن واحد، مما يجعل الممثلين يبكون حالة ذهنية تحولت من خيال ساخر لتصبح حقيقة مؤلمة تستدر دموعهم، وفي قمة الشد الدرامي يفجر الكاتب ابتسامة القاريء حينما يكتشف الممثلون إحتراق الأكل في الكميلة، وفي تقديري تعتبر هذه القصة متميزة وقد أبدع الكاتب في حياكة عناصرها . كما أبدع أيضا في قصته (من يجرؤ على التذكر) والتي يتحدث عن المناضل الذي يخرج من السجن للبحث عن حبيبته والبحث عن الماضي الجميل الذي فقده وهو في غمرة احتراقه من أجل المباديء التي إعتنقها، ولكنه يجد نفسه ضائعا في زمن لاملامح له، وحينما يستفسر عن المراة التي شكلت حلمه الأخير يجدها في زوبعة من حكايات في مجملها تجعله يعود الى اليأس والخيبة" سقطت الوردة من يده ..أحس بدوار غريب" ص79. ولكن هذا الإبداع يختفي في قصص اخرى ويتحول النص الى عبيء أدبي على المجموعة مثل قصة الجائزة الكبرى والتي لاتتوفر فيها اسلوب القص، بل تميل الى إدانة للأنتقائية في تفضيل النصوص وإعطاء الجوائز .

لقد كان السرد في أغلبه يتكأ على السخرية، والسخرية في أبسط مفاهيمها تعتمد على إضاءة العتمة بشكل فني، يتأتى هذا الشكل من خلال الإنفلات من الأطر الصارمة في جديتها لتقديم موضوع معين، ولكن تقديمه بشكل ساخر سيؤكد تأثيراته على المتلقي . لقد كان برنادشو فيلسوفا وكاتبا متميزا،ولكن أسلوبه الساخر كان سببا كبيرا في تأثيره على جمهرة كبيرة من المتلقين . السخرية أكثر ايقاعا وتأثيرا لدى القاريء، ولكنها أكثر صعوبة على الكاتب نفسه، فمن السهل أن تكتب الأشياء كما هي، ولكن أن تغلفها بطابع ساخر، فذالك يحتاج الى قدرة على إنتقاء اللحظة المؤثرة التي تثير ضحك المتلقي وربما الى إنهمار دموعه . لقد كان القاص محمد كروم حاذقا في توليف المواقف لأثارة القاريء واستدرار تعاطفه "إلتفتت فرأتني سابحا أطير. إعتراها الذهول . فإبتعدت . حاصرتها بنظراتي...لم تفه بكلمة واحدة . أشارت برأسها . أحنيت رأسي فاكتشفت أني خرجت بدون سروال ص18 " لقد إستطاع أنْ يجعل القاريء متعاطفا معه الى حد الضحك . وهناك أمثلة كثيرة زخرت بها المجموعة، منها على هيئة جمل صغيرة يبثها بين دفة النص ومنها ما يكون نصا كاملا . ثمة خيط رفيع في الفن الساخر مابين الضحك او البكاء، الحزن او الفرح . حينما قُدّم الى الفيلسوف سقراط كأس السم (قال له تلامذته : من المؤسف أنْ تموتَ دون ذنب. فأجابهم : وهل تظنون أنّ الموت سيكون أسهل لو كنت مذنباً ! فضحك تلامذته وهم يبكون) وهذا يدل على ان السخرية الضاحكة قد تضم حزنا عميقا .

لقد كانت لغة الكاتب تتوهج أحيانا للتحول الى بهاء الشعر ، كما ورد في قصته (قريبا سأحبك) فقد اشعل النثر شعرا، وكان من حقه أنْ يجعلها عنوانا لمجموعته لما فيها من همس شعري رقيق . ولكن هذه اللغة الشعرية تختفي أحيانا لتحل محلها لغة ركيكة رثة في تكرارها وفي بنائها في مواضع أخرى مثلا على ذالك " غرس منقاره في منقارها غرست منقارها في منقاره ..ً24 " كما أنّ أبيات المتنبي أصبحت عبئا على النصوص، وليس إضاءة لها . فقد حاولت أن اربط ما بين الأبيات ومحتوى النصوص فلم اجد علاقة وثيقة، ففي عرف السرد أنّ الإستشهاد بمتن نص آخر، سيساهم في إللإلتحام مع النص الجديد وسيحاول إثراءه ولكنني لم أجد أدنى علاقة بين الأبيات المبثوثة وبين السرد، اللهم الآ هذا البيت (حسن الحضارة مجلوب ..الى آخر البيت والذي يدل على أفتنان الكاتب بالريف وطبيعته العفوية وانحيازه ضد أجواء المدن .

لقد استخدم الكاتب اللهجة الدارجة بشكل جميل وقد شكلت بمجملها ثقلا للمعاني التي تعجز عنها اللغة الفصحى أحيانا فشكلت لمسة فنية في النصوص . وفي كل ذالك فقد كانت المجموعة القصصية (قريبا ساحبك) للكاتب محمد كروم عملا إبداعيا جميلا لكاتب يَزنُ ما يقول .

اوتاوة / كندا / 2014

الشاعر طلال الغوّار .. الباحث عن البديل أو النقيض لواقعه

talal algawar(احتفاء بصباحات شاغرة) مجموعة شعرية للشاعر طلال الغوّار صدرت عن دار بعل – سوريا – دمشق -2014، وهي من القطع المتوسط جاءت ب (122) صفحة واحتوت على (55) نص شعري .

إن التجربة الشعرية والحياتية للشاعر طلال إضافة إلى ذخيرته المعرفية مكنته من إثبات شروحه ومراميه للقارئ بدقة متناهية بتحديده الدلالة في القصيدة، كما أن مخيلته الأدبية شكلت صنبوراً متدفقاً من الإبداعات، حيث أنه لامس هموم الآخرين ومحاكياً خلجاتهم وسعيه لبناء نص من خلال إحساس قوي وتفكير مليء .

صياغاته الشعرية رقيقة وعذبة وصوره عميقة ومعظم نصوصه في هذه المجموعة يتخطى فيها حدود المصير البشري عاكساً رؤيته على ذاتيته ليحقق التجسيد الحميم والاتصال الرمزي بحقيقة ما يبوح به، لم يكن الطريق ممهداً أمام الشاعر طلال بل اعترضت العقبات طريقه، منها الهزّات الاجتماعية التي اجتاحت وتجتاح بلده وكذلك فوضى ضاربة أطنابها في العقائد والأفكار .

في قصيدة (حرائق) ص 20 يقول :

أنا قصيدةُ أحزانكِ

أنا انتظاركِ الذي

يشيخُ على النوافذِ

أنا جراحكِ التي

تدّونُ الحرائقَ

أنا كتابكِ الذي

دائماً أفتحهُ للشموسِ

كي أقبضَ على النهارِ

عبثاً

أحاول أن أمحوَ خيباتكِ

حين أتهجّاك بأحلامي

لقد التزم الشاعر بحرفية الفن الشعري وبقي في إطار التركيز الذي ينبعث منه الحدث، وكشف عن العلاقة الخفيّة التي تتحكم بمصير الإنسان وحركته والمعالجة عنده ليست سكونية وإنما هي تحريك العقل عند المتلقي وإدخاله في حدود العمل الفني، أن عالم الواقع لدى الشاعر كثيراً ما يختلط بعالم الأحلام والأماني وكل ذلك جَسَدَهُ في قالب فني جميل منسجم مع الحدث الذي يعرضه والموضوع الذي يناقشه .

في قصيدة (احتفاء بصباح شاغر) التي حملت عنوان المجموعة، ص 80 يقول :

في مرايا صباحكِ

رأيتني وحيداً

أبدأ خطواتي

في طرقٍ لا أعرفها

هل كنت اكتشفُ وجهي

كلمّا أوغلتُ بعيداً

كان للشجر نوافذٌ

تفتحُ كتابي للغيبِ

وللأقاصي إيماءةٌ

تلحّنُ أحزاني

آه ...

كمْ كنتُ محتفيا

بصباحي الشاغر

وهو يواكبني

لقد أكتسب الشاعر إمكانات فنية استطاع من خلالها ان يعرض تجارب شعورية صادقة يحياها القارىء، فقد عرضها من خلال أبسط وأدق جزئياتها واهتم بالأعماق فشرحها وناقشها من خلال غطسه الى أعماق المتحرك النامي، عرض موضوعاته بأسلوب فيه قدرة كبيرة على العطاء والإيحاء بجو مشحون بالأفكار والرؤى والأحلام والمشاعر والعواطف مع عرض فني للواقع الممتزج بالتطلع والأمل .

في قصيدة (النهر) ص 46 يقول :

النهرُ الذي

كان يبتكرُ ضفافه

ويودعها جدلَ الأشواق

فتنقلُ رسائلها

قواربُ الصيادين

وطيورُ الغاق

إيماءات العشاق

وصيحاتُ الأطفال

كمْ كانت موجاته

راكضةً

ثم تنتحرُ

ثم عند صخور الشاطئ

كي تولدَ مرةً أخرى

ويولدُ معها النهر

ألفيته يمتلك قدرة على تصوير النزعات الإنسانية والمواقف المتوترة والقدرة على تفجير الحدث، ذلك التفجير الذي يعطي للنص الشعري المنتج قدرته على النمو السامق ويضفي عليه نكهة مليئة بالحياة، في نصوصه يلجأ الى التحليل ورسم الأبعاد الدقيقة وعرض الجزئيات الصغيرة التي كثيراً ما تتكامل وتنمو لإعطاء الانطباع النهائي لموضوعة النص عند المتلقي .

في قصيدة (وحشة) ص 95 يقول :

........

أمسُ

رأيتُ الحديقةَ

تجهشُ بالغربةِ

في شجرةٍ بلا ظلٍ

كخطواتي

...

...

كمْ كان غيابكِ قاسياً

يا حبيبتي

الفن الشعري فن صعب يحتاج إلى تقنية فنية عالية لا تتأتى إلا عن طريق المتابعة والإطلاع والاحتكاك، ويحتاج كذلك إلى رؤية ووعي وقدرة على التغيير مع ثقافة عامة شاملة ومتأصلة لتوليد الصور الشعرية المتوهجة، والشاعر تقع على عاتقه مسؤولية اجتماعية جسيمة، مسؤولية تغيير القيم والتقاليد البالية وخلق قيم وتقاليد ومفاهيم جديدة تتماشى مع روح العصر وانطلاقة الحياة وتعمل على بناء مجتمع سليم، إذ أن قصيدة النثر تتيح للشاعر تحطيم قيوده الشكلية ليتجه إلى ما هو جوهري في الشعرية الصافية، والشاعر طلال تمكن من توظيف الاستعارة وأوجد وحدة متماسكة في المعنى المكتوب بلغة رصينة وميال إلى نوع من التنغيم .

في قصيدة (المنتحلون) ص 116 يقول :

........

لم يكن فرعون

هو الذي حملَ أحجار الأهرامات

ولا نبو بلا ناصر

جاء بأشجارِ الأرزِ

ليبني برجَ بابل

ولا جلجامش

شمّرَ عن ساعدهِ

ليرصف الأحجار

في أسوار أوروك

أنهم ليسوا إلا سرّاق

لمآثر الآخرين

الذين يحملون برؤوسهم الشموس

يقوم الشعر وينهض على الاستعارات والمجازات والصور الشعرية من اجل تأسيس معان عميقة، والحكمة والمعنى لايصيران شعراً إلا عندما يَعْرِفْ الشاعر كيف يصوغهما بكلام خاص، الشاعر طلال أثبت أنه معماري فني وجمالي بآلياته الشعرية القادرة على خلق الدهشة من خلال توهج الاستعارات الحيّة وحداثوية الشكل الشعري لبنائه بلغة مكثفة واستحضار للأحداث .

في قصيدة (أيتها النائية) ص 111 يقول :

لوحّتُ لأشجاركِ

فأختنق الأفقُ بين أصابعي

ركضتُ خلفَ صباحاتكِ

فخذلتني نسمةٌ هاربةٌ

صدحتُ أناشيدي في ناياتكِ

فتشرّدتُ في النغمات

آه ....

أيتها النائيةُ

كمْ سأقطعُ إذنْ

من مسافاتِ الخيبةِ

كي أصلَ اليكِ

كمْ أحتاجُ من الحبِّ

كي أرمِ أطواقَ نجاتي

وأنت تمّوجيني نحو ضفافكِ

كمْ من القصائدِ يكفيني

حتى أطلقَ أيائلَ أحلامي

في سفوح غيابكِ

...........

مخياله الشعري خصباً حيث تمكن من توظيفه بطريقة سليمة لينير مناطق العتمة في النفس والروح، منحنا شاعرية رائعة وفتح لنا طرقاً زاهية المعالم من خلال إبراز مفاتن النص من بديع الكلام والصور الشعرية المتقدة، لغته الكتابية اتسمت بطاقة تعبيرية هائلة عكستها مفردات نصوصه بما تحمله من دلالات ثريّة وكساها بالعديد من الإيقاعات، كما أنه أمتلك قدرة على الاختزال من خلال صياغته البلاغية التي أثرّت نصوصه، في نصوص هذه المجموعة تجلّت بوضوح عناصر الموضوعية والفنية، كاللغة والتشكيل والفنية في البناء الشعري، ولغته الخطابية لا تتوارى أو تغيب بل تحضر معلنة عن ذاتها بجرأة مشبعة باستعارات خيالية .

 

قراءة: أحمد البياتي

 

اللغة الشعرية والصورة والايقاع

hasan albasamيقول جوين كوين ان اللغة الشعرية هي (الانزياح عن لغة النثر باعتبار ان لغة النثر عنده توصيف بانها لغة الصفر في الكتابة) .

ولكن كي يبدا الشاعر بالارتقاء فان شحن اللغة النثرية بالروح الخلاقة يقتضي ان تضاء بنفحات الشعر,لاشائعا ولا مصاغا في قوالب جاهزة ..لان الشعر يسلك طرقا شتى قد يكون محاذيا للنثر او يلتقي به عند الضرورة الا ان اللغة الشعرية هي اسرع انطلاقا الى الذائقة لانها تمتلك اجنحة تستطيع ان تحملنا على ظهرها الى اقاصي الدهشة والحلم بل تحلق انّا شاءت وأجدها تمتلك روحا اكثر شفافية ورهافة واحساسا بل اراها اكثر اناقة .

الشاعرية هي تهديم ذائقة الاعتياد وان اللغة هي الوسيلة الوحيدة لاعادة صياغتها وتشكيلها واعادة مفاهيمها محلقة خارج انساق اللغة المتداولة الثبوتية بدلالاتها المشحونة بالحلم والالوان وغير المالوف من تشكيل ورسم الحياة او الاشياء او المشاعر .

اللغة الشعرية تشاكس الذائقة وتسخنها بل تمسك بيدها وتقودها الى عالم ارحب ..اكثر انطلاقا وايغالا ومتعة ..لذلك فانك تجد الحركة والاشارة قائمة في اللغة الشعرية بينما تسكن في النثر ثوابت المعاني .

وكما يقول مالارميه (ان الشعر نتيجة حتمية ضمنية لكل جهد يبذل لتحسين الاسلوب) ..ان اللغة النثرية في الوقت الحاضر ارتقت ببراعة الشاعر وصياغاته الشعرية ان تكتب بها اجمل الروايات والقصص حيث يقوم الشاعر بسرد الرواية باسلوبه الذي يمنح اللغة طاقات كامنة وايحاءات واشارات اكثر ديناميكية وتفاعل وتشكيل.

وان الصورة الشعرية هي الرسم بالكلمات تتفاوت الالوان فيها بين شاعر واخر بل بين نص واخر ..صورة منقولة من الواقع الى ماهو متخيل لتبهر السامع وهي عتبات القصيدة واعمدتها التي تقف وتنتصب عليها هي رمزيتها ودلالاتها لتتكون من مجموعها وحدة جمالية متناسقة فلا اعتقد ان نصا يمكن ان نقول عنه انه قصيدة دون وجود صورة او صور يفتح القلب لها مغاليقه ..وليس رصف كلمات .

ان الايقاع هو واحد من اهم اشكاليات القصيدة الحديثة وهو محور التبدلات التي طرات على بنية القصيدة ..ومن اكثرها تعقيدا وصراعا منذ ولادة اول قصيدة والى الان ..هي محاولات تشكيل صوتي جديد يتناوب بين الخارج والداخل ..فقد انتقلت من شعر البحور الى التفعيلة وانسحبت الى الايقاع الداخلي لقصيدة النثر .. والايقاع هو التناغم الموسيقي بين نص واخرفي الشعر العمودي او الحر او النثر يعتمد على الايقاع الكمي الذي يعتمد على المقطع او الايقاع الكيفي المعتمد على النبر في الجمل او الكلمات او التنغيم في الاصوات لان الكلمات انظمة صوتية يمكن ان تشكل على وفق دلالات الاستخدام ..وهذا هو سبب انتقال الشعر من النظم الخليلية الى مستوى الشعر الحر الى الايقاع الداخلي في قصيدة النثر الذي هو الموسيقى المضمرة المنبعثة من تجانس الحروف في الكلمات او الكلمات في الجملة الواحدة . لذلك فان الايقاع الداخلي للنص هو بنيته الشعرية التي تميزه عن نص اخر وهو جوهر الشعرية وروحها ..وقد تغلب الصورة على الايقاع فتلك مهارة وموهبة وبراعة الشاعر.

 

13-12-2014

في مئوية نجيب محفوظ: محاولة لفهم فشلنا الثوري

mohamad talatلا أحد ينكر أن للأدب رؤية ثورية يراهن عليها الأديب في أعماله، ويترك بذورها في رحم الحراك المجتمعي لتنبت على مهل، وإلى أن تنبت ترسم لها هذه الرؤية جملة من العوائق وطرق حلها برمزية تفك شفرتها بمدى وعي الأجيال التي تلقت هذه الرؤية وفجرتها حقيقة ثورية على أرض الواقع..

تتضح هذه الرؤية بشكل جلي في "الثلاثية" عند كاتبنا العظيم "نجيب محفوظ"، و"الأجيال الثلاثة" للكاتب الكبير"يوم سانغ سوب" حكيم الرواية الكورية. يتمتع الكاتبين بأهمية كبرى في تاريخ الأدبين العربي والكوري لما لهما من رؤية ثاقبة لمصير مجتمعهما، وقد تحققت نبوءتهما للحراك الثوري لشعوبهما، فعلى الصعيد الكوري قد تحققت رؤية "سانغ سوب" بتقدم بلاده بعد نشر روايته"الأجيال الثلاثة" في عام 1931م، وقد تحققت أيضا نبوءة محفوظ بابقاء الحال كما هو عليه بعد نشر روايته "الثلاثية" في منتصف الخمسينات، وذلك من خلال رسم الكاتبين الشخصية النضالية انطلاقا من معادلة التقدم والتأخر.

تحاول هذه المقالة الأدبية رصد هذه الرؤية كمقاربة نقدية مقارنة بين المجتمع المصري والكوري خلال حراكهم الثوري لتبيان أيهما تحقق وأيهما تعثر، وذلك من خلال رؤية النص الروائي عند الأديبين ورسائلهما المشفرة لاستنهاض أمتهما كلا حسب ظروف وواقع مجتمعه، فمن المعروف أن الزمن الذي تتحدث عنها الروايتن (وهو للمصادفة نفس التوقيت للزمن الفعلي للأحداث، و تشابه نفس المساحة الزمنية للنص أيضا) يموج بالصراعات الأيديولوجية والتغييرات السياسية والواقع السياسي للبلدين الواقعين تحت الاحتلال الياباني (كوريا) والانجليزي (مصر). فكيف صاغ الأديبين رسالتهما الثورية ونقدهما الاجتماعي ونبوءتهما للتحرر والتقدم وسط هذا التخبط؟

بداية يجب الإشارة إلى ثمة جملة من التشابهات الإجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتنويرية بين المجتمع الكوري والمصري، فعلى مستوى الواقع الفعلي أبان النصف الأول من القرن الماضي فثمة حراك ثوري مقاوم للعادات والتقاليد والصراع بين الماضي والحداثة فضلا على مقاومة المحتل كل هذا بهدف التحرر والاستقلال،لذا لم يكن مصادفة عبثية من هبة الشعبين الثورية بنفس التوقيب الزمني؛ فحركة الأول من مارس (صباح يوم السبت 8 مارس 1919) في المشهد الكوري ، وثورة 1919م (صباح يوم الأحد 9 مارس 1919) في المشهد المصري. ليس هذا فحسب بل تعدى التشابهة أيضا إلى الجنس الأدبي في النوع الروائي وتحديدا رواية الأجيال كقالب فني متشابه في أجيالة الثلاثة، بالأضافة إلى الاشتراك في العديد من التيمات الشعبية في اتباع المرأة لزوجها وعالم المحظيات والعوالم والعربدة، الخ. وتشابهت الروايتين في تسجيل ورصد كافة المتناقضات داخل الشخصية والمجتمع تحت وطأة المحتل، واشتركت أيضا في تبني الحلم التحرري من خلال النقد الثوري للعمل النضالي المتباين بين المجتمعين من خلال رصد تصرفات وانفعالات، ومثالية ونفعية الشخصية النضالية، وجاء نقد الأديبين لهذا الشخصية من خلال نبؤءة كلا منهما لتحقيق معادلة التقدم والتأخر.

بُنيت هذه المعادلة على أساس الجوانب الاقتصادية وممارسة الديمقراطية وانعكاس هذا على طبيعة فهم كلا الشعبين( الكوري/ المصري) لمعاني ممارسة الحرية السياسية والشخصية. ويتضح ذلك أكثر في تناول النص لفكر وسمات الهوية القومية ومفهمومها بين الأجيال. ومن خلال جزئيات الشخصية النضالية وما دار حولها من شخصيات لها أهواء ومشارب توضح لنا جوهر هذه المعادلة التى تتجسد في أزمة الشخصية النضالية، وهي على مستويات متباينة، وبناء عليه فقد تم استنتاج الجوهر الرئيسي لهذه المعادلة، وهو يكمن في صيغة الاختلاف والخلاف: "مختلفة (الشخصية النضالية الكورية) / خلافية (الشخصية النضالية المصرية"

انعكس صدى هذا الاختلاف والخلاف على ديناميكية الشخصية النضالية بين الثلاثية والأجيال الثلاثة، حيث تراجعت الأولى و تقدمت الثانية، وحسبما تفاوت قوة انعكاسات الاختلاف والخلاف. وعليه قد استقر عمل الشخصية النضالية المتنامي في المجتمع الكوري، وتأرجحت الشخصية النضالية في المجتمع المصري.

على الرغم من التعددية في الاختلاف بين الأجيال الواضح في المشهد (الأجيال الثلاثة) الكوري، إلا ثمة ائتلاف عام يربط بين هذه الشخصيات موحدا مفهومها نحو الحرية وممارسة العمل السياسي الهادف للديمقراطية سعيا لتحقيق الحرية بمفهومها الواسع للمجتمع، حيث تلتف هذه الشخصيات وأطياف المجتمع حول الشخصية النضالية وتساعدها وتقوى من عزيمتها دفعا إلى التحرر. ومن ثم التقدم. انطلاقا من الرسالة الضمنية التي بثها النص من خلال هذه الشخصية، بأن لا حكر للعمل الثوري، بل وجب القبول والتعددية تحت مظلة العمل الثوري للجميع مع ضرورة الوفاق بين كل الأطياف من أجل مصلحة الوطن.

وعلى صعيد المشهد (الثلاثية) المصري جاءت هذه الاختلافات لتخلق فجوة الخلاف، حيث تثرثر الشخصيات في الفضاء النصي عن الحرية والاستقلال، والبناء دون جدوى ودون العمل على تحقيق ما يتحدثون عنه. سوى التعجب من سير الأحداث وهم قاعدون. ولعل المشهد النصى الذى رصدته الثلاثية في ثرثرة أصدقاء "السيد أحمد عبد الجواد" حول شراب الخمر:" نحن في عام 1935م، ثماني سنوات مرت على موت سعد، وخمسة عشر عاما على الثورة، ولا يزال الإنجليز في كل مكان، وفي الثكنات والبوليس والجيش وشتى الوزارات، والامتيازات الأجنبية التي تجعل من كل ابن لبؤة سيدا مهابا مازالت قائمة، ينبغي أن تنتهي هذه الحالة المؤسفة.." السكرية ص43، هذا الحديث كفيل بخلق ثورة للتمرد والحراك الاجتماعي، لكنه لم يعد إلا حديثا لضرب العظة والأمثال في تقلب الأحوال، وصعود طبقات الدنيا للشهرة والثراء بسبب الامتيازات الأجنبية، لكن الحدث والحراك الثوري والتغيرات الاجتماعية في وادٍ وهم في وادٍ آخر، حيث ينتقل بهم الحديث في اللامعني والعبثية حول الحديث الماجن عن النساء وشرب الخمر.

لم يختلف الواقع الكوري عن ماضيه في حاضره حول تطبيق المفاهيم الإنسانية والوحدة كأيديولوجيا مهما اختلفت الرؤية وتعددت الآراء. فما زرعته أجيال (الأجيال الثلاثة) من ضرورة الالتفاف حول الهوية والحرية القائمتين على العلم والمال. تلك النبوءة التى توقعها الأديب الكوري(يوم سانغ سوب)، بأنها الأمل والثمار التى سوف تحصد في مستقبل الأجيال الواعدة خيرا يقام للمجتمع شأنا. كانت النبوءة تضخ حيوية في عزيمة الأجيال حول التكاتف والمضي نحو مستقبل أفضل لتنزيل سقف الأحلام والتطلعات على الأرض دون ثرثرة فارغة حول المثل والقيم العليا في المطلق.

قبع واقع المجتمع المصري في صراعه الذي لم ينته حتى الوقت الحاضر منذ تلك الحقبة الزمنية التي دونتها (الثلاثية) بين الأيديولوجيات المختلفة الخلافية غير المستقرة على أرض صلبة تحدد ماهيته ومتطالبته وضروريته الخاصة، ناهيك عن المطالب العامة للشأن العام ومصلحة المجتمع ككل.

تناول النص الروائي ورصد بدقة شخصية الثائر وتتبع تناقضية أحلامه الثورية، وتعارضها في فهم الثورة وطريقة نضالها بين الروايتين، وبالتالي جاء هذا التعارض ليوضح مفهوم فكرة الوطن عند المصريين والكوريين، وبين المصالح والمكاسب العامة أو الشخصية التى قد تأتي من وراء العمل النضالى. ومن ثم بناء الأمة كما توقعها وتنبأ بها الأديبان في مسار سردهما لهذه الشخصية. من خلال تتبع ورصد تصرفات وتحركات ومفاهيم وأحلام وواقعية ونفعية الشخصية النضالية في النص، وانعكاسات هذه التصرفات على الواقع الحالي لكل من التجربتين. يتضح جوهر الاختلاف بين المجتمعين الكوري والمصري.

إن الاختلاف المؤتلف في أهواء وضروب الشخصية الكورية كما سجلها النص كان له التأثير الإيجابي على التقدم الكوري القائم على المنفعة الثورية العامة من أجل كوريا(وكوريا فقط)، دون شعارات كثيرة، ودون تشتت الأحلام بل تركيزها نحو الهدف المحدد والواضح. أدى بها في (الزمن الواقعي بعد الزمن الروائي) في الخمسين عام التالية من النصف الثانى من القرن العشرين إلى التقدم. ثمة نفعية في الشخصية الكورية، كما ورد في ( شخصية المناضل النفعي/ بيونغ هوا)، لكنها نفعية عامة تكتسب، ليكتسب الوطن. تتعلم، ليتقدم الوطن، لا ليتقدم الفرد وحده، لذا تقدمت كوريا واستقرت أوضاعها الحالية وأصبحت قوة اقتصادية هائلة.

أما الشخصية المصرية تكمن أزمتها في شخصية المناضل الثوري الأقرب إلى الحالم المعطاء حتى الموت( شخصية المناضل الحالم/ فهمي) بلا فائدة تعود على الوطن، بل قد تعود إلى زويه بالحزن والألم. ولتبدل المفاهيم وضبابية الرؤية حول الهوية في المجتمع المصري، تعدد شخصيات المناضلين فيه. حيث ظهرت على السطح المصري نوعية مناضلين من نضال آخر ليس ثوريا أكثر منه انقلابا على الأوضاع، مثل شخصية" فؤاد الحمزاوي/ نفعية" برجماتية. ثائرة. نعم ثائرة، لكن ثورتها من أجل مصالحها الخاصة. تكتسب هي أولا وأخيرا، لتعديل وضعها الاجتماعي، والقفز من طبقة إلى طبقة، وليس مهما أن يخسر أو يكتسب الوطن، لذا تأخرت مصر الوطن على كافة الأصعدة بعد النصف الثانى من القرن العشرين حتى الوقت الحاضر.

ثمة حراك ثوري تم التنبؤ به عبر النص الروائي، الأول(الكوري) قد نجح وحقق مساره على المدى البعيد عبر سنوات من جدية التعلم والعمل بسبب وضوح الهدف منذ البداية. والثاني(المصري) قد تعثر نتيجة لعدم وضوح الرؤية والاتفاق حول مفهوم محدد حول ماهية الحرية والوطن والهوية والقومية.

من تتبع سير الأحداث وصيروة الزمن عبر المكان وتأثيرهما على هوية الإنسان، ومن ثم على المجتمع ككل، يتبين أن النص الروائي عبر فضاء الروايتين استبق الأحداث وأزماتها لتجنب معايشة المأساة مرة أخرى في تحليلية معقدة ليست راصدة الداء فحسب بل مقدمة العلاج. الذى جاء ملضوما بشكل فكري متجانس بين سطور المتن السردي وعلى ألسنة الشخصيات ومعتقداتها سواء السلبية أو الإيجابية.

فقد اعتمد النص الروائي بين الروايتين على المنهج الواقعى في الأدب لكشف وتعرية المجتمع ورصد ما له وما عليه. استخدام نفس القالب الفنى لـ(رواية الأجيال) اعتمادا على نفسها الطويل للمسح الشامل لكافة أركان المجتمع. مع الجنوح الموضوعي لرصد تطورات المجتمع حول مفهوم الهوية والقومية كمدخل لتحرر الوطني. اعتنى النص الروائي بابتكاره عنصرا بين التشويق والمفاجاة في تتبع مسار أحداث الزمن والمكان، وانعاكسه على الشخصية وفقا لدراما النفسية والمنطق العقلى والإيماني الخاص لكل من الشعبين.

ابتكر النص رؤية استبصارية تدور في دائرة المعادلة الثنائية: "الثري / المتعلم = الفقير/ المتعلم"، التي إن اتبعها أفراد المجتمع كُتِبت لهم النجاة والتقدم. هذه الثنائية التى يشترط فيها (الدعامة الأساسية) كالتالي: "الجدية (العـلم والتعـليم)← ثراء الوطن→ ثراء المواطن= التقدم"، الجدية في العلم والتعليم اللذان يؤديان إلى ثراء الوطن ومن ثم ثراء المواطن فالتقدم. وبدونها( الدعامة) تنتفي القاعدة النقدية للبناء. وكما تبين في المواقف المتباينة بين (دوك كي/ بيونع هوا – كمال/ فؤاد الحمزاي)؛ حيث اشترط الثراء والعلم.. الثري الذى يدرك موقفه البنَّاء إذ يأخذ ثراءه نحو تحقيق الأهداف السامية لمصلحة مجتمعه أولا. والفقير المتعلم الذي يسعى لتغيير فقره بالعلم ومن ثم تفيد مجتمعه أولا. تلك الثنائية التي نجحت في بناء المجتمع الكوري. وفشلت في بناء المجتمع المصري، لعدة عوامل معقدة.

تبقى الدعوة الصريحة المتشابهة لحد التطابق بين الروايتين وهي القائمة على أحقية النضال أولا: لتحرير الوطن( الأجيال الثلاثة)، ومن ثم سوف يتحرر المواطن. ثانيا: تحرير المواطن (الثلاثية)، ومن ثم سوف يتحرر الوطن.

توقفت عناصر الوضوح الداعية لرصد القيم الإنسانية والمثل العليا بشكلها العام في كلتا الروايتين مقابل الدعوة الصريحة للنضال كحق مشروع رغم خلافيته المدمرة، كما في (الثلاثية)، بينما جاءت هذه الدعوة الزامية بحق النضال بحكمة الاختلاف الداعي للتكامل وليس للتنافر في (الأجيال الثلاثة)؛ حيث رصد الأديب الكوري المأساة الإنسانية للمواطنين. وهي مقاومة رمزية بهدف التحريض غير المباشر للنضال. حيث يتفق الأديبان في رؤيتهما الواحدة حول أهمية النضال كل حسب خلفيته ورؤيته لأشكال هذا النضال، مع اشتراكهما في الرؤية الاستبصارية التي أكد عليها النص المشترك بينهما، على أن لا نضال دون سلاح العلم والمال. تلك الثنائية التى حالفها الحظ في المجتمع الكوري؛ فبُنِيَتْ كوريا المعاصرة على دعائم هذه الثنائية، بينما لم يحالفها الحظ في البيئة المصرية؛ فتراجعت مصر لأسباب عدة منها الاقتصادية والسياسية وأخطرها الاجتماعية، وخاصة في التفاوت الطبقي للمجتمع المصري، وعدم تجانسه في الوفاق حول قاعدة مشتركة.

الإباء عند عباقرة الشعر والفن

karem merzaالمعري، المتنبي، الشريف الرضي، أبو هلال العسكري،البيروني، أحمد الصافي النجفي، ديوجين، جورج برناردشو، جان بول سارتر، ويلي سوينكا

في الحقيقة أن الإباء والفخر صفتان غير متلازمتين، ولا تستوجب الأولى وجود الثانية، فالبحتري كان فخوراً بشعره حتى القرف، ولكنه ذو طبيعة مصلحية بحتة بعيداً عن الإباء والأنفة، أما ابن الرومي، فقد يفتخر بشعره، وبسعة علمه أحياناً، في حين كان لجوجاً، ملحاحاً كالطفل مما يثير الاشمئزاز والعطف، وكأن زمانه لم يستح أن يكون بين جنبيه مثل هذا العبقري، ويهمل مثل هذا الإهمال، والغزالي بالرغم من تعاليه وزهوه، كان سمحاً، بسيطاً، ذا أخلاق دمثة، وأخيراً أصلح من أمر كبريائه وزهوه على ما يقال، ولكن من العجيب أن يغيب قلمه عندما تعرضت بلاد العرب للغزو الأجنبي، ولم يقل كلمة حق !!

 

إباء أبي العلاء المعري:

أما أبو العلاء المعري فكان يفتخر بشعره وبسعة علمه، وغزارة حفظه، وفي الوقت نفسه كان شديد الإباء، زهد في دنياه إلى حدّ القسوة، ودون الكفاف في العيش طيلة أكثر من أربعين عاماً، تذكر الدكتورة بنت الشاطئ في كتابها مع أبي العلاء): أمر الحاكم بأمر الله الفاطمي على أن يسمح له بخراج معرّة النعمان طول حياته، فأبى وأعتذر،، ويذكرون كذلك في تاريخه إن المستنصر بالله الفاطمي صاحب مصر 427 هـ، بذل له ما لبيت المال في معرة النعمان، فلم يقبل منه شيئاً. (42) ويقول الأستاذ عبد العزيز الميمي في كتابه (أبو العلاء المعري وما إليه): "وطئها بقدميه، فانقادت له .." (43) .

المتنبي:

والمتنبي كان شديد الإباء، عزيز النفس، قوي الإرادة، ولكنه رمي بالبخل، ولم نتحقق من الأخبار التي تنسب إليه في هذا المجال، وعلى العموم العباقرة والعظماء، تؤخذ عليهم أبسط الأمور، وتضخم، وتعطي أكثر مما تستحق كثيراً بدافع الحقد والحسد والغيرة والعداء، وما إلى ذلك .

اشترط المتنبي على سيف الدولة الحمداني أن ينشده الشعر جالساً،، ولا يقبل الأرض بين يديه، ومنذ صباه كان يعتد بنفسه كلّ الاعتداد، ولا يرى له في الوجود ندّاً، ولا مثيلاً:

أمط عنك تشبيهي بما وكأنه *** فما أحدٌ فوقي، ولا أحدٌ مثلي

وتذهب به الأنفة إلى درجة التسامي، واختراق كلّ مدى للوصول إلى الشأو والمرام في كوامن نفسه الطموحة لأعلى المعالي.:

إذا قلّ عزمي عن مدى خوف بعده *** فأبعد شيٍْ ممكنٌ لم يجد عزما

وإنًـــي لمن قومٍ كأنّ نفوسهم ***** بها أنفٌ أن تســـكن اللحم والعظما

 

الشريف الرضي:

الشريف الرضي نفسه شريفة، وقلبه رقيق، يتعالى بعزة حتى يطاول الخليفة بأنفة، يذكر الشيخ البهائي في (كشكوله): " قال الرضي رضي الله عنه يخاطب الطايع:

مهلاً أمير المؤمنين فإننا*** في دوحة العلياء لا نتفرق

ما بيننا يم الفخار تفاوت **أبداً كلانا في التفاخر معرق

إلا الخلافة ميزتك فإنني ** أنا عاطل منها وأنت مطوق

قيل: إن الخليفة لما سمع ذلك قال على رغم أنف الرضي . " (44)

 

أبو هلال العسكري:

وأبو هلال العسكري ( 395 هـ / 1005 م)، وأشهر كتبه، (كتاب الصناعتين، النظم والنثر)، وله كتاب ( الأوائل)، كان أبي النفس عفيفاً، كريم الخلق، مترفعاً عن التمسح بأعتاب الأغنياء، وعن سؤال الناس، وكان يتكسب بساعديه ليدفع عن نفسه الفاقة، عمل تاجراً يبيع البز ليكسب القوت الحلال لئلا تعوزه الفاقة إلى ولوج قصور الأغنياء والمترفين، لأنه يعرف أن ولوجهالا مضيع لكرامته ومكانته، ومدعاة للتزلف والتملق، وهو ما تأباه نفسه وتعافه، وكما يحس بالمرارة حينما يضطر إلى التكسب عن طريق التجارة، ويقول في شكواه من الدهر والناس:

جلوسي في سوق أبيع وأشتري *** دليل على أن الأنام قرود

ولا خير في قوم تذل كرامهم ***** ويعظم فيهم نذلهم ويسود

وويهجوهم عني رثاثة كسوتي **** هجاءً قبيحاً ما عليه مزيد(45)

 

البيروني:

البيروني ( 362 هـ - 440 هـ / 973 م - 1048 م) قد صنف مؤلفات جمة في شتى أنواع العلوم (الجماهير في معرفة الجواهر)، (الأثار الباقيةعن القرون الخالية)، وغيرها، فبلغ ما ألفه (190 كتاباً)، وقدّم إليه السلطان مسعةد بن محمود الغزنوي مقابل كتابه (القانون المسعودي في الهيئة والنجوم) وزن حمل قيل من الفضة إلا أن البيروني رفضها إباءً وأنفة .

 

أحمد الصافي النجفي:

كان الشاعر أحمد الصافي النجفي أبي النفس لا يقبل أي مساعدة مادية من أحد، ويعيش عيشة أقل من الكفاف، ويعتبر الأدب أكبر ثروة ينالها الإنسان:

أنا حسبي ثروة من أدبٍ *** قد كفتني عن طلاب الذهبِ

فليدم جيبي فقيراً، إنّما *** فقر جيبي ثــــــروة للأدبِ

ومن الجدير والجميل ذكره، في إحدى المناسبات دس أحدهم رسالة إليه، وإذا بها بعض النقود، فكتب:

ونبيل قومٍ جاد لي برســـالةٍ ***** فواحةٍ مـــن لطفــــه بــعبيره

وإذا بها ملغومة بسخائه ***** فأحترتُ بين مســــائتي وسروره

حاولتُ ردّ سخائهِ فخشيت أن** أقضي على نبع الســــخا بضميره

فرضيتُ منكسراً بجرح كرامتي**وقبلتُ جرحي خوف جرح شعوره

العباقرة الأجانب:

 

ديوجين

ديوجين اسم يوناني لعدة علماء وفلاسفة وحكماء من بلاد الأغريق، ونحن نتكلم عن معاصر الأسكندر المقدوني(356 ق. م.- 323 ق.م.)، المدعو ديوجين الكلبي، أو ديوجين الفيلسوف ( 412 ق.م. - 323ق.م.)، عاش هذا الرجل باختياره في الحضيض الأوهد من دركات الفقر، ولكن كان يملك عزّة الملوك وشموخهم، وكلّ عدّته عباءة يتستر بها، وفوق كتفه يحمل برميلاً يأوي إليه ليتقي به القر والحر، وفي داخل جسده تتقد نفسية الرجال العظماء .

مهما يكن من أمر، لما أقبل عليه الأسكندر ذات يوم، وبادره بالتحية قائلاً: " أنا الملك الأسكندر"، فأجابه: " أنا ديوجين"، فسأله: " ألا تخشاني"، فرد السؤال بسؤال: "طيب أنت أم سيْ"، قال الأسكندر " بل طيب"، فقال ديوجين: " ومن يخشى الطيب"، ثم سأله ابن فيليب الثاني ملك مقدونية، ونعني به الأسكندر:" هل لك حاجة نقضيها؟.. وهل أستطيع مساعدتك؟ "، فرد عليه الحكيم بجرأة الأبطال " بوقفك بيني وبين الشمس حرمتنيمن الدفء، فلو تزحزحت قليلاً حتى أتدفأ بحرارتها " فتعجب الملك المقدوني وردد: " لو لم أكن الأسكندر، لوددت أن أكون ديوجين ."

من لا يطلب شيئاً، كأنه ملك كل شيء.

 

جورج برناردشو (ت 1950م):

برناردشو منحته لجنة نوبل جائزة عن الأدب سنة 1925 م، فرفض الجائزة، وكتب إلى أمين سر اللجنة يقول: "إن هذا المال كالعوامة التي ألقيت إلى السابح بعد وصوله إلى بر النجاة ."، والسبب يعود في الحقيقة إلى تجاهل لجنة نوبل لبرناردشو فترة طويلة من الزمن، ومنحتها لأدباء دونه منزلة ومقدرة وملكة، فضرب ضربة معلم!!

 

جان بول سارتر،( 1905 - 1980م:

يذكرني (شو) بجان بول سارتر فيلسوف الوجودية المتشائمة الفرنسي، والكاتب الشهير، عرض أفكاره في محاولات وقصص ومسرحيات منها ( الكائن والعدم)، و(طرق الحرية)، و(الجدار)، الذي رفض جائزة نوبل 1964م). وكان في أمس الحاجة إليها، (وللناس فيما يعشقون مذاهبُ) .

 

ويلي سوينكا:

ولما منح ويلي سوينيكا (ولد عام عام 1934م) في غرب نيجيريا من قبائل يوريا جائزة نوبل للآداب 1987م بعد انتظار دام ستة وثمانين عاماً، هو طول عمر أداديمية أستوكهولم التي تمنح الجائزة، هذا معناه أن الأفارقة يمكنهم أن يقدموا أدباً راقياً مثل غيرهم، ولو أن ثقافة سوينكا أوربية، وكتب باللغة الأنكليزية، وتعكس كتاباته تمكنه الشديد من اللغة الأنكليزية وأنه أنموذج الشاعر الأسود الجلد فقط، مثل زميله ليبولد سنغور، ولكن عبر سوينكا عن أفريقيا بنبل وصدق، وتهمنا نحن عبارة الأديب الأفريقي جيمس أنجوجي (كينيا)، إذ يقول بكلّ أنفة وإباء: " الكتابة عن أفريقيا بلغة أجنبية تحقير لها، وتحجيم لدور أدبها الكبير، و تشويه لجمالها الذي هو المنبع الطبيعي لإلهامنا."، والواقع انحصرت جائزة نوبل على الفكر والإبداع الأوربي والأمريكي، ولبعض اللغات، وهذا انتقاص لقيمة الجائزة، واستهانة مقصودة من اللجنة المانحة للفكر الإنساني الأشمل، ومتى كانت الحضارة بنت عرق معين، أو مكان محدد؟ ومن قال: أن العقول والأدمغة تتباين بين أبناء البشر؟! وأين كانت أوربا قبل عصر النهضة،وأمريكا قبل اكتشاف كولومبس لها؟ وهل بنيت الحضارة على كثبان من الرمال المتحركة الواهية لتصل إلى هذا الصرح الشامخ؟ تساؤلات لا نجد لها من إجابة إلا العرفان بجميل وعظمة كلّ الأمم، وكافة الشعوب بدون تمييز أو تفرقة، وبهذا وحده تكمل الإنسانية مسيرتها الحضارية .

 

تشظي المحكي في رواية (الحب في زمن الشظايا)

alkabir aldasisiمن الروائيات اللواتي يكتبن في صمت دون أن يلتفت إليهن أي ناقد، روائية وشاعرة صدر لها عدة أعمال منها؛ رواية الحب في زمن الشظايا سنة 2006، ورواية (طارينخير بين الضوء والسراب) سنة 2011 و مجموعة شعرية بعنوان (أبابيل الصمت) سنة 2008 إضافة إلى آثار أخرى في انتظار جديدها رواية (في حدائق كافكا) و رواية (الأخرس و الحكاية) اللذين يوجدان قيد الطبع حسب زعمها، كما توجت بعدة جوائز منها جائزة الاستحقاق في مسابقة ناجي نعمان الأدبية لسنة 2012.. نقصد الروائية والشاعرة المغربية زليخة موساوي الأخضري

اليوم وفي إطار متابعتنا لجديد الرواية العربية المعاصرة بنون النسوة نقف على روايتها (الحب في زمن الشظايا) الصادرة في طبعتها الأولى سنة 2006 عن المطبعة السريعة بالقنيطرة في 232 صفحة من الحجم المتوسط، وهي مقسمة على عشرة فصول اختارت الكاتبة لكل فصل عنوان شظية، وكل شظية موزعة إلى مشاهد مرقمة ابتداء من 1. ودعمت شظاياها بمقابسات (épighafe) منها أقوال لبعض المشاهير، هكذا جاءت بنية النص الروائي موزعة على الشظايا التالية:

الشظية 1: ليتها أمام البحر تلك الغرفة. من الصفحة 7 إلى الصفحة 34. وهي موزعة على ثلاثة مشاهد .

الشظية 2: مفتتح بقولة (مقابسة) ميشيل فوكو (لا تتصوروا أن المرء لابد أن يكون كئيبا ليصير مناضلا، حتى وإن كان الشيئ الذي نحاربه شنيعا) وهي شظية تضم 7 مشاهد

الشظية 3: قدم لها قولة أدونيس (ما أكثر القوانين التي يربض في كل منها حيوان مفترمن الصفحة 85 إلى ص 101 وهي على مشهد واحد)

الشظية 4: ابتدأت بقولة فيرناندو بيسوا (كل من يعرف قول ما يريد ملك روما بطريقته الخاصة) من الصفحة 103 إلى ص 126 مشهد واحد دون ترقيم

الشظية.5 . استهلت بعبارة (الحضارة قد تصنع عبيدا، لكن الحضارة لا يصنعها إلا الأحرار) من ص 127 إلى ص 163 تضم من 3 مشاهد

الشظية . 6: اختارت الساردة استهلالها ب4 أسطر شعرية هي (بك أستدل علي، ومنك أمر إلي، كي لا تضيع في المتاهات، خطاي) من ص 163 إلى ص 177 و تضم مشهدين .

الشظية . 7: قدم لها بقولة تينسي ويليامز(إن الشعر هو ما تبقى من حضارة عفا عليها الزمن) من ص 179 إلى ص 199 مشهد واحد

الشظية. 9: استهلالها عبارة (بين زمن ينفلت من بين الأصابع يزمجر كالإعصار وبين السنين الثقيلة التي تقف حاجزا بين الأحبة يتأرجح الزمان) من الصفحة 201 إلى ص 214 مشهد واحد دون ترقيم

الشظية 10: افتتحت بمقطع شعري لسيف الرحبـي من ص 215 إلى ص 232 يضم 3 مشاهد

بعد المقدمة التي تؤطر الرواية زمانيا ضمن (سنوات الرصاص، سنوات الجمر أو زمن الشظايا)[1] . ينطلق سرد الأحداث على لسان السيدة ليلى وهي في حضن زوجها بنعيسى، وقد التقيا على سريرهما فبعد فراق دام تسع سنوات قضاها الزوج معتقلا بعيدا عن زوجته.. ها هما الآن على فراش واحد وقد (تخاصر الجسدان كغصني شجرة .. أبحرا في موج شهوة عنفوانية اجتاحتهما رمت بهما على شاطئ المتعة وعاشقين أكثر من أي وقت مضى)[2]، لتعود الأحداث بالقارئ من خلال تذكر الساردة إلى مرحلة ما يسمى في المغرب بسنوات الجمر و الرصاص أو ما تسميه الساردة بزمن الشظايا، ويتعرف على عدد من الشبان المعتقلين: (ياسين سمير، عثمان، علي، عبد الحق، عبد الكريم، سليمان،عزيز وبن عيسى زوج ليلى) وتطوح الرواية بالقارئ في عوالم السجون، الاختطاف والتعذيب فيتعرف إلى سمات وأبعاد كل شخصية وكيف تفاعلت مع الاعتقال، وكيف واكبت الساردة تلك الأحداث بالكتابة، منطلقة من اعتبار الكتابة على زمن الشظايا ليست أمرا سهلا للكاتب والقارئ على السواء. فعند الكتابة حول هكذا مرحلة (ياتي السرد على شكل شتات لا يلين تحت القلم فيتعب من يكتب، ومن يقرأ. سرد متناثر كأوراق الشجر في مساءات الخريف)[3] وعندما انتهت الساردة من كتابة قصتها التي حكت فيها معاناتها خلال مرحلة اعتقال زوجها، قدمتها في الشظية الأخيرة لرفيق زوجها عبد الحق، بعد أطلاق سراحه، لقراءتها وإعطاء رأيه فيها وهو مريض يعالج في مستشفى راق مما يعانيها من أمراض سببها له الاعتقال، يقول عبد الحق ساخرا (المخزن القديم كسر عظامي والمخزن الجديد يحاول ترميمها)[4] بل لا زال يرى نفسه معتقلا رغم سراحه يقول (خرجت أحمل السجن معي بداخلي) وفي ذلك تعبير عما تعانيه شخصيات القصة وأحداثها من تشظي....

لذلك نعتبر أن أهم ما ميز هذه الرواية هو ذلك التشظي الذي تجلى في تمظهرات مست مختلف جوانب المحكي في الرواية وسنحاول الاقتراب من بععض تجليات ذلك من خلال ما يلي:

 

1 - التشظي في بناء الرواية:

يلاحظ في بناء الرواية أن الكاتبة قسمتها على عشر شظايا، (وهو عدد يطابق عدد الشبان المعتقلين) وهي شظايا مرقمة من الشظية 1 إلى الشظية 10 لكن سرعان ما يصاب تسلسل هذه الأرقام بتشظي بغياب (الشظية8) ليظل عدد فصول الرواية نفسه إذا ما اعتبرنا المقدمة التي عنونتها الساردة ب(آه منك أيها الوقت) شظية، بل يمكن اعتبارها النار التي تتطايرت منها باقي الشظايا ما دامت تؤطر الرواية فتحدد فضاءها الزمكاني (زمن الشظايا) في مدن معينة، وشخوصها، وكما تحدد الهدف من كتابتها واعتبارها (محاولة يائسة لأرشفة الألم والمعاناة) و(استجلاء الماضي البعيد القريب ومحاولة لقراءة المستقبل .. نبشا في الذاكرة، تطهيرا نفسيا ...مساءلة الذات الفردية والجماعية ..) بل في هذه المقدمة تعلن الساردة عن طريقة سرد أحداث روايتها واختيارها الكتابة (يشكل متشعب لدرجة ضرب التسلسل الأحداثي وضرب كل الموروثات القرائية للكاتب والقارئ المحتمل)، كما حددت مدة زمن القصة (أربعين سنة) لتكون هذه المقدمة المكونة من أقل من ثلاث صفحات و الخارجة عن الشظايا المرقمة مصدرا تتناسل منه باقي الشظايا، أو على الأقل أهم شظية تطايرت بعيدا خارج تصنيف باقي الشظايا...

 

التشظي في الشخوص:

على الرغم من كون الرواية قد حددت شخوصها في البداية (أول سطر في الصفحة الثانية للمتن) تقول الساردة (ليلى،بنعيسى، منتصر، ياسين، سمير، عزيزة، حورية، عبد الحق... شخوص من ورقش، تتحرك بإرادة فلم مشاكس، يريد أن يبعث فيها الحياة لكنها تنتفض وتثور على وجودها الورقي ..) فإن الساردة تعاملت مع تلك الشخصيات بتفاوت كبير، ولم تعطها نفس الأهمية .. وكأن السرد انفجر فأصاب كل شخصية بشظية سردية، فمنهم من تجاهلته الساردة ولم تشر له إلا ناذرا، ومنهم من نال الحظوة عندها فأغدقت عليه من السرد ما جعلها تعرف بأسرته وعلاقاته ساردة تفصيل حياته: فإذا كانت قد تجاهلت عليا،وسليمان وعبد الكريم، ومنتصر .. و اكتفت بالإشارة إلى سمير، ياسين وعثمان، من خلال تلميحات إلى علاقة سمير بعزيزة، والوقوف عند أم عثمان (أمي فاطمة الأمازيغية) التي جعلت منها عاطفة الأمومة، رغم أميتها، واحدة من أهم أمهات المعتقلين .. فإن شلال السرد تدفق بسخاء على بنعيسى وعبد الحق، وإذا كان الاهتمام ببنعيسى طبيعي لأنه الزوج الذي انطلقت مع أحداث الرواية، فقد كان الاهتمام أكثر بعبد الحق، ففصلت الرواية في تفاصيل حياته منذ أن حلمت أمه بولادته، مرورا بما صاحب ولادته من مآسي (زلزال أكادير) وعلاقته بأبيه، وتفتق مواهبه في الغناء، وتفاصيل اعتقالاته الثلاث وما عاشه في كل اعتقال، وكيف قضى حياته بعد إطلاق سراحه، واستمر حاضرا حتى آخر سطور الرواية...

وعند الحديث عن كل شخصية كان التشظي هو ما يحكم علاقاتها بالآخرين، فبينت الرواية مدى التشظي الذي أصاب علاقة سمير بعزيزة التي انتهت بفراقهما رغم حبهما لبعضهما، وكان كل حدث يقع للشبان أبطال القصة يحدث انفجارا ينعكس سلبا على الأسر، على أن الزلزال الأكبر الذي تناثرت له الأسر شظايا هو حدث اعتقال الأبناء، إذ وصفت الرواية تفتت الأسر، فرمت بالأمهات- ومعظمهن لم يغادرن البيت من قبل- شظايا حارقة في مختلف الإدارات بعد تأطيرهن في جمعية أمهات المعتقلين، فلم يعد لهن من مهمة في الحياة سوى تتبع أخبار أبنائهن، وبعدما كان الشبان شعلات حارقات ألقت بهم الساردة في سجن يقطع أجسامهم يقول بنعيسى (الجسد يفقد كل يوم قدرته على التحكم في أعضائه المبتورة والمتناثرة على مهب الرعب)[5] وإذا كان لكل شخصية تشظيها فأن التشظي الكبير ظهر في شخصية الساردة، سواء في علاقتها بزوجها هذه العلاقة التي (مرت عليها السنوات ثقيلة وهما كقطبي الأرض مبعدان، بينهما الأسوار والأبواب والحراس..)[6] أو في علاقتها بذاتها إذ غذت (جمجمة رأسها بركانا مشتعلا .. لا تستطيع أن ترتب فكرتين، فوضى عارمة تحتل عقلها وحياتها)[7] لتكون بذلك ليلى تعيش تشظيا داخليا أفقدها طعم تذوق الحياة (لم تعد حياة بل فقط محافظة على البقاء) حياة لم تعد تعرف فيها (كيف تعمل، ولا كيف تتكلم، ولا كيف تفكر ... لا تشعر بوجود الآخرين.. ولا تقوى على تحمل ضجيج عالم تعيش هي على هامشه) بل أكثر من ذلك أصبحت (سعادة الآخرين تؤذيها) وتشظي خارجي إذ انشطرت مهمتها بين البيت (تربية ابنها) وبين السجن الذي تزوره (ثلاث مرات في كل أسبوع، أربع أسابيع في الشهر، إثنا عشر شهرا في السنة لمدة تسع سنين وبضعة أشهر.. يعني أكثر من ألف ومائتين وست وتسعين زيارة)[8] وعلى الرغم بأن هذا العدد من الزيارات ومعاناتها كان كافيا (بأن يخلق لدى أي إنسان الربو والاكتآب) فإن ذلك لم يزد الساردة إلا إصرارا.. هكذا يبدو أن تشظي ليلى لم يقتصر على الجسد و النفسية وعلاقتها بالآخرين بل تجاوز ذلك إلى تشظي أحلامها التي (تكسرت على صخرة الألم فلم تبق إلا الذكريات.. سوط عذاب يهجم في كل اللحظات) وأحينا نجد أن (أحلامها كلها معلقة،مؤجلة مغلق عليها في مكان لا تمتلك هي نفاتيحه)[9] وقد تسلل التشظي إلى أعماق الأعماق إلى القلب فأصبح (يرتعش قلبها كعصفور مذبوح) ولما تمكن التشظي من كل خلايا الجسم، ماتت القلوب ففقد الأبطال إنسانيتهم ز(لم يعودوا ينظرون في وجوه بعضهم، يمشون كالآلات ليس لهم عيون)[10]

هكذا تكون الكاتبة قد اختارت عنوان (الحب في زمن الشظايا) عنوانا مناسبا لما رسمته لشخصياتها، فكل شخصية تحمل تشظيها في أعماقها، وفي علاقاتها بمن حولها..

 

تشظي المكان

وعلى الرغم من كون الساردة قد تعمدت عدم التدقيق في وصف الأمكنة، بذكر أسماء المدن دروبها،أزقتها وأحيائها فإن في الرواية بعض الإشارات القليلة (كالربيع في فاس، سجن درب مولاي الشريف بالبيضاء..) تسمح بافتراض احتمال وقوع أحداث الرواية في مدن معينة (مدن فاس والقنيطرة والبيضاء) وقد ساهم تعويم المكان في جعله نمطيا يتيح للقارئ تخيل وقوع تلك الأحداث في أي مكان في الأرض، لكن ما ميز المكان في الرواية هو تفاعله مع تشظي شخصية الساردة، فيتخذ المكان دلالات بحسب شحنة كل شخصية النفسية؛ فترى ليلى في البيت تارة (المكان الوحيد الآمن الذي أشعر فيه أنني إنسان ..) ويستحيل هذا البيت في نفس الصفحة سجنا تقول عن نفسها (البيت يصبح كالقفص وهي تشعر بنفسها فيه حبيسة)، بل ترى في الوطن عامة سجنا... ويبقى المكان الرئيس في الرواية هو السجن، وهو مكان لتشظي الشخصيات، فيه يذوقون شتى أنواع العذاب و يغدو (هاجس الموت يسكن كل تلك اللحظات الرهيبة) يقول بنعيسى لزوجته واصفا ما كان يتعرض له من تعذيب (الطيارة تدور بي في دوامة الألم الفظيع، السياط تنزل على كل ذرة من جسمي، ورأسي مغموس في إناء الماء المتسخ، ينعدم الهواء، تتقطع الأنفاس ويكون الموت قريبا جدا) [11] أمام قسوة المكان وجبروته، لا يجد الأبطال من ينقذهم يلملم شظاياهم، ويجمع شتات الأسرة سوى الحلم بالخروج وملاعبة الزوجة والولد يقول بنعيسى (كان الحلم دوائي الوحيد وضمادي الناجع لجراحي وجراح الوطن) أو العيش على الذكريات (تطفو بي الذكريات فوق سحاب وردي، وأنسى إذ ذاك من أنا وأين أنا وأرفرف مع الذكريات كفراشة الربيع)[12] لكن سرعان ما تصاب الأحلام هي الأخرى بالتشظي (أحلامنا استسلمت للتعب والوهن، ولم يبق في القلب شيء يشتعل خبا التوهج الذي يخلق الأشياء والرماد كسا الكون والناس)[13] فتشظي المكان والأحلام قتل آمال الأبطال وجعلهم يحسون أن (الأيام تمشي بخطو السلحفاة) وأن (السماء من حديد والأرض لا تدور في هذه البقعة من الكون) ففقدوا الإحساس بالحياة. الحياة التي فقدت ألوانها وغدا (اللون الرمادي يطغى على كل شيء .. الوجوه العابسة، أحاديث الناس، أوراق الأشجار، ضحكات الأطفال،،السماء،الجدران، ماء النهر،حتى قطط وكلاب المدينة أصبحت رمادية .. كأن ساحرا مر بالمدينة، نفخ في مزماره وأصبح كل شيء رماديا والرمادي يدعو دوما للبكاء)[14]

 

تشظي اللغة والكتابة:

أمام سطوة الواقع وجبروته، وكثرة القيود التي كبلت الشخصيات في (زمن الشظايا) أصبحت الساردة كما تقول(أكره الطوابع والجمارك والحدود وأقفال الأبواب وشبابيك النوافذ وآخر أجهزة الإنذار والمراقبة والردار وكل ما استطاع الإنسان أن يخترعه ليعرقل به حريته) وللتعبير عن التمزقات التي كابدها أبطال الرواية اختارت زوليخة الأخضري الحديث عن الحب في زمن الشضايا، بلغة تعكس هذا التشظي، وقد عبرت الساردة عن ذلك في مواطن متعددة في رواية، فصرحت أنتها ستكتب (بشكل متشعب لدرجة ضرب التسلسل الأحداثي وضرب كل الموروثات القرائية للكاتب والقارئ)[15] معتبرة الكتابة ذلك (الصوت العميق الذي يبدو كأنه من الأحشاء)[16] والكتابة هي الكلام (ضد الموت وضد القهر) وتعتبر الكلام تعبيرا آخر للإصرار على البقاء، وجه آخر للحياة[17]

تعلن الرواية منذ البداية أنها تخرج عن تلك الثنائيات التقليدية منتصر/منهزم، موت/حياة، ألم/لذة، غائب/ حاضر،سجان /سجين...

الرواية إذن كانت (رحلة حياة تعطلت عقدا من الزمن)[18] فتسلل عقد كان كافيا ليتسلل التشظي لشخوص الرواية، تشظي شمل كل مناحي الرواية فحيثما وجه القارئ نفسه يجد التشظي: تشظي في الأحداث، تشظي في الشخوص، تشظي في بناء الرواية، تشظي في اللغة وطريقة الكتابة، تشظي جعل الساردة مناضلة ثائرة في وجه المخزن ترى فيه ملأ الأمكنة بالسجون، وجعل من (القمع كماشة تضغط على كل المسام وتقتل كل ما هو جميل وبريئ في الأنسان)[19]

 

............................

[1] - رواية الحب في زمن الشظايا ط 1 2006 ص 3

[2] - بدية الشظية الأولى

[3] - الرواية – ص – 3-4

[4] - ص - 226

[5] - ص - 31

[6] - ص – 10

[7] - ص - 174

[8] - ص - 93

[9] - ص - 17

[10] - ص - 115

[11] - ص - 31

[12] - ص - 33

[13] - ص - 115

[14] ـ ص - 115

[15] - ص – 4

[16] - ص - 42

[17]- ص - 15

[18] - ص - 217

[19] - ص - 167

البحران السريع والخفيف ودائرة مشتبههما .. البحور المركبة بتفعيلتيها المرتبة (1): البحر السريع

karem merzaلكثرة ما تردني من أسئلة عن بعض بحور الشعر العربي، إليك البحر السريع والبحر الخفيف من دائرة المشتبه .

واعتذار: الحلقات عن الرصافي والشبيبي الكبير واليعقوبي نقلها من الصحف الورقية إلى جهاز الحاسوب صديق لي - وأحياناً ابنتي -، فتجاهلا تثبيت بعض الهمزات على الألف، سأعيد نشرها منقحة بترتيب جديد حسب القدرة والاستطاعة لضعف بصري الشديد، ولكنني كالحديد !! وسأترك الفواصل كما ثبتت، والحلقات تستحق التجديد، لما لأصحابها من مجد تليد .  

ذكرنا في الحلقة السابقة، أنّ البحور المركبة تسعة، ثلاثة ضمتها (دائرة المختلف)، وبقت لدينا ستة تحتويها (دائرة المشتبه)، إذ يتشكل كلّ بحر منها من تفعيلتين مختلفتين، إحداهما ضعف الأخرى، مرتبتين بتنسيق معين في صدر البيت، وتتكرر التشكيلة نفسها في العجز، ولا تأتي بعض البحور منها إلا مجزوءة، قبل الدخول في عمق الموضوع، لنذكر شيئا عن الدائرة المدورة .

الدائرة الخامسة - المشتبه : لماذا سُميت بالمشتبه؟ الجواب: لإشتباه أجزائها ،أما أين يقع الإشتباه ؟ هذا من حقـّك أن تـسأل عنه، إذا لم تكن داراسا ً لها، أو باحثاً فيها، الإشتباه يقع بين (مسْتفـْعَلن) مجموعة الوتد، أي فيها وتد مجموع، وسببان خفيفان (مسْ تفْ علنْ /ه /ه //ه) - (علن //ه) وتد مجموع، و (مسْ /ه) و(تفْ /ه) سببان خفيفان - وبين (مسْتفـْعَ لنْ) مفروقة الوتد، أي فيها سببان خفيفان ووتد مفروق (مسْ تفـْعَ لنْ /ه /ه/ /ه) - (تفـْعَ /ه/) وتد مفروق، و(مسْ/ه) و (لنْ /ه) سببان خفيفان - .

والإشتباه يقع أيضا بين (فاعلاتن) مجموعة الوتد، وبين (فاعَ لاتن) مفروقة الوتد، كيف ؟! (فاعلاتن) الاولى،تتشكل من (فا /ه) و (تنْ /ه)، وهما سببان خفيفان، و (علا //ه)، وهو وتد مجموع، وبين (فاعَ لاتن) الثانية، التي تتشكل من (لا /ه) و (تن /ه)، وهما سببان خفيفان، و (فاعَ /ه/)، وهو وتد مفروق.

تتشابه البحور التي يضمّها محيط هذه الدائرة في وحدة إيقاعاتها، لأنها تعتمد على نسق إيقاعي دائري واحد للحركات والسكنات، بل تتشابه أوتاد وأسباب أجزائها (تفعيلاتها)، كما هو الحال في (مسْتفْعلنْ) و (مسْتفْعَ لنْ)، وكذلك بين (فاعلاتنْ) و (فاعَ لاتن)، ولعلمك عزيزي، إذا نقلنا الوتد المجموع (علن) من آخر تفعيلة (مستفعلن /ه /ه //ه) إلى بدايتها تصبح (مفاعيلن //ه /ه /ه)، وإذا نقلنا السبب الخفيف (لن) من آخر تفعيلة (مستفع لن /ه /ه/ /ه) إلى بداياتها تصبح (مفعولاتُ/ه /ه /ه/) (1)، فإذن التفعيلات المشكلة لهذه الدائرة هي : مسْتفْعلنْ - مسْتفْعَ لنْ - مفاعيْلنْ - مفـْعولاتُ - فاعلاتنْ - فاعَ لاتن، وأساس تكوين الدائرة سببان خفيفان فوتد مجموع،فمثلها مرة ثانية، فسببان خفيفان فوتد مفروق .(2)

تفعيلات كل من السريع والمنسرح والمقتضب واحدة (مستفعلن، مفعولاتُ)، وينحصر الخلاف في ترتيب هذه التفعيلات، وأيضا للخفيف والمجتث والمتئد تفعيلاتها الخاصة (مستفعلن، فاعلاتن)، وكذلك بالنسبة للمضارع والمنسرد والمطرد أجزاؤها المختصة بها (مفاعيلن، فاعلاتن)،ومجموع هذه البحور تسعة، ستة منها مستعملة، وثلاثة مهملة، والمهملة هي المتئد و والمنسرد والمطرد، سأشرع بالبحور التي شطورها تأتي بتفعيلتين متشابهتين متسلسلتين بداية، ومن بعدهما تفعيلة مغايرة ، ثم في البحور التي بدايتها تفعيلة واحدة، تعقبها تفعيلتان متشابهتان متسلسلتان،، وآخيرا البحور التي تفصل بين تفعيلتيها المتشابهتين تفعيلة أخرى مغايرة (التفعيلة الواحدة المغايرة في الشطر دائما مفروقة الوتد ، والتفعيلتان المتشابهتان فيه مجموعتا الوتد):

البحر الحادي عشر - السريع : سماه خليلنا بالسريع، لسرعته في النطق، أو لأنه أسرع إلى الذوق والتقطيع، وتقطيعه سريع،لأن في ثلاثة أجزاء منه، توجد سبعة أسباب، فالحرفان الأولان من الوتد المفروق سبب، والسبب أسرع في التقطيع من الوتد (3)، أصل تفعيلاته (مستفعلن مستفعلن مفعولاتُ)،مكررة مرتين، أي بيته ستة أجزاء،ولكن تفعيلة (مفعولاتُ) لا تأتي بهذه الصيغة مطلقاً ،لا في عروضه، ولا ضربه ،لإنتهاء هذه التفعيلة بوتد مفروق منتهيا بمتحرك (لاتُ)،وسندها ضعيف ،ولا يستعمل هذا البحر مجزوءا،ولامنهوكا لماذا؟!، لأن في هذه الحالة تأتي (مستفعلن) أربع مرات، أو مرتين على التوالي بدون أي (مفعولاتُ)، فيلتبس الأمر مع مجزوء الرجز أو منهوكه، فيحسبان على الرجز،فينحصر نظم السريع على التام منه والمشطور فقط . وله أربع أعاريض، وسبعة أضرب .

1 - العروضة الأولى مطوية مكشوفة (فاعلن)(4): ذكرنا سابقا، أنّك سوف لن تجد (مفعولات ُ)، لا في أعاريض ولا في أضرب السريع، فمن أين جاءت (فاعلن) ؟ الأمر بسيط، طي (مفعولاتُ) بحذف رابعها الساكن (الواو)،فاصبحت (مفعلاتُ)، ثم كشفت (مفعلاتُ) بحذف متحرك وتدها المفروق (تُ) (5)،فتصير (مفعلا)، ولغرض عروضي بحت تتحول إلى (فاعلن)، ولا فرق وزني مطلقا بين (مفـْعلا) و(فاعلن)،ولهذه العروضة (فاعلن) ثلاثة أضرب، الضرب الأول مطوي موقوف (فاعلان)، الطي عرفته، حذف الواو من (مفعولاتُ)، والوقف تسكين المتحرك من الوتد المفروق، ونعني التاء فتصبح التفعيلة (مفعلات ْ)،فتتحول الأخيرة عروضيا الى (فاعلان)، ، وفي هذه الحالة يلزمه الردف (6)،ومثاله :

أزمانَ سلمى لا يرى مثلها الـرْ *** رَاؤون في شام ٍ ولا في عراقْ

أزْما نسلْ مى لا يرى مثْ لهر ** راؤونفي شامن ولا في عراق            

مستفعلن   مستفعلن   فاعلن *** مستفعلن   مستفعلن   فاعلان

/ه/ه//ه     /ه/ه//ه   /ه//ه *** /ه/ه//ه   /ه/ه//ه   /ه//ه ه

نظام (- - ب -)(- - ب -)(- ب -)*** (- - ب -)(- - ب -)(- ب ^) المقاطع .

العروض 322   322     32 *** 322     322     32ه   الرقمي

الضرب الثاني كعروضته (فاعلن): ومثاله الأمثل :

هاجّ الهوى رسمٌ بذات الغضا *** مخلولقٌ مستعجمٌ مُحْوِلُ

هاجل هوى رسمن بذا تلْ غضا *** مخلولقن مستعجمن محولو

مستفعلن     مستفعلن فاعلن*** مستفعلن   مستفعلن   فاعلن

ومن قصيدة لصاحبكم كاتب هذه السسطور، تحت عنوان (يا بصرة البصائر النائحة)، هذان البيتان:

كمْ منْ خرابٍ ودمار ٍمضى **** والنـّاسُ في أحزانها سارحة ْ

كمْ منْ خرا بنْ ودما رنْ مضى*** ونْ نا سفي أحْ زانها سارحة

مستفعلن     مفـْتعلن   فاعلن *** مستفعلن مستفعلن   فاعلن

/ه/ه//ه       /ه///ه     /ه//ه *** /ه/ه//ه   /ه/ه//ه   /ه//ه

العروض 322 312   32   *** 322     322     32 الرقمي

النظام (- - ب -) (- ب ب -)(- ب -) *** (- - ب -)(- - ب -)(- ب -) المقطعي

كما ترى التفعيلة الثانية في الصدر اعتراها زحاف الطي .

لاتجزعي سلواكِ في حكمةٍ**** دنيا الورى غـــادية ً رائحةْ

لاتجْ زعي سلْ وا كفي حكْ متن *** دنْ يل ورى   غا ديتن رائحة

مستفعلن    مستفعلن     فاعلن ** مستفعلن     مفـْتعلن فاعلن        

التفعيلة الثانية في العجز أصابها الطي،و على العموم الضربان السابقان هما المشهوران .

وضربها الثالث أصلم (فعْلن) : وما الأصلم الا ما حذف وتده المفروق، كـ (مفعولاتُ)، عندما تتجرد من (لات)، فتبقى (مفْعو)،فتتحول عروضياً الى (فعْلن)، ولا ضير في الوزن عند التحول، والأصلم ما ذهب وتده كلّه تشبيهاً بالإصطلام (7)، ومثاله:

تأنَّ في الشّيء إذا رمتهُ ***لتـُدركَ الرّشدَ من الغيِّ (8)

تأنْ نفِشْ شيْءإذا رمتهو ***لتدْركرْ رشْدمنلْ غيْيي

مفاعلنْ مفـْتعلنْ فاعلنْ ***متفـْعلنْ مفـْتعلن فعْلنْ

دخل زحاف الخبن - وهو حسن - تفعيلتي (مستفعلن) الأوليتين،وزحاف الطي - وهو صالح - (9) تفعيلتي (مستفعلن) الثانيتين في صدر البيت وعجزه .

2 - العروض الثانية مخبولة (الطي + الخبن) مكشوفة (فعلن): الخبل زحاف مركب تعرفه، يشمل زحافي الخبن والطي، إذا وقعا في نفس التفعيلة،(مفعولات)، فالخبل حذف حرفي (الفاء والواو)،فتصبح (معُلاتُ)،ثم تُكشف بحذف (التاء المتحركة)، فتبقى (معُلا)، فتتحول عروضياً الى (فعِلن)، ولهذه العروضة ضربان واحد مثلها (فعِلن)، ومثاله :

سبحانَ منْ لا شيْءَ يعـْدلـُهُ *** كمْ منْ غنيٍّ عيْشهُ كدرُ

سبْحانمنْ لاشيْءَيعْ دلهو *** كمْمنْ غنيْ ينـْعيْ شهو كدرو

مستفعلن مستفعلن فعِلنْ *** مستفعلن     مستفعلن   فعِلن

والضرب الثاني أصلم (فعْلن): والأصلم عرفته سقوط الوتد المفروق من (مفعولات)، وتبقى (مفعو)،فتتحول الى (فعْلن)، ومثاله :

منْ أصبحتْ دنياه غايتهُ*** كيفَ ينالُ الغاية َ القصوى

منْ أصْبحتْ دنياهغا يتهو *** كيْ فينا للـْغايتلْ قصْوى

مستفعلن مستفعلن فعٍلن *** مفـْتعلن مستفعلن فعْلن (10)

التفعيلة الأولى من العجز أصابها زحاف الطي .

3 - العروض الثالثة مشطورة موقوفة وزنها (مفعولان): مشطورة تعني البيت يتشكل من ثلاثة أجزاء، والضرب هو العروض نفسها، أما موقوفة، فكما عرفت إيقاف حركة التاء في (مفعولاتُ)، فتصبح (مفعولاتْ)، فتتحول الى (مفعولان)،ومثاله :

يا صاح ِ ما هاجكَ منْ ربْع خالِْ

مستفعلن   مفـْتعلن     مفـْعولان (11)

التفعيلة الثانية، أصابها زحاف الطي، وهو صالح

4 -العروض الرابعة مشطورة مكشوفة (مفعولن) : وكشفت أي حذفت التاء المتحركة من (مفعولاتُ)، فاصبحت (مفعولا)، فقلبت الى (مفعولن)، لأسباب عروضية، و لا يتغيرالوزن، والضرب هنا العروضة نفسها، ومثاله:

يا صاحبي رحْلي أقلاّ عَذلي

يا صاحبي رحْلي أقلْ لاعَذلي

مستفعلن   مستفعلن مفعولن

وذكرنا أثناء التطرق الى أعاريض وأضرب، وحشو هذا البحر، جميع الزحافات والعلل، ولا داع ٍ للإعادة، ولكن من المفيد أن نذكر: أولا - لكي لا يلتبس الأمربين الرجز التام المطوي المقطوع : (مستفعلن مستفعلن فاعلن) مكررة مرتين، وبين السريع التام المطوي المكشوف أيضاً : (مستفعلن مستفعلن فاعلن) مكررة مرتين، منعوه على الرجز، وأبقوه للسريع (11)، والسبب على ما يبدو لي، أنّّ القطع يستوجب خطوتين حذف الساكن السابع من (مستفعلن)، وإسكان ما قبله، بينما في الكشف (الكسف) يتمُّ بخطوة واحدة، هي حذف آخر الوتد المفروق (مفعولاتُ)،و آتى الطي من قبلُ على التفعيلتين، والنتيجة واحدة تصل الى (فاعلن). وثانياً - قد يلتبس الأمر أيضا بين (الكامل) و(السريع)، كيف..؟ أنت تعرف تفعيلة (الكامل)هي : (متفاعلن)،ومن الحسن إضمارها بتسكين التاء، فتُحول عروضياً الى (مسْتفعلن)، أو طيّها بحذف ألفها فتصبح (متـْفعلن ــ> مفـْتعلن)،أو يعتريها الوقص،فتحذف التاء، فتتولد (مفاعلن)،إذا سارت القصيدة على هذا المنوال، واختفت منها (متـَفاعلن) تماما، تحسب من السريع، أمّا إذا وردت (متـَفاعلن) واحدة فقط في القصيدة كلـّها، يحسم الأمر لصالح (الكامل)(13)، فهذه التفعيلة تخصّه وحده،وتطرّقنا الى مثل هذا عند كلامنا عن (الرجز)، أطلنا الحديث عن (السريع) ،لأنه سريع، والإطالة تطويع !!

 

..............

(1) راجع ابن جني: كتاب العروض - ص 47 - 48 مصدر سابق

(2) د . عبد العزيز شرف وزميله : النغم الشعري عند العرب ص 218 مصدر سابق .

(3)ابن جني : المصدر السابق ص 119 الهامش 1،الخطيب التبريزي : الكافي ص 95.

(4) بعض المصادر تجعلها (مكشوفة)، الكافي : الخطيب التبريزي ص 95،المفصل :عدنان حقي ص 81،كتاب العروض :ابن جني ص 119، وبعضهم يذهب الى أنها (مكسوفة) من كسفت، راجع د. صبري ابراهيم السيد :اصول النغم في الشعر العربي - 1993 - دار المعرفة - الأسكندرية ص 210، د. جميل سلطان : كتاب الشعر المكتبة العباسية - المقدمة 1970- ص 67 ، السيد أحمد الهاشمي : ميزان الذهب ص 72 وغيرها .  

(5) الخطيب التبريزي في (الكافي) ص 95 يعلل قائلا "سمي مكشوفاً، لأنّ أول الوتد المفروق على لفظ السبب، غير أنّحصول التاء بعده يمنع أن يكون سبباَ، فإذا حذفت التاء فقد كشفته، وجعلته سببا خالصاَ، لأن كون التاء فيه، كان يمنعه من أن يكون سبباً "

(6) الردف يعني وجوب مجيء حرف لين ساكن أو حرف مدّ قبل الروي، سنأتي على ذلك في علم القوافي،وفي مثالنا (عراق)، حرف القاف الروي، والألف قبله الردف، والألف حرف مد.

(7)التبريزي : المصدر نفسه ص 97.

(8) الهاشمي ..سيد أحمد:ميزان الذهب ص 73، البيت استشهد به الهاشي، ولم يكن تقطيعه دقيقاً، ولا تفعيلات زحافاته صحيحة،فيها خلط. ولكن يجوز في زحاف الخبن لـ (مْستفـْعلن)، بعد حذف السين، أنّ نكتبها على صيغة (متفـْعلن) أو نحولها لسهولة اللفظ الى (مفاعلن)، والصيغتان صحيحتان .

(9)راجع د سيد البحراوي : العروض وإيقاع الشعر العربي ص 53 مصدر سابق

(10) الهاشمي : ميزان الذهب ص 74.

(11) د. جميل سلطان : ص 68 المثال.

(12) يذكر صاحب (المفصل) ص 85، ذلك بشكل موجز،وغير دقيق .

(13) د.جميل سلطان : ص 69 تطرق إليها بشكل مختصر.

 

 

2 - البحر الخفيف - دائرة المشتبه -

 

كريم مرزة الأسدي

 

 

 

البحر السادس عشر - الخفيف :

قالوا ما قالوا في أسباب خفته الخفيفة، سماه (الخليل) (الخفيف)، لأنـّه أخف السباعيات، وقيل لأنَّ حركة الوتد المفروق الأخيرة اتصلت بحركات الأسباب التي تلته فخفت، وذكروا لخفته ذوقاً وتقطيعا، إذ تتوالى فيه ثلاثة أسباب،، والأسباب أخف من الأوتاد (1)، وبالتالي تراه جميلاً في ذوقه، طرياً عند سمعه، سهلاً لدى تقطيعه، خفيفاًعلى الروح في جملته، أشتهر منذ العصر الجاهلي بمعلقة (الحارث بن حلزة اليشكري) :

آذنتنا ببينها أسماءُ ***ربَّ ثاو ٍيُملُّ منهُ الثواءُ

وذاعت شهرته من بعد حتى أنّه طغى على معظم البحور لدى بعض الشعراء، وتفنن في تنوع أعاريضه وأضربه من تفنن حتى استنفدت كل علله وزحافاته الممكنة، تفعيلاته الأساسية كما وردت في دائرته (المشتبه)، مركبة من تفعيلة الرمل (فاعلاتن) مكررة مرتين، و بينهما تفعيلة واحدة للرجز- ذات الوتد المفروق - (مستفعَ لن) في الشطر الواحد   :

فاعلاتن مستفعَ لن فاعلاتن ***فاعلاتن مستفعَ لن فاعلاتن   (التام - ست تفعيلات)

ويأتي هذا الوزن مجزوءا (فاعلاتن مستفعَ لن) مكررة مرتين (أربع تفعيلات)، ومشطورا (فاعلاتن مستفعَ لن فاعلاتن) (ثلاث تفعيلات)، ونادرا منهوكاً (فاعلاتن مستفعَ لن) (تفعيلتان)،، أما الزحافات والعلل التي تعتريه،نبدأ بـزحافات (فاعلاتن)، إذ يصيبها : الخبن فتصبح (فعلاتن) وهو حسن، والكف فتصير (فاعلاتُ) وهو صالح،والشكل يحذف ألفها والنون فتصبح (فعلاتُ) وهو قبيح .

ثم زحافات (مستفعَ لن)،ويعتريها : الخبن فتصبح (مفاعلن) وهو حسن، والكف فتصير(مستفعَ لُ) وهو صالح، والشكل تبقى (متفعَ لُ) بعد حذف سينها والنون،فتتحول إلى (مفاعلُ) وهو قبيح. ولا يجوز فيها الطي، وإن أجازه ابن رشيق (2) في عمدته، لأن فاء (مستفع َلن) تقع وسط الوتد المفروق، والأوتاد لا تصيبها الزحافات الا الخرم خاصة (3) ، ويجوز على (فاعلاتن) في الضرب (التشعيث)، و(التشعيث) يعني حذف عينها ، فتبقى (فالاتن)، وتتحول عروضيا الى (مفعولن)، و(التشعيث) علـّة تجري مجرى الزحاف، لأنها لا تلزم كلّ أبيات القصيدة بها،وتجري على تفعيلتيه (فاعلاتن) و (مستفعَ لن) المعاقبة،وذكرناها في الحلقة السابقة، أي أن (النون) فيهما تعاقب (الساكن) من الجزء بعدها، أيهما ما حذذف ثبت صاحبه (4) .

أمّا العلل سنذكرها تباعاً مع عرض أعاريضه وأضربه كالتالي :

1 - العروضة الأولى صحيحة وضربها صحيح مثلها :

وهو أجمل إيقاعات الخفيف، وأكثرها شيوعاً، وقد يدخل ضربه التشعيث من غير لزوم، مثال الحشو الصحيح،والعروضة الصحيحة، والضرب الصحيح ، إليك قول الأعشى (ميون بن قيس)، ويتضمن مواضع قديمة قدمه في سواد بغداد أو واليمامة، وعالية نجد   :

حلَّ أهلي ما بين دُرنا فبادوا ****لي وحلـّتْ علوية ٌ بالسّخال ِ

حل لأهـ لي ما بي ندر نا فبا دو **** لي وحلْ لتْ علْ ويْ يتن بلْ سخا لي (5)

فاعلاتن     مستفعَ لن   فاعلاتن *** فاعلاتن       مستفعَ لن   فاعلاتن

         وإذا أردت الحشو مزحوفا، فهذا قول ابن زيدون :

سرّنا عيشنا الرّقيقُ الحواشي *** لو يدومُ السّرورُ للمستديم ِ

سرْرناعيْ شَ نرْرقيْ قلْ حواشيِ *** لويدومسْ سَ رورللْ   مسْ تدي مي (6)

فاعلاتن   مَ تفـْعَ لنْ فاعلاتن *** فاعلاتن     مَ تفـْعَ لن   فاعلاتن

كما ترى (مستفعَ لن) في الشطرين مخبونة، أي حذفت سينها الساكنة، وكتبتها مجزّأة ليتبين الوتد المفروق. وذكرنا قد يأتي الضرب (مشعثاً)، ومثاله :

ليس من ماتَ فاستراحَ بميتٍ ****إنّـّما الميتُ ميّتُ الأحياءِ

ليْ سمنْ ما تَفسْ ترا حبمي ْ تن*** إنْ نمل ميْ تميْ يتلْ أحْيائي (7)

فاعلاتن     متفـْعلن   فعلاتن *** فاعلاتن   متفـْعلن   مفعولن

كما ترى (مستفعلن) في الشطرين أصابها الخبن، واصبحت (متفـْعلن)، والعروضة خبنت أيضاً فصارت (فعلاتن) ، والضرب قد شُعّث، فولدت (مفعولن) ذات الأسباب الثلاثة،وقبلها سبب، فهذه أربعة ، بمعنى أربعة مقاطع طويلة (- - - -)، فالنهاية ثقيلة " ولذلك فهو إيقاع الغزل والرثاء وتقل فيه الحماسة والفخر" (8) .  

والضرب الثاني لهذه العروضة الصحيحة محذوف (فاعلن)، أي سقط السبب الأخير من التفعيلة (فاعلاتن)، فبقت (فاعلا)، وحولت إلى (فاعلن)، وهو نادر، عدّه المعري مهجوراً، وأنقل إليك هذين البيتين من شعر ابن المعتز مثالاً، وأقطّع لك الأول منهما :

قلْ لغصن البان الذي يتثنـّى *** تحتَ بدر الدّجى وفوق النـّقا

رمتُ كتمانَ ما بقلبي فنمـّتْ*** زفراتٌ تـُفشي حديثَ الهوى

قلْ لغصْ نلْ با نلْ لذي يتثنْ نى*** تحْ تبد ردْ دجى وفو قنْ نقا

فاعلاتن       مستفعلن   فعلاتن ***فاعلاتن   متفـْعلن   فاعلن

صحيحة     صحيحة   مخبونة ** صحيحة   مخبونة   محذوف

ونادرا ما يخبن (المحذوف) في هذا (الضرب)، فتتحول (فاعلن) إلى (فعِلن)، كما في بيتي عمر بن عبد العزيز، ونقطـّع أولهما :

إنـّما النـّــاسُ ظاعنٌ ومقيمٌ *** فالذي بـــانَ للمقيم عظهْ

ومن الناس مَنْ يعيشُ شقياً *** جيفة ً الليل ِغافلَ اليقظهْ (9)

إنْ نمنْ نا سظاعنن ومقيْ من ***فلْ لذي با نللْ مقيْ معظهْ

فاعلاتن متفـْعلن     فعلاتن   ***فاعلاتن   متفـْعلن   فعِلن

صحيحة مخبونة   مخبونة *** صحيحة   مخبونة   محذوف مخبون

2 - العروضة الثانية محذوفة (فاعلن) ولها ضرب واحد مثلها محذوف، مثاله :

إنْ قدرنا يوماً على عامر ٍ *** نمتثلْ منهُ أو ندعهُ لكمْ (10)

إنْ قدرْْنا يومن على عامرن *** نمْ تثلْ منْ هوأوْ ندعْ هولكمْ

فاعلاتن مستفعلن   فاعلن   ***   فاعلاتن     مستفعلن   فاعلن

صحيحة   صحيحة محذوفة *** صحيحة   مستفعلن محذوف

و(فاعلن) تأتي مخبونة معظم الأحيان، فتغدو (فعِلن)، وإليك مطلع قصيدة لجميل بتينة :

رسمُ دار ٍ وقفتُ في ظللهْ   *** كدتُ أقضي الغداة من جللهْ

رسْ مدا رن وقفـْتفي ظللهْ**** كدْ تأقْ ضلْ   غدا تمنْ جللهْ

فاعلاتن     متفـْعلن فعِلن *** فاعلاتن       متفـْعلن فعِلن

ولصفي الدين الحلي قصيدة جميلة راقصة، خفيفة النغم، رقيقة الحرس، على شاكلة قصيدة (الجميل) السابقة، خذ رجاءً :

زارني والصّبـاحُ قد سفرا   ***وظليمُ الظلام ِ قدْ نفرا

جاء يهدي وصالهُ سحرا *** شادنٌ للقلوبِ قد سحرا

فتيقـّــــــــــــنتُ أنـّهُ قمرٌ ***وكذا الليلُ يحملُ القمرا

تعال معي لنشطر هذا الخفيف (الحلي)، والخفيف لا يأتي مشطورا الا متأخراً، و نقطع (فعِلن) بالقطع، ونحيلها الى (فعلْ) (11)، فيتولد لدينا شطر (فاعلاتن مستفعَ لن فعلْ)،وإذا خبنت (مستفعلن)، ونرقم التقطيع (2 3 2 1 2 3 1 1 ه))، ونصيغه بتفعيلات جديدة ، سيكون (فاعلن فاعلن مفاعلن)، وكل ما نعنيه، حذف ألف الإطلاق في الضرب أو التنوين في العروضة ، وتسكين الراء، أرى الوزن الجديد أجمل جرساً، وألطف نغماً، وأخف إيقاعاً، راقصاً بصفقه ! مع وقفة مركزة على نون فاعلن الثانية، ورفع الصوت عند مفاعلن كأنها إجابة على ما تقدم ، والسبب لأن ثلاثة أوتاد تشكلت بصورة متتالية عقبى الزحافات والعلل أخف من وتدين وفاصلة صغرى تتوالى،ولكن هذا خروج عن علم العروض، والأبيات للصفي ! المهم هذه التشكيلة عندي أسلس   من أعاريض وأضرب البحر (المتدارك) (فاعلن فاعلن فعلاتن)، أو (فاعلن فاعلن فاعلن) وغيرها،فهو الحد الفاصل بين (المتدارك) ومقصراته و (الخفيف) وخفائفه !، أعيد كتابة البيت الأول للصفي بالصيغة الجديدة مع الاعتذار لك وله ! :

زارني والصّباحُ قدْ سفرْ***وظليمُ الظلام ِ قدْ نفرْ

3 - العروضة الثالثة مجزوءة صحيحة (مستفعَ لن) ولها ضربان :

الضرب الأول مثلها صحيح (مستفعَ لن)، وأجزاؤه:

فاعلاتن مستفعَ لن **** فاعلاتن مستفعَ لن

ليتَ شعري ماذا ترى**** أمُّ عمرٍو في أمرنا (12)

ليْ تشعْ ري ماذا ترى** أمْ معمْ رن في أمرنا

وقد تأتي (مستفعَ لن) مخبونة فتصبح (متفـْعلن)، ولكن الخبن يعرض ولا يلزم كما في المثال الآتي :

نامَ صحبي ولمْ أنمْ **** منْ خيال ٍ بنا ألمْ (13)

والضرب الثاني لهذه العروضة المقصور المخبون (فعولن) : إذ تجري على (مستفعَ لن) علة (القصر)، فتحذف النون، وتسكن الللام، فتصبح (مستفعَ لْ)، ويصيب الأخيرة زحاف (الخبن)، فتغدو (متفعَ لْ)، فتتحول عروضيا إلى (فعولن)،فتكون أجزاؤه:

فاعلاتن مستفعَ لن**** فاعلاتن فعولن

مثال لتمثيله، بيت ارتجالي لكاتب هذه السطور :

يا بعيداً بُعْدَ الدّنى**** فتَّ قلبي زماني

يا بعي دن بعْ دَدْ دنى *** فتْ تقلْ بي   زما ني

فاعلاتن     مستفعَ لن   ****   فاعلاتن     فعولن

والحقيقة أنّ أبا العتاهية أول من أدخل هذا الضرب، وجعل عروضته مثله،وتماهى جذلا : أنا سبقت العروض، وكان قد قال :

يا كثيرَ العنادِ **** أنتَ حبُّ الفؤادِ (14)

فاعلاتن فعولن **** فاعلاتن فعولن

لم يذكر صاحب (المفصل) الذي الذي استشهدنا بشاهده، أنّ بيت أبي العتاهية يمكن تقطيعه على الشكل :

فاعلن فاعلن فعْ ***** فاعلن فاعلن فعْ

وبالتالي يحسب على مقصور (المتدارك)، لا على مجزوء (الخفيف)،أمّا البيت الذي ارتجله داعيكم، لا يمكن حسابه على (المتدارك)، والسبب لأن صدر البيت يتضمن تفعيلة (مستفعَ لن)، وهذه التفعيلة لا ترد مطلقا في أجزاء البحر (المتدارك).

ومن الطبيعي أن يخرج الشعراء بابداعاتهم عن أضرب وأعاريض البحر (الخفيف) وغيره من البحور، ولكن وفق الخط العام للأوزان الخليلية، فمثلا جاءوا بأضرب وأعاريض التام، أو للضرب وحده، أو للعروضة وحدها، على شكل (فاعلاتان)، (فاعلان)، (فعلان)، (فعْلن)، (فعِلن)، وللمجزوء أضربه وأعاريضه المستجدة -غير ما ذكرناه سابقاً - مثل (مستفعَ لاتن)، و (مستفعَ لان)، ناهيك بما ولـّد الشعراء المبدعون من مشطور ومنهوك للخفيف بالتشكيلات المستجدة لـ (فاعلاتن) و (مستفعَ لن)المذكورة آنفاً (15).

وقبل أن أودعك بعد الانتهاء من الكلام عن اللغة والشاعر والشعر، ابتداء من أركانه الأساسية، وتفعيلاته بزحافاتها وعللها، وتقطيعه العروضي التفعيلي و الرقمي، والمقطعي بإيقاعه، وانتهاء بالدوائر وبحورها الصافية،ثم المركبة بتفعيلتيها المرتبة، وبحورها المهملة، أقول كتبت هذه الحلقات، وما كانت هي الغاية، وإنّما للوصول إلى التجديد وهو غايتي ، وما أن أبحرت حتى وجدت نفسي غارقا في بحورها شيئاً فشيئاً، لذلك ترى البحور الأولى مختصرة، والأخيرة معمقة، تركت نفسي على سجيتها، واعتبرت كل حلقة مستقلة في حيثياتها، مترابطة في موضوعيتها ومنهجها، وإذا أعاننا الله، وساعدنا الحال، نكمل المشوار المديد مع القوافي والتجديد، ولكل حادث حديث، والحديث حديث !!

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)ابن جني : ص 131 الهامش (47) ، الخطيب التبريزي : ص 109 مصدر سابق

(2) د سيد البحراوي : إيقاع الشعر ص 49 مصدر سابق.

(3) ابن جني : ص 135 المصدر السابق

(4) المصدر نفسه.

(5) ابن جني : ص 131 - 132 المصدر نفسه

(6) عدنان حقي : المفصل ص 92 مصدر سابق، الشاهد منه، ولكن هنالك خطأ، إذ لم تكتب الراء الساكنة من للراء المشددة في (الرّ،قيق)، ولا السين الساكنة للسين المشددة في (السّرور)، وكلاهما من الحروف الشمسية .

(7)السيد أحمد الهاشمي : ميزان الذهب ص 81 الشاهد منه، ولكن كتابته العروضية فيها خطأ، إذ همزة الوصل في (فأستراح) يجب أن لا تكتب عروضيا، وكتبت في المصدر، ثم أنّ (ميـّت) في العجز يجب أن تشدد ليستقيم الوزن، ولم تشدد في المصدر .

(8) د علي يونس : ص 114 مصدر سابق .

(9) راجع د . عمر خلوف : التجديد الوزني في البحر الخفيف - موقع القصيدة العربية

(10) ابن جني : ص 133 مصدر سابق

(11) أصل التفعيلة (فاعلاتن)، نخبنها فتصبح (فعلاتن)، ونبتر الأخيرة، فتتحول إلى (فعلْ)، بمعنى نجري الخبن والقطع (على الوتد) والحذف على التفعيلة الأصلية .

(12) الهاشمي : ميزان الذهب ص 82 الشاهد غير مقطع، ابن جني : ص 133 مقطع.

(13)عدنان حقي :ص 93 الشاهد

(14) المصدر نفسه : ص 94 راجع .

(15) راجع موقع (منتديات القصيدة العربية)، مقال للدكتور عمر خلوف تحت عنوان (التجديد الوزني في البحر الخفيف)، يورد شواهد على كل الأضرب والأعاريض الجديدة .

 

الدكاترة زكي مبارك يثيرني فأثير أثيره (2)

karem merzaمن هو زكي مبارك؟!! مسيرة حياته، ثقافته، مؤلفاته، مواقفه

5 - ولادته ... نشأته ... ثقافته

ولد زكي عبد السلام مبارك في قرية سنتريس بمحافظة المنوفية من أسرة ميسورة الحال، وتذكر معظم المصادر أن تاريخ ميلاده هو (5 آب -أغسطس -عام 1892م)، ولكن هو يدوّن غير ذلك بمذكراته التي صدرت ككتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب تحت عنوان" زكى مبارك بقلم زكى مبارك"، إعداد وتقديم ابنته كريمة زكى مبارك، ويقع فى 287 صفحة من الحجم الكبير، إذ يسجل كاتباً: "ولدتني أمى فى الخامس من أغسطس سنة1891م فأضيف إلى الوجود خير جديد وشر جديد" .

تعيدني كلمة المبارك إلى أبيات من قصيدتي الموسومة (وتركب الإنسان بالإنسانِ)، وكيف تتوارد الخواطر بين الناس، اقرأ رجاء:

هذي الحياة ُ ترى الممات َ بدايةً *** لتفتح الأجيـال ِ في الزمكانِ

فتعيدُ نشأتها، وتسحقُ سلفـها **** وتركّبُ الإنسانَ بالإنسان

أمرٌ خفى، وهو الجليّ بداعــة *** شر ٌ وخيرٌ كيف يمتزجـانِ

أدخله أهله إلى (الكتّاب) لحفظ القرآن الكريم كما هي عادة السلف الصالح، وكما يقول الأخوة المصريون: كان يعمل فى (الغيط) مع الفلاحين، وفى (السامر) يستمع إلى المغنواتية والمداحين وعشق المواويل خاصة وأن والده كان يحبها ويغنيها .. ومن هنا ولدت فى وجدانه ملكة الشعر.

وتذكر ابنته (كريمة) أن بيت أسرته احترق، وهو طفل يحبو وأتت النيران على كل شىء فى البيت وقد أنقذوا الطفل الصغير من وسط النار بعد أن وجدوه يجلس صامتاً لا يصرخ رغم كل هذه النيران ..وبعد سنوات قليلة من هذا الحادث سقط من فوق سطح منزلهم على صخرة فشجت رأسه شجاً عميقاً كاد معه أن يفقد حياته .. ثم كاد أن يموت غريقاً فى (الترعة) وقد أنقذه رجل مر مصادفة.

لا ريب أن هذه الأحدات التي مرّت عليه في طفولته المبكرة، خزن ما خزن منها في عقله الباطن، وأخذت تؤثر على مسيرة حياته طيلة عمره دون تقصدٍ منه أو تعمد، وبعضها بقت عالقة في وعيه، يغرف منها ما يشاء حسب المواقف في اللحظات الإبداعية !!

وفى العاشرة من عمره أدمن القراءة، وحفظ القرآن حتى أتمه وجوّده ترتيلا، ثم شدّ رحاله إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف فى عام 1908 وسكن فى غرفة فقيرة جداً فى ربع يعقوب بحى الغورية، ولكنها كانت غنية بشعره وجدّه وشهرته التي اكتسبها حتى اعتلى عرش (شاعر الأزهر) دون منازع .

وفى عام 1914 تعرف على الإصلاحي الكبير في مجال الدراسات الأدبية واللغوية في الأزهرالشيخ سيد المرصفى الذى اكتشف بوادر عبقرية ونبوغ المبارك، وسبق له أن رعى موهبة وعبقرية تلميذه السابق طه حسين (1306 هـ / 15 نوفمبر 1889 - 1393 هـ / 28 أكتوبر 1973م) الذى تصادف حصوله على الدكتوراه من الجامعة المصرية عن أبى العلاء فى نفس العام، وبعد أن تأكد الشيخ المرصفى من عبقرية هذا الفتى المتمرد الزكي المبارك قال: «إنى لأخشى أن يضيع منا زكى مبارك كما ضاع طه حسين»، وبالتالي - كما هو مفهوم - يخسر الأزهر رجاله وأفذاذه.

والشيء بالشيء يذكر فى عام 1915 انضم صاحبنا إلى جمعية أدبية للخطابة في الأزهر الشريف قد أسسها وكيل الجامع الشيخ محمد حسين العدوى، فبرز فيها، وتفوق على أقرانه وزملائه، ولقبه أساتذته بـ (فتى الأزهر)، ولم تفته فرصة تعلم اللغة الفرنسية في هذه المرحلة حتى أجادها بجهده الشخصي، وتعدى ذلك ليخترق عيون الأدب الفرنسي وخاصة الشعر .

أرجو أن تركز على تاريخ ميلاد الدكتور طه حسين إذ دونته متعمداً، فهو يكبر المبارك بثلاث سنوات، ولكنه نال شهادة الدكتوراه من الجامعة المصرية قبل الدكتور المبارك بعشر سنوات، وهذا يعني أن المبارك قد أثرت عليه الظروف القاسية المريرة التي مرّ بها في طفولته المبكرة وأبان فتوته، وبدايات شبابه، وكذلك يشير إلينا إلى أن الدكتور طه كان أستاذأ كبيراً للمبارك، فعندما غادر الأخير أزهره إلى رياض جامعته المصرية، و تبوأ مقاعد كلية آدابها، كان من الطبيعى أن يتتلمذ على يد الدكتور طه حسين الذي يكبره ثلاث سنوات زمنية، وعشر سنوات تعليمية، ولكن كان مباركنا فتى الفتيان، فقد جارى أستاذه في الاجتهاد والسعي والثقافه، ونيل الشهادات العلمية بتحدٍ ومنافسة وإصرار، بل ومطاولة، ربما هذا الأمر مع غيره من أمور المشاكسات المباركية قد حزّت في نفس العميد طه، فوضع العراقيل أمام تلميذه، فثارت بينهما المعارك الأدبية، بل والاقتصادية والاجتماعية لفترة طويلة، سنأتي على التلمذة والمشاكسة والمعركة وعلى موقف المازني منها وقوله فيها أيضاً، وهذا لا يعني أنّ الحق كلّه على عميد الأدب العربي، ولا يعني أيضاً أن ما تركه صاحبنا أكثر أهمية، أو قيمة أدبية وفنية مما أورثه لنا العميد العملاق !!:

وأفذاذنا مثل الجوارح أيها *** فقدناه كان الفاجع البين الفقدِ

لكلّ مكانٍ لا يسدّ اختلاله *** مكان أخيه في جزوع ولا جلدِ

هل العينُ بعد السمع تكفي مكانهُ *** أم السمعُ بعد العين يهدي كما تهدي؟!!

 

6 - شهادته العلمية:

فذلكة الأقوال عن تحصيله العلمي، حصل علي شهادة الأهلي، من الجامع الأزهر عام 1916، وليسانس الآداب من الجامعة المصرية عام 1921، و نال ثلاث درجات دكتوراه متتالية الأولى في الآداب من الجامعة المصرية ذاتها عام 1924، وسافر إلى فرنسا للدراسة في عام 1927م على نفقته الخاصة وكان يقضي هناك أربعة أشهر من كل عام ثم يعود للقاهرة ليقضي المدة المتبقية من العام يعمل فيها بالصحافة والتدريس من اجل جمع نفقات إقامته في باريس، فنال دبلوم الدراسات العليا في الآداب من مدرسة اللغات الشرقية عام 1931، ثم حصل من جامعة السربون على (الدكتوراه الثانية) عن موضوع: «النثر الفني في القرن الرابع الهجري) - كما حصل على (الدكتوراه الثالثة) عام 1937في التصوف الإسلامي، ولهذا أطلق عليه الشاعر محمد الأسمر لقب الدكاترة الذي بقى ملازماً له، واستحقه بجدارة وكفاءة .

 

7 - حياته العملية ... نضاله من أجل مصر والعروبة ...مؤلفاته:

يقول مخاطباً نفسه، عاشقاً لمصره، وكان دائم الثناء على نفسه وعلى كتبه، ولابدّ من مصرٍ وإن طال السفر !!:

عرفتك بين سطور الكتبْ *** وبين القوافي وبين الأدبْ

محباً لمصر ومن نيلها *** شربت فأضحيت فوق الشهبْ

ومن سنتريسَ إلى أزهرٍ ***** يظل التنقل بيـن الكتبْ

ويبقي سبيلك نحو العلا **** بفنٍ وعلـــــمٍ لأعلي الرتبْ

بدأ الرجل حياته الصحفية سنة 1917 بمراسلة بعض الصحف والمجلات الأدبية فى مصر. ولما اندلعت الثورة الشعبية عام 1919 ضد الأنكليز بقيادة الزعيم الوطني الكبير سعد زغلول، ترك جامعته ليلتحق في صفوف الثوار كخطيب مفوه بليغ، بل من أكبر خطبائها وشعرائها وذاق طعم السجن من أجل شمس حرية مصره، و يتضح الخط القومي عنده منذ فترة شبابه الذي حمل فيه قلمه للدفاع عن القومية مهاجماً الاستعمار بصلابة حتى وهو يطلب العلم في باريس كان يهاجم فرنسا كدولة استعمارية . وبذل جهداً استثائياً طيلة خمسة عشر عاماً يدافع عن التدريس في الجامعات باللغة العربية، ونبذ الهيمنة الغربية على علومنا وآدابنا وفنوننا، وسانده رجال، وقصيدة حافظ إبراهيم (اللغة العربية تنعى حظها) شهيرة في هذا المجال:

رَجَعتُ لِنَفسي فَاتَّهَمتُ حَصاتي *** وَنادَيتُ قَومي فَاحتَسَبتُ حَياتي

رَمَوني بِعُقمٍ في الشَبابِ وَلَيتَني *** عَقِمتُ فَلَم أَجزَع لِقَولِ عُداتي

وَلَدتُ وَلَمّا لَم أَجِد لِعَرائِسي ***** رِجالاً وَأَكفاءً وَأَدْتُ بَناتي

و كان دكتورنا ومعه لا ريب الدكتور طه حسين والأستاذ الكبير العقاد والمازني وغيرهم من رجالها الأكفاء، ولو أن البعض يرمي الدكتور طه بالتغريب، ولكن ما تركه لنا من آثار عربية قيّمة تنفي عليه التهمة، مهما يكن وقف ضد مباركنا دعاة التغريب، وهذا لا يعني على العرب التقوقع على ذاتهم، وعدم التفتح على الحضارات الإنسانية ا لأخرى، وإجادة اللغات الأجنبية إجادة تامة للتلاقح بين حضارتنا والحضارات العالمية الأخرى، وإنما نعني أن لغتنا الجميلة، وعبقريتها الفذة تتسع لجميع العلوم وأسرارها، والفنون وإبداعاتها ...

كان الرجل ثائراً سياسياً وعلمياً واجتماعياً منذ الخطوات الأولى، كان همه إصلاح الأزهر، فدخل لجنتها، وشق حجاب العشق الإباحي بعد أن تراكمت عليه أغبرة العصور المظلمة فكتب عن (عمر ابن أبي ربيعة)، وحمل بيده معول النقد البناء فشن حملة صعبة وقاسية على رجال الفكر والثقافة التقليدين والتحرريين الكبار من الستهوري والقباني حتى طه حسين والعقاد وأحمد أمين، فصنع له الأعداء والخصوم مما لا طاقة لأحد أن يتحمل !!

عمل في الجامعة المصرية، وعمل في الجامعة الأمريكية، وعين مفتش اللغة العربية للمدارس الأجنبية في مصر واخرج من وظيفته بعد أن جاء النقراشي وزيرا للمعارف والدكتور السنهوري وكيلا للوزارة - كما يذكر من ترجم له - !!

وعمل في الصحافة أعواما طويلة ويحدثنا انه كتب لجريدة البلاغ وغيرها من الصحف نحو ألف مقال في موضوعات متنوعة. و ألف خمسة وأربعين كتاباً، منها اثنان باللغة الفرنسية، ومن كتبه (الأخلاق عند الغزالي)، و (مدامع العشاق)، و(الموازنة بين الشعراء)، و (حب ابن أبي ربيعة وشعره)، و (النثر الفني في القرن الرابع الهجري) (جزآن)، وهو في رأي الدكتور أحمد أمين أعظم أثر أدبي تركه الدكتور الدكتور زكي مبارك، ...ويقول الدكتور مبارك نفسه عنه في فاتحته للكتاب: " إن هذا الكتاب أول كتاب من نوعه في اللغة العربية، أو هو، علي الأقل، أول كتاب صنف عن النثر الفني في القرن الرابع الهجري، فهو بذلك منارة أقيمت لهداية السارين في غيابات ذلك العهد السحيق. ولن يستطيع أي مؤلف آخر مهما اعتز بقوته، وتعامي عن جهود من سبقوه أن ينسي أني رفعت من طريقه ألوفا من العقبات والأشواك ..."

عناوين الكتاب من الباب الأول: تطور النثر الفني من عصر النبوة إلي القرن الرابع، والباب الثاني: خصائص النثر الفني في القرن الرابع، الباب الثالث: كُتّاب الأخبار والأقاصيص، الباب الرابع: كُتّاب النقد الأدبي، الباب الخامس: كُتّاب الآراء

والمذاهب، الباب السادس: كُتاّب الرسائل والعهود .

وتحدث أحمد فضل شبلول عن كتاب " ذكريات باريس" الذي يحتوي علي ذكرياته ومذكراته وخطاباته إلى جانب آرائه في الآداب والفنون، وبعض أشعاره في الفترة التي كان يتلقى فيها العلم في السربون علي مدي خمس سنوات، وأخيراً كما ذكرنا في مقدمة المقالة صدر كتاب "زكى مبارك بقلم زكى مبارك"، إعداد وتقديم ابنته "كريمة زكى مبارك"، ويتضمن مقالاته التي كتبها في الأربعينات تحت عنوان "الحديث ذو شجون"، ينهي دكتورنا كتابه "بسرائر الروح الحزين" وهو عنوان كتاب أعلن "زكى مبارك"عنه ولكنه توفى قبل أن يرى الكتاب النور، وتعكف الآن ابنته (كريمة) على جمعه وطباعته . وسنذكر بعض مؤلفاته الأخرى حين الحديث عن حياته في العراق، كان الرجل متعدد المواهب ..ناقداً ... محققاً... خطيباً ... ثائراً ...شاعراً فله ديوان "ألحان الخلود"

 

8 - ثوراته الفكرية والثقافية:

كان الدكاترة زكي مبارك مشاكساً رهيباً، عنيدا لشدة ثقته بنفسه وصحة آرائه حتى أنّه - كما ذكرنا سالفاً - كثير الثناء على نفسه ومولفاته بشكل يثير حوله السخط، بل الحقد والجفاء لا عن تجاهل أو تغابي، بل لعبقريته الفذة، إذ يرى ما لايراه الآخرون بلحظات خاطفة سريعة، ربما أسرع وأدق وأشمل و أوسع مدى حتى من بعض أنداده النابغين، وهكذا كان كثيراً من عباقرة الدنيا، وأولهم المتنبي العظيم، (أي ّ محلٍ أرتقي ...)، (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ...)، (إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشدا)، وثانيهم المعري (ألا في س بيل المجد ما أنا فاعل)، (والكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً) !!!، نعم كثير الزهو بنفسه، معتداً بها حتى الأنانية المفرطة وهذه من خصائص العباقرة كما ذكرنا في بحوثنا عنهم، ولكن يجب علينا أن ننتبه جيداً، هذا الخصلة ليست عيباً، بل مكرمة، لأن من لا يحب نفسه، لا يمكن له أن يحب الآخرين، لذلك يقول، وأنا معه معه !!:

إذا غدوت بلا حب فأنت فتي *** لا روح فيه ولا عقل ولا أدب

وأنا أعترف من الصعوبة الشديدة أن يتفهم القرّاء الكرام، بل الناس على عمومهم وخاصتهم، ما بررته للدكتور المبارك مدافعاً عنه، وهو في ذمة الله ورحمته، ولكن هذه هي الحقيقة الخافية، ومن العجيب أن عباقرة كبار مثل العقاد والمازني والدكتور طه، وهم يعرفون خفايا الأمور أكثر مني، يلومونه، بل ويشاكسونه على خصلة هي من خصائص عباقرة الفن والأدب - سنأتي على أقوالهم بعد قليل - وفي الوقت نفسه نرى أنهم يتبرعون مستميتين للدفاع عن ابن الرومي مثلاً، الأمر وما فيه أن الناس قد جبلوا أن يترحموا على الأموات، ويتصارعوا مع الأحياء، وهكذا تؤخذ الدنيا غلابا، وهذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنته تبديلا !!!

لعل الأمر توضح لديك أنّ دكتورنا المتمرد هاجم خصومه بسلاحين مؤثرين، يكيل إليهم الاتهامات القاسية، ويقذفهم بالقصور والتقصير، أو على الأقل كنقص القادرين على التمام من جهة، ويثني على نفسه بغلوٍ شديد كما يرونه هكذا، ولا نراه كذا !! ومع مَن ؟!! د. طه حسين، د. أحمد أمين، وأطال معهم الخصومة لأمدٍ طويل، ثم العقاد، عبد العزيز البشري، مصطفي صادق الرافعى، محمد لطفي جمعة، أحمد زكي شيخ العروبة، أحمد حسن الزيات، عبد المتعال الصعيدي، والسباعي بيومي، وأسلمهم منه مرارةً المازني، إذ ناله قسطاً قليلاً، وغيرهم كثيرون سماه بعض النقاد "الملاكم الأدبي في ثقافتنا الحديثة"

من عادتي أنْ لا أطيل المقام، لكي لا يُمَلّ المقال، وكلّ شيءٍ إلى مآل، فإلى الملتقى والسلام!!

سنذكر المصادر في أخير حلقة عنه.

إنقسام الوعي على ذاته .. قراءة في قصيدة "المرآة" للشاعرة سميرة عبيد

hayelali almotheabiالمرآة والساعة محوران رئيسيان في نص "المرآة" من ديوان "أساور البنفسج" للشاعرة سميرة عبيد، وتدور في فلكهما القصيدة وتسخدمهما الشاعرة كمعادلان موضوعيان لما تود البوح به فالمرآة دلالة مفتوحة وحالة ينقسم فيها الوعي على ذاته إلى نصفين والمرآة كذلك هي أصدق تعبير عن موطن الثقة التي يمكن أن نرى فيه أنفسنا بشفافية الماء ودلالة المرآة تتسع كذلك لتشمل الأقرب فالأقرب والأصدق فالأصدق والأحب فالأحب، وإذا كان الأشخاص ونحن نتغير مع تغيرات الزمن إلا المرآة لاتتغير والمرآة هي الشيء الوحيد الذي يسمح له كما تصف الشاعرة بالمرور عبر طرقات الروح التي تتقاطع فيها إشارات حمراء وخطرة وهذا تعبير جميل لوصف حالة من الصدق والحب في زمن صعب لايجيد سوى الكذب والكراهية ..

إن المرآة تعبير جميل ودلالته واسعة ويمكن في تفسيرها في هذا النص بذكر مقطع من آخر قصيدة لمحمود درويش " لاعب النرد " حيث يقول :

" أدرب قلبي على الحب

ليتسع الورد والشوك

وأنا من أنا الآن إلا

إذا ألتقت الاثنتان

أنا وأنا الأنثوية " ...

وهذا يشبه حالة الإنقسام الذي تذهب إليه الشاعرة في المرآة حيث يتجسد وصف النصف الآخر تماما مثلما ينقسم الوعي على ذاته إلى نصفين أمام المرآة، وهذا النصف المخول له بالعبور إنما هو نصف يسكننا .. ودرويش شأنه شأن الكثيرين في جميع الأنواع الأدبية والإبداعية، كشخصية فاطمة في رسومات ناجي العلي، والشخصيات الذكورية في روايات الكاتبات، وهم جميعا يؤكدون نظرية القطبية لعالم النفس كارل يونج " التعلل والانتقال" بمعنى أن الإنسان ثنائي الجنسية، فداخل كل رجل يوجد حس أنثوي يسمى " الأنيموس" وداخل كل أنثى حس ذكوري يسمى " الأنيما" وهما ما يحقق التوازن لدى الإنسان باشباعهما، وهو أيضا الميل الغريزي للرجل تجاه المرأة، والميل الغريزي للمرأة نحو الرجل، لتحقيق هذا التوازن، أي أن التعدد في الكيان البشري من خلال هذا يؤكد فكرة التعددية "الناموس الذي خلق على أساسه هذا الكون" أي أن الصراع بين الرجل والمرأة هو صراع عقيم لايولد إلا المزيد من الانقسامات والنكوص والتردي في المجتمعات..

وأما الساعة فدلالتها للزمن وتستخدمها الشاعرة لوصف حالة جدب الحياة وإنعدام الفرح والسعادة فيها وإذا كان المكان عجينة فإن العجينة هذه لاتكون إلا بيد أحد إلا الزمن وهذا الأخير مناخٌ يفنى فيه كل شيء ويولد فيه كل شيء ..

حين يتوقف الزمن عن خلق السعادة فلا جدوى من البحث عنها سوى أن الإنسان يلجأ إلى كما تصف لشاعرة إلى نصف وعيه الآخر " المرآة" كمحاولة لإنجاب ما عجز الزمن عن إنجابه فتوقظ كل جميل وتبدد كل خوف وتمحو كل المكاره، وحين تسعفنا الساعات / الزمن بخمس دقائق قبيل موعد الرحلة فماذا عسى أن نفعل فيها ولعلها ستكون أضعف وأقل من أن ندون كل هزائمنا، إن الشاعرة تؤكد أننا أكثر إبداعاً من ذلك ..

الزمن الذي تصفه الشاعرة لم يستيقظ فيه ولم يمنحنا سوى ذاكرة للألم كل ما فيها للندم فقط وفي اللحظة التي يمنحنا الزمن فرصة لمحاولة شيء وهي فرصة قليلة نجد أن المرآة قد خانت لحظة جميلة هي لحظة اللقاء لتبدو لحظة محالة كما أن الزمن صار أخرس ولا جدوى من إنتظاره ..

وأخيرا يؤكد لنا النص معانٍ سامية وإنسانية وفكرة أن الرغبة الدائمة المُلحة على الإنسان هي رغبة الوجود، وكل مغامرات الإنسان الطويلة ليست في أقصى غاياتها إلا طريقاً لتحقيق وجوده وإثبات ذاته ومن ثمَّ لإدراك معنى هذا الوجود وقد أخذت هذه المغامرات أشكالاً مختلفة فهي تتمثل مرّة في البحث عما نسميه الحقيقة وأُخرى في البحث عن الله وثالثة في محاولة تفهم ما النفس، وإذا نحن ترجمنا هذه المحاولات في إطار أعم أمكننا أن نتمثلها في علاقة الإنسان بالكون، وعلاقته بالله وعلاقته بالإنسان نفسه، ويتفرع عن هذه العلاقات كل المواقف الثانوية من النظر في الحياة والموت، في الحب والكره، في الخلود والفناء، في الشجاعة والخوف، في الخصب واللامحال، في النجاح والفشل، في العدل والظلم، في الفرح والحزن، وكل هذه المعاني مستقرة في الضمير الإنساني وقد استقرت فيه منذ وقت مبكر، منذ أن تبلورت التجربة الإنسانية في العقيدة الدينية، لقد استقرت في ذاكرة الإنسان التي تكونت عبر العصور، وانطبعت آثارها –من ثمَّ- في عاداته المجتمعية..

النص

"المرآة"

لا شارع يمضي بك

لا قوانين تسري عليك

تعبر إشارات الروح الحمراء

في مثل هذه الساعة

في مثل هذا الزمان

كل الآشياء

واقفة لا تتحرك

وحدها المرآة

توقظ أحلامي فتنتشي

وحدها تنتشلني

من وزر الخوف

ومن أديم الليل

تهمس في صمت

تنبت عشب الآمنيات

تتنفس على صفح ة الماء

ما بين اللحظة واللحظة

تتجلى عيون الشوق

إليها

كلما يممت

بركاني....

وما بين قطار راحل وقطار قادم

تنبأت الساعة بخمس دقائق

قبيل السفر

أيقظت فيها الفراشات النائمة

لمواعيد القهر القادمة

خمس دقائق !!!!

هل سأدون

فيها قصة حياتي !

آه من زمن

تمهقت فيه ساعة الندم

وألجمت حظي

حين تلاشى القلب

يبابا

على شهقة الوداع

حينها

أدركت أن المرآة

أضاعت صهيل اللقاء

وأن عقارب الساعة تلاشت

فصارت خرساء

خرساء

خرساء


 

 

هايل المذابي

 

 

من على شرفة الجهات الاربع (عين القلم) ترقب (صلاة الكتابة)

hamid laftaدراسة نقدية للتوأمين (عين الدمية وشرفة على الجهات الاربع) للاديب عبد الفتاح المطلبي

 

مقدمـــــــــــــــــــة

الأديب عبد الفتاح المطلبي أكمل دراسته الإبتدائية في ناحية المشرح والمتوسطة والأعدادية في العمارة والجامعية في الموصل وعمل مهندسا زراعيا حتى تقاعده في 1998،شاعروكاتب قصة مبدع، وله مشاريع في الكتابة قيد الانجاز، صدرت له عن دارالقادسية رواية صغيرة للفتيان من الخيال العلمي(المركبة المفقودة(1986) وعن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع(دمشق) مجموعتان قصصيتان (شرفة على الجهات الاربع) و(عين الدمية)بطبعتيهما الاولى(2014).، حاصل على جائزة مؤسسة المثقف لعام 2012. عضو مؤسس ل(ملتقى المثقف العراقي) والمطلبي كغيره من الكتاب والأدباء العراقيين اللذين لا يحبون الأضواء ولا مجالس الحكام والمتنفذين، خزانته مكتظة بالعديد من المجاميع الأدبية التي لم يستطع جيبه المتقاعد ان يوصلها للمطبعة

امضى شطرا من حياته في بغداد العاصمة مع عائلته، اكمل دراسته في جامعة الموصل كلية الزراعة، بعد تعينيه عاد الى احضان مدينته ثانية ، كان يهوى القراءةوقد مارسها مبكرا فقرأ في طفولته ما تيسر له من أدب الأطفال ثم تدرج في قرائته فقرأ في شبابه وكهولته الكثير من كتب الأدب، القصة والرواية والشعروكان راصدا لكثير من الأحداث والتغيرات التي عاصرها فاكتنزت روحه بقيم الجمال والحرية والابداع،

(الاسلوب الذي يسيرإليه الناس في حياتهم انما يعتمد على طبيعة الثقافة السائدة في المجتمع، مع بعض الاثار التي تتركها العوامل الجغرافية والبيولوجية) نظرية الثقافة عالم المعرفة، مجموعة من الكتاب، ترجمة د.علي سيد الصاويص9

(المجموعتان القصصيتان) جوهرتان من كنوز المطلبي السردية والشعرية التي تنتظر خلاصها من قيد الحاسوب، منتظرة الافلات من ارتهانات المال وشحة ما في اليد والتجاهل شأنه شأن الكثير من محبي الكتابة .والمنحازين لهمها اللائب..

بحذر كبير اتقدم لفتح باب رياض سرد الاديب الاستاذ الفتاح المطلبي.......

ليس مصدر حذري من حراس البوابة الاشداء او حذر العاجز عن دفع سعر بطاقة الدخول، وولكن جل ما اخشاه ان اتيه في شعاب، وواحات وينابيع وبحيرات رياض المطلبي باذخة الجمال عميقة المعنى، فأضِل الطريق وتصيب ناظري الغشاوة، فتعجز مخيلتي عن رسم معالم السحر في مجموعتيه القصصيتين الرائعتين ....

وجل ما اخشاه ان يظهر عجزي عن معرفة أسماء وكنه أزهار وثمار لاعهد لي بمثل عطرها او لذة طعم ثمارها ، فاعجز عن التوصيف والتعريف فيبتل جبين قلمي بعرق العاجزين ...... ولكن سماحة الورد وعطاء الشجر تغريني لاستجيب لنداء غناء عنادل حروف (الجهات الاربعة) وغمزة (عين الدمية) لاقف عند عتبة الباب قائلا:-

لابد من الدخول لأتبين أسباب هذا الإغراء صاعدا إلى شرفته التي تطل على الجهات الأربع ولأجرب إلقاء نظرة ولو سريعة من خلال عين دميته.

ساخلع هالات زيفي،وارتدي جبة تواضعي عسى ان امنح قدرة التاويل وكفاءة التحليل والامساك باذيال البليغ والجميل، املا ان تزدان سلالي بحلو الثمار وشذى الازهار وترتوي روحي بعذب الماء القراح وتنعم بطعم الشهد وانا امرح في هذا الروض المُغري

نظرا لتعدد اساليب السرد وتعدد الدلالات والاهداف لقصص المجموعتين ساحاول الفصل بين قصص المجموعتين حسب تناولها للظواهر والاحداث كما ارى. لغرض الدراسة فقط رغم انها تشكل بمجموعها حزمة سردية تشع بالنور والمعنى في كل الجهات ومختلف مناحي الحياة مرتبط بعضها ببعض في رباط رحم مبدع واحد وخريطة جينية متقاربة ......

 

1-المتغيرات الاجتماعية، سلوك الافراد والجماعات

(يغير الناس انماط حياتهم كلما تدخلت احداث او مفاجأت بطريقة تحول دون تلاقي نموذج العلاقات المفضل مع التوقعات التي تولدت عنه، الامر الذي يؤدي الى التغيير)نظرية الثقافة ص14.

الاستاذ المطلبي هذه الروح التي تعمدت بمياه المشرح، عنوان العذوبة وحامل سر النماء ورائحة الواح سومر، وحساسية البيئة الجنوبية المؤثثة بالسحر وروح الأسطورة وألق الحكاية عبر حلقات لامتناهية من حكي الجدات والجدود على مدى عقود طويله يرثها الجنوبي كابراً عن كابر، حكايات نتحسس فيها طعم القهوة ورشاقة الفالة وميس المشحوف على الماء وأرواح مزامير القصب التي يملأ أنينها ريح الشرق وريح الغرب عازفةً لحن الحياة والخلود

.....

نقول هذا الحامل لالواح سومر ومسلة حمورابي لابد ان يمتلك خيال لايحد، وعين لاقطة لاتخفيها خافية، وروح تواقة بما لايقاس للسلام والحب والجمال والثورة ضد الظلم والطغيان لابد ان يكون منحازا للانسان وهمومه ومشاغله، وعقلا جبارا قادرا على تفكر الاحداث، وسبر اعماقها كما كان غواصا بارعا في عمق دجلة وبحيرات اهوار الجنوب،هذا الذي يقود الطيورحين تضل اماكن اعشاشها،لابد ان يمتلك يراعا يقوده فكرٌ ثاقبٌُ موسوعيٌ شاملاً لما يجري من تغيرات وتبدلات وسلوكيات للافراد والجماعات ضمن الحراك الاجتماعي الماثل أي انه استطاع ان يقرأ التاريخ الاجتماعي مجهريا (هو محاولةلقراءة الاحداث وتاويلها وتركيبها اعتمادا على المعاينة المجهرية، أي بالتامل الدقيق في الجزئيات،والاحداث العابرة وتسليط الاضواء على الفاعلين العاديين من البشر مهما كانت مرتبتهم الاجتماعية ومهما كان فعلهم الاستثنائي) المعادلة الصعبة – فشل حركة الاستنارة الحديثة في البلاد العربية -عبد الواحد المكين دار الساقي ط1 2010 ص 17،

ليعكسها ليس صورا فوتغرافية ولكن صورا ونصوصا ادبية جميلة الشكل بليغة المعنى قوية الدلالة فاتت عناوين ومضامين قصصه غاية في الروعة من حيث الشمولية والامتلاء بالمعنى ففي

(مياه ضحلة) ص9.

(على الرغم من انني سمكة صغيرة،انجبني ابواي على شاطيء، دجلة ورحلا عائدين الى موطنهما في الجنوب لكنني لم اعلم ولم اشعر بما يتهدد عالمنا) ع.ص9

هنا يجسد القاص طبيعة الصراع بين مختلف القوى الاجتماعية في بيئة الشح وانحسار حيز العيش والحياة للمخلوقات كما هي دلالة ( المياه الضحلة) فتدخل المخلوقات في حالة صراع تتناسب شدته وقسوته تناسباطرديا مع حجم المعاناة وفقدان فرص الحياة، فيسود مبدأ البقاء والحياة للاقوى والاكبر دون اية رحمة او نواميس اخلاقية تكون مستترة وقت الرخاءكما في البحيرات الممتلئة، والانهار الطافحة بالمياه حينما تكون ضرورات الحياة متيسرة والرزقُ وفيراً ووسائل العيش المريح متاحةً ....

الكاتب يلقي الضوء على الدور الكبير للقوى السياسية المتصارعة سواء المحلية او الاقليمية والدولية منها في خلق مثل هذه الضحالة وفقدان فرص الحياة، هذا الصراع المأساوي بين البشر وبين كل الكائنات الحية، تسلبها صفاتها المسالمة ا لمتعايشة وتجعلها خاضعة لحكم غريزة البقاء الحيوانية ....القاص يؤكد بوعي متقدم كيفية تجدد هذا الصراع المرعب تبعا لتحكم القوى الكبرى المهيمنة على الثروات والطبيعة والسلطة، وتستمر عملية تبادل الادوار فيتحول المفترَس الى مُفترِِس (بكسر الراء) والصغير كبير وهكذا في ظل عالم اللاعدالة واللاقانون واللاانسانية مجسدا ذلك بوضوح في عملية (..فتح السد الذي كان يحجز ماء النهر ولكننا لم نكن فرحين لقد ذهب منا الكثير في الصيف القادم سيسدون النهر من جديد وسنكون نحن الكبار وسنجد كبارا من البشر يتصيدوننا وسيجد صغارنا الفرحون صغارا من البشر ليعكروا ماء بركتهم ويتصيدونهم واحدا واحدا .... ثم يفيض النهر من جديد) ع .ص13.

الكبير يلتهم الصغير، القوي يقضي على الضعيف الفوق ينزل تحت والتحت يصير فوق وهكذا تستمر حالة التردي .. اما قصة (المخاضة) ص58.

فانها تقترب كثيرا من حيث الدلالة من قصة (مياه ضحلة)، حيث اخذ الناس ينظرون بحيرة وعجز تام امام انحسار الماء حد الجفاف للنهر، بسبب السدود المتعددة التي قام بانشائها الجانب التركي على مجرى النهر (بتنا ننظر الى النهروهو يموت وكدنا نسمع صراخه ولطالما استنجدنا به من هاجرة صيف بينما عجزنا عن نجدته الآن) ص59

هذا النهر ملجأ للناس للخلاص من موجات الحر في صيف العراق الملتهب بشكل لايطاق، وهي اشارة خفية من قبل الكاتب الى شحة او انعدام الكهرباء في اغلب مدن وقصبات العراق مما يضطرهم للجوء الى اساليب بدائية للتبرد ومنها السباحة في النهر، الامر المؤلم ان يخذلهم النهر ايضا بجفافه ، بحيث يتسابق الكلاب والصغار والكبار للخو ض في مخاضته مما يثير القرف والعجب لدى من يتامل هذا الحال(هالني ان ارى الكبار والصغار على صوبي النهر وهم ينظرون نظرة حسد للكلاب السائبة التي كانت تتبرد في مخاضة النهر) ص62.

(تجرا اثر ذلك الصغار على الهبوط الى المخاضة غير عابئين بالوحل ولم تنفع الكلاب السائبة زمجراتها فانسحبت مجبرة تاركة المخاضة ووحولها)62.

طرد الصغار الكلاب السائبة من المخاضة، ثم طُرِدَ هؤلاء الصغار من قبل الرجال الكبار من مختلف المستويات والاعمار للنزول والخوض في هذا الوحل المقرف تحت وطأة الحر بعد طول تمنع وعدم وجود بديل، الكاتب هنا وفي اكثر من قصة يؤكد بان الظروف القاهرة تجبر الانسان على قبول اسوء الخيارات للحفاظ على حياته ....أو أنه يلمح إلى الوضع السياسي والإجتماعي السائد حيث تكون الحياة عبارة عن مخاضة معتكرة لا وضوح فيها يخوض فيها صغار الناس والحيوانات (إشارة إلى السذاجة والإرتداد إلى الغرائز)

يستمر في وصف حالة الناس والكلاب وقبولهم بما هو مهين وقبيح حين تتعذر البدائل او يعجزون عن ايجاد حلول لمشاكلهم .... فيدمنون على تقبل الحال يضحك بعضهم على بعض دون جدوى

(وهكذا ظلوا يضحكون على بعضهم البعض حتى هبوط الشمس نحو مغيبها..... على ان يبكروا بالخوض في الوحل من جديد مع شمس نهار آخر).عص 64.(وهنا أيضا إشارة إلى أن كل ما يفعله الناس لا يعدو عن ضحك بعضهم على البعض وهم يتلوثون في الخوض بهذه العُكرة السياسية والإجتماعية.

اما في قصة (مقهى بوحي)ع.ص38. فيتحكم في تحول سلوكيات الناس امر اخر حيث يتحكم في طبيعة الصراع والمنافسة دخول التقنيات الجديدة والتكنولوجيا الحديثة بالاضافة الى الدور الذي تلعبه السلطات الحاكمة في استغلال الاماكن العامة وتواجد الناس لخدمتها عبر توظيف اصحاب المهن ليكونوا وكلاءا للامن وعسساً للسلطة ومراقبة سلوكيات الناس، تصاب مقهى بوحي بالركود امام منافسة وكيل السلطة المقابل لمركز الشرطة (علاوى الموسى)باثاثها الافرنجي وكؤوسها البراقة المذهبةوشربت النومي الذي ازاح من امامه شربت الرمان في (مقهى البلد)، وراديو الفليبس الحديث.... فلم تفلح كل محاولات (بوحي) المسمى المحلي ابن البيئة الشعبية، بجلب الزبائن رغم شرائه الغرامفون الجديد واغاني حضيري وزهور حسين فلم تعد تلائم الذائقة (الحديثة) للناس الذين(بد أوا يفضلون سماع اسطوانات(افرنجي)و(نغمة المقام السلطاني والدست التركي ونوع من حداء بدوي على رنة واحدة لاتتغير وهنا إشارة إلى تأثير المحيط الإقليمي على الحياة واستبدال القيم بقيم الغرب)، ولم تفلح محاولته بجذب الناس بشراء جهاز التلفاز لان الرياح غير مواتية لاستلام الصورة من مركز البث في العاصمة الى ضواحي العمارة في اقاصي جنوب العراق(لم يفصح التلفزيون عن مكنوناته فما كان من بوحي الا ان يقول ونظرات زائغة تلوح على عينيه:ان الريح غير مواتية اليوم لعلها تكون كذلك غدا)، في اشارة ذكية الى ضرورة توافق عوامل الموضوع والذات معا لتكون الظاهرة او الفعل ناجحا ومقبولا وفعالا، فرغم مبادرة بوحي لادخال التلفاز للناحية الا ان تخلف وضعف اجهزة البث المركزي ادت الى موت المبادرة واصابة الناس بالاحباط .. (. وهنا إشارة إلى المحاولات الوطنية لتغيير الواقع لكن الرياح لاتواتي السفن) ص45.

(الوباء) ع.ص46.

واضح من عنوان القصة ان هناك وباءً خطيراً، الوباء ينتشر عند انعدام الظروف الصحية الملائمة للحياة، وعدم وجود الاجراءات الوقائية للحؤول دون حدوث المرض، وعدم وجود الاجراءات العلاجية الكافية لعدم تحوله الى وباء خطير .....

(اذا مات الضمير ولد المسخ).

ان هذه الجملة الرائعة ذات الدلالة العميقة الى الاسباب الكامنة وراء تردي الواقع الثقافي والمعاشي والسياسي للناس، فحينما يموت الوازع الداخلي، محرك قوى الممانعة لقبول فعل القبح والظلم والاستغلال وهي اشبه بمفتاح المعنى معلق في رقبة النص ....

(اعلم ان النارنجيات لا تموت الا اذا فسد الهواء والهواء لا يفسد.....الا اذا فسد الشجر والشجر لايفسد الا اذا فسد الناس)ص47

وهاهو الترابط الجدلي والمنطقي بين الظواهر التي يكون اس خرابها وفسادها ناتج عن فساد الناس في أي مجتمع من المجتمعات البشرية .....ولكن كيف ولماذا يفسد البشر ؟؟

في اغلب قصص المجموعتين المطلبي يلقي الضوء على الاسباب القاهرة التي تؤدي بالانسان الى السقوط في مستنقع الرذيلة والفساد والخنوع كما سيأتي في ثنايا الدراسة، فالفساد والانحراف ليس موروثا جينيا قهريا لكل او لبعض الناس بل هو نتاج بيئة اجتماعية وثقافية واقتصادية ،معينة تعمل على تآكل وهزالة مناعته ضد القبح والاستغلال والجريمة كما هو حال بطل قصة (حبيبتي نزيهة) وغيرها فالفقر والخوف والجهل ثلاثي خطير يعمل على تردي الوعي وتدهور المجتمع.وموت النزاهة الذاتية..

فهذا (الرنان)المدوي في رؤوس سكان(المدينة التي لم ارها من قبل كان الناس فيها نوعين لاثالث لهما اما يضعون ذلك الشيء على اذانهم لوقرها واما لهم ذيول صغيرة تنبت من مؤخرة الرأس ولايضعون شيئا على اذانهم)ص48.

هو صوت الضمير الجمعي الذي يطالب هؤلاء الناس على رفض واقعهم المتردي، رفض حالة الهوان والاذلال والخضوع،وبدلا من أن ترفض الناس حالة القمع وفقدان الذات والانحدار نحو الرذيلة فقد ابتدعوا وضع (الواقرات) إسلوباً تصالحياً مع الذات من اجل عدم سماعه، لتكون مرحلة انتقالية بين انسان يمتلك ضميرا داخليا يسمع صوت الرنان وبين تحوله تدريجيا الى حيوان يكتمل نمو ذيله منتميا بشكل كامل الى القطيع فلاحاجة له بعد ذلك للواقرة نظرا لفقدانه الاحساس بنداء او صوت الضمير الرنان(هو صوت كصوت ناقوس ضخم يخرج من مكان ما فينا ثم يرن في الاذان بقوة، مثل صرير يحفر في الآذن، يصرخ بصوت لايحتمل يخترق الاذان ويعبث بالدماغ لولا هذه الواقرة التي نضعها) ص50.

.... الذيل يتناسب طوله طرديا مع حجم المسؤولية الاجتماعية المفترضة لصاحب الذيل، وحجم الضرر الذي يلحق بالمجتمع بسبب تجاهله لصوت الضمير

(المعلمون والاطباء والتجار والكسبة وباعة الخضار وارباب الثقافة والشعراء والمبجلون وكل من عليها هنا في هذا البلد كلنا متشابهون الا السياسين وكبار القضاة فان ذيولهم تصل الى اقدامهم يستعملونها لجلد بعضهم احيانا)ص50.

من اجل ان يوفر لنا القاص القناعات في غرائبية السرد وغرائبية الصورة المروية من خلال سقوطه من سرير نومه مستيقظا من كابوس حلم ثقيل ... لكنه لايتركنا في عالم الحلم بل يحيلنا الى مبررات ودواعي الحلم في الواقع حيث يتحدث التلفاز عن موجة الجفاف في البلاد وموت الاشجار بفعل فساد الهواء بفعل غازات العوادم الناجمة من فساد الانسان المفترس للطبيعة والذييلوثها بمخلفات صناعته واهماله وهنا تكتمل عوامل موت الضمير وتكتمل ضرورات ولادة المسخ في عالم القهر والاستغلال .

(اثناء ركضي تعثرت ووقعت من فوق سريري وارتطمت جبهتي بحافة الكتاب القاسية ...التلفزيون يتحدث عن جفاف شديد تتعرض له البلاد وان الجو لم يعد كما كان وان الاشجار تموت تباعا بفعل فساد الهواء واختناقه بغازات العوادم.)9ص51.

وللكتاب هنا دالة خاصة تؤشر الى بلوى المثقف الواعي، حيث تصدع راسه الثقافة ورفعة الذوق وحب الجمال ومشاكسة التقليد والاطلاع على حقيقة الظواهر، فالجاهل سعيد بجهله والعالم تعس بعلمه في زمن التردي والفساد وانتشار العفن ..

في قصة (فســــــــــــــــــــــــــــاد)ص65.

يؤشر الكاتب لحالة تطير الانسان العراقي خصوصا من اللون الاسود فهو دالة وعلامة الحزن والاسى، حتى وان كان هذا الاسود هو البترول الذي يدعونه ب (الذهب الاسود) مصدر الثروة والرفاه والتطور في الكثير من بلدان العالم الا العراق هذا البلد المتمنى لانه يدعى ببلاد (ارض السواد) ارض الخصب والعطاء والنماء .....هذا الاسود حتى وان كان حبرا أسود في محابر المثقفين صار مكروها وباعثا للتطير في العراق

(من المعلوم ان الانسان يكون حذرا دائما من أي سائل اسود ولو كان ذا قيمة عالمية مثل سائل البترول الاسود او ذلك السائل الاسود في محابر المثقفين) 67.

في عهد غزو شركات التنقيب البترولية التي صاحبتها حالة كبيرة من تدهور الثقافة والادب وترد الوعي بعد انشغل الناس في محنتهم من عواد م وروائح وتخسفات ووكلاء شركات البترول، حيث اصبحت دواوين الشعر والجرائد قناطر وطرق يمكن تخطيها وتدوسها أرجل المارة لعبور الشوارع والساحات تخلصا من السائل الاسود فأي حالة من فقدان الذوق والجهل وتردي الوعي وتدهور الثقافة حينما يبتذل الشعر والشاعر الى هذه الدرجة المريعة ؟؟؟....الذي وصل عفنه حتى لسكنة الطوابق العليا اشارة الى شمول كل الطبقات الاجتماعية بحرمنة ولصوصية وخراب الشركات البترولية

(راح الناس يتجنبون الساحة ويضعون بعض الصخور ومخلفات البناء والجرائدغير المقروءة وآلاف من دواووين الشعراء التي كدست في المكتبات ومتاجر الكتب ولم تغط جزءا ولو ضئيلا من تكاليف طباعتها) 67.

والويل لمن يعارض او يحرض على الحكام وكلاء هذه الشركات المنصبين برضاها وعن طريقها، وهكذا كان مصير امين العاصمة الذي اقترح ازالة تمثال الحاكم وردم التخسفات والخلاص من العفن ... الذي مات بطريقة المخابرات وليس بطريقة الحكام عن طريق المراسيم السلطانية (ولم تمض الا ايام قلائل حتى مات الامين متاثرا باصابة جرثومية غريبة) 68.

(يموتون علنا بمراسيم من الحاكم)68. في اشارة ذكية إلى التفريق بين اساليب القتل والتعذيب للانسان في بلاد البترول، فقوى الاستعمار والاستغلال تتبع اساليبا جهنمية تنفذ في الظلام للقضاء على من يعارضها ويقاومها، لكي تخفي وحشيتها وقذارتها وهي المتخفية وراء رداء الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان المزيفة والتي لاتعني ما هو اكثر من مصالحها، في حين ينفذ عملائها من الحكام والامراء المسلطين على رقاب هذه الشعوب جرائمهم جهارا نهارا تحت مختلف الذرائع و تحت مظلة الوطنية ومحاربة قوى الكفر والاستعمار ....!!!

بعد ان احكمت شركة البترول بقوة العسكر سيطرتها على الميدان، فازالت صنيعتها المستهلَك لتحل مشاريعها الجديدة محله

(دهمت بلدوزر عليها علامات تتعلق بالبترول يقودها رجل بملابس تشبه كثيرا ملابس الجيوش المرقطة، دهمت التمثال الذي قيل ان شركة البترول قد اقامته في زمن سابق.....)69.

 

 

وبعد ان استتب الامر لها في هذه المدينة وهذه الساحة انتقل العفن الى ساحات ومدينة وبناية اخرى في مكان آخر، وهكذا تستولي شركات البترول الاجنبية على اراضي وثروات الشعوب بعد ان تنشر بين صفوفهم الهلع والخوف والموت والمرض ..... هذا هو ديدن شركات البترول الاحتكارية ومالكيها في بلدان الراسمال المعولم بقيادة امريكا المال والاستغلال ...

(بعد حين جف السائل العفن في هذه الساحة وقيل انه قد خرج من تحت بناية حديثة في بلدة اخرى وان بلدوزرا عليها علامة البترول ذاتها تحوم حول المكان ولا زال الناس يهربون وقد مات كثير منهم رعبا)69.

(السبــــــــــــــــــــاع)عص90.

لكل امة وكل شعب تقاليده واعرافه وقيمه التي طبعت بطابعها سلوكيات افراده، تجاوزها وعدم الالتزام بها مرفوضٌ وغيرُ مقبولٍ اجتماعيا، يجري الحوار بين مجموعة من اصحاب المحلات للبيع والشراء في ساحة للسباع المبتورة الذيول، اصبحت اكثر شبها بالضباع، وتحول مخالب بعضها الى مايشبه ضلف الضبع، كل هذا وسط اجواء تنذر بعاصفة غبراء، دلالة ما يتعرض له البلد من غزوات وتبدلات خطيرة، في بلد القيم والتقاليد المشار لها بالعقال رمز الشرف والعزة ونظافة العرض (يولد المرء في العراق وعقاله معه)93، هذا الذي تخلى عنه اغلب الناس ومن يتحدث معهم بسبب ماحصل من متغيرات وهي دلالة لاستغراق الناس بالقيم الإستهلاكية واندحار الموروث منها)

(كان يرمق المتحدث بنظرة كلها عتب مشوب بالعجب لانهم جميعا كانوا بلا عقال...) 93.

والمفارقة الكبيرة التي تعرض لها هذا العراقي المولود بعقال وهو يرى عجبا لم يشهد مثيله في قبيلته في الجنوب (فرأى عجيبا لم ير مثله في قبيلته في الجنوب... حيث العقال يولد مع المرء)94.

(قال الرجل: يازعيم انا كما تعلم صرت واحدا منكم ولقد رايت فلانة زوجة فلان تحت علان .. ورايت علانه تحت فلان اخر ... ورايت المحروسة ابنتكم تضاجع زوج شقيقتك الكبرى)ص95.

هذا المنكر المستنكر من كبائر الامور الذي افرح اميرهم بدل ان يغضبه او يستثير حميته وغيرته لازال يجري بين افراد قومه أ نفسهم ولايوجد بينهم غريب او دخيل قائلا

(يارجل لقد افرحتني... نحن نتناسل كما يجب). (كلهم اولادي).!!!!

(يحدث في الحافلة) ع.ص126.

حافلة النقل العام نموذج مصغر للمجتمع، يضم مختلف النماذج والسلوكيات، التي لايمكن الكشف عن حقيقتها الا بازالة قشرتها الخارجية والنفاذ للب رغم ان لهذا الفعل ثمنا محزنا احيانا (هذه هي الحياة وان البصلة ليست كما تبدو لابد من نزع قشورها ولكي تفعل ذلك لابد من دموع)129.

ففي الوقت الذي يتعاطف طيب القلب حسن النوايا مع احدهم الذي يظن انه لايملك ثمن شايه في المقهى، محاولا اللحاق به ومساعدته دون ان يسبب احراجه، فيكتشف بانه هو النشال الذي استل من جيبه محفظته في الحافلة، وعندما يخبره بالامر يتحول هو الى سارق يقيم عليه النشال المحترف مدعيا سرقته ، هذا السلوك الذي اعتاد على فعله النشال مع المغفلين بالتعاون مع احد مفوضي الشرطة الفاسدين ، لم تنقذه من هذه الورطة سوى الصدفة....

ليؤكد القاص مقولة (لا وجود للبراءة في هذا العالم) 128ويضيف الى نماذجه الاجتماعية نموذجا اخر، سارق وومحتال ومدعي زور ....ومدى فساد العديد من المسؤولين عن امن الناس وحمايتهم وتواطئهم بل تخادمهم مع السراق والمجرمين وتقاسم سرقاتهم فيما بينهم فتكون الشرطة حامية وحارسة للسراق بدلا من حراستها وحمايتها للشعب ....

(مطر احمر)عص133.

طبيعة الظروف المعيشية، الجدب والوفرة، واثرها في تشكل اجسام واشكال الكائنات التي تعيش وسط مثل هذه البيئات، سواء من الحيوانات او البشر

(يدرك كل ساكن في الصحراء انه لابد أن يكون آكلا ً أو مأكولاً فللجوع قانونه الناسخ لقوانينها وهو يمد سوطه اللاسع الى بطونها غير عابيء بجلودها القاسية ولا بحراشفها الحجرية)ص134.

فالانسان البدوي ساكن الصحراء حاول ان يتاقلم مع بيئة الصحراء القاسية، في ارتداء العباءات المحرشفة والكوفيات ووسائل وقاية اخرى من اجل البقاء حيا

(المتدرعون بالعباءات العربية المذهبة راودتهم الافكار ذاتها التي راودت اليرابيع والعضاءات فيما يتعلق بالمضي قدما بالحياة وذلك يبدو طبيعيا لمن يعرف الصحراء وعاداتها)ص136.

الضنك وفقدان الحيلة في توفر متطلبات الحياة كالماء والغذاء تجعل الانسان يشخص ببصره للمجهول العالي المفارق، الى قوة غيبية تفك له قيده وتمكنه من قهر الطبيعة القاسية ومنها اداء طقوس صلاة الاستسقاء طلبا للمطر وتوجه انظارهم نحو ريح الشرق حاملة بشائر الرواء والنماء ولكن (الريح الغربية لا زالت تدفع نحوهم بغيم مطره احمر يسيل من هطوله نهر من دم)

مما جعل العمائم البيض تصطبغ بلون الدم / واكفهم تمطر دما احمر، (استنكر الناس ان تكون العمائم حمر فهم لم يعهدوا ذلك من قبل).وهنا يشير القاص الى الدور الخطير الذي تلعبه الريح الغربية (إشارة إلى مساعي الغرب في الإستحواذ على الأمم)والدور الذي يلعبه ادعياء الدينفي تضليل الناس كونهم الوسيط بين الانسان العادي وبين الله سعيا منهم ليكون لهم دور ومبرر لتسلمهم السلطة وليس هناك ما هو اكثر جلاءا لهذا الدور لمثل هذه التيارات المهيمنة على السلطة السياسية في العراق وما وصل اليه من حالات الفساد وانعدام الامن والتنافر الاجتماعي على اساس طائفي (في العالم العربي تجهد التيارات الدينية او بعضها على ان تتخذ اشكالا مؤسساتية وتنظيمية في محاولة منها للعب دور المنفذ لارادة الله . وفي الحقيقة يعتبر الافلاس الروحي من اهم محركات التيارات الدينية المتعصبة التي تسجل لها دور الوسيط بين الله وامره، وتصدق ما سجلت لنفسها من مهام وتنسبها جورا الى ارادة الله في حين ان جل توجهاتها تتركز حول انتزاع المبرر الاجتماعي لتسلمها السلطة وتوظيف ادوات المجتمع المختلفة في خدمة تشريعاتها ومصالحها) وعي السلوك –د. محمد الدروبي ص80

القاص يوجه ادانته بوضوح كبير الى رياح الغرب الرأسمالي المحملة بالدماء والاستغلال والقهر لشعوب المنطقة فلا ينتظر منها خيرا ولا رخاءا من بعد ان اصطبغت عمائم من استقبلها بلون الدم والموت فينفض الناس عنهم ويسود اليأس والاحباط

(اعوام مرت ونحن ننتظر المطر، بات الحديث عنه غير مجد فليس المطر هو المطر ولا الريح كرياح الشرقي، وهاهي ريح الغرب التي طالما مرت وهي عقيم ليس من الغريب ان ينهمر مطرها)139.

ليس هناك ما هو ابلغ واصدق من هذه الصورة لريح الغرب التي تمناها اغلبنا وصلى من اجلها الاغلبية ناشدين الخلاص من جلافة وقساوة الديكتاتور، فاتتنا ريح امريكا الغرب بالدماء والارهاب فاصطبغت مدننا وانهارنا وشوارعنا بالدم ..

(لكن السحالي والعضاءات لازالت تنتظر سقوط الندى على الحصى لتلحسه في الصباح فالمطر الاحمر ابتلعته الرمال كما ابتلعت دماء غزيرة على طول التاريخ.) عص139

التاريخ يروي لنا همجية ووحشية تاريخنا المصطبغ بلون الدم والخراب، هذا الذي لايمكن ان يوقف الحياة والامل عند بعض الاحياء وان كانت السحالي....

الحرية في جوهرها هي الافلات من ارتهان الضرورات، فلايمكن ان يكون حرا انسانٌ ضعيفٌٌ وحيد في غابة من الحيوانات المفترسة، في ظل مثل هذا الحال سيهرب هذا الانسان مما اسميته بفضاء او حيز الحرية .....

الامر المهم الثاني يجب ان تكون هناك ثقة في الذات لممارسة الحرية، فلو القيت شخصا لايعرف السباحة في البحر ليكون حرا فان ذلك سيؤدي الى غرقه وموته .... ضن هذا المعنى تاتي قصة (بائع الاقفاص)عص180.

حيث يدخل العصفور القفص ويغلق الباب عليه مختارا هاربا من حرية محاطة بالمخاطر تعجّ بالقطط وحجارة الاطفال العابثين .....في مثل هكذا عالم كما نعيشه الان يظهر مدى زيف ادعياء الحرية والديمقراطية وهم يزرعون الارض بالقتلة وعصابات الموت والسلب والنهب، والافقار وارتهان الانسان لمصدر عيشه المهدد بالقطع في اية لحظة

(الطبول)عص.186.

(انني اكاد ارى حيوانتهم الداخلية التي تطل من اعماق نفوسهم تتحين الفرصة للانطلاق في ادوارها بعضهم حيوانه مستخذ ككلب يضع ذيله الاعوج بين فخذيه القذرتين، يلبس تلك النظرات المنكسرة، وبعض تلك الحيوانات الداخلية يعوي كالذئاب وبعضها الاخر يتلصص كابن آوى وأخرى تزمجر كأسود جائعة وآخر ينهق كحمار)187.

يقدم الكاتب وصفا بليغا لسلوك اغلب الناس في مجتمع الخديعة والزيف لاينفع فيه ان يسد الانسان اللامخادع اذنيه ولكن يجب ان يغمض عينيه ليكون (كائنا اصما اعمى).

هذا مصير الانسان في مجتمع الزيف والنفاق والتسول الاخلاقي، ان يكون صادقا، لايصفق زورا،ولايستجدي العطف من السلاطين، لايطبل مع المطبلين لاصحاب الثروة والجاه والحكام، قطع خيط طبل النفاق والكذب، هذا الطبل المعلق في رقاب الجميع وبين افخاذهم وعلى جنبهم، في العمل وفي المدرسة في البيت !!!!!

من رمى الطبل،من رفض الطبل لامكان له في مجتمع المطبلين (انا ليس لي طبل، رحت اصرخ، انا اكره الطبول، انا اكره الطبول، انا اكره الط... ثم قيدوني وذهبو بي الى مركز الشرطة)192.

ان الشعور بالوحدة والغربة للانسان الفرد وسط مجتمعه وبيئته يؤدي حتما الى الخلل الذهني في نظر السائدالاجتماعي وكما يقول اريك فروم(ان ان الشعور بالوحدة التامة بعدم الانتماء يؤدي الى الخلل الذهني مثلما يؤدي الجوع الى الموت) وعي السلوك ص109.

فهذا المتفرد الرافض للتطبيل والتهليل للحكام يؤدي به الى ان تقيد حريته تماما وتلصق به تهمة الجنون حيث يقول بطل القصة :-

(ثم وضعوا شيئا لامعا وضيقا في معصمي وها انا امامك سيدي هل انت القاضي، وهل القضاة صاروا يلبسون المعاطف البيض). 192.؟؟؟؟

تظل عدسة كاميرا الاديب المبدع اللماحة الذكية ترصد مظاهر ومخابر الظواهر والسلوكيات وتدخل كهوف الذات البشرية لتوضح ما هو ظاهر وتظهر ما هو مستتر فالرغيف يصغر يوما بعد اخر يختفي منه السمسم ويصعب الوصول اليه بسبب ككثرة الحواجز والمفارز(الرغيـــــــــــف) ع.ص193.

(الان نحن نعلم ماذا يعني ان رغيفنا صار منمشا بنصف السمسم!!!! وان النار صارت تحرق نصفه)197.

هنا لمحة واضحة إلى أن نصف كلمة السمسم هو السم وهو يرمز إلى الراهن المعيش وتسممه بمختلف الأسباب أما النصف الآخر من الرغيف فهو محترق لا يصلح كغذاء كنايةً عن أن نصف الحياة تحت هذه الظروف سمٌ ونصفها الآخر رماد.

وفي نص رماد:

في مدينة الحرائق والموت والمفخخات، ترتدي كل مظاهرها حاراتها افرادها، معالمها تلبس الرماد، يستطيع الانسان ان يقلد كل شيء مبتذل الا انه يعجز عن تقليد او تذكر صوت الديك مؤذن الصباح وانحسار الظلام،هذا مكثف ما رمى اليه المبدع في قصة(الرماد) ع.ص214. (لكن روحي افلتت حبالها وراحت تطوف في عالم اخر، بمدينة تشبه بغداد الا انها قد خلت من سكانها ولم يبق فيها غير اشباح تخطف من بعيد بين ازقتها ثم تختفي)214.

يا ايها الناس لاترهبكم ولا تخيفكم الحصن المحصنة، فغالبا ماتخفي وراءها اوهاما وهياكل فارغة او حثث متعفنة، حاولوا ان تجدوا ثغرة او حجرا تعتلوه لتشهدوا زيف وهزالة هذه (الحصن) ص12.(اقتربت كثيرا من جدار السور، كان هناك ثقب في جدار السور لا يتطلب بلوغه سوى وصع حجر تحت قدمي، نظرت من خلال الثقب فاختفى السور ووجدت نفسي في الجانب الاخر احملق فيما لا اسوار له، لم يكن هناك عمالقة ولا اسوار عالية)17.

ايها الناس عيشوا واقعكم ومستقبلكم، فتشوا عن الزهور العطرة، عن ثمار اشجاركم، اياكم والدغل، انه نبات متطفل على كل ما هو مفيد، يسعى الانسان الحكيم العليم على ابتكار طرق ووسائل شتى لتخليص حقوله اليانعة منه، ولكن هناك من يسعى جاهدا ليجعل منكم رعاة سقاة حماة لهذا الدغل الوهم الخرافة، العشب السام في تاريخكم وثقافتكم فاحذروه (الدغل)ص18.

(وعندما كان الاستاذ في احسن احواله اتى غرباء كثيرون جاسوا في كل البساتين والأدغال ووطئوا دغل الذكريات باقدامهم الثقيلة بدبابات وجيوش تخفي عيونها وعندما وجدوني هناك وسط الدغل اطلقوا علي وابلا من الرصاص الحي فاردوني في الحال وكانوا يعتقدون انهم يحسنون صنعا فهم ليس لهم دغل ذكريات)23.

نعم ان هؤلاء الغرباء لايدركون خطورة الدغل هذا الوهم الخطير، يتصورون ان اطلاق الرصاص يمكن ان يقتل هذا الوهم او ان يجتث هذا (الدغل)، لانهم لادغل لهم، فقد احرقوا كل ادغال واوهام تاريخهم ان كان لهم تاريخ اصلا .

دعوة يواجها لنا الكاتب لتخيل صورة ما نحن فيه وما توصلنا اليه، صغـارا غادرنا ولاة الامر من الاباء والامهات والحكماء، فدبت الفوضى، وساد الهرج والمرج، استاسدت الخراف على بعضها، ساد الشذوذ والبلطجة، وتقاسم النفوذ والصراع اللامنتهي، ساد الظلام وفعل الظلام، فهيمن الدخلاء والغرباء وسيطروا على البيت بكل طوابقه، كفاكم عراكا ايها الصغار وكفاكم هروبكم ايها الكبار .... الله الله في عراق ضيعه الكبار وخربه الصغار وتسيد عليه الصغار(الصغار)جص73.(انحازت كل مجموعة لدخيل ولا زال الصغار الرضع يمصون ابهامهم لدريء غائلة الجوع بينما راحت الثلة من المراهقين الذين يملكون اسنانا كاملة يمضغون ما يصل لافواههم وما تتلقفه ايديهم وراح الدخلاء يجوسون خلال البيت من فوق الى أسفل)78.

اخرجوا من عالم الحشد، اخرجوا من عالم القطيع، المدجن لخدمة السلطة، الموزع بين سارق او قاتل او دجال ضمن عبيد السلطة فان (ان هذا الحشد فاسد وهمجي غارق في الخطيئة وها انت ترى ان من بلغوا غاياتهم سقطوا كالذباب)81. (الحشد) جص79.

اما انت ايها الواعي لفساد هذا الحشد (انت تقف واعيا لفشلك بان تكون قاتلا ولا لصا ولا دجالا ولا محتالا مجيدا)82.

بالتاكيد سوف يخذلك هذا الحشد الفاسد ويتركك فريسة سهلة للديكتاتور المجرم وانت تصف حالك(وضعوا عجينة الدينمت في جيبي مقابل القلب تماما، ثم قرأ القاضي هاتفا وكانه يسمع الجمع .... اعدام رئاسي)83.

فكل من يقف مع الحشد اما ان يقتل او ان يسجن او يهرب او يموت غرقا في طريق الهروب

(الاقـــــــــــــــــزام) جص108.

الكل مسكون بالمخاطر، يمكن ان يكون الإنسان المسالم صيدا سهلا لمفخخة عمياء او عبوة في صندوق قمامة او في داخل سيارة الأجرة،كل شيء أصبح يحمل شارة إنذار وتهديد بالموت للمواطن العراقي

(أن ركوب الباص يحتمل أن يكون مصدراً لخوفي إذ من المتوقع أن يدسّ راكبٌ ما كيسا يحوي قنبلة أو يلصق عبوة ناسفة في المقعد الأخير من الباص لذلك فضّلت الذهاب سيرا إلى عملي فهذه أمورٌ باتت واقعية وليست من بنات الخيال)

خصوصا وان (جسر الشعب) هو من سيصله الى عمله اليومي ... جسر الشعب خيار المواطن الحر وليست جسورا أخرى كجسر المحتل او جسر الحاكم المهيمن على السلطة ....

وهي إشارة واضحة الى الاستعمار الخارجي الأمريكي خصوصا واستعباده للإنسان ونهبه للثروات.........

ولع الشخصية وحبه للحياة هي التي تخرجه من حالة اللاوعي الجمعي نتيجة العصف الانفجاري الى حالة الوعي المعجزة بعد ان يمر في حالة من الغيبوبة وفقدان الوعي المؤقتة كما يذكر الطبيب – رمز لأصحاب الاختصاص والحكمة اللذين يؤكدون ان حالة التردي وفقدان الوعي الحاضر للإنسان العراقي هي حالة مؤقتة غير دائمة - لذوي المصاب، ليعيش حالة اللاوعي ألقسري بفعل مؤثر خارجي ممثل بالعنف والإرهاب كأحد عوامل ووسائل فقدان الوعي عند الإنسان، وهذه هي حقيقة من يختزن في ذاته حب الحياة وكره الفناء والموت

(و إنقاذ َهذه النفس المولعة بالحياة )

كما يلقي الضوء على الروح المستسلمة المتقزمة وما ينتج عن ذلك من تأبيد هيمنة الوحش الأكبر وفوران قدره الذي يسلق الأجساد ويزهق الأرواح...

استعار الكاتب نعت (القزم) ، هذا الإنسان قصير القامة، القميء الشكل،معدوم الإرادة، فاقد القدرة على المقاومة بسبب هزال جسده وهزال روحه، ليكون رمزا للإنسان العراقي الذي تعرض لعملية التقزيم والتجهيل والتدجين ألقسري خلال عقود متراكمة من سنين القهر والحرمان والعنف السلطوي...فأصبح ممسوخ الذات، يشعر بالدونية والعجز متماهيا مع قزميته المفروضة.... فسيادة ظاهرة التقزيم في المجتمع تفسر لنا السبب الكامن وراء استبداد الحاكم(الوطني) او الحاكم العملاق الأجنبي، واستفحال سطوة عصابات الإرهاب

.... هنا يظهر دور الأديب والمثقف الفاعل الذي يصرخ دون ان يخدش السمع ويحرض دون يزعق، ويكشف كوامن وأسباب القهر دون ان يمسك عصى المعلم او قدسية الرسول ودون اعتلاء منابر الوعظ المباشر والمتعالي ... انه ينمي حالة المناعة الداخلية في وعي الإنسان، ويطعمه جرعات من مضادات الخنوع والاستسلام عبر أثير الكلمة الفاعلة وليس بواسطة الحقن المؤلمة والعقاقير بالغة المرارة..الأديب المميز يعالج الروح البشرية عن طريق الوخز بابر الجمال والخيال ... هذا هو القاص الرائع عبد الفتاح ألمطلبي الكائن الشاعر الذي يتكأ على ماضي وينعطف صوب مستقبل مأمول

ان من يتابع نتاجات الأدباء والمثقفين العراقيين خلال الفترة الأخيرة يلمس بوضوح ظاهرة إحساسهم العميق بواقع الذات المستلبة والمصادرة للإنسان العراقي بشكل عام وحالة المسخ التي تتعرض لها هذه الذات، والاختباء خلف الأقنعة وازدواج الشخصية حد التشظي والسريالية بأقصى درجات تطرفها . وهي سلوكيات ناتجة عن ظروف اقتصادية اجتماعية سياسية ثقافية كما يقول اريك فروم (وفقا للانسان على المرء ان يقول :- ان غرائزه ليست غير عقلية وانما اهواءه هي كذلك. فليس عند الحيوان حسد ولا تدميرية من اجل ذاتها ولا رغبة في الاستغلال ولا سادية ولا رغبة في الهيمنة فكل ذلك اهواء تكون عموما لاتوجد عند الحيوانات على الاطلاق .وهي تظهر في الانسان لا لان لها جذورها في غرائزه بل لانه تنتجها شروط مرضية معينة في بيئته التي تنتج الخصائص المرضية في الانسان) فن الاصغاء – اريك فروم ص75.

التضليل الاعلامي والصخب وزرع الاوهام وتصنيع العقول، هذا الضجيج الكبير حد الصخب والجنون اتى مع شركات البترول الاحتكارية والعمل بمختلف الوسائل والاساليب للهيمنة على العقول والثروات..... وهذا الامر الذي لايتمكن من كشفه سوى العقول المفكرة المستنيرة من زهدت في اغراءات المال وترهيب قوى الاستغلال(عليك بقراءة انطولوجيا خالعي الحياة المتخلين عنها دون اكراه وستجد انهم جميعا من الشعراء واصحاب الحرف اولئك الذين مرضوا بالشعر وداء التفكير واظنه ذكر في معرض كلامه سيزار بافيزي وهمنكوي).120 .

وهنا اشارة ايجابية تنبه الى ان يكون للاديب والمثقف دورا هاما في انارة الوعي وكسب ثقة الجماهير حينما يكون فاعلا من كتاباته ووضع يده على اماكن الخلل والخطر في ما يحصل في البلاد فالجمهور يلجأ اخيرا الى هذا المثقف ليكشف له سر هذا الضجيج والصخب في المدينة (لانك اول من شعر واول من حزن وال من احس بأن الحياة ليست على مايرام)123.

دور شركات البترول الاجنبية في افساد المدن وتغيير معالم العمران واثره على حياة الناس.

(منذ قدوم الشركة العملاقة، هكذا يذكرونها بتبجيل، ومباشرتها الحفر في وسط المدينة تغيرت امور كثيرة)117. (انابيب فارغة)جص117.

(كان الصوت اتيا من كومة الخردة في البرج الناقص واشرت الى اربعة انابيب فارغة بدت على غير نظام كلما مرت عليها الريح ناحت واعولت).123.

فاشار عليهم المثقف باغلاق فوهات هذه الانابيب الاربعة لاسكات الضجيج ويبدو أنها إشارة من بعيد إلى القوى السياسية الأربع التي صنعها الرأسمال الغربي ولا فائدة ترجى منها سوى الضجيج والألم.

لاخلاص من المصير الخطير والمدمر الذي يجرنا اليه المغامرون والجهلة، الا عن طريق اعمال الفكر والعقل لايجاد الحلول ومن انجح هذه الحلول هي عملية تكاتف كافة الجهود باختلاف الوانها وتعدد عقدها لتكون هي حبل الخلاص وايصال العربة التي تقلنا جميعا الى بر الامان (حدث ذات يوم)جص130.(وكلما زاد عدد الوافدين الى مؤخرة العربة بواسطة حبل قمصاننا الملون وذي العقد الكثيرة زاد استقرار العربة وتبين ان حبلنا رغم عقده الكثيرة كان قويا)135

وخذو الحكمة من افواه المجانين، عندما يبلغ التردي في الوعي الاجتماعي منتهاه، وعندما يكون صوت الجهل والتضليل باي صفة هو السائد لن يتبقى من خلاص للانسان الواعي الحكيم الا ان يسلك سلوك المجنانين لانه فعلا في نظر هذه القطيع البشري انسانٌ غير سوي ومجنونٌ، لنا في تراثنا العربي الاسلامي مثل هذه النماذج ك (البهلول) في العصر العباسي ...... فيطلعنا الكاتب على العديد من حكم وشعارات هذا المجنون في زمن التردي في قصة

(اوهام مجنون)صج201

ننقل هنا اقتباسات نصية من هذه القصة الرائعة، المشعة بالصدق وتؤشر بشجاعة كبيرة على الكثير من المفاهيم والمظاهر والسلوكيات الزائفة على لسان المجنون هذا المتحرر من كوابت المجتمع والسلطة لينظق بالحقيقة

(التعساء لاينامون كيف ينامون والتعاسة ككلاب تنبح طوال الوقت في رؤوسهم)202.

(كل مايقال عن الاوطان خرافة والاخلاق خرافة محض لغو فارغ)204.

(الثالث هذا دائما وسط اللعبة أي لعبة مما ذكرت، سمسار، قواد هو هذا الثالث يقطع يوفق كذلك ذوو اللحى المنمقة المرسومة رسما على خدود منتفخة شحما هم برجوازيون من كل الفئات......اصحاب اللحى المنمقة كاذبون وخطاة، واؤلئك المتانقون ومتابطي الصحف والمقاولون وشركاؤهم)204

(انتبه لئلا يلوثك الزيت ان من يلوثه الزيت يتحول واحدا منهم)207.

 

تداعيات ذاتيــــــــــــــــــــــة.

(الطين)عص14.

الطين، هذا الذي كتبت عليه الواح سومر، هذا الذي كان اول رحم لاول حرف في العالم، هذا الذي خلق منه الانسان، يتحول الى محنة وحالة اذلال ومهانة لابن العراق كاتب الحرف الاول (كرهت الطين الذي لوثني وكرهت الطريق الطيني وبيتنا الطيني وكرهت الاولاد الوقحين، منذ ذلك اليوم وانا اواصل كرهي للطين).16.

والذنب ليس ذنب الطين في ارض السواد بل بسبب هبوب رياح الغرب غرب راس المال والاستغلال على العراق لتحول كل شيء الى وحل ووسيلة مذلة بوجود خدم هذا الغرب من خلال من نصبهم لحكم العراق

(العاصفة الترابية القادمة من الغرب مصحوبة بصوت المذيع:- قالت لجنة البيئة في البرلمان (العاصفة الترابية التي تجتاحنا الان ستعقبها ثلاثمائة عاصفة اخرى) وتوقعت الارصاد ان يصاحب ذلك مطر في غير اوانه ليتحول كل شيء الى طين)19.

في الوقت الذي يكون فيه الطين موضوع عرقلة ومهانة والم في العراق فهوأيضا كناية عن وضع البلد البائس وإن إنسان هذه البلاد أصبح كالطين في يد الطفل الغربي وهي إشارة إلى أن ضعفنا هو الذي جعل من الآخرين أقوياءمشيراً بشكلٍ ما إلى أن البلد الذي تحول إلى كائنٍ طيني صار طيعا بيد أوهى قوى الغرب تتحكم في تشكيله تلك القوى كما تشاء(كانت محطة(سي ان ان الامريكية) تعرض طفلا امريكيا موهوبا يستطيع تشكيل الطين كيفما يشاء وبدقة عالية، حقا كان طفلا موهوبا اخذني النوم وانا اراقب نجاحه الباهر في التحكم في الطين)19.

كما ان الكاتب يشير الى الهوة الكبيرة بين (المثقف) وبين الانسان العراقي العادي حيث عجزت ام الطفل عن لقاء مدير المدرسة فرحة بلقائها الفراش (ابريهين)(المدير الذي يسمع به الناس ولا يرونه، حتى كثرت حوله الحكايات، بعضهم قال انه طويل كالعمود وآخرون قالوا انه قصير كالكرة)14.

صعوبة تحديد نهاية حياة الانسان حتى من قبل اهل الطب والعلم، توقعات الاطباء وتداعيات حلم هذا الانسان الذي لايوجد لديه ما يفتخر به سوى حذائه

(هذا الحذاء هو كل ما يذكرني بزهو الحياة لااحتذيه الا في المناسبات النادرة)30.

وهو يترقب ان يخطف روحه هذا الذي لاوجه له (الموت) وهنا تبزغ أسئلةٌ وجودية طالما شغلت الإنسان في قصة (ثمة خطأ ..ثمة أمل).عص25.

توافق الذوق والاتفاق حول سلعة لايمكن ان يعبر عن حقيقة وطبيعة الشخصية الانسانية، وخصوصا في قرار هام مثل قرار الشراكة الزوجية فهذه هي

(حقيقة الاشياء)عص33.

ثبات المكان وتغير الزمان والتغيرات الحاصلة للحبيبين وتوالي الاجيال تحت ظل شجره. ففلزمن فعله في حياة الانسان وتعاقب الاجيال ووفاء كل جيل للقبله في دورة الحياة (ذائقة خريف)عص104.

(هنا التقيا جدي وجدتي يقول ابي كلما مررنا من هنا، يقرا الفاتحة ويقبل الشجرة).

ثقافة من نوع اخر ، نادي الثقافي، وكسر التقليد.....يشكل امرا هاما يخرق جدار الرتابة في حياة انسان عادي فيحسه((يوم استثنائي) عص154.

حيث يعيش الاخر الغريب حامل الثقافة المغايرة، التي يتسيدها الكلب

(إن الهم الإنساني بشكل عام محصور بين قوسي ثنائية الحياة والموت في كل العصور وفي كل الثقافات، وقد شكل هاجس الموت ظلا قاتما يجاور الحياة ويسير بجانبها حيثما تسير، أدى ذلك إلى لجوء الإنسان إلى إلى اجتراح طرق عديدة لمجابهة هذا الهاجس الممض أو محاولة التقرب منه والتصالح معه عبر اختراع شتى الأساليب وعندما دخل الإنسان في عصوره التنويرية وأمدته السماء بإجابات دعته إلى أن يجعلها يقينية أحيانا ليتفرغ الإنسان إلى بناء حياته والعيش بسلام والحديث يطول عن ذلك وقد استغرقته مؤلفات عديدة تختص بالمثيولوجيا وعلم الأديان، لكنني في نص "طفو" لم أناقش مسألة الموت ولم أقترب منها إنما كان النص يتحدث عن لحظات يقترب فيها البطل من حافة الموت دون الوصول إليه كما هو واضح من سياق القصة،ففي هذا النص استخدمت ما استقيته من بعض التجارب التي قرأت عنها حول أشخاص قد وصلوا لحافة الموت عندما رأوا أنفسهم في ما يشبه الطفو فوق وجودهم وشعروا أنهم ينظرون إلى أجسادهم مسجاة بين أيدي الأطباء دون أن يستطيعوا لأنفسهم شيئا، في نص طفو حاولت استجماع انطباعاتي عن تلك التجارب لأوظفها بسياق النص وتلاحظين أنني لم ألجأ إلى إسلوب التفسير الذي يحتم في هذه الحالة الرجوع إلى مرجعيات معينه، فالموت كما قلت هو غيب تام لا نعرف عنه شيئا ولم يحصل إن عاد ميتٌ من موته وأخبرنا بما يحصل وحتى في الموروث الثقافي لن تجدي نصا يؤكد أو يشرح عالم ما بعد الموت إلا بحدود التصورات،) .

هذا ما قاله المطلبي حول (الطفو)عص161.في مقابلة اجراها معه الاستاذ جلال الجاف والاستاذة ميادة ابو شنب مع الكاتب في موقع (المثقف). وكما قال ساراماغو:-

 

(الموت حرية نرفضها).

(المهمة)عص166.

(يجب ان اكون في عالم الانتظار فانا منذ البداية حتى النهاية كائن منتظر)172.

منذ ولادتك وانت تنتظر ، ما ان تتخطى محطة انتظار حتى تنتقل الى اخرى وهكذا دواليك، حجم وكم ونوعية هذه المحطات يختلف من فرد لاخر بحسب ثقافته وتطلعاته في مسيرته الحياتية الذي لاتنتهي الا بالموت محطته الاخيرة فوق الارض .....

-        العلاقة بين الانسان والحيوان، ومنها القطط، في باب الغرائبية، وتلبس احدهما سلوك وطباع الاخر والقصة عموما تشتغل على الخيط النفسيوتلك الأمور التي تتعلق بالصدام المتوقع بين كيانين وإن بدا أنهما متقاربان لكن تكون هناك دائما احتدامات متوقعة تفرزها حقيقة الذات ، هذا مايعالجه الكاتب في (رهاب)جص24

(تخليت عن زوجتي لحيوانها ولم اعد الى البيت الا بداية كل شهر، كانت زوجتي قد اشتكت لامي وأمي قالت ياولدي انها قطة ولكنها اكبر قليلا من القطط، قلت لها في سري تعالي يا امي خذي عيوني ونامي مع زوجتي لتري انها نمر وليست قطة)32.

(الخندق الاخير)جص60.

(رغم انني كنت بعيدا تفصلني عنه سنين طويلة ومسافات شاسعة الا انني شعرت بحرارة تنهيدته التي زفرها بعمق)64

احلام وذكريات وحب مكبوت، معمار بغدادي جميل وزجاج ملون بالوان الاحلام والامنيات .......

لم يكن التفاوت الطبقي وعدم المساواة قدرا مكتوبا على البشر، انما الذي يجري هو بسبب استحواذ طبقة على حقوق وجهد اخرى في مجتمع غير عادل وغير متوازن، يستحوذ فيه الاقوياء واصحاب السلطة والجاه والسراق على حقوق الضعفاء والمغفلين، وغالبا ما اطلق على الطبقة المرفهة المستحوذة بالثروة بالقطط او القطط السمان باعتبار القطط تعيش على ماتتمكن من سرقته من البيوت والمطابخ، لذلك فان هذه القطط تتكاثر في منازل وحارات وبيوت الفقراء لتسرق قوت اطفالهم لتسرق احلامهم (ان القطط تتواجد بكثرة في مناطق الفقراء الحالمين، ذلك ان مناطقهم هي اكثر حقول الاحلام ثراء،وهي تطوف على اسطح منازلهم وفي غرفهم وهم ما زالوا نائمين)146.

اصبح متعارفا ايضا ان اصحاب الثروة هم من اصحاب الكروش والرؤوس الصلعاء، هذا الاصلع الحاضر في كل احلام الفقير الحالم الذي اغراه بملاحظة محتويات اناءه الذي يطعم منه قططه السمان وكانت المفاجأة (كان الاناء مملوءا بكل احلامي التي حلمت بتحقيقها ولم تتحق ووجدت اكداسا من احلام الاخرين لازالت تنز دما)

هذا الاصلع الشرير الذي اطلق النار من مسدسه على اعتراض الفقير على فعله باطعام احلامه من الفقراء لتكون غذاءا شهيها لقططه التي لاتشبع (احلام وقطط)جص144.

ينتقل بنا القاص في .(حكاية)جص150. الى عالم الخرافات والاساطير، وحكايا جدته العجوز وتحذيرها اياه من الابتعاد عن السلطة وحواشيها، ومنه (عبود بن حسين الشرطي) الذي اعتاد على صيد الدراج بدون رحمة، واكله محشوا بالرصاص ، وتحذيره من الذهاب الى المناطق الخالية من البشر لانها غالبا ما تكون مسكونة بالجن والعفاريت، هكذا تهيأ له وهو يطارد طير الدراج المصاب بامر من ابن الشرطي.......

(رحت اتبعه على طول وادي الداغرية الجاف وعندما ابتعدتهرايته يلجأ الى وجار حيوان شرقي الغيل في منتصف كتف النهر الذي جففه ولما وصل ت بعد لاي ومددت راسي في الوجار المظلم لم اشاهد غير عينين فسفورتين تلمعان في ظلام الوجار، قفزت كل انواع الجن الذي حكت لي عنه امي الى راسي وتملكني الرعب فصرخت واطلقت ساقي للريح) 156.

لكل شيء فائدته حين يوضع في مكانه المناسب ليتكامل مع الاخر الذي يبدو نقيضه او مضاده في الصفات كما في قصة

(صديقي فارع الطول)جص183.

مفارقة طويل القامة وقصيرها وتبادل الادوار ولكل دوره في حالة محددة هكذا هي الحياة ، يبدو ان ليس هناك ماهو مخلوق عبثا او لافائدة في وجوده، فلكل وقته ومكانه وطريقة عمله ليكون فاعلا.

(زمن ميت)جص33.

(رغم ان هناك محاولات خجولة لاكتشاف اسباب تعطل انواع الساعات في البلدة ولحين حصول مستجدات جديدة وضعت ساعتي المنضدية في جوف الخزانة الصغيرة وحلت محلها بضعة كتب وعمدت لانزال ساعة الحائط التي فوق التلفاز ووضعت مكانها لوحة الزمن لسلفادور دالي.)40جص.

اذا غاب التحكم بالزمن حلت الفوضى واللانظام في جسد المجتمع وتعطلت الاعمال والمصالح/ مما يؤدي الى تدهور الحياة والعودة بالانسان الى حياة الحيوان، هنا يراد القول ان عدم ضبط الزمن والتقيد به سيؤدي الى الخراب حتما ....

          (قرار السيد الوزير)جص189.

(ارأيت حمارا مجنونا)؟؟

(واذا بحماري قد بال على راس المغرز الحديدي وانت تعرف ماذا تعني بولة الحمار، انها تذيب الحديد، لقد كانت فعلة مقصودة من حماري وكانه يتحداني) 193.

كاننا نعمل مفارقة بين خضوع واذعان الانسانلاوامر السلطات ن وتمرد وعصيان الحيوان لمالكيه مما يظهر مدى المفارقة في قوة استلاب وامكانية ترويض الانسان حتىانه صار اكثر استجابة للترويض والتدجين وفقدان الحيلة والتدبر من الحيوان، الذي استطاع ان يفلت من رباطه ويحرر نفسه بالبول على المخرز !!!!!

نعم في زمن القهر والاستلاب ليس غريبا ان ترى حمارا مجنونا متمردا في حين ترى انسانا خنوعا قنوعا ذليلا ...ربما كان الكاتب يرمي إلى أبعد من ذلك وهو أن الرغبة ربما تكون وبالا على الإنسان أحيانا

 

السلطات الاستبدادية وتعسفها والحروب ومآسيها.

بعين من عاش ويلات الحروب ومآسيها وهو كذلك فعلا فمن منا لم يضيع عشرة سنين او اكثر في حروب الطغيان العبثية تحت ذرية خدمة العلم ليكون العلم مساويا ومرادفا للسلطة وللحاكم والديكتاتور الضرورة ن بدعوى الدفاع عن الكرامة المسلوبة منه اصلا، والدفاع عن ارض الوطن التي لا يمتلك منها شبرا واحدا، ليدافع عن الثروة وهو يعيش حياة الكفاف والحرمان ...... ففي اكثر من (39) قصة من قصص المجموعتين يضعنا القاص المبدع امام صور الرعب والقسوة والمعاناة للانسان والحيوان والارض والزرع جراء هذه الحروب المدمرة

(ليلة القبض على المدينة)عص20.

هنا يروي لنا حال الناس الهاربين من المدن والقصبات نحو القرى والارياف للخلاص من نيران المدافع والطائرات حيث اصبح الناس الابرياء بين مطرقة قوات الديكتاتور وسندان قوات التحالف المجرمة

(شيئا فشيئا تجمع بعض الاباء بحلقات صغيرة وراحت المخاوف تناسل وتتكاثر كديدان فوق جثث الوقت، كان احد مصادرها ذلك الرجل الهزيل الذي راح يمسح نظارته الطبية باستمرار وهو يتحدث، شارحا لهم ما جرى في الهنداروس وكولومبيا مؤكدا ان الاحداث تستنسخ نفسها هنا)22.

يشير الكاتب بوعي كبيرالىالمصير المؤلم للشعب والوطن في العراق، مستنتجا هذا المصير مما حصل لغيرنا من البلدان وخصوصا في امريكا اللاتينية وغيرها من بلدان العالم التي احتلتها امريكا الرأسمال فالوحش لايمكن ان يكون خيرا في أي مكان يستحوذ عليه ، وكم هو صادق هذا الحكم وهذا التوقع فنحن نعيش الان ما هو اسوء بكثير مما عاشته الهنداروس وكولومبيا من جراء هذا الاحتلال.....

كما ان القاص ينظر بعين الوعي وعين العرف للمظاهرات والاحتجاجات ضد السلطة الذي تزعمه ازلام النظام واستخباراته واجهزته الامنية لتوجيهه كما تريد بعدعجزت عن كبته وقمعه، وهذا ما حدث بالفعل بعد انتفاضة اذار 1991 من مجازر مروعة بعد اخفاق الانتفاضة بالتخادم بين قوى الاحتلال والسلطة حين التقت مصالحهما في قمع ثورة الجماهير لانها ترفض الاحتلال والديكتاتورية ...

00(زادت مخاوفي عندما اختطفت الجماهير ومن ثم القيت الى الشوارع تقودها العناصر ذاتها التي تعادي الجماهير وفي تلك اللحظة عرفت ان الامر انتهى وان جموع الناس بدت كجمل يساق الى مكان جزره وماعاد ينفعه خواره)23.

نعم لقد استطاعت قوى مخابرات السلطة وجواسيسها من لبس رداء الثورية، ولبس الاخرين لباس الدين ، من اجل اللعب بمشاعر الساخطين، وتوجيههم صوب تحقيق مصالح اسيادهم سواء الديكتاتورية او قوى طامعة اقليمية وعالمية، وما حدث لمنتفضي اذار في 1991 هواكبر دليل على هذا الفعل الاجرامي في افشال الانتفاضة ومن ثم قتل المنتفضين بالجملة ودفنهم في المقابر الجماعية ..

عرض القاص الى بعضٍ~ من الممارسات المروعة لاجهزة الديكتاتور في قتل وترويع الناس انتقاما من انتفاضتهم وخروجهم على القائد الضرورة

(كانت احدى النساء متشبثة بابنها بقوة فاخذوها معه وقد اختفى جميع من اخذ في نقطة التفتيش ولم يعودوا الى المدينة ابدا) 24.

(شطرنج)عص52.

الحروب دائما هي من صنع ولصالح الملوك والسلاطين في مختلف العصور،رغم ان الفقراء مولعين بسماع اخبار الملوك وحروبهم وبطولاتهم (لعبة الشطرنج لم تكن يوما لعبة الفقراء)54، وان كان جنود العالم القديم يتميزون بملابسهم بعضهم عن بعض فان جنود امبراطوريات الشر الرأسمالي اليوم يلبسون نفس الملابسلانها مصنوعة في نفس المصنع ونفس الشركة دلالة لكون مصدر الحروب واحد وان اختلفت اشكال المحاربين(ان سودهم وبيضهم يعملون لحساب ملك واحد)55.

، يشبهها القاص بلون البراز وهي كذلك فعلا لانها تنث عفنا ورعبا وموتا في كل مكان تتواجد فيه ....

قوى الرأسمال العالمي حولت احلام الشعوب الخضراء الى هشيم، وانطلى على الشعوب العربية خصوصا هذا الربيع المزيف كما تفرح القطعان بخضرة حقل مزيف ...كما شبه بدلات العساكر بالبراز المبقع إمعانا بازدرائها ومقتها وهي كذلك في واقع الحال......عفنة كريهة لاتجلب غير الخراب والدمار للانسان والطبيعة والحيوان اينما حلت واينما وجدت ........

ليس كل ما يبرق ذهبا وليس كل اخضر زاهٍ مرجا، خيل للقطيع البشري ان الحقل الاخضر الديمقراطي المزيف هو احلامهم الخضر للخلاص من الديكتاتوريات وقوى الطغيان الحاكمة والمسلطة على رقابهم لمئات وعشرات السنين، فسرعان ما يتحول هذا المرج الاخضر المزيف الى هشيم مشتعل تحترق في اتونه ارواح واحلام هذه القطعان البشرية الحالمة ....

(ان الاحلام الخضر لابد ان تتحول الى هشيم يوما وان القطعان تفرح بربيعها ولو كان اخضره مزيفا)56.(وراء هذا الانتشاء بالحرية والفرح بلديمقراطية يقبع شبح ثلاثة مخاطر : الاصولية الظلامية، والفوضى الشاملة،وفقدان السيادة الوطنية لمصلحة الاجانب، ينبغي ان يدرك العرب ان هناك ما هو اخطر من الديكتاتورية : الفوضى الشاملة بعد اهيار الدولة، وما هو اخطرمن الفوضى الشاملة، الحرب الاهلية، وما هو اخطر من الحرب الاهلية: عودة الاستعمار) الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ- دار الساقي ط1 2013ص132. نقول ان ماحصل في بلداننا العربية نتيجة (الربيع) العربي ربما اسوء من هذا الوصف وخصوصا في سوريا والعراق وليبيا ....

في ظل هذا العنف والخراب والاف القتلى والمعوقين والمشردين تحاول امريكا الشر ان تمتص غضب وحرمان الضحيا عبر استهلاكها بمنجزات العالم الافتراضي الالكتروني المزيف

(قالت المجندة طوبى لامريكا التي لم تنس ضحاياها، سيكون ابوك معك دائما ستجديته بنقرة زر حاسوب، عندها تذكرت ابي وبكيت ظنت المجندة انني ابكي فرحا لحصولي على حاسوب)57.

 

(عين الدمية)عص146.

كل شيء جميل وبريء يرفض القبح والخراب والعنف،كما هو موقف الدمية التي حاولت الانتحار بسبب صلعها الناتج بسبب نيران المفخخات، كما ان كل من ينظر بعين البراءة يكون له نفس الحكم في الكراهية والحقد على الارهاب والحروب والعنف وأجد أن استعارة الدمية وعينها هنا للتعبير عن أن العالم في عين الأبرياء وغير الملوثين الذين يحملون النقاء وبراءة الخلق يكون أكثر ألقا وأكثر وضوحا من نظرة أصحاب الغايات والبراغماتيون والطفيليون وهي تبدو على أية حال دعوة للرجوع إلى جذور الإنسان الفطرية التي جُبلتْ على حب الخير وحسن النية.

(ان كل شيء من خلال بؤبوء عين الدمية كان كامل الوضوح، يا الهي صرخت بداخلي قائلا : من لم ينظر من خلال عين دمية الطفلة فكانه ارمداو نصف اعمى)150.

 

(سبل مقفلة)عص198.

نعم ها هي رياح الشرق والغرب المؤذية تحمل الموت والخراب واحراق احلام من يحلم بحياة هادئة مستقرة، من يحلم بالخضرة والنماء، بعد ان انهكته رياح الصحراء ورمالها وريحها المغبرة المقفرة وكان قد حقق حلمه في

(جنة من نخيل وماء وهكذا تركوا خيبتهم القديمة ورمالهم وعاشوا وماتوا هنا)200.

ولكن قوى الشر القادمة من الشرق والغرب والطامعة في ارض وثروة هؤلاء الحالمين اخذت تزحف برمالها ونواياها الشريرة لتحرق الاخضر واليابس في حرب (قادسية صدام) لتحول الارض الخضراء الى صحراء جرداء فتموت الاحلام وتجري انهار الدم بدل انهار الماء العذب...لتزحف الافاعي والعقارب وتتنادى كل ذئاب الارض لتتسيد على ارض الحلام وليحل الظلم والظلام وهانحن نشهد زحف الطاعون(الداعشي) الاسود على ارض الاحلام ارض الرافدين ارض السواد، وهو يزهق الارواح يحز الرؤوس وينتهك الاعراض ويحرق الزرع والضرع بالتخادم مع رياح الغرب الرأسمالي مدعي الحرية والديمقراطية .....

(لم ننتبه لزحف الرمال ولا لنوايا الريح التي بدات تهب علينا من الشرق والغرب)9

(الريح تصول وتجول اقتلعت النخل وطوحت به بعيدا فيما يعرف بحرب النخيل التي دامت ثمان سنوات يذكر انها سميت كذلك لكثرة النخيل الذي مات)201.

(ضاعت قبور صناع الحلم وضاع الحلم وبدلا من ان نرى انهار ماء عذب راينا انهار دم لم تمض الا ايام قلائل حتى راأينا باعيننا كيف دبت العقارب وكيف سعت الافاعي وزحفت السحالي من كل لون وكان الريح تهزأ من احلامنا)201.

فلا امان ولا حياة ولا استقرار لمن لايستطيع ان يصد رياح الشرق والغرب عن ارضه ووطنه ومستقره، لاوطن يصان ولا حلم يتحقق ولا سلام يستوطن ولا رفاه يسود الا بوحدة الارادة المقاومة لكل من يريد شرا بالبلاد.....

(وادي السلام)عص205.

تتوالى السلاطين واصحاب الفخامة والرؤساء والحكام والظلم واحد ربما لاتتبدل الا بعض اساليبه الذي ربما تكون اكثر قسوة وقذارة وارهابا وتضليلا من سابقتها

(لاشيء تبدل منذ ذلك الحين، الذي تبدل ان السلطان خلع الطربوش ولبس ربطة العنق، ابدل السفن والحراقيات بالطائرات وصواريخ البر والبحر والريش على الطربوش بخوذة الجنرال، لافرق ان جاء من الشمال ام من الغرب)207.

(المشرف على هلاك لاتهمه كدرة الماء، المقتول عطشا لايهمه ولو شرب بولته، البول سيتحول ببركة الوكلاء اولي الوجوه الصبيحة والعيون الملونة وتللك الجلود التي لم توغل بسفعها شمس تمز، سيتحول الى ماء قراح ومن لاينبش لاماء له)208.

التنقيب عن النفط نبش الارض وتجاوز على قدسية القبور، وهيمن سلاطين الحروب ثم اتت موجة الارهاب ... لتقضي علىكل شيء، اخذ الانسان يحلم ان يكون له قبرا بعد مقتله فقد يكون مجهولا في عمق الصحراء او في اعماق الانهار او اصبح جسده رمادا تذروه الرياح وان (سبايكر) و(بادوش) وقصص الخطف والاختفاء شاهدة تزداد قساوة يوم بعد اخر ... ونحن نشهد وباء الطاعون الداعشي الاسود .

(مجرد دمى)عص220.

تحولات مصائر الاشياء من حال الى حال حسب متطلبات الوضع السياسي والاقتصادي

(كل ما اعلمه ان مصيركم يؤول الى آلة الثرم لتتحولوا الى عجينة تصنع منها اشياء اخرى ربما ابريق او شبشب او مرحاض اطفال فانتم بعد الثرم لاتصلحون لصناعة زهور مزيفة او اسلحة كما يجب، تلك الاشياء تتطلب مادة بكر وليست معادة التصنيع)222.

انتشار العنف وثقافة الحرب والقتل والدعوة لها من خلال الفضائيات والمنابر وحتى المدارس ادت الى ترسيخ ثافة العنف في ذهنية الاطفال وهذه هي الاجابة على السؤال عن سبب انتشار موجة العنف والموت.وهنا ربما تبرز روحٌ إنتقادية أخرى ليرمي النص إلى ماهوأبعد من ذلك وهو نقد الطبقة السياسية التي جاءت عبر إرادات أخرى وكانوامثل دمى بائرة في الدكان الذي يرمز للوطن وإن الشعب الذي هو مصدر السلطة ربما سيقرر أن يحيلها إلى سيرتها الأولى مجرد مواد خام لا تصلح إلا لتكون أشياءً تافهة مثل شبشب أو مرحاض أطفال..

(لااجد تفسيرا لرغبة الاطفال من الاناث والذكور بشراء الاسلحة والمفرقعات في حين كان الاجدر بهم اقتناء الدمى بينما كان الكبار مواضبين على شراء الازهار المزيفة)224.

نعم افتقدنا العفوية والطيبة وبساطة الاطفال والدمى الجميلة المسلية ولازال ليل الفساد والارهاب والخراب هو المهيمن على حياتنا في بلد ارض السواد والذهب الاسود وربما هو استدراك استفهامي حول غرابة استشراء السلاح بيد من لا نضج له بينما تكون النخب قد خدعت نفسها بقيم زائفة وأهداف لا قيمة لها في الحياة.

ومن ثم فإن الفقرة التالية تعبر عن نبوءة حتمية تتحدث عن سقوط دمى الغرب تباعا وافتضاح أمرها مخلفة ورائها فوضى عارمة في البلاد وليل لازال لم يطلع فجره بعد وهي إشارة إلى التوق للتحرر والبناء بروح الإخلاص للوطن

(استمرت الدمى تهبط من رفوفها الى حضيض الدكان بفوضى عارمة.. واستمر الكابوس على مدى الليل الذي طال ولم يطلع فجره بعد) 225.

 

(نظارة سوداء)جص54.

(لابد اذن من تحمل عسف سلطة المخرج ذلك المستاسد في المسرح والمضي قدما بتلقي سياطه ونظراته الشزرة وتهديده المبطن... ان لم تمتثل...آه ان لم تمتثل ستكون على قارعة الطريق...)55.

(مسرحية الاعمى لمخرجها السلطوي الذي لايقبل باقل من الامتثال دون مناقشة)56.

تحت ضغط متطلبات العيش وارتهانات العيش تجعل الانسان لعبة بيد من يمتلك المال ومصادر الرزق، مرة خوفا من السلطان ومرة خوفا من عصابة التسليب، هكذا يمكن ان يستسيغ الانسان تمثيل دور الاعمى !!!!!!

(صديقي الابلق)جص88.

لو لم يكون الانسان قابلا التدجين والخضوع والانصياع لقوة او سلطة الاب او الكاهن او الشيخ والشرطي والمعلم والحاكم في مجتمع تسلطي لما شهد العالم أي نوع من الديكتاتورية والاستبداد.... كما هي حال هذا الحالم بحمار ابلق في زمن الديكتاتورية

(منذ باكر عمري كنت كالحمار اوجه الى الوجهة التي يريدون وما املك غير الانصياع)88.

لم يرَ مالكو البساتين او الفلاحين أي قدرة على رفض عبث عساكر الحاكم (حامي حمى الوطن) والمدافع عن شرف الحرائر رغم انهم يتحولون الى وحوش بوجه من تسول له نفسه سد رمقه من رطب البستان وربما هي كناية عن عسف سلطة العسكرتاريا وبحجة حماية الوطن يجري تخريبه ....

(كانوا يكشرون بوجه أي غريب ينتهك نخلاتهم البعيدة عنا ولكنهم يبتسمون للجنود وهم يخبربون بساتينهم ولما انتهى تنظيم وحدتنا العسكرية كان البستان بلقعا ينتشر فيه الخراب ويغزوه اليبس)90.

(امنيتي ان امتلك حمارا ابلقا) 91.

وقد استطاع تحقيق امنيته بحصوله على هذا الحمار هدية على اجادته صعود النخل من قبل مالك البستان (حسن دمعه)، ليجر عربة في سوق الخضار،واقبال اصحاب العلوة على استئجاره، فتنعم الحمار وصاحبه بمخلفات الخضار التالفة

(افكر جديا بمشاركته بغنائمه رحت ابحث وسكيني بيدي عن انصاف تفاحات وانصاف باذنجان وبعض البطاطا نصف الفاسدة....... عدلت امي قدورها وفكرنا ان نشتري طباخا غازيا بدل (الجولة) وكان رفاها لم يعهده بيت امي من قبل)92.

سيادة الرعب والخوف والريبة من قبل السلطة الحاكمة وانتشار وكلائها مما جعل صاحب العلوة يشك في صاحب العربة كونه من رجال الامن فاجزل له العطاء وامر الجميع بمعاملته معاملة خاصة تجنبا لشره وهي إشارة إلى العمى الموضوعي والإرتباك الذي يسود سلوك الفاسدين.

(كان صاحب المكتب يحذر رجاله وبحثهم على الانتباه لاخطار متوقعة قد يتسبب بها صاحب الحمار الابلق)93.

اكتشف امر اهتمام صاحب السوق به فراقت له اللعبة ليحافظ على مكسبه، ومصدر رزقه ولتكن النتائج ماتكن، مفرطا بسمعته ونقاءه بين الناس باعتباره جاسوسا للسلطة الكريه من قبل عموم الناس.....

(استجليت الامر واكتشفته وراق لي ان امثل هذا الدور وليحدث ما يحدث)94.

(لازلت ودودا مع حماري الابلق وهو كذلك بعد ان تنازلت له عن حصتي من الغنيمة وانا اعلم جيدا انه لم يمنحني وده دون مقابل، لاشيء دون مقابل حتى لو كان من حمار)94.!!!

(الخندق)جص95.

هل من صورة اكثر ايلاما وقتامة مما عرضه القاص في قصة (الخندق)جص95.؟؟؟

نعم ان معناة العراقيين من حروب العبث والمغامرة لايمكن احصائهافهي اكبر من ان توصف وقد دامت لاكثر من عقد من الزمان، وذهبت ضحيتها مئات الالاف من الارواح ولا زالت اثارها قائمة لحد الان

(فكرة واحدة ترتطم ككرة في رأسي منذ سوقي الى الحرب كواحد من تعساء اربعة أجيال تعيسة فاجأتها الحرب على دروب الحياة التي لم تكن واضحة المعالم في يوم ما)95.

(هل يمكن الاستغاثة بأفعى، نعم يصح ذلك في الحرب)96.

(قال العريف عبد : لا اريد ان يلفونني بعلم مبقع الالوان يسلمون جثماني الى امرأتي التي لم انجب منها بعد الا نجم ونجمة)98.

(رايت ذلك بعيني كانت وليمة للكلاب تلك الجثة تقضمها الكلاب قليلا قليلا)99.

ماأ تعسنا وشعبنا يعيش مآسي الارهاب ما بعد (التحرير) وشمولنا برياح التغيير بقيادة امبراطورية العصر امريكا ن فبدت مآسي الديكتاتورية باهتة مقارنة مع ما تفعله ذئاب الارهاب وقطعان الطاعون الداعشي الاسود ....

-(ثمن الحرية البخس)جص124.

تبادل السجن بين الانسان والعصافير، ف (العصفور يفقد ذاكرته عند الجوع)129. فيدخل قفص الصياد مقابل حصوله على حبات الطعام،فكانت حرية الناس وحرية العصافير مصدر رزق الصياد في زمن اللاقانون واللاعدل

(فك رقبة ياسيدي، اطلاق سراح عصفور بألف دينار لعل الله ينظر بعين رعايته للسجين ويطلق سراحه)127.

(انا لا املأ قفصي بلعصافير بسهولة، انا انفق الكثير لكي اتي بها الى هنا وانت تعلم ام العصفور صار اكثر حذرا من ذي قبل، ولكن الحاجة الى الطعام اقوى من الحذر انها ارزاق ياسيدي ان للحرية ثمنها، لاشيء دون مقابل)128.

الكل يمكن ان يكون داخل السجن وتصادر حريته مهما كانت طائفته او قوميته فالظلم بلا دين وبلا قومية.... هذا ما فهمه موظف السجن من خلال مطالعته للملف الاول

(الملف الاول .. ذهل حين قرأ اسم السجين (علي حسين مهدي) فقد كانت حروفه الاولى ذات حروف اسمه (عمر حامد مصطفى).129.

(نظرة انطباعية)جص137.

لازالت ذاكرة احرار العراق الشرفاء تستذكر نزاهة وصدق واخلاص الزعيم عبد الكريم قاسم ابن العراق البار حقا وفعلا، حيث خطى العراق خطوات عملاقة في غضون حكمه الذي بلغ اربع سنوات رغم انها غير مستقرة في كافة المجلات الاقتصادية والثقافية والصناعية، ولم تثنى له الوسادة حيث استكلبت عليه قوى الرأسمال العالمي واذنابها من الرجعية المحلية والعربية والدينية المتخادمة مع قوى الاقطاع وشركات النفط الاحتكارية

(تخيلت بغداد لو لم يدفع العالم الحر بماجوريه لقتل الزعيم الاول، الذي كان ينفق راتبه البائس على شراء صحن كباب وما تبقى يتبرع به للبؤساء من شعبه)139.

فماعسانا ان نقول وقد بلغ ثراء الطبقة السياسية الحاكمة الان حدا غير مسبوق عن طريق عمليات النهب والفساد والرواتب والمخصصات الضخمة، وتدهور غير مسبوق في كافة الخدمات بالاضافة الى فقدان الامن والامان .....

(العربة) جص170.

الفقراء لم يحصلوا على اية منفعة من الاحتلال ومابعده، بل انهم بقوا يدفعون ضريبة تعثر هذا الاشقر وبذخه ومصروفاته ودلاله، هذا المدلل الذي لا امل من شفائه والذي اضاف اثقل كاهل حمادي بالمزيد من المصروفات واصبح مدينا لايعرف كيف ومتى سيتمكن من تسديد ديونه بعد ان اصبح حلمه معوقا وكسيحا ..!!!! هذا اختصارٌ لمحنة الوطن فالعربة هي الوطن المبتلى بطوني الأجنبي الذي لا يصلح لجر عربة الوطن وحمادي الذي يخسر كل شيء من أجل طوني الآتي من وراء البحار، يا لها من محنة والنتيجة الوطن مهمل ومركون على الهامش وما يقتنيه الوطن تذهب لمصالح طوني.

(انشغل حمادي وعياله بطوني وجبيرة رجله المكسورة وعلفه من الدرجة الاولى وجلب له طبيبا بيطريا على نفقته وراح يستدين وينفق على الحصان الاشقر الجميل الاتي من وراء البحار)175.

(اذا تم شفاء طوني لن تتحرك العربة الا بذبيحة لوجه الله).175.-

النسيان قد يكون نعمة احيانا تساعد الانسان على نسيان احداث مريرة في حياته مما يتيح له الاستمرار بالحياة، ولجن النسيان وفقدان الذاكرة تتحول الى كارثة كبيرة في اغلب الاحيان، تصور انك تنسى ان النار محرقة، او ان السم قاتل، او الافعى والعقرب لسعتها ولدغتها قد تكون قاتلة ....فما بالك حين يصاب شعب بكامله او قل ولاة الامر منه بقدان الذاكرة في تعاملها مع قوى شريرة له معها تجارب مريرة من الاذى والقهر، هكذا كانت افتتاحية قصة(ثلاجة الموتى)جص176.

(كنت افكر بالسمكة التي تلقفها الصنارة فتعود اختها للصنارة ذاتها وبالطعم ذاته لتلقفها، ثم اختها الثالثة، وهكذا يفاخر الصياد بمهارته ويتشبث بمكانه من النهر، تساءلت، لم يحصل ذلك ؟؟ لاذاكرة للاسماك اذن !

فكيف يسير الناس في الشارع ذاته المزروع بالعبوات والمفخخات وكانهم يتعمدون موتهم ويسعون لبلوغ حتفهم

(راح الموت يسير في الطرقات عاريا دون خجل بل اشد عريا مما خلقه الله، لماذا يمر الناس في الطرقات التي يرتادها الموت الوقح فلا يعودون الا اشلاءًًًً)178.

فمن عواقب حروب الديكتاتور وحروب (التحرير) والارهاب (لم تعد ثلاجة الطب العدلي تستوعب كل هذه الاعداد)179. من الضحيايا والمغدورين، كل هذا اتى سواء بصورة مباشرة او غير مباشر بعلم وتخطيط وارادة اكبرامبراطورية للشر، امريكا رأس المال والاحتلال

(ما ان تحط اقدام امريكا في بلد حتى تمرع حقول الموت فيه)180.

وهاهم ولاة الامر وبعض الناس تصاب بفقدان الذاكرة حالها حال الاسماك بطلب الخلاص والنجدة من قبل امريكا لتخليصها من الارهاب وعصابات السلب والنهب لنعلق ثانية وثالثة في صنارتها الجهنمية دون امل بالخلاص والاستقرار والحفاظ على الارواح والثروات ....

(حلم وردي)عص70.

اساليب عناصر امن السلطة في استدراج ضحياياهم، باساليب خبيثة ومنها التعاطف مع امنياتهم واحلامهم لكشف حقيقة نقمتهم وكرههم للنظام الديكتاتوري لانه لم يحقق لهم احلامهم(كان حلما ورديا رايت انني اسير براس مرفوع والشارع كان نظيفا والاضوية المتوهجة تنيره والناس مبتسمون)76.

(فوجئت بكف ثقيلة تندلق من ردن زيتوني تقبض على معصمي ثم تنزع الوريقات المطويات مني ووراءه ثلاثة من الزيتونين بمسدساتهم النافجة وراء بدلاتهم)75.

يشعر هذا الحالم بالفرح لانه حكم بالمؤبد وليس بالاعدام كما هو متعارف عليه كعقوبة لمن يحلم بازالة صو الرئيس لتحل محلها اعلانات ضوئية لسلع تجارية ولا جود لكل رموز القهر من شرطة وامن ومخابرات وعسكر ماعدى شرطة المرور...؟؟؟!!!!

للاسف هوى الديكتاتور ولكن احلامنا الوردية لم تتحق ولم نعد نأمن على رؤوسنا الحالمة في زمن الدم قراطية !!!!

وصف صور لانواع سجون الديكتاتورية السرية التي لايستدل عليها الا من قبل عناصر الامن الخاص، تركوا بعد الانهيار حتى لاقوا حتفهم نتيجة الجوع والعطش، والمأساة الكبرى انهم دفعوا حياتهم ثمنا لحرية من لم يتحسس ماساتهم ، باحثا عن المال والذهب كما صورها لنا القاص في(احلام)عص84.

ا(مر اثنا عشر شهر حين اصدمت سكين اللدوزر العملاقة بكتلة الاسمنت الكبيرة...)87.

(ان عاصفة من الخيبة المريرة اجتاحت نفس صاحب البلدوزر واخيه وولديه بينما انسلت الارواح الخمسة عشر طائرة نحو الفضا، تم تسجيل خمسة عشر رقما لخمسة عشر رجلا مجهول الهوية)ء !!!!

(صيد الارانب)عص107.

(على مقربة من اكتمال بساط آماله الملون ساح لون زيتوني غامق فاتلف بساط الامال ليلة الثامن من فبراير كان الضباب يلف الحلفاية من كل صوب)110.

اشارة واضحة الى الانقلاب الفاشي في 8 شباط1963 في ظل ضبابية الرؤيا واختلاط الاوراق بفعل قوى الراسمال الخارجي المتحالف مع قوى الاقطاع والرجعية في الداخل .. وقد تكالبت بعض قوى الجهل والجريمة لمتابعة ومراقبة وملاحقة مناهضي الفاشية من بنات وابناء العراق الاحرار .....

(كانت الضباع تتصيد الكلمات التي تهرب من الافواه على غير هدى لتكتب تقارير الموت، فتستطيل اسنان آلته ليفرم الضحية بدلالة فقه اللون الزيتوني)111.

(ايام صائد الفئران)عص112.

(ان الفئران يابني هناك تنام في مخازن الحاكم المليئة بالبطاطا البيضاء ولا تاتي هنا لاكواخنا الا من اجل تقويضها وفضح اسرارنا ولو كانت في صناديق)118.

(قبضت الشرطة على صائد الفأر وهو يحوم حول مخازن الحكومة)119.

الفئران هذه التي تعتاش على قضم واكل قوت الفقراء ، والاستحواذ على حقوقهم وطعامهم في ظل هيمنة السراق واللصوص (الفئران)على السلطة في بلداننا، مما تجعل من صائد الفئران مطاردا ومطلوبا من قبل اجهزة السلطة القمعية بقتله او سجنه ومضايقته بمختلف الاساليب ، فئران السلطة لاتتخلى عن حقها في القضم لتقع في مصائد من يلاحقونها. ... فكم من الفئران في بلدنا، واظنها تحولت الى جرذان وتآخت مع القطط السمان في بلد البترول والفقراء ....

(قتلة)عص120.

القتل مهنة الفاشلين ...... هذا هو مضمون قصة القتلة، فهذا الزميل الفاشل في دراسته والذي لايمكن ان يقبل في الكليات العلمية والادبية الراقية يضمن له والده السلطوي المتنفذ وظيفة في اجهزة القمع لاتحتاج الا لاستعداد نفسي للقتل والاغتيال دون ان يسأل عن السبب ودون أي وازع اخلاقي او انساني يحول دون ارتكابه لهذه الجرائم الموصى بها من قبل السلطات القمعية الاعلى لتصفية معارضيها او لنشر الرعب والخوف بين صفوف مواطنيها لاحكام سيطرتها عليهم..هي إدانة وفضح لأساليب سلطات القمع الدكتاتورية...

فكان القاص يطلق تحذيرا قويا :-

ان اعملوا على القضاء على اسباب فشل مواطنيكم وخصوصا الشباب منهم لانهم مولد دائم للقتلة والمجرمين .....

-(السيدة ذات الوردة البيضاء)عص173.

في زمن الطغاة والديكتاتورية العشق ممنوع، كل فعل مؤول حسب اجتهاد السلطة ومخبريها فلانه اعجب بها عاشقٌعن بعد (قرر ان يتواجد في المكان نفسه وفي الوقت ذاته حاملا وردة بيضاء لعلها تراه وتفهم)177.

دون يفهم من هي وماذا تفعل هنا وهل هي مطلوبة من السلطات لذلك

(هبطت كف ثقيلة على كتفه:- تفضل معنا استاذ... تعال اركب معنا في السيارة)178. ليكون تحت طائلة التحقيق وفي دائرة التهمة فلا تغفر له طيبته وحسن نواياه فكان معه ماكا نمشيرا هنا إلى أن الإنسان تحت سلطة القمع يؤخذ بالظاهر ومن السهولة أن تؤول البراءة والحب إلى جريرة :-

(بعد ان عصبوا عيني ذي الوردة البيضاء واخرجوه ولم يعد يجلس في كرسيه المفضل خلف السائق في باص نقل موظفي مصفى الدورة)179.

بمعنى ان هذا العاشق المغفل قد تمت تصفيته في سجون السلطة، ومثله العشرات والمئات من المواطنين في مثل هذه البلدان الواقعة تحت هيمنة مثل هذه السلطات القمعية والفاشية .

(اغتيال)جص102.

في زمن الفوضى وصراع عصابات متناحرة على المال والسلطة ينشط عمل القتلة الماجورين، ينفذون جرلئمهم دون معرفة الضحية واسباب قتلها بل (اسباب القتل تتناسل كالذباب).

لا احد يهتم بالمغدور خوفا من ان تلصق به تهمة القتل كما هو جار من قبل اجهزتنا الامنية العاجزة دوما عن كشف القاتل الحقيقي فيكون المخبر عن الجريمة هو المتهم،

تكون جثة المغدور طعما لكلاب القرية، الشرطة تسجل الحادث ضد مجهول ثم يقفل المحضر !!!!!

(كانت الكلاب حول القرية قد حسمت امرها وبقي الكلب السائب الغريب ينتظر طامعا في جولة اخرى) 106.

(السر)جص195

اصبحت مقولة (للجدران اذان) شائعة في زمن الديكتاتورية حيث تحصى على الانسان سكناته وحركاته ويؤخذ على الظن والشبهات، مطلوب منه ان يسبح بحمد ونعمة القائد والحزب في السر والعلن رغم ما تعانيه الناس من القهر والتعسف والظلم والاهانة وامتهان الكرامة لابسط واتفه الاسباب مما دفع هذا الموظف على

(عقد العزم ان لايستفز او ينهار الا في بيته وفي حمامه الذي اطلق عليه اسم حمام الانهيار)196.

خصوصا بعد ان (شاهد التلفاز يعرض مراهقا ضئيلا يعترف امام المحقق اللبق ويقول ا ناباه كان يشتم الحزب والرئيس عندما يشاهده على الشاشة الصغيرة في البيت)196.

استيقظ مرعوبا بعد إن اوغل وتمادى في الشتم وسب الحكومة والحزب، نتجة نومه بفعل المخدر في استكان الشاي الذي قدمه له البواب خادم الحزب، ليضيطه السيد المدير نائما اثناء الدوام الرسمي مما اعطاه المبرر لطرده من الوظيفة ....

هكذا تكون حثالة البرولتاريا من الجهلة اداة خطرة وقذرة بيد مستغليها وممتهني كرامتها فتوظف ذكائها وفطنتها لخدمة جلاديها والايقاع بمن يتعاطف مع قضيتها ويرفض عسف وظلم الطغاة، وان يكون عملهم هذا تطوعيا ودون ثمن سوى رضا الحاكم، فها هو البواب يرفض مكافأة الرفيق المدير لايقاعه بالموظف الغير مرغوب به قائلا:-

(لا يسيادة المدير، انا بخدمة الحزب)200.

فكم من خادم للحزب عانينا من شرهم واذاهم رغم تعاطفنا ومساعدتنا لهم؟؟؟

اسلوب القص لدى المطلبــــــــــــــــي

اغلب قصص المجموعتين يمكن تصنيفها ضمن الواقعية الانتقادية، والواقعية السردية والغرائبية، بعيدا عن التقريرية المباشرة لوصف الواقع وانتقاده،كما في (الاقزام) و(الوباء)و(عين الدمية)....الخ .

كم ان القاص ومن اجل ان يغلق علينا باب السؤال حول المعادل الموضوعي للقص كثيرا ما يلجأ الى ختام العديد من قصصه بالافاقة من حلم كما في (حقيقة الاشياء)(الوباء)(سقوط مريع).....

لاحظنا ان القاص يحاول ان تتقدم بعض قصصه مقدمة تحاول ان تشرح طبيعة القصة وتوضح دلالتها ..... او وضع اقتباس لاحد الكتاب او الفلاسفة او نص قرآني او عبارة شارحة من نفس القصة لنفس الغرض اعلاه كما في (شطرنج)(نزيهة حبيبتي)(عين الدمية)(الاقزام)(انابيب فارغة)(الوباء)..

كمن يخطف الليلة الاولى من عروس عذراء قبل ان يدخل عليها عريسها، ان مثل هذا الاسلوب يتحفظ عليه الكثير من النقاد والادباء لانه يفقد القاريء متعة التفكر واستنتاج الدلالة وتاويل النص السردي ، لانه سيجد المفتاح معلقا في رقبة النصكما ذكرنا سابقا، قبل ان يتلمس ويتفكر جسد النص من الخارج والداخل ..

تميزت اغلب قصص المجموعتين الا ما ندر بدون اسماء لشخصيات الفاعلة في القصة، هذه ميزة واسلوب يتماشى مع نظرية موت البطل في القصة والرواية الحديثة في العالم الاول وهو دلالة على :-

اولا \ كون مثل هذه الصور والاحداث السردية هي سمات عامة للاغلبية في مجتمع معين ، لاتخص فئة او طبقة او شخص بعينه ......

ثانيا\ هو منحى مؤدلج وان يكن مستترا بالنسبة لكبار النقاد ومنظري الادب في العالم الغربي الراسمالي في محاولة لاخفاء وجه البطل والعقل الفاعللانه اصبح وجها قبيحا في عالم الربح والحرب والعدوان، بالضد مما كان في عهد النهوض البرجوازية حيث كانت تناضل ضد النفوذ والاستبداد الاقطاعي من اجل الحرية والديمقراطية ونبذ التعصب الديني والعرقي والجنسي حينها كان بطل الرواية والقصة جميلا محبوبا ومثالا للعطاء والتضحية من اجل قيم سامية، ليس كما هو الان والراسمالية تدخل اعلى مراحل الامبريالية الا وهي مرحلة الارهابية حيث العدوانية وسعار الربح والاستحواذ على خيرات الشعوب واستعبادها ..... كما لم يعد للفرد اية قيمة في ماكنة الاستغلال الرأسمالي وتسليع الانسان ضمن ثقافة استهلاكية سائدة، رغم انها بنيت على فردانية الفرد الانسان وخصوصيته (تكون استقلالية البطل النسبية مهددة اكثر فاكثر في الوقت نفسه الذي تتطور فيه الراسمالية نحو شكلها الامبريالي هذا الشكل الذي تتناقص فيه امكانيات المبادرة الفردية) الرواية والواقع – الموسوعة الصغيرة –ترجمة د. رشيد بنحدو ص128.....

لذلك يفترض بادباء الجنوب عموما وادباء العالم الثاني والثالث ان لاتنطلي عليهم هذه اللعبة من قبل منظري الادب الغربي، حيث البطل في بلدانهم لازال ايجابيا مناضلا مكافحا من اجل استكمال سيادة بلده والحفاظ على ثروة وسعادة شعبه، فالمطلوب ابراز ملامحه واسمه ليكون مثالا يقتدى به بالضد من خدم وعملاء وذيول قوى الاحتلال والاستغلال والقهر الوطني والطبقي .

فلازال احرار العالم يحملون هالات الود والاعجاب ويتسمون باسم الثائر (جيفارا) مثلا ...

كما تميزت قصص المطلبي بالانحياز الواعي للفقراء والمعوزين، منحازا بذلك لقيم الحرية والديمقراطية والمساواة واحترام حرية الفكر والمعتقد، ومحاربة التعصب باختلاف اشكاله ومصادره، تتجسد في قصصه ادانة صارخة ضداطماع قوى الراسمال العالمي المجسدة في شركاته البترولية الاحتكارية، وادانة هادرة ضد تعسف وقهر الحكام خدم وتوابع قوى الاحتلال والاستغلال ....

كما انه لايغفل الدور القذر الذي تمارسه حثالات اجتماعية مقهورة غير واعية، لتقدم خدماتها للقوى الفاشية والديكتاتورية لتكون سوطا مؤذيا بيد جلاديها ضد القوى المدافعة عن حقوقها وتحاول انتشالها من القهر والذل والعبودية .

ضمن مجموعة (شرفة على الجهات الاربع)مجموعة من القصص القصيرة جدا، كانت في غاية الابهار والتكثيف والايجاز وعمق الدلالة مما يدل على اجادة الاديب المطلبي الكتابة في هذا الاسلوب القصصي الممتع كما في (مرتابون) جص157، و(الكلاب لا تأكل بعضها)جص159،(داجن)جص161،(اقفاص)جص162.... تستحق هذه القصص دراسة خاصة لجمال الصياغة وعمق الدلالة وقوة الملاحظة ..

        للحيوانات كرمز سردي قوي الدلالة حضورا مميزا في المجموعتين مث (الكلاب، القطط، الحمير، العصافير، السحالي، الضب)...... استطاع القاص توظيفها بحنكة وابداع وفطنة دالة على فهم ودراسة سلوكيات واساليب حياة ومعيشة هذه الحيوانات وعلاقتها بالانسان والبيئة ...

القاص المطلبي شاعرا متميزا ومجيدا لذلك يتحسس القاريء لغة شعرية جميلة وصور وصفية غاية في البلاغة والدلالة لاتتيسر الا لخيال واسع وشاعر متمكن، المجموعتان تتسعان للمزيد من الدرس والتحليل لغويا وسميائيا وبنائيا يمكن ان يكون مؤلفا كاملا ربما تتاح لنا او لغيرنا من النقاد او عشاق الادب القيام بهذه المتعة النقدية اثناء التجوال في رياض المجموعتين الرائعتين ......فالف تحية حب وتقدير وانحناءة اعجاب للاديب المطلبي وتوأميه القصصيتين الرائعتين اللتين اتحفنا بهما بكرم وابداع مبهر ...فهو محب موله بالجمال و(الجمال يصنع الحياة) كما يقول دستوفسكي .

 

.............

*جص = مجموعة شرفة على الجهات الاربع.

* عص= مجموعة عين الدمية.

 

علي السّباعي يكتب مدونّات امرأة أرملة وينتصر للجندي المجهول

sanaa alshalanعن دار ميزوبوتاميا للطّباعة والنشر والتوزيع صدر في العاصمة العراقية بغداد المجموعة القصصية " مدوّنات أرملة جندي مجهول"، وهي مجموعة قصصية جديدة للقاص العراقي علي السباعي، أبدع لوحة غلافها الفنان التشكيلي محمود فهمي عبود.والمجموعة تقع في 114 صفحة من القطع المتوسّط، وتتكوّن من أربعة معقودة تحت عنوان مدوّنة، وهي على التّوالي :مدوّنة الحرب، مدونة الحصار، مدوّنة الحبّ، مدوّنة التّيه.

باب المدخل إلى هذه المجموعة القصصّية هي كلمة غلافها الخلفيّ للقاص العراقيّ علي السّباعيّ الذي يقول:" واجهتُ نَفسي بالأسئلةِ، ماذا تعني القصةُ وهي تترسَّمُ آثار الحرب والحصارَ والحبَ والتيه؟وماذا تعني القصةُ وهي تترسمُ بصمات ِ الإنسانِ عندما ينْسَحبُ أمام ذاتهِ؟!سؤالُ كونيُ؟يحملُ طعمَ كلَّ المراراتِ التي لا تفارقُ نسغَ حياتنا إنْ كانَ هُنالك في الحياة منْ وجودٍ".

وهذا المدخل الخلفي لهذه المجموعة القصصيّة يقودنا نحو الحالة النفسيّة والفكرية والشّعورية التي ينطلق السّباعي منها في كتابة مجموعته هذه التي تقمّص فيها شخصيتين لا شخصيّة واحدة، أيّ أنّه استدعى المرأة والرّجل كي يرسم ملامح معاناة ومأساة الشّعب العراقيّ الذي يعيش منذ عدّة عقود في معاناة لا حدود لها، لاسيما معاناة الحرب التي خلّفت إرث حزن عملاق في ذاكرة الشّعب العراقيّ، وقد استدعى المرأة الأكثر معاناة في الشّعب العراقيّ، وهي المرأة الأرملة، كما استدعى زوجها الجندي الذي دفع حياته ثمناً للحروب والمآسي والتّصفيات العسكريّة.

والسّباعي يتولّى الحديث بصوت المرأة الأرملة عبر تفويضها له بذلك في القصة القصيرة الأولى "وصايا امرأة توشّحت بالرّماد" إذ يقول :"دموعُها شاهدٌ حيٌ وهي توصيني على تدوينِ عذاباتِ الناس الذين َ يمشون َ بجانب ِ الحائط ِ في بلد ٍ طيب ٍ ؛ وهم يحرثون أرض َ خيباتِه بمرارات ِ الواقع ِ وهباءاتِه .. وكان العراقيون المصلّبين َ في جذوع ِ نخله ِ المنقعر يسقونَها بدماءِ جراحاتِهم، لِتكُنْ كتابتُكَ في هذا الوقت ِ عن عذاباتِنا أجملُ انتقامٍ من هذا العالم ِ القبيح ِ الذي نعيشه ُ".

ومايكاد السّباعي يقدّم لنا هذه القصة القصيرة وثيقة إبداعيّة وقانونيّة لحقّه بتدوين عذابات الأرملة عبر تفويضها له بذلك حتى ينزلق مباشرة إلى داخل الجنديّ العراقي مستعرضاً عوالم عذابه وانكسارات وجوده وأشكال سحقه وظلمه ومصادرة حقوقه بالحياة بالمعارك طاحنة قد زُجّ بها زجّاً على امتداد عدّة عقود، وهو بذلك ينطلق من إيمانه الرّاسخ بأنّ الانزلاق إلى الرّجل لا يكون إلاّ عبر المرأة، وأنّ اكتشاف المرأة لا يكون إلاّ عبر بوابة الرّجل، وما توأمة حزنهما ومصيرهما إلاّ فهم حقيقيّ لشكل الوجود البشريّ الذي يتكوّن حقيقة من لحمة الرّجل والمرأة.

ولأنّ معاناة الرّجل العراقي ّهي معاناة المرأة العراقيّة، ولأنّ الجندي المجهول الذي مضى إلى الموت قهراً وظلماً هو فجيعة المرأة العراقيّة، فإنّ السّباعي بدأ بسرد قصص هذا الجنديّ عبر ذاكرة المرأة التي جعلها الحافظة لكلّ الحكايا، وقد عرض حكايا الجندي المجهول عبر عدّة قواطع قصصيّة سمّاها"مدوّنات"، وأعطاها الأسماء التّاليّة: مدوّنة الحرب، مدونة الحصار، مدوّنة الحبّ، مدوّنة التّيه.

وقد خلق السّباعي من حالة التّعميم المقصودة في العنوان بوابة للتخّصيص، فهو لم يحدّد من تكون هذه المرأة الأرملة، ولا حدّد اسم ذلك الجنديّ المجهول؛كي تكون تلك الأرملة هي العراقية الأرملة في أصقاع العراق كلّها، وكي يكون الجندي المجهول هو الجنديّ العراقيّ الذي لقي حتفه في المعركة بغض النّظر عن اسمه أو ديانته أو منبته أو منزلته الاجتماعيّة أو الثّقافيّة، وحواره مع المرأة في القصّة القصيرة الأولى من المجموعة:" وصايا آمرأةٍ توشَّحتْ بالرمادِ" يقودنا نحو قصر هذه المجموعة على معاناة العراقيّ والعراقيّة:"وكان العراقيون المصلّبين َ في جذوع ِ نخله ِ المنقعر يسقونَها بدماءِ جراحاتِهم، كانتْ دموعُهم النازفة ُ

برقيّاتٍ من جحيمه ِ .. زامنتْ بكاءَ الأرملة ِ المتّشحة ِ برماد ِ الفجيعة ِ تبكي يومها الدامي في بلاد ِ وادي الرافدين، سَألتُها مذهولا ً : كيف تبكين َ ؟ ! أجابتْ بشفتين ِ راجفتين ِ شاحبتين، ودموعُها منهمرة ٌ من عينيها السومريتين ِ الرافضتين ِ لعراق ِ القهر ِ : العين لا تبكي إلاّ إذا بكى القلب ُ، والقلب ُ لا يبكي إلاّ إذا أشتـدَّ وقع ُ الهم ِّ عليهِ، كم كانَ

همِّيْ ثقيلاً يطبقُ على قلبي .

علّقتُ مهموما ً :

ليسَ مِن َ السهلِ نسيان ُ كل ِّ ما مرَّ بنا من أحزانٍ .

شاطَرتني حزني َ قائلة ً :

أقتـنص هذه ِ اللحظات ِ ؟ !!

بُحتُ لها وأنا أُمْـسِكُ رماد َ فجائِـعَـنا :

ليتك ِ تدركين َ كم هو ثقيلٌ هم ُّ الوطن ِ ؟

قالتْ بلحظة ِ بوح ٍ باذخة ِ الدهشة ِ :

دوّنْ . . . دموع َ الناس ِ بوصفِها الخيط الرفيع الذي يربط ُ بين َ الحياة ِ والحلم ِ .

استفهمتُ :

لِمَ ؟ !

قالتْ ناصحة ً :

لأنّكَ متى تأخّرتَ عن الإمساكِ بتلكَ اللحظاتِ المدهشةِ من محنتِنا .. ستفقدُها إلى الأبد ِ .

لِتكُنْ كتابتُكَ في هذا الوقت ِ عن عذاباتِنا أجملُ انتقامٍ من هذا العالم ِ القبيح ِ الذي نعيشه ُ".

ومنذ" مدوّنة الحرب" نقرأ في أسفار الجندي المجهول الذي يتناوب على أصناف المعاناة والحرمان، فيسرد السّباعي علينا ابتداء قصة" عازفٌ نســيَ عُودَه"، إذ يقول فيها:"كان معي جنديٌ إبان حـرب ثماني السنــوات فـي جبـــهةِ القتـــالِ، لم يكن مقاتلاً شرسـاً، كــان عازفَ عودٍ موهـــوباً، مُبدعـــاً، لا يجيدُ القتالَ.. أثناءَ المعــاركِ الطاحنـــةِ وما أكثرَها وأثناءَ اشتدادِ القصفِ كان يعزفُ لنا نحنُ إخوانَه المقاتليـن أجملَ الألحان، يضربُ علــى عودهِ بلا تعــــبٍ، بمتعةٍ وإبداعٍ أبداً لا يكررُ نفسَه .. أُعلــــنَ وقـــفُ إطــــلاقِ النارِ في 8/8/1988 راحَ يدندن فرحا بانتهائِها.. وإذا بقذيفـــةٍ إيرانيةٍ تسقطُ على موضِعـــه وهو يعزُف .. تقتلٌه".

وقبل أن نستسلم لأحزان هذا الجنديّ المفجوع بنفسه وفرحه، ينقلنا السّباعي إلى أحزان المرأة العراقيّة إذ يقول في قصّة"أرملة" :" زمـنَ الحرب . كنـا نقفُ طوابيرَ لشراءِ الخبزِ، كـــــانَ الناسُ يصطفــونَ صفيــن اثنين .. صفاً للنساء وآخر للرجال، كان طابورُ النسوة طويلاً جدا كـأنه أفعى سوداء، وصـــفُ الرجالِ يتكونُ مــــن ثلاثةِ أشخاصٍ مسـنين وأنــــا، جـــــاءت أرملـــةٌ و اصطفــتْ فــــي طــابورِنـــا، خلفــــي مباشــرةً، أمرهـَــا صــاحبُ المخبز المصــريِ الجنسية أن تقفَ في طابورِ النســاءِ، فقالتْ بحدةٍ وهي تٌعَدِّلُ من وضعِ عباءتها السوداء الكالـحة :وهــل هنالك رجـــال حتى أقف في صفهــم ".

وبعد ذلك يسرقنا السّباعي سريعاً إلى تضحيات ذلك الجندي العراقيّ الذي عاش شجاعاً ومات بطلاً، وأجاد أن يحوّل الموت والخراب إلى جمال ونخيل وحياة، إذ يقول في قصّة "ثأر":"جـاهــدَ جدي ضــدَ الإنكليز .. كــان يقتلُ الجنديَ البريطانيَ ويأخُذ سـلاحـَه وعتاده ويدفنُه في بستانِه ويزرعُ فوقَ جثتهِ نخلــةٍ .. صــارت فسيلاتُ النخيل تمــلأ بستانهَ .. تحـتَ كلِ تالةٍ يرقدُ جنديٌ انكليزيٌ، قَتـــلهُ جــدي .. غــادَرنا البريطانيـــون .. كبـرَ النخيـلُ .. مــات جدي.. كبرنا .. شاخ نخيلُنا .. احتلّنــا الإنكليزُ ثانيــةً .. قامــوا باقتلاعِ كل نخيل جدي".

والسّباعي في هذه المجموعة القصصّية المميّزة عندما شرع في كتابتها كان على وعي إبداعيّ كامل بأدواته وغايته، ولذلك اختار فنّ القصّة القصيرة جدّاً ليجري بنا في قصص لا نهاية لها ومعاناة عريضة تتوافر على أحداث يكاد السّرد الممتدّ لا يتسع لها، ولكنّ الجريّ فيها عبر ومضات القصّة القصيرة جدّاً قد يتيح لنا رؤية أوسع عبر مساحات شاسعة زمنياً ومكانيّاً وحدثيّاً عبر جري لا ينتهي، ولهاث متقطع لا من الجري المتواصل في سرد حكايا المعاناة بل من الألم والقهر الذي يحاصر المتلقّي عندما يتورّط في هذا القصص المحزنة.

وتقنيّة الجري- إن جاز التّعبير- في عوالم هذه المجموعة القصصيّة تجعلنا نطوّف في مفاصل حروب شتّى خاضها العراقيّ من الحرب ضدّ الاستعمار الإنجليزيّ إلى الحرب مع إيران إلى حرب الخليج.السّباعي لا يتوقّف عند تفاصيل حياة الجندي العراقيّ، بل يقودنا كلّ منا من يده ليجوب به تفاصيل معاناة الإنسان العراقيّ التي تأتي الحرب إليه إن لم يذهب هو إليه، ونرى ذلك جليّاً في قصّة"حظ عاثر ":"تهدم منزل صديقي الكائـن خلف الفندق الذي رسمت على أرضيـة مدخله صورة بوش الأب .. نتيجة قصف القوات الجوية الأمريكية لهذا الفندق .. أصيب صديقي بالقصف وطار نصف قحف رأسه ..رقد في المستشــفى سنه ونصف السنة .. تركته زوجتـه وقد أخذت معها أولاده .. هو ألان يشحذ في الشوارع".

وهذه التّفاصيل تنقل لنا الفجيعة في أقبح صورها وأبشع ملامحها كما نرى في قصّة" رأي":"دويٌ هائلٌ هَــزَ قلبَ العاصمـــةِ .. إثـرَ انفجــارِ سيـــارة ٍمفخـخةٍ .. تناثرتْ أجســادُ المارةِ .. انهــارتْ واجهــاتُ ألأبنيـــةِ المحـــيطةِ .. تحطمــت السياراتُ .. بدأنا بلـم أشــلاء النــاس .. عثرتُ على قـَـدَمِ رجـــلٍ يمنى يغــطي ظاهرَهــا وشــمٌ ازرقُ ملطخٌ بالدماءِ والوحـــلِ .. مسحتُهــا بباطنِ كفي اليمنى:كُتِبَ بالوشمِ الأزرقِ " كلُ النساءِ تحتَ قدمي ما عدا أمي ".

ولا يفوت السّباعي في هذه المجموعة القصصيّة أن يلوّح بكلّ جرأة بصراعات الإنسان العراقيّ إبّان الحروب الطوّيلة والكثيرة التي عاشها، وهو يطرح هذه الصّراعات بصراحة في قصّته:" رزمة أسئلة":"جـارُنــا الهاربُ مـــن الخدمة العسكرية .. كــان يسكر كل ليلــة مــن ليالي حــرب ألثمانينيات حــد الثـَـمَل ..يبدأ بعتاب أمـــه :- لِــمَ ولدتِني في قارة آسيا .. لِـمَ ولدتني في العراق .. لِـمَ ولدتني فــي الناصرية .. ولِمَ ولدتني فـي شــارع عشرين .. ولِـمَ أنا هارب؟!"

وهو في الوقت نفسه يتحدّث عن حلم الجندي العراقيّ الذي غادر الحياة، ولكنّه لازال يحلم بأن يكون حيّاً ليمارس حياته بكلّ تلقائيّة دون سطوة الموت الذي سارق عمره منه.وهذا الحلم هو امتداد لحلم كلّ جنديّ عراقيّ دُفع به إلى درب الموت، وحُرم من حقه في الحياة، فيقول في قصّة " جندي":" بعد انتهاء المعركــــة، جندي يخــرج مـــن كيس الموتــــى ويقول لزملائــه:- مهـــــــــلا مــــــازلـــت حيـــــــاً".

"مدوّنة الحرب" في هذه المجموعة القصصّية تجوب بنا أقاصي الموت والقتل والخوف في مساحات الحرب، وتنقل لنا أدق تفاصيل الحياة اليوميّة إبان تلك الحروب في ظلّ صراعات نفسيّة يعيشها الإنسان العراقيّ في كلّ لحظة في أتون هذه الحروب التي تزرعه في عوالم من القهر والاستلاب والعذاب.أمّا "مدونة الحصار" فهي تسجّل لنا أدق ملامح جناية هذا الحصار على الإنسان العراقيّ إلى الحدّ الذي جعله يتمنّى أن يكون حماراً وفق ما نقرأ في قصة "إنسان" إذ يقول:" ذات حصار ..كنت انظر إلى الحمار .. وأحسده"

وفي أجواء كهذه تتخلّخل المعايير كلّها، وتتحرّك البُنى كاملة نحو الانهيار والدّمار كما نرى في قصة "تجار ميزوبوتاميا" :"دلفتْ إلـى مقهى التجارِ .. امرأةٌ مقوسةُ الظهــرِ ..تستجدي .. لــــم يُعْطِها احدٌ شيئاً .. ألحـت فـي طلبهِا .. نَهَرَها صاحبها :-أخرجــي .. ألا تخجلــين .. أنتِ وسطَ الرجال .. عيب .. ؟ !!قالتْ بمرارةٍ وحزنٍ غريبين في أثناءَ مغادرتهِا و كانت تَهُز يدهــا اليمنـــى باستهـــزاءٍ قَـــــلَ نظيـــرهُ :وأينَ همْ الرجال ؟"

لقد رسم لنا السّباعيّ أصدق الصّور الإنسانيّة للإنسان العراقيّ إبّان أزمة الحرب التي يعيشها، وتخفّى خلف قصص الآخرين ليقول لنا إنّها قصص العراقيين جميعاً بل إن بعضها هي قصّته هو بشكل أو بآخر وفق صرخته المؤلمة في قصّة"أنا" إذ يهتف بها بألم وفجيعة :" طيورٌ رماديةٌ قويةٌ مهيبةٌ تحلـــقُ في سمــــاءِ الزوراء، متخذةً في طيرانها الانسيابي شكلَ دائرةٍ واســــــــعةٍ كلمــا استمر تحليقُــها كـــانت الدائـــرةٌ تضيـــــــقُ، وكان بينهن طائرٌ واحدٌ ابيضُ رشيقٌ وجميلٌ جــــدا، وَضَعْنَه فــي منتصفِ الدائرةِ التـــي قـــد صَنْعنَهــــا بطيرانهِن .. كـــانَ ذلــــكَ الطائـــــــرُ الأبيضُ أنا ".

أمّا في" مدوّنة الحبّ: فإنّ السّباعي يقدّم لنا الحبّ العراقيّ الكسير الذي لا يفرح قلب به كما يجب بسبب الحرب ومعاناتها، حتى بات هذا الحبّ ليس إلاّ صورة من صور الموت والدّمار والفراق، فيشجي القلب، ويحرق الرّوح، ويحرم من متعة اللقاء والفرح ولمّ الشّمل كما نرى في قصّة" عرس" إذ نقرأ فيها قصة حبّ ترحل مع الموت:" قبـيـل زفافِهما .. عريسٌ ينتظرُ عروسَه أمــام مصففةَ الشعرِ ..تســـودُ شـــارعَ الكــرادةِ فرحةٌ ملونــــةٌ .. بأحــلى الأغــاني والرقصــات .. انفجــرتْ ســـيارةٌ مفخخةٌ .. هــَزَتْ بغدادَ".

وهذا الحبّ قد تشّوه في الذاكرة العراقيّة بسبب الحرب والمعاناة والحصر والقهر والاستلاب، فمسخ ليغدو صورة من أبشع صور الحياة التي تدمي الرّوح كما نرى في قصّة "مشاجرة" :"تشاجـــرَ مـــع زوجتـــهِ ..أرادَ أغاضَتَها .. فقتــلَ ابنَته ذاتَ الربيعين".

إن السّباعي في مجموعته القصصّية هذه قد نجح في أن ينقل إلينا دوار الألم الذي يعتمل في نفسه، ويعيشه في ذاكرته، ويتقاسمه مع العراقيين أجمعين، وعندئذ أخذنا في رحلة جهنميّة مضنية في " مدوّنة التّية" التي تعتّم أرواحنا بملامح حياتنا مستلبة عاشها العراقيّ في تفاصيل حياته المعيشة عبر عقود من الاستبداد، ويكفي أن نقف قبالة صورة قصّة "وجبة" لنصرخ بآهات وجع العراقيين المنكوبين بحيواتهم وأعمارهم وأفراحهم المسروقة":في حديقــــةِ الحيواناتِ الخاصـــة التـــي يملُكهــا عـدي صــدام، يُطْعــِـــمُ الجنـودُ الأمريكيـيــــوُن ثلاثـــةَ أســودٍ جائعـــةٍ نعامــا وغزلاناً حيـةً، أمــا القططُ فتغفـو تحتَ لافتةٍ كَتبَ عليها الجنودُ :

(مـن يُضْبــَط وهــو يعتدي علــى أيٍ مـن حيواناتِنـا، سيكــونُ وجبتهَـا المقبلـــةَ).

وفي هذا التّيه المضني يضعنا السّباعي أمام أسئلة الحيرة ودروب الضّياع إذ يلقي علينا قصّة"غارس"، ولنا أن نأوّلها بما نشاء وكيفما نشاء، والمغزى في وجدان السّباعيّ :"رجلٌ فـــــي عقدهِ السادس، طَفَحَ بــه الكيلُ بعد الحوادث الطائفيةِ الداميةِ عام ألفينِ وستة، جَمَعَ كـلَ صورَ الطاغيــةِ فـي مدينتهِ الطيبة، الناصريةِ الغافيةِ على نهرِ الفراتِ، وقامَ بغرسِها وســطَ سوحِــها وحدائِقها المجدبةِ وخرائبهِا، وراحَ كل يوم يجلبُ الماءَ مـــن فراتها إلـــى صورهِ التي غَرَسَها، وسقاها علـــى أمــلِ أن تُنْبــِت واحــــداً مثـــلَ صـــدام".

أزعم أنّني قرأتُ الكثير من الإبداع القصصّي عند القاص العراقيّ علي السّباعيّ إلاّ أنّ هذه المجموعة قد أكّدت أنّ المبدع قد يتفوّق على نفسه، وأنّه قد يكون في منتج إبداعي ما قد سرق النّار من جبل أولمب الإبداع.ليس من درب نحو هذه المجموعة سوى عبر الإنسان العراقيّ وعبر معاناته التي كست ذاكرته بالخراب والحزن والألم والفجيعة والضّنى، وليس لنا عندما نقرأ هذه المجموعة القصصّية إلاّ أن نقول للسباعيّ:مرّة أخرى قد أبدعت.

 

تشيخوف وغوغول

تشيخوف وغوغول – علمان من اعلام الادب الروسي والعالمي ايضا، وعلى الرغم من ان تشيخوف ولد عام 1860، بينما توفي غوغول عام 1852، الا ان نقاد الادب، وبالذات الادب المقارن، غالبا ما يربطون هذين الاسمين معا، او بالاحرى يربطون اسم تشيخوف باسم غوغول، ويجدون في نتاجاته بعض عناصر التناغم مع نتاجات غوغول، وهذا ما سنحاول الكلام عنه في هذه المقالة الوجيزة .

النقطة الاولى (التي يتوقف النقد الادبي الروسي عندها عادة بشأن موضوعة تشيخوف وغوغول) تتناول الموقف المشترك بينهما بشأن رسم شخصية الانسان المسحوق والمغلوب على أمره والبائس في المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، والذي يترجم بعض المتخصصين العرب ترجمة حرفية من اللغة الروسية الى العربية تسمية النقد الادبي الروسي لهذه الظاهرة بالشكل الآتي – (الانسان الصغير)، وهي ترجمة ليست خاطئة بالطبع ولكنها غير دقيقة ولا يمكن لها ان تعبر تعبيرا صحيحا وشاملا عن المعنى الكامن في التعبير الروسي بالنسبة للقارئ العربي، اذ ان المصطلح الروسي (الانسان الصغير) يعني ذلك الشخص الذي تسحقه هموم الحياة اليومية والذي تجعله خائفا ومرتعبا دائما امام تلك القوى الهائلة التي تسيطر على مسيرة حياة المجتمع بشكل عام، والتي لا يستطيع هذا الشخص ان يقف ضدها او يقاومها او حتى ان يغيٌر واقعها ولو بشكل - ما، وقد ابتدا بوشكين (باعتباره بداية البدايات كما اسماه غوركي) بالكتابة عن هذه الشخصية و رسم تلك الصورة الفنية والواقعية في الادب الروسي في قصته المعروفة – (ناظر المحطة)، ولكن غوغول بالذات هو الذي منحها تلك الروحية والنكهة العالمية والسمات الواضحة المعالم في قصته العظيمة – (المعطف) والتي اعطت للادب الروسي و للعالم باجمعه شخصية اكاكي اكاكيفتش، والذي لا يزال يعيش بيننا و يطرق ابواب عالمنا يوميا لحد الان (خصوصا في بلداننا العربية مع الاسف)، والذي يتحدث عنه الكثيرون في الادب والفن وفي كل جوانب الحياة الاخرى، والذي ارتبطت به تلك الجملة الشهيرة عالميا لدستويفسكي – كلنا خرجنا من معطف غوغول (انظر مقالتنا بعنوان – هل خرج دستويفسكي من معطف غوغول، وانظر كذلك مقالتنا الاخرى بعنوان – هل خرج احمد سعداوي من معطف غوغول؟)، وقد ساهم دستويفسكي بالطبع في الاستمرار بتقاليد الادب الروسي في هذا الشأن عبر روايته القصيرة – (المساكين) وبطلها ديفوشكين، الا انه لم يستمر – كما هو معروف - بذلك بعد رجوعه من الاعتقال والمنفى، اما تشيخوف فقد ابتدأ في مسيرته الادبية بالذات في اطار هذه الموضوعة واستطاع ان يرسم شخصيات فنية جديدة بكل معنى الكلمة في هذا المجال، ومن هنا جاءت هذه المقارنة مع غوغول، واصبح الحديث عن بطل تشيخوف المسحوق حياتيا والمرتعب ابدا امام المجتمع يذٌكر باكاكي اكاكيفتش – بطل معطف غوغول، وغالبا ما يتناول النقاد قصة تشيخوف المشهورة (موت موظف) ويعتبرونها نموذجا لتلك المقارنة ( انظر مقالتنا بعنوان – حول قصة تشيخوف القصيرة – موت موظف)، ونموذجية تلك المقارنة لا تكمن في ان تشيخوف قد حاكى غوغول او كرر موضوعه او كتب تحت تأثيره، وانما تكمن في ان تشيخوف قد كتب قصة خاصة به وبابداعه المرتبط بمجتمع يتميز عن ذلك المجتمع الذي عاش به غوغول، ولكن الرعب الذي يحيط بذلك الانسان المسحوق والبائس والمغلوب على أمره والذي يخاف طوال الوقت (من خياله ! كما يقول المثل العراقي المعروف الطريف) هو الذي أدٌى الى تلك المقارنة، ولا مجال هنا طبعا للاستطراد اوالتعمق بشأن هذه النقطة والتاكيد على ان تشيخوف لم يفكر او يخطط عندما كتب تلك القصة ان يقارنها بقصة غوغول المذكورة، بل انه كتبها عندما كان طالبا في كلية الطب بجامعة موسكو ونشرها في مجلات فكاهية من الدرجة الثانية كما يسمونها، ولكن النقاد وجدوا فيها (بعد مرور فترة طويلة من الزمن طبعا) هذا التشابه والتناغم واجواء المقارنة مع غوغول. ولم تقتصر هذه المقارنة بين تشيخوف وغوغول على هذه القصة القصيرة فقط وانما شملت مجموعة عديدة اخرى من قصص تشيخوف ايضا كانت تدور حول تلك الشخصيات الخائفة والمرتعبة ابدا في اطار ذلك المجتمع، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر قصة (البدين والنحيف) المشهورة ايضا او قصة (الحرباء) اوغيرها من القصص الاخرى المعروفة، وعلى هذا الاساس اصبح لتشيخوف مكانة خاصة في هذا المجال، مكانة تذٌكر بموضوعة غوغول ولكنها تتميز عنها وتحمل في طيٌاتها خصائص تشيخوفية – ان صح التعبير – تنعكس في البنية الفنية لتلك القصص القصيرة ورشاقتها في المضمون والشكل، والتي تعد خطوة جديدة بكل معنى الكلمة في مسيرة الادب الروسي . وهناك نقطة اخرى يتحدث عنها النقاد في مجال المقارنة بين غوغول وتشيخوف وهي تلك الروحية المرحة والساخرة والتي تؤكد على عنصر الفكاهة والنقد الساخر الذي يثير الابتسامة وحتى الضحك ولكنه يبقى طبعا مغلفا بنبرة الحزن وسماته في نهاية المطاف، وهذه النقطة توحد بين غوغول وتشيخوف بشأن تصويرهما لمعاناة الشخص المنسحق اجتماعيا والبائس هذا، وهو ما يميزهما (اي غوغول وتشيخوف) عن بوشكين ودستويفسكي، اللذان كتبا حول هذه الموضوعة كما اشرنا في اعلاه، الا اننا لا نجد عندهما استخدام عنصر الضحك والسخرية المرحة تلك. وكما كان تشيخوف متميزا عن غوغول في طرحه لذلك الشخص البائس، فانه كان متميزا ايضا بروحية الفكاهة واستخدام عنصر الضحك هذا . لقد استقر تقريبا مصطلح – (الضحك عبر الدموع) في تاريخ الادب الروسي وارتبط بغوغول قبل كل شئ، ولكن هذا المصطلح لم يقترن بتشيخوف ابدا، رغم ان نتاجات تشيخوف كانت تثير طبعا الضحك ايضا، ولكن ضحك تشيخوف لا يمر عبر الدموع – ان صح التعبير – وانما يثير ابتسامات هادئة وتعاطف انساني وتأملات فكرية عميقة، وحتى عندما يصل تشيخوف الى نهاية تراجيدية لبطله (مثل موت موظفه رعبا وخوفا لانه عطس ليس الا امام ممثل تلك القوى التي كان مرعوبا منها في ذلك المجتمع) فان القارئ لا يذرف الدموع لان تشيخوف يعلن عن ذلك في صيغة سريعة وحاسمة لا تتعدى بضع كلمات ليس الا، بحيث ان القارئ يندهش ويفغر فاه ويصاب بالدهشة وسط ذلك الجو المضحك لدرجة لا يتمكن ولا يستطيع ان ينتقل الى اجواء اخرى وبهذه الوتيرة السريعة كي يصل في هذه الاثناء الى البكاء والدموع، ويبدأ هذا القارئ باستيعاب تلك المأساة بعد الانتهاء من القراءة وفي لحظات التأمل التي تتبع تلك القراءة، وربما يمكن القول ان عظمة الفن القصصي عند تشيخوف تكمن بالذات في هذه البنية الفنية الرشيقة وتلك اللمسات السريعة، التي تشد القارئ وتضطره ان يبقى في تلك الاجواء حتى بعد الانتهاء من القراءة، يبقى وهو يفكر ويتأمل!! .

هناك عناصر عديدة اخرى طبعا يتحدث عنها الباحثون في هذا المجال و نقاد الادب بشان المقارنة بين النتاجات الابداعية لكل من تشيخوف وغوغول، ومنها مثلا تلك اللوحات الرائعة الجمال التي رسماها بالكلمات للطبيعة الروسية في نتاجاتهما، وهذه النقطة واسعة جدا و تتطلب – بلا أدنى شك - مقالة مستقلة بحد ذاتها كي تحدد ابعادها، ونتمنى ان تسمح لنا الظروف بالعودة اليها لاحقا .

رواية "على أبواب بغداد" .. رهبة الحَدَث وغرائبية السرد

amir hushamتحسن مجلة "دبي الثقافية" عملاً وهي تصدر مع عددها الشهري كتابا لقرّاء المجلة، فها هي في العدد الصادر في أيلول/ سبتمبر ٢٠١٤ قد أصدرت رواية الكاتب والسينمائي والمسرحي العراقي قاسم حول لتكون بعتبة نص "على أبواب بغداد" وبتعريف مختصر تحت العنوان الرئيس يقول أنها " رواية عن الحرب على العراق تدور أحداثها في نيسان/ أبريل ٢٠٠٣". وقد أهدى المؤلفُ روايته الى المصوّر المبدع ماجد كامل.

وقاسم حول مخرج سينمائي أديب مسرحي، له في القصة القصيرة مجاميع صادرة قبل زمن، ولكننا لم نقرأ له رواية من قبل، وعلى ذلك فهي روايته الأولى التي مهّد لها تعريفا وتوطئة بصفحة واحدة عن أبواب بغداد في التاريخ، فأشار الى الباب الشرقي، وباب المعظم، وباب الدروازة وأبواب أخرى.

ومن حق المؤلف العراقي أن يكتب عن حرب مرّ بها وطنه وما زال. وقل هي حروب وليست حربا واحدة، فإذا كان الروائي الفرنسي الفائز بنوبل الآداب لهذا العام باتريك موديانو ما يزال يكتب رواية الحرب متأثرا بالحرب العالمية الثانية وما جرّته على مدينته باريس، فما بالك بالكُتَّاب العراقيين وهم عاشوا ويعيشون أزمات حرب تشكلّت وتنوّعت وعانت منها مدنهم ما عانت؟.

 

على أبواب بغداد والسرد بلغة السينما:

وكل روائي لابد له من أن يتأثر بواقعه ومعايشته ومعاناته، وقاسم حول سينمائي يتعامل مع كاميرا وممثلين وسيناريو ومونتاج، وهكذا أختار الشخصية الرئيسة في الرواية لتكون شخصية عبد الله ( والكل هم عُباد الله) مصورا سينمائيا محترفا، عاشقا لكاميرته كأنها بعض معيته. وهو عندي مثل المصور الحربي سيسيل بيتون والذي أنطق الصورة لوحات معبرة عن الحرب العالمية الثانية من الجبهة البريطانية. ثم أن عبد الله العراقي الشخصية في رواية قاسم حول لا يكون إلاّ الأبن الوحيد لعائلته حيث توفي الوالد بدواء مغشوش في فترة الحصار على العراق في التسعينيات من القرن الماضي، وفُقِد أخوه في حرب ضروس بين العراق وإيران في الثمانينيّات.

ويعرف القاريء أن أم عبد الله تريد أن يتزوج أبنها ولكنها معاناته الشخصية وشحة راتبه مما يمنعه من ذلك فيبقى وحيدا. ولكنه مع كاميرته التي راح يركب المخاطر ممسكاً بها وهو يرى في جبهة جنوب العراق تقدّم قوات التحالف لغزو بلده وأحتلاله، فيشمّر عن ساعديه مصّورا بكاميرا الفيديو ما يعتقد أنه مما يمكن بثّه عبر قناة تلفزيون وطني لم تعد موجودة عبر الأثير...   "صعدوا في سيارة البيكاب وتوجهوا نحو معسكر عبر الزبير. حمل عبد الله كاميرته وأصرّ على الذهاب معهم".. فأذن يبقى عبد الله الشخصية المحورية في الرواية والمعادل الموضوعي الدلالي للشعب النقي الذي لا يمكن أن يخون نفسه.. " لم يفكر عبد الله يوما في الموت .. لم يخن الحياة يوما.. لم يخن الوطن يوما.. لم يخن نفسه يوما في قيمها وصفائها.. شخصية رومانسية وحالمة.. وقد خسر الكثير على المستوى الشخصي بسبب أحلامه ونقائه"..

وتتناوب شخصيات قليلة أدوارها في الرواية ضمن الفضاء الذي يشمل ساحة الوطن العراق كله، ليكون الملازم سهيل صديق عبد الله صوت ميدان المعركة حين يشتّد سعيرها ولظاها، ومثله العريف عبد القادر. وليكن جيمي وفرقة الماء الأسود أو البلاكووتر وبندقية الأم سكستين منفذ الراوي لمحاكمة الآخر الغازي، وليكن الصبي بائع البنزين بطل لقطة سريعة داخل الرواية يذكّر القاريء من خلالها بأن " كل العراقيين يموتون بدواء مغشوش ويستشهدون في حروب مجانية؟!.." ومثله ذاك الصديق الصيدلي الذي يثير من خلاله الراوي موضوعة الحرب والبيئة وإنتشار الأمراض الغريبة في الوطن. ولتكن شخصية منيرة تلك الفتاة التي أراد يوما أن يرتبط بها، فإذا هي الحلم الذي لم يتحقق حيث تذكر في حكمها عليه " لو أردت الأرتباط بك كزوجة فعليك أن لا تكون مصوّرا على الجبهات.. لقد صورّت كثيرا على الجبهات، فقاتل على جبهة القلب يا عبد الله".

 

رواية الحرب العراقية:

وهكذا يسرع السردُ وتأخذ فصول رواية " على أبواب بغداد" أرقاما تساير رحلة زمن تنمحي المسافات فيه وتضيع في خضم رائحة البارود والموت القادم، فتضيع من عبد الله الكاميرا وتصادر، الاّه ذاك الشريط الوثائقي الذي تمكن من أخفائه عن العيون حتى اذا ما أراد بثه وجد نفسه في بناية الأذاعة والتلفزيون وهي خالية إلاّ من موظف أرشيف ظَنّه أنه سينقذ أشرطة المذيعين والمطربين والمبدعين العراقيين من مكان سيقصف بعد قليل ويضيع كل شيء حيث بقي عبد الله مذهولا في مكانه وكأنه في يوم القيامة. وها هي شخصية الأم.. أم عبد الله التي تبقى محور الرواية وهدف السارد منذ البداية حيث يفتقد الأم وهو البعيد في جبهات قتال.. وتفتقده هي.. وحيدة تصارع رهبة القصف الجوي حتى يبتدع الروائي تقنية الحلم بناءا وتعدد المصائر والنهايات أسلوبا (وهو المخرج السينمائي) فيلّف نهاية الرواية غموض هو مقصود بحد ذاته، إيحاءا بغموض وغرائبية مستقبل بغداد وبواباتها. فهل فارقت أم عبد الله الحياة ؟ أم أنها أصبحت أيقونة بغداد وأصبح بيتها مزارا يبحث فيه الناس عن بركات أفتقدوها؟.. وبذلك تتيح تقنية مزج الضمائر (ضمير المتكلم والغائب والمخاطب) للراوي العليم، الحكي المفتوح على التفصيل والتفسير الموجز لما صار عليه الوطن ولما سيصير عليه أسبابا ونتائجا.

ورواية " على أبواب بغداد" بعد ذلك تعتبر رواية حرب عراقية تناولت ظرف غزو العراق من خلال عيون مصوّر تلفزيوني عاش الحرب بكاميرته وأثار أسئلة عن أسبابها ومآسيها. فهي ليست رواية حرب تقليدية يخوض شخوصها المعارك بأسلحة معروفة. كما أنها -أي الرواية-،تعرض لما جرى في نيسان ٢٠٠٣ وبشيء من التقريرية والتسجيل والتوثيق أحداثا، فكانت اللغة سريعة واضحة بسيطة لا يعتريها الغموض ولا تصعب معانيها وتعبيراتها على القرّاء.

ولقد أحسن مصمَّم الغلاف بأن وضع صورة فوتغرافية نشرتها وكالات الأنباء العالمية حينها عن قصف قوات التحالف الغازية العاصمة بغداد، حيث طغى على الصورة لونا أحمرا ودخانا كثيفا، ملأ الجانب الأيمن منها ليأتي العنوان صارخا..."على أبواب بغداد".

 

عامر هشام الصفّار

 

فيكتور هوجو الفلسطيني "علاء نعيم الغول" يغرق بين اللغة وصياغة الشعر الحديث في ديوان "قصائد العشق المائة"

hadla alkassarفي جلسة مبادرة تحت الطبع التي نظمها مركز غزة للثقافة والفنون يوتوبيا وجالري غزة، أرحب بالحضور الكريم كما أرحب بالزملاء الشاعرة ديانا كمال، والشاعر علاء نعيم الغول، واشكر المسئولين لنيل شرف مشاركتي هذه الجلسة لألقي برؤيتي حول أوراق " قصائد العشق المائة" للشاعر علاء الغول الذي أثار ذائقتي بأسلوبه غير مألوف على الساحة الشعرية، ضمن متطلبات شروط النهضة الأدبية في نتاجه الأدبي، المكمل لمسيرة أشهر شعراء الشرق والغرب الذين ما زلنا نستشعر بوجودهم.

ولأنني ببساطة أعتبر نفسي من هذه الأسرة أردت من خلال رصيدي المعرفي وتجربتي البسيطة في الشعر والنقد، أحاول ترجمة أو تقييم وليس "تفكيك " بعض من مائة قصيدة من الجنون الطري / من العتاب والصواب/ من الشغف المخبئ في نصوص تنحني على أريكة عطاءات الشاعر وقدسيته الروحية، والصوفية، في إحقاق الرغبة دون تكلف أو عناء أو ما شابه .

دعوني أولا أن ألبي دعوة أوراق الشاعر التي وجدنا فيها الكثير من الأساليب المختلفة وغير السائد على وجه التحديد .

وبعد ذلك سنتوقف عند بعض النقاط التي نريد أن تستوضحها من الشاعر علاء الغول، من الناحية المعرفية والعلمية، وتقنيات أسلوب الحداثة /والتجديد في تكنيك النصوص التي قد نختلف عليها، أو نتفق بعد تشريح رؤيته وقناعاته، وربما نترك الأمر مفتوحا لنرى مدى استيعاب المتلقي .

لعلنا نصل إلى ما يفتح شهيتنا للبحث عن تلك التقنيات والصياغات المهجنة والمستحدثة .

وبما أن النصوص عامة كالإنسان لها تغيرات، الثوابت والعوامل وتطورات، كما في الشعر له أجناس متنوعة ذات أبعاد ومستويات وأصوات متعددة، ومزايا ومتغيرات، بالطبع لا ريب في ذلك طالما بقي داخل الجنس الشعري الواحد حتى لو حدث فيه تصنيفات وتحديثات مغايرة، وهذا لا يمنع أيضاً من أن يكون للشاعر دورا في التحولات التي تطرأ على بنية هذا الجنس الشعري الحديث الذي يطرح أمامنا نموذج راقياً .

لذا نقول أن لكل نوع من الشعر له هيئته الخاصة من الخارج والداخل فهو يبني صفاته وملامحه الخاصة كما في أوراق الشاعر علاء الغول، الذي حمل في ثقافته المخيلة الخصبة الممتلئة بضجيج حكايات يومياته المحمومة، لتظل كوثائق أدبية أو شذرات مرسومة على جدران الشاعر الذي يدق القلم فوق أوراقه لتنبت حباً وصفاء في أبداع " قصائد العشق المائة "، حيث لاشيء يلهيه عن همس التلاحم بهرمون الحياة ألا وهي " الأنثى " التي منحته البحث المتواصل عن شيء عالق بين السماء والأرض، في صور مفعمة بالرموز والدلالات، في ذهن الشاعر، الأشبه بعقل الفرد الذي يتلقى الوحي من مؤثرات قديمة وحديثة، لينسج موال مفرداته الكاشفة أدق تفاصيل فضاءاته الغنية يمنظومات البوح والصور البلاغية، من خلال تفرده في أوراق العشق الروحي .

يتمتع الشاعر بقدر كبير من التراكيب االكونية المختلفة، والصياغات القائمة على البحث عن جوهر الحكمة في علوم الغرب والشرق، من خلال استحضاره المترصد لجميع اتجاهات الحركة الأدبية، التاريخية، من اجل تطوير تجربته التي مكنته من اكتساب ثقافة العالمين، ابتدءا من صياغة نصوصه "اللولبية أو الدائرية" التي لا تنتهي عند آخر كلمة من السطر الأخير، بل يمكننا أن نأخذ من كل نص الكلمة الأخير، ونضعها قبل الكلمة الأولى من كل نص لنجد أنفسنا نعيد قراءة النص من حيث انتهى دون نهاية .

من هذا المنطلق نقول أنه ليس مهماً أن نكتب شعراً موزوناً، أم منثوراً، وغيره من التصنيفات، المهم أن نحقق التوازنَ بين اللغة المتماسة بعناصر الكلمة الملموسة بالإحساس الصادق و دفء المشاعر المتأرجحة بين الثقافة العلمية وتقنيات المعرفة كما أبدع الشاعر علاء الغول ... الذي وضع المعاني في جدليات تدخل بين الهمس والهمس، وبين الروح والروح، حيث تتوالد لحظات الشاعر السكونية الخافتة لتنساب كهمس يعطي الشفاه حياة من رحم الأسارير، إلى أن يمر منها ضوء القصيدة كلحظات الولادة المبهرة .

وهكذا يسعى الشاعر للبحث في أنواع الأدب الشامل، ثم يغربل التشابه ما بين الماضي والحاضر وبين الرجل والمرأة، بما أن المرأة هي مربط فرس الخيال، بعد أن جمع أشكال الروايات التاريخية وتفاصيل الحكايات الأسطورية، التي تضع الأنثى في قالب جميل .

وكأن الشاعر برغب في أن يعود به الزمن إلى عوالم الحب الروحي في قياس لذة الألم، حيث يستحضرنا في هذه اللحظة "الشاعر الاسباني لوركا " الذي اغتيل تحت شجرة الزيتون، وهو يتغنى بهوى غرناطة......، كما في انهماك الشاعر، بتدوين كل ما يتعلق يومياته العاطفية ضمن تجربة شعرية ممزوجة بماء واللاهوتية والصوفية، باللاوعي مما ساهم في قولبة الأدب الشامل، الذي كان فيما مضى يمثل لغزاً .

لنكتشف زوايا نصوصه .... وطرقه المحملة بأدوات الوصف والتحليل والتفسير، والتخيل، والاستشهاد، والتناقضات، في ثقافته التي وضعت في رسائل "قصائد العشق المائة"

إلى أن تحول هذا العشق الكوني لدي الشاعر " كهوس الرضيع كلما لامس بنانه مصدر عطر الحبيبة" يذهب في قدسية قصائده الساخنة، حيث يترك للقارئ اكتشاف جوانب ما يخبئه في هذه الأوراق التي تحمل الشكل الشعري الحديث والعصي، الذي يعمل عليه الشاعر بطريقة منفردة .... فمثل هذه العلوم لم نجدها إلا عند القلائل من المبدعين،

لذا وجدنا أن الشاعر يسير داخل نصوصه كالمد والجزر يبحر في الوجدانيات والإنسانية، والعظمة والزوال/ النفور والعدم / الرغبة والألم / الزمان والمكان، والتناقضات في مركبات الحياة ومنغصات الصراخ / ودهشة العالم الذي يتأرحج بين الحاضر وارث الروايات الرومانسية المسكونة في قلب الشاعر ليصبح كشتاء الربيع في مشاعر أفرزت مائة قصيدة دون أن يقطع الحبل السرة بينه وبين ما ستنتجه الرؤية فيما بعد .

في النهاية نعود إلى ما استوقفنا في نصوص الشاعر علاء الغول، أقول لكم وبصراحة، في البدء أربكني أسلوبه الذي يقال عنه النص " المدور" غير المتداول على الساحة الشعرية إلا فيما لا يذكر حسب بحثنا للتأكد من مصدر "السيد جوجل" لنكتشف أن النقد لم ينفرد بشكل واسع لمثل هذا النوع من النصوص، وربما لم يلفت نظر المثقف بشكل ملحوظ .ان هذا التخمين أتى بناءاً على محاورات طرحت بيننا وبين بعض الزملاء الشعراء بطرق الدردشة والنقاشات بشتى أنواع الشعر في الأدبين. وهذا ما وضعنا في دهشة التساؤل والتعجب والاستغراب بشكل متوازن

أما بالنسبة لمشاهدة النص للوهلة الأولى فهو يوحى أن بين أيدي القارئ نص سردياً أو قصاصات قصصية... بما أن شكل الأسطر الطويلة ليست مألوفة من ناحية الشكل حيث تتراوح كلمات كل سطر ما بين أثنى عشر كلمة وستة عشر، وهذا يدل على أن تلك النصوص الحديثة تحتاج أكثر من قراءة وتأويل للدخول إلى ما يرمي إليه الشاعر بهذا الأسلوب الحديث، لعل شاعرنا أراد أن يقول للمتلقي إن الشعر المعاصر ليس بعيداً عن تقنيات وطرق شكل القصيدة الحديثة .

إذ نكتفي الآن بهذه اللمحات لنترك للشاعر أن يقرأ لنا بعضاً من نصوصه ثم نعود لنستكمل ما فاضت به أغنيات رسائل " قصائد العشق المائة" .

وان قصدنا من هذه الرؤى أن نورد بعضا من تجربة الشاعر علاء الغول، الذي جمع صوره الكلاسيكية، في رسائله وذهب إلى عنفوان الحب العذري وعقاب الآلهة وملحمة الأقدار باحثا عن صوت مختبئ في ماضي من لوح الوسائد المزخرفة /من ترانيم قصائد العشق لينــقش صخرا جلس عليه ديجور " قلبان على ضفة ورمل" قصيدة :

الذي هو في الواقع نداء من الأعماق نابع من أغوار القلب الذي يدق العشق كالرهبان بانتظار أن تشرع مراكب تفيض بلحظات البوح بالكلمات متعبة / تحمل الوصال / تفتش عن صهيل العشق /يكتبه على حجر القلوب / يبحر راضيا مستسلما لإناء الحبيبة.

هو في الواقع نداء من الأعماق نابع من أغوار القلب التي مست جنون "قلبان على ضفة ورمل"

قلبانِ على ضفةٍ و رمل

لنا قلبانِ من حبقٍ و خَوْخِ الصيفِ يقتسمانِ هذا البحرَ و الرملَ

البعيدَ و سوسناتِ الليلِ أنتِ بعيدةٌ كالطيرِ تقتربينَ من عيَنَيَّ ضوءاً

في مرايا الانتظارِ و لستُ أعرفُ ما يخيفُكِ هادىءٌ هذا الهواءُ و في

الصباحِ تكونُ رائحةُ المسافةِ بيننا شتويةً و على نوافذِكِ التي لا تنتهي

تقفُ السماءُ بلونِها العفويِّ أنتِ كما تقولُ الطيرُ تختبئينَ بين فراشتينِ

و تسبقينَ الوقتَ حين تدقُّ ساعاتُ المساءِ بأمنياتٍ إنْ تحققَ نصفُها

سيصيرُ هذا الفلُّ أكبرَ و الحياةُ بطعمِ شفتَيكِ اللتينِ أسأتُ في تفسيرِ

معنى الإقترابِ من اللهيبِ عليهما و أنا أصدِّقُ فيكِ ما كذَّبتُ قبلَكِ في

أغاني الحبِّ و الوجعِ المسطٌرِ في رسائلَ لم تصلْ للعاشقينَ و هم قليلٌ

أينَ أنتِ الآنَ يا وهمَ المسافرِ و انهيارَ الثلجِ فوقَ سفوحِ قلبٍ مُتْعَبٍ لا

تعرفينَ لِمَ احتضنْتُكِ أغنياتٍ و اتَّبَعْتُ النهرَ خلفكِ ضفَّتينِ من البنفسجِ

مَنْ أنا يا آخرَ الترفِ الشهيِّ و مُنْتَهى الحلمُ البريءِ و رغبتي في

ساعتيْنِ بدونِ أسئلةٍ و أجوبةٍ مِنْ أين جئتِ و لم أكنْ قد جئتُ كي

أعطيكَ قلبي دقَّةً من قلبِها و أنا البعيدُ كما تَرَيْنَ و لستُ أعرفُ أينَ أنتْ.

السبت ١/٣/٢٠١٤

أما نص مدينة بين قلبك والبنفسج المفعم بالمشاعر الدافئة والأحاسيس المراهقة / وهي النداء والعتاب /وما يشتهيه التباس الروح في مسافة نافذة تاهت في زهد الحبيب .... نص محمل بكثافة التعبير ورنات الشاعر اللغوية الخاصة به لنجد أنفسنا أمام الشاعر البلجيكي " فكتور هوغو

" الذي ظل يبحث عن استقراره العاطفي في فتاته إلى الأبد :

 

مدينةٌ ما بين قلبِكِ و البنفسج

قَدَرُ الغريبِ مسافةٌ و معابرٌ مفتوحةٌ يا هادىءَ القلبِ

احترسْ مما توارى خلف هذا الظلِّ خلفَ تشققاتِ الحلمِ

و الليلِ المعلقِ في شفاهِ الحبِّ إذْ أنتِ المدينةُ حين تتركُني

أفَتِّشُ عنْكِ في نيَّاتها و توقعاتِ العابرينَ على رصيفٍ ضيِّقٍ

و أنا أريدُكِ شارعاً تشتدُّ فيه الريحُ حتى نلتقي عند النهايةِ

دافئَيْنِ و مُتْعَبَيْنِ و في الممراتِ المليئةِ بالبنفسجِ قد نرتِّبُ مقعدينِ

من الهواءِ و نقتفي أثرَ الغيومِ و نعتلي ظهرَ القرنفلِ أنتِ هاربةٌ

إلى الدنيا التي في رأسِ ذاكَ النبعِ تغتسلينَ بالنوَّار تحتَ الشمسِ

تقتربينَ من ريشِ الإوَزِّ و تعبرينَ النَّهْرَ ممسكةً بلونِ المِسْكِ أنتِ

هنا و لا زالَ الفَنَارُ هناك يحفرُّ ضوْءَهُ في الموجِ كي تبقى المرافىءُ

مخبأً للطيرِ يا تلكَ التي في قلبِها احترقَ انتظاري تحتَ نافذةِ

المساءِ و بعد عامٍ آخرٍ سيصيرُ هذا البابُ أوسعَ لاجتيازِ مدينةٍ

مدفونةٍ في الوهمِ و الخوفِ القديمِ و أشتهي عَيْنَيْكِ حينَ يلوحُ

لي هذا الصباحُ بأغنياتٍ لا تساومُني على قلبي و ذاكرتي.

الإثنين ٣/٣/٢٠١٤

كما في نص أول السفر وآخر العبث يحلق الشاعر دون أن يتوقف / يلعن العتاب / يبحر في مسافة الغياب / فيما الأمازون يروي اسماك الشوق من ريق عاشق ب " أول السفر وآخر الغيث :

أول السفر و آخر العبث

لكِ أنْ أحبَّكِ لا شروطَ تقرِّبُ الشفتينِ من عنقِ الوسادةِ و الوسادةُ

وردةٌ أخرى تشي بالعطرِ حينَ يضمُّكِ الليلُ الشهيُّ و ترتخي منكِ

الضفائرُ فوقَ قَدٍّ من رقيقِ العاجِ تصلُ النهرَ قبلَ تساقطِ النوارِ

عن جفنِ الصباحِ قليلةٌ فرصُ الحياةِ و غامضٌ هذا المكانُ و أنتِ

بينَ القلبِ و الورقِ المبعثرِ في هواءِ لا يغادرُ ما أفكِّرُ فيه لا أحتاجُ

من عمري سوى هذا الفراغ و أنتِ فِيهِ كشاطِىءٍ يمتدُ فيَّ بلا حدودٍ

يأخذُ الموجُ العنيدُ الريحَ من أصدافِهِ و أنا أراكِ تمشِّطينَ الضَّوْءَ في

شمسٍ تغيبُ نقيةً مما يُسيءُ و في الطريقِ إليكِ وجعُ الانتظارِ و كلما

فتَّشْتُ عن نفسي أرى وهجَ النهايةِ واضحاً و كما تَرَيْنَ أنا وحيدٌ

أكتفي بفراشةٍ لا تعرفُ المعنى الخفيَّ لدقةِ القلبِ الثمينةِ ثمَّ ألهو

تاركاً وجهي بسيطاً في مرايا أيقنتْ أني أحبُّكِ دونما قلقٍ على

طولِ الرسائلِ و التعلقِ بالذي قد لا يُحَقَّقُ لا يهمُّ ففي الحياةِ

تنازلاتٌ لا تعيقُ العيشَ و الفرَحَ المخبأَ في ابتساماتٍ على

شفتيكِ يا أوَّلَ السفرِ الأخيرِ و آخرَ العبثِ الذي لا بُدَّ مِنْهْ.

الثلاثاء ٤/٣/٢٠١٤

إلى أن يذهب الشاعر علاء الغول دون تردد إلى قياس المسافة المضيئة حيث المسافة ابعد من ضوء الأنا الحاضرة والانا الهائمة في الضفة الأخرى التي تحضن الأنا المتخفية والانا الهاربة من الأنين الخافت:

المسافاتُ المضيئة

أحتاجُها و تغيرت هذي الحياةُ و لم يُغَيِّرْني المكانُ و صارَ

لي في قلبِها ما لم أجِدْهُ غداةَ قالَ لي الحمامُ سنحتمي في قلبِها

مما نخافُ أنا و أنتِ هنا لنهربَ من قيودِ الوقتِ و الجُمَلِ المريضةِ

بالترددِ و الحياةُ توقعاتٌ و انتظارٌ لا يجاملُ حينَ أغفو أنتشي

بالطيفِ منك يلفُّني بدثارهِ الورديِّ يحملني بعيداً حيثُ أنتِ

و مغرياتُ الإلتفافِ على الحقيقةِ كي نرى ما لا نراهُ على مَرايانا

القديمةِ من شحوبٍ مُقْلِقٍ أصحو على صوتِ الهواءِ يذوبُ في أُذُنَيَّ

همساً منكِ يسري في دمي دفئاً يذيبُ الثلجَ عن عُشبٍ تحدَّى الريحَ

معترفاً بأنا مثله نستقبلُ الشمسَ الجميلةَ ممسكَيْنِ ببعضِنا كي نعبرَ

الضَّوْءَ المفاجىءَ سالمَيْنِ من السؤالِ و أنتِ لي كزجاجةِ العطرِ الأنيقةِ

تأخذُ الروحَ النقيةَ للسماءِ المستفيضةِ بالنقاءِ و زهوِ أيلولَ الطليقِ على

تلالِ العُمْرِ يا عمري الصغير هنا أنا متناثرٌ و هناكَ أنتِ بقيتي و القلبُ

ذاكرةُ المسافاتِ المضيئةِ و اتهاماتُ المخاوفِ مَنْ أنا مِنْ غيرِ نبضِكِ يا

بداياتِ المواسمِ و انتهاء الموجعاتِ على طريقٍٍ سرْتُ فيه إليكِ عنْ عمدٍ.

الاربعاء ٥/٣/٢٠١٤

أما نص شهية الألم والصيف ونص " تحيات رقيقة"

يجتمعان على زوال معاتبة الأحباء الذي يطويهم الورد بعد ارتخاء سيفً يبحث في نقاط كلمات وضعت في إطار جميل وراقي .... ربما بات الشاعر متعب من همس الحروف التي لا تغادر مرآة ظل الآخر :

شهيةُ الألم و الصيف

هما يومانِ كانا لي و كانا مفعميْنِ بطعمِها الشتويِّ رتبتُ النهارَ

لها و كان الليلُ يشبهها و يدفعُني لفتحِ شهيةِ الألمِ الذي يُغري

الشفاهَ بما يزيدُ الموجَ ملحاً و القلوبَ توقعاتٍ لا تريحُ و لم أجربْ

بعدُ وَقْعَ الأغنياتِ بدونِها و أنا الذي أعلَيْتُ سقفَ الأمنياتِ لكي

أعيشَ على احتمالاتٍ تغيرُ من تفاصيلِ الحياةِ بلا مقاومةٍ كما

أني أحبُّكِ مدركاً كم في العيونِ تأملاتٌ لا تناسبُ ما تقيِّدُنا

الحياةُ به ادعاءً للحفاظِ على ثوابتَ غير ثابتةٍ دعيني أرسمُ

اللَّوْنينِ فوقَ الوردِ لونَ النارِ في قلبيِ الصغيرِ و لونَ عَيْنَيْكِ

البريءَ كصورتي أيامَ كُنتُ مُهَدَّداً بالإنقراضِ على حدودِ روايةٍ

مكتوبةٍ بحوافرِ الخيلِ السريعةِ أنتِ آخرُ صدفةٍ و نهايةُ النبضِ

البطيءِ و ما يليقُ بما اتفقنا أن يكونَ بدايةً و تساقطت أوراقُ

هذا الظلِّ أسرعَ و انتهى اليومانِ لكن لا يزالُ الوردُ أجملَ تحتَ

شُرفتكِ التي مرَّ الصباحُ بها قديماً و ارتخى في شمسها صيفاً

و عُدْتُ الآن أبحثُ عنْكِ في نُقَطٍ تلتْ كلماتِ آخرِ جملةٍ في البوْحْ.

الخميس ٦/٣/٢٠١٤

تحياتٌ رقيقة

هي صفحةٌ من سِفْرِ هذا القلبِ لا تُطْوَى و كُنتُ متى أرى

طرفَ الطريقِ أزيدُ في ترتيبِ ذاكرتي لأعرفَ أينَ كُنتُ و ما تبقى

و الحقيقةُ أنها تَرَكَتْ مكانَ الوردِ نَهْباً للهواءِ المرِّ يعبثُ بي على مرأى

من البحرِ الذي أحبَبْتُهُ كُرْهاً و قلتُ لها دعينا نسرقُ الوقتَ القليلَ من

المفاجأةِ الأخيرةِ و ارتأتْ أنْ تقسمَ القلبَ الصغيرَ لشارعينِ تفرقا عِندَ

البدايةِ و البداياتُ الجميلةُ لا تدومُ كما التحيات الرقيقة في عيونِ

العابرينَ و لا أرى بداً من التصديقِ أني أفقدُ الأحبابَ قبل دقائقٍ

من أيِّ وعدٍ و الوعودُ تنازلاتُ القلبِ حينَ يكون هذا القلبُ أضيقَ من

سماءِ الصيفِ ما أخشاهُ أني لا أجيدُ الاحتفاظَ بصورتي في صَفْوِ

مرآتي طويلاً لا أرى نفسي كثيراً و هي تبعدُ كل يومٍ خطوتينِ عن

القرنفلةِ الوحيدةِ فوق نافذةِ انتظاري و انتظرتُ بما يبررُ كل هذا

الخوفِ لا أدري متى سيكونُ لي هذا الفراغُ الحرُّ لا أحتاجُ تفسيراً

يلوثُ من بياضِ الانطلاقِ بلا حدودٍ بين ذراتِ البدايةِ و النهايةِ ناسياً

أن الطريقَ ستنتهي و أنا أحبُّكِ لا لشيءٍ بل لأن الشمسَ أوضح من بعيدْ.

الجمعة ٧/٣/٢٠١٤

 

ثم يعود ويذهب بنا الشاعر في اليوم في 8/3/2014 إلى صوفية الذاكرة في أغنيات صاخبة ليعود إلى شكل مساحة اقتراب القلب من مخيلة لا تضعف قلباً حاضرا في نبض الحبيب الغائب من الصباحات العليلة . .

 

أغنياتٌ صاخبة

هرَّبْتُ ذاكرتي بعيداً عنْكِ كيلا تعرفي ألمَ انتظاري و التعلقَ

بالوراءِ و ما سيأتي و اكتفيتُ بأنْ وجدتُكِ لا لشيءٍ بل لأني

مرةً أخرى أرى وجهي على مرآةِ قلبكِ حاملاً ما لم تُفَسِّرْهُ

ابتساماتٌ أجيدُ الاختباءَ وراءها من ضعفِ قلبي و احتميتُ

كما تَرَيْنَ بدفءِ عَيْنَيْكِ اللتين أصابتا مني الكثيرَ و لم أعُدْ

متساهلاً مع لذةِ الجملِ التي في البَوْحِ أعرفُ مَنْ أنا و متى

وجدتُ على شفاهكِ كل هذا الضوءِ لا أدري متى سنكونُ

مختلفينِ عن هذا المكانِ و عن رداءةِ ما تقدمه الحياةُ هنا

لنحيا هادئَيْنِ بلا اشتراطاتٍ و خوفٍ لا يراعي ما تريدُ الروحُ

نسرقُ من دقائقِنا القليلةِ فرحةً ليست تريحُ و غالباً لا بدَّ من

شيءٍ نفرِّطُ فيه كي نُرْضي به مَنْ ليسَ يعرفُ ما نحبُّ و ما

نريدُ و نكتفي بالاحتراقِ كما الفراشة حول نارٍ لا تراعي كم

بنا من حاجةٍ للدفءِ قاتمةٌ مرايا الخوفِ و الأوقاتُ مسرعةٌ بنا

نحو الذي لا بدَّ منه و سوفَ نعرفُ كم بنا من أغنياتٍ صاخبةْ.

السبت ٨/٣/٢٠١٤

 

وفي 9/3/2014 لم يكتفي الشاعر بجوجلة تبريرات الذات الحاضرة بضمير الموقف فاستكملها بنص آخر بعنوان "مكان واسع" هما نصان يحملان الصوفية الممررة بأحلام اليقين المتأرجح بين ما له وما عليه

تقولُ عنْ عيْنَيْها

عينايَ ذاكَ البحرُ حين تكونُ ذاكرةُ الموانىءِ غير كافيةٍ

لتدوينِ اعترافاتِ الشتاءِ على شراعٍ مزَّقتهُ الريحُ فوقَ المِلْحِ

ذاكَ الحدُّ بينَ الثلجِ و النارِ التي لا تغفرُ التشكيكَ في صهرِ

الهواءِ على شفاهِ الماءِ ذاكَ الغامقُ الأبديُّ في ورقِ الخريفِ

و في قشورِ الجَوْزِ عينايَ النهارُ فلا تَنَمْ و كُنِ القريبَ إليَّ

حتى تعرفَ الألوانَ مني لا تقُلْ عيناكَ أجملَ و اسألِ المرآةَ

ثانيةً لتعرفَ أنَّ نافذةَ الصباحِ تفيقُ من عَيْنَيَّ في طياتِ جفنَيَّ

الهدوءُ و همسةٌ تتعثَّرُ النَّسْماتُ في حرفينِ منها لا كلامَ يفيدُ

حين تمرُّ من بينِ الرموشِ بقيةٌ من عِطْرِ ورداتٍ و في عَيْنَيَّ عمقُ

الغيمِ و الوادي السحيقِ و غابةٍ ممتدةٍ في ظلِّها مِنْ نَظْرةٍ سترى

مكاني في السماءِ تحيطُ بي تلك النجومُ تطوفُ بي فيما أنا لا

شيءَ يُدهشُني ففي عَيْنَيَّ سِحْرُ الكونِ مجتمعا و لا أبغي صفاءَ

بحيرةٍ معزولةٍ خلفَ التلالِ فقدْ وجدتَ كما ترى في مُقْلَتَيَّ الشمسَ

ضوءً باهتاً عينايَ ليلُكَ فاستمعْ لهدوءِ قلبِكَ فيهما و دعِ التوتٌّرَ جانباً.

الاثنين ١٠/٣/٢٠١٤

 

مكانٌ واسعٌ

البحرُ في آذارَ ماءٌ دافىءٌ و البحرُ أنتِ كما يقولُ العارفونَ

بما تناثرَ من رذاذِ الموجِ فوقَ صخورِ هذا الرملِ أنتِ بقيَّتي

فيما الكلامُ الآن لا يحتاجُ مني البحثَ عن سببٍ لما في القلبِ

من حبٍّ و لا أخشى سوى ضيق الطريقِ و قلة الوقتِ الذي نحتاجهُ

لمسافةٍ مفتوحةٍ تصلُ البدايةَ بالنهايةِ دونَ تصفيةِ الحسابِ مع الذي

عشناهُ في زمنِ التكلُّفِ و المجازفةِ الرخيصةِ كي نعيشَ بلا مقابلَ

حانَ وقتُ الاعترافِ بما خسرتُ أمامَ نفسي حين قلتُ كم الحياةُ هنا

تُطَمئِنُ و اكتشفتُ كم الحياةُ هنا اقترابٌ زائفٌ نحو الحقيقةِ أنتِ صوتٌ

قادمٌ فيه النهارُ بلا ادعاءاتٍ و يُشْبِهُنا هواءُ الليلِ حين نُجَرِّدُ القلبَيْنِ من

عٍبْءِ الظنونِ لمَ التقينا هكذا مَنْ كان يعرفُ أنَّ زهرَ البرتقالةِ دعوةٌ للحبِّ

أنتِ متى أفيقُ أراكِ نافذةً على الدنيا التي فيها المكانُ لنا مكانٌ واسعٌ

يتساقطُ النوارُ فِيهِ على وسائدَ لمْ تنَمْ و وجدتُ أنَّكِ وِجْهتي نحو الشمالِ

البحرُ في آذارَ ذاكرةٌ على أطرافِها نبتَ الفراغُ هلِ التقينا سابقا؟ لا بدَّ

أنَّا مرةً كنا معاً و الشمسُ وجهُكِ يا جميلتيَ التي في القلبِ أنتِ و مَنْ أُحبْ.

الثلاثاء ١١/٣/٢٠١٤

 

أما في نص " وداع و نص "محاولة لذلك"

لا يسعنا في هذا النص سوى التدخل السريع لمصالحة الطرفين لتنثر هلوسات الشاعر علاء الغول، كعطر فاكهة الاشتهاء الجميل /وفاتحة الورد /والزنجبيل في كحل العيون المندية على شفاه سارت كما السلسبيل ، ولتبقى كلماته كهسيس الندى فوق صولجان قصائد تنثر بيد عاشق يتجسد في سطور " قصائد العشق المائة "

 

ورقة أولى بقلم/ هدلا القصار

الدكاترة زكي مبارك يثيرني فأثير أثيره (4)

karem merzaد. زكي مبارك قي بغداد بين وحيها ورشيدها ونزليه قليلا...!!

13 - من كتاب (وحي بغداد) للدكتور زكي مبارك / الفصل الأول / من جحيم الظلم في القاهرة إلى سعيرالوجد في بغداد / مقاطع من قصيدة الدكاترة مبارك التي تتصدر كتابه المذكور:

وفدتُ على بغداد والقلب موجعٌ ***   فهل فرّجتْ كربي ؟ وهل أبرأتْ دائي؟

تركت الخطوب السود في مصر فانبرت* سهام العيون السود تصدع أحشائي

تركت دخاناً لـو أراد دفعتهُ *** بعزمةِ مفتولٍ الذراعين مضاء

وجئت إلى نارٍ ستشوى جوانحي*وتصهرأضلاعي وتسحق أحنائي

فيا ويح قلبي عضّه الدهر فاكتـوى*** بلفحة قتّالين جورٍ وإصباء

سـمعتُ حماماتٍ ينُحن فعـزّني **حنيني إلى صحــبٍ بمصرٍ أشحّاء

همُ أسـلموني لا عفــا الحبّ عنهم**إلى ليلةٍ من غمرة الحزن ليلاء

أنادمهم بالوهم والقلـب عارفٌ * بأني لدى كأس مـن الدمع حمراء

عفا الحبّ عـن بغدادكم عشــتُ لاهياً *** أكــــــاثر أيامـــي بليلى وظمــياءِ

فكيف وقعت اليـوم فـــــي أسر طفلةٍ *****مكملةٍ بالسـحر ملثــوغة الــراءِ

أصـــاولُ عينيهـا بعيني، والهــوى ***يشيــــعُ الحميّا فـي فؤادي واعضـائي

وأشهد أطيــــاف الفراديس إن بدت *** تراود أحلامــــي مزاحـــاً وأهــــوائي

وألمـــــس نيران الجحيم إذا مضــــت ***** تروم بعين الجـــد بعدى وإقصائي

أكاتم أهليهـــــــا هيامـــــي ولـــو دروا **** لهامت بجنب الشط أرواح أصدائي

إلى الحب أشــــــــكوها فقد ضاق مذهبي *** وأخلفني بــــــعد الفــــراق أعزائي

إلى الحب أشكـــــــو بل إلى اللَه وحـــــده   **** فوّض بأسائي لديـــها ونعمائي

أحبك يا ربي فهل أنـــــــت شــافعي ****** إلى سرحةٍ فــــي شط دجلة زهراء

شــــهدت فنائي فيك حـــــين رأيتها   ******تحاول إضــــــلالي وتنشـــد إفنائي

 

14 - الدكاترة المبارك يحلّ ضيفاً كريماً في بغداد الحضارة والتاريخ:

لا ريب أنّ مصر الكنانة وعراق الرافدين ركنان رئيسيان لهذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر، شهدا أعرق الحضارات الإنسانية منذ أقدم عصورها، تأثرا وأثرا ببعضهما البعض، وعلى غير بعضهما في هذا الكوكب الأرضي من مشرق الشمس إلى مغيبها، أنى ضاقت الدنيا بامرئٍ وجد الإنسان في الأرض متسعاً للعيش الكريم، فما بالك بأرض قطرين هما بالأساس قطر واحد من نواحٍ عديدة معروفة، وقد قال الشنفرى من قديمٍ، وإن كان جاهلياً - كما يزعمون - وهو ليس بجاهل بكلّ تأكيد، بل من أكبر الحكماء العرب ،اقرأرجاءً!:

   وفي الأرض مَنْأىً، للكريم، عن الأذى *** وفيها، لمن خاف القِلى، مُتعزَّلُ لَعَمْرُكَ، ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ **** سَرَى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ

وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن أرض الكنانة المعطاء ضيقة بأهلها، ولا أرض الرافدين أكثر سعة ورحابة لكلّ ناسها، وإنما الأمر فردي مرحلي ، وقد تطرقنا في مقدمة الحلقة السابقة عن غربة وتغرّب دكاترتنا حتى بين أنداده من العباقرة والأفذاذ .

مهما يكن من أمرٍ، رحل الرجل إلى العراق للعمل هناك بعد فصله من عمله وإغلاق جميع الأبواب أمامه ، فما كان العراق إلا أن ينتدبه في عام 1937م كمدرسٍ في دار المعلمين العالية - كلية التربية -، ووصل إليها في يوم 23تشرين الاول من السنة المذكورة .

15 - الحكومة العراقية تستعين بالأساتذة والدكاترة العرب، وبغداد يا بلد الرشيد:

وكانت الحكومة العراقية بأوامر من الملك غازي (1912 - 1939م) ذي الميول القومية والوطنية، و الذي تسنم العرش بعد وفاة والده الملك فيصل الأول ( 1883 -1933 م، حكم العراق منذ 1921م)، قررت فتح الكليات والمعاهد العالية في بغداد الرشيد، ولما كان العراق بحاجة ماسة للمؤهلين أكاديمياً وعلمياً لسد الفراغ، استعانت بأخواننا المصريين والسوريين واللبنانيين، وكان على رأسهم دكاترتنا المبارك، أقول على رأسهم بالرغم من أن بعض الأسماء المصرية شهيرة كعلي الجارم و مصطفى كامل واحمد خليفة وجابر جاد والدكتور ابو السعود، وأقيم للمنتدبين حفلاً تشريفياً، اعتزازاً بهم، وتكريماً لهم، وحضر الحفل رئيس الوزراء ووزير المعارف، وحينها ألقى الشاعر المعروف علي الجارم قصيدته الشهيرة (بغداد يابلد الرشيد)، ومنها:      

بغداد يابلد الرشيد **** ومنارة المجد التليد

يابسمة لما تزل *** * زهراءَ في ثغر الخلود

ياموطن الحب المقيم* ومضرب المثل الشرود

ياسطر مجد للعروبة *** خُط في لوح الوجودِ

يازهرة الصحراء ردي *** بهجة الدنيا وزيدِ

ياأمة العرب أرقدي ****ملء العنان ولا تهيدِ

سودِ فآ مال المنى **** والعبقرية أن تســودِ

هذا آوان العَدوِ لا ****الأبطاء والمشي الوئيدِ

المجدُ أن تتوثبي ******وإذا وثبتِ فلا تحيدِ

وتحلقي فوق النجوم. ***** بلا شبيه أو نديدِ

وإذا شدا الكون المفاخر ** كنت عنوان النشيد

لا تخطيْ حـــــد العلا ****ما للمعالي من حدود

 

16 - العراقيون يحتفون به ، وهو يردّ عليهم مؤلفاً عاشقاً::

ونحن علينا بدكاترتنا الذي نترجم له،لأنه أثارنا، فنثير أثيره، ومن إثرته، قد نال حظوة كبيرة في العراق ، فكثر أصدقاؤه ومريدوه ومحبّوه، فكتب عنه من العراقيين:   1 - عبدالرزاق الهلالي: (زكي مبارك في العراق) -المكتبة العصرية - بيروت 1969م -

والحقيقة سجّل فيه - كما ينقل أ.د. حسين علي محمد في مقالة له عنه عن لسان وديع فلسطين الذي قرأ كتاب الهلالي تماماً -:

. " كل حركة وسكنة لزكي مبارك في العراق وروى أخباره، وأحاديثه في الصحف، ومحاضراته، ومجادلاته، ومعاركه، وسجل شعره العراقي،وبالاختصار جاء مضبطة» كاملة عن السنة الدراسية التي قضاها زكي مبارك في بغداد ."

2 - فاضل خلف: (زكي مبارك بين رياض الأدب والفن) - مكتبة الآداب - القاهرة 1957 م -

- 3 - سليم الأعظمي: (ديوان زكي مبارك ) - مجلة أبولو - مايو 1934

4 - مصطفى جواد: (في ديـوان الدكتور زكـي مبـارك ) - مجلة أبولو - يناير 1934 -

ومنح وسام الرافدين من الحكومة العراقية .

ويذكر ا.د.ابراهيم خليل العلاف في مدونته عن حفل تكريم دكاترتنا المبارك في قاعة فندق استوريا الكائن في شارع الرشيد يوم 17 كانون الاول سنة 1937 قائلاً....تحدث في حفل التكريم الصحفي والوزير المعروف الاستاذ روفائيل بطي صاحب جريدة البلاد .كما القى الشاعر انور شاؤول صاحب مجلة الحاصد قصيدته:" الاديب " وارتجل محمود فهمي درويش صاحب:" دليل العراق الرسمي " كلمة والقى الدكتور عباس حلمي الحلي كلمة وقام الدكتور محمود عزمي عميد كلية الحقوق ببغداد وهو مصري ليقول شيئا بحق الدكتور زكي مبارك واخيرا عبر الدكتور زكي مبارك عن تقديره وشكره للقائمين على تنظيم التكريم ولشعب العراق .بالمناسبة وكما قال الدكتور محمد حمدي في مقال له نشره في جريدة البغدادية في عددها الصادر في 29-5-2005 فأن صاحب فندق استوريا رفض تسلم اي مبلغ عن استضافة حفل التكريم وقد ترك الحفل اثرا طيبا في نفس الدكتور زكي مبارك الذي كتب لصديقه الاستاذ مصطفى القشاشي صاحب مجلة الصباح -القاهرية - قائلا:" هذا ياصديقي فن البلاغة لايحسنه غير اهل بغداد ."

وكان ممن حضروا حفل التكريم قنصل مصر في بغداد الدكتور عبد الرحمن عزام والذي اصبح سنة 1945 أول امين عام لجامعة الدول العربية .

ولم يقصر دكاترتنا برد الجميل مضاعفاً، فالبرغم من قصر الفترة التي أمضاها في العراق، ألف ما ألف من مؤلفات ثمينة بفكرها، زاهية بفنها، شديدة بأحاسيسها، ومنها:

1 - ليلى المريضة في العراق

2 - عبقرية الشريف الرضي

3 - ملامح المجتمع البغدادي

ليس هذا فقط، فقد كان الرجل كثير التعلق بالتراث الشعبي العراقي،وكانت عيناه ترقرق دمعاً، أنّى سمع أبوذية عراقية، وكتب قائلاً: " أني أتطرب وأتشوق الى الابوذية وتجود عيناي بالدموع " ... وتارة يقول: " عند البغداديين فن من الغناء يسمى الابوذية وهو في أغلب احواله غناء حزين، ولكنه مع ذلك يصطنعونه في الافراح، والحجاز بين الفرح والحزن حجاز دقيق "، ولله درّه من قلبٍ رقيق !!

17 - الدكتور زكي مبارك يحدثنا عن ذكرياته مع الملك غازي الأول:

وقد سمع الدكتور زكي عن رغبة الملك غازي للقاء الأساتذة والدكاترة، وقد تشرف ا بعضهم بمقابلته، فوقع بين ناري التهيب من مقابلة الملوك، والطمع، بل التحرق   للقائه لمعرفة ذوقه الأدبي: " فهو من اسرة هاشمية لها ماض مجيد في رعاية

الأدب الرفيع، وهو يجلس على عرش العراق " كما يقول الدكتور نفسه في كتابه ( ملامح المجتمع العراقي ) - نشر في عام 1942 -، ويزيد سارداً : " وخلال الزيارة سكنت في البداية في فندق(تايجرس) مع الدكتور محمود عزمي فحضر

شاب يعمل سكرتير الإذاعة اللاسلكية في بغداد وهو السيد فؤاد جميل، وقد طلب ان أواجه الجمهور العراقي بكلمة في الإذاعة اللاسلكية فاعتذرت في بداية الامر، ولكن السيد فؤاد جميل عاود الطلب ثانية وقال: يكفي ان تقول كلمة موجزة عن رمضان .. فأعددت كلمة عن (الأسمار والأحاديث في ليالي رمضان)، والقيت في محطة

الإذاعة اللاسلكية ، وبعدها مباشرة تلقى مكالمة هاتفية من الملك غازي يناقش في دقائق المحاضرة . وفي اليوم التالي طلبني الدكتور محمود عزمي ودعاني لمقابلته مساء في فندق (مود) فلما التقينا عرفت ان هذه المحادثة الملكية كان لها رنين في المقامات السياسية، وأشار بان أقابل رئيس الديوان الملكي واشرح له مغازي الحديث الذي القيته بالإذاعة اللاسلكية . وكان السيد فؤاد جميل يحب ان أتحدث في الإذاعة اللاسلكية مرة كل أسبوع وكان مفهوما اني سأتلقى من المكافآت المالية ما يغريني بإكثار من تلك الأحاديث . ولكن السيد فؤاد انصرف عني قطعا، فعرفت انه لن يدعوني الا اذا فهم ان جلالة الملك يسره ان يسمع صوت الدكتور زكي مبارك ضيف العراق . وبعد مرور شهر تقريبا اتصل في دار المعلمين العالية سكرتير الإذاعة يسأل عني، واخيراً ذهبت لمواجهة السيد فؤاد جميل بوزارة المعارف فقال: يا مولاي اين وعودك؟ وان جلالة الملك غازي يسره ان يسمع صوتك وان يقبل كل شيء من ضيوف العراق . ودارت الأيام بالسعد القي في الإذاعة العراقية كل ما أشاء . ولكني كنت أراعي كل مرة ان جلالة الملك قد يسمع حديثي فابذل في اعداده كل ما املك من ذوق وعقل فان كان اهل بغداد أعجبوا بأحاديثي في الإذاعة العراقية فليعرفوا ان الفضل كان يرجع إلى رقابة ذلك الملك الأديب والواقع ان الملك غازي ورث الذوق الادبي عن الملك فيصل الأول . "

وضعية دكاترتنا المبارك في العراق سيان على المستوى الرسمي أو الشعبي، أو الوظيفي، و الأدبي لا تشير إلى أي مشاكسة ولا تمرد ولو أن الفترة التي قضاها في العراق كانت قصيرة، ربما قد أتعبته الأيام في مصر إثر ملاكماته الأدبية المتواصلة، فأرادها فترة استراحة في العراق ، أو من باب (يا غريبْ كن أديبْ)، ولو أنّه في المعنى العروبي الإسلامي لا يُعُدُ غريباً، بل أن روح النكتة المصرية مزروعة في وجدانه، وعقله، وسلوكه حتى في أحرج اللحظات، وإليكم هذا النادرة الفكاهية الرائعة !!!  

18 - أمّا اللباس فنزليه قليلا !!

الأخوة المصريون كما هو المعروف عنهم يتغلبون على مصاعب الحياة، وعبئها الثقيل بالنكتة اللطيفة والظريفة الطريفة، وأنفسهم مشبعة بروح الفكاهة والسخرية من إسماعيل ياسين حتى عادل إمام، والدنيا دول !!، ولكن ما كنّا ندري بهذا الزكي المبارك الذي ملء الدنيا صياحاً و (عياطاً) يخرج علينا بنكتة ولا أظرف، يحدثنا المحدثون أنه خرج مع زملائه للتسوق من محلات بغداد العامة، سوق النهر، السوق الكبير، أوزدي باك، حسو أخوان وغيرها، فلجا دكاترتنا إلى أوزدب باك - وكان قد أفتتح حديثاً في سوق السموأل - عن ترصد مسبق مع سبق الإصرار، أم ضربة حظ، لا ندري والله العالم !! مهما يكن من أمر، المهم دخل ليتسوق بعض الحاجيات التي تخصه من ملابس، فقصد إحدى الطاولات التي عرضت عليها البضاعة كأيام زمان، ومن هذه البضاعة القمصان والفانيلات واللبسان، وكانت البائعة من بنات بغداد الجميلات الفارهات الحسناوات - ويزعم الأستاذ خالد القشطيني أنها يهودية !!- فتأمل الدكاترة الوجه الجميل، فقال والله إنها لفرصة العمر ! مصري وتفوته هذه الفاتنة، هذا محال ! فسأل عن الأسعار، فأجابت الحسناء بالأقوال والأنظار، وألتفت دكاترتنا يميناً شمالاً ، لم يرَ أحداً - هذا مني ! - ، فقال لها:

إن القميص لقد رضينا بسعره *** أمّا اللباس فنزليه قليلا !!

جن جنون الفتاة، ولم تتعود مثل هذه المداعبة الأدبية الأخوية البليغة، فذهبت شاكية باكية لمدير مخزنها، وجاء هذا الأخير بحمية عراقية، ووجدها فرصة !، ليفزع لها ضد هذا التحرش من الرجل المصري، وكان الدكاترة هادئاً واقفاً على طاولة أخرى ليتبضع، وعندما تعرف السيد المدير على شخصية الدكاترة، وأنه أكبر أدباء مصر، وضيف العراق الأول ، أعتذر منه عن ثورة البنت، وشرح لها منزلة الرجل، ومكانته الأدبية، وأنه بعمر أبيها، وبعث الفراش ليأتيهم بالشاي العراقي، وبدوره اعنذر الدكاترة عن المداعبة الخفيفة التي أثقلت كاهل البنت ، والله لطيف بعباده !!

19 - صحف بغداد تثور على الدكاترة المبارك، وتنتصر للمتنبي الكوفي ضد الشريف الرضي البغدادي !!:            

وللحقيقة والتاريخ، يجب أن نذكر أنّ الصحف العراقية قد هاجمت دكاترتنا أيضا بسبب أنه وضع الشريف الرضي في مرتبة أعلى من مرتبة المتنبي، ولكنه كان أخف حدّة في ردّه، وأقل مشاكسة، ربما للأسباب التي ذكرناها من قبل، أو لم تكن الشخصيات المهاجمة مؤثرة عليه علمياً وأدبياً ووظيفياً كما هو حال الدكتور طه حسين، والأستاذ العقاد، والرافعي وغيرهم من رموز مصر الثقافية، فكل ما أجاب به " أنا أحب الخصومات لأنها تذكي عزيمتي". ويزيد الأستاذ نجم عبد الكريم في مقال له عنه في جريدة الشرق الأوسط أن الدكتور المبارك كتب مخاطباً بغداد في ردّه عن المقالات الهجومية   " هذا كتابي أقدمه بيميني في تهيب واستحياء، فإن رضيت عنه فذلك لطف ورفق، وان غضبت عليه، فلست أول حسناء تجحد الجميل. اصنعي في ودادي من التنكر والتقلب ما شاء لك الدلال أما أنا أشهد أنك صنعت بقلبي وعقلي ما عجزت عنه القاهرة وباريس "

ويضيف ومن مصدر آخر : " انت مظلومة يا بغداد، وأنا مظلوم يا بغداد، والظلم يجمع بين القلوب، نصرك الله ونصرني، ورعاك ورعاني، وعليك مني السلام " .

ونرى هذا التودد والحب والعشق لبغداد وأهل بغداد، وعباقرة بغداد على مرّ عصورها واضحاً جليّاً ملموساً في كتاباته البغدادية، بالرغم من زهوه بنفسه، وفخره بفنه، ومدحه لمؤلفاته حتى التقديس،كما مرّ علينا. ! اقرأ ما يقول: " سيرى قراء هذا الكتاب اني جعلت الشريف الرضي أفحل شاعر عرفته اللغة العربية.. وقد سمع بذلك ناس فذهبوا يقولون في جرائد بغداد: أيكون الشريف أشعر من المتنبي؟! واستطيع ان اجيب: بأن الشريف في كتابي أشعر من المتنبي في أي كتاب، ولن يكون المتنبي أشعر من الشريف الا يوم أؤلف عنه كتاباً مثل هذا الكتاب " !!

ما أروع الإنسان عندما يقدس نفسه، حين يعرف قدره، وسر خلقته !

ونواصل معه المسيرة حين يذكر ما يذكّر: " سيذكر ادباء بغداد أنني أحييت شاعراً هو من ثروة العروبة، وثروة العراق، وسيذكر أدباء بغداد أنني وفيت لمدينتهم السحرية حين اهتممت بشاعر كان أصدق من عرف النعيم والبؤس فوق ثرى بغداد "

ونختم قولنا عنه بأبيات قالها هو ذات يوم، فلم يدع مجالاً لنا أن نعرّف به أكثر مما هو يعرف نفسه، ويتفهم نفوس البشر التي كانت بحياته ستصبح غيرها بعد مماته، رغم أنها عينها !!

سيذكرني الناسون يوم تشوكهم ****شمائل من بعض الخلائق سود

سيذكرني الناسون حين تروعهمْ *** صنائع من ذكرى هواي شهود

فوالله ما أسلمت عهدي لغدرة ***** ولا شاب نفسي في الغرام جحود

ولاشهد الناسون مني جنايـــــة ****** علي الحب إلا أن يقال شهيد

والله على كلّ ما شهدنا شهيد، ولا أراك تطلب مني المزيد !!!

 

...................

المصادر:

1- موقع حوارات الفاخرية / قراءة في حياة زكي مبارك.

2 - صفحة ( أسرة الدكتور زكي مبارك - شخصية مشهورة ) على شبكة التواصل الاجتماعي - الفيس بوك.

3 - موقع فيتو: زكي مبارك .. بالهيئة المصرية العامة للكتاب

السبت 15/ديسمبر/2012 -

   4 - ( زكى مبارك بقلم زكى مبارك ): إعداد وتقديم ابنته كريمة زكى مبارك.

الهيئة المصرية العامة للكتاب، كتاب - يقع الكتاب فى 287 صفحة من الحجم الكبير.

‏5 - بين المازني وزكي مبارك محمد رجب البيومي تاريخ النشر: 20/06/2010

المصدر: مجلة الهلال 6/1995

6 - معارك فكرية.. شخصنة المعارك

إعداد ماهر حسن ٣/ ٩/ ٢٠٠٩

المصدر: مجلة الهلال 6/1995‏

النهاية المأساوية للأديب الكبير زكى مبارك .

7 - ابن الريف: امحند البخلاخي

11/10/2007

منتدى المربد

أسرة الدكتور زكى مبارك- 8

14 سبتمبر، 2013

أبحاث عن الدكتور/ زكى مبارك

8128 9 - الشرق الأوسط الاربعـاء 05 ذو الحجـة 1421 هـ 28 فبراير 2001 العدد

نجم عبد الكريم

10 - وحي بغداد

صور وجدانية وأدبية واجتماعية

تأليف

زكي مبارك

كلمات عربية للترجمة والنشر

11 - جريدة الصباح

الدكتور زكي مبارك وملامح المجتمع البغدادي

مهدي حمودي الانصاري

25/6/2013

12 - جريدة المؤتمر 5 حزيران 2014 العدد 2983

زكي مبارك في العراق .. طرائف عن ذكرياته مع الادباء والشعراء وكتابه عن (ليلى المريضة)

13 - (وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصرة)، ج1، ص ص 243-254

مقال: زكي مبارك في مرآة وديع فلسطين / بقلم: أ.د. حسين علي محمد  

14 - مجلة "الأديب" ـ يونيو 1975، ص ص7-11 مقالا بعنوان"حديث مستطرد عن زكي مبارك

15 - مدونة الدكتور ابراهيم العلاف

http://3.bp.blogspot.com/-QTGhOcFUsVc/UU4ePfHHY0I/AAAAAAAAOVg/AGGPYCP6j14/s1600/%D8%B2%D9%83%D9%8A+%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D9%83+%D9%8A%D9%84%D9%82%D9%8A+%D9%83%D9%84%D9%85%D8%A9+%D9%81%D9%8A+%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF+%D9%88%D9%87%D9%88+%D9%8A%D9%84%D8%A8%D8%B3+%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9+%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%B5%D9%84%D9%8A%D8%A9.pngتكريم الدكتور زكي مبارك في العراق. / ا.د.ابراهيم خليل العلاف

NO . 1580 . TUE .31 - JUL . 201216 - جريدة ( البينة الجديد )عدد

ماذا دار بين الملك غازي والأديب المصري الدكتور زكي مبارك؟

17 - منتديات أزاهير الأدبية - القسم الأدبي - مكتبة أزاهير الثقافية - موسوعة الأدباء العرب - زكي مبارك (1891 - 1952)

د. حسين علي محمد

26-04-2007, 02:27 PM

زكي مبارك في مرآة وديع فلسطين

 

بقلم: أ.د. حسين علي محمد

18 - مجلة «الموقف الأدبي» - العدد (309 –310) شباط 1997م

 

قراءة لرسالة بدر شاكر السياب الى يزيد

عـزيـزي الـقــارئ: هذه الرسالة في حقيقتها قصيدة عموديه ألقاها شاعرنا بدر شاكر السياب في عاشوراء من عام 1948 بمدينة البصره ، أرسلها لي أحد الاخوة الاعزاء .

مطلع هذه القصيدة يبدأ [إرمِ السماء بنظرة استهزاءِ ...... واجعل شرابكَ من دمِ الاشلاءِ]

الخطاب الى يزيد بن مُعاويه فيها يحـثـهُ الشاعر أن يستخفَّ بالسماء ويُحَرِضهُ على سفكِ الدماء

وهذا مطلع لا يتجاوب مع المناسبة وغير مُستحسنٍ ، فقلتُ عسى أن يكون البيت الثاني فيه ما

يعكس الصورة لكن الشاعر أتى بما هو أنكر فقال [[واملَأْ سِراجكَ إنْ تقضى زيتُـهُ .....

مما تَدرُّ نواضبُ الاثداءِ]] ولا أدري كيف تمكن الشاعر أن يأمرَ يزيد كي يملأ السراج من

أثداءٍ ناضبةٍ ؟! وما أراه إلّا إسفافاً من الشاعر وسُخفاً لا يُـقال .

قلتُ عسى أن يكون البيت الثالث من قصيدته البالغة 43 بيتاً يكون المحور والنقله فجاء بما

هو أسوء وأسخف حيث يقول [ واخلعْ عليه كما تشاءُ ذُبالةً ... هُدبَ الرضيعِ وحلمةَ العذراءِ]

وما زال خطاب الشاعر الى يزيد آمراً بقوله [واخلع عليه] أي على السِراج ومخولاً المأمور

يزيد ما يشاء ثم يعدِلُ الشاعر عن تخويل المأمور بأن يجعلَ الذبالةَ من هُدبِ الرضيع وحِلمةِ

العذراء والشاعر لم يُبينَ مَنْ هذه العذراء التي عرّفها باللام والالف ولماذا حلمة العذراء ؟! ،

فصَبّرتُ نفسي وقلتُ عسى القادم أفضل فجاء البيت الرابع متهافتاً هزيلاً حيث يقولُ فيه

[واسـدُدْ بغيكَ يا يزيدُ فقد ثوى ... عنكَ الحُسينُ مُمَزق الاحشاءِ]

كما أني أرى في قصيدة الشاعر غلطاً مطبعياً وهو [واسددْ بغيكَ] والصحيح كما اراه [وسُـدْ

ببغيكَ] وكان الاحرى بالشاعر أن يُحْــدِثَ نقلةً ويُحقق انعطافةً في تراكماتِ الصور الاولى ليزيد

ويكون مدخلاً لبسط ثورة الحُسين التي أضاعها في قولهِ [فقد ثوى عنكَ الحُسينُ ممزق الاحشاءِ]

ولو قالَ : [وسُـدْ ببغيكَ يا يزيدُ فلنْ

أرى ... إلّا ثِـمارَ رذيــلـةٍ وبَــغـاءِ] ثُـمَ يُردفه ببيتين آخـرين فيقول :

*** ها أنتَ يا ابنَ السَوءِ ظلُكَ زائلٌ .... والسِبطُ يبقى دوحةَ العلياءِ ***

*** ولَسَوفَ تبقى يا لعينُ مُكبلاً   .....   بالعارِ عارُ الفعلـةِ الـشـنـعاءِ ***

لَسَـجل الشاعرُ موقفاً .

ولكن شاعرنا ضلَّ حين ظلَّ يرسم نفس الصورة المتخاذلةٍ في البيت الخامس من قصيدته

فيقول : [والليلُ أظلمُ والقطيعُ كما ترى ..... يرنــو إليكَ بأعـينٍ بلهاءِ] حيث جعل السبايا

قطيعاً ينظرُ الى يزيد وجلاوزته بأعينٍ ترتسم عليها البلاهة والاستسلام وهي صورة لا تنسجم

مع روحية زينب وابنِ أخيها علي السجاد عليهم السلام ثم تبعه في البيت السادس الذي تمخضَ

عنه الشاعر وهو يقول :

[أحنى لسوطكَ شاحبات ظهوره .... شـأنَ الذليلِ ودبَّ في اسـرخاءِ]

والبيت السابع لا يقلُ تهافتاً وضَعفاً عمّا سبقه .

أما البيت الثامن من القصيدة فيقولُ فيه [مَـثّـلتُ غـدركَ فاقشَعَـرّ لهولهِ .... قلبي وثارَ وزُلزلتْ

أعضائي] وبهذا البيت أضحكني الشاعر الذي من المفروض أن يجعلهُ مخرجاً للإنتقال الى

مغزى الثورة الحُسينية أقول أضحكني حين تَمثّـل أي تصور الشاعر المعركة وتصور القطيع

فاقشعر قلبه وتزلزلت أعضاؤهُ ، أقولُ كيف يكون حال شاعرنا لو كان في قلب الحَـدَث ؟!

وكان الاولى أن يقولَ :

*** مَثلتُ جُـرمَكَ فاسـتـثارَ لهولهِ ... غضبي على الاوغادِ والطُلقاءِ *** .

وفي البيت التاسع يقول [واستقطرتْ عيني الدموعَ ودنّقتْ ... فيها بقايا دمعةٍ خـرسـاءِ]

الشاعر هنا أراد أن يأتي بالغريب فاستقطر دموعه أي بخّرها ثم أنزلُها قطرةً قطرةً ثم بعدها

دَنّـقَ دمعةً حبيسةً في عينيهِ إلّا أن معنى دنّقتْ تخالف ما قصده ومعنى دنّق أي ضيق وكان

الاولى أن يقولَ :

*** واستمطرتْ عيني الدموعَ وغرغرت ... فيها بقايا دمعةٍ خرساءِ ***

والبيت حتى لو كتبناه بالصورة الثانيه فهو لا يَعْـدو بيتاً يحملُ صورةً شـاحبةً مُستسلِمةً .

وفي البيت العاشر يقول [يطفو ويرسبُ في خيالي ... ظلٌّ أدقُ من الخيال النائي] وهذا البيت

هو حشوٌ جاء به في القصيدة ، أمّا في البيت الحادي عشر والثاني عشر يتصور شاعرنا يـزيـد

في الجحيم فيقول [حيوان في قعر الجحيمِ مُعلقٌ .... ما بين ألْسِـنةِ اللظى الحمراءِ] ثم يُخاطبه

فيقول : [أبصرتُ ظِلّكَ يا يزيدُ يَرُجّهُ ... موجُ اللهيبِ وعاصفُ الانواءِ] أقول متسـائلاً لماذا

أبصر شاعرنا ظل يزيد ولم يُبصر شخصه وكيف عرفه من ظلّهِ يرتجُّ في موج اللهيب وعاصف

الانواء ؟! إنّ شـاعرنا كما يبدو كان نائماً وهو ينظم قصيدته .

ويتسلسل شاعرنا في البيت الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر في تصوره

حتى يصل الى البيت السابع عشر حيث يعود من عاصف الجحيم الى عاصف الذكرى ليقولَ :

[عصفتْ بي الذكرى فألقتْ ظلّها .... في ناظريَّ كواكبُ الصحراءِ] وهنا لا أدري ما ألقتْ

كواكبُ الصحراء في عين شاعرنا ولا أدري لماذا خَـصَ كواكبَ الصحراءِ في ما ألقتْ في

ناظريه ؟! لا أحسب الخصوصيه في هذه الكواكب إلّا إضطراراً لوضع القافية فجاءتْ حشراً .

وفي البيت الثامن عشر الذي يليه يجعل له مخرجاً ليصف الركب الحُسيني فيقول [مـبهورةُ

الاضواءِ يَغشى ومضُها .... أشباح ركبٍ لَجَّ في الاسـراءِ] وهذه الكواكب مبهورة الاضواء

والذي أتوقعه أراد أن يقول : هذه الكواكب باهرةُ الاضواءِ وليس مبهورة الاضواء لكنه عجز

عن ذلك ووميض هذه الكواكب يغشى ركبَ الاشباح وهم السبايا المدلجين في ســيرهم .

ثم يســتمرُ في الابيات التي تليه بوصف حالة الركب وكيف كانت زينب مع أخيها الحُسين

الذي لا يَدلُ على حقيقة الركب الحُسيني وسموِّ وعُـلُـوِّ أنفسهم فقد عكست الابيات حالة العقلية

زينب كأنها ضارعه متضرعه الى جلاوزة يزيد وكيف أنها جاءت أخاها الحُسين عليهم السلام

وهي تُخفي وجهها خائفةً مذعورةً لاويةَ الجِـيدِ لتُخبرَهُ عن السهل المُلبد والغيمة السوداء بحالة

من الانكسار النفسي المَهين ثم يقول الشاعر في البيت السادس والعشرين .......

[مَنْـغورةُ الافواهُ إلّا جـثـةٌ .... مِنْ غـيرِ رأسٍ لُـطِخَتْ بـدمـاءِ] في هذا البيت أجـدْ كلمةَ

[مَنـغورة الافواهُ] مُـصَحَـفـةً مِنْ [مَـفْـغورةُ الافـواه] والصورة الشعريةَ بائـسـةً لا تختلف

عن صور شعر اللطميات الحُسينيه التي تستجدي الدموع من الحاضرين ومثله البيت الذي

يليه فيقول الشاعر [زحفتْ الى ماءٍ تراءى ثم لم ..... تبلغهُ وانكفـأتْ على الحَصـباءِ] .

وفي البيت الثامن والعشرين ينتقل الشاعر فيستنتج شـيئاً فيقول :

[غير الحُسينِ تـصِدُهُ عـمّا انتوى ..... رؤيـا فـكُـفي يا ابنةَ الزهراءِ]

أقول : لقد أبهم الشاعر المعنى ، فالحُسين عليه السلام كانت لديه نِـيّةً مبـيّـتةً ما هي هذه النِـيـةُ

أتـوقعه شيئاً مخالفاً للمنهج الحق ولكنَّ الله جلّ شأنُه أراهُ رؤيا صحح فيها هذه النية فلذلكَ نراه

أي الامام الحُسين قال لأُخته زينب عليها السلام كُـفّـي يا ابنةَ الزهراء ، وهذه الصورة التي

تمخض عنها شاعرنا من أسوء ما قاله شاعر لتمجيد شخصيةٍ عرفها التأريخ بالاباء والشمم

وعزة النفس بأحلكِ الظروف وهي صورة رسمها شاعر لم يفهم حقيقة النهضة الحُسينيةِ

والغاية التي قامت من أجلها .

ويتسلسل الشاعر برسم الصور الضارعة المتخاذلة الخائرة لأهل البيت مُستدراً العواطف حاله

حال شعراء اللطميات وقراء المجالس الذين يُتاجرون بإسم الحُسين وبثورته عليه وعلى آله

أفضل الصلاة وأتـمِّ التسليم الى أن يصل الى البيت الثاني والثلاثين والثالث والثلاثين فيقول :

[عَـزّ الحُـسـينُ وجـلَّ عن أن يَـشتري ..... رِيَّ الـغـليلِ بـخُـطّـةٍ نـكــراءِ]

[إلّا يـموتَ ولا يُوالي مـارقـاً ......   جـمَّ الخـطـايا طائشَ الاهــواءِ]

وهذان هما البيتان اليتيمان اللذان أفصحَ فيهما الشاعرعن الامام الحُسينِ ولكن عادَ في البيت

الرابع والثلاثين الى حالة التضرع والاستجداء للعواطف فيقول :

[فَـلْـيصرعوهُ كـما أرادوا إنّـما ..... مـا ذنـبُ أطفـالٍ وذنـبُ نـسـاءِ]

ثـم ينتقل الشاعر في البيت الخامس والثلاثين ليرسم صورةً أخرى فيقول :

[عاجتْ بـيَ الذكرى عليها سـاعةً ..... مَـرّ الـزمانُ بها على اسـتحياءِ]

ولو قال : *** عاجتْ بـيَ الذكرى برغم جراحها ..... وهجاً يردُّ جحافلَ الظلماءِ] ***

لأحسنَ الشاعر في وصف ما توالـدَ من هذه الذكرى ولم يمر عليها الزمن باسـتحياء كما

أراد لها شاعرنا .

ثم يأتي البيت السادس والثلاثون فيقول شاعرنا :

[خَـفـقتْ لِـتَكشِـفَ عن رضيعٍ ناحلٍ ...... ذبَـلتْ مَراشِـفُهُ ذبولَ خِـباءِ]

ثم ينتهي الشاعر في الابيات التي تليه فيصف الرضيع وحالة الرضيع وحالة الامام المسترحمة

لطلب الماء الى الرضيع الى أن يقول في البيت الاخير من قصيدته :

[ذكـرى ألَمّتْ فاقشـعرَّ لهولها ..... قلبي وثار وزُلْــزِلتْ أعضائي]

أقول : ليت شـاعرنا بدر شاكر السياب لم يُعِـدْ ذكر هذا البيت الهزيل .

وتقويمي لهذه القصيدة أن شاعرنا السياب لم يكن شاعراً بمعنى الشاعر المبدع وإنما كان ناظماً

لا يستطيع أن يقوم بقامته في الشعر العمودي لذلكَ إنتحى الى شعر التفعيلة المأخوذ من

الشعر الغربي وبالاخص الشعر الانكليزي وبهذا يكون قد أوجد ذاته على الساحة الادبية

والى القارئ الكريم أنقل نصّ القصيدة لـناظمها بدر شاكر السياب وإليه الحُكم :

 

 

 

ارم السمــــــاء بنظــــــرة استهــــــزاء لبدر شاكر السياب

قال في رثاء الامام الحسين عليه السلام وذم يزيد:

ارم السمــــــاء بنظــــــرة استهــــــزاء

                   واجعــــــل شرابــــــك مـن دم الأشلاء

واسحق بظلــــــك كـــــــل عرض ناصع                وأبــــــح لنعلــــــك أعظــــــم الضــعفاء

واملأ سراجــــــك إن تقضــــــى زيتـــه                 ممــــــا تدرّ نــــــواضــــــب الأثــــــــداء

واخلع عليه كمــــــا تشــــــاء ذبالـــــة          هُدب الرضيــــــع وحلمــــــة العــــذراء

واسدد بغيّك يا يزيــــــد فقــــــد ثــوى          عنــــــك (الحسين) ممـــزق الأحشاء

والليل أظلــــــم، والقطيـــــع كما ترى          يرنــــــو إليــــــك بأعيــــــن بــــــلـــهاء

أحنى لسوطك شاحبــــــات ظهــــوره          ـ شأن الــــــذليل ـ ودبّ في إسترخاء

 

وإذا اشتكى فمن المغيـــث؟ وان غفا            أيــــــن المهيــــــب بـــه إلى العلياء؟!

مثّلت غدرك.. فأقشعــــــر لهــــــولـــه          قلبــــــي وثــــــار، وزلــــزلت أعضائي

واستقطرت عينــــــي الــدموع ودنقت          فيــــــها بقــــــايا دمعــــــة خـــــرساء

يطفو ويرســــــب فــــي خيالي دونها           ظــــــل أدق مــــــن الجـــــناح النائي

حيوان في قعــــــر الجحيــــــم معـلق           مــــــا بيــــــن ألسنـة اللظى الحمراء

أبصرت ظلــــــك يا (يزيــــــد) يرجــــــه               مــــــوج اللهيــــــب وعـــــاصف الأنواء

رأس تكلـل بالخنــــــا، واعتـــــاض عن                 ذاك النــــــضار بحيــــــة رقــــــطـــــاء

ويدان موثقتـــان بالســــــوط الــــــذي          قــــــد كــــــان يعبـــث أمس بالأحياء

قم واسمع اسمــــــك وهو يغدو سُبة             وانظــــــر لمجـــــدك وهو محضُ هباء

وانظر إلى الأجيــــــال يأخــــــذ مقبــل                  عــــــن ذاهب ذكـــــرى أبي الشهداء

عصفت بي الذكــــــرى فألقــــت ظلها          فــــــي ناظــــــريّ، كـــواكب الصحراء

مبهورة الأضــــــواء يغشــــــى مضهـــا                أشبــــــاح ركــــــب لـــجّ في الأسراء

أضفى عليه الليل ستــــــراً حيــك من           عــــــرف الجنــــــان ومــن ظلال حراء

أسرى ونام، وليــــــس إلا همســــــة            باسم (الحســين) وجهشة إستبكاء

تلك ابنة الزهــــــراء ولهــــــى راعـــها                  حلــــــم ألــــــمّ بهــــــا مـــع الظلماء

تنبي أخاها وهــــــي تخــــفي وجهها            ذعــــــراً، وتلــــــوي الجيـــد من إعياء

عن ذلك السهل الملبّــــــد يرتمــــــي            فــــــي الأفق مثــــل الغيمة السوداء

يكتظ بالأشبــــــاح ظمــــأى حشرجت          ثــــــم اشرأبــــــت فـــي انتظار الماء

منــــــغــــــورة الأفــــواه ـ إلا جــثــــــة                  مــــــن غيــــــر رأس لطخــــت بدماء

زحفت إلى مــــاء تــــراءى، ثــــم لـــم                   تبلغــــــه وأنكفــــــأت علـى الحصباء

غير (الحسين) تصــــده عمـــا انتـــوى                  رؤيا.. فكفــــــي يا أبنــــــة الــــزهراء

مَن للضعــــاف إذا استغــــــاثـــوا رُضّعاً                عينــــــا (يزيد) سـوى فتى الهيجاء؟

بأبي عطـــاشــــى لاغبيــــن، ورُضّــعاً                  صُفر الشفــــــاه خمـــائص الأحشاء

أيد تمــــد إلــى السمـــــاء ، وأعيــــن           ترنــــــو إلــــــى الماء القريب النائي

طــــام، أحـــــــــل لكــــل صــــادٍ ورده                 من سائب يعــــــوي ومـــــــن رقطاء

عز الحسين وجــــل عــن أن يشتــري          ري الغليــــــل بخــــــطــــــة نكـــراء

إلا يمـــوت ولا يــــوالــــي مــــارقـــــــاً                 جــــــم الخطــــــايا، طــائش الأهواء

فليصرعــــوه، كــــما أرادوا ـ إنمـــــــــا                 ما ذنــــــب أطفــــــال وذنب نســــاء

عاجت بي الذكــــرى عليهــــا ساعــة

                  مــــــر الزمــــــان بها على استحياء

خفقت لتكشــــف عــــن رضيع ناحــل                   ذبلــــــت مراشفــــــه، ذبــــول خباء

ظمآن بيــــن يــــدي أبيــــه كــــأنـــــه

                  فــــــرخ القطــــــاة يـــدف في نكباء

لاح الفــرات لــــه فأجهش باسطــــــاً           يمنــــــاه نحــــــو اللجــــــة الــزرقاء

واستشفع الأب حابسيه على الصدى            بالطفــــــل يومــــــي باليــد البيضاء

رجـــــي الـرواء فكان سهماً حــزّ في

                  نحــــــر الـــــرضيع وضحكة استهزاء

فأهتز واختلــــج اختـــلاجــة طائــــــر

                  ظمآن رفّ ومــــــات قــــــرب المــاء

ذكــــرى ألّمــــتْ، فأقشعــــر لهـولها

                  قلبــــــي وثــــــار، وزلـزلت أعضائي  

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهجن   السبت في 22 / تشرين ثاني / 2014

 

 

منير مزيد ورحلته إلى الشِّعر المطلق .. قراءة في ديوان الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ

munir mazyadالسيرة الموجزة للشاعر والأديب منير مزيد تحدد بعض العناصر الأساسية التي تمكننا من تحديد مصادر بنيوية لشخصية الشاعر المركبة حيث تقول بأننا مجموعة من الاسْتِعْدَادات المحلية (اتجاه نحوَ سلوكٍ خاصٍّ ، نتيجَةَ عواملَ عضويةٍ ، أَو نفسيةٍ ، أو هما معًا)، الخلفية العائلية والتعليمية والثقافية والدينية والوطنية. من خلال تلك العناصر وغيرها نستطيع تشكيل وجهة نظر حول الصورة المركبة والمعقدة لشخصية الشاعر والأديب منير مزيد.

الاسْتِعْدَادات المحلية : لقد كشف الشاعر عن موهبته الشعرية من خلال رؤية سماوية ذاتية إذ ذكر في سيرته بأنه قد إِلتَقَى بعرافة أمريكية تؤمن بعملية ما يسمّى "تناسخ الأرواح" (حلول الروح قي عدة أجساد قبل تطهرها وإِنتِقالها من إنسان لآخر) وأخبرته بأن روح الشاعر منير مزيد الحالية كانت في أجساد شعراء كبار. حديث تلك العرافة قد أَعْطَى الشاعر حافزاً قوياً واستعدادا نفسياً في اللاشعور من دون أن يُدرِك وهو إنه قد كتب لمنير مزيد أن يكون شاعرا عظيماً.

البيئة الأسرية: ولد في الأردن من عائلة فلسطينية نبيلة وكريمة، غادر الأردن بحثاً عن حريته وعن مكان يستطيع ممارسة إبداعه الفكري بحرية .

التعليم والثقافة والدين: مسلم يحترم ويمارس الشعائر الدينية ، يفتخر بانتماه إلى الحضارة العربية والإسلامية من دون أي تعصب أو مغالاة، لا تحكمه ايديولوجية معينة ومنفتح على جميع الثقافات إذ نجد تأثير تلك الثقافات في قصائده لكن تبقى الثقافة العربية والإسلامية هي النبع الأساسي الذي يغرف منه الشاعر والأديب منير مزيد ثقافته. درس في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، سافر إلى جميع أنحاء العالم، وأخيرا اِسْتَقَرَّ برومانيا وتزوج الدكتورة مادالينا التي بدأت بالعمل على ترجمة جميع أعماله الشعرية إلى اللغة الرومانية.

البيئة الوطنية: يتعرض الشاعر والأديب الكبير منير مزيد إلى حملة تعتيم كبيرة، ممنهجة ومبرمجة، في الدول العربية بسبب عبقريته الشعرية وأفكاره التنويرية والتحررية، وكذلك بسبب نضاله من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل الديمقراطية وحرية المرأة، من قبل المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية التي تدار من قبل أشباه المثقفين وتحكمها ايديولوجية معينة حيث تراه تلك المؤسسات عدوا خطيرا يهدد مصالحها، وخاصة إن الشاعر والأديب الكبير منير مزيد يرفض الانتماء إلاّ للثقافة الإنسانية التي تخدم الإبداع.

في حوار للشاعر والأديب منير مزيد مع الإعلامية الرومانية مدالينا كورينا دياكونو قال : لقد وجدت ووضعت نظرية ورؤية حول كتابة نمط وأسلوب جديد في كتابة الشعر من خلال الدراسة والبحث وقد أطلقت عليه " الشِّعر المطلق". وأضاف قائلاً إن أغلبية الناس لا تعرف هذه الحقيقة لأن الأمر يحتاج إلى سنوات في البحث والتعمق في قراءة قصائدي وتحليلها على المستوى النقدي والاِبْتِعَاد عَن إخضاعها أو تناولها بمفاهيم نقدية تقليدية أو كلاسيكية، ناهيك عن الحصار والتعتيم الذي تمارسه المؤسسات الأدبية والإعلامية العربية ضدي، وهذا الحصار هو خسارة كبيرة للشعر العربي، وإِنتِصار كبير للشعر الإنساني ولي شخصيا، وهزيمة تاريخية ساحقة لكلّ المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية إذ تكشف زيف جميع الادِّعاءات حول دعمها للثقافة والإبداع والأهم تكشف عجز قدرتها على التفريق بين الغَثِّ والسمين وأنها لا تزال تعيش في عصور الظلام.أما أنا فمن حقي أن أفْتَخِر بما أنجزته وَلَوْ كَرِهَ الْجَاهِلونَ .

لقد عَبَرَ الشاعر والأديب منير مزيد عن رؤيته حول المفهوم الجمالي للشِّعر المطلق بلغة مجازية إذ قال : يسألونني عن الشِّعر المطلق وأرد قائلاً ببساطة هُنَاك فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الشِّعر الأدائيّ والشِّعر المطلق ، الأَوَّلُ ينظمه خَزَّافٌ يُحاوِلُ زَخرَفةَ الأَوْثَانِ بِأَلْوَانِ الْكَلاَمِ مُعْتَمِداً عَلَى مَهَارَاتِه اللُّغَوِيَّةِ ، والثَّانِي يكتبه نَبيٌّ وَسَاحِرٌ يَضَع الكَوْنَ بَيْنَ يَديك قَطْرَةَ ضَوْءٍ بِصَوْلَجان الْكلِمَةِ الإلهيَّةِ مُعْتَمِداً عَلَى غَرائِزه الرُّوحِيَّةِ ،وَعَلَى غَزَارَةِ عِلْمِه، وَسَعَةِ اطِّلاعِه بِالعُلومِ الحَديثَةِ، وَقُدْرَته عَلَى تَمثُّلِ مَا يَقْرَأ مِنَ الآدَابِ وَالفنُونِ وَالعُلومِ وَالْمَعَارِف الإنْسَانِيَّةِ . بهذا التعبير يعيد الشاعر والأديب منير مزيد الإِكْلِيل الذي تَمَّ فَصْلُهُ وإِبْعَادُهُ عَنِ المركز والنبع الأصلي منذ قرون طويلة.

في مقالة أخرى لخص فيها الشاعر والأديب منير مزيد رؤيته للمفهوم الجمالي والفلسفي للشِّعر المطلق إذ قال :"يعتمد الشعر المطلق أساساً على مبدأ الفكرة المتصلة بإسقاط الروح على الأشياء عن طريق مدركات الحواس وإسقاط الرّؤى الميتافيزيقية على مجموعة الأشياء المحيطة بها لأجل الحصول على الصورة الناتجة عن التأمل النفسي في البحث عن الذات االكونية في داخل الذات عندها تصبح المحاكاة كونية لا تتجزأ فالروح الكونية واحدة لا تتجزأ .فالشعر المطلق لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله والشاعر، وكل شيء في الشعر المطلق يفكر ويمتلك ذاتا وذاكرة.

بما أن الشعر المطلق يهدف إلى خلق كون آخر، والتواصل مع الله لأجل الوصول إلى الحب الإلهي المطلق والحصول على المعرفة الإلهية المطلقة تعتبر الصورة الشعرية نتاج ملاحقة الشاعر بخيوطه الروحية المسقطة على شيئية الأشياء. لهذا تأتي متأرجحة بين الدهشة والغرابة والتناقض - فالتناقض هو جذور كلّ حركة وحياة كما ذكر الفيلسوف هيغل - ومفعمة بالجمال والسحر والغموض والرموز والاستعارات بحيث تأخذك إلى عالم ملائكي رسمته أنامل لغة أثيرية تشبه لغة التمائم والتعاويذ .

تتحرك تلك الصورة بشكل هادئ بين الــ" ين " والــ " يانغ" في المساحة العقدية الواسعة المتكونة من جزيئات صورية أكثر تعقيدا وهي الجمل الصورية التي هي بدورها تتكون من نقاط عقدية أكثر تعقيدأ هي الكلمات المفردة الدالة ذات الأبعاد المتعددة التي تعتبر في مجموعها فكرة ملهمة بأطر خيالية تقع في مساحة إِفتراضيّة أثناء إِنتِقال الفرد بين مستويات اللاشعور والشعور المتعدد . فكلّ جملة شِعريّة عبارة عن صورة متعددة الظلال والألوان وكلّ صورة عبارة عن كون .."

إن مصطلح " الشِّعر المطلق" ولد أساساً من رحم الرومانسية الألمانية باعتبارها موازية لمصطلح "الموسيقى المطلقة" كما هو مبين في أعمال الموسيقار الألماني كارل دخلهوس وإن فكرة "الموسيقى المطلقة" قد ظهرت في عام 1989 في جامعة شيكاغو. أما نوفاليس، الفيلسوف والشاعر والكاتب ألماني فقد قال حول اللغة الشِعريّة: ما هو جمالي في الموسيقى يتطلب آلات موسيقية، والكون هو الآلَة الميتافيزيقية الَّتي يعزف عليها الشاعر. فالشِّعر إذن يرتبط إِرتباطاً وثيقاً بالحلم، وعلى القصائد أن تكون أثيرية ورَخِيمَة ومفعمة بالصور والشفافية، والشِّعر الحقيقي يمكن أن يكون، على الأقل، له معنى استعاري ينتج تأثيرا غير مباشر مثل الموسيقى.

في أعقاب مفهوم "الشعر المطلق"، يظهر مفهوم آخر ومثير للاهتمام في الأدب العالمي والإنساني "البعد الرابع" كعنصر مهم جدا في تطور الفن والأدب المعاصر.

إن مفهوم "البعد العالي" الذي وجد في أعمال كبار الكتاب المبدعين في العالم لاقى اهتماماً كبيراً من قبل المؤسسات الأكاديمية المهتمة بالأعمال والدراسات الأدبية وفي تلك المؤسسات الأكاديمية تم مناقشة تلك الأعمال في عام ١٨٠٠حول مسألة مفهوم "البعد العالي" الذي ظهر في أعمالهم الإبداعية.

في رواية " الإخوة كارامازوف" للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي والتي نشرت في فصول في مجلة «الرسول الروسي» وأنجزها في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام ١٨٨٠ ، يضع دوستويفسكي كلمات في فم شخصية إيفان كارامازوف إذ يقول : "... أنا أمتلك عقلاً دنيوياً فكيف أستطيع أن أجد حلولا لقضايا ليست من هذا العالم ...." أنصحك بعدم التفكير فيها، يا عزيزي وخاصة القضايا التي تتعلق بالله حول إذ كان موجودا أم لا فكل هذه الأسئلة ليست مناسبة للغاية للعقل الذي خلق لكي يعي أفكاراً تنتمي إلى البعد الثالث....

في قصة "شبح كانترفيل" التي تعد من الأدب الرومنسي الواقعي للمؤلف المسرحي والروائي والشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد أراد المؤلف وضع منطقه الخاص في تعريف معنى"البيت المسكون بالأشباح " إذ تحدث عن البعد الرابع : من الواضح جدا عدم وجود وقت لكي نهدره لهذا يجب الإِسْراع في تبَنّي وإِعتِماد فضاء البعد الرابع كمعنى للهروب والاختفاء في الممرات وبهذا الاعتماد يعود الْهُدُوءُ إلى البيت..

إِستَخدَمَ الأديب، المفكر، الصحفي، عالم الاجتماع، والمؤرخ الإنجليزي هربرت جورج ويلز الذي يعتبر واحدا من أشهر مؤسسي أدب الخيال العلمي، فكرة الأبعاد الزمانية في روايته الأولى التي نشرت عام ١٨٩٥ وحملت عنوان آلة الزمن ... كما إِستَخدَمَ الأديب الإنجليزي بولندي الأصل جوزيف كونراد "مفهوم البعد الرابع" لشرح التغيرات في المجتمع التقليدي.

الشاعر الأمريكي، والناقد، والموسيقي عزرا باوند أحد أهم شخصيات حركة الحداثة في الأدب العالمي أنهى في المقطوعة رقم ٤٩ (البحيرات السبع) بهذه الأبيات الشعرية

العبد الرابع هو بعد السكون

والسلطة على الحيوانات البرية

في الوقت الحاضر، هناك من الناس من يتحدث عن البعد الخامس وعن صعود كوكب الأرض

وسكانها إلى البعد الخامس.

حين وضع الشاعر والأديب الكبير منير مزيد "مفهوم الشعر المطلق" ذكر في مقالته الشهيرة والتاريخية "الطريق نحو الشعر المطلق " قائلاً : بما أن الإنسان هو كائن متعدد الأبعاد يعيش في كون متعدد الأبعاد وبما أنّه جزء من وعي لا متناهي وأبدي والوجود لم يولد ولا يموت ، والحياة دائمة وأبدية ، وبما أنّ عملية الخلق هي تعبير عن فكر واحد لا نهائي، وكل أشكال الحياة هي مظاهر من ذلك الفكر الموحّد ، وكل شيءعبارة عن وعي، والوعي هو طاقة وكلاهما شيء واحد، فإنّه من هذه الرّؤية ولدت فكرة الشعر المطلق .. حين أدرك الإنسان أنّ نظرة الجزء من خلال الكل هي النظرة السائدة والفاعلة و كيف تستطيع الجزئية تسيير مصالحها من خلال استخدام الكلية الكونية عمل على الرّبط والمقاربة بين مفاهيم الكون وظواهره المتضاربة والمتناقضة بصور أكثر قربا إليه وإلى تفكيره.. هذا التقارب ألهب خيال الإنسان وحوله من متفرج إلى خالق وحين بدأ الإنسان يقدر على الخلق ولدّ مجموعة من الأساطير التي تتحدث عن الخلق وكيفية نشوء الكون وأصول الأشياء فقد آمن بقوى إلهية وبأن هذا الكون العظيم قد خلق من قبل خالق عظيم و هو الله فبدأ يتقرب إليه و كلما اقترب منه ازداد خياله خصوبة واتساعا .. لهذا علينا التفريق بين عملية الخلق والمهارة. فعملية الخلق ليست حرفة بل إلهام ومصدره التأمل و التخيل فيما يراه آخرون إلهي . وهذا ما عناه أفلاطون في محاورته "ايون" التي تعد أوسع عرض في العالم القديم و تذهب إلى أنّ الشعر إلهام خالص ومصدره إلهي محض و قد قرن الشاعر بالأنبياء وبالعرافين، وهذه الفكرة مرجع من اعتادوا بالإلهام والقريحة في الشعر لا بالصنعة والتعلم. .... يعتمد الشعر المطلق أساساً على مبدأ الفكرة المتصلة بإسقاط الروح على الأشياء عن طريق مدركات الحواس وإسقاط الرّؤى الميتافيزيقية على مجموعة الأشياء المحيطة بها لأجل الحصول على الصورة الناتجة عن التأمل النفسي في البحث عن الذات االكونية في داخل الذات عندها تصبح المحاكاة كونية لا تتجزأ ز فالروح الكونية واحدة لا تتجزأ. .... الشعر المطلق لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله و الشاعر، و كل شيء في الشعر المطلق يفكر ويمتلك ذاتا و ذاكرة. .... بإختصار شديد الشعر المطلق هو شعر سماوي ومصدره الإلهام ، ويعد امتدادا للشعر الصوفي و لكن برؤية أكثر عمقا تحول الشاعر من راء إلى خالق يعمل على خلق كون آخر ويضعه بين يديك قطرة ضوء بصولجان الكلمة الإلهية ز بهذه الرؤية سيدرك الإنسان بأن ما يحدث في هذا العالم هو إنعكاس لما يحدث داخلنا ونحن من صنع هذا الواقع وبأننا قادرون على تغييره وقادرون على صناعة المعجزات، وبأن خلاصنا في أيدينا عندها يصبح الشعر أهم مصادر الخلق كونه منبعا للخيال و الخيال يعد أهم من العلم كما صرح ألبرت أينشتاين، وطريقا نحو الانعتاق والتحرر من كل أشكال العبودية .

إن محاولة الاِقْتِرَاب من أعمال منير مزيد الشعرية يمكننا أن نرى أن قصائده تعمل على إثارة روح القارئ وتحفيزها على الانعتاق والتحرر ومن هذا المنطلق يبرز سؤال مهم ، ما هي المفاتيح المناسبة التي يمكن استعمالها للولوج إلى عالمه الشعري وتحليله نقدياً وخاصة أننا أمام نص مغاير تماما عن النصوص الشعرية السائدة...؟

بسرعة نستطيع أن نفهم إن تلك القصائد ملغزة وعلى درجة عالية من التركيب إلاّ أنها في نفس الوقت سلسة ومرنة (السهل الممتنع) وهذا يعني إن العديد من المفاتيح يمكن أن تكون مناسبة بشرط القبول بأن الشعر هو إلهام ومكاشفة بين الله والشاعر كما ذكر الشاعر والأديب منير مزيد حين قال: الشعر المطلق لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله و الشاعر، وكل شيء في الشعر المطلق يفكر ويمتلك ذاتا و ذاكرة.

نحن هنا في مواجهة مع الوعي الشعري الذي يفترض وجود الخفي (الغيب) وقدرته على تحويله إلى مرئي وهذا الخفي الذي أصبح مرئيا على تواصل دائم مع الشاعر حيث يطرح الشاعر أسئلة   ويتلقى منه إجابات ، فالشاعر بدأ يدرك الأشياء وذاته من خلال مكاشفة بينه وبين الله والله هو المصدر والنبع الذي يغرف منه الشاعر وعيه وهذا النبع قد تم ابعاده في فقه الثقافة المزيفة المستندة إلى الحقائق الباطلة ، وتلك الثقافة تعمل على إِبعاد الإنسان عن الله وإِبعاد المفكرين في الخوض في تلك العلاقة وحصرها في المؤسسات الدينية واحتكارها. إن هذا الوعي الشعري الذي يمتلكه الشاعر والأديب منير مزيد سوف يجعل الحبّ يحل مكان الخوف ، وهذا المفهوم يعتبر رؤية ونظرة وجودية جديدة سوف تغير تماما وجهة النظر العالمية حول الكثير من المفاهيم السائدة وتحرير المقدس من هيمنة المؤسسات الدينية عليه حيث سيحل الضوء مكان الظل، والفرح مكان المعاناة .

إن عودة الإنسان إلى الخالق إلى الروح الإلهية ،منبع المعرفة ، موجود في كثير من الأحيان في الشعر العالمي وخاصة الشعر الصوفي .

يحتوي ديوان الشاعر والأديب منير مزيد " الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ" على ٥٠ ومضة شعرية وكل ومضة تتراوح ما بين ٢- ٥ أبيات شعرية وتلك الومضات تعتمد على أسلوب التكثيف والتجريد

والاختزال ومتعددة الدلالات، عميقة وذات أبعاد ومعاني روحانية ، جمالية، أسطورية، فلسفية ودينية.

هناك ثلاثة رموز مركزية في هذا الديوان الشعري: الماء والضوء والصوت، وهذه الرموز هي المادة الوراثية واللوغوس هو الله / الروح، وهناك أيضاً رموز أخرى تم استخدامها ذات الأبعاد والمعاني والدلالات المتعددة في خيال القارئ ورؤيته : القصيدة ، الروح ، الحورية ، فينوس ، الآلهة (النبوءة الذاتية) ، الأسطورة اللامرئية ، الإلهام والخيال، بالإضافة إلى بعض الرموز الدينية: سدرة المنتهى ، اللوز والزيتون ، الكرمة....

الماء، كعنصر مائي ، ومتعدد المظاهر والأبعاد، يعتبر العنصر الثابت والأساسي في قصائد منير مزيد وتجربته الشعرية ، لهذا حين نتحدث عن شعر منير مزيد فهناك طقوس مائية أو بمعنى آخر إن الماء عنصر مقدّس وصورة مثالية بنيوية قد تكون في اللاشعور حيث المياه شحيحة في الأرض التي ولد وعاش فيها الشاعر أو أننا في حضرة الماء المقدّس وفي الماء الحي الذي يحمل في أعماقه الحياة والفرح والحبّ...

في شعر منير مزيد يمكننا تحديد عناصر معينة من فلسفة سقراط كما جاء في تاليس وهيراقليطس: كل شيء يولد من الماء (المادة الوراثية)، والماء هو مظهر من مظاهر البلل المرئي حيث روح الإنسان من الماء وكلّ شيء في حركة دائمة / في حالة تدفق مستمرة فتدفق المياه يمثل ما لا نهاية لأن الماء يعبر من حالة إلى حالة أخرى وفي حالة تغير دائمة ،السائلة ،والصلبة ، والغازية، وجوهر أساسي في نشأة الكون ويلعب دورا أساسيا في تقدم وبقاء الحضارة الإنسانية وقد نهضت الحضارات الأولى في وديان الأنهار الكبيرة وانهارت حينما نضبت موارد المياه.

يتكامل الماء مع الإنسان في علم الكونيات ويختزن النعمة الإلهية، والسر الذي يتدفق في داخل الإنسان ويغذيه بالمعرفة..

في القصيدة # 1 ( فِي الْبَدْءِ كَانَ الْمَاءُ / وكَانَ الْمَاءُ صَوْتي ) هنا إشارة رمزية لسفر التكوين من خلال إعادة الصياغة على مستوى شعري حيث الصوت هو اللوغوس ، والكلمة هي حاملة الروح الخالق / جوهر الروح القدس ، فالروح / أو جوهر روح القدس تأتي على شكل مظهر في حالة تجسد (الظواهر الروحية - هيغل) من خلال التحدث عن الذات وهنا يخلق اللوغوس الوجود الكوني.

في القصيدة # 2 (حين تَظمَأُ الكَلِمَاتُ / لا تشْرَبُ إِلَّا مِياه خَيالي) الخلق هو نتاج الخيال : تشْرَبُ مِياه خَيالي .

في القصيدة # 3 (الكلِمَةُ التي لا تَبَلُّلُ صَوْتي / بالنُّورِ / لا يَكْتَرِثُ صَوتي بالنظرِ إليها) ليست كل كلمة تحمل الروح / النُّور

الخلق يعني بذل الجهد "الحفر" ، الأدوات التعبيرية مجازا "مَعاول الكلِمَةِ" والنتيجة هي الاتصال الدائم مع الأبعاد الإلهية ، فالشاعر يدرك إن هذه الحالة لا تعنيه فقط بل المجتمع / الإنسانية أيضاً وإن يَنَابِيْع الضَّوْءِ غير محظورة بل متاحة لمن يسعى إليها. من هذه الرؤية الشعرية لمنير مزيد نجد " فهماً أو وعياً اوروفيلي" وهذا الفهم كجزء من الطاقة الكونية العظمى وهذا يعني إن مفكراً قد إِستَطاعَ الإستثمار في الطبيعة الإلهية ( أرسطو - الروح ) ..

في القصيدة # 5(حين تستَنشَقُ الرُّؤيةُ غُبَارَ الوَهْمِ / تَسقُطُ السَّماءُ فَرِيسَةً ِ/ لعُوَاءِ الْخَرِيفِ الجافّ) .. قصيدة # 6 (لَمْ يَبْقَ في عُشّ الكلِمَةِ/ غير عَويلِ شُمُوعٍ/ وزَنابِقَ مُنتَحِرةٍ...)، قصيدة # 7 (في عُشّ الْمَاءِ / لَمْ يَبْقَ غير أَشْجَارٍ بيضاءَ/ تُرمِّمُ آثارَ عِطْرٍ مَيِّتٍ...)

 

هذه القصائد تلفت الانتباه إلى المادة المعرفية بوصفها مجازفة خطرة حين تتنفس تلك المعرفة غبار الوهم، فالوهم أو الخداع يعمل على تشويه وخداع الوعي والادراك من خلال خلق صور باطلة ومزيفة حيث تتجلى الأوهام في الوجود البشري من خلال الألم والمعاناة "عُوَاء الْخَرِيفِ"، "عَويل الشُمُوعٍ" ،

" زَنابِقَ مُنتَحِرة" ، فهذه التعاليم تحمل خطايا الروح الخالدة للإنسان المذنب إذ يجب أن يعاني لأنه يقف منغلقاً في جسده الترابي وعليه أن يحرر شعوره بالذنب (أفلاطون - "فيدروس).

المبدع الحقيقي في نظر الشاعر والأديب منير مزيد هو الشاعر الذي يجعل القصيدة حاملة للنور فالقصيدة هي التعبير الصادق عن الفرح ، والانتصار ، والثناء، وتمجيد الخلق الذي يمتلك الفضائل التحويلية والسحرية لأن المعرفة ترتدي نماذج كونية ، أسطورية ، وروحانية ، فتجربة الخالق (الشاعر) هي أبعد بكثير من استيعاب عقيدة الخلود..

قصيدة # 39 (فِي فِرْدَوْسِ اللَذّةِ / يُضَاجَعُ صَوتي حُوريَّةَ الضَّوْءِ/ والقصيدةُ طِفْلتُنا اللَّعُوبُ...)

القصيدةُ هنا "طِفْل لعُوب" ، ثمرة عشق بين اتحاد جسدين وروحين في فردوس اللذة ، صوت الشاعر وحورية الضوء، فهذا المشهد الصوري تم إنشاؤه في فضاء الخيال الشعري ، وهنا نحن أمام بناء أسطورة كاملة وجديدة إِبتَكَرَها الشاعر العبقري منير مزيد بكلمات قليلة حيث أصبح فيها الشاعر منير مزيد أورفيوس آخر يخلق أسطورة مفرحة للخيال والقلب والعقل حيث تعيش في خيالات ايروس المليئة بالمسرات .. الحورية كفينوس هي الصور الرمزية للإلهة العظيمة / أم الآلِهة حيث تعمل على غرس إيروس في كل مكان لنشر الخصوبة ...

يقدم هذا الديوان الشعري خيارات عديدة للقارئ أو المتلقي الذي يتناوله حيث يضعه في حالة من حالات التجلي الروحي فيعيش ويبقى في نشوة روحية من خلال قراءة نصوص شعرية فريدة ومتفردة

ذات أبعاد ومعاني متعددة وتتوقف وتسلط الضوء على قضايا محددة تبدو قريبة هيكليا...

إن الجانب الأكثر أهمية في الشعر هو الخيال الشعري حيث يعمل الشاعر على خلق فضائه الشعري من مجهوده المعرفي وخياله الذاتي، وفي الخيال كلّ شيء ممكن ، لكن على الفضاء أن يحمل في طياته بصمة الشاعر الخاصة .. بما إن كل شيء قد خلق من الكلمة الإلهية (صوت الشاعر) عندها يصبح الشاعر المبدع مثل الآلهة يستخدم أسرار اللغة المقدسة حيث يقوم بخلق نبوءة ورؤية من خلال الدخول إلى فضاء التأمل (المحراب المقدس) فالشاعر النبي يمتلك وعياً ومعرفة مختلفة قادرة على تمزيق حجاب الوهم وغير متأثرة بوساوس الوهم وقد استطاع الشاعر والأديب منير مزيد تمزيق الوهم وتعريته ...

قصائد الشاعر والأديب منير مزيد لها تأثير باطني وسحري قوي على القارئ ليس فقط على المستوى اللغوي، أو الجمالي، أو الثقافي، أو الفكري، أو الفلسفي أو الروحي ولكن أيضا النتائج المؤثرة على المستوى الكيميائي والإلهي الخفي في وعي القارئ فهذا التوليف الكيميائي يخلق مفارقة جمالية على مستوى العاطفة والعقل بحيث توحد قصائده العقل مع القلب في أعمق حالة من حالات التأمل أو الصلاة...

الصورة الشعرية عند الشاعر العبقري والأديب والمترجم والفيلسوف والمفكر والنبي منير مزيد تشتمل على كل مظاهر وعناصر الكون الجوهرية : الهواء والنار والماء، والروح.. والقصائد، طلاسم وتعاويذ سحرية ، تربطنا مباشرة مع الخالق / الله برباط مقدّس ومتين حيث يصبح الشاعر قادرا على وصف وشرح عظمة الخالق في ذات الإنسانية وهذا يعني إن الشاعر نبي قد تم اختياره لمهمة وهي توصيل كلمة الله وتبليغ رسالته

كُلُّ شَيْءٍ يستحمُّ في الأُسْطُورة الزرقاء

و ضُوءُ النُّبُوءَةِ الغَامضةِ يَشربُ اِنْعِكَاسَ صَوتي

يَملأُ السِّحْرُ المُقدِّسُ زَوايا الكلِمَةِ

بعِطرِ الأَبَدِيَّةِ

هنا يتلقى الشاعر ضُوءَ النُّبُوءَةِ الغَامضةِ ويتذوق جوهر ذاته (اِنْعِكَاسَ صَوتي) ويضع الأقدار في ("السِّحْر المُقدِّس).... (الكهف أسطورة أفلاطون).

   من خلال هذا الديوان الشعري الفريد "الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ" والمقال "الطريق نحو الشعر المطلق" نستطيع أن نقول إن الشعر المطلق هو في الواقع نداء إلهي حيث يعمل الشاعر على خلق

الأكوان في عالم الخيال واللغة الشعرية هي كلمات الله من أجل كشف الخفي...

قصائد هذا الكتاب هي التعبير الشعري المثالي لتجربة الشاعر والأديب منير مزيد في توضيح المفهوم الجمالي والفلسفي للشعر المطلق حيث كانت الكلمة الإلهية وفيها جميع الصفات الجوهرية / العضوية.

 

فلاريا فايدا : باحثة وكاتبة وناقدة رومانية وأُسْتَاذة الأدَب الروماني

هذه المقالة جزء من كتاب فلاريا فايدا بعنوان منير مزيد ورحلته إلى الشِّعر المطلق

 

"محنة الفراغ" لأحمد المرزوقي .. الكتابة لاستدراك ما فات من الحياة

jamal Mossaouiمع اختلاف الأسباب والحيثيات، تشبه قصة الخارجين من معتقل تازمامارت قصة أهل الكهف عندما استفاقوا ليجدوا أن الواقع لم يتوقف لينتظرهم، بيد أنه إذا كان أهل الكهف قد عادوا إلى رقادهم، فالخارجون من ظلام المعتقل لم يكن أمام الكثير منهم خيار سوى محاولة التأقلم مع الحرية.

أحمد المرزوقي واحد من هؤلاء. شاهد على فظاعات المعتقل السري الرهيب وعلى بعض التفاصيل الدقيقة لما يعرف في المغرب بسنوات الرصاص. في كتابه الأول "الزنزانة رقم 10" الصادر سنة 2000 نحت من شجرة الألم شهادته للتاريخ حول المحن التي عاشها أو المآسي التي عايشها، خلال ما يناهز 20 سنة من الاعتقال، أما في كتابه الثاني "محنة الفراغ" الصادر أواخر 2012 عن منشورات طارق بالدار البيضاء، فقد اختار أن يعلن عن نفسه كاتبا بحصر المعنى، ليخرج بذلك، خلافا للعديد من زملائه ممن جاوروه في محنته، من أسر ذاكرة الشجن، وإن بشكل جزئي، فهو يعود بين القصة والأخري وبين الفكرة والأخرى ليلقي بالقارئ في زنزانة قديمة مستعادة أو في خضم ذكرى أليمة ملحاحة لا تكاد تفارق الذهن. 

"محنة الفراغ" مجموعة من القصص القصيرة تنطلق بإهداء مما جاء فيه "إلى أرواح من سقطوا في جحيم تزممارت، وإلى الناجين منها، أصدقائي، أصحاب الكهف... أهدي هذه القصص البسيطة التي خرجت من رحم صراعي مع الفراغ"، لترصد تفاعلات لقاء شخص خارج من ظلمة السجن مع أسباب الحياة الجديدة ومع تحولات كائناتها. هل الأيام لا تزال محافظة على الوتيرة ذاتها قبل عشرين عاما، وهل أولئك الناس الذين كانوا جزءا من حياة الكاتب ما زالوا على قيد الذكرى وأنه بإمكان العلاقات الإنسانية أن تأخذ إيقاعها الطبيعي وكأن الزمن لم يوقفه؟

لا يجيب المرزوقي على هذه الأسئلة بشكل سريع، بل يحبك سِيَرا بين الواقع والتخييل ويسرد وضعيات ويختلق أحداثا كأي قاص مبدع حتى ينتهي القارئ إلى أن المصالح والرتب في السلم الاجتماعي والخوف أحيانا ووجود من ينتحل صفات لتحقيق مآرب معينة على حساب ألام الآخرين كلها تلتئم لتجعل من اندماج معتقل سياسي سابق في السيرورة الاجتماعية الطبيعية مسألة معقدة.

إذا كانت الكثير من الكتابات التي أنتجها الخارجون من سجن تازمامارت شهادات على ظلمات الأقبية وأعمالا تتوخى، في الغالب، صيانة الذاكرة ومعالجة جروح النفس والجسد، خاصة أن "الجسد هو الذاكرة" الحقيقية الجلادون بما وشمه على تفاصيله ، فإن "محنة الفراغ" شهادة على ظلم سجن جديد وإن بدا بلا جدران أو قضبان.

لقد شكل خروج معتقلي تازمامارت في أوئل تسعينيات القرن الماضي حدثا سياسيا وإعلاميا كبيرا، إلا أن هذا الخروج كان بابا لأسئلة كثيرة بالنسبة لهولاء. أسئلة تفرضها مظاهر التبدل التي طرأت على البنايات والمنشآت والواجهات والسيارات. ترى هل تغير الناس أيضا؟: "كل شيء تبدل باسم الله الرحمان الرحيم. الناس... السيارات... والأخلاق... اللباس... العادات... إلا الأصدقاء..." يقول عبد الله، الشخصية الرئيسية في إحدى القصص، بنبرة من تملكته الدهشة واعتراه العجب، ولكنه يخلص بعد عناء اللقاء مع صديق قديم إلى "أن الدنيا قد تبدلت حقا". الدنيا بكل شساعة المعنى ! وبذلك يكون عبد الله قد أدرك أنه داخل سجن آخر. سجن "الفراغ". فبأي شيء كان يحلم المعتقلون، أو على الأقل بعضهم، أكثر من استعادة الدفء الإنساني الذي أوقفه الاعتقال في الزنازين الانفرادية الباردة؟ وهو ما يعكسه الاستثاء الذي استبق به الأحداث: "إلا الأصدقاء".

قراءة "محنة الفراغ" بالشكل الذي كتبت به من لغة سهلة وسخرية لاذعة أحيانا، ومن استحضار الأزمنة وتداخلها لتوليد المعاناة وإنتاج المرارة، تنتهي إلا الإقرار بأن الكتابة هي في نهاية المطاف، من خلال هذا الكتاب على الأقل، محاولة لإعادة الاعتبار للذات المسحوقة قبل وبعد وأثناء الاعتقال. هذا الأخير جعل الذات تدرك أن العالم منذور للتحول، وأن عليها أن تجد لنفسها مساحة لتتكيف وتعيش وتنتصر على الموت ولو مؤقتا، وأن عكس ذلك معناه الركون إلى الصمت واجترار الآلام أو الذهاب طواعية إلى هاوية الانتحار.  

إعادة الاعتبار للذات في "محنة الفراغ" تتخذ في أحيان كثيرة نوعا من "تصفية الحساب" مع الواقع الجديد ورموزه، سواء عن طريقة السخرية منه أو فضح عدد من الممارسات والظواهر نكاية في الحضور الطاغي لهذه الرموز ولوطأة هذا الحضور. يبدأ المرزوقي معركته مع الواقع باستحضار "قبطان" من زمن الاستعمار وتحدي شاب أعزل له، ليصل إلى شخصية "غوجبان" الذي بالرغم من وضعه الاجتماعي الميسور مريض بسرقة أشياء الآخرين، دون أن يمنعه هذا الداء العضال من الترشح للانتخابات "بنية نشل مقعد في البرلمان يمكنه كما زعم من خدمة وطنه بانتشاله من براثن الفساد والمفسيدين". هكذا يقلب المرزوقي كل "الآيات" كي يكتب الواقع الحقيقي وقد تغير كثيرا عما كان عليه قبل عشرين عاما.

لم يقتصر الكاتب على سبر آثار سنوات الاعتقال، ففي هذه المجموعة القصصية تتجاور موضوعات عدة وقضايا متفرقة بين السياسي والاجتماعي والهروب إلى فيافي الذاكرة القريبة والبعيدة، وهو بذلك كمن يحاول الاحاطة بكل شيء استدراكا لما فاته من الحياة، وإمعانا في مقاومة الألم.

 

..................

•محنة الفراغ، قصص، أحمد المرزوقي. منشورات طارق – الدار البيضاء – المغرب، 2012

حول مجموعة القص "وثابة كالبراغيث" .. تكثيف السرد وتحقيق الهدف النبيل

amir hushamعندما حضرتُ الندوة الأولى للقصة القصيرة جدا العربية والتي عقدت في مدينة الناظور المغربية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، كان الهدف الأساس التعرّف عن قرب على مجموعة فاضلة من كتّاب هذا الفن السردي الجريء الذكي والأطلاع على التجارب الحديثة في القصة القصيرة جدا. وقد تحقّق جلَّ ذلك وزيادة بأن أتيحت الفرصة للحصول على مجاميع قصصية في هذا الفن لكتّاب شباب من أهل هذه المدينة الجميلة "الناظور" ومن الذين بدأوا حياتهم الأدبية نشرا لمجاميع قَص قصير جدا يشبه ومضات تختلف بدرجة تألقها، تهدي السائرين الى طريق مقصود بعينه، ينقذهم من حفر وفجوات زمن لا يرحم. وهكذا ألتقيت بالقاص جمال الدين الخضيري أبن مدينة الناظور وحامل لواء جمعية الجسور الثقافية التي أشرفت على تنسيق ندوات فن القصة القصيرة جدا حينذاك. وكان لي أن أمرّ على مكتبة في المدينة لأقتني مجموعة القاص الخضيري للقص القصير جدا والمعنونة ب " وثابة كالبراغيث" لتذكرّني بالمدينة والأنسان وهموم القصة في مغربنا العربي. وما ذلك إلاّ لأنها مجموعة قَص أحتوت على ٨٧ قصة قصيرة جدا هن عندي وفي خاطري تلخيص لمعاناة وتفصيل مركز مكثف لواقع حال إجتماعي-سياسي- أقتصادي عربي مغربي له طابعه الإنساني أيضا. وهكذا تبقى عندي القصة القصيرة جدا متابعة لقضية الأنسان بتركيز وتكثيف يحترم ذكاء البشر في الوقت الذي يفجر عند المتلقي أسئلة وجودية سياسية فكرية وأجتماعية لتحقيق المراد والمطلوب. وفي واقع الحال فأن المتلقي القاريء لا ينفر من قراءة مثل هذا السرد الممتع القصير السهل الممتنع أسلوبا لأنه يحاور عنده خياله وتوقعاته وواقعه اليومي المعاش، والذي يوّد القاريء أن يستزيد هو تفصيلا فيه وعليه فيكتسب النص القصير جدا أبعادا أضافية كان يبغيها القاص أصلا وأساسا.

ولعل في مجموعة " وثابة كالبراغيث" دلائل على كل ذلك. فالقاريء يجد في القصص ما يدين ويكشف الفساد والمفسدين مما تميّزت به نهايات قصص بعينها. فها هنا في قصة " الرقص في زمن ذي مسغبة" تقرأ : والغريب أنه الى يومنا هذا ما زالت تتناسل الرقصات وتتناسل معها المسغبة. وفي قصة " أكتشاف" تقرأ: المنطقة طاردة ولا يمكن أن يعيش فيها الا ذئب ومعلّم. وفي قصة "أنبعاث وحش" تقرأ عن سؤال : ما هو الحيوان الذي ضاقت عليه دائرة سقوفه، فأجبر على التنقل من سقف خيمة الى سقف مظلة ثم الى سقف عمامة إنطبقت عليه مشنقة؟.. وفي قصة "أكياس في مهب الريح" تقرأ: رأيت حشودا من بني جلدتي يصيحون ويمجدون زعيم الحي، وهو الزعيم نفسه الذي نددّوا به صباحا ولاطوا صورته بالأرض.

ثم أن المجموعة القصصية لجمال الدين الخضيري تغوص في عمق مشاكل المجتمع وثابة بمعول حاد لتكشف المرتشين في قصة " شفيرة تفيد المرتشي" والمدمنين في قصة " جحر الضب" والمنحرفين سلوكا أجتماعيا كما في قصة " ذوبان" لتذهب أبعد من ذلك فتعالج موضوعة السياسة وما سمي بالربيع العربي فتكون قصة " آخر المنقرضين" دلالة ومعنى، كما تكون قصة تراجيكوميديا رمزا لمشهد سياسي عربي يوصف بالمضحك المبكي: قال لنا المخرج المسرحي الكبير: منذ مدة لم أقف عند مشهد تراجيكوميدي بشكل دقيق في ركحنا العربي الا عندما استمعت الى كلامه وتتبعت أفعاله، فأقعيتُ وتعصفرتُ بالتراب من شدة ضحكي، وفي الوقت نفسه ندبتُ وجهي ومزّقتُ ثيابي من شدة بكائي وتأثري.

وفي المجموعة القصصية تناص تراثي لا تخطأه عين القاريء كما فيها البلاغة من جناس وطباق وتورية كما فيها الحكمة والقول المأثور: عندما رأيته متصنعا الأرتجال، تيقنّتُ أنه أزف موعد الأرتحال ( قصة أرتحال)، قبّح الله حرفا ساق حتفا ( قصة خصلة)، ومتى ما عمَّ المصابُ هان ( قصة جريرة وتوأمان)، اذا ما سحّ العقلُ شحّ الكلام ( قصة ماخط الماء). ثم أن القاص الخضيري متأثرا بتشيخوف وغوغول راح يسخر قاصا فيثير مشاعر حزن عند متلقيه الذكي المدرك الواعي، وهكذا تصبح خوذة (المحارب) مثلا تلك الملقاة في شارع، مادة للتندر: تحلّق حشد من الناس حول خوذة حديدية ملقاة في الأسفلت. همسات تتساءل: أي ريح حملتها هنا؟

قيل انها خوذة محارب غابر أو هارب

قيل أنها لمتسابق دراجات نارية

قيل أنها لن تكون إلاّ خوذة باطنية منجمية

جاءت من أقصى الزقاق أمرأة تتعثر في سمنتها، تنعى زوجها وخوذته التي كان يرتديها حين يقتسم معها السرير (قصة نعي في الأسفلت).

لقد أثبتت القصة القصيرة جدا قدرتها على التأثير في المتلقي من خلال جملتها المختصرة الواعية المكثفة الوجيزة ذات المعاني والأهداف، وعليه فهي فن الحاضر المعاصر وفن المستقبل. وإذا كان القاص المغربي الخضيري قد أصدر مجموعته القصصية هذه في عام ٢٠١١ وأصدر قبلها مجموعة " فقاقيع" كما أصدر بعدها مجموعة قصصية أخرى حسب علمي فأن المسؤول الثقافي لابد له من التعريف الواسع بنتاجات هذا الأديب القاص ومحاولة تشجيع نشر مجاميعة في مجلد واحد وأستخدام تقنيات التواصل الأجتماعي الحديثة لنشر أبداعات القاص وتشجيعه بما يلزم لعمل ذلك.. ففي مثل هذا العمل المهم فائدة لمجتمع، وتشجيعا لأدباء آخرين أغنوا واقع القصة القصيرة جدا العربي بكل ما مبدع ومؤثر ومدهش وجميل.

هل ينقد العالم الافتراض الحب من الخرافة والشعوذة في رواية طريق الغرام؟

alkabir aldasisiنواصل معالجة الرواية العربية المعاصرة بنون النسوة ، وفي هذه الحلقة نقدم باكورة كاتبة صنعت اسمها في ميدان القصة القصيرة بالمغرب قبل أن تقتحم عوالم السرد الطويل ، نقصد ربيعة ريحان فبعد إصدارها لعدة مجموعات قصصية قصت شريطها بمجموعة (ظلال وخلجان) التي قدم لها الروائي العربي الكاتب السوري حنا مينا وقال فيها وقتئذ: (لقد ولدت مع هذه المجموعة قاصة رائعة في المغرب العربي كله ومعها سيكون للقصة العربية القصيرة شأن آخرمع قصص المرأة في الوطن العربي بأسره ..) لتدفق نتاجها القصصي عبر مجموعات مثل (مشارف التيـه سنة 1996، ( شرخ الكـلام) و(مطر المسـاء) سنة 1999 وقد توجت هذه المجموعة الأخيرة ب( جائزة الإبداع النسائي) إضافة لمجموعة (بعض من جنون) سنة 2002 ومن أحدث مجوعاتها القصصية (أجنحة للحكي) و(كلام ناقص) ...

بعد هذا المشوار الحافل في المساحات السردية القصيرة تقتحم ربيعة ريحان غمار الكتابة الروائية ومسافاتها الطويلة بأول رواية لها (طريق الغرام) الصادرة سنة 2013 عن دار توبقال للنشر، وهي رواية تمتد ورقيا عبر 180 صفحة من الحجم المتوسط تؤكد من خلالها الكاتبة استعدادها تقديم رؤيتها للعالم من خلال جنس الرواية...

الرواية تحكى بضمير المتكلم على لسان البطلة فوزية أو (فوز) كما يناديها عشيقها الافتراضي يوسف، يتراوح السرد فيها بين الماضي (تجربة حب أثمرت زواجها بسميـر، زواج لم يعمر طويلا بعد اكتشافها لإدمانه وشذوذه وتغير سلكه وتصرفاته معها) وبين الحاضر (علاقة حب افتراضية نشأت عبر التواصل الإليكتروني مع يوسف الشاب العراقي المستقر بلندن ) ، وبذلك تتمحور أحداث الرواية حول تجربتين لفوزية السيدة المطلقة٬ ابنة مدينة آسفي٬ التي تجتر فشل تجربة الزواج بـ "سمير" وتصف وتفاعل أسرتها ومحيطها مع طلاقها٬ لتجد نفسها أمام إغواء تجربة جديدة عبر علاقة افتراضية بيوسف جاءت في مرحلة فراغ عاطفي وكأنها كانت (وفي حاجة إلى من يملأ فراغها وتفرغ عليه همومها)[1]

ومن تم يكون عنوان الرواية (طريق الغرام) قد قدم للقارئ فكرة مسبقة عن هذا الطريق الذي قالت فيه الساردة (طريق حب وغرام محفوف بالمخاطر)[2] سلكته ربيعة ريحان وهي تصف ما ينشر على حافة هذا الطريق من عادات، تقاليد ، أعراف... ومما تكتنز به الذاكرة الخاصة للكاتبة و الذاكرة الجمعية للمرأة المغربية عامة في علاقة المرأة بالرجل، مستحضرة عقلية المرأة المغربية وطريقة تفكيرها في علاقتها بالرجل، وما يشوب هذه العلاقة من طقوس عادات .. وما يروج من أمثلة شعبية أوردتها الرواية على لسان شخصياتها وخاصة عمة الساردة، وهي أمثال مقتبسة من واقع الحياة اليومية تلخص عصارة تجربة أمة في موضوع العلاقة بين الجنسين ، وهو ما أكسب أحداث الرواية واقعية سعت الساردة إلى تكريسها وتوهيم القارئ بواقعيتها من خلال الإحالة على أمكنة و شخصيات حقيقية بمن فيها الكاتبة نفسها تقول الساردة: (أشتغل على بعض القصاصين المغاربة الذين أحببتهم كثيرا وشدتني تجربتهم بدءا من شكري وبوزفور وزفزاف مرورا بلطيفة باقا وربيعة ريحان)[3] وكأنها بذلك تريد التمييز بين الكاتبة (ربيعة ريحان) والساردة (فوزية) والرد على من يتهمها بكتابة سيرتها في عمل روائي ، ويحاول ربط تفاصيل الرواية بحياة الكاتبة..

إن رواية طريق الغرام تجعل من الحب تيمتها الأساسية، وعلى الرغم من كون الحب شكل محور الكثير من المؤلفات السردية في الثقافة الإنسانية منذ القديم، فإن ربيعة ريحان وسمت هذه التيمة بتجربتها الخاصة ، فنسجت أحداثا (لا يهمنا في شيء إن كانت واقعية أو خيالية) أبطالها ثلاثة شخصيات تفاعلت في مسار سردي يشد القارئ : فبعد فشل فوزية في تجربتها مع سمير تدخل عبر البوابة الإلكترونية تجربة ثانية وكلها حيطة وحذر وخوف من تكرار فشلها: (من يضمن لي أن هذا التمادي الحلو لا يقودني إلى حتف آخر؟)[4] قبل أن يجرفها طريق الحب وتجد نفسها منساقة مع تياره الجارف، بعد أن فعلت رسائل يوسف فعلها السحري (كتابات غيّرتْ واقع حياتي وجعلتني أفتح نوافذي لأستقبل تلك الإشارات التي يرسلها إليّ، والمشاعر الحنون التي تمتلئ بها روحي. «أنا بانتظارك»، موحية وجذابة هذه الكلمة لامرأة رومانسية مثلي، كانت عاشقة بامتياز وانصدمتْ، لكنّها لم تستطع أن تتخلص من تحليقها الحالم وستظلّ إلى الأبد تهزها بعمق تعابير شفافة كأنما هي ضوء باهر)[5] .

هكذا يكون طريق الغرام في الرواية طريقا سيارا باتجاهين مختلفين:

- طريق واقعي غير سالك بدأ في رحاب الجامعة عند التقاء فوزية وسمير لقاء نتج عنه علاقة تعارف انتهت إلى علاقة حب وعشق ثم زواج، ليعيش العشيقين تحت سقف واحد، وتكون النهاية الماسأوية باكتشاف فوزية لإدمان زوجها وشذوذه بعدما استحالت علاقتهما عنفا ولامبالاته وبرودة جنسية من قبل زوج غدا يتجاهلها يعنفها ويبحث عن لذته مفعولا به مع أبناء جنسه، فكان الطلاق نهاية طبيعية لتطور الأحداث

- طريق افتراضي حالم كانت بدايته بالتعرف على يوسف عبر رسائل إليكترونية تطورت لتصبح رسائل غرامية طافحة بلغة شعرية وتعابير رومانسية لم تجد أمامها فوزية سوى سلك هذه الطريق الناعمة إلى نهايتها ، وإذا كان طريق الغرام الواقعي قد انتهى بالفراق ، فإن الساردة اختارت لطريق الغرام الافتراضي نهاية أخرى بالتقاء العشيقين وإخراج غرامهما من الواقع الافتراضي إلى الواقع الأمبيريكي الملموس، حبا طاهرا صادقا مفضلة وضع حد لأحداث الرواية بمجرد التقاء العشيقين...

إن ربيعة ريحان بتمييزها بين هذين المسلكين في طريق الغرام تكون قد انحازت إلى الحب الافتراضي الإليكتروني، بإنجاحها لعلاقة لم ير فيها العشيقين بعضهما البعض ، وحكمها بالفشل على علاقة اختار العشيقين بعضهما عن قناعة، وأحبا بعضهما وتحديا بحبهما سلطة الأسرة والمجتمع، وكأنها بذلك تمرر رسائل لأولئك المتخوفين من ربط علاقات عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتهمس في آذانهم بأن العلاقات الافتراضية أأمن من علاقات الواقع الملموس ... وحتى تُبقي الحب الافتراضي طاهرا اضطرت إلى إنهاء السرد بمجرد التقاء العشيقين في الواقع بمراكش، وكأنها تخشى على هذا الحب من ملوثاث الواقع، في مقابل ذلك أناطت بحب الواقع (مع سمير) كل الشرور من شعوذة، خرافة ، سحر، شذوذ ... وهي أمور لا أثر لها في العلاقات الافتراضية حسب تطور الأحداث !!وعلى الرغم من تكرار البطلة رفضها لكل تلك السلوكات المرتبطة بالسحر والشعوذة التي نصحتها بها النساء، فإن الرواية حاولت رصد بعض ما تقوم به النساء للحفاظ على الرجل ..فما هي تجليات ذلك في رواية طريق الغرام ؟؟؟

استطاعت رواية طريق الغرام معالجة عدة قضايا اجتماعية وإنسانية، جاعلة من الحب تيمتها الأساسية، محاولة انتقاد المعتقدات التي تركبها بعض النسوة للوصول إلى قلب الزوج أو للحفاظ عليه بعد الزواج ، أو إعادته ذليلا في حالة الطلاق ، في مجتمع فيه ( أغلب النساء مسكونات بهاجس الخوف من ضياع الأزواج، لاشيء يجعلهن يهدأن ، أو تطمئن قلوبهن إلى مصائرهن إلا بتزكية من السحرة والشوافات...) ومعظمهن مقتنعات (بداهة احتمال خيانة الأزواج لهن، أو تطليقهن أو تركهن على الهامش كلما حلا لهم ذلك ( أو كلما ) تتبدى لهم صورة امرأة لعوب يمكن أن تسلبهم عقولهم ) فزوجة العم ظلت تردد على البطلة قولها ( أنا دائما أدعو على عمك بالزلط (الفقر) لأن الرجل إذا ترفح (اغتنى) ترفه )[6] أمام هذا الخوف الشديد من ضياع الزوج تبرر الرواية (رغم رفض البطلة لذلك) لجوء النساء إلى ربط الحب بأعمال الشعوذة والسحر ، ولعل من أهم هذه المعتقدات رسوخا في الذاكرة الجمعية المغربية ما يعرف ب(الشرويطة) التي تعرفها الساردة معلنة عن موقفها منه بقولها (إنه حل غيبي تمارسه الكثير من العاجزات عن التوصل إلى حل فعلي لمشكلاتهن الزوجية)[7] ومع ذلك فالكثير من نساء الرواية تعتبر الشرويطة السبيل للتحكم في الرجل ، وتسييره على هوى الزوجة، وإذا ما ظفرت امرأة بهذا الكنز الثمين فإنها تعمل كل ما ي جهدها للحفاظ عليه بعيدا عن العيون في أأمن الأمكنة ولا تظهره إلا عند الحاجة: ( هذه الكتانة التي تتهافت النساء على امتلاكها، خفية عن أعين الرجال ويحرصن على حفظها في أماكن سحيقة من الخزائن المعتمة، ولا يشهرنها كرايات حمراء إلا عند الضرورة والبعض يضيف إليها بخورا وأعشاب كأنما تحنط الواحدة منهن كائنات مذهلة..)[8] أن معظم الأمهات توصي بناتهن بالحصول على هذه الكتانة الغريبة التي لها من القوة ما يركع الرجالات الجامحة وتصف الرواية كيفية الحصول عليها:( حين تنام المرأة مع زوجها وبعد أن تمضي معه أحلى الأوقات أو أتعسها تحرص أن تحتفظ بذلك الشيء المشترك بينهما ، الذي مسحته في خرقة بيضاء بعد لحظة الذروة في الجماع )[9] لكن الحصول على الكتانة غير كاف فلا بد من طقوس وطلاسيم حتى تؤدي مفعولها، تلخصها الرواية ( يكفي أن توجد تلك الكتانة العفنة ومجمر صغير وأبخرة فينعكس كل شيء من أول سطر الحكاية إلى آخرها )

فبعدما طلق سمير فوزية، اعتبرت نساء الأسرة الطلاق كارثة ، وأول ما طالبت العمة به فوزية هو الشرويطة تقول العمة: (هات فقط الكتانة أو أي قطعة من ثياب سمير مما هو موجود عن فوزية) ورغم كل هذا فالكاتبة كان هدفها انتقاد هذه الأفكار الخرافية ،وقد عبرت عن موقفها من خلال البطلة التي كانت ترفض كل ما تمليه عليها العمة وباقي النساء، واصفة الشرويطة بأنها(حل غيبي لا يلجأ إليه إلا العاجزات من النساء ) وتعلن الكاتبة عن موقف فوزية في قولها (حديث الكتانة عالم متشابك من الخزعبلات والسفه وكل من تمتاز بإيقاعات ارتجالية في الكلام تستطيع أن تفتي في الموضوع) كما أن فوزية حاولت أن تـُرفِـّع أسرتها عن هكذا سلوك تقول:(لم يسبق لأمي أن تداولت معي شيئا من هذا القبيل ولو من باب التلميح) معلنة تذمرها من ذلك النوع من الفتيات اللواتي ( يكسرن الحواجز بينهن وبين أمهاتهن ما أن يبلغن المراهقة أو حتى قبلهن ، ويشاركن الأحاديث في تفاصيل حميمياتهن بعد أن يكبرن ويتزوجن أو حتى عن أصحابهن لكن علاقتي بوالدتي اتسمت دوما بالتحفظ) وتبدو فوزية حالة نادرة في مجتمع كل النساء فيه مقتنعات أن في مثل حال الساردة بعد انفصالها عن سمير ( الذهاب إلى فقيه أو شوافة أمر واجب ) هكذا تغوص الرواية بالقارئ في عالم تفهم النساء تفاصيله، فأينما حلت وارتحلت البطلة تحيطها الكاتبة بالخرافة والشعوذة : ففي المنزل كل النسوة يلمنها على عدم اكتراثها بالشرويطة ويلمن في ذلك الأم وتلخص العمة موقف النساء قائلة: (بنتها حمارة مثلها ، كانت تثق في زوجها ثقة الأعمى في الظلمة وأكيد ليس لديها شيء) ، حتى وهي في خرجاتها السياحية في مراكش تتطاول عليها الشعوذة من كل حدب وصوب : (الشوافات المقرفصات تحت المظلات الشمسية المهترئة ... يلوحن لنا بأوراق الحظ الموضوعة على سجادة شرقية مهترئة ) وإن حاولت الساردة إظهار امتعاضها من الشعوذة فإنها كانت تبرز إقبال صديقاتها عليها، وتبرز كيف أن الحب هو موضوع حديثهن: وأنهن لا حديث لهن إلا كيفية إسقاط الرجل ، وكيفية الحفاظ عليه إن سقط في الشرك تتساءل شوافة في مكر: (هل هناك من لا تحب الرجال ؟ ولا تحب ذلك الشيء؟؟) [10] ، فالمشعوذات يوهمن كل غير متزوجة بأنها مسحورة، وأن المشعوذة قادرة على إبطال سحرها فنراها تستدرج البطلة بقولها:(عندك سحر ،أيتها الغزال ،اسأليني أنا ، تعالي لكي أبطله لك ...)

إن الرواية تعترف بانتشار الشعوذة في المجتمع وأن الظاهرة ( ليس إشاعة بالطبع ولكنه تهول بشكل مقنع وضار، ويؤذي في السمعة مما جعلنا كأننا وحدنا في العالم نمارس هذا الطقس الإنساني المشترك)[11] ولتصحيح الوضع نصبت ربيعة ريحان الساردةَ فوزية محامية للدفاع عن سمعة المغرب فنراها تارة تهوّن من الظاهرة ( لسنا مسجلات في باب (خطر جدا) ولسنا في أدغال إفريقيا) .. وتارات أخرى تبرز أن معظم المغربيات لا تولين أهمية للشعوذة: (منا الكثيرات اللاتي يعشن كارهات لتجاربهن الزوجية لكنهن غير مقتنعات بالانتماء إلى تلك الجوقات التي تطبل للغباء ) وأحيانا أخرى تلقي باللوم على الأحكام المسبقة والإشاعات التي تكرست في عقل الآخر عن المغربيات انطلاقا من بعض الحالات:(إننا ابتلينا في الخارج بتلك الصورة المخجلة عن كوننا منفتحات جدا منفتحات فقط ؟؟ ! بل يصفوننا بالعاهرات لأن منا ذلك الكم الهائل من البنات اللائي يذهبن إلى تلك الجنات المقيتة في الخليج للفجور)[12]

يبدو أن هم الكاتبة كان محاولتها الدفاع عن العلاقات التي تنشأ عبر التواصل الافتراضي وفي ذلك إشارة إلى علاقة المبدعين بهذا العالم الحديث الذي انتشر بسرعة وجعل كل المهتمين بالمجال الإبداعي - حتى أشدهم رفضا له، ينجذبون إليه وينتصرون له، وبيد أننا وجدنا البطلة تمتعض من بعض التعليقات والرسائل الإليكترونية و المعاكسات وتصف بعض مظاهر الشذوذ في هذه العوالم كقولها : ( الرجل الذي يتصل بي على مدار الساعة ويضايقني ، لا يستحيي من اعتذاراتي المتكررة .. يدخل مباشرة في غزل فج وكلمات جنسية ماجنة . أرمي التليفون بعيدا عني .. ويصلني فحيح أنفاسه ولهاته كأنما يمارس الجنس مع امرأة في السرير هؤلاء شواذ من نوع آخر)[13] فإن ذلك لم يصل إلى مستوى الشذوذ الذي شاهدته من زوجها على أرض الواقع فاعتبرت اكتشافها لشذوذ سمير ضربة قاضية :(الضربة القاضية التي جاءتني من سمير .. كانت عبارة عن ملابس داخلية حريرية للرجال أخفاها بشكل ماكر بين طيات ملابسه فعثرت عليها بالصدفة كما عثرت على تلك الصفائح الصغيرة من الحشيش ذات يوم) بيكيني أحمر رجالي بالدنتيل ؟؟ومنديل عنق حريري وأكسسوارات ، أشياء من النوع الذي يرتديه أصحاب البورنو ) [14]

اكتشافها لشذوذ الزوج الذي أحبته واختارته رغما عن أسرتها أدخلها في دوامة من الحيرة والشك ، وجعلها تتخيل سميرا في وضعيات مهينة وتتساءل : هل يكون سمير لواطيا يضاجعه الرجال ؟؟ هل يضع سمير الكريمات وأحمر الشفاه كلما خلا به رجل ثم يتدلى ويتهادى ، ويفعل كل الأمور الخاصة التي تفعلها النساء؟؟ ولماذا يذهب به الحال إلى أن يرمي نفسه تحت أفخاذ الرجال ؟؟ وإذا كان كذلك لماذا جنى علي وتزوجني؟؟

يستنتج من خلال رواية طريق الغرام أن الكاتبة حاولت فيما يشبه سيرة ذاتية إماطة اللثام عن موضوع يدخل ضمن الطابوهات ، وأنها تعاملت معه بحذر شديد خائفة من تكريس ما يشاع عن المرأة المغربية ، فجعلت البطلة حذرة في ردودها وتعاليقها حتى في قمة الهزل تقول عندما غازلها سمير مرة تقول (خطر ببالي أن أرد عليه متهكمة بعنوان سكيتش (الزين والبنزين) لكنني لم أفعل كان في ذلك إشارة إلى العهارة المغربية بالخليج)[15] كما أن البطلة لم تتوان لحظة في إعلان رفضها وشجبها للشعوذة، فقدمتها الرواية في صورة المرأة العفيفة الطاهرة الخجولة المجتهدة والناجحة في مشوارها الدراسي، المرأة التي تقطر رومانسية وتفيض شاعرية القليلة التجربة التي لم تعرف رجلا قبل زواجها المخلصة لزوجها رغم شذوذه وإدمانه ، الخافضة لصوتها الكاتمة لأسرار بيتها فهي لم تكلم أحدا بما يدور بينها وبين زوجها رغم تعنيفه لها، تعتبر الجرأة قلة حياء لذلك تقول عن نفسها (إن أي حس بالجرأة لم أكن أمتلكه)

إن رواية طريق الغرام رواية رومانسية من نوع خاص ، لأنها بنيتي على التقابل بين واقع مرفوض كل ما فيه ينبئ بالفشل ، وواقع منشود تطير في سمائه طيور المحبة، يفيض من الحب والشعر

وبذلك تكون الرواية قد نجحت في إدخال ربيعة ريحان إلى عالم الرواية العربية المعاصرة، وأن كان طابع القصة القصيرة لا زال يشدها إليه ، فقد انطلقت الرواية بقوة وجرأة لكن سرعان ما دخلت في تمطيط الفكرة فكانت الرسائل بين يوسف و فوز استطرادا مملا في الكثير من مقاطع النصف الثاني من الرواية، كما أن طول النص جعل الكاتبة المعتادة على القصص القصيرة تخلط في كثير من المرات بين سمير ويوسف كما في هذا المقطع ( إذا كان يوسف الذي أحببته وتزوجته .. قد تنكر لي بكل قوة وأذاقني العذاب فما الذي يمكن أن أتوقع من رجل بعيد وغريب يعرض صداقته وحبه على النيت)[16] والأكيد أنها تقصد سمير

[1] - ص - 92

[2][2] - ص - 122

[3] - ص - 118

[4] - ص - 106

[5] - ص - 111

[6] - ص - 47

[7] - ص - 43

[8] - ص - 43

[9] - ص - 47

[10] - ص - 24

[11] - ص - 42

[12] - ص - 42

[13] - ص - 168

[14]- ص - 119

[15] - ص - 32

[16] - ص - 122

معلومات إضافية