المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

صلاح فائق: الشاعر الذي يحرضنا على التحديق في تفاصيل الكون

أود اولا ان اقدم جزيل شكري وامتناني للاصدقاء المشرفين على هذه الندوة ، ومنهم الشاعر محمد حربي، والشاعر والمترجم محمد عيد ابراهيم والشاعرة مها شهبة .. لاتاحة هذه الفرصة لي للقاء بكم وبالجمهور الحاضر حول الشاعر الحاضر بيننا رغم عدم حضوره في الامسية صلاح فائق.

ميزة هذه الامسية انها لامؤسساتية. انها تحمل خفقات قلوب افراد واحاسيس من يقف خلفها وحماسهم للاستشراف على الآخر خارج الشلليلية الثقافية ، اي انها تسعى لترسيخ تقاليد ثقافية تنتمي الى الابداع وحده.

مداخلتي ستكون مكثفة وقصيرة جدا لكي لا تفقد الامسية بهجتها الشعرية. وتقوم هذه المداخلة على الاشارة الى اربع سمات يتصف بها شعر صلاح فائق. وهذه السمات هي :

- المفاجأة

- المفارقة أو المشاكسه، كما يحب الشاعر ان يسميها كذلك بنفسه

-الاحتجاج واخيرا

- التكرار، وهو تكرار بالمفهوم الكيرككوردي، نسبة الى المفكر الدانماركي الوجودي سورن كيرككورد، اي بمعنى الاستعادات التي تحيلنا على الحاضر، رغم انشغالها بتفاصيل االماضي .

صلاح فائق شاعر لا يحتاج الى تعريف، فهو شاعر غزير الانتاج وهو انتاج بقي مواصلا اصالته الابداعية ، منوّعا عليها، مثريا خفاياها. ولهذا فان شعره يحتاج الى بحث اعمق وتدقيق اكبر في اللغة، البناء الشعري، الصورة الشعرية، الاستعارات الفكرية والادبية، الرمز، ثم التركيبة اللغوية الداخلية للمعنى الشعري في قصائده.

تعتبر المفاجأة واحدة من الركائز الاساسية في قصائده، وهي مفاجأة لا تنبع ، كما يعتقد البعض من انشغاله السريالي بالتركيب اللغوي، الذي يرتكن على على ما هو غرائبي، بسبب ان قصائده متخمة بحيوانات غرقى، نساء عاريات في لحظات غريبة، كلب اضاع عظمته، ملوك هاربين، "محيط ماؤه قليل" ، شتائم طويلة ، زلازل، فيضان مباغت وغيرها من عشرات الصور والالتقاطات الشعرية. فهذه الالتقاطات التي تحمل سمة المفاجأة ما هي الا اختيارات وافعال انسانية راهنة، تغترف من وعاء اليومي المسّربل بمزيج من المتخيّل والواقعي، من الولادة والموت، خراب الاشياء او ديمومتها، من هزائم الانسان وانتصاراته . وهذا يكشف لنا و يساعدنا كقرّاء ومتلقين على ان نقف لحظة لنحدق لا في العالم من حولنا وفي صيرورة الاشياء التي يتناولها في قصائده بل وايضا في دواخلنا لاكتشاف المتضادات، او ما يسميه كيرككورد المفارقة - المشاكسه، وهذه هي السمة الثانية التي يتميز بها شعره. وهي مفارقة ومشاكسه ديالكتيكية غير طاردة او نافية للآخر، بل تعيش معه ، انها المتقابلات الحياتية التي نعيش صراعاتها الدائمة والتي يقوم عليها وجودنا باكمله. وتكمن قدرة صلاح فائق على جمع كلّ هذا الكم الهائل من التفاصيل الصغيرة اللامرئية احيانا في قصائده، حسب رأيي، هو انشغاله الصارم بمعاينة الاشياء ، حد الوله والافتتان بها..فالشاعر الحقيقي المبدع، هو الذي يرتعش لموت فراشة، او انكسار مساعي نملة في كفاحها اليومي، او عويل امرأة ، او خيبة طفل، او تحطم باخرة، حيث نجده ونعثر عليه صاحيا في كل هذه التصورات والصياغات الشعرية. الا ن انشغالاته الشعرية هذه لا تكتفي بما هو عادي ، مقبول ، بل تتجاوز المألوف و ترمي الى ابعد من ذلك؛ اثارة السؤال، وهو سؤال مفتوح قابل للتأويل المستمر، المشرّع على احتمالات عديدة. كما ان الشاعر لا يكتب ، على الرغم من الانشغال باليومي، بدافع ايديولوجي ، او تحت يافطات او شعارات ترفعها حكومات او مؤسسات. انه شعر نبت و ترعرع خارج المؤسسة وبالضد منها باشكالها الثلاثة ، الحزبية والحكومية والشعبية، او كما كتب الشاعر يوم 25.02.2015 على صفحته في الفيسبوك في توضيح على بعض الاسئلة المتعلقة بالسبب في انصرافه عن التعليق على الاحداث السياسية كما يلي ؛

" ساعمل على الكشف عن الشعري في الحياة اليومية، وقيمه ، وفي حياتي المتنوعة والغنية ، لانها بدأت من السومريين، مرورا بأيامنا، والى الافق"

انه يكتب اوجاعه، احلامه الضائعة وكلّ مايقلقه في تفرده ووحدته. او كما يكتب في احد نصوصه:

" فحياتي منعزلة،

وهناك أحجار ثقيلة تسكن روحي

:انها ضباع هاربة من كتاب مقدس

أو كاميليات مذعورة من غقتراب سور"

ولهذا يتسلل شعره، رغم عمق تصوراته وافكاره وغرائبيتها، الى قلوبنا ، لان قصائده تحدق ايضا في نزيفنا المفتوح على مداه، وتؤشر بسبابة غاضبة الى خرائبنا ، خراب الانسان ، فزعه وهزائمه ، ولكن ايضا الى سعاداته وافراحه القليلة . انه يحرضنا عبر الغضب المتهكم باستمرار ، كما في واحدة من قصائده الاخيرة :

" هذا العالم يستحق شتائم طويلة

بدل أن نملأ جيوبنا بالتوت

برسائل ممزقة

أو نصفع عميانا في أزقة "

وهذه هي السمة الثالثة في شعره، اعني الاحتجاج. إذ لا تخلو قصيدة من قصائده من هذا الاحتجاج ، من ومضة غضب ساطعة واحيانا بصورة مموهة، ضد كلّ ما يخدش جمال الانسان وروحه والاشياء في الطبيعة، لكنه مع ذلك احتجاج وغضب غير متبرم او كاره بل واع، يحرث في ابعاد ما هو شعري وجمالي، فالسمة الاحتجاجية عند صلاح فائق ، تنبع من مهة الشعر ذاته التي تهدف الى تحفيز طاقة التخيّل والاحساس بالوجود، أنه ليس أداة تخدير او أنشغال مؤقت بما هو عرضي، بل " لسرد مشاكل الوجود المطلق" كما يقول هو.

اما فيما يتعلق بالسمة الاخيرة ، واعني بها التكرار، فهي لا تتعلق بالتشابه ، او المعنى الشائع ، اي ترديد ميكانيكي للاشياء والصور والمعاني، بل بمعنى فلسفي وجودي اعمق، يأخذ من الماضي ولا يقف عنده لإضاءة احداث الحاضر الراهن وافاقه ، ونجد هذا بصورة جلية في قصائده حين يتحدث عن مدينته كركوك، أمه، ابيه، اصدقائه القدامى ، المقاهي التي مرّ بها اوالمدن التي تركت جرحا في الذاكرة وغيرها وغيرها في صور ولغة شعرية ، تبدو في الظاهر مكررة، لكنها تحمل معان جديدة وتنفتح على اسئلة ذات آفاق اخرى متنوعة وموضوعات وآلام وافراح وحسرات لبشر نعرفهم او نعتقد اننا التقينا بهم.

وختاما اقول: إن شعر صلاح فائق يمثل حالة انتصار، انتصار للمثقف الذي يقف مع جمال الانسان ونقائه وامله الممكن في حياة افضل. وكل قصيدة يكتبها تمنحنا بنفس الوقت متعة جمالية وشعورية جديدة.

المشكلة الوحيدة انه لم يترك لنا شيئا لكي نكتبه..رغم انه يحثنا على الكتابة باصرار لكي لا نموت.. وشكرا لكم.    

الخطاب الفني في رواية (الحكاية من الداخل) لبرهان الخطيب

saleh alrazukإن المتتبع لأعمال الروائي العراقي برهان الخطيب يلاحظ اهتمامه بنقطتين: سيرته أو تفاصيل حياته. وهي الخزان الذي يستمد منه وقائع أهم رواياته. فهو قليل الترميز. بعيد عن الفانتازيا. ولا يألو جهدا في تصوير واقعه المعاش بالأسماء والحيثيات.و لا تخلو رواية له من اسم شخص يعرفه أو وجه صديق أو كتاب قرأه وترك في ذهنه أثرا لا ينمحي.

النقطة الثانية هي إعطاء خلاصة عن الآراء والقناعات الأدبية التي توصل إليها. ويبدو شغوفا جدا في هذا المجال. ويصل به الحال إلى تأمل أعماله السابقة. والنظر اليها كواقعة منفصلة تثير فيه اللواعج والأفكار. ولدرجة إعطاء أحكام قيمة.

مثلا يقول في (الحكاية من الداخل) عن روايته السابقة (ضباب في الظهيرة) إنها: رواية تجريبية تعرض مشكلة تقليديا ص ١٧٠.

و أيضا عن (الجسور الزجاجية) يقول: إن نهايتها تعلمنا أن اليأس أفضل ما في الحياة ص ٧١.

ومع أنه ليس ناقدا أدبيا. وليس لديه كتابات أساسية في هذا المضمار. فهو يسقط على شخصيات وأبطال رواياته هذا الدور ويحملها غالبا آراءه وانطباعاته.

وإذا كانت بعض تلك الآراء تبدو متناقضة، فهذا يمكن أن نعزوه لطبيعته الشخصية.

بمعنى أنه لا يعكس دائما خبرته ككاتب. وإنما ينقل آراء يتم تداولها في حلقات المثقفين والنخبة. ويعمل على إسقاطها على شخصية خيالية هي حتما ليست الأنا ولكنها الآخر.

بعبارة أخرى إنه يهتم في أعماله بآراء ومواقف أدبية تتبناها النخبة. ولكنه لا يلتزم دائما برأيه الشخصي. ويقدم رأيه ورأي غيره.

وإذا كانت هذه الظاهرة بسيطة في بواكيره. فقد كان يهتم بأدب الحياة. وفي مرحلة لاحقة اهتم بأدب البيئة ( البادية في الجسور الزجاجية. والغابة والمرتفعات في أخبار آخر العشاق). وأجزم أن ذلك من تأثيرات عمله كمحرر ومترجم في دار التقدم. وفوق ذلك من تأثيرات دراسته في المعاهد السوفييتية التي لديها إملاءات تفرضها على الكاتب.

وتبدو ظاهرة إطلاق الأحكام والمقولات أوضح منذ الجنائن المغلقة.

وهذا مبرر لو نظرنا إلى تاريخ معاناته مع نفسه.

فالكتابة من داخل المشكلة يفرض عدم شخصنتها والتكتم عليها بينما الكتابة في مرحلة تالية ومن خارج مسرح الأحداث يوفر مسافة للتفكير والتأمل. وفرصة لتنشيط الذاكرة وعملها.

و إن أعماله اللاحقة غالبا ما كانت تأملات عن الوطن ولكن من نوافذ منفاه الاختياري.

يعني المسافة واضحة وضغط اللوبي نفسي ولكنه ليس ماديا ملموسا.

وهنا لا بد من الإشارة إلى الفارق الملحوظ في الخطاب بين أدب الحياة وأدب حياة النخبة أو الأنتلجنسيا. فالحالة الأولى تحاول أن تقترب من الضمير البسيط للقارئ العادي. وأحيانا لفضاء هذا الضمير البسيط. كما لدى تولستوي المعروف بالاعتماد على حبكة مشوقة لا تنحدر إلى أكبر عيب يعاني منه الأدب وهو الاتجار بعواطف شريحة من القراء.

فقد التزم تولستوي في كل أعماله بخاصية الترفع عن مخاطبة الشريحة. والاهتمام بمسؤوليات الفن تجاه النفس البشرية. من تهذيب ووعظ وإرشاد رموزي واستعاري.

أما أدب النخبة فقد راهن على تجريد الحالة الفنية وشخصنتها. بمعنى أنه خاطب ذاته الفنية. وهو ما يسميه بيتر دامغارد بـ "نظام الحروف".

أو "جمهورية الحروف" كما ورد في دراسته عن المنفى في الرواية الصينية. وعارضها بمفهوم "الأدب العالمي". ورأى أن عولمة الأدب هو غير الأدب العالمي. الأول هو أدب شريحة بلا هوية عرقية. والثاني هو أدب عرق يفرض نفسه على أعراق أخرى.

بعبارة أوضح: إن أدب النخبة عابر للأجناس والقوميات. وانتماؤه الأساسي يكون لحالة الشرط الإنساني. وأبرز مثال على ذلك أدبيات أندريه مالرو عن الهند الصينية. ورواية دوبوفوار (المثقفون) والتي حازت بها على الغونكور.

إنها أعمال هامة وضخمة واستشرافية. لا تكتفي بالتأمل في وضع الإنسان داخل وجوده الطارئ. ولكنها تضيف آراء ووجهات نظر تضع على المحك فكرة الفن ونظريته.

و هذا ما فعله برهان الخطيب في عدد من رواياته الأخيرة. وبالأخص أنها روايات سيرة.

و إذا كانت ظروف حياته فيها تحتل الحيز الأهم لكن معاناته الفنية وأفكاره تفرض نفسها أيضا.

فسيرة برهان الخطيب ربعها حياة عادية وثلاثة أرباعها صراع مع الفكر والفن والسياسة.

و تجد ذلك بشكل أساسي في روايته (غراميات بائع متجول) التي تحولت من حكاية غرامية إلى تحليل سياسي ونفسي لمشكلة الأديان والقوميات في روسيا الاتحادية بعد فشل البيروسترويكا ونظام غورباتشوف.

و هو يطور هذه الشجون في روايته (الحكاية من الداخل) والتي تبدو لي أكثر انضباطا من سابقتها. وأقرب لبديهة الأنتلجنسيا. وأعمق بالنسبة لكاتب يشخصن حياته ثم يجردها.

فهي تهتم بكل أطوار حياته. ومن ناحيتين: نضوجه النفسي والفني. وشتاته أو منافيه المتعددة وغير المتشابهة.

ما الذي يجمع عراق الخمسينات مع عراق صدام ثم مع الصورة الملحمية لسياسة غير واضحة ولا تثق بنفسها. ومتضاربة في الولاء والهوية. ولا تعرف أين هو مكانها بالضبط، هل هي مع مفهوم الحرية المشروطة الذي تسنه وتشرعنه أمريكا أم مع فكرة ولاية الفقيه وما تفرضه من قيود على عملية تصنيع المجتمع وتطبيع الاقتصاد كما يحصل في إيران.

ناهيك عن علمنة ولاية الفقيه في روسيا واعتماد صيغة تلفيقية تكاد تعيد إلى الأذهان مبدأ الدكتاتور العادل.

إن هذه المحاور التي اخترقها برهان الخطيب حولت الرواية من عمل متسلسل يقدم صورة عن الأحداث الجارية إلى عمل تيار شعور تفكيري وتركيبي يقدم صورة عن موقف الذات من موضوعها.

تتألف الرواية أصلا من عدة محاور متشابكة، يعني غير متسلسلة ولا متوازية. والعلاقة بينها تقابل وترادف. ولها بمصطلحات الناقد الدكتور شكري المبخوت أفق خاص بالكاتب وآخر خاص بالذات.

يعني هي رواية تتآزر عليها الذات الفنية للكاتب وذات بطل الرواية الافتراضي الذي يعيد الكاتب تركيبه.

و عليه إن الآراء التي وردت فيها تحتمل التصديق والنفي. فهي قد تعكس رؤية الكاتب أو رؤية شخصيات يسقطها على النص.

مثلا يقول عن (الجسور الزجاجية) بلسان شخصية يسميها خلدون : إنها تتحدث عن الشر الذي يأكل بعضه بعضا لتبقى الأرض للملائكة. ويضيف: إن أعماله التالية بسبب الشيخوخة قدمت مقولة مختلفة. ص ١٧٦

وسرعان ما يصحح له الراوي بقوله: هذا لأن الشيخوخة مصالحة ظاهر وباطن ص ١٧٦

وهذه مشكلة لها سوابق في الأيام لطه حسين عميد الأدب العربي.

فقد كان يتكلم عن نفسه بلغة تصويرية مع أنه ضرير. ويبتعد ما أمكن عن ضمير المتكلم ويلجأ لضمير الغائب والمخاطب.

و كانه يريد أن ينفصل عن ماضيه وأن يحاكمه. أو أن يتعامل معه كجزء غير عضوي. وكمرحلة أفلت ودالت دولتها. وهذا يقدم له حرية تساعده على الاعتراف بالأسرار والنقائص. وعلى إطلاق الأحكام بتجرد وموضوعية.

وهذا هو مبدأ برهان الخطيب أيضا. فقد قال: الأديب يفضح نفسه أولا ص ١٥٣. ثم يضيف:

لماذا لا تكسر المرايا وتكتب على المكشوف ولا تتستر خلف الشخصيات. اكتب مباشرة عن الذات ص ٢٣.

و يمكنني أن أذكر هنا ان عموميات الخطيب تقف وراءها ذات تخجل من العيب والفضيحة. فهو كاتب غير ميلودرامي. بينما لا يتورع جمال الغيطاني في (دفاتر التدوين) وعاصم باشا في (رسالة في الأسى) عن الإشارة لممارسة العادة السرية في وقت من الأوقات خلال المراهقة. ويصل الأمر بمحمد شكري في ( الخبز الحافي) للاعتراف بزنا المحارم وكأن المسألة التهام شطيرة نقانق باردة وليس إثما يمكن له أن يتسبب في تشوهات اجتماعية بالغة.

عموما، إذا كانت لغة طه حسين مضمخة برومانسية هي إحدى خصائص المعوقين الذين يهتمون بالصوت أكثر من الصورة. وبالظل أكثر من اللون. فإن لغة برهان الخطيب حافلة برومنسية ونوستالجيا يمكن أن تعزوها لتضخم الذات.

ولا سيما أنه يتعامل مع موضوعه كفرد مقابل جماعة.

وفي الرواية عبارات كثيرة تؤكد على قيمة الذات. وعلى الانطواء. وعلى الانتقائية.

مثلا يقول عن نفسه بصيغة الغائب (القناع الذي توارى خلفه طه حسين): في عقدين ينجز أكثر من عشرين كتابا ترجمة وتأليفا ( ص ٥٥).

و كلنا نعلم أن هذا هو رقم أعمال برهان الخطيب حتى نهاية فترته السوفييتية.

ويقول: إعادة اكتشاف العالم والتاريخ ولادة الكاتب الحقيقية ص ١١٧.

ويقول أيضا: الروائي وكيل الخلود. ص ١٧٠.

***

إن (الحكاية من الداخل) عمل ذهني بامتياز، إنها رواية عن الروائي وأعماله. وخلاصة لجوهر حكمته عن الواقع والفن. وربما ترادف ما فعلته نوال السعداوي في عملها المتميز (الرواية) التي تتكلم عن هواجس كاتبة تواجه نفسها في مرآة مشروخة.

إن العطب في مرآة الكاتبة ساعدها على رؤية حالة اللاتوازن والانحرافات التي تعاني منها في حياتها الداخلية تحت قشرة من الانضباط والمظاهر المزيفة. وهذا ما فعلته (الحكاية من الداخل). لقد صححت رؤية الكاتب لمعنى الصداقة والحب والرغبة. وكشفت له الستار عن العدو الذي ينمو في داخله. وهو خططه التي لا يمكن تطبيقها. وعن ذلك يقول:

من هو عدو الروائي؟ ويرد على نفسه بقوله: جموحه ص ٩١

و لكنه سرعان ما يشرح هذه العبارة الغامضة بعبارة أشد غموضا والتباسا فيقول: جوهر جموح الروائي هو إدانة النصف المظلم المتواري وراء المظاهر ص ٩١

و بالإستنتاج والمنطق نستطيع أن نفهم أن برهان الخطيب يدمر نفسه بانتظام. فهو يؤمن بضرورة التخلي عن المظاهر وانتقادها. وعليه هو يؤمن بمبدأ الجموح الذي يلحق الضرر بالفن وأدواته.

إنه لا يكتفي بتحطيم وحدة الفنان الجوهرية، ولكنه يلغيه. ويبدل هويته.

بمعنى آخر ينقله من شريحة في البنية النفسية وهي الإيغو الى شريحة معادية ومناقضة وهي (الآي دي) الهو.

و بترجمة ما سلف: يحوله من مجال الشعور إلى اللاشعور.

وعن ذلك يقول بصراحة: الفن إعادة تفكيك وتركيب وتحويل المضمون إلى الهو ص ١١٧

و لا يوجد وجه اعتراض على ذلك. فالفن هو خزان اللاشعور ومنبعه. ليس بمعنى أنه المصدر ولكن بمعنى أنه المستقر. الشكل الذي نرتب فيه خبراتنا اللاشعورية ونخلصها من الشوائب والفوضى والإبهام. ونعطيها المعنى والنسق.

و هذا ما يؤمن به برهان الخطيب إيمانا لا جدال فيه. فهو يقول:

إن الروائي يتعامل مع شخوصه محيطا محبطا اللامنطقي بالمنطقي ص ٢٢٠.

 

أيار ٢٠١٥

 

 

عبث الحرب وفضائعها في ديوان " قميص قدّته الحرب" للشاعر العراقي علي ابراهيم صافي

716-kahtanبقيت فكرة الحرب وما رافقها من نتائج كارثية على مستوى الفرد و المجتمع ملازمة للشاعر العراقي وخصوصا الاجيال التي عاشت ويلات وتفاصيل مريرة لاكثر من حرب واحدة منذ ثمانينات القرن الماضي. وقد هيمنت على مشاعر الشاعر وطبعت ذاكرته وانحفرت في تصوراته ورؤاه، ولهذا انعكست بقوة في قاموسه وثيماته الشعرية. ورغم محاولات العديد من الشعراء للعروج على موضوعات اخرى مغايرة، فانهم يعودون الى فكرتها او يبثون العديد من صورها وأوجاعها في قصائدهم. لا يشذّ ديوان الشاعر علي ابراهيم صافي   " قميص قدّته الحرب " الصادر عن دار الروسم في بغداد عام 2015 عن هذا الاتجاه. رغم ان الشاعر تمكن من تناول ثيمات اخرى تتعلق بالحب، الخيبة، حالة العجز، المنفى، العبث، الاكاذيب، النسيان ،افريقيا، الطفولة والذكريات، والوطن. وفي كل اشارة الى تلك الثيمات ثمة إحالة على وضع، حادثة ، فكرة او صورة تنهل بعضها مما هو يومي؛ حيث يواجه الانسان قدره في حالة موت او يعاين اوجاعه وخرابه في لحظة عجز عبثية لا تنفتح على افق ما، او في عودة الى صفاء العاشق في قصائد عن الحبيبة والعشق برغم ان الحرب حاضرة في كل ذلك. وفي هذه القصائد ينتقل الشاعر من العام الى الخاص ومن الخاص الى العام في موازنة بين الذاتي- النفسي والواقعي -اليومي. فقيمة الشعر او الشعر على رأي الشاعر الايطالي كوسيمودو تتحقق في قدرة الشاعر على " ان يكيّف العالم عبر حريته وحقيقته"1 وان يتعود عن الحديث عن : العالم الحقيقي بكلمات عامة" 2  

تضّمن الديوان 128 قصيدة او مقطعا شعريا، بدون عناوين ما، و لهذا يمكن النظر الى الديوان باعتباره نصا واحدا تتخلله رؤى متعددة تتمحور على فكرة الحرب. فهل ثيمة الحرب في نصوصه الشعرية هي التعبير المباشر لافكار الشاعر ومشاعره وتصوراته الجمالية عنها، أم انها مجرد قناع اراد التستر به لإضاءة ثيمات اخرى.

 

قسوة الصور الشعرية في متن النص:

716-kahtanحضور الحرب المباشر والمستتر حاضر في القصائد. إذ تتراكم الصور الشعرية القاسية وهي تصف لنا آلام ومعاناة الذين خاضوا الحرب او صرخاتهم المكتومة وهم يطلقونها عنوة في اللحظات الاخيرة باتجاه الموت. يحسّ من يقرأ القصائد بتلك الحيوات وهي تقف مطحونة في هزيمتها النفسية والانسانية، في حرب غير معنية بها، وباحداث صنعتها اقدار اخرى تحولت بفعلها الى هوامش بشرية مؤقتة في التاريخ. في عمق هذه الآلآم والدماء والرعب تسعى القصائد الى الحفاظ على التوازن بين التجربة النفسية والحياتية ، بين الصدمة الانسانية وبين عمق الاحداث وعبثيتها، وهي تلمس بشفافية وحسية عالية تلك التجارب في توحدها وانهياراتها و آمالها المسحوقة في مسعى لجعلها شاخصة في وعي القاريء ممانعة على النسيان:

" في العربة الاخيرة

على مقاعد الدرجة الثالثة

ينام جرحى صامتين

بينما

آلامهم تملأ العربة

بالضجيج"   ص.6

هنا نواجه عالمين ، عبر تهكم سوداوي، فالبشر الذين ساهموا في الحياة مقدمين حياتهم ثمنا لها، وقد عاد بعضهم جرحى، يحتلون عربة الدرجة الثالثة، ولم تعد لهم ذات الاهمية بالنسبة لها، حتى سهرهم الليالي الطويلة " لم يبق منه ، سوى جرح عميق على الكتف "ص.5. فالحرب تريد بشرا اصحاء اقوياء. إنهم ينامون الآن بصمت، رغم ان آلامهم كانت تصرخ دليلا على احتجاج مكتوم غير واع. هذه التضادات، التي تشي القصيدة، تعمّق فكرة العبث بحياة الانسان ووجوده وتحوّله الى مجرد اداة لا قيمة لها، وهو يُطحن في ماكنة الحرب، وهي حر ب مرعبة الى درجة ان الجنود لا يموتون من الرصاص بل من الخوف :

" لم تصبه رصاصة

الجندي الشاب

مات من الخوف " ص.10

لا يكتفي الشاعر بوصف آلام الاخرين وحالاتهم بل يذكر لنا كيف ان الحروب سلبته كلّ شيء بما فيه براءة طفولته؛ فالدخان والظلمة هي التي وسمت حياته:

" الحروب بدخانها

ملأت سماء طفولتي

لذا كبرت

ولم أتعرف الى نجمة واحدة" ص. 51

ويمكننا ان نعثر على هذه التضادات مبثوثة في كل نصوص الديوان تقريبا، ليس فقط فيما يتعلق بثيمة الحرب مباشرة، بل وايضا حين يلج موضوعات وجودية اخرى:

" اراقب غزالا اعمى

في دفتر صبية جميلة

ارسم شجرة ليحتمي خلفها

ينكسر القلم ويجرح الغزال " ص.7

الا ان الاستعارات من صور الحرب ومفرداتها ماثلة في هذا المقطع ايضا؛ كالمراقبة ، الاحتماء، الجرح..وتتكرر في مقاطع اخرى ، حيث الطعنات، الخنجر، رؤوس تتدحرج ..الخ. ص.17-18

وتنمو هذه التضادات حتى تتحول الى عبثية في مقطع آخر متجسدة في محاولة القبض على الحياة في بحثٍ مضنٍ عن اساسيات الوجوده والعيش :

" شبكة الصياد

منذ يوم امس

وهي ملقاة

في بركة فارغة

اليوم وهو يجمعها

لم يجد فيها غير احلام

لا تعيش خارج الماء" ص.13

الى درجة ان هذا العبث يوحي بنهاية مفزعة في نهاية مقطع آخر :

" كلّ شيء تهدم

جبال بعيدة تمدّ جذورها وسط بحار من الحبر

ما ان يجفّ الحبر حتى تنهار الصخور " ص.18

وهذا الانهيار الذي يتسببه خراب الحرب وتدميرها يتحول الى كوابيس يرافق الشاعر ويتسرب الى افكاره وتصوراته الشعرية فتتحول القصيدة- الزهرة الى شواهد قبور :

الاشباح تنام في القصائد،

كلما كتبت قصيدة

نبتت زهرة على شاهدة قبر" ص.21

او حين تتلبسه الحرب كجثة مخبأة في الرأس وتكاد ان تحوله الى قاتل ، ففي حرب كهذه لا يوجد بريء ..الكلّ متهم، فهي حرب ليست عادلة، انها علامة اتهام قائم رغم محاولات دفع التهمة بطرح اسئلة :" يا الهي ، انا لست بقاتل، ماذا افعل بهذه الجثة" ص.28

في تضادات الصور الشعرية يتسلل بعض التهكم ، وباستثناء الشاعر العراقي صلاح فائق الذي طبع التهكم السقراطي- الكيركوردي ( نسبة الى المفكر الدانماركي سورن كيرككورد) شعره، بحيث تحول الى سمة واضحة واساسية فيه ، فان قلّة نادرة من الشعراء الآخرين ، وعلى حد علمي، تمكنوا من استخدام التهكم والسخرية كادوات فنية مهمة تفيد في إضاءة الفكرة والاحاسيس وتعمق الصورة في القصيدة ، فقد فهموا التهكم أما على شكل شتيمة ،هجاء او تبرم، وهي حالات سلبية تشذّ عن الجمال الشعري وتضره، بينما التهكم السقراطي- الكيركوردي يلمس ما هو وجودي ونفسي في الانسان وعلاقاته وتحولاته، ويصبح في النهاية ايجابيا، بحثّه الانسان على الارادة والاختيار والفعل المصحوب بالرفض للظواهر التي تعادي وجوده. وقد نجح الشاعر علي ابراهيم صافي، الى حد ما، باستخدام التهكم في قصائده.

 

الاغتراب والاستهجان:

يرافق هذا التهكم ثمة لحظات اغتراب واستهجان، التي تسم نسيج العديد من القصائد. وهي لحظات تعمق فكرة الحياة اللصيقة بالحرب واجوائها، تتولد عن عبثية ناقمة ، تشي بجزع ما وضياع ووحشة ذاتية:

" ولدت مثل اي كلب ومن كلبة ابنة كلب

لم اتعلم منهما شيئا

حتى النباح تعلمته بجهود شخصية

لا اعرف من اية سلالة انا

رغم ان جميع من يشبهونني

يدّعون اننا خير سلالة

ننعم بحرية غير محدودة حتى ان بعضهم

يطلق علينا حسدا:

كلاب سائبة !" ص.24.

الا ان الاستطراد في نهاية القصيدة اضعف، برأيي، بنيتها الشعرية، فتحول النص الشعري الى مقاربة فكرية تعيد صياغة مفاهيم دينية بتقريرية واضحة، بحيث غلبت الحكاية على شعرية النص، وهو ذات الامر في مقطع آخر الذي جاء على صياغات تحمل صفة الاعلان.ص.29

تتسلل تفاصيل الحرب الى ايام الشاعر العادية ايضا؛ في المقهى، في أحاديثه في بيته، أو مع زميلته ص75، أو حتى وهو مع حبيبته وهي " تلمّ الرصاص الطائش، فما زال هناك متّسع من الحرب" ص.32، أو تلاحقه في المنفى، حين يلتقي جارته السويدية الممرضة، التي خاضت هي الاخرى حربا بشعة ايام النازيين ص.39-40. ولا تترك الحرب وآثارها المدمرة فسحة في حياته دون ان تجد لها تعبيرا ما. انه يرى، وهو يناجي حبيبته، في دعوتها لانتظاره بمثابة حرب، إذ ان خسارتها له تعني نهاية لحياته. أنها حرب اخرى، فحياته عبارة عن حروب متواصلة لا تنقطع:

" انتظريني..!

لم تبق أمامي

سوى حرب واحدة

أخسرها..

لأقفل باب

حياتي." ص.138

لكن الشاعر يذهب الى ابعد من وصف مشاعره الذاتية وردة فعله الخاصة على الحرب، فلا يكتفي بوصف حالة الاغتراب الذاتية التي يعاني بسبب اهوالها، بل يدقق ويغوص في حالة الجنود ومواضعهم وانشغالاتهم اليومية ، التي تتسم بالتهكم والمفارقة، حيث ينشغل الجندي، في واحدة من المقاطع، رغم هول الحرب وتسلط الموت والرعب اليومي، بتلك الاشياء الصغيرة التي تبدو تافهة للذين يعيشون حياة عادية، في محاولة منه للابقاء على جذوة أمل ممكنة في الوجود، والرغبة في ممارسة حياة عادية ، وهي واحدة من قصائد الديوان الممتعة جماليا. ص.30-31

 

لغة القصائد:

تكشف طبيعة اللغة المستخدمة في النص الشعري والطريقة التي يتناول بها الشاعر موضوعاته عن قدرته او عدمها في التعبير والتوصيل الجمالي والفكري للقصيدة. فالدلالات اللغوية هي انزياح " عن مدلولها الذي وضعت له ، والذي هو اساسا، اي هذا المدلول، الموجودات الطبيعية والمادية"، على حد تعبير الناقدة د.يمنى العيد(3)، ناهيك عن الانسانية. وهكذا نرى ان فكرة الموت التي تمثل علامة استفهام غير حيادية، واللغة التي جاءت في بعض الاحيان حادة، صادمة ومتهكمة بسودواوية واستهجان، تنسجم مع طبيعة الثيمات التي يشتغل عليها الشاعر في مقطع .ص.63، او كما في :

"في الخندق الطويل

المليء بالجثث، يمرّ الجندي

ضجرا

متململا

وهو يبعد

عن أنفه

ذبابة مزعجة" ص.82

وهي لغة تفوح منها رائحة الجثث، والقتلى واللاجدوى، محرضة عبر هذه الصياغات بنفس الوقت على عبثية الحرب وضياع الاحلام وانعدام المستقبل ولا عدالة الحياة. مع ذلك فقد تمكن الشاعر من الحفاظ في العديد من قصائد الديوان على لغة تعبيرية شفافة موحية، ببساطة الصياغات وعمقها في آن واحد :

" حين تتركين عطرك

على الرصيف

اترك انا قلبي

ليحرسه" ص.46

انها لغة تلتقط مما هو يومي ودارج، مع انها تلجأ احيانا الى استخدامات تنحو الى خلق صور و اشكال غرائبية في محاولة لكشف تناقضات المشهد الشعري وتعميق ابعاده، وعرض تفاصيله وحدّة موضوعاته. كما في ص.23، ص.28، ص.وتتسرب هذه الحدّة الى لغته حتى وهو يكتب عن الحب" أنتِ الجرح الذي ترك السكين- وغار في العمق .." ص.102

رغم انه يحاول مع ذلك ان يخفف من مشهد الموت حين تتحول القبور الى زهور لكثرة ما سقطت من دموع، ص.105. وحين يتغنى بحبيبته ص.106

لكن بعض القصائد، على قلّتها، وقعت في تعليمية مباشرة تحمل صفة الشعار " تصدأ الرصاصة، لكنها تظل قاتلة" ص.27، أو " الحرب: رحلة الرصاصة الى قلب الجندي" ص.67. او غلبها الاستطراد الذي اضعف التكثيف اللغوي الذي يتطلبه الشعر تجنبا للوقوع في السرد اللاشعري.ص.24 رغم ان الناقد رومان ياكوبسون يحذرنا من وضع مقاييس محددة للنظر الى القصيدة والاستخدامات الشعرية للشاعر ، او كما يكتب " لا تثقوا ايضا في الناقد الذي يستفز شاعرا ما باسم الاصالة وباسم ما هو طبيعي" (4)، لانها بنظره ستحد من مغامرة الشاعر للتجريب وطرق اشكالا تعبيرة شعرية مغايرة، لكنني ارى انها ملاحظات ضرورية عند اية قراءة نقدية متروك للشاعر نفسه تقديرها.

وفي الختام يمكن القول ان الشاعر علي ابراهيم صافي حقق في ديوانه الراهن ما هدف اليه في كتابة نصوص موحية بلغة معبّرة عن الحرب، لكنه بنفس الوقت، لم يتوقف عندها، بل استفاد من ثيماتها كقناع لعرض قضايا اخرى تخص الانسان ووجوده. واذا كان هذا هو عمله الشعري الاول، وهو ما يمكن ان نعزو اليه التكرار احيانا وضيق القاموس الشعري، فانه يمثل اضافة مهمة في الكتابة عن الحرب والقدرة على استخدامها كقناع للتعبير عن موضوعات وجودية اخرى.

 

................

هوامش:

كل ما نوهت اليه من ارقام الصفحات هو اشارة الى صفحات الديوان: علي ابراهيم الصافي: " قميص قدّته الحرب، بغداد : دار الروسم، 2015

1) Jack Beavan translation and introduction : Salvatore Quasimodo- complete Poems, Lobdon: Anvil Press Poetry, 1983, p. 18

2) Ibid, p.19

3) د.يمنى العيد، في القول الشعري، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1987، ص.11

4) رومان ياكبسون، قضايا الشعرية ( ترجمة محمد الولي ومبارك حنوز) ، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر، 1988، ص.11

الرّغبة وهاجس البقاء والنّموذج الأعلى في رواية سناء الشعلان "أعشقني"

hayelali almotheabiيقول عالم النفس "أبراهام ماسلو" أن أهم الدوافع هو دافع البقاء ..

إن العالم كما تصوره الروائية سناء الشعلان في روايتها " أعشقني" رغم تطوره تكنولوجياً وطبياً سيظل مسكوناً بدافع البقاء ولا أقصد بذلك أنه الآن غير مسكون بذلك الدافع بل ستتعاظم رغبته في البقاء أكثر وأكثر وستجعله يصنع ما هو أفضل علمياً وطبياً وتكنولوجياً وتنطلق سناء على هذا الأساس " الرغبة " في بناء روايتها..

إن رغبة البقاء مستقبلاً ستجعل الإنسان يقبل بفكرة التحول ولكن ليس من قبيل الشذوذ وإنما من أجل البقاء ومن أجل الحياة، فالإنسان عندما يشعر بالذنب يدخل في حالة تحول، تحول الذهن إلى قاعة محاكمة بشرطة ومتهم ونيابة ودفاع ولائحة إتهام ومحامٍ وقضاة .. وهذا التحول الذي تقبل به بطل/ة الرواية وتتغير حياته/ا جذرياً من أجله أساسه رغبة وهذه الرغبة تجعل القوى العليا في عالم البطل وجواءات الرواية تسمح بأي شيء مقابل إنقاذ حياة البطل/ة.!!؟

قد نشاهد غزالاً يركض ويتبعه نمر جسور ولكن الغزال يسبق النمر فهل هذا معناه أن النمر لايجيد الركض وأن الغزال أقوى منه..!!؟

النمر يركض من أجل إشباع جوعه أي من أجل البقاء وحتى لايموت جوعاً، والغزال يركض أيضاً من أجل البقاء أيضاً لكن الفارق بين دافع البقاء لدى النمر ودافع البقاء لدى الغزالة هو أن رغبة الغزالة في البقاء أكثر وأكبر من رغبة النمر وأن تركض من أجل الحصول على طعامك يختلف تماماً أن تركض من أجل حياتك.

وعلى هذا الأساس سيكون للإنسان وحياته أهمية كبيرة مستقبلاً كما توضح الرواية وستسوغ له ذلك رغبته في البقاء التي سيسعى بكل ما أوتي من معرفة وطاقة من أجل التطوير في الجوانب التكنولوجية والطبية في سبيلها.

الرواية لاتتحدث عن شيء من قبيل الخيال العلمي ولكنها تتنبأ وتستشرف للمستقبل لتعيده إلى البداية ..!!

كيف؟

إن اللغات كلها تعود إلى أصل واحد، أي أنها جميعا تنبثق من جذر مشترك وهي أبحاث تشترك في نفس الهدف الذي تسير فيه. أبحاث بيولوجيا الأجناس، أو هي بالأحرى صورتها اللغوية..

وبالمثل يؤكد الباحثون في مجال حمض الخلايا النووي (D.N.A) أن أصل البشر يعودون كلهم إلى امرأة واحدة عاشت في أفريقيا منذ مائة وخمسون ألف عام، وهم يطلقون عليها (حواء) وهذا ما تعود بنا إليه رواية " أعشقني "..

وعلى نفس المنوال يؤكد علماء الفيزياء أن هناك نظرية موحدة عظمى تنظم حركة الكون كله، وما فيه من كائنات حية وذرات وجسيمات جامدة..

إن سناء في روايتها تتحدث بطريقة غير مباشرة عن فكرة الأنماط البدئية أو النماذج العليا التي يتحدث عنها عالم النفس كارل يونج " والتي عرّفها تعريفًا شاملاً في مقال له بعنوان "في العلاقة بين التحليل النفسي والفن الشعريّ" نشره في كتاب "إسهامات في علم النفس التحليليّ" Contributions to Analytical Psych. وهي حسب تعريفه صور ابتدائية لا شعورية أو "رواسب نفسية لتجارب ابتدائية لا شعورية، لا تحصى" شارك فيها الأسلاف في عصور بدائية، وقد وُرِثت في أنسجة الدماغ، بطريقة ما؛ فهي -إذن- نماذج أساسية قديمة لتجربة إنسانية مركزية؛ هذه النماذج العليا تقع في جذور كل شعر (أو كل فن آخر) ذي ميزة عاطفية خاصة. وهو يلتقي أو بالأصح فكرته كانت مبعث نظرية القرابة لدى عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي كلود لفي شتراوس إذ نجد أنه عندما قارن علاقات القرابة والأساطير عند (البدائيين) لاحظ أنه ينتهي دائما إلى نفس المشكل الأساسي، فاستخلص أن وراء التشابه بين الثقافات توجد وحدة نفسية للإنسانية، إذ هنالك عناصر أساسية مشتركة للإنسانية، والحضارات لا تقوم إلا بتركيب هذه العناصر المشتركة في تشكيلات مختلفة. ولذلك نلاحظ بين الثقافات البعيدة عن بعضها البعض تشابهات وهي تشابهات لا تُعزى بالضرورة إلى التواصل بين الحضارات خاصة إذا ما تبيّنا وجود حضارات يصعب تصور الاتصال فيما بينها نظرا لانزوائها وتباعدها عن بعضها البعض مثلما هو شأن حضارة (الأنكا) في (البيرو) و(الداهومي) في (افريقيا) وهذا يؤكد ويثبت كما نجده في رواية " أعشقني " أن الإنسان سيظل هو الإنسان مهما بلغ من تطور وأن غرائزه ورغباته ستظل كما هي، أي أن النماذج العليا موجودة في كل حلقات سلسلة النقل –أو التعبير- كتصوّرات في اللاوعي مهما بلغت الإنسانية من التطور تبقى هذه التصورات والرغبات محرك فاعل وعنصر بناء رئيسي، وكموضوعات مترددة أو سلاسل من الصور في أي فن - وكتصورات في اللاوعي عند القارئ أو عند الجمهور ومن ذلك رغبة البقاء كما تصورها رواية سناء " أعشقني" وأيضاً قيمة الحب وهذه القيمة أحد النماذج العليا التي تحدث عنها يونج. وهذا مبنيّ على فكرته عن "اللاوعي الجماعي" الذي يختزن الماضي الجنسيّ وهو الذي ولّد الأبطال الأسطوريين للبدائيين، ولا يزال يولد أخيلة فردية مشابهة للرجل المتمدّن، وهو الذي يجد تعبيره الأكبر في رمزية تتجاوز حدود الزمان غير أنّها مألوفة نسبيًا، وهي رمزية ما تزال تتكرر أبدًا. وهذا يوضح التقارب مع النظريات الدورية في التاريخ كنظرية فيكو، ومدى اقترابها أيضًا من التعديل الذي أدخله شتكل Stekel على نظرية فرويد في رمزية الحلم الحرة التجريبية لكي يسند الرمزية الثابتة في كتاب له يصور حلم الغجر، وكم تبدو خلاّبة هذه النظرية، في نظر أديب مثل جويس تأثر بفيكو وكان يفتش عن سيكولوجية يستعملها ليخلق "القاسم المشترك الأعظم" بين الناس جميعًا ومن ذلك ما نجده في رواية " أعشقني" حيث تمثل أهم شخصية في الرواية " البطل" نموذج للأنيما والأنيموس وهي الحس الذكوري الذي يسكن الأنثى ولايتحقق التوازن في نفسها وفي واقعها إلا بأشباع هذا الحس وبالمثل نجد الأنيما كحس أنثوي لدى الرجل يحقق اشباعه التوازن لديه نفسياً وواقعياً والرواية في مجملها عبر هذه الشخصية تجسد فكرة التعددية الموجودة داخل كل إنسان إمرأة إن أو رجلاً وهي ذاتها الفكرة التي بني على أساسها هذا الكون وهنا نلمس ذكاء الكاتبة في الطريقة التي تستخدمها لنقد المجتمعات الذكورية المتسلطة كما وتؤكد أن فكرة الصراع بين الرجل والمرأة هو صراع عقيم لايولد إلا المزيد من النكوص والتردي في المجتمعات وتعود بنا إلى العصور القديمة لتضرب لنا مثلا جميلا عن المرأة التي كان مصيرها الوأد حية في حين لو خاض أي رجل هذه التجربة أي فكرة التحول جسديا وغريزيا إلى إمرأة لأحب المرأة ولأحب كونه إمرأة أيضاً وهذا يوضح ويشرح عنوان الرواية " أعشقني " بدون أن نعتبرها حالة شذوذ نفسي يعشق فيه الإنسان ذاته خصوصا حين نعلم أن هناك مبدأ تعلل وإنتقال لدى الإنسان بين حس ذكوري وحس أنثوي تشبه قول درويش في آخر قصائده " لاعب النرد " :

" أدرب قلبي على الحب

ليتسع الورد والشوك

وأنا من أنا الآن إلا إذا التقت الاثنتان

أنا وأنا الأنثوية "

الرواية في مجملها وفكرتها أكثر من رائعة و تستحق أكثر من قراءة لتتضح لنا خباياها وما وراء السطور..

  

بقلم الأديب والنّاقد اليمني: هايل المذابي

 

 

قبل اكتمال القرن: قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر (5)

husan sarmakتوظيف اللغة العامية: في مواضع محددة - شديدة التأثير والتعبير - تستخدم ذكرى اللغة العامية العراقية لخدمة عملها السردي وخلق أقصى تأثير في نفس المتلقي. وأنا هنا أعلن مقتي من هذه المناقشة التي لا تنتهي عن أفضلية العامية أو القصحى. العامية العربية أقدم من الفصحى العربية، هذا ما أثبته الكثير من الباحثين . وفطاحل البلاغيين الآن يكتبون مقالاتهم بالفصحى ويحدثون زوجاتهم بالعامية. المهم أن على الروائي أن لا يهمل أية فرصة في استثمار وتفجير الطاقات التعبيرية الهائلة الكامنة في المفردة العامية . بالإضافة إلى الموقف السابق الذي وظفت فيه النداء الحارق: (يمّه) بصورة فذّة، فإن هناك مواقف أخرى لا تقل عنه طعنا في الذات العراقية خصوصا وفي مقدمتها ميتة (صفوان) ابن الرضواني الرابع بعد مرتضى، والمنتحر خليل، والميت نزفا طه. كان مرتضى وصفوان يعيشان مطاردين في العهد الملكي، وكان مرتضى يزور بيته في أواخر الليالي ملثما لينام مع زوجته (البلورية)، وكان بيت الرضواني عرضة لمداهمات مستمرة ومؤذية . وهذه من حكم "ذكرى" حيث جعلت المداهمات مستمرة في كل عهود العراق .. لا فرق بين نظام ملكي أو جمهوري .. أو سيطرة شيوعية أو بعثية، برغم أنها تبتعد بذكاء عن المسميات المباشرة . لقد أطيح بالنظام الملكي بصورة دموية ووحشية .. ولكن:

(وقبل انطفاء أنوار احتفالات الثورة الجديدة كانت الرشاشات قد عادت للظهور ملهبة السماء بزئيرها، وتخبطت وتشابكت مجددا الآراء إلى حد التعقيد. حزب يصعد وحزب ينزل وخطابات، ولا شيء واضحا، بعد اشهر قليلة من إعلان الجمهورية لم يعد مرتضى قادرا على النوم عاريا . وعاد كما في السابق يحتفظ بكيس الضروريات جاهزا – ص 60). هكذا كان مناضلوا الوطن وثواره يعيشون في حالة طواريء دائمة .. ومصدر التهديد هو رفاقهم الثوار من الأحزاب الأخرى. لقد أعيد فصل الصفوان .. وها هو يقفز سياج البيت مطاردا من جديد. لقد اختبأ الشقيقان: مرتضى والصفوان في بستان (الحاج صاحب) الذي كان الصفوان يشك في أنه سيغدر بهما ويبلّغ عنهما في حين كان مرتضى يخفّف من مخاوفه بدعوى أن الحاج من أصدقاء أبيهما المرحوم . لكن إصرار الصفوان على رأيه كان يتصاعد مع انتصاف الليل حتى بلغ حدسه مستوى اليقين المرضي فصار يعلن لأخيه بأنه سيموت وأن هذه آخر ليلة يقضيها معه !! وفي الوقت الذي كان فيه مرتضى يزرر بنطلونه، وهو يتبول، جاءت أشباح الموت المُنقّبة . انهالوا على الصفوان بالعصي وسحلوه من يديه المدماتين فوق الأشواك، قتلوه ثم علقوه أمام المقهى على عمود الكهرباء . شاهدته أمّه وزوجته وأخواته وأطفاله الأربعة . لقد قُتل الصفوان، ورحل، لكنه خلّف وراءه ميتا يسير على قدمين هو مرتضى الذي سيعيش تحت وطأة سياط الشعور المدوّي بالذنب مدى الحياة:

(سقطت رجولته تحت منجل الخوف، ولم تعد البلورية تسعد بيديه الباحثتين عن السلوى في حلمتيها، فتستدير بعيدا عنه مخلفة له دخان الهزيمة، يثور ليجد في عينيها قبضة اتهامات، فتغشاه البرودة وتهرب منه الدماء فيخرج إلى ممرات الليل، يدخن هاجسا حفيف ثياب الموتى يضمّدون جراح الصفوان، وصوته – يا للوجع – لا يبرح رأسه يضربه كمطرقة قاسية:

- أولاد الكلب اتركوني .. لك وينك خويه؟؟ - ص 67).

وهذا التساؤل المستغيث واليائس الذي اطلقه الصفوان ليلة سُحل بالحبال أمام عيني أخيه سيبقى يلاحق مرتضى حتى الموت .. يقض مضجعه ويؤرقه .. يدينه ويتهمه .. وهذا ليس سؤال مرتضى الخاص الذي يصمه بالعجز .. إنني اعتقد أن كل عراقي له نوع من هذا السؤال: (ولك وينك خويه؟)، يلاحقه منذ فجر حياته الشخصية، مثلما يلاحقه منذ فجر حياة بلاده (ولكم وينكم ولدي؟) . بهذا السؤال (ولك وينك خويه؟) تعيد ذكرى محمد نادر بلا تردد تثوير سؤال العجز والمهانة الذي أمضينا عقودا ونحن نتستر باستماتة وبطرق مراوغة ومتكرة مستعينين بالأيديولوجيات والنظريات والبيانات الحزبية والتحالفات والهروب إلى المنافي مهما كان جحيمها قياسا للمسؤولية المقدسة التي تركناها خلف ظهورنا تجاه أخوتنا ووطننا . (لك وينك خويه؟) هو سؤال عراقي صميم .. هو سؤال العجز والإنخذال والمهانة الذي لا ينفع معه أي شيء ..

لكن من هم هؤلاء (أولاد الكلب) الذين يصرخ الصفوان بهم كي تتركه مخالبهم الباشطة .. هنا يأتي درس مضاف من "ذكرى" . فهؤلاء لا يستطيع أي مراقب أن يسِمَهم بسِمة (الأعداء) المتعارف عليهم .. (من هو العدو؟) .. هو سؤال آخر ذو ماركة مسجلة عراقية سوداء . ففي وقفة الرضواني كان القتال ضد عدوين .. تمزقت ولاءات الناس تجاههم .. والآن:   (دأبت الليالي تأتي مشحونة بأزيز الرصاص، متداخلا بفوضى التحليلات تتضارب فيها الآراء .. والنهارات الصخابة بالهتافات، تضج بها المدينة، بينما لا تُعرف هويات الجثث المعلقة على أعمدة الهاتف والكهرباء وأشجار اليوكالبتوس الرشيقة حيث يقطر منها الدم، معلق على صدور الجثث: (الموت للخونة) دون أن تعرف من هم الخونة؟ ولمن كانت الخيانة؟ لم يكن غريبا بقدر ما هو حزين رؤية أجساد مقطعة، مرمية على جنبات الطرقات، يحيطها الضباب ملتفا بالدماء الذابلة، حيث تسيل في تساؤلات مبهمة وطبول الموت تدوي، تقرع الأبواب الموصدة غير الواعية لحقيقة ما يحدث:

- ماذا هناك؟

يصرخ أحدهم من خلف نافذة خوفه، ليسمع صوتا آخر خائرا:

- من يدري ..

- من العدو؟ أين العدو؟ - ص 64 و65).

هكذا عاش أهالي هذه البلاد تاريخهم الشائك والملغز، وهم يتلفتون ويتساءلون عن عدوهم الحقيقي؟ وأين يكمن؟ .. هذه من محن هذه البلاد المعنّدة .. أن لا تعرف عدوّك الفعلي .. وأن تقتل كل يوم عدوا !! بعد عقود يدق هذا السؤال المحيّر على أبواب عقل وروح (الوضّاح) الذكر الثالث لمرتضى، والذي سيشرب من ذات نبع الحيرة في آخر هذا القرن . حيث تلهو طائرات الليزر بأجساد رفاقه المنسحبين وتحولهم إلى مزق وأشياء بتشف واستهتار لا يصدق فيصرخ في ليلة مكتملة الحزن: - أين العدو؟

المطر ينز أسود من سماء مظلمة عفرتها المعارك، فيغوص الدم في الرمال يدوي الصوت وصدى السؤال: أين العدو؟ - ص 65).

 

خذ الحكمة من فم الروائيين:

الفن السردي هو سيرة حياة .. حياة كاملة تجري وقائعها على المسرح السردي الذي هو حقيقي حقيقية الحياة الفعلية، بل أكثر منها في لحظات التماهي مع الشخوص وتشرّب الحوادث في لاشعورنا، مانحة أيانا الفرصة كي نمارس فعليا على الساحة النفسية الخلفية ما يقوم به "البطل" على الساحة السردية الأمامية . وليس " التفريج – catharsis الأرسطي " الذي نشعر به ونحن نشاهد البطل – على المسرح مثلا - وكما يقول "فرويد" يقوم بما نرغب فيه ولا نستطيع القيام به بسبب التابوات والتحريمات والقوانين، ولكن لأننا من خلال أفعال الشخوص الروائية نقوم بما نبغيه فعليا على مسرح نفوسنا الخلفي المظلم .. تمثل الأدوار في نسخة تشبه (النيجاتيف) أشباح وغيلان دوافعنا الدفينة . ومن هذه الحكاية التي تجري "هناك"، والتي تجري أولا في "هناك" المبدع تحصل خلاصات أشبه بـ "الحِكَم" التي تتركز فيها دلالات التجربة، والتي يطلقها الكاتب بين وقت وآخر لتمثّل توهجات من "فلسفته" التي هي فلسفة فعلية في بيئتها السردية لا تُفهم إلا في البيئة النفسية الأصلية التي خّطت مسارات الحكاية الجزئية على تربتها . وقد أدركت ذكرى أهمية هذه التقنية فكانت تُقدم تلك القبسات الخلاصة - بين وقت وآخر - فتأتي متوهّجة على هامة التجربة:

- أفضل ما في المصائب أنها تعلّمنا كيف نحمي قلوبنا لئلا تتكسر كهذه الصحون .. ص 121

- عندما لا يكون ثمة أمل في أحد ما .. في أمر ما، لن يكون هناك ألم . لن يكون هناك خيبة . إن الألم كله يكمن في الخيبات التي يسببها من نرجو أن يمنحونا ما نحلم به – ص127

- تعلّمتا درسا مبكّرا: إن المرأة ستكره ذكريات رجل بكت بسببه وستتذكر دوما رجل بكت لأجله – ص 127

- أن تبقى مخدوعا خير لك من اكتشاف عقارب الحقائق التي تكمن تحت وسادتك، والأسوأ أنك لا تملك أن تبعدها عنك

- نحن شعب بلا ذاكرة، من يتذكر ماذا؟ إنهم ينسون، نحن برحمتنا ننسى خطايا المواطنين ونسامح أحيانا قدر الإمكان عصيانهم، لتسهل الأمور أكثر حين تكون بلا ذاكرة، إنها بداية جديدة دائما- ص 153

- القسوة هي تعبير عن جوع أليم للإحساس بالحب – ص153

- كونكِ بغيّاً يمنحك القدرة أن تفعلي ما يحلو لك وقت ما تشائين وبالشكل الذي ترغبين، إنها سلطة، بل هي السلطة .. ص 160

- السياسة كالدعارة لكليهما شبهة – ص 167

- ما نفع الحقائق حين لا تأتي في وقتها – ص 181

- هناك سعادة مفزعة – ص 206

- إن بعض الحماقات ضرورية لجعل الحياة ممكنة – ص 208

- إن أوهام الحب مع علمنا بأنها أوهام هي أجمل كثيرا جدا من رعب الخلوِّ منها – ص 209 – في الورقة الألف دوّنت على ورقها المصفر: سأغفر لله لو أنه منحني القدرة على أن أحبك دون أن أتألم – ص 209

- أظننا قوم لا نقوى على أن نحيا اللحظة بعمق تفاصيلها . نحن أجبن من هذا، إلا أننا نسعد كثيرا باستعادتها في غبش أحلامنا وأقاصيصنا – ص 219

لكن هذه الشذرات لا يمكن إدراكها من معناها الظاهر فقط، بل من معنى مضاف يفرضه السياق الذي جاءت خلاصة له . لنأخذ مقولتين مترابطتين وجاءتا ضمن سياق سردي واحد وهما:

(كونكِ بغيا يمنحك القدرة أن تفعلي ما يحلو لك وقت ما تشائين وبالشكل الذي ترغبين . إنها سلطة، بل هي السلطة)

و(السياسة كالدعارة لكليهما شبهة).

كلتا المقولتين أطلقتهما (السلطانة) - وهي القوادة (أم القادرية) زوجة (الصفوان) عمّ الأختين: سُبُل ومراثي، ابنتا مرتضى. لكن كيف التقتا، سُبُل ومراثي، بالسلطانة؟ . في سجن النساء. لقد جاء اعتقال سبل ومراثي في سلسلة اعتقالات ظاهرها محاولة إلقاء القبض على ابن عمهما (عامر) ورفيقته (سلمى) التي جاء بها إلى البيت في إحدى الزيارات السريعة وكلاهما من حزب معارض للسلطة القمعية الباطشة . لكن في الباطن كانت سلسلة الاعتقالات هذه تُدار من قبل "نواف الضامن" لإسقاط سُبُل في شباكه بعد أن شغفته حبا. حصل هذه المرة تبدّل خطير فقد تمّ زج الأختين الشريفتين الملتزمتين اجتماعيا في سجن النساء المتهمات بقضايا لا أخلاقية .. مع العاهرات .. وهذا جزء من تكتيكات الجلادين حين يريدون ترقيق إرادة المعارضين المقاومين الملتزمين بالمباديء بعناد شديد. فهم يزجون المناضلين – وخصوصا المناضلات - في سجون للمتهمين بقضايا لا أخلاقية .. سجون للعاهرات . كانت خطوة من نواف لترخية أربطة الموقف الذاتي المتماسك لسُبُل بشكل خاص. فالعظيم وسط التافهين يتفه.. والشريفة وسط العاهرات قد تنالها العدوى . بنات الليل في السجن يغسلن ألبستهن الداخلية ويعلقنها بشكل فاضح أمام الأعين . ها هي مجموعة منهن تدخل السجن وهن يحملن في أيديهن واقيات رجال مطاطية نفخت إلى أقصى حد فانتفخت واستطالت بصورة مضحكة مزرية (ص 160). هنا سترى سُبُل الصامدة حتى الآن، وعلى الطبيعة، سلوك المومس المنفلت .. وكيف يصِفْن الحياة اللاهية العابثة التي يحيينها . هنا سيتم التفاهم وفق قواعد ومعايير جديدة فيها كل شيء، إلّا شيء واحد مكروه يُنبَذ بعيدا باحتقار وهو: الشرف . لكن في عالم السجن الرهيب هذا رعتهما السلطانة بعطف شديد .. تذكرت مراثي الآن كيف كانت القادرية زوجة عمهما القتيل تعود من زيارتها لوالدتها بخدين متوردين وعينين تومضان بالإرتواء والعافية . في كنف والدتها كانت تُطفيء جذوة حرمانها الجنسي بعيدا عن اي تابوات .. كانت السلطانة سلطانة فعلية في السجن .. حتى الفطور كان دسما .. أكلت الأختان مع المومسات بعد نداء إحداهن: هيا يا بنات .. لتأكل السياسة والدعارة معا في بيت الحكومة – ص 159.

وقد علمت سُبُل أشياء كثيرة عن "الباشا" عاهرة الخارج . وما هي إلا أختهما الهاربة "عميرة" بعد أن تحرش بها عمّها جنسيا. الباشا أسطورة .. كما تصفها السلطانة لسُبُل:

(إنها تحفة إلهية .. شابّة مختلفة عريقة قوية جميلة مسيطرة . تلهو بكبار الرجال بلا تهيّب . تمرّغ كبرياء أكبرهم وأشدهم جبروتا، لكنها رقيقة مع بنات الكار رحيمة بالجميع .. بالجميع . أسميتها "الباشا" وهي كذلك – ص 165) .   وقد كتبتُ مرة أستنكر فيها وصف بعض الكتّاب لبعض السياسيين الفاسدين بأنهم مثل العاهرات . من وجهة نظري أن العاهرات أفضل كثيرا من كثير من هؤلاء السياسيين . فالبغي تمنحك اللذة مقابل المال .. وبعضهن يتعاملن بروح أمومية، ولا ننسى أن المومس هي الوجه المستتر للعملة الأمومية، ولهذا يتعلق بعض الرجال بالمومسات ويتزوجونهن رغم مواقعهم الاجتماعية والسياسية البارزة منطلقين من "عقدة إنقاذ" دفينة . أما السياسي الفاسد فهو يسلب كرامتك وشرفك وثرواتك بلا رحمة كصورة للأب الخاصي الباطش . ولعل ما قدمته الروائية من صورة عن "حنان المومسات" هو أنموذج لمقارنة غير مباشرة مع سلوك "نواف" الأشد ترديا من العهر الأخلاقي مع سُبُل .

وقد حاولت الكاتبة تقديم صورة أخرى عن نفوذ المومسات من خلال التظاهرة التي خرجت في بغداد تقودها الباشا وهي تدعو لإقامة نقابة شرعية لبنات الهوى، وإلغاء خطة وزارة الصحة في التعقيم الإجباري لبائعات اللذة، ومنح أوراق شخصية لأبنائهن يحمل فيها الإبن اسم أمّه . لم تكن هذه الوقفة موّفقة لأنها كانت تفتقد المصداقية والقبول الاجتماعي والتاريخي . المهم أن ما ثبت هو أن المومسات وخلاف ما نتصور من كونهن كيانات مسحوقة وبريئة يتلاعبن بأكبر السياسيين .. إن المانع الأساس الذي هو الرقيب الداخلي .. عين الله .. التي نسميها "الضمير" يسقط في جهاز المومس النفسي، فلا تعد هناك أيّ نواهٍ أو قيم تردعها عن اي فعل . وهي بذلك تتفق مع السياسيين الجلادين الذين عليهم أولا أن يحيّدوا هذه السلطة الداخلية ليتمكنوا من سلب السلطة وتعذيب خصومهم وحتى قتلهم . لا مكان في السياسة لرجل ذي ضمير أبيض ويخاف الله .. هذا مكانه في المساجد وبين الأولياء والصحابة. حتى الصحابة قُتلوا شر قتلة واغتيلوا لأنهم غلّبوا الأخلاق على المصالح السياسية . إن ما كان يقوله ميكافيللي من وصايا (في السياسة، عليك أن تتحلى بأخلاق الذئاب لتنجو من فخاخ الثعالب) والذي يرفضه السياسيون المبدئيون - قطعيا - من الناحية النظرية هو دليل سلوكهم الميداني . وبفعل هذا التشارك بين السياسي والبغي أطلقت السلطانة حكمتها:

(كونكِ بغيّا يمنحكِ القدرة أن تفعلي ما يحلو لك، وقت ما تشائين وبالشكل الذي ترغبين . إنها سلطة بل هي السلطة) .

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

"تعويذة شهرزاد" وتجليات الجودة

maymon harashتقديم عام: إن الحديث عن الكاتب المغربي الخضر الو رياشي يحتاج لوقفات طويلة، ليس لأنه متميز فقط، إنما لأنه محبوب، ومن نحب لن نوفيه حقه مهما اجتهدنا..

واختياري لموضوع التميز لديه إنما مرده لأن الرجل عاشق للجديد، ومؤمن بالكتابة حين تترك بصمة، هذا فضلاً عن أنه اقتحم ميدان الإبداع بشكل عام منذ مدة طويلة، اشتغل رئيسَ تحرير في جريدة "كواليس الريف"، وفي" صوت الريف"، ونائبَ مدير جريدة " أنوال الجديدة"، ومصححاً لغوياً في "الصدى"، وهي جميعاً صحف محلية كانت تصدر في مدينة الناظور، منها التي لازال تواصل صدورها، ومنها التي توقف توزيعُها لسبب أو لآخر..

والتميز هنا بالنسبة لي هو مرادف للكتابة الناجحة، والباذخة حين تترك أثرها في المتلقي، وتفرض نفسها في المحافل هنا، وهناك؛ والكتاب اليوم كحبات الرمل حين نعدهم، لكن الذين يتركون أثراً قليلون..

تتبعت برنامجاً إذاعياً بثته إذاعة ميدي1 عبر الأثير ذات ليلة رمضانية بتاريخ 22/8/2011،خصته المنشطة لسؤال طرحته مجلة إيطالية لمناقشة ملف عن" الكاتب الناجح"،ولتقريب الموضوع أكثر طرحت عدة أسئلة لبسط هذا الموضوع الحساس، وأهم ما طرح هو ما هو معيار الكاتب الناجح ؟، وهل هناك معيار أصلاً؟..

والحق أن حلقة البرنامج أثارتني بغنى النقاش الرصين، و لعل أهم ما طرح هو أن الأمر قد يتعلق، حين نتحدث عن كاتب ناجح، بكثرة رسائل الإعجاب التي يتلقاها عبر البريد الأرضي، أو لايكات، أو جيمات في الفيس بوك، أو ترجمة كتبه إلى لغات آخرى، وربما بما يولد عنده من أعداء،أو بتحويل إنتاجاته إلى أعمال سينمائية، وربما... وربما...

سألت نفسي يومها : ألا يكفي أن يكون الكاتب ناحجاً لأنه كاتب بدون فلسفة؟..

سؤال مشروع .. لكن هل الكتب متشابهة؟..

أعتبر الخضر كاتباً ناجحاً لأنه حين يبدع يراهن على الاختلاف ؛ والتميز سمة يحرص على أن تحمل توقيعه بحيث حين تقرأ تقول: هذه لغة الخضر الورياشي، هذا أدب فيه رائحة خضراء (نسبة إلى الخضر طبعاً)..

والخضر الو رياشي له حظوته، لا يمكن أن تقرأ له دون يستوقفك، حين يقرأ ما يكتبه في مناسبة أو أخرى تلتاع إليه الأعناق إعجاباً، وإحساساً بأن ما يقول يستحق الإنصات.. يوم قرأ على ضيوف الناظور في المهرجان العربي للقصة القصيرة جداً/ النسخة الثالثة في مارس 2014 نصه " نبي إبليس " احتدت الأكف بالتصفيق، صفق له الجميع بحرارة، فأبهر، ولفت الأنظار، وكثير ممن حضر يومها لم يمنع سؤاله : من هذا؟ ..

(كان نجم المهرجان بلا منازع ..)

هو كاتب ناجح لأنه يرفع شعار " اقتلوا العادية" حسب دعوة حنا مينة رحمه الله، يكتب بإسهاب، في القصة، وفي الخاطرة، وفي الفن، وفي النقد لكنه يحرص على الجدة، والفرادة، والتنوع، وهي صفات تجعل منه كاتباً نجماً في مدينة الناظور..

حازت مجموعتُه " تعويذة شهرزاد" الجائزةَ الثالثة في المسابقة الكبرى الخاصة بالقصة القصيرة جداً، والتي نظمتها جمعية جسور للبحث في الفن والإبداع بمناسبة المهرجان العربي للقصة القصيرة جدا، في مارس 2015،شارك فيها أكثر من عشرين كاتباً يكتبون في القصة القصيرة جداً، وكلهم معروف ومشهور من المغرب، وخارجه.. وهذ تميز يؤكد ما أقوله لكم الآن..

"تعويذة شهرزاد" وتجليات الجودة..

"تعويذة شهرزاد" هي الإصدار الثاني للخضر بعد" قصتي مع جاكي شان وجنية الكتب "،كل نصوصها المجموعة تنوء بثقل المعاناة الاجتماعية بل الإنسانية كما يقول الدكتور ميمون مسلك الذي قدم لها ..

ولقد حرص الخضر التهامي الورياشي أن يتصدرها بتقديم له شخصياً، ومما جاء فيه : "

" أتعبتني هذه القصص جداً، على الرغم من أنها قصيرة جداً، ولعل قصرها سبب تعبي "

ومن تُتعبه نصوصُه قبل نشرها لا يمكن إلا أن يكون ناجحاً، لأن الكتابة هي بذل جهد، ومعرفة، واشتغال متواصل وليس لعباً بالكلمات ليس إلاَ..

ويمكن أن أحصر تجليات التميز في تعويذة شهرزاد في النقط التالية على سبيل المثال لا الحصر :

1. الجرأة في التعبير عن الهموم الذاتية، والاجتماعية،، والإنسانية، للمعاصرة،

2. اعتماد اللغة العربية الفصحى،

3. إثارة فضول المتلقي عبر طرح السؤال،

4. الشخصية/ البطل في تعويذة شهزراد..

5. بناء الأحداث/ الحبكة القصصية..

الجرأة في التعبير عن الهموم الذاتية، والاجتماعية، والإنسانية، للمعاصرة

فيما يخص الجرأة في التعبير هي صفة لا تتأتى إلا لمن يصدق في فنه، وأدبه، أقصد أن الكتاب فريقان : منهم من يطرح الأشياء طرحاً صحيحاً، ومنهم من يطرحه طرحاً غير صحيح، والنوع الثاني لا يمكن أن يكونوا سوى كتاب مأجورين، مجرد أبواق ليس إلا، لاسيما إذا عرفنا بأن القراء قضاة، يحاكمون حملة الأقلام، قد يغفرون أي إساءة ماعدا الاستهانة بعقولهم،ولن يغفروا لمن يكذب عليهم، أو ينصر الشر، ويعادي القيم الجميلة عموماً عبر تكريس القبح في كل تجلياته..ولعل توجس الخضر من القراء هو ما جعله يتربع على شباك تذاكرهم؛ يتودد للقراء، ويخاف من ردود أفعالهم، لذلك النشر بالنسبة إليه عملية حسابية، الأرقام معدودة، كل رقم فيها مناسب، وغير زائد..

الخضر في "تعويذة شهرزاد" طرح موضوعات، وكتب عن قضايا، عرى من خلالها الواقع بدون مساحيق، فتحدث عن الظلم، والأمل الكاذب، ووجوه الإرهاب، ووجوه السياسة المشوهة،، عن الإحساس، والإحساس الخاطئ، عن القدرة حين نريد، ونقد التقاليد، والأعراف، وعن مفاجآت الحياة، وعن التحرر من البؤس والفقر،..وعن المرأة العانس..، وعن الطفولة..

"في قصة أطلس" ص 80 يبهرنا الخضر في إشارة منه إلى أزمة التعليم بكلمات قليلة ، لكن في ديباجة قشيبة يقول :

حطت حطباً

حملت كتباً

صعدت تلا

دق الجرس،. انتهى الدرس.. "

وعن الفهم الخاطئ للدين الإسلامي يكشف عن مفارقات عجيبة، لا في الدنيا بمفهومها الواسع، وليس في السوق، وليس في صالون حلاقة، وليس في مقهى، وإنما في المسجد، يقول :

"انقسم المسجد إلى حزبين؛ كل حزب فَرحٌ بإمامه

دخل رجل مهرولاً، فأدرك صفوفاً عن يمين تركع، وصفوفاً عن شمال تسجد،

انتبذ ركناً أذن واستقبل قبلة أخرى.."

وهكذا يصبح، داخل المسجد، لكل قبلته، ولكل إمامه، أما خارج المسجد فلنا أن نتخيل حجم الاختلاف، وكيف يكون.. ؟..

اعتماد اللغة العربية الفصحى،

يحرص الخضر، لا في مجموعة التعويذة فقط، بل في كل أعماله على اللغة العربية الفصحى، يكتب بشكل سليم، تنداح له الفصحى، تفرد له جناحيْها، يعبر بطلاقة، بعذوبة؛ جمله قصيرة، مسكوكة بشكل بدبع، لا أخطاء إملائية، ولا لغوية إلا ما جاء عرضاً، يؤمن بأن الأناقة في التعبير طريق نجاح الكاتب، أي كاتب ..

لغته بمكن أن تدرج ضمن السهل الممتنع، يكتب بسلاسة مبهرة، غالباً ما تكون جمله مبدوءة بأفعال .. ويختار لنصوصه عناوين جذابة، والعنوان لديه يقوم بدور وظيفي، فيضفي عمقاً ودلالة، وجمالا، لا تكتمل الأحداث عنده إلا به ,أشهد أن عنوان أضمومته " تعويذة شهرزاد " شغله مدة، و حيره كثيراً قبل أنه يستقر عليه ...

عنوان قصته 6/ 9 اختير بدقة متناهية، يقول   :

"فتح الباب، تسلم هدية.

أشعل البيتَ ناراَ

عاد الطارق من جديد، استرد الهدية وأشار إلى رقم الشقة.."

 

هذا النص لا يمكن أن يفهم دون عنوان أبداً مستثمراً دلالة الرقمين( ستة وتسعة) في رسم فضاء لهذ القصة الجميلة ..

وفي قصص "تعويذة شهرزاد "جنوح على حمل الحكاية على أجنحة الشعر، المفردات مسكوكة بطريقة بديعة، والصور تنزاح عبر لغة انسيابية مدهشة، لتشكل حاملاً أساسياً للسرد، وهذا الجنوح لم يحل دون إيلاء الحكاية ما تستحقها من اهتمام، فبدون حكاية لا يولد نص للخضر أبداً، هو عاشق للقصصية أو الحكائية، ولا يمكن أن نعثر على قصة في هذه المجموعة تخلو منها أبداً، هو ينتصر لهذا الشرط، شرط توفر الحكائية في نصوص القصة القصيرة جداً في إبداعه، وفي كتابات الآخرين ممن يكتبون القصة القصيرة جداً.. فلا غموض في الدلالة رغم جنوح الخضر للحالة الشعرية في نصوصه مادام حريصاً على شرط الحكائية ...

في قصته " أطلس " ص 80 السابقة الذكر..تتوفر فيها هذه الحكائية مع جنوح نحو حالة شاعرية عبر موسيقى لفظية لافتة، كلمات النص قليلة، لكن فيها رنين موسيقي أخاذ...

 

إثارة فضول المتلقي عبر طرح السؤال،

يحرص الخضر في المجموعة على حمل القارئ على طرح السؤال، يضع النص بين يديْه (الضمير يعود على القارئ)، يعذبه به، ويقحمه معه في بنائه، كما في قصته : " نهاية وبداية" ص 20، وقصته " البعوضة" ص 47، و"تلك الرائحة " ص 104،و"أزهار النحس "ص 78، و"زيارة "ص 59، وفشل ص 106،..

والسؤال عند الخضر هو ضرورة ملحة، إما يطرحه هو بلسان بطل من أبطاله، ، أو يحمل القارئ على طرحه، أو مجرد التفكير فيه على الأقل، والسؤال هو فن التفكير حسب أهل موليير، وكلما أجاد المتلقي طرح السؤال، ساعده ذلك على ولوج النص، وفك بعض مغالقه ..

وطرح السؤال يفرضه بناءُ نصوص الخضر، خاصة في عود الضمير في بعض القصص، نحو قصته انتقام : ص 31

"خانه، فأقسم أن ينتقم منه، مهما طال الزمن...

ألم بابنة الخائن داءٌ عُضال، وكان قد أنفق كل ما يملك..

أمهله الطبيب الجراح أياماً معدودة..

دخل عليه المستشفى، قدم له مظروفاً..

طرح نفسه عند قدميه.."

في هذا النص لا يفصح الخضر عمن يكون المنتقم، أو من هو المنتقَم منه، ثم ما علاقة ابنة الخائن بالأول والثاني، ولماذا هو خائن، والكلمة المفتاح التي تفاجئنا في النص هي " المستشفى " .. ويبدو لي هذا أن المستشفى كمكان مختار بدقة لأنه الوحيد المسعف على فك رموز هذا النص..

هذه السحابة المخيمة على بعض النصوص مثل نص "انتقام" مطلوب لأن النص حين يضعه صاحبه على منضدة التشريح يفقد ألقه، والنص السهل، الذي يهب نفسه للقارئ بسهولة دون طرح سؤال واحد سرعان ما تتقيؤه نفس القارئ الفطن..

 

الشخصية/ البطل في تعويذة شهرزاد..

في كتاب " بنية الشكل الروائي : الفضاء- الزمن- الشخصية.." للناقد د حسن بحراوي نقرأ في المقدمة النظرية عرضاً لمفهوم الشخصية في المرجعية الغربية، وفيها قولة شهيرة ينعتها بالقولة اللامعة، هي لفرجيينا وولف التي تقول فييها: " دعونا نتذكر مدى قلة ما نعرفه عن الشخصية"..

والشخصية تشكل وجهة نظر، أو رؤية للعالم وليس شخصية ذاتية، ذات جوهر سيكولوجي فقط ..الأساس فيها هي كلمة الشخصية حول العالم، وحول نفسها..

وجدير بالذكر أن الرؤية النقدية تغيرت تغيراً بيناً مع ظهور نظريات النقد الجديد إذ أصبحت قضية الشخصية لسانية،فالشخصيات لا وجود لها خارج الكلمات لأنها ليست سوى كائنات من ورق .. بكلمة أصبح من الممكن أن نقول إن مفهوم الشخصية يلتقي مع مفهوم "العلامة" حين ينظر إليه كمورفيم فارغ في الأصل،سيمتلئ تدريجياً بالدلالة كلما تقدمنا في قراءة النص..

ويقترح فيلب هامون في دراسة حول القانون السيميولوجي للشخصية ثلاث فئات :

- الشخصية المرجعية، ضمنها الشخصيات التاريخية، والأسطورية، والمجازية، والاجتماعية..

- الشخصية الواصلة، تكون علامة على حضور المؤلف والقارئ أو من ينوب عنهما في النص..

- الشخصية المتكررة : شخصيات تنسج داخل الملفوظ شبكة من الاستدعاءات والتذكيرات لمقاطع من الملفوظ منفصلة وذات طول متفاوت..

وتجدر الإشارة إلى أن هناك فرقاً بين مفهوم الشخص الواقعي، وبين الشخصية الورقية الخيالية. كما يؤكد الدكتور جميل حمداوي في كتابه : " الشخصية الروائية على ضوء مقاربات النقد العربي القديم، والحديث من الإحالة إلى العلامة" ..

وهناك من منظري الرواية من يتحدث عن شخصية حية وغير حية، الأولى هي التي تتصرف كما أيها الناس، والشخصية غير الحية هي التي تأتي أفعالاً تتجاوز بها مع هو مألوف، وعاد..

و كلما كانت الشخصية حية عاشت في المخيال الشعبي، من منا لا يعرف سي السيد/ أحمد عبد الجواد، وجان فالجان، ومدام بوفاري، و"عادل" في شرق المتوسط مرة أخرى لعبد الرحمان منيف..و غريغوري الممسوخ لفرانز كافكا، والطروسي لحنا مينة، وصفية، وعبد الهادي في رواية "الأرضّ للشرقاي، وآخاب في هرمان ملفل، وسنتياجو عند هيمنجواي...وسعيد مهران في اللص والكلاب....

بل من الطريف أن أذكر بأن هناك من يدعو لبناء مقابرَ خصيصاً لشخصيات روائية وقصصية، حتى يتمكن مُحبوها زيارتها والترحم عليها..

ويقول الدكتور ميمون مسلك في دراسة بعنوان " الشخصية في قصص عبد الحميد الغرباوي":

" لما نتحدث عن القصة القصيرة جداً أول ما يتبادر إلى الذهن / حجمها الضئيل، الذي يصل أحياناً إلى سطر واحد، بسبب : الحذف، والتكثيف، والتلميح.. ما يجعلها أصغر حكي ممكن، فهذه الخاصية تجعل التعامل مع الشخصية يكتسي قدراً كبيراً من العناية والتدبر، وحسن التصرف لأن القارئ سيجد نفسه يوازن معادلةً توازنها صعب : إبراز الشخصية كعامل فاعل في تنشئة الحدث، وبأقل ما يمكن الكلمات"..

ويمكن تقسيم الشخصية في تعويذة شهرزاد قسمين :

الشخصية الإنسان، وهي الحاضرة بقوة في الأضمومة..

الشخصية الحيوان، وعدد النصوص فيها ثمانية، هي : فراشة، غزالة، نمل، أسد، هامة، زحام، مزرعة، البعوضة..

وكل شخصيات الخضر في التعويذة تأتي عارية من أسماء، و يكتفي، بالمقابل، بتقديمها بصيغة ضمائر المتكلم في الغالب.. موزعة بين دلالة جنسية بين الذكر والأنثى .. وشخصيات الخضر من فئة المسحوقين، والمنهزمين، و الخائنين، و...

والخضر في تعويذته لا يولي اهتمامًا كبيراً لوصف الشخصية بالكلمات بل يتجاوزها ليهتم بالفكرة أساساً، أو يجنح للتصوير الفيلمي السينمائي.. وشخصيته بدون اسم، بدون ملامح معينة، ولكن سلوكها قد يكشف عن صفاتها النفسية، ونوعية مزاجها، وحالتها الاجتماعية، وظروفها الوظيفية.. مما يفتح المجال أمام القارئ لرسم ملامحها كل حسب فهمه، وقدرة استيعابه..

تفرض بعض المدارس والمذاهب الأدبية تنويعاً في الشخصية حسب نوع تيار القصة، فهي تتغير وفق طلاء المذهب والمدرسة،فالشخصية في التيار الواقعي غيرها في المدرسة الوجودية، أو الكوميدية، أو المأساوية، أو التجريدية، أو القصة التاريخية..

وبما أن الخضر يهتم بالجانب الاجتماعي فهو يعمد، عن قصد في نظرنا، إلى إلحاف شخصياته من خلال قوى الصراع بين : مُستغل/ جلاد، ومستغَل / ضحية..

في قصته " رجولة " ص 32 لا شيء يكشف عن هذه الشخصية سوى الفعل الذي تأتيه عبر فعل مفتاح هو " تنزل، وينزل".. شخصية لا ملامح لها، بدون اسم، لكننا نرسمها كأحمد عبد الجواد/ سي السيد بطل ثلاثية نجيب محفوظ لما بينهما من تقارب كبير ..

"كلمته لا تنزل الأرض..

إذا قال يميناً فهو اليمين، وإذا قال يساراً فهو اليسار ..

وفي الليل ينزل عند قدميها.."

وإذا استثنينا نصوصا قليلة، نقول مطمئنين بأن أغلب نصوص التعويذة مجردة من الوصف المسهب، بل هو جنوح حول اقتصاد مقصود تماماً.. ولعل الأمر يتعلق -عند الخضر- بنسق فني، لأن الشخصية المجردة من الوصف تثير خيال المتلقي، فيرسم ملامحها وفق السياق، أو حسب ما تطرحه الفكرة..ويقول د ميمون مسلك في هذا الشأن بأن تجريد الشخصية من مواصفاتها هو أحياناً عامل من عوامل بنائها فنياً "..

بناء الأحداث/ الحبكة القصصية..

المقصود بالحبكة الطريقة التي يتم بها سرد الأحداث، انطلاقاً من علاقة سببية تربط المقدمة بما بعدها، ولقد تنبه أرسطو إلى أهميتها منذ عهد بعيد، وقدمها على عناصر القص جميعاً، حين أكد أن أكثر تلك العناصر أهمية هو بناء الأحداث..

و يقول الناقد يوسف حطيني في كتابه "دراسات في القصة القصيرة جداً" ص 62و63: " ثمة في السرد عموماً نوعان من الحبكة : بسيطة، ومعقدة، فالحبكة البسيطة هي تلك الفعل الواحد المتواصل، والذي يتغير فيه خط البطل دون حدوث (تحول)، و(تعرف)،أما الحبكة المعقدة فهي التي يتغير فيها خط البطل عن طريق (التحول) و(التحول) وإما بهما معاً."

ونوعا الحبكة حاضران بشكل عام في الرواية، بسبب تعدد الشخصيات، وتعدد الأبطال، ورأي الناقد سديد في أن القصة القصيرة جدا تفترض الاعتماد على الحبكة المُعقدة دون غيرها ..

في قصة جميلة بعنوان أسد :45:

"تذمر من فصيلته، وفكر أن لا يظل كلباً..

أحاط رقبته بطوق من الشعر الكثيف، ركب أنياباً حادة، اختال، في مشته ..

نظرت إليه الكلاب باشمئزاز، استشاط غضباً، كشر عن أنيابه،..نبح.." مادةٌ حكائية شائقة،تؤطرها لحظة تنوير (عالية الجودة)، البطل/ الكلب فيها يتغير عن طريق التحول..

وفي نص البعوضة تَحولٌ من القوة، إلى ضعف، من خلال مادة حكائية بديعة عن شخص جبار، ينهار تماماً بسبب حشرة صغيرة وهي بعوضة..

ويحرص الخضر على الاهتمام في قصصه بعناصر الحبكة ( البداية- العقدة- النهاية..)

وتصبح هذ العناصر مثيرة في الق القصيرة جداً ؛ لأنها تعتمد على التكثيف، الشديد، وتصل إلى حد مبالغ من القصر..

حرص الخضر في تعويذته على بدايات تحقق الدهشة، ونهايات تحقق التنوير دون اختصار مخل..ولا حشو يذهب بماء الحكاية..

ومن النصوص الجميلة التي تبدو فيها البداية والنهاية في حلة قشيبة قصة "نصيب" ص 81 :

انتقت أجمل فستان، تزينت، جلست، جنب والدتها

...

تابع ما يدور من حديث، وتصرفات في هدوء، وترك الكلام للكبار ..

كانت الأخرى تظهر وتختفي، ...

مال برأسه نحو والدته، وهمس في أذنها..

تبسمت، ورنت بطرفها نحو الأخرى.."

في بدايات الخضر اقتصاد فني مقصود، وفي نهايات نصوصه لمسات و رتوشات تدل على وعي تام بالدهشة التي توفرها الخاتمة الناجحة..

 

البراعة العالية في الصياغة المشتملة على الصيرورات الموّلدة للتنامي القصصي

(مابعد الخريف) مجموعة قصصية للقاص عبد الكريم الساعدي صدرت عن دار أمل الجديدة، سورية – دمشق، وهي من القطع المتوسط جاءت ب (91) صفحة وتضمنت القصص التالية، ليلة اليمة – رسائل الموتى – دموع خرساء – في بطن الحوت – حرائق ساخرة – ارتعاشة آخر ليلة – كان الدرس صحواً – ليلة احتضار النور – أمنية معلم – اغتيال مجنون – الرقص على اصوات الصفيح – رجل من ورق – عطر محلي – هي ذات الروائح – مسوخ وعناكب – مقهى المدينة الفاضلة – شارع المعبد الغريب – أحلام وذباب – شهقة طين – مابعد الخريف .

في هذه المجموعة وجدت أن هناك صوراً تظهر كتلة واحدة، ربما رسمها القاص في مخيلته وجعلها خاضعة لتقنيات عمل متميز من حيث الصياغة اللغوية التي تصل بين طرفي الشكل الكتابي والتفكير الذهني، وهنا لابد أن أعرج على الصياغة التعويضية التي استخدمها الكاتب في ظل التخمين والواقعة معتمداً على الفهم التقديري له، وهذا ما أهله لأن يكون مستكملاً لمهيئات السرد كونه أسهم وبشكل فاعل في تخصيب الضربة القصصية بابعاد مختلفة .

(ولما علا التصفيق والصفير، لاأدري لِمَ كان يخيّل أليّ إنّها خرجت من فجّ إبليس، كنت انتظر الخطاب بلهفة لحامل احلامنا قبل ان يستعمرني وجلّ خفي . أبصرته عن بعد رجل لم يطأ الخمسين بعد، محاطاً بفتية يحملون السلاح عيونهم تحدّق دونما إتجاه، وعيون الحاضرين كعيون المومياء يملؤها الهواء) قصة رجل من ورق ص 57 .

أما عن الصياغة الدلالية في هذه المجموعة فأن القاص قد جعل الكلمة وسيط بين الدال والمدلول، أي السبب والمسبب واعتماد علاقة إرجاع الدال الى المدلول أو مدلولات أخرى وجَعْلالطبيعية ْ الجمل هي الآخرى تتقاسم دوالها ومدلولاتها تساوياً مع مجمل الاداء السردي، ففي الحالة الطبيعية يحاول القاص استحضار ادوات الكتابة وأفضل آلياتها إضافة الى تحديد المظهر المفترض ذهنياً، لكن العمل حين يلج الطبيعة الذهالية فأنه لن يراعي ذلك، فحضور الصور الكثيرة المثيرة والمعبرّة عن حوادث وشخوص ومسميات واماكن وأزمان تغتني بوجوه متعددة للضخ الهائل التدفق (كانت خطواتي قاتمة في غمرة الليل، ليل يحكي في السرّ حقيقة فضائح سنين عقيمة، استطالت فيها ليالي الظلم، ليال اطعمتنا حزناً وروتنا عطشا، حدود من ليلة موحشة، تحاصر قلقي، انتظر سماع صراخ مولود، يتأهب لعناق أحلامنا ودفء عالمنا المنفي على اعتاب هاجس الفناء، وسلامة زوجتي التي أرهقتها السنون، " هل سنخلع رداء الخوف والإنتظار، ونغني فرحاً لدفء هذه الليلة؟ هل يحق لنا ان نفرح تحت اصوات القذائف، ورعشة البنادق وامام عيون مدججة بالرعب، ينزّ منها الموت ؟ ") قصة ليلة احتضار النور ص 40 . الأفعال السردية تقوم بمهمة البث لإيصال الإخبار الحدثي ولكنها ايضا تهتم بالملائمة والتغطية لما تبثه باعتبارها منافذ بؤر رئيسة للأحداث لتتيح للتصور ان يأخذ مداه الأقصى من التأويل، فلكل كلمة في السرد وجود ضمني حتمي منظم في توزيع بنية التركيب، وأي خلل في هذا سيؤدي الى ضياع جهد صاحب الإنشاء، ولأن جملة السرد مثل جميع الجمل تقتضي توجيها خارجيا أو داخليا، لذا فمن الأفضل العناية بالمحفز الخارجي (الحادثة) والمحفز الداخلي (نظام الحبك) وهاتان المهيئتان تمثلان قواعد لغة وقواعد سرد في آنٍ واحد . (لم يعد الليل يتسع للتفاصيل، عَبدة هاجرت حواسها، إله مسجّى، متجهّم، مخلوقات غريبة تنعب، ذباب يصفعه الطنين، سنّارة تحلم بأجساد عارية، يجمعها، فيمسّ بعينيه رائحة القناديل، بخطوة فائرة، يخرج محتمياً بظلّ امرأة تشهق بالدعاء) . قصة شارع المعبد الغريب ص 79 .

لهيكلة الكتابة عمقان، أفقي وعمودي، الأول يمثل الآليات الإنتاجية البصرية، والثاني يمثل آلية تشعيب قنوات التوريد، ويلتقي العمقان في خزين الذاكرة التجميعية ثم يطلقان مبثوثاً تحليقياً بفهم وجداني وعقلاني، فالتجميع الذاكراتي الفعّال بما يحتمله من طروحات فكرية ووجدانية وبما يؤول عليه من انعتاق شبه صوفي ضمن الحالة الكتابية الذهالية الفنية، لذلك ان الإنشاء التركيبي لصيرورة الإيجاز اثناء لحظة الإنشاء تستحضر المقدرات الذاتية واستجلاب هيكل الحكاية لتمتد اليد بعدها لجس صفات الشخصية .

(يمضي الجميع الى حيث التلال واحداً تلو الآخر، محاربون يحملون اسلحة خاسئة تنوء بقيء المزابل منذ الاسبوع الماضي، المدينة كالثكلى تتوجس قلق القادم من الأيام، تغفو على أشلاء أمن موهوم، ذات ليلة وبعد تراكم القلق والخوف ولوثة من جنون، وتكاثف صور اشباح وصراخ موهوم، سمع عواء كلاب سائبة عند اطراف المدينة أطفأ ماتبقى من الأحلام) . قصة هي ذات الروائح ص 65 .

في حركية اللغة طاقة حيوية، من بينها وجود فراغ بين الفعل الجزئي والفعل الشمولي، وينعكس عنها انتقائية لغوية شديدة التأني، كون الحوادث ستُختصرْ الى اعمق مايمكن، وهذا مايضطر الكاتب إتباع نظام خاص يُنظم علاقات اوساط البؤر بالنواة الرئيسة من غير اللجوء الى تشظية الأحداث أو شطرها كون الكيان الكتابي يتسابق مع الأنواع الأخرى للإستحواذ على الشد والتأثير والتغيير، وهنا يتم تنظيم أية حادثة لتتزود مايكفيها من معالم التخيّل الذهني للقص دون التفريط بالزمان والمكان، وهذا مايعطي وظائف السرد وضوحها المناسب نتيجة مساعدة قوى اللغة في تشبيك علائق السرد ديناميكيا، وبالتالي يتم اعطاء فضاء القص منطقاً يسوّغ فعل المحفزات الخارجية لإعطاء أهمية قصوى لنموذج الفعل أو الحدث . (الوقت اوائل الشتاء، غيوم سوداء عابرة في عرض السماء، تخفي في متاهاتها اغنية حزينة، نظرت اليها، هي ذات الغيوم التي مرّت منذ اعوام، تهطل مخاوف وكوابيس وحرائق، لايردعها صحو، فجأة تظهر سحابة أخرى من جهة الغرب، تهشّ وجه الشمس بدخان كثيف، تمدّ أذرعاً اتخذت شكل الأعاصير، تطارد ماتبقى من اقمار معلقة بسقف سماء تمور بمخاوفها : ). قصة مابعد الخريف ص 88.

عندما يتقمص الكاتب دور الريادة التركيبية وترتيب أو تأثيث أو تفتيت الأحداث لأجل اخضاعها لعملية أقلمة بين ذاته (هو) وقولية الروي – السرد – ويمازجها مع حركة الشخصية المحورية، هذا الإختلاط الوجدي سيقود الى حالة من التصوف الفني الذي يغني القاص بأفكار كثيرة وصيغ متباينة لصالح علاقات نسيجية والتي تقيم تجسيراً بين الذهن والتصور المستنسخ عنه (الكتابة).

ان حالة التوهج العقلي تزخرف ذهالها بنوع خاص من الإتصال بين الذهن التصوري والذهال التخييلي ضمن اجواء تخمينية تفترض الوهم وتصيغه نمطاً من انتاج احتمالي، لذا فأن العمل الفني سينقاد بصورة لاارادية الى برمجة سبق للكاتب ان وضع رؤى لها، حيث لابد ان تتوافر في القص حركية سرد وشفرات ودلالات كي تجعله خطاباً قرائياً، كون القص يشتمل على قوى وانواع سردية متشابكة الإداء من حيث الصور السيميائية والترميزية والتوليفية، وهذه لايتم تجسيدها الا من خلال وضع آليات لتطبيق هذه الصياغات لنحصل على استجابات توافقية بين وحدات السرد والتي يجب ان تخضع الى جماليات الجملة السردية وبحسب مامتعارف عليه ان السرد عملية تنسيقية لدلالة النسق ودلالة الجملة، بمعنى انه الهيكل التنظيمي لفعاليات الأحداث والشخوص . (يرتجف المدى في اعماقه، ينحدر الى مساحات انفاسه، يتسلل الى زوايا حادة، ضاقت بعتمة الأزمنة وجفاف المكان، عتمة تغازل انطفاء المصابيح، تلقي بعباءتها فوق الضوء الشحيح المندلق من نافذة مرتعشة بالصدأ، روحه التائقة للتحرر من قبو سنين الأسر تمخر العتمة، تسرج لهاثا مثخنا برائحة الإنتظار) قصة ارتعاشة آخر ليلة ص 31 .

ان القاص عبد الكريم الساعدي في مجموعته هذه تمكن وببراعة عالية من ان يصوغ قصصه بما يشتمل على الصيرورات الموّلدة للتنامي القصصي من ابتداء القصة الى نهايتها وهذا مااعطاه بصمة خاصة، ولأن القص الجيد يشتمل وجود دلالة نسقية حاوية لمجمل الدلالات الفنية والفكرية من حيث فعاليات السرد المتوفرة في النص المنتج من خلال إطار متكامل يؤطر هذه العملية التركيبية من حيث الإختلاف والتشابه .

 

قراءة / أحمد البياتي

 

قبل اكتمال القرن: قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر (4)

husan sarmakالواقعية السحرية العراقية: ولكن "ذكرى" لا تترك عملية الموت تنتهي عند حدها المقرر المتعارف عليه ؛ أن يموت الفرد ويُحشر في حفرة القبر ويُهال عليه التراب المتشفي، وكفى. إنها تلاحق الميّت بعد موته .. إنها "أخّاذ أرواح" من نمط آخر.. أخاذ أرواح يقوم بواجباته بالتقسيط.. فلا تنتهي العملية مرة واحدة وبصورة مباشرة ولكن بمراحل مراوغة ومناورة. ولعلّ هذا من العوامل الكبرى التي تقف وراء الكثير من التقنيات الإبداعية عموما والسردية خصوصا . منها على سبيل المثال ما اصطلح عليه بـ " الواقعية السحرية "، حيث يتلاعب المبدع بأدق سمات ومواصفات وآليات الأشياء ومكوناتها .. يقلب تسلسل الظواهر ومحتواها .. يعطّل ما مقرر أن يحدث في الحياة البشرية باكرا عادة .. ويعجّل بموعد ما يأتي فيها متأخرا ؛ يعكس الأدوار بصورة لا تتناسب مع إمكانات مؤدّيها .. وهكذا، يصبح كل شيء غير مالوف بصورة خارقة .. سحرية .. لكن جذور هذه الظواهر تبقى غائصة في تربة أرض الواقع وإن لم نعد نمسك منها غير أغصانها الغريبة الأشكال الطافية وكأنها مقطوعة الصلة بتلك التربة . إن هذه التلاعبات الخلاقة التي يقوم بها المبدعون ما هي إلا عمليات دفاعية تحاول، ولو عبثا، مقاومة زحف الموت وتلاعبه هو الذي لا يرحم وجودنا. قُتل العاشق الهندي مذبوحا عند قدمي العاشقة المنخذلة التي ماتت بعد أن عضّت لسانها المبيض . هذه هي النهاية المأساوية التي علينا أن ننفض أيدينا منها وننتقل إلى محطة سردية أخرى . لكن ميزة الإبداع - كدفاع خلودي - هو أن مبدعه يسنطيع ملاحقة ما يجري بعد الموت ويغيره ويحوّره .. ويتلاعب بحيثياته المقررة منذ فجر خليقة البشرية ؛ حيثيات رسمتها الإرادة الإلهية التي لا تعرف التطويع أو المراجعة أبدا. وكل إرباك لتسلسلات واقعة الموت يصبح "سِحْرا": (شهقت الفتاة، عضت لسانها المبيض وماتت، تبلل غدائرها الطويلة المزيتة دموع ساخنة مبتورة الشكوى، إذ ظلت تفور من عينيها بقطرات كبيرة حتى المساء . ويُقال إن دموعها كانت تفيض من حافات قبرها ممتزجة برائحة زيت اللوز الهندي الذي خضبت به شعرها. وأشيع أن بعض النسوة كن يطلين شعورهن المتساقطة بدموع الغرام تلك فتستطيل الضفائر حتى تغدو كموج النهر – ص 23). ولا أستطيع هنا إلا أن أؤكد هذا الاستنتاج فأقفز إلى التوظيف الفذّ الذي قامت به الكاتبة لواقعة رهيبة أخرى على الصفحتين (221 و222). توظيفها لواقعة دفن الجنود العراقيين أحياء من قبل القتلة الخنازير الأمريكان في حرب عام 1991، الحرب العالمية الثالثة، على العراق. إن الواقع العراقي ومنذ اكثر من عقدين كان يشكّل "واقعيته السحرية" الخاصة به .. واقعية سحرية كوصف مجازي لأنها في صلبها لا صلة لها بالسحر والتسحير والإنسحار . إنها "أقصى الواقع" ؛ الواقع النفسي والواقع المادي حين يتم تمزيق حدودهما "الرسمية" ويتحدان في وحدة عاصفة يغذيها لهيب الآمال المجهضة. فالواقع النفسي هو الوحيد الذي يطابق الواقع السردي .. والواقع العراقي صار "واقعا سرديا" .. واقعا نفسيا تحركه وتسيطر عليه وتفعّل "غرائبيته" القوى النفسية اللائبة. وقد بذل الواقع العراقي الجحيمي عطاياه هذه بكرم لا متناه، كرم لم يستثمره المبدع العراقي للأسف إلا في اضيق الحدود ووفق طرائق تابعة ومقلدة. يأتي التوظيف المقتدر من "ذكرى محمد نادر" في روايتها هذه وهي "تهبط" إلى أقصى الواقع العراقي، وهي تصور الكيفية التي يلتحم بها الواقع النفسي للمبدع بتفجرات الواقع الموضوعي الماحقة ليقدم "تركيبا" سرديا فريدا: (كانت العاصمة تقبع تحت ظلٍ ثقيل لحرائق لم يُعرف مصدرها بعد، ولكنها تأتي من الجنوب ثقيلة مشحونة برائحة زيوت أجساد البشر، فتغمر الغيوم متكدسة؛ جبال سود توهم أن القيامة ستحدث الآن. إلا أن الأكيد هو أن قيامة الأرواح في الجنوب قد قامت من أجسادها إلى سماوات الغياب، تنظر من بعيد إلى الأجساد المتهشمة والمهروسة عظامها تحت سرف الدبابات الساحقة لمخابيء الجنود الرافضين العودة، فدفنتهم أحياء تتشقق رئاتهم بخوف الموت ونفاد الهواء، تجحظ مآقيهم فيطفر منها الدم بلا غوث وتمهد السبيل إلى قبور جماعية ممتزجة الأحشاء، حتى أن بعض الجيولوجيين بعد زمن لابأس به من توقف الحرب وجدو المكان المدفون فيه آلاف الجنود أحياء تحت متاريس لم يتركوها، فوطأتهم الدبابات مكركرة بعزف قرقعة رعبها، بصوت جنازيرها الأجش غير آبهة بحمى الموت المستعرة تحتها – ص 221). وصف قاس لجريمة بشعة لا تصرح ذكرى بأطرافها بصورة فجة، ففوق ان المجزرة معروفة الطرفين: الجلاد والضحية، إلّا أنها أوصلت القاريء إلى موقع يدرك فيه كل جهات الصراع حتى دون أن يكون بحاجة لأي تلميح بهوياتها . والأهم، هو هذه الشدة في التعبير.. الضراوة في نقل الاحتدام الفاجع الساحق الذي يقطع روح المتلقي الذي سمع حتما أن آلافا من الجنود العراقيين قد تمسكوا بمواضعهم حتى الموت .. وأن الدبابات الأمريكية قد دفنتهم أحياء. ومن المؤكد أن هذه واقعة تسبق المخيال العادي. تعجز اللغة ببنائها التقليدي عن توصيفها .. يقول الكاتب الجيكي (جيري موريك) مصوّرا قصور اللغة في تجسيد وتشخيص الأبعاد الانفعالية المهولة لمفردة مثل (الحرب):

(اشتعلت الحرب، وهذا لا يعني شيئا خاصا، لأننا جميعا نكتوي بنارها. ونعلم جيداً ماذا تعني كلمة (حرب). إنها تماما كلمة تتكون من ثلاثة حروف، لكنها ليست الكلمة الجيدة للحرب نفسها، لأنها كما يبدو لي كلمة رخوة جدا . إنها يجب أن تكون كلمة تدمّر، وينبغي أن تؤذي. ينبغي أن يخرج من ثناياها دخان البارود، ينبغي أن تجمّد الدم في العروق. ستبقى هذه الكلمة: (حرب)، لاشيء إذا قورنت بالحقيقة ..).

ومن المعضلات الكأداء التي يواجهها الكتاب العراقيون بمختلف الأجناس التي يشتغلون عليها هي الكيفية التي يسوْقون بها اللغة كي تلاحق – لاهثةً - المتغيرات الجحيمية التي تعصف بواقع بلادهم. قلة من الكتاب العراقيين استطاعوا خلق "شكل" لغوي يجعلك تشعر بفداحة الواقعة التي كنت شاهدا على قساوتها المميتة . لم يدرك الكثيرون منهم المصائد الخطيرة التي يمكن أن توقعهم بها استعارة اللغة الشعرية إلى لغة القص . وقد كنت أخشى على "ذكرى" من الوقوع في الشراك نفسها وأهمها الإفراط في استخدام اللغة الشعرية، وقد أفرطت في مواضع كثيرة لكنها لم تضيّع زمام القيادة اللغوية أبدا. على العكس من ذلك، لقد قدّمت أشكالا تعبيرية فجّرت فيها إمكانيات المفردات الكامنة عبر وضعها في موضعها المناسب من الصورة الكلية. ولعل هذا الشاهد الذي سقناه عن دفن الجنود أحياء واحد من الأمثلة الساطعة على ذلك . لقد تحدّثت عن الرئات المُتشققة والمآقي الجاحظة للجنود المختنقين بتراب الملاجيء المسحوقة بسرف الدبابات، لكن هذه صورة غير مؤذية .. لا تدمّر .. ولا يخرج من ثناياها دخان البارود .. ولا تجمّد الدم في العروق كما قال (جيري موريك). هو تصوير سردي لا يجعل الواقع الموضوعي يلهث وراءه.. إن مقتل الأدب يكمن حين يحاكي الواقع .. الأدب العظيم هو الذي يلهث الواقع وراءه.. هو الذي يقطّع أنفاس ما اختزنته ذاكرتنا من شراسة المثكل مهما كانت فظة ودموية وبشعة ومرعبة. الحقيقة السردية يمكن، ويجب، أن تكون هي الأنموذج الذي يشعرنا بأن ثمة مِيْتة تحز الأنا بصورة يعجز عنها المثكل في رسم أية ميتة فعلية . وهذا يتحقق مرة أخرى من خلال التلاعب بسياقات وتسلسلات واقعة الموت الواقعية . تقول ذكرى:

(في ذلك المكان [= مكان دفن الجنود أحياء] تحديدا، استيقظت على نحو غريب نباتات صبيرية ليس لها شبيه قيل أنها تبث عطرا فوّاحا باعثا على البكاء، وقد احتار الجيولوجيون من الندى الأحمر المتجمع فوق الأشواك الصحراوية، وفسّره البعض ممن لا خيال لهم بأنه انعكاسات شمس المغيب على قطرات الماء، إلا أن الصوت المنطلق في نواح حزين متناغم مع عطر دموع الصبير الدامي ظل لغزا بلا تفسير، فيروح عطره يطوف في أرجاء المكان حتى الصباح . ونقل بعض الرعاة أن الحجارة تئن هي الأخرى وتنادي متفجعة بصوت هامس:

- يمّه .. يـ .. مــّ .. ــه .. ص 221) .

إن النداء الأمومي العراقي (يمّه) هو من أشد النداءات المثكولة تاثيرا في النفس .. إنه – حتى صوتيا – يخرج من مكان لصيق بسويداء القلب الوحيد . وقد وظّفته الكاتبة في موقعه المحكم حيث ينطلق هذا النداء الفاجع من الحجارة في الصحراء المترامية حيث الأرواح الهائمة:

(لم تنفع كل التحليلات العلمية والمختبرية باكتشاف أسباب خليقة صبير الأنين . واعتاد الرعاة بعد ذلك على شهقات الأنين كل مَغِيب، وقد ساد اعتقاد راسخ بينهم أن جوقة الأرواح التي فاضت في غروب حزين بقيت تعلّق أنفاسها ملتاعة لأحضان الأمهات – ص 222).

 

درس من كازنتزاكي:

يصف كازنتزاكي الصباح اللاحق لليلة مجزرة قام بها الأتراك ضد المسيحيين في كريت:

(سألتُ أمي: هل ذهبتِ إلى المجزرة؟

وأخافها سؤالي، فقالت: إهدأ يا بني. لا تذكر اسمها فقد تسمعك وترجع.

إنني أكتب الآن كلمة "مجزرة" ويقف لها شعر رأسي لأنني حين كنت طفلا لم تكن هذه الكلمة عبارة عن عدد من الأحرف الأبجدية المتجاورة، بل كانت هديرا هائلا، وأقداما ما ترفس أبوابا، ووجوها كالحة تحمل السكاكين بين أسنانها، ونساء يرتجفن في كل مكان من الجوار، ورجالا يخشون الأسلحة وهم راكعون وراء الأبواب . بالنسبة لنا نحن الذين كنا أطفالا في "كريت" . في ذلك الحين هناك كلمات أخرى عديدة تمتزج أيضا بالدم والدموع، كلمات صُلِب عليها شعب بأكمله: الحرية، المسيح، الثورة .

مصير الإنسان الذي يكتب مصير قسري وتعيس . وذلك عائد لطبيعة عمله التي تجبره على استخدام الكلمات . وهذا يعني أن يحوّل جيشانه الداخلي إلى سكون . فكل كلمة صَدفة صلبة تحتوي على قوة انفجارية عظيمة . ولكي تكتشف معناها يجب أن تدعها تنفجر في داخلك كقنبلة، لكي تحرّر الروح التي تحتجزها .

مرة كان هناك حاخام يدلي بوصيته ويودّع زوجته وأطفاله بالدموع كلما ذهب إلى الكنيس ليصلي لأنه لم يكن يعرف ما إذا كان سيخرج من الصلاة حيّاً . وقد اعتاد أن يقول: حين ألفظ كلمة ما، ولتكن: يا رب، فإن هذه الكلمة تمزّق قلبي . يجمّدني الرعب، فلا أعرف ما إذا كنت سأستطيع القفز إلى الكلمات التالية: "إرحمني". آه، من يستطيع قراءة قصيدة بهذه الطريقة، أو قراءة كلمة "مذبحة" أو حرف من اسم المرأة التي يحب – أو هذا (التقرير) الذي كتبه إنسان كافح طويلا في حياته ولم يستطع إنجاز إلا القليل) (كازنتزاكي "تقرير إلى غريكو").

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

في تجلّيات الحزن الرّفيع .. قراءة في ديوان "كسارة الأحلام" للدكتورة نسرين الرفاعي

madona askarكما تتنقّل راقصات الباليه بخفّة ولطف على أنغام "كسّارة البندق"، للمؤلّف الموسيقي الرّوسي "تشيكوفسكي"، كذلك تتنقّل الشّاعرة "نسرين الرّفاعي" برقّة وعذوبة في ديوانها "كسّارة الأحلام"، على أنغام موسيقاها الشّعريّة الكامنة في عمقها الإنسانيّ.

أبيات شعريّة منسوجة بالحزن والاشتياق والحنين والألم والغضب والعنفوان والوطنيّة، تعكس لنا مكنونات شخصيّة الشّاعرة وتدخلنا إلى عالمها بسلاسة، فيطيب لنا أن نقرأ السّطور وما بينها.

 

في جماليّات النّصوص:

تفتتح الشّاعرة ديوانها بقصيدة وفاء وامتنان لوالدها، ترسم لنا من خلالها صورة بهيّة عن هذا الشّخص الحيّ في قلبها. وإن اختصر البيت الأخير من القصيدة عمق حزنها ( عفواً أبي فأهمّ درس فاتني... كيف الحياة تكون من غير أبي؟! )، إلّا أنّ الوالد حاضر فيها وفي شخصها ككلّ. فهي تحاوره شاكرة له مرافقتها لمسيرة حياتها باعتناء ومحبّة والديّة كبيرة. وأمّا بكلمة (عفواً) الّتي تنقلنا إلى القسم الثّاني من القصيدة، فهي تعبّر عن صعوبة عيش الواقع بعيداً عن كنف الحماية الوالديّة والمثاليّة الّتي ربّاها عليها.

جماليّة هذه القصيدة تكمن في إظهار الحزن البعيد عن النّواح. فالكاتبة تعبّر عن ألمها ووجعها بغياب الوالد بحزن رفيع يليق بإنسانيّته كما إنسانيّتها.

تسكب د. نسرين الرّفاعي أبياتها في قالب موسيقيّ رقيق، يتيح للقارئ أن ينتقل بين القوافي بارتياح وسلاسة دون أن يشعر بملل تكرار القافية. كأن تنهي القسم الأوّل من القصيدة بقافية معيّنة ثمّ تنتقل في القسم الثّاني إلى قافية أخرى.

تلك كانت ليلتي... كنت أحسد نعمتي

أوقد الليل شموعاً... من بشائر فرحتي

أين صارت ليلتي... واستحالت نقمتي

كيف في بئر الجراح... قد تهاوت فرحتي

 

لست أنسى ليلة... كلّ ما فيها جميل

عطر الحبّ هواها... بشذى الزّهر الأصيل

وتعالت ضحكتي... في سما اللّيل الطّويل

ردّد الكون صداها... يخرق الصّمت الثّقيل....

لقد ضمّت الشّاعرة إلى جمال التّركيب عذوبة الرّنّة، وسقت قلمها من قلب طافح وروح متّقدة. كأنّي بها تعزف مكنونات قلبها على آلة موسيقيّة عظيمة ترنّمها القصائد بكلمات موسيقيّة جميلة.

 

في المضمون:

يطغى الحزن على قصائد ديوان " كسّارة الأحلام"، إلّا أنّه كما ذكرنا، حزن راقٍ ورفيع، تسمح الشّاعرة من خلاله للقارئ أن يطّلع على خبراتها الحياتيّة فيشاركها حزنها وتجربتها. وهي تعبّر عنه بصدق في شتّى الحالات الإنسانيّة المختلفة.

كلّ قصيدة في الدّيوان منقّحة بالحزن كتجربة إنسانيّة عميقة، تحاول الشّاعرة من خلالها استعادة الماضي لتعيد النّظر فيه، فتظهر لها الصّورة بشكل أوضح. كأن نقرأ في قصيدة ( حبّ بلا رصيد):

أتظنّ القلب أسيرك... أو أنّ حبّي حصري؟

إنّي كسرت قيودك... حرّرت بعزم أسري...

وفي قصيدة: (العرش الخالي)

شكراً للدّرس بتجربتي... أنضجت القلب ليتعقّل

فتذكر درسك يا قلب... في أيّ قرار لا تعجل

أصبحت حكيماً... فخيار العقل هو الأفضل...

ولا يلبث الحزن أن يبلغ مداه في قصيدة (دميتي)، حتّى نرى الشّاعرة تسكب كلّ جروحها في هذه القصيدة. فتجمع فيها الحنين، والألم، والخيبة، والشّوق، والوحشة، والتّوق إلى عناق الوالد. ولعلّ الأبيات الخيرة تعبّر بقوّة عن ألمها العميق:

وجريت كي أحضن أبي... لكن صحوت بحسرتي

ما أن وصلت لحضنه... حتّى لعنت يقظتي

ووجدتني في غرفتي... أبكي وأحضن دميتي...

الدّمية ترمز إلى حنين الطّفولة وجمال الذّكريات وبراءة الطّفولة. فوكأنّ الشّاعرة تضمّها وتلتصق بها لتتمسّك بطفولتها من جهة، ومن جهة أخرى لتحافظ على الحلم الجميل البعيد عن الواقع المرير، فتتعزّى.

 

في الوطنيّة الصّادقة:

تتجلّى الشّاعرة بأبهى جمالها في قصيدة (نحن لها)، فتنسجها بعنفوان وعظمة إذ لا تكتفي أن تصبّ غضبها على من يمسّ بمصر، بل تستعرض تاريخاً عظيماً بأبيات شعريّة لطيفة تظهر لنا من خلالها مصر الحضارة القديمة الجديدة. ولا تتحدّث الشّاعرة عن مصر وطنها وحسب وإنّما عن آلاف السّنين من العظمة والقوّة والجلال. فمصر كانت الملاذ الآمن لكلّ وافد إليها، والدّولة الأغنى والأقوى. ووطنيّة الشّاعرة تبدأ من آلاف السّنين المنصرمة وتمتدّ إلى يومنا هذا.

تقابل ( نحن لها)، قصيدة ( خوارج هذا الزّمن). تخاطب فيها الشّاعرة بني أمّتها، شاكية لهم همّها فيما يخصّ من أعرضوا عن الالتزام بأدبيّات الدّين وسلوكيّاته المرتقية بالإنسان نحو الله. ولا ريب أنّها تقصد أولئك المجحفين بحقّ الإسلام الكريم، والسّاعين إلى تدميره بخيانتهم:

يا بني الأمّة اسمعوني أجمعين .. ارتدى إبليس ثوب الواعظين

خرّبوا أرض الكنانة عامدين .. قسّموا العروبة خائنين...

في هذه القصيدة تتجسّد نقمة الشّاعرة على تلك الجماعات الفاسدة وتضعها في مصاف السّالكين ضد الله. إذ إنّها تتصرّف بما يخالف تعاليمه ووصاياه.

- قد بدا فينا الخوارج من جديد... رفعوا المصاحف فوق أسوار الحديد

- جاءنا الدّجّال ينشر دعوته... يشعل النيران يزرع فتنته

- يا إلهي كم خدعتم أبرياء... نصرة الإسلام كذباً وخداع

لا تختلف (خوارج هذا الزّمن) عن (نحن لها ) من ناحية البلاغة وسكب المعاني في قالب شعريّ فصيح وكلمات رصينة تشدّنا لإعادة القراءة مرّات عدّة. فتوقظ بنا ضميرنا الإنساني وتوجّهه نحو المزيد من التّمسّك بالوطن، وتمنحنا جرعة من الأمل والقوّة والشّجاعة:

لن تنالوا الحكم فينا والزّعامة... طالما للشّعب جيش وكرامة

ذاك حكم الشّعب في ظلم العمامة... والله يفصل بيننا يوم القيامة.

 

القصيدة الذّروة:

تشكّل قصيدة (كسّارة الأحلام) ذروة المعاني الجماليّة في الدّيوان.

تسافر بنا الشّاعرة إلى عالم الجمال والخيال والحبّ، وتجلسنا على سحابة رقيقة لتروي لنا حلماً ظريفاً. يهديها حبيبها كسّارة بندق، فتطير وتحلّق في عالم الخيال، فنحلّق معها ونستمتع.

معانٍ عذبة تدخل إلى قلوبنا البهجة، وترسم لنا عالماً جميلاً يسرقنا من الواقع ويطير بنا إلى عالم النّقاء. ذاك العالم السّاكن في قلب الشّاعرة والّتي تتوق إليه في نفس الوقت.

أهديتني حبيبي... كسّارة بندق

تكسر الصّعاب... وجدتني أصدّق

وطرت بالخيال... سعيدة أحلّق

كيف في ثوانٍ... فقدت كلّ منطق...

وما يلبث هذا الحلم أن يصطدم بالواقع ويعود كلّ شيء كما كان عليه. وتتبدّل معالم الخيال ويبلغ الحلم منتهاه.

حلمت كلّ يومي... وعشت في المنام

أفقت من شرودي... بحسرة الغرام

كسّارتي الجديدة... تحوّلت حطام

أم واقعي الأليم... كسّارة الأحلام؟

ديوان " كسّارة الأحلام"، نفحات شعريّة رائقة، يطيب لنا أن نرتشف البراءة والجمال والحبّ من كؤوسها. فنسرين الرّفاعي صاغت أبياتها بطيب روحها وبهاء كلماتها ورقّة مشاعرها، ونحتت أحاسيسها وأفكارها لوحات من الألفاظ والقوافي الّتي يلذّ للقارئ أن يجول في رحابها.

تقنيّات الهايكو (الشائعة)

jamal moustafaليست هذه بمقالة نقدية ولا تدعي سوى ما تريد أن تقوله وهو بإيجاز كيف يمكننا الدخول الى صيغ متكاثرة لقصيدة الهايكو وعدم الأكتفاء بتقنية واحدة وفي هذا إثراء للهايكو ومدخل الى ابتكارات قد تأتي بعد الأستغراق في الهايكو وتقليبه على كل احتمال وصيغة. وقد استقيت هذه التقنيات من المهتمين بالهايكو الأمريكي وهي تقنيات  

مستخلصة من الهايكو الياباني والأوربي ويمكن لكل مهتم بالهايكو الأستفادة منها وسآتي عليها بأمثلة أحيانا وأحيانا بدونها لعدم توفر المطلوب تحت اليد وان هذه وريقة اولى، ستليها وريقات ووريقات

 

تقنية :( ماذا، متى، أين)

وهي تقنية شائعة ، نجاحها يتوقف على كيف يؤثث شاعر الهايكو بيتَ قصيدهِ معتمدا على: (ماذا، متى أين) بالشكل الأمثل وهذا مثال على هذه التقنية

غصن أجرد             (أين)

غراب                   (ماذا)

عتمة الخريف         (متى)

0

 

تقنية المجاورة والمقاربة:

وهذه تقنية معروفة وشائعة ايضا يلجأ فيها الشاعر الى اختيار فلقتي الهايكو المختلفتين ظاهرا المتناغمتين باطنا ولابد هنا طبعا من رابط خفي أو تشابه يجمعهما وهذا مثال

 

ضباب تشرين

عمتي العجوز

تسأل من أنا

 

الفلقة الأولى   ضباب تشرين والثانية عمتي العجوز

والرؤيا غير واضحة عند الطرفين .

0

 

تقنية التفتح التدريجي:

وهذه تقنية شائعة ايضا حيث تكون الضربة الأخيرة هي تمام الفكرة وذروتها التي تعطي لما قبلها قيمته ومكانه في بنية الهايكو وهذه القصيدة لباشو كمثال حيث يمهد كل سطر لما بعده

 

على جرس المعبد

تنام

فراشة

 

0

 

تقنية الأنتقال من العام الى الخاص أو العكس أو من الكلي الى الجزئي أو العكس وهذا مثال عليها

 

في المرج

شفاه الأبقار

مبللة بالأعشاب

 

أو هذا الهايكو:

 

السماءُ كلُّها

في حقل الزهور الفسيح

زهرة خزامى

 

زهرة الخزامى زرقاء في العادة تميل الى البنفسجي قليلا ومن

شاهد هذه الحقول سيظن انها قطعة من السماء على الأرض .

0

 

تقنية التلغيز:

وهي من التقنيات الجميلة حيث يتم حل اللغز في السطر الثالث والأفضل ان تكون الكلمة الأخيرة في الهايكو هي

الجواب أو حل اللغز وهذا مثال

 

الزبون يشتري لغيره

البائع يطرد فكرة الأحتفاظ بواحدة

محل بيع الشواهد

0

 

تقنية اللعب على الكلمات:

وهذه يعرفها الشعراء جميعا بحكم التصاقها باللغة التي يكتبون بها واللعب هنا يتخذ أحيانا شكل التورية أو الأستفادة من الجناس أو ما يفهم منه أصحاب تلك اللغة شيئا خاصا غير مصرّح به بوضوح، أعني ان الفاظ الهايكو الخارجية تقول شيئا والجمهور يفهم شيئا آخر ولا يحضرني مثال ولكن يمكن تقريب الصورة بما يعلق به العراقيون

حين يذكرون كلمة (الوطنية) ويعنون بها الكهرباء أو (دفتر) ويقصدون به كمية معروفة من النقود بالدولار .

وهنالك الكثير من التقنيات الفرعية والصغيرة وما بين بين

او التي تجمع تقنيتين في هايكو واحد،وهناك تقنية التضاد   وتقنية التناقض وتقنية المشهد وتقنية التعليق على شيء يعرفه القارىء كأنْ يكون الهايكو تعليقا على لوحة أو أغنية

أو أي شيء يعرفه القارىء ويجب ان نتذكر دائما ان الهايكو

قصيدة من ذوات الفلقتين أو جزئين وأحيانا ثلاثة ومابينهما الشاعر المتخفي في الظل ولكنه هو الذي يحرك المشهد بحيادية ظاهرية وانغماس كلي في ما هو خلف هذا الظاهر

 

جمال مصطفى

قراءة في الشعر السياسي لنزار قباني

jafar almuhajirالشعر الحقيقي هو الشعر الذي يغور في أعماق الإنسان ويعبر عن خلجاته بكل إخفاقاتها ونجاحاتها، وسعيه الدائم للوصول إلى عالم تسوده قيم الخير والمحبة والجمال. وعندما يختط الشاعر هذا المسار يجب عليه أولا أن يدرك واقع مجتمعه، ويعيش طموحاته وآلامه وآماله بكل دقائقها لكي لايتحول شعره إلى عبارات لفظية مبهمة تأتي وتذهب ولا تترك في نفس المتلقي أثرا يذكر بحجة (تفجير اللغة من الداخل) أو(الحداثة) والحقيقة إننا نقرأ اليوم الكثير من التهويمات والرموز والإشارات والطلاسم التي تنقلنا إلى بئر مظلمة خالية من أية نقطة ضوء أو مضمون يدل على الشعر الحقيقي.

لكن الشاعر الراحل نزار قباني إبتعد عن هذا المسار، فكان معظم شعره أبعد مايكون عن التعقيد والغموض ومن خلال (السهل الممتنع) الذي كتب به قصائده. فكون له من خلال تلك القصائد جمهورا واسعا على مستوى الوطن العربي وخاصة في قصائده السياسية من خلال مقولته:

(لو لم أكن ملتصقا بواقعي لآختفيت من خريطة الشعر من زمان بعيد.)

وغالبا مايقترن إسم نزار قباني بأنه (شاعر المرأة) نظرا للكم الهائل من القصائد التي كتبها عن المرأة .ويتوهم الكثيرون بأنه تناول المرأة جسدا فقط واتهمه البعض بأنه (متهتك) في قصائده الغزلية . ورغم كل ماقيل في هذا المضمار علينا أن لانغفل أن نزار قباني تناول أيضا في الكثير من الشعر الذي تركه عالم المرأة الإنساني والقيمي والروحي وعندما يطلب الحرية للمرأة والوطن والكلمة فأنه يطلبها بمفهومها الشمولي والمطلق من خلال قوله :

(الحرية التي أطلبها للمرأة هي ممارسة خياراتها وإنسانيتها وتركها في مواجهة إنسانيتها دون أن يقطع رأسها وترمى في صندوق الزباله.)

ونحن متذوقوا الشعر لايمكننا أن نقولب الشاعر وقق مفاهيمنا ومعطياتنا الخاصة بنا ولا يمكننا محاكمته على تلك القصائد الغزلية التي تضمنتها دواوينه رغم اختلافنا معه، وتعارض أفكارنا مع أفكاره وعلينا أن لانجلد الشاعر الكبير نزار قباني لقصائده الغزلية التي كتبها في فترة معينة من عمره الشعري ونركز عليها فقط ونقول هذا ماكتبه الشاعر وأن ننسى الغزل الذي كان غرضا من أغراض الشعر الرئيسية في الشعر العربي وكل شاعر له حججه وأفكاره ومفاهيمه التي ينظر بها إلى هذا الموضوع . ولست في موقع يؤهلني لتصيد هفوات الشاعر نزار قباني وهو في العالم الآخر.

إن الشاعر نزار قباني شاعر كبير ولد من رحم أمته، وغاص في أعماق الشعر واستخرج منه دررا ثمينة تركت بصمات واضحة على الخريطة الشعرية في الوطن العربي فهو لم يكن شاعرا عبثيا كما صوره بعض النقاد ولم يكن بعيدا عن هموم أمته وتأريخها وإرهاصاتها وتطلعاتها وما تعرضت له من ويلات على أيدي الغزاة والحكام المستبدين الذين تعاقبوا عليها ويحكمونها بقوة السيف إلى يومنا هذا . يقول نزار في أحدى قصائده النثرية:

جئتكم من تأريخ الوردة الدمشقية

التي تختصر تأريخ العطر

ومن ذاكرة المتنبي

التي تختصر تأريخ الشعر

جئتكم من أزهار النارنج

والأضاليا والنرجس والشاب الظريف

التي علمتني أول الرسم

جئتكم من ضحكة النساء الشاميات

التي علمتني أول الموسيقى

وأول المراهقة

ومن مزاريب حاراتنا

التي علمتني أول البكاء

ومن سجادة صلاة أمي

التي علمتني أول الطريق ألى الله

إلى أن يقول :

في قلبي شيء من أحزان أبي

وفي عيني

قبس من حرائق ديك الجن الحمصي .

إذن هو أبن بيئته التي تنسم عبير أزهارها الشامية الفواحة، وترعرع في تربتها المليئة بالخصب والنماء والانبهار والعنفوان والتأريخ الحافل بالشعراء والقصص الإنسانية والحكايات الشعبية.

لقد كتب نزار قباني قصائد سياسية ووطنية متميزة تركت صدى واسعا وإعجابا منقطع النظير تداولتها ملايين الألسن المصادرة في الوطن العربي لأنها وجدت فيها التعبير الحقيقي عن واقعها المزري المعاش . وكانت تلك القصائد الوطنية السياسية كالسياط الحارقة التي ألهبت ظهور الطغاة والجلادين الذين وجدوا فيها تحريضا للجماهير المضطهدة في أوطانها للخروج من حالة الظلمة والقهر التي تعصف بها من قبل أصنامها التي لاهم لها سوى التسلط بالقوة والبطش على رقاب الملايين .

يقول نزار في أحدى مقالاته: (أن الشعب العربي خارج لتوه من سراديب التخلف والسحر والشعوذة . وعلى الشاعر العربي في نظري أن يساعد على إضاءة الطريق وجعل الشعر شمسا تشرق على كل الضائعين والخائفين والمستلبين والمعذبين في الأرض).

ويقول أيضا في أحدى مقابلاته: (كنت أبحث عن الإنسان بصرف النظر عن لونه وجنسه أو غناه أو فقره أو موقعه الاجتماعي وكل شعر لايتجه إلى الإنسان ولا يصب فيه هو شعر عبثي وهامش الإنسان هو محور هذا العالم وهو القضية الكبرى التي تستحق النضال من أجلها والكتابة عنها.) ولا شك أن الإنسان العربي في طليعة المقهورين في هذا العالم وهو منذ قرون مستلب الإرادة، مهدور الكرامة، تتعقبه عيون العسس في كل شبر من وطنه. والخروج على الحاكم المستبد هو خروج عن طاعة الله كما يدعي السلطان وأعوانه. ليبقى جاثما على صدور الملايين إلى أن يقطع الله أنفاسه. وهم يسخرون كلام الله لخدمة السلطان من خلال الآية الكريمة:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).

لقد كتب نزار قباني قصائد وطنية متأججة ترفض الظلم والقهر وأدان مايقوم به سلاطين القمع وأصنام الجبروت من خلال قصائد كثيرة منها (السيرة الذاتية لسياف عربي) ويقال أنه كفر عن خطيئته بمقابلة الطاغية (صدام حسين) في هذه القصيده بعد أن اتضحت له الحقيقة البشعة لذلك الدكتاتور وقصيدة (أحمر أحمر أحمر) وقصيدة (أبو جهل يشتري فليت ستريت) وقصيدة (تقرير سري جدا من بلاد قمعستان) وقصيدة (لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان) و(هوامش على دفتر الهزيمه) و(قراءة ثانية لمقدمة بن خلدون) وغيرها وكل تلك القصائد كانت صرخة مدوية في وجوه الحكام العرب الذين تسلطوا على شعوبهم دون وجه حق وعضوا على كراسيهم بالنواجذ إلى النفس .

إن القاسم المشترك بين هذه القصائد هي أنها تعبر بطريقة السهل الممتنع عن مأساة هذا الشرق العربي الذي أصبح سجنا كبيرا لشعوبه المقهورة التي تحكمها هذه الأصنام وتطالبها بالجلوس على رصيف الصبر إلى مالا نهاية لتسبح بحمدها. لأنها مانحة البركات، وسبل الحياة. وللشعوب الشرف بأن تتغنى باسمها الأعلى ومقامها الأسمى تحت شعار: مليكنا - رئيسنا ياصاحب الجبين الوضاح .. ياوجه السنا والصباح .. سنظل إلى الأبد نفديك بالأرواح .. لأنك الأول والآخر والأنقى والأطهر ولا يوجد أحد في هذه الدنيا يجاريك في عفوك وحلمك وعطفك ومروءتك وسنظل بعدك لاسامح الله كالأيتام في مأدبة اللئام وسيكون مصيرنا الهلاك أن غبت عنا فنحن متمسكون بأذيالك ألى الأبد ياسيد الدنيا . فتطرب لتلك الكلمات أسماع الحاكم الصنم وتزغرد له أجهزته الدعائية ليل نهار كما نشهده اليوم .

يقول نزار في قصيدة (السيرة الذاتية لسياف عربي) عن لسان الحاكم :

أيها الناس

لقد أصبحت سلطانا عليكم

فاكسرا أصنامكم بعد ضلال

واعبدوني

أنني لاأتجلى دائما

فاجلسوا فوق رصيف الصبر

حتى تبصروني

أتركوا أطفالكم من غير خبز

واتركوا نسوانكم من غير بعل

واتبعوني

أحمدوا الله على نعمته

فلقد أرسلني كي أكتب التأريخ

والتأريخ لايكتب بدوني

أنني يوسف في الحسن

ولم يخلق الخالق

شعرا ذهبيا مثل شعري

وجبينا نبويا كجبيني .

أنها قصيدة تضج بالمرارة والألم والغضب من هذا الصنم الذي استولى على كل شيء وصادر كل شيء وهذا هو الواقع الذي يعيشه هذا الوطن العربي المنكوب بأصنامه التي خالفت كل شرائع السماء والأرض في تسلطها وجبروتها وطغيانها .

وبهذه البساطة الشعرية المتميزة عبر نزار قباني عما تعانيه الشعوب المقهورة من عسف وظلم وإذلال على أيدي هؤلاء الحكام وأعوانهم وحاشيتهم . ويقول نزار عن البساطة الشعرية التي اتبعها في قصائده:

(لن أضع الغليون في حلقي وأستعمل مصطلحات النقد الحديث لأثبت لكم أنني مثقف كبير والثقافة لاتتناقض مع بساطة التعبير والبساطة لاتعني أن تكون بهلولا أو سطحيا أو أميا فبإمكانك أن تكون بسيطا وجميلا في نفس الوقت أنا شاعر بسيط أقولها بكل قوة لأنني أعتبر البساطة مصدر قوتي منذ عام 1944 وأنا أشتغل على معادلة لتحويل الشعر العربي إلى قماش يلبسه الجميع وشاطئ شعبي يرتاده الجميع وقد نجحت ومنذ عام 44 حلفت أن لايبقى مواطن واحد في الوطن العربي يكره الشعر أو يستثقل دمه أو يهرب من سماعه أو قراءته وانتصرت.)

ويمكنني أن أدعي أن نزار قباني تعلم أن يقول شعرا للناس بدون وسطاء أو مترجمي طلاسم فدخل قلوب الناس لبساطته وعمقه في آن واحد فانهمر كما ينهمر المطر في الأرض العطشى .

ولا يمكنني أن أنسى ماكتبه نزار قباني في حق زوجته (بلقيس) حين سمع بمقتلها في حادث السفارة العراقية في بيروت عام 1881 واعتبرها الكثيرون من أجمل قصائد الرثاء في الشعر العربي حيث خصص لها كتابا خاصا وأسماه (قصيدة بلقيس) قال في بعض أبياتها:

بلقيس ..

كانت أجمل الملكات في تأريخ بابل

بلقيس ..

كانت أطول النخلات في أرض العراق

كانت إذا تمشي ..

ترافقها طواويس..

وتتبعها أيائل ..

بلقيس .. ياوجعي ..

وياوجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل ياترى ..

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل؟

وله قصيدة أخرى في رثاء أبنه الشاب .

وهي من قصائد الرثاء التي تضج بالألم والوجع الأبوي الحقيقي

إن الشعر الحقيقي قنديل أخضر لايعرف كسوفا ولا خسوفا إنه أبحار دائم في عالم الكون والحياة والإنسان وحين يحترق الشاعر به ويحوله إلى جمر متوهج يأتي شعره صادقا نقيا بعيدا عن التكلف والغموض والتعقيد وهذا مافعله بوشكين وأحمد شوقي وبابلو نيرودا ولوركا ووالت وايتمن وغوته ومايكوفسكي وأليوت وبدر شاكر السياب وخليل حاوي ومحمد مهدي الجواهري وعبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور وأمل دنقل ومحمد الماغوط وأنسي الحاج ومحمد الفيتوري وأحمد عبد المعطي حجازي وفاضل العزاوي وجبرا ابراهيم جبرا وابراهيم ناجي ونازك الملائكه وبلند الحيري ومعين بسيسو ورشيد سليم الخوري وجبران خليل جبران وحافظ إبراهيم ومظفر النواب وعبد العزيز المقالح والقائمة طويلة. وكل هؤلاء الشعراء رغم اختلاف مدارسهم وأساليبهم الشعرية إلا أنهم إبتعدوا عن قول الطلاسم والتعقيد والوحشي من الكلام الذي لاينفذ إلى أعماق المتلقي مهما امتلك من المعرفة والثقافة والإطلاع. حيث هاجم الدكتور الناقد صلاح عدس الذي درس الأدب العربي والغربي مايقوله أكثر شعراء الغموض والإبهام الذي لاطعم فيه ولا لون ولا رائحة . وكما قال عنه أحد الشعراء :

عجبت لقوم جددوا الشعر ضلة

فجاءوا بشعر سائب متناثر

تجافوا به عن كل معنى وفكرة

كأن المعاني حجبت بستائر

ويصغي إليهم سامع القول قائلا

أذلك شعر أم تعازيم ساحر؟

رحم الله الشاعر نزار قباني الذي لم يكن من هؤلاء البعيدين كل البعد عن جمال اللغة العربية وأساليبها الفنية الرفيعة بل غاص فيها واستخرج منها لآلئ خالدة . ويبقى الشاعر نزار قباني مثار نقاش وجدل الكثيرين بعد وفاته لما يحسب له أو عليه وما قاله من شعر على مدى نصف قرن من الزمن .

نزار قباني في سطور:

تخرج نزار من كلية الحقوق في الجامعة السورية، وعمل بالسلك الدبلوماسي في بداية حياته.. لكنه تفرغ للشعر الذي حقق له انتشارا كبيرا بين القراء العرب، وأصبح من أعلام الشعر العربي المعاصر، وصاحب مدرسة شعرية أثارت الجدل في الأوساط الاجتماعية والثقافية، وخاصة ما يتعلق بأشعاره عن المرأة وموقفه منها.

وقد كتب نزار في كل صنوف الشعر، إلا أن وفاة زوجته بلقيس في انفجار خلال الحرب الأهلية اللبنانية، أحدث انقلابا في موضوعه الشعري، ودفعه لتركيز أكبر على الشعر السياسي، بعد أن كانت المرأة وقضاياها هي المحور الأساسي في شعره.

وقد تسبب هذا التحول في عداء بعض الأنظمة والحكومات العربية لشعره، وفي منعه، ومنع قصائده من دخول تلك البلدان.

أصيب نزار في 1998 بأزمة قلبية، أدخل على إثرها غرفة العناية الحثيثة في أحد المستشفيات الأميركية .

توفي نزار قباني عن خمسة وسبعين عاما في 30/4/1998 وأعيد إلى وطنه سوريا في كفن، وتحولت جنازته إلى مظاهرة للشعر شارك فيها آلاف الرجال والنساء.

 

جعفر المهاجر - السويد .

1/5/2015.

 

الأنا وآخرها المتعدد .. قراءة في فيلم "غلطة لفولتير لعبد اللطيف قشيش"

husamadin amar"غلطة لفولتير فيلم فرنسي من اخراج عبد اللطيف قشيش يروي قصة شاب تونسي جلال يتحصل على بطاقة اقامة وقتية بفرنسا بعد ان يدعي انه لاجئ سياسي جزائري،

يحاول جلال التعايش مع وضعيته الجديدة بفرنسا يتعرف على أم عزباء فرنسية من أصول تونسية يقرر الزواج بها لكنها تقرر مغادرته يوم الزفاف، في الأثناء تتعلق به فتاة فرنيسة تعاني مشاكل نفسية

سنحاول في هذه المداخلة التعرض بالدرس لمسألة الأنافي علاقتها بالآخر المتعدد والمركب وذلك من خلال شخصثية جلال ومن ورائها المخرج عبد اللطيف قششيش وذلك كقراءة للتجربة السينمائية كتجربة غيرية une expérience d’altérité . سنخصص الجزء الأول من المداخلة لتعريف مفهوم الآخر، في الجزء الثاني سيخصص للآخر المتعدد في الفيلم فيما يخصص الجزء الثالث والأخير لمسأة المتخيل واشكالية الاختراق أو الاكتساح الذي من الممكن ان يمارسه المؤلف أو يخضع له.

 

الآخر ورحلة المصطلح

من الصعب تقديم مفهوم متكامل لمفهوم الآخر فهذا الأخير تطور من الصفة الى الاسم عبر مراحل عديدة أو عبر ما يسميه الباحث سعد البازعي رحلة الاصطلاح فهذا المصطلح تبلور في حقل العلوم النفسانية مع جان لاكان الذي استعمله صمن جدلية الذات والموضوع قبل أن يعرف تعاريف متعددة مع من يسمسهم كريستيان ريبي فلاسفة الاختلاف أي مع فوكوو دريدا ودولوز وليوتار. لكن الدراسات الثقافية والنقد ما بعد الاستعماري جاءا ليرسخا مفهوما شديد الخصوصية للآخر وكان ذلك مع كتاب الاستشراق لادوارد سعيد ليصبح بذلك الآخر "التكوين الثقافي والجغرافي والانساني عموما المغاير للغرب والمسمى الشرق" هذا الآخر الذي سينقله ادوارد سعيد وبعبارة فتحي المسكينس من حيز الموضوع الى افق الشخص أو الذات وهو ما يعتبر تطورا هاما في تاريخ المصطلح باغت الفكر الغربي ذاته ، يقول فتحي المسكيني في قرائته لهذا الطرح " ان الطرافة الفلسفية لهذا التشخيص لا يمكن الارتياب فيها حيث أن ادوارد سعيد ليس فقط استلهم المكاسب الحاسمة لنقد براديغم الذات الحديثةلدى نيتشه او هايدغير بل هو يتملكجملة الجهود النظرية المعاصرةلبلورة مساءلة موجهة لظاهرة الآخر ومحاولة كتابة تاريخ الغيرية في التراث الغربي كما تحقق في كتابات مورلوبونتي وفوكو خاصة، غيرية الأنا الآخر والجسد الآخر او المجنون او المريض او المسجون او الشاذ او الهامشي او المعارص، بيد أن الجديد لدى سعيد لا يتمثل فقط في سحب تلك الجهود على منطقة يفترض الوعي الفلسفي الغربي انها تقع في الخارج لانها صفة الغريب والعجيب والبعيد والمختلف والبدائي والهمجي والبربري، بل بخاصة في البيان على نحو من الاتزام الابستمولوجي الصارم باشكالية العلوم الانسيانية المعاصرة وبادواتها الاكثر نضجا أن هذا الآخر الكبيرليس غريبا ولابعيدا ولا خارجا بل هو من صنعنا لانه تمثيلنا وناشئ ضمن تجربتنا"

ينقل سعيد الآخر من الحقل الفلسفي والنفساني الى الحقل الثقافي ويكشف عن مكان يسكنه الأخر ولكن هذه المرة خارج اوروبا هنالك في الشرق.

الآخر تركيبة ثقافية معقدة تصنعها الذات لتحسن التموضع داخل العالم كما انه متعدد ومركب، هذا ما سنحاول تقصيه في الجزء الثاني منه المداخلة.

 

الآخر المتعدد

يدفع عبد اللطيف قشيش بالتجربة الغيرية الى حدودها القصوى فيحضر الآخر متعددا في فصاء جغرافي يقصيه ويلفظه، وذلك من خلال شخصيات الفيلم قاسمها المشترك انها آخر "الغرب" الداخلي كان أو الخارجي جلال الشاب التونسي القادم توا لفرنسا، لوسي التي تعاني مشاكل نفسية، نصيرة ام عزباء فرنسية من اصول تونسية،ليلي فرنسية من أصول مغربية، نانو فرنسي من أصوا جزائرية، بول معتنق الديانة البوذية التيبيتية، اندريه وفيليب فرنسيان مهمشان يقيمان بالمساكن الاجتماعية. ولكن كل أنا من هؤولاء تحاول "الآخرين" تحاول بدورها تحديد " آخرها" وذلك بتنصيب ذاتها اساسا لاصدار المعايير فجلال الذي تخفى بالانتماء للجزائر للحصول على اقامة وقتية ينتصب له الجزائري معنويا آخر ويمثل له عبئا ثقيلا يعجل بلفظه والتخلص منه في أول حالة لاوعي "حالة سكر" ، هذه الذات هي التي تحدد الجزائري حتى أن الأمر لايمكن أن يفهمه من لاينتمي الى ثقافة الجنوب اذ عندما يصرح جلال لصديقه اندريه بانه تونسي وليس جزائري في مشهد يظهر على جلال شيئ من الحرج يجيبه الاخير ببرود ولا مبالاة واذا et alors

يقدم عبد اللطيف قشيش احساسا عميقا بهذه التفصيلات المعقدة لتركيبة الأنا التي تحدد آخرها بطرق متعددة فجلال تونسي ولد بتونس وما عدا ذلك هو الأخر حتى ولو كان تونسيا ولد بفرنسا أو جزائري وهو مغاربي وما عدا ذلك هو الآخر يقول لليلى المغربية "نحن كلنا اخوة". بل ان المخرج يجعل من الثقافي كالشعر والموسيقى والمتخيّل تجربة غيرية وذلك من خلال مشاهد مختلفة تؤكد فيها الشخصيات انتمائها الى منظومة ثقافية وتخييلية شديدة الخصوصية وبالتالي الى علاقة لهذا المخرج بالمتخيل تعكس انتماءه الى ثقافتين مختلفتين وهوما يجعله في حالة فصام schizophrénie واللفظ نستعمله مجازا ثقافي .

 

المتخيل والغيرية

يحاول عبد الطيف قشيش اختراق المتخيل الغربي واكتساحه، هذا المتخيل الذي اطر الشرق واخترعه هوويا بعبارة ادوارد سعيد، فتملك المخرج للادوات والآليات التقنية والجمالية تجعل من فيلم "غلطة لفولتير" بمثابة احداث لفجوة داخل النظام الدلالي الغربي الذي يحكم النظرة الى الشرق دون هدم هذا النظام . فالتغييب المتعمد للخير والشرير هو محاولة للانزياح عن الشكل الصدامي الذي يحكم أغلب الأعمال السينمائية التي تطرح مشاكل المهاجرين بفرنسا فاستقبال آخر اوروبا الداخلي الهامشي والمجنون يخترق قشيش المتخيل الغربي الذي يرى في التقاء آخر اوروب الداخلي بآخرها الخارجي مؤديا لا محالة للصدام والعنف ونذكر هنا على افلاما من قبيل la haine لكاسفيتز او Tchao Pantin لكلود بيري.

اختراق هذا المتخيل يرسمه قشيش بكل دقة فجلال التونسي يتقن الفرنسية ويحب الشعر العربي والفرنسي وانساني مغرق في انسانيته، والمخرج يثبت بذلك انه استمع جيدا الى ما يقوله الغرب عن الشرق، وو أنه هضم أنه وتصالح معها، تقول دانيا سيبوني " الآخر يسمع بلسانه بما يمكن أن يقوله عما يسمعه".

و لكن يراودني في نهاية هذه المداخلة، ان كان قشيش قادرا على اختراق متخيل آخره الغربي فهل أن متخيله هو بقي بمنأى عن هذا الاختراق، لقد أرسل الفرنسيون منذ زمن شاحنات الأفلام الى الأسواق الاسبوعية ابان الفترة الاستعمارية لمنافسة المداح والفداوي ولاحتلال المتخيل الجمعي المغاربي كما يقول بلقاسم حجاج. كما أن مفاهيم كمفهوم احتكاك الحضارات وضع لأول مرة سنة 1911 في المؤتمر العالمي الأول للاعراق بمشاركة انطروبولجيين وهو الذي رسخ مفهوم مجتمعات ما وراء البحار.

النّـقد بين الجوهريّ الداخليّ والسطحيّ الخارجيّ

أحبّ الوضوحَ الضروريَّ في لغزنا المشترك (درويش، سرير الغريبة، ص 63)

يقول السطحيُّ: أنا أكثر منك معرفةً، فأنا أعلم الأديب، تفاصيله و تاريخه وأكله وسفره، وأعداءه وأصدقاءه، وعقده النفسيّة والاجتماعيّة . أنا أفسِّر الذاتَ المبدعة، وأوضِّح ما قاله الكاتب، أنا الخارجيّ- العالم، والعالم - الخارجيّ، إنّ الداخليّ هنا مسبَّب ٌعن الخارجيّ، وناتج عنه بالضرورة . والجوهريّ كذلك، فهو بالاستتباع متولِّد عن السطحيّ، إنّ اللجوء لتحميل النصوص ما لا تحتمل، وغصب الشاعرِ رأيه، وحريّته يجعله يصرخ قائلا :" يا ناس أنا لم أقصد ذلك " أنا الخارجيّ أحمل مقصد الكاتب وغايتَه، وأبلِّغُ عنه رسالتَه، أنا الآخر الواضح ...

سيردُّ الجوهريّ قائلا: صدقتَ يا أيّها السطحيّ الخارجيّ، لن أنفيَ عنك ما أثبته لنفسك إنّ قولك الآنفَ ذكرُه يفسِّر، ولا يحلّل، يسبح أفقيّا خارج النّص ويتعَب، ويقلق، وينفق الساعات، ليقول في نهاية المطاف:" لقد أراد الشاعر أن يقول كذا وكذا ..." وأنا الجوهريّ أحللّ النصَّ المكتوبَ أفقيّا وعموديا، أنا التأويل الذي يجهله الخارجيّ، أنا الداخليّ العميق لا شأن لي بكلمات تطفو على سطح النصّ، لا شأن لي بما أراد الشاعرُ قولَه، لماذا تلغي قراءاتي أيّها الخارجيّ، ما أضيقَ أفقك حين تمنعني حقي في الفهم والتأويل، وإنْ أقسمتُ لم أحنث لقد قتلتَ الشاعرَ، وأنا أحييتُه، تُرى لو أعطيتك نصّا مكتوبا، لا تعرف عن صاحبه شيئا، ما الذي يمكنك قوله أيها الخارجيّ ! سأخبرك أنني أستطيع تفكيك كل دالّ، وتأويل الحالّ، وما ذاك إلا لأنّي الجوهريّ العميق، وسأسمحُ لنفسي الداخليّة بأنْ أستعيرَ قول الفقهاء والمفسِّرين: " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " وبناء على تلك العبارة الدالة، يمكن للمستقبل أن يفسِّر ويحلِّل، ويستنبط الأحكام والكليّات والجزئيّات هذا ما يفعله الجوهريّ، نعم أحتاج الوضوح الضروريّ لأفهم ضدّيَ الآخر، ولا شأن لي بما وراء ذلك من ذائقة باهتة، أو فكرة طائشة، وفي القليل الجوهريّ ما يغني عن الكثير السطحي،وفي النقد العميق ما يغني اللبيب عن الهشيم المتراكب.

إنّ النّصَ طبقات، والنَّقد أيضا كذلك .

 

بقلم الناقد : د. خليل القطناني- نابلس

اللغة الإتباعية في نقود كولاج تأويل علي شبيب ورد – واشارات أُخرى

khalilmezher alghalibiفي بدء قرائتنا لكتاب "كولاج تأويـل - مشروع نقدي- تطبيقات على عيّنات من المشهد الشعري العراقي" للشاعر والناقد"علي شبيب ورد "الصادر عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع في دمشق، نرى من الضروري ان نستمع الى روح الشاعر المتماثله مع رؤاه النقدية والكامنة في إهداءه الشعري، لما له من اهمية في استقراء مضافات نصوصية اُخرى ....

(إلى الأتين ...

709-mizehrمع امنياتنا لهم بسماء ثامنة

لاتتقاطع واحلامهم ...ولاتصد عن رغباتهم

هي خارج سماوات التحريم والتجريم والمسالك التالفة

وهم فيها محبون بالفة

وناجين حتماً...

من فخاخ التسلط ...وحجابات الثوابت...وأفانين التأليه

....الخ)ص5

و يُستَدلْ عليها في دراساته النقدية المصغية وغير اللاغية لأي بصمة وتفرد لشاعر، وايضا من نماذجه المختارة وكولاجاته لـ(35) شاعر عراقي اختلفوا في اسلوبهم الشعري وتوحدوا في ابداعهم، كما اتضحت به رؤاه النقدية، فالنقد لديه لا يتعلق بحقيقة نقدية واحدة في معاينة النص الجيد، كما في اشارته هذه إذ يقول "من دون تصورات مسبقة تُخْضِعُ النصّ لمحددات أو ثوابت نظرية أوتطبيقة ما. بوصفه (أي النقد) لاحق لسابقه (النص) منه يستمد كشوفاته الرؤيوية، وآليات كتابة نصوصه التأويلية. غير أنه لاحقٌ محايدٌ منتجٌ لتأويلٍ خصب، وليس منحازاً لتصوّرٍ مانعٍ لحرية التأويل."ص7

وكانت التسميات او العنونة الفرعية متقدمة في التعبير اللغوي الجمالي كعتبات، مفاصل او (حِزَمْ) الكتاب، وهي عبارة عن تأكيدات لضرورات أو وجوبات في الخلق والبناء الشعري، والتي امتثلت لشروح النقد المدرسي، و منها قوله (النقد نص لاحق لسابق،كفاءة النص في التواصل عبر الأزمة،بلاغة التلقي،الذائقة ومفاتن النص،الشعر ليس امتثالاً لنزوة عابرة،الكتابة خارج اسوار الشعر المهادن،قصيدة النثر الحرة،التفاعل التخادمي بين النص والتلقي،بلاغة البساطة) وغيرها كتعابير جمالية في إيصال الدالة اللغوية، وبأريحية فيوضاتها وامتدادات تلك الحزم، لتنطوي على مواصفات بلاغية، ولتفترش مائدة دسمة لتغذية المتلقي، والاستئناس بقراءة دالة الجملة ومجساتها.

ولإختلاف هذه الكولاجات الشعرية، في الإسلوب والاليات من لغة وتصوير ومتعلقات أُخرى، نهج الناقد في تناوله مقاربة رؤى-رولان بارت- في لغته الإتباعية – Metalanguage-أي ان تكون لغة نقدية فاعلة ومتنقلة مع جميع النصوص الشعرية المختلفة التكوين، إذ يعتبر بارت أن نظام الإشارات العائد إلى عمل شعري ما، إنما يُحدد من قبل الكاتب نفسه, فيتجاوب حتما مع أسلوبه الشخصي،ودور الناقد يكمن في إعداد لغة معرفية متنوعة يستطيع بواسطتها من التعامل مع المتعدد المختلف، والمقترن بمؤشر "بارت" في مقالته" نقد وحقيقة "لا تتعلق موضوعية الناقد الأدبي باختيار الشيفرة، ولكن بالدقة في اختيار النموذج الذي سيطبقه على العمل الأدبي"

وهذا ما يُستَدلْ عليه في دراسة كولاجات بعض الشعراء المختلفين ولكنهم متوحدين في وصولهم للنموذج الابداعي للقصيدة الشعرية، وكأن الأمر لا يتعلق بحقيقة نقدية محددة لمشروعيتها، كما في مقاربة-علي شبيب ورد- في حزمة "إعادة الاعتبار للتخوم والهوامش"في قوله "لسنا هنا لنفرض على النص هيئة تشكل معينة،بل نحاول تأشير ما يبدو لنا،والذي ربما لايبدو للاخرين،فلكل رؤاه،وما من معضلة،والنص منجز ذاتٍ تحاول إنتاج صورة-الآخر/العالم-كما تراه هي لا كما نراه نحن،وما علينا سوى فحص تلك الرؤية والاشارة لمدى نجاحها او اخفاقها في افانين عرضها لمفاتن منظومتها...الخ"ص57

واستحضر الناقد ايضاً أهمية نظرية التلقي عند حزمة "التفاعل التخادمي بين النص والتلقي" فيقول إن "النقد كاجراء إبداعي، يقع ضمن منطقة فعل التلقي اللاحق لبفعل الإتصال الذي يحدثه النص، وبهذا فهو عمليا لاحق لسابق هو النص،إذن النص اولاً، ثم يأتي النقد المتضمن لعمليتين متعاقبتين وهما القراءة والتأويل، ونحن لانتفق مع النقد المدجج بوصايا او فرضيات مسبقة عنه....الخ"ص119

ويعتبر بارت – خاصة في الحالة النقدية هذهِ والمتمثلة لنصوص مختلفة التكوين والاسلوب- ان القراءة النقدية لأي نص، تعود الى نجاح اسلوب الشاعر وابداعه الخاص والمختلف عن اسلوب الشاعر الأخر، لتكُون لغة بارت رؤية نقدية مفتوحة، فاعلة ومتغيرة في متغير النص المدروس، وليست رؤية احادية جاهزة قبل مثول النص للقراءة النقدية، وهذا ما أكده الناقد"علي شبيب ورد" في حزمة "النص وبلاغة البساطة" في تنبيهه الى ان النقد ما عاد "تطبيقا منهجيا صرفا لآليات تناول جاهزة- تعمل عمل المشرط- في النص،ربما تلك الاليات تصلح لنصوص –تكرار المأوف-المتهيبة من الخطوط الحمر،بل هو فحصٌ رؤية في رحاب عالم النص.."ص129

وتبان القيمة المعرفية العالية لدرس الناقد"علي شبيب ورد"في إيصال هذه المنبهات ذات الحوارالفاض للكثير من الاشكاليات في الرؤى النقدية وتفاصيلها المتفق عليها واللامتفق عليها في نفس الوقت، والتي تصب في القبض على الروح المتمردة في كونية الشعر والمتجسدة أخيراً في القصيدة، ومنها راح الناقد في سلوك نقدي نابع من ذات النص المدروس مع بقاء ابداعه المختلف في الشكل والطعم واللون، والمتوحد في جماليات الشعر، وهي دراسة نقدية وفق فلسفة النص النقدي المائز من حيث الإسلوب والابداع.

هذا الفهم لحالة المختلفات النصية للشعر، سيقوض سياقية القراءة غير المنتبهة للأخر النصي والمتعسفة تجاه خصوص بصمة الشاعر وتفرده، وفق الحصار الذي يفرضه مفهوم "التاريخ،المجتمع،المؤلف" ولابد هنا من العبور الى القراءة النسقية التي تعمل وفق التلقي المفتوح في استكشاف ذات العمل الفني وقراءة النص قراءة محايثة، بعيداً عن كل ما هو خارج النص، فلا قيمة للمقاييس الخارجة والبعيدة عنه سواء كانت نفسية أو اجتماعية أو تاريخية .. لأن كل ما لا ينبع من النص ولا يرتبط بخاصية عناصره المكونة، هو في الواقع دخيل لايصلح لحوارت النص.

ويمكن إيجاز الرؤية النقدي للشعر لدى"علي شبيب ورد"ضمن الحزمة الأولى من دراسته"النص نص لاحقاً لسابق"ص24، إذ يقول "فيما سبق تبين جوهر مسعانا النقدي،ألا وهو تباين مسارب تناوله كل نص، من النصوص الفائته،لأنه لا يحمل جعبة نقدية محددة، بل يستمد أدواته من النص ذاته، وينتج نص ما بعد التلقي المتأثر بطقوس منظومة بث النص المفحوص. بوصفه نصا لاحقا لسابق، كان مبعث ولادته وسبب نشوئه وحراكه لمغزاه"ص24، وذلك عن طريق تأمل الناقد لعناصرالنص وامومتها السيميائية وطرق أدائها لوظائفها وعلاقات بعضها ببعض دون أن يتجاوز حدود النص من موقع آخر.

 

خليل مزهر الغالبي

رواية (قبل اكتمال القرن): قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر (3)

husan sarmakوحين أقول إن الواقع السردي لا يتفق والواقع الموضوعي حتى لو اتفق معه في الظاهر، فلأن العملية السردية تُصاغ أولا في اللاشعور ثم تمر من حاجز "قبل الشعور" حيث الرقابة لتتشكل في صيغتها النهائية على ساحة الشعور - بعد ذلك - فيتنكّر أصلها اللاواعي المحمل بالحفزات والدوافع العميقة التي هي أصلا منافية للقواعد والقوانين التي تحكم "العمليات الثانوية – secondary procecces" التي تسير وفقها العمليات الإدراكية الواعية.

تتحدث الكاتبة عن حال قوات طاونزند المحاصرة في الكوت حصارا خانقا من قبل القوات التركية .. قوات يعاني أفرادها من الحرمان بكافة اشكاله ؛ جوعا حتى أنهم أكلوا جيادهم وكلب قائدهم "فيدو" الصغير، وإحباطا لأنهم لم يجدوا على الأرض تلك الصورة التاريخية التي اختزنتها ذاكرتهم عن عوالم ألف ليلة وليلة السحرية وبساط علاء الدين الخرافي. ما وجدوه حقا هو:

(جنّة الدموع المخيبة لآمال الجنود الزاحفين إلى غبار الأساطير والحكايات، ليجدوا باشمئزاز كبير، بلادا، لا تشبه الحلم، تحوّلت بعد قرون طويلة من الاستلاب إلى نفاية مطحونة، وجموع هالكة تحمل عيونا تجول فيها نظرات متسائلة عن مصيرها، غير مدركة في أية كفة سيدار زمنها- ص8)...

وجنسيّاً وعاطفيا حين لم يجد الجنود الشبقين نساء علي بابا الملتفات بغلالاتهن الرقيقة فصاروا يمررون منافذ لمتعتهم تحت أستار غريبة مثل الديك الرومي الذي كان يبيت كل ليلة في أحضان ضابط:

( حتى اعتاد الديك اللعبة وأحبها، فكان يجد سبيله الخاص في العثور على شريك الليلة الأخرى، فيحتك بساقه بحركات رشيقة موحية، وقد وجد بطنه مليئا بأشياء غريبة لم تُهضم: أزرار ضائعة .. أقلام ملونة.. وسام صغير .. وبضجة كبيرة وُجدت أيضا إبرة الكرامافون المختفية منذ شهر منصرم - ص 10 ) .

وإذا كان زمن الواقع الموضوعي – والسرد التقليدي- مستقيما، كما قلت، فإن زمن السرد في الرواية الحديثة – ورواية "ذكرى" هذه منها - هو زمن قد يأخذ أشكالا غريبة مضافة ؛ قد يقفز ويخلق فجوة في السرد طاويا سنوات الزمن الفعلي إلى دائرة واقعة متقدمة تقدم عنها الكاتبة خلاصة موجزة صادمة ثم تعود بعد ذلك إلى السياق التسلسلي "المنطقي" الفيزيائي. فإذ تتحدث الكاتبة عن الكيفية التي انتشرت فيها سمعة فتيان الرضواني بين الناس كمقاومين شجعان، وكيف نُسجت عنهم - بحنان - أساطير مذهلة جعلت (الشمرّية) تهيم بفتى الرضوانية وتخطط لاصطياده وإيقاعه في حبها، فكان لها ما أرادت حيث خططت للسير في طريقه فجرا فانسحر برؤية جمالها الخارق .. وتزوجها فورا:

(أشهد أصحابه على زواجه منها، وتحت شجرة وارفة وفوق أوراقها المتساقطة صنع فراشه الأول، ناما تحتها حتى المغيب، تنخر قربه فرسه الجميلة مللا وغيرة- ص 18).

ومن عرض تفصيلات ليلة زفاف الرضواني على الشمرية تقدم الكاتبة لمحة عن المأتم الذي الذي أقيم على روح الشريف الرضواني البدين (الأب)، وسلوك الشمرية المستفز فيه.. وانشغال الرضواني الإبن بمضاجعتها، تعود لتحكي لنا الكيفية التي اصطادت بها الشمرية فتاها الرضواني ؛ هي حركة ذهاب وإياب موجزة زمنيا توسّع خطاها بدرجة كبيرة جدا بعد أسطر حين تنتقل من زواج الرضواني بالشمرية إلى بيته الذي بناه بعيد الحرب العالمية الثانية على واجهة نهر دجلة . لقد قدمت لنا لمحة سريعة اختصرت عقدا من حصار الكوت ورؤية الجنرال الأسير لمتحدّيه الفتى الرضواني بالقول أن مأتم الرضواني الأب حضره مندوب الملك ورئيس تشريفات ديوانه. إن هذا الإختصار ضروري جدا. في حين يقع كتاب آخرون في مصيدة الترهل الزمني من خلال وصف أدق التحولات الواقعية بطريقة تذكرنا بأسلوب جماعة (بلزاك) ؛ فحين يريد بطل "بلزاك" شراء سلعة من متجر فإن الكاتب يصف المقاهي والبارات والبيوت والمارة والأكشاك التي تقع في طريقه . وإذا كان (الشعر هو فن الحذف)، حسب التعبير الرائع للراحل (محمود درويش)، فإن الرواية هي الفن الذي يجب أن يكون أولى بذلك في مواقف محسوبة مثل هذه التي قامت بها ذكرى محمد نادر. بالإشارة السريعة إلى حضور مندوب الملك مأتم الرضواني الأب، نكون قد انتقلنا من الحرب العالمية الأولى إلى تأسيس النظام الملكي في العراق . ثم بالإشارة الموجزة إلى أن الرضواني الإبن قد بنى بيته على واجهة دجلة بعيد الحرب العالمية الثانية نكون قد قفزنا عقدين تقريبا . وإذا كانت هذه النقلة قد جاءت هادئة حيث وصفت الكاتبة بعد ذلك مكونات هذا البيت في ثمانية سطور، فإنها تحقق نقلات واسعة لكن صادمة بعد حركة "استدراجية" تُطمئِن المتلقي وتخدّر حاسة الاستقبال لديه نسبيا لتأتي الواقعة الفاجعة بصورة مباغتة . فبعد أن تتحدث باسترخاء عن حديقة بيت الرضواني الجديد، وكيف أن اشجار النارنج تملأ الأرض في الربيع بقداحها المتساقط بتيجان صغيرة بيض وطرية تحيط بنخلتي الحوش، تخز انتباهتنا المغيبة - بقوة - حين تُكمل فورا بالقول:

(نخلتي الحوش اللتين نالتا عن جدارة لقب غلتي فجيعة الملّا الأولى: فعلى إحداها علّق "خليل" أصغر أبناء الملا لرضواني في لحظة يأس وخذلان مشنقته الحزينة، بعد أن أدرك أن زوجته قد حملت من البستاني أول أبنائه، فيما كان هو بصدره العليل يبحث عن مجد مقعدٍ في مجلس النواب ليسحر به زوجته الفتية - ص 19).

هذه الأسطر الأربعة هي شفرة الحكاية التي ستليها حكاية خليل ابن الرضواني العاجز جنسيا مع زوجته المُحتدمة الشهوات الباحثة عن قسوة الإشباع وطغيانه لا عن الحنان الرومانسي، وكيف بذل الملّا أبوه المستحيل كي يحصل له على مقعد في مجلس النواب. ثم طبيعة إحباطه الساحق الذي أوصله إلى الانتحار. وهناك "رجعات" داخلية في مسار الحكاية تعيد الكاتبة فيها التذكير بموت خليل وكأنها لازمة موسيقية عنيفة توجع الروح والآذان بين حركات سمفونية:

- في الاستهلال البرقي السريع لشفرة الحكاية:

(على إحداها عَلّق خليل أصغر أبناء الرضواني في لحظة يأس مشنقته الحزينة ..)

- مُفتتح فقرة الحكاية الثانية:

(دشّن قبر خليل أرض البستان الخلفي الواسع المُكتظ بالنخيل ..- ص19)

والذي تشير إلى أن فتى الربابة وحده، بعد أن شاخ وأصابه العمى كان يتلمس تراب قبره، أي أننا تقدّمنا عقودا طويلة من حياة فتى الربابة الذي وُلد قبل مفتتح القرن العشرين بسنة واحدة.

- مُفتتح الفقرة الثالثة:

(فُجِع الملا بموت خليل .. – ص20)

لتتحدث عن حالة الإكتئاب التي ألمّت بخليل وتجواله الضائع في حقول القمح وتأزّم صلته بزوجته الفتية .

- مُفتتح الفقرة الرابعة:

( مع صباح ملائكة الفجر، وآذان ناعس وجده الملا معلقا على النخلة، تؤرجح الريح الشمالية جسده المزرق..- ص20)

لتصف مظاهر الموت في الجثة المتأرجحة وردة فعل الأب المثكول الذي قَبّل القدم الباردة المُتراقصة.

 

التكوين الشبكي:

مع تصاعد وقائع الرواية، وتعدّد شخصياتها، وتشابك علاقاتها، واتساع المراحل الزمنية، تلجأ الكاتبة إلى ما يمكن أن نسمّيه بـ (التكوين الشبكي) في سرد الحوادث . هنا تنتشر الوقائع مثل عُقَد شبكة الصيد حيث تستطيع الوصول إلى أي (عقدة) فيها من مسارات مختلفة وعبر تنقلات متعددة مثلما يمكنك أن تنطلق منها نحو أيٍّ من العُقَد المُجاورة .

وهناك أيضا تقنية " الصورة المُقطّعة " التي لجأت إليها في أكثر من موضع من روايتها، حيث يكون لزاما على القاريء أن يدخل مشاركا في ترتيب أجزاء الصورة المقطعة كي تكتمل ملامحها . ما يهمني هنا هو أنها تختار التقنية السردية المناسبة لطبيعة البنية الزمنية للواقعة .

التقنية الإستباقية:

وحين نتأمل بناء جملة ذكرى، ثم بناء العبارة، فالفقرة، فسنجد أنها "متضادة" عاطفيا بصورة مقصودة، يجتمع فيها السلبي بالإيجابي.. القبح بالجمال.. القلق بالطمأنينة .. وباختصار: الموت بالحياة. وهذه سمة أسلوبية تسم هذه الرواية بأكملها . خُذْ هذه الفقرة التي نتحدث عنها على سبيل المثال لا الحصر، حيث تستهلها الكاتبة بعبارة تقول فيها: (مع صباح ملائكة الفجر، وأذان ناعس، وجده المُلا مُعلّقا على النخلة تؤرج الريح الشمالية جسده المزرق)

وستلاحظ طرفي التضاد، بين هدأة صباح الملائكة وأذان الفجر الناعس، والمشهد المروّع للإبن المشنوق. تعقب ذلك بعبارة أشد فتكا تجمع مشهدين متناقضين، تتعزز شحنة فعلهما في النفس بهذا التناقض ذاته، حيث تربط بين مظاهر جثة المشنوق المُغثية المُستفزة واسترخاء زوجة الإبن في الغرفة الوردية:

(اندلق لسانه طويلا، ومال رأسه بلوعة عتبٍ لم يصل شفتيه إلى جهة اليمين، حيث ترقد زوجته الفتية دافئة في الغرفة الوردية المُعدّة حديثا- ص20).

ثم تكمل الفقرة الدامية بصورتين؛ حالتين نفسيتين، متناقضتين، بـ "أطروحة" حياة حزن الأب الملتهب بفجيعته، و"طباق" موت انفعال الإبن الموغل في صمت ملكوته المُنكسر:

(تسمّرت عيناه في الجثة الحبيبة. كان الدمع يتكسر في حنجرته وهو يُقبّل القدم الباردة المتراقصة في ملكوت صمتها المُنكسر – ص 20) .

تتكرّر هذه التقنية "الاستباقية" في حالات كثيرة جداً منها، مثلا، حادثة وفاة الرضواني. فقد فُجِع الرضواني - ثانية - بوفاة غريبة لابنه الثاني "طه"، الشاب الفتي، المُشتعل حيوية، والذي لم يتجاوز العام التاسع عشر من عمره. لم يكن يشكو من عارضٍ مَرَضي أبدا. كان يحسب الأيام المتبقية لسفره للدراسة في الخارج. ولكن فجأة، ومع مغيب الشمس، و"ذكرى" تهيّء المسرح - تماما - لاستقبال ضربة الموت العنيفة ضابطةً حتى الحركة الكونية، احتقن وجهه وصار الدم ينفر من أذنيه . وذكرى - وهذه سمة أسلوبية أيضا - "توغل" تماما ًفي رسم الصور المدمرة ؛ صور الخراب بكافة تدرجات اللون الأسود، في حين انها، وبالمقابل، توغل في تصوير مشاهد تفتّح إرادة الحياة وخلجات الحب بكل تدرجات ألوانهما الباذخة. في الموت تلتقط تفصيلات تبدو في الظاهر بسيطة، وعابرة، بل مُبتذلة، لكنّ موقعها الدقيق والمُعبّر الذي تختاره له الكاتبة ضمن إطار "الصورة الكلية – gestalt" يمنحها شحنة عاطفية عارمة في روح المتلقي. والصورة التي ترسمها الكاتبة للموت، تشعر وكأنها لا تكتفي بها أو تُشبع نوازعها السادية (وهي مقلوب المخاوف المازوخية المتأصلة من الموت) المُتستّرة بالمطامح الجمالية، فتعود ثانية، وثالثة، لتعالجها - من جديد - وتعصرها حتى ثُمالتها السوداء:

- تصف مرض "طه" المفاجيء أول مرة، فـ "تنزل" لتقدّم خفايا الأعراض التي لا يعرفها أحدٌ إلا هي:

(مع المغيب شعر بدوار، بصق الدم من بين أسنانه. احتقن وجهه وصار الدم ينفر من أذنيه، ونزح خارج فتحة مِقعده، مخلّفا بقعاً كبيرة على سرواله، كأسفنجة مُشبعة بالدم كان يرشح من كل مكان. فزع أصحابه. كانوا مذهولين يتابعون بخوف رشيش الدم غير قادرين على عمل شيء سوى الصراخ . حملوه إلى البيت . في كل خطوة يتركون بضع قطرات من الدم يلتهمها التراب العطشان، فتتكور القطرات الصغيرة المتساقطة ملتفة كعجينة صغيرة – ص 28).

– بعد سطور تُصوّر فيها انفعال الأب المذهول بدماء ابنه الشاخبة من كل مكان، والأم الشمّرية المُولولة، تعود – الروائية - إلى تقليب حالة الشاب المُحتضر على وجه آخر:

(شخصت عيناه برجاء ملهوف أباه، وانطفأت نظرة وداع أليفة في عينيه، وسال خيطٌ رفيعٌ من الدم مصحوبا بدمعة أخيرة، سرح من زاوية عينه اليسرى وتوقف عند نهاية صدغه بخطٍ مائل تساقط بقطرات مدورة حُمرٍ على وسادته، خملت بعد قليل وتخثرت مع الصرخة القوية التي أطلقتها الزنجية – ص 28). - ولا تترك الكاتبة ميتة "طه"، وهي تلاحق أخاه الأكبر (مرتضى)، لتعود إليها في استهلال الفصل الثاني: (غلّفت الأحزان قلب مرتضى بموت أخيه طه المُحيّر. كانت قطرات الدم المتدلية كعناقيد ناضجة للألم تطلع إليه في كل لحظة دون أن يحاول القيام بأيّ مجهودٍ لمسحها من عينيه - ص37). بعد هذه الكارثة انحطّتْ مقاومات الرضواني، واهتزت ركائز وجوده الذي كان خارق الصلابة سابقا. لا تنتظر الكاتبة سير الزمن لتحق حلقاته المُقدّرة لتقدم لنا موت الرضواني كتحصيل حاصل لكوارثه الماحقة: موت ابنه خليل مشنوقا .. وطه نازفا حتى الهلاك .. وشبح أخته الصغيرة المغدورة يلاحقه حتى الموت ؛ أخته التي تعلّق قلبها بجندي هندي جاء مع جيوش طاونزند. لم يتوان عبد الرحمن في الإشراف على ذبح الهندي المسكين . ووصف ذكرى لمشهد ذبح هذا الهندي العاشق ذي الحظ العاثر مشهدٌ فذٌ تستجمع فيه كل طاقاتها التصويرية التي يحفزها بقوة مهماز الدوافع السادومازوخية: (ذُبح الهندي المنكود العاشق عند قدمي الفتاة المربوطة على وتد الألم، تحز الحبال الخشنة خاصرتها ويديها وتفتح عينيها على فجيعة موتٍ ألجمتها، شخب دمه في زحف سريع إليها، وتسلّق برطوبته الحمراء قدميها وأطراف ثوبها . رأت وهي تفتح عينيها على اتساعهما كيف رفس الفتى برجليه دون أن ينطق سوى بحشرجة يائسة. انفتحت رقبته النحيلة بعد حزّةِ سكين واحدة لا غير من يد حارس الرضواني الجبّار . وقف على رأسه المقطوع بفوهة حنجرته وبخارها الدافيء شاردا من ذلك الثقب الأحمر، وضع قدمه فوق صدر الهندي التعس يمتزج دمُه بزيت بلواه . شهقت الفتاة، عضت لسانها المبيض .. وماتت – ص 23).

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

إيقاظ المنطق باللّامنطق .. قراءة في نصّ قطن منثور للكاتب السّوري وئام البدعيش

madona askarبحركة غير متوقّعة، يبدأ الكاتب "وئام البدعيش"، هذه القّصّة اللّطيفة الّتي تحمل بين سطورها معانٍ غزيرة وعميقة. أراد الكاتب من خلالها إيصال مكنونات فكره وروحه، والهواجس الّتي تقلقه، ولكن بطريقة مباهتة ومفاجئة، غير تلك الّتي اعتاد عليها القارئ.

ليس غريباً أن نجد في نصوص عديدة تشخيصاً للأشياء، أو لعناصر الطّبيعة أو للحيوانات. إلّا أنّ ما نقرأه في هذا النّص، هو قلب للأدوار لا يتوقّعه القارئ، بل لا يتوقّع الأحداث المتتالية. ما يجعلنا نشعر للوهلة الأولى أنّ الكاتب خرج عن المنطق.

يستخدم الكاتب أسلوباً أدبيّاً بسيطاً غير معقّد، من خلاله يصيغ قصّته بكلمات بسيطة. وقد تبدو لنا بداية النّص ضعيفة وركيكة (اللّعبة حملت الطّفلة وركضت)، لكنّنا سنفهم لاحقاً أنّ الكاتب أراد صياغة أسلوب يشبه توجّهه في سرد أحداث القصّة. فكما قلب الأدوار وجعلها لامنطقيّة، كذلك اتّخذ أسلوباً أدبيّاً يساير قصده.

ينطلق الكاتب من الواقع المرير الّذي يحيط به ويؤثّر فيه بشكل مباشر. ثمّ يختصره أو يرمز إليه بمصنع للألعاب. وكأنّي به يريد القول، أنّ الواقع المعاش لا يتعدّى كونه مجرّد لعبة رغم كلّ الألم والأسى.

 

- العجز الإنساني:

يتجلّى في هذه القصّة الضّعف الإنساني في ذروته (اللّعبة حملت الطّفلة وركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن). " الطّفلة" الّتي ترمز إلى الإنسانيّة البريئة والنّقيّة ترزح تحت ثقل ضعفها ووهنها، لدرجة أنّها باتت عاجزة عن حماية نفسها. ولعلّ إيعاز دور الفعل إلى الشّيء ( اللّعبة) مهين للإنسان، بمعنى آخر أنّ الإنسان فقد كلّ قدرة على الفعل، فبات الجماد أشدّ قوّة منه. وتأتي العبارات التّالية ( أصوات المقصّات، وهدير مكنات الحياكة المزعج، وزعيق الآلات العجيب)، لتعبّر عن عدم الأمان المتدرّج ( أصوات، هدير، زعيق)، مشيراً إلى تصاعد القلق والخوف والاضّطراب.

من المعروف أنّ عالم الألعاب، عالم لطيف وفرح، إلّا أنّ الكاتب أراده مصدر ضجيج وصخب يشبه الواقع الّذي تنقله لنا القصّة. فيشير بذلك إلى انعدام الفرح والسّرور والبراءة محوّلاً آداة الفرح إلى آداة تعمل على الهروب من هذا الواقع إلى مكان أكثر أماناً. فإذا بنا نستخلص أنّ الأمكنة بأسرها باتت غير آمنة ومُطَمئنة، وبالتّالي أصبح الخطر يحيط بالإنسان من كل جنب وصوب.

 

- منتهى العجز:

في إشارة موجعة ولاذعة يشير الكاتب إلى عجز السّماء عن حماية الأرض. (وعندما وصلت إلى المكان الأكثر أماناً، والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب، لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة.). تناقض رهيب ومخيف ينقل أبشع صورة عن الواقع المرعب. فالملاذ الأخير الموثوق به (الدّار المقدّسة)، استحال ساحة معركة مع غياب تجاوب السّماء أو تحرّكها. ( لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة).

مشهد قاتم، يستفزّ تساؤلات القارئ، ويدعوه إلى تحريك الجدل العقلي والمنطقي وعدم الاستسلام غرائزيّاً لمنطق الواقع القبيح والانجرار إلى ظاهره المخادع. فحتّى وإن كان عاجزاً عن التّغيير الملموس، إلّا أنّ هذا الجدل سيقوده تدريجيّاً إلى التّغيير والانعتاق من العجز والإنكسار.

 

قطن منثور / وئام البدعيش

اللّعبة حملت الطّفلة وركضت، أرادت أن تخبئها في مكان آمن، بعيداً عن أصوات المقصّات، وهدير مكنات الحياكة المزعج، وزعيق الآلات العجيب. وعندما وصلت إلى المكان الأكثر أماناً، والذي يعدّ بيت الرب في عالم الألعاب، لم تكن تتخيّل أبدا بأنه يمكن لأحد أن يدخل بمقصه أو سكينه إلى داخل هذه الدار المقدسة. ولكن الذي حدث غيّر كل توقعاتها إلى قطع ألعاب ممزقة، وقطن منثور…

 

الشعر والألم يتصارعان على صور القصيدة في ديوان (نغم على وتر القلوب) للشاعر صادق البعاج

hasan albasamصدر ديوان (نغم على وتر القلوب) للشاعر الدكتور صادق البعاج عن مؤسسة (دار كلمة) في مصر / 2015 احتوى على 64 قصيدة وجدانية ووطنية في 160 صفحة .

وقد إرتأيت أن أقرأ ديوان الشاعر قراءة تذوقية فقد لامست وتغلغلت سخونة القصائد وعواطفها الجياشة وموسيقاها الباذخة الى شغاف القلب ..إهتم بالموسيقى إهتماماً ملحوظاً وقد أولى جميع القصائد عناية واضحة للوزن والقافية، وهي من قصائد التفعيلة ..معتمداً على دربة أذنه الموسيقية لكون ذائقته تربت في أرض خصبة بالشعر والأدب في منتدى البعاج / الوالد، فانطبع الشعر بموسيقاه الأخاذة على أوتار أذنيه وهي يافعة، ليوظف عاطفته المشبوبة ويطفئ إحتراقها، وإن ألم الشوق والقلق أصبحت من سمات القصائد وعلاماتها الفارقة ..بوح شجي حزين وأمنيات ترتدي ثوب الوحشة بغياب الحبيب، يحترق كعود طيب يترك بصمات العطر على المكان ..وقد استحضرت تلك العلاقة الأزلية بين الشعر والطب ولم أستطع أن أحدد ماإذا كان طبيباً شاعراً أم شاعراً طبيباً فإن منبتهما في أعماق التجربة الطويلة، وقد وجدت إن الألم هو السمة المشتركة بينهما، ألم الجسد في الطب وألم الروح في الشعر .. وفي الإثنين تتجلى الرحمة والعاطفة والإلهام والخيال والموهبة ..لايمكن أن يكون الطبيب بلا رحمة أوشاعر يخلو قلبه من الرحمة .لايمكن للطبيب ان يكون غير ملهَم او دون خيال خلاق يقوده لاكتشاف الأسباب او النتائج يميزه عن رجل المختبر الذي يعتمد نتائجاً رقمية ..نتائجاً ملموسة وليست حسية .. إن الشكوى المتكررة في خطوط البوح هي شكوى منتجة للشاعرية وليست لإرهاق المتلقي فهو لايبث نجواه ولواعجه،توجعه وألمه لكونه معني وحده بالألم إنما هو تعبير عن الذات الإنسانية في اختلاف مشارب العشق ..هي ليست مقتصرة على ذات الشاعر ليرهقنا بأنينه وشكواه إنما هي حالة إنسانية متوالدة لاتقف عند جيل أو زمن أو حالة ..وهذا ماجعل الغزل شعوراً عاماً والهيام بالحبيب صفة العاشقين والشكوى لازمة المخلصين الذين أذاب مهجهم الجوى ..وإن إختلف الأسلوب الا أن البوح من رئة العشق ذاتها ..وقد عبر الشاعر باسلوبه المائز بتعبير صاف وخيال خصب أقرب الى الصوفيين الذين هذبوا مشاعرهم بالألم والصبر.

يقول محمد الخليلي في كتابه معجم الأدباء والأطباء (إن الطبيب والشاعر يجتمعان معاً في استعمال الحدس الصائب والتعمق في دقائق المحسوسات وذلك لأنه لايبني فنه الا على المنطق والمحسوس وإن منطقة هذا ليس سوى حدس وتخمين في الابتداء فهو بذلك كالشاعر الذي يتكلم بلسان الحدس والعاطفة) .

وقد أجاب الشاعر الدكتور إبراهيم ناجي على سؤال (طب وشعر كيف يجتمعان ؟)بقوله :

والناس تسأل والهواجس جمة

طب وشعر كيف يتفقان

الشعر ملحمة القلوب وأسره

هبة السماء ومنحةالديان

والطب مرحمة الجسوم ونبعه

من ذلك الفيض العلي الشان

لاتحتاج أن تنتظر طويلاً وأنت ترمي بسنارتك في مياه القصائد العذبة الشفافة لتصطاد أسماكاً ملونة بالعاطفة النقية فهي واضحة للذائقة ومرحة أو حزينة تتقافز أمامك وتشاكس قلبك الذي تخاطبه بلسان واضح وباسلوب مباشر يرتدي البسة مزركشة بالورود والغدران ومشرقة في خطاباتها ..واحذر من أن ترمي بسنارتك بقوة سوف تستفزها وتتقافز بعيداً عن أنامل القلب ..إنها تسبح في مياه الحلم دافقة المشاعر طعامها البنفسج وهواؤها العطر تغري القلب بالمسرة رغم وشاح الحزن ونبرة الألم الذي تعاني منه الا أنه حزن منبعث من قلب عاشق يشكو من هجر المعشوق أو غيابه أو بخله .

رفعة الانسان ان يكون موهوباً ..هي ميزة خصها الله إنسانا دون آخر، يتحول الى مايشبه النخلة في عطائها متدلية ثمارها يانعة شهية ناضجة، وإن ديمومة العطاء دليل على أصالة الموهبة الدافقة ..ذلك هو الشاعرالدكتور البعاج الذي خصه الله بشمسين في افقه ليشرق في الطب والشعر.

مسكون بالمراة حد الإختناق أو الغرق، وهي واقع جميل أو حلم يحاول الإمساك به حيث براعة الشاعر تمكنه من إستدعاء الحلم الى بساط كلماته الشفافة ..وأعتقد إن فرط الصدق في مناجاته وبوحه وأحلامه يتشكل من نسيج حقائق معاشة وتجارب ساخنة لم تبرد بعد لحظة كتابتها، وأحاسيس حقيقية قد فاضت تجرتها من حواشي القلب ولم يستطع كتمانها فانكشف سرها على يد القصائد ليعالج إزدياد وجيب القلب وتسارعه المضطرب وإزدياد خفق القلب، بعشب الشعر وبمشرط الحروف لامتلاكه إسلوباً طيعاً تتغلب عليه سهولة بنضوج المشاعر وتناسق الموسيقى وحميمية المشاعر وسخونتها .

بدأ الديوان بقصيدة (الهوى ذباح) العنوان فيه مبالغة عرف بها العاشقون، ليصب صراخه في آذاننا كي نتعاطف معه :

هذا الهوى / في خافقي ذباح / ان الجوى / ياصاحبي أقداح

وتذوب ذات الشاعر وتضمحل ليفتدي بها الحبيب:

روحي فديتك / خافقي مع مقلتي / يامن لعشقك / تُفتدى أرواح

ثم يختتم القصيدة بأمان أسرجت القلب لتندفع نحن آفاقها الرحبة :

أواه مابيني / وبينك أبحر / القلب مُدمى / والبكاء نواح

وفي قصيدة (حب الفؤاد) يتجلى الألم في ذروته إذ تبتدئ بالبكاء:

بكى منك الفؤاد / هوى وطابا / وقد متعت / بالحب الشبابا / فياألق الدنى / في كل زهو / سألت وابتغي / منك الجوابا

إنه الضباب الذي يتزايد على حدقة العشق،كلما فتح عينيه واتسعت لهفة على غياب الحبيب او قلقاً على مصير نسيج المشاعر من التبدد على غفلة من القلب :

فكم من خافق / قاسى وعانى / ولاقى من / احبته العذابا / وكم من عاشق / لم يلق خلاً / واصبح عشقه / حلما سرابا / وعانى فيكِ / من سهد ووجد / وفاض صبابة / عمرا وذابا

ولكن رغم فيوضات عذاباته إلا أننا نجده يقول:

ولاتزرع بذوركَ / دون سقي / فمن لم يسقِ / زرع الود خابا

وفي قصيدة (عشق الروح) يكاد يجرفه سيل العشق على الرغم من أن جذوره ضاربة في أعماق السنين :

عشق تغلغل / واحتواه فؤادي / من بعد ما / خط المشيب سوادي

لكن يعود ثانية الى حاضنة الألم الى ماتضمره ذاكرته من خشية ووجل :

ولقد تعبت / لما رأيت من الهوى / فسددت داري / وارتضيت بعادي / ولقد ضنيت / من الهوى ومن النوى / والقلب جمر / حائل لرماد

وعلى الرغم من ان الجمال كان النافخ في رماد السنين:

ماكان لي / هذا الجمال لأحرفي / لو لم يكن / خضر العيون مدادي

لكننا نرى الدموع تتحول الى دماء شوق ولهفة من عصيان الزمان وعناده في قصيدة (سالت دمائي):

سالت دمائي / من عيوني أدمعا / والقلب أصبح / في شجوني مولعا

ويخاطبها في قصيدة (حواء) معاتباً ..الا انه يعود في خاتمتها في غنائية جميلة قائلاً:

ياظبية أهلكت / في الحب من نفر / ان تطلبي الروح / في كفيك ألقيها

إنها صوفية العاشق الذي تبتهل روحه الى الذوبان في روح المعشوق او أن تضمحل ذاته في ذات الآخر ..حياته تتحقق في متعة الفناء فيه .

ونجد الهجر أو الفقد في قصيدة (شطآن بحرك) تشغله وهو سارب في دروب الهوى ملتذاً بتحليقه إلا إن القلق يشغله :

وكيف يزوغ / حبك من فؤادي / ونبض الوجد / يغمر خافقينا

وإن مخيلته المكتظة بالحنين تصنع له قفصاً قضبانه ساخنة بالشوق وهو لايتمكن من نسيان اللوعة والاسى والعتاب المر:

ولقد أتيت / أزور عرشك مرغماً / يامن بأشواق / الغرام سجنتني / ولقد وهبتك / أحرفا من جعبتي / فسلبت ورد / العمر ثم تركتني

وفي قصيدة (حلمي الأخضر) يناجيها أن ترد له قلبه وهو يتأسى لوعة على غدر الزمان ويرجو الله ان يشرق الصبح وهو يحمل الجديد:

قد يكون الصبح آت بجديد / قدر الأصباح فيها تتمهل

وفي قصيدة (الموت وفراق الاحية) كتبها الشاعر متأثراً بحالة صديقه التي توفيت زوجته بعد زواجه منها بثلاثة أشهر سبقتها خمس سنوات عشق ووجد :

انت ياحلمي وياعمري / الذي ضيعته بين / بكاء وأنين / لم يكن عندي / بالحسبان يوماً ترحلين

وتتسامى عاطفته في قصيدة (قصة حب) وهو يصور نسائم الحب كيف تقلب أوراق الرؤى :

قد أثقل الشوق / مسار الحب / حتى أثقلت أعناقنا / وأتى خريف العمر / يعبث في رؤى أوراقنا / ياأنت يابدر السما / وياجمال الطيف في ازماننا

ويختم قصيدة (نجم السماء) بنبرة حزينة واستسلام لقدر الرحلة رغم إنه متشبث بالحلم :

وأعلم أني / قتيل هواك / ونورس حبي / يوماًيغادر / دعيني لأحلم َدوماً / وقولي بحقيَ / كهل مغامر

وقصيدة(اين الرحيل..؟) إستنكارا واستغرابا فقد كان في غير أوانه:

ياغادتي الحسناء / من قلبي المتيم والعليل / ولقد روينا وردنا / بدموعنا / ..وتعانقت / أرواحنا فوق النجوم

ونجده معترفاً بتضرج حياته بالعذاب وهو يتوسل قطوفها الدانية:

أنا احيا / في عذابات غيابك / ساهراً ليلي / على محراب بابك / طالباً وردَ / شفاه مع رضابك

وتوالد خفقات القلب ألماً في دفق القصائد المفعمة بالمناجاة والشكوى والتذمر والألم ..ففي قصيدة (أحبك) يدعو الى كفكفة الدموع لانه يرتجي من الله الرحمة :

فكفكفي الدموع ثم لملمي الاحزان / علّ حبنا ترحمه السماء / يوماً من الأيام

وتتجلى سخونة العتاب في خطاب القصيدة الشجي (يامن جرى):

توجت رأسكِ / ألف تاج بالهوى / لكنها ضاعت عليك / أسفي عليك.. أسفي عليك..

ويشتد العتاب والأستغراب ويتدفق نزيف الألم في قصيدة(ماذا دهاك..؟):

كم قلت لي / في القلب مأواك الجميل / لاياتي اليوم الذي / انساك فيه مستحيل مستحيل / ماذا جرى محبوبتي / لِمَ تدّعين بانك ستسافرين

 

20-4-2015

في الرواية العربية المعاصرة

alkabir aldasisiعلى الرغم من حداثة الرواية في الثقافة العربية، فإنها استطاعت أن تكسب ود القارئ العربي تدريجيا منذ أن فجرت عينها رواية (زينب) سنة 1914 لحسين هيكل (1888 ـ 1956) وهو تاريخ حديث بالكاد يتجاوز القرن من الزمن، حتى ولو ذهبنا إلى ما ذهبت إليه يمنى العيد واعتبرنا معها رواية (قلب الرجل) التي صدرت سنة 1904 لكاتبة لبيبة هاشم وقبلها رواية لزينب فواز (1846 ـ 1914) حسن العواقب الصادرة سنة 1899 م كأقدم نص روائي عربي1 فإن شلال هذا الفن سرعان ما تدفق بنتاج يمكن تبويبه عبر مراحل تنوعت من الاقتباس والتعريب مع جيل مصطفى لطفي المنفلوطي في رواياته المعربة: الفضيلة، الشاعر، في سبيل التاج .. فمرحلة الترجمة مع رفاق طه حسين الذين درس أغلبهم في أوربا، قبل أن تبدأ الرواية العربية في التأسيس لنفسها مع جيل يحي حقي وتصل إلى مرحلة التبلور والتأصيل مع رفاق نجيب محفوظ، وتنتهي إلى مرحلة التحديث مع عبد الرحمان منيف وحيدرحيدر وحنا مينه ... لكن مع ما عرفه العالم العربي خلال نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة من غزو العراق ونشوب حرب الخليج الثانية جعل الرواية العربية تدخل مرحلة مختلفة سنصطلح عليها بالرواية العربية المعاصرة.. نحن الذين اعتدنا اعتماد الأزمات مؤشرات في التحقيب والتأريخ لأدبنا العربي سواء القديم منه (نهاية العصر الإسلامي بمقتل علي، نهاية العصر الأموي بدحر الأمويين في موقعة الزاب وفخ، انتهاء العصر العباسي بسقوط بغداد..) أو الحديث: الاستعمار/ النكبة/ النكسة/ حرب الخليج الأولى والثانية ...

ونحب منذ البداية توجيه قرائنا أننا اخترنا وصف ا (المعاصِرة = contemporaine) بدلا من أي وصف آخر للرواية موضوع بحثنا كالرواية الجديدة (nouveau)، الحديثة أو الحداثية (moderne) حتى نبتعد عن إصدار الأحكام من جهة، ولقناعتنا بكون مصطلحا كالحديثة أو الجديدة.. مصطلحا مشحونة بالمواقف وأحكام القيمة الهادفة لقطع الصلة بكل ما هو موروث، والحكم عليه بالسلبية مقابل الانتصار اللاـ مشروط لكل ما هو جديد، مما يضعنا أما ثنائية ضدية أحد أطرافه مقبول منشود، والآخر مرفوض منبوذ، فيما يظل مفهوم المعاصرة مفهوما محايدا مرتبطا بالزمن ليس غير، قادر على أن يدخل في جبته كل من كتب في هذا العقد والنصف معاصراـ فيما سيحتم علينا مفهوم الحداثة إقصاء روائيين عالجوا قضايا تقليدية، أو تبنوا الأسلوب التقليدي الكلاسيكي في الكتابة الروائية، ونحن المقتنعون أن الرواية المعاصرة لم تشكل قطيعة مع ما سبقها، ولا اتخذت مواقف سالبة من التراث العربي أو الإنساني بدليل وجود روائيين انبنت أعمالهم على فكرة الانطلاق من شيء موروث، أو مخطوط قديم، أو تصور الأحداث وقعت في مرحلة تاريخية قديمة ... كما أن التركيز على المعاصر والذي نقصد به ما ألف في الألفية الثالثة سيسمح بالتركيز على فئة الشباب الذين لا ينالون حظهم من النقد، دون أن يكون في ذلك أي إنكار لعمل الرواد، إذ قد تكون رواية ألقت في الخمسينات أكثر حداثة من رواية صدرت اليوم، هذا ولقناعتنا أيضا بأن الرواية العربية كائن حي ولد في ظروف معينة، ونشأ وترعرع وتطور حسب حاجيات المجتمع الذي أصبح أكثر تعقيدا، فأنجب رواية معاصرة تساير هذا التعقيد لها بعض الخصائص التي تفردها كحظور الفردانية والدغمائية: فهيمن ضمير المتكلم بدلا من ضمير الغائب، وسعت إلى اعتماد لغة إيحائية تصويرية بعيدة عن التقريرية والمباشرة المألوفة في رواية الخمسينات والستينات التي التقطت أبطالها من حواف المجتمع، وعوضت البطل الوطني الذي هيمن خلال مرحلة الاستعمار ببطل اجتماعي تمثل في الموظف والمقهور الذي كان يكابد الزمن من أجل تأمين لقمة العيش، قبل أن تتورط روايات سبعينيات القرن العشرين في الإيديولوجيا بأن جعلت من الروائي رجلا حزبيا متعصبا لمواقفه السياسية يصب جام غضبه على من يعتبره عدوه الطبقي أو السياسي، أو غريمه الإيديولوجي فاستضافت الرواية بطلا رئيسيا جديدا تمثل في المناضل السياسي التقدمي المستعد لقضاء زهرة عمره في السجون من أجل مواقفه وأفكاره...

لكن الروائي المعاصر وإن سلط منظار سرده على شخصيات بسيطة وعادية من مختلف الشرائح فإنه تحول إلى ما يشبه الأنتروبولوجي والباحث في التراث الإنساني ينهل من الأساطير والرموز ووينفتح على مختلف الأشكال التعبيرية محطما الحدود بين الأجناس الأدبية، فتميزت الرواية المعاصرة بعمق الرؤية وإثارة الأسئلة الكبرى، أكثر من البحث عن الأجوبة، فوجد القارئ نفسه أمام روايات شعرية (خاصة بعد ولوج عدد من الشعراء ميدان الرواية)2، وروايات دسمة حبلى بالأفكار والإحالات التاريخية الفكرية، الفلسفية، الفنية .. كتابها منفتحون على السينما، التشكيل، الفلسفة، الأديان، الأسطورة، الحكاية الشعبية والأنتروبولوجيا، ... فقدموا للقارئ روايات أقرب ما تكون إلى كتب فكرية اعتمد فيها كاتبوها على مراجع ومرجعيات متعددة، وكلفتهم عناء بحث طويل، وليس أمام روايات تخييلية يختلي فيها الكاتب مع نفسه ليخرج للقارئ برواية إبداعية مصدرها الوحيد الإلهام والذاكرة ، وفي مقابل ذلك لا بد من التذكير بوقوفنا على عدة روايات معاصرة وجدنا أنفسنا متورطين في قراءتها واستعصى علينا أنهاها لغياب أي مؤشر يجعل منها عملا روائيا يرقى إلى أدنى مستوى فني يسمح بجعلها مادة للنقد والدراسة...

ومع ذلك هناك عدد من الروايات التي لقيت نجاحا، ونالت حظوة القارئ العادي والناقد المتمرس، واستطاعت ـ وإن لم تناقش قضايا كبرى ـ أن تحول الصراع من الواقع العام إلى صراع داخل الذات، جاعلة من الذات فضاء لمرايا متقابلة يتناسل فيها الدمار والعنف فشكل تيمات دمار القيم، دمار الذات، دمار الحياة تيمات أساسية في معظم الروايات فقدمت أبطالا غير أسوياء، وكأن الرواية المعاصرة تركت العام العادي ومحورت متونها حول بعض الحالات الخاصة في المجتمع، وحتى إن عالجت قضية عامة (كقضية البدون في الخليج مثلا) جعلت منها قضية مرتبة بالشخصية الروائية وليست قضية رأي عام هكذا وجدنا منها ما يركز على الأقليات الدينية كاليهودية كما في رواية (في قلبي أنثى عبرية لخولة حمدي) من تونس أو المسحية مثلما في رواية (طشاري) للعراقية أنعام كشاجي وعدد من الرويات المصرية التي عالجت مشاكل الأقباط.. ومنها من جعل من الشذوذ الجنسي همها الوسواسي إذ وجدنا عددا كبيرا من الروايات المعاصرة تلامس بدرجات مختلفة موضوع الشذوذ في المجتمع العربي في مشارق العالم العربي ومغاربه من الكتاب الكبار كما فعل علاء الأسواني في (عمارة يعقوبيان) أو من الشباب كرواية (العفاريت) لأبراهيم الحجري من المغرب حيث البطل يفضل ممارسة الجنس مع دابته الشهباء على ممارسه مع أي امرأة، دون أن تتخلف النساء عن خوض معالجة موضوع الشذوذ في مختلف الأقطار العربية مغربا كما هو الحال في رواية (طريق الغرام) لربيعة ريحان من المغرب إذ البطل الزوج يعاني الشذوذ ويحب أن يمارس عليه الجنس مما أثر في علاقته بزوجته عند اكتشافها لشذوذه، أو في الجزائر كما في (اكتشاف الشهوة) لفضيلة الفاروق حيث يمارس الشذوذ على البطلة من طرف زوجها السكير منذ ليلة الزفاف إلى أن طلقت منه حتى أيام رمضان دون أدنى احترام لمشاعرها وطقوسها الإسلامية، وكذلك وجدنا في اليمن رواية (زوج حذاء لعائشة) للرواية نبيلة الزبير إذ الزوج (رجل الدين) يغتصب ويمارس الشذوذ على زوجاته الأربع حتى وهن خاشعات في صلاتهن3

والأكيد أن من يواكب جديد الرواية العربية يلاحظ مدى التركيز على الأبطال الذين يعانون القلق، الخوف، الازدواجية في الشخصية ومختلف الأمراض النفسية ليتراجع حضور الرواية السياسية ورواية القضايا الوطنية، بل إغراق الروية العربية المعاصرة في التركيز على الذات بتقديم نماذج تمثل المفرد المنغلق الباحث عن الهدوء وراحته (وراء الفردوس لمنصورة عزد الدين نموذجا) فهمشت الرواية المعاصرة لقضايا القومية وحتى القضية الفلسطينية التي ظلت تشكل محورا هاما في الرواية العربية بعد النكبة والنكسة كما كان في أعمال غسان كنفاني وإميل حبيبي وغيرهما، بل أكثر من ذلك هـُمِّشت القضايا الوطنية القطرية و القومية والإنسانية الكبرى لحساب القضايا الذاتية فكان لكل شخصية روائية قضيتها الذاتية تبحث لها عن مخرج في واقع متشرذم فاسد يعمه الدمار والعنف حتى لكأنَّ روايتنا أضحت حسب تعبير جورج لوكاتش (تاريخ بحث منحط عن قيم أصيلة في عالم منحط)، لذلك تميزت أفعال معظم أبطال الرواية العربية المعاصرة بطابع (التشيطن)4 فتنوع الأبطال بين المحتال، المتملق، المجنون، المجرم الوصولي والأناني المتطرف في كل شيء (في شرب الخمر، في الجنس، في تعاطي الدعارة...) وغيرها من الشخصيات التي لا تعير اهتماما للقيم في مجتمعات عربية تتجه نحو الفردانية والامتثال لقوانين اللبيرالية المتوحشة بشكل يستحيل معه أن نفصل بين ما ينسجه خيال روائيينا وما يدور تحت أقدامنا على الأرض العربية . ودون القول بالانعكاس الآلي الميكانيكي بين العالمين، ولكن على الأقل عكس إحساس المبدعين بالعجز أمام التحديات الكبرى التي فرضت نفسها على واقعنا المعاصر، حتى وإن لم تكن بشكل واقعي صرف فعلى الأقل في إطار ما سماه لوكاتش (الواقعية الكاذبة للرواية)5

وإن رأى البعض في كل ذلك عينا سوداوية ينظر بها كتاب الرواية إلى الواقع العربي، فنحن نرى أن ذلك تعبيرا عن تعدد المرجعيات، ونوع زوايا النظر للواقع مما جعل من الرواية أطارا لكل المتناقضات قادرا على تمثيل مختلف الحساسيات والمرجعيات الثقافية وإعادة تشكيلها في قالب فني ولعل ذلك ما عجزت عنه عدة فنون أخرى...

وبالقدر الذي يغرق في العالم العربي في التشرذم والاقتتال تعرف الرواية العربية انتعاشا غير مسبوق في الكم والنوع، انتعاشا تساهم فيه كل الأقطار العربية بظهور مراكز ثقافية جديدة كانت مساهمتها إلى عهد قريب في الإبداع الروائي ضعيفة، فقدمت أقلاما شابة من المشرق والمغرب، ولم تبق ريادة الإبداع الروائي حكرا على المراكز الثقافية التقليدية (مصر والشام) وإنما انخرطت فيها وبقوة كل الأقطار والأمصار العربية (الخليج، المغرب العربي، العراق واليمن ..) كما لم تبق الكتابة الروائية حكرا على الرجال و اقتحمت غمارها أقلام نسائية تفوقت في أحيان على الذكور .. وقد حتم هذا الزخم على الأدب العربي النزول من على صهوة جواد الشعر وركوبه ظهر الرواية التي غدت قاطرة الكتابة الإبداعية لدى العرب بامتياز، بعدما تمكن الروائيون الجدد من تطوير فن الممارسة الإبداعية شكلا تعبيريا وجعلوها أكثر أشكال التعبير قدرة على تصوير تشظي الذات والمجتمع العربيين في هذه الفترة، والنوعَ الأدبي النموذجي الأنسب للمرحلة، المــُولِّد والحاضن لأشكال أخرى، فرضت نفسها بقوة، خاصة (المسلسلات التلفزيونية، السينما، المسرح..) التي تتخذ من النص الروائي منطلقها ... فكانت الرواية بذلك أقدر الأجناس الأدبية على التقاط تفاصيل وذبذبات العصر في وقت كادت بعض الأجناس أخرى تقف عاجزة عن مسايرة سرعة وإيقاع التفاعلات المتلاحقة.. إذ تربع الرسم على عرشه العاجي بعيدا عن الواقع بانيا جدارا سميكا بينه وبين فئات واسعة من العرب التي تعتبره فنا نخبويا لا يلامس واقعها فلم يتمكن من كسب ود الجماهير، كما بقيت الأغنية تفرّق كـؤوس الهوى،الحب والغرام على جمهور أشد ما يفتقر إليه هو الحب .. وفضل الشعر أخذ قيلولة - نتمناها مرحلية- أبعدته عن اهتمامات الإنسان العربي المعاصر، جعلت من الشعر ـ رغم كثرة الدواوين الصادرة ـ صيحة في واد غير ذي زرع، الشعراء فيه يرددون (لا حياة فيه لمن ينادي...)

مقابل كل ذلك حملت الرواية على عاتقها اقتحام عبابَ يمٍ متلاطمة أمواجه عصي على الفهم: واقع يقوم على صراع نوعي وكمي مختلف عن كل تجليات الصراع المعهودة التي نظر لها الفلاسفة والمفكرين كصراع الأجيال والصراع الطبقي وصراع الأديان والحضارات .. إذ وجد العربي نفسه في لج مرايا متقابلة وصراع وقف أمامه مشدوها لا يعرف فيه الصديق من العدو، ولا يعرف من يصارع من؟ وكل ما يراه أشلاء الموتى في كل زاوية دون أن يدرك من يقتل من؟ ولأية أهداف يتقاتل العرب؟ ولماذا غدت بلاد العرب والمسلمين على كف عفريت وبؤرة صراع في وقت تنعم باقي بلدان المعمور بالسلم والطمأنينة؟ لكن مقابلها تصوير الواقع فهل تؤثر الرواية العربية في واقعها ؟؟ هذا سؤال من الصعب الإجابة عنه أما ضعف نسب قراءة الرواية والقراءة بمعناها العام في أوطاننا العربية!!

هكذا وجد الروائي العربي المعاصر نفسه يجمع بين الفنان،المصلح ومؤرخ الحياة الخاصة والعامة الميال إلى التقاط أقصى قدر من تفاعلات المجتمع العربي مقتنعا أن لا مناص لأداء مهمته من تصوير تفاصيل تناقضات شخصياته، وإماطة اللثام عن الجروح الغائرة في الجسد العربي، فحق لنا القول إن الرواية غدت النوع الأدبي الأكثر نموذجية لواقعنا العربي وأنها (شريحة من الحياة)، وهذا ما يفسر ذلك النجاح الذي حققته بعض الأعمال التي طبعت عشرات المرات في وقت وجيز (عزازيل ليوسف زيدان طبعت أزيد من 20 طبعة، ساق البامبو لسعد السعنوسي طبعت أزيد من 12 طبعة في سنة واحدة) وقس على ذلك عددا من الأعمال الناجحة ...

يتضح لك عزيزي القارئ أن الرواية العربية المعاصرة إذن أصبحت نوعا من الكتابة تميز بخصائص يتحتم علينا الاقتراب منها لقناعتنا حسب تعبير بيرسي لبوك أن (هناك العديد من المواد المختلفة الواضحة للعين المجربة وضوح الحجر والخشب تدخل في بناء الرواية ومن الضروري معرفة الغاية منها)5 مرتبط زمنيا ببداية الألفية الثالثة، وما أنتجه الساردون العرب في حوالي العقد ونصف من مطلع القرن الواحد والعشرين، وفنيا بخصائص في الكتابة السردية لم يكن للعرب عهد بها، وطريقة أملتها ظروف المرحلة التي ساهمت في خلق تراكم كمي غير مسبوق ... وهو نتاج زاخر يكاد يفوق ما أنتج في عقود من التأليف الروائي ..

لكن هذا النتاج الروائي الضخم للرواية المعاصرة لم يصاحبه ما يستحق من النقد حتى يقوم بعض اعوجاجه ويساعده على تشكيل كيانه الخاص، ذلك أن الرواية العربية بعد نتاج الستينيات والسبعينيات مع مؤلفين كبار أمثال نجيب محفوظ، عبد الرحمان منيف، يوسف السباعي .. دخلت في العقد الأخير من القرن العشرين مرحلة انتقالية، شاخت فيها الأقلام المؤسسة، ولم تستطع الأقلام الشابة فرض قلمها بعد، فعاشت الرواية ما يشبه مرحلة اجتفاف ومرت من سنوات شبه عجاف، كاد ينضب فيها معين السرد العربي .. لكن ما أن هلت الألفية الجديدة، وما صاحبها من أزمات توالت على العالم العربي بعد حرب الخليج الثانية واجتياح الكويت، وسقوط بغداد وتفجير الربيع العربي وغير ذلك من الأحداث التي زلزلت الأرض تحت أقدام المبدعين، فأوقدت الإبداع الروائي من سباته مكرسا مقولة ازدهار الإبداع الأدبي في مراحل الصراع والأزمات السياسية؛ ولنا في العصر الجاهلي - حيث صراع القبائل- والعصرين الأموي والعباسي – حيث الفتوحات والصراع مع الفرس والروم- وعصر الطوائف في الأندلس .. حتى تدفق نبع الرواية المعاصرة . لنؤكد أن الرواية عرفت بعد حرب الخليج الثانية وما عقبها من صراعات إنتاجا كميا ونوعيا بتأليف عشرات الروايات في مشارق الوطن العربي ومغاربه، نعلن منذ البداية صعوبة مواكبتها كلها مكتفين بالوقوف على بعض ما سمحت لنا الظروف بقراءته ومعالجته في هذا الجزء.. ومقابل هذا السخاء في الإبداع يلاحظ تراجع النقاد للظل، فقل التنظير الروائي مقارنة مع مرحلة السبعينيات، ووهنت همم النقاد في متابعة الجديد، بعدما حطمت الرواية الحدود التقليدية، وتخلصت من جلباب الأكاديمي الذي ظل يأسرها، فخرجت الرواية المعاصرة من أسوار الجامعات والمعاهد، وبحثت لنفسها عن تربة جديدة فاستطاعت تقديم أقلام شابة جريئة لها رؤيتها للعالم من حولها، واستطاع التيار أن يجرف معه من لا زال قادرا على العطاء من مبدعي جيل السبعينات ...

إن الرواية المعاصرة لم تجعل نفسها سجينة نمط واحد، وإنما حاول بعض الروائيين المعاصرين الانفتاح والاستفادة من الأشكال التراثية خاصة أدب الرحلة كما وجدنا في روايتي النبطي ليوسف زيدان، ورواية تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية لعبد الرحيم الحبيبي .. ومنهم من هام في العجائبية ينسج أحداثا في عالم افتراضي خيالي يستحيل لعقل تصوره كما في روايتي ضريح أبي لطارق إمام، وفرانكشتاين في بغداد لأحمد سعداوي، ومنهم من غاص في التاريخ القديم أو الوسيط كما فعل يوسف زيدان في روايتيه عزازيل والنبطي، وربيع جابر في رواية دروز بلغراد، وعدد منهم التفت للتاريخ القريب: سواء زمن ما قبل الاستعمار (تغريبة العبدي) أو زمن الاستعمار وما بعده والصراع حول السلطة والشرعية بين نخبة من السياسيين المثقفين وخلفاء الاستعمار وجعل تيمات الوطنية، الاعتقال والسجون (مثلما وجدنا في الساحة الشرفية لعبد القادر الشاوي ورواية طائر أزرق نادر يحلق معي ليوسف فاضل من المغرب..) مادة للكتابة الروائية المعاصرة، دون أن يمنع ذلك كتاب الرواية الشباب من مقاربة القضايا الاجتماعية المستحدثة كالإرهاب منا في رواية (القوس والفراشة لمحمد الأشعري)، والعنف / التسامح كما في روايتي :في قلبي أنثى عبرية لخولة حمدي من تونس، ورواية..والاستعمار الجديد والتطرف الديني حرمة لعلي المقري و رواية زوج حذاء لعائشة الزبير ، الطائفية في الوطن العربي رواية أوهام لنازك سبا يارد...،، توسع المدن/ استغلال النفوذ والصراع حول السلطة... ناهيك عن القضايا التقليدية كالجنس وضعية المرأة في الوطن العربي التي شغلت حيزا هاما في الرواية المعاصرة لدرجة لا تكاد تخلو رواية من إشارات جنسية تصريحا لأو تلميحا بل منها ما جعل من الجنس ـ كاتبا كان أو كاتبة ـ بؤرة روايته/ها الأساسية...

أما من حيث الشكل فقد اتجهت عدة روايات إلى تكسير قواعد الكتابة الروائية الكلاسيكية؛ بالتخلي عن السرد الخطي التصاعدي المتسلسل، واللجوء إلى تكسير المسرود واعتماد نظام الفوضى في تقديم أحداث عمله لدرجة قد يشعر قارئ بعض الأعمال غياب ذلك الخيط الرابط بين التفاصيلها. نتيجة الإسراف في التكرار والتركيز على تفاصيل،قد تبدو لمن اعتاد قراءة الأعمال الكلاسيكية ، غير ذات جدوى، عندما يغرق الأبطال في سرد معاناتهم الشخصية في ظل الواقع العربي المأزوم الذي يستحيل على مخيال الروائي تقديم حلول له لذلك حاول بعض الروائيين الهروب من (الآن) إلى الماضي فحكت عدة روايات أحداثها في الماضي والهروب من ال (هنا) بأن هربت بالأبطال إلى خارج الحدود العربية فهربت فوزية شويش السالم في (سلالم النهار) بطلتها إلى مكان معزول على قمة جبال ولاية مسندم الواقعة على رأس مضيق هرمز، وطاف كل علي المقري، وفضيلة فاروق، وبثينة العيسى، وسعد السعنوسي ومحمد الشعري .. بأبطالهم عي عوالم كثيرة بعيدا عن الواقع العربي

إن الرواية العربية المعاصرة تعرف تدفقا هادرا، وزاد من هذا التدفق إنشاء مسابقات وطنية، جهوية وقومية شجعت المبدعين على الكتابة والتباري.. ساهمت في سطوع أسماء جديدة وإخراج الكتابة الروائية من جُبّ ما هو أكاديمي، لتغدو تعبيرا عن الحساسية العربية الراهنة وفي مؤلفات دسمة وضخمة من حيث الحجم تجاوز بعضها الخمسمائة صفحة، دون أن يقف الحجم أمام شهية القارئ العربي النهم لكل ما هو جيد، فأزاحت الشعر من على برجه العاجي واقتنع معظم الشعراء بدواوين في بضع صفحات، بعدما ضاعفت الرواية المعاصرة من سرعتها مع تزايد قرائها، وكثرة إصداراتها إبداعا فاستحقت لقب (ديوان العرب المعاصر) وهو تدفق لم يواكبه –للأسف- نفس التدفق في النقد الروائي تنظيرا وتحليلا، فظل عدد من الروائيين تائهين كمن يقود سفينة دون بوصلة، وفي غياب المصاحبة النقدية تجن على بعض الأعمال الجادة التي لم تجد من يوصلها للقارئ.. وتجن على بعض المواهب التي كانت في حاجة إلى تنبيهها لعيوبها لتتجنبها في أعمالها اللاحقة..

هذه بعض الملاحظات العام على عوالم لازالت في إطار التبنين والتفاعل : تفاعلها كنصوص مع مواقع غير مستقر، وتفاعل القارئ معها مما جعل منها مادة حبة يصعب دراستها سانكرونيا أو دياكرونيا، فلم يبق أمامنا إلا ملاحظتها في تفاعلها من وجهة نظرنا، وقد تكون لنا غير هذه النظرة لو لاحظناها من زاوية أخرى أو في ظروف أخرى ... يتبع

 

............

1 – الرواية العربية ـ المتخيل وبنيته الفنية دار الفارابي ط1 بيروت 2011 ص 142

2 – أنظر مقالة حول شعرية الرواية في (القوس والفراشة) للروائي والشاعر المغربي محمد الأشعري

3 - سيصدر لنا قريبا جزء ثاني عن الرواية العربية المعاصرة بنون النسوة

4- ص- عن كتاب الشكل القصصي في القصة المغربية ج 1 عبد الرحيم مودن منشورات دار الأطفال ط1 1988 - ص - 25

5 - ص – الرواية كملحمة بورجوازية ت ـ جورج طرابيشي دار الطليعة بيروت ط 1 1979 ص ـ 74

6 بنية النص السردي من منظور النقد – لحمداني حميد - المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع – ط1 1999 – ص 14

 

الصياغة الشعرية والأدبية والقيم المعنوية الناتجة عنها

hashem mosawiبتأثير من إختصاصي في الهندسة المعمارية .. فإني في دراسات سابقة لي، ذكرت مرارا، بأن التيارات المعمارية المعاصرة تأثرت بشكل كبير باللغة، لا سيما وإننا نعتبر العمارة هي لغة بحد ذاتها. وفي اللغة تتجلى العلاقة ما بين الشكل والقيم المعنوية في مستويات عدة تستهلها الكلمة و يحكمها السياق، وفي هذا الصدد يشير "ديفيد نيمان" في سلسلة محاضراته حول مهد الحضارات إلى البدايات الأولى للكتابة وذلك على يد السومريين، موضحا النظام الأساس للكتابة الذي تطور بسرعة كبيرة مابين السومريين وبعدهم مباشرة المصريين، فالمقصد الأساس لهذا النظام كان تمثيل الفكرة كتابة، فالسومريين في البداية عندما وضعوا هذا النظام كان لإسباب نفعية كإجراء العقود التجارية وتعريف الملكية الخاصة، وما شابه، غير أنهم إستعانوا بهذا النظام فيما بعد لكتابة أدبياتهم من شعر وملاحم وقصص وأساطير، والتي كانت موجودة في الحقبة ما قبل إيجاد الكتابة ، لكنها بوجود الكتابة أصبح بالإمكان توثيقها ، وإحدى أقدم تلك القصص التي وصلتنا باللغة السومرية والتي إتخذت شكل القصيدة هي ملحمة كلكامش، التي تنم العثور على نسخ عدة منها، كان أكملها وأتمها نسخة بابلية كانت في الحقيقة ترجمة للقصة السومرية عثر عليها في مكتبة آشور بانيبال، غير أن هناك في الأصل نسختين سومريتيين من قصة كلكامش، أحتوت القصة نفسها لكن بشخصيات مختلفة وأبطال آخرين، فالقصة نفسها لكنها كتبت بأشكال مختلفة. ويُرجح نيمان أن الذي أوحى للسومريين بفكرة الكتابة هي ميزة تمتاز بها اللغة السومرية ذاتها، قادت بصورة مباشرة الى تلك العلاقة بين الصورة، وبين الصوت بدون الصورة، هذه العلاقة للصوت والصورة التي أدت الى فكرة الكتابة نتجت، لأن للغة السومرية بنية تدعى اللصقية أي تنتج وحدات من وحدات متلاصقة، ويذكر نيمان أن هناك لغات عدة تحتوي على مثل هذه البنية، وفي مثل هذه اللغات يكون للمقطع اللفظي الواحد معنى معيناً لوحدهِ، لكن هذا المقطع من الممكن أن يصبح له عدة معانٍ تبعاً لإسلوب تلفظهُ، كما أن هذا يتيح أيضا إذا ما رُسمت صورة (خروف) مثلاً ، والخروف في اللغة السومرية (لو) إي أن الشخص لو تلفضها دون النظر الى الصورة وقال (لو) بلفظ آخر ستصبح بمعنى (رجل) هذا يعطي الفرصة لأن يضع أحدهم صورة الخروف وإلى جنبها صورة لشئ آخر ليقول إنني لا أعني خروفاً و إنما أقصد الرجل .. وهكذا .. بمعنى آخر إن إلصاق العناصر الواحد جنب الآخر كفيل بتغيير المعنى لذا أطلق على مثل هذه اللغات اللصقية، هذا فضلاً عن أن لكل عنصر، ولكل مقطع لفظي، معنى خاصاً به، هذا يعطي الفرصة لعزل الصورة عن الصوت، لذا أصبح بإمكانهم إدراك أنهم إذا رسموا صورة لتعني شيئاً ما، ثم تم لفظها دون النظر الى الصورة من الممكن أن تعطي معنى آخراً، وهكذا تدريجياً إنبثقت الكتابة.

فالكتابة هي التمثيل الرمزي للكلام البشري، دون أن يتم بالضرورة الرجوع الى مشهد أو صورة. وهكذا يمكن لعنصرين متلاصقين (إعطاء معنى آخرا مغايرا لهما . (Dr. David Neuman website, Neuman,2008)

نجد هنا أن للشكل الواحد معانٍ عدة فهناك المعنى الذاتي للكلمة بحد ذاتها فضلا عن المعنى الناتج عن السياق الذي قد يكون مغايراً بشكل كبيرعن ذلك المعنى الأساس، وهنا يصبح التركيز على السياق في فهم العلاقة ما بين الشكل والمعنى، كما أن المعنى الشامل الكلي للنص يمكن أن يتجسد من خلال أكثر من صيغة شكلية وهذا يتعلق بشكل كبير بخبرة وإبداع المؤلف الذاتية، فضلاً عن خواص الزمان والمكان واللغة، والإمكانات التي تتيحها للكاتب، فضلا عن أسلوب الترجمة من لغة الى أخرى، وهو ما نجده في الأدب وكمثال على ذلك ما ذكره نيمان حول ملحمة كلكامش. إن ما تطرق إليه نيمان يرجع بنا الى مقولة "دي سوسور" (اللغة والكتابة نظامان واضحان للإشارات، الثاني منهما وجد فقط لغرض تمثيل الأول). إن هذه النزعة التمثيلية، فضلاً عن الإتصال هما دون شك جوهريان في فكرة الإشارة، مما حدا ب دي سوسور إلى أن يقول: " أنا أقترح الإحتفاظ بكلمة (إشارة) للدلالة على الكل، وإستبدال الفكرة والصورة الصوتية على التوالي بالمدلول والدال". لذا فإن الكلمة أصلا عبارة عن وحدة توليفية، أثر لـ"حقيقة غامضة نوعا ما .. التي يمفصلها (صوت الفكر) حتى لو كانت الكلمة بدورها تشكيلية، وحتى لو إحتوت على مفاصل أخرى، فطالما تكون المسألة حول العلاقة ما بين الكلام والكتابة في ضوء الوحدات غير قابلة للتجزئة لـ( صوت الفكر)، سيكون الرد بأن الكتابة ستصبح (لفظية)، وستمثل الخارج، أي ستصبح التمثيل الخارجي للغة و لـ(صوت الفكر)) هذا . De Saussure 1993))

هكذا تتضح لنا نظرة دي سوسور الى اللغة والكتابة كأنظمة إشاراتية، يكون الهدف منها التواصل مع الآخ، فالكلمة (الدال على حد تعبير دي سوسور) الغرض الأوحد منها هو إيصال القيم المعنوية (المدلول). وبهذا يصبح الشكل أداة مرنة للقيم المعنوية، فإذا خلا منها يصبح بلا جدوى. حري بنا هنا إستعراض وجهة نظر "الجاحظ" في علاقة الشكل والقيم المعنوية في اللغة من خلال عبارته الشهيرة في وصف العلاقة ما بين القيم المعنوية والشكل المتمثل بالصياغة الشعرية للكلمات إذ يقول: "المعاني المطروحة في الطريق يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي، وإنما الشعر صياغة وجنس من التصوير" وهو ما يذكرنا بكلمة الشاعر الفرنسي ملارميه : "إن الشعر يا عزيزي ديجا لا يصنع من أفكار وإنما يصنع من كلمات" .. فالجاحظ هنا يرى بأن من اليسير أن تكتب الحكمة من أفواه الفلاسفة والحكماء، لكن أمور الشعر منفصلة عن أمور الفلسفة والحكمة، ويقول أن هناك صياغة معينة أو تصورا خاصا يصح أن نسميه تصورا شاعريا. ويمكن القول بأن إيصال المعنى في أحسن صورة أو بيان يعد ترجمة لكلمة الجاحظ المشهورة، وكأن الجاحظ يعني أن إفهام المعنى لا بد أن يكون إفهاما مؤثرا. وبعبارة أخرى فإن الشاعر يقوم بعمله المؤثر من خلال الأرتباط بجوانب محسوسة و مظاهر البديهة أو ما نسميه الآن (التجسيم). إذا هناك معنى سابق على المجاز وتأتي العبارة الأدبية فتخرج هذا المعنى وتبرزه بقوة و دقة أكبر. ففي مقدرة كل واحد من الناس أن يعد ويوعد ويمدح ويرثي ويهجو وينفر، ولكن الشاعريخرج المعنى (الموجود) إخراجا خاصا، ويضيف إليه تفصيلات لم تكن معلومة واضحة من قبل. وهذا يرجع بنا الى مصطلح (البلاغة) الذي يعني إيصال المعنى الى القلب في أحسن صورة من اللفظ ... "المعنى مكشوف" عبارة الأمدي التي تعد ترديداً لعبارة الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق"، ويأتي ما نسميه حسن التأليف وروعة اللفظ فيزيد المعنى (المكشوف) بهاءا أو رونقا، معنى ذلك كما يراه "مصطفى ناصف" أن هناك زيادات وغرابة طرأت عليه، وإن هذه العبارات كلها تنطوي تحت مفهوم واحد هو الصورة العارية و الصورة المنمقة، فالمعنى مكشوف أو عار والصورة المنمقة هي حسن التأليف أو براعة الألفاظ ، فهناك أصل و تحسين، وقد إعتاد دارسوا اللغة و الأدب على القول بأن اللفظ الحسن كالثوب الحسن، واللفظ القبيح كالثوب القبيح. ويقولون بأن الألفاظ كسوة المعاني، وأن الألفظ تحسن المعاني. فالألفاظ غدت هنا قوالب تنسكب فيها المعاني. غير أن ناصف ينتقد هذا التوجه في فهم العلاقة بين الشكل والمعنى ويركز على العلاقات بين الكلمات والتي ترتبط ضمن سياق معين وما لهذا من مظهر لنشاط خلاق، ويؤكد على أن هناك كلمات غريبة أو سوقية في حد ذاتها غير أنها قد تكون مطلوبة و مفيدة بتفاعلها مع سياق و أنظمة خاصة من الكلمات، فللألفاظ مكانة ذاتية (أي بحد ذاتها) أما الإرتباط بين الكلمات فإرتباط داخلي أو عضوي باطني، فالكلمات نتجت عن السياق واللغة في شكل سياق قوة فاعلة تعطي للأجزاء دلالات وفاعليات خاصة. معنى هذا أن هناك حركة خلق مستمرة في اللغة وتكيفاتها، وهو ما أغفله باحثوا اللغة في القرون الوسطى، لذلك نجد أن أثر اللغة ذو مفهوم بسيط. ويرى "ناصف" أن الشاعر قد يعمد أحيانا الى ما أسماه الأخطاء الجميلة للحصول على ما يرتضيه من صياغة شعرية متميزة، وإن هذا بحد ذاته قد يستثير حفيظة النقاد الذين يعدون قواعد النحو المتبعة ذات حرمة كبيرة، لأنها قد إستعملها الأكثرون. ويشير ناصف الى أن الشاعر يستعمل نفس القوالب (أي الكلمات والصياغات اللغوية)، ويتبع في الظاهر نفس السلوك اللغوي، لكن الشاعرعلى الرغم من ذلك يتمتع بقدر كبير من الحرية، حتى لو لم يعمد الى الأخطاء الجميلة، لكنه دائما يرى في القوالب النحوية رأياً آخر . ويؤكد ناصف أن الفلسفة الحقبقة للغة هي فلسفة الفن ، مع أن الفن ليس لغة خاصة، ولكنه يسمو بالبشر في داخل ذواتهم (ناصف 2007 ص38-69)

   يتضح مما سبق تركيز الجاحظ ومعاصوه ومن تبعهم من باحثي اللغة في القرون الوسطى على أهمية الشكل في نقل القيم المعنوية وتفعيلها وجعلها مؤثرة في النفوس مؤكداً على عملية صياغة الشكل الذي تحتاج إلى مبدع (الشاعر في طرحه) لإكساب المعنى الشائع الغرابة والرونق الذي يجتذب المتلقي الذي كان في الأصل قد ألف ذلك المعنى، ولولا ذلك الشكل الجيد لا يحظى المعنى بأهميته كونه نتاجاً متاحاً ومشاعاً للجميع، وما يوفره له ذلك الشكل الجيد هو جذب إنتباه المتلقي إليه من خلال الصياغات الجديدة وبالتالي حث المتلقي للتمعن في المعنى بحلته الجديدة . أما ناصف ومن وجهة نظر معاصرة يطرح أهمية السياق ودور العلاقات ما بين الكلمات في توليد الدلالات وما لهذا من أثر واضح في إعطاء مرونة وحرية أكبر في الصياغة الشكلية (الصياغة الشعرية و الأدبية في طرحه)، كما ينتقد موقف النقاد الأوائل المتحفظ على بعض الألفاظ التي عدوها أخطاءاً والخطأ هو مجانبة ما عليه الجمهور، والعمل ضمن المألوف لديهم من صياغات و ألفاظ موضحاً ما لذلك من أثر سلبي على الإبداع داعياً لأن يكون الشعر حق خلق قوانينه الخاصة في العبارة، وهي قوانين الإبداع. وفي تحليله للشعر العربي لدى شعراء القرن الثامن عشر والتاسع عشر في مصر، يؤكد إبراهيم السعافين على أن الصياغة الشعرية ينبغي أن تكون في خدمة المعنى، أي أن الشكل الجيد ينبغي أن يكون معبراً عن المعنى الجيد، فالشكل ليس حلية زخرفية منقطعة الصلة بالمعنى. غير أن هؤلاء الشعراء قد فهموا الصلة بين الشكل والمضمون فهماً مختلفاً، فلم يفصلوا بين الشكل والمضمون فحسب، بل ألغوا المضمون في كثير من الأحيان. فالصورة غالبا ما تكون غير محددة الدلالة، لا تربطها بغيرها أي روابط معنوية فكيف بالروابط النفسية، كما أن موسيقى الألفاظ لا تخدم المعنى، ولا تتسق مع النسق العام داخل البيت أو القصيدة. ويتناول السعافين بعضاً من أخطر الأمور على الصياغة الشعرية وهي التكلف والإفتعال، ذلك لأنه يفقد القصيدة الروح التي تسري خلالها و يحرمها من الرابط النفسي الخفي الذي يحفظ للعمل للعمل وحدته سواء أكان وحدته سواء كان وحدة صغيرة أم كان يتمثل في لقصيدة ككل. فلا يكن إهتماما إلا بالشكل و القوالب الجاهزة، مما يؤدي الى الوقوع في الحشو والتفكك في إبراز الحيل اللفظية على حساب الصياغة. وقد يقود التكلف إلى الإبهام والإسراف في التعقيد المذمومين .(الشعافين2007،ص 106-108) وهنا يؤكد السعافين على أهمية المعنى في الحفاظ على وحدة النص وموضوعيته وترابط مفرداته في سياق واضح وهو ما إفتقرت إليه الصياغات الشعرية التي كانت متبعة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر بسبب إهتمامها بالشكل دون المعنى مما أدى الى تفككها وعدم ترابط النص وغموض المعنى و بالتالي تكون الصياغة جوفاء.

 

المصادر:

1- د.ديفيد نيمان (1921-2004): حاخام وعالم آثار أمريكي من أصل روسي، عمل أستاذ في حقل الدراسات الإنجيلية وتاريخ اليهود، في عدد من الجامعات والمدارس الأمريكية والإيطالية، وبعد تعاقده في عام 1999 حتى قبيل وفاته بمدة وجيزة، قام بإلقاء مجموعة من المحاضرات في التاريخ وبالأخص تاريخ اليهود في University of Judaism in Los Angeles. والتي وثقتها إبنته بالتصوير الفيديوي إبتداءاً من عام 2000 المصدر: www.drdavidneiman.com.

2- بونتا، خوان بابلو، العمارة وتفسيرها: دراسة للمنظومات التعبيرية في العمارة، ترجمة سعاد عبد علي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1996.

3- السعافين، إبراهيم، مدرسة الإحياء والتراث: دراسة في أثر الشعر العربي القديم على مدرسة الإحياء في مصر، الطبعة الأولى، دار الأندلس،بيروت، 2007.

4- Bonta, Juan, NOTES FOR A THEORY OF MEANING IN DESIGN, in”Signs, Symbols, and Architeture”, Jhon Wiley &Sons, 1980.

5- De Saussure, Ferdinand, VALUE OF TERMS AND MEANING OF WORDS: Hoe the two coincide and differ, Saussure’s Third Course of lectures on general linguistics, Ch.V, (1910-1911), published by pergamon Press, 1993.

رواية قبل اكتمال القرن: قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر

husan sarmakسيرة موجزة لعائلة الرضواني ومصائر أفرادها:

الرضواني الجد الأكبر: ضابط كبير في الجيش العثماني، اعتُقل ومات في سجنه بسبب تمرد حفيده عبد الرحمن الرضواني الملقب بـ (المُلّا) ضد العثمانيين.

الرضواني الأب: عانى كثيرا من سلوكيات ابنه وتمرداته.. توفي أخيرا بعد زواج ابنه من فتاة بدوية هي (الشمرية).

الرضواني (الإبن): عبد الرحمن الرضواني الملقب بـ (المُلّا). تمرّد ضد الاحتلال التركي وضد الغزو البريطاني على حدّ سواء. شخصية أسطورية. تزوج الشمّرية والخادمة الزنجية التي جاء بأمّها - جدُّهُ - سبيّة. أنجب من الشمّرية ذكورا هم: خليل، طه، مرتضى، الصفوان، وإناثا هنّ: الوضّاءة، وفضائل. ومن الزنجية عدة أولاد عوملوا بمهانة ومنهم: عباس.

عازف الربابة: هو ابن سائس خيل الرضواني الإبن.. فقد بصره تدريجيا. كان يغني القصائد التي تتغنى بقوة ومجد سيّده، فقد البصر تدريجيا. عاش قرناً كاملا تقريبا كان فيه شاهدا على كل الحوادث التي عصفت بعائلة الرضواني.

خليل: مات شانقاً نفسه في بستان العائلة بسبب عجزه الجنسي وحمل زوجته من البستاني.

طه: مات بسبب نزفٍ مرعب من كل فتحة من جسمه. حمّل مرتضى أمه الشمّرية مسؤولية موته لأنها سقته شراباً غريبا كانت تعتقد أنه سيمنعه من السفر للدراسة خارج العراق بسبب حبها الشديد له.

الصفوان: مدرس رياضيات. تزوج من القادرية، معارض سياسي فصل من وظيفته وطورد وسُحل بالحبال وعُلّق بعمود الكهرباء.

مرتضى: مدرّس. تزوج من البلورية التي كانت طالبة صغيرة عنده. رُزِق منها بسبعة أطفال: مراثي، سُبُل، عُميرة، الجهم، الوليد، الوضّاح، وتغلُب. هجر زوجته وتزوج (العوراء) يتخطيط من القادرية. معارض سياسي. سُحل أخوه أمام عينيه وظل يحمّل نفسه مسؤولية موته. وقّع براءةً من الحزب السياسي المعارض الذي ينتمي إليه، ولم يَسَلم. إغتيل أخيرا في بيته بطلقة هشّمت جمجمته.

مراثي: أحبّت عامر ابن فضائل وتخلّى عنها بسبب ملابسات وضعه السياسي المعارض. أحبّت أستاذها الجامعي " المُهلّب "،وتزوجته بعد حب عاصف.

المهلب: زوج مراثي، التحق بالحرب فأُسِر لسبع سنوات عاد بعدها مُضطرباً نفسيا ويتصرف كالأطفال.

سُبُل: أحبّت - وهي طالبة في الإعدادية - طالبا يكبرها في كلية الهندسة حباً عجيبا، ثمّ هجرها لأن عائلتها مشبوهة سياسياً. اعتُقلت مع أبيها وأخيها الجهم. وفي المعتقل تعرفت على الجلاد (نوّاف الضامن) الذي خطّط للإيقاع بها في شباكه. تزوّجها سرا.. وأجهضها بعد حملها منه.

عميرة: الأخت الأصغر أنجبت بدون حب. تحرّش بها عمها "عباس" جنسيا، واكتشفتهما سبل، ولكنه أدار التهمة عليها فضُرِبت، وهربتْ من البيت لتصبح أشهر مومس في العاصمة، لُقّبت بـ (الباشا).

الجهم: أكمل كلّية السياسة. من فصيل معارض لحزب السلطة. اعتُقل. انهوس بمقاومة الأمريكان في حرب عام 1991. أحبّ (هانيا) ابنة فضائل، لكنّ امها أفشلت علاقتهما.

تغلُب: انتحر بعد أن عرف أن اخته (عميرة) أصبحت مومسا بإطلاق النار على نفسه.

الوليد: شارك في الحرب العراقية الإيرانية وبتُرت ساقه في إحدى المعارك.

الوضّاح: الأخ المحبوب، شارك في حرب 1991 ولم ينسحب، وظلت سبل ومراثي تسألان عن مصيره في كراج النهضة.

فضائل: أم عامر. تزوجها عبد الجليل الجراخ (شيوعي سابق) لكنه تعلّق بأختها (الوضّاءة) حتى الموت. وبعد سلسلة من النكبات الهائلة - خصوصا اعتقال ابنها عامر من قبل ابن خاله السجّاد دون أن يتعرّف ملامحه إلا متأخرا، قامت بالانتحار بحرق نفسها.

هانيا: بنت فضائل، أجهضت امّها تجربة حبّها مع الجهم. ارتبطت بضابط أحبها بإخلاص وعندما لم يحصل على الموافقة الرسمية للزواج منها قامت بفض بكارتها بسبابتها أمام أمّها فضائل ثم فقدت عقلها.

الشمّرية الأم: ماتت بعد أن رحل أولادها بمأساوية: خليل وطه والصفوان، وزوجها الرضواني.

الزنجية (الضرة): ماتت مريضة بعد أن عاملتها الشمّرية بقهر وإذلال.

عامر: ابن فضائل. أحب مراثي وهجرها بعد أن ضبطهما العم "عباس" متعانقين، فأشبعها ابوها مرتضى ضربا. وخذلها عامر ولم يتدخل. كان سياسيا معارضا. اعتُقل عندما جاء ليعتذر منها، واختفى إلى الأبد.

نوّاف الضامن: الجلّاد الماكر. تزوج سُبُل سرّاً بعد أن أسقطها أخلاقيّاً بمؤامراته، ثم أجهضها فطردته من البيت. سمّم أجواء العائلة بسلوكه المدمّر.

عباس: إبن الزنجية الأكبر، كان حاقدا على العائلة وخلق لها الكثير من المشكلات (فضح مراثي، التحرش الجنسي بعميرة، مساندة الجلّأد نوّاف في البيت في كل شيء).

السلطانة: قوادة مشهورة. أم (القادرية) زوجة الصفوان. رعت عميرة و (ربّتها) ولقبتها بالباشا.

 

فن الصفحة الأولى: مفاتيح وألغاز:

تدرك "ذكرى محمد نادر " أن الصفحة الأولى من الرواية - بخلاف القصة التي يحلّ فيها الاستهلال - قد تكون حاسمة في شد القاريء وملاحقته لأحداثها من خلال إثارة التساؤلات التي ستبحث عن الإجابات ومحورها المركزي، وهو الخيط المتين الذي ينظم حلقات الرواية وهو:

ما الذي حصل وجعل عائلة الرضواني تؤول إلى هذا المصير الأسود، من جدّ حالم بالفروسية المجيدة، ثري يفتح المدارس للفقراء ويحصل على وسام من الملك، إلى بؤس مروع تتدفأ فيه البنت الصغرى وأطفالها بنار رقعة شجرة العائلة، ويلعبون بالوسام الملكي بدلا من الدمى.. إلى حال أخلاقي مدمر حيث تصبح إبنة الجيل الرضواني الثالث مومسا بل "باشا" العاهرات في بغداد كما سنرى؟؟ من سماوات التغني بالشرف الرضواني إلى حضيض تداوله الرخيص.. رحلة بمائة عام تقريبا نقطعها مع ذكرى محمد نادر. ولا أعتقد ان أحدا من النقّاد والقرّاء العراقيين قد منح هذه الرواية الإهتمام والإحتفاء الذي تستحقه، وهم محقون في ذلك لأن الأخوة ماريا فارغاس يوسّا أو غابرييل غارسيا ماركيز أو مارتن زوسكند وغيرهم سوف يعتبون عليهم.

منشيء عائلة الرضواني - التي تصوّر حيوات أفرادها ومصائرهم الكاتبة لتعرض من خلالهم تحولات المجتمع العراقي وعواصفه التاريخية وانهياراته بل مصيره - هو "عبد الرحمن الرضواني" أو "عبد الرحمن الملّا" الذي كان يتمتع بشخصية قوية متمردة تحمل أبوه "الرضواني ذو الكرش الودود" كما تلقبه بسببها الكثير من الأذى. كان متحدّيا وذا روح تعرضية جسور خلقت الكثير من المشاكل لأبيه وحتى لجدِّه. لقد نازل المصارع التركي (حكيم دادا) رغم الفوارق بين قوتيهما.. وكان يغطس في مياه دجلة، في رهان لإثبات القدرة على الغطس، لأطول مدة حتى يشعر الأب المراقب بالفزع من احتمال انقطاع أنفاسه ثم ينبثق فجأة من تحت الماء.. ولكن انفلاته وتمرده كانت له وجوه إيجابية كبيرة: فهو لم يكتف ببيع إحدى مزارعه لفتح مدرسة للأطفال الفقراء حسب، بل قام باقتسام أرضه الهائلة مع الفلاحين المسحوقين موجّهاً صدمة كبيرة لأبيه. لقد درس في القسطنطينية وعاد وهو يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة والانكليزية بصورة لا بأس بها.. رافضا تعلم كلمة واحدة من التركية. كان يكره الأتراك.. ويمتعض من جدّه الضابط البارز في الجيش التركي.. كان يشتبك مع جُباة الضرائب قساة القلوب ويدفع من كيسه عن الفلاحين التعساء.. ولهذا لم يجد معضلة تواجهه عندما بدأ الغزو البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى. والكاتبة تثير هذه المعضلة / المحنة التي هي من العلامات الفارقة في تاريخ هذه البلاد التي يوضع شعبها دائما بين اختيارين مُدمّرين، بين الرمضاء والنار.. هذا الموقف العصيب تكرر في حرب الاحتلال الأخيرة.. مع بداية الزحف الإنكليزي في عام 1914 طلب الأتراك العون من رؤوس العشائر ووجهائها وقيل لهم: راية المسلمين وخليفتها على الأرض تطلب دماءكم.. لقد انشق العراقيون - آنذاك - فهُم - وفي أي "اختيار" يتخذونه - سيستبدلون هولا بهول.. وفاجعة بأخرى قد تكون أبشع منها.. هذا الموقف المتضاد أبداً هو الذي جعل شخصية الفرد العراقي متضادة –ambivalent، وليست ازدواجية كما يقول الراحل "علي الوردي".. شخصية تتصارع فيها دوافع الإقبال والإدبار.. الحب والمقت.. الخير والشر في الآن نفسه، وهي سمة طاغية في التركيبة الشخصية لأغلب شخوص الرواية كما سنرى. لكن الرضواني قلب صراعه تجاه محنة الاحتلال التركي والغزو البريطاني بأن اتخذ موقف مقاوما ضد الإثنين فصار يغير مع عصبته من الشباب ضد المعسكرين.. على طرق امداداتهما ومستودعات تموينهما:

(في البداية لم يفهم الشباب الأمر: كيف تكون عدوّاً لإثنين ؟ لابد أن تكون في أحد الجهتين: تركيّاً أم كافراً بريطانياً لا سمح الله - ص11).

لكن الحفيد كان يقول للشيوخ:

(ليس هناك فرق كبير بين أقدام التركي المسمومة، وأقدام الإنكليزي المطوّقة برباط أبيض طويل وحذاء ثقيل، واحتقار لنا يرتيديه تحت خوذته الفلينية - ص 13).

وبسبب تمرد الحفيد، تم سجن الجد رغم خدماته الجليلة للأتراك فمات كَمَداً في زنزانته في اسطنبول بسبب انقلاب أسياده عليه.

لا تسير الروائية على مسار سردي "مستقيم" في عرضها للحوادث، فقد صار الخط السردي المستقيم من سمات الرواية القديمة، إنها تسير على طريقة "الرقعة الشطرنجية" السردية إذا جاز التعبير، وهذا التكنيك يتصاعد مع تنامي أحداث الرواية واحتدام صراعاتها وتشابك علاقاتها.. ولا أعتقد أن هناك تقنية مناسبة غير هذه بسبب تعدد شخوص الرواية وكثرة الأحداث التي ترتبط بكل فرد والانتقالات الزمنية الكثيرة والعريضة التي تشهدها. فهي – أي الكاتبة - عندما تتتابع المواجهة البريطانية ممثلة بالقائد (طاونزند)، والتُركية مُمثلة بـ (نور الدين باشا) ثم (خليل باشا)، فإنها لا تمضي مع التقدم الزمني للوقائع بين الطرفين، بل تتنقل أماما وخلفا وجانبا لأن هاتين الجهتين ترتبط بهما أفعال شخوص أخرى هي: عبد الرحمن وأبيه وجدّه..

لقد كانت لروح عبد الرحمن الاقتحامية أثرها في أنّه، وعصبته، قد انغرسوا في وجدان الناس كثوار مخلصين لا يهابون شيئا.. لقد التقى عبد الرحمن بطاونزند في ليلة مدلهمة.. شتم الثاني الأول، فرد عليه الرضواني بشتيمة أقسى سيتذكرها مدى حياته. وسيقف الرضواني على فرسه الصهباء لينظر إلى الجنرال الأسير الذي تعرّف عليه: فتى الليلة المدلهمة، وسيتذكر فورا:

(التماع عينيه الجسورتين تكويانه وتؤججان أحقاده التي سيتذكرها كأنما هي وليدة اللحظة ذاتها) – وهنا ستتضح ميزة أخرى هي ميزة الحاسة النقدية التاريخية والنفسية التي تربط الحوادث بأواصرها التحليلية السردية لا التحليلية الموضوعية فالواقع السردي – وهذا ما تدركه الروائية بالتأكيد وما يجب أن يدركه القارىء بقوة لاستيعاب اسرار فعل الكاتبة – يختلف عن الواقع الموضوعي، والكاتب يمكنه أن يتحدث حاضرا عن مستقبل "قائم" لكنه خارج الدائرة الزمنية السردية. وفي هذا التقدم "المراوح" ترسم الكاتبة "صورة" لا تتوفر عليها إلا الكلمة.. عصية على الفنان التشكيلي.. فالفن التشكيلي فن "مكاني" في حين أن الفن السردي هو فن "زماني". الرسّام يجب أن يوقف الزمن كي ينجز عمله التصويري لكن السارد يستطيع التلاعب بابعاد الزمان وعناصره بخلاقية عالية. هذا ما سيتجلى في الرواية كسمة راسخة. وفي حديثها عن اللحظة " الراهنة" التي شاهد فيها الجنرال الأسير التماعة عيني الرضواني الجسورتين، "تعيد" الكاتبة المستقبل، تعيده بأحداث تترتب على الماضي "الراهن":

(تذكر فورا التماعة عينيه الجسورتين تؤججان أحقاده، التي سيتذكرها كأنما هي وليدة اللحظة ذاتها، بعد سنوات أخرى - وهو يتابع بحماس في صالة منزله تفاصيل حصار آخر للقوات الإنكليزية في عشرينات هذا القرن، حين بدأت تتساقط تباعا شموس ماسات التاج البريطاني، يطوي بخطواته العسكرية العريضة الغرفة المفروشة بسجادة إيرانية منهوبة من دائرة كمارك علي بابا، لتحملها عفاريت علاء الدين إلى بيت الماركيز الطاونزندي السابع... متذكرا رؤوس البغال المسلوقة تفوح زناختها متفوقة على آلام الجوع، وتنازل ضبّاطه بكبرياء حزين عن جيادهم، ليتناولوا لحمها الضامر بحسرة الفراق، فيزداد عقد الحقد الانجليزي حبة أخرى، لوطن أبينا آدم الذي لم يعد ممجّدا لهم كما يجب، إذ غادرو أرضه صاغرين- ص 17).

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

الادب الممتع والنقد القريب

anwar ghaniساحة الفن روح الانسان ومشاعره واحاسيسه، وما كان النقد الا تفسيرا لجمال الادب والفن ضمن تلك الفضاءات، وانما اقحمت الابحاث التخطابية واللغوية فيه اقحاما مرا ومؤسفا، ولانّ تلك المجالات الانسانية يعكسها الوجدان والحس المرهف، فاننا يمكن ان نقول ان اعظم النظريات الادبية يسقطها الوجدان .

لقد رأينا كيف تهاوت كثير من نظريات النقد الوصفي التخاطبي امام ظاهرة الابداع وجماليته، لانها لم تكن ممثلا حقيقا ومبرزا امينا لظاهر الجمال الادبي .

لا ريب ان الرمزية والايحائية وتعدد الدلالات من اهم انجازات الانسانية الكتابية، وهي اركان النص الادبي المعاصر، الا انه كما ان هناك فخّفا في كل شكل كتابي يوقع صاحبه في الكتابة اللاأدبية، كالنظم في الشعر الموزون، والترهّل في   شعر التفعلية والفنون السردية، والتعقيد المجافي في النقد، فان شعر النثر فيه فخ الجفاء والجفاف اللغوي، سواء كان قصيدة نثر ام نصا مفتوحا .

ربما صار راسخا حتى عند القارئ العادي ان التعبير المباشر والحكاية الوصفية لا تقترب كثيرا من غايات الادب شعرا كان ام سردا، لذلك دوما هناك بحث قراءاتي عن الايحاء، ولا يظَنّ ان هناك ملازمة بين الرمزية العالية والجفاف اللغوي، بل بالامكان ان تكون هناك لغة تجريدية قريبة ممتعة .

ان العنصر الأهم في الامتاع الادبي هو الضربة الشعورية واحضار القارئ الى النص، وهذا فن قائم بنفسه، ولا يتاثر بطبيعة اللغة المستخدمة، الا انه قد تكون الرمزية في بعض الاساليب مضرّة، كما انّ المباشرة قد تكون مضرة، بمعنى أخر لاجل ادب ممتع لا بد من الحرص على احضار القارئ الى النص وهزّ مشاعره بادهاش ظاهري او عميق .

لا بد من الادهاش لاجل الامتاع، ومع الايحائية والرمزية لا يتسير ذلك الا بلغة متموجة تعتمد الضربة الحسية، لاجل احضار القارئ الى النص، حينها يتحقق الادب القريب الممتع . اذن الادب القريب ليس الادب المباشر بالضرورة، بل ولا الرمزية القريبة ولا الانزياحات المنطقية في قبال الانزياح العالي، وانما هو ادب يستطيع ان يحضر القارئ الى النص ويجعله يعيش اجواءه ويهز مشاعره وفكره ويبهره بأي شكل من اشكال اللغة حتى لو كانت لغة تجريدية لا توصيل فيها ولا حكاية .

و كما ان هناك ادبا قريبا وممتعا فان هناك نقدا قريبا وممتعا، ولا يقتضي ذلك الاخلال من العلمية والتقريرية، وانما يعتمد الاقتراب من الشيوع الفهمي والتطلع الفكري للقارئ العام، بلغة تحافظ على المضمون الا انها تصاغ بتراكيب قريبة للقارئ، لا يعسر تناولها،و لا تكون جافة، مع التاكيد دوما على الحفاظ على مستوى الفكرة وطبيعتها .لان لكل فكرة علمية تقريرية مستوى فكريا لا يصح التخلي عنه لاجل التبسيط، وانما النقد القريب يصوغ تلك الفكرة في مستواها بلغة قريبة، بمعنى اخر ان الفكرة وبذات المستوى بدل ان تطرح بلغة معقدة بعيدة فانها تطرح بلغة قريبة، وهذا التباين الكتابي نجدده ايضا في الكتابات الفلسفية والاجتماعية والتي يعاني بعضها من البعد والجفاف، بينما يتصف الاخر بالحلاوة والامتاع، مع ان الكل يحافظ على ذات المستوى من الطرح المعرفي .

رواية (غرباء ابداً) للكاتب سردار محمد سعيد .. رواية الغربة والاغتراب

goma abdulahالسير الذاتية، هي احدى انواع العمل الروائي، وتشكل معينا وينبوعا فياضا، اذا استخدمت بتقنيات تعبرية وفنية راقية، وبمهارة وامكانية عالية في الفن الروائي الحديث، وكثير من الروايات من هذا الجنس، احتلت مكانة رائعة في الوسط الثقافي والادبي، وعززت مكانة كاتبها بشكل مرموق. لان كل عمل ادبي ينجح في تحويل السيرة الذاتية الى عمل روائي بالمواصفات المطلوبة، يثير الاهتمام والمتابعة، ويحظى بقبول واسع، لانه استخدم ناصية التوحد والترابط بين حياة الكاتب وموضوع وشخوص الاحداث التي سكبت بخطى متناسقة، من مقتنيات الفن الروائي، وهذا لا يلغي ابداع الخيال ومقتضياته، وانما يربطه بوشيجة متناسقة بين الذات والواقع العام، في تشخيص الاحداث والشخوص، في عمل تنسيقي يمتلك تقنيات الرواية وخصائصها ومقوماتها، المتمثلة بالحوار والسرد والميلودرما، وحالة الاستذكار (فلاش باك) وتعدد وتنوع الادوات التعبيرية الاخرى، التي تكسبها ناصية التشويق والاثارة.

ورواية (غرباء ابداً) للكاتب سردار محمد سعيد، جسدت هذه الفرضية والمنطق وانطلقت نحو الرحاب العالية من الفن الروائي، والتي تميزت في ربط الماضي والحاضر في شريط (فلاش باك) بتفنيات فنية رائعة، بحيث تجعل القارئ لايشعر، بان هناك حالات قطع اوبتر الاحداث، او انتقالات غير منسقة وغير مرتبة، او ان هناك عملية حشو اوحشر لامعنى لها وزائدة عن الحاجة، هذه المهارة في الترتيب والتنظيم الاحداث بهذا التناسق المتدرج والمتنوع في أدواته الفنية، التي تجعل القارئ في حالة تأهب من التشويق والاثارة والمتابعة، في الحمية المشدودة في تتبع فصول الرواية، لقد اكتسبت ناصية النضج في الصياغة، البناء والتكوين والهندسة، التي تجعل العمل الروائي يحوز الاعجاب، ويشعر القارئ بانه امام كاتب يمتلك الصنعة بمهارة عالية . لاشك ان رواية (غرباء ابداً) تكللت بصفة البانورما الضوئية، ليس بانها تتقصى احداث وحياة بطلها (كاظم) الشاعر والفنان التشكيلي والفيزيائي القدير . وانما ترسم بدقة رائعة، ثلاثة عهود مرت على العراق (العهد المالكي والحياة الفقيرة وناشفة بالحرمان . والعهود الارهاب البعثي وحروبه المجنونة، ووسائل القمع والبطش والتنكيل، في ارساء دولة الامن والمخابرات، التي تخنق انفاس المواطن . وكذلك عهد التغيير بعد عام 2003، الذي عبر عن بصيغة رائعة، (بان الجنرال مود دخل بغداد على حصان حقيقي، بالدعوى نفسها مود هو بريمر، وبريمر هو مود .. جاء الامريكان بكلمات غير مسموعة عام 2003 تكنوقراط وسكيورتي، ولم يذق الناس لا تكنوقراط، وسكيورتي ذابت). وتدور احداث الرواية في البلدان (العراق . فرنسا، الجزائر، وتنتهي في المغرب) في شريط سينمائي متكاملفي ايصال الهدف والغاية،وفي استخدام المضامين التعبرية بالشكل الناجح والقدير، في مسلسل متابعة الاحداث التي عصفت بشخصية (كاظم) الذي شب على الظلم والحرمان والفقر الضاني، فأبيه عامل طين، هو موردهم الوحيد في الحياة الشقية والعاصية، فهو مصاب بمرض السل الرئوي، وحين شب عود (كاظم) بدأ يتلمس طريق الوعي الذي يقوده الى مصاهرة الكتب الماركيسية والشيوعية والادبية، والبراعة في تجويد القرآن، وهو في المدرسة الثانوية، انخرط في ساحات النضال السياسي، من اجل مستقبل الفقراء في وطن حر، وبذلك اصبح صيد مطارد ومقهور ومقموع ومضطهد، في تتبع خطواته، من اجهزة الامن والمخابرات، ويرحل الى الجزائر، وهناك يحط على طير الحب والعشق، او بمعنى ادق يجد روحه الثانية متجسدة في شخصية (رشيدة) ويستنشق الهواء الرومانسي، الذي يحتل كل كيانه ومشاعره واحاسيسه العشقية، التي توحدت في قلبين وروحين وانصهرت في روح وقلب متوحد واحد، يترنم بالهواء العشق النقي، لكن يصادف وفاة صديقه (فرحان) الفوضوي اليساري، ويعود بجثمانه الى العراق، واثناء وجوده المرهق في العراق، يساق الى جبهات القتال، في الحرب المجنونة التي اشعلها النظام ضد ايران، ولكون اختصاصه العلمي في علم الفيزياء، وبعد تدمير اسرائيل المفاعل النووية العراقية، واصرار النظام الى اعادتها من جديد بمساعدة فرنسا، يرسل (كاظم) مع الوفد العلمي الى فرنسا، لكي يتدرب على انشاء المفاعل النووية، وتبدأ الحياة المغامرة بالعشق الهوس الطائش، ويعيش مغامرات عشقية فاشلة، لان قلبه ينوح بالشوق الحار، وبكل لوعة وصرخة رومانسية، تهتف باسم (رشيدة) التي لايزاحمها اي قلب نسوي اخر، لذلك كانت هناك تجارب عشقية وغرامية امتهنها في حياة الغربة اثناء تواجده في فرنسا والجزائر وحتى في المغرب، لكنها فشلت في شخوص نساءه (ماريا . حسيبة، نوارة) ورغم الاغراءات والمغريات والاغواء، في محطة كل امرأة تلمست فيه مستقبلها القادم . ولكن حب (رشيدة) المسيطر على القلب والذهن لا يباع ولا يشترى مهما بلغ الثمن الغالي، فانها الجرح بوجودها تلتئم وتتعافى، لذلك يترك فرنسا هارباً من الوفد، ومسجل غياب لاتسامح فيه لدى النظام، ويعود الى الجزائر من اجل (رشيدة) لكنه يصدم بالانهيار النفسي والروحي، بصدمة وفاة (رشيدة) نتيجة عسر الولادة، وانها اضطرت بالزواج بعد ما اصابها اليأس من رجوعه من العراق، وصارت حالة الانتظار لا معنى لها، هكذا يصاب بالصدمة الحياتية القاتلة، التي حولت حياته الى العبث والجنون الحياتي، لان (رشيدة) هي الوحيدة من النساء، رغم ان (كاظم) صياد ماهر محسود بانجذاب المرأة اليه، وليس العكس . لذا تكسرت صورة الحياة وتهشمت ولم يعد لها طعماً لانه خسر روحه وقلبه الثاني، فقد توغلت الى اعماق روحه وسيطرت عليه سيطرة تامة، فقد ترك كل الاغراءات والمغريات من اجل حبه العاصف، فقد رسمت (رشيدة) حياته واستحوذت على جوانح عقله، في عشق جارف وحارق، لاتنطفئ نيران عواطفه ( رشيدة ... امل انكِ مازلت تحبينني ثانياً وتحبين الجزائر اولاً، فأنا مازلت احبكِ ثانياً واحب العراق اولاً) هذا التناغم والتجاوب الروحي الطافح بنهر الحب والعشق، تحطم وتفتت، فقد كانت (رشيدة) العكازة العشقية التي يقف عليها منتصب القامة، فكانت مدرسة اكاديمية وتفوقها، فقد رتبت حياته في نسق منظم ومرتب، وونزعت عنه ايقاع حياته العبثية وعالم النساء، وقف الادمان الخمرة وثمالتها، واعادة الامور الى نصابها، في ضبط ايقاعات حياته (لكي لايسرف، حددت له يومياً، ربع قنينة فقط، قراري يشبه قرار تحديد الحصة التموينية باشرف الامم المتحدة، قبل ان يسرقها وزير التجارة) هذه الثمالة الرومانسية، فقدت بريقها وعطرها وتحولت الى عبثية حياتية مدمرة بموتها، وصار لها نسق عبثي عجيب . لذلك رفض الاقتران رغم المغريات (ماريا . حسيبة . نوارة) لانه فقد القرار الروحي والوجداني، ولا يمكن لاية امرأة ان تحل في مقام (رشيدة) لذلك كل مشاريع الزواج باءت بالفشل ولم يوفق ويتصالح مع حياته (صدقيني انا لا اصلح لزوج قط، وكل الذي يصدر مني ويغري الغواني، هو مجرد نثر، لاتطبيق له) . اما من ناحية شخوص الرواية التي ارتبط بها (كاظم) بعدة اصحاب لكل منهم خاصية معينة . مثل صديقه (فرحان) الفوضوي اليساري مات في الغربة، صديقه (هاشم) الذي ارتبط كزميل وكرفيق في درب النضال، قتل في الحرب المجنونة . و (ابو حسنة) اليساري الذي تصور بانه مات في التعذيب، فشل في عقد الزواج في المحكمة في الجزائر لانه (صابئي) ورفض القاضي الزواج، ولايمكن الزواج غير المسلم من مسلمة، رغم رغبة الطرفين بالموافقة، في عقد قران الزواج .اما الحالة الفريدة التي حط عليها طير السعد، بشكل لايصدق حتى في احلامه الوردية، هو (مفيد) الحارس الامني للوفد العلمي، الذي يتابع تحركاتهم، فقد اقترن بالزواج من (كارمن) الثرية في اموالها وشركاتها، وسجل (مفيد) غياب لدى النظام، فقد هرب مع زوجته الى (اسبانيا) . ان رواية (غربا ابداً) جسدت معنى الغربة والاغتراب لدى العراقي، العاشق الوطن، وكذلك هناك تلميحات وايحاءات ايروسية، لكن بغير ابتذال، وكذلك حافلة بالاحداث السياسية المختلفة، وبالصور الانتهازية المتنوعة، انها رواية تستحق القراءة والمتابعة والاهتمام

 

جمعة عبدالله

استحضار شــكري .. الحاضـر في المـاضي

najib talalبحكم التمرس والمغامرة، والعشق الأبدي لجمالية الفعل المسرحي، رغم انجذابه لسحر وعوالم [السينما] حاول الأخ:الزبير بن بوشى أن يصنع موقعه في المشهد المسرحي، ككاتب له رؤيته وتوقفاته خارج سياق التيارات والاتجاهات المسرحية، محاولا قدر الإمكان بأسلوب دهائي وتقني أن يكشف ويقدم للقارئ/ المتلقي بعض من عوالم مسكوت عنها، مفوضا دونما الدعاء للقارئ/ المشاهد، تأطيره وتصنيفه، وخاصة أن أعماله، تلامس وتحايث البعد السينمائي بشكل غير مباشر، عبر الصورة والتقطيع، وهاته النقطة تستحق الانتباه، في نصوصه المسرحية، بحيث برزت بشكل واضح في [ياموجة غني] إضافة أن تقنية [التبئير] تحتل موقعا متميزا وخاصا أنه يساهم في تحقيق تداولية الخطاب بشكل سلس، خطاب متعدد الأوجه: لغوي بلاغي صوري، لكي نكون أمام قصة مسرودة من طرف شخوصها، يتداخل فيها [هو/ أنا] نتيجة تداخل الأيقونات وعملية الاسترجاع التي تفرض تبئيرا خارجيا حسب تقسيم [جيرار جنيت] كنص [الآخطبوط] مثلا، لكن كان أقوى وأغزر في عمله الأخير ـ رجل الخبز الحافي ـ عمل استأثر بالانتباه لفنية خطابه، لآن هنالك خيطا رفيعا فرض سياق الاستحضار من ماضي الماضي المتفاعل في ذات الكاتب، تجاه بسطه للحاضر، ولاسيما أن كلا من الماضي والحاضر يؤثر أحدهما في الآخر بشكل تفاعلي وكيميائي، وكل طرف يترك بصماته فيه، ولا يمكن بأي حال أن يفهـم أحدهما إلا على ضوء الآخر [الكاتب/ المنكتب] من خلال تصوراته ومعطياته ومساره التاريخي وثقافته.

 

شكري الغائب الحاضر:

يعد الحضور والغياب، سيان بالنسبة لأي مبدع، باعتبار أن ذاكرة الآخر، في عدة لحظات تعيد استحضار الغائب للحاضر، وخاصة في لحظة البوح أو الاستشهاد أو سياق الكلام، وبالتالي فاستحضار الكاتب [م بصور وذكريات متعددة المشارب والاتجاهات، وبالتالي هل استحضاره عربون وفاء، بحكم أنه عايشه في فترة معينة من الزمن؟ أم استعادة لروح مدينة طنجة على حسابه؟ أم لتفعيل مؤسسة محمد شكري بعد مرور عشر سنوات على رحيله؟ هـنا فموضوع الاستحضار في منأى عن تلك التساؤلات أو غيرها، بل هو انعكاس مضمر لشخصية الكاتب [الزبير بن بوشتى] في شخصية المستحضر [محمد شكري] كيف ذلك؟

بداهة النص الفني لا يتعدى كونه إنعكاس لما يحيط بالإنسان من واقع معاش و معيش، وما يحمله ذلك من شمولية في ما يفرزه الواقع الاجتماعي والفكري، وبالتالي هناك بعض القسمات في حياة الكاتب، يستحضره كلما استحضر معاناة ومسار [شكري] الطفولي، تلك الطفولة المغتصبة والشقية، أو إن صح التعبير طفولة لا ملامح لها، إذ لا يسمح المقام هاهنا بسردها، بل ما يمكن الإشارة إليه (حاليا) [الزبير] لم يعش طفولة مفروشة بالورود والياسمين (؟) وانخراطه في عوالم الإبداع ليس نزوة أو شهوة بل ضرورة (؟) وبالتالي فالنص صيغته مزدوجة الاستحضار كرهان ضمني لتفاعل ذات الكاتب بذات المكتب عليه، لآن تأثيرَ الماضي في الحاضر مسألة لا نقاش حولها وذلك لمنطق الظاهرة، ولا مجال للشك أو التشكيك فيها، ارتباطا بالماضي الذي يعيش فينا، وهو الذي يشكل منطلقاتنا وشخصيتنا، ولا يمكن أن يتجرد المرء من ماضيه، كيفما كان، مقابل هذا فالحاضر بدوره يؤثر في الماضي، من خلال المعطيات المعرفية أو الإبداعية، وخاصة ندرك عالم

شكري ذاك (العالم الهامشي) الذي يسلط من خلاله، عوالم الليل وما تخفيه المدينة وراء ضجيج النهار، عوالم مسكوت عنها، ولكن مالا يعرفه الآخرون عن الكاتب [الزبير بن بوشى] عاشق ومهووس بالعالم السفلي، إلى حد الإدمان (الهادئ) فمن هـذا الموقع، حتى لا يكون هنالك إسقاط فـج وسلبي، بينهما في عشق العالم السفلي، فأفضل أسلوب يمكن نهجه، توظيف [الراوي] ليكون حضور التبئير الخارجي الذي يغيب ذاتية [الكاتب] لتتمظهر موضوعية الطرح، حاضر بقوة في النص، وهنا يكمن الدهاء الإبداعي، وإن كان الإبداع مرتهنا للخيال، يمكن أن أقول بأنه مرتهن كذلك بعملية [حسابية] مدروسة،مادمنا نلاحظ أن [النص] عبر الاضاءات [التسع] صاغ بؤرة، مدخلها الإضاءة الأولى، والتي كانت تعبيرية في تحديد معالم المكان والزمان (مقبرة)بدون هوية، وساخرة بعدما تم تحديد القيم أو المحافظ عليها [امرأة] وثانيا أن الراوية [امرأة/ ميرودة] وهذا يفرض نقاشا مختلفا، ومجانيا عما نهدف إليه في هاته القراءة، لكنه يعطي مدخلا ملتبسا، ويزاد التباسا في كل إضاءة، إضاءة تبدو خارجة عن [شكري] الشخصية المحورية عن (الراوي/ الكاتب) [الزبير] الذي بموضع نفسه كملاحظ خارجي الذي يقدم لنا أنه يعرف أقل من الشخصية التي يحكي عنها، رغم ماهـو متبث في (مقدمة ع المجيد الهواس): مايستقبله كاتب النص من المشترك اليومي والمعرفي مع الكاتب الذي يتحدث عنه في مسرحيته، لينتج نصا قوي الـرمزية داخل لغة تركيبية، تصنع حدثها الخاص وتتفردبه (ص5) طبعا هناك تفرد، لأنه ركزبذلك على الوصف الخارجي،للأحداث والفاعل فيها، بحيث يقدم لنا شخصية متلبسة بالحاضر دون تفسير لأفعالها أو تحليل لمشاعرها وأفكارها. مستخدما ثقافته وعلاقته الخاصة بنصوص [شكري] تحديدا~الخبز الحافي~ زمن الأخطاء~ ليعيد تشكيل بناء هذه الشخصية الإشكالية.لإشاعة جو من التشويق وإحاطته بالغموض، لنكون أمام نزعة سلوكية، والتي يذكيها كاتب النص بالقول: لفهم طبيعة هذا الصراع، إنه غوص في ذاكرة، قراءة لنفسية، معالجة لشخصية شائكة (ص7) بحيث المجال النفسي كان حاضرا بقوة، من خلال توظيف (الشيزوفرنيا) عمليا وبأسلوب فنطازي للشخصية المحورية [شًك / ريٍ] ليتصارع (الماضي= الحاضر) من خلال شخصية [الطفل /الكاتب] كأنه صراع بين شخصين (الوجه والمرأة)بغية من له أحقية الوجود الفعلي، ومن صنع الآخر [الماضي= مرحلة الطفولة الشقية] و [الحاضر= مرحلة الكاتب المشاغب] وبين المرحلتين، فذاتية الكاتب حاضرة برؤية أحادية وراء خطاب متداخل الأطراف في الإضاءة الأولى (ص12) « (لا أعرف ما يحفزني دائماً إلى التجوال في المقابر؟ أهـو سلامُها أم هي عادتي أيام نومي فيها؟ أم حبّا في الموت؟) » هل المتكلم السارد/ الكاتب أم المسرود/ الشخصية المحورية أو هما معا ؟ فإذا ما تمعنا بأن [الراوية/ ميرودة] هي المتكلم هاهنا و تتعدد بتعدد الشخصيات والأدوار، والشخصية المحورية جزء لا يتجزأ من هـذا التعدد والفاعلة والمنفعلة في أن تجاه [ميرودة] فالمتكلم المنطلق بالنفي (لا) واستعمال المضارع بنفيه، وعلاقته بالتبيئر، نستشف ضمنيا ذاك الخيط الر فيع بين السارد/ المسرود، واستحضار بعض الأماكن التي كان يتردد عليها [كلا الطرفين] في فضاء (طنجة) التي تسكنهما، إلى حد الجنون، تلك الأماكن بعضها انمحى أو أغلق أوتحول إلى شيء أخر، وبالتالي فالتبئير الخارجي خدعة فنية، لتوظيف البعد الروائي في المسرحي، من حيث لا يدري، لآن المبدع (الزبير بن بوشى) لماذا وظف فقط [الخبز الحافي/ زمن الأخطاء] كتيمات أساس للحدث والصراع، وأغفل استغلال بعض من/ مجنون الورد/غواية الشحرور الأبيض /السوق الداخلي، أوأهم فصول مسرحية (السعادة) التي تحمل أوجها متعددة لشخصية] ميرودة] والتي أعتبرها أفضل ماكتب الراحل (م شكري) وهذا موثق في إحدى ملاحق البيان الثقافي (1994) زمن نشرها، فإغفال أجزاء مهمة لمسرحية [السعادة] والاكتفاء بذكرها في (الاضاءة5) بين (الفيتنامي+ شك) عملية مقصود، لكي لا ينفلت التبيئر الخارجي عن موضعه، وعبره يضيع خطاب الكاتب في زحمة خطاب الشخصية، لآن البعد الجمالي للعرض يفرض عمليا، مسرح داخل مسرح الذي يركز أساسا على اللعب الذي يعطل أو يؤجل التبيئر، لكنه سقط في فخ مسرح داخل مسرح في الإضاءة (الخامسة) فتحول التبئير إلى شذريات، وليس إلى إرساليات قوية المفعول وخاصة (كاليغولا) الذي له حكايات وحكايات في حانات (طنجة) وعند الراحل المسرحي (تيمد) لكن الاضاءات اللاحقة، سعت إعادة منطلق تـبيئـر الشخصية والراوي حسب مؤشرات النص،

 

خارج العــبــور

بداهة أي تناول إبداعي، هو اختيار وقناعة معينة، ويأبى المزايدات والوصايا من طرف أي كان، لكن ذاك الاختيار يفرض أسئلة تبدو مشروعة، وبناء عليه . لماذا تم استحضار- شكري- ولم يستحضر- محمد تيمد- الذي عاشره فنيا ومسرحيا، قبل صداقته بشكري،علما أن (تيمد) حضر بين ثنايا النص، في (الإضاءة الخامسة)

- شك: هل تعلم أن تيمد كان يرغب في أن يسند لي دور كاليغولا؟

- الفيتنامي: ساخرا منه ولا، ولا، لا تبالغ ! وحتى ل كاليغولا، لا... كاليغولا طاغية دموي وأنت ما بينك   وبين الدم غير قرعة د الروج (قنينة نبيذ أحمر) التي كنت تقتسمها مع تيمد. (ص44)

وهاته حقيقة، أدت فيما بعد إلى انفصال وقطيعة بينهما، لإعادة كل طرف تشكيل بطانته الليلية، وبالتالي فالاستحضار له أسبابه، انطلاقا من فك شفـرات (الإضاءة 5) كما وضحنا لجزء منها وجزؤها الآخر في تحديد هوية [الفيتنامي] رغم أن (ص 46) تشير: كيف تريدينه أن يتعرف علي، وقد جئته في صفة صديقه الفيتنامي؟ فعلامة السؤال إجابتها (؟) تكمن في مركبات النص الكلي، الحامل أساسا ما في ماضي الكاتب من شبه تقاطع مع المستحضر في الحاضر، إذ هناك اعتزاز للذات، وتقدير أو تقديس لكاشف ما في بالذات، وبالتالي هل الاستحضار عشقا (فيه) أم تقديسا (به) أم وفاء (له) ؟ كل ذلك حينما ينتهي النص بصرخة أو صيحةً{ علينا أن نضع له تمثالا عوض أن نـحفر لـه قبرا} (ص79) فهاته الصيحة تنساق وراء ما كان [محمد شكري] يرفضه، بأن الكل يعتبره- كظاهرة وليس كقيمة أدبية - فهنا يسقط خطاب النص في المثالية والذرائعية البرغماتية.

رواية (قبل اكتمال القرن) للمبدعة "ذكرى محمد نادر"

husan sarmak(ليس هناك من قوة عظمى في الغرب، إلا وتريد أن يكون لها ورثة في بلاد الرافدين)

(فيليب فلاندران)

 

(بلاد زينها الله بالحسن الغريب وأعطاها كل شيء)

(ابن بطوطة يصف العراق)

 

(يوم وزعت الأنصبة على البشر .. كانت الحصة المقررة لي الحرمان والألم)

(شاعر سومري مجهول)

 

(العراق هو إناء العسل الذي يجذب الكثير من الذباب)

(جون مكين)

 

(نحن شعب بلا ذاكرة، من يتذكر ماذا ؟ إنهم ينسون، نحن برحمتنا ننسى خطايا المواطنين ونسامح أحيانا قدر الإمكان عصيانهم، لتسهل الأمور أكثر حين تكون بلا ذاكرة، إنها بداية جديدة دائما)

(السياسة كالدعارة لكليهما شبهة)

(أظننا قوم لا نقوى على أن نحيا اللحظة بعمق تفاصيلها . نحن أجبن من هذا، إلا أننا نسعد كثيرا باستعادتها في غبش أحلامنا وأقاصيصنا)

(أفضل ما في المصائب أنها تعلمنا كيف نحمي قلوبنا لئلا تتكسر كهذه الصحون)

(عندما لا يكون ثمة أمل في أحد ما .. في أمر ما، لن يكون هناك ألم . لن يكون هناك خيبة . إن الألم كله يكمن في الخيبات التي يسببها من نرجو أن يمنحونا ما نحلم به)

 

(ذكرى محمد نادر) من رواية (قبل اكتمال القرن)

 

تمهيـــــد:

هذه الرواية: (قبل اكتمال القرن) لذكرى محمد نادر – القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2001- هي روايتها الأولى، هي من روايات القرن في السردية العراقية ؛ هي الرواية الأولى التي تلاحق بصبر عجيب وقائع المائة سنة الأخيرة الأكثر دموية في تاريخ العراق. والمعروف عن المبدع العراقي هو أنه كالإنسان العراقي غير صبور، وهذا من الأسباب - حتى وإن كان ثانويا - التي لم تُتح للفن الروائي أن يأخذ مدياته كاملة في الأدب العراقي. وكنت - ومازلت - أكرر دائما أن القصة القصيرة فن، أما الرواية فهي "علم"، وعلى الروائي أن يتحلى بصبر ومثابرة عالم وجلاده في مختبره . أتذكر ما قرأته عن نفاد صبر مساعد "أديسون" وقوله للأخير: " سأترك العمل فقد يئست.. لقد جربنا ألفي طريقة ولم نحصل على الكهرباء" . فأجابه الأخ أديسون بهدوء: " بالعكس .. لقد تأكدنا الآن أن هناك ألفي طريقة لا تعطي الكهرباء!!" .

وقبل اكتمال القرن رواية صُنعت بهذه الروح المثابرة الصبور العزوم. يتجلى ذلك ليس من خلال الفترة الزمنية المتطاولة التي تلاحقها من حياة الشعب العراقي (قرن كامل) حسب، ولا من خلال الرؤية البانورامية أيضا، بل من خلال هذه المتابعة الملتهبة لأدق تفصيلات حياة شخوصها.. ومسارات حركة حيواتهم .. وما رسمه لهم لوح أقدارهم المحفوظ في طيات الغدر والطغيان والتعسف.

هناك جهد في انتقاء المفردة .. وهو جهدٌ مضنٍ مقصود لأن استبدال اكثر المفردات بغيرها يهير غائية الجملة وجماليتها وقدرتها التعبيرية عن الاحتدام النفسي العاصف للشخوص .

هناك وعي حاد بأهمية المكان .. أن يكون مكانا عراقيا صميما.. تفوح منه رائحة هذه البلاد بتاريخها العصي المتناقض الفاجع .. وأناسها الفريدين بشخصياتهم وتمزقاتهم وأحزانهم والذين لا مفر من أن نستنتج من تاريخ عذاباتهم أن الله خلقهم وهو يبكي.. ويقولون إن الرواية هي ملحمة الشعوب.. فلم يعد ممكنا أن تكتب ملحمة أبطال أفراد مثل ملحمة جلجامش على سبيل المثال - وأنا أعترض على هذه الأطروحة الغربية النابعة من اختفاء دور البطل هناك وسأطرح مداخلتي لاحقا - الممكن هو أن تكتب رواية تجسد فيها ملحمة شعب . بورغم أن تاريخ وحياة الشعب العراقي هي عبارة عن سلسلة من الملاحم المتصلة المتعاضدة إلا أننا لا نستطيع القول إن الأدب العراقي قد قدم للعراق ملحمته الحديثة/ روايته، الناجزة الباهرة، إلى أن جاءت رواية ذكرى محمد نادر بعد ملحمة التكرلي: "الأوجاع والمسرات" .

وملحمة ذكرى/ روايتها نص لاهث .. متلاحق الإحداث بل مكتظها.. مرصوص رصّا بلا استطالات ولا ترهلات .. ثوب المبنى فصّلته الأنامل الأنثوية الحاذقة ليلتصق بإغواء على جسد المعنى الرشيق مبرزا تفاصيله أحيانا من الخارج ودون حاجة للغوص تحته .. طبعا هذه ميزة وليس ضعفا فثوب المبنى على يدي ذكرى ملتحم بجسد المعنى . ومن تساؤلات أدبيات التحليل هو: أين نرى الإبتسامة ؟ هل نراها "أمام" الوجه أم "خلفه" ؟ .. والجواب الماكر هو أننا نرى الإبتسامة "في" الوجه؟. وفي رواية "قبل اكتمال القرن" نرى المبنى في المعنى .. والمعنى في المبنى .. مُلتحِمَين حد التوحد والإنصهار.

وكنت أقول أنك حين تدخل سوقا صاخبة وتخرج لتحكي لنا عن الكيفية التي اشتريت بها قطعة قماش جديدة من البزّاز، فهذه قصة قصيرة .. أما عندما تخرج وتحكي لنا ما رأيته في السوق من بشرٍ، وطبيعة صراعاتهم، وحركتهم، وما شاهدته من محال وتحملته من مفارقات .. وأرض السوق وسماؤها ونورها وظلالها وعتمتها ومؤامراتها الصغيرة .. إلخ .. فهذه رواية .. لكنها ليست الرواية كفن.. هي حكاية طويلة، ولكي تكون رواية ينبغي أن تكون هناك لعبة مصائر لشخص أو أكثر أو لشيء . وغالبا ما تكون هذه المصائر سوداوية فالفضل في تألق الحياة يعود للموت وليس للحياة الصدئة الرتيبة المكرورة حد البلادة بطبيعتها.

وكنت أقول أنه لا يوجد عمل أدبي – وليس روائي حسب- عظيم في تاريخ الأدب لم يكن فيه الفضل الأول والقدح المعلى للمثكل حسب الوصف الدقيق لجدّنا جلجامش . من ألف ليلة وليلة حيث تختم شهرزاد لياليها بشهادة (ثم جاء هادم اللذات ومفرق الجماعات ..) .. من ملحمة جلجامش .. أوديب ملكا .. هملت.. الجريمة والعقاب.. مدام بوفاري .. الأحمر والأسود .. الرجع البعيد .. سفر السرمدية .. الأرض اليباب.. المومس العمياء .. وغيرها .. كل الإبداع هو دفاع الإنسان المُحاصر ضد مخالب المثكل التي تنهش وجوده . ورواية ذكرى كانت أمينة تماما على هذه الحقيقة في الإمساك بها بإحكام واستثمارها وكشف أبعادها الفلسفية والوجودية بسرد شفيف آس حزين وبسيط، وهي تعلن - بين وقت وآخر - عن اجتثاث واحدٍ من شخوصها "أبطالها؟؟" بمنجل الخراب الباشط.. هذا المنجل الأعمى البارق الذي لا يستثني أحدا أبدا إلّا وفق حسابات ملغزة وعصية على الفهم .. أو بتدخل المبدع . وهذا ما يوفّره الإبداع لنا من مقاومات تتمظهر من خلال الإحساس بالامتداد الخلودي الذي يتيحه مسرح الرواية. فمع الموت وفي لعبة الحياة الفعلية – وكما يقول معلم فيينا – لا وجود لتعادل ولا لوقت مضاف .. تنتهي اللعبة وتسدل الستارة السوداء إلى الأبد، إلّا في الأدب .. فهناك موت وحياة أخرى وتعادل وأوقات إضافية . وهذا ما لعبت على أوتاره بمهارة الكاتبة المقتدرة .

ولكي تكون الرواية رواية، لا بُدّ أن يكون هناك صراع وعقد وتقابل إرادات ؛ لا بُدّ أن يكون ثمة شيء "مخفي" .. ينتظر القاريء من الكاتب كشفه بعد أن يقطّع أنفاسه أحيانا. وهذا سرّ عظمة سيدة الحكايات ألف ليلة وليلة ؛ الغرفة المغلقة التي يحذر الرجل زوجته من أن تفتحها حيث سيحل الخراب . ولكن لا حلّ إلّا بفتحها وإلّا باستكمال دورة الخراب . والروائي مثل هذا الرجل المسموم يعطي المفتاح ويحذّر من الفتح . وذكرى كانت في روايتها مع القارىء – وهذا امتياز- تتنقل معه بحماسة وعزم من غرفة إلى أخرى .. تفتح أبواب الخراب والموت والدمار .. إنها لا تحذّر . شغلها هو أن تستدرجنا وتقنعنا بضرورة فتح أبواب غرف العذاب ؛ عذابنا السرمدي الذي بلا بداية ولا نهاية. ولعل السبب الذي جعل تاريخ البشرية لا يشهد امرأة " فيلسوفة " يكمن في أن المرأة " تعرف " أسّ الفلسفة وجوهر فذلكتها الفارغة . بل أن روح الفلسفة (لعبة الحياة والموت والمصائر وسرّ الخلق)، هو ما تشتغل عليه الأنثى بتواضع وصمت جريح .. فهي أول وآخر خالق . وحاول البعض مدّ هذا التفسير إلى تبرير قلة الروائيات عالميا قياسا إلى الروائيين الذكور بأن لدى كل امرأة (روايتها) التي ينطوي عليه وجودها وفعلها . لكن ذكرى محمد نادر لم تقدّم روايتها الشخصية (وغالبا ما يتسيّد الصوت الأنوي والواقع والمصير الشخصي على الرواية النسوية – والأدق هو تعبير الرواية الأنثوية التي يمكن أن يكتبها الرجل وليس الرواية النسوية) .. لم تجلسنا لتعرض خساراتها وصراعاتها - واحيانا جسدها كما تفعل الكثير من الكاتبات على مسرح بصائرنا . بل فتحت أبواب الرحم العراقي الجحيمي لتطلق منه غيلان الحكايات والملاحم والمصائر، متظافرة في التحام فذّ لروح المكان بحركة الزمان لقرن الفجيعة . كل ذلك من خلال المتابعة التفصيلية غير المُمِلّة – والتفاصيل التي بلا وظيفة والغير جمالية تثير الملل لأن الرواية هي فن التفاصيل والجزئيات لا الكلّيات - لأقدار أفراد عائلة "الرضواني" التي تقدم عصارة مسيرتهم السوداء على الصفحة الأولى من روايتها.

ومن يريد أن يدرس هذه الرواية أسلوبيا - وهذا ما سنقوم بجانب منه في هذه الدراسة - فعليه أن يضع قاعدة أن كتلة نسيج جسم الرواية وخيوط وقائعها المتراكبة تشتبك - معلنة ومستترة - في الصفحة الأولى التي تدخل فيها ذكرى ساحة الحدث بلا مقدمات مغثية كما يفعل البعض، ورسول حمزاتوف يصف المقدمة بأنها تشبه شخصا ذا قبعة ضخمة يجلس أمامك في المسرح ويحرك رأسه يمينا وشمالاً !! هذا هو الدخول المباشر الآسر والمجزي الذي يجب أن نقدمه كاملا:

(لن يُصدّق أحدٌ ما آلت إليه عائلة الرضواني، فمنذ أن استقرت قبل أكثر من نصف قرن تقريبا في العاصمة المتجهمة تحت غبار الصيف تاركة جذورها في المدينة الوسطى، يشقى فيها نهرها المتدفق، مخلفة أمجادا مستحيلة الذكر، حتى تغيرت امور كثيرة باتت مدعاة لاستغراب المعمّرين وحكماء العشائر ممن عاصروا تلك العائلة وشهدوا تكوين صياغات مجيدة لشجرة عائلية عتيقة، انحدرت بأمجادها من خيام الصحراء ليستقر الأمر - أخيرا - بأن تلقي الإبنة الصغرى بالرقعة العائلية المكتوبة في جلد غزال قديم، في العشرة السادسة لهذا القرن، في المنقلة الباردة لتوقد نارها الضئيلة، في ليلة جليدية، انطلق فيها شيطان الزمهرير عابثاً في عظام أولادها الستة المتضورين جوعا المتربصين بالنار لاصطياد دفئها الباهت، حتى أنها - قبل ذلك - وبلحظة يأس خبيثة منحت بناتها عوضا عن الدمى، الوسام الملكي الطاهر الذي شرّف فيه الملك صدر جدهم عبد الرحمن المُلقَب بـ (الملّا) بعد أن باع إحدى مزارعه فاتحا بثمنها مدرسة لتعليم الأطفال الحفاة الذين كانوا يلتهمون الطباشير كأنه قطع حلوى، ويجلسون فاغري الأفواه ينشون الذباب المحلق حولهم، ويرددون كالببغاوات ببله شديد أناشيد صعبة المعاني، كان (المُلّا) ينظمها بنفسه، حالما بالفروسية المجيدة، تاركا لسائسه وحافظ أسراره وآخر مخلفات جبروته أن يلحنها على صوت ربابته الأثرية المتوارثة لأبيه عن جدّه، معتبرا أياها عنوان سلالته الصغيرة، ثم ما لبث بعد ذلك - بسنوات كثيرة - أن اشتهر بها وذاع صيته في البلاد، مُسدلاً آخر ستارة يمكن أن تُرفع على مسرح تاريخ الرضوانية، إلا أن ستاراً آخر مختلفا أُسِّس حين افتتحت إحدى بنات الجيل الرضواني الثالث قبل نهاية القرن، بيتا للّهو الشهواني الرفيع - ص5).

صورة المسرح الجزائري في النقد المغربي المعاصر

jamil hamdaouiإذا كان المسرح المغربي قد انطلق في سنة 1923م مع قدماء تلامذة ثانوية مولاي إدريس بفاس[1] الذين مثلوا مجموعة من النصوص المسرحية، منها مسرحية (صلاح الدين الأيوبي)،و هذا النص المسرحي من تأليف الأديب اللبناني نجيب الحداد سنة 1893م، فإن أول عرض مسرحي بالجزائر كان في 12أبريل 1926م، عندما عرضت مسرحية (جحا)[2] لسلالي علي (علالو)، وهي كوميديا في ثلاثة فصول، وأربعة مشاهد. بيد أن مايلاحظ على المسرح الجزائري غلبة ظاهرة الاقتباس، واستنبات المسرح الغربي، والميل إلى المزاوجة بين التراث والحداثة، وتمثل الواقعية النفسية لستلانسلافسكي على مستوى تكوين الممثلين وتدريبهم، كما يتضح ذلك جليا عند عبد القادر علولة. وفي هذا الصدد، يقول لخضر منصوري:" استعان علولة كثيرا بتقنيات المنهج النفسي لستانسلافسكي، في إدارة ممثليه، معتبرا أنها القاعدة الأساسية في تكوينهم.كما كان يضع دائما في أذهان ممثليه أن مسرحه لايدفع الممثل إلى تقمص أدواره، لدرجة سقوطه في الإيهام، وامتزجت هذه الرؤى بآراء بريخت، من خلال مؤثر التغريب لتتولد عملية تلاقح بين المنهجين (تقمص وتغريب)، من خلال توظيف شخصية (القوال) التي كثيرا ما تغرب الأحداث بتقمصها، وتنشىء علاقة تتأسس على قدرات العرض في خلق وبناء خيال المشاهد عن طريق الكلمة والحركة والانفعال والعاطفة."[3]

ويعني هذا أن عبد القادر علولة يجمع بين منهجين متناقضين : المنهج النفسي القائم على التقمص والمعايشة الداخلية، والمنهج البريختي الملحمي الذي ينبني على التغريب، وكسر الإيهام. إنها مفارقة على مستوى التشخيص والإخراج المسرحي، وهذا قد يؤثر سلبا في ذهن الممثل وتصوره الفكري والإيديولوجي، فيسبب له غموضا فنيا وجماليا ناتجا عن الجمع بين طريقتين متناقضتين: الإيهام وعدم الإيهام في الوقت نفسه. ومن ثم، فالمنطق لايقبل مبدأ التناقض، ولا يرضى به العقل السليم. وقد أشار إلى ذلك لخضر منصوري بقوله:" إن المزج بين المنهجين لايتجلى للمشاهد العادي.إذ على الرغم من أن علولة تأثر بالمنهج الملحمي، فإن مسرحه يعتمد كثيرا على أساليب ستانسلافسكي في إدارة الممثل وتركيب شخصيات أدواره وتمثيلها أساسا.إن هذه المفارقة قد تبدو للبعض نقدا لعملية إدارة الممثل عند مخرجنا، لكن حينما نقوم بقراءة بسيطة لعملية التمثيل في مسرح علولة، نقف على ماذهبنا إليه، حيث نلمس عن قرب أن الممثل يعيش نوعا من التناقض على مستوى التمثيل.فهو - في الوقت نفسه- داخل دائرة الملحمية (نصا وإخراجا)، ويمثل شخصية دوره عن طريق التقمص، والغريب في ذلك أن هدف الرؤية الإخراجية هو كسر الإيهام."[4]

 

وعليه، فقد تأثر المسرح الجزائري تأثرا كبيرا بالمنهج البريختي الملحمي على مستوى الإخراج، منذ الخمسينيات من القرن الماضي؛ لأسباب إيديولوجية لها علاقة بالنظام السياسي في الدولة من جهة أولى، و الإيمان بفلسفة الالتزام الواقعي المادي الماركسي من جهة ثانية، و رغبة في تحدي المستعمر الفرنسي من جهة ثالثة، وتجاوز للمسرح الغربي من جهة رابعة، ولاسيما مع مجموعة من الوجوه المسرحية الفذة، كعبد القادر ولد عبد الرحمن المدعو بكاكي، وعبد القادر علولة، ومحمد بن صالح، ومحمد خشعي... وفي هذا، يقول الباحث الجزائري الشريف الأدرع:" إن لقاء جيل الخمسينيات من المسرحيين العرب ببريخت جاء ضمن مسار التطور الطبيعي لمسرحنا، ومحاولة الخروج عن مركزية المسرح التقليدي الغربي.وقد تميزت فترة الخمسينيات بالتعرف إلى تجارب عالمية ثائرة على المسرح والدراما الغربيين، ومنفتحة على تجارب فنون العرض غير الأوروبية لبلدان الشرق الأقصى.

وليس بدعة، والحال كذلك أن يجد المسرحيون الجزائريون في بريخت - الذي ذهب إلى الصين يبحث عن حلفاء له ضد أرسطو- حليفهم ضد المسرح التقليدي الغربي[5]."

وما يهمنا في هذه الدراسة هو أن نتعرف إلى كيفية تعامل النقد المغربي مع المسرح الجزائري؟ وما أهم المقاربات التي استعملها في ذلك؟ وما القضايا النقدية التي كان يطرحها هذا النقد أثناء تعامله مع هذا المسرح الفتي؟ وما منطلقاته المرجعية في ذلك نظرية وتطبيقا؟ تلكم هي أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في مؤلفنا هذا.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

صورة المسرح الجزائري في النقد المغربي المعاصر / د. جميل حمداوي

 

 

...................

[1] - مصطفى بغداد: المسرح المغربي قبل الاستقلال، منشورات الرهان الآخر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م، صص:40-50.

[2]- الشريف الأدرع: بريخت والمسرح الجزائري، مقامات للنشر والتوزيع والإشهار،الجزائر، الطبعة الأولى 2010م، ص:16.

[3]- لخضر المنصوري: (المظاهر الأرسطية في مسرح عبد القادر علولة)، كتاب العربي، الكويت، العدد87، يناير 2012م، ص:196.

[4] - لخضر المنصوري: (المظاهر الأرسطية في مسرح عبد القادر علولة)، ص:196.

[5]- الشريف الأدرع: بريخت والمسرح الجزائري، ص:161.

تداعيات محنة الوطن تجد لها صدى ً على خشبات المسرح الاغترابي العراقي

qasim madiمسرحية "الماله أول، ماله تالي" للفنان باسم الأمين

على قاعة مسرح " سترلنك هايتس " هاي سكول في ولاية ميشغن الامريكية، قدمت فرقة مسرح الرافدين، باكورة إنتاجها مسرحية " الماله أول، ماله تالي " وهي من تأليف واخراج الفنان " باسم الامين " وتمثيل نخبة من ابناء الجالية العراقية في المهجر، منهم " حميد دلي، ناصر الحمداني، ثائر العطار، نظير وردا، تيريز الكاتب، سرمد خمورو، شذى هرمز، وباسم الأمين، ولمدة ثلاثة أيام .

وبحضور جمهور واسع من أبناء الجالية العربية والكلدانية، (المسرح هذه الكلمة الرائعة للفن الذي يجسد الدنيا بافراحها واحزانها، والمسرح هو المكان المفعم بالعظمة والرهبة والاحترام، وله قدسيتهُ في الكون، وكما قيل في المسرح من قبل المفكرين " أعطني مسرحاً أعطيك شعباً عظيماً، وما هي الدنيا ألا مسرح كبير، ونحن فرقة الرافدين المسرحية التي تعشق جمال المسرح، لها عظيم الفخر والشرف، أن تقدم لجمهورها الحبيب والعزيز والذواق والمشجع للفنون الجميلة، وخاصة المسرح) كل هذا جاء في كلمة مدير المسرح لفرقة الرافدين في " البروشور " الذي وزعه على الجمهور قبل دخوله قاعة العرض المسرحي

تبنى صانعو العرض مقترحا ً بصريا ً تمثل في إيجاد بيئة عرض مغايرة حيث تبدأ المسرحية بمشهد رياضي حيث صيّر من المكان ملعب كرية قدم وأطلق شظايا الصراع من خلال شخصية " دوحي " والتي مثلها مؤلف ومخرج العرض " باسم الأمين " وهو يوزع خطة اللعب بين اللاعبين، وهم أولاد المدينة، في بيته العتيق، للدلالة على الوطن وهنا يبدأ النزاع بينهم حول الهجوم والدفاع، مستخدماً " الكرة " في إشارة إلى هذه الدنيا الكبيرة ودوائرها التي قسمت الأهل فيما بينهم، وما يحصل لهم من معاناة، نتيجة التمزق وعدم الإتفاق، مما أدخلنا المؤلف "الأمين" في دوامة خطاب فني حاكى ظاهرة التشتت والتمزق، من خلاله شخصية " الجن " القادم إلينا من الفضاء، وما حاصل من تقادم الأيام على أزمنة الظلم، الذي وقع على أبناء شعبنا العراقي، من جراء السياسات الخاطئة، وتسببت في ترسيخ مفاهيم خاطئة بعيدة كل البعد عن ابنائه، وهذا الظلام الدامس الذي يلف

بلدنا الحبيب، نتيجة الانفجارت والقتل اليومي على الهوية، ودخول قطعان داعش، هو موجة من الموجات الصعبة التي مر بها الوطن، والاستلاب المقصود الذي يمارسه البعض، وأقصد هنا " القوى الظلامية " الكارهة للحضارة العراقية، وهذا ما أكده " الأمين " من خلال حوراته المتكررة التي أفصح فيها عن مسلة حمورابي الشهيرة، التي يعرفها القاصي والداني، مؤكداً بقاء العراق رغم الظروف الصعبة التي مر بها،ومن خلال الشخصية الرئيسية " دوحي " أراد الأفصاح عن كل شاردة وواردة، فالخطاب الذي نحن بصدد الحديث عنه يعد ُ خطابا ً مفتوحا ً على عدد من الانساق الدلالية الذي تمكن مخرجه من تحريكه بصريا ً عبر من خلال اللعب على مفردات سيميائية تم إستثمارها لإقصى طاقتها التعبيرية وتوظيفها دلاليا ً لتحقيق الغرض التأويلي فالصراع تظمهر عبر تنافس اللاعبين على الكرة والاستحواذ عليها، ولعل لجوء المخرج لهذه الفرضية المكانية ذلك للهروب من أجواء الواقعية المحضة المتمثلة بالنص الذي كان باللغة المحكية المحلية العراقية، فرسائل العرض التي تدفقت هي نتاج تفاعل علاقات تشابكت ضمن سياق بصري وسمعي أفضى الى تلك الرسائل التي هي بمثابة دق ناقوس الخطر الذي بات يداهمنا بأشكال مختلفة، وفي ذات المنحى عمد المخرج على تغيير ملامح المكان من فصل الى لآخر، فتارة أحال المكان الى ملعب كرة قدم، وتارة أخرى وظف المكان الى قاعة مرافعات قضائية، وفي كل فصل يعمد على إيجاد مساحة من التعبير البصري عبر إستخدام أسلوب التشفير والوضوح والمباشرة المقصودة التي لا تحتاج كثيرا ً من الجهد لتفكيك المعنى الكامن في مشهدية الحدث تارة أخرى، ولا شك أن آلية فجاءت أنساق العرض ضمن نسق تركيبي ضمن صيرورة متحركة الدلالة، فرمز ( كرة القدم ) مر بتحولات دلالية في هذا العرض ففضلا ً عن كونها كرة لعب، فهي العجلة الدوارة التي يمكنها سحق أي معترض لطريقها، أو يحاول تغيير المسار فيها، حتى ألف الناس المظالم، ولم تعد بهم حاجة للشعور بالألم، وهي الأرض التي تدور بنا، وهي رمز للدوائر التي تدور حولنا ولهذا نجد الشحصيتين " دوحي + صاحي " مستسلمين لسياط " الجن " وهم يتلقيان الأوامر بلا تذمر من خلال سير أحداث العرض المسرحي،حتى نتفاجأ بنهاية العرض الإنقلاب عليه، يقول المؤلف والُمخرج " الأمين " حينما نشعر بظمأ الغربة، وحرقة الشوق للماضي تهب نسائم الحنين للوطن، ونتوق لشربة ماء لنطفأ ظمئنا من مائنا العذب، من هنا كانت فكرة المسرحية، فالمرء يجب أن لا ينسى أهله وأحباءه وبلده، ذلك البلد الذي يسكن قلوبنا وننبض بحبه، وأن الغربة مهما طالت فلابد ليوم أن تنتهي، لنكمل ما بدأنا، ونحول الحلم إلى حقيقة، ويكون عراقنا أجمل البلدان، وفي إطار إشتغالاته الاخرى فإن المخرج رغم محاولاته للابتعاد عن البيئة الواقعية الا أنه في بعض المواضع عزف على أوتار عواطفنا من خلال أحد المشاهد التي يظهر فيها البيت البغدادي العتيق بدفئه وعراقته وهو يحاكي الماضي ويدخلنا في توتر من خلال سيطرته على المشاهد بإضاءة خشبة المسرح إضاءة كاملة، وهو يرسم تفاصيل حياتنا الدقيقة التي أراد لها أن تكون مستلبة، بالرغم من تعدد المشاهد التي أدخلنا بها " مشهد في تركيا أو في أمريكا " لكنها ظلت صامتة دون حراك فالمخرج كان بإمكانه التحرك بشكل أوسع على خشبة المسرح، والتخلص من تقيد حركة الممثلين في وسط المسرح في الكثير من المشاهد، وترك أقصى اليسار، واقصى اليمين، الا في بعض الحركات وخاصة حركة " الأم + مديرة المكتب + الجن " ورغم جمالية التكوين تبقى معظم اللوحات بحاجة الى توظيف جماليات الحركة للتأكيد على معنى الحالة المطروحة، وجاءت السينوغرافيا بوصفها العنصر البصري الذي قام بتفعيل منظومة العرض ويمكن تصنيف هذا العرض الى باقة عروض الواقعية الرمزية فأحيانا ً تشعر انك أمام ترجمة أمينة للواقع وأحيانا ً أخرى يتم تمرير بعض علامات الترميز وذلك الذي أراده المخرج وقد يكون إختياره لخشبة مسرح غير " ثانوية سترلنك هايس " المؤطر، الذي حجم عملية تفعيل الكتل " الأثاث " وما رافقها فوق الخشبة نظرا ً لصغر فضائه ولو انه إختار خشبة ذات فضاء ٍ أرحب لتمكن من إطلاق حركة الكتل على نحو أوسع، وفي ظني أن المخرج المعاصر لا يمكن له بهذا المفهوم أن ينفصل عن فهمه الدقيق لسينوغرافيا العرض المسرحي، وأوكد أن الرؤى الجديدة لدى اي مخرج معاصر تُنطلق من التفكير العميق في تكوين سينوغرافيا العرض، وأخيرا ً لا ننسى جهود الكثير من الممثلين الذين جذبوا إنتباه المشاهد ومنهم الفنان " ناصر الحمداني " وهو ملحن وموسيقي، والفنان " حميد دلي " الذي إشتغل بطريقة رشيقة مع شخصية " الجن "و ما تميزت به الفنانة " تيريز الكاتب " بصدق المشاعر عندما جسدت العديد من الأدوار " بنت الخال + النصابة + مديرة مكتب " وجاءت الفنانة " شذى هرمز " وهي تؤدي دورها " الأم " بمهارة فائقة، وبالتالي تحية لفريق العمل الذي قدم هذا العرض بجهوده وعلى نفقته الخاصة لإيمانه بدور المسرح ولتوقه بتقديم عروض مسرحية تحاكي واقعنا وتثير الجدل حيال أبرز القضايا الساخنة التي تهمنا كمجتمعات إنسانية معاصرة

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

يوميات مجنون .. غوغول بين القصة والمسرحية

يعرف القارئ العربي قصة غوغول الشهيرة – (مذكرات مجنون) او (يوميات مجنون) كما جاءت في بعض المصادر و الترجمات العربية، وترتبط هذه القصة في العراق باسم الدكتور سعدي يونس، الفنان المسرحي العراقي، والذي قدمها تمثيلا واخراجا (وبترجمتي عن الروسية) في مسارح بغداد ونواديها وحتى مقاهيها بعد ان حوٌرها الى مسرحية ذات فصل واحد و ممثل واحد في سبعينيات القرن الماضي، وذلك بعد ان اطلع عليها في مسارح باريس باللغة الفرنسية (انظر مقالتنا بعنوان غوغول في العراق)، وترتبط قصة غوغول هذه ايضا بالكاتب المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس (1941 – 1997)، والذي أعدٌ هذه القصة مسرحيا و قدمها للجمهور العربي، ويعرفون هذه المسرحية ايضا في مصر و الجزائر والاردن وبعض البلدان العربية الاخرى نتيجة لتقديمها – مسرحية وليس قصة - في فرنسا وبعض البلدان الاوربية الاخرى، بل ان بعض المسرحيين العرب قد استخدموا مضمونها في مسرحيات اخرى مستوحاة من تلك القصة ومحاكاة لها.

بدأ غوغول (1809 – 1852) بالتخطيط لكتابة قصته هذه في الثلاثينات من القرن التاسع عشر و ذكر ذلك في مراسلاته الخاصة مع الاخرين ، و انجزها فعلا عام 1834 عندما كان عمره 25 سنة ليس الا، ونشرها عام 1835 في كتابه بعنوان – (ارابيسك)، ثم أعاد نشرها عام 1843 في كتابه بعنوان – (قصص بطرسبورغية) .

تتمحور هذه القصة حول شخصية واحدة فقط و بصيغة مذكرات يومية يكتبها موظف من موظفي الدرجات الدنيا في دائرة حكومية بمدينة بطرسبورغ، وهو انسان مسحوق وبائس و مريض نفسيا ومصاب بانفصام الشخصية (الشيزفرينيا)، حيث يعلن في نهاية المطاف انه (ملك اسبانيا !!). كانت الصيغة التي جاء بها غوغول في هذه القصة جديدة بكل معنى الكلمة بالنسبة لابداعه، اذ لم يسبق له الكتابة بهذا الشكل الادبي، اي بصيغة ضمير المتكلم ومن قبل بطل واحد فقط في القصة، واستطاع غوغول بهذه الصيغة الفنية ان يعبرعن كل افكاره حول الانسان و المجتمع والعلاقات الانسانية بحرية مطلقة، وبدون الخضوع الى تسلسل منطقي لربط الاحداث من بدايتها وتطورها وحبكها ونهايتها و مراعاة زمانها ومكانها ...الخ، وذلك في ثنايا ومذكرات و كلمات هذا الموظف، والتي جاءت – بالطبع – في اطار سخرية غوغول وضحكه المرير واسلوبه المتميز الأخٌاذ، ولهذا، فان قصة غوغول هذه تعد الاكثر عالمية وشمولية - بشكل او بآخر – بين نتاجاته الادبية الاخرى، لانها لا تعكس الروح الروسية البحتة فقط وانما تتناول الانسان بشكل عام وهمومه واحزانه وافراحه ورغباته واحلامه وشعوره بالحب والكراهية ...الخ ..الخ، الانسان في كل مكان بغض النظر عن المجتمع المحدد الذي يرتبط به .

استقبلت الاوساط الادبية الروسية هذه القصة آنذاك بترحاب وتقدير واعتبرتها حيوية جدا ومبتكرة بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ، وكتب عنها النقاد بشكل ايجابي وأشاروا الى انها ستجد مكانتها اللائقة بها في مسيرة الادب الروسي، وهذا ما حدث فعلا، حتى ان الناقد المعروف بيلينسكي أشارالى هذه القصة في مقالته المشهورة بعنوان (عن القصة الروسية وقصص غوغول) قائلا انها (.. جديرة بريشة شكسبير..)، ولم يوضح بيلينسكي فحوى هذه الجملة الضخمة والتي تحمل روح المبالغة طبعا، الا انها – مع ذلك – تعني ما تعنيه بلا شك، و رغم كل شئ، في مقالة يكتبها ناقد أدبي مثل بيلينسكي، والذي عاد عام 1843 الى الكتابة عن مذكرات مجنون غوغول مرة اخرى واعتبرها (واحدة من أعمق النتاجات الادبية) . تحدث عن القصة ايضا الاطباء والمتخصصون بعلم النفس وأشاروا الى ان الوصف الذي كتبه غوغول حول مرض انفصام الشخصية جاء دقيقا وساطعا وواقعيا وصحيحا جدا، وباختصار، فان هذه القصة انتشرت سريعا وتم ترجمتها الى لغات اخرى (صدرت بالفرنسية،مثلا، عام 1845 اي بعد سنتين ليس الا من صدورها في كتاب(قصص بطرسبورغية) بروسيا، الذي أشرنا اليه أعلاه .

برز اسم غوغول في المسرح الروسي (والمسرح العالمي) لاحقا بعد صدور مسرحيته الشهيرة – (المفتش او المفتش العام) عام 1836 (انظر مقالتنا بعنوان – حول عنوان مسرحية غوغول المفتش العام ام المفتش ؟) لكن (مذكرات مجنون) لم تدخل ضمن قائمة مسرحياته ابدا، وبقيت ضمن سلسلة قصصه ليس الا، وان الاوساط الثقافية الروسية لم تتعامل مع هذه القصة مسرحيا طوال حياة غوغول ولا حتى بعد رحيله عام 1852، بل ولا حتى طوال القرن التاسع عشر باكمله، الا ان مسرحة هذه القصة في روسيا بدأت في القرن العشرين ليس الا، اي بعد اكثر من قرن على نشرها، وجاء ذلك بتأثير من الغرب بشكل عام، اي ان هذه القصة تحولت الى مسرحية في الغرب وعادت الى روسيا مرة اخرى بشكلها الفني الجديد (اي ليست قصة بل مسرحية)، وهي ظاهرة طريفة جدا وغريبة و تستحق التأمل بلا شك، اذ ان هذه الظاهرة تؤكد (من جملة ما تؤكد) على عالمية الادب الروسي ومساهمة الشعوب الاخرى بتوسيع اطاره واهدافه واكتشاف كوامنه الخفية . لقد حاولنا ان نتابع تاريخ بداية تقديم هذه القصة ممسرحة على خشبة المسرح الروسي فوجدنا انه تم تقديمها عام 1985 ليس الا، اي بعد تقديمها حتى على المسرح العراقي والعربي عموما، ولا نستطيع الجزم بشأن هذه المعلومة الطريفة بالطبع (واؤكد على هذه النقطة، اي عدم الجزم هذا)، اذ ان ذلك يقتضي التقصي الدقيق و الموضوعي والشامل لريبورتوار المسارح الروسية في القرن العشرين باكمله، وهي مهمة ليست بسيطة ابدا وتتطلب جهودا اكاديمية جماعية بلا شك، ولكن يمكن القول - على ما يبدو - ان باريس سبقت موسكو بتقديم هذه القصة على مسارحها، اذ اننا لم نجد عروضا لها على المسارح الروسية قبل عام 1985 بشكل عام، على الرغم من انه تم تقديم هذه القصة الممسرحة منذ عام 1985 ولحد عام 2014 على خشبة اكثر من 14 مسرحا من المسارح الروسية المختلفة في العديد من المدن الروسية، وعلى الرغم ايضا من انها تحولت في روسيا عام 1963 الى مونواوبرا، وتحولت في عام 1968 الى فلم سينمائي سوفيتي، و يمكن اعتبار هاتين المحاولتين دليلا ماديا لا يقبل الشك ابدا، في ان الفنان الروسي عموما كان ينظر الى قصة غوغول هذه باعتبارها مادة صالحة لتطويعها والتعامل معها في مجالات فنية اخرى .

قراءة في انهار ظمأى للشاعر صدام فهد الاسدي

صدام فهد منذ عرفته يجيد العزف على وتر الضمير .. رجل موضوعي حد النخاع يتلذذ بعذاباته ويلعق جراحه مثل كل الكبار ولكنه يصرخ بصمت ولن يحترف لغة اخرى غير الكتابة على الورق او الصراخ البارد كما نسميه معشر الاعلاميين .. ولعل الذي يفهم هذا الانسان او يحاول الولوج الى عالمه الخاص .. يراه انسانا ً اخر .. يفكر من اجل الاخرين .. يبكي على نخلة ٍ قلعوا جذرها او ذبول وردة ٍ تحت وطأة الجلادين ... او ... او ... ويستمر فهد مثل نورس ٍ حزين في بحر التناقضات والافتراضات والقصائد التي سقطت في ثقب الفوضى ثانية .. ولكن صديقي العزيز منذ العقد السبعيني قبل ان يختم القرن صومعته كان شديد الرغبة للتجربة .. يكتب .. يبحث ... يقرأ كل شيء حتى كتابات الاطفال ... له اجنحه ملونة برائحة الابداع .. يؤرشف حتى النقائض والاضداد ... وله قلب ابيض مثل رائحة الثلج وسريره كنقاء البراءة في مملكة الصغار سأكتفي بالقول انه طيب القلب لأن شهادتي بصدام فهد مجروحة كوني من اصدقاءه القدماء جدا ً مع سبق الاصرار .. والحديث عن انهاره الظمأى لا تكفي قراءة واحدة وحسب .. فالرجل لن يحترف التصنع بافتراض اليأس الجاثم فوق صوت الحقيقة وبما ان كل شيء من خلال العنوان واستدرك لغته بحرف الامتناع لوجود ( لو ) في نفوس غزاها الصدأ وهو تهرب من الولوج في دائرة الحقيقة التي باتت في عنق الزجاجة ...

لو كنت اميرا ً لآقرت الجهلاء

بقطع الساقية الحبلى بالاوثان ..

واستدراكه بان الدنيا لا تنكر

انسانا ً يعرف معنى الانسان وصف موفق للحكمة

والاسدي لا يعرف ... بل يعرف اكثر مني ولكنه لا يعترف

ان الانسانية في ذاكرة النسيان ..

وهذا هو طبع الاسدي يصرخ بصمت تحت وطاة السكوت بلا جدوى

كسرة خبز ضامئه .. غرقت في نهر دماء !!

من ياكل تلك الخبزة يا شعراء ؟؟

ولم يكف الاسدي عن بكائه المر في ثياب غير قابلة للسلخ

على هذا وذاك الحال طاب

الموت والمصرع

تقول الموسى لا يؤذيك

كم موسى من الحسرات ِ قد ابلع ْ ...

وما بين جلود اكلها الوسخ ... وارغفة على قيد الانتحار

نزف من الجراح وسيف اليأس لا زال جاثم على قلم الاسدي مع

سبق الاصرار ...

اعلق جلد الخطيئة

فوق حبل الغسيل

ولكنها الشمس تبقى ...

انفعال واضح بأن البقاء للأصلح حيث ينقشع غبار الكذب

وندرك حينذاك فرقا ً بين الاصالة وعمق الجذور وبين

الثمالة والفجور ...

ها اني ارفع القبعة للأسدي الذي اباح بكهنوته في كتاباته وكانه راهب فقد ديره وتمرد على واقعه الاشد بؤسا ً .. في قوله :-

حتى الحقيقة لن تكون هي الحقيقة

او في قوله الاخر ..

امنت ان الدهر يلعب ما يشاء وليس

يخجل اذ يموت الحق في ظل الحرام .

وحين يلجأ الشعر الى الحسين الذي يراه المنقذ الوحيد لخرافات وتفاهات العصر فهو هروب من الواقعية . فكيف نهرب من شيء بدا لنا اليفا ً كالقطط المنزلية ولحكمة الشاعر ادرك ان الحسين لم يمت ابدا ً فهو في اقلام وضمائر الخيرين وليس في لغة الساسة الذين باعوا الضمائر في سوق النخاسة ... ان فراسة الشاعر في كشف الحقيقة :-

ما اكبر الصلوات تسحق

كل زيف الناكرين

(وفي معارضة)

الذي يناجي بها يمز من رموز الشعر في البصرة صديقي على الامارة اشم فيها رائحة الجنوب حين يقول ..

نخلة الصبر كل ريح تحدث

عذقها اليوم صار خسا ً بالعتاد

ايه بغداد نفتديك قلوبا ً

فجنوبي يشد كف الرمادي ..

هكذا هو الاسدي يلعن التقصير والطائفية

ويشد ازره بحزام الوحدة ..

ويرى شاعرنا الاسدي ان عودة السماوي قد تكون للمنفى بين اروقة الرذيلة كما سماها .. بعد ان كان يمتكي قلمه في عالم مفعم بالحرية والصدق خلف جدران الوطن ..

وسوف تلقى عجبا ً في قادم الايام ...

وعندها تقول عفوا ً قد صدقت يا اخي ... صدام .. (والمقصود هنا الشاعر صدام فهد الاسدي) وفي طلاسمه ينتفض القديس من سباته العميق تحت تأثير وجع الحقيقة المفعمة برائحة اليأس القاتل ..

اتظن يوما ً يا نزار يعود

للأرض الصفاء ..

ايصيبنا لولا الجهالة ِ

سيدي هذا البلاء ...

وفي مشاكسة خارج الطابور واسطورة الجنة الوريفة ونث العناقيد يرتدي الشاعر جلباب المروءة ويمتطي صهوة جواده الى مدن الفضيلة بعيدا ً عن شعيط ومعيط وجرار الخيط ... وفي رائعته انهار ظمأى دعوة مباحة للشعر ان يدفن موتاه ويرحل ..

هنا اتوحد ظلا ً يعوف

غبار القطيع

قلم يعد الشعر الاصدى

يموت وتحفره الذكريات ..

هنا اختلف مع الشاعر بان الشعر ليس صدى بل وجع بحضور فوق خارطة القلب وما بين القلب والقلب كالتي تمتد بين المحراب والصلاة ..

الله علمنا الحقيقة والمحبة والسلام ..

والله اعطانا الحقيقة والعدالة والنظام ..

وفي خوارق واتكاء على ظهر الغيمة وتأملات في زوايا الفراغ وبكاء الرغيف

على كف طفل يتيم ونشيد السمكة وهواجس و دوامة الصبر بعد ترميم الذاكرة ينزف الشعر لمناجاة سيدة النخل .. كلها صراخات كبيرة .. مزقت اروقة الصمت نحو محطات خاوية قد خلت من نوايا الافتراض بان الصدق قد انبرى في زوايا المقبرة .. ولا زلت ارى الاسدي في كل مجاميعه ينعى الضمير الذي ضاع بين حانات الليل وغياهب الجلادين وسوق السماسرة والسياسيين وبنات الهوى ..

وبقي صدام يبكي لوحده وهو يبحث عن الصب في دوامة وهواجس على ضفة البكاء ليرمم الذاكرة من جديد وينزف الشعر ويناجي سيدة النخل البصرة .. عن زمن اكلته الهوارف والاقلام الموبوءة والمأجورة حد اللعنة ..

حانت هناك كربلاء

والحسين يركب الصعاب

كيف ترى سنبلة فارغة

والكبرياء عندها يمزق الثياب

سيدتي كيف حفرت حفرة ً

عاشت بها الكلاب ..

واخيرا ً فقراءة واحدة لا تكفي ان تمنحك تأشيرة دخول الى مدن الاسدي .. ذلك الانسان الطيب والشاعر الانسان الذي حمل وطنه دائما في سفرياته الشعرية الى عالم الرغبة والحقيقة والخيال .. بارك الله الاسدي شاعرا ً وانسانا ً يرسم الابداع بلغة الحقيقة وبراع اصلد من وقع السيف مع اصدق تحياتي للشاعر الصديق صدام الاسدي ..

 

 الشاعر الاعلامي

خلف المناصير

 

 

 

(الليل لا يضيء في اللاذقية) نصّ المفارقات والتجربة الليلية

ahmad alshekhawiليل اللاذقية يستمدّ استثنائه من انتسابه إلى هذه المدينة الأثرية العريقة الممتدّة جذورها إلى العصر الفينيقيّ وإذن .. فلنبحر جميعا في ظلال منجز ثري بالمفارقات ،ينم متنه الشعري عن طاقات نفسية خفية وقناعات راسخة كالتي يمتلكها المبدع الدكتور عبد الجبار الجبوري ،والمؤثثة لفضاءات القفز فوق الهمّ الشخصي والمحلي إلى العالمي والإنساني.

بديهي أنه في غياب المعاناة، ما من حديث على الإطلاق عن بيئة حاضنة لنبوءة ما / هنا، آلهة بديلة وإن جريحة ترعى أوطانا بديلة هي الأخرى ،منبعثة من طقوس خراب الراهن باعتبار الدمى (نخبة العبث الممسكة بخيوط المشهد السياسي القائم) من أبرز الأطراف المتسببة بتغلغله واستقطابه ونخره نخاع أجزاء جغرافية عريضة من البلاد العربية.والحقيقة المرة تكمن في كون الشاعر يود صرف اهتماماتنا إلى ما يذكي فينا فضولا معرفيا أو بالأحرى يعاود ممارسة ذلك الفعل، ففيه محاولات التحريض على تحسسّ الجهات التي تتحمل المسؤولية تجاه تحريك هذه الدمى وفق ما يلبي مصالح ومكاسب تمليها رأسمالية متوحشة على حساب شعوب مضطهدة طبعا.

الليلُ هناك نجمة...

نجمة أرسمهُا على رمال قلبي....،

بالوشم والقبلات...

وأشيلُ على كتفي أوجاعها...،

الراحلات...

أزين ضحكتها برفيف دمعي..

وأسرج لها ....،

خيلي المتعبات....

 

تأمّل هذه الوحدة يوحي بتناغم الذات الإبداعية مع المكونات الكونية، من ثماره النفسية تحقيق نوعا من المصالحة مع الذات .

في العنونة أول مفارقة طريفة/ الليل لا يضيء في اللاذقية، و "في " هذه للتبعيض ، فثمة أماكن أخرى تسبح في ظلام ثورات مميعة مزيفة زاغت عن أهدافها المرسومة و مراميها النبيلة.

وكمفارقة ثانية،مطلع النص / الليل هناك نجمة . والمقابلة اللطيفة بين الضحكة (الفرح) والدمعة (الألم)، تشكل ثالث مفارقة يتضمّنها النص / أزين ضحكتها برفيف دمعي .

الليل نجمة البعيد/وطن الشاعر المنتشي بلحظة تمزقه بين مدينة سورية مطفأة الليل و الأفق وقد شوهت ملامح ما يقترحه من أمل، جنائزية مشهد الوطن الميت .

الأمل كأنجع سلاح وعدة وعتاد لمجابهة هذا الزخم من الأوجاع والدماء . ولأن النجوم على علاقة مباشرة بزرع هكذا آمال في النفوس إبان التفشي المحموم للمحن وتعاقب الأزمنة العسيرة، حدث هنا تنكيرها وإفرادها وتعريف الليل بها على نحو من النسبية المؤهلة لنقل الأحاسيس مغلفة بمصداقية وخصوصية تجربة مترعة بالرمادية والغضب والتشكيك، وهي سيميائية واشية بحدود التمايز والتفاضل بين كائن عادي محبط ضعيف سرعان ما يرفع راية الإستسلام وآخر صلبا مناضلا بأفكاره حالما بغد مشرق قادم لا محالة كي يبدد كوابيس العتمة الآنية .

وهكذا يتضح لنا كيف أن الشاعر وحفاظا على وازع صعود المؤشر المعنوي لدى المتلقي، أفلح في إيجاد محاكاة طبيعية للتجربة الليلية /نجمة ، فبرع في خلع إسقاطات الليل على أجواء المحاكي تأجيجا للعناصر المشوقة والمرغبة في استكمال القصيدة حتى آخر حروفها.

هكذا يترسب في اللاوعي لدينا مسايرة شريط يستعرض تفاصيل المعاناة المتقاطعة مع الليل في قواسم مشتركة متنوعة نهتدي إليها عبر إدراكنا الواعي وقد تمت إسقاطاتها على مكون كوني(نجمة) مع مراعاة ضرورة الإبقاء على المنسوب المرتفع للمعنويات المحيلة على القوة في المواجهة والتحدي والتعاطي الواعي مع تلكم المعاناة.

 

يا لهذا القلب المتعب الجريح....

كم خذلتك البلاد...

وكم خذلتك الدمعة ألأولى

وكم خذلتك الليالي المهاجرة....،

وأنت لا تبالي ...

كأنك جرح يصيح...

هي نزوة عابرة ...

أن تسبق الأمطار غيمة خاسرة...

فلا تبالي....

إن مات في الأفق وطن...

سينهض من دماك ألف وطن...

ولا تبالي...

إن حطموا هنا حجرا..،

وهناك قمر...

فسيولد ألف اله جريح...

هذه الوحدة مستهلة بأسلوب للتعجب إشفاقا ولهفة على قلب مخذول خانه التراب والليالي المخيبة للظنّ عقب توسم الأنس فيها و إمكانية التزود من خشوعها وغموضها وحلكتها بأسرار وجودية معينة على تجاوز أوجاع الصدمة التي يولدها الإحتكاك بواقع تفكيك وتفتيت دول وازنة في الجسد الكنعاني وقد تكالب عليه الأعداء والمرجفون من كل حدب وصوب .

حدّ عصيان الدمع يتباهى الشاعر بوطنيته القحة غير المنافقة أو الطامحة في إرضاء أنانية مريضة تستبيح الأرض والعرض، الرامية إلى غير ما ينطوي على عزة وكرامة كل مواطن عربي ،بل للإنسان حيثما حل وارتحل.

أبدا لن يذبل أو يشيخ أو يموت أمل تقترحه نجمة ليل يحجب عوالم تتغذى من الذاكرة والموروث لتخصيب رؤيا قلبية متشبعة بثقافة شعبية مبشرة بأوطان بديلة كفيلة بتلبية تطلعات شعوب الفوضى والدمار والترهيب والتشريد وشتى صنوف الممارسات التعسفية والهمجية البغيضة.

 

هي الأرض مثل الأرض...

تنمو على يديها الرياح...،

ولا تشيخ...

أنت سماء روحي...

وأنت عشبة قلبي

تعالي ارسمي على شغاف نهاري الذبيح...

صورة المطر...

فأنا منذ خلقت الدروب أبكي نجمة ..،

تسكن في قلبي ...،

ولا أراها...

تعزف ألحان حبي...،

ولا أراها...

تكتب أشعاري ولا أراها...

توقظني...

كل يوم ..

ارتشف من شفتيها قبلات الصباح ..

ومن يديها قهوة الصباح

ومن عينيها نشيد الجراح...

تعالي على صهوة الليل..

كمهرة ضلت الطريق إلى قلبي...،

وعاندتها الرياح...

أعرف أن الليل ...

لا يضيءُ في اللاذقية الآن...

لأنك لست معي ..

لهذا فانا ثمل بك...

أرتشف خمرة الغياب

من بحة صوتك التي تجيء محملة بالقبل...

وأحبك....

على قائمة الرسائل الممررة عبر ثنايا هذه الوحدة الشعرية المختتم بها النص، ثمة استحواذ الحس الوطني على ذهن الشاعر مرورا بكل جوارحه/تكتب أشعاري.../ ومن يديها... / ومن عينيها... / أرتشف من شفتيها قبلات الصباح إلخ...

الشيء الذي يمنح الشاعر تساميا خاصا على الإنفعالات وليدة ضغوط واهية ما تنفك تخمد وتضمحل . تساميا و ارتقاء معرفيا وجماليا إلى مستويات البصيرة المتقدة التي يؤطرها الوازع الإنساني و الإلمام الشمولي بأبعاد السرطان الملم بجغرافية عربية شاسعة .

إنها وطنية حقيقية بنكهة خمرة الغياب، الإنتشاء بها يسمو بالوجدان ليضعه في مستوى آيات رؤيا مقروءة في صفحات نجمة ) معوضة عن النقص والفراغ الذي تخلقه حالة نفسية ما /شعورا غرائبيا من نسج مدينة جارة مكلومة هي الأخرى ليلها لا يضيء) نجمة لا مرئية وطنها القلب مُبكية مذ أول خطوة في متاهات البوح تضميدا لجراحات طعننا في هويتنا وسلبنا ثروات وأمن واستقرار أوطاننا.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر مغربي/18/04/2015

سروال بلقيس رمزا ً للشقاء والتحدي

tawfiq shakhusanمخيم يروي حكاية الليالي التي اطفأت دف ء الكلمات، صوب رائحة البلاد المستباحة

..سنون مرت لم تكن تخلو من الجوع وأكواب البكاء على ريح البلاد، حجبوا عنهم ضياء الشمس وأغلقوا كل الشبابيك ..

الجرح عميق .. قلوب ٌ ضاعت في الشتات تفيح بريح الفقر والشقاء، وحوش الليل قتلوا صوت الأنين، والعالم الحضاري يترك الدم يجري كالماء وسط ركام القهر، ويبقى أناس المخيم يحفرون في صخر الجبال قصصا ً ويرسمون لوحات لا تغادر الذاكرة .. لا يمكن للذئب أن يغدو انسانا ً ويستحيل أن يصبح الثعلب قاضيا ً ..

رواية صبحي فحماوي " سروال بلقيس" (مكتبة كل شيء، حيفا،2014) ترتبط بالحدث العميق في مسيرة الشعب الفلسطيني ومسار قضيته، وهي نكبة 1948 .. تشتّت أبناء الوطن الواحد في جهات الأرض الأربعة لا يعرفون لماذا.. والى متى ؟!..

" سروال بلقيس " تحمل الكثير من الألم والتشرد والنزوح، هذه الحالة التي عاشها الفلسطيني في بداية هجرته والتي أستمرت معه منذ أيام الخيم التي عاشها في بيوت الصفيح فكان حرها يأكل جسده صيفا ً ويقرصه بردها شتاء ً ..

تتألف رواية " سروال بلقيس "من فصل استهلالي قصير غير مرقم وسبعة فصول مرقمة من " 1 – 7 " ..

امرأة خمسينية العمر أسمها " بلقيس " تدور حول نفسها بعمل شاق تقطف الأعشاب البرية وجمع حبات الزيتون وهي الفرصة الوحيدة المتاحة ايضا أمام نساء المخيم لكسب أقوات عيالهن .. وحمدة المحمودية الأرملة الأربعينية التي أستشهد زوجها وترك لها ثلاثة أطفال، كيف تستطيع أن تطعم أطفالها وتكسو عريهم وتحميهم وتتساءل من يساعد أرملة الشهيد على مواصلة الأنفاق على أيتامه وجعلهم يواصلون حياتهم بكرامة .. وصالحة السمراء الثلاثينية المتعلمة والنازحة مع زوجها أبو خضر من مدينة الناصرة ..

أما عن الرجال فلا تجد لديهم فرصة عمل الا الأعمال الشاقة ومكانها الوحيد هو كسارات الحجارة التي كان معظمها في السابق ملكا للشؤون العسكرية الأنجليزية، ولكن في واقعة الهجرة دخل رجال المخيم الى الأشغال الشاقة بأرجلهم ..

حين يكون الجرح على هذه الدرجة من الفداحة فان الألم سيأخذ مداه في الحنين الى فلسطين كوطن لا تزال صورته ماثلة في الروح، فاللاجئ الفلسطيني ليس مجرد مواطن خسر أرضه ولو الى حين، بل انه بخسارة الأرض خسر أمانه الشخصي حتى أنه أصبح عاجزا ً عن التنقل بين البلاد كباقي البشر، أن اللجوء الفلسطيني أخذ بعدا ً رمزيا ً بموازاة وطأته الواقعية .. كان لمخيم اللجوء من وجهة الأعداء مهمة

محددة هي أن ينقرض الفلسطينيون وينتهوا ..

وصف الروائي صبحي فحماوي في " سروال بلقيس " قوة المرأة الفلسطينية وأظهار معالمها وأبراز سماتها النفسية والأجتماعية من ناحية تكاتف المرأة والرجل في تحمل أعباء التهجير والتشتت الفلسطيني في بوتقة المخيم، في البحث عن لغة العيش من أجل البقاء ..

 

يقول غسان الشكعة:

" عند الحديث عن المخيمات الفلسطينية، فان ذلك يعني الحديث عن مأساة شعب وأمة كاملة، فمئات الآلاف الذين هجروا وشردوا من بيوتهم وأراضيهم في النكبة الأولى والثانية وطردوا من القمع والتنكيل ليعيشوا مرارة الغربة وقسوة الحياة والظروف الجديدة التي وجدوا أنفسهم مكرهين عليها ويحملون الأمل بالعودة يوما ً الى أرضهم ووطنهم وبيوتهم " ..

لم تكن هذه العذابات كلها لتتم الا لهدف البقاء، مجرد البقاء، وذلك لتوفير الماء والطعام، والابقاء على أضعف الايمان من صور الكرامة، فالجوع الكافر يتحرك في أمعدة اللاجئيين كلهم، فكيف بالأطفال الذين ينتظرون الغذاء لينمون، وبالكبار الذين يحتاجون الغذاء لمواصلتهم العمل والحياة، وتحمل مسؤولياتهم، وأما عن العجائز الآملين بطول العمر وبرحمة ربنا، والذين لا يجدون الدواء لآلامهم وأمراضهم، فهم أكثر الناس انتظارا ً للقمة تسد رمقهم وتحقق لهم البقاء، مجرد البقاء، ولو موجوعين مرضى ..

يشكل كل من المكان والزمان أحد المكونات الأساسية في بناء الرواية، أن المكان هو عالم الثوابت بينما يندرج الزمان في عالم المتغيرات ..

يصور الروائي صبحي فحماوي المكان كخصوصية بالنسبة للرواية والتي تتحدث عن مكان مغتصب وعن أمكنة اللجوء بين حلم الوطن وحقيقة المنفى ..

لقد غطت رواية " سروال بلقيس " الكثير من المساحات الزمنية أثر نكبة 1948 وكيف ترك الروائي صبحي فحماوي الزمن ليضع بصمته على شخصياته ..

فالشخصية هي المحور الرئيسي في أطار العمل السردي، فالحوار هو حديث الشخصية والشخصية تتحرك ضمن الفضاء الزماني والمكاني .. فقد استطاع صبحي فحماوي أن يضبط حركة شخوصه وخاصة شخصية بلقيس بما يلائم ما أسند اليها من دور في الرواية، فهي جادة التصرفات ودائمة المبادرة لعمل شيئ من أجل أنقاذ ما يمكن أنقاذه .. فنراه ينفذ الى أعماق الشخصية ويستنبطها ويثريها بالنمو والمفاجأة،                                                                 وهناك شخصيات ثانوية أهميتها كأهمية الملح للطعام وهي تتطلب نوعا ً من التوازن بينها وبين شخصية البطل، ومنها شخصية ابو مرزوق والذي يعمل في كسارة أبو شهوان الواقعة بين المخيم والمدينة، وشخصية أبو خضر البغل وجسده الطويل والضخم وشواربه الكثة الغليضة وشعروجهه يتشابك مع رأسه.

وهناك شخصيات بسيطة تخلو من التعقيد والمفاجأة وتتميز بطابعها الفكاهي وتساعد على حركة الشخصية المستديرة، ومنها شخصية أبو حشيش وأبو كرش تلاقيهم دائما يتصايحون بالكلام القذع، الأقسى من القسوة، ليس لقبح أخلاقهم أو فواحش أجتماعية متأصلة فيهم، ولكن ليتناسوا همومهم العائلية ومآسي الزمن الرديْ الذي داهمهم فجأة وتجد رؤوسهم مدفونة في ورق اللعب ..

وهناك الشخصية النمطية والتي كانت مجرد رمز يرمز الى صفة من الصفات بحيث لا يشعر القارئ بالشخصية ذاتها وأنما يحس بالصفة أو السمة التي يريد الكاتب أظهارها، كما في شخصية مسعف الشاب الصبي الوسيم الذي التقى بحمده المحمودة تحت شجرة وارفة الظلال في موسم الزيتون .. وشخصية طائل الهلباوي والذي يعمل مراقب عمال في كسارة أبو شهوان، ووحيد أبن الأرملة الذي أستشهد والده على يد المحتلين لفلسطين ..

هكذا عشنا في المخيم، هذا المكان الصغير في مساحته والممتد عبر تضاريس متعددة في فلسطين وخارجها .. المخيم كلمة لم تكن كلمة عادية في قاموس الشعب الفلسطيني، ولم تمر على الأدباء مرورا ً عابرا ً، كيف ولا هم من أبناء هذا الشعب يعيشون معه كل لحظة ويعايشونه في كل تجربة ..

 

"سروال بلقيس" رواية للروائي صبحي فحماوي

الناشر: مكتبة كل شيئ ــ حيفا

الغلاف: للفنانة الفلسطينية ــ ريما المزين ــ

الطبعة الأولى 2014 ..