المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

دلالة الرقم الخيميائي المُكرّر.. قصيدة المتفرجون للشاعر ركن الدين يونس

adnan aboandolisيحبذ القراءة المتأنية لأي نص ما,لأن ذلك يستوجب الوقوف على مفردة قد تكون مفتاحاً للمغلق, والذي يروم من ورائهِ فكَّ إستغلاق ما، ربما تكونُ إستحالته غير ممكنة، وحيث تُثمر -أي القراءة -استنطاقا لمعانيها تحت وطأة الإغراء وعبر تحسس فضاءاتها بتلك الوقفة- كإستراحة او سحب نفس للمطاولة.

يبغي المتلقي من خلف تلك الكواليس، إظهار ماترافق رؤاهُ لحظتها، ذلك فك لغزاً أو كشف مخبوء-مطلسم - شيفرة- عندها تسير الدلالات طوعية,فلكل دراسة أو قراءة سياقها المعهود والتي تفتح آفاق جديدة ومعاني إضافية يريد منها الإفصاح عن الذات,وما قصيدة- المتفرجون- للشاعر إلا بذات المعنى، لذا حسبته في ركن ما من المسرح يدون استنتاجاته، والتي أراد منها تفكيك البنية، وكما ورد في مستهل التقطيع:

تصفيق- تصفيق- تصفيق- تصفيق-1-2-3-4 عدد الكلمات = 4

تصفيق- تصفيق- تصفيق-5-6-7- عدد الكلمات =3

تصفيق- تصفيق-8-9-عدد الكلمات = 2

= 9\ عدد الأصوات = عدد المتفرجون \ 9

مفردة- المتفرجون= عدد حروفها - 9- \ أصوات التصفيق = 9 \ أي متساوياً مع عدد المتفرجون، ومع الإستقراء إتضح بأن مفردة – الخيميائي – 9 حروف، وقد جاءت مصادفة بالتحليل .

بهذا التدرج ومع هذا التكرار للعدد لم يأتِ عفوياً – بل أرى إن هناك قصّدية في النص، ربما يساير واقعة حدثت في رؤاه، وكان الرقم-9- حدثاً مهماً فطبع بهذه الصيغة- ربما الإجتياح الأجنبي للبلد وإحتلاله- يوم 9-4-2003 وغيرها، وعلى ما اعتقد ذلك هو الصواب بعينهِ ,علماً إن الرقم- 9- تتنافر به العلاقات، إلا في العدو المشترك حسب أقوال المنجمون،وهذا ما حصل فعلاً،وحتى علمياً قدّ يصار إلى نتيجة غير موفقة عند صهر المعادن في بودقة، قد يصار إلى حرّقها بألإذابة إلى تكسر المعدن الأصلي، لكن هنا مواءمة وملائمة في الهيجان والتصفيق وتحت كواليس السياسة القائلة " عدو عدويّ = صديقي " , حيثٌ الرقم _ 9 _ وهو رقم خيميائي يحول المعادن إلى ذهب، و كما يقال، وهكذا بني الشاعر "ركن الدين " نصه على أُسس علمية في التفسير الميثولوجي ,هذا النص برمزيته قد أزاح الشكوك وتفادى ما تعتريه من عراقيل.

يستمر بإكمال نصه:

‘انتهى العرض المسرحي

........تصفيق

..............ابتدأ العرض

............تصفيق

هنا لاخيار للمتفرجون سوى الإذعان لأمر المخرج، نعم مثلما انتهى - بدأ-لتشابه الحالتين معاً في فوضى خلاقة لن تتكرر- عصفت ببلادنا . ففي إختلاط الأصوات وضياع الحقيقة، فـ الجمهور – مغلوب على أمرهِ، لا يعرف سوى ترديد الكلام والتعبير عنهُ بهذه الطريقة – التصفيق – حالة إرضاء ليس إلا !.....

كذلك استمرارية النص ,كشفت عن رمزية رصعته وثقلت معناه - إلى آخر القصيدة:

ومنها –

اقطع أُذني

وهي ليست للرسم

ولا للإذن

ولا للصحن

ولا للعرض

بل إنها للسمع فقط-هذا المقطع جاء شبيهاً لمقطع من قصيدة للشاعر جان دمو -مياه سعدي- إنها ليست للناس- ولا للزرع- ولا للأرض- إنها مياه القصائد فقط. ولكثر ما تصاحبا في فترة عبثية جمعتهما الأرصفة تيهاناً وتسكعا كانت رؤاهما متشابهه حدّ التطابق العيني المنظور .

 

كركوك

وجع الذاكرة في ما بعد الخريف للقاص عبد الكريم الساعدي

ahmad alkhozaiالمجموعة القصصية (ما بعد الخريف) للقاص عبد الكريم الساعدي، هي مجموعة أشبه بقصائد نثرية ملؤها الشجن، وشحت بفن قصصي جميل، ولغة غنية بمفرداتها ودلالاتها، مازج فيها القاص بين القصة القصيرة بكل أركانها وثوابتها وبين لغة كانت هي اقرب إلى الشعر .. على امتداد العشرين قصة التي احتوتها هذه المجموعة، تناثر الوجع العراقي الهائم على شهد الحرائق،بين طياتها واسطرها لتوقظ فينا شجن غريبا لمحنة ما زلنا نعيشها ونتنفس عطرها الممزوج بالخوف والموت والغربة .. لم أشأ أن أخوض في غمارها كلها، لذلك اقتطفت منها جزء يمثل جرحا نازفا في ذاكرة الوجع العراقي، في ستة قصص رائعة (رسائل الموت، دموع خرساء، في بطن الحوت، حرائق ساخرة، أحلام الذباب، شهقة الطين) .. مثلت أدب الحرب، ألقى القاص عبد الكريم الساعدي رحاله ليستوقفنا معه مرغمين عند هذا السفر المؤلم والحزين من تاريخ العراق الحديث .. ليفتح لنا أبواب الأمس القريب لنطل من خلالها، على ذاكرة خصبة لإنسان عاش بوعي وإدراك فاقا حدود الحدث والصورة، لوجع ذاكرة مشبعة بقسوة الحروب، وغربة الخنادق، وانين الجرحى، ووجوه الموتى، وأمنيات ضائعة بين أصوات هدير المدافع وأزيز الرصاص والفقر والحرمان .. ذاكرة حملت أطلال ماضي حزين سرق منا الأحبة والحلم، ذاكرة انتقلت بنا من أقصى جنوب عراقنا المكبل بالحروب والانتكاسات حيث جحيم معارك الفاو إلى أقصى الشمال، حيث معارك جبل كردمند، وبين هاذين الشاخصين وشم لنا القاص خارطة وطن سرقه منا عنوة، جنرالات الحرب كما اسماهم، ودعاة القتل، وسماسرة السلطة، هذا الجزء من مجموعتك القصصية سيدي القاص عبد الكريم الساعدي، الذي سحبت فيه ذاكرتنا بسحر كلماتك وعذوبتها، إلى ماض كان لزاما علينا أن نستحضره دوما لنعي الدرس، وندرك أن الحروب والكراهية لا تخلفان غير البؤس والخراب .. فشكرا للقاص على هذا الانجاز القصصي الرائع .. فلقد نكأ فينا جرحا ما كان له أن يندمل في فوضى الحزن التي نعيشها في عراقنا الجريح.

 

احمد عواد الخزاعي

وقفات في النقد الأدبي: ابراهيم مالك في خلاصة تجربته

karim alasadiقبل فترة، وفي اليوم الأول للعيد وصلني عبر الهاتف صوت صديق عزيز، جاء الصوت هادئاً وجميلاً ومحملاً بعواطف الصداقة والأخوة النبيلة والصادقة التي نفتقدها أشد الأفتقاد في عالمنا المعاصر هذا، لابد ان يكون هذا الصوت قادماً من بعيد البعيد ليس على صعيد المكان فحسب وانما على صعيد الزمان أيضاً، في هذه الثواني القليلة جداً ولكن المركزة مابين سماع الصوت ونسبته الى صاحبه تشتغل الذاكرة بشكل عجيب غريب وغير قابل للوصف، فتمر مشاهد وذكريات وأحاديث خطفَ البرق حتى يتوصل السامع ان توصل من معرفة صاحب الصوت: انه صوت الصديق الشاعر ابراهيم مالك الجزائري التونسي الفلسطيني ابن العالم العربي وابن العالم الذي يجمع في سيرة حياته أقطاراً وقارات ...

سلّم علي بدفء الصداقة وحيّاني بكرم روحه وسأل عني بوداد أخوته وأبوته، ثمَّ أخبرني انه سيرسل الي نسخاً من كتابين جديدين صادرين له .. الكتابان ديوانان صادران حديثاً يتضمنان خلاصة تجربة الشاعر ابراهيم، اسم الكتاب الأول الفراشة السوداء أما الكتاب الثاني والأخير فاسمه خلاصة تجربة، وهو مثلما يدل عليه اسمه محاولة من الشاعر لترحيق تجربته وعياً، وفلسفةً، واسلوباً ورؤيةً وطريقةَ تفكيرٍ وحياة ..

وعدني ان يكون البريد عندي في غضون اسبوع فهو سيرسله عن طريق ابنه المقيم في برلين وزميل ابنه الفلسطيني الذي يعمل في مقهى ومطعم عربي قريب وفي الحي البرليني الذي اسكن، بيد ان البريد تأخر طويلاً حتى أوشكت على اليأس منه ولكن الزميل الفلسطيني حمل الي هدية وبريد ابن بلده في زيارة لي الى المقهى حيث يعمل.

الشاعر ابراهيم المولود في فلسطين والمنحدر من أبوين شمال افريقيين هاجرا الى فلسطين وأقاما في الجليل وهُجِّرا من ضيعة الى ضيعة مع ابنائهما وتحملا ماتحمله الفلسطينيون بدأ الكتابة واعياً ومصمماً بوقتٍ متأخرٍ نسبياً في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وان كانت له تجارب من أيام الشباب في كتابة الشعر الموزون والمقفى..بيد ان ديوانه الأول لم يصدر حتى سنة 2001 وقد جاء بعنوان ـ في انتظار ان تأتي ـ.

من قناعاتي في عالم الكتابة الواسع الشاسع المتشابك المعقد المديد والممتع ايضاً ان يكون العمل الشعري والأدبي للشاعر والأديب بمثابة وحدة كلية واحدة يُكمِّل البناء فيه البناء السابق ويتحاور أيقاعياً وروحياً وفكرياً وفنياً معه، فقد يجد القاريء فكرة أو صورة شعرية في عبارة أو بيت يحاورها أويحوّرها الشاعر بشكل جديد وخلّاق في بيت آخر مضيفاً ومبدعاً من جهة ومؤكداً لهويته وشخصيته الأبداعية والكتابية من جهة ثانية.. أي ان العمل الأدبي ثابت في هويته ومتجدد مع هذا على الدوام !!

ومن قناعاتي ايضاً قناعة تضيف الى هذه القناعة : ان لايقلد الشاعر أو الكاتب شاعراً أو كاتباً آخرأبداً، قد يتأثر أو يحاور، ولابد له في الأحرى ان يتأثر أو يحاور، لكن يجب عليه دائماً ان يترفِّع عن التقليد ويتجنبه، فالتقليد نقيض الأبداع بل هو قاتله، وهذا الترفع عن التقليد بل وهذه الخصوصية هو عين ماوجدته عند أبراهيم مالك قولاً وفعلاً، تنظيراً وكتابة!!

في التقليد هناك حقيقة رياضية ـ من الرياضيات ـ ان المُقلِّد مهما أجاد لايستطيع ان يصل الى مستوى مئة في المئة من المُقَلَد طالما كانت غايته الكبرى الوصول الى تقليد الأصل تماماً . قد يصل مثلاً الى مستوى تسعين في المئة أذا جاز القياس بهذا الشكل، ألا ان الكمال في هذا المسعى سيبقى للأصل فهو الغاية أو النهاية التي يتقهقر عندها المقلِدون . أما الحوار الأبداعي مع مبدع آخر سواء من جيل معاصر أو جيل غابر أو من أجيال سحيقة وموغلة في القدم، فهذا جائز وجميل، واذا تجاوز المُحاوِرُ فيه المُحاوَرَ، أو تخطى فيه اللاحقُ السابقَ فهذا ابداع مابعده ابداع، لأن فيه أضافة للمنجز الأبداعي الأنساني أو مايشبه في الرياضة تحطيم الرقم القياسي برقم قياس آخر !!

ديوان ـ خلاصة تجربة ـ لأبراهيم مالك هنا هو تعزيز لتجربته الأبداعية السابقة، تنويع عليها وأضافة لها، والخلاصة أو التلخيص هو غير الأختزال هنا، أنه اشبه بجمع الرحيق في قارورة أو ما أسميتُه بالترحيق قبل قليل ولاسيما ان ابراهيم شاعر دؤوب قراءةً ومتابعةً وكتابة.

في صفحة الغلاف الأول صورة نهر يخترق غابة، أو لنقل صورة نهر نبتَ على ضفتيه شجر متشابك كثيف، صورة قال عنها المؤلف :

صورة الغلاف الأول: وادي مجردة في شرق الجزائر وهو مسقط رأس والدي صالح الأوراسي .

أما الغلاف الأخير فهو صورة لنهر أيضا وانْ بدا أصغر من النهر الأول لكنه محاط أيضاً بشجر كثيف يتعانق حوله، قال الشاعر عن هذه الصورة:

صورة الغلاف الأخير: نهر الأردن!!

نحن اِذاً أمام ولع للشاعر بالأنهار فالديوان الذي تشكل صورةُ نهرٍ غلافه الأول وصورةُ نهرٍ ثانٍ غلافه الثاني ستكون أولى قصائده من عوالم نهرية وسترد كلمة ـ نهرـ بشكل صريح في أشارة واضحة الى نهر الفرات أو ربما دجلة في قصيدته الأولى هذه التي أتت من وحي اسطورة سومرية .. ولأن القصيدة غير قابلة للتجزئة أولاً، وقصيرة ثانياً فسأوردها هنا بشكل كامل .

 

(عيِّنات ـ 1)

ما أعظمَ ما توحي به وتتحدث ُ عنه اسطورةٌ سومرية

تروي ان مجلسَ الآلهةِ انعقدَ لِيُسائلَ آحد آلهتِهِ :

عمَّن أعطاه الحقَ ان ينتهكَ أحدَ أبسطِ حقوقِ صبيةٍ

رأها من عليائه تستحمُ عند ضفةِ نهرٍ

فانقض عليها وانتزعَ عُذريتَّها بصلفٍ غرور.

لقد بدأ ابراهيم رحلته من ضفة نهر، ولايهم ان يكون الفرات أو فرعاً من دجلة، ولكنه نهر سومري من سومر البدء، والنهر راحلٌ أبداً ومتجددٌ أبداً، اذا لمْ يُقتَل، فلنتابع !

وفي هذه المقطوعة التي تحكي عن مجلس آلهة ينعقد لمحاكمة اله في غابر العصور محاكمةٌ يعقدها الشاعر، المتهمون فيها آلهة مزيفون من عصرنا سيخرجون منها مدانين أكبر أدانة حتى لو لم يعلن الشاعر الحاكم نتيجة محكمته ومحاكمته، ولابد ان تنقلَ مفارقةُ زمانِ الحدثِ ومكانِ الحدثِ القاريءَ الكريمَ ليقارنَ بين سومرَ بين النهرين بين زمانين: ماضٍ ومضارع!!

يخصص ابراهيم المقطوعة الثانية من المجموعة الشعرية التي سيحاور فيها أماكنَ ورموزاً من الأدب العالمي لسومر أيضاً وعلى وجه التحديد لأ نكيدو فيخاطبه قائلا:

انكيدو ياابن الطبيعة الحياة

ويانقيض كلِّ ماكانه كلكامش وحاشيتِهِ

من قضاةٍ، عسكرٍ، كتبة قصرٍ، بغايا وكهنةِ معبد،

فقدتَ حريتَك وافقدتَنيها لحظةَ سقطتَ في شباكِ مَن أغروكَ

بمتعةٍ جسديةٍ عابرة !

انه ينسب نفسه هنا الى الطبيعة، الى الحياة في بدئها وبداءتها دون ان يكون مكترثاً أدنى اكتراث بالأنتساب الى الحضارة مع العلم ان بالأمكان انتسابه اليها لو اراد ذلك، بيد انه يفضل ان يكون وريثاً لأنكيدو البدائي ويحزن لفقدان انكيدو بدائيته، تلك البدائية التي تعني الحرية أيضاً !! ان معسكره هنا هو معسكر الطيور والأيائل والأحراش والسهوب وغابات القصب والبردي والنخيل والحيوات الحرَّة، وماهو على النقيض تماما من معسكر القضاة والعسكر وكتبة القصر وغانيات المعبد وكهنته ! فالمعسكر الأول أو لنقل التجمع الأول هو تجمع انعتاق وانطلاق وفضاء وأجنحة وطيران وسهوب وجري وهواء طلق وحب بدئي وحرية !! أما المعسكرالثاني فهو معسكر أضابير ولوائح وأوامر وجنود يطيعون فينفذون !!

ان الأنتماء للتجمع الأول هو انتماء لعذرية الطبيعة والحياة، وهو انتماء لعذرية الكون منذ انفلق ومثلما انفلق وقبل ان يتدخل الأنسان فيه ليقسمه الى عبد ومعبود، الى مطيع ومطاع والى أسير وحر، وان كانت الحرية هنا زائفة لأنها نقيض شرطها الوجودي . وبنفاذ البصيرة هذا يكتب ابراهيم مالك هذا العمق بهذه البساطة !!

هذا الأنتماء الى الكون البكر والأرض البكر هو نفسه الذي يوجه ابراهيم في المقطوعة الأولى الى الفتاة السومرية التي فقدت عذريتها حين اغتصبها اله صلف !

ثم ينتقل الشاعر الى مصر، ليخاطب أخناتون ويصغي لصوته الطالع من المحراب، حالماً بمجالس يؤمها أخوة انبياء، وهو هنا يؤكد على الأخاء فيضعه تماماً جنب النبوة !!:

أخناتون ياعشيق الشمس

أصغي للصوتِ الطالع من محرابك

وأنت تردد تراتيل عشقِك الشمسَ،

فيشتعلُ في عيني الحالمتين بريقُ مجالس،

يؤمها اِخوة انبياء.

 

ونحو اليونان اذ يلتقي ابيقوروس!

ابيقوروس!

كم هوجميل مانُسِبَ اليك قولهُ

وقد بات بوصلةَ حياتي

وبصيصَ نفقِ آخر عمري:

ليسَ لدي عجزُ الثورِ لأدير ظهري لآلام الناس.

ثم ينتقل ليخاطب شخصاً مبهماً في مكان لم يعلن عنه لكن الأسم المخاطَب هو عبد الله، وان اتسع مدلول هذا الأسم ليكون في العربية كناية عن الأنسان، أي أنسان، أو أبن آدم، بيد اننا نستطيع ان نتصور من اتجاه السير ومن الانتقال من الشرق غرباً وتعبير القرية الضائعة ان المكان اندلس اسبانيا وان عبد الله ماهو سوى عبد الله الأحمر آخر ملوك الطوائف !

قلتُ ياعبد الله:

علَّمَتْني اسطورةُ ـ القرية الضائعة ـ الأشبه بقريتي

ان سِرَّ ضياعِها، فقدانِها واندثارِها هو انسانها

(سادتُها الأحرار ) وعبيدهم.

ثم يمضي ابراهيم في رحلة حوار أو لقاء مع رموز من الأدب والفكر عربياً وعالمياً من أزمنة قريبة وبعيدة ومن وقفاته نجده يتوقف عند طرفة بن العبد، اليشكري، ابن الورد، الشافعي، المتنبي، المعري، دانتي، ابن عربي، كازانتساكس، اراغون، لوركا الذي يخاطبه باسم غارسيا فيقول :

ياغارسيا!

ياقمر الأندلس الحزين!

ألمْ تزلْ تتذكرُ قتَلتَكَ

قَتَلَتُكَ هُمْ قَتَلَتي

وانْ تغيَّرَتْ صبغةُ جُلودِهم وتبدَّلَ لَغْطُهم،

فالقتلةُ سارِقو ألَقَ الحياة ومن قديمِ الزمانِ،

القتلة هم القتلة.

 

وفي وقفته مع أراغون يقول:

يا أراغون!

أفهمُ سِرَّ عِشقِكَ عيونَ اِلْزا

فعيونُ فاطمتي

تسكنُ أبداً فيءَ عيوني.

 

وجميل هذا التعبير : ان تسكن عيونٌ فيءَ عيون .

ثم ان الشاعر لم يقل (عينا فاطمة ) ولم يقل (عيناي أو عينيّ) في هذه الحالة طبقاً لحالة المثنى التي أجدها شخصياً من أروع تفردات اللغة العربية في النحو والأدب لما تكتنزه من عبقرية فلسفية في التعامل مع الحياة والوجود، ولقد كتبتُ أيام الدراسة في برلين وفي مرحلة الماجستير في الأدب العام والأدب المقارن موضوعَ فصلٍ دراسي عن هذا الأمتياز اللغوي في العربية من ضمن حالات أختلاف اللغة العربية عن بقية اللغات، اِذْ شاركتُ قبل هذا في الحوار الدائر في الحلقة الدراسية مُتطرِقاً الى بعض مزايا العربية فأعجب الأستاذةَ المشرفة الموضوعُ وسألتني فيما اِذا كنتُ أرغب واستطيع كتابة عملي الدراسي لنيل درجة هذا الفصل على هيئة تحقيق علمي أدبي ـ Refrat ـ أقوم بالقائه في المحاضرة ومن ثم مناقشته معها ومع الطالبات والطلبة في الفصل، فكتبتُ عن هذا الموضوع وتطرقتُ الى حالة المثنى في العربية لغةً ونحواً وأدباً .

ربما مال الشاعر ابراهيم الى صيغة الجمع في عيون فاطمة أو عيون أنا المتكلم لكي لايقتصر على العيون المُقَل فهناك عيون القلب وعيون البصيرة وعيون الحدس، وربما يكون الأمر مجرد سهو طفيف ونسيان بسيط !!

قصائد براهيم مالك في هذه المجموعة قصائد نثرية من الأبتداء حتى النهاية، وفي قصائد النثر الحديثة على الأعم الأغلب مثلما نقرأ ونسمع ونعرف، ومثلما ترفدنا التجربة، هناك الكثير من الحشو والترهل وحتى الهذيان المفضي الى هراء، بيد ان قصائد ابراهيم هنا محسوبة الكلمات تنتظمها هندسةٌ دقيقةٌ ومعمارٌ رهيفٌ لتقول الكثير بأبسط وأقل عدد من المفردات، حتى ان حذف مفردة أوجملة واحدة سيؤدي الى ارباك البنيان العام مضموناً وشكلاً !!

أقول هذا وان كنتُ أرغب ان أرى لو نوَّع ابراهيم على النمط الشعري الواحد فأضاف بعض قصائد التفعيلة ونوَّع في الأيقاع أيضاً حتى ضمن قصائد الوزن، ففي هذا الأمر تكثيف للجهد الشعري وتلوين في مساحات ومديات صوت الشاعر ومفاجأة القاريء بما هو مختلف اسلوبياً وأيقاعياً وفنياً، ولاسيما ان ابراهيم مثلما أعرف متمكن من كتابة القصائد الموزونة، ولا يقف التمكن في الكتاب التفعيلية عائقاً في طريقه، فلقد قرأتُ له قصائد تفعيلة منسابة وعذبة في مجاميع شعرية سابقة له أهداني نسخاً منها وسمعتُ له قصائد وزن رائعة وحميمة في المنتدى الأدبي العربي الذي كنّا نعقده في برلين شهرياً ويحضر فيه ابراهيم وأدب أبراهيم حين يزور وزوجته الألمانية أولادهما في برلين قادمين من عكا والجليل أو يأتي زائراً الى المانيا التي درس سابقاً فيها.ومن هذه القصائد الشجية ثرَّة الروح والبوح قصيدة أهداها الى صديقه المسرحي السوري والعربي المعروف سعد الله ونّوّس يحضر فيها نبع الفيجة الدمشقي، فتحس وأنت تقرأ أوتسمع انك تدور في رحاب ملكوت الماء وتتنقل وتدرج في حميمية عوالم الصداقة وبهاء أمكنة الماء!!

لكن الشاعر هو الذي يقدِّر أفضل تقدير أي أسلوب يتَّبع في كتابته !

ما يميز هذه المجموعة أنها مترابطة المواضيع والتيمات، وكأن الشاعر خطط لها ان تكون سفر شاسع ليس في رحاب المكان بل وفي رحاب الزمان أيضاً بدأ فيها من الشرق من سومر، وسومر دلالة مكانية وزمانية أيضاً، من سومر مابين النهرين والألف الرابع قبل الميلاد ثم بدأ يتحرك على البعدين، الزماني قادماً نحو أو مبتعداً عن عصرنا الحديث ومتنقلا على الصعيد المكاني من الشرق الى الغرب : العراق، مصر، اليونان، أيطاليا، اسبانيا والأندلس خصوصاً، هذا هو الخط العام لحركته في رحاب الزمان والمكان، بيد انه يتحرر تماماً من الزمان والمكان حين يبدأ بمناجاة فاطمة معشوقته الخيالية مثلما يقول في أحدى مقالاته، لكن من حق القاريء ان يتسائل وهو يقرأ ويسمع وجيب فؤاد الشجن النابض في قصائد فاطمة وفي الرحيل المجنح ولكن الآسي نحو عوالم الطفولة فيما اذا كانت فاطمة معشوقة خيالية فحسب مثلما يدعي أبن مالك!!

في أول قصيدة عن فاطمة والى فاطمة في هذه المجموعة يكتب الشاعر في هذه القصيدة المعنونة ب ـ يافاطمة ـ أستهلالاً:

الله ياخشب الصندل فواحَ العبق

كم يدهشني فيك عطرُ حبيبي!

وفي تضاعيف هذه القصيدة يعود الى رمزه النهري فيقول:

أكثر مايُدهش وقد عَلَّمَتْنيه الحياة:

ان النهر لايكون الّا بضفتيه.

أما في قصيدته الى المتنبي فهو يفضل مناجاة هذا الصرح الشعري باسمه الأول ـ أحمد ـ مقتبساً شذراتٍ من شعره واضعاً اياها بين قويسات متكلماً معه كما لو انه كان معه في الأمس على ضفاف بحيرة طبريا في ضيافة الأمير عاشق الشعر بدر بن عمار الأسدي، وهاهو الآن يحن الى ذكرياته معه:

كثيراً ما أتذكركَ يا أحمد!

كلما انتابني قلقٌ

فأحس ( كأنَّ الريحَ تَحتي )

ويغمرني شعورٌ مُحزِنٌ  

( كأنْ لاجديدَ تحت الشمس)

فأجدُني متسائلاً

( بأيةِ حالٍ عدتَ ) يازمن؟

والزمن عند ابراهيم مالك هو النهر مثلما تقول قصيدة له بعنوان ـ انا هو النهر ـ كتبها ابراهيم مثلما يقول (من وحي قصيدة للشاعر الأرجنتيني الرائع خورخي بورخيس)

ومن هذه المعادلة فأن الزمن هو النهر وهو الانسان الشاعر !!!

 

كريم الأسدي

جدلية الحب و الكراهية في رواية "وردة الفجر" للروائي التونسي السيد التوي

841-wardaلم يحض أدب الجريمة، الا باستثناءات قليلة، باهتمام الأدباء العرب، على الرغم من وجود هذا الكم الهائل من الجرائم في عالمنا العربي، ناهيك عما يُتيحه هذا النموذج الفني السردي من امكانيات كبيرة في دراسة النفس البشرية، وكشف دواخلها المعقدة المتناقضة، وإلقاء الضوء على جوانب متعددة من طبيعة السلوك اليومي للناس على مختلف اشكالهم وانتماءاتهم الاجتماعية والدينية.

وإذا كنّا قد تعرفنا في الغرب على أعمال ادبية متنوعة الاشكال تتراوح من رواية المخبر والعميل السري كشارلوك هولمز، آرسين لوبين وجيمس بوند، حتى روايات أدبية خالدة كالجريمة والعقاب لدستوفيسكي وبعض روايات شارلس ديكنز و أجاثا كريستي، دورثي ساير، أنتوني بريكلي، وقصص ادغار الآن بو وجي دي موباسان وغيرهم، التي تلعب فيها فكرة الجريمة وما يتبعها من قضايا الشر والانتقام، ثم الشعور بالذنب وغيرها دورا رئيسيا، فإنّ حصيلة كتاباتنا في هذا المضمار بقيت محدودة جدا، ربما لإن هناك جهل بأهمية هذا الشكل الادبي وقيمته الفنية، أو عدم امتلاك كتابنا صورة واضحة عن طبيعة وجوهر هذا الشكل من الفن السردي، وافتقارهم الى آلياتٍ تمكنهم من الاشتغال على هذا النوع من السرد الادبي.(1)

841-wardaأدب الجريمة لا يقتصر كما يعتقد البعض على كشف أجواء عملية قتل او تحريات شرطة او صراعات فردية تؤدي الى جريمة ما، تدفعها انحرافات في الوعي الانساني وطريقة تفكيره في لحظة عارضة، او خلق حبكة تتطور حولها الاحداث الدرامية، بل إنها اعمق من كل ذلك. إنّها باختصار تتعامل مع عوالم الانسان الداخلية ونوازعه في سياق اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي، تتطور وتتراكم عبر فترات طويلة من حياته، بل قد تطال كل حياته، وتشمل في احيان كثيرة حلقة واسعة من الناس حوله الذين كان لهم دورا ما، بهذا الشكل او ذاك، في ارتكابه للجريمة. إذن الجريمة ليست عملا فرديا بحتا كما تبدو على السطح، بل انها نتاج لظروف تتشابك مع بعضها لكي تولد لنا محصلة الحدث. كما أن ادبها ليس سردا تقريريا عن حدث او أحداث منفصلة، بل انها شكلا خاصا من أشكال السرد الادبي، تحكمه ضوابط وقوانين للكتابة خاصة به.

لقد جرى الاهتمام بجريمة الادب مجددا في الاوساط الغربية منذ مطلع القرن العشرين و لقي تجاوبا كبيرا بها من قبل النقاد والكتاب والقرّاء على السواء . وفي نهاية الستينات ازدهرت رواية الجريمة وتعددت انماطها الادبية مرة اخرى وتحتل حاليا الصدارة من بين الاصدارات الادبية.

في هذا السياق يمكن قراءة رواية "وردة الفجر" للكاتب التونسي السيّد التوي، التي صدرت عام 2015 عن دار زينب في تونس، باعتبارها محاولة تجريب في هذا الشكل الادبي، لتسجل بذلك خروجا على المعتاد في أدب الرواية عندنا. لكن هل يمكن ادراجها بحق تحت اسم " أدب الجريمة" أو تسميتها، بدقة اكبر، "رواية الجريمة"؟ وهل اكتفت بالبحث عن دوافع الجريمة واحداثها، ام انها توسعت في مشروعها الى ابعد من ذلك؟ هذا ما تسعى هذه المقالة لالقاء الضوء عليه.

 

حبكة الرواية وموضوعها:

تقع رواية " وردة الفجر" في 119 صفحة، ويمكن تسميتها قصة طويلة أو رواية قصيرة، تستفيد من الجريمة كفضاء لاضاءة العوالم الاجتماعية والنفسية والاخلاقية لشخوصها. تمتاز بوضوح بُنية نسيجها السردي، وشعرية لغتها وترابط احداثها الى حد ما، كما انها تعرج في ثناياها على التابو والمحرم في العلاقات الانسانية، كما جاء ذلك على لسان احدى شخصيات الرواية " لماذا يا إلهي خلقنا في بيئة يضرب كلّ أفرادها الرغبة واللذة بهراوتهم الرّخامية؟ لماذا تتكسر أجسادنا، تتشظى من الجفاف والقحط والسماء حبلى بالمطر؟" (ص.55).

تدور موضوعة الرواية حول الشخصية الرئيسية طلال، الطالب الجامعي، في سنتة الثالثة، الذي عاش حياة صعبة؛ طفولة تعيسة شهد فيها " مشهد أبي وهو يضرب أمي على رأسها" (ص. 92)، ومراهقة اكثر جفافا، الذي يقوم بارتكاب جريمة قتل حبيبته "سنيا"، التي تعرّف عليها في نفس الجامعة، لانها استبدلت علاقتها به بحب فتاة اخرى "سلمى" التي التقت بها في نفس الكلية. تحاول سنيا لفترة ان تحافظ على هذه العلاقة المزدوجة لكنها في النهاية تختار سلمى، لان سلمى كانت بالنسبة اليها، كما تقول" اصبحت لي. نصفي الثاني عاد اليّ، انا اليوم أنا. "(ص. 34). مع انها تؤكد لطلال" انا لم افضل سلمى عليك، انا اخترت نفسي."(ص28)، موحية بان عشقها لسلمى هو ليست رغبة جسدية ومجرد استبدال جسد بجسد آخر، بمقدار ما هو موقف واختيار وارادة.

أما بالنسبة لطلال فقد كان اختيار سنيا لسلمى بمثابة خيانة، دفعته لارتكاب جريمته وقتلها والتمثيل بجثتها، وهو يردد مع نفسه مشحون بكراهية وأزدراء للضحية " قطعت رأسها لأنها خائنة، والخونة يجب ان يموتوا شرّ ميتة، يجب ان يقتلعوا من الارض" (ص. 10). على خلفية تداعيات هذه الجريمة يصف لنا الكاتب الحياة العادية لطلال والشخصيات الاخرى، بافراحها وتعاساتها، وكيف كان الحب والكراهية يتمازجان فيها.

كان الحب بالنسبة لطلال يمثل فرصة لإشباع جسده وتعويض حرمانه من المرأة. فكما يقول كان عمره سبعة وعشرين عاما حين " قبلتها القبلة الاولى التي طبعتها على خدّي المتيبس"(ص.10)، حتى انه رأى في سنيا ملاكا آخرا " كنتُ في حضرة كائن اسطوري" (ص.11)، مما جعله مسكونا بخوف دائم من المرأة، و الاحساس بالعجز عن التعبير عن مشاعره نحوها، و هي نفس المشاعر التي كانت تطغي على صديقه كمال. (ص.55). ولهذا إنتاب طلال خوف واضطراب من هذه العلاقة الجديدة بسينا، وقد عزا ذلك الى الطفولة " الانسان الذي لم يلعب في طفولته لن يعرف قيمة اللعب" (ص.56)، و مثّل اكتشافه لعلاقة سينا بسلمى صدمة لم يكن قادرا على احتمالها، حيث كشفت له حقيقة وضعه، وان حبه لها كان خليطا بين الوهم والحقيقة، طارحا على نفسه سؤالا: "أهو حب أم مجرد إعجاب قلب رجل لم يسبق أن استقر وجهه بين راحتي أمراة قط؟ " (ص.19). من هنا يبدأ إعادة النظر في تجربة حبه من خلال طرح أسئلة مرتابة في محاولة لفهم تلك البواعث الحقيقية التي دفعته لقتلها، من خلالها يصوغ الكاتب ثيمة الرواية؛ ان الحب المبني على الحرمان هو حب مندفع شره مغرم بالجسد، خال من العواطف الحقيقية، انه مجرد حالة اشباع لجوع الجسد، و لهذا يتحول الى غيرة، وخيانة، وكراهية، التي تتحول الى باعث قوي لإرتكاب الجريمة. الحب بالنسبة الى طلال كان انتصارا ذاتيا، لذلك يعيش غربة حين تبدأ سنيا بالابتعاد عنه متحججة باعذار شتى . سنيا كانت مصدر انتصاره المؤقت على ألمه وخواء حياته، لانها منحت جسده معنى، لكن ليس روحه. ولهذا يشعر، حين تتركه، باغتراب في الجامعة ومع نفسه و العالم، وعليه ان يثأر لهذا الجسد الذي تم خذلانه ثانية " ما تبقى لي هو جسدي ؛ جسدي في مواجهة عالم متورط في تضليل العاشقين" (ص.25). وهو لا يريد ان يتخلى عن هذا الانتصار،لأنه لم يكن مهيأ تماما لخذلان جديد بعد ان ذاق لذة الانتصار، ولذا فقد وجد في فكرة قتلها طريقة للحفاظ على هذا الانتصار.

كانت علاقة الحب بين طلال وسنيا تعيش، منذ البداية، حالة شد وجذب، إذ يلاحظ طلال بعد عدد من اللقاءات بينهما ان حب كهذا سرعان ما يبهت، لأن طرفيه غير متعادلين، وشعرت سنيا من جابنها ايضا " ان طلال سيقتلني" (ص.27) لانه حسب رأيها "رجل ومعقد" (ص.27). هي تعتبر نفسها امرأة متحررة، تريد حياة تقنعها وحبا يروي لها جسدها وافكارها وروحها، ولا تريد ان تزيف ذلك رغم محاولاتها المتكررة . و تعلن " انا سحاقية، احسست بهذه الرغبة او بهذه الصبغة منذ فجر مراهقتي، حاولت مواراتها، لكني فشلت" (ص.28). وهي تقول عن نفسها انها متحررة من قيم المجتمع، فقد" اختارتها السماء لتكون امرأة ملعونة تبرّمت منها العائلة، هجرها الرفاق والأصدقاء، اتخذ منها الوعّاظ شاهدا على فساد المجتمع." وكان عليها على هذا الاساس ان تدفع ثمنا باهضا لاختيار حريتها وتحقيق ارادتها، بحيث صارت معزولة، تعيش في مجتمع يقوم على اساس من القيم لا ترى في سلوكها امرا مقبولا. الا ان القاريء لا يعثر على مايريد ان يوحي به الروائي في حياة سنيا. فسنيا واختها نورة كما تخبرنا الرواية فتاتان عاشتا في كنف عائلة مرفهة شيئا ما (ص.43)، وفي فضاء من الحرية النسبية، الى درجة ان أختها نورة تمكنت من فرض زواجها من حبيبها لخليفة رغم رفض عائلتها له (ص.43). كما أن الأب نفسه عاش خيار هذا الحب، فقد سبق له ان هرب مع امها الى المغرب ليتزوجها ولم يعد الى تونس الا بعد فترة طويلة، رغم انه لم يتمكن من تغيير موقف ابيه عنه، بدلا عن ذلك نعثر على افكار وتصورات الكاتب، المحكومة بباعث ايديولوجي، محملة بعبارات تقريرية تنحو لتبرير افكار شخصية سنيا أكثر مما تكشف عن خلفياتها الحقيقية، أي، انه أقحم افكاره ورؤيته عن المجتمع واسقطه بصورة غير مبررة فنيا على موقف وسلوك سينا. ويتكرر هذا الأقحام الايديولوجي في مثال آخر" هؤلاء الحمقى يتجرع الفقراء الموت ولا يحركون ساكنا" (ص.35)، وكذلك في (ص.63).

تتناهب طلال قبل وقوع الجريمة مشاعر نفسية متناقضة، فرغم اصراره على قتل سنيا، الا انه لم ينسَ في تلك اللحظات المفزعة ان يعبر عن اهتمامه بحياته العادية اليومية (ص.89-99 )، ربما في مسعى لإشغال نفسه عن ذلك الفزع الداخلي، الذي اشار اليه الفيلسوف الدانماركي سورن كيرككورد في كتابه "مفهوم الفزع.(2)، و الذي كان يتغلب على الانسان غالبا، وهو ينوي القيام بعمل آخر. ولهذا فهو يشعر براحة تامة عندما يقوم بتنفيذ الجريمة وتدمير الضحية، "يجعلنا الانتقام اجمل يحررنا من كل القيود ." (ص.116)، الى درجة انه يشعر، ان ذلك سيمثل عونا له لتحمل شدة السجن القادمة. (ص.116). كما نعثر ايضا على وجه آخر من شخصية طلال، حين يتذكر امه وقت حدوث الجريمة " " أنا لا أبالي بما سيقوله الناس، ما يؤلمني هو دمع أمي، المسكينة لا تعرف أن وحشا يختبيء في داخلي، لن تصدق ما حدث، لكنها حتما ستستغفر لي، وستطلب لي النصرة من أوليائها الصالحين" (ص.10) . هو إذن رغم لا اباليته إزاء ذنبه، يبحث في داخله ولو بصورة مواربة عن استغفار، يبرره بالعطف على أمه ودموعها و تعاطفه معها لانها ستصاب بمفاجأة اكتشاف وحشية ابنها.

 

لغة السرد

لا تقتصر اللغة على التعبير ونقل الافكار والتصورات، بل انها تتعدى ذلك الى توجيه فعل الانسان وسلوكه . اننا "بمساعدة اللغة نخلق تصورات عن الواقع، الذي لا يكون ابدا مجرد واقع قائم - فالتصورات لها دور في خلق هذا الواقع" (3). فاللغة ليست مجموعة من الجمل والالفاظ التي تنتظر فكها او تجميعها فقط. انها اداة ايصال تساعدنا للتعامل مع الاخرين لفعل الاشياء وعملها، وتقوم ايضا بتوجيهنا وارشادنا لعمل منا. ولان " الجريمة تتعلق بالمشاعر والافكار الانسانية" (4)، كما يشير الى ذلك الاميركي ريمون شاندلر، احد كتاب رواية الجريمة،، ويكون لها دورا فاعلا في توجيه افعالنا وتصرفاتنا، فقد تدفقت مشاعر شخصياته مصاغة في لغة تتدفق منها الاحاسيس المفعمة بالانفعال، التي تتناسب مع اجواء الجريمة المشدودة في الرواية. وهكذا فاللغة المستخدمة هنا لا تكتفي بوصف الحالة بل تغور فيها وتضيف بعدا آخر للحدث وتهيأ لكشفه.

ولهذا نرى ان الروائي سعيد التوي نجح الى حد ما في الاستخدام الشعري للغة عبر جمل مكتوبة بعبارات قصيرة مكثفة، او ما يمكن تسميته بالجملة او العبارة البرقية، وهي لغة تتناسب مع الفضاء العام للجريمة التي تقوم على تصورات القاتل التخيلية و تهيأ للحدث وتسوغه، رغم انها تتعثر في بعض المواضع بحيث تغلب عليها تقريرية وعظية، خاصة حين يسعى الكاتب ان يُنطق الشخصيات افكاره الخاصة به، بدلا من ان يترك لها حرية التعبير النابعة من اصل الموقف والحدث ودوافع الشخصيات ذاتها. إذ نعثر احيانا على عبارات مقحمة واحيانا زائدة لا تضيف الى الحدث او ثيمة الرواية شيئا، بل ثتقل بنيتها وتضعف جمالية السرد.

 

آلية القص:

اذا كان ضبط اللغة يلعب دورا مهما في السرد الروائي فان هناك آليات اخرى تمتلك ذات الاهمية، واقصد بها آلية القص.

تنمو حبكة رواية الجريمة وتتطور تدريجيا، حتى تبلغ فيها الاحداث والمفاجاءات ذروتها، لكن الروائي السيّد التوي لا يترك متسعا أمام القاريء للبحث عن المجرم، بل يأخذه من أول سطر في الرواية ليقول له انه في عالم جريمة، فمجرد ان نبدأ قراءة هذا السطرحتى نتعرف على القاتل "أتحمل مسؤوليتي كاملة، لقد قطعتُ رأسها بضربة واحدة، وقذفت برجلي الغليضة جمجمتها على الجدار" (ص.9). على هذا النحو فان الروائي لا يتركنا إزاء مجهولية الحدث، بل انه يستخدم هذا المفتتح لمنح النص سمة الجريمة عبر اثارته الفضول منذ البداية في نفس القاريء ؛ فنحن لا نعرف كثيرا عن صاحب الجريمة ومن هي الضحية، وأين وقعت الجريمة، وما هي الادوات التي نفذت بها الجريمة، وهل كان وحده كما يوحي فعل الجريمة، أم أن أحدا آخرا كان مساهما فيها او شاهدا عليها، و اخيرا ما هو زمن الجريمة؟

صاغ الروائي نسيج النص للإجابة على تلك الاسئلة في ثلاثة اصوات او مستويات، كلها تنطق بصوت المتكلم، الأنا؛ طلال، سينا، كمال، ثم السجّان، ثم تتفرع من هذه المستويات مشاهد اخرى هدفت الى إضاءة خلفيات شخصيات الرواية الاجتماعية والفكرية والنفسية. تشكل الاصوات بمجموعها نسيج النص الروائي، الذي سعى الى تقديم لوحة كاملة تتعلق بجريمة قتل طلال لسنيا، كما انها القت الضوء على جدلية الحب والكراهية على مستويات مختلفة. لكن يمكن طرح سؤال: الى أي مدى أفادت بعض الاصوات في دعم حبكة الرواية وخدمت عقدتها الرئيسية؟ فعلاقة سينا الجنسية المؤقتة بميساء عند زيارتها الى اختها نورة في القرية، كان برأيي مقحما ولم ينفع الرواية فنيا، رغم ان الكاتب حاول أن يكشف التشوه الاجتماعي الذي أصاب المجتمع التونسي وحقيقة التغيير الحداثي فيه من خلال زيارة سينا الى غرفة ميساء واكتشافها لعالم مغاير؛ عالم غزته الحداثة، نجوم الهاردروك ومجلات إباحية، في الوقت الذي تعيش فيه ميساء في عائلة متزمتة، حيث كاد والدها ان يقتلها، وكان اخوها الجامعي يجلدها حتى الموت، حتى ان سنيا رأت آثار الجَلد على رقبتها (ص.46)، مع أن هذه العائلة رضخت أمام إصرار ميساء، شريطة ان تبقى الامور سريّة (ص.47)، أيّ كشف علاقات اجتماعية زائفة.

هناك سؤال آخر يخطر على بال القاريء ايضا: لماذا اختار الكاتب ان يكون حب سينا لفتاة -"سلمى"- باعثا لقتل سينا؟ هل هو سعي من الكاتب لتعميق إحساس طلال بدونيته الشخصية، لانها أحبت امرأة ولم تختره كرجل، فمن المعتاد أن يكون هذا الصراع في المجتمع الشرقي حول المرأة هو صراع " بين رجل ورجل"، كما يشير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في مكان ما، طالما ان هدف طلال كان في أساسه إمتلاك جسد سنيا، أم انها محاولة لإضفاء نوع من الإثارة الى السرد عبرعلاقة جنسية محرمة في السياق الاجتماعي العربي؟

الى جانب ذلك لجأ الكاتب الى استخدام آلية الافكار و المواقف المتضادة لكي يعمق من عقدة الرواية وحبكتها، فاذا كان الحب بالنسبة لطلال يعني ارواء الجسد العطشان، فانه عند سنيا ليس الجسد بل صراخه، اي مشاعره والتهابه، الجسد لديها اكتشاف للذات" هانذا" (ص.32)، تحديد كينونته والاعلان عن جغرافيته الملموسة، وحريق لا يكمن اخماده: " الكون يشتعل ياطلال. الحب الحقيقي نار لا تنطفيء"( ص.32)، وقد وجدته لدى سلمى، بينما لم تعثر في طلال على ما كانت تبحث عنه.

واذا كان الانتقام الذي ولده الحب العنيف قد ادى بطلال الى قتل حبيبته سنيا، فان هذا الحب يفضي على العكس من ذلك الى تضحية كمال بنفسه، بشنق نفسه على شجرة رغم معرفته بخيانة وصال له، اما السجّان فيذعن الى خيانة زوجته ويقبل به امرا واقعا رغم أمتعاضه منها وغضبه عليها.

على هذا النحو أراد المؤلف أن يكشف لنا عوالم بشر يختلفون في نواياهم ودوافعهم و تصرفاتهم والمصائر التي تنتظرهم، رغم تقارب حيثيات الاحداث وخلفياتها. الا اننا نعرف عن طلال اكثر مما نعرفه عن الاخرين، حيث يقدم لنا الروائي بعض المعلومات عن طفولته وعائلته ومستواه الفكري واهتماماته، دون ان نعرف الكثير عن بعض الشخصيات الأخرى.

 

الخاتمة

يمكن القول ان رواية وردة الفجر، باسثناء تفاصيل مشهد قتل الضحية والتمثيل بها، هي رواية واقعية اجتماعية، تنطوي على بعض ملامح "رواية الجريمة"، لان باعثها شخصي، او كما يشير جوليان سايمور الناقد ومؤرخ أدب الجريمة، انه " تم الاتفاق على ان تكون البواعث لكل الجرائم شخصية (...) ينبغي ان لا ترتكب لإسباب باسم الدولة او لمباديء نظرية أو عن طريق شخص مجنون محض" (5).

الجريمة لم تكن عموما هي الهدف او الأداة في الرواية يُراد منها التشويق أوالمفاجأة لشدّ القاريء وكسبه الى جانبها، كما ينحو اليه معظم أدب الجريمة، بل كانت ثيمة تنحو الى أبعد من ذلك، اراد بها الكاتب السّيد التوي كشف عوالم اخرى؛ النفسية والاجتماعية والثقافية؛ القمع في الطفولة، الحرمان الجنسي أيام الشباب، القمع العائلي، العلاقات المرتبكة بين المرأة والرجل، الحرية الجنسية، ثنائية الحداثة التقليد، مفهوم الخيانة، الانتقام،تعويض الذات المجروحة وغيرها من القضايا الانسانية. إنها رواية تستفيد من فضاء الجريمة و موضوعها لتعالج واحدة من القضايا التي شغلت الانسانية منذ فجرها، أعني بها، جدلية الحب والكراهية. وهدفها إثارة اسئلة اخلاقية ونفسية عن بشاعة تحول الحب الى كراهية مطلقة، تنتهي بصورة الدم والموت، ثم مساءلة الخلفيات و البواعث الحقيقية لهذا التحول.

 

ملاحظة: جميع الارقام بين القوسين المشار اليها في الدراسة تعود الى مصدر الرواية التالي: السيد التوي، وردة الفجر، تونس، دار زينب، 2015

 

قحطان جاسم

......................

المصادر

1) اعتمدت من كتابة مدخل المقالة على الكتاب التالي :

Julian Symons, Bloody Murder. from the detective story to the crime novel, Viking, 1985

2) Søren Kierkegaard, Begrebet angst, Samlede værker, København, Gyldendalske boghandels forlag, 1902, bind IV.

من الشعر إلى الواقع

mamdoh rizuk(كل ما أنا موقن به أن الأمر كان سيصبح مختلفاً لو تعاملنا بإصرار أعظم وأكثر شمولاً مع الشعر كتحريض خبيث أو كفرص كريمة للبحث في خزائن المخبوءات الشخصية للشعراء).

هل يمكننا قراءة عبارات أو مقاطع خالية تماماً أو مخففة من المجاز، وتتسم بالصراحة الكاملة أو بقدر كبير منها داخل النص الشعري كإشارات توثيقية لحياة الشاعر المنفصلة عن الشعر؟ .. كان (بيلي كولينز) يفكر في الموت أثناء كتابة هذه السطور من قصيدته (عنواني):

(أو يحلّ العوارض الخشبية في قطارات الملاهي،

بحيث لن يكترث بأمر كوخي البعيد،

الذي غالباً ما يجد الزوار صعوبة بالغة في الوصول إليه؟)

إن هذا يبدو بمثابة ترك أثر واقعي في الزمن عن شخص يُدعى (بيلي كولينز) يعيش في كوخ منعزل بطريقة ما، ويواجه الآخرون مشقة هائلة عند القدوم إليه .. لكن هذا الأثر الواقعي ليس مجرد تدوين اعتباطي لعنصر في الحياة بقدر ما هو دافع للتفكير في الموت بهذه الكيفية .. العلامة التي تم تثبيتها إذن هي دليل على أن (بيلي كولينز) تحديداً ـ وليس أحد آخر في هذه اللحظة ـ كان يعيش هنا في هذا الكوخ البعيد، الذي غالباً ما يجد الزوار صعوبة في الوصول إليه، وهو ما خلق لديه حافزاً للانشغال بمدى اقتراب الموت منه.

(دنيس ليفرتوف) تكتب مثلاً في قصيدتها (عيد الميلاد في 1944):

(بطاقات المعايدة الملونة فوق المدفئة لا تقرّب الأصدقاء،

ولا النار تحول دون تسلل الصقيع)

يمكننا تعيين (الوظيفة الجمالية) لـ (الموضوع القولي) بتعبير (جيرار جينيت) في مقاله (من النص إلى العمل) في كونه جزءً من سيرة ذاتية يستخدمها الشعر لحفر بصمة عن امرأة حقيقية ليلة عيد الميلاد سنة (1944) .. كأنها فقرة من يوميات تتجاوز الإحساس الفردي بالوحدة والبرد أثناء طقس احتفالي له قوة التقديس .. أصبحنا نعرف إذن أن (دنيس ليفرتوف) كانت تتأمل في ذلك الوقت بطاقات المعايدة الملونة فوق مدفئتها، وتشعر بالصقيع، مما سيقودها لاستدعاء الكثيرين الذين يضطجعون هذا العام في البرد، أو يموتون في البرد كما ستخبرنا بقية القصيدة.

لكن الواقع يرتفع فوق حتمية الحدوث الفعلي؛ فالأكاذيب تساهم في إنتاج الحقيقة بضرورة مساوية لما تنجزه التجارب المدركة .. الإشارات التوثيقية هي آثار تتخطى الصدق والادعاء، فتظهر كمقاطع من مذكرات خاصة لحياة أُعيد تشكيلها على نحو لا يُراد التشكيك في صوابه .. من هنا يبدو الوجود كأنه غنائم من الخبرات المتصارعة التي يتم تمريرها داخل الشعر ثم إعادتها إلى العالم كحضور مغاير، طبيعة مختلفة، لكنها مؤكدة باعتبارها احتمالات لها صفة البداهة، أي تستعير إلزام الظواهر والمشاهد الملموسة.

تخاطب (كيم أدونيزيو) حوض الأسماك قائلة:

(احكِ لي مرة أخرى قصة الزواج

وكيف كان يمكن أن نجعله رائعاً).

إن بوسعنا افتراض عدم وجود (حوض الأسماك) بشكل أساسي، أي أن (كيم أدونيزيو) لم تأت به، ولم تخرجه من العلبة كي تريه لزوجها الجديد، ولم يضعاه على رف الموقد مثلما جاء في القصيدة .. بمقدورنا تخيل أن (حوض الأسماك) كان شاهداً بالفعل على هذه الذكرى، ولكنه لم يعد حاضراً الآن أمام عيني (أدونيزيو) في تلك اللحظة التي تحاول فيها استنطاقه ليعيد حكي قصة الزواج، وكيف كان يمكن أن يكون رائعاً .. ربما كانت (كيم أدونيزيو) تمتلك تصورات لعوامل كان من الجائز أن تكون قادرة على إنجاح الزواج لو تحققت، ولكنها تدعي عدم حيازتها لهذه الشكوك، وبالتالي تجد نفسها مضطرة للجوء إلى حوض الأسماك الذي كان يراقب حياتها مع زوجها من موقعه على رف الموقد .. سواء كان خيالاً محضاً من البداية إلى النهاية، أو توقف حضوره الفعلي عند حدٍ زمني معين فإن حوض الأسماك أصبح هو الواقع المرتبط بهذه التجربة في عالم (أدونيزيو) .. سواء كانت هناك احتمالات عند (كيم أدونيزيو) عن كيفية جعل الزواج رائعاً، أو أن هذه الاحتمالات كانت غائبة كلياً فإن الألم الناجم عن الاحتياج إلى المعرفة المُنقذة أصبح هو الحقيقة الخاصة بتلك الخبرة التي عاشتها (أدونيزيو) مع زوجها .. إنه تخطي الشعر للاعتراف والإنكار، أي تحوّله إلى وجود أصلي لا يبقى مرهوناً بشروط الشعر (كسلطة نصية) بقدر ما يصير حياة شخصية للشاعر.

يكتب (تيودور رتكي) في قصيدته (الهاجس):

(سائراً في هذا الحقل

أتذكر أيام صيف آخر.

آه، كم من زمان!

كنت ملتصقاً بأبي،

أجاري خطواته الواسعة بأنصاف الخطوات).

هذا التدوين الشعري لما يبدو أنه مشهد من سيرة ذاتية مصاغ جمالياً لا يهدف إلى تثبيت واقع معدّل لدى القارىء، بل يتوجّه من الشاعر إلى ذاته بالدرجة الأولى للحصول على حياة أخرى بالمعنى الحرفي للحياة باعتبار أن هذا التدوين الشعري ممارسة بشرية يتعدى تأثيرها حدود مساحة الكتابة .. سلوك تتدخل نتائجه ـ ولو بصورة ضمنية ـ في خطوات الشاعر داخل العالم .. إننا هنا ـ بالالتفات لكلمات (رتكي) ـ لا نعاين الحقل وأيام الصيف والأب والخطوات الواسعة وأنصاف الخطوات كتفاصيل ذهنية خاضعة لعلاقة النص باستجاباتنا القرائية وحسب، وإنما نحصل على وعي بالحياة الحقيقية التي تكوّنها هذه التفاصيل عند (تيودور رتكي) خارج القصيدة .. نحصل على رؤية لحياته الجديدة القائمة على هذه الذكرى.

كيف يمكن للإشارات التوثيقية استغلال المجاز؟ .. لنقرأ هذا المقطع من قصيدة (سعادة) لـ (لويز غليك):

(أفتح عينيّ فأجدك تتأملني.

فوق حجرتنا

تنساب الشمس.

تقول: انظري إليّ،

وتقرّب وجهك مني

كأنه مرآة.

كم أنت هادىء.

بينما العجلة المشتعلة

تمر بسلاسة فوقنا).

كل شيء يبدو صريحاً هنا: الرجل والمرأة والحجرة والشمس وتقارب الوجهين .. أثر واقعي ناصع تماماً، لكنه يعرف أنه لا ينبغي الاكتفاء بذخيرته بل عليه استعمال (العجلة المشتعلة) التي تمر بسلاسة فوق الرجل والمرأة .. تأويل هذا المجاز هو ما سيعطي التدوين طاقته الاستفهامية؛ فإذا كانت المرأة التي تتحدث بضمير المتكلم هي (لويز غليك) نفسها، وإذا كان ما تصفه في هذه القصيدة هو جزء من حياتها؛ فمن هذا الرجل إذن؟، وأين كانت حجرتهما؟، ولماذا كانت ترى في لحظة تقارب وجهيهما عجلة مشتعلة تمر بسلاسة فوقهما؟ .. إنها العلامات التي تنقّب في الحياة لتأخذها من الحالة الشعرية إلى رسوخ اليوميات.

ما هي طبيعة الانفصال بين الشعر وحياة الشاعر التي يتم توثيقها من خلال العبارات الخالية تماماً أو المخففة من المجاز؟ .. ليس المقصود هنا التباعد والانقطاع بل على العكس ربما أتحدث عن الانفصال الذي يعطي الشعر امتداداً أعمق، وهيمنة أكثر تحرراً من الحواجز اللغوية .. ربما المقصود هو إخراج الشعر من حتميته النصية إلى حيث لا يمكن تأطيره .. ربما أتحدث عن إعادة تعريف الشعر كنفوذ يتقدم على الكتابة.

يتحدث (تيد كوزر) عن أبيه في قصيدة (عشية الميلاد) قائلاً:

(يجلس عمرانا إلى الطاولة

متشوقين للحديث.

عظامنا المشتركة قد تدثرت بثياب جديدة

وثمة وريد مشترك

ينبض على ظهور أيدينا.

وكم نشبه بعضنا

حين يبكي كلانا

في نهاية قصصه).

إذا كانت المجانية تحاول نزع الغرض المنطقي عن السرد داخل القصيدة، بحيث يظل الوصف محصناً     ضد الغاية أو النتيجة المحكومة بسياق ـ يمكن مراجعة مقال (ما هي قصيدة النثر؟) لـ (عبد القادر الجنابي) في هذا الشأن؛ فإنها في جانب أتصوره جوهرياً من عملها تستهدف تحويل (أشياء الشاعر) إلى إشارات واعدة بالقبض على حقائقها الدنيوية من غير التزام بقصد نهائي .. قد تكون المجانية على هذا النحو تتبع مسار للبصمات المحفورة من الحياة الشخصية للشاعر دون أن يكون لهذا المسار بداية ونهاية .. (لا رأس له ولا ذيل) بحسب (بودلير)، ولكنه مسار خارج الكتلة النصية .. من هو والد (تيد كوزر)؟، وما هي قصصه التي كان يبكي في نهايتها؟، وما هو المشترك بين هذه القصص وقصص ابنه (تيد كوزر) التي كان يبكي في نهايتها هو الآخر؟، وكيف يمكن أن تكون العظام المشتركة والثياب الجديدة والوريد المشترك براهين غامضة لهذا البكاء الذي لا نعرف شيئاً عن أسبابه؟ .. هكذا تتحوّل المجانية من الشعر إلى الواقع.

تكتب (دوريان لوكس) في قصيدتها (أشباح):

(أطفىء النور وأتحسس طريقي إلى غرفة النوم،

أدس أصابع رجلي الباردة بين الشراشف الزهرية،

ألقي صدري على ظهر رجل ينام بالبيجاما،

بزته معلقة بثبات في الخزانة،

حذاؤه المتعب مائل باتجاه السقف.

هذا الرجل يحبني لذكائي وجرأتي،

وللطريقة التي تبرز فيها ساقي من التنانير المهدّبة.

حين يطوي جسده على جسدي

أعرف أنه يشعر بوجود شخص آخر. ولا ألومه.

أحبه حتى وأنا أتذكر رجلاً تتفتح على صدري

براعم يديه الحمراء).

هل هناك حد مجهول تتوقف عنده الحياة التقليدية عن أن تكون أقوى وأكثر طغياناً من الكتابة؟ .. هل يمكننا مقاربة العالم كنص هائل تؤلّفه حصيلة لانهائية من النصوص؟ .. هل تمثل هذه المقاربة أسلوباً جمالياً وغير مبتذل لتغيير العالم؟ .. من يستطيع الجزم بأن (دوريان لوكس) لم تفكر ولو للحظة واحدة على الأقل في أمنية أن يفتش أحدُ ما في تاريخها مع هذا الرجل الذي ألقت صدرها على ظهره بعد أن دست أصابعها الباردة بين الشراشف الزهرية؟ .. هذا ما يجعل الشعر يغادر القصيدة ليتجوّل في المدن، ويتسلل إلى البيوت، ويتأمل الصور واللوحات، ويشاهد ويُنصت إلى التسجيلات المرئية والصوتية ويُقلّب في الأوراق والقصاصات .. إنه التخليد الذي يتجاوز فردية الشاعر إلى شخصيات وكيانات عالمه: كوخ (بيلي كولينز) .. مدفئة (دنيس ليفرتوف) .. زوج (كيم أدونيزيو) .. حقل (تيودور رتكي) .. حجرة (لويز غليك) .. والد (تيد كوزر) .. التلصص على الأحداث التي مرت بهذه الشخصيات والكيانات حيث يوجد الشعر ـ أيضاً ـ في مكان آخر.

 

ممدوح رزق

الجَّوَاهِرِي خَطْفَاً: صِرَاعَاتُهُ مَعَ مَوْلِدِهِ وَسَاطِعِهِ وَنَفْسِهِ وَهَاشِمِيِّهِ (3)

karem merzaوَلَيْسَ بِحُرً مَنْ إذَا رَامَ غَايَةَ ً***تَخَوَّفَ أنْ تَرْمِـــي بِهِ مَســـْلَكَاً وَعْـرَا

وما أنتَ بالمعطي التّمرّدَ حقّهُ *** إذا كنتّ تخشى أنْ تجوعَ وأنْ تعرى

وهلْ غيرّ هذا ترتجي من مواطن ٍ**تريدُ على أوضاعها ثورة ً كبـــرى

مرّ عليك في حلقتنا الأولى عن جواهرينا أنّ ولادته الميمونة كانت في (26 تموز 1899م / 17 ربيع الأول 1317هـ)، وعلى أغلب الظن ما دوناه هوالأصح، رغم ما نقل الدكتور عبد الرضا علي وغيره عن (فرات الجواهري) النجل الكبيرللشاعر الأكبر، إنّ الأخير فتح عينه للحياة في " 23 /7/ 1895م وكلُّ ما عداه ليس صحيحاً " (1)، ولماذا رأينا الأصوب ؟ لئنَّ ولادة أخ الشاعر الأكبر عبد العزيز، الذي يزيده تسع سنوات عمراً، كانت في (1308 هـ / 1890م)، وفق ما ثبتها السيد جعفر الحلي الشاعر الشهير (توفي 1315 هـ /1897م) في بيتيه الآتيين اللذين توجه بهما إلى والده الشيخ عبد الحسين الجواهري ( 1281 هـ / 1864م -- 1335 هـ / 1916م):

بشراكمُ هذا غلامٌ لكمْ***مثل الذي بشر فيهِ (العزيزْ )

سمعاً أباه أنّ تاريخه ** أعقبتْ يا بشراكَ عبد العزيزْ

ومن الجدير ذكره أنّ الشيخ علي الشرقي الشاعر الشهير، هو ابن عمّة الجواهري، تربيا معاً في بيت واحد بداية حياتيهما، ويعتبر الأخ الأكبرللجواهري، ولد أيضا سنة   (1890 م)، بعد عبد العزيز بعدة أشهر، والجواهري يزعم أنه أصغر من أخيه (العزيز) اثنتي عشرة سنة (2)، وهذا أيضا غير دقيق،   والدقيق ما دونه الباحث القدير الشيخ جعفر محبوبة في (ماضي النجف وحاضرها) بالتاريخ الهجري، وحوّلناه إلى التاريخ الميلادي، واعتمدناه بعد جهد وتدقيق، خلف الشيخ عبد الحسين الجواهري أربعة أولاد وبنت واحدة، وحسب التسلسل العمري، من الكبير إلى الصغير: عبد العزيز - محمد مهدي (الشاعر) - هادي (المنتحر 1917م) - أختهم المدفونة في السيدة زينب - الشهيد جعفر (ت 1948).          

ثم ماذا..؟ نعود والعود أحمد ! لماذا رصّع شيخنا هذين البيتين المعبرين بادئاً ذي بدء:

أزحْ عن صدركَ الزّبدا ***ودعهُ يبثُّ ما وجدا

وخلِّ حطـــــامَ مَوْجدةٍ *** تناثرُ فوقــــهُ قصَدا

تعال معي لنتحادث خاطفاً، والحكم لله ... يرى الجواهري أنّ مابين عمامه أجداده وجذوره الدينية، وعراقة عائلته النجفية وتطلعه الأدبي - وإلاّ لم يكن هو سوى معلم بسيط - وبين " ملف..ساطع بك " يقصد ساطع الحصري (1) وبعض الملتفين حوله،أزمة كبرى، طرقت أبواب عصبة الآمم، وكتب عنها مَنْ كتب من كبار السياسيين والكتاب، بما فيهم الحصري نفسه، لذلك يقتضي الرد عليها، بل الأفاضة فيها، فأطال ونعتهم بوصف قاس ٍمرير، نتركه لـ (ذكرياتي)، فالرجل متأزم منها حتى الممات، أمّا الشعرة التي قصمت ظهر البعير، والسبب الذي أدلع نيران الحرب بينهما بيت شعر ورد في قصيدة مشحونة بالحنين إلى العراق إبان زيارته الثانية إلى إيران (1926م) مطلعها:

هبَّ النسيبُ فهبتِ الأشـــــواقُ*** وهفا إليكمْ قلبُهُ الخفـّــــاقُ

والبيت القضية، أوالأزمة المستعصية يقول:

لي في العراق ِعصابة ٌ لولاهمُ *** ما كان محبوباً إليَّ عراقُ

وهل العراق إلا بأهله؟ وهل الإنسان إلا بالإنسان؟ ! ألم يقلْ قيس ليلى من قديمٍ:

مرررّتُ على الديار ِديار ليلى****أقبلُ ذا الجدارا وذا الجدارا

ومـــا حبُ الديار ِ شغفنَ قلبي *** ولكنْ حبّ مَنْ سكنَ الدّيارا

وأيضاَ الأستاذ (ساطع الحصري)، لم ينسَ المشكلة حتى وفاته، وذكرها في ( مذكراته ) الصادر سنة 1967م، ما كان لهذه القضية التي تقاذف بها الطرفان بتهمتي الشعوبية والطائفية، أنْ تأخذ هذا المدى الواسع ، لولا الجذور التاريخية المريضة لحالة العراق والأمة الإجتماعية، وتطرق إليها العالم الإجتماعي الدكتورعلي الوردي في العديد من مؤلفاته القيمة.

وربّ ضارة نافعة، وربَّ نافعة ضارة ! دفعت هذه المشكلة الشيخ (جواد الجواهري)، أن يفاتح الشخصية النافذة في الحكم والبارزة في المجتمع السيد (محمد الصدر) لحلحلتها، فتدخل لدى الملك (فيصل الأول )، وتمّ تعيين الشاب المعمم النحيف، والأديب اللطيف، ابن الثامنة والعشرين - وإنْ ذهب الشاعر للتصغير ! - في البلاط الملكي، وذلك سنة 1927م، وهذه المرحلة ربما يراها شيخنا جديرة بالتدوين، وفاءً لصاحب الجلالة، ومباهاة ً بزهو الإنتصار، وانتقالا لواقع حال ٍجديد فوجد نفسه بين دهاليز السياسيين، ومجالس الأنس، ومنتديات الأدب، العمامة على رأسه، وبين يديه كأسه، رمى العمامة وركب الهول:

وأركبُ الهول في ريعان ِ مأمنةٍ*** حبّ الحياة بحبِّ الموتِ يغريني  

نعم مرحلة مهمة في حياته، وضعته بين بين، وعلى مفترق الطرق، بين إرضاء الحكّام ونزواتهم، أوالوقوف مع إرادة الجماهير وتطلعاتهم، معادلة صعبة، وتوازن رهيب، ولحظات حرجة، تارة ً يعترف بتقصيره:

تحوّلتُ من طبع ٍ لآخرِ ضدهُ ***من الشيمةِ الحسناءِ للشيمةِ النكرا

ومرات يتمرّد على نفسه، وينتفض طافرا لسبيله:

وليس بحرً مـــنْ إذا رامَ غايـةَ ً***تخوّفَ أنْ ترمي بهِ مســـلكاً وعـرا

وما أنتَ بالمعطي التّمرّدَ حقـهُ *** إذاكنتّ تخشى أنْ تجوعَ وأنْ تعرى

وهلْ غيرّ هذا ترتجي من مواطن ٍ**تريدُ على أوضاعها ثورة ً كبـــرى

فمن ثورته الجواهرية الكبرى قصيدته (الرجعيون) التي نظمها سنة (1929)، إثر المعارضة المتشددة لفتح مدرسة للبنات في مدينته، مدينة النجف الأشرف، ونشرتها جريدة (العراق)، ولم يُرعبها (لصوصٌ ولاطة ٌ وزناة ُ)، وبعدها ( جربيني) من (ضد الجمهور... في الدين ) إلى (بداعة التكوين)،   و(النزغة) من (أصفق كاسه ) حتى (يُملي " طباقه !" و" جناسه")، ما هكذا العهد بين الطرفين، وشتان بين (البلاط) و(الملاط) !!

فما كان ( الثائر) بقادر ٍ على الترف المقيد، والعرف المزيف، فطفر من البلاط الملكي اللطيف إلى الصراط الصحفي المخيف، فطغت عليه صحيفته (الفرات) (منتصف 1930)، ولم تتجاوزعشرين عددا منها حتى غلقت أبوابها أمامه، وبعد الفوات لم يرَ نفسه إلا بين المحاكم والغرامات، والمشاحنات والعداوات، ومهنة المتاعب والتيارات حتى أوائل الستينات، وما بينهما عاش الفاقة والحصار لثلاث سنوات، إذْ ضمّه (جلالته) تحت رحمة قائمته السوداء !:

فمن عجب ٍأنْ يمنح الرزق وادعٌ ***ويمنعهُ ثبت الجنان مغامرُ

وما هذا بعجبٍ، وإنمّا سنـّة الخلق، وطبيعة الحياة، ولا تذهب بك الظنون - أنت أيّها القارىء الكريم - إلى أنّ الصحافة وحدها سبب هذا البلاء، صاحبنا الشيخ الكبير كان يحركه دافعٌ غريزي قوي للعيش بلذة على حافة الخطر، وهاوية القدر، فهو على هذا الحال،يركض نحو الأهوال، فينظم (حالنا اليوم أو في سبيل الحكم)، وهي قصيدة قاسية ومريرة ضد الحكم القائم حينذاك، عندما إندلعت نيران المعارك المؤلمة بين عشائر الفرات الأوسط بتحريض من الساسة الكبار عام 1935م، إذْ كانت وزارة (ياسين الهاشمي) الثانية في أوج عنفوانها:

ولم يبقّ معنى للمناصب عندنا***سوى أنها ملك القريبِ المصاهر ِ

وكانتْ طباعٌ للعشائر ترتجـى *** فقدْ لوّثتْ حتى طباع ُ العشــــائر ِ

بالرغم من أنّ السيد الهاشمي كان مؤمناً بحرية الصحافة، وصراحة القول - والحق يقال -، ولكن ربما لإضطراب الأوضاع، وخشية من تأجيج الأوجاع، غُلقت الصحيفة الناشرة (الإصلاح)، وأُقيمت الدعوى على الشاعر الثائر، وصاحب الجريدة العاثر، وبإيعاز ملعوب أجلت القضية، ومن ثم أُلغيت الدعوى، واستدعى الهاشمي الجواهري ليساومه على عضوية مجلس النواب، مقابل دعم الأخير للأول، أو سكوته على الأقل، ورفض دولة الرئيس طلباً للشاعر بإيفاده للخارج بإلحاح ٍ فامتناع !، ولم يعلن اسمه كمرشح للمجلس، ولم تتم الصفقة، ولا إيفاده المعشوق إيفاد، ضيع المشيتين، وبعد يوم من إعلان اسماء المرشحين، يعلن الفريق (بكر صدقي) إنقلابه على (الهاشمي ياسين) ( تشرين الأول 1936م)، ويُصدر شيخنا الشاب صحيفته (الإنقلاب) مناصرة، بل ناطقة بلسان الإنقلاب، فجبلته بُنيت لمساندة كل تمرد، أو انتفاضة وطنية محقـّة، أو ثورة شعبية صادقة، فحسَبَ الجماعة المنقلبة من العادلين المحقين الصادقين، ولم يخفت ظنـّه الحسن من بعدُ، حتى قال في ثورة (14 تموز): "جيش العراقِ ولم أزلْ بكَ مؤمنا "، وما (لم أزلْ) إلا استمرارية (لما مضى )، لو كنتم تعلمون !! فلكلّ جديد لذة ورنـّة، وبأنـّه " الأملُ المُرجى والمنى " !

ثمّ أنـّه عدَّ صاحبه الهاشميَّ قد نكث العهد معه، وغدر به، فواحدة بواحدة ! وكان ممن مدحه سابقا بقصيدة مطلعها:

عليكم وإنْ طال الرجاء المعوّلُ***وفي يدكمْ تحقيقُ ما يُتأملُ

وأنتمْ أخيرٌ فـــي ادّعاءٍ ومطمعٍ ٍ** وأنتمْ إذا عُدَّ لميـامين أولُ

ويبدو لك من العجيب، قد رثاه أيضاً بعد وفاته، ومما قال:      

ناصبتُ حكمك غاضباً فوجدتني ***بأزاءِ شهم ٍ في الخصام ِ كريم ِ

كمْ فترةٍ دهتِ العـــراقَ عصيبة *** فرّجتها بدهائــــــــــكّ المعلوم ِ

ومن المعلوم أنَ (ياسين الهاشمي)، غادرالعراق إبان إنقلاب بكر صدقي، متوجهاً إلى بيروت،وتوفي فيها سنة 1937م، ثم نقل جثمانه إلى دمشق، ليدفن جنب ضريح صلاح الدين الأيوبي ، وربما جاء الرثاء لرد الاعتبار أو شبه اعتذار، أو كما قيل:

دعوتُ على عَمْر ٍفلما فقدتهُ ***بليتُ بأقوام ٍبكيتُ بكيت على عَمْر ِ

و(عَمرو) تـُحذف واوها في الشعر عند تنوينها، فحذفتها، وحركتها، المهم الحقيقة أنَّ الهاشمي ياسين - كان أخوه طه الهاشمي رئيساً لأركان الجيش في عهده، وإبان الانقلاب كان في زيارة للأردن - رجلٌ سياسي داهية باعتراف الجواهري نفسه، يسيره عقله باتزان محسوب، واللحظات الآتية مخطط لها من قبل، والشاعر لحظة الإلهام الشعري، يكون تحت هيمنتها تماما، لا تخطيط مسبق، ولا هم يحزنون ولا يفرحون !! لذلك هو صادق دائما في شعره مع نفسه، ومع مجتمعه، إنْ عذر أو عذل، إن مدح أو هجا، إنْ سخط أو رضى، وهذا ليس بتبرير، ولكنه تحليل، ولك أنْ تأخذ منه ما تشاء، وأنا ذاهب للعشاء، عشية ليلة قمراء، بعد عدة أيام من السنة الميلادية الغراء (2012م)، لقاؤنا في الحلقة الخامسة إن شاء الله، والسلام !

 

كريم مرزة الأسدي

.............................

(1) موقع المثقف الأحد 7 /8 /2011 - الشاعر الذي قهرت حافظته الشيخوخة - مقال بقلم عبد الرضا علي.

(2)عبد نور داود عمران: البنية الإيقاعية في شعر الجواهري (مشروع رسالة دكتوراه - ص 7 - 8 .      

(3) راجع الشيخ جعفر محبوبة: ماضي النجف وحاضرها ج2 ص 36 .

 

الشاعرة سمر نادر تراقص خوابي نبيذ معتق

wejdan abdulazizلازالت الاوراق تتأبطني، او قد اتأبطها لا ادري وعذرا لصباحات الحبيبة التي تتمنى ان تتأبط ذراعي .. كانت الاوراق تبث ابتسامات الجمال، كما هي حبيبتي .. حبيبتي مهرة صعبة المراس، ناعمة الملمس، تطاول الحياة بحبها للندى وازهار الصباح .. وكذلك كلمات الشعر التي تطوف مساحة البياض في الاوراق .. تبث اشارات مستمرة، محلقة، بالضبط انها حبيبتي ... وبهذا استعير قول أ.د/عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي: (على أن الفنّ كما يقول (هيجل) يُمكنه أن يُحدِث الشرَّ والخيرَ. ذلك لأن «الإنسان غنيٌّ بالخير والشرّ، بالأشياء السامية والدنيئة على حدٍّ سواء؛ ولهذا يَقدر الفنّ على أن ينفخ فينا الحماسة والحميَّة للجَمال والسموّ قدرتَه على الانحطاط بنا وإثارة أعصابنا بتهييجه الجانب الحسّي والشهواني منّا. ليس ثمَّة من فارقٍ، إذن، من هذا المنظور، بين مضامين الفنّ. فالفنّ يَقدر على أن يسمو بنا قدرتَه على أن يحطّنا إلى أنانيّين أدنياء، وعلى أن يشدّنا إلى العالَم الحسِّي قدرتَه على جذبنا إلى الدوائر السامية من الروحيّة.» وبذا فإن بوسع الفنّ أن يُغذِّي غرائزنا البدائيَّة المتوحِّشة؛ فيُعيدنا إلى تجارب الأسلاف الحمراء. وما يميِّز المتحضِّر عن البدائي هو ضبط الغرائز والأهواء، وتنظيمها تنظيمًا إيجابيًّا. وأَنَّى رأيتَ امرأً يَرزَح تحت نِير الهوى، اعلمْ أنه ما زال ضحيَّة شخصيَّته الحيوانيَّة البدائيَّة، التي لم تتهذَّب. وما كانت وظيفة الأديان والنُّظُم الحضاريَّة إلَّا معالجة هذا الجانب في شخصيَّة الإنسان. ولقد نشأتْ معظم الفنون، لذلك، على صِلَةٍ، بشكلٍ أو بآخر، بالدِّين في التجربة البشريَّة. وتأتي خطورة الفنّ- حين يستحضر تلك الأهواء استحضارًا سلبيًّا- بأن يقف عند الشِّقّ الأوَّل من معالجة الفنّ للنفس البشَريّة؛ فيكون كالطبيب الجرّاح الذي فتح القلب المريض، وتركه كذلك ينزف وانصرف. أي حين يُريك شخصيتك على بدائيّتها- بحسب نظريّة (التطهير) لدى أرسطو (Catharsis)- لكنه يقف عند ذلك. ولا نعني بأن عليه أن لا يقف عند ذلك أن عليه أن يحوّل عمله إلى وَعظ. بيد أن أبلغ عبقريّات الفنّ إنما تكمن في المهارة في حلّ هذه المعادلة: (عرض المسكوت عنه، وعدم السكوت عنه). وهكذا وجدت هذا الصراع في شعرنا العربي الحديث، سواء كان طفوليا طري العود، او ناضجا بتجربة ومراس عبر سنين من الكتابة، وجدت فيه الارتقاء نحو معارج السمو بالبحث في ثنايا الواقع بكل حصاراته وافرازاته السلبية، ليمثل الشاعر بخلجاته الانسانية التي تبحث عن الجمال والطمأنينة ومن ثم تحريك المسكوت عنه وعرضه في اسلوب مغري للقراءة والتمعن .. ومن هنا وجدت هذه الخلجات الغير قارة، كالمهرة صعبة المراس، تحتاج للكثير من الدربة والمران .. عند شاعرتنا سمر نادر في قولها:

(همجيّ في عشقك... حارق في غيرتك... إزرعني في رحم ارضك حبة حنطة.. وأرويني بماء عينيك... واحصدني امرأةً من دهشة... معك انت... متعة حوار الصمت بين العين والشفاه.. لذة التسكع على أرصفة الاشتهاء غيبوبة الضياع في احضان العشق... معك انت... نشوة التأجج في شغف جسد... عذوبة الارتقاء في منارة روح... سكينة الحلم في هدوء نبض معك انت... ايها العاشق الهمجي الغيور... اغزل احتراقي من حرير قلبك وأفترش اسرار الجنون...

ماذا لو!!! ماذا لو غرسنا في الحروف بعض الشهب... فأنبتت أبجديتنا سفرَ تكوينٍ جديد ومزاميرَ عشقٍ نشيد أناشيد محبة وأغمارَ حنطةٍ ونبيذاً واقمارا ماذا لو !!!! مارسنا طقوس العشق ببعض جنونٍ فابتهجت آلهة الغرام وأزهرت أروحنا قُبلاً من لهبٍ وأرجوانٍ وعناقَ أزلٍ وزيتاً ونورا... ماذا لو !!! مسحنا التقاليد ببعض الطيوب فتغيّرت "أخبار الايام" وتحققت النبؤة.. ففاضت جرار الاماني بالترانيم قرابين وفاء سنابل عطاء خبزاً وخمراً وبخورا...)

هذه اللوحة التي احتدمت فيها صراعات الجسد والروح، وصراعات الممكن واللاممكن، المرئي واللامرئي .. ثم صراعات القبح والجمال في اوجها، وباستعمال الشاعرة كلمة (لو) وتعني امتناع لامتناع في النحو، والمعنى حمل شيء جميل من الصعب تحقيقه، ولكن رؤية الشاعرة تؤكد التمسك به وتتمنى وجوده (اغزل احتراقي من حرير قلبك وأفترش اسرار الجنون...

ماذا لو!!! ماذا لو غرسنا في الحروف بعض الشهب... فأنبتت أبجديتنا سفرَ تكوينٍ جديد ومزاميرَ عشقٍ نشيد أناشيد محبة وأغمارَ حنطةٍ ونبيذاً واقمارا ماذا لو !!!! مارسنا طقوس العشق ببعض جنونٍ فابتهجت آلهة الغرام وأزهرت أروحنا قُبلاً من لهبٍ وأرجوانٍ وعناقَ أزلٍ وزيتاً ونورا... ماذا لو !!! مسحنا التقاليد ببعض الطيوب فتغيّرت "أخبار الايام" وتحققت النبؤة.. ففاضت جرار الاماني بالترانيم قرابين وفاء سنابل عطاء خبزاً وخمراً وبخورا...)، وتحاول الوصول الى سفر تكوين جديد، بيد انه لايختلف ويعارض الجمال، لان جرار اماني سمر نارد مملوءة بعطاء الخبز ومزامير العشق واناشيد الحب، فهذا نزوع من ارض القبح الى ارض المحبة والخبز، أي ان قرين الخبز اكسير الحياة هو الحب وما تنطوي جماليات الحب في اضفاء لذة الخبز والعيش فالشاعرة سمر تطرح لوحاتها الجمالية ولااكراه في اختيارها او رفضها، انها تتمنى !! كي تكون روحها وروح من تحب "قبلا" من لهب أي انفعال وانجذاب و"ارجوان" أي هدوء ورومانسية راقية، وتكون الحصيلة العناق الازلي المصحوب بالزيت والنور، بمعنى انه ليس في زوايا مظلمة، انه الحب الجميل المعلن ... فلا اختلف مع أ.دعبدالله الفيفي، ان الشاعرة تحدثت عن المسكوت عنه وعرضته بهدوء ودون اكراه ... رغم انها تنفعل في لوحاتها الشعرية الاخرى وتعيش احلاما فوضوية، الا انها دوما تلم اذيال الاناقة الانسانية النقية، لتعتمد العاطفة المعقلنة بعلة حضور العقل لتهذيب العاطفة ومحاولة استدراج العقل، ليكون اكثر انسانية واكثر مرونة في استعمال عاطفة الحب .. لذا تردد دوما: (هي امراة ...وقع اقدامها همس خلخال عاشق.. ولحن قيثارة... وعلى خصرها تتلوى الافاعي.. هي امراة.... اصابعها صخب امواج... وشغف نار.. فوق صدرها ترقص خوابي نبيذ معتق هي امرأة... لا يحتويها تاريخ... منحت قلبها لفارس الاسطورة .... فهامَ بين النجوم يُفتش عن بريق عينيها ... فشمسها تُشرق من زاوية شفتيه...تنقش ابجدية عشقٍ فوق جسده .. وتغيب في زاوية قلبه ... هي امرأة..... تنتمي الى زمن الخرافات والاساطير... حكاياها قناديل بوحٍ معلقة على جناح الذاكرة... هي امرأة... تنتمي الى زمن الاعاصير والزلالزل... فلا تعتقد يوماً ان تسكن قلبها ببساطة.....)، أي (ان الشاعر يسخر كل مايملك من طاقات فنية في سبيل خلق الصورة ونقلها الينا بكامل صفاتها وخصائصها، وبما يتلاءم وواقع تجربته في القصيدة، فهو "يصور الاشياء كما يراها، يلتقط ظلالها الهاربة واشكالها المتغيرة لكي يجعلنا نحس بها كما يحس هو بها" بثباتها وحركتها وفعالياتها المتنوعة والمتعددة، وهي تخضع لطبيعة التجربة وكيفية حضورها الشعري في القصيدة.)، وهنا لابد من الالتفات الى مسألة الادراك (فوظيفة الادراك والفهم هي التمييز بين محتويات الوعي وتصنيفها واللذات التي تصاحب عمليات التمييز والتصنيف هذه هي التي يتكون منها جمال العالم المحسوس)، وكان بحث سمر نادر (عن طيفين متعانقين في بوح قصيدة)، فالشاعرة سمر نادر تساوي القصيدة، كونها مساحة بوحها الجميل ..

 

وجدان عبدالعزيز

البار الأمريكي.. العتمة وعوالم الأرق

jasim alayffدار "سطور- للنشر والتوزيع- بغداد، أصدرت الطبعة الثانية لـ "البار الأمريكي" المجموعة القصصية للقاص "وارد بدر السالم" والتي سبق وفازت بالمركز الأول في مسابقة "جائزة دبي الثقافية للإبداع - الدورة الخامسة-2007. ضمت مجموعة"البار الأمريكي" ثماني قصص قصيرة هي"البحر يخرج من مرآة، وثلاثة كلاب، وغراب أخرس، وصلعة الثور الكاروليني، والبار الأمريكي، والأوزبكية، و وجه الحبشية، والرقصة البنغالية، وميزوبومتاميا"، وأضيف للطبعة الثانية، ملحق بعنوان" قراءات في البار الأمريكي" (ص 94 – 128)، ساهم فيه أحمد أمين، و جميل الشبيبي، وجاسم العايف،و فاروق سلوم، و هدية حسين،والذين سبق وتناولوا المجموعة في طبعتها الأولى. تطرح قصة "البار الأمريكي" (ص 7 -39)، التي أخذت المجموعة اسمها، عوالم لكائنات الأرق والسهر واللذة العابرة منزوية في جو العتمة المقصود وينفرد (الراوي العليم- القاص) بـ" الرجل" الوحيد الذي يعاقر خمرته، في بار، تساقطت عليه ظلال قاتمة، فمسحت جزءاً من ملامحه وكادت تمسح بعضاً من وجوده أيضاً، لولا جلسته القريبة من "تمثال الحرية"الذي كان في البار "مجسماً" على نحو صغير للفنان الفرنسي "فريدريك أوجست بارثولدي"، وكان قد أنجزه في تموز عام 1844، بصفته، رمزاً للحرية والديمقراطية والصداقة العالمية وقُدم، كإهداء إلى الشعب الأمريكي باسم الشعب الفرنسي، و قَبَلهُ الرئيس الأمريكي "جروفر كليفلاند" نيابةً عن الشعب الأمريكي. إلا إن "الرجل" المتوحد في البار، يعيش لحظاته، محدقاً بمجسم التمثال، ومتحسساً ومتلمساً ممتعات المكان، و يراقب مساحته وهندسته وتشكيلاته والكائنات الجالسة فيه ؛ وينشغل- الرجل- بعيداً عن الزمان- المكان ليرنو هناك.. إذ المارينز والمسرفات والهمرات ؛ وهي تهدر في رأسه، لتجتاح صمته العاري وتسحق وحدته الحالية، بضجيجها وبغبارها الذي تخلفه خلفها، وكذلك طائرات الشبح وهي تقصف رأسه الدائخ بدوي عاصف لتسقط أطنان القنابل الذكية /العنقودية /الرذاذية /الصوتية، مستسلماً،مسلوب الإرادة، للاباتشي التي تحوم حول عزلته لتلتقط أنفاسه الصعبة في صدره المشروخ وتضع مكانه حفنة من اليورانيوم المنضب، ولا يني في أن يـهرب من سيارة مفخخة انفجرت في مدينته، وحولته إلى أشلاء من اللحم.. أو من قادم عبر الصحراء، وهو ملتح، و" دشداشته" القذرة، القصيرة من الإمام والطويلة من الخلف، وجاء ليقتل نفسه، ومَنْ يتواجد قربه، مصادفةً، من العراقيين، منتظراً "حور عين" عاريةً تماماً، "تَشلع" جسده وكل مكبوتاته إلى الجنان الخضراء الموعودة في زمن، أو مكان، لا يَعرف أو حتى يخمن كائن ما، متى يتحقق ذلك فعلياً؟!. ويبقى - رجل البار- غريباً في المكان ذاته، كـشرقي منزوٍ وراء ضلال معتمة، تشتت وتعسرت في فمه لغة المراثي التي اعتادها أكثر من ثلاثين عاماً، وهو ينقل بصره بين صدر نادلة البار البض، والطافحة بالأنوثة، وتمثال "الحرية الصغير" حيث يوقن إنه، و في هذا الزمن والعالم والمكان، إن كل شيء محتمل و قابل للتحقق، فلربما يكون ذلك الأشقر، الجالس بفرح وسرور غامرين مع عشيقته، في عتمة ذلك البار، هو ذاته احد الذين قتلوه ذات مرة وخنقوا وريده على مشارف "بصرته"، أو احد الذين سرقوا وجيب قلبه ودبيب روحه الهائمة في ليل البار وظلاله القاتمة. تتميز مجموعة(البار الأمريكي)بنمط من القص يربط بين مهيمنات عدة، إذ يتشابك الداخل- الخارج، الزمان - المكان، الواقع - الافتراض، الغياب- الحضور، الحاضر- الماضي . وتتميز الرؤيا الفنية وبؤرتها الدلالية عبر خبرة في وظائف وطرائق السرد الفني الذي يستعين بالذاكرة الفردية - الجمعية. نلاحظ إن قصص" البار الأمريكي" الثماني، بمثابة "بؤر" تتسع بعيداً عبر أفكار مزدحمة بالوقائع، والحكايات والأحلام التي لا تنقطع وغالباً ما يهمن صوت الراوي- الوحيد - القاص ذاته، على الثيمات ليتلبس، عبر لغة سردية مرنة، رؤى تمزج بين الوقائع، والافتراضات المتخيلة،ومنها " المستكشف الجغرافي تارة أو المؤرخ أو العالِم الانثروبولوجي تارة أخرى، أو الجمع بين التراثي والمحقق، من رؤى تتوجه إلى بواطن الأحلام ومفازاتها" - القاص أحمد أمين.في قصص "البار الأمريكي" يقدم السالم:" السارد التشكيلي الذي يقوم بتوصيف أو رسم لوحة تشكيلية بالكلمات والتحكم بمفرداتها وبتحريك تفاصيلها، أو إضافة عناصر جديدة لها أو إلغاء بعضها أو جميعها" - الناقد جميل الشبيبي. القاص "وارد بدر السالم" من قصاصي جيل الثمانينات العراقي، ذلك الجيل الذي طحنته حروب النظام المنهار، العبثية المتعاقبة، والتي طمست حياته وبددت أحلامه سلطة قامعة، لا حد لقسوتها وبربريتها ووحشيتها، وهو في بديات تطلعاته الحياتية -الثقافية. و قد أصدر السالم عدداً من المجاميع القصصية والراويات التي استخدم فيها التوظيف الفني - الدلالي للواقع العراقي المعيش في تحولاته القاسية الصاخبة المريرة، منقباً عن ضياع دور الإنسان العراقي، كاشفاً الظروف المعقدة التي تُغيب و تُكبل تطلعاته وتشوفه نحو عالم جديد لائق بالحياة الآدمية، متطلعاً بوله نحو الفضاءات الرحبة والغنية التي تنطوي على ما هو جميل ونبيل وحافل بالثراء الوجداني - الإنساني، وحياته التي تُعاش مرة واحدة فقط، ومستخدماً - القاص- مستوى متميزاً في عبارته السردية - الشاعرية - المكثفة،مجموعة "المعدان"- 1995، نموذجاً، ونلاحظ إن (السالم) في بعض رواياته و الكثير من قصصه يسهم في تقديم (بانوراما) شديدة الخصوصية والمحلية العراقية- الجنوبية تحديداً، تلك العوالم والحيوات والفضاءات لا يتعامل معها أو يقدمها (السالم) بصفتها (يوتوبيا) بل كجزء من صميم الحياة الواقعية و الغرائبية - روايته "مولد غراب"- 2001- التي ينطوي عليها جنوب العراق وبعض بقايا مكوناته البشرية وعمق تقاليدها التي تؤكد الدراسات الانثروبولوجية العديدة (سومرية) أصولها وامتدادات بعض طقوسها الحالية. مجموعة" البار الأمريكي" مرتبطة في نسيجها العام عبر طرحها لموضوعة الحرب وقسوتها وبشاعتها وتأثيراتها على الإنسان والأوطان، ولذا يمكن أن تشكل في كليتها فصولاً ضمن رواية، وهو ما نوه إليه القاص السالم في هامش ورد في الصفحة(92)، وفي نهاية قصة " ميزوبوتاميا" إذ يؤكد فيه دخول هذا النسيج القصصي في روايته "تجميع الأسد ".

 

جاسم العايف

 

مزامير عبّاس داخل حسن ومساحات الألم اليوميّ

sanaa alshalanلا نستطيع أن ندخل إلى عوالم المجموعة القصصيّة" مزامير يوميّة" للأديب العراقيّ عبّاس داخل حسن إلاّ من مساحة الإنسانيّة الطاغيّة المثقلة بحياة تعجّ بتفاصيل الألم والعجز والخيبة والانكسارات، وتمتح من ذاكرة تفيض بالحسرة على أزمان مسروقة ووطن منهوب على أيدي اللّصوص، والتفجّع من دروب ملعونة سرقته من وطنه وشعبه وذكرياته، كما سرقت الأزمان الجميلة من وطنه العراق، ولفظته هناك بعيداً في منافي الأرض حيث البرد والحزن والوحدة والحنين إلى وطن بعيد وأزمان لا تعود.

أخال أنّ عبّاس داخل حسن قد اختار المزامير لتكون جزءاً من عنوان مجموعته كي يكسر متوقع القداسة المتوهّم من الاسم، إذ إنّه يصدمنا من واقع دنس، وأفعال نجسة، بدل أن نعيش في جو مأمول من الطّهر والنّقاء، وهو يأخذ من تكراريّة الفعل المزموري- إن جاز التّعبير- كي يحيلنا إلى تراكميّة واستمراريّة أثر هذه التّرنيمات اليوميّة التي تمثّل مقطعاً واحداّ لا غير من الحياة، وهو مقطع خيبة الألم وانكسار الرّوح وألم القلب.فهذه المزامير تتكرّر جبراً في حياتنا لصالح شيء واحد لا غير، وهو خرطنا قهراً وقسراً في ألمنا وإكراهاتنا وعوالمنا المستلبة.

وقد بدأ عباس داخل حسن المزامير بعزف ترنيمات حزنه، واستدعاء مفردات ذاكرته بما فيها من أشخاص وأماكن وأفعال، وهي جميعها ترتبط مباشرة أو ترميزاً بوطنه العراق الذي يعيش فيه، وإن يعيش في مكان بعيد عنه.وهو ينطلق من ذاكرة المكان والزّمان التي تحتلّ وجدانه لينقلنا بسرعة إلى أحزان وطنه ومعاناة شعبه، وهو يقدّم قصصه في هذه المجموعة لاعباً على مفردة الوطن الإنسان والإنسان الوطن، فعندما يتحّدث عن نفسه، فهو يروي قصص الوطن الحزين، وعندما يتحدّث عن الوطن الحزين، فهو يعني بذلك كلّ إنسان في وطنه.

هو يراوح في مجوعته بين القصّة القصيرة جدّاً والقصّة الومضة، ويطعّم فسيفساء هذا العمل بأحجار فنيّة مختلفة لبناء فضاءه السّرديّ المفتوح على تأويلات كثيرة ومساحات شاسعة منهكة من التوقّعات؛فهو يستدعي المفارقة محركاً للحدث، وشكلاً للقفلة السّرديّة، كما أنّه ينطلق من توظيف الموروث السّرديّ في قصصه، وهذا الموروث السّرديّ قد يكون وليد التّاريخ، أو من شذرات القصّ الشّعبيّ أو من فتات التّراث القصصيّ العربيّ، ويجعل من القفلة القصصيّة نقطة مركزيّة لفهم القصّة واكتمال ذروتها، وتفكيك رموزها ورؤاها، كما يستسلم لتيار تداعي الذّكريات والحوار الدّاخليّ المختزل والإغراق في البوح الذي يكون على حساب حجم الحدث في بعض القصص، وهو مدفوع إلى ذلك بقوّة الانفعال الشّخصّيّ وظلال المعاناة الذّاتيّة ومحصّلة خبراته الإنسانيّة.إلى جانب أنّه يستعير الشّكل المتوالد في القصص الموروثة المنبثقة من قصّة أمّ أو محوريّة، ليجعل هذا النّمط السّرديّ المتوالد هو تفريعات على حدث واحد وفكرة جامعة، بما يمكن أن نسميّه بوحدة الموضوع في بعض القصص المتوالدة في هذه المجموعة القصصيّة.

وأيّاً كان المعمار الشّكليّ للسّرد في هذه القصّة، فإنّه ينطلق جميعاً من فلسفة الإضاءة على بعض الوجع، في حين المقصود هو الألم كلّه، ولذلك عندما يقتطف عباس داخل حسن فرعاً من الألم، فهو يومئ بكلّ تأكيد إلى الشّجرة كلّها، وبذلك هو يتوقّف عن مواقف صغيرة في مساحات حرفيّة قليلة، ولكنّه يترك لنا أن نخمّن بحدسنا الخاصّ وبتجاربنا ومعارفنا وخبراتنا وثقافاتنا إلى أيّ مدى يمكن أن نسقط هذه القصص على واقعنا، وإلى أيّ حدّ نعيش في ظلّها.

وإن فرض سؤال متوقّع نفسه علينا، وألحّ بمعرفة أسباب اختزال العام في الخاصّ والكلّ في البعض في هذه المجموعة القصصيّة، فقد تكون الإجابة متمثّلة بصراحة ووضوح في أنّ الألم والوجع والحزن أكبر وأعظم من أن يُحاط بها في سرد ما مهما بلغ وتغوّل وشمل، ولذلك جاء الاختزال في القصص على حساب الحجم لا على حساب الفكرة أو التّأويل أو الرّؤى أو المرامي.

ومن هذه الخاصّية بالذّات نستطيع أن ندرك أنّ هذه المجموعة القصصيّة هي تجربة إنسانيّة عامّة حتى وإن لبست لبوس الشّخصيّ والخاصّ والمحدّد في بعض المواضع، فهي تحمل فلسفة تجاوز الألم الشّخصيّ بافتراض أنّ الآخر يتألّم كذلك، وأن تأوّه الإنسان الواحد، هو تأوّه للبشريّة جمعاء بمعنى ما.وبذلك نستطيع أن نفهم مغزى الحكمة في هذه المجموعة، فهي مثقلة بثمار الحكمة في جلّ مواضعها، فعبّاس يلتقط الثمرة، ويضعها في حجر المتلقّي، ويترك له أن يتذوّقها على مهل، ومن يفوته أن يحزر الطَّعم، وأن يميّز الحكمة، وأن يستخلص الفكرة، فهو عندئذٍ لا يستحقّ هبة السّرد، ولا جدوى من قراءته للمجموعة سوى تحقيق متعة آنيّة محتملة الحدوث، أمّا المغزى الحقيقيّ من القصص فلا يدركه إلاّ من وعى الألم، وجرّب الحزن، وقرأ هذه المجموعة بقلبه ووعيه وضميره ووجدانه؛فهذه مجموعة قصصيّة تصلح لأن تكون صرخة إنسانيّة وتأوه قلب في إزاء مشهد إنسانيّ مؤلم، وليست حقلاً سرديّاً يقطف المتعة، ويبغي التّسلية وتزجية الوقت، أو أرضاً حالمة هانئة يقصدها المترفون المتخفّفون من الألم والمعاناة والقهر والكبت.

لي أن أزعم أنّ الأديب عبّاس داخل الإنسانيّة باذخ الحضور الإنسانيّ، ألمحي الضّمير، وافر الألم، ولولا هذا الثّالوث الاشتراطيّ لحالته الإبداعيّة في هذه المجموعة القصصيّة لما كانت بهذا الجمال، وهذه الحساسيّة والرّقة والألمحيّة والقدرة على التقاط أصغر المواقف الإنسانيّة للوقوف على بوابة التّجربة الإنسانيّة بتجلياتها جميعاً؛فهو يملك بامتياز حالة مفرطة من الحساسيّة والقدرة على الالتقاط التي تجعله مرشّحاً أكثر من غيره للألم والحنين والتوّجع والانكسار والحياة حبيس ذكرياته، وهذه الحالة هي من تملّكه قدرة استثنائيّة على بناء قصّه من شذرات الألم ومن تشظّي الوجع.وذلك دون أن يسقط في فخّ الذّاتيّة، ودون أن يغفل الإنسانيّة جمعاء في درسه الخاصّ عنها عبر ذاته.

لي أن أعلن صراحة وبثقة كاملة أنّني أعيش حالة انسجام لذيذ مع هذه المجموعة القصصيّة التي لا نستطيع أن نقرأها دون التّوافر على رصيد إنسانيّ ووجدانيّ يسمح لنا بأن ندخل إلى جوّانياتها، ونتماهى مع دواخلها، ونحيل خاصّها إلى عامّ، وعامّها إلى خاصّ، إنّها لعبة الاختفاء في الذّات، والضّياع في الخارج، وبينهما يسكن الأجمل المفقود، وهو الفرح والسّعادة والخير، وعبّاس داخل حسن يصمّم على أن يحلم بالأجمل، وأن يلعن القبح حتى يتجلّى الجمال وافراً أمامه في عالم أرحب للبشريّة بعيداً عن تطاحنها وقبحها ومآلاتها المأساويّة، وحتى يتحقّق الحلم، ويرحل القبح، يظلّ عبّاس في رحلة مع الكلمة والقصّ إلى أن ينتصر الرّفض على الألم، ويقبر الفرح الحزن والانكسار.

"مزامير يوميّة"هي إحالة إلى جمعيّة التّجربة الإنسانيّة بكلّ ما فيها من خصوصيّة الفرديّة، هي حالة معيشة يحياها الكثيرون، وهي وجع يوميّ يكابده المكابدون، وهي وثيقة تجريم بحقّ كلّ من أساء إلى الأوطان، وخان ضميره، وضيّع إنسانيته وهويته، إنّها باختصار يوميّات إنسان وافر الألم والبؤس وخيبات الأمل في هذا الكوكب الذي يعجّ بالألم والقبح وترّهات الصدف وتحالفات الشّر.هي -باختصار شديد- حلمنا الباقي الأثير بأن تأتي السّعادة مهما طال انتظارها.

 

بقلم د.سناء شعلان/الأردن

 

 

فسحات في الاديان يستمد منها الجماعات الارهابية وحشيته

juotyar tamerرؤية في رواية "رقصة الجديلة والنهر" للروائية وفاء عبدالرزاق

تتشكل المعالم الحقيقية للمجتمعات الواقعة تحت سوط الارهاب من خلال الادبيات التي تحاول رصد الحقائق من الواقع العياني وتوظيفها ضمن سلسلة من المنظومات الدلالية والبلاغية والتشكيلية المشهدية وفق تداعيات ومعطيات تمنحها صفة تجنيسية ادبية، والرواية ضمن هذه التشكيلات اخذت حيزاً كبيراً ودوراً مميزاً في احداث نقلة موضوعية وجدية وجدلية لجعل المتلقي يبصر وقع الارهاب على الناس وعلى جميع الاصعدة، باعتبار ان الارهاب اصبح يشكل احدى اتعس الحلقات البشرية على هذا الخراب المسمى الارض، فالانسان الذي يستمد قواه الروحية من الموروثات الدينية والميثولوجية نجده هو نفسه يجعل من هذه المصادر اداة بيده يوظفها حسب اشتهاءات ذاتية لاتنم عن وعي او اية انسانية، بحيث تصبح في صيرورتها اداة قتل وذبح واغتصاب وسبي، وغير ذلك من المصطلحات التي تتبناها هذه الفئات والجماعات الارهابية مبررة افعالها باسم الدين، وليس هناك شك بان الاديان نفسها تركت هذه الفسحة لهولاء بتبني هكذا افكار، حين اودعت شرائعها بين ايدي البشر ليقوم بتحقيق غاياتها، فاصبحنا نسمع هرطقات فاقت الغباء من اصحاب اللحى والعمامات تجاوزت حدود المنطق والحياة الانسانية، كمن يحرم لحم الارنب ويعتبرها من الحشرات واخر يحاول تغيير مسارات الواقع البشري باعتبارات لاتنم عن الحقيقة بشيء، وعلى هذا المنوال يتكاثر اصحاب الرقع والاقاويل وينسبها للدين، الامر الذي استوجب على الكثير من الادباء خوض معركة الرد على هذه الهرطقات التي خلقت جماعات لاتنتمي في واقعها الا للدم وهدم القيم الانسانية الوجودية، واديبتنا وفاء عبدالرزاق هي احدى الاديبات التي حملت في كتاباتها هم الوجود الانساني دون تصنيفات ودون حواجز جغرافية، فكانت الناطقة باسم الانسان اينما حلت، ولاشك بانها خصت وطنها بالكثير من كتاباتها ولكنها كتابات يمكن اسقاطها وتعميها لتصبح هويتها الانسانية هي الغالبة كما فعلت في روايتها " رقصة الجديلة والنهر" التي استطاعت فيها رصد ديناميكية هذه الاتجاهات والافكار الارهابية وتأثيرها الكبير على وقع الحياة بمجمل اتجاهاتها وحالاتها.

وحين نقول بانها خصت وطنها ببعض كتاباتها فلانها تعلم بان احدى اشرس موجات الارهاب الان تعصف بوطنها، حيث حلم اعادة الخلافة او الدولة الاسلامية اصبح هاجس بعض ضعاف النفوس فاحلت لنفسها فعل كل شيء واي شيء من اجل تحقيق مكاسب تدعم فكرها المتلبس بالدين كغطاء عام، ان حلم احياء الخلافة غطاء اتخذته الكثير من الجماعات وهي نفسها التي سفكت دماء البشر بابشع الطرق، فكأن موروثاتها الدينية انما مبنية على هكذا افعال شنيعة، وعلى هذا الاساس اتت الرواية كممر استكمالي لمعالجة ملامح المشهد الابداعي المقاوم للارهاب الديني الكاشف احتمالاته الخطرة، ودوافعه واسبابه وسياقاته، فكانت رؤيتها العميقة النافذة والناقدة معلماً واضحاً حول دورها الابداعي والفكري المقاوم لكل اشكال الارهاب الديني..لقد راهن النص الروائي الخطابي على إشراك المتلقي في الرؤية التي صدرت عنها الكاتبة انطلاقا من موقفها الثابت تجاه الإرهاب ، وكل ما يتعلق بأفعال الجماعات المسلحة التي تتخذ لها لبوسا دينيا.

ولكنها في الوقت نفسه، اتبعت اسلوباً خطابياً مغايراً بحيث جعلت من المتلقي لايعيش الحدث خارج اطار الواقع التساؤلي الذي بدوره يعد حلقة مميزة في العمل الادبي، باعتباره يفتح الكثير من الافاق امام المتلقي ليلج من خلالها الى ماهية الموضوع نفسه والحدث بترافقية وتلازمية مشهدية نابعة من الصور المعلقة مسبقاً في اللاوعي والتي يحركها صور اخرى منظورة ضمن نطاق الوعي الاني، فحين نحاول ان نلج الى ضمنيات الرواية نجد بأنها تراهن كثيراً على الانصات كموجب ملازم لادارك مقاصدها داخل ثيمات الحبكة نفسها، وذلك عبر توظيف شخوص يقومون بتحفيز التثويرات اللحظوية داخل المجسات المضمرة من الصور والمشاهد المرئية المتاحة، والتي تتطلب انتباهاً من المتلقي ومن ثم تثير تفاعلية واضحة حول حراكاتها لتنعكس بالتالي على سير الرواية والحدث الروائي اجمالاً.

لقد استطاعت الرواية من انتاج كم هائل من التساؤلات التي بدورها تمخض عنها تفاعلات بمستويات متعددة، " أنا أيضاً لديَّ تساؤلات .....ماذا سيحدث بعد هذا الرأس المقطوع ؟...... وأين تلك الكلمة، التي تهز السماء......" ، ان استجلاء صوت التساؤل هنا لايقتصر على المخالجات التي اثرت على نفسية الروائية وفاء عبدالرزاق فجعلتها تستجدي عبر سلسلة من التساؤلات ماهية الحالة التي رصدتها، فعمق التوحش والوحشية ليس فقط الهدف، انما هي مدخل للبحث والتقصي عن الكثير من التلازميات التي يمكنها ان تفي حق وحجم الواقعة التي رصدتها الروائية فتناسلت هذه التساؤلات عنها.. فالاسئبة تبدأ بأنا.. لتعيش وقع مابعد قطع الرأس.. لتتصاعد وتيرتها فتتوجه الى السماء.. انها بحق لوحة رسمت بتقنية مستفزة، وداعية للكثير من التأمل.. فالممأساة ليست وقتية، انما هي متجذرة في تاريخ الانسان منذ الوهلة الاولى التي وطأت قدماه الخراب" الارض" ، وتفشت بشكل مستمر وبتناوب عبر سلسلة من الاجيال.. مما جعلتها مادة خامة في محادثات النفس ضمن منولوجات داخلية واخرى برانيةي فاثارت منذ البدء كما كبيرا من التساؤلات والانفعالات والعواطف والمشاعر التي وصلت في الكثير من الاحيان الى الاحتجاج الضمني للسماء والاحتجاج الظاهري للواقع الديني وحاملي راية الارهاب الديني نفسه.. فريحانة لم تمثل لحظة نفسها، انما مثلت الوجود الانساني بكل تمفصلاته..ولكنها في الوقت نفسه تمثل المأساة الانسانية الضحية .. ان التضاد حين يتحكم بالانسان يصبح اداة ورهينة للواقع العياني الزمكاني، وهنا الزمكانية التي ابرزتها الروائية وفاء عبدالرزاق هي زمكانية مشبعة بالارهاب الدموي القائم على الذبح والنحر، والسبي والاغتصاب وفق اجندات خارجية، داعمة للقومية من جهة، وللدينية من جهة اخرى، فكان الضحايا بشر ينتمون الى بالدرجة الاساس الى الانسانية، فشنكال لم تكن مدينة وحوش، والكثير من المدن الاخرى وحتى سبايكر لم فيها وحوش من كوكب اخر انما هي كلها تنتمي الى الانسانية حتى وان كانت من قومية او مذهبية او طائفة مغايرة لاصحاب الفكر الارهابي الديني.

ولهذا من يقرأ رواية رقصة الجديلة والنهر للروائية وفاء عبدالرزاق سيدرك بانها من احدى اهم الروايات في العصر الحديث التي رصدت عمق المأساة الانسانية جراء تعسف الارهاب الديني بكل اشكاله وكل تصنيفاته، وفضحت بشكل جذري وواضح ذلك الرداء الواهي الذي يتخفى ورائه اصحاب اللحى، عبيد الجنس والدم والذي يتمثل بالدرجة الاساس ب" داعش" الذين اباحوا كل المحرمات وانتكهوا كل الاعراف ومارسوا كل اللاممكنات تجاه ابرياء، فتخطوا بافعالهم كل منطق وكل عقل، حتى اصبحوا وكما اظهرتهم الروائية ضمن احداث روايتها ابشع انموذج بشري موجود الان، حتى غدت الرواية انموذج حي وواقعي حول امثالهم فقد استطاعت وفاء عبدالرزاق بمهارة روائية تعرف كيف تؤثث لمشهدها الروائي الواقعي ان تستقطب ممكنات السرد الوصفي والصور البيلوغرافية كي تتحول الرواية الى معلم ادبي في التاريخ المعاصر..

 

جوتيار تمر/ كوردستان

906-wafaa 

قراءة في مجموعة "ندوب" لميمون حِـــرْش بقلم الناقد والقاص عبد الرحيم التدلاوي

838-hrshصدر حديثاً عن مطبعة رباط نيت لسنة 2015 المجموعة القصصية في جنس القصة القصيرة جدا تحت عنوان "نــدوب" للقاص والناقد ذ. ميمون حرش،وقد تكلف بالطبع جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون. ليس من باب المبالغة إن قلنا إن القصة القصيرة جداً جنس زئبقي يتحدى القارئ المستعجل والظان ظن السوء أنها كتبت على عجل، ويمكنها أن تستهلك على عجل، بل لابد من إعمال الذهن، والقراءة المتعددة عسى بلوغ منفذ لتحقيق دلالة ترتضى. إنها جنس يتحدى القارئ وبخاصة الذي ارتكن للحل السهل وهو الرفض، تتحداه، من خلال نماذجها القوية، وتراوغه، وفي كثير من الأحيان تباغته بما لا يتوقعه، وفي ذلك دعوة لإعادة تنظيم معلوماته، والخروج من أفكاره المسبقة بتجديد أدواته، والتعامل معها بما تستحقه من اعتبار، فليس هناك قالب واحد للإبداع، وأن السرد لا يني يتوالد، ويتخذ لنفسه صيغاً جديدة، وبذلك تتعدد ألوانه.

  838-hrsh وعلى كل حال، ما ينبغي أن تُتخَذ الكتابات الرديئة في هذا المجال ذريعة للطعن في هذا الفن، والانتقاص منه؛ كما يفعل بعض المبدعين والنقاد، ممن لا يستسيغون هذا الفن، ولا يعترفون بمشروعيته وجدواه، هذا، وتتمثل سمات القصة القصيرة جداً في الإدهاش، والإرباك، والاشتباك، والمفارقة، والحكائية، وتراكب الأفعال، والتركيز على الوظائف الأساسية دون الوظائف الثانوية، والإقبال على الجمل الفعلية، والتكثيف، والتلغيز، والتنكيت، والترميز، والأسطرة، والانزياح، والتناص، والسخرية، وتنويع صيغ السرد القصصي تهجيناً وأسلبة ومحاكاة، وتصغير الحجم أكثر ما يمكن تصغيره انتقاء وتدقيقاً وتركيزاً...             يُعَد القاص ميمون حِرْش أحد الكتاب المغاربة المتميزين في مجالي القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً. فقد أصدر أول مجموعة قصصية قصيرة بعنوان "ريف الحسناء" عام 2012م، وضمنها عشر قصص قصيرة جداً في نهاية الكتاب. ثم أصدر مجموعته الثانية المنتمية إلى جنس القصة القصيرة جداً عام 2013م، طباعة مطابع الرباط نت، بعنوان: "نَجِي ليلتي"، ووضع ضِمْنها تلك القصص العشر الواردة في "ريف الحسناء". وقد كتبت نصوص هذه المجموعة الثانية ما بين 2012م و2013م، وصدرت ضمن منشورات المهرجان العربي الثاني للقصة القصيرة جداً بالناظور رقم - 3-. وقامت الفنانة خديجة طجاوي برسم غلافها الخارجي. وتضم المجموعة ستاً وثمانين قصة تتراوح أحجامها بين أربعة أسطر؛ كما في قصة "لا يستويان"، وتسعة عشر سطراً؛ كما في قصة "العانس"، التي تعد أطول قصص المجموعة، وتقع في صفحة ونصف من الحجم المتوسط. ثم أصدر مجموعة ثانية، تحمل العنوان التالي: "ندوب"، وتشتمل على 120 نصاً، مشفوعة بتقديم مهم للدكتور جميل حمداوي، بمثابة دراسة تناولت الجانب الفني للمجموعة، وقد تمددت النصوص على مساحة نصية كبيرة، من ص 20 إلى ص 139. وفي حين تضمنت الصفحة 140 عناوين المجموعات التي أصدرها، أو شارك فيها، متبوعة بفهرس. والملاحظ أن أغلب عناوين النصوص كانت بكلمات مفردة ذات منحى اسمي، مما يعني غلبة الجمل الاسمية ذات الميل إلى الاستقرار والسكون، وهو المنحى الغالب على المجاميع القصصية العربية قصيرها وطويلها. وتتسم المجموعة بالغموض الفني المقصود، والتكثيف اللغوي المختزل، وتوظيف الغرابة التي أساسها اللامعقول، والذي يتجلى بادئ ذي بدء في العنوان الخارجي، حيث جاءت المجموعة موسومة بـ"ندوب".

العنوان/ مدخل أساسي لتأويل النص:

يعتبر العنوان عتبة أولى لأي نص كيفما كان نوعه أو جنسه، حيث يمثل المدخل الأساس لفهم النص أو على الأقل لتكوين رؤية شاملة عنه. وقد يكون العنوان في بعض الأحيان غامضاً ولا يقدم شيئاً للمتلقي لحل شفرة النص، لكنه يبقى هو العتبة الأولى لهذا النص. جاء العنوان كلمة واحدة جمعا مفردها ندبة، يشكل جملة اسمية محذوف أحد أركانها، وهو المبتدأ، تقديره: هذه، مع إمكانية إلحاق ياء النسب لندوب، لتعبر عن محنة الكاتب ومحنة الكتابة في آن، ولعل الحذف كان بمثابة دعوة القارئ إلى ملء تلك الفجوة، مما يعني كسابه حضورا في النصوص، وهو ما سنلاحظه في نص " ظن .." ص 32 حيث ينتهي بقفلة تتوجه بالحديث إلى قارئ محتمل، خصيصته أنه سيقرر المعاقبة ولا شك في حق الشخص وهو يتهم كل النساء بالعاهرات. وهي في مفردها تحمل بعد التأنيث، وهنا يطرح السؤال: ما علاقة الكلمة بالمؤنث ؟ ونميل في إجابتنا إلى تلك العلاقة الدموية كخيط رابط بينهما، بحيث إن فعل إسالة الدم ينقل المفعول به من حالة لأخرى، فالبكر تصير ثيباً، والمندوب يفقد صفاء جسده، إن الألم عنصر رابط، إن لم نقل لاحم، ففقدان البكارة في الجسدين أمر جلي، يترك أثره على مر الزمان، لا يمحي، علامته تظل واقفة بقوة تشهد بفعل عنيف وقع على الذات فأحدث فيها أثراً شديد الحضور. والألم يكون جسدياً كما يكون نفسياً، ونميل إلى أن النفسي هو الأكثر حضوراً وقوة، لكونه أنتج نصوصاً تسعى إلى محوه بتذكره.كما في نص"قبل البوح .." ص 20، وهو أول نص يصادفنا، ويحمل في طياته كلمة "ندوب" بالتعريف، والمتمعن في العنوان سيجد ولا شك أن كلمة: بوح، تحمل معنى المعاناة، والرغبة في إرسالها لمتلق معين بهدف تفهم الوضع، وفي الوقت ذاته، التخلص منها، إنها شكل من أشكال التطهر، فإخراج الألم بالتعبير عنه،

يعد أهم مراحل الشفاء منه. كما أن النص يحفل بمجموعة من المفردات التي تصب في مجرى المعاناة، وتؤكد هذا الحقل، من مثل: حيارى، ومرضى، ومشروخة، ومكلومة. وهو معجم سيسود نصوص المجموعة، مؤكداً بذلك تلك الرغبة في الحكي، فخلف كل ندبة قصة، ينبغي أن تحكى، أن يقرأها الناس ليعلموا أن الكتابة معاناة، وتطهر في الآن ذاته.

"القصة القصيرة جدّا" نوع حكائيّ يمكن اعتباره النمط الأدبيّ الأكثر قدرة على تقطيع الواقع الراهن وتمثّل تفاصيله قصد بناء معنى له شعريّ يخفّف من ثقل الهزائم اليوميّة فيه. وتسعى القصة القصيرة جداً إلى التمرّد عليه بغاية إعادة بنائه بما يتماشى ومطامح كتّابها في تحويل واقعهم من مستواه الماديّ المحسوس إلى مستوى شعريّ مجرّد ومضغوط، حيث يصير بمستطاعهم تفتيت المعيش اليومي إلى أقاصيص قصيرة جداً تمثّل كلّ واحدة منها صورة أو مشهديّة أو سُرّة معنويّة، يُعنى فيه كاتبها بتحديد ملمح من ملامح ذاك المعيش ويبنيه سردياً. . فالقصصية القصيرة جدّاً، تمتح من عناصر الواقع مادّتَها وتغترف من أحداثه رُواءها ومغامرتها. كما أنها أصبحت تمتلك قدرة هائلة على تنصيص العالم ، أي جعله نصاً سردياً دالا ... يدهش المتلقي ، ويحقق لذة القراءة .. ولهذا تتجه القصة القصيرة جداً إلى اليومي بما يمتلئ به من تفاصيل وجزئيات لتبنيَ منها كينونة نصية ... ومجموعة "ندوب" تشتمل على مضامين قضوية، يتخيرها الكاتب من محيطه المعيش لتعركها ذائقته، بما تتوفر عليه من قدرة على دمج خيوط نسيجه القولي، وإخراجه في إهاب سردي يقوم على التلميح والاختزال والتكثيف. إنها قصص يتلقاها المتلقي ليس ليقرأها قراءة المتعة وقتل الوقت، بقدر ما هي قصص تتطلب من قارئها جهدًا مضاعفًا على الرغم من قصرها، والولوج في دهاليز مفرداتها، والبحث عن الرابط الخفي بين جملها، والعلاقات الدلالية في كل جملة سردية، أو وصفية نسجت خيوط القصة. و الملاحظ أن الهم السياسي والاجتماعي قد استحوذ على اهتمام الكتاب كلهم، فالمواطن العربي ذكراً كان أو أنثى صغيرًا أوكبيراً يعاني من هموم اجتماعية كثيرة، ومن قضايا سياسية متعددة ، على المستويين الداخلي والخارجي ، النفسي والمكاني ، وإذا كان الأمر هكذا فمن الطبيعي أن يكون الاهتمام منصباً على هذه الهموم والقضايا التي تشغل بال العربي وتؤرقه وتعرقل حياته ، وتعطل نظامه اليومي.

والقضايا التي عالجها القاص ميمون حرش في مجموعته كثيرة تمتد من الخاص إلى العام، ترسم دوائر صغيرة لا تني تكبر و تتوسع لتشمل في جبتها قضايا الوطن الصغير والكبير، واضعة الأصبع على ما يعتري هذه الخريطة من أدواء، وما يتخللها من أمراض، بغاية الشفاء منها. ومن أبرز تلك القضايا، نجد: الفقر والتفاوت الطبقي، والاستغلال، والتعدد، والعنف، والاستبداد ... يرصد القاص، بعين ثاقبة، الكثير من الظواهر السريالية التي تكتنف مشهدنا العربي، ظواهر عبثية تؤكد دوراننا في حلقة مفرغة؛ فها هي غزة تستصرخنا، فلا تجد فينا نخوة، نتابع اختناقها بكثير من اللامبالاة، فرغم الدم الأحمر السائل هنا، إلا أن سكان هذا الكوكب، هنا، غير مهتمين بالمطلق، يتابعون العنف على الشاشات وهم يتناولون مشروباتهم ويأكلون طعامهم وفستقهم، من دون أن تتحرك فيهم شعرة غيرة، ففي الصباح، يتأنقون، وينتشرون في الأرض، ويمارسون الحياة بلا أي شعور بالذنب :" دم بارد" ص36، لينتهي النص بإنزال اللعنة على مثل هؤلاء. إن الخطر يتمثل في هذه اللامبالاة التي يعلن عنها قطاع عريض من وطننا الكبير تجاه القضية الفلسطينية بما أنها قضية تهم الإنسان ككل، يهددها في العمق بحيث يترك الذئب وحيداً مستفرداً بقطيعه، بيد أن الإنسان الفلسطيني، من خلال تسطير ملاحمه النضالية بشتى الطرق، يؤكد أن صفة القطيع قد تركها للشعوب الأخرى، وبرهن على أن قيم الرجولة وعشق الحرية، تعد من أهم خصائصه، بالرغم من تخلي الأهل والأحباب عنه. هؤلاء الأخيرون قد حولوا القضية إلى بضاعة يتاجرون بها في المزادات العلنية. ص 63، مما دفع بحنظلة إلى الخروج من إطاره ليعانق أطفال الحجارة وهو يكتبون مجد النضال، وشرف المواجهة.

قضية الاستبداد:

لا يمكن لأي كاتب عربي أن يتخلص من طامة الاستبداد، وميمون حرش ليس بدعاً في هذا المجال، فقد أفرد للموضوع حيزاً من اهتمامه ومجموعته، فنراه يعلن بصوت مرتفع، أن الربيع العربي ليس ربيعاً بل خريف. فإبصار الرئيس المخلوع بين الجموع، تأكد للرائي أن الفصول ثلاثة فقط. ص 61. وفي صورة ساخرة يرسم لنا القاص في نص"مبارك" ص 21 سرابية الثورة، فهي لم تأت بالديمقراطية والعدالة، مادام أن الفرعون لم يرحل، إنه يتناسخ بشكل سريع، يمتلك من القوة ما يجعله باقياً لا يتزحزح عن كرسيه، يمتلك سلطان منع ومنح الحياة: "امنعوا عنهم "العيش"، واضربوا الجيش بالجيش ... كي أعيش ..." ص 37 ولا نملك، إزاء هذا الوضع السريالي، إلا أن نضحك، فشر البلية ما يضحك.

الوضع العربي:

بفعل الاستبداد، لا يمكن للوطن إلا أن يتفكك، ويصير دويلات، تتناحر فيما بينها، غير مهتمة بمصالحها الاستراتيجية الكبرى، فاسحة المجال للأعداء يفعلون بالأرض والشعوب ما يشاءون: "يا للعجب !... كؤوسنا من بطن واحدة .. وشاينا مختلف" ص 29.

أدواء المجتمعات العربية:

ومجتمع يخترقه الاستبداد لابد وأن يعيش العديد من الأمراض من مثل:

1.      التفاوت الطبقي: كما في نص: "جاران" ص 40، فواحد منهما غني، فاحش الثراء، والثاني فقير ، الأول ينعم بطيب العيش، والثاني محروم منها، تظهر علامات فقره من لباسه، وجسمه، يعيش ذل الانكسار، وهو يتابع، بمرارة، ضيوف جاره في سياراتهم الفارهة. فأين التراحم والتساكن وقيم الجوار ؟ ذهبت سدى بفعل الأنانية والجشع.

2.      الفقر:

ويرصد نص "فقير"ص 28 هذه الظاهرة التي بدأت تسيطر على مشهدنا اليومي، حيث نعثر كل يوم على نساء ورجال لا يملكون حتى ما يستر عوراتهم: القميص الذي لن يلبسه أبداً .. من بعيد يحصي أزراره .. بين الأول والأخير مسيرة عري .. "ص 28.

3. العنف:

في مثل هذا الواقع المرير، لا يمكن إلا أن يكون العنف سيد الموقف، بنوعيه، المادي والمعنوي. كما في نص"مافيا" ص 38، فالروح في مثل هذا الوضع لا قيمة لها، تذهب سدى بمجرد رغبة.

4.التخلف:

وعليه، لن يكون واقعنا العربي إلا موسوما بالتخلف لغياب المساواة والكرامة والعدل، وغيرها من القيم الإنسانية الإيجابية، نرى ذلك في نص"رقم قياسي" ص 126، فرغم كل المجهودات، لا يأتي الحصاد إلا بما هو سلبي: فسجلتني اللجنة في آخر القائمة .. مع صفة"عربي" الصفحة نفسها.

على المستوى الجمالي:

يعمد القاص إلى اللعب باللغة، والتلاعب بالألفاظ بهدف تحقيق الدلالة، حيث نجده يوظف كلمة واحدة ذات جرس محدد، مما يوقع في وهم القارئ بالجناس، بيد أنه في النهاية يحصل على طباق بمثابة مفارقة تفجر النص، وتحقق له الهدف المطلوب، فتخرج اللفظة من بعدها الدلالي الأحادي إلى بعد أعمق، ألا وهو التعدد. نلاحظ هذا في نص "الصد" ص 27، فقد تم توظيف لفظة واحدة، وهي: الصدمات، بيد أن السياق منح لكل لفظة معنى مخالفاً، جعلنا نقف أمام مفارقة صدامة، فذلك المعنى الذي تم شحن اللفظة به هو ما منح النص العمق، ووفقه في تحقيق الدهشة.، ولكي لا يبعد القارئ عن هذا المعنى، قام القاص بوضع علامة التضعيف على الصاد، وكان بإمكانه التخلي عن هذا، والسماح للقارئ بإعادة القراءة لإدراك أبعاد النص. فالنص يرصد حالتين متقابلتين أولاهما تصب في الثانية، والثانية هي نتيجة الأولى، فالبداية فعل، والنهاية نتيجة. فالنص بالرغم من أنه يتشكل من سطرين، فقد وضعنا أمام حالتين متباينتين، الأولى، فاعلها المحبوبة، فهي القائمة بفعل الصدمات، علماً، أن الصدمات، كثيراً ما تكون بغرض إعادة النبض للقلب، لكنها، هنا، بغاية قتله، وإماتته، أما الفاعل في الجملة الثانية، فهو القلب، الذي، بفعل تكرار تلقيه الصدمات، أدمنها، إلى أن مات، موته كان بفعل كثرة الصد، وهي وليدة الصدمات، فهذه الأخيرة هي التي تقف في وجه التواصل، تصد أي محاولة للاقتراب، لا تمنح للقلب أي فرصة للانتعاش، الأمر الذي جعله، في نهاية المطاف، وبعد إدمان، يتوقف عن الحركة، ويعلن موته حباً. هكذا يقوم اللعب بانزياح المعنى ومنح المفردات طاقة جديدة ترسم أبعاداً جديدة للنص، فتنعشه وهو الذي يعاني قصراً شديداً بفعل التكثيف، فاللعب عنصر فاعل في توسيع وعاء النص رغم شح الكلمات.

السخرية:

تقدّم السخرية صورة هجائية عن الجوانب القبيحة والسلبية للحياة کما يصوّر معايب المجتمعات، ومفاسدها، وحقائقها المرة بإغراق شديد حيث تظهر تلک الحقائق المرة أکثر قبحاً ومرارة، لتظهر خصائصها وميزاتها بشکل أکثر وضوحاً، وليتجلّي التناقض العميق بين الوضع الموجود، والحياة الکريمة المرجوّة. والمجموعة حافلة بالسخرية، لكون واقعنا مرير لا يمكن العيش فيه من دون ضحك، إذ به تستوي الأمور وتستقيم. فها اللعنة تصب قبحها على سلبية الإنسان العربي، وهو يرى بأم عينيه تدمير الإنسان والأرض، ولا تتحرك فيه لا تخوة ولا فروسية، فحق له أن يكفن في أردية الذل، وها كؤوس يخرج ماؤها من بطن واحدة، لكنها تتفرق لونا ومذاقاً، وها الرجل الشرقي يتلهف على المرأة، يقفز على الواحدة بشبق ليحقق متعته بأربع نسوة. والمرارة لا تولد إلا السخرية؛ والسخرية آلية فنية يتم توظيفها حتى يستقيم العيش، وتمتلك الذات الواعية القدرة على مواصلة مسيرة حياتها وبذا تنجو من الجنون. ولكون القصة القصيرة جداً تتقاطع مع القصيدة، فإنها تستلهم منها بعض تقنياتها، بغاية التجويد، والإمتاع، وتحقيق الدهشة، وهكذا نجد في مجموعة ميمون حِرْش، بالإضافة إلى ما تم ذكره آنفاً، التكرار والطباق، والتوازي، والمقابلة، والمفارقة، وتوظيف الأسطورة والرمز، وغيرها. وسنقف عند بعض هذه العناصر على سبيل التمثيل والتدليل. ذلك أن الباحث، الدكتور جميل حمداوي، قد أفرد حيزاً مهما لدراسة هذا الجانب، جعلها مقدمة للمجموعة.

1-الطباق:

يحضر في نصوص كثيرة، ومنها نص"مبدأ" ص68، إذ نجد كلمتين متناقضتين حد التنافر، يقويان المعنى المقصود، وهما: الداخل والخارج: طردوه خارجاً. فربض داخله يبني مبدأه. ليسكنه.

لم يتزحزح عن مبدإه، بل سعى إلى المقاومة ، ومواجهة التدمير المقصود. وفي نص"عانس" ص55، حيث نجد مفردتي: القمة والمنحدر. كما : تنتظر، وتكفر. والتضاد هنا جاء ليخدم أبعاد النص، ويقوي دلالته، ونلمس هذه الدلالة المعبرة عن الحيرة الساكنة داخل هاته العانس، وقد أصيبت بخيبة الانتظار، والأيام تعدو بها إلى المنحدر.

2- التكرار:

وهو عنصر يقوم بوظائف كثيرة، منها: التأكيد وتقوية المعنى وترسيخه في ذهن القارئ، بالإضافة إلى لفت الانتباه إلى المعنى المراد إيصاله. ويحضر في العديد من النصوص، منها، نص"عناد" ص 69، حيث تكررت مفردة: صحن، مرتين، إضافة إلى الضمير الذي يعود عليه. وفي نص"قميص" ص77، حيث نلمسه في تكرار من زائد الاسم المجرور: من وراء، من بعيد.

3- السجع:

وله وظيفة تنغيمية، وتزيينية، ونلمس حضوره في نص":كي أعيش " ص 37، حيث يحضر من خلال الكلمات التالية: العيش، والجيش، وأعيش. فهذا التلوين يمنح القارئ متعة، بإيقاعها الموسيقي. ونكتفي بهذه الإشارات، مؤكدين على أن هناك جوانب تركناها للقارئ يكتشفها، من مثل: توظيف الأسطورة "نبتة الخلود" ص 73، والرمز، نونجا، في قصة "المنجل" ص23، والتسلسل الزمني،"أبي" ص 48، وتقنية الحذف "معذبون" ص 65، حيث نجد تكرار عن، مرة متبوعة بالمجرور، ومرتين من دونه. كل هذا يؤكد عناية القاص بكتابة نصوصه، ويمحضها كامل اهتمامه، لا يلقي بها جزافا، بل يصوغها بطريقة ذكية تحترم ذكاء القارئ.

 

عبد الرحيم التدلاوي

شعرية اللامعنى في تجربة الكويتية سعاد الصباح

ahmad alshekhawiإن مقاربة كهذا المنجز الباذخ مترامي الظلال على امتداد خارطة إبداعية يرصّعها ما يربو على 14 ديوانا منتخبا ومرتكنا إلى آفاق جمالية بامتياز عاكسة لخبئ المرايا الروحية ضمن منظومة استقراءات المخيال جرّاء التعاطي باتقاد وعي مع قصيدة التفعيلة و حصاد ما يتولّد داخل حدودها من دلالات تضخّ حماسة لا نظير لها من حيث تشرّبها بثقافة أكاديمية أحرص ما تكون و أترع بهواجس الانتصاف للمرأة و الشدو بحقوقها المشروعة، محسوبة لشاعرة من طراز الكويتية سعاد الصباح..

تمكث مقاربة يعتريها النقص ما لم ترفق بجرد ولو مقتضب لبضع من محطات النضال السياسي بخاصة إبان أوج هيمنة الفكر المحافظ والتفافه على مشهد الكتابة البكر كما تعشّقتها ومذ نعومة أظافرها شاعرتنا.

إنني بنت الكويت

هل من الممكن أن يصبح قلبي

يابسا .. مثل حصان من خشب؟

باردا..

مثل حصان من خشب؟

هل من الممكن إلغاء انتمائي للعرب؟

إن جسمي نخلة تشرب من بحر العرب

و على صفحة نفسي ارتسمت

كل أخطاء، و أحزان، و آمـال العرب..

 

لنتأمل كيف تتفتّق نرجسية الأنثى في مدارات اللامعنى لتنسج جملة استنطاقات تنفي تحقق إيماءات سطحية المفردة،وتعانق المغزى الذي يمليه الضدّ و المعاكس.

إذ الاستحالة مختزلة وتبعا لأقنعة تعبيرية وأسلوبية شبحية، في متن يفيد الإقرار بانتماء الذات الشاعرة طينا وعقلا ووجدانا، و انتسابها إلى جغرافيا عربية في تقاطع تاريخي مع ذاكرة طروادية تلملم الهوية وتناطح تحديات وإكراهات تراكمات لجراحات لم تزل تنزف وصديد يأبى أن يجفّ.

يا أحبابي:

كان بوُدّي أن أُسْمِعَكُمْ

هذي الليلةَ، شيئاً من أشعار الحُبّْ

فالمرأةُ في كلِّ الأعمارِ،

ومن كلِّ الأجناسِ،

ومن كلِّ الألوانِ

تدوخُ أمامَ كلامِ الحُبّْ

كان بوُدّي أن أسرقَكُمْ بِضْعَ ثوانٍ

من مملكةِ الرَمْلِ، إلى مملكةِ العُشْبْ

يا أحبابي:

كان بودّي أن أُسْمِعَكُمْ

شيئاً من موسيقى القلبْ

لكنَّا في عصرٍ عربيٍّ

فيهِ توقّفَ نَبْضُ القلبْ..

 

هي عوالم سمفونية رمادية تقترح خطاب اللامعنى الوقف على نداء خجول تتخلله نبرة ذابلة مسكونة بأمل الطفرة الرمزية وبوابة الحلم الطفولي المفضي إلى مملكة على مقاس سيرة الحب وأشعاره.

 

يقولون

أن الكتابة إثم عظيم

فلا تكتبي

وان الصلاة أمام الحروف حرام

فلا تقربي

وان مداد القصائد سم

فلا تكتبي

فإياك آن تشربي

وها أنا ذا

قد شربت كثيرا

فلم أتسمم بحبر الدواة على مكتبي

وها آنا ذا

قد كتبت كثيرا

وأضرمت في كل نجم حريقا كبيرا

فما غضب الله يوما علي ولا استاء مني النبي

 

في غمرة انطلاقة الموضوعة من رواسب نكسة67ومن تجاذبات شتى وشمولية خواء تخدش زجاج الواجهة وتقلّل من شأن الدور الذكوري حتى،تُستكثر على الصوت النسوي الأحقية في مغازلة المداد، استنادا إلى ادعاءات وذرائع واهية تعزف على الوتر العقدي أحيانا. بيد أن الكتابة المنقوعة في دواة السمّ طبقا لتوصيفاتهم وهم ساسة الوهم،تتسارع غزارة وجودة في تشكيل لوحة بوح تدغدغ السيف العراقي ومن ورائه نخوة العرب ككل.

قد كان بُوسْعِي،

- مثلَ جميع نساء الأرضِ

مُغازلةُ المرآةْ

قد كان بُوسعي،

أن أحتسِيَ القهوةَ في دفءِ فراشي

وأُمَارس ثرثرتي في الهاتفِ

دون شعورٍ بالأيامِ.. وبالساعاتْ

قد كان بوسعي أن أتجمَّلَ..

أن أتكحَّل

أن أتدلَّل..

أن أتحمَّصَ تحت الشَّمس

وأرقُصَ فوق الموج ككُلِّ الحُوريَّاتْ

قد كان بوُسْعي أن أتشكَّلَ بالفيروز، وبالياقوتِ،

وأن أتثنَّى كالملكاتْ

قد كان بُوسعي أن لا أفعل شيئاً

أن لا أقرأ شيئًا

أن لا أكتُبَ شيئًا

أن أتفرّغَ للأضواءِ.. وللأزياِء .. وللرَحَلاتْ..

قد كان بوُسْعي

أن لا أرفُضَ

أن لا أغْضَبَ

أن لا أصرُخَ في وجه المأساةْ

قد كان بُوسْعي،

أن أبتلع الدَّمْعَ

وأن أبتلعَ القَمْعَ

وأن أتأقلمَ مثل جميع المَسْجُوناتْ

قد كان بُوسْعي

أن أتجنَّبَ أسئلةَ التَّاريخِ

وأهربَ من تعذيبِ الذَّاتْ

قد كان بُوسْعي

أن أتجنَّبَ آهة كلِّ المحزونينَ

وصرْخةَ كلّ المسحوقين

وثورةَ آلاف الأمواتْ..

لكنّي خنتُ قوانينَ الأنثى

واخترتُ مواجهةَ الكلماتْ..

 

تلكم خمرة روحية مستقطرة من عناقيد قيامة المأساة على نحو يحوّل شحنة الألم الزائد إلى طاقة إيجابية تقاوم لحظة إغراءات قوانين الأنثى.

حالة نشاز شاهدة على الجلد الذاتي و إجبارية امتصاص المعاناة عند تخوم تستغرق الهم الجمعي بكيفية تباشر صياغته ملامحها ريشة حناجر التمرد والغضب.

 

فلماذا ـــ أيها الشرقي ـــ تهتمّ بشكلي؟

ولماذا تبصر الكحل بعيني..

ولا تبصر عقلي؟

إنني أحتاج كالأرض إلى ماء الحوار.

فلماذا لا ترى في معصمي إلا السوار؟

ولماذا فيك شيء من بقايا شهريار؟

هو موقف مناهض لشهريارية الشرقي في جسمنة النوع الآخر وحصر النظرة إليه في زاوية المانوية والشهوانية على حساب القدرات العقلية التي لا تخلو من عبقرية ونبوغ غالبا.

 

الأرض تحتى دائما محروقة

والأرض تحتك مخمل وحرير..

فرق كبير بيننا يا ســـــــيّدى

فأنا محافظـــة .. وأنت جســـور

وأنا مقيّدة .. وأنت تطيـــــر..

وأنا محــجّبة .. وأنت بصيــــر..

وأنا .. أنا .. مجهـــولة جدا..

وأنت شهير..

فرق كبير بيننا .. ياسيدى

فأنا الحضارة

والطغاة ذكور.

 

إنها مقارنة مفجّرة لنقاط تجليات تحدي عقلية الشرقي المتمادي في طغيانه وتمثله للأنثى على أنها مجرد كائن من الضعف والعجز بحيث لا دخل ولا ضلوع لها في صناعة الحضارة وتحقيق التطور المنشود.

 

أعرف رجلا أسطوريا

يخرج من معطفه القمح

وتخضر الأعشاب

ويقرأ مابين الأهداب

ويقرأ ما تحت الأهداب

ويسمع موسيقى العينين

أمشي معه فوق الثلج،وفوق النار

أمشي معه،

رغم جنون الريح وقهقهة الإعصار

أمشي معه مثل الأرنب

لا أسأله أبدا(أين)؟

 

تثاقف مع الشعرية القبانية وذروة محاكاة تعكس مدى قوة المحاججة لما تندلق من فوهة مكبوت أنثى منذورة الموهبة للذود عن قناعات ومبادئ بنات جنسها،وتبنيها لثقافة رفض الأنانية الذكورية إذ تروم الإقصاء والتحجر الفكري.

 

أريد أن أفجر الوقت إلى شظايا

أريد أن أسترجع العمر الذي

خبأته في داخل المرايا

أريد أن أصرخ

أن ألعن

أن أحتج

أن أقتل تاريخا من العطور و البخور و السبايا

أريد أن أهرب من رطوبة الحريم و التكايا

أريد أن اهرب ممن حللوا دمايا

 

ومن ثمّ التطلّع إلى تاريخ أسطوري بحجم احتجاج الذات الشاعرة و صرختها ولعنتها يخرج من جلباب صياغة جديدة لراهن تسمه عقدة الأنثى إجمالا.

تلكم هي تجربة الذات المجلودة العاشقة للزئبقية الممكنة من انتشال الموضوعة من براثن واقع الخواء واللامعقول واللامعنى بغرض احتوائها وإخراجها عبر ولادة ثانية تسربلها جدّة المعنى.

 

أحمد الشيخاوي

التأمل في مخيال اليقظة.. قصيدة اللانهائية للشاعر التشيلي روبرتو بولانو

adnan aboandolisمن خلال التركيز على عنوان القصيدة غير المحسوس، كعنوان يشي إلى غير مفهوم لايمكن إستذواقهُ، لكونه مجرد حالة تلاشي من مثابة إنطلق منها،هذا التمرد في مواكبة الشاعر لواقعيته الخشنة،كونهُ عاش متشرداً لا يثبت في مكان ولا يحدهُ زمان – تلاشي في آفاق بعيدة جعلتهُ يتأمل ذلك عن بعد، تنقل مابين دولٍ عدة وإرتحل إلى أصقاع بعيدة فكانت هذه إفرازات لضياع وعدمية، ساح منذ نشاتهِ وما تلى شبابه –الطرقات التي قد أوصلته إلى حالة هذيان غير مجدّي، فبانت نصوصه ذات النهايات الحادة ومنها – هذا النص – المتسربل بالغموض والتماهي والمجافاة. تمرده على واقع ٍ كان أليماً لهُ – ضوابط – منقصات تحيل بينه وحلمه، أنشأ حركة شعرية في جلساته البوهيمية في مقاهي العبث سميت بـ حركة ما دون الواقعية،إضطرتهُ ظروف الحياة إلى أن يزاول أعمالاً أدنى من المعيار الإعتباري للشخصية كـ غسل الصحون – نادل في ملهى – خادم في فندق – حمّال – جامع قُمامات الشوارع،لكنه إستمر بكتابة الشعر بشكل متقطع طيلة عقد الثمانينات،إلا إنه تحول في ما بعد إلى الكتابة السردية كـ روائي شهير:

حلمتُ أن الأرض قد إنتهى امرها

وإن البشري الوحيد

الذي بقي ليتأمل النهاية

كان فرانز كافكا في السماء

إن حُلم اليقظة قد داهمهُ نتيجة شطحة من تمردهِ الخارق، التحول الزمني طرأ نتيجة التعمق في التخيل، الإحساس الذي إنتابهُ اللحظة – أي وجودهِ الكوني على الأرض،التحسس بإختلاف تنوعاتها – أي الأرض – فتخيلها – هي السماء – النازلة – فكيف يكون كافكا هناك، هذه مناورة بين الوعي –إدراك، ولاوعي ربما تخيل –لا إرادي –فتناوب الأدوار معاً،فالشئ الوحيد الذي ركزت عليهِ ذاكرتهُ حينها – هي الأرض وما عليها،فالحلم المجسد في الوعي أخال إليه ذلك،إنتهاء – رهبة – قيامتها – الأرض – وقذف ماعليها من ثقل،فربما الناجي الوحيد وحسب تأولات نصه كان – كافكا – الذي تأمل لوحده هناك بعد إنجلاء ماحدث بنهاية تصويرية تشبه إلى حدّما – تمثيل درامي مفبرك :

كان العمالقة يتقاتلون

بلا هوادة

ومن كرسي حديدي في السنترال بارك

كان كافكا يشاهد

العالم يحترق

النص مربك لنهاية حتمية في المخيال لكنه وظفها بإسطورة عن – غزو العمالقة – لهذه الأرض،فالحياة داكنة منذ المستهل .العالم شهد انذاك وكما يقال بهجوم عدوٍ جديد لم تألفهُ البشرية من ذي قبل،فاق بوحشيته كل التخيلات فتوظيف النص مأخوذ من تلك الواقعة الفجة كـ رواية من الخيال العلمي، والتي كادت إلى إنقراض البشرية،فالرؤية تنص : أن الناس أنذاك قد واجهوا هذا المارد البشع بكل صبر وأناءة،لكنه حطم كل الحواجز والسواتر أمامه، ونكل بالمدينة وغير نمط معيشتها لصالحه، هذه التخيلات تراود الشاعر نتيجة ضائقة قد المت بهِ ساعتها،فتراه تململ من الحياة ورتابتها وقساوتها وعدم جدية الصراع من أجل بقاء الجمال فيها،فالعيش بها يراه حق مسلوب،هذا التخيل النهائي للأرض التي رأى فيها وما بقي من بشرها سوى – كافكا – الذي تأملها من كرسي حديدي مستقر في حديقة – السنترال بارك –الضاجة بملايين اليساح - قلب المدينة – في مانهاتن – نيويورك – وحده يستحق التأمل النهائي دون اللانهائي في حادثة قد تتكرر فيما بعد .

 

عدنان أبو أندلس

 

كاظم خنجر في مساءلة الضمير عند تخوم برزخية

ahmad alshekhawiعبر دهاليز ديوان "نزهة بحزام ناسف" والصادر حديثا عن دار مخطوطات للنشر ،الساطعة شعريته بومضات كلمة العائد من موت الآخر/الأخ ،يطالعنا الشاعر العراقي كاظم خنجر،المنشق عن أسراب المقدمات الطللية وعبثية البكاء على رسوم ذاكرة الشوقيات ،وهم كثر حدّ اكتظاظ المنابر بموائهم المفتقر في زمننا إلى الصدى .

صاحبنا المنسلخ إلى مليشيا ثقافة الموت والإلقاء الشعري الميداني في إدانته الصارخة لراهن الفوضى والدموية والاضطراب.

يطالعنا بأشجى وأعمق من مجرد تجربة ، بتخطّيه ذلك إلى أسلوب حياة ، الفوقية والسمو فيها للبوح الملتزم والجاد، يهدم ليبني،ويذيل الفعل بنقيضه في مضمار حفريات سردية ضاجة بمناخات الغرائبي ومتفشية باتجاه إحداث رجّة تتحسّس البديل في أحشاء اختمار المعاناة بغض النظر عن ملامح أو طبيعة هذا البديل المنشود.

"نزهة بحزام ناسف..."

جليّ أن توهج فتيل صراع المفارقات ينطلق منذ العنونة ليكتسح لا حقا جسد الديوان في كليته، ما يضفي ملمحا هوليوديا على جنائزية المشهد.

ثمة سيريالية دالة على تفلّت المخيال صوب أسباب استحضار طقوس الأمن الجسدي والروحي تزامنا مع هيمنة واقعية الفعل المضاد مجسدا بآليات تهديد وتقويض هذا الأمن والاستقرار.

" يقول التقرير الطبيّ بأن كيس العظام الذي وقّعتُ على استلامه اليوم هو" أنت".ولكن هذا قليل. نثرته على الطاولة أمامهم.أعدنا الحساب:جمجمة بستة ثقوب،عظم ترقوة واحد، ثلاثة أضلاع زائدة،فخذ مهشمة،كومة أرساغ،وبعض الفقرات.

هل يمكن لهذا القليل أن يكون أخا؟

يشير التقرير الطبي غلى ذلك.أعدت العظام إلى الكيس.

نفضتُ كفي من التراب العالق فيهما ثم نفختُ بالتراب الباقي على الطاولة.وضعتك على ظهري، وخرجت."

مبنى ذروة في البساطة وأنأى ما يكون عن التعقيد اللغوي والتنميق، بيد أن جبّ معانيه لا قرار له،يأسر الذهنية والذائقة في آن.متتالية جمل مغرقة في التفاصيل تدليلا على هول الموقف في إشارات ضمنية المتهم الأول عبرها ضمير العالم إن نائما أو مغيبا أو ميتا في أفدح الأحوال.

أعضاء الرفات تتداخل وتتزاحم معلنة قيامة الغموض والملابسات والاستهتار بالعنصر البشري حتى وهو أشلاء لم يمهلها احتقان أجواء الفتك، ولم يمنحها بعد فرصة مواراتها الثرى كأبسط تكريم هو الأليق بشهيد مطعون في حريته وكرامته وحقوقه.

هل يمكن لهذا القليل أن يكون أخا؟

لعلّ الاستفسار الدائر حول عودة الأخ من موته، رمزيا،على هيأة تستنبت هلاميتها من تأويل القليل والناقص ،يفيد اختزال تاريخ الأخطاء السياسة المدمرة،كما يبرهن على نضال أنوية الذات الشاعرة المتماهية مع الهوية والحس الوطني المتقد.

" نشروا صورة جثته على الــ "فيسبوك" ، أخي الأصغر،

وبعدما عجزنا عن العثور عليها،قمنا بطباعة الصورة،

تغسيلها، تكفينها، دفنها في مقبرة العائلة.

***

الهاونات تدفع باب السطح،تهبط عبر الدرج،فتأكل ما في الثلاجة،وما في المطبخ،وما في البيت حتى تتخم من الأكل،فيأتي رجال الدفاع المدني، يسحبون جثثا من بطونها ، ويرمونها على الجيران.

***

متقابلَين،نرفع الجثث إلى حوض السيارة،أنت تتحدث عن الثقل وقوة الرائحة،وكثيرا عن جمع الأعضاء المتناثرة،وأنا أضع عيني على فوهة العمى وأنظر بعين واحدة، وأتفحّص زوجتي النائمة هل مازالت تتنفس..؟ أقود السيارة مثل بناية محروقة تنطفئ وحيدة.

حتى النار عندما لا تجد اهتماما تموتُ على عجل. "

إنها ذات مسكونة بحمى وعي المأساة،باعتبار التعاطي مع هذه الأخيرة لا يتم في غياب ذاكرة تفصل خارطة الموت عن جذور الظاهرة الوجودية الواشية بجملة استنطاقات تتجاوز التابوهات لتراوغ بمهدئات متأسسة على تشخيص زائف يقود إلى أعراض جانبية جمة ممهدة لاستفحال الداء.

من ثم وكنتيجة طبيعية الهروب إلى طقس الكتابة وفق ما ترسمه البصيرة كغربلة تتتيح فرز الحقيقي من الرسمي الزائف والصالح من الطالح.

" عندما يفتشك الشرطي وأنت تدخل السوق،يُشعرك بأنك إرهابي.

عندما تعبر بعينيك الأسلاك الشائكة التي تفصل بيتك والشارع،

تعبرها كإرهابي.

وكلما سرت بالقرب من الكتل الكرتونية المؤدية إلى دائرتك،

تسير إرهابيا.

كلما سلمت الإيجار غلى صاحب المنزل يتسلمه منك

بصفتك إرهابيا.

ولحظة تشاهد التلفاز أنت وأطفالك

ترى إرهابك في أفواه الآخرين.

وعندما تزور أخاك في السجن يتحقق الحراس من الكومبيوتر على أن اسمك ليس مدرجا في قائمة المطلوبين وانك لست إرهابيا.

وبينما تركن دراجتك النارية على الرصيف

يعتقد أصحاب المحال أن دراجتك ملغومة وإنك إرهابي.

وأنت تذهب مع زوجتك إلى طبيب الكسور،

يبقيك خارج العيادة وحيدا كإرهابي.

بإرهاب تشتري قنينة الويسكي،

زاحفا على مسامير عيونهم.

وأنا أبلع قرص الإرهاب في الصباح وفي الظهيرة وفي الليل بعد الطعام وفي انتظام يومي، كما أراد الصيدلاني

(ابن كلب)."

ما تكرار ثيمة " إرهابي" إلا تأكيدا على أن توجهات الديوان كما يستشف من عنونته، لا تستقيم أو تتدلى عناقيد غوايتها بغير إقحام تقنية لازمة تفي بالغرض وتفجّر الظاهرة على مستوى مرايا الكامن تبعا لما يوحي بخطورتها وحجم حساسيتها ن نظرا لعالميتها واختراقها للحدود والقارات وباعتبارها صناعة شاذة لا ملة لها أو دين، تستهدف إنسانيتنا بدرجة أولى ،وتختلق حيزا لها فارضة منطقها وكابوسيتها مشوشة على ذرات الأوكسيجين الذي نتنفسه واللقمة وشربة الماء وشتى الشروط الأخر للحياة.

"عند كل ليل

أسحل عيوني غلى تل العمى.. أنفضها

ولا تسقط الرؤوس المقطوعة

أنفضها

ولا تسقط الرؤوس المقطوعة. "

...............

"كلانا يدري بأن البندقية هي كوب فارغ

وكلانا تسابق في سكب كرهه فيه

وكلانا الآن يغلق الباب على أصابعه وهو يدخل

القبر.' "

..............

" عفوا أيها القاتل ، نسيت سكينك في عنقي."

..............

" أملك فتحة في القلب

تتسع كلما ضحكت

تدخل وتخرج منها الحروب..."

.................

" نطلق النار عندما يموت أحدنا حتى نقتل الآخر..."

...................

" نضع الميت في تابوت من خشب

لنوهم الأرض بأننا جئنا لزراعة شجرة..."

.................

" أب يحاول إعادة رأس ابنه المقطوع غلى عنقه النازف..."

.................

" أقلم اللحم حتى أبلغ الأظافر..."

.................

" في الحصار

وضعوا لنا الإسمنت في الصحون

لهذا شيدنا مباني من جوع..."

......................

" الساعة تمشي في اليد المقطوعة..."

....................

"تدور كملعقة في كوب دم.

أذنك على عيون التليفونات المغلقة...' "

......................

" لأننا قتلة صغار

غالبا ما نلبس القفازات

ندفن الأدلة..."

...................

حين تلتمس الحرب أعذارا واهية وتختلق أسبابا باعثة على التهكم والسفاهة والسّخف، وتنشد أمومتها الزائفة بل وتستجديها من فكر دوغمائي متطرف ،فقط يجني ثماره الأعادي والخونة وسماسرة مصالح الوطن ، أنذاك ،لا شكّ ،يستعصي حدّ الاستحالة وتفشل محاولات التكهن بالنتائج المترتبة على تأليه المآرب الشخصية وتسييد الطائفية الضيقة ، وتغدو اللعبة برمتها وكأنها بعبع قيامة تهيمن على كوابيس واقعية الحلم وحلم الواقعية.

وهكذا متسلّحا بكرامته ، أعزلا إلا من تهجّم أنامله ، لا يلفى الشاعر بدا أو مناصا من اللجوء إلى نرجسيته المقبولة جدا وتفجير ينابيعها، قصد فضح المكنون وتعرية الواقع المرّ، ضمن قوالب تعبيرية باذخة تتجدّد وتتناسل مُتيحة إمكانات استنساخ الحالة الإنسانية بمعزل عن التلفيق والنفاق ، ومنتشية حدّ الغيبوبة بإستطيقية بروز أسمى معانيها في مرايا الروح بين إخفاقات آدمية تقاوم شتى أشكال الاضطهاد، وبين زخم من استنطاقات فلسفية توبّخ العالم .

ويتنزّه، أي الشاعر، حدّ تقمّص شخصية أسطورية منشطرة نصفين إلى ما يموقعها ويزجّ بها في عتمة دهاليز البين بين ، فإذا هي ضحية وجلاد زمكانيا، لدرجة لا يمكث معها سوى تلبسّ صوت الحرية والتسلّح بالفطرة والنواميس السوية،و النأي الملائكي عن خيانة الضمير والحسّ الوطني والهمّ الإنساني إجمالا.

هكذا تحصل مسْرحة الانزلاق بالمتلقي في تعطّشه الوجداني وفورة استفساراته وفضوله المعرفي، إلى مناخات غرائبية تنسجها الذات الشاعرة مقتصدة في اللغة محاذرة من فخاخ الإسفاف ومعتمدة قاموس غير المألوف في التعبيرية السردية على السائد ، كما متبنية خلاف ما تتغنّى به أبواق الاعتباطية والارتجال،متماهية مع أدوار الكائن المهمّش المنسي المنبوذ، تنتابه حمى الهذيان بخريفية مصيره،و يئنّ صلصاله تحت رحمة رمح أو مقصلة شاهدة على الجرائم البشعة في استرخاص طغاتها للدم وتقيدهم بشهوة اللحظة المستذئبة في تواطئها مع فوبيا الرذيلة والفتك.

" نخرج الدموع من عيوننا

كلما مات أحدهم

لتوفير مساحة كافية

لدفنه فينا."

..................

" السرّ تراب نُدفنُ فيه

لا أن ندفنه فينا."

...................

" إذا أنجبتم طفلا علّموه ألا أصدقاء ولا إخوة في هذا العالم،

وإلا أنهى عمره في حساب الجثث."

..................

" تعلّمت من الأعداء

بأن الحديد هو الدموع التي نسكبها في الخفاء."

خلاصة القول أننا إزاء هامة تكتسي فرادتها من إدمان تفاصيل اليومي في صياغة الموضوعة ومنحها أبعادا فنية، ترتقي بالصرخة أو الصوت الداخلي كما تختزله شحنة المكبوت، إلى مستوى استنطاق ضمير الإنسانية عند تخوم برزخية تتناسل الدلالة عبرها مشدودة إلى كوميديا الخطاب وسخريته مشبوبا ببؤرة الموت في محاولات معالجة الراهن.

 

أحمد الشيخاوي

 

تاريخ الرواية العربية

mugdad raheemتمهيد في تاريخ السرد العربي: لا يَعْدِمُ شعب من الشعوب أن يكون لديه سرد، وأنْ يتسربل هذا السرد بأسلوبه وطرائق تعبيره، وطبيعة تفكيره، فتنشأ لديه حكايات ومرويات متعددة الأساليب والأغراض، تبدأ بغرض توثيق حوادث التاريخ والحفاظ على الأصول، ولا تنتهي عند حدود التربية وتنشئة الأجيال الجديدة، فضلاً عن الإمتاع والتسلي، وتدلنا حفريات الأدب المقارن على كثير من التوافقات بين مختلف شعوب الأرض في الفن القصصي، في مراحل تحضرها الأولى، ولاسيما الحكايات الشعبية.

وإذا لم تكن المرويات الشعبية القديمة قد نالت ما نالته المرويات الحديثة، من تسجيل وتدوين وتوثيق، وتوافُر أدوات الطباعة والنشر وأساليب الذيوع، فإن ذلك لا ينفي الميل الطبيعي إلى الحكاية لدى شعوب الأرض جميعاً، بل يؤكد حاجتها الماسة، بل الأبدية إليها، والأمر هكذا لدى الشعب العربي في جميع مراحل تاريخه، فلمْ تخلُ حقبة من حقب التاريخ من حكايات، وروايات تنقلها الصدور بدلاً من الورق المسطور، وحتى الأمثال الشعبية كانت، وما زالتْ، تحمل في ثناياها رواية لحادثة فيها عناصر السرد الأساسية.

فإذا امتد بنا الزمان قليلاً فبلغْنا العصر العباسي فإننا سنجد أن حكايات مهمة ظهرت وتداولها الناس هي حكايات "كليلة ودمنة" التي نقلها عبد الله بن المقفع المتوفى في العام 106 للهجرة، وفي القرن الثالث الهجري انتشرت حكايات شهرزاد في ألف ليلة وليلة، وذاعت على كل لسان، في المشرق، ثم انتشرتْ إلى آفاق الغرب، فتلقفها الغربيون وأقبلوا عليها أيَّما إقبال، وتمت ترجمتها إلى جميع لغات أهل الأرض، قلا تخلو مكتبات المدارس والجامعات الأوربية من كتاب "ألف ليلة وليلة" الذي صار أشهر كتاب يُنقل مِن العربية إلى لغات أخرى، لطرافة موضوعاته وقربها من النفوس، وحلاوة أسلوبه، واختلاف أجوائه، وتمتع قصصه بالكثير من الخيال.

وفي هذا العصر نفسه نجد مَن وضعَ السرد في إطاره الفني شبه المتكامل، وشكَّله تشكيلاً فنياً لم يُسبَقْ إليه، فجعل له الزمكان والشخوص والعُقْدة، وجعلَهُ يتراوح بين الهدف التربوي التعليمي والإمتاع، ودلَّ به على ملامح مهمة من المجتمع العربي في زمانه، وسَـمَّى كل رواية "مقامة".. ذلك هو بديع الزمان الهمداني المتوفى في العام 395 للهجرة، الذي كان مُعَلِّمَ "المقامات" الأول، الذي لم يُـحرَمْ مِن أَتْباع كان أشهرهم "الحريري" المتوفى في العام 516 للهجرة في المشرق، و"السرقسطي" المتوفى في العام 538 للهجرة في الأندلس، وعن طريق الأندلس انتشر موضوع المقامة الأول "التسوُّل" إلى السرد الأوربي، انتشارَ النار في الهَشيم، وصار للروائيين الأوربيين روايات تعتمد التسول موضوعاً رئيساً لها، بدءاً بقصص "البيكارسكيه" الأسبانية، وليس انتهاء بالروايات الأوربية الحديثة.

وللأندلس فضل في التأثير في بلاد الغرب وثقافاتهم من خلال رواية حي بن يقظان للفيلسوف الأندلسي ابن طفيل المتوفى في العام 581 للهجرة، وقد استلهمها كثير من الروائيين الغربيين في قصصهم ورواياتهم، وفي مقدمتهم روبنسون كروسو.

 

الثقافتان العربية والأوربية- التأثر والتأثير:

وإذا أردنا أن نَـتعمَّقَ ولو قليلاً في بدايات التأثير المتبادل بين الثقافتين العربية والأوربية، فإنَّ علينا أن نشير إلى حدثين رئيسين في التاريخ، أولهما الاتصال المباشر بين الثقافتين من خلال الوجود العربي الإسلامي في الغرب منذ القرن الثامن الميلادي من خلال إسبانيا، وأعني الفتح الإسلامي لما سُــمِّيَ فيما بعد "الأندلس"، وقد أشرنا إلى ذلك قبل قليل، وقد طال هذا الاتصال ليمتد إلى ثمانية قرون تالية، وثانيهما الغزو الأوربي لبلادنا، ولاسيما مصر والشام، ابتداءً بغزوة نابليون في القرن التاسع عشر، وبُدَلاء الدولة العثمانية بعد سقوطها، وقد حاول الغازون أن ينشروا ثقافتهم وأساليب حياتهم، فضلاً عن فنونهم الحيوية الكبرى، وكانت الرواية في أولها، لاسيما بعد انتشار الترجمة، وانتشار الطباعة والصحافة، حتى أوشك أن يكون العرب أتباعاً لهذه الثقافة وأدواتها، لا متبوعين وهم أهل الأرض، والثقافة القارَّة، كما حاول العرب المسلمون الفاتحون لبلاد الغرب، في الاتصال الأول، أن يفعلوا الشيء نفسه، مع اختلاف الأدوات والوسائل والظروف الاجتماعية والسياسية.

يضاف إلى ذلك البعثات الدراسية والعلمية تصحبها الهجرات الكثيرة والمستمرة إلى دول الغرب، ومن هنا وهناك تعلم العربُ بعض لغات الغربيين المهمة مثل الانجليزية والفرنسية والألمانية والروسية، وأخذوا يقرؤون الأدب وفنونه وما يُكتَب عنه بلغته الأصلية، فضلاً عن عمَّا يُترجَم منه إلى العربية.

ويمكن الإشارة هنا إلى تأثر جرجي زيدان بالرواية الفرنسية من خلال الروائي ألكسندر توماس الأب، والانكليزي والتر سكوت، ثم تأثر جيل كبير من الروائيين العرب بعد ذلك، بمجموعة من الروائيين الأجانب مثل جان بول سارتر ألبير كامو من الفرنسيين، وليو تولستوي وفيدرو دستوفسكي وماكسيم غوركي من الروس، وإرنست همنغواي ووليم فوكنر وأرسكين كولدويل وجون شتاينيك ودوس باسوس من الأمريكان، وفرانز كافكا من التشيك، وألبرتو مورافيا من الإيطاليين، ووتوماس مان من الألمان، ونيكوس كازنتزاكي اليوناني.

ومن آيات ذلك التأثر، على سبيل المثال، هيمنة تقنية "تيار الوعي" لدى الطيب صالح تأثراً بلورنس شكسبير، وتناول الفكر الفلسفي الوجودي كما وجدناه لدى سهيل إدريس في "الثلاثية"، ولدى مطاع صفدي في روايتيه "جيل القدر" و"ثائر محترف".

 

الروائيون العرب يلتحقون بالقافلة:

وهكذا استطاع الروائيون العرب الانضمام إلى مجال الإبداع في الرواية، فأصبح لهم إسهام فيها، وصدرتْ عنهم أعمال مشهورة، كان لها حضور في هذا المجال، وصار لها تاريخ، فإذا استثنينا رواية "أم الحكيم" التي صدرت خلال القرن التاسع عشر للروائي الفلسطيني محمد بن الشيخ التميمي، يمكن أن نشير فيه إلى زينب فواز كأول روائية برز اسمها في هذا المجال من خلال روايتها "حُسْن العواقب، أو غادة الزهراء" التي صدرت في العام 1899م، تليها الروائية لبيبة هاشم التي أصدرت روايتها "قلب الرجل" في العام 1904، ثم الروائية عفيفة كرم وقد صدرتْ روايتُها "بديعة وفؤاد" في العام 1906م، وهؤلاء الروائيات الثلاث جميعاً من لبنان، فيكون للبنان فضل الريادة في الفن الروائي، ويكون مثل ذلك للمرأة اللبنانية، أما الرواية الفلسطينية "الضحية" التي صدرت في العام 1914م، فقد نشرت تحت اسم مؤلف مستعار هو "ي".

وفي هذا العام نفسه صدرتْ رواية "زينب" للروائي المصري محمد حسين هيكل، وصار يشار إليها كأول عمل روائي حديث على الرغم من أنها لم تكن الرائدة على وجه الحقيقة، ومَرَدُّ ذلك إلى أنها اكتسبت من أصول الرواية الحديثة وقواعدها ما يجعلها في مصافّ الروايات الحديثة، وأن ما سبقها من الروايات ومنها الروايات النسوية الرائدة كانت تستلهم التراث القومي العربي، وتستمد حيثياتها ورموزها من حوادث التاريخ والقَصَص القديم، ولم تكن تنتمي تماماً إلى واقع المجتمع العربي الحديث.

ويشكل إسهام الروائي العراقي سليمان فيضي في "الرواية الإيقاظية" الصادرة في العام 1919م علامة مهمة في ولوج باب الحداثة في فن الرواية من حيث الموضوع، إذ حاول الروائي أن يستلهم ما استجد في الحياة الجديدة والمجتمعات المتحضرة، وأنْ يهيئ الأذهان إلى الثورة على الواقع القديم، تبعتها رواية "الوارث" للروائي الفلسطيني خليل بيس، وقد صدرت في العام 1920م، ورواية "الرحلة المراكشية" التي صدرت في العام 1924م، للروائي المغربي ابن المؤقت، ورواية "فتاة قاروت" للروائي اليمني أحمد السقاف، وقد صدرت في العام 1927م.

وفي العام 1930م، تصدر رواية للروائي السعودي عبد القدوس الأنصاري بعنوان "التوأمان"،

ثم يطل علينا الروائي الأردني أديب رمضان في روايته "أين الرجل، أو جرائم المال"، في العام 1935م، فينحو بالرواية العربية منحى واقعياً، وبعد عامين، أي في العام 1937 تصدر ثلاث روايات، الأولى للروائي التونسي علي الدوعاجي وهي "جولة حول حانات البحر المتوسط"، والثانية للروائي السوري شكيب الجابري وهي "نهم" الصادرة في العام 1937م، والثالثة للروائي الأردني روكس العزيزي وهي "أبناء الغساسنة"، وبعد سنتين، أي في العام 1939م تصدر رواية "سعيد" للروائي اليمني محمد لقمان.

وفي العام 1942 تصدر في المغرب رواية "الزاوية" للروائي المغربي تهامي الوزاني، وبعد خمس سنوات، أي في العام 1947م، تصدر رواية "غادة أم القرى" للروائي الجزائري أحمد رضا جوجو، ثم تلتها رواية "تاجوج" للروائي السوداني عثمان محمد هاشم، حيث صدرت في العام 1949م.

وهكذا ينتهي النصف الأول من القرن العشرين، ليبدأ النصف الثاني منه برواية "في الطفولة" للروائي المغربي عبد المجيد بن جلون، حيث صدرت في العام 1957م، ثم تلتها رواية "ثمن التضحية" للروائي السعودي حامد بن حسين دمنهور، التي صدرت في العام 1959م.

وفي العام 1961م صدرت للروائي الليبي محمد فريد روايته "اعترافات إنسان"، ثم صدرت في العام 1963م روايتان إحداهما للروائي العُماني عبد الطائي وهي روايته "ملائكة الجبل الأخضر"، والثانية للروائي شعاع خليفة وهي "العبور إلى الحقيقة"، بينما صدرت في العام 1970م رواية "كانت السماء زرقاء" للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل روايته.

ثم صدرت في العام 1971م روايتان هما "ريح الجنوب" للروائي الجزائري عبد الحميد بن هدوقة، و"شاهندة" للروائي الإماراتي راشد عبد الله النعيمي، وتسهم البحرين في فن الرواية فتصدر للروائي البحريني أمين صالح روايته "أغنية ألف صاد الأولى" في العام 1982م.

وفي هذه الأثناء وما بعدها صدرت روايات مهمة في العراق لروائيين انتقلوا من الشعر أو القصة القصيرة إلى الرواية، ويمكن الإشارة هنا إلى عبد الخالق الركابي في روايتيه "الراووق" و"مَن يفتح باب الطلسم"، وإلى علي خيون في روايتيه "صخب البحر" و"بلقيس والهدهد".

واستناداً إلى ذلك يمكننا أن نقسم النتاج الروائي العربي على عدة مراحل زمنية، بحسب الأهمية والتأثير، وكما يأتي:

 

1- المرحلة التقليدية (1800-1900م)

وقد اتسمت الروايات التي صدرت في هذه المرحلة باستلهام التراث العربي والقومي القديم، وغلبت على أبنيتها السردية الأجواء التاريخية ورموز التاريخ العربي القديم، وتمثلها رواية "حُسْن العواقب" لزينب فواز.

 

2- مرحلة التأسيس (1900-1950)

وهي تلك المرحلة التي شهدت محاولات التأسيس الحقيقي للرواية العربية الحديثة، وتأرجحت بين حالة التشويش والبعد عن القواعد الفنية للرواية الحديثة قبيل الحرب العالمية الثانية، ومحاولات الالتزام بهذه القواعد والعناصر الفنية للرواية، وتأصيلها، مع بدايات الثلاثينات من القرن العشرين، من خلال تأثر مجموعة من الأدباء والكُتَّاب بالثقافة الغربية، والاطلاع على النتاج الأجنبي في مجالات الإبداع المختلفة، ومنها الفن الروائي.

ويكاد يتفق النقاد على أن رواية "زينب" لمحمد حسين هيكل تشكل البداية الحقيقية للرواية العربية الفنية، حيث حاول هيكل الاقتراب من البنية الفنية للرواية الغربية التي كانت آنذاك في أوج ازدهارها. كما يمكن الإشارة إلى الروايات " قنديل أم هاشم" وعودة الروح" و"دعاء الكروان" و"القاهرة الجديدة" و"خان الخليلي"، وإلى الروائيين محمد حسن هيكل وتوفيق الحكيم وعيسى عبيد والمازني ومحمود تيمور.

ومن ناحية الموضوعات تأثرت الروايات الصادرة في هذه المرحلة بالأحداث السياسية والتاريخية والاجتماعية التي ألـمَّتْ بالوطن العربي والعالم، مثل اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتأسيس عصبة الأمم المتحدة، والثورة العربية الكبرى، وإلغاء الخلافة الإسلامية العثمانية، واتفاقية سايكس- بيكو، وإنشاؤ هيأة الأمم المتحدة، ووعد بلفور، والثورة الفلسطينية، ونكبة فلسطين، ثم تأسيس الجامعة العربية في القاهرة.

 

3- مرحلة النهضة (1950-1970)

وقد اتسمت هذه المرحلة بإعادة النظر في تيار الرواية من قبل الروائيين العرب، ذلك التيار الذي كان سائداً قبل نكسة حزيران وهزيمة العرب الكبرى في حرب العام 1967م، فظهرت أنماط روائية جديدة حملت معها الرغبة في الثورة على الأساليب التقليدية، تتعلق بالحبكة والبطل وتقنية السرد التاريخي، وكان لنجيب محفوظ دور بارز في هذا النمط، ثم خرج الروائيون الحداثيون على رؤية الرواية التقليدية وتقنياتها، فاعتمدوا على أسلوب الخطاب الروائي المتجاوز للمفاهيم التقليدية القديمة، ولاسيما في عصور الرواية الكلاسيكية والرومانسية والواقعية الجديدة.

وخير من يمثل هذه الحقبة فضلاً عن نجيب محفوظ: صنع الله إبراهيم وحنا مينا وجمال الغيطاني وأدوارد الخراط والطيب صالح وبهاء طاهر وإيميل حبيبي والطاهر وطار وعبد الرحمن منيف، وتقف أمامنا الرويات "الثلاثية" و"رجال في الشمس" و"الزيني بركات" و"أنا أحيا" و"موسم الهجرة إلى الشمال" و"النخلة والجيران" و"العودة إلى المنفى" و"السقا مات" و"الدقلة في عراجينها" و"السائرون نياماً" و"الحرام"، شواهد على هذه المرحلة.

 

4- مرحلة التحول (1970-1990)

وقد شهدت هذه المرحلة أنواعاً أخرى من الأحداث والانتكاسات، كحرب أكتوبر، واتفاقية كامب ديفيد، والحرب الأهلية اللبنانية، ومذابح صبرا وشاتيلا، والحرب العراقية الإيرانية، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، فكان لها أبعد الأثر في الرواية العربية، وموضوعاتها، وأساليب تناولها، وتنوع تقنياتها السردية.

ويمكن الإشارة إلى روايات دالة على هذه المرحلة مثل "البحث عن وليد مسعود" والحرب في بر مصر" و"الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس" و"المتشائل" و"الزمن الموحش" و"رامة والتنين" و"حدَّث أبو هريرة قال" و"كوابيس بيروت" و"الوشم" و"الرجع البعيد" و"ليلة السنوات العشر" و"ذاكرة الجسد" و"الخبز الحافي" و"طواحين بيروت" و"الاعتراف" و"سلطانة" و"مالك الحزين" و"الرهينة" و"لعبة النسيان" و"ريح الجنوب" و"عائشة"، و"صخب البحر" و"العزف في مكان صاخب".

 

5- مرحلة التحدي (1990-2010)

شهدت هذه المرحلة أحداثاً مهمة في تاريخ الوطن العربي، أهمها: حرب الخليج الثانية، واتفاقية أوسلو، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، والاحتلال الأمريكي للعراق.

وقد مثلت هذه المرحلة روائياً الروايات: "شرف" و"المجوس" و"الشراع والعاصفة" و"سأهبك مدينة أخرى" و"الحب في المنفى" و"دار المتعة" و"الأفيال" و"العشاق" و"وكالة عطية" و"تماس".

 

6- مرحلة الآفاق الجديدة (2010-2015)

وهي المرحلة التي شهدت ما اصطُلِح عليه بـــ"الربيع العربي"، وانتشار أساليب الإعلام الجديد، ومواقع التواصل الاجتماعي، وقد صدرت فيها أعداد كبيرة من الروايات العربية، أكثر مِن أنْ تُحصى، في داخل الوطن العربي وخارجه، واتسمت بتنوع الموضوعات، والحرية في التناول، وتباين أساليب السرد وتقنياته.

 

روايات الربيع العربي:

شكلت ما يسمَّى بـــثورات "الربيع العربي" مادة روائية خصبة للروائيين العرب، ولاسيما في البلدان التي شهدت تلك الثورات، فعن الثورة المصرية صدرت عدة روايات أهمها رواية "ناشطة سياسية" للروائي سلطان الحجار، و رواية "ورقات من دفتر الخوف" لـلروائي أبي بكر العيادي، ورواية "أجندة سيد الأهل" لـلروائي أحمد صبري، ورواية "ثورة العرايا" لـلروائي محمود أحمد علي، ورواية "مدينة لن تموت" للـروائي يوسف الرفاعي، ورواية "انقلاب" للـروائي مصطفى عبيد، ورواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" للـروائي خالد خليفة، ورواية "ثورة المحروسة" للروائية علية بدوي، ورواية "الهواء يهب في يناير" للروائي علي عباسي.

وعن الثورة الليبية صدرت للروائي الليبي إبراهيم الكوني روايته ""فرسان الأحلام القتيلة"، وللروائي المغربي محمد سعيد الريحاني روايته "عدو الشمس البهلوان الذي صار وحشاً"، وللروائي السوداني معتصم الشاعر روايتاه "أهزوجة الرحيل"، و"في انتظار السلحفاة".

وعن الثورة التونسية صدرت للروائي التونسي كمال الرياحي روايتاه "الغوريللا" و"عشيقات النذل"، كما صدرت للروائي مرعي مدكور روايته "ما فهمتكم"، وللروائي التونسي حكيم بن رمضان روايته "بائع الهوى".

أما الثورة السورية فقد كتب عنها الروائي السوري عدنان فرزات روايته "كان الرئيس صديقي".

أما الروائي الجزائري رشيد بوجدرة فيؤلف رواية يسميها "ربيع" ليرفض من خلالها ثورات الربيع العربي جملةً.

 

الاتجاه الرومانسي للرواية العربية:

لعل الاتجاه الرومانسي في الرواية العربية لم يقف عند حد معين، ولا ظهر في حقبة دون أخرى، بل نجده ظاهراً موجوداً في جميع الحقب التاريخية، ولكنْ بنسب متفاوتة من الكثرة والقلة. وقد رأينا الرواية الرومانسية العربية حاضرة في تلك الحقب وحتى الآن، ويمكن أن نشير إلى مجموعة روايات منها: "قصة حب" لـيوسف إدريس، و"شجرة اللبلاب" لمحمد عبد الحليم عبد الله، و"دعاء الكروان" لطه حسين، و"إبراهيم الكاتب" لإبراهيم عبدالقادر المازني، و"نقطة النور" للروائي بهاء طاهر الحياة، و"الاسود يليق بك" و"ذاكرة جسد" للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، و"فلتغفري" و"أحببتك أكثر مما ينبغي" للروائية السعودية أثير العبد الله، و"رسائل غسان كنفاني إلى غادة السمان".

 

روايات الخيال العلمي العربية:

أما روايات الخيال العلمي العربية فيُعدُّ نهاد شريف الرائد فيها في مصر، واستحقَّ أن يطلق عليه لقب "عميد كتَّاب الخيال العلمي في الوطن العربي"، فقد ألَّف مجموعة من الروايات في هذا الحقل، منها "قاهر الزمن (1972)، و"ابن النجوم" (1997)، على الرغم من أن توفيق الحكيم قد ألف روايتين في الخيال العلمي هما ""في سنة مليون" و"رحلة إلى الغد"، كما كتب مصطفى محمود روايتين كذلك هما "العنكبوت" (1965)، و"رجل تحت الصفر" (1967).

كما اهتمت الروائية المصرية أميمة خفاجي بكتابة القصص والروايات التي تتناول موضوع الخيال العلمي، ويمكن الإشارة إلى روايتيها "جريمة عالم" الصادرة في موسكو في العام 1990م، و"البعث" الصادرة في العام 2004م.

وللروائية السورية لينا كيلاني إسهام فاعل في رواية الخيال العلمي، حيث ألفت مجموعة كبيرة من الروايات في هذا المجال أهمها: "سندريللا 2000) التي صدرت في العام 1996م، و"الرأس المفتوح"، و"العمر الوضاء في جزيرة الفضاء".

وفي الكويت تتصدر الروائية طيبة أحمد إبراهيم هذا النوع من الكتابة، وتُعد الرائدة فيه، حيث أصدرت مجموعة من الروايات أهمها: "الإنسان الباهت" (1986)، و"الإنسان المتعدد" (1990)، و"انقراض الرجل" (1990)، و"لعنة المال" (1994)، و"ظلال الحقيقة" (1995).

وينضم العراقي المغترب قصي الشيخ عسكر إلى ريادة الخيال العلمي في الرواية في العراق، فيضع مجموعة من القصص والروايات، ويجمعها في كتاب واحد تحت عنوان "روايات وقصص من الخيال العلمي" صدر في العام 2010م.

 

د مقداد رحيم

 

هذا ابن زيدون أخيراً: أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا (8)

karem merzaتكلمنا عن حياة ابن زيدون ونشأته، وعن ولّادته وعشقه، وما دار بينهما من شعر غزلي، وبوح وجداني، وكيف تعثر بعتبته حتى أوقعه الزمان بداجير سجنه، لعام ونصف، هاج وماج فيه، مرّة ينتقض، وطوراً يتوسل، وأخرى يتفلسف، ونقلنا من أروع أشعاره، ما يكفي للإشارة عن عبقريته وأثاره،، ولم يفتنا نثره لماماً، وتطرقنا إلى رسالتيه الهزلية والجدّية، ونقلنا ما تيسر عند تعرّضنا لأسباب سجنه، وموقفه من خصمه، وهزله كي يبرز أدبه وعلمه، وجدّه حين جدّ الجد للعودة إلى حكمته وعقله، وقد كان نثره أشبه بشعره، لأن الرجل خلق والموسيقى تجري في دمائه، والصور تتزاحم على خياله، والأدب ينسكب من لسانه، والقلم طوع بنانه.

ولشاعرنا كتاب (التبيين) في تاريخ بني أمية، وقد يكون ألّفه تقرّبا لهم، وما وصل إلينا، سوى أنّ المقري التلمساني ينقل منه مقطوعتين في كتابه القيم (نفح الطيبه من غصن الأندلس الرطيب)، وقد حققه الدكتور إحسان عباس.

لا أريد أن أطيل المشوار مع السيد ابن زيدون وولّادته أكثر مما كتبت عنه،وقدمت له، وهذه الحلقة الثامنة، وإن زدت، ربّما سأصل إلى الحلقة النائمة، لأن الإنسان بطبعه يحب التغيير، فالحركة بركة، والسكون جمود، لذا في هذه الحلقة لا تجد الإيجاز المقصّر، ولا الإطناب المكثر، فالأمر بين بين ...!!

مهما يكن من أمر، بعد قيل وقال، وتوسل وعناد بين الشاعر المنكود، وأميره أبي الحزم بن الجهور، ظفر الزيدون بعفوه، فتحرر من ضنكه، ولمّا مات أبو حزمه،وتوّلى ابنه أبو الوليد

زمام حكمه في قرطبة، وكان بين الرجلين مودة ورحمة، قرّبه إليه، لمعرفته بما لديه، فعينه على رأس ديوان أهل الذمة حتى ضاق الأمير الجديد به ذرعا، وعفا عنه ترفّعا، فجعله سفيراً له لدى عدد من ملوك الطوائف، فوجد شاعرنا هذه فرصه السانحة لتوثيق علاقاته معهم ومع وزرائهم، والرجل لا تعوزه الفصاحة والبلاغة والشاعرية والأدب والعلم .

بعد التجوال، والتأمل بالمآل، ولكي يبعد نفسه عن القيل والقال، ويرتاح البال، قرر الانتقال من حالٍ إلى حال،، فتوجّه إلى أشبيلية سنة (441 هـ ـ 1049م) حيث المعتضد وبلاطه الباذخ الشهير بأدبه، وإن الطيور على أشكالها تقعُ، وجزما ما كان المعتضد بجاهل لابن زيدون ومقامه السامي الرفيع في دنيا الشعر والأدب والسياسة والدبلوماسية، ولا بغافل عنه، فتمسك به، وقرّبه إليه، وأعلى مقامه حتى رتبة الوزارة ومقاليدها !! وتشعب نفوذه،وتغلغل في مجالات المجتمع الإشبيلي كافة، فهو الأول إلا الملك، فأصبح (ذو الوزارتين)، وبقى في حضرة هذا المعتضد عشرين سنة، أنيساً، جليساً، أديباً، مادحاً، باراً،وقضى المعتضد حياته بين (407 هـ - 461هـ / 1016 م - 1069 م)، وكان الرجل شجاعاً فاتكاً داهيةً، أراد التشبّه بأبي جعفر المنصور، وأن يوّحد الأندلس تحت لوائه من بين أيدي ملوك الطوائف، ويذكر الصفدي في (وافي وفياته) (ج5 ص 331) : وسُئِل وزيره ابن زيدون عن كيفية نجاته من فتك المعتضد طوال حياته، فقال: (كنت كمن يمسك بأذني الأسد، ينقي سطوته تركه أو أمسكه)،وقال عنه بعد موته :

لقد سرنـــــــا أن الجـــحيم موكــــلٌ *** بطاغيـــةٍ قد حمّ منه حمامُ

تجانفَ صوب المزن عن ذلك الصدى ** ومر عليه الغيث وهو جهامُ

مضى المعتضد بن عبّاد ثاني ملوك بني عبّاد وأشهرهم إلى رحمة ربّه، وقام ابنه المعتمد، وسار الرجل على سرّ أبيه في إكرام ابن زيدون، ورفع شأنه، ومجالسته ومعارضته في قصائد الشعر، ولكن الحسد والحقد قد جبل عليه الإنسان، ولاسيما في مجالس السلطان، وكما ذكرنا في الحلقات السابقة، أشار بعض خصومه على المعتمد على إرساله لتهدئة ثورة العامة على اليهود في إشبيلية، وهكذا كان الأمر، فسار الرجل على رأس الحملة حتى أصابته الأمراض، فغلبته حتى أن قضى أمره، ولفظ أنفاسه (463 هـ / 1070م)

ترك لنا ديوانه الكبير بما يتضمن من قصائد معظمها في المدح والغزل والاستعطاف، ومن النثر رسالتيه الهزلية والجدية، وكتابه (التبيين) في تاريخ بني أمية كما أسلفنا.

وما هو بالسرٍّ المكتوم، ولا بالأمر الخافي، حين أقول لولا الولادة ما كان ابن زيدون، ولولا ابن زيدون لما كانت الولادة، وما كلّ (كان) بـ (كان)، وعلى الله التكلان ...!! هذا الارتباط ما هو حاصل جمع فردين، وإنما حاصل ضرب جنسين، من يوم تعشّقا حتى يومنا هذا، وإلى يوم يبعثان، فبأيِّ آلاء ربّكما تكذبان .

قال في الولادة بنت المستكفي ما قال من غزلٍ وهيام، وشعرٍ وأنغام، وتوسّلٍ وعتاب وملام، كل هذا مررنا به والسلام !!، وبقى لدينا القصيدة الخالدة، وهي المرام، فلما خرج من سجنه، كما يخرج الأنام،إذ يسترجعون ما تعلق بذهنهم من سالف الأيام، فراجع ذكرياته مع ولادته والإلهام، فلملم كل خوالج نفسه، وما يدور في الوجدان، من رجاء وعاطفة وشكوى وحنان، فإليك هذا الإلمام بقصيدته التي تناقلتها العصور والأعوام :

أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا ** وَنَابَ عَنْ طِيْبِ لُقْيَانَا تَجَافِيْنَا

ألا وقد حانَ صُبح البَيْنِ صَبَّحنا **** حِينٌ فقام بنا للحِين ناعِينا

مَن مُبلغ المُبْلِسينا بانتزاحِهم ****حُزنًا مع الدهر لا يَبلى ويُبلينا

أن الزمان الذي ما زال يُضحكنا***** أنسًا بقربهم قد عاد يُبكينا

غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا * بأن نَغُصَّ فقال الدهر آمينا

فانحلَّ ما كان معقودًا بأنفسنا *****وانبتَّ ما كان موصولاً بأيدينا

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاءَ لكم ********* رأيًا ولم نتقلد غيرَه دينا

ما حقنا أن تُقروا عينَ ذي حسد ****بنا، ولا أن تسروا كاشحًا فينا

كنا نرى اليأس تُسلينا عوارضُه ***** وقد يئسنا فما لليأس يُغرينا

بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحُنا ******** شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا

نكاد حين تُناجيكم ضمائرُنا ****** يَقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا

حالت لفقدكم أيامنا فَغَدَتْ ******** سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا

إذ جانب العيش طَلْقٌ من تألُّفنا*** وموردُ اللهو صافٍ من تصافينا

وإذ هَصَرْنا غُصون الوصل دانية**** قطوفُها فجنينا منه ما شِينا

ليسقِ عهدكم عهد السرور فما******* كنتم لأرواحنا إلا رياحينا

لا تحسبوا نَأْيكم عنا يُغيِّرنا *******8أن طالما غيَّر النأي المحبينا

والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً *******منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا

يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ فاسق به* من كان صِرفَ الهوى والود يَسقينا

واسأل هناك هل عنَّي تذكرنا********* إلفًا، تذكره أمسى يُعنِّينا

ويا نسيمَ الصِّبا بلغ تحيتنا ***** من لو على البعد حيًّا كان يُحيينا

فهل أرى الدهر يَقصينا مُساعَفةً ******منه ولم يكن غِبًّا تقاضينا

ربيب ملك كأن الله أنشـــــأه ******مسكًا وقدَّر إنشاء الورى طينا

أو صاغه ورِقًا محضًا وتَوَّجَه**** مِن ناصع التبر إبداعًا وتحسينا

إذا تَأَوَّد آدته رفاهيَـــــــــة ******* تُومُ العُقُود وأَدْمَته البُرى لِينا

كانت له الشمسُ ظِئْرًا في أَكِلَّتِه ******بل ما تَجَلَّى لها إلا أحايينا

كأنما أثبتت في صحن وجنته ******زُهْرُ الكواكب تعويذًا وتزيينا

ما ضَرَّ أن لم نكن أكفاءَه شرفًا ***** وفي المودة كافٍ من تَكَافينا

يا روضةً طالما أجْنَتْ لَوَاحِظَنا ***وردًا أجلاه الصبا غَضًّا ونَسْرينا

ويا حياةً تَمَلَّيْنا بزهرتها *********** مُنًى ضُرُوبًا ولذَّاتٍ أفانِينا

ويا نعيمًا خَطَرْنا من غَضَارته *****في وَشْي نُعمى سَحَبْنا ذَيْلَه حِينا

لسنا نُسَمِّيك إجلالاً وتَكْرِمَــة******* وقدرك المعتلى عن ذاك يُغنينا

إذا انفردتِ وما شُورِكْتِ في صفةٍ ***فحسبنا الوصف إيضاحًا وتَبيينا

يا جنةَ الخلد أُبدلنا بسَلْسِلها *******والكوثر العذب زَقُّومًا وغِسلينا

كأننا لم نَبِت والوصل ثالثنا******والسعد قد غَضَّ من أجفان واشينا

سِرَّانِ في خاطرِ الظَّلْماء يَكتُمُنا ******حتى يكاد لسان الصبح يُفشينا

لا غَرْو فِي أن ذكرنا الحزن حِينَ نَهَتْ *عنه النُّهَى وتَركْنا الصبر ناسِينا

إذا قرأنا الأسى يومَ النَّوى سُوَرًا *******مكتوبة وأخذنا الصبر تَلْقِينا

أمَّا هواكِ فلم نعدل بمنهلـــــــه******* شِرْبًا وإن كان يروينا فيُظمينا

لم نَجْفُ أفق جمال أنت كوكبـــــه ******سالين عنه ولم نهجره قالينا

ولا اختيارًا تجنبناه عـــــــن كَثَبٍ ****** لكن عدتنا على كره عوادينا

نأسى عليك إذا حُثَّت مُشَعْشَعـــــةً *******فينا الشَّمُول وغنَّانا مُغَنِّينا

لا أَكْؤُسُ الراحِ تُبدى من شمائلنا**** سِيمَا ارتياحٍ ولا الأوتارُ تُلهينا

دُومِي على العهد، ما دُمْنا، مُحَافِظةً ***فالحُرُّ مَنْ دان إنصافًا كما دِينَا

فما اسْتَعَضْنا خليلاً مِنك يَحْبسنا *******ولا استفدنا حبيبًا عنك يُثْنينا

ولو صَبَا نَحْوَنا من عُلْوِ مَطْلَعِه**** بدرُ الدُّجَى لم يكن حاشاكِ يُصْبِينا

أَوْلِي وفاءً وإن لم تَبْذُلِي صِلَةً ******* فالطيفُ يُقْنِعُنا والذِّكْرُ يَكْفِينا

وفي الجوابِ متاعٌ لو شفعتِ به *** بِيْضَ الأيادي التي ما زلْتِ تُولِينا

عليكِ مِني سلامُ اللهِ ما بَقِـــيَتْ ******** صَبَابةٌ منكِ نُخْفِيها فَتُخفينا

قصيدة ملئت الدنيا، وشغلت الناس، من غرر الشعر العربي شجواً وغناءً وغزلاً وعتاباً، وحداثة وعذوبة وتجدداً، تناقلها الرواة، وغنّها المغنون، وأشاد بها كتاب الأدب العربي والأجنبي ونقادهم، تذكر د. سهى محمود بعيون في بحثها عن (ابن زيدون : قال عنها المستشرق الإسباني إميليو غراسيا كومس: " إنّها أجمل قصيدة حب نظمها الأندلسيون المسلمون، وغرة من أبدع غرر الأدب العربي كله عارضها شعراء كثيرون وما زالوا يعارضونها إلى اليوم " ..

نعم .. نعم ... يبثّ خوالج وجدانه بأشجى العبارات، وأدمى العبرات، يكاد يجرفنا معه ويبلينا، وهذا طبع الدهر كما أضحكنا، قد عاد يبكينا!!

مَـن مُبلـغ المُبْلِسينـا بانتزاحِهـم *** حُزنًا مـع الدهـر لا يَبلـى ويُبلينـا

أن الزمان الـذي مـا زال يُضحكنـا ****أنسًـا بقربهـم قـد عـاد يُبكيـنـا

غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا **بـأن نَغُـصَّ فقال الدهـر آمينـا

اللهم آمين !! قد نكمل الحديث عن ابن زيدون وحديثه الحديث، ورحم الله عبقرينا ابن الرومي، وقوله :

ولقد سئمت مآربي *** فكأن طيبها خبيث

إلا الحديث فأنه ****مثل اسمه أبداً حديث

ويذكر المعافى بن زكريا في (جليس صالحه وأنيس ناصحه) بحديث مسنود: بعث عبد الملك بن مروان إلى الشعبي، فقال: يا شعبي ! عهدي بك وأنك الغلام في الكتاب فحدثني، فما بقي شيءٌ الآن إلا وقد مللته سوى الحديث الحسن، وأنشد:

ومللت إلا من لقاء محدثٍ *** حسن الحديث يزيدني تعليما

يا الله، ربّما نكمل، وقد نعكف، فالزمن هذا الزمن، والدنيا قلبت، والحياة صورٌ وعبر....!!!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

الجفاف المسرحي (1)

najib talalبداهة المسرح بنية فاعلة في بنائية إنسانية الإنسان، ومن خلال الطرفين تتحقق قوة الحضارة في بعدها الشامل وتعود إليه؛حسب العطاء والاستمرارية الدافعة للبحث عن صيغ مواكبة للتطور الحضاري،وبالتالي فالبشر عنصر أساس لذلك، وبالمسرح يبدد غربته وذاتيته، عبر الاندماج والتفاعل بالآخر بطريقة لاشعورية كمدخل نفسي؛ لا علاقة له بمفهوم [الكتتريس] الأرسطي؛ بقدرما له علائق بالتحول التلقائي رأسيا لشعور اجتماعي،من هنا تتحدد الكينونة الاجتماعية للكائن البشري ولكينونة المسرح كجسد انبنائي في الحياة الإنسانية؛ وبالتالي إن لم يكن المسرح ضرورة اجتماعية، فلماذا الأفكار والأبحاث وصراع المواقف وتنوع التجارب ولماذا الأنظمة الحاكمة عبر التاريخ تحاول وحاولت تبنيه ورعايته؛ أوحاولت وتحاول تدجينه؟؟ أليس في المسرح سحرا وقدرة للتفاعل والتواصل بشتى الشرائح الاجتماعية،علما أنه وسيلة من وسائل التصدير الثقافي؛ وتفعيله يتم من خلال فعالية ممارسيه، ومدى قدرتهم على العطاء والاستمرارية.

إذن، فالمسرح المغربي؛ لا يخرج عن السياق العام؛ وعن إنسانية المسرح؛ وبالتالي فمسرحنا له مسار تاريخي لا يستهان به، ومن الصعب جمعه في قاموس واحد؛ أوحد، نظرا للتجارب والأسماء والقضايا المتنوعة والأفكار التي يختزنها سجله، رغم بعض الهزات والنكسات التي لحقته؛ لأسباب بعضها موضوعي؛ وبعضها تافه وذاتي/ سياسوي. لكن يبقى ذاك الزخم الفعلي والتفاعلي بقضايا الجماهير؛ وملامسة القضايا الدولية / الإنسانية؛ لقد انمحت ؛ والانمحاء ليس طبيعيا؛ بل من خلال الإصرار والترصد وليس في ظروف غامضة،والمساهم فيه بشكل مباشرو فاعل {المسرحي/ المثقف} شكلا ومضمونيه؛ ونلاحظ إشارة قوية وردت في القول التالي: ولآن ثقافتنا لم ترق بعد بحكم تركيبتها البنيوية إلى مستوى الوعي الجماعي؛ ولم تكسب مناعتها بالتأصيل الوطني والبناء الإيديولوجي؛ ضد الذاتية والتفسخ والانحراف، فقد هوت وهوى أصحابها(المثقفون) في أغلب فصائلهم إلى هذا الوضع المتفسخ المسلوب؛ وإذا هم في أغلب الأحوال في موقع نخبوي متميز؛ وعلى واجهة فوقية كالثقافة التي أنتجتهم,,,, وفي النهاية يصبح الاندماج في إطار الزيف العمومي سمة ومسلك الجميع؛ وإذ الهموم التي تخلقها الطموحات الذاتية و(تسكن)الكثيرين ؛ هي الإمعان في اكتساب التأهيلات الثقافية والخصائص الحلزونية وأحيانا الإبداعية للوثوب على المواقع والتسلل بين الصفوف والتصدر فوق الظهور وبانتهاز ثقافي ملتو....(1)

كيف ولماذا؟؟ ****************

لا خلاف بأن جملة من المكتسبات والاستحقاقات،كانت في المجال المسرحي والإبداعي،من تكاوين مختلفة الأماكن والمواقع؛ بين إقليمية و وطنية ودولية؛ ومساهمات عربية، واهتمام ورعاية بشكل أواخر من لدن الجهات الوصية والمجالس،بغض النظر عن عملية الاستقطاب وتدجين الفعل المسرحي الذي لم يتحقق كما كان يتوقع؛ في مراحل سابقة؛ سواء من لدن بعض الأحزاب وذلك لتقوية الأجنحة؛ أو من لدن السلطة بشقيها الثقافي والسياسي، نظرا أن الميدان المسرحي بقواه وفعالياته؛كان إلى حد{ما} منفلتا عن ذلك، لطبيعة أنساقه ؛ لأن منشأه الأساس الروح الوطنية ، وليست المؤسسة:تأكيدا بأن المدارس الحرة آنذاك والتي تبنت فرقا وتجارب مسرحية ، لم تكن مؤسسة بالمفهوم القانوني والتنظيمي، ولم تكن خاضعة للحكم الأهلي (أو) للاستعمار مقابل هذا فالمسرح الذي حاولت المؤسسة ؛ إنشاءه على يد {بيير لوكا/أندري فوزان/...) بغية صنع نخب شعبوية وليست شعبية كما يبدو؛ والنموذج{فرقة المعمورة} لم تفلح بحكم التيارات والتجارب ذات الوقع الإنساني،التي تحكمت في بؤرة الممارسة،باستثناء بعض النماذج التي كانت طبيعة تكوينها النفسي والشخصي سهلة الانقياد ؛ والإعلام بكل مشاربه سخر لها لإتمام صناعة {تلك}النماذج؛التي كانت عدوى على المسرح المغربي، فيما بعد . لكن لم تستطع تسطيح الوعي الجمالي/الفكري بقدرما استطاعت تحقيق إشعاع لذاتها وعطائها الشعبي :المتخلف، وإن كان هنالك تواطؤ بين تلك النماذج والمؤسسة الوصية لاحتضان المسرح، ولم تفلح المناورة، مما تم إنشاء جهاز{الجامعة الوطنية للمسرح} في شكلها الأول؛ الذي لم ترض عنه الإدارة؛ وبالضبط - مركز الأبحاث المسرحية- وبالتالي زكى ودعم النسخة الثانية:كوسيط، بين المسرحيين كقوة وطاقة حيوية تضاعفت فاعليتها والجهة الوصية ، لكن رغم ذلك ازدادت الحركية المسرحية حراك وإنتاجية؛ وتمظهر عدة طروحات وأطروحات، جد لصيقة بالفكر الفلسفي وجمالية الفن ؛ إضافة لتنوع الخطاب السياسي ؛ الذي فرض نفسه كمعطى تاريخي؛وبالتالي فالعطاء النوعي وكذا الكمي،بفعل الضغط والمقاومة الحوارية والنقاشات التي واجهت ذاك الجهاز ليتحمل مسؤوليته التاريخية؛من أجل الفعل الحقيقي تجاه المسرحيين وليس تجاه الإدارة /المؤسسة،لكن الطبيعة البشرية من الصعب ضبطها،ارتباطا بالتنشئة والتطبع والتكوين النفسي والإيديولوجي ؛ فكان ما كان من عملية الانقياد والانبطاح المجاني ، لبعض المسرحيين؛ مما تولدت معارضات قوية ؛من خلالها تم البحث عن البدائل الصادقة تنظيميا ؛ من أجل إبقاء الفعل المسرحي قوي العطاء ، لكن دونما جدوى، بحكم التهافت والانتهازية والوصولية المتوحشة؛ مما تهجن المسرح ولم يعد يحقق اختلافه بين الهاوي والمتفرغ والتجاري والجامعي والمدرسي ؛ ليأخذ أو يحتفظ كل نوع طابعا متميزا في النسيج الثقافي والفني.

لكن الواقع (بداية الألفية الثالثة) يكشف عن صور ما كان للمسرح أن يصل إليها من هجانة وفوضى وتداخل الحزبي بالإداري؛ والإداري بالحزبي؛ والحزبي بالفني؛ والفني بسماسرة الأسواق؛ من أجل سفريات إلى الخليج (موضوع سيكون مستقلا) ودعم بئيس ؛ بئيس جدا؛ جعل من المبدع و الفنان؛ جزء من القطيع المدجن؛ يلهث و توابع ذيلي إلى لمديرية الفنون، هذه الأخيرة التي تتصرف كولي نعمة لمن ركن وخضع لقانون اللعبة، وكعصا للطاعة والوعيد لمن رفض وحلق خارج السرب؛ وهلم من عدة تناقضات صارخة، تفرض إعادة قراءة واقع المسرح المغربي؟؟

فمبدئيا: فالجانب المادي لإنماء الفعل المسرحي ضروري ، وحق مشروع لكل جمعية، ولكن بمشروعية، هاته المشروعية غير متوفرة لاعتبارات عدة؛ أبرزها الجمعيات وليس لدينا فرق مسرحية؛ نظرا للاختلاف بينهما في البنية والتنظيم؛ إذ الجمعية عبارة عن تنظيم تطوعي وحر يؤسسها أفراد حيث يتجندون للعمل لتنمية قدراتهم الإبداعية والفنية ؛ بطريقة رسمية ولأغراض لا تهدف للربح ، علما أن الأفراد الفاعلين والمؤسسين؛ أن يكونوا راشدون وقادرون على المسؤولية؛ بشكل تعاقدي مؤقت أو دائم من أجل حل مشاكلهم وتلبية احتياجاتهم المختلفة دون انتظار لتدخل الدولة، تجسيدا لوعيهم الفني ونضجهم ورغبتهم في الإسهام في تنمية المجتمع وتطوره حضاريا وجماليا، لكن المفارقة أمسى جيش من المسرحيين يميع ذاتيته وأخلاقية الفن الرابع، متناسين المكتسبات وعقود النضال ، فهرولوا كما قال: (سقطت آخر جدران الحياء... وفرحنا... ورقصنا)(2) نحو (1مئة) أين هي الآن؟ وأين هي الفرق الجهوية التابعة اسميا لمجالس الجهة؟؟

لكن بعد صراعات وجلسات؛ تفضلت وزارة الشؤون الثقافية ؛ لخلق ومحاولة تأسيس خمس فرق محلية ؛ الصيغة [تجريبية] في عهد الشبكة العنكبوتية والتواصل السريع واللحظي؛ لا زلنا(نجرب) كأننا نمتلك (الذرة و النيترون)ويا لسخرية (زمن) (المسرح) الذي يعيش جفافا؛ في العطاء الفعال؛ والتدبير التقني والنقابي حتى؛ وبالتالي ما هي الضوابط القانونية ؛ لتفعيل تلك الفرق؟ ولاسيما أن وزارة الثقافة, اكتفت (فقط) بتعيين مدير إداري ومدير فني ؛ ولكن ماهي الصفة الإجرائية عبر القوانين المنظمة للشركات والشركات؛ باعتبار أن (الفرقة) تخضع لقانون (الشركات) وإن كان حضور قانون الشغل وقانون العقود والإلتزمات؟؟ و المضحك في كل هذا ؛ أنشئت تلك (الفرق) لترسيخ مسرح وطني ؛ فالمسرح المغربي بفعاليته وطني أصلا؛ لكن فهل من المنطقي والحس الوطني؛ أن تعود بنا تلك الفرق للاقتباس؛ لتؤكد بأن هناك جفاف إبداعي وفكري؛ في النصوص المسرحية؟ ممكن؛ ولكن ليس من حقها أن تستفيد من مال عمومي؛ لأنها لا ترسخ مسرحا وطنيا.

 

الرابط

ألا يمكن في الليلة هذه ؛ نحاكم عروبتنا ؛ نحاكم الدم فينا ؛ نحاكم الوجود فينا (مهرجان المهابيل) لأننا توقفنا؛ بأن ليس من حق تلك الفرق ؛ وغيرها أن تستفيد من المال العمومي؛ لأنها لا ترسخ مسرحا وطنيا...ولكن مما يؤسف له؛ لا أحد منا يتفضل بنقد ذاتي ؛ كنوع من المحاكمة؛ لما مارسه خفية وبتواطيء مع جهات متعددة لنسف حركية المسرح المغربي؛ أو بالأحرى تمييعه ؛ بدأ بالتنظير؛ الذي لم يكن بريئا؛ بل مدفوع الامتيازات؛ باستثناء مسرح [المرحلة] لاستئصال المسرح الهاوي الذي كان لعقود وسنوات؛ رغم بعض الهزات ؛ مسرحا هادفا وجادا؛ وبالأحرى رافدا أساسيا للمسرح وللثقافة المغربية على السواء - لماذا ؟؟ - لأنه الشرنقة التي كانت تجمع شرائح اجتماعية؛ من عمال وطلبة وأساتذة ومثقفين ومياومين ووو؛ لأن الأمر يدعو للأسف؛ فليس هنالك ولو دراسة سوسيولوجية (وحيدة) حول التركيبة الاجتماعية التي كان يتضمنها المسرح الهاوي؛ مقابل هذا نسمع عن لقاء حول[الذاكرة المسرحية/ الدراماتورجيا البديلة/.....] ففي ظل الجفاف المسرحي؛ هل مثل هاته المواضيع تناقش؟ من حقهم أن يتناقشوا؛ حتى تذهب ريحهم؛ كما ذهبت صولة المسرح الحق؛ لأن - الجفاف - يبيح ممارسة (أي) شيء؛ مثال ما نعيشه هاته الأيام؛ نتيجة عدم هطول الأمطار : فبائعو الخضر واللحوم والأثاث وخلافه ،،، يبيعون خارج سومة [الأسواق] وذلك لكي لا تبور [مشترياتهم] أمام مجتمع فلاحي؛ يراهن على الأمطار.

وبناء على هذا المثال؛ الذي يعد معيارا أساسيا؛ وليس لغوا أو خارج السياق؛ فالممارسات والتوجهات الفاسدة؛ ساهمت في نسف المسرح من الداخل؛ واستنزاف طاقاته الفكرية والجمالية . من لدن المسرحيين أنفسهم ؛ وتنطبق علينا الآية الكريمة [...وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين](3) بحيث تولدت الصراعات الهامشية ؛ وبعض الصراعات كانت تلامس في أحيان أفكار وقضايا؛ ولكن العشائر والفخدات المسرحية؛ لم تعط لفلسفة الحوار حقها؛ بل كانت تفعل ممارسة الإقصاء والتهميش والمناورات والدسائس؛ متى سنحت الفرص: من ملتقيات وتظاهرات وأيام مسرحية؛ والتي كانت تزخر بها عدة مناطق في ربوع المملكة؛ وبالتالي فالمصالح والانتهازية ؛ التي بكل أسف تتناقض وروح الإبداع؛ الذي هو أساسا فعل إنساني؛ هنا لن نكون [طوبويين] فمن حق الإنسان أن يستفيد؛ استفادة مشرفة؛ وليس فيه تزلف وانبطاح، وأكل فتات الموائد ؛وهدم الممارسة المسرحية ؛ مما عصفت أغلب الممارسات الجانحة؛ سواء من لدن [الجامعة الوطنية لمسرح الهواة] أو [مركز الأبحاث المسرحية] الذي كان يسهر على [المهرجان الوطني] أو مديرية الفنون بوزارة الشؤون الثقافية بكل أحلام المسرحيين ؛ الذين كانوا يحملون لذة - سيزيف - بروح قتالية ونكران الذات ؛ من أجل توهج فني وطموح لفعل جمالي وإبداعي متجذر في النسيج المجتمعي ، رغم الاكراهات والمعاناة ؛ وبالتالي الأغلب خان - القضية - وهرول إلى شق [الاحتراف] ليس من أجل تدعيمه وتنميته؛ بل من أجل هدفين؛ حسب الفئتين (أ) فئة الانتهازيين و(ب) فئة المخلوطين؛

 

سؤال الحالة:

هل يعقل أن تتتسل [الجامعة الوطنية لمسرح الهواة] إلى شق [المتفرغين ؛ عبر المناظرة، وهنا فالنظام كان واضحا و منسجما مع نفسه؛ وفي خطاه الثقافية والسياسية؛ بحيث قام بفصل الشقين من خلال رسالة للمناظرة الوطنية [المتفرغين] ورسالة للندوة الوطنية [الهواة] وبالتالي؛ فالتطاول ساهم في تمييع المشهد المسرحي؛ وأمسى الكل [محترفا] بدون حياء أو خجل؛ أستاذ يتزاحم ويتهافت على الدعم مع متفرغ لا عمل له إلا (الموهبة) ولن نقول (المهنة) لأن قانون الفنان ؛ كيف يمكن أن يصاغ ؟ ومدونة الشغل من عهد 1936 مازالت تمارس بنودها ؟ والمضحك في الأمر أن بطاقة الفنان موجودة ومصادق عليها؛ إذ نعيش عوالم فارقة ومتناقضة بشكل صارخ؛ فالصراعات التي كانت في شق [الهواة] تحولت لشق [وهم: الاحتراف] إلى صراعات جد ضيقة، حول الدعم وفي أجواء ملغومة بمنطق ومنظور اللوبيات بدل العشائر؛ بين الحزبي والمنبطح؛ والانتهازي والنقابي وبين لجان غير نزيهة وغير متجانسة، وبناء على عدة تناقضات، يمكن أن نقرأ سبب الجفاف المسرحي؛ الذي أصابنا؛

فرب قارئ، لا يفهم ما يروج،وما أكثرهم لا يفهمون ما يروج {ضد} المسرح، سيتساءلون: لماذا هاته السوداوية المنوجدة بين السطور وواقع الحال يؤكد على وجود فعل مسرحي، نموذج العروض المدعمة ماديا؛ من ميزانية وزارة الشؤون الثقافية؟

بداهة ؛ فالإجابة بكل بساطة، جل البنيات الاجتماعية تعيش إفلاسا وجفافا مقصود النية وانهيارا معلنا وبالتالي فالإبداع الفكري والجمالي ينمو ويتغذى من الوضعية الراهنة؛ ليزداد قوة وعطاء، بمعنى: الإبداع لا حضورله؛ ولا قوة له إلا في فترات الأزمات والشدائد الاجتماعية؛ لكن مسرحنا حاليا يخرج عن هاته القاعدة ،ومن ثمة هو خارج عن جغرافية التصنيف،لأننا في زمن اللامسرح؛ وذلك أنه الآن يعيش حالة من التخبط و الضياع؛ نتيجة أيادي و أفواه ؛ لن نقول بأنها أيادي قذرة كما أشار (سارتر) ولا أفواه جائعة كما قال فيكتورهيكو؛ بل أيادي وأفواه مسرحية من شمال وشرق وجنوب وغرب ؛ خنذقته في منطقة مبهمة، ساهمت في هتك عذريته المتوهجة وصولته الفواحة؛ وتخريب طبيعة مواجهته، ومتعته الثقافية الجماهيرية؛ فكيف السبيل لإعادة تشكيل كينونته الحقيقية؛ لكي يصبح قدر الإمكان منسجما مع نفسه والعالم ؟ سؤال أعمق ذي العلاقة بين المسرح والمجتمع؛ وبالتالي: إن الشروط الضرورية للتواصل المكثف والفهم التام بين المسرح والمجتمع هي ؛ وحدة عضوية تصدر عن نظرية في الوجود وعن شعور ديني؛ خلقي) كما أشار موكاروفسكي.

يتبع

 

نجيب طلال

....................

هوامش

1) المحرر الثقافي السلسلة الجديدة ع4 في 23/03/1980 حول الثقافة والمثقفين بقلم محمد الحبيب الفرقاني الحلقة الأولى

2) قصيدة المهرولون لنزار قباني

3)(سورة الحشر الآية 2)

 

المهيمنة التاريخية في سرديات الكاتب علي السباعي

wejdan abdulazizلا زال الكاتب علي السباعي يعمق تجربته في عالم السرديات من خلال مهيمنة المدونة التاريخية التي ترافقه وتتداخل مع رؤاه، ويحاول اثبات علاقته مع مدينته الناصرية، لذا كانت مخططاته الكتابية ترتكز على نقطة انطلاقية، تنمو وتترعرع داخل محور المدونة التاريخية، لكن بحركة تصاعدية وبفعل حركة مخططاته الكتابية،

(فالنص والتاريخ منسوجان ومدمجان معا كجزء من عملية واحدة، والدراسات الثقافية تركز على ان اهمية الثقافة تأتي من حقيقة ان الثقافة تعين على تشكيل وتنميط التاريخ، وافضل ما تفعله الدراسات الثقافية هو في وقوفها على عمليات انتاج الثقافة وتوزيعها واستهلاكها، وهذه بما انها تمثل الانتاج في حال حدوثه الفعلي، فانها تقرر مصير اسئلة الدلالة والامتاع والتأثيرات الأيديولوجية، وهذا يستحضر نظرية "الهيمنة" التي طرحها قرامشي من قبل والتي يؤكد فيها ان السيطرة لا تتم بسبب قوة المسيطر فحسب ولكنها ايضا تتمكن منا بسبب قدرتها على جعلنا نقبل بها ونسلم بوجاهتها)ص17 النقد الثقافي .. يقول تولستوي: (ان اهم شيء في العمل الفني، هو وجوب توفر نقطة مركزية فيه، اي لابد من ان يكون هناك مكان ما تلتقي فيه او تصدر عنه جميع الاشعة) .. اذن الكاتب السباعي يمسك بناصية العمل السردي ويوجهه باستثمار التناصات مع التاريخ، كي يؤسس لافكاره ويجسد اهدافه بوعي، ولا يعني اننا نرد ابداع السباعي لهيمنة المدونة التاريخية فحسب، فـ (ان رد الابداع الفني والادبي الى عوامل محددة بعينها، لايستطيع ان يكون تفسيرا مقنعا، كأن نرد ابداع ابي العلاء الى عماه ـ كما عمى ملتون وطه حسين، او ابداع بتهوفن الى صممه، او عبقرية هيدلرن الى جنونه او روائع بودلير الى ادمانه على الافيون، فاراء قاصرة كتلك الي تدعي ان كل عمل فني يمكن رده الى عوامل بيئية او جغرافية او عرقية او محض اقتصادية او من ناحية اخرى الى عوامل وراثية "اوبسبب ثقافات معينة"، قد تكون هذه العوامل جميعها موجودة، لكنها ليست حاسمة في ذاتها، فالابداع الاصيل يقتضي شخصية، ذاتية، متميزة وتجربة داخلية غنية وشفافة . العملية الفنية ليست بالتالي من البساطة يمكن ان نردها الى عناصر احادية الجانب او الى احكام تعسفية، فهي كالشخصية الانسانية تأليف وتركيب ديناميكي حي ودائم، تحتوي الى جانب المعطى الخارجي الخيال والانفعال والشعور، عناصر عقلية ومدركات ذهنية وغاية ما هي موجودة، رغم انه يصعب الاشارة اليها بالبنان)ص50ـ51 في الادب الفلسفي، وبما اني عايشت عوالم الكاتب السباعي عن كثب، قد اكون قريبا من ارهاصات خلجاته الانسانية تجاه الحياة والكون ومحيطهما، لذا فهو اديب صاحب رسالة تدخل ضمن مشروع الجماعة الثقافي وتمتاز تجربته، انها رحبة تستوعب ما هو متغير وثابت، كما هي تمظهراته الايروتيكية التي كانت خير تعبير عما تحاصره التابوات الدينية والاجتماعية وقبلها كانت التابوات السياسية ابان حكم الدكتاتورية .. يقول في قصة (فرائس بثياب الفرح) وبطريقة السرد الذاتي: (منذ نعومة اظفاري تمنيت لو كنت مثل جدي الثالث علي السباعي الذي كان صديقا حميما لناصر باشا الاشقر .. الذي وسم المدينة التي شيدها انذاك اعجابا منه لحادثة جرت لجدي الذي كان يعمل غواصا ينتشل الغرقى والبضائع الساقطة من السفن التي تجوب نهر الفرات يوم كان بحرا واسعا والمنفذ الوحيد لنقل البضائع فتقع الكثير من الحوادث، اخبرني بذلك جدي الاول والذي سمي بنفس اسم جدي الثالث، كان جدي الاول حكّاءً رديئا، وهذا ما ورثته منه) .. من هذا كان شغوفا بالمدونة التاريخية وحكاياها، وصارت سردياته استثمارا لما تختزنه ذاكرته من حكايا التاريخ التي باتت تؤرقه وتثير فيه قلق الغياب، لكن بقدرته الفنية وتناصاته الايجابية يحاول الحضور النفسي الفاعل، فـ(النفس الانسانية هي المجال الاخصب للفنون والاداب والرؤية النفسية لدى الاديب، تنبع اساسا من منطلقين، الاول: هو تجاربه الذاتية حيث يتعرض في حياته لانفعالات وعواطف ومواقف ومشاكل وتكون لديه ردود افعال خاصة به وتتكون لديه بعض المفاهيم والقناعات الشخصية ومن ثم يترجم ذلك كله في ادبه قصصا او شعرا او مسرحا، اما المنطلق الثاني فهو ما يجري امامه من وقائع واحداث في خضم الحياة، فيتابعه بوعي ويحاول ان يبحث عن الدوافع والمؤثرات والنتائج على وفق منهجه وتصوراته، وقد يتناول ذلك بموضوعية على قدر استعداده . والاديب بين هذا المنطلق وذاك يستلهم خبراته ومعتقداته ويخضع تفسيراته الخاصة التي تتعلق بواقع الاعراف والتقاليد لمؤثرات سياسية او اجتماعية او اقتصادية) ص48 مجلة الفيصل العدد133 / محمد زين هادي، ويواصل الكاتب السباعي رحلته السردية وبلغة ذات شعرية عالية الرونق والسلاسة جاء في قصة (فرائس بثياب الفرح): (مثل قيصر يتحدث عتودة عن رجولته وفحيح ذكورته يصم اذني، سألته بصوت خفيض وعيناها تنظران بعدائية في عينيه ذواتي الفصين الابيضين الداميين :

ـ ما قيمة ان تكون سيدا اذ كل ما تفعله هو تكرار لكونك السيد نفسه؟

بعدائية دفينة جاءها صوتا جافا مهيمنا:

ـ تعري .

اعترضت امر جنوده ان يعروها، قاومت، نظرت خطفا لعينيها المتحديتين فشاهدت دمعة عصية تجول متنمرة في مقلتيها، تحرر بدوره من زيه الفرعوني جسد طويل بكرش ضخم مطاطي اسود اشبه بكرش بوذا، تمنيت لو كنت دون كيشوت لترجلت من فرسي العجفاء ورميت سهمي المكسور بعيدا ورحت اتملس كرشه متباركا به مثلما يتباركون بكرش بوذا الذي يجلب الطالع الحسن، كوكبة من الدموع تبرق في عينيها، فبدت كأضواء لاسعة في جو ماطر، بكت، قاومت الفتاة بكل اوتيت من قوة حتى ان الجنود مزقوا عنها بدلة زفافها تمزيقا خجلت من النظر الى جسدها وكأنها لم تكن تعرف انها تملك مثل هذا الجسد الباذخ المعجون من كهرباء ودم، كنت اسمع الحكايات عن عروس البحر، حقا كان جسدها اشبه بجسد عروس البحر، انفرط اشتباك ضفيرتها لتستر عريها، سقط منتصف الليل، ليل شعرها في عز ظهيرة جسدها، ذكرني انفراط جديلتها بانفراط ضفيرة معلمتي وهي تشرح لنا في درس التاريخ، كيف ان هيلين كانت فاضلة وان التي ذهبت الى طراودة كانت امرأة اخرى من صنع الالهة تشبه هيلين، وقالت لنا ان هاكوبا كانت فاضلة، فعرضت نفسها لرمح زوجها اثباتا لعفتها، فنمت ليلتها مغبونا فحلمت بـ (كلنتون يذبح الاسكندر المقدوني رمسيس الثاني، هلاكو، وهتلر، تحت قدمي مونيكا) .. كنت اصرخ في الحلم خائفا: "ستحل نهاية العولمة في عام الفين وخمسةعشر)، فكانت رحلة سردية مخلوطة بالتاريخ ومطعمة بمرارة الحكايات ومرارة اخضاعها للواقع المرفوض هو الاخر من قبل الكاتب السباعي نفسه، وظل سرده يدور بين الوثيقة التاريخية كمدونة في زمن مضى، ثم انتقالها الى وثيقة تعانق الزمن الحاضر المثير للتساؤلات الكثيرة، حيث كان يستنطق مدينته الناصرية عبر افتراض غرائبي ومن خلال المدونة التاريخية التي ظلت لصيقة لمجموعته (بنات الخائبات) المثيرة للجدل، والتي تحتاج لجهد فكري في فك شفراتها واجتراح المعنى المراد والمتوقع .. وحينما ننتقل الى قصة (سيوف خشبية) وما حفلت به من مفارقات وتداخل بين التاريخ كمدونة ساكنة، بيد انها دائمة التجدد لأن الإنسانية ترتبط بماضيها ارتباطاً وثيقاً، والإنسان هو صانع التاريخ، لذا يأتي على هيئة دراما مسرحها الزمن، وتتجدد الصور والمناظر والشخوص والأحداث، ولكن يبقى الإنسان هو الإنسان ومعركته خالدة ما بقي مع الزمان والحياة. ومدونة السرد متحركة تعتمد اللغة الادبية المغايرة والتي تستوعب خلجات الكاتب وما يكتنفه من محيط يدور في الزمن الحاضر .. ولأن بعض الدارسين نظروا إلى العمل الأدبي في علاقته بكاتبه نظرة غير خصبة، فاعتبروا أن الأدب هو نتاج مبدع فرد، ورتبوا على ذلك الاستنتاج الذي يعتبر أن الأدب يدرس حق الدراسة فقط من خلال السيرة الذاتية والتكوين النفسي للكاتب، فإن آخرين وجدوا من دراسة الأدب خارجيا نتائج دون ذلك، واكتفوا فقط بإثبات ترابط _ أي ترابط _ بين حياة الكاتب ومحيطه ومجتمعه. فاعتقد ان النص الادبي هو حاصل الجمع بين المبدع وما يكتنفه من محيط بمؤثراته النفسية والاجتماعية والسياسية .. وكان الكاتب السباعي، قد بدأ قصته بسرد ذاتي .. (اني سيء السمعة للغاية اكثر من كل الناس ...)، ثم يضيف (الا انني لا ادخل البيوت الا من ابوابها)، وبين التصريح الاول والثاني مساحة من التأويلات التي تثبت بدون ادنى شك افرازات المحيط وقدرته المؤثرة في ذات الكاتب مبدع النص، ولم يتخلص السباعي من مؤثرات التاريخ سواء بحوادثه ذات الزمن البعيد، او ذات الزمن القريب، ففي هذا المقطع من القصة اكد هذا الشيء : (انا "ابليس" كيس رمل من اجل السيئات، اججت حروبا في البلقان كانت الاكثر قسوة وهمجية، عملت مجازر مروعة في قلب افريقيا بين قبائل التوتسي والهوتو،وسوست في صدور التجار فادخلوا تجارة "البالات" فصرنا سلة مهملات لمخلفات الغرب، في افغستان وسوست بصدر الملا محمد عمر زعيم طالبان فدمر تماثيل "بوذا" في باميان، ولم اقف عند هذا الحد، رحت أولب العالم عليه فصار يتصور تدمير الاصنام على انها مأساة، اغويت ولي عهد النيبال، فقتل اباه وامه وسبعة من افراد اسرته وتخلى عن عرشه من اجل امرأة، عمدت قبل ايام الى صنع حرب باردة جديدة بين قطب الشريعة الدولية وقطب الحضارة الانسانية، كان لي شعارارفعه : لا اضاجع امرأة ولا التذ بتمزيق بكارتها في الحب، لانني لو فعلت ذلك لمت في الحال، ميقات نهاية حياتي ميعاد موتي يبدآن بالحب، واكره ان اموت طوعا، لذا قررت ايجاز سمعتي السيئة بهذه التبرئة "وصية صديقه المرحوم" "كثيرون من ادعوا الألوهية، واكثر من ادعوا النبوة، وكثيرون واكثر من كثيرين من ادعوا ان حبيباتهم ملائكة، وسادعي باني الشيطان او على حد علمي انني هو : فما فضل كل اولئك المؤمنين الذين يقومون بارتكاب المنكرات بايديهم على كائن لايفعل شيئا بيده)، وكما اسلفت حملت مجموعة الكاتب علي السباعي (بنات الخائبات) المتكونة من قصتين، الكثير من المعاني التي عانقت سطح القراءة، بيد ان هناك معاني تخفت بين الاسطر، وكانت خليط من حكايا التاريخ القريب والبعيد والمتخيل السردي الذي جلى لنا واضحا ان الكاتب جهد كثيرا في تخصيب متخيله السردي بالكثير من التناصات التي عمقت تجربته الكتابية..

 

وجدان عبدالعزيز

 

ديوان محرّك الدمى للشاعر محمد العرابي ومحاججة الدمغجة المنتجة لسلبية التلقّي

ahmad alshekhawiمنذ العتبة الأولى للديوان يلج شاعرنا بكامل ثقله الإبداعي بغية تحقيق كتابة مغايرة تماما تعكس حجم احتواء البياض لحمولة الذات في تجربة تداخلات القلق والشكّ.

ما يتيح للأنامل انتهاك عوالم صوفية ضمن ثالوث العقل والقلب والنفسية،تفرز حراكه الذاكرة الواعية للحظة ما بعد الانتشاء بتعاليم جورج باتاي وثلة من طينته.

" أيها المُحرّك.' دَعْني أَقْصُص عليكَ ما أَمْلَتْهُ الضرورةُ عليَّ وانعَقَدَتْ لهُ راياتُ الجُنُون في القرن الواحد والعشرين،منَ المَيْلِ إلى اليأس، والقسوة ،واللؤمِ راشحًا بطَيْفِ الأقحوان.منَ الميل إلى انْتِهاكِ الأصابع للمَسْكَن المستحيل، المسْكَنِ الممتلئ بالغوايات. ولْيَنْهشْ خيالُكَ بعْدها لحمَ النَّسَقِ، ويُناوِرْ دهاؤكَ حولَ عكّازِ القياس."

كما لو أن الديوان عبارة عن جملة واحدة باذخة تأخذ بتلابيب المتلقي لتهيمن على لبه وذائقته وتدهشه بمنظومة تقنيات وظّفت في سردية شعرية ثم ترصيع جسدها بثلاثة حركات تدليلا على الثالوث المذكور الكامنة أهمية منسوب إشباعه في منح التوازن الشخصي حسب تفاوت معين .

الديوان عن دار الغاوون سنة2012وما مقاربتنا له الآن إلا عربون اعتراف بثرائه الفني والمعرفي وصلاحية مدته المغرية بمزيد من النبش في ما ورائيات ألوانه.

ومما يصطدم بأذهاننا لأول وهلة، ألا كتابة تجبّ ما قبلها مهما حاولنا مترنمين بشحذ ما بحوزتنا من تشذيب لغة و صقل أدوات ممكنة من بلورة معلومة ما وترجمتها إلى لوحة بوح وإن في أقصى حالة مشتهاة قد ينتابنا عبرها الشعور التام بالرضا جراء ما تقترف أناملنا.

إنا إزاء تجربة منطلقة من وإلى العدم/ الموت. دورة كاملة في مسرح كوني أشبه ببيت العنكبوت.

(" أنا أكتب فلأني ميتة..."

على إيقاع غير ودّي تكون الكتابة. التقدم خطوة نحو الكتابة يعني تعرية الموت الذي يسكننا، كذوات ، مجبرة على الانفتاح.

كوننا كذلك. كوننا في الآن نفسه لغة،تعددية منظمة للفكر الكامن الذي يتبع قانون جاذبية من نوع خاص، لمبدأ المحرك الغفل، لا نملك غير جسد ما لا نهاية له من الألياف...

لكم أنتزع كلماتي من دمائي...، من الموت الذي يترصّدني...

أكتب.

هل أكتب فعلا؟

هل أملك أن أدون كتابة وجودية عير متناهية على حدود الذات؟

اللوح.الرَّقش.التدوين.الحرية.الموت في نهاية المطاف.

......

أتكلم عن "تجربة"،

من المتصوفة إلى جورج باتاي،مرورا ب"ساد"، روسو،نيتشه،جبران وحتى آرتو، لم تستنفذ هذه الكلمة كل طاقتها بالنسبة إليَّ.لم تعن لي غير الانفتاح المزمن للفكر على الوجود، الفكر الذي يرفض العقلنة،ببساطة لأنه يجري كما الدماء.لأن الجسد يحيا بالعنف الأخرس،عنف الـ"تجربة".

أن أتعلم الصرامة والقسوة في اختيار الكلمات.

أن أفكر بلا استسهال في الوجود واللغة.

أن أكتب ،وكأني لم أكتب مطلقا.

أليس هذا ما أحاوله هنا؟

أليس هذا ما أحاوله دوما؟)

أولى الحركات للجسد في طقوس تأملاته من زاوية ثقافة الملهاة الإلهية منبثقة من جدلية الغيبي وعبور مستويات تحفيز المخيال على تفجير أسئلة واستنطاقات ضمن لغة إيروتيكية تتغيا صياغة صوفية للتقاطعات الفكرية الوجودية تعالج أو بالأحرى تحاول تشخيص الراهن المنعقدة له رايات جنون جلد الذات.

"بالنظر إلى الملهاة الإلهية فأنا أجادل من لستُ أراهُ رجما بالغيب لا تثنيني قهقهاته المتفصّدة من أوردة الخيال ولا خيوطه المندلقة ُ فوق الأكباد من بلغم وصفراء،أخلاط العماء في السجال غير المتكافئ سجال المعلوم المجهول،سجال الفاكهة بالنسبة للمتواري خلف غمامات خلف إجاصات أرفع وأشهى من خلاصة الحيرة،سجال نبوءة عليها أختام الدم،إرث الهذيان،اللعنة اللانهائية،منحدر الذات إلى الكناية،جوهر الإمرة بالسوء،فوق أوراق الدّفلى يتعالى الجدال،يشتدّ احتراقي بنار الحرف برجم الرعد،لانحيازي إلى أعراضي الهَيولى،مشقّقا الفكر كدُمّلٍ."

ثانيا الحركة النفسية التي تؤطرها الرؤية من خلال الموت أو النبوءة وهاجس الخلود. وربما مقارعة وهم بآخر أفدح منه مغر بأقنعة التأريخ لمغامرة البحث عن الحقيقية.

"أنحو إلى تاريخ

أبحثُ فيه عن حقيقةٍ ـ

لا تشبهُ الحقيقة

تحادي الموج في صمت

قبل مجيء الطوفان

تصحبُ رقصي رغم الألم

والقَناعات أو الحوافز القوية أو الواهنة

وإن كنت عبثا أغالب ضحكا لا يستطيع أن " يغيثني من الله" كما قال الحلاج.

أيقوناتُ رمادٍ

صدئة

قبضة كلمات شائخة

تغلّ أقدامي

تطاول أشجارا تتمادى

بحلقي

يدٌ غريبةٌ عني

تتعلّقُ بها أنفاس الغيوم.

سقوف جرجرت جسدي عند تخوم المرئيّ

تكبّلتهُ بدورها.

وشحذت فوقهُ نصالها المُرهقة."

ختاما حركة العقل في حدود لا شعورية وفق انزياحات جوانية تقرأ العالم من داخل الذات .

حنجرة متمرّدة استطاع صاحبها صياغة توليفة مفاهيم مضادة لثقافة الانحدار بالمتلقي إلى درك السلبية كما تروجها بعض الخطابات الديماغوجية الرامية إلى تخدير ممنهج يسمم الوعي الحقيقي بالذات فالآخر فالوجود إجمالا.

في صناعة مزيد من الدمى الطّيعة في أيادي محرّكيها.

"......

المُطَهّرُ يعشقُ آنية في صدري

وأراهُ منتشيا بِدُوَارِه

واضِعاً المُطْلقَ نُصْبَ عينيه.

صوب جسدي

تُطَهّمُ الخيولُ

وتُرفع البيارق

يُستباحُ في كلّ مرة باسمِ حُروبٍ مقدّسة.

........

ــ العنكبوت: " ها أنتِ ثانيةً في شِباكي.

من حملكِ إليّ:

أهيَ الرياح المُعتكرةُ بالصدفة؟

أم هيَ أفكارُ الحلول والاتحاد؟

أم هو اليأسُ والعدم؟

ــ الفريسة:" هي أمواجي تصطدمُ بالصخر

تتكسّرُ عليهِ

حينا وتعلو فوقهُ حينا

كثيرا يبتلعهما البحر معا.

ــ العنكبوت:" لكن أنا الصخرة وأنا البحر"

ــ الفريسة: " وليكن.'

هل تفكّر الوردة في العاصفة عندما تشتعلُ كينونةً؟

هل أنا حقا في مأزق حلم تتستر عليه الأيادي؟

هل هي جريمةُ يد هذه التي تحرك الدمية في اتجاه الموت؟

........ "                                                                                                                      

الأذن تشتهي قبل العين أحيان. وهذا ما اتفق معه الغرض العام كما رسمته التجربة الرائقة جدا لشاعرنا الذي آثر لشعريته غلبة المكون السمعي على البصري، الوقع المربك للمفردة في قرانها مع ثيمة تناسل معاني العدم.

 

احمد الشيخاوي

 

مَن يأبهُ؟!.. قراءة نقدية لنص الشاعر جواد الحطاب

abdulreda ali(من يأبه؟!) .. نصٌّ فنيٌّ من النصوصِ المغايرةِ المفتوحةِ التي تحتاجُ إلى قارئ جادٍ ـ بكلِّ معنى الجدِّيةِ ـ، فهو ترميزيٌّ شفّافٌ غيرُ مستغلقٍ، صارخٌ مبطّنٌ بالمسكوتِ عنه، لكنَّ هذا المسكوت عنهُ يُراوغُ القارئ بين الحينِ والآخرِ فيشي ببعضِ ما في باطنِهِ من غليانٍ، وسنشيرُ إليهِ بعد قليل.

في هذا النصِّ عتماتٌ كابوسيّةٍ (لمستيقظينَ مصابينَ بوهنِ الاضطراب النفسي) تقومُ على تكرارِ جملة عبثيّةٍ واحدةٍ هي (من يأبه؟!)، وهذه الجملةُ المكرّرةُ قد أغنتِ النصَّ، ومنحته ظلالاً من إيماءاتِ المسكوتِ عنه، علماً أنَّ التكرار يسلِّطُ الضوءَ على نقطةٍ حسّاسةٍ في العبارةِ، ويجعل منها نوعاً من التوازن الدقيق الخفيِّ الذي ينبغي أن يحافظ عليه الشاعر في الحالات كلِّها، لكونها مركز الثقَلِ في القصد. ¹

تقومُ بنيةُ هذا النصِّ على تقنيةِ (الراوي العليم)، وهذا الراوي هو في الوقتِ نفسهِ بطلُ النصِّ، ومحورُ الحبكة الدراميّة فيه، أمّا فلسفةُ النصِّ، أو فكرتُهُ، فإنّها تتلخّصُ في مجيء الشرطةِ لإلقاءِ القبضِ على البطلِ الذي لا يعرفُ له سبباً، وحين يسألُ الضابط عن السبب يُجابهُ بجملة (ومن يأبه؟) دليلاً على أنَّ الضابط نفسه لا يعرفُ السبب، وكأنّ هذه الجملةَ تفصحُ عن قدريّة مفروضة ترفضُ النقاشَ، أو الاستفسار، وحينَ يدقّقُ الراوي بأمرِ القبضِ لا يجدُهُ يحملُ تأريخاً، فيستفسرُ عن غياب التاريخ، فيهمسُ الضابطُ في أذنه (إنهُ أشبه ما يكونُ بيومٍ كهذا) فيرتضي المتهم بقدريّةِ الأمرِ، ويقنعُ نفسهُ بأنه أيضاً لا يأبه بالأيام، لكنّه حين يجدُ أنَّ أمرَ القبضِ هزيلُ الديباجةِ، ودون ضوابط لغويّةٍ من فوارزَ، وتنقيطٍ يشاورهُ الضابطُ أيضاً بجملة (ومن يأبه؟)، ومع تكرارِ هذهِ الجملةِ الكابوسيّةِ، وإذعانهِ لمنطقها اللامنطقِ، فإنّه يستغربُ من أنَّ أمرَ إلقاءِ القبضِ كان خلواً أيضاً من اسم المطلوب، فيشاورهُ الضابط مستهجناً ( من يأبه بخواءٍ بشريٍّ؟ أتظنُّ الأسماء ستعترضُ الشرطة؟!! الأسماءُ بلا معنى) وهكذا يستمرُّ النصُّ بتقديمِ إجاباتِ الضابطِ العبثيّةِ، فيكتشفُ المتلقّي أنَّ هذا النصَّ يريدُ الوصولَ إلى شأوٍ مفادُهُ أنَّ الإنسانَ أضحى بلا معنى، والأمرُ نفسُهُ ينسحبُ على أسماءِ الناسِ بالمحصّلةِ النهائيّةِ، لكنَّ النصَّ يتصاعد في توتّرهِ إلى الذروةِ حينَ يهمسُ الضابط بأذنِ المقبوضِ عليه: (نحنُ بلا معنى).

إنَّ هلوسةِ الأداءِ الحواريّ (الديالوج) في هذا النصِّ تذكّرُنا بهلوسةِ بطل رواية (المسخ) لـ (فرانز كافكا) الذي انتهى إلى عالمٍ لا يمكنُ الخلاص منه إلا بالاستسلام للموت في بالوعةِ الحياة بعد أن تخلّى عنه الجميع، وهي نتيجة مشابهة لعالم هذا المقبوضِ عليه، فهو يخضع لقوانين لا علاقةَ لها بالأخلاقِ، و محكومٌ عليهِ بالموتِ لأنه لا يتلاءمُ مع عالمها المفروض قسراً، وعبثاً كانَ مذهبه في الحياة، لذلك يصلُ إلى نتيجةٍ صادمةٍ تقول: (الخارجُ والداخلُ زنزانةٌ، ومن يأبهُ؟، فالإنسانُ بخدمةِ زنزانتهِ) وتلك هي صرخةُ الأعماق العالية التي يؤصّلُها نصُّ جواد الحطّاب الذكيّ، غير أنَّ المفارقة التي يثيرها الراوي تكمن في تساؤله الذي لم يجرؤْ على البوح به للشرطة (وكدت أسأل: هل ستضعون على شاهدتي رقما؟!! . .. ومن يأبه،سيقولُ الضابط).

لقد أرادَ بطل النصِّ أن يكونَ أبيقوريّاً كـ(زوربا اليوناني) يُحبُّ الحياة، ويسعى إلى ذكر الفرح في أشد حالات حزنه، ففكّر بالهجرةِ إلى اليونانِ، لكنَّ إلقاءِ القبضِ عليهِ حال دونها، وهو هنا يُشيرُ بإيماءةٍ ذكيّة إلى ما كان قد حصل للمهاجرين حين ابتلعهم بحر إيجة قائلاً: (قلت لنفسي: حسنا فعلتُ فأنا يقلقني دوارُ البحر وانتوني كوين، لم يتعرّ في ساحل إيجة ) وهي إيماءة ذكيّة أخرى إلى أنَّ المهاجرين الذين يموتون عرايا في بحر إيجة ليسوا أميركيين، أو مكسيكيين ² .

 

أ.د. عبد الرضا عليّ

..................

إحـــــالات

(1) ينظر : نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر ص: 275 ـ 276.

(2) لأنَّ (أنتوني كوين) كان أميركيّاً مكسيكيّاً.

 

للاطلاع على النص

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2016/902443.html

 

أسلوبية الرواية.. مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي

jamil hamdaouiيعد أحمد المخلوفي[1] من أهم الروائيين المغاربة الذين تمثلوا الكتابة التخييلية في إبداعاتهم، كما يتجلى ذلك واضحا في روايته (جبل العلم)[2]…وهذه الكتابة معروفة عند ثلة من المبدعين الروائيين المتميزين وطنيا وعربيا، أمثال:بنسالم حميش[3]، وأحمد التوفيق[4]، والميلودي شغموم[5]، ومبارك ربيع[6] ، وجمال الغيطاني[7]، و محمود المسعدي[8]، ورضوى عاشور[9]، وواسيني الأعرج[10] ، وإميل حبيبي[11]، ورجاء محمد عالم [12]...

وما يميز رواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي هو تخييلها الصوفي العرفاني المناقبي من جهة أولى، وقالبها البوليفوني الحواري من جهة ثانية، وتأرجحها بين التجريب والتأصيل من جهة ثالثة. ومن ثم، فهدف دراستنا هو رصد هذه الجوانب الثلاثة في الرواية، مع استجلاء مظاهر الحداثة والتجديد في هذا النص السردي المتميز.

هذا، وقد اخترنا أسلوبية الرواية مقاربة نصية إجرائية، ومنهجا في القراءة والتحليل والتقويم، مادامت هذه الرواية، في جوهرها، حوارية وديالوجية وبوليفونية.

ومن المعلوم أن الأسلوبية (Stylistique) هي دراسة الأسلوب دراسة علمية، في مختلف تمثلاته اللسانية والبنيوية والسيميائية والهرمونيطيقية[13]. وتعد الأسلوبية أيضا فرعا حديثا من فروع اللسانيات إلى جانب الشعرية والسيميائيات والتداوليات، وتهتم بوصف الأسلوب بنية ودلالة ومقصدية. ويعني هذا أنها تختلف عن البلاغة الكلاسيكية ذات الطابع المعياري التعليمي التي كانت تهتم بالكتابة والخلق والإبداع، وتجويد الأسلوب بيانا ودلالة وسياقا وزخرفة، وتقدم للكاتب الناشئ مجموعة من الوصفات الجاهزة في عملية الكتابة، وتنميق الأسلوب بلاغة وفصاحة وتأثيرا. ومن هنا، فإن الأسلوبية هي دراسة الأسلوب في مختلف تجلياته الصوتية والمقطعية والدلالية والتركيبية والتداولية. وبالتالي، تهتم باستكشاف خصائص الأسلوب الأدبي وغير الأدبي، مع جرد مواصفاته المتميزة، وتحديد مميزاته الفردية، واستخلاص مقوماته الفنية والجمالية، وتبيان آثار ذلك كله في المتلقي أو القارئ ذهنيا ووجدانيا وحركيا. ويعني هذا كله أن الأسلوبية تهتم بالأجناس الأدبية، وصيغ تأليف النصوص، والتركيز على الأساليب اللغوية الخاصة لدى مبدع ما، وتدرس أيضا أنواع الأساليب التي يستثمرها الكاتب أو المبدع على حد سواء.

هذا، ويعد ميخائيل باختين من أهم المؤسسين لأسلوبية الرواية ، فقد خصها بمجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، ومن أهم ما وصل إلينا من ذلك( شعرية دويستفسكي) [14]، وكتاب(إستيتيقا الرواية ونظريتها)[15]، و( الماركسية وفلسفة اللغة)[16]. بيد أن ثمة دراسات أخرى أشارت إلى هذه الأسلوبية الروائية والبوليفونية، بشكل من الأشكال، ومن بين هذه الدراسات ما كتبه تشيتشرين في دراسته المطولة تحت عنوان( الأفكار والأسلوب، دراسة في الفن الروائي ولغته)[17]، وف. ف. فينوغرادوف في كتابه (حول لغة الأدب الفني) الصادر في مسوكو سنة 1959م[18]، ول.جروسمان في كتابه (طريق دويستفسكي) [19]، وأوتو كاوس في كتابه(دويستفسكي ومصيره)[20]، وف.كوماروفيتش في كتابه (رواية دويستفسكي (المراهق) بوصفها وحدة فنية)[21]، وب.م.إنجلجاردت في كتابه( رواية دويستفسكي الإيديولوجية)[22]، وف.لوناجارسكي في مقاله(حول تعددية الأصوات عند دويستفسكي)[23]، وف. كيربوتين في (ف.م.دوستويفسكي)[24] ، وب.ف.شكلوفسكي في كتابه (مع وضد.ملاحظات حول دويستفسكي)[25]، وب.أوسبنسكي في كتابه (شعرية التأليف)، حيث يقول عن البوليفونية الإيديولوجية:" عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة، يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[26]

ومن أهم الدراسات الغربية الحديثة حول الأسلوبية الروائية والبوليفونية ما كتبه تزفيتان تودوروف (T.Todorov) تحت عنوان(ميخائيل باختين والمبدأ الحواري)[27]، وما كتبته أيضا جوليا كريستيفا من دراسات تشير فيها إلى التناص الحواري، كما في كتابها( السيميوطيقا)[28]...

وإذا انتقلنا إلى الدراسات العربية في مجال أسلوبية الرواية ، فنستدعي- في هذا الصدد- دراسة حميد لحمداني تحت عنوان(أسلوبية الرواية)[29]، ودراسة سيزا قاسم (بناء الرواية)[30]، ودراسة محمد برادة (أسئلة الرواية وأسئلة النقد)[31]، ودراسة عبد الحميد عقار (الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب)[32]، ودراسة عبد الله حامدي (الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة)[33]، ودراسة الحبيب الدائم ربي (الكتابة والتناص في الرواية العربية)[34]، ودراسة إدريس قصوري (أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ)[35]...

بيد أننا لم نتوقف عند الطابع الأسلوبي للرواية فحسب، بل انفتحنا - قدر الإمكان- على المقاربة السوسيولوجية للوسيان غولدمان (Lucien Goldmann)، بتبني تصوراته النظرية، وتمثل مصطلحاته الإجرائية ، مثل:البطل الإشكالي، والوعي الزائف، والوعي الكائن،والوعي الممكن، ورؤية العالم...

إذاً، ما مظاهر التخييل العرفاني في رواية (جبل العلم)لأحمد المخلوفي؟ وما أهم تجليات القالب البوليفوني في هذه الرواية بنية ودلالة ووظيفة؟ هذا ماسوف نستجليه في كتابنا المتواضع هذا.

 

الدكتـور جميـل حمـداوي

.......................

[1]- أحمد المخلوفي كاتب مغربي من إقليم الحسيمة، كان مفتشا لأطر التعليم بمدينة تطوان في مادة اللغة العربية، كتب القصة والرواية باقتدار كبير.ومن أهم كتاباته: بوابات محتملة، وقبر في طريفة، ودلائل العجز، وحلم كاتب، والموناليزا، وانكسار الريح، ومدارات الغربة والكتابة، ووجع الأقاصي المنسية، وجبل العلم...

[2]- أحمد المخلوفي: جبل العلم، منشورات مكتبة أم سلمى، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2015م.

[3]- بنسالم حميش: مجنون الحكم، دار رياض الريس، لندن، 1990م؛و العلامة، دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1997م.

[4]- أحمد التوفيق: جارات أبي موسى، منشورات دار القبة الزرقاء، الطبعة الثانية، سنة2000م.

[5]- الميلودي شغموم: الأبله والمنسية والياسمين، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1982م

[6]- مبارك ربيع:بدر زمانه، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1983م.

[7]- جمال الغيطاني: الزيني بركات، دار الشروق، القاهرة، مصر، بيروت، القاهرة، الطبعة الأولى ، 1989م.

[8]- محمود المسعدي: حدث أبو هريرة قال...، سلسلة عيون المعاصرة، دار الجنوب للنشر، تونس، طبعة 2000م.

[9]- رضوى عاشور: ثلاثية غرناطة، دار الشروق، القاهرة، مصر، الطبعة الثالثة 2001م.

[10]- واسيني الأعرج:نوار اللوز، تغريبة صالح بن عامر الزوفري، دار الحداثة، بيروت،لبنان، طبعة 1983م.

[11]- إميل حبيبي:الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل أوالمتشائل، دار ابن خلدون، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1974م.

[12]- رجاء محمد عالم كاتبة سعودية لها روايات تراثية وتخييلية عدة، مثل: طوق الحمام، وسيدي وحدانة، وستر، وحبى، وموقد الطير، وخاتم، وطريق الحرير، وأربعة- صفر...

[13]- تعني الهيرمونيطيقا الشرح والتفسير والتأويل.

[14] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[15]- M. Bakhtine: Esthétique et théorie du roman, Gallimard, Paris, ED.1978.

[16] - ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[17] - أ.ف.تشيتشرين: الأفكار والأسلوب دراسة في الفن الروائي ولغته، ترجمة: د.حياة شرارة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، العراق، طبعة 1978م.

[18]- ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:396.

[19] - ميخائيل باختين: نفسه،ص:24.

[20] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:27.

[21] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:30.

[22] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:32.

[23] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:47.

[24] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:54.

[25] - ميخائيل باختين: نفسه ،ص:56.

[26]-B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.11.

[27]- Tzvetan Todorov : Mikhaïl Bakhtine : Le Principe dialogique. Seuil.1981.

[28]- Julia Kristeva: Séméiotiké, pour une sémanalyse, Seuil, Paris, 1969.

[29] - حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

[30] - سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م، صص:177-194.

[31] - محمد برادة: أسئلة الرواية وأسئلة النقد، شركة الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[32] - عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، شركة النشر والتوزيع،المدارس، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م.

[33] - عبد الله حامدي: الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[34] - الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2004م.

[35]-إدريس قصوري: أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، أربد، الأردن، الطبعة الأولى 2008م.

 

للاطلاع على الكتاب كاملا في مكتبة المثقف

أسلوبية الرواية.. مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي / د. جميل حمداوي

 

الشعر يفترض حضورا في مساحات الغياب

wejdan abdulazizكانت السماء صافية، لكن القمر نحيلا يبعث ضياءا لايكاد يغطي مساحة الحضور، كنت منهمكا في هذه اللحظة، اناقش عن بعد ذلك الشاعر، في مكان من غرب القلب العراقي، هو غائب وانا ابحث بحضوره الشعري .. اتفاعل مع (كل هذا الغياب)، وانصت بامعان لنغم (أنــاشــيــد للســيــّدة فــي الــصــالــة)، واعترف اني دهشت ورحت اتبعثر بينها وبين (سـونـيـتـات لـلـسـيـدة فـي الـقـريـة)، انه الشاعرنامق عبد ذيب مع بعض من قصائده المثيرة والمدهشة، والتي توترت بين ثنائية الغياب والحضور، وراحت تبحث عن وجود افتراضي .. وهكذا يكون الشعر والوجود، يقول ابن عربي : "العالم كله حي ناطق من جهة الكشف بخرق العادة التي الناس عليها" ويقول بودلير : "الشعر تجاوز للواقع العيني، فهو ليس حقيقة كاملة، سوى ضمن عالم مغاير وأخروي"، ويقول المعري : "أما اليقين فلا يقين وإنما أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا"، ويقول هيدغر : "الوجود سؤال، لكنه ليس من الموجود في شيء" .. اذن فـ(الشعر والوجود، يشكلان بؤرة رؤيوية تأويلية تعددية تدرك الكينونة بوصفها انفتاحا للموجود، ولذا فما فتئ هيدغر باعتباره باحثا أصيلا في العلاقة التواشجية بين الشعر والوجود، يؤكد "على أن الإنسان لا يستطيع معرفة ما لا يمكن حسابه، أي أن يصونه في حقيقته، إلا انطلاقا من مساءلة خلاقة وقوية تستمد من فضيلة تأمل أصيل، فهذا الأخير يحمل إنسان المستقبل إلى مكانه بين الإثنين: الوجود والموجود، حيث يكون من طبيعة الوجود، والحالة هذه، أن يظل غريبا في قلب الموجود، وهذا المكان هو الكينونة هنا أو الوجود في العالم (الدارين) باعتباره مجالا لدنيا لانفتاح الوجود ولانسجامه واحتجابه في آن معا". وهنا يشير هيدغر إلى هولدرلن بوصفه شاعرا يعرف شيئا بخصوص هذا الموضوع.) وانا اسوق هذه المقدمة، لادخل الى عالم الشاعر ذيب وقلقه المتوتر بين الغياب والحضور، تأسيسا لتأثيث عالم من الحضور الذي ينشده الشاعر في قصائده التي اشرت لها اعلاه .. يقول ذيب في قصيدته (كُـــلُّ هـــذا الــغـِـيــاب):

 

(دونَ انتباه

يغضبُ لوردةٍ مرّ بها عاشقٌ وما سلـّم

ويُخبّىء أحلامَهُ في الصدى

ويتفاجأ بالضحى يتكسّرُ

مثلَ زجاج

ضحى الحدائق ِ الضائعة

وظـُهرِ القصائدِ التي لا تسمعينها

حين كنتِ تمرّينَ ساهمة ً كمَلِكة

وساطعةً كشمسٍ في راية

وغريبةً كقدّيسةٍ تائهة

تمرّينَ فينْخَدِشُ قلبي

بالضوء

بوهْمِ الفتى يُعلـّقُ أيامَهُ في الغياب

كلِّ هذا الغياب

وأنا واقفٌ تحت الشجرةِ الأولى

تلك التي حين سَجَدْتُّ تحتها أخذتني

لروحِها)

 

فهو وسط غياب، ينشد الحضور، والحضور تمثل بروح الشجر النامي، بعلة غيابها كقديسة، لكنها مفعمة بالضوء، وهو حضور اخر كما يتبدى من خلال القراءة، (ان الغياب موازنة نفسية تعمق اداء فعل الذات، فحين تصبح قوانين الخارج الضاغطة اشكالية كبرى تتهجم على خاصيات الفرد البحتة، فان هذا يترتب عليه استبدال موقفي مواجهة لخطورة الهيمنة المتزايدة للمد الخارجي.)ص7، (ويسعى الشاعر بغيابه الى خلق بلبلة بتدمير معتقدات الغياب الموضوعي وبعث الدهشة بالتقاط جوانب داخلية وخارجية مفتوحة على جميع الاحتمالات، فيحل غير المألوف في سياق علائقي يجمع بين الذات والموضوع)ص10 فنتازيا الغياب، وكان ديدن الشاعر ذيب ايجاد دوال من اشياء المحيط، ليكرس الحضور الذي يتصارع مع الغياب الذي يحاصره كل مرة، (إذن فالشعر في جوهره تيه، بقدر ما هو مشروع لا مكتمل لا يتحدد بهدف غائي، تتوقف عنده حركة الشعرية، ومن ثم فهو ضد الحقيقة التي تظهر كموجود يمارس إكراهاته على الكائن الجوهراني الشعري، إن اللاحقيقة في الشعر هي الوجود الأصلاني المنفتح، أو التجلي الأكثر تميزا في تعدديته. فهو دليل الحيوية الناطقة التي تعري إمكانات العالم التخييلية، التي تحدس بالظن، بقدرات الكائن الشعري التنبؤية. والشعر في إحدى إمكاناته واختياراته الكبرى مساءلة حيوية للوجود. فكيف تتحدد هذه المساءلة؟ أو بالأحرى كيف يثير الشعر أسئلة الوجود التي يعيد من خلالها كشف التوتر الحيوي للوجود الناطق؟)، من هذا يبقى الشاعر يتقلقل في مشاهداته المحيطية والتخيلية بقوله:

 

(أجدُ الكلماتِ حائرةً في القيامةِ

تلك الشجرة الأخيرة ما اسمُها

تلك القرية الأخيرة ما اسمُها

ذلك الأبُ الأعظمُ كيف شرّدنا

وأولئك الملائكة ُ لماذا لم يغضبوا

كأنهم يلعبون

كأنّ دمي وردة يقطفـُها العابرون

كأنّ الفتى بلا آلهةٍ يبعدونـَهُ عن الهاوية

حيثُ سقطـَ محدّقا ً

بالرايةٍ تحتضنُ شمسَكِ الساطعة ..

بالشجرةِ وهي تترنـّحُ ..

بالقصائدِ وهي تحاولُ ..

بالملائكةِ وهم يَلمّونَ أجنحتـَهم ..

بالسنين تـُحضّرُ حقائبَها الفارغةَ

من

كلِّ

هذا

الغِياب)

وكأني به لاوجود له الا بالقصائد التي تفتح له عالم اللاممكن، بعلة كينونته داخل (كل هذا الغياب) الممتد وزمنه الافتراضي ...ثم يتهجد في قصيدته (أنــاشــيــد للســيــّدة فــي الــصــالــة) بقوله:

 

(يا لهذا الشعر

تأخذين بيده نحو الأعالي

ولكنه يعودُ دائماً ليختبىء هناك

حيث كفّاكِ بَيْدَرا قمح

حيث شالـُكِ يغطّي الليل

حيث عيناكِ بوابتان للخلود)

 

محاولة منه لانزال عالم الشعر السماوي الافتراضي في عالم الغياب الى عالم الحبيبة، وعيناها التي تمث بوابتين للخلود، (فالشعر ينحو منحى تأويليا فائضا، فحب الحكمة ليس إلا قراءة لا متناهية لوجود لا متناه، ومن ثم يغدو فهم العالم سبيلا لتجريب كينونة المتخيل، هذا التجريب الذي يبدأ من تكسير حدود الواقع الحسي والواقع المعقول أيضا ليلج اختبار الاستحالة. وكما يرى جورج باتاي، فالإمكانية العقلية ليست هي البعد الوحيد لوجودنا، فقد يتاح لنا أن نعيش كل حدث يخصنا في علاقة مزدوجة، مرة نعيشه كشيء نفهمه، ندركه، نتحمله، ونسيطر عليه بربطه في النهاية بقيمة الوحدة، مرة أخرى نعيشه كشيء يخفى عن كل استعمال، وعن كل غاية بل يفلت من قدرتنا على تجربته، لكننا لا نستطيع نحن أن نفلت من تجربته. كما لو أن الاستحالة - تلك التي فيها لا يعود بإمكاننا أن نتمكن منها - كانت تنتظرنا وراء كل ما نعيشه ونفكر فيه ونقوله)، ويبقى شاعرنا ذيب يعيش تقلبات خلجاته الانسانية في البحث ومساحات الغياب التي تحيط به، ليفترض ذلك الحضور الملاذ في جدل وجودي وواحات الشعر التي تغريه في مواصلة البحث، سائحا في متاهاته ....

 

(أعرفُ شجرتكِ بين ملايين الأشجار في غابة المطر

أعرفُ كيف تبتسمين لوردتي العابرة

أعرف حين أراكِ بأنني مثلُ أيّ مُريد ٍ

سأكتفي بالتحديق في الأفق

أعرفُ بأنني سأموت قبلَ أن أراكِ

ولكنني سأموت ملتفتاً نحوكِ باحثاً عن روحي

روحي التي ستظل هناك في الأعالي وحيدةً

تحدّقُ بكِ أينما كنتِ ...)

 

ويستمر الصراع بين الثنائيات المتعددة التي طرحتها رؤية الشاعر نامق عبد ذيب ...

 

            

وجدان عبد العزيز

...........................

المراجع:

كتاب (فنتازيا الغياب) م.د.علياء سعدي عبدالرسول /الموسوعة الثقافية رقم76 /دار الشؤون الثقافية العامة ـ بغداد ص7ـ10

 

رواية: تغريبة حارس المخيم للكاتب سعيد الشيخ: انتصار الحياة على الموت

ibrahim alsheaqتتناول رواية "تغريبة حارس المخيم" جزء من الحكاية (المأساة) الفلسطينية التي لا تنتهي، عبر تنقل الكاتب في احداثها ما بين بيروت والسويد وفلسطين على مدى أربعة فصول وثلاثين سنة مليئة بذاكرة تعود الى أيام النكبة الأولى يستحضرها الكاتب كلما أطبقت المأساة في حياة بطل الرواية . تتحدث الرواية عن قصة "يوسف سعد الدين" اللاجئ الفلسطيني الذي يسكن في مخيم شاتيلا ويعمل كحارس لهذا المخيم وتلحقه اهوال المجزرة البشعة التي اقتُرفت بحق سكان مخيمي صبرا وشاتيلا من اللبنانيين والفلسطينيين عام 1982.

هي رواية عن الغربة والحنين إلى الوطن. الحنين الى فلسطين حين يكون المكان هو مخيم اللجوء والحنين الى المخيم حين تذهب الغربة عميقا الى اوروبا. وتتناول الرواية أيضا مشاكل الجيل الذي ولد في اوروبا وعلاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه ومدى انتمائه الى وطن الاباء والاجداد، ونلاحظ أن الكاتب حدد موقفه مما يجري من احداث، وهو يدّون جزء من المأساة الفلسطينية من خلال السرد والتطرق الى المفاصل التاريخية للقضية الفلسطينية بعد عام 1982 وخاصة بعد مجزرة صبرا وشاتيلا وصولا الى يومنا هذا.

في هذه الرواية ليس هناك مهادنة مع الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وخاصة ان بعض الكتاب نقلوا ثقافة التطبيع في رواياتهم. وبذلك حافظ سعيد الشيخ على صوته النقي والصادق تجاه قضية شعبه التي تبناها الشيخ منذ بداية مشواره الادبي.

الفصل الأول جاء بعنوان"المجزرة... نياماً جاءتنا الفؤوس" ويبدأ بمشهد فجائعي حيث ينظر بطل الرواية من ثقب صغير ليرى آلات القتل من فؤوس وبلطات وسكاكين وهي تعمل عملها في أجساد والديه واخويه الاثنين الذين فقدهم في هذه المجزرة وكان هو الناجي الوحيد مع زوجته امينة وابنه عمر. يبدأ الكاتب بوصف بشاعة هذه المجزرة وما رأه من دم واشلاء متناثرة وجثث مكوّمة في الشوارع وصراخ الناس في الشوارع والبيوت، وتتوالى الاحداث وتريد امينة زوجة يوسف معرفة ماذا حل باهلها، تذهب مع زوجها لتجد أن عائلتها بالكامل قد أبيدت، وامام هذا المشهد المأساوي تصيح أمينة "يا ويلي، لقد ذبوحوهم كلهم، لم يبق لي أحد"((ص19). ولكن يشاء القدر أن يجدا طفلة أخيها ابنة السنة الاولى من عمرها في حضن أمها ما زالت على قيد الحياة، ويقررا تبني زهرة اسم الطفلة الناجية الوحيدة من عائلة امينة.

بعد المجزرة أخذت تتراءى ليوسف هيئة رجل مكتسٍ بالبياض، هو الطيف الذي يظهر بين حين وآخر، يراه متكئا على عصاه ولا يكلمه، ويتساءل لماذا يظهر له دون سواه وما هو سر ذلك الرجل الابيض، وبعد ذلك سنعرف انه وجه جده الذي مات ايام النكبة في فلسطين.

بسبب إختلاط الأشلاء يقرر رجال الانقاذ وضعها في مقبرة جماعية، عندما يعرف يوسف الأمر يقول" كم مقبرة جماعية أيها الجسد، يا جسد الفلسطيني المقطّع... شريدا تمضي في الحياة، واللحّد لا يلمّ مماتك كما هيأك الخالق، كأنك مختبر للوحشية، مسيح العصر" (ص30) عند عودة يوسف وامينة وطفليهما من زيارة المقبرة الجماعية ، يتذكر يوسف عمته ربيعة الارملة التي تسكن وحيدة في نفس المخيم ويقرر مع زوجته تفقدها ليريا ماذا حل بها، ويتبين انها نجت هي الأخرى من المجزرة، تسأله عن اهله ويسرد لها ما حدث لهم ويتشاركون اللوعة على ما حدث.

على أثر المجزرة يسرد لنا الكاتب زيارة الوفود المحلية والدولية للمخيم لتفقد ما حصل، ومن ثم تأتي بعثة هيئة دولية تبحث عن ناجين من أجل تسفيرهم الى أوروبا ان ارادوا، فيقرر يوسف سعد الدين تسجيل نفسه مع افراد عائلته، ويصف الكاتب زحام الناس في طوابير من أجل الهجرة، ينتهي الأمر بسفر يوسف وعائلته الى السويد.

أما الفصل الثاني تدور احداثه في السويد، وهو بعنوان "أيها الثلج.. كيف الشقاء في بياضك؟" هي الهجرة الثانية ليوسف سعد الدين الذي هجّر صغيراً مع اهله من بلدة "صفورية" في الجليل.

تبدأ أحداث الفصل بوصول يوسف سعد الدين مع عائلته الصغيرة فجر الخامس عشر من شباط عام 1983 الى مطار" أرلاندا" في ضواحي ستوكهولم، يكون بانتظارهم هناك موظف من دائرة الهجرة السويدية وبصحبته مترجم حيث ينقلون الى مسكن يجدون فيه كل احتياجاتهم، وبعد ذلك تبدأ اجراءات ومعاملات الاقامة، وبعد اسبوعين تقبل إحدى البلديات في جنوب السويد استقبال عائلة يوسف ويصبح لهم بيت مؤلفا من ثلاث غرف، في هذا البلد البعيد اصبحوا ينعمون بالطمانينة والهدوء كباقي البشر، يقول يوسف واصفاً الحال بعد ذلك " حياتنا التي أراد الجزارون دفنها بين ردم المخيم، وانسانيتنا التي ارادوا لها ان تنشطر الى أشلاء مبعثرة ومعطوبة بلا روح في نيران المحرقة، نشعر أنها تنبعث في أعماقنا من جديد، وتتلملم في بوتقة كائننا الانساني"(ص72 ).

بعد ذلك يبدأ يوسف بالتعرف على المدينة التي تقع على ساحل البحر، وفي يوم من الايام بينما كان يوسف يمشي وحيدا في شوارع المدينة يمر بمقهى فيجد داخله "مصطفى"، وهذا هو المترجم الذي كان يرافق يوسف إلى دوائر البلدية والعيادات، فتنشأ بينهما صداقة قوية يجمعهم الهم الوطني والانساني، فمصطفى من طولكرم ويقيم في السويد منذ سنوات طويلة، يعيش وحيداً، ونعرف من حديثه الى يوسف بأن زوجته السويدية قد تركته واخذت معها طفلهما الذي لم يره منذ وقت طويل.

بعد ثلاث سنوات يبدأ عمر وزهرة الذهاب الى الروضة، وأثناءها يرزق يوسف وأمينة بابنة يسميانها "منى". وتتواصل الاحداث، و في احدى اللقاءت مع مصطفى في المقهى يرى يوسف ان مصطفى متجهماً وينظر في جريدة امامه يقع نظره على المانشيت"اشتعال حرب مخيمات في بيروت" بالرغم من البعد فان الانسان يبقى حاملا هموم وطنه وشعبه هذا ما كان الكاتب يريد ايصاله لنا.

وتبدأ رحلة البحث عن عمل حيث يعمل يوسف كحارس على الدراجات الهوائية، وحطابا في غابة ومزارعا في الحدائق من اجل تـأمين لقمة العيش للعائلة. تفاصيل كثيرة يعيشها يوسف مع عائلته، المدرسة والاولاد، الطعام في بلد اجنبي، الصلاة ، الحجاب الذي تقرر أمينة وضعه على رأسها بعد ان كانت طوال الوقت دون حجاب، وينشئ يوسف ومصطفى جمعية للجالية العربية الآخذة بالتزايد في هذه المدينة، ولكن تنتهي بالفشل بسبب الخلافات ما بين أعضاء الجالية. كأن بالكاتب يريد الاشارة الى الواقع العربي أينما حل.

تنقلنا احداث الرواية الى انطلاق الانتفاضة الاؤلى التي يحتفي بها ابناء الجالية العربية والوفود اليسارية من الاحزاب السويدية، يذهب يوسف مع ابنه عمر، اثناء الحفل يتلقى يوسف اتصالا بوجوب الذهاب إلى البيت لأن امينة تواجه آلام المخاض، يأخذ يوسف زوجته الى المستشفى وهناك تولّد طفلا ويطلق عليه اسم بلال.

هنا يذهب الكاتب بالاحداث سريعا ويتوقف بها عند اتفاقات اوسلو التي يرى فيها البطل ضياع للحقوق الفلسطينية ويطلق عدة مواقف تنم عن معارضته لها، وهنا تطرح الرواية الكثير من الاسئلة : هل ستتيح الاتفاقيات عودة اللاجئين الفلسطينيين الى وطنهم، هل تنتهي الغربة، وهل الجنسية السويدية التي يحملها البطل تعني عدم الشعور بالمنفى؟ وربما يريد الكاتب ان يوصل لنا ما يظنه حول هذه المسألة "فإن هذا المنفى لم يكن نهائياً، ولا يمكن المراهنة عليه كنهاية الرواية، وعلى سطوته لن يشكل ممحاة نهائية للذاكرة الجمعية"(ص125).

في الفصل الثالث من هذه الرواية الذي جاء بعنوان"الهاوية.. حين اشتعال النيران في الثياب" تدور احداث هذا الفصل ايضا في السويد بعد ان يكبر الأبناء (عمر، زهرة، منى وبلال) وهنا ستظهرالتناقضات والمشاكل التي يعيشها الجيل الجديد. الأب يريد الحفاظ على العائلة في هذا المجتمع الذي تختلف فيه القيم عن القيم التي تربى عليها جيل يوسف. وتبدأ مشاكل يوسف وأمينة من جهة ومع اولادهما الذين يعانون من وجودهم بين ثقافتين مختلفتين. وهذه المحافظة تودي بيوسف دخول السجن بعدما ترفع عليه ابنته دعوى اساءة معاملتها.

 

من محاسن التكنولوجيا ان يصبح الفلسطينيون على تواصل مع بعضهم بعدما فرق الاحتلال فيما بينهم. عائلات بأكملها توزعت بين الوطن والشتات بات يجمعها الفيس بوك والمسنجر وبقية وسائل الاتصال الاجتماعي. وتبدأ عائلة يوسف بالاتصال والتكلم مع عائلة ابن عمه سليم في الناصرة لتقوم أعراس البكاء بين أقارباء لم يلتقوا أبداً في حياتهم .

ضربات عديدة يتلقاها يوسف في منفاه السويدي، تترك جروحا في نفسه يصعب دملها، فبعد الضربة القاسية التي وجهتها له ابنته "منى" التي تخجل من اسمها وجعلته "مالين سالدين" ومن انتمائها للتابعية الفلسطينية العربية المسلمة، تأتيه الضربة الثانية من ابنه بلال، الذي خرج صباحا إلى مكان دراسته ولم يعد الى البيت في المساء ولا في اليوم الثاني والثالث، وبدأ يوسف مع ابنه عمر البحث عنه لكن دون جدوى، حتى يُستدعى يوسف الى مركز المخابرات السويدية ليتضح له ان بلالاً ذهب الى سوريا لينضم الى "داعش". ولا يخلو هذا الفصل من تدخل الكاتب والتعبير عن آرائه الشخصية بأن هذه الحرب ليست حرب الفلسطينيين، وان هذا الربيع العربي لم يحقق الرجاء وانما البلاء، وان الجهاد الحقيقي هو من أجل فلسطين المغتصبة.

تدور احداث الفصل الرابع في فلسطين وجاء بعنوان"انتفاضة الاطياف.. حينا مضينا الى الشعاع" يطالعنا هذا الفصل الاخير من الرواية بسفر يوسف برفقة زوجته بدعوة من إبن عمه سليم الى فلسطين بلد الاباء والاجداد، وتلقي الرواية الضوء على الاجراءات الامنية المشددة على المسافرين المتوجهين الى تل أبيب، وهنا يتساءل يوسف" لماذ الإسرائيلي يظل خائفاً، يهجس ويشك في كل الناس؟ هل لأن وجوده في فلسطين يقوم على جريمة قائمة" (ص214 ).

يذهب يوسف الى قريتة صفورية في الجليل حيث ولد، والتي محاها الاحتلال عن الوجود، وهناك تكون المفاجاة... هناك في قرية صفورية ما زالت بعض الاحجار شاهدة على وجود هذه القرية وعلى ان أناس كانت تسكن هنا لهم بيادرهم ومزارعهم التي ينمو فيها التين والزيتون والملوخية الأكلة المحببة للصفافرة، ويستذكر يوسف حكايات الاهل عن اطياف بيضاء كانت تظهر عند غسق الليل، وعن حياة كاملة دفنها الاحتلال ها هنا تحت التراب.

المفاجأة التي تمثلت اثناء الزيارة هي بتناهي أصوات هدير آليات ثقيلة، ويتضح بعد ذلك ان جرافات الاحتلال كانت تستهدف إزالة القبور من "مقبرة الاشراف"، اثار هذا المشهد حنق كل من سليم ويوسف، سليم أشار بوجوب مغادرة المكان، ولكن يوسف وزوجته التي تمسك بذراعه بقيا في المكان. وفجأة، يجدان انفسهم في وسط ظلمة يسمعان ارتطام الحديد بالارض، وبعد انقشاع الظلمة ينكشف المكان عن بياض باهر ورؤية الجرافات وقد تحولت الى حطام وكأن قوة الهية قد تدخلت في هذه اللحظة، وفي وصف هذا المشهد الغرائبي يقول يوسف" بدأنا نشعر بأننا نمشي بين أطياف قامت للتو من موتها لتدافع عن تربتها وقبورها، أصبحنا لا ندري إن كنا بين الاطياف من الاموات أم من الأحياء"(ص261).

وتستمر المشاهدات الغرائبية، في هذه اللحظات يرسل جيش الاحتلال آلة القتل من طائرات ودبابات وجنود ويطلقون النار على البياض، لكن تتحلل الصواريخ وتذوب فيما البياض يعم وينتشر.

" ثمة ملائكة في السماء ترسل فيروساً إلكترونياً يخترق آلة القتل وينزل بها فتكاً. ثمة عقاب تنزله محاكم السماء على قوم تجبروا وسفحوا دماء الاخرين "(ص263).

لقد إختار سعيد الشيخ، أن يسرد بصوت ضمير المتكلم وبأسلوب السيرة الذاتية، التي من خلالها نرى الأشياء من زاوية واحدة، وهي زاوية الراوي في سياق المنولوج الداخلي أي مخاطبة الرواي للقارئ مباشرة. أما الحوارات تميزت بقصرها لتؤدي الهدف المطلوب في إيصال الأفكار، وقد اعتمد الكاتب تقنية السرد المتتابع للأحداث وحافظ على متانة القص ومساراته دون الاقتراب من اللهجة العامية الا فيما ندر حيث ظهرت العامية الفلسطينية في الاغنيات الشعبية التي يرددها الفلسطينيون وهي جزء من تراثهم المحفور في الذاكرة .

 

ابراهيم الشيخ

كاتب فلسطيني

اراء نقدية حول رواية "طائر الحوم" لحليم بركات

عدت اكثر من مرة لمقال عالم الاجتماع حليم يركات بجريدة الحياة حول مفهوم او حول النقد، وبشكل ادق النقد الصحفي ان جاز التعبير، او النقد الذي يكتب حول الاصدارات الادبية والابداعية العربية في الجرائد والصحف والمجلات، او حتى الكتب السياسية الجديدة، انه بلا شك من نوع النقد غير المتخصص؛ لانه يهدف الى تقديم الكتاب الى القاريء ولفت انتباهه الى اهميته او تميزة او الى الاستمتاع والفائدة من قراءته. كنت وما ازال اعتقد بان حليم بركات له طريقة فريدة بمشاركة القاريء لافكاره وفلسفته؛ لانه لا يكف عن عرض الاسئلة على القاريء في محاولة لمشاركته بالافكار او النتائج التي يريد ان يصل اليها، سواء اتفق معه ام اختلف. وهذه الطريقة بثارة الاسئلة، وبكثافة احيانا، تجعل من القاريء مشاركا حقيقيا بانتاج الافكار والتخيل والنقاش الذاتي، والوصول الى نتائج ام لا ليس ضروريا؛ مادام الكاتب يشارك، بهذه الطريقة، القاريء في محاورته بطريقة تتسم بالانفتاح والمرونة؛ لان اثارة السؤال بحاجة الى من يجيب عليه، والمعني في هذه الحالة القاريء؛ لان الكاتب، هنا، لا يعطيه اجابات او غير معني بها في اكثر الاحيان .

عدت الى المقال اكثر من مرة؛ لان دكتور حليم بركات تناول في مقاله بجريدة الحياة نماذج من نقد الصحف والمجلات، من ضمنها مقال لي حول روايته "طائر الحوم"، عن بلدته "كفرون" بلبنان كانت الرواية ملغومة بالاسئلة التي تميل بشدة، او تكاد، تكون اسئلة فلسفية بالدرجة الاولى، مما دفعني للتساؤل عن هوية العمل الادبي ان كان رواية ام لا؟ لان فيه جميع عناصر الرواية ولكن بلغة مختلفة عن السائد. اما بناؤها فلم يكن تقليديا تعتمد بؤرة جاذبة ان صح التعبير للاحداث والشخوص. احداث تجري بشكل مشتت او غير منظم او تقليدي، كحومان الطائر بارتفاعاته واستداراته وهبوطه وصعوده، او لعبه في فضاء مفتوح على افاق واسعة تبدو غير محددة بافاقها وانفتاحها، مع اسئلة تثير القاريء وتدعوه للمشاركة بتقديم اجابات ذاتية تتعدى قراءة العمل كمنتج ادبي او ابداعي وروائي.

يقول الدكتور حليم بركات في مقاله بجريدة الحياة : "يبدأ قيس العذاري مراجعته لطائر الحوم في جريدة "القدس العربي" بتاريخ 28/4/1992 بقوله انها "تثير... السؤال عن طابع الرواية... فمركز الرواية او بؤرتها - مع اشارة الى خلوها من عقدة مركزية - حيث تتجمع الجزئيات والاحداث... وتحشد شتات الاحداث من امكنتها المختلفة - بمقام العقدة - وتستقطب التفاصيل حول هيكلية عامة". ويرى الياس حنا الياس في "اليوم السابع" بتاريخ 26/6/1989 ان السرد "لا تتراسل عناصره لتؤلف فضاء روائياً متشابك الابعاد"، فلا يتحول "طائر الحوم" الى "نقطة جذب محورية" أو "الى عمود فقري تتشكل من حوله الرواية" فلم تنشأ "علاقة مد وجزر بين الاجزاء، علاقة تجاذب وتلاقح". ويتساءل محمد معاطي في "الموقف الادبي" 26/3/1990، "هل يمكن ان يضع هذه الرواية في خلية الادب ام لا... واذا كان هذا العمل رواية أم لا؟"

هذه الاراء ان صحت ان نسميها نقدية، اضافة الى اراء نقاد اخرين تناولوا الرواية من زوايا مختلفة، تجمع على ان طائر الحوم ليست رواية مألوفة او تقليدية في الوسط الثقافي والادبي العربي ويمكن تسميتها "رواية فلسفية" بامتياز، لاتعتمد البناء التقليدي للرواية، سواء العربية منها او الأجنبية، وهذه لصالح الرواية وتميزها عن باقي الاعمال الروائية السائدة. واعتقد ان الاسئلة الفلسفية التي تخللت الرواية بكثافة احيانا لعبت دورا بالتشكيك بهوية العمل الادبي او جنسه، ان كان رواية ام لا؟. واذا عرفنا بان الروائي، عالم اجتماع بالدرجة الاولى، تزول غرابة السؤال؛ لان علم الاجتماع من الفروع الفلسفية الاساسية، او نتج وتشكل كعلم مستقل من الفلسفة وتطور في كنفها .

ولقد اثار الروائي في مقاله جملة من الاسئلة المهمة لا يمكن الاجابة عليها، او لا يمكن الحصول على اجابات متشابهة بخصوصها، سواء بالنسبة للناقد او القاريء او الروائي نفسه او المبدع بشكل عام. ولكن من بين هذه التساؤلات يوضح التساؤل الاتي لنا رأي دكتور حليم بركات بمجمل الاعمال الابداعية او المنتج الابداعي العربي بجميع اجناسه، فيقول في المقال نفسه بجريدة الحياة: "هل يلتقي اذن هدف الكتابة بدافع القراءة فنقول انهما قبل اي شيء آخر التشويق والتماهي والتحريض على الابداع في اطار عملية التواصل من اجل المساهمة في خلق وعي جديد؟ واذا كان الامر كذلك أليس من مهمات الكاتب ان يهدم الحواجز بين الرواية والقصيدة والسيرة الذاتية، وبين النثر والشعر؟". وهو اقرار ضمني من الروائي ان رواية "طائر الحوم"، كما شخصها اكثر من كاتب وناقد، تدخل في اطار الروايات العربية غير التقليدية او السائدة، وهو حكم بصالح الرواية، وان شكك بهويتها لتميزها واختلافها عن المألوف؛ لان رواية "طائر الحوم" تدخل ضمن الاعمال الادبية التي تختفي فيها الحواجز بين "الرواية والقصيدة والسيرة الذاتية، وبين النثر والشعر؟" على حد قول الروائي في المقال نفسه.

والواقع ان دراسة رواية "طائر الحوم" يجب ان لا تقتصر على الشكل الادبي او جنسه؛ لانها من الروايات الجديدة والمميزة، وان كانت مشتتة او لا تخضع لبناء العمل الروائي التقليدي او السائد. وهذه من المواضيع القديمة الجديدة وما زالت على طاولة النقاش والبحث، اذ لم تعد هوية العمل الابداعي ذات اهمية كبيرة بقدر تجاوزه لاشكال الكتابة التقليدية او المتداولة، واثبات حضوره كعمل ابداعي جديد ومميز، وهو ما ينطبق على رواية :"طائر الحوم" بشكل واضح يتجاوز الاطر التقليدية او السائدة.

واعتقد ان النقاشات والبحوث بشأن الاعمال الابداعية، سواء كانت نثرية او شعرية ستستمر، رغم تشابك المصطلحات الادبية واستعمالها بشكل اعتباطي احيانا، وظهور مدارس واختفاء مدارس، يظل العمل الابداعي باقيا بغض النظر عن جنسه او شكله او هويته، اذا ارتقى الى مصاف الاعمال الابداعية الحقيقية، وهو ما يفسر اختفاء اسماء واعمال ادبية سابقة وبقاء بعضها رهن القراءة والتدول؛ والسبب بسيط وواضح، ان هذه الاعمال تحمل سمات الابداع والتميز عكس الاعمال الادبية التي تظهر، وتختفي بسرعة البرق؛ لانها في الواقع بدون محتوى ابداعي جديد ومميز، ولا تحمل صفة الاعمال الابداعية الحقيقة، التي تؤهلها للاستمرار او البقاء رهن التدوال والقراءة في مختلف الاجيال والعصور.

قيس العذاري

..................

المصادر:

انطباع الناقد وانطباع القارئ : تجربة رواية "طائر الحوم"، جريدة الحياة : حليم بركات

للاطلاع على مقال الروائي حليم بركات

 

انطباع الناقد وانطباع القارئ : تجربة رواية "طائر الحوم"

الكاتب: حليم بركات

يمكن النظر الى الرواية على انها نسق من العلاقات بين الكاتب والقارئ، بالدرجة الاولى، والتي تشمل، بالاضافة الى ذلك، الناشر والناقد.

وكي نفهم هذه العلاقات وكيف تشكل نسقاً خاصاً وجنساً أدبياً متفرداً، لا بد من النظر اليها على انها تواصل في سبيل تحول الوعي في اطار التحولات التاريخية والمجتمعية.

ولما كنت قد كتبت مقالة سابقة حول دوافع الكتابة، فانني اريد في هذه المقالة ان اتناول دوافع القراءة بالتركيز، من موقع الكاتب، على الفروقات كما لمستها شخصياً بين بعض نقاد الادب في الصحافة العربية والقارئ العادي. ومن أجل أن أتمكن من تناول هذه الفروقات على المستوى الحسي وليس على المستوى المجرد والضبابي، يهمني هنا ان أركز على ردود الفعل لروايتي "طائر الحوم" التي كنت قد نشرتها عام 1988 عن دار توبقال في المغرب. أريد ان أفعل هذا لأنني لمست فروقات واضحة في ردات الفعل ودوافع القراءة عند الناقد والقارئ العادي.

بعد أن اطلعت على عدد من المراجعات في الصحف والمجلات وتسلمت بعض الرسائل حول روايتي المذكورة اكتشفت فروقات أساسية في ردات الفعل بين الناقد الادبي وخاصة اولئك الذين يكتبون مراجعات للصحف والمجلات العربية وبين القارئ العادي، وأدركت انه من خلال تناول هذه الفروقات يمكننا ان نتعرف الى التنوع في دوافع القراءة. وفي تناولي لدوافع القراءة في هذا المقال بعد ان تناولت سابقاً دوافع الكتابة، ربما يمكنني ان ألقي بعض الضوء على طبيعة الرواية العربية كنسق من العلاقات والادوار في عملية التواصل الثقافي في الحياة العربية المعاصرة.

كيف يتعامل الناقد الادبي العربي مع الرواية وماذا تعني له وكيف يفهمها ويتعامل معها ويقدمها لبقية القراء وماذا يهمه منها بالدرجة الاولى؟ هل تهمه الموضوعات؟ هل يهمه الشكل الفني؟ كيف يفهم الشكل الفني؟ كيف ينظر للفروقات بين الاجناس الادبية؟ ما المقاييس التي يستخدمها؟ هل هي مقاييس ثابتة أم متطورة، مرنة أم صارمة؟ هل للرواية في ذهن الناقد شكل مثالي جاهز أم يقبل عليها بعقل منفتح متحرراً من مفاهيم مسبقة ومحاولاً ان يتعرف الى الشكل الذي تتخذه انطلاقاً من ذاتها ومن التجربة التي يتناولها المؤلف ؟

أستنتج من اطلاعي على مراجعات روايتي "طائر الحوم" في عدد من الصحف والمجلات العربية ان هناك اختلافاً بين النقاد أنفسهم من هذه الناحية، ولكن هناك مع ذلك ما يجمع بينهم ويميزهم بشكل خاص من هذه الناحية عن القراء العاديين. وأكثر ما يجمع بين النقاد، كما يتبين لي من خلال هذه المراجعات، انشغالهم الاساسي بمسألة كون العمل الذي يقرأون عملاً روائياً أم لا. لا أريد ان أقول أنهم يقصرون اهتمامهم على تحديد هوية النص الادبي وعلى الشكل الفني، فهم حقاً يهتمون ايضاً بالمضمون وخاصة كحوادث وشخصيات وموضوعات ومشاعر وافكار، ولكنهم يشعرون مع هذا ان بين اهم ما يجب ان يعنيهم كنقاد هو ما اذا كان العمل الادبي الذي يراجعونه يشكل رواية حقاً أم لا وما علاقته بالاجناس الادبية الاخرى.

هذا ما توصلت اليه من خلال اطلاعي على المراجعات لروايتي "طائر الحوم". وقد تفاجأت بمدى رسوخ هذا الاهتمام وسعة انتشاره بين النقاد في الصحف والمجلات العربية، وخاصة بين الجيل الجديد، مما اضطرني ان اتساءل ما اذا كنت قد اصبحت من الجيل القديم رغماً مني ومن دون ان ادري، باعتبار انني افضل الانتماء، وأحسب انني انتمي، بصرف النظر عن عمري الحقيقي، الى الاجيال الجديدة القادرة على تجاوز نفسها وغيرها باستمرار بالتحرر من كل القيود والتقاليد والاعراف التي تحدّ من الرغبة في الريادة والتجريب والتجاوز والتفرد.

ثم انني كنت اعتبر ان الرواية، من هذه الناحية، اكثر حظاً من الشعر في الثقافة العربية المعاصرة باعتبار انها لا تملك في ثقافة النخبة العربية تاريخاً وتراثاً يحددان معالمها ومقاييسها فيكون من المنتظر ان تأتي متطابقة لاشكال جاهزة وراسخة في الذاكرة والتوقعات الثقافية السائدة. لأن للشعر العربي مثل هذا التاريخ والتراث اللذين يضبطان موضوعاته واشكاله ضبطاً محكماً، حتى كادت النقاشات في الثقافة العربية المعاصرة حول مفاهيم المعركة بين القديم والجديد او التراث والحداثة في الشعر العربي ان تتركز على الجوانب الشكلية وخاصة جوانب الوزن والقافية.

ومما كان يسعدني كروائي ان الرواية العربية تفتقد مثل هذا التراث والبعد التاريخي على مستوى الثقافة العليا او النخبوية، وهي تتصل بالسرد الشعبي المنفتح كما نجده في ألف ليلة وليلة، فلا نتوقع ان نحكم على الاعمال الروائية من منظور القوالب والاشكال الجاهزة مسبقاً.

بكلام آخر، كنت اعتبر ان النقد الادبي يكون أقل تزمتاً في تحليله للرواية العربية الحديثة منه للشعر، مما يعطي الروائيين العرب مجالاً أكثر رحابة وقدرة على التجريب والتفرد وتجاوز الاشكال المستهلكة والمفروضة فرضاً من الخارج بدلاً من ان تنبع عفوياً من طبيعة التجارب التي يتناولونها. ولكن يبدو واضحاً لي الآن ان مجرد مرور حوالى نصف قرن من النقد الروائي كان كافياً لأن تنشأ لدى بعض النقاد مفاهيم ومقاييس راسخة ومحددة وجاهزة حول البناء او الشكل الروائي يتمكنون على اساسها ان يحكموا فيما اذا كان العمل الادبي الذي يقرأونه رواية او غير رواية. واضافة الى ذلك، اصبح الناقد ينشغل اكثر مما ينشغل في مراجعته للرواية فيما اذا كانت حقاً رواية ام لا، انطلاقاً من الشكل المثالي الحاضر في ذهنه والبنية الخارجية كما تتجلى في السرد والعقدة والمركزية او المحورية الشكلية.

يبدأ قيس العذاري مراجعته لطائر الحوم في جريدة "القدس العربي" بتاريخ 28/4/1992 بقوله انها "تثير... السؤال عن طابع الرواية... فمركز الرواية او بؤرتها - مع اشارة الى خلوها من عقدة مركزية - حيث تتجمع الجزئيات والاحداث... وتحشد شتات الاحداث من امكنتها المختلفة - بمقام العقدة - وتستقطب التفاصيل حول هيكلية عامة". ويرى الياس حنا الياس في "اليوم السابع" بتاريخ 26/6/1989 ان السرد "لا تتراسل عناصره لتؤلف فضاء روائياً متشابك الابعاد" فلا يتحول "طائر الحوم" الى "نقطة جذب محورية" أو "الى عمود فقري تتشكل من حوله الرواية" فلم تنشأ "علاقة مد وجزر بين الاجزاء، علاقة تجاذب وتلاقح". ويتساءل محمد معاطي في "الموقف الادبي" 26/3/1990، "هل يمكن ان يضع هذه الرواية في خلية الادب ام لا... واذا كان هذا العمل رواية أم لا؟".

ويتكلم عبدالله بن بخيت من موقع محافظ في جريدة "الشرق الاوسط" بتاريخ 3/10/1992 عن "الهم السياسي في مقابل الابداع، والبوح الشخصي في مقابل موضوعية الفن. فعندما طرح المؤلف وقائع النص في صورة مذكرات كان قد اختار أصعب الطرق لبناء عمله الروائي". يتكلم بهذه اللغة العجيبة كما لو ان هناك شكلاً جاهزاً خارج الذهن التقليدي، وكذلك كما لو ان هناك تناقضاً بين السياسة والابداع. لذلك لم يكن من الغريب ان يتحدث عن ان الفن مهمة موضوعية وهذه مقولات تناسب المحافظين والمنظومة الفكرية الثابتة.

ليس من اجماع بين النقاد على مثل هذا التساؤل وهذه التوجهات التي تعنى بالدرجة الاولى بالبنية الخارجية للنص الادبي. على العكس، لا يطرح احمد بنشريف في "انوال الثقافي" المغرب في 30 - 12- 1988 مثل هذا التساؤل بل يتوصل الى ان رواية "طائر الحوم" رواية حديثة يعرّفها انطلاقاً من بنيتها الداخلية غير الظاهرة بأنها "شكل تعبيري يطمح الى تكسير قيود الشكل الواحد والغاء الشروط التي واكبت سير عملية الكتابة في حدودها المرسومة، علماً بأن الاحساس الموضوعي الذي تنهض على منواله الكتابة الابداعية لا يقف عند حدود الشكل".

وفي محاولة مشابهة لتفسير قيام الشكل الفني، يتوصل محمود شريح في مجلة "الناقد" العدد التاسع، آذار / مارس 1989 الى القول، "وما الشكل الذي جاءت عليه الرواية إلا استمرارية لتصدّع الشكل القائم في المنطقة من محيط الى خليج، في الرواية والشعر، وفي السياسة والحدث، وفي الرسم والموسيقى، وفي المؤسسة والنظام. الشكل في "طائر الحوم" خلخلة لا مفر منها في ظل تفسخ آخذ في الاتساع". بهذا يبدأ الناقد بالربط بين البنى الفنية والاجتماعية والسياسية.

في زمن الخلخلة هذه نفهم لماذا يكتشف عبدالرحيم العلام ليس فقط لماذا جاءت "طائر الحوم" بنص روائي جديد، بل لماذا ايضاً تحل بطولة المكان المفتقدة في الرواية العربية محل بطولة الاشخاص والاحداث. ومن هنا ايضاً حديث الشاعر بلند الحيدري عن "البساطة المذهلة التي تتجنب القوالب المستهلكة" "المجلة" 21- 27/12/1988.

ان القراءة النقدية في شكلها الاول كما جاءت في مراجعات العذاري والياس وبن بخيت والتي تعنى بالشكل الخارجي تختلف اختلافاً بيناً عن القراءة كما وردت عند بنشريف وشريح وكما يقبل عليها ويمارسها القارئ العادي.

اكتشفت من خلال الرسائل التي بعثها لي عدد من القراء اهتمامات ثلاثاً اساسية: التشويق، والتماهي Identification مع شخصيات الرواية والاحداث، والتحريض على الكتابة أو تفجير طاقات الابداع عند القارئ.

بالنسبة لعملية التشويق، قيل لي في هذه الرسائل من قبل احدهم: قرأت "طائر الحوم" باهتمام وشغف في ذات النهار الذي تسلّمته به". ومن قبل شخص آخر: "لم أتمكن من النوم قبل الانتهاء من قراءتها".

وبالنسبة للتماهي قيل لي: "كنت أتفرج على نفسي التي تحركت فيها المشاعر والخواطر والصور لأن هناك اشياء كثيرة متشابهة ومشتركة في ظروف حياتنا. كتابك... هو كتابنا كلنا نحن اولاد الضّيع الذين مثلك ومثلي... انه كتاب النفس النشيطة اليقظة الطيبة الغنية الحرة الحساسة الفنانة التي يعبر فيها الالم الكبير فيتحول الى حب كبير وفن كبير. انه كتابنا نحن جميعاً".

وبالنسبة لقدرة الكتابة على تفجير الطاقات الابداعية عند القراء وتحريضهم على الكتابة، كتبت لي سيدة تعيش في قفص الزوجية ان الرواية اعادتها الى ايام صباها عندما كانت تحلم ان تكون رسامة، "أريد أن أعود وأحلم، أريد ان أحيي حياتي، وان اخلق ثانية ان لم يكن بالرسم فبالكتابة... ألسنا نرفض العبودية؟ كيف حرمت نفسي من التنفس لسنوات خلت عمري معها ضاع؟... عليّ ان اكسر قيودي بيدي. طالما فعلت ذلك وأنا صغيرة ثم شابة. كيف اهملت نفسي عندما اصبحت امرأة انا التي حاربت استعباد البيت وتقاليده؟... الآن حان الوقت لي بأن اعود لأحيا وأحيي الخط فيّ والكلمة فيّ واللون فيّ... أي شيء يحييني لن اكبته اليوم... اليوم استوعبت مشكلتي ومشكلة الآخرين... رغبة جامحة بالكتابة تغمرني هذه الايام منذ قرأت "طائر الحوم". سأدع لنفسي العنان... لذلك شعرت انني اريد ان اكتب لك ولو أنني لا اعرفك شخصياً... شكراً لكتابك الذي فجّر بي طاقات مدفونة واعتقد انني سأعود للرسم عما قريب. اعذرني ثانية لارسالي صورة عما كتبته لانني لم اعد متأكدة ان كنت اكتب لك او لنفسي او للتاريخ".

طبعاً ليس القارئ العادي وحده هو الذي يهتم بهذه العناصر الاساسية في الكتابة والقراءة. بين اجمل الرسائل التي تسلمتها واحدة من صديقي شوقي بغدادي الذي كتب يقول: "قد يختلف النقاد في ما بعد حول هذا النص: هل هو رواية أم سيرة ذاتية أم مزيج خلق جنساً آخر. ومهما يكون الامر، فانا انطلق في تقييم النص الادبي - والفن عموماً - من هذا المنطلق: الى أية درجة استطاع هذا النص أن يمتّعني ويهز وجداني ويشعرني ان اشياء جميلة جديدة قد خالجتني وصارت جزءاً لا يتجزأ من كياني... أو باختصار، الى أية درجة استطاع هذا النص ان يغيرني الى أفضل لاكون بعد القراءة انساناً آخر غير الذي كان قبل القراءة... من هذه المنطلقات شعرت ان "طائر الحوم" قد غسل روحي. يا الهي... بأي حنان، وأية رقة، وأي ذكاء استطعت ان تستعيد الطفولة، وان تسترد جنتها المفقودة"... وكتب لي ادونيس عن رواية "طائر الحوم" قال فيها باختصار بليغ: "جميلة، حرّضتني على كتابة الرواية".

هل يلتقي اذن هدف الكتابة بدافع القراءة فنقول انهما قبل اي شيء آخر التشويق والتماهي والتحريض على الابداع في اطار عملية التواصل من اجل المساهمة في خلق وعي جديد؟ واذا كان الامر كذلك أليس من مهمات الكاتب ان يهدم الحواجز بين الرواية والقصيدة والسيرة الذاتية، وبين النثر والشعر؟

 

حليم بركات

 

الطبقية والخطيئة مع ضفاف في منعطف

835-neeranمن تاريخ بغداد الاجتماعي في زمن الاحتلال العثماني استلت الكاتبة المبدعة العبيدي روايتها التي البستها دار الضفاف اكليلا مطرزا بلوحة الفنان فراس الحمداني، ووضعت في معصمها تميمة لان الدار تعيش العراق وعدم استقرارة .

...لاتعبر عن رائي الناشر

لايجوز ...

بخلاف ذلك ...

منعطف الصابونجية

 

بناء النص (شكلة ومعماريتة)

جانبت الكاتبة علمية المؤرخ عباس الغزاوي في كتابه العراق بين احتلالين والدكتور علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق فلم تقدم كتابا في علم االتاريخ او في علم الاجتماع بل صاغت شيء من التاريخ و الاجتماع رواية

وهذا ما اكدتة الكاتبة *لقد اعتمدت في هذه الرواية على كثير من المعلومات القيمة المستفادة من كتاب امين المييز (بغداد كما عرفتها (كذلك اعتمدت على الحوادث التاريخية التي اوردها المؤرخ العراقي عباس العزاوي في كتاب (العراق بين احتلالين)

واتفقت مع الدكتورعلي الوردي بهجوم على للغة العربية فكان هجومه علمي اذ طعن للغة في القلب لطرحه بعض الاراء تطعن في النحو ، وهجومها شعبي اذ طعنتها في الظهر كي تنحني اللغة ليرى القارئ لهجة القوم ليصل الى صورة حية من التاريخ .

افتتحت فصول روايتها باشعار من اغاني كانت متداولة

يابو زبون الزري ومطرز ابرة

كل الشرايع زلك من يمنة العبرة

يامن ترتدي العباءة العربية (تخاطب رجل مجهول تتمنى الفتاة ان يكون فارس احلامها) التي وضع عليها الخياط علامة مميزة وبجهد يدوي (اي وضع الخياط ديكور بعناية فائقة فهو لم يستخدم اله لذلك) وهذه دلالة على شخصية غنية وذا مكانة جتماعية

كل الطرق التي يمكن ان تعبر من خلالها النهر(الشريعة) غير امنه ممكن ان تنزلق في النهر اما طريق العبور بقرب بيتنا فهو امن (تدعو الفتاة رجل مجهول ان يمر بقرب دارها عسى ان تفوز به زوجا)

835-neeranوحكت من اللهجة البغدادية الكثير مثل عيني شاي العصرية مهيل

وحكة عن العرب الافارقة كيف ينطقون مثل بسم الله الرهمن الرهيم

وتكلمت عن الكردي بالغته عندما يخلطها بالعربية ليتفاهم مع العرب

منها جوني: كيف الحال وباشي : بخير

ونقلت عن الذي يقلب الراء غين ونسبتها الى يهود بغداد مثل اعرفك تنطق اعغفك

كل هذا المزج لم يوثر على سباكة النص في اللغة الفصحى بل جاء نصا منمقا يوصل للقارى صورة حية عن المشاهد التي نقلتها

بطلة القصة فتاة (بدرية) تحدت العرف وحاولت الزواج بمن تهواه ولكن حالت الاقدار دون ذلك لذا تحدت الشرع فلم تفر من دار البغاء التي اسكنها فيها حبيبها بشكل مؤقت فطال غيابة واستسلمت للحياة فكان مصيرها القتل باسم العرف غسلا للعار

الكاتبة وان لم تنحى منحى القاص الكبير اسماعيل فهد اسماعيل في رواية الحبل باسلوب التداعيات الان ان الرواية يمكن ان تسجل في سجل الابداع

مضمون النص (مفاهيمة)

ركزت على الطبقية والخطيئة

المشهد الاول

بدرية شابة في الثلاثين من عمرها بطلة القصة حاولت ان تمارس انوثتها على حد تعبيرالاستاذ السيد عبد العزيز الحسيني(1)   ،بعد ان منعت من الزواج من المتقدمين لخطوبتها من قبل اهلها لان الخطيب ليس من طبقتها أي دون مستوى العائلة على اعتبار ان العائلة غنية ولها يد في السلطة فالحاج مصطفى القروي سابقا الذي يسمى في القرية مصطاف لان القرية دائما تصغر الاسماء (2) فالحاج مصطفى على ما يبدو ان الموظف في دائرة الجنسية قروي فلم يثبت اسم مصطفى في هوية الاحوال المدنية بل سجل الاسم كما يلفظه اهل القرية مصطاف ، ولكن مصطفى نسى واقعه تماما .

بدرية اختزن عقلها الباطن ماساة عمتها العجوز التي شارفت على الموت ولم تتزوج ،وبدرية رغم محاولات امها ومنها الاستنجاد بالعراف لكي تزوج بناتها لم تظفر بزوج ، الان بدرية كانت شجاعة اذ كونت علاقة مع موسيقي دعي الى حفلة اقامها اخوها بمناسبة عائلية كان يهوديا فقيرا واستطاعت ان تخرج معه خلسة في لقاءات عاطفية واخيرا هربت معه لكن حال ظرفه الصعب ان يوفر لها سكن ، واودعها احد بيوت الدعارة كامانه وهنا انجرت الى الخطيئة واخيرا تم قتلها من قبل اهلها وابناء عمومتها .

والمشهد الثاني

من القرية اذ تعيش طبقية من نوع اخر اذ امها حسيبة بنت العشيرة تقع في حب كردي صياد للقطا (بن الاركوازي) ولم يتم الزواج لانه ليس من طبقتهم ولم تنجر للرذيلة ولم تقتل كما قتلت ابنتها بدرية بل زوجت قصرا من احد اغنياء بغداد .

 

المشهد الثالث كيف سنحت الفرصة الى صبيحة وهي اخت بدرية لتصر على زواجها من قروي فقير.

وذكرت احداث السياسية منها ثورة الزنج في البصرة ، حركة المشروطة والمستبدة ، حيث سجلت حركة الاسلام والاتجاه الديني بشكل عام،نشاط حزب او جمعية الاتحاد والترقي والصراع القومي العربي التركي حيث سجلت حركة التيار العلماني القومي ، وحركة بكر صدقي وردود فعل العراق من الحركة الصهيونية وموقف الدولة حيث سجلت حركة التيار العلماني ليبرالي القطري الوطني، وتختم قصتها بتسجيل حركة الحزب الشيوعي وانتصاره حيث تزوج مرهون الشقي من البنت الوسطى الذي رفضته العائلة ولم تزوجه البنت الكبرى بدرية لم تعلن الكاتبه زواجه بل هيئة لظرف الزواج لتجعل النهاية مفتوحه ليكمل القارئ الرواية وهذا ديدين اغلب الكتاب في اعمالهم الادبية من قصة او رواية .

انتصار الشيوعية على الحركة الاسلامية والحركة العلمانية بشقيها القومي وللبرالي الوطني وهو الحقبة التي في ظلها ولدت الكاتبة وهي فترة حكم عبد الكريم قاسم للعراق كعلماني ليبرالي وطني ولكن اطلق اليد للشيوعين ، وهو مؤشر لتبني الكاتبه الفكر العلماني اليساري .

وصورت الحياة الاجتماعية الحياة السائدة العربات وكيف اضاءة الشوارع وما نوع الماكولات وما انواع الصنعات ودور العراف والفرق الموسيقية الشعبية ورجال الدولة ومواقف حربية ومواقف وظيفية وحتى الشذوذ الجنسي الذي عقابه القتل في اغلب الاحيان

وثمة ملاحظات اسجلها

الاولى ثبت الناشر بما ان الكاتبة من سلك القانون والقضاء فذكر ما نصه

يظهر جليا اثر التحقيق وطرقة في قصصها

والثانية التفاتة رجل

لم تطرح شخصية رجل سوي فكل رجال القصة عليهم مثالب

واخيرا فالرواية ممتعه تذهب بك الى التاريخ القريب لتعيش مع الناس يحدثوك وتحدثهم وتتخذ اتجاه ومواقف لتشق طريقك بينهم.

 

............

هامش

1- الفنان السيد عزيز الحسيني رسم ونحت

2- امر متعارف في القرى تصغير الاسماء

مصطفى مصطاف واحمد حميد وعبد الله عبيد ولكن في سجل النفوس يسجل الاسم كما هو لا كما ينطق

 

جدلية الحياة والموت من خلال قصيدة: الموت على الأبواب للشاعر المغربي محمد الخمار الكنوني نموذجا

abdulrazaq istatowتستمد قصائد ديوان "رماد هسبريس" للشاعر المغربي الخمار الكنوني جماليتها الفنية والرؤيوية، من غنى تجربة الشاعر وثقافته الشعرية والإنسانية؛ وذلك بانحيازه، كباقي الشعراء المغاربة أمثال الشاعرعبدالكريم الطبال، والشاعرمحمد السرغيني،والشاعرأحمد المعداوي، لشعر الرؤيا،ولمضامينه الإنسانية، والصوفية،عن طريق الكشف، والمكاشفة،والتوحد، والحلول في الطبيعة، بلغة صوفية أحيانا، ورمزيةأسطورية أحيانا أخرى، هي في حاجة لإدراكها إلى عين رائية، وروح هائمة، ومعرفة عميقة، وبصيرة متيقظة، قادرة على التأويل .لأن معناها مرواغ، منفلت، ما بين منطقتي المعنى، واللامعنى يتجدد، ويتلون.هذا المعنى الذي هو جوهر القصائد المنتجة، والمتجددة بتجدد قراءتها، وقرائها،لغناها الرمزي، والإيحائي، والأسطوري، ولتناصها العميق مع النصوص الغائبة، حد الذوبان، والتوحد.

وقصيدة" الموت على الأبواب" المقتطفة من ديوان "رماد هسبريسّ للشاعر الخمار الكنوني؛ واحدة من هذه القصائد العميقة في معناها، ومبناها، وفي رؤيتها، ورؤياها. بدءا من من عنوانها، حتى آخر سطر من جملها الشعرية .

بيد أن الموت في هذه القصيدة له رمزية خاصة، ودلالة أسطورية، وتجلى في موت الفرح الذي رمز له الشاعر الخمار" بحداء"أي غناء راعي الإبل في ليل بهيم،الذي ماهو إلا غناء وفرح الشاعر الخمار الكنوني القائل

في هذا الليل تغيب رؤى ويموت حداء

هذه الدلالة تحيلنا على صراع الحياة ضد الموت، أثناء البحث عن الأمل المفقود، والحلم المشتهى، عبر التناص مع أسطورة أوليس، وهي سمة من سمات قصائد ديوان رماد هسبريس، حيث صراع الشاعر ورفاقه وهم على السفينة التي ترمز للحياة،القريبة من الميناء الذي يرمز للأمل، ضد الموت الذي يرمز إليه الشاعر بالليل، والبحر، والظلماء، والأسفار، والأمواج، وهوصراع شبيه بصراع أوليس على سفينته ضد موج البحر، وإغراء أغاني الحوريات "عرائس البحر"وهذا ما عبر عنه الشاعر بقوله

فما إن كان لنا في الشر قرار

عن لحن حواري الأبحر سددنا الأذن

لكن الشاعر الخمار الكنوني، بخلاف أوليس استمال قلوب عرائس البحر، وعوض أن يلتهمنه ضاجعهن

ضاجعت حواري البحر

غير أن استمتاعه بغناء عرائس البحر، وجمالهن دونا عن رفاقه، ولد في نفسه شعورا بالذنب، تجاه رفاقه، وربما تجاه أسطورة أوليس نفسهاالتي خان نهايتها

في السر شربت وأنتم عطشى

ارتحت وأنتم شغالون

فحاول أن يبرر لنفسه ولرفاقه هذا الجنوح "إثم الخيانة"

بأنهم واحد، وفي ذلك توظيف للبعد الرؤيوي الصوفي والإنساني، فالشاعر والآخر(المجتمع) واحد في صراعهم ضد الموت، الذي هو على الأبواب.

لكن من أنتم

أنا انتم

فالشاعرورفاقه على ظهر السفينة التي ترمز للحياة في صراعها ضد الموت في بحث دائم عن الممكن بدل الكائن، قيما كان هذا الحلم،أو حرية،أو عدلا، أو أهلا، مهموما بنجاة رفاقه، وحياتهم معترفابذنبه، وخيانته التي كانت وراءها لعنة تطارده .

بباب الرب، رمتني اللعنة فارموني

وقد استثمرالشاعر الخمار الكنوني، وهو يتماهى حد التوحد مع أسطورة أوليس مكونات السرد القصصي"استعارة الحدث والحركة عبر الإسقاط الفني"لإكمال البناء العام للقصيدة، وكل ذلك لم يسقطها في النثرية، أغناها بانزياح حداثي هو من سمات الشعر الحديث. ينضاف إلى ذلك انزياح حداثي آخر تجلى في اعتماد السطر الشعري باستخدام تفعيلة بحر المتدارك"فاعلن"وتقنية التدوير،وإغناء هذا الإيقاع الخارجي، بإيقاع داخلي ترجمه التكرار بمظاهره المختلفة، المرتبطة عند تشكيله بالحالة النفسية، والإنفعال الداخلي للشاعر.

وقدجاءت الصور التخييلية لقصيدة "الموت على الأبواب" كفسيفساء أندلسية مشكلة من المجاز، والإستعارة، بما فيها الرموز، والأسطورة "كاستعارة"، حيث يعمل الرمز كمكون جمالي على إخراج الكلمات من تداولها المألوف، وملئها بدلالات عميقة غير مألوفة، تحتاج إلى قارئ رائي، قادرعلى تأويلها، انطلاقا من ثقافته الكونية، والشمولية العارفة بالرموز الشعرية في ارتباطها بالمعنى، وباللامعنى الشعري، حيث تتوزع البنية الدلالية، وتتشتت في هذه القصيدة بين جمل شعرية متناقضة لغويا، وعميقة إيحائيا، والشاعر الخمارالكنوني إضافة إلى حسن توظيفه للرموز، والأساطير في ديوانه "رماد هسبريس " وفي قصيدته "الموت على الأبواب" عمل على إغنائها دلاليا، وتلميعها بحيث صارت أشبه باللآلئ المتخفية في محارات قابعة في الأعماق، تحرسها عرائس البحر .

ويمكن تقسيم الرموز الموظفة في بناء هذه القصيدة فنيا، ودلاليا إلى رموز لغوية حيث يسقط الشاعر الخمار الكنوني على عناصر الطبيعة حالات روحية تأملية،(رؤيوية)حدالتماهي، والحلول الصوفي، والرومانسي، كتوظيفه "الليل" كرمز يحيل على الكآبة، والسوداوية، والحزن، واليأس .و"البحر "بموجه، وأنوائه، وتيهه، ومينائه " كرمزيختزل الروح في جزرها، ومدها، وعمقها، وأسرارها، و"المركب" كرمز يدل على الحياة في صراعها ضد الموت،و"الحواري" أي عرائس البحر كرمز لفتنة الحياة وإغراءاتها (أسطورة أوليس) ورموز ثراثية"المعراج، الإسراء، بضاعتنا،تنادوا..) وهي رموز كتناص، مع القصص القرآني، إضافة إلى الرموز الثقافية (رؤى جمع رؤيا) بمعنى رؤيا الشاعر وإشراقه الروحي والشعري الذي يغيب في هذا الليل البهيم "حداء "كرمز ثقافي (معادل موضوعي) لموت غناء، وفرح الشاعر بحلول الليل. والشعور بوطأة الليل، وغربته يسري في أكثر من قصيدة في ديوان "رماد هسبريس" وقول الشاعر "كشفنا، أنا أنتم، ورؤى" كرموز تشيرإلى الثقافة الصوفية،إلى جانب، توظيفه للأسطورة ليس فقط في بناء الصور الشعرية، وإنما كذلك في توسيعها، وإغنائها باستعارة حداثية، ودلالة رؤيوية، بغية تعميق المعنى، وذلك بتوظيفه لأسطورتي الفنيق وأوليس،الأولى بشكل أعمق، والثانية بشكل عميق، ليس فقط كمكونين فنيين، وإنما كدال في غياب المعنى التقليدي، إضافة إلى هذا التناص الأسطوري مع أسطورة أوليس، فهناك تناص آخر مع أسطورة الفنيق بقوله "متنا وحيينا "دلالة على انتصارإرادة الحياة على الموت،أوكما سماها الناقد أحمد المعداوي في كتابه "ظاهرة الشعر الحديث" بتجربة "الموت والحياة " وأسطورة الفنيق حاضرة بقوة على مدار ديوان رماد هسبريس بدءا بالعنوان" رماد" الذي يختزل معنى احتراق الفنيق وبعثه من جديد، "وهسبريس" التي تحيلك على الحدائق الأسطورية "حدائق هسبريس" التي اجتاحها البحر.

فالرمز بما فيه الأسطورة، يعمل بلاغيا على تعميق المعنى الشعري، وهي من السمات الأساسية لشعر الرؤيا، الذي ساد الثقافة الشعرية المغربية، منتصف الستينيات.

هذه الرموز كمكونات فنية حديثة، جاءت في سياق أساليب لغوية، ودلالية تجمع ما بين الأساليب التعبيرية، والأساليب التجريدية، والإشراقية، التي تعمل على زيادة معدلات الإنحراف، وتغليب الإيحاء، والإشارة على التصريح، حيث تعطي في هذه القصيدة إشارات فقط لا غير، يبقى على المتلقي تأويلها، إن أرادالقبض على معناها المستتر .

ذلك أن جوهر الشعر في قصيدة "الموت على الأبواب "هو حقيقة عميقة، مستترة، يعبر عنها بعناصر شعرية انزياحية غيرمألوفة، ومن هذه العناصر متحت، ونبعت قصائد الشاعر المغربي الخمار الكنوني الذي يعد واحدا من رواد الشعر الحديث بالمغرب.

 

عبد الرزاق اسطيطو

جماعات "سؤال الذات" بين خطاب التطوير والتحديث

alwarth alhasanلم تقف حركية الشعر العربي عند الحدود التي رسمها له رواد حركة إحياء النموذج، من أمثال البارودي وشوقي وحافظ، بل تخطت تلك الحدود نحو تطوير مضامين الشعر وأشكاله، متفتحة على آفاق جديدة أكثر رحابة واتساع.

لقد قامت مبادرة الإحيائيين كما مر بنا سلفا على إحياء أصول القصيدة العربية وتقاليدها، وبعث المضامين الشعرية الموروثة، واستطاع الشعراء بفضل هذا التوجه أن يعيدوا الحياة من جديد إلى القصيدة العربية، وأن يمنحوها فرصة الاندماج مع قضايا العصر وأحداثه، لكن سنة التغيير اقتضت أن يبحث المجتمع العربي مع بداية القرن العشرين عن عوامل التحديث وبواعث التطور، وكانت الحضارة الغربية نقطة مضيئة تجتذب الداعين إلى مشروع تحديث المجتمع وتغيير بناه، لذلك تبنى العديد من رواد إحياء النموذج مبادئ الليبرالية والديمقراطية، ودافعوا عن الحرية وقيمة الإنسان.

ولم يكن الواقع العربي متناغما مع هذه المبادئ، فمظاهر التخلف في المجتمع تجسد نقيضا لمشروع التحديث والتقدم، وممارسة الاستعمار تجسم تناقضا مع القيم التي روجت لها حضارته.

وأمام هذا الوضع المتناقض، كان الأديب التواق إلى التجديد، الحالم بمجتمع إنساني أكثر استعدادا للتواصل مع الخطاب الأدبي الذي ينتقل بالشعر من احتذاء نماذج شعرية جاهزة سلفا إلى البحث عن علاقته بذات الشاعر وبعالمه الواقعي والمتخيل.

وانطلاقا من هذا الموقف ،طرح شعراء التجديد سؤال الذات من منظور يعطي للشعر مفهوما جديدا ووظيفة مغايرة لما كرسه شعراء إحياء النموذج.

إن مصطلح سؤال الذات يحيل على معنيين:

الأول: يرتبط بما يطرحه الشاعر على ذاته من تساؤلات في علاقتها بالعالم الخارجي، أي النظرة إلى العالم من زاوية الذات (الطبيعة مثلا).

الثاني: يرتبط بالسؤال الذي يطرحه الشاعر على ذاته منفصلة عن كل ما يحيط بها من الخارج (المناجاة، الموت، الحياة، الحلم، الخيال، الحقيقة).

وكلا المعنيين يتمحور كما هو ملاحظ حول الذات الشاعرة وما يحيط بها من العالمين الخارجي/ الداخلي، الواقعي/ المتخيل.

من ثم، يمكن القول، إن لحظة سؤال الذات في الشعر العربي الحديث، هي صرخة ضد التيار الإحيائي الكلاسيكي، فكانت الرومانسية التي تعلي من شأن الذات، بمثابة ثورة شعرية على النموذج الإحيائي الذي يعلي من شأن الموضوع. إنه كما وصف عند الدارسين أو على حد تعبير محمد النويهي الصراع بين القديم والحديث. من هنا ،برز خطاب جديد يقرر:

 

رفض التقليد: باعتباره نفيا للشاعرية، وانتفاء لصدق الشاعر، وقد أعلن أكثر من أديب هذا الرفض (مثال ذلك: عباس محمود العقاد في قراءته لشعر أحمد شوقي وإبراهيم المازني في نقده لشعر مصطفى لطفي المنفلوطي).

الدعوة إلى التجديد: دعا الرومانسيون إلى إرساء دعائم توجه أدبي في إطار سؤال الذات، يعتمد الأسس الآتية:

- إن التعبير الصادق عن الذات هو المقياس الوحيد للإبداع. يقول فيكتور هيجو في مقدمة أحد دواوينه: «إن الشاعر يجب أن يكتب بروحه وقلبه، لا بما كتبه الشعراء قبله، إن الشاعر لا يستمد عبقريته من أساطير القدماء بل من صميم نفسه»([1]).

- إن الشعر رؤية شاملة للحياة، تعكس نظرة الشاعر إليها. فهذا مطران خليل مطران يقول: «نعم هذا شعر عصري، وفخره أنه عصري، لأنه شعر المستقبل وشعر الحياة والحقيقة والخيال معا ...»([2]).

- إن وظيفة الشعر هي التعبير والتأثير في المتلقي، لذلك يقول العقاد: «فاعلم أيها الشاعر العظيم أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها ويحصي أشكالها وألوانها ... وما ابتدع التشبيه لرسم الأشكال والألوان، فإن الناس جميعا يرون الأشكال والألوان محسوسة بذاتها كما تراها. وإنما ابتدع لنقل الشعور بهذه الأشكال والألوان من نفس إلى نفس»([3]).

وقد تبنى هذه الأسس الشعرية العديد من الأدباء والشعراء وكونوا جماعات أدبية، أهمها:

1- جماعة الديوان: استمدت جماعة الديوان إسمها من كتاب أصدره العقاد سنة 1921 بعنوان "الديوان"، انتقد فيه التصور السائد للشعر عند الإحيائيين، كحافظ وشوقي وصادق الرافعي وغيرهم ...وحمل أعلام هذه الجماعة كل من: عباس محمود العقاد (1889م- 1964م) وإبراهيم المازني (1890م- 1949م) وعبد الرحمن شكري (1886م- 1958م) ،وقد تلخصت نظرية جماعة الديوان في كون «الشعر وجدان» يقول شكري:

ألا يا طائِرَ الفردو

 

سِ إنَّ الشعرَ وِجْدانُ

2- جماعة أبولو: وسميت باسم مجلة (أبولو) التي صدرت بين أعوام (1932م- 1934م)، برئاسة الدكتور أحمد زكي أبي شادي، وفتحت صفحاتها لكثير من الشعراء أمثال: مطران خليل مطران (1872م- 1949م) وعلي محمود طه (1902م- 1949م) وإبراهيم ناجي وزكي مبارك وأحمد محرم وغيرهم. وقد امتد تأثير هذه الجماعة إلى أوسع نطاق، فكان عبد المجيد بن جلون وعبد القادر حسن وعبد الكريم بنثابت ومحمد الصباغ وإدريس الجاي ممثلين له بالمغرب وأبو القاسم الشابي (1906م- 1936م) بتونس. وكانوا جميعا سواء في المشرق أو المغرب يجسدون في أشعارهم هموم المثقف العربي في تلك الحقبة حيث وجد نفسه فيها مجردا من الدور المباشر أو الفعال الذي لعبه في القرن الماضي، والذي عاين إحباطات سياسية نتيجة الاستعمار والاستبداد. لقد كان الشاعر في هذا المناخ ـ كما تقول خالدة سعيد ـ يعاين الواقع الحالك ويجد نفسه مدفوعا إلى موقع هامشي([4]) ، وهذا ما دفع زكي أبو شادي إلى وصف تجربة أبولو الشعرية بقوله: «إنه شعر يتسم بالقلق العميق وعدم الاستقرار والجرأة النادرة في إبداء الأفكار، وفي طرق المواضيع التي لم تطرق من قبل وتناول الأشياء البسيطة المألوفة بروح إنسانية وقلب مفعم بالفن، فتخرج إلى الوجود غزيرة الرؤى، عميقة الأحلام، لها قيمة الظواهر العلوية والروائع الكونية»([5]).

3- الجماعة المهجرية: وسميت باسم الأدباء العرب المشارقة الذين هاجروا بلدانهم العربية، واستقروا بالقارة الأمريكية، وأسسوا مدرستين هما "الرابطة القلمية" بالولايات المتحدة الأمريكية، و"العصبة الأندلسية" بالبرازيل وكان من روادهما: جبران خليل جبران (1883م- 1931) وإيليا أبوماضي (1894م- 1957م) وميخائيل نعيمة (1889م- 1988م) وفوزي المعلوف (1899م- 1930م) ونسيب عريضة وندرة حداد وعبد المسيح حداد ورشيد أيوب ووليم كاتسفليس ووديع باحوط وإيلياس عطا الله وغيرهم...

 

وإذا تصفحنا معظم الإنتاج الأدبي لرواد الجماعة المهجرية، فإننا نجده متميزا بالخصائص الآتية:

أ- النزعة الوجدانية:كان شعر المهجريين وجدانيا، تغنى فيه الشعراء بالذات الإنسانية، وكانت موضوعات الحب والموت والحياة والطبيعة من المكونات الأساسية للقصيدة المهجرية.

ب- التأمل الفلسفي والفكري:تميز شعر المهجريين بالانفتاح على عوالم الفلسفة والفكر، فلم يعد الشاعر ملتقطا للأفكار والآراء والأحداث بل أصبحت له نظرية فكرية عن الكون والحياة تتخلل كافة أشعاره وكتاباته الإبداعية([6]).

ج- أنسنة الطبيعة:كان شعراء المهجر يحلمون بعالم مثالي، عالم تتحقق فيه الحياة الفطرية والحرية والسلم بعيدا عن الاستبداد والعنصرية لذلك تخيل الشعراء أنفسهم بين أحضان الطبيعة. وتفسر خالدة سعيد ظاهرة العودة إلى الطبيعة عن المهجريين قائلة: «إنها في لغة المهجريين حملت معنى طلب الحرية والثورة على التناقضات والقيود والمؤسسات الاجتماعية والدينية والأدبية، فكانت الطبيعة نقيضا لكل ما وجدوا فيه انتهاكا لحرية الإنسان وكان جبران خليل جبران أبرز الذين عبروا عن هذا المعنى»([7]).

ومجمل القول ،إن شعر سؤال الذات الرومانسي، وجد له صدى واسعا لدى جيل كامل من الأدباء في النصف الأول من القرن الماضي، وقد كان هذا الجيل يتطلع نحو ترسيخ مكانة الفرد في مجتمع يرزح تحت نير الاستعمار الإمبريالي.

ورغم اختلاف توجهات هؤلاء الأدباء وأشكال تعبيرهم، فإن بينهم قواسم مشتركة تشكل نسيجا متصل العناصر، له خصائص وسمات، من أهم مميزاتها ما يلي:

1- الترجيح بين الاستمرار على النهج القديم وتجاوزه نحو الجديد، فبقدر ما حافظت القصيدة الرومانسية على مقومات الشعر الموروث من حيث البناء واللغة، بقدر ما دخلت مغامرة التجديد في موضوعات الشعر وأشكاله.

2- استثمار مبادئ الشعر الرومانسي من خلال الثورة على عالم الإنسان، واللجوء إلى عالم الطبيعة والنزوع إلى البكاء والتشاؤم.

3- توظيف معجم واضح بحمولات نفسية طافحة بمشاعر الغربة والكآبة والحزن والإحساس بعواطف الحب والإنسانية.

4- التجديد على المستوى الفني لبعض أشكال الشعر، كاستخدام نظام المقاطع، وتجاوز رتابة القافية المتكررة.

5- استعمال صور شعرية ذات مرجعيات ذاتية، واستخدام لغة الحياة المستمدة من الطبيعة والوجدان([8]).

وبفضل هذه الخصائص، تمكنت قصيدة "سؤال الذات" من تجاوز وظيفة التوجيه التي طغت عند شعراء إحياء النموذج والانتقال إلى وظيفة التعبير عن الأحاسيس والعواطف، فكانت مرحلة تطور وتجديد متميزة في تاريخ الشعر العربي الحديث.

 

بقلم: الدكتور الوارث الحسن

أستاذ باحث

......................

[1]- في رحاب اللغة العربية ، كتاب التلميذ ، نأليف جماعة من الأساتذة ، الدار العلمية للكتاب ، مكتبة السلام الجديدة ، المغرب ، ص: 47، (د- ط) (د- ت).

[2]- مقدمة ديوان خليل مطران ، دار العودة ، بيروت ، لبنان ،(د- ط) ، 1984 م .

[3]- الديوان في الأدب والنقد، العقاد والمازني، ص: 100، ط. 3، (د- ت).

[4]- حركية الإبداع، خالدة سعيد، ص:33 ، دار العودة ، بيروت ، لبنان ،(د- ط) (د- ت).

[5]- المرجع نفسه، ص: 43.

[6]- للمزيد من التفاصيل راجع: التجديد في شعر المهجر، محمد مصطفى هدارة، طبعة دار الفكر العربي، مصر، 1957م.

[7]- حركية الإبداع، خالدة سعيد، ص: 33.

[8]- للمزيد من التفاصيل راجع: قضية الشعر الجديد، محمد النويهي، معهد الدراسات العربية، ط. 1، 1964م.

الجواهري بـ "ذكرياتي" بين إجابة قلبه وزبد صدره (2)

karem merzaأجب أيها القلبُ الذي لستُ ناطقاً ***إذا لم أشاوره ولستُ بســـامع ِ

وحدّثْ فأنّ القومَ يدرونَ ظــاهراً ***وتـُخفى عليهم خافيات الدوافع ِ

وفجّر قروحاً لا يطـاقُ آختزانها *** ولا هي ممـــــا يتقى بالمباضعِ ِ

تلفـّتُّ أطرافي ألمُّ شتــــــــــائتاً *** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجع ِ

تحاشيتها دهراً أخافُ آنباعثـها ***على أنّها معدودة ٌ مــن صنائعي

ودّعتك على أمل اللقاء بك وعداَ، ووعد الحرِّ دينً عليه، سأواصل المسيرة، وهذا مشوار العمر أخيره، ولو أن العين ضريرة، لكن الذاكرة بصيرة، ليست هذه بشكوى، وإنّما هو التّحدي لأي نائبة من نوائب الدهر صغيرة كانت أم كبيرة، ولعن الله كلّ من باع ضميره !!!

هذا " ذكرياتي" بين يدي، قلبت ورقة الإهداء، فإذا بصورة الجواهري إبان مطلع شبابه تصافح عيني، بجبته وعباءته ونحافته وعمّته، واقفاَ باعتدال قامته الشامخة، سابلاّ يده اليمنى على كرسي بجواره، وواضعا يده اليسرى عليها، لا تبدو على ملامحه نظرات التحدي، وتعبيرات التصدي، وإن كان في شعره غيره في صورته، مما يعطيك انطباعاً، أن الرجل في الأصل طبعه الهدوء والسكينه والوداعة والألفة الطيبة، والعلاقة الحميمة، وما الثورة والتمرد والهيجان إلا حالات عابرة تنتابه بين حين و آخر، إثر موقف جماهيري، وصدمة قوية، أو عقبى انفعال شديد وحادث جلل، وغالبا ما يسكبها شعرا مبدعا،أو يكتبها نثرا رائعا، وعندما يأتيه الإلهام الشعري " أشبه إلى الوحي" فيضاً، ينعزل منفردا، ويغضب على من يأتيه قاطعا، حتى أنّ أروع قصائده (يا دجلة الخير) نظمها في ليلة براغية واحدة !! .

وقبل أنْ أقلب ورقة الصورة المعممة، تأملت قليلا متسائلا عن سرِّ اختيار هذه الصورة من بين آلآف الصور التي أخذت له كشخصية شهيرة، طيلة عمره المديد، ألم يقل ذات يوم بحقها ؟!:

قال لي صاحبي الظريف وفي الكفّ ***ارتعاشٌ وفي اللسان انحبــاسه:

أين غــــادرتَ "عمّة ً" واحتفاظــــاً ***قلت: إنّي طرحتها في الكناسه

عضضت على شفتي، وقلت ربما الأمر عابر، وورد على باله خاطر، لا بأس الصورة معبّرة و عابرة، وله ما يشتهي ويتشهّى، غلقت الكتاب، فوقع نظري على غلافه الأخير، فإذا بصورة ثانية للجواهري المعمم تحتله كاملاً، وهذه المرّة واضعا نظارته على عينيه، واقفا بشموخه المعتاد، ويبدو أكثر هيبة ووقارا، وأكبر عمرا , قلت مع نفسي لآتصفح الكتاب، فوجدت صورة ثالثة على الصفحة 173 تشغل حيزها تماما , إذن الأمر مقصود لرغبة نفسية جامحة عارمة، تنطلق من اللاوعي المكبوت، وربما يدعمها وعيه بحدود، ولا اعرف بالتأكيد ما كان يدور في مخيلته أبان طفولته المبكرة، إذْ تتراكم العقد في العقل الباطن للإنسان، فهل كانت العمامة لديه ترمزالى وقار أبيه، أو علم جده صاحب الجواهر،أو جذور عائلته، أم انّها تمثل عمائم عمالقة الشعر، عمامة المتنبي العظيم، وعمامة العبقري الخالد ابن الرومي،وعمامة أبي العلاء الشاعر الفيلسوف العتيد؟ ولم أذكر عمامة الشاعر الشاعر الفنان المبدع البحتري، لعلمي أنّ الجواهري يعشق شعر الأخير، لريشته الفذة، وزجالته الرائعة، ويكره شخصيته لإنتهازيته الفجة، المهم لا يهمني كثيرا ما قال، أو ما لم يقل الجواهري بهذا الشأن ! فانا لا أعيد " ذكرياته"، وإنّما أسجل انطباعاتي على أعتابها، ولكن بالتأكيد هذا التغيير في لباسه، سيان لعمامته بطاقيته، أوغترته - الوشاح الأبيض الطويل الذي ارتداه إبان فترة سجنه - أم لعباءته و جبته بطاقمه ورباط عنقه ... لا يعبرعن دهاءٍ سياسيٍّ، ولا عن نفاق ٍ اجتماعيٍّ، ولا هم يحزنون، لأن ببساطة القول الشاعر العملاق لم يخلق لهذه الأشياء، فهو أكبر منها، وأعرف بها، والبيتان اللذان قالهما في مدح الملك فيصل الأول، ليشير فيهما إلى حسن تمرسه في السياسة، و ألمعيته في الدهاء - وهما يحملان الضدين المدح والقدح - لا ينطبقان على الجواهري نفسه، بأي شكل من الأشكال، أو حال من الأحوال، اقرأ معي وتمعن !:

لبّاس أطوار ٍيرى لتقلب الـ **أيّـام ِ مُدّخراً سقاط ثيابِ

يبدو بجلبابٍ فإن لم ***** ينزعهُ منسلاً إلى جلبابٍ !!

لم تفتني الأبعاد المجازية، والصيغ البلاغية للبيتين، كما تتوهم، بل ألعب اللعبة نفسها، رجاء تابع معي، الرجل خلع عمامته، لا كرهاً لها، ولا سخطاً عليها، ولا تخلصا منها، وله أن يطرح صورتها المزيفة في الكناسة بجلسة عبثية، وإنـّما ابتعادا عنها، نشداناً لحريته، وتكيفاً لبيئته، واحتراماً لخلفيته،وإلا فهي مخبؤة في دمه، مزروعة في وجدانه، فاعادها إلى مقامها، وارجعها إلى هيبتها، متباهيا بها، فهي الشعر وإصالته، والتاريخ ومهابته، والكلام وبلاغته، هذا ما تقوله لي أعتاب " ذكرياتي"، وإنْ خُفيت الأمور على الجمهور:

أجب أيها القلبُ الذي لستُ ناطقاً ***إذا لم أشاوره ولستُ بســـامع ِ

وحدّثْ فأنّ القومَ يدرونَ ظــاهراً ***وتـُخفى عليهم خافيات الدوافع ِ

وفجّر قروحاً لا يطـاقُ آختزانها *** ولا هي ممـــــا يتقى بالمباضعِ ِ

تلفـّتُّ أطرافي ألمُّ شتــــــــــائتاً *** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجع ِ

تحاشيتها دهراً أخافُ آنباعثـها ***على أنّها معدودة ٌ مــن صنائعي

الآن قلبت ورقة الصورة،ووصلت إلى ورقة تحمل عنوان (المقدمة)، والبيتين الموجعين :

أزحْ عن صدركَ الزّبدا ***ودعهُ يبثُّ ما وجدا

وخلِّ حطـــــامَ مَوْجدةٍ *** تناثرُ فوقــــهُ قصَدا

البيتان من قصيدة ما بعدها قصيدة في الروعة !! فإنْ كانت (يادجلة الخير) رمزالحنين والشوق ومناجاة الأوطان، و(أخي جعفر) عنواناً لجرح الشهيد، ودم الثائر ...، أمّا هذه فهي منتهى صدق ما تبثُّه النفس البشرية من مكنونات أليمة مكبوتة، تقطع نياط القلب، بجرأة متناهية في عصر ٍلا يرحم ! قال عنها الجواهري نفسه هنا (الجواهري ينتصر للجواهري) ! وكتب إلى مجلة الديار اللبنانية، التي نشرتها في عددها المؤرخ (15 - 21 أذار 1976)، قائلا: " آخر ما لدي، ومن أعزُّ قصائدي إلي "، حصل من خلالها الشاعر على جائزة (اللوتس) العالمية لسنة 1975م , فاقامت جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف حفلاً تكريميا له بالمناسبة، وذلك مساء الخميس (2 / 11 /1975م) في قاعة الاجتماعات التكريمية، وألقى الشاعر قسماً منها، فعدد أبياتها (124) بيتاً، فإليك عدّة أبيات ونعقب:

ولا تحفلْ فشــقشـــــقة ٌ**مشتْ لكَ أنْ تجيش غدا

ولا تكبتْ فمِــــن حقبٍ *** ذممتَ الصبرَ والجــلدا

أأنتَ تخافُ مـــن أحدٍ *** أأنــــــــتَ مصانعٌ أحدا

أتخشى الناسَ أشجعهمْ ***يخافك مغضبـــــاً حردا

ولا يعلــــــوكَ خيرهمُ *** ولستَ بخيـــــرهمْ أبــدا

ويدنو مطمحٌ عجـــبٌ *** فتطلبُ مطمحا بَـــــــعدا

ويدنو حيثُ ضقتَ يداً ** وضعتَ سدىً وفاتَ مدى

أفالآنَ المنى منــــــحٌ *** وكانتْ رغـــــــوة ً زبدا؟

وهبكَ أردتَ عودتــها ***وهبكَ جُهــــدتَ أن تجـدا

فلستَ بواجدٍ أبـــــــداً ***على السبعين مــــــا فقدا

صفق الجمهور هنا كثيرا، ودعوا له بطول العمر، أريدُ منك أنْ تتساأَل معي، وتساعدني على الإجابة, لماذا كان يكبت الجواهري، ويصبر حتى ذمم صبره والتجلدا؟! وممنْ كان يخاف شيخنا فيصانعه حتى سكب لوعته مستنكراً حرداً على نفسه؟! ومن هو أشجع الناس الذي كان يخاف الجواهري إذا غضب؟! ومن هو خيرهم الذي لا يعلو شاعرنا منزلة ؟!!

والقصيدة طويلة، ولا أريد أن يغلب شعرُهُ مقالثي، وينجرف القارىء الكريم معها، ويتركني منفردا ,وينسى في غمرة النشوة لذة الفكرة ! ديوانه متوفر وافر , والقصيدة من مجزوء الوافر (مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن)، عروضتها صحيحة، وضربها مماثل لها، ويعتري أبياتها جوازات الوافر، ومعظمها من زحاف القضب، وهو حسن، تتحول فيه (مفاعلـَتن) الى (مفاعلـْتن)، بإسكان الخامس، فتصبح التفعيلة (مفاعيلن)، واختار الجواهري، أو انطلق - على الأصح - من اللاوعي , هذا - أو من هذا - البحر السريع المتلاحق - يأتي في المرتبة الثانية بعد الكامل في سرعته - لبث همومه المتراكمة كسيل جارف للأحقاد و الإعلام الزائف، وما ألف إطلاق قافيتها الاّ دليل الشموخ والانطلاق للمارد العملاق !

أزحْ عن صدركَ الزّبدا***وهلهلْ صادحاً غردا

وخلِّ البـــومَ ناعبــــة ً ** تقيء الحقدَ والحسدا

بمجتمــع ٍ تثيرُ بـــــهِ *** ذئابُ الغابـــةِ الأسدا

بهمْ عــــــوزٌ إلى مددٍ ***وأنتَ تريدها مــــددا

كفى من القصيدة مددا، وبعد انتهاء الحفل العائلي النجفي، والتكريم المعنوي، وكعادة أهله الأصيلة، ورفقته العريقة، دهدى بيتين من الشعر،كأنهما عند سامعيه جوهرتان من الدرّ:

مقــــامي بينكمْ شكرُ **ويومي عندكمْ عمرُ

سيصلحُ فيكمُ الشـّعرُ** إذا لـم يصلح ِالعذرُ

ونحن نعتذرإليك،ونرجو أن يصلح الأمر، ففي الإطالة مللٌ، وفي الترقب أملٌ، والجواهري لا يمُلُّ، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ...

 

كريم مرزة الأسدي

 

أشرف فياض ودم الكلمات

ahmad alshekhawiفي ديوانه المتهم/ التعليمات .. بالداخل، الطبعة الأولى 2007 الصادرة عن دار الفارابي للنشر، بيروت، لبنان، يطالعنا طاعنا بلذاذة تجوال البوح عبر 24 قصيدة، الشاعر والفنان التشكيلي الفلسطيني أشرف عبد الساتر فياض، بجملة معان مستحدثة ونارية استطاعت إثارة زوبعة مبطّنة بمجانية قرارات التسرع في جرّ الرموز الأدبية والفنية إلى دهاليز المقصلة وكأن الدراما تكرر والتاريخ يعيد نفسه.

وطفت فجأة على المشهد كنقطة أفاضت الكأس وأماطت الأقنعة عن ملابسات سوسيوثقافية جمة وعرّت إلى حد بعيد الخلل الكامن في ماهية منطق عولمة صورة الإسلام كرسالة سماوية خاتمة يمثل تكريم العنصر البشري عمودها الفقري، ناهيك عما يدور في فلكه من منظومة قيم وتعاليم سامية من قبيل الحرية والتسامح وزرع المحبة إلخ...

عالم موبوء عصية مثالبه على الجرد، آخذة أعراض نهايته في التناسل والتفاقم بدءا من ظاهرة الاحتباس الحراري وعلى مسار التراتبية تناقصيا وتصاعديا على نحو يبرز أنانية ورجعية وتعصب الإنسان المتواكل وغير المسؤول وهو يحاول عبثا التعتيم على الراهن بتابوهات إدانة الآخر كما يد الطبيعة وقوى الغيب.

" اللجوءُ أن تقفَ في آخِر الصفّ،،

كي تحصل على كسرة وطن،

الوقوف، شيء كان يفعله جدك..دونما معرفة السبب.'

والكسرة؛ أنت.'

الوطن ؛ بطاقة توضع في محفظة النقود.

والنقود أوراق ترسم عليها صور الزعماء.

والصورة تنوب عنك ريثما تعود.

والعودة كائن أسطوري.. ورد في حكايات الجدة.

انتهى الدرس الأول."

مخيلة يهيمن عليها هاجس الهوية والانتماء، وفقدان الوطن بعيدا عن الميوعة التي تسمم اللجوء، وتختزل دورة الحياة، أبا عن جد، في مادية صرفة تستعبد البشر وتذيقهم كؤوس الذل والمهانة والدونية، وتحرض العقل على عودة أسطورية قد تتيح له بعض شطحات التملص من مخالب لحظة ديدنها خنق فرائسها قبل ابتلاعهم.

ومضة لولبية تتسلسل و تتفشى ضمن حدودها الدلالة بين نفوق المفردة وولادة ثانية لها، تنم عن نبوغ شاعرنا واتقاد بصيرته.

" وكذلك حدّث سيد قوم:

من كان له نفط يقضي بالمشتقات المسفوكة منه

حوائِجُهُ..خير ممن يوقد عينيه

لكي يتخذ من القلب إلها."

كسر القاعدة أن ننتقد الخطابات الرسمية باعتبارها سفسطة لمصادرة الموارد الطبيعية تكريسا لخيرية نخبة تسوس لتتأله، مزدرية لغة القلب، القلب الذي لا يغسله سوى الحب القادر على توظيف واردات النفط في النقيض تماما لما يفرز الطبقية و يعمّق الهوة بين القمة والقاعدة ويصبغ خارطة الواقع بكل هذا الدم.

" على ضفاف النهر الوسخ

يتحلّق بعض الفتية

" غرقت للتو.. لعبة الموت"

دجلة يبتلع الموت

ويمضي نحو الخليج المنكود...

......

أنا النهر المعبود

أنا الوثن الأحقر

وأنتم أصنام لا أشكال لها."

وكأن خوض معمعة مقاربة ذات التشكيك في قداسة الصحراء، يستحيل بغير إقحام واستحضار أنهر متجذرة في الوعي وقدم وعمق التاريخ، ذات الرمزية والسيادة المطلقة لأهم العناصر الكونية، الماء. تلكم هي دجلة الشاهدة على لعبة الموت. أنكون على هذا المستوى من الاستسلام والخنوع و لآليات العبث في مصائرنا تزامنا مع التشدق العلني بادعاء الحضارة والإنسانية وصوت الضمير؟ ثمة لا شك تناقض مريع، كمعادل موضوعي له، نبض نسغ الديوان، بمفارقة / ماء /صحراء.

فلم الإصرار إذن على ربط هذا، وهو براء، ودرجه في أيقونة ما ينسب إلى قصيدة الإلحاد والردة والتشكيك في الذات الإلهية..؟

" منذ نعومة أفكاري

وأنا أتمرّس أن أعشق

كل الأوتار المشدودة فوق كمنجات الشحاذين..

على أرصفة الوقت..

أتسلل خلف الرغبات المحظورة

عمّن لم يحسن نصب شراك الوهم أمام فريسته."

بالطبع، يتعذر على من تعزب عليه الرؤية أبعد من أنفه، النفاد إلى مضمون هذه الوحدة، ومن ثم ينزلق في تأويل عدواني غير منصف البتة. بحيث لا منزلة للعشق إزاء راهن لا قلب له أساسا، هو في أدنى تجليات عورته، يومئ إلى طابور أسراب الشحاذين الجياع يتقاذفهم شراك الوهم.

" الغربة المؤثرة في روح لا كتلة لها..

تتناسب طرديا مع هذيانك..

مع وهم الاستقرار..

مع كل أكاذيب الطقس..ومع أصوات السيارات المزدحمة.

و مع نسبة النيكوتين في دمك."

تتبلور القيمة بشقيها الجمالي والمعرفي، ضمن دائرة الأسطر الآنفة الذكر، في تكثيف ثيمة الاغتراب حدّ تلوين الموقف بهذيان الرفض وإضفاء نوع من المشروعية عليه، فيما يتعلق بالقوانين والدساتير الوضعية وطقوس صياغتها إجمالا، باعتماد قوالب تتماشى وأبشع الصور الانتهازية في ممارسات تملكّ الأوطان. ليولد الهذيان المتناغم مع وهم الاستقرار، كبديل لتضميد جراحات الروح الرازحة تحت معاناة واقع توجهه المادية العمياء وتقوده التقنية الحديثة .

"الحب ..ليس أن تكون عصفورا في يد من تحب

خير له من عشرة على الشجرة.

عصفور على الشجرة خير من عشرة في اليد..

من وجهة نظر العصافير.' "

بديهي أنه من الحمق الاعتراف بحب لا يحمل على سيادة الذات و ترويدها وامتلاكها، فما بالك بمحبة تفسح للآخر وتمكنه من استعبادك؟كون وجهة نظر العصفور، الشاعر الذي من المفترض أنه خلق ليغرد حرا طليقا، وجهة نظر تتسم باللامحدودية، ما يجعلها مستشكلة الفهم على زمرة تقتات من حياكة الأقفاص في تآمر مقيت يغتال الكلمة والكرامة وشتى جوانب النبل والجمال والطهر في الإنسان.

تلك حكمة بالغة لا يعقلها سوى المجبولين من طينة الشعراء.

" الله لنا .'.'

خلقنا من طين

وجعل لكل داء دواء

وجعل لكل سليم سقما

ولكل مبتهج بكاء.'

تلحّف بعنائك

ولا تتعرض للشوق مباشرة.

.

.

.

.

فرص الشفاء ضئيلة

اتبع التعليمات المكتوبة على ظهر المرآة

واحفظ صورتك بعيدا عن متناول يديك.' "

بين يدي هذه الوحدة الباذخة في تعاطيها مع المقدس، أخاله من الغباء، أيما تفسير لا يتفق مع غير ما يرفد في الإقرار بالضعف الملم بالطبيعة البشرية والافتقار إلى قوة عظمى ومعجزة تدبر حركات وسكنات الإنسان والكون.

لكنه زخم أسرار لا تقرأ في عدا مرايا الروح.

" الباب القديم يصفق للريح..

على استعراض الراقصة برفقة الأشجار.'

الباب القديم.. ليس لديه كفان.

والأشجار لم تلتحق بمعهد لتعليم الرقص.

والريح كائن غير مرئي..

حتى عندما ترقص الأشجار."

في ذات البعد المتناص مع إيقاعات المقدس والمنذور لتأويلات عادلة بمنأى عن وابل الاتهامات المزعومة والباطلة. قلت في ذات البعد التعبيري الثري بجماليات شعريته، تتفشى فكرة شاعرنا المعاندة والرافلة في حفريات تنقب وتصطاد المعنى الجديد.

" قيل بأن الناس كأسنان المشط

لكنهم ليسو كذلك.. سأحلق رأسي على كل حال

كي لا أضطر للمقارنة..

كذلك هو الدال الضمني في استفزازه لذهنية التلقي وتحريضها على إعادة النظر في الصلة الوجدانية بالموروث الديني، وتجاوز العقلية الكلاسيكية في معالجة الراهن في خضم فوضاه ودمويته واضطرابه، ومن اقتراح تفسيرات ملائمة ومواكبة تستجيب لإملاءات الروح المتجددة للعصر.

" الريش الأسود

لا يتفق مع التقليعات السائدة الآن

لا يتفق وأسلاك الكهرباء

ولا مع جثث

عدّلتْ كي لا تتعفّن

كان الله على العرش

يستمع إلى التسبيح المضاد

ويعاقبك طوال الوقت.."

لأن السائد موغل في الرمادية وسوداوية المشهد، اقتضى المحاججة بالخطاب الساخر المحفز على تدارك الموقف وإنقاذ المتبقي، وحمولة ذلك لا تتأتى بسوى التسبيح المعارض والمضاد، بمعزل عن الملاينات والمجاملات المنومة.

" ها أنت.. تعيدين احتواء قلبي السائل

ويتسرب ثانية من إنائك المثقوب.

ها هو قلبي مسكوب.. ينتظر طلوع الشمس ليتبخر."

خلاصة القول أننا إزاء هامة في فرادة تجربة وثراء أسلوبي وشعري، هي مفخرة للغة الضاد، لذا من الإجحاف أن نقاربها في سياقات طريفة سينمار، بقدر ما الظاهرة مدعاة لاحتفاء منصف يستجلب من درر الذاكرة ومضات تاريخية مشرفة نتملى من خلالها المقولة المأثورة لأبي طالب في مجابهة أبرهة الحبشي " طلبي أن تعيد الإبل إلى أصحابها. أما البيت فأعلم أن له ربا يحميه" .

والنهاية ليست تخفى على أحد. كما هو مصرح به في النص القرآني/ سورة الفيل.

 

احمد الشيخاوي

 

ركيزة الهيمنة الروحية.. الشاعرة الجزائرية خيرزاد ساسي في قصيدة: آلهةُ الحبِّ

adnan aboandolisلم يحظ موضوع ما في التفكير الإنساني، مثلما حُظي الحب بهذه اللطافة والإستذكار ألحميمي،فقد شكل وشغل حيزاً كبيراً من التفكير والإستئناس بهِ في عصور خلت ومضت ومازالت وأُخرى آتية وما بعدها، كونهُ محمولاً على دفقة شعورية من الوجدان مستأنسة ومتعلقة بأعماق الروح الملتاعة، بدءاً من الميل والهوس مروراً بالصبابة وحتى آخر مرتبة ومنزلة قلبية ألا وهي – الهيام – حدّ الوله – فأن الآلهة التي تحرسهُ أي القلب – ليس بغرابة التسمية _لذا تطرق الفلاسفة والدارسون والعارفون حق اليقين من أنه يستحق منا المزيد – فكانت دراسات مطولة في التأليف والبحث والتقصي وغيرها من إهتمامات الذائقة الإنسانية عموماً، هؤلاء بأقوالهم " من أن الحب مركوزاً في طبائع النفوس دائماً،فالطبيعة البشرية مجبولة على الحب دائماً لايعدم بها البتة،مادامت الخليقة موجودة " فـ آلهة الحب في الميثولوجيا ولدى الشعوب يتغير إسمها من حضارة لأخرى طبقاً للمتغيرات اللغوية،وهذا ما نود ذكرهُ لاحقاً:

في أفق غشّاه الغمام...

تلوح شعلة...

ألبستْ الحياة إيقاع الفرح...

كأنّ فينوس أتتْ...

تسنّ ناموس الحبّ...

وتنثر على الأرض...

عبير أنفاسها

المحب ينظر بعينٍ متفائلة،ذلك الرسوخ الوجداني الذي يحملهُ بين جنباتهِ بنزعة صادقة، أراها تطغى على كافة المشاهدات المصطنعة العيانية منها والمخبأة عنها، يحولها أي – المحب إلى رؤية تسُّر الناظِر،فالأفق الملبد بالغمام والغشاوة السوداوية ربما قبل الولوج في دائرة الحب –أي قبل أن يُحِب أو يُحَب !.. وكما قيل "طُوبى لمن أحب وعرف كيف يحب" فـ الحب مأخوذٌ من حبة القلب، فما يداهمُ قلباً تراهُ يتوهج جمالاً بشعلة الرؤية – النور أمامهُ ومن خلفهِ الظلمة –فلباس الآه – هو إيقاع فرحهِ القادم ... كأن فينو أتتْ – فـ آلهةِ الحب والجمال عند الرومان –وعند اليونان هي – أفروديت – فمعناها بكل اللغات – الجميلة – فهي الزُهرة في السماء – لأن مسكنها هناك متسامية عن بقية الأشياء الأرضية، وكما في ميثولوجيا الشعوب:

تُخبِّئ في بياض الياسمين...

قلبها العاشق...

وتسرق من عناقيد الوقت...

حبّة شرود...

قد يبدو إقتراب اللون في هذا المقطع، كمقارن حِسيّ بين الياسمين وقلب العاشق،فكلاهما مرتبطان بتوهج صادق من حيث – دفقة المشاعر- ياسمين – قلب – فالجامع بينهما هو – البياض الناصع – هذا الإتكاء على ركيزة ثابتة من اللوعة التي يخفف ثقلها هو   – البوح –المتنفس - الإرتكاز –هو تمدد النفس الحُلمي لحقيقة الحب، فصفاء قلب العاشق وتكدر نفسية المعشوق – مردهُ الشوق والغياب –فسرقة برهة من الوقت لإستصلاح تذبذب الدفقات – النبضات – التي تطرأ على محياهُ في اللحظة المواتية:

تعانق فيها لهب النّار...

وتُراقص زفيرها...

حافية الرّوح...

وتغفو محترقةً...

على شهقةٍ وُشِمتْ...

على صدر كيوبيد

الحمية الروحية طغت كلياً على إنيسيابية المشاعر والنفس في تسلسل المفردة تباعاً وفق معطيات مرتكزة على تفاعلات متبادلة من الإحياء – وكما نلاحظ معاً في – تعانق – تراقص – تغفو – وببدائلها – لهب النار – الزفير –الشهقة – الإحتراق –كلها مفردات داخلية تمور في الوجدان – متحركة ذات طاقة – هي التي تحتك بجدارها المعنوي قد تولد طاقة في الروح تمور وتتعالى بفعل – آلهة الحب – السماوية، فما زال سهم –كيوبيد يخترق ويطعن القلوب بإشتهاء اللوعة – ذلك السهم ذو الرأس الأحمر من أثر الدماء يغوص بأكباد العذارى عبر رسومات بريئة في جذوع الأشجار وجدران المدارس وحيطان البيوتات الفقيرة مع لوعات الآهات الملتاعة،أنه المهيمن بسطوة الخفقة والنبظة معاً،لتلك القلوب الملتهبة أبداً بالحب .

 

عدنان أبو أندلس - كركوك