المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الكتابة النسائية في الرواية العربية المعاصرة .. رواية الملهمات لفاتحة مورشيد (1)

alkabir aldasisiلعلمن بين ما يميز الروايةالعربية المعاصرة اقتحام عدد كبير من الكاتبات غمار الإبداع السردي، فبعدماخلا تراثنا من كاتبات في السرد بخلاف الشعر الذي سطعت فيه بعض الأصوات النسائية على نذرتها، وبعدما ظل عددهن محسوبا على رؤوس الأصابع في العصر الحديث، فإنه غدا من الصعب في الفترة الراهنة مواكبة كل الأعمال السردية التي تفيض عن مخيال النساء، بل منهن من أضحى رقما صعبا في الإبداع الروائي يستحيل دراسة أي محور في الرواية العربية المعاصرة دون الإشارة إلى أعمالهن، ومنهن من تفوق على الروائيين الرجال كما و نوعا، وأمست أسماء مثل سحر خليفة ،حنان الشيخ ، أحلام مستغانمي، قمر كيلاني، فوزية رشيد ، لطيفة الزيات، غادة السمان ،هدى بركات واللائحة طويلة... تفرض إسمها في صدارة لائحة كتاب الرواية المعاصرة... ومنهن من تشق طريقها بثبات وتبشر إصداراتها الأولى بمشروع روائية من العيار الثقيل إن هي استمرت في العطاء...

نفتتح سلسلة الروائيات العرب (في انتظار العودة إلى كاتبات أخريات في أعداد لاحقة) بشاعرة وروائية من المغرب، وإن لم تصل بعد إلى مصاف الرائدات، فإنها تسير بخطى حثيثة نحو إيجاد مكان لها ضمن الروائيات العربيات، إنها الصحافية وطبيبة الأطفال فاتحة مورشيد، فبعد ستة دواوين شعرية وحصولها على جائزة المغرب للكتاب عن ديوانها "ما لم يقل بيننا"مناصفة مع ديوان الشاعر المغربي محمد عزيز الحصيني "أثر الصباح على الرخام".. وبعد روايتي (لحظات لا غير) و(مخالب المتعة)، صدرت لها عن المركز الثقافي العربي ببيروت رواية (الملهمات) سنة 2011في 205 صفحة من الحجم المتوسط وهي موضوع حديثنا اليوم ...

تحكي رواية (الملهمات) تجربة شخصيتين من حلال قصتين متوازيتين تسيران في مسارين مختلفين، يحكي كلَّ واحدة ساردٌ مختلف عن سارد الحكاية الأخرى:

- الحكاية الأولى تحكي فيها شخصية أمينة تجربتها الشخصية وهي تعيش تحت ضغط الموت: أم ماتت قبل الأوان، حماة ماتت مجازا وتنتظر حتفها (بعد إصابتها بالزهايمر) و زوج ميت مع وقف التنفيذ (بعد حادثة سير ماتت فيها خليلته المضيفة)، وبقيت وهي تراكم الجثث على نعش الانتظار[1] . استغلت غيبوبة زوجها الذي كانت تعلم بخياناته لها مع عشيقاته، فاكتشفت كيف حول شقة في مقر عمله إلى وكر لخياناته يستغله هو صديقه الأستاذ إدريس الكاتب الناجح جعلاه فضاء لمغامراتهما مع عشيقاتهما، لذلك قررت الانتقام لسنوات صمتها بالبوح ببعض أسرارها، بعدما نهشتها الوحدة (بين زوج في غيبوبة وحماة غائبة عن الواقع وأطفال غائبين عن البيت)[2] ، هكذا أطلقت عنان لسانها تسرد حيثيات علاقتها برسام فلسطيني تعرفت إليه، وعاشت معه علاقة حميمية بعدما سافر زوجها إلى ألمانيا مع سكرتيرته ؛ علاقة تجسدت بلقاءاتهما على أرض الواقع واستمرت في العالم الافتراضي يغازلان بعضهما عبر الشبكة العنكبوتية ... كانت أمينة تحكي ذلك لزوجها الممدود أمامها، وهي غير متأكدة ما إذا كان يسمعها أم لا، تخاطبه قائلة: (لا أعلم إن كنت تسمعني أم لا.. على وجهك سكينة مَن تعدى مرحلة القلق، واستسلم لقدره.. مخلفا ترف القلق لي. لا يعلم الأطباء، ولا الشيطان نفسه يعلم، إن كنت ستستفيق من غيبوبتك لتستأنف حياة تشبث بها بكل كيانك.) وما أن أنهت حكايتها حتى فتح زوجها عينيه ليغلقهما إلى الأبد ..

- الحكاية الثانية يسرد تفاصيلها الأستاذ إدريس (الكاتب الناجح) كاشفا منابع الإلهام لديه، مستعرضا لقطات من علاقاته مع نساء متعددات في محاولة للربط بين ممارسة الجنس والإبداع ، وإبراز مدى إجادة (الكتابة بقلمين)، من خلال سرد تجارب جنسية مع نساء أذكين نار الكتابة لديه، سواء في شقة صديقه عمر أو في أماكن أخرى داخل المغرب أو خارجه (ألمانيا والصينوالخليج...) معتبرا النسوة اللواتي عاشرهن ملهماته، جاعلا من المرأة سبب أفراحه وأحزانه رابطا كل كتاب كتبه بامرأة معينة: (كل كتاب عندي مقرون بامرأة... كل فرحة عندي مقرونة بامرأة وكل انكسار كذلك)[3] ، لا يعتبر حياته إلا صنيع النساء: (أنا صنيع كل النساء اللواتي عبرن حياتي، بدءاً من التي منحتني الحياة، إلى التي أيقظت الرجل بداخلي، والتي فتحت لي باب الإبداع على مصراعيه، والتي جعلت قلمي يتألق، والتي كانت ورقة مبسوطة تحت يدي.) ، بعد استعراض مغامراته مع النساء، وفي نهاية روايته يميط الأستاذ إدريس ، في كتابه الأخير، اللثام عن سبب احتقاره للمرأة إذ يرتد السرد القهقرى ليلقي الضوء عن مرحلة حاسمة في حياته ، فمباشرة بعد وفاة والده وهو لا يزال طفلا يقول: (اتجهت وسط الظلام إلى غرفة والدتي استجدي بعض الحنان ، لأجدها بين أحضان دادة الغالية في وضعية تفوق الحنان، كانت الواحدة تقبل الأخرى بشغف وقد تحررتا من ملابسهما)[4] ليعلق على الحدث قائلا: ( كان هذا الحدث أول زلزال في علاقتي بالنساء)[5]

على الرغم من الجرأة التي قلما عهدناها لدى الكاتبات العربيات، وأخذ القارئ إلى تجارب غريبة يتلاحم فيها الإبداع بالجنس، فإن التفكير الذكوري ظل متحكما في كتابة مورشيد، فسمحت للرجل (الأستاذ إدريس) بالبوح بكل تفاصيل تجاربه مهما كانت غرابتها وحماقاتها ، في وقت حتمت على أمينة الاقتصاد في حكي تجربتها الوحيدة خارج إطار الزوجية ، ومنعتها – عكس ما فعلت مع إدريس- من سرد خصوصية العلاقة، مكتفية بتلميحات عامة، بل دفعتها في مرات كثيرة إلى قبول خيانات زوجها ، و إلى تزوير الحقائق حفاظا لسمعتها وسمعة أبنائها تقول مخاطبة زوجها الممتد أمامها في غيبوبته: (مجبرة على لعب دور البطلة العاقلة.. على حفظ ماء الوجه ونعي عشيقة ماتت في حادثة سير لتحررك منها وتهديك إياي لا حياً ولا ميتاً وأصرح أمام الجميع "المسكينة كانت صديقة حميمة وأنا السبب في وجودها بسيارة زوجي" . مجبرة على حفظ ماء وجه أبنائك واسمك، مجبرة على جعل الإهانة إكليل شهامة على رأسي).. إن الكاتبة جعلت البطلة تتحمل خيانات زوجها، وتحافظ على تماسك أسرتها وتربية أبنائها، بل الاعتناء بوالدة زوجها حتى بعد وفاته، فقد افتتح آخر فصل في الرواية ب (وضعت أمينة قبلة على جبين حماتها التي لم تعد تبرح غرفتها .. وزعت المهام على العاملين ببيتها وركبت سيارتها لتصل مقر (منشورات مرايا باكرا كربة أعمال تحترم شغلها)[6] وكأننا بالكاتبة تسعى إلى تكريس خصوصية المرأة المغربية التي تضع الأسرة فوق أي اعتبار، وقد تقبل في سبيل ذلك المهانة وإلا فلم ترعى أمينة أم زوجها الذي كان يخونها، ومات في فضيحة مع عشيقته ، وتدعي الزوجة أن المضيفة من معارف الأسرة، وأنها هي من طلبت منه إحضارها من المطار ..

يبدو من خلال حكاية إدريس التي أخذت القسط الأوفر من الرواية سعي المؤلفة إلى الربط بين الحب والإبداع ، إذ ربطت بين الكتابة عند إدريس وممارسته للحب يقول (قصتي مع الكتابة ممزوجة بقصتي مع الحب ، حيث يصعب علي معرفة من منها سبق الآخر .. كل ما أذكره هو جلوسي إلى المكتب بعد أول ممارسة للحب عن حب لأمسك بالقلم .. كانت متعة مضاعفة .. كان تفريغ قلم يستوجب تفريغ آخر)[7] بهذه العلاقة بين الحب والكتابة انطلقت الكاتبة على لسان السارد تستعرض اللقطات الحميمية التي جمعت الكاتب الناجح بملهماته دون أدنى إشارة إلى العلاقات التي سماها إدريس (مع مومسات أو عابرات لعواطفي)[8] مبينة كيف تفاعلت كل واحدة مع هذا الكاتب الناجح الذي كان كما يقول (دائم الجوع للنساء... يحبهن لدرجة السادية)[9] ونذكر من هؤلاء الملهمات :

- هناء: كانت أول ملهماته ، على الرغم من شعورها بالاحتقار في أول لقاء لما تركها واتجه للكتابة ، فإنها (سرعان ما اعتادت على طقس الكتابة الذي يكمل طقس المعاشرة الجنسية .. مما جعلها تجتهد في إنجاح العملية الجنسية حتى أستمتع أكثر وأكتب أغزر)[10] كان للملهم الأولى أثر خاص فانتهت علاقتهما بالزواج، لكنها توفيت بعد ذلك بسبب سرطان الرحم ، كانت في علاقتها به متضايقة من تفاقم عدد المعجبات مدركة أنه إذا كان (وراء كل رجل عظيم امرأة فأن أمامه نساء كثيرات مستعدات للقيام بالتضحيات نفسها حتى يستقيم لهن القلم.. وتستقيم له الكتابة)[11] ، هناك هي التي ألهمته كتابة القصة..

- ياسمين : كانت أول من دشن الشقة التي جهزها عمر(لأغراض إبداعية سامية ) الشقة التي سماها مختبر التجريب و(التجريب يستوجب تجريدا)[12] كانت طالبة تدرس عن الأستاذ الناجح ومن القارئات النهمات لقصصه، يقول بعد تجربته الأولى معها أن (مهاراتها الجنسية فاقت مهارات كل اللواتي عرفتـُهن من قبلها كما تفوقت في دور الملهمة بامتياز)[13] يضيف (فمع كل لقاء بها أخط قصة بكاملها .. وهكذا أصدرت أول مجموعة قصصية كانت فتحا في التجريب بالمغرب)[14] وانتهت علاقتهما بعدما شعر بأنها تتفوق عليه في الكتابة (فقد دفعها جموحها لكتابة قصص تشبه قصصي ... وحتى عمر طلبت منه أن ينشر لها ولولا أنه وفي لصداقاته ولي بالأساس ، لكانت سحبت البساط من تحت قدمي)[15] فكان ذلك سببا كافيا لاتخاذ قراره (من يومها اتخذت قرارا بعدم مصاحبة من لها مثل طموحي، ولا هي في نفس مجالي[16])

- لم تسلم من مغامراته حتى صباح صديقة أمينة التي حكت لها قصتها مع الكاتب الناجح متهمة إياه أنه (ربما يعرف استعمال قلم الحبر لكنه يجهل ما تنتظره امرأة من قلمه الخاص) منتقدة هرولته للكتابة بعد الجنس تقول لأمينة ( تخيلي أنه بعد ممارسة الجنس مباشرة نهض مهرولا .. وبدأ يكتب من دون أن يلتفت إلي أو يكلمني.. وعندما انتهى ... أراد أن يقبلني كأنه فتح قوسا.. أبعدته بحركة وقلت له: البس ثيابك وارحل ولا تعد إلى هنا أبدا)[17]

- زينة : ملهمة من طينة خاصة لم تكن متعلمة ولا من معجبات الأستاذ الناجح وإنما هي مجرد خادمة أسند إليها عمر تنظيف شقته السرية ثلاث مرات في الأسبوع ، أثاره يوما منظر مؤخرتها وهي تمسح البلاط ، كانت تجربته معها فريدة يقول (لأول مرة عرفت متعة أن تهتم امرأة بحاسة ذوقي، معها أحسني بدائيا أقرب ما أكون من الطبيعة .. كان مجرد حضورها بالشقة يجعل قلمي ينطلق وتطيعني الكتابة ... كانت تخلق حولي عالما قريبا من رغباتي الحقيقية) [18] (كل النساء أتعبنني بطريقة أو بأخرى إلا هي ، كانت عطاء مطلقا في صمت ... استمرت علاقتنا لسنة أو أكثر كتبت خلالها أنجح أعمالي)[19] ولم ينفصل عنها إلا بعد دخول شروق لحياته

- شروق :نجمة الغناء التي عاملت زينة بترفع واحتقار فانسحبت زينة من حياته (في هدوء مسلمة بأن المنافسة في مثل حالتها غير واردة)[20] تعرف عليها في إحدى السهرات ، أغواها بالكتابة بعدما سألته :ماذا تكب الآن؟ أجابها رواية بطلتها نجمة من نجوم الأغنية العربية. يقول (طلبت مني أن أكتب كلمات لألبومها الأول ... هكذا شرفت في عش الحب)[21] لكنهما سرعان ما افترقا لاختلاف طباعهما (هي تحتاج أن تنام على صدري (وأنا) أكتب بعد ممارسة الحب .. هي تنتظر مني كلمات لأغانيها وأجعل منها بطلة روايتي .. وأنا لي قلمان ينتظران أن أتفرغ لهما)[22] وكاد أن يتحول قرار فراقهما إلى مأساة عندما قطعت عروق معصمها محاولة الانتحار ، لم ينقده منها سوى عمر الذي حمل شروق لطبيب صديق أقنعها أن الفضيحة ستقضي على مستقبلها الغنائي ، على الرغم من كون شروق لم تكن ملهمة ولم يكتب إدريس أي شيء أثناء علاقته بها فقد صرح أن الإلهام كالدواء قد يأتي مفعوله متأخرا إذ كتب رواية (حكاية نجمة) بطلته نجمة للأغنية العربية عقب علمه بانتحار شروق في القاهرة.

- ثريا : زوجة شاعر كانت تحكي له عن غرور زوجها ، كانت (تظن أن بإمكانها ترويض شاعر .. وعندما يئست انتقلت إلى ترويض أصدقائه بلطفها وبراعتها في تنظيم الحفلات . يرجع لها الفضل في جعل اسمه يبرق في سماء الشعر نتيجة إتقانها للماركتينغ الثقافي) [23] يقول إدريس (بدأت أتردد على صالونها في حضور زوجها .. ثم في غيابه .. كانت تسعد كلما كتبت شيئا بعد مضاجعتها، ربما تجد في هذا شيئا من رد الاعتبار لأنها لم تنجح في أن تلهم زوجها ولو قصيدة واحدة) أثمر إلهامها أول رواية لإدريس يقول (كتبت خلال السنتين اللتين قضيتهما بصحبتها روايتي الأولى فقبلها كنت أحترف القصة القصيرة .. أحس بالامتنان لثريا بصفتها فاتحة الرواية كما كانت هناء فاتحة القصة )[24]

- ريجينا :الفنانة التشكيلية الألمانية أحس أمامها بأن الكلام الذي يتقن لا ينفع شيئا ، لذلك قامت تجربته معها على لغة الجسد والحواس (وما عرف قلمي فحولة شاهقة بهذه القوة) وفي آخر لقاء جمعهما (جهزت لوحة كبيرة بحجم سرير مريح ناصع البياض وضعتها على الأرض وأحاطتها بشموع صغيرة ... خلعت عني ملابسي، وخلعت عنها ملابسها ، ثم أمسكت بفرشاة وأخذت تصبغ كل قطعة من جسدي بلون مختلف وطلبت مني أن أفعل الشيء نفسه مع جسدها ... وما أن أصبحنا كفراشات الربيع حتى دعتني لأتمدد فوق سرير اللوحة .. ومارسنا الحب بكل ألوان الطيف ) بعد إشباع غريزتهما تأملتِ اللوحة التي أطلقتْ عليها اسم (نفس الصحراء) وعلقت: (ليس من اللائق إضافة شيء للجمال)[25] ليكتشف في نهاية العلاقة في غرفة مجاورة عددا من اللوحات بنفس الحجم ، واستعدادها لتنظيم معرض للوحات العشاق الذين ساهموا في إضافة شيء لفنها ويستنج وهو الذي يراكم الملهمات ويعتبر ذلك جنونا (بوجود من هي أجن منه تراكم بصمات الملهمين ورائحة أجسامهم أثناء فعل الحب في لوحات لتعرضها في معرض خاص)

- الملهمة الوحيدة التي أوحت له بكتابة قصة بقلم واحد ولم يعاشرها إدريس هي مغنية السوبرانو التي سمع صوتها لمّا كان بفندق بمدينة هانغشان الصينية ، أثر فيه صوتها الشجي وتخيل معاناتها في قصة اكتشف في ما بعد من خلال الكاتب الصيني الوحيد الذي يتقن اللغة العربية أن قصته لا تختلف في الجوهر عن قصة تلك المغنية وكانت جون كما يقول إدريس(أول امرأة تلهمني ولا أعرف منها سوى صوتها)[26]

- رجاء: - وهي صحفية سعودية - كانت آخر ملهمة تعرف إليها إدريس قبل إصابته بسرطان البروستات، عندما كان يقيم بفندق بالخليج ، مطلقة لها أربعة أطفال ، زارته لإجراء حوار وتطورت علاقتهما، وبعد مضاجعتها سألها عن سر وشم على شكل فراشة يمتد من صرتها على منبت شعرها ، لتحكي له رغبتها في المصالحة مع منطقة من جسدها كانت سبب كل مصائبها وفي آخر لقاء بينهما وكانت حائضا ، أخبرته أنها منذ وشمها لم تعد تخجل من جسدها ولم تعد تخاف من دم الحيض وإنما تراه( نبيذا أحمر يسيل من جداولي مرة في الشهر ليذكرني بالأنثى التي اخترت أن أكونها) شجعه كلامها على مضاجعتها وهو الذي قضى عمره يقنع النساء بأن ممارسة الجنس أثناء الدورة الشهرية مسألة طبيعية، يقول ( بعد ليلة حمراء على جميع المستويات تبولت دما ظننته في البداية من مخلفات دم حيضها ، لكنه تكرر بعد عودتي للمغرب وجعلني أستشير الطبيب الذي شخص لي سرطان البروستات لدي)[27] كانت رجاء آخر امرأة في حياة إدريس الجنسية وكانت المرأة الوحيدة التي مكث بين أحضانها ولم يحس بأدنى رغبة في الكتابة ، بل كانت المرأة التي أوقفت تدفق قلميه .

هكذا يعلن إدريس توقفه عن الكتابة وهو يعتقد أنه لا زال قادرا على الخلق وافتضاض بياض الورقة لكنه وهو الذي اعتاد الكتابة بقلمين يقول ( لا تستقيم لي الكتابة إلا إذا استقام لدي القلمان فالعلاقة بين القلمين وطيدة جدا حيث يعجز النسغ الأسود عن إخصاب الورقة إذا عجز النسغ الأبيض) ويكون ذلك سببا لاعتزاله الكتابة، لينتهي إدريس بعد هذا الكتاب متفرغا للقراءة مؤمنا أن ( فعل القراءة لا يحتاج إلى ملهمات)[28]

وبهذا تكون رواية الملهمات قد تغيّـت الربط بين الجنس والإبداع ، من خلال حكاية كل من إدريس ، في رواية حسب رأي ناشر العمل- (محكمة الحبكة وبالغة التشويق، متوغلة ببراعة في المناطق المعتمة من نفسية شخوصها) أما حكاية أمينة فلم تكن فيها أية إشارة لعلاقة الإبداع بالجنس عند المرأة. وكان حري بمورشيد الانتباه لذلك خاصة الكاتبة امرأة.. وكأنها لذلك تبيح الخيانة الزوجية ما دامت الخيانة مصدر إلهام ، إلا أن النهاية الدرامية التي وجهت إدريس إليها (سرطان البروستات) ووفاة هناء بسرطان الرحم الذي قد يكون انتقل إليها من تعدد شريكات زوجها .. يشفعان لها في الفكرة المطروحة من قصور.. من خلال إبراز مصير من لا يلتزم في علاقاته الجنسية.

إن رواية (الملهمات) تعكس بحق امتلاك الكاتبة للآليات والأدوات الفنية اللازمة لسبر أغوار الذات الإنسانية ومعالجة مواضيع شائكة ومعقدة تكون فيها مقنعة وممتعة. متجنبة توجيه النصائح وإصدار الأحكام في معالجتها للعلاقة الجنسية خارج إطار مؤسسة الزواج مفضلة وصف العملية ب (فعل الحب) بدل أي كلمة مشحونة بالدلالات والمواقف والأحكام الدينية والاجتماعية كالزنا والخيانة الزوجية ... في انفتاح على مرجعيات علمية فلسفية كونية ، بعيدا عن النظرة المحلية أو الدينية، مستشهدة بآراء العديد من المفكرين العالميين .

الرواية تضع الأصبع على نقطة جد حساسة في علاقة المرأة بالرجل، تتمثل في سؤال لما يبحث الرجل عن امرأة أخرى ؟؟ ولمَ يخون عمر زوجته أمينة في الرواية وهي مستعدة لأن تفعل معه أكثر ما يفعل مع عشيقاته؟ (كم وددتُ أن أكون شفافة أمامك.. عارية الروح.. وكان العري أشد ما تخشاه. أمضينا ثلاثين عاماً بثيابنا، بأقنعتنا، واحداً جنب الآخر. زوجين مثاليين، لا جدال ولا مشاجرة.. تمثالين نزيّن بهما وكرنا ونحرس السلالة). أوضاعهما المادية جد ميسرة : (من حسن حظنا، أو من سوئه، لم تكن لدينا مشاكل مادية تعيد العلاقات إلى أبجديتها وتجعل من الكفاح في سبيل لقمة العيش تواطؤاً) لكن قد يكون للغنى وتوفر المال دوره في بحث الرجل عن عشيقة لذلك وجدنا أمينة تتمنى لو كانت أسرتها فقيرة : (تمنيت لو يصهرنا الجوع أو العوز، أو تحتاجني فأظهر شهامتي وارتباطي.. تمنيت لو تدخل علي ككادح عرقه يفسح له الطريق، لو أحكي لك عن مشاجراتي مع الجارات حول تنظيف السلم، عن أولادنا وتفوقهم في الدراسة، عن ثمن الطماطم الذي تضاعف رغم شتاء وافر المطر...تمنيت لو أطبخ لك رغيفاً بسيطاً ولذيذاً كلمسة يد.. وأنت تلاحظ بشهوة فائض وزني الذي جعل فساتيني تضيق وتلتصق بي.تمنيت لو تسكب ضيق نفسك على رحابة جسدي، لو تصبّ علي شكواك، وأحسني أجمل ما لديك في هذه الدنيا.) وكأننا بالكاتبة تحاول أن تربط الخيانة بالوضع العائلي ، ذلك أن عمر وأمينة ينتميان لعائلة ميسورة الحال: ( بيننا خدم وحرس وسائق وطباخ ومربيات للأطفال. بيننا سيارات عددها أكثر من عدد أفراد الأسرة.. بيننا مسافات أوسع من قصرنا، وسكرتيرات خاضعات لنظام التجديد. بيننا أصدقاء بل معارف وسهرات وهدايا.. بيننا مسافات أبعد من رحلاتك. وصمت.. صمت.. صمت). هذا الصمت الذي ساد طيلة فترة زواجهما ولم تجد أمينة الفرصة للبوح لزوجها بما يعتصر في صدرها إلا عندما كان ممددا أمامها في غيبوبته : (أكان لابد أن تدخل في غيبوبة حتى انفرد بك؟)

إن قارئ رواية الملهمات يصادف تردد أسماء عدد من المشاهير من الكتاب العالميين أمثال: "بول إلوار"، "ونستون تشرشل"، "روني شار"، "أوسكار ويلد"، "لورد بايرون"، "موريس شبلان"، جبران خليل جبران، "بليز سندرارس". والإحالة على أعمال أدبية وفكرية عربية وعالمية معروفة أوردتها الكاتبة قسرا وفرضتها أحيانا كثيرة على السياق على الرغم من كون السارد ( الأستاذ إدريس ) كاتبا ناجحا وكان ورغم تعدد أسماء المفكرين يلاحظ غياب أسماء من اهتموا بعلاقة الإبداع بالجنس خاصة سيغموند فرود وعلماء النفس والتحليل النفسي ..

يستنتج من خلال حكايتَيْ رواية الملهمات إذن أنها تتقاطع في حكاية الأستاذ إدريس مع عدد من الروايات العالمية التي تربط بين الجنس والإبداع...وتتقاطع في حكاية أمينة مع روايات كثيرة يكلم فيها بطل الرواية شخصية مغمى عليها : روايات عربية كما في رواية "باب الشمس" للأديب اللبناني إلياس خوري، وفيها يحاور طبيبا والده المغمى عليه في المستشفى. أو روايات عالمية مثل الرواية الحائز على جائزة "الغونكور" الفرنسية، ونقصد رواية "حجرة الصبر" للأديب الأفغاني عتيق رحيمي، وفيها يروي معاناة امرأة أفغانية تحاور زوجها المغمى عليه بعد إصابته برصاصة في رأسه...

هذا وقد استطاعت رواية الملهمات لفاتحة رشيد ملامسة بعض القضايا الاجتماعية والأخلاقية على هامش الحكايتين ولعل من أهم تلك القضايا : مناقشة قضية الخيانة الزوجية ، وهي و إن كانت ظاهرة منتشرة في مختلف الأوساط فإن لها في الطبقات الراقية وضعا اعتباريا ودوافع أخرى غير الحاجة للجنس، ذلك أن الرواية تكرس كون الأسر التي تكون حاجياتها البسيطة متوفرة تبحث لنفسها عن تجارب أخرى خارج إطار عش الزوجية ، ما دامت الكاتبة اختارت أبطال القصة من أسر راقية: فأمينة وزوجها من وسط راق ، يسمح لهما ضغط الحياة اليومية بالانفراد ببعضهما إلا بعد دخول الزوج في غيبوبة، فوجدناالزوجة تتساءل ( أكان لابد أن تدخل في غيبوبة حتى أنفرد بك ؟ أكان لابد أن تهينني ليعترف الجميع بأنني زوجتك؟ فتختفي العشيقات كما بعصا سحرية كأن لهن منك الصحة والفرح ولي منك المرض والحزن )[29] ؟؟

كما حاولت الرواية بطريقتها معالجة قضية نظرة المجتمع لتلك الخيانة و قبول المجتمع لخيانة الزوج لزوجته ، دون قبوله العكس، واستعداد الزوجة للتضحية وتجاوزها عن خيانات زوجها ، هكذا وجدنا رغم معرفتها لخيانات زوجها تقتنع بنصيحة أم الزوج (لا تكوني غبية فتهدمي كل ما بنيته لا تدعيه يحس بأنك على علم بما يفعل .. دعيه جاهلا بمعرفتك لخيانته ليستمر في اتخاذ الاحتياطات اللازمة) واقتناعها بفكرة أن ( الرجل في هذا الزمن إذا خرج من بيته صباحا وعاد ليلا فهذا من فضل الله على زوجته) بعد أن تساءلت الأم: (من يستطيع مقاومة البنات في الشوارع؟ إنهن كالحوريات جميلات صغيرات متحررات ...) [30]

وإلى جانب الكثير من القضايا المتعلقة بالقيم والأخلاق طرحت الكاتبة قضية هامشية قد لا ينتبه العديد من القراء، تتعلق بصراع خفي بين المرأة المغربية والمرأة الخليجية، فضلنا تخصيصها بمقال خاص انتظرونا في مقال الصراع الخفي بين المغربيات والخليجيات في رواية الملهمات لفاتحة مورشيد قريبا

 

ذ.الكبير الداديسي

.................

[1] - ص - 22

[2] - ص- 184

[3] - ص 14

[4] - ص 179

[5] ص 180

[6] - ص - 197

[7] - ص - 25

[8] - ص - 27

[9] - ص - 91

[10] - ص - 28

[11] - ص - 29

[12] - ص - 68

[13] - ص - 69

[14] - ص - 69

[15] - ص – 70

[16] - ص - 70

[17] - ص - 78

[18] - ص – 86 - 87

[19] - ص - 88

[20] - ص - 90

[21] - ص - 100

[22] - ص – 100- 101

[23] - ص - 103

[24] - ص - 114

[25] - ص - 138

[26] - ص - 154

[27] - ص - 164

[28] - ص- 204

[29] - ص - 9

[30] - ص – 62

دهشة الروح .. قراءة في قصة "عاشقة من وراء ستار" للكاتبة المصرية ميمي قدري

mimi ahmad(توسدت رأسها صدره ..طلبت منه بصوتِ خافت أن يضمها بشدة،أحاطها بذراعيه كاد أن يجعلها تلجُ داخل قلبه التحم الجسدان كما التحمت روحيهما منذ فترة من الزمن، استيقظت من سكرات النشوة مُحدقة بصورة العذراء الأم وهي تحمل الابن المسيح عليهما السلام، حينها وبدون أن تشعر تحسست المصحف المرافق لها ولجيدها منذ الصغر) .. (عاشقة من وراء ستار / بقلم ميمي قدري)

 

الكتابة المختبئة وراء ستار الرمز، نادرا ما يتسرب منها العمق الدلالي. و حين يتعلق الأمر بالرمز الروحي في علاقته مع المدلول الجسدي، تصير الكتابة تجاوزا لواقع و تبشيرا بآخر.

محكوم على المتلقي، وهو يلج رحاب قصة " عاشقة من وراء ستار " للمبدعة المصرية ميمي قدري أن يلملم دهشته أمام النص ليفكك رموزه الخبيئة، و يقبض على بؤرة الحكي فيه، ضوءا و ظلا .

ما يقوله النص أكبر مما يكشفه المعنى. لسببين:

الأول: النص لولبيٌّ يُلَمِّحُ ولا يُصَرٍّحُ. يُجَمِّلُ و لا يُفَصِّلُ . و يذهب عميقا في صيرورة ثلاثية : الدين – الحب – الجنس.

الثاني: غايات النص تمزج بين التعدد و التوحد. تعدد المعنى الروحي المنفلت من كل كوابح. و توحد الروح في معنى الحب و الجسد.

"عاشقة من وراء ستار" قصة تعكس الحلقة المفقودة (الحب) في دائرة الثنائي (الصليب و الهلال). إنه ذكاء سردي يمتطي حلم الالتحام العاطفي في ارتباط مع توابث ألمقدس، ليؤول إلى ترسيخ دلالة مواربة : الحب فوق الأديان. لأنه من أسس الأديان.

المبدعة ميمي قدري انتقت من اللغة أقربها إلى المعنى الصادم. واختارت من المعاني أعمقها على صعيد الكشف المثير . من الدال (المسيحية) إلى المدلول (الإسلام)، أسست الكاتبة لعلاقة حميمة (معيشة أو متخيلة، ليس مهما تحديدها رمزيا) بين نداء روحي – جسدي مسموع الإلحاح. و استجابة دينية - عرفية – مقننة لتتويج إحساسين و قلبين .

يصعب الاستيقاظ من دهشة هذا النص . لأن مبدعته اختارت الأصعب لبنيات سردها : الرمز الديني المقدس المحتفي بالواقع الاجتماعي المعاش .

 

بهيجة البقالي القاسمي

قراءة في ديوان "ما أراه الآن" للشاعر خليل الوافي .. بحث في جدلية الرؤيا والزمن

1said assil – في البدء كان العنوان: يشكل العنوان عتبة أساسية لقراءة النصوص، بل هو مدخل حيوي لإضاءة العديد من الجوانب المظلمة أو الغامضة داخل نص/ نصوص أو كتاب معين.

من هنا ننطلق في قراءة ديوان "ما أراه الآن" للشاعر المغربي خليل الوافي.. من هذا العنوان الذي يؤشر على ثنائية "الرؤيا" الآنية/ الزمن. وتندرج ضمن الجزء الأول من هذه الثنائية كلمات وألفاظ كثيرة: (حلم – رأى – رؤيا – المرآة/ المرايا – أحلم – العرافة – السفر – بصير – الضوء/ الأضواء...)، وتندرج ضمن المكون الثاني لهذه الثنائية الألفاظ التالية: (الآن – المجهول – اكتشف – توقظني – مسالك – السؤال – مسافة – التيه – الصبح...).

تنطلق هذه الثنائية لتفترض وجود صراع بين عالم الرؤيا/ الحلم؛ الذي غالبا ما يرتبط بما نريد، أي باللامتحقَّق، في علاقته بالماضي، من جهة، وبالحاضر، من جهة أخرى، ليتشابك مع هذا المكون (الآن) الذي يرتبط بدوره بالحاضر، ولكنه في الوقت نفسه يتطلع إلى المستقبل:

ماضي     ←        حاضر         ←        مستقـبَل

ولعل السطر الشعري التالي يكاد يختزل العنوان، بل وقصائد الديوان كاملة:

تراني أقرأ فاتحة الطريق (ص:37)

إنه إذن محور الديوان.. فالشاعر يقف في وسط الطريق ليرى ما يعيشه وما هو موجود في الحاضر فيعيد القراءة، باحثا عن فاتحة جديدة/ طريق جديد غير ذلك الطريق الآني ولا الماضي.. إنها فرصته للرحيل إلى الآتي/ المستقبل الذي يفترض أن يكون خلاف هذا الموجود المتحقق اليوم.. وهو ما يجعل الأمر الرؤيوي حاضراً بقوة في قصائد الديوان كلها ... وهو أيضاً ما يؤكده آخر مقطع في الديوان:

أنا العربي الغاضب

أسخر منك يا مولاتي

حين لا أجد في جيبي

وطناً يقرضني ساعة

للحلم. (ص:82)

 

2 – الرؤيا في ديوان "ما أراه الآن"

الشاعر خليل الوافي مهووس برسم صورة للعربي اليوم، لكنها، في الغالب، صورة قاتمة.. صورة لذلك العربي الذي يحمل معه صورته القديمة في حاضره ويرسم لنفسه مستقبلاً غامضاً؛ فلا هو محافظ على بعض الملامح الإيجابية للعربي القديم ولا هو استطاع رسم صورة لعربي اليوم/ الحاضر الذي وجد مكانته في عالمه .. إنه دوماً ضائع.

تتشكل الصورة الأولى من خلال استحضار مجموعة من الرموز العربية القديمة، سواء كانت أسماء أشخاص أو أماكن أو مدن:

بالأمس ...

كان ابن ذي يزن

يحمي الماء من الهرب

كان عنترة يركض خلف الخيل

أسفل الموت

وأنا – وحيداً –

أجمع حطب الغابات المحترقة

في سؤال الأرض

تركب العير وحشة الأرض

أقرأ صرخة طارق،

تاريخ الحروف ألملم

نحو بوصلة زياد

...

(من قصيدة: "لا أحلم كما أشاء"- ص: 10 - 11)

تغدو هذه الأسماء التراثية العربية ملجأ للشاعر الذي يظل عالقاً في "حطب الغابات المحترقة" ليجتر الأسئلة التي أجاب عنها عنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن وطارق بن زياد ... كلهم كانوا يملكون البوصلة التي تنير لهم طريق المغامرة وتوضح لهم الاتجاهات الأربع، ما داموا لم يعرفوا الاتجاه الخامس الذي لا يعرف العربي اليوم غيره...

لقد عاش العربي القديم في الصحراء وألف رملها وعِيرَها، وتدثر بسمائها في كامل الربع الخالي حتى ألفته ... كان هذا الربع خاليا إلا من الشعر والسيف وكثير من النخوة ... كل هذا الزاد كان بالنسبة له ثريداً يستشعر من خلاله قُوَّتَه وعنفوانه، على عكس العربي المقتول/ المذبوح بضعفه ومهانته ومهادنته ومذلته:

(...) قولي شيئا يمسح عني

دمع الصبا

والتربة العربية

العالقة في حلقي...

 

أعرف سيدتي

ما كان لي أن أكون

لحظة مخاض

أراقب هبوط ليل

هارب للتو من عين المقصلة...

( ما كان لي أن أكون- ص: 43)

ما الذي ينتظر هذا الإنسان، إذن، وهو لا يقوى على الانفلات من حاضره، ولا يقدم له الدمع أي عزاء، ومع ذلك يحاول التخلص من التربة العربية التي تأبى الانفكاك عنه، في الوقت الذي تلاحقه المقصلة في كل مكان وفي اللامكان، دون أن يظفر بالمكان/ الوطن الذي يصبو إليه، فيصرخ:

أنا العربي الغاضب

أضع تاريخ أمتي جانباً

وأبحث عن وطن

يحمل اسمي

بعيدا عن جغرافيا الأمكنة...

(أنا العربي – ص: 80)

هذا هو الخلاص الذي يلهث العربي وراءه في محاولة منه للهروب من واقعه .. ولا فكاك له، فيصرخ مرة أخرى:

أنا العربي الغاضب

أحمل نعلي هارباً نحو الحدود،

والقوم خلفي،

وصورة الجنود لا تفارق حلمي،

ويمتد القتل فينا

حتى ذاك الطفل الوليد ...

(أنا العربي – ص: 81)

فأي مصير ينتظر هذا الهارب نحو المجهول، والكل يلاحق خطوه، والكل يطلبه كبيراً أو صغيراً، أو حتى وليداً ... ما هو الخيار إذن؟:

أختار بيتي وقبري الجديد

أداوم الاعتراف أمام موتي

أمام سيل الأسئلة التي تأتي

وأخرى تغرق في وادي الصمت

يخضر وجعي...

( شيء من التيه في زمن الحرب- ص: 65)

كيف يتحول القبر إلى بيت للاستقرار في هذا الزمن العربي؟... وأي بيت هذا الساكن في المقبرة الجديدة، أو البيت الجديد الذي تسكنه مقبرة... لا فرق، إذن، ما دامت المقبرة والبيت قد تحولا إلى شيء واحد .. إلى فضاء بصيغة المفرد المثنى، وهما يمتزجان معا ويتوحدان ... ذاك هو البيت الذي غدا يقطنه العربي اليوم وغداً، حالماً بالانتقال من زمنه القديم والفرار من عقاله المقيِّد له، وجلبابه الذي ما فتئ يرتديه رغما عنه.. وهو رمز آخر للضعف وعدم القدرة على الانفلات من رقبة الماضي المعشعش بكامل أغبرته، والحاضر الأليم بكل صوره وإحباطاته وهزائمه وانتكاساته:

" تخرج يدي من فرط التلويح

على حافة البحر

منارة تطل بضوئها الخجول

يرقد الحلم بعيدا في سباته القديم...

(شيء من التيه في زمن الحرب- ص: 64)

وهنا يصبح الحلم ملجأ للفرار من الحاضر، مما يؤشر على مجهولية المستقبل وضبابيته، بل سوداويته، أحياناً، فينتصب البعد التشاؤمي مهيمناً عبر معطيات قصائد الديوان:

إقتربْ أيها الليل الغريب

في يدي

لعلي أمسك نجمك العالي ...

فتبدو عصبية تلك العروبة

البعيدة عن وطني

(امرأة الليل – ص: 72)

إن محاولة القبض على الحلم/ النجم العالي محاولة يائسة يصعب معها اختزال الوطن في العروبة أو العروبة في الوطن حيث يشتد سواد الليل ليعم فضاء هذا الحلم الجميل ويرتد الشاعر حسيراً يبحث لنفسه، ولغيره، عن قبس نور يضيء عتمة هذا الليل الغريب، فماذا يفعل الشاعر سوى أن يصرخ، ولكن في وجه نفسه:

أصرخ في وجه نفسي

ماذا عساي فاعل؟

ويداي تخونهما الإشارات

في ملح الجرح

أي شيء يغسل وجه عَرَبِسْتان

من وجع الأرض...

(أنا العربي- ص: 79)

هل حقا كان الشاعر خليل الوافي يبحث عن رؤيا جديدة أم أنه ظل يتلمس رؤيا غيره ليرى بواسطتها؟.

ولنقل إنه يرى، لكن بعين يوسف، ما لا يراه غيره، ويتمثل دوره في حمل هذا الهم كله، كما حمل يوسف هموم قومه:

أرى يوسف

يحمل هم أحد عشر كوكبا

والطير تأكل من رأسي

ويعقوب قد ارتد بصيرا

(ما أراه الآن- ص:50)

فهل نعتبر هذا المقطع الأخير مؤشرا على التفاؤل الذي يغيب عن الديوان، في محاولة لاستشراف أفق يبعث عن الأمل، رغم كل السواد والتشاؤم المهيمن على عالم قصائد الديوان كلها؟!...

لعله كذلك، خاصة إذا علمنا أن الديوان ينتهي بهذه الصرخة المتحدية:

أنا العربي الغاضب

أسخر منك يا موتي

حين لا أجد في جيبي

وطنا يقرضني ساعة

للحلم...

(أنا العربي – ص: 82)

 

3 – " ما أراه الآن" بين الحوارية و "الحكائية"

ظاهرة أخرى تلفت النظر في ديوان "ما أراه الآن" وهي هذه القصيدة- الحكاية، حيث النفَس الدرامي، حين تتقدم المقاطع الحكائية في النص، تتوسد السرد والحوار معاً في إطار مقطع طويل أو دفقة شعورية ممتدة تأبى التوقف حتى الزفرة الأخيرة... ولعل خير ما يمثل ذلك قصيدتان هما: " في قرع الباب" و "شيء من التيه في زمن الحرب".

في قصيدة "في قرع الباب" يبدأ النص من لحظة البداية التي تعكس إطلالة الشاعر/ الصوت على فضاء ضيق:

أقرع الباب..

يطل وجهي من الطابق العلوي

من شرفة البيت

لونه تداعى للسقوط

يترنح ظلي خلفي

أبحث عن نفسي .. عن لغتي

في رطوبة الجدار

في رائحة الشاي

يدق قلبي زمن الانتظار. (ص: 15)

ثم ينمو المشهد في تداخل مونولوجي يرتد إلى الماضي/ التذكر:

أقرع الباب..

كل شيء يوحي أنني أعرف هذا المكان...

هل كنت هنا بالأمس؟

توغلت في دمي

في الذات الشاردة

في الصراخ الطويل

في العويل المباح

كي أرى نفسي في السراب..

غريبة أنت سيدتي.

( ص: 15 – 16)

ثم تتطور اللحظة إلى تأمل الذات، التي تدخل في هذيان تساؤلي يشك في الأشياء بحثا عن مخرج، لتستسلم الذات في لحظة تالية (المقطع الرابع)، تنقل نفسها إلى عالم الحلم. وفي المقطع الخامس تستمر "الحكاية" بين لحظة الآن/ التأمل ولحظة اليقظة التي تصطدم بما هو واقع ... وفي المقطع السادس تعيد الذات قراءة ما هو كائن في لحظة إنصات لبعض الصور، لتختتم القصيدة بمقطع سابع يحاول إعادة ترميم الذات المنكسرة من خلال استحضار صورة "صبي"/ ولادة جديد(ة):

أقرع الباب..

أَفْرُكُ حلمي

تتجدد صورة الإطار

على ثلة العودة:

صبي يتعلم السير ببطء

كي لا يخطئ طريق المقدس

...

...

...

(ص: 19)

وهو المقطع الذي يضفي جوا تفاؤليا يستشرف الولادة القادمة، لعلها تعيد إحياء ما مات وإيقاظ مامُوتِ الذات المهزومة....

وفي قصيدة " شيء من التيه في زمن الحرب" ينمو الصراع الدرامي في سيرورة الحكاية التي يخترقها الحوار، حيث يستحضر الشاعر صوتا آخر يتحاور معه، فتتداخل الأصوات والرؤى لتعطي للقصيدة فرصة التطور...

تبدأ القصيدة هادئة، ثم تتذكر الذات حوارها الذي يتداخل بدوره مع أصوات أخرى، وهكذا حتى آخر القصيدة التي تنتهي بمحاولة إيقاظ الأمل، مرة أخرى، وبنفَس تفاؤلي:

أجمع فتات الكتب المحترقة

أعود لمقتبل العمر

ألعب في الزقاق الخلفي

كي ينتصر الحلم ثانية

كي ما تصبح شقائق النعمان

فراشات بيتي....

(ص: 67)

مما يؤشر على ضرورة انبعاث جديدة تعيد الحلم مرة أخرى، وهو ما يرتبط بنهاية قصيدة "في قرع الباب" السابقة.

 

على سبيل الختم:

ديوان خليل الوافي: "ما أراه الآن" قصيدة واحدة تحمل رؤياها لتعمل على إشراك القارئ في تفاصيلها، حتى يغدو بدوره مشاركاً منخرطاً في إعادة بناء القصائد/ القصيدة من خلال رؤيا "جمعية" تتجاوز الشاعر – كعرَّاف – لتتماهى الذوات العربية في لحظة واحدة يتوزعها الكلام واللغة والصورة، في محاولة لاكتشاف رؤيا تلك الذات...

الديوان/ القصيدة صرخة في وجه الألم الذي يحياه الإنسان العربي في تخوم واقع مهزوم شر هزيمة ، كلما حلم بفرصة جديدة ولاح له أمل ما كلما ذُبِح العربي والأمل معا من جديد.. إنها صخة البحث الدائم والدؤوب عن الذات وعن الأنا/ النحن الضائعة، ولكن يظل الأمل موجوداً وقائما ولو وسط الركام...

 

د. سعيد أصيل-المغرب

 

قراءة في (أبناء الشيطان) للشاعر عبد الجبار الفياض

raeda jarjeesإن الأدب كأسلوب من أساليب التعابير الإنسانية التي يٌترجم بها الفرد أحاسيسهُ وخواطرهُ وعواطفهُ تاريخه ُ أو تاريخ مراحل من حياته و سطور من عمر وطنه وآلامه وأفراحه ومآثره

عن طريق رسم الصور بالحروف

لذا فانه يرتبط ارتباطا وثيقا باللغة والتراث والتاريخ

إن أشكال الأدب متنوعة من شعر ونثر ، قصة وقصة قصيرة وطويلة ، مقال ......... وما إلى ذلك

الأدب الذي دونه الشاعر عبد الجبار الفياض شعراً هو أدب متكامل من حيث اللغة ، فسلاستها وقوتها وخلوها من الأخطاء النحوية والإملائية ومن حيث الصورة من الخيال والتركيب ،الانزياحات اللغوية وعدم الاستهلاكية وقوتها وارتباطها الوثيق بالإيحاء المعبر عن الفكرة وانسجامها بموضوع النص .

الشعر عند شاعرنا المتألق هو مائدة دسمة للحرف والتاريخ والعاطفة . . .

وليس غريبا على ابن خزانة العرب البصرة الفيحاء أن يترجم أحزان مرحلة من التاريخ ويرسم عواطفه هنا شطا من الإبداع يعكس ثقافته الأصيلة وسعة مداركه لغويا ، تاريخيا وسياسيا . . .

بدءاً من العنوان

أبناء الشيطان

فهم القتلة التعساء هم المنافقون الذين راهنوا على الوطن بالدولارات وبقوا رهناء الذل والعار، وهم من زرعوا الحقد وبثوا الموت في الوطن :

تحملون الشيطان في عيونكم

ليرى مالا ترون

وترون ما يراه..

تسبقه أيديكم لملأ فمه

وقبله لا تشربون....!

تتلخص شخصية الشاعر من أول كلمات الإهداء(إلى من علموني إلى كل صرخة منخنقة

(من علموني) هم من علموه فن أول حرف ينطق ، وأول حرف يكتب هم أهله ، هم معلموه ،مدرسته الأولى ثم إلى كل صرخة منخنقة . . .

هذا عنوان الوفاء عنوان المحبة وترسخ الذات في حب الوطن وأهله فمن غيرهم اختنقت صرخاتهم .

يجمع الفياض بطيات (أبناء الشيطان) الرموز السياسية ، الدينية التاريخية والأسطورية في تسلسل جميل ينم عن معرفة تاريخية عميقة ودراسة تراثية لحضارات متعددة مما يفرض على القارئ أن يكون ملّماً بتاريخ هذه الشخصيات كي يتسنى له فهم معاني ما جاء به الفياض

وتوقف قلب غاندي برصاصة خائفة

لكنه عاد يخفق من جديد

أكوان تولد في كون . . .

الوطن عند الفياض قداسة ونقاء وعز حيث يصوره بالنبي فيقول :

وطني أيها النبيّ

أن حاربوك فأنت نبيّ

إن شتموك فأنت نبي

 

إن قلبوا لك ظهر مجن

فأنت نبي وأنت أنت

حيث تعصب راسك الثريا

وتحت قدميك

يركع كافرون بجلال تألقك...

والوطن عنده محبة وإكبار وولادة :

أرادوا اغتيالك فشطروني ..

فكنت نصفا يحبك إلى حد الموت

ونصفا يلعنهم حد الرجم . . .

.....

مسحوا ظلي في لحظة

وفي لحظة

أورقت حياة من رحم آخر. . .

والوطن عنده لوحة جمال أولها الشمس . .

بيان رقم 1001

أريد بيتا

لا تشرب نوره ظلمة

يفتح نافذة الشمس

يجلس القمر على عتبته

أريد وطنا جمعا

يصلي

لا يشنق هلاله بحبال عاد وثمود

أريد سماء لا يحجبها دخان

من أودية الجان

أريد وطنا

لا يستقطنه طرواديون

رغاليون

ومن جاءوا بدم كذب

وطنا

تلغى فيه خطوط الطول

وخطوط العرض

مساحة تخلع عند دخولها النعلان

وطنا

بألف ليلة

لا بألف بيان

. . . . .

وينهي شاعرنا المتألق مجموعته أبناء الشيطان بالنص

وصية حيث فيه يختزل آيات الكلام من لغة ووصف وبلاغة وقوة تعبير :

أيها السائر نحو اللآنسيان

لا مغيب

لا توصي بشيء

فأنت وصية

حفظها في القلب

بين جفنيه

وطن..........

...........

هكذا كانت رؤيتي لــــــ (أبناء الشيطان) للمبدع الشاعر عبد الجبار الفياض وهو يصوغ المتعة للقارئ بلوحات تعكس الألم والفرح معا، لوحات تحاكي زمن مضى بدموع من دم بألوان إبداعية تفرض نفسها على الساحة الأدبية وجها وضاء من الأدب العراقي الذي نفخر به ويكون مصدرا للغة والفن الجميل . . .

قراءة في رواية حصار العنكبوت لكريم كطافة

الى المغيب د. عبدالستار القيسي**، الذي لو التقيته يوما لقبلت التراب الذي يمشي عليه.

ينتمي كريم كطافة الى جيل نادر من الثوريين العراقيين، هو جيل تفتحت افاقه في بداية السبعينيات، مفعم بالجهد المثابر للقراءة والاحلام الثورية الرومانسية. هو سلسل حركة ثورية مفعمة بالتحدي واحلام التغيير. وجد هذا الجيل طريقه الى الكفاح المسلح بعد ان قلب النظام الساقط ظهر المجن لليسار وفي مسيرة نظام كان همه تحويل الشعب العراقي الى شعب على مقاسات صدام. اهم انجازات هذا الجيل قدرته على التحدي. هو جيل شاغب السلطة وكسر هيبتها وأذلها في احيان غير قليلة وتحدى ارهابها المجنون. جيل مشبع بالوطنية ومبادئ العدالة الانسانية والاممية ، مأثرته الكبرى كانت في اعادة الهيبة لنضال للحزب الشيوعي العراقي بعد هجمة النظام عليه في 1978 . تكمن مأساة هذا الجيل في ما افرزته الحياة وبالذات بعد 2003 والتعمد في دفن مأثرته من خلال التنكر والاهمال له، بل إن نهجهم هذا وتضحياتهم تلك، التي لا تتعارض مع قيم اي انسانية أو وطنية، لم تجد لها صدى في حياة العراقيين في السنوات اللاحقة. يطرق كريم كطافة على الذاكرة العراقية المخربة اصلا، والتي يجري العمل الان على تشكيلها بصيغ دينية، طائفية، شوفينية او ذات افق قومي ضيق وبصيغ لا وطنية. تشكل هذه الرواية جزءاً من الانصاف لهذا الجيل وبطولاته، والمساهمة في تشكيل الذاكرة العراقية على اسس وطنية وانسانية. جزء هام من بيان هذا الجيل نجده في مقدمة القصة التي كتبها الكاتب.

يسعى كريم كطافة في روايته إلى توثيق حدثاً هاماً من حياة هذا الجيل الثوري الذي سعى بزهرات شبابه وطاقته ان يجسر المسافة بين الحلم والواقع، هي فترة الحصار وبطريقة الشبكة العنكبوتية لمجموعة من قوات الانصار والبشمركة ولمجموعة من عوائلهم وعوائل اخرى في جبل كارة الاجرد والجاف، في الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العراقية الايرانية وتَفرغ النظام لضرب الحركة الكردية المسلحة. قام النظام بشن حملة ابادة شاملة للريف الكردستاني و ( لأول مرة يقدم الفلاحون على رحيل جماعي بهذا الذعر الذي يجبرهم على ترك بيوتهم كما هي، وأن يفروا بجلودهم، وحتى دون قتال، ودون أن يدروا شيئاً عن وجهة رحيلهم القادم ص 141)، وهُجر النظام العديد من عوائل الانصار في الفترة السابقة لحملته باتجاه قواعد الانصار وضمن مخطط مدروس مسبقاً. شكل هذا الحصار جزء من عملية ابادة عنصرية وشوفينية للشعب الكردي وهي عملية الانفال الذي ذهب ضحيتها 180 الف مواطن عراقي كردي. عوائل الانصار (يقدرعدد الضحايا ب 196 شخص في اقل تقدير) من الاطفال و النساء والشيوخ معظمها من اليزيدية، التي اضطرت ان تسليم نفسها للسلطة، تم ابادتها ولم يُعثر لحد الان على اي اثراً لها، ولم يحفظ النظام الساقط وعوده التي سبق وان اطلقها. هذه الفترة تتطرق لفترة بضعة اشهر من حياة الانصار والتي تمتد الى مايقارب إحدى عشر سنة.

عتبة الرواية تبدء ب (فواد يلدا .. مازلت الجرح الناتئ في روحي)، هذا الاستهلال سيضع القارئ وبالذات العراقي المبتلى بالفقدان ومن خاض معارك النضال من اجل الشعب العراقي، ان يتساءل كم من الجروح الناتئة في روحه، من هو الاكثر شعورا بالامان؟ من جلجل بصوته هاتفا بحب شعبه ووطنه وسقط شهيدا ام من يستعيد تلك الصور مقاوما النسيان. يصعد الكاتب بهذا الاستهلال شيئاً فشيئاً من المستوى ذي الطابع الشخصي والذي له مرارته الخاصة في حياة الكاتب ليتحول الى سؤال عام لامس حياة شعب وحركة ثورية. من هذا الاستهلال ترتسم صور اولئك الذين اختطفوا منا بصور ابتساماتهم وجلجلة ضحكاتهم وصخب تواجدهم او هدوءه. كل منهم كان له صورته. لم يبق لنا الزمن شيئا كثيرا فقد جاوز معظمنا من العمر ثلثيه، لكن تبقى صورهم كما هي شابة، مفعمة بالحياة، وبابتسامته تتحدى الايام.

تتميز رواية حصار العكنبوت بروح الالفة التي تخلقها مع القارئ. تكتسب هذه الالفة مظهرها في القراءة المتواصلة لرواية كبيرة الحجم والتماثل مع عوالمها واجوائها وشخصياتها وتوثيق احداثها، تتسع هذه الالفة وتضفر وشائجها مع القارئ الذي سيبقى يبحث عن الحدود الفاصلة بينه وبين الرواية. لا تنشا هذه العلاقة بسب دراما الاحداث فقط وحجم المأساة والمجزرة وانما بالصياغة والاساليب المتنوعة المستخدمة في اقامة عمارة الرواية المتكاملة.

تبدأ الرواية بناء أحداثها بعين سينمائية، هادئة، رقيقة، مسالمة الى حد ما على جبهة الحرب بين ألانصار والسلطة، وهى تشمل توصف حياة الانصار وطرق التحاقهم ومواقع ألانصار وروح النكتة والسخرية والتحدي وغيرها من اليوميات المألوفة في حياتهم، بحيث تُبنى هذه الالفة وتهيأ القارئ للاحداث والمرارات القادمة. لم يهتم الكاتب في توصيف الشخصيات فقط وهو عامل هام في رسم لوحة متكاملة للشخصيات واجوائها وانما اهتمامه الاكبر كان بفعلها وقوة هذا الفعل، فقد قدم شخصيات مشتركة في خيارها باقتحام المجهول ولكن في اللحظات التي تكون مع الموت جيران وحين يفقد الموت طقوسه، تتفرق مصائرها، خاصة عندما تتحول مفردة واضحة كمفردة ( فاشل بو) الى كودة السر لدخول الجحيم ص 145. هي شخصيات حقيقية استلها كريم من احضان تلك الحياة. رسمها بصورة صادقة وأمينة ولم يتلاعب فيها كثيرا، ولم يسعى اصلا لإخفائها الا بمساحيق خفيفة بما يتطلب بناء الرواية، بل بالعكس سعى من اجل توثيقها وتوثيق تلك الاحداث.

فؤاد يلدا وهي شخصية حقيقة، شاب شيوعي بصراوي في اواسط العشرينيات من عمره، مدهون بلون الشمس وبعيون ملونة، ترك ايطاليا بعد ان انهى دراسة النحت فيها والتحق بقوات الانصار، وعلى لسانه في الصفحات الاولى، ينطلق رنين الانذار القادم بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية (حمار الملك لم يتعلم القراءة والكتابة، الجنود جنود، انتهت المهلة يارفاق ص 14). هذا الرنين سيتحول الى سؤال كبير وبالأحرى الى اسئلة كبرى، اهمها ماذا اعددنا بعد الحرب؟. يغيب فؤاد بين فصول الرواية مع شخصياتها ويظهر هنا وهناك، وليظهر لنا في نهايتها بخياره الواعي والمأساوي بالانتحار على تسليم نفسة لجيش السلطة. سهراب القابض بيده على الجمر وحمل كتفيه بمسؤولية وحياة رفاقه الانصار من جهة وحمل حياة زوجته واطفاله المهجرين باتجاه قاعدة الانصار من جهة اخرى، والتي تؤنفل لاحقا، هذا الحمل يتحول الى بوصلة في تحديد خياره بتحدي الموت ومواصلة القتال بعد انسحاب الانصار باتجاه الحدود التركية.

سعى الكاتب لتناول شخصياته بحيادية. يمكن تلمس ذلك في طريقة تناول شخصية ابو منيب مسؤول الفوج الذي موه الكاتب إسمه فقط، رغم عدم قناعة الانصار بقيادته لهم والتي نجده مثلا في صيحة رزوقي المستفز على الدوام (باكيت الزبد شوكت يطلع من الثلاجة !! ص 98)، لكن الموقف يتجسد لاحقا، حين يبحث القائد عن خيار فردي لنجاته بهربه الى سوريا مستغلاً خطوط التنظيم المدني، تاركا انصار فوجه بين فكي الموت. هذا الامر في حقيقته، هو سؤال يثير الكثير من المواجع.

شخصيتان تشكلان ضفتا الرواية والتي تبقى ظلالهما مرافقة لكل احداث الرواية. الاولى هي شخصية نظام مجرم يقتات على ارهاب وتجويع واذلال وابادة شعبه، لم ينجو من شره لا البشر ولا الحجر. نظام كان يريد ان يفصل شعب على مقاسه ولم يتهاون يوما مع من يكون خارج هذا المقاس، لم يترك كريم كطافة فرصة في سرده الا واظهر اجرام هذا النظام. مرة يصفعه واخرى يبصق عليه وثالثا يظهر خواءه وعداءه الاهوج لشعبه ولم تغب في تفاصيل الاحداث وبؤر الصراع مسؤولية النظام الساقط عن هذه الجريمة. والثانية هي شعب يأكل الحجر كي يبقى يقاوم. مجد الكاتب بصدق وامانة بطولة الشعب الكردي وصموده وتحديه ومجد حركة الانصار واصرارهم المقدس الا أن يكونوا في موقع المدافع الامين عن ارادة وطموح شعبهم.

لم يسقط الكاتب رؤيته المسبقة على الأحداث والشخصيات ولكن عرضها امامنا بشيء من الانسيابية والعفوية كما هي في واقع حياتها. ما يجمع معظم هذه الشخصيات هو النزعة الانسانية فيها وطابع التحدي والمقاومة في مجمل حركتها، حتى موضوع عشق النصير خديدا في خريف العمر لعاهرة تلعب دورا مزدوج بين السلطة والانصار يتحول موضوع للتندر والمشاكة بين الانصار (ليش خديدة... ليش!! ص43) بدل ان يكون محطة لانفجار المواقف، حتى البغال والتي هي شريك حياة الانصار والحيوانات الاخرى تكتسب هذه النزعة وتكتسب موقفا حين تكون جزءا من حياة الانصار وتلهث مع البشر في طريق خلاصها، كما هي في شهامة بغل السرية الوحيد (مارادونا) الذي يفتدي بنفسه ثلاثة من الانصار والذي يبقى مصيره مجهولا ما بين القتل او الجرح او الاسر وربما تضحك في سرك حين تتسأل عن كيفية تعامل السلطة لاحقاً مع بغل الانصار الاسير. كذلك مأساة البغل النورس، بقرة عابد والتي يصوم عابد عن تناول لحمها حين تذبح لإنقاذ الجياع. دببة تترك مكانها لعاشقين وزوجين يلعبا في ساحة المراهقة وغيرها من الصور.

   يؤثث كريم كطافة المشهد من جوانبه المختلفة وبمهارة واناقة متميزة (الزمان، المكان، الحوار، الذاكرة، ردود الافعال، الحلم، الملابس، الامراض، السخرية ...الخ)، مما يجعل المشهد نابضاً بالحياة، ويجعل من الحدث ذي بهرجة جميلة غير مفتعلة حتى يخيل للقارئ انه يرى بعيون الشخصية نفسها. ففي ص 242 تشعر وكأنك ترى اللون الحنائي لبسطال الضابط الواقف على أحراش نهر صغير إختفى فيه ثلاثة من الانصار ويتداخلك الخوف الناهش فيهم ( رؤوس الثلاثة مفرغة من التصميم لا شيء فيها غير صوت دوران الدماء في العروق، ولعله ذلك السائل الذي يدعونه بسائل الخوف، كان خوفهم ناهشاً ماسكاً بتلابيبهم معطلا أجسادهم عن المبادرة ص 24).

صور ومشاهد الكاتب موصوفة بعين سينمائية،راصدة وبمشاعر واحاسيس عالية وبلغة متينة متناسبة مع الحدث بلا اقتضاب او اسهاب مما يساعد على اختصار المسافة بينك وبين الحدث. من هذه الصور والمشاهد يرتفع الكاتب بعمارة الرواية حجراً فحجراً، وصفاً بعد اخر بخبرة ومهارة الاسطوات وبطريقة البناء الهرمي. فقد استطاع كريم كطافة ان يظهر نضوج تجربته وخبرته في الكتابة، وقدرته على تنمية الحدث الروائي بما يحث القارئ على مواصلة القراءة بمتعة وتأني، وروح وعين فاحصة. هي صور تعكس جوانب المختلفة لحياة هؤلاء المقتحمين للمجهول والمنتصبة بين خط الموت والحياة.

شباب انصار حلوين*** جاءوا من مختلف البقاع والمشارب للالتحاق بالحركة. أنصار تعاهدوا في السنة الاولى لاحتفالهم بعيد رأس السنة الميلادية في 1980 في جبال كردستان الشماء، على ان يلتقتوا باحيائهم وشهدائهم تحت نصب الحرية في بغداد في اول عيد لرأس السنة الميلادية بعد اسقاط النظام الديكتاتوري، زوجات شهداء وعوائلهم، عزرائيل المهموم بقائمة الاعمال المطلوب انجازها . صورة النشيد الاممي وهو يغنى بطريقة الخشابة البصراوية ( هبوا .. هبوا، يله خالي) والتي لو سمعها ماركس لترك غليونه جانبا وبزخ معهم. صورة المرأة العراقية العصية على الاذلال والتي مثلت أحد أوتاد الراوية وهي صورة صادقة ولكنها غير تقليدية في مجتمع تقليدي، نساء رواية حصار العنكبوت هن احد وجوه الرواية المشرقة والتي عرضت وجوه اخرى لجوانب متنوعة من الحياة عموما ولحصار الجحيم وملحقاته . شكلت صور نساء الرواية بانورما حقيقة، فهي اشد انواع الصور تنوعاً ولم تكن ذو نمطية موحدة او مكررة، بل عكست طاقات وهئيات ومواقف ًمختلفة ومتناقضة احيانا وغطت بمساحاتها معظم مشاهد الرواية. عالمهن الخاص رغم تنوعه الا انه كان على رباط وثيق مع الاحدث وجزء اساسي منه، عزز بناء الرواية واكسبها متانة سواء على مستوى المحتوى او الشكل. تعددت صورهن ( النصيرة وضحة، دايكة عائشة، روزا بنت الشهيد جاويش، زوجة الشهيد جاويش، شيرين، زوجة سهراب، حبيبة حمدان، زوجة الضابط الطيار ). جنود لم تكن لهم مصالحة فيما كان يدور ولكن وجدوا انفسهم ككماشة النار في يد لنظام. صور ومشاهد الرواية تعبر عن ذاكرة عصية ومعاندة للزمن تتحدث عن اولئك الذين كانوا يسرقون من الزمن اعمارهم وأيامهم وشبابهم المنسي.

صورة واحدة لم يقترب منها الكتاب هي استخدام الجنس والاروتيكة في نصه، رغم ان هذاالامر مغري للكثير من الكتاب في ظل اوضاع يرتفع فيها حائط الممنوعات، اضافة لكونه الجانب المغري في الكتابة لحياة منعزلة ومقطوعة ويشكل جزء من حقيقة ذاك الواقع. وهنا يُطرح تساؤل هل ان الامر يتعلق بالعفة، بالتوثيق، بالأسلوب. سؤال يبقى مفتوحاً، رغم ان الكاتب اظهر تمكنه من هذا اللون من الكاتبة والوصف كما في وصف الطيار القاصف للموقع وزوجته، واثارة سؤال عميق حول الاجرام والاستمتاع بالجنس.

عناوين الفصول او المشاهد مثيرةً ومختارةً بخبرة تعكس مهارة في التعامل مع مقدمة النص ومع القارئ، فقد اتبع كريم كطافة استخدام عناوين الكثير من الفصول، تحمل التناقض والتخالف داخل النص نفسه. هذه الطريقة او التقنية تفتح شهية القارئ للبحث في الفصل المعني عن طريقة التخالف هذه والغرائبية في عنوان الفصل. انها قراءة تبدأ بسؤال بين مفارقة النص والواقع. مثلا كاكا انور يشتغل كردي،   انا زيباري!!، سجناء خطرون، محنة البغل النورس، محنة سجان وسجناء، حين تكون الحلول متشايهة... يعني ماكو حل، حب يأتي مثل اشياء اخرى منهكا، كل شئ يحترق ارض الكرد بلا ريف، الموت لحماً، إعادة إبادة إنسان النياندرتال وغيرها

ما يعزز من الالفة بين الرواية وقارئها هذا التناسب بين السرد والحوار، الذي ساعد على تركيب هذه الصور والمشاهد ويسهل لعيني القارئ في التهام صفحات الرواية. لعب الحوار بالدارجة دوراً بتسخين الاجواء واعطاء الشخصيات حرارة وحيوية، خاصة في مواضع السخرية والنكتة التي تشكل في الكثير من المواقع محطة لجر الانفاس، حيث لا تكتسب النكتة او القفشة طعمها الا من لغتها المحلية. واستطاع كريم ان يستخدم لغة دارجة سهلة ومفهومة عموما من القارئ الغير عراقي. استخدام الكاتب الدارجة في حدودها المعقولة بحيث خدمت السرد ولم يصبغ النص بروح محلية ضيقة.

اما السخرية والنكتة في الرواية والتي هي بحاجة الى وقفة خاصة ومفصلة، والتي تمتد الى الكثير من مفاصل الرواية ولعبت ادواراً مختلفة وهامة. هذه السخرية لم تكن مفتعلة. هي جزء من ذاك الواقع ومن تلك الحياة، ولحد الان ما ان يلتقي بعض الانصار حتى يكون هذا الامر مادتهم الاكثر حيوية في احاديثهم وذكرياتهم. تكمن مهارة الكاتب في طريقة استخدامها وتوظيفها باعتبارها جزء من الحدث، تسهم في تعزيز الحوار وبنائه وتفتح افاق لتطوير السرد والحوار وبناء اسئلة مركبة وتشكل السخرية قاعدة قوية لتشكيل الاسئلة المختلفة. تأخذ السخرية مكانها من بداية الرواية حتى اخر صفحة فيها. السخرية كانت على مستويات متعددة منها اليومي المألوف والذي يضفي نكهة وترطيب للحياة والاجواء وتعكس روح التحدي لمرارة الواقع المحاط بالموت وعزرائيل القافز بين وديان وقمم جبل كارة كما في استخدام عبارة معروفة بين الانصار للملتحقين الجدد من الخارج (يعني الرفيق بعده بدهنة ص 12) او كما يتحدث النصير ابو حمدة عن ابو طاروق (هي جمع لاسمي قياديين في الحزب الشيوعي وهو ابو فاروق عمر الشيخ وابو طارق ارا خاجدور). ابو حمدة (الذي يدمج ما لا يدمج من صفات واسماء في لجة لهفته لقول اخبار، يعتقد انها لم تزل طازجة ص 16). ومنها كما يسمى بالسخرية السوداء التي تمتد مفارقات التاريخ حين تدعو حركة لإيقاف الحرب العراقية الايرانية باعتباره موقفاً سياسيا واخلاقياً من الحرب واملا منها ان يفتح هذا الامر ابواباً لاشتداد تناقضات نظام صدام مما يقرب سقوطه، فاذا بهذا الموقف يتحول الى مقصلة للمعارضة العراقية وبالذات الحركة الكردية وابادة للشعب الكردي. مسخرة شعب يخلق جلاده كما في ص 12 حين يصور مشهد بين الجموع حين يخطب صدام ويسمع صراخ رجل بين الجموع يشق دشداشته ويلطم على راسه، ويبدو ان هذا المشهد سيبقى لصيقا في حياتنا كعراقيين حتى بعد زوال النظام الساقط. السخرية من الواقع نفسة حين يكون الشيوعيون اكثر القوى مساهمة وعنفواناً في النضال ضد الديكتاتوريات المتعاقبة ومن اجل سعادة العراقيين وليأتي في النهاية اخرون يجمعون حصادهم، هي سخرية وسؤال يختزن في باطنه المرارات اللامحدودة. سخرية التناقض بين الروح الثورية المستعدة لاقتحام السماء وشكل تأطيرها، وبالتالي هل يكفي للثوري ان يحمل صليبه على ظهره أو أن يمتطي ظهر الموت وهي قدرة عجيبة، يحسد عليها، كي يكون طريقه اقل تعرجاً. سخرية كريم كطافة تُحي وتصعد بالعديد من الاسئلة الى السطح. انها رواية تُبقي الجرح مفتوحاً.

سيكتشف الانصار وكل من ساند واحترم نضالهم ان متعتهم ليس فقط في قراءة الرواية وانما ستتجسد حين يقدمها احدهم لاحد ابناءه او بناته، لاهله، لاصدقائه، لشبابنا العراقي ليقول له كانا هكذا نحفر في جدار القمع والصمت من اجل شعاع امل للعراق وشعبه. رواية حصار العنكبوت لها سحرها وهيبتها والتي كما اعتقد سستترك اثراً واضحاً عند قرائها.

شئ اخير اودع به قراءتي هذه تتعلق بالغلاف الذي بتقديري كان يمكن عليه العمل بشكل اخر.

رواية ( حصار العنكبوت ) للكاتب كريم كطافة 367 من الحجم المتوسط، اصدار دار نون، الطبعة الاولى 2014

 

........................................

. القيت المداخلة في احتفالية توقيع الرواية التي نظمها التيار الديقراطي وملتقى الانصار- هولندا 10-10-2041 * قارئ.

** كانت عيادة الاسنان للمغيب د. عبدالستار القيسي في شارع الكفاح مقابل ابو سفين في بغداد، ملجاً لاختفاء العديد من الشيوعين، واصبحت لاحقاً مركزاً للمراسلة. كان عبدالستار القيسي شيوعياً سابقا وسجن في شبابة مع فهد الذي لم يذكر أسمه قط في اي مكان كان الا وارفقه بعبارة الرفيق الخالد، حباً واعجاباً وامانة. إنتهت علاقتة بالحزب الشيوعي بعد 1963. في فترة الحملة ضد الشيوعين اواخر سبعينات القرن الماضي، كرس عبدالستارالقيسي نفسه وعائلته لحماية الشيوعين والدفاع عنهم. بقيت عنده اكثر المختفين مدةً وتعرفت عليه عن قرب. كان رجل مفعم بالجراءة والشجاعة والحب والحنان. هو اخو المحامي المعروف عبدالوهاب القيسي. الذي غيبته السلطة، وابو الشهيد قيس الذي استشهد في احداث بشتاشان والذي سبق ان قضى حفنة من سنوات عمره في سجين ابو غريب، بعد اكماله رسالة الماجستر في مصر وعودته للعراق.

***مطلع لاجمل إغنية مجدت بطولات الانصار، من تاليف الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل وتلحين المبدع كوكب حمزة وكان الاثنان ضمن الانصار.

 

زوايا مضيئة في "صورة ملونة لشاعر"

thamer ameenغالباً ما تأتي بواكير التجارب الإبداعية وهي مشوبة بالضعف وعدم الوضوح في الرؤية، وهذا أمر طبيعي، فالبدايات لاتأتي واضحة المعالم ولا تبلغ النضج الا بعد شوط من الجهد والمثابرة ، ولكن ما قرأته لعلي عبد الزهرة في ديوانه (صورة ملونة لشاعر) وضعني امام استثناء لما تقدمت به، فقد وجدته خطوة شعرية شابة، واثقة، تدرك مهمة الشعر وتمتلك مقومات الانفراد بصوتها الخاص، وذلك من خلال ماطرحته مجموعته البكر من قصائد اتسمت بصفاء اللغة وتنوع الموضوع، وقدرتها على الأخذ بالقارئ الى فضاء التأمل في باطن النص وليس الأخذ بظاهره، فهي تستفز فيك الأسئلة منذ اول قصائدها (اجتياح) التي تقف أزائها حائراً ومدققاً في هوية الطارق الذي يمر على ابواب البيوت وبالتالي يقتحم الباب الذي يريد :

         رأيته يطرق ابواب البيوت ـ كلها ـ

          واحدا بعد الآخر

         وحين لم يفتح له أحد

         عاد الى بيتي من جديد

           كسر الباب

           ودخل

فهذا الطارق لايمتلك ملامح واضحة ومحددة، فهو قد يمثل القدر الذي لافرار منه او الوقوف بوجهه، يقتحم عالم الجميع ويختار طريدته دون إذن من أحد، واالاستفزاز هذا نلمسه ايضا في قصائد (الدمية المسحورة )، (طريق النمل )، (الأحلام المضيئة ) التي تؤكد انها قصائد غير مباشرة فهي لاتتخذ من الوصف هوية لها ولاركيزة لبناءها، بل انها تعتمد على عنصر الدهشة واثارة الاسئلة وسيلة للمرور الى قلب ومخيلة القارئ، هي عالم يبدو صغيراً لكنه مكتنز بالدلالات :

         الأشجار المسنة تتهامس

         الظلام حل

         لكن فأس الحطاب

           مازالت بين ذراعي

         شجرة التفاح الصغيرة

كما يكشف الشاعر في قصيدة (ايقاعات خفيفة ) وقصائد أخرى انه يقف على ضفة شعرية غير رخوة، بل فيها من الصلابة ماتجعله مطمئنا للبوح دون قلق، ففي ومضاته الشعرية تجده يمنح الكثير بالقليل من الكلمات :

           لكي تسن القوانين يجب ان تملأ

           الدواة بالدم وتشحذ الاقلام بالسيوف

               ....

           لكي نضمن الآخرة

           نحتاج الى اكثر من حياة

             .....

           في السياسة والطبخ دائما

           نحتاج الى الوقت الكافي

للوهلة الأولى تبدو هذه الصور بكلماتها القليلة صوراً بسيطة، لكنك حينما تغور في عمق النص تكتشف انك تحلق في فضاء من الحكمة ونضج البصيرة، فدلالات الزمن وأهميته جلية في هذه النصوص القصيرة .

و يتكرر رهان الشاعر "علي عبد الزهرة "على حضور القارئ اللبيب الذي يأخذ بباطن النص حيث يعود في قصيدة (الشك واليقين) الى ذات الايقاع، فلا يمكن ان تندرج هذه القصيدة تحت باب الوصايا كما تبدو في ظاهرها :

           قبل ان تقرأ الرسالة

           تأكد بأن جميع الأبواب مفتوحة

           .... .....................

           ..........................

           بعد ان قرأت الرسالة

           تأكد بأن جميع الأبواب مغلقة

           ..........................

           ..........................

ومن الطبيعي ان تلقي بظلالها تجربة كبيرة مثل تجربة الشاعر محمد الماغوط على شعرية شابة فنجد قصيدة (شراكة) تقترب من منطقة الماغوط عند خوضها موضوعة غياب العدالة في توزيع الأرزاق :

       هو ينسى الفرض وأنا أتلقى الصفعات

         هو يقطف الأزهار وأنا اقطع الحطب

         هو يرتدي القفاز وأنا أجمع الصقيع

كما يبث الشاعر بعض رؤاه من خلال انسنة الكائنات والظواهر وتوظيفها في سياقات شعرية جميلة فهو يستنطق الطير والنهر والغيوم والنجوم والزهور في محاولة للكشف عن تقاطع الرؤى في شأن بعض القيم الراسخة مثل التضحية والايثار والجدوى من استمرار البذل والعطاء التي نجدها واضحة في قصيدة (حديث الزهور ):

       قالت زهرة الجوري

       لجارتها زهرة الياسمين

       ان حياتنا بائسة نحن معشر الزهور

       لقد مللت عطري ولوني

       وانتهاك حياتي بإنوف الغرباء

كما تظهر الأنسنة ايضا في قصائد (غيوم متفرقة)، (النهر)، (بعوضة) و(ومضة) التي يجعل فيها من حياة النجوم حياة آدمية تنتهي بالانطفاء مثلما هي حياة البشر بعد سنوات من الكدح والتعب والعناء :

         وهي تسبح بين المجرات

         أحست فجأة

         بالتعب والارهاق

         لذا قررت ان تتوقف

         وان ترتاح قليلا

         ذرة الضوء

ان (صورة ملونة لشاعر) مجموعة شعرية شابة تجدد الثقة بقدرة الشعرية العراقية على مواصلة العطاء وتقديم الجديد الضامن لديمومتها وألقها .

 

استهداف القارئ في: مقاربات في الشعر والسرد

يقسم الكاتب جاسم العايف كتابه "مقاربات في الشعر والسرد"* إلى ثلاثة أقسام. الأول: يخص الشعر. الثاني السرد. والثالث المسرح، وثمة مقال عن كتاب الراحل (خليل المياح) تحت عنوان "الباحث خليل المياح.. واستقلالية العقل أم استقالته.."؟!. هذه المقاربات التي أشتغل عليها الكاتب جاسم العايف، تنضوي تحت رداء عملَ فيه فعالية المجتهد في مواكبة النصوص والعمل على إيجاد المنافذ كي يدخل كلا النصوص التي أختارها ويصل إلى الهدف المرجو منها. وأرى أن المظهر الأبرز لعمل الكاتب في هذه المقاربات، هو رؤيته التي يمتلكها إزاء النصوص وتكاد تكون مشتركة لما تقدمه، بغض النظر إن كانت هذه الرؤية من الداخل أو من الخارج، أو كانت الرؤيتان متداخلتين. وإذا كان "فرانك أوكونور" يعطي وصفاً لبطل القصة القصيرة ليس باعتباره فرداً بل جماعة: "وهي جماعة تعاني من ألوان الضغوط الاجتماعية، وتسعى جاهدة إلى متنفس أو خلاص". نجد أغلب الكتابات التي تناولها الكاتب في مقارباته، تزخر بالشخوص الواقعين في لجات المعاناة والمصائر المأساوية. إن اختيار النصوص، قد ساعد على استشراف الأطروحات، على أساس تنوعها. ما بين التوثيق التاريخي الذي يستوجب ذلك في بعض المقاربات وعرض ما كان من سطوة السلطة وقمعها في تلك الفترة. انه يتناول في مقارباته الكثير من الأحداث، فهو الشاهد الأمين لزمن مضي وترك الأسى والحزن. ويعيدنا (العايف) إلى ما جاء به الكثير من الكتاب عن تلك الفترة العصيبة والتعبير عنها بكتابات في الشعر والسرد لتأتي مقارباته ذات توصيفات نتلمس فيها تحركاً دلالياً، ورؤى جمالية.

 

لوحة الغلاف

لوحة الغلاف تتناثر عليها حروف (Freedom) ونعرف إنها تعني (الحرية)، وحروف الكلمة المتفرقة. تأتي كاملة، وقد لا يستطيع المرء أن يجد لها مفهوماً متكاملاً، لكنها غالباً ما تأتي بصيغ مختلفة، كالخلاص من العبودية، أو الرفض، وربما الاعتراض، وغيرها، وغالباً ما تكون هنا كتقاطعات مابين الفرد والسلطة، فتصادر حريته، وتمتهن إنسانيته.يمكن أن نجد الحرية في عدة جوانب من التخطيطات المتناثرة على لوحة الغلاف، وهي تريد أن تأخذ أشكالها بحرية تامة. هذه اللوحة للفنان (هاشم تايه) تقع أسفل العنوان، لتتناغم مع العنوان ويرتقى محتوى الكتاب بها إلى عالم الحرية الفسيح، والتي هي حلم الإنسان في هذا الوجود واشكالياته. لتشكل اللوحة وما في صفحات الكتاب كلاً مترابطاً، وقد كان اختياراً موفقاً لما يضم هذا الكتاب في صفحاته من توقٍ نحو الحرية.

 

مقاربات الغرائبي واليومي

الكاتب(العايف) يبحث في النص إن كان شعراً أو سرداً ليتقصى ما هو غرائبي وواقعي يومي، ضمن رؤيته، ويحدد تفسيراً، أو تحليلاً ليقترب بقوة مما يريده، أو يطمح إليه، وفي "مهدي محمد علي: شجرة مثمرة ..ومنجز غمرته الظلال" نقرأ: "رسخت تجربته الشعرية منذ بداية السبعينات بتواصله مع النشر، واعتماده ما سمي حينها بـ(القصيدة اليومية)". ونقرأ:" ثمة حضور يومي للمشاهد، مستقى من بساطة الحياة، ومصادفاتها الغريبة، المدهشة المكتظة". وفي إقرار ضمني يؤكد العايف: "عام 1973 نشر مهدي في جريدة طريق الشعب قصيدة بعنوان (قصيدة منزلية) عدت من أهم القصائد التي تناولت ربة البيت، وعبودية عملها المنزلي اليومي" (ص15).وفي القسم الثاني، يتابع الكاتب في مقارباته واستكشافاته، في (أوراق جبلية) لزهير الجزائري تحت عنوان، "أوراق جبلية: تجربة ذاتية وتنوع المنظورات الإدراكية".نقرأ:"لأن السارد/ الجزائري / كان في توجهه الكتابي - السياسي يمثل صوت وصورة المحيطين به، والمشاركين في الإعراب عن وجهة نظره، لذا أبعدهم عن كل ما سبق. وفي الظن إن هذا الجانب أسهم على نحو ما، في تقليل فرص التنوع على المنظورات الادراكية، وأفقد السرد (اليومي) مرونة الحركة بين المواقع المتبدلة للأصوات أو الشخصيات المشاركة" (ص107). ونجد في كتاب المقاربات صوت وصورة الكاتب في الحياة اليومية التي نتمثلها في الواقع المتخيل وتتجلى في الواقع المرئي.وكذلك نقرأ ما جاء عن المجموعة القصصية انكسارات مرئية لياسين شامل، تحت عنوان: (انكسارات مرئية.. محاولة لاختراق المألوف والشائع): "وهذا ما سعى نحوه (في انكسارات مرئية) باعتماده على حركة الحياة اليومية ووقائعها وتجلياتها ومعطياتها والقاص-شامل- يثق ويعتمد على ما قاله (جون برين):" تذكر دوماً انك تتلمس طريقك إلى ما تكتب مستعيناً بإحساسك .. ولذا فعليك أن تكتب لترضي ضميرك أولاً، وان تنقل بأمانة ونزاهة تامّتين، رؤيتك للعالم الذي يحيط بك".(ص126). وفي (كوكب المسرات): "شهادة جارحة .. تعدد التجنيس" نقرأ: " فللكاتب سيرته وتجاربه التي يروي فيها مراحل ما في حياته، وقد رواها السباهي بلغة أدبية تمتلك طاقة جمالية وتعبيرية عبر تشكلها وتوجهها السردي، ومع حدتها الجارحة والقاسية، وذات التوجه والمنحى الذي يبدو (غرائبياً) لكثافة واقعيته الفعلية" (ص88).

 

مقاربات المراثي

أهدى الكاتب(العايف) كتابه إلى زوجته الراحلة. ونجد في اغلب ما طرحه الكاتب حول مهدي محمد علي، ما هو إلا رثاء عميق. وفي موت الشاعر الشاب (مهدي طه) يقول الكاتب عند سماعه الخبر: يا للفجيعة.. أيها ".. ..." أما آن لكم أن تعرفوا إن للصبر حدود؟! ". نشعر بعمق المأساة في ذلك الواقع القاسي الذي يحيل الإنسان إلى عدم ويمتهن آدميته، فلم يكن موت الشاعر (مهدي طه) موتاً عادياً، فهو في عمر الشباب، ومات غرقاً وهو يجيد السباحة.وفي بداية هذه المقاربة عن الشاعر مهدي طه يختار الكاتب هذا النص:

"إذا ابتكر النهر ثانيةً لعبةً للغرق

سيضمخ كفي دمي

وسأصرخ من غرقي: أبتعدْ".

ويوضح لنا (العايف) عمق المأساة، وهي بالحقيقة مأساة العراقيين نتيجة لوجود النظام الشمولي. وتحت سطوته تكون الثقافة، والحياة، الإنسانية معها، موجهة باتجاه واحدٍ يخدم مصالح النظام ويمجد رأسها وتوجهاتها، ويتعرض للقهر ومن ثم التصفية لمن يحمل رأياً مغايراً ولا يهتف مع الهاتفين. ونقرأ "كان ذلك أول الرحلة التي بدأت عام 1972 حيث ألقى الشاعر قصيدته (صورتان على نافذة..أنجيلا ديفز) لتنتهي نهاية مدوية وفاجعة، عام(1975 ) إذ أنضم إلى قافلة الغياب أصدقاء جدد لمهدي طه." ص 29. وثمة لفتة جميلة ذات دلالة، غريبة، حيث يكشفها لنا (العايف) بأن عمر الشاعر (مهدي طه) قد توقف عند الثانية والعشرين سنة، وكذلك عدد قصائده كانت أثني وعشرين قصيدة، يا لسر الأقدار، وحمق تلك الأيام، وفاجعة المصير الإنساني للشاعر الشاب(مهدي طه). والكتابة عن المغدورة (أطوار بهجت) هي بحد ذاتها مرثية كبرى، وذلك لهول الفاجعة والمصير الذي حل بها، إذ: "وضوح مشاعرها الوجدانية والإنسانية، وهنا تكمن شجاعة (أطوار) التي تميزت بها وقادتها نحو الغياب المأساوي المادي، الذي سنخضع له جميعاً ذات لحظة ما" (ص40). وكذلك في دراسته المعنونة "جدل الشعر والرسم" عن كتاب الرسام والناقد خالد خضير (قيم تشكيلية في الشعر العراقي). يكفي أن نقول في ديوان "أمير من أور" للشاعر حسين عبد اللطيف" هو رثاء الفنان الراحل شاباً في الغربة (أحمد الجاسم).كل ما طرحناه، وما لم نطرحه، من ملامح المراثي المتناثرة في صفحات الكتاب، يتناغم مع رثاء الإهداء الذي يشكل بؤرة الرثاء وهو أكثر التصاقاً بوجدان الكاتب.

 

استهداف القارئ

في مجمل المقاربات التي أشتغل عليها الكاتب(العايف) أستهدف فيها القارئ لأخذه إلى منطقة مؤثرة قد يتحقق في ارتداداتها الحلم الإنساني في الوجود، وهذه المنطقة فعالة في عمق الذات نفسها، ولها اشتغالها في الوضع العام.وإن كان الكاتب قد عمل في حدود معالمها بدراية منه، أم دونها، فقد بانت تلك المنطقة ومؤثراتها على المستويين الموضوعي والدلالي. قد نجدها مثل (يوتوبيا)، حلم الوجود الإنساني، وحلم الشباب بتغيير العالم عبر أفكارهم وتطلعاتهم، فالكاتب يريد أن يؤكد للقارئ، إن كل هذه المآسي التي تعرض لها الكثيرون من كتاب النصوص وما دار في النصوص، من استلاب، وظلم وتشظي، وغيرها هي مرفوضة، والكاتب (العايف) يطمح أن يتحقق حلم الإنسان كأغلى قيمة في الوجود، ما هي إلا اجتراح يتماهى مع التاريخ الذاتي للكاتب.وقد يبدو، ما تقدم جلياً حين نقرأ "سقوط الإنسان تحت القسوة والتعذيب، انهيار الأحلام الشبابية والأمنيات الثورية من أجل العدالة الاجتماعية - الإنسانية، تلك (اليوتوبيا) التي تسربت مكابداتها كالماء من بين الأصابع، بفعل الدكتاتوريات المتعاقبة" (ص90). وبما يمتلكه الكاتب من سعة في الاطلاع، وما أكتسبه من خلال التجربة المعرفية و الحياتية، واعتماده المصادر الرصينة، فقد بذل في(مقارباته..) جهداً كبيراً، وأجاد.

*منشورات مجلة (الشرارة) النجف- ط1-2013. الغلاف للفنان هاشم تايه

 

المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي (3)

alkabir aldasisiبعد جزأين في موضوع (المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي) قدمنا فيهما نظرة الروائي والمفكر يوسف زيدان للمرأة من خلال روايتيه (النبطي) و(عزازيل) نواصل هذه السلسة في هذا الجزء الثالث بإطلالة على رواية (ظل الأفعى) وهي أولى الروايات التي أطل من خلالها يوسف زيدان كروائي على القارئ العربي وفيها أعلن بصراحة عن الخطوط العريضة لمشروعه الروائي و موقفه من المرأة...

صدرت رواية (ظل الأفعى) عن دار الشروق سنة 2006 في 135 صفحة من الحجم المتوسط ، تحكي قصة رجل يسعى لاسترضاء زوجته التي هجرته دون أن يعرف السبب. فحاول الاستعانة بجدّها الباشا لإعادتها إلى صوابها. ليكتشف يوم واحد وهو الثلاثين من شهر يونيو من عام 2020 ميلاديّة. الموافق للتاسع من ذي القعدة سنة 1441 هجرية أنها كانت تتوصل برسائل من أمّها التي عاشت بعيدة عنها . حاول يوسف زيدان من خلال تلك الرسائل إبراز قيمة و أهميّة الأنثى والمرأة خاصة ، وكيف تحولت مكانتها من التقديس في الحضارات القديمة ، الى التدنيس في الحضارات الحديثة التي هيمنت فيها الثقافة الذكورية التي تنظر للمرأة نظرة دونية . فكيف قدم زيدان المرأة من خلال تلك الرسائل ..؟؟

لقد شكلت رواية ظل الأفعى صرخة في وجه البنية والعقلية الذكورية الاحتقارية للمرأة، وفي وجه النظرة التي جعلت المرأة تتوارى بعد إزاحتها من عرش الأولهية والتقديس وتقنع بأن تمدح (بأنها ربة خدر)..

وعلى الرغم من بداية الرواية التي تبدو نسبيا ثقيلة ، تجعل القارئ ينتظر أن تكون رواية جنسية، فسرعان ما يخيب أفق انتظار قارئ   (ظل الأفعى) لما يكتشف أنها رواية دسمة، تطلبت من صاحبة عناء بحث في اللاهوت والناسوت، ليظهر موقف زيدان من المرأة أوضح منه في باقي رواياته الأخرى... مما جعلها - وهي أولى روايته- تشكل تدشينا لبرنامجه السردي، وإعلانا عن موقف في مشروعه الروائي من قضية المرأة، ومساندته اللامشروطة لقضايا الـأنثى، حتى ليشك القارئ أن الرواية صادرة عن رجل ، إذ قد يتبادر إن ذهن القارئ – لما في الرواية من تنوير حول تاريخ المرأة و وانتقاد للفكر الذكوري-   أن كاتبها قد يكون امرأة متعصبة لمقاربة النوع ، من خلال تقديسه للأنثى بفطرتها وأمومتها بشكل مختلف عما هو معتاد عند من يتناول القضية من جانب حقوقي أو إنساني، لذلك كان في الرواية رفض لطرح أولئك النساء اللواتي يدافعن عن قضية المرأة بمنظور ذكوري ، فعبرت الأم في إحدى رسائلها عن موقفها ذاك فيما كتبته لابنتها عن إحدى محاضراتها: (قلت إن المتنوِّرات اللواتي يطالبن بما يعتقدن إنه حقوق المرأة، هُنَّ نسوةٌ أفرغن أنفسهن من الأنوثة الحقّة، وحشونها بالذكورة! فصرن كائنات ممسوخة تطالب الرجال، بمنطق الرجال، أن يجعلن من النساء رجالاً فهاجت علي أقلام النسويات الرخوة . وأقلام الجماعات الدينية الصلبة التي كانت هائجة أصلا ضدي)[1]، ولتأكيد موقفه الداعم للأنثى عامة والمرأة خاصة استشهد بعدد من النصوص القديمة منها ما يرجع للحضارة السومرية، وما يرجع للحضارة المصرية القديمة فخصص السارد عدة صفحات (من ص53 - إلى ص60) كلها نصوص تشيد بالمرأة نكتفي بالإشارة إلى واحدة منها أحال إليها بـ (ترنيمة مصرية ، الدولة القديمة) جاء فيها:

(أنا أم الأشياء جميعا

سيدة العناصر

بادئة العوالم

حاكمة ما في السماوات من فوق

وما في الجحيم من تحت

أنا مركز القوة الربانية ...) ترنيمة مصرية الدولة القديمة[2]

(أنا الطبيعة أنا الأم الكونية

سيدة كل العناصر .. عبدت بطرق شتى وأطلقت علي أسماء كثيرة)[3]

ليؤكد أن المرأة في الحضارات القديمة كانت تحظى بمكانة مقدسة، اعتبرت فيها المرأة أما وسيدة كل الأشياء، المعبودة والحاكمة في السماوات والأراضي، مركز القوة الربانية والأم الكونية... قبل أن يتم أنزالها من على عرش ملكوتها، محملا الديانات مسؤولية تدني وضعية المرأة وتدنيس سمعتها: (كن حاكمات وقاضيات في معظم الحضارات القديمة ... ثم تغير الحال فجاءت اليهودية لتحرم على المرأة أن تكون حاكمة وقاضية بعدما دنس كتبة التوراة بضربة واحدة المرأة .. فأفرغ شعار الربات والأرباب والملكات العظيمات من مضمونه القديم)[4]

وعندما وصف الباشا أم الساردة بالأفعى لم تثر في وجهه، بل على العكس اطمأنت وأعجبها الوصف (قال لي بل أنت الأفعى .. سعدت بالوصف) وكأنها وجدت فيه مناسبة لإظهار قوة المرأة وخصوصيتها ومقارنتها بالأفعى التي اقتبس منها الفكر الذكور معنى الزحف لإطلاقه على جيوشه المخربة، مبرزة أن (الأفعى رمز لكل الإلهات على اختلاف أسمائهن ) ومنتقدة تحول الأفعى بعد ذلك (شعارا لآلهة ذكورية مصطنعة :لإله الحكمة المزعوم هرمس.. ولأله الطب عند اليونانيين إسكليبيوس ولآلهة كثيرة غيرها )[5]

إن يوسف زيدا في رواية ظل الأفعى، منتصر للمرأة مدافع عنها، باعتماد حجج تاريخية دامغة ، محاولا إتباث أن (الإنسانية كانت لا ترى بأسا في أن تحكم النساء، بل ترى أنه من الطبيعي أن تحكم النساء)[6] ليقدم عشرات من الأمثلة لآلهات نساء، ولنساء حكمن وكن حاكمات قاضيات فكن رمزا للسلم والاستقرار فقد (عاشت تلك الحضارات زمنا طويلا في سلام وأعطت للإنسانية في الزمن الأنثوي الأول كل بذور الحضارة الزراعة الثقافة الاستقرار الحنين إلى الوطن الضمير الديانة... السلام) [7] في مقابل ذلك ربط الحروب ، والدمار والتخريب بزمن الذكورية ( لم يجد الآثاريون أثرا لصناعة حربية بين حفرياتهم مثلما وجدوا في المجتمعات الذكورية اللاحقة) [8] ، وفي إطار دفاعه عن المرأة والأنثى عامة، استشهد بآراء بعض المدافعين على المرأة كما ورد في رسالة ابن عربي فيما لا يعول عليه حين قال (المكان الذي يؤنث لا يعول عليه)[9] ، رافضا فكرة وأد البنات التي روجت عن العصر الجاهلي مبرزا أن الفكرة تدولت بعد الإسلام وفي عصر التدوين ويستشهد على ذلك بوجود شخصيات نسوية كان لهن نفوذهن في الجاهلية ، و كون الجاهليين عبدوا وأخلصوا لآلهة مؤنثة أهمها (اللات ، العزى، مناة ، نائلة ..) وأسموا قبائلهم بأسماء نساء أو نسبت لأسماء مؤنثة( كندة، ثغلبة ، أمية ، ربيعة ،ساعدة..)[10] وحتى اللغة العربية منتصرة في الأصل للمرأة بدليل وجود (اسم مفرد لا يمكن جمعه ، واسم جمع لا يمكن إفراده المفردة التي لا تجمع هي كلمة (المرأة) والجمع الذي لا يفرد هو كلمة (نساء) فالمرأة ،أبدا واحدة ، والنساء صورتها المتكررة ، المرأة ربة فرد، والنساء مقدسات.. ثم صرن (أو صار أغلبهن) اليوم مثلما أريد لهن مدنسات)[11] ، ومن مظاهر تكريم اللغة العربية للمرأة والأنثى كون (المصادر الصناعية كلها مؤنثة(الإنسانية، الوطنية، الاجتماعية، الإلهية ، الواقعية) بل إن الرجل عندما يصل مرتبة من العلو والكمال تضاف لصفته تاء التأنيث (إلحاق التأنيث بالرجل إذا بلغ مرتبة عالية فيقال علامة، فهامة ، نابغة ، رجالات (لا يقال رجالات إلا للرجال ذوي المكانة العالية في الجماعة ) [12]

لتنتهي الرواية إلى أن الوضعية المتدنية التي تعيشها النساء اليوم، واعتبارها من أكثر الفئات هشاشة في المجتمع المعاصر ، أنما يرجع لهيمنة الفكر الذكوري، مستغربا من تمثيلٍ في اللغة ضربه ابن منذور في لسان العرب تقول أم الساردة (قرأت في لسان العرب: الأنثى خلاف الذكر في كل شيء والجمع إناث وأُنُث كحمار وحمُر)[13] إذ انتفت كل الأمثلة أمام ابن منذور فلم يجد إلا الحمار ليقيس عليه جمع إناث، مستغربة كيف تم تطويع اللغة للفكر الذكوري وإزاحة المرأة من علوها المقدس، إلى موضعها المدنس، مستشهدة بوصف الزوج بالبعل ووصف المرأة بالحرمة موضحة لابنتها كيف (استعيرت لفظة بعل للدلالة على الزوج وجعلوا للزوجة لفظ حَرَم انظري كيف جلبوا لوصف الزوج اسم الإله الذكر القديم الذي أزاح عشتار عن عرش الأولهية ولم يصفوا المرأة يوما بأنها بعلة وفي المقابل جعلوا الزوجة، فقط، هي حرم الرجل ولم يصفوا الزوج بأنه حرم لزوجه .. للرجل الحرمة ،والحريم، والحل والتحريم صورة الله الذي ورد في الخبر أنه خلق آدم على صورته، للرجل فضل التفضيل الإلهي ، وحظ أنثيين والحور العين في وعد الجنة ... ولا شيء للمرأة حاملة الأجنة، إلا الدعوة إلى الرفق بها، ومن تم الوصاية عليها، والزعم بأنها في الأصل معوجة)[14] ، إن الفكر الذكوري من وجهة نظر الرواية فكر عنصري متعصب يحمي فيه الأب ابنه إن اعتدى أو اغتصب فتاة، وله في أسطورة اغتصاب إنانا السند والمرجع التاريخي إذ استنتجت كاتبة الرسائل النسبة الأبوية الحامية للرجل حتى ولو كان مخطأ ، وأن الرجل بين إخوته الرجال آمن حتى لو عم الخراب العالم من حوله فمن خلال اغتصاب شو كاليتودا (الرجل الأرضي) للربة إنانا ووقوف أبيه إلى جانبه إفلاته من العقاب فلا بأس إن اغتصب أي رجل امرأة شريطة تدبر أمر إفلاته ومن تم فكل النساء فرائس يمكن لأي صياد ماهر قادر على تدبر الأمر أن يظفر بهن [15]

لقد كرس الفكر الذكوري سلطة الرجل وقوته رغم دوره الثانوي في دورة الحياة، وأن أهم ما يستطيع فيعله في هذه الدورة (لا يتم إلا في لحظة إطفائه الشبق ، في لحظات قصار يفرغ فيها قطرات بيضاء دون أن يدري كنهها لانشغاله ساعتها بالرعدة السحرية الناجمة عن ولوجه في باطن المرأة)[16] ، لذلك فالرجل في نظر الرواية لا يستحق لقب الوالد قالت: (إنما أنا الوالدة ، الرجل لا يلد ولا يصح وصفه بالوالد )[17]،

حاولت الرواية إذن إبراز أن هناك قصدا في تدنيس المرأة ما دامت كل دواعي تقديس الأنثى لازالت على حالها (فلا تزال المرأة تحيض، وتستدير أعضاؤها، وتلد وتتعهد غير أن الوعي الإنساني المتأخر .. بلغ فيه العهر الذكوري من العتي والمخاتلة بحيث صار ينظر لدواعي القداسة في المرأة على أنها علامات الدنس)[18] ، ذلك أن تقديس وتأليه المرأة حسب الرواية يرجع إلى عاملين أساسيين: الأول منهما مرتبط بطبيعة الأنوثة وجوهرها ( الحيض،الولادة، الاستدارة ..) والآخر يرتبط بالوعي الفطري للإنسان (ربط الدم بالحياة والتضحية والقرابين) الدم سر الحياة والدم يفيض في المرأة كل شهر وهو إعلان دوري لامتلاكها سر الحياة[19] .. وقد تدرج هذه التدنيس المقصود، والتقليل من شأن المرأة المدبر عبر مراحل فقد (كان الرجال يقدمون جزءا من جسمهم ثم صاروا يقدمون جزءا من المال ويسمونه مهرا، والمهر في اللغة التوقيع !ثم غلبهم الشح فجعلوا مهر النساء جزءا مقدما وآخر مؤخرا ثم نسوا أنفسهم واستباحوا الطلاق ثم تجرأوا على الجمع بين الزوجات ثم تبجحوا بالادعاء أن المرأة خلقت من ضلع الرجل الأعوج. قلبوا الأمور فانقلبوا قوامين على من أقاموا من رحمها المقدس فتقلبت أحوال البشر .. سرنا على غير هدى فصرنا إلى ما نحن فيه.)

وبذلك خلق التفاوت في المجتمع الذي أصبح باستبداد الفكر الذكوري نصفان: رجال ونساء (الرجال بحكم الواقع المفروض والتاريخ المصنوع هم الأعلى ، وعلى الأدنى (النساء) أن يقمن بالدور المقدر عليهن بحكم انتماء المجتمع للبنية الاحتقارية[20] لتتكرس فكرة الأبوة وهي غير الأمومة (الأمومة .. طبيعة، والأبوة ثقافة. الأمومة يقين، والأبوة غلبة ظن. الأمومة أصل في الأنثى، والأبوة فرع مكتسب)[21]لأن الأمومة مرتبطة بمعاناة الولادة ومنوطة بالشفقة والألم لدرجة أن الولد و البنت كلاهما عند الأم (ضنى) وليس من عاده الرجل ان يصف ذريته بهذه اللفظة المليئة بدلالات المعاناة والآلام والشفقة فإلام هي التي( تضنى) وهى وحدها التي تعرف بطبيعتها الأصلية معنى الأمومة...

وكأننا بالرواية تتغيى إعادة اكتشاف الذات وتصحيح مفهوم الإنسانية وصورة المرأة، وتغيير مسار التاريخ ، وتجنب الهاوية التي تقود الثقافةُ الذكورية ُالعالــمَ نحوها ما دام الرجال يخربون العالم الذي بنته الأنثى بالحب.

 

 

ذ. الكبير الداديسي

............................

[1] - ظل الأفعى ص 90

[2] - ظل الأفعى ص 54

[3] - ظل الأفعى ص 55

[4] - ظل الأفعى ص 73

[5] ـ ظل الأفعى ص 56

[6] - ظل الأفعى ص 72

[7] - ظل الأفعى ص 74

[8] - ظل الأفعى ص 75

[9] - ظل الأفعى ص 90

[10] - ظل الأفعى ص 92

[11] - ظل الأفعى ص 101

[12] - ظل الأفعى ص 102

[13] - ظل الأفعى ص 79

[14] - ظل الأفعى ص 101- 102

[15] - ظل الأفعى ص 117

[16] - ظل الأفعى ص 121

[17] - ظل الأفعى ص 76

[18] - ظل الأفعى ص 123

[19] - ظل الأفعى ص 120

[20] - ظل الأفعى ص 134

[21] - ظل الأفعى ص 106

قراءة في مسلسل (م / م)

nabil jamilفي مستهل الحديث عن مسلسل (م / م) أود ان انوّه بأن هذه القراءة هي ليست تفنيداً أو تشجيعاً لموضوعة جديدة بل توضيحاً لعادة وصلت الينا عبر القرآن الكريم وأحاديث الرسول (ص) وعبر حكايات وأحداث تأريخية جرت في أزمان متباعدة سواء في عهد الرسول (ص) أو في عهد الخلفاء الراشدين (رض) وما بعدهم. القراءة توضيحية لبعض الجوانب المهمة والمخفية لما تم طرحه من خلال تجسيد ادوار شخوص المسلسل. التي عبّرت عن ما بداخلها من رؤية للزواج المؤقت. طبعاً ليعلم القارئ بأن هناك العديد من التسميات لمثل هكذا زيجات. اريد ان اركّز على فكرة المسلسل وكيف تناولها المؤلف بطريقة درامية هي الأولى من نوعها في منجز الدراما العراقية واذا كانت هذه الفكرة تنتاب هواجس العديد من طبقات مجتمعنا والتي تعد هي الأجرأ في الاثارة والجدل فهناك العشرات من الاسئلة في الشارع العراقي اثيرت حول عملية الطرح في مثل هكذا موضوعة مهمة قد تخدش حياء المشاهدين خاصة وان الزواج المؤقت بدأ ينتشر في معظم الدول العربية والاسلامية.

ان العمل ككل جاء ليوضّح استغلال هذا الزواج من الناحية الاخلاقية وطرق استخدامه من اشخاص يدّعون الإيمان به دون الخوض في النصوص القرآنية التي اباحته أو التي نهت عنه. نعم هناك آيات قرآنية صريحة بهذه الخصوص لكن كيف يتم التطبيق من قبل المؤمنين بها. اقصد الذين يفسرونها حسب اجتهاداتهم الشخصية. ثمة العديد من الاشتراطات الواجبة والتي دونها لا يتم الزواج سنأتي اليها في القسم الثاني من القراءة.

(ام سرى) تدير دارا للأيتام معظم نزلاءه من البنات القاصرات. زوجها (أبو سرى) يستغل هذه البنات في زيجات مؤقتة بنيّة السّتر وتوفير حياة مستقرة لهن مع عدد من الشخصيات المتنفذة من اجل مصلحة خاصة به. وهي الحصول على مقاولات لمشاريع تدرّ عليه الأرباح المادية. أما بقية الممثلين فهم مكملين لاستمرار الاحداث. ان اغلب الشخصيات تتحرك بدافع الفضيلة لكن بالتأكيد ان المُشاهد سوف يفرز الخير من الشرير.

الأحداث تثير المُشاهد في تسارعها خاصة حياة بنات الدار وما تتعرض اليه من قسوة واستغلال وربما اصيب المُشاهد بصدمة تجعلهُ يفكر بكيفية الحفاظ على بنات مجتمعنا وان لا يسمح وتحت أي مسمّى ان تتحول بنات العراق الى ما تحولت اليه بنات المسلسل. الفكرة عموماً تتحدث عن سمسرة من اجل الوصول الى غاية (مصلحة) تحت غطاء الدين. البنات لاحول ولاقوّة لهن (أبو سرى) اتخذ من الشرع ما يخدم أغراضه الشخصية. اذا اردنا ان نربط الاحداث فستصبح كالآتي: (بنات الدار ــ رأس المال، السلطة ــ الوسيط، أبو سرى ــ الثراء الذي يحلم به).

تستمر احداث المسلسل بتصاعد درامي شيق حتى ان المتلقي يتمنى ان تكون عدد الحلقات (15) حلقة بدلاً من (31) حلقة حتى يرى مصير هؤلاء الوحوش الذين يتلاعبون بالفتيات وكشف المسكوت عنه. صحيح ان الموضوعة تشغله كثيرا كونها لأول مرة تطرح من خلال مسلسل لكنه لا يفكر في الخوض في تأريخها والبحث عن ماورائية الزواج المؤقت أي انه مؤمن بها حسب ما وصلت اليه سواء قرأ عنها أو عن طريق السماع بها حتى لو من بعيد فمثل هذه الزيجات محللة عند بعض المسلمين. هذا المُشاهد أسمّيه المُشاهد العادي. لكن هناك نوعان آخران مهمّان بالنسبة لي كمتلقي قريب من الوسط الثقافي وهما (مشاهد خارج التأليف / ومشاهد ضمن التأليف) المشاهد خارج التأليف بمثابة المروي اليه أي لا يوجد لديه خاصية المشاركة بل التعليق، واحياناً دون دراية بماهية الموضوع بصورة دقيقة، فنراه يوجّه الانتقادات فقط دون الخوض والمشاركة في مضمار ونوعية هذه الزيجات والبحث عن خفاياها وأسرارها وما تؤول اليه حياة البنات بعد ليلة الزفاف ومصيرهن في المستقبل، وتنتهي علاقته بالمسلسل بعد نهاية الحلقة الاخيرة ومعرفة من المنتصر هل هي قوى الخير أم قوى الشر، لكنه ربما يبدي رأياً في غاية الأهمية فمثلاً ربما يفكر ويقول في ذهنه (مثل هكذا مواضيع لا يمكن طرحها الاّ من خلال برنامج محاورة بين رجال دين يمثلون المذاهب المختلفة يبدون آرائهم وتصوراتهم ويسندون أحاديثهم بآيات قرآنية وأحاديث للرسول (ص) والصحابة (رض) وما جاءت به كتب التأريخ من بعدهم من اجتهادات) ويتعصب لرأيه اذا تم النقاش فيه في أي تجمع وطرح هذا الموضوع، لكنه يعود ادراجه مفكراً (ان طبيعة مجتمعنا وتركيبته الذهنية وما يحيط به من تابوهات عشائرية واخلاقية لا تسمح لنا بممارسة الزواج المؤقت !؟) ويبقى حائراً مصدوماً على الدوام مبتعداً عن الخوض في تأريخ هذا الزواج، غير مقتنع به اذا وصل الى محيط عائلته وربما مؤيداً له اذا تم بينه وبين نساء اخريات !؟، وهنا يمكن ان نطلق على هذا المُشاهد بالمنافق والمنافقين نزلت بهم عدة آيات قرآنية قال تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) سورة المنافقون. وايضاً قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُون) سورة التوبة. وعن رسول الله (ص) قال (اية المنافق ثلاث اذا حدث كذب واذا وعد اخلف واذا اؤتمن خان). ومما تقدم نرى ان المنافقين يريدون احكام الجاهلية ويفضلون احكام القوانين غير الشرعية على الاحكام الشرعية وليس لأجل انها احكام شرعية وانما لأجل موافقة اهوائهم.

اما المشاهد ضمن التأليف فيصبح مشاركا ويتخذ دور الرقيب والباحث عن حلول لشفرات خطاب المؤلف الذي جعله احد الشخوص التي تؤدي دور المستنتج صاحب المحصلة. يشعر بدهشة وتفكك ذهني ازاء ما يجري ويحاول ايجاد حلول للدفاع عن البنات القاصرات المسكينات ضد من يحاول استغلالهن لأغراضه الشخصية. المؤلف قد فضح المسكوت عنه وازاح الستار عن خفايا الكثير من العادات التي بدأت تنخر مجتمعنا. جعله في ازمة فكرية اذ انه ايضاً اذا أبدى رأياً فربما يكون قد مسّ الذات الإلاهية والشرع وماجاء به القرآن ويتساءل (لماذا لا نستخدم العرف الاجتماعي والعشائري لحفظ ماء الوجه من هكذا زيجات؟ / هل اتخاذ الشرع وسيلة للتبرير؟ هل الزواج المؤقت هو سمسرة تحت غطاء الدين؟) تساؤلات تجعله يغلق الموضوع ولا يجد له حلاً لكنه يظل يراقب بخوف وقلق وربما يبحث عن حلّ فردي يحمي عائلته فقط دون الاعتماد على قوانين الشرع.

من وجهة نظري البسيطة اعتقد بأن المؤلف نجح في ايصال الفكرة وأجاد في توزيع الأدوار وجعل النهاية مقنعة. (أم سرى) تصاب بالشلل (ابو سرى) يصاب بالجنون. والسؤال هل يا ترى ان هذه هي عقوبة الله؟ أم تأنيب الضمير؟ ام الصدمة من هدم كل ماتم بناؤه؟ ان الأهم من هذا هو استمرار مادار حوله المسلسل من فكرة واحداث من خلال شخصية (مشتاق السائق) وأخته (اميرة) والتي اعتبرها هي الضربة الموفقة للمؤلف، حيث اتخذا دوري (ام سرى) و (ابو سرى) في عمليات الزواج المؤقت وهذا يعني بأن الزواج المؤقت مستمر في مجتمعنا وكل انسان يطبقه على طريقته الخاصة.

أرى ان المسلسل يبحث عن توعية الانسان وسعيه للوصول الى الكمال في عالم فيه الكثير من المتناقضات. اذ ان المشاهد يشعر بأن المؤلف قد ابدع في كتابته من اجل المستقبل بعقل وروح فنان. تخلص من قيوده متحرراً حتى من نفسه ليقول هذا هو معنى الفن وسر الكلمة في عالمنا الذي نعيشه، عالمنا الذي يفتقر الى الكمال لكن الفن هو عزائنا الأخير في محاولات ربما تتغلب على حسرة النقص في عالم ممزق وغير مكتمل.

 

ـ 2 ـ

قبل التطرق للحديث عن الزواج المؤقت وفق رؤية القرآن والأحاديث النبوية الشريفة وتأويل رجال الدين من المذهب الشيعي والسني أود التوضيح للقارئ الكريم بأن هذه القضية هي قضية فقهية ثابتة عند قوم وغير ثابتة عند آخرين كسائر القضايا والأحكام الفقهية الأخرى التي يمكن الاختلاف فيها وكم اتمنى ان لا تكون سبباً لفرقة المسلمين.

بعض المفاهيم عن الزواج المؤقت:

1ـ هناك عدة تسميات تم اطلاقها عليه ومنها:(المسيار/المتعة / الايثار/المسفار/الابتعاث/ رضاع الكبير/ السروال/ الصيفي/ الشتوي/ الدكاني/ الحدائقي/ الماليزي/الاندنوسي/ الفلبيني / العرفي/ / المنقطع / الوناسة / الفرندز/ الكاسيت / الوشم / الطوابع / الزواج بنية الطلاق /الحج/كتاب براني). وباختصار هو محلل عند بعض المسلمين من مذاهب (أهل السنة والجماعة والشيعة) وهناك الكثير من الذين قالوا بإباحته مع الكراهة لأن فيه اضراراً من وجهة نظرهم. ان تسمية زواج المسيار جاءت على لسان العامة تمييزا له عما تعارف اليه الناس في الزواج العادي لأن الرجل يسير الى زوجته في اوقات متفرقة وهو زواج ومصطلح اجتماعي انتشر في العقود الأخيرة بالدول العربية وبعض الدول الاسلامية ويعني ان رجلاً مسلماً متزوجا زواجا شرعيا مكتمل الأركان من رضى الزوجين وولي الأمر والشاهدين وتوافق الزوجة على التنازل عن حقوقها الشرعية في الزواج مثل السكن والمبيت والنفقة. وقد تداولته وسائل الاعلام وأوساط المجتمع أما بالنقاش أو الانتقاد أو الدفاع او التشكيك في كونه مباحاً حتى اصدرت بعض الجهات المختصة فتواها بمشروعية زواج المسيار مثل مجمع البحوث الاسلامية.

2 ـ ان اسباب ظهوره هي (1 ـ كثرة العوانس والمطلقات والأرامل وصواحب الظروف الصعبة / 2 ـ رفض لكثير من الزوجات لفكرة التعدد فيضطر الزوج الى هذه الطريقة حتى لا تعلم زوجته الأولى بزواجه / 3 ـ رغبة بعض الرجال في الإعفاف والحصول على المتعة الحلال مع ما يتوافق وظروفهم الخاصة / 4 ـ تهرب البعض من مسؤوليات الزواج وتكاليفه.

3 ـ اما اسباب اضراره فهي (1ـ قد يتحول الزواج الى سوق للمتعة وينتقل فيه الرجل من امرأة الى أخرى وبالعكس / 2 ـ الاخلال بمفهوم الأسرة من السكن الكامل والرحمة والمودة بين الزوجين / 3 ـ قد تشعر المرأة فيه بعدم قوامة الرجل عليها مما يؤدي الى سلوكيات سيئة تضر بنفسها وبالمجتمع / 4 ـ عدم احكام تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة سوية متكاملة تؤثر سلباً على تكوين شخصيتهم / 5 ـ التسبب في ارتفاع نسبة الطلاق في الزواج الدائم)

4 ـ قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) سورة الروم/21. هذه الآية صريحة في تشريع الله سبحانه وتعالى لأهداف الزواج المتعددة منها تكاثر النسل والحفاظ على النوع الانساني وانجاب الذرية وتحقيق العفاف وصون الانسان عن التورط في الفواحش والمحرمات والتعاون بين الرجل والمرأة على شؤون العيش وظروف الحياة والمؤانسة وايجاد الود والسكينة بين الزوجين وتربية الأولاد تربية قويمة في مظلة الحنان والعطف. وأيضاً نقرأ في كتاب الله الحكيم: (الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) ) سورة المؤمنون. هذه الآية الكريمة اعلنها الرسول (ص) في يوم خيبر واشهر حديثه بذلك (يا أيها الناس ان كنت اذنت لكم الاستمتاع من النساء وان الله قد حرّم ذلك الى يوم القيامة فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما اتيتموهن شيئا) وقد استند الى ذلك العديد من المفسرين والمؤرخين في تحريم الزواج المؤقت الذي كان مباحا في الجاهلية حاله حال الخمر والميسر والازلام...الخ وهي من عادات الجاهلية وبعد بعثة النبي (ص) تدرج في تحريم هذه الخرافات ومعروف ان الرسول (ص) حرم الخمر على ثلاث مراحل وهكذا استمر في تطهير المسلمين من العادات السيئة. (الأستبصار للطوسي ج 2 ص 142 وكتاب وسائل الشيعة للعاملي ج 21 ص 12)

5 ـ   قال تعالى في محكم كتابه الحكيم: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) سورة النساء 24. هذه الآية الكريمة تعطي تصريحا بالاستمتاع دون الزواج وبالأجور دون المهور وهو ما يدل على جواز المتعة . واذكرك عزيزي القارئ بأن الزواج له قوانين وحواجز معينة مثل العدة عند المرأة وللقانون حدود اخلاقية بعض الناس يأخذون جزءاً من القانون من اجل مصلحتهم وهذا خطأ، الاسلام حاول تشريع الضوابط لهذا الزواج.

6 ـ   انا لا اريد ان اتفقه بأمور الدين لأنني غير مختص بذلك لكنني وبعد البحث الطويل وجدت الكثير من المسائل الفقهية منها التي تحرّم الزواج المؤقت ومنها لا تحرّمه لذا ومن شدة اندماجي بمسلسل (م / م) وضعت ادلة مختصرة لما جاء في احكام رجال الدين عن هذا الزواج وتفاسيرهم للآيات القرآنية . حتى لا تؤخذ نظرة مغايرة حقودة على السيد المؤلف الذي اراد توضيح الموضوع من الناحية الاخلاقية للمتصيدين في الماء العكر.

7 ـ   بالمناسبة ان الزواج الوارد في القرآن الكريم، يشتمل على أربعة أنكحه وردت جميعًا في سورة النساء وهى:

1) زواج الحرة الدائم...

2) ملك اليمين...

3) زواج المتعة...

4) زواج الأمة الدائم...

خلاصة القول ان الزواج المؤقت ليس اجباري انما هو اختياري ولو كنت تعتقد انه غير سليم فلا تتزوج ما اجبرك احد على ذلك.

8 ـ   (عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاح المتعة ولحوم الحُمُر الأهلية يوم خيبر) (الأستبصار للطوسي ج 2 ص 142 وكتاب وسائل الشيعة للعاملي ج 21 ص 12)

9 ـ   (وسئل جعفر بن محمد (الإمام الصادق) عن المتعة فقال: (ما تفعله عندنا إلاّ الفواجر). (بحار الأنوار للمجلسي – الشيعي – ج 100 ص 318)

10 ـ   (وعن علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) (موسى الكاظم) عن المتعة فقال: وما أنت وذاك فقد أغناك الله عنها. (خلاصة الإيجاز في المتعة للمفيد ص 57 والوسائل 14/449 ونوادر أحمد ص 87 ح 199 الكافي ج5 ص 452)

11 ـ   (وعن المفضل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول في المتعة: دعوها، أما يستحي أحدكم أن يرى في موضع العورة فيحمل ذلك على صالحي إخوانه وأصحابه؟! (الكافي 5/453، البحار 100وكذلك 103/311 والعاملي في وسائله 14/450، والنوري في المستدرك 14/455)

12 ـ   (وعن عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المتعة فقال: لا تدنس بها نفسك ! (مستدرك الوسائل ج 14 ص 455).

13 ـ (وفي (رسالة المتعة / للشيخ المفيد) في رواية عن الصادق (عليه السلام) أنه ذكر سبب تحريم المتعة على بعض أصحابه فقال لإسماعيل الجعفي وعمار الساباطي حرمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما تدخلان علي، وذلك لأني أخاف تؤخذا فتضربا وتشهرا فيقال هؤلاء أصحاب جعفر، وفي الرواية المذكورة يوضع نفس السبب حيث يقول الإمام (عليه السلام) قد حرمت عليكما المتعة من قبلي ما دمتما بالمدينة لأنكما تكثران الدخول علي وأخاف أن تؤخذا فيقال هؤلاء أصحاب جعفر.).

14 ـ (وما قاله الفاروق عمر شأنه في ذلك شأن أي حاكم يسن تشريعاً طبقاً للدستور، أو يعلن عن عقوبة طبقاً لفقرة من القانون قد خفيت على البعض. ولم يأته أربعة يشهدون بغير ما قال، أو يعترضون عليه ويقولون: كيف تحرم أمراً أحلّه رسول الله؟‍‍‍‍ كما فعلوا معه في (متعة الحج) حينما اجتهد من أجل أن لا يخلو بيت الله من الطائفين على مدار العام فنهى عنها نهي خيار لا نهي إجبار. إذ أن كثيراً منهم خالفوه فيها واعتبروا ما قاله فتوى غير ملزمة. ولا زال المسلمون إلى اليوم يتمتعون في حجهم طبقاً لما جاء من مشروعيته في كتاب الله من قوله تعالى: (فمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (البقرة: 196).

والأمر نفسه فعله علي (ع) في خلافته حين قال: (لا أجد أحداً يعمل بها [المتعة] إلاّ جلدته). وقد وافق عمر(رض) جميع الصحابة بلا مخالف. النهي عن متعة النساء تحريماً ومتعة الحج تخييراً).

15 ـ (سئل الشيخ ابن باز رحمه الله:

عن زواج المسيار، وهذا الزواج هو أن يتزوج الرجل ثانية أو ثالثة أو رابعة، وهذه الزوجة يكون عندها ظروف تجبرها على البقاء عند والديها أو أحدهما في بيتها، فيذهب إليها زوجها في أوقات مختلفة تخضع لظروف كل منهما، فما حكم الشريعة في مثل هذا الزواج؟.

فأجاب:

" لا حرج في ذلك إذا استوفى العقد الشروط المعتبرة شرعاً، وهي وجود الولي ورضى الزوجين، وحضور شاهدين عدلين على إجراء العقد، وسلامة الزوجين من الموانع؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم)، فإذا اتفق الزوجان على أن المرأة تبقى عند أهلها، أو على أن القسم يكون لها نهاراً لا ليلاً، أو في أيام معينة، أو ليالي معينة: فلا بأس بذلك، بشرط إعلان النكاح، وعدم إخفائه ".

" فتاوى علماء البلد الحرام ") (ص 450، 451).

(لكن لما أسيء استعماله من قبَل كثيرين توقف بعض أولئك العلماء الذين كانوا يفتون بجوازه، توقفوا عن القول بالجواز، ومن أبرز هؤلاء الشيخان عبد العزيز بن باز والعثيمين رحمهما الله.)

16 ـ   (سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله -:

ما الفرق بين زواج المسيار والزواج الشرعي، وما الشروط الواجب توافرها لزواج المسيار؟ فأجاب:

" الواجب على كل مسلم أن يتزوج الزواج الشرعي، وأن يحذر ما يخالف ذلك، سواء سمي "زواج مسيار"، أو غير ذلك، ومن شرط الزواج الشرعي الإعلان، فإذا كتمه الزوجان: لم يصح ؛ لأنه والحال ما ذكر أشبه بالزنى" انتهى.

" فتاوى الشيخ ابن باز " (20 / 431، 432).

17 ـ (وحسب ما جاء في فتاوى السيد علي السيستاني / المنشورة في منتديات عشاق الامام علي (ع) نقرأ: (لاشك ولا ريب في تشريع زواج المتعة (المؤقت) في الاسلام وهذا ما نصّ عليه القرآن الكريم والسنّة الشريفة، وإنما الخلاف بين المسلمين في نسخها أو عدمه فذهب أهل السنة والجماعة إلى أنها منسوخة واستدلوا لذلك بعدّة روايات متعارضة فيما بينها، بينما ذهب الشيعة إلى بقاء هذا التشريع المقدس وعدم نسخه لا من القرآن ولا السنة. مادل على مشروعيته قوله تعالى (فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) سورة النساء 24/ ما دلّ على مشروعيتها فقد روي عن جماعة من كبار الصحابة والتابعين المرجوع إليهم في قراءة القرآن الكريم وأحكامه التصريحُ بنزول هذه الآية المباركة في المتعة، منهم: عبد الله بن عباس، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والسدي، وقتادة.

تفسير الطبري والقرطبي وابن كثير والكشّاف والدرّ المنثور في تفسير الآية، وأحكام القرآن للجصّاص 2/147 وسنن البيهقي 7/ 205، وشرح مسلم للنووي 6/127، والمغني لابن قدامة 7/571.)

ما دلّ على مشروعيتها من السنّة الشريفة:

أخرج البخاري، ومسلم، وأحمد، وغيرهم، عن عبد الله بن مسعود قال:

(كنّا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلّم ليس لنا نساء، فقلنا: ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثمّ رخّص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل ثمّ قرأ عبد الله (يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحلّ الله لكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين). صحيح البخاري في كتاب النكاح، وفي تفسير سورة المائدة، وصحيح مسلم كتاب النكاح، ومسند أحمد 1/420.)

مضافاً إلى ذلك (الاجماع) المنقول، نصّ على ذلك القرطبي قال:

(لم يختلف العلماء من السلف والخلف أنّ المتعة نكاح إلى أجل، لا ميراث فيه، والفرقة تقع عند انقضاء الأجل من غير طلاق) ثم نقل عن ابن عطية كيفية هذا النكاح وأحكامه /تفسير القرطبي 5/132.

وكذا الطبري، فنقل عن السدّي (هذه هي المتعة، الرجل ينكح المرأة بشرطٍ إلى أجل مسمّى) / تفسير الطبري في تفسير الآية.

وعن ابن عبد البرّ في (التمهيد): (أجمعوا على أنّ المتعة نكاح لا إشهاد فيه وأنّه نكاح إلى أجلٍ يقع فيه الفرقة بلا طلاق ولا ميراث بينهما).

وما زالت متعة النساء سارية المفعول مباحة للمسلمين زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزمن أبي بكر وشطراً من خلافة عمر بن الخطاب حتى قال (متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما).

وقد أورد مقالته هذه جمهرة من الكتاب والحفاظ في كتبهم:

تفسير الرازي 2/167، شرح معاني الآثار 374، سنن االبيهقي 7/206 بداية المجتهد 1/346، المحلّى 7/107، الدرّ المنثور 2/141 وفيّات الاعيان 5/197.

فثبت من خلال هذا الاستعراض المختصر جواز ومشروعية زواج المتعة في الاسلام، ومات النبي صلى الله عليه وآله وهي بعد مشرعة غير محرمة، حتى حرّمها عمر في أيام خلافته).

18 ـ (زواج المتعة هو كالزواج الدائم، شروطه الشرعية أن تكون المرأة بلا زوج أو تكون بالغة وراشدة ويكون الزوج بالغاً وراشداً، مع مفردات قانونية هي تلك الموجودة في قانون الزواج. إذاً يمكن الزواج المؤقت أن يحصل بين أي رجل وأي امرأة. (حسب راي المرجع السيد محمد حسين فضل الله).

 19 ـ (الزواج في الإسلام سواء كان زواجاً دائماً أم مؤقتاً على رأي المذهب الإسلامي الشيعي لا يشترط الشاهدين وإن كان يستحب ذلك. الزواج حالة شخصية بين الزوجين وقضية التسجيل تكون من أجل توثيق الزواج وليس من أجل شرعية الزواج. ولكن يستحسن التسجيل ووجود الشهود في الزواج الدائم والمؤقت، ولكن عند المسلمين السنة يعتبر وجود الشاهدين ضرورياً للزواج. (حسب رأي السيد محمد حسين فضل الله).

20 ـ   (قالوا: إن أهل البيت (ع) ابتداءً بالإمام علي (ع) وانتهاء إلى آخر أولاده من الأئمة ومن شيعتهم أيضا أطبقوا على ذلك وحتى عرفت كلمة الإمام (ع): لولا ما نهى عنه عمر ما زنى إلا شقي.. لذلك أجمع الإمامية - تبعا لأئمتهم الاثني عشر - على دوام حلها....فقد ثبت عدم نسخها بنصوص صحاحنا المتواترة عن أئمة العترة الطاهرة فراجعها في مظانها من وسائل الشيعة إلى أحكام الشريعة).

عزيزي القارئ عشرون نقطة اخترتها من عدة مراجع واحكام ووضعتها امامك لكنني افضل ان تبحث بطريقتك عن الزواج المؤقت حتى تتوصل الى قناعة اكبر بأن الإشكال مازال سارياً بهذا الزواج الى يومنا هذا وفيه الكثير من المتناقضات.

 

المراجع والهوامش

....................

أ ـ مسلسل (م / م) تأليف عبد الخالق كريم واخراج حسن حسني.

ب ـ (قبل اعوام حدثت الواقعة وفي عام 2011 اعلنت رئيسة لجنة حقوق الانسان عن   تفاصيلها في عام 2012 قمنا بإحالتها الى مسلسل تلفزيوني في عام 2013 عرض المسلسل باسم (م / م) وبث من قناة الشرقية الفضائية في رمضان.الموضوع يعتبر خبر صحفي بالنسبة الى البعض... لكنه اكبر من ذلك بكثير..) تصريح لمؤلف المسلسل / والرابط ادناه يوضح ما اعلنته السيدة أشواق الجاف: سجلنا حالات اجبار قاصرات في دور الايتام على زواج المتعة

http://someriannet.blogspot.com/2011/07/blog-post_5678.html)

ت ـ زهر الربيع / نعمة الله الجزائري ص 14

ث ـ الروض النضير / حكم نكاح المتعة في الفقه الاسلامي / مصطفى علوان السلماني     ج 4 ص 213/ص 254

ج ـ شرح معاني الاثار / ابو جعفر الطحاوي ج 2 ص 144

ح ـ مناسك الحج / ابي موسى الاشعري

خ ـ مستدرك الوسائل / النوري ج 14 ص 455/ ص 449

د ـ الفروع من الكافي / ج 5 ص 452 / ص 453 / ج 2 ص 48

ذ ـ الاستبصار / الطوسي ج 2 ص 142

ر ـ وسائل الشيعة / العاملي ج 21 ص 12 / ج 14 ص 450

ز ـ رسالة المتعة / الشيخ المفيد

س ـ زواج المتعة / السيد جعفر مرتضى ج 2 ص 138

ش ـ بحار الانوار / المجلسي ج 100 ص 318، ص 103، 311

ص ـ خلاصة الايجاز في المتعة / الشيخ المفيد ص 57

ض ـ ويكيبيديا الموسوعة الحرة سلسلة انوار الاسلام

ط ـ مواقع كثيرة في الانترنت تابعة لمراجع المذهب الشيعي واخرى تابعة لمراجع المذهب السني استندت اليها واستفدت منها في انجاز الجزء الثاني من القراءة.

 

البصرة

مسرحية تحوير .. هل أصابها التحوير

gaffar afrawiمسرحية "تحوير" التي عرضت مؤخراً في بهو بلدية الناصرية وهي من تأليف الكاتب المسرحي المبدع علي عبد النبي الزيدي وإخراج الشاب الموهوب مصطفى ستار الركابي وتمثيل نخبة من ممثلي جماعة الناصرية للتمثيل .

تدور أحداث المسرحية حول وقوع تفجير إرهابي في أحد مقاهي العراق مما أسفر عن سقوط عددٍ من الضحايا بينهم شاب متزوج حديثاً قُطِعَ عضوه التناسلي مما أدى إلى حرج اجتماعي وديني خصوصاً بعد قيام طبيب بتركيب عضو ذكري وجد مقطوعاً في مكان الانفجار تبين انه يعود للإرهابي الذي فجر نفسه.

القصة مؤلمة جداً، ومتوقعة الحدوث على الرغم من احتوائها فنتازيا وخيال علمي كبير، إلا أن المؤلف أراد أن يصعق المشاهد والقارئ بهذا الحدث واختيار منطقة حساسة في جسم الإنسان تدور حولها الأحداث الرئيسة للمسرحية، فلو كانت الأحداث عن ساقٍ أو يدٍ مبتورة ما كان للعرض أية غرابة أو اهتمام أو عنصر جذب .

تميز العرض بعدة ميزات جعلته مثاراً للجدل، والنقاش، والنقد، والانتقاد، بل وصل الأمر إلى التجريح والرفض لمثل هكذا أعمال جريئة وعابرة للخطوط الحمراء وما فوق الحمراء في مجتمع مازال يقدس الأشياء - كل الأشياء - ولا يميز بين العمل الفني والتجاوز على الدين والمذهب والسياسة والعادات والتقاليد، ولا يميز بين الصورة النصية والمظهر الخارجي للحوارات في المسرح.

لمعرفتي بالكاتب علي الزيدي شخصياً، ولتاريخه الناصع وأسلوبه الفني الرائع في تصوير الأحداث بلا مساس للتقاليد والأعراف الاجتماعية، وبلا تجاوز فاضح وواضح ومباشر للمقدسات الدينية والطقوس الشيعية التي ينتمي (هو) إليها ويعد أهل البيت عليهم السلام قدوته في الحياة كما قال في تصريح صحفي سابق، فأنا أتصور أن هناك (تحويراً) حصل لمسرحية (تحوير) من خلال بعض المشاهد الفاضحة التي ركزت بصورة استهلاكية مملة وساذجة أثارت امتعاض بعض الحضور مما حداهم إلى مغادرة العرض قبل نهايته! ومن خلال الجمل والعبارات والكلمات التي لا تناسب القيم والأخلاق ولا تناسب المؤلفات والعروض المسرحية الرصينة التي تعودنا أن نقرأها للكاتب الزيدي طيلة تاريخه المسرحي، بل أن النقد والسخرية تنهال على المسرحيات الشعبية الهابطة إذا ما تضمنت مثل هكذا ألفاظ وحركات سوقية للأسف الشديد !

فهل علي عبد النبي الزيدي كان المسؤول الأول والأخير عن العرض؟ وهل يمكن لي أن اصدق أن جميع ما عُرض وسُرد هو للكاتب الزيدي ؟ وهل كان الخروج عن النص يؤدي إلى الهدف نفسه الذي كان يعمل عليه الكاتب؟..

أسئلة كثيرة أتمنى أن أسمع رأياً واضحاً من المبدع علي عبد النبي الزيدي لنفهم ويفهم القارئ الأسباب التي أدت إلى الضجة وردود الأفعال السلبية التي واجهت المسرحية قبل وبعد عرضها.

 

غفار عفراوي 9-10-2014

من أنثولوجيا الشاعر سامي العامري (2)

khalidjawad shbayl"صرختي عند الولادة

تلك الصرخة الكونية الغامضة

كانت أولى أعمالي الشعرية"

هكذا يُجيب - بمُجتَزَأٍ من " قصيدة" نثرية - على من يسأله متى بدأت بأولى طقوس الشعر؟ وأرى أن المعنى المركب أو ما يسمى بالمفهوم concept قد أزاح الجانب الشاعري، واقترب من رؤية فلسفية.. والمفهوم هو غير الفكرة idea وهو غير المبدأ principle وفق المصطلحات التي درسناها في دروس الفلسفة؛ المفهوم هو فكرة تقود الى فكرة .. صرخةُ الولادة هي احتجاج على الحياة وتناقضاتها التي ترافق الإنسان منذ ولادته وهي تتعمق مع بذرة الإنسان الشاعر وسيكشف عن هذه الصرخة بلغة الشعر، فكلما اكتسب خبرة في الحياة ازداد طائره مهارة بالتحليق! وفي مجتزأ آخر:

"أنتِ حُلْمي

أوليس الحلمُ من طبع السلافة؟

أنا كرخيُّ الهوى

ثمِلٌ حدَّ الرصافة!"

هنا اعتنى الشاعر بالجانب الفني والموسيقي وقارب "فاعلاتن" الرمل، وصوّر الشوق الى بغداد تصويرا حسنا كرخا ورصافة بمعنى بسيط ومؤثر.. ومن هذه البساطة ننتقل الى ما كتبه من نثرياته الشاعرية:

"وكان لي رمَقٌ زُمرّديٌ! / حمَلتُه على راحتي المؤجَلة/ حملتُه/ على راحة يدي / وكان لي خجل السنابِل / وهي تتسمع لشعاع الشمس / حيث النواعير المجللة بالنثيث / فما استقر لي سمعٌ / إلا وعندك قرارة لجته الأزرق كنوايا الموج! /ونورس ... جناحاه ضفتان من هديل/ وكنت .../ بعد وطن."

هذا مجتزأ من قصيدة نثرية "ضفة لاقمار جوالة"، تكشف عن براعة الشاعر سامي العامري في المزاوجة بين العاطفة الداخلية المفعمة بمرارة الذكرى والحنين، المشاعر تحمل تفاعلا وتأملا مذ غادر خطوط النار متسللا يحمل روحه على راحته وما روحه إلا بقايا رمق زمردي وأراد بهذا اللون التعبير عن الأمل، الذي غَذّ الخطى نحوه وإذ يصل حيث أراد ويجد له وطنأ في حضن ريتا حتى غادره الوطنُ هذه المرة لتتعمق مشاعره وتصبح مزيجا من شوق وحزن وألم...صوّر سامي مشاعره بأدوات تعبيرية بأناقة وتحمل إيقاعات حزينة ورسم صوراً تستدعي التأمل: رمق زمردي؛ راحتي المؤجلة؛ راحة يدي، خجل السنابل، النواعير..؛ لجته الأزرق(الزرقاء، حتى وإن كان الموصوف ضمنا البحر)؛ نورس...وأريد التوقف مع النواعير، التي توجد في العراق على ضفاف الفرات في الأغلب حتى مدينة حديثة وما جاورها، وألأشهر نواعير حماه الكبيرة على نهر العاص،، لقد استخدم الشاعر النواعير رمزا للأنين، حيث يعتقد أن النواعير اثناء دورانها تعطي ألحاناّ شجية وفق السلّم الشرقي للمقامات، وقد تغنى الشعراء والمغنون بذكر النواعير وليس العامري وحده من استخدمها برمزية معبرة، إذ قبله فعل مظفر النواب وعريان السيد خلف ووئام ملا سلمان وغيرهم ...

قبل أن أنتقل الى قصيدة أخرى أود أن أجدد التماسي الى الشعراء أن يذيِّلوا قصائدهم بتواريخ إنشائها، وهو أمر مهم لا للشاعر نفسه وحسب، وإنما لمن يريد أن يكشف تطور القصيدة شَكلاً ومضمونا لدى الشاعر.. ولأجل أن نكشف مهارة الشاعر التي اغنتها تجاربه الحياتية وانعكاسها بالضرورة على شعريته نقتطف من " نافورة اللهب":

زجّت به الذكرى / خموراً في مغانيها الكثارِ فما أفاقْ وسعى الصباحُ/ وخطوه حُلوُ المذاقْ! / ويرى ممرات من الغيم الخفيض تمددت كازقة فوق الزقاق/ وهناك ما بين الشقوق تمر قافلة من الأنغام / يغرفها الهلالُ / يظل ينشر ضؤءه في الليل نصف صبيحة / سوراً كأطواق الحَمام / فمن يغامرُ باللحاق؟َ!

وأول القول عن هذا الجزء من القصيدة " نافورة اللهب" وهو عنوان بذاته يمثل تشبيها بلاغيا بل تصويراً واقعيا حين تندلع ألسنة اللهب كأنها " نافورة" ؛وكلمة نافورة (من المستحدثات التي لا وجود لها في المشهور من المعاجم) أو الشذروان "دخيلة" التي أبدع البحتري في وصفها في قصيدته لبُركة قصر المتوكل في سامراء ، ولا ننسى أن هناك ديوان شعر يحمل عنوان "اللهب المقفى" للشاعر العراقي حافظ جميل. قصيدة الشاعر المبدع سامي العامري بها أنفاس الشعراء الرواد لقصيدة التفعيلة واخص السياب الذي هو من شعراء العامري المفضلين؛ في القصيدة اصداء موسيقى داخلية، ومقاربة للكامل، وأجراس المفردات ومعانيها رسمت صورا رومانسية جميلة يزاوج فيها الشاعر بين عمق المشاعر والصف الخارجي، وكان الوقف على القاف عمق الاصداء الموسيقية .. ولي وقفة مع "ويرى ممراتٍ من الغيم الخفيض تمددت كأزقة فوق الزقاق" هنا تكرار الأزقة، والزقاق خدم الصوتَ وأخلّ بالصورة، فلو ابتدأ ابمنحى سريالي ، لاعتبارنا هذه العبارة الشعرية ضمن ذلك المنحى، ومع ذلك فالمعنى التصويري جميل وواضح وهو من السهل الممتنع والممتع...هذه الملاحظة لا تقلل من جمال المقتبس أبدا.

ولئن وقفنا مع شعر التفعية والنثر الشعري، فلا بد من الوقوف مع الشعر التقليدي أو القصيدة الكلاسيكية فلنختر قصيدة"لكم الفصول ولي رجْع الألوان" من البسيط:

جاب المدائن محفوفاً بألطافِ *** من هاذيات الرؤى رفقاً بعرّافِ

لا توقظيه فجزءٌ من مقاصده *** أن يوقظ الأرض وهو الحالم الغافي!

مالي حلمت بشلالٍ وأوديةٍ *** ورملُ رزازة يعدو وصفصاف؟!

ومسك قلعةِ أربيلٍ احتفظتُ به *** في النبض أو في خفاءٍ ليس بالخافي

وهذه بابلٌ في بعض سكرتها *** فكيف لو تكتب الدنيا بإنصافِ؟

وصلت أرضك (يابوّان) معتذراً*** عن هاجس بيَ لم يذعن لأوصافِ

فيك الثمار على أصنافها انتشرت*** وفي فؤادي أسىً من كل أصناف

الشاعر استهل القصيدة بمطلع حسن، فهو يجوب المدائن التي زارها، يجوبها بخياله ويتذكر الطافها، ويشحن ذاكرته ويستذكر المكان ويكلمه تماما كشاعر وقف على الأطلال " وقوف شحيح ضاع في التُرب خاتمُه"، وإذ هو مستغرق في عملية الاستذكار الحالمة لا يود أن يُفسد عليه أحدٌ استغراقه هذا حتى ولو كان طيفَ حبيبة! إذ يتذكر بحيرة الرزازة ورمالها التي "تسفيها الرياحُ" بينما أشجار الصفصاف شاخصة تحف بالبحيرة، ثم يعرج على بابل، وبابل تسقي زوارها من سوائل منعشة لا وجود لها مثيل في كربلاء أو النجف! الوصف سلس وبلغة جذابة خالية من التعقيد وفي وصف أربيل ومِسكها الذي يبوح بضوع نشره نجد جمالا وحسن تصوير، وطباقا بلاغيا معبِّراً،،الى أن حُطَّ به الركابُ في شِعب بوّان تلك التي جعلها المتنبي بمنزلة الربيع من الزمان! والعامري هو الآخر يستذكر ثمرها إشارة الى بيت أبي المُحسَّد:

لها ثمرٌ تُشير إليك منه *** باشربة وقفن بلا أوانِ

وعودة الى قصيدة العامري حيث سنختار بعضا من وسطها:

ودعت عمري وميلادي.. وفرحتهم *** من قصد قصدي ومن أهداف أهدافي

كم قد تركنا من الألوان تذكرنا *** في كلِّ حوض وروض منه هفهافِ

ومن رموش صحبناها وقد جرحت *** ولات حين رُمي منها واسعاف

ولات حين عناقيد انتهت قدحاً *** في راحتيْ زمن حُرٍّ ومضيافِ

خَدٌ على السطح أعياني وإذ نزلت *** قدٌّ تطوع ممتناً لإتلافي

فِدىً لسيركِ فاق العودَ والتفتت *** أنغامُهُ فغدت نُصباً لأطيافِ

عذبٌ غناؤك يشفى كل مبتئسٍ *** ويُبهجُ الكون من رأسٍ لأطرافِ

أرى النجوم دعاسيقَ اعتلتنيَ أو *** حقول ضوء ومرت عبر أكتافي

ويرى القارىء معي أن مزاج الشاعر الوجداني والإنشراح العاطفي قد خبا وهجه، وانتابه شيء من الانكفاء، حتى إذ يتذكر مشية الحيبة كغصن مياس تميد في مشيتها ينشرح الخاطر، وحين تتكلم فهي تتكلم بغنج يشبه الغناء، فيبتهج الكون من ابتهاج الشاعر الذي غمره من ذروة رأسه حتى أخمص قدمه، حتى أنه أمسى يرى النجوم نقاطا سودا كتلك المرسومة على ظهور تلك الحشرات الجميلة وكذلك حقول الضوء تمر عبر أكتافه لا يعبأ بها لفرط النشوة او السكرة! وأما "الرموش" ياصديقي الشاعر المرهف فهي جميلة على الأعين النُجل لكن لا وجود لها في الفصيح من اللغة، وبالتأكيد أنك قاصد " الأهداب وواحدها هُدب" وقد وجدت أن هذه "الرموش " في أكثر من قصيدة لديك، نعم يوجد فعل: رمش يرمش والمصدر "رَمْش" ولكن لا توجد كإسمٍ أوجمع مثلما ورد لديك.، أجد حشواً في بعض هذا النضد الأخير مما وسم الأبيات فيه بالتكلف عكس الانسياب في النضد الأول، ولو استمررنا في الاختيار سنجد مزيدا مما يشبه النضد الثاني...

القصيدة طويلة نسبيا بسبعة وعشرين بيتاً مستوية الميزان، هل لها ضرورة بهذا الطول؟ لا، لأن القصيدة لا تُذرع بطولها بل بفاعلية أبياتها وتأثيرها لدى السامع ضمن مواصفات وقوانين القصيدة العمودية،،، ومن الملفت أن هذه القصيدة لاقت قبولا حسنا من قبل معلقين كثر، نعم هي تستحق ذلك لا سيما في المقتبس الأول،، بيد أن في المقتبس الثاني هناك شيء من هبوط،، ومع شديد احترامي للمعلقين فإنني وجدت بعضهم يطري على الهابط من الأبيات، ولا شك أن الذوق يخضع للفروق الفردية بين القراء من ناحية الثقافة الشعرية ومن ناحية الذوق ومن ناحية إدراك مقاييس القصيدة؛ أنا عموما مع المجاملة فهي تُذهب بالحسد بعيدا وتوطد العلائق الإنسانية في زمن يستشري فيه الحقد والضغينة لشتى الأسباب بما فيها الطائفية والعنصرية ووو، إلا أنني لست مع الإفراط بالمجامله..هذه القصيدة من أفضل وأنضج عموديات الشاعر المبدع سامي العامري..الذي أقول فيه كلمة أحسبها موضوعية أن الشاعر سامي العامري يمتلك موهبة شعرية متميزة وناضجه في " قصيدة النثر" وهو أحد فرسانها المبدعين وكذلك في شعر التفعيلة وإن بمقدار لا ينافس الأولى، وأقل أدواته القصيدة العمودية..سأعود للشاعر الجميل سامي العامري مع إبداعاته الأخرى عند تحصلي عليها..

 

رام كم هنغ 9/10 /2014

 

قراءة في المجموعة الشعرية "طيور المساء تسافر في الصيف" للشاعر قاسم عبدالهادي السواد

tawfiq shakhusanجسدي كالصيف يسافر في عيينيك

ويبحر ُ في تيار الماء

والأرض ُ تبيع مفاتيح العشب

وتستجدي عري الصحراء

تعب المجداف ولا زلت

بأمتعة العشاق أسافر

أبحث عن وطن وردي

لطيور الماء

رحيل ٌ عند مرفأ الذكريات، ترحل ُ أرواحنا محلّقة مع الطيور المسافرة تتقاذفها الرياح لترمي بها في ركن بعيد عن أمانينا .. نبحث ُ عن وطن ٍ نمحو فيه غربة النفس .. وطن ٌ يحتوينا ويحتوي آمالنا وآلامنا .. نتكئ على ألق ٍ يزرع ُنبضا ً ويحمل ُ كل الحقائب لطيور ٍ تعودُ متعبة ً ومنهكة ًمن الغربة ورحلة العودة لتستفيق وترتدي جرح الوطن ..

عن دار أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع في سوريا صدر للشاعر قاسم عبدالهادي السواد المجموعة الشعرية بعنوان " طيور المساء تسافر في الصيف " وتتضمن " 44 " قصيدة شعرية، تعبر عن القيمة الجمالية التي تختزل في داخلها تجربة الشاعر ورؤيته لمحن الوطن التي يصيح فينا جرحه، مسافر يحمل في قلبه حدود اللامكان ليجد ذاته ..

 

كتب الدكتور قصي الشيخ عسكر:

" ان الشاعر قاسم السواد يرسم العراق ومنطقته " البصرة " ومحلته " التنومة " في العالم ويرسم العالم في العراق وان قصائده هي لوحات فنية تمتزج فيها الكلمة والرسم والمسرح " ..

يرسم لنا الشاعر قاسم السواد الحزن البصري الذي هو جوهر الحزن العراقي في قصائده .. للبصرة حزنا ً خفيا ً عميقا ً وأوجاعا ً تعتلي وتعزف على أوتار القلب، ترويها السنين في صحراء لا يسمع لها صوت ولا صدى ..

 

جرحك معتقل في رأسي

وأشجار الخرنوب على نهر الشعيبي

مطعونة بوجع الأنين

وأنا أكثر اضطرابا

من ذي قبل

مفتونا بالخطوات الأولى

وطالعي يحمله العرافون

دون رؤى

لأرض لا تسكنها الروح

ولا تحرسها أقبية الملكوت

 

تراتيل المساء تغرق في لوعتها مع هواجس الوجع المخضـّب برائحة الشجن .. يقلب صور يلفها الحزن عبر نسمات الليل، كم هو مؤلم الرحيل عندما تغادر الطيور وتمضي برفقة نغمات الأسى وتبتعد معها أشعة الشمس التي أضاءت يوما ً حنايا الروح ليتجرع كأس الحزن المنبعث من أنفاسه ..

 

الدهور تشرب أحزانها

والنوارس تهجر أعشاشها

ولا ينمو عشب فوق الأرض

لأن النوافذ مغلقة

 

يعيش تحت ظلين لا ظل واحد، ظل الأم وظل النخلة .. يشم ّ عطرها ويأوي الى حضنها الدافئ لعله يجد أثار أمه بجوار النخلة .. يحس ّ بحنانها، وتلامس رأسه الصغير، ويركن اليها عند جفوة الأحبة .. تخنقه الذكريات ودعوات أمه تضئ ليله الحزين ..

 

ان التكـوّن حد الرغبة

يحمل شكلا تشاطره بقاياي

عند أفتتاح الفصول

وأن الجلوس الى جوار نخلة

أوله حزن وآخره وجه أمي

 

جرح ٌ طوى قلبه الأمل أشرعة ً، حزن ٌ من بين تنهداته ينفلت الوجع، يفجـّر ُ الماضي براكين الذاكرة حين تنام عيون الكون، وتشرق بالمسافات التي تكتب على أوراقها الثكلى حروفا ً تئن ُ في حنايا الضلوع، ويبحث ُ عن لحظة ٍ تخرج ُ من عتمة ٍ تحرق ما تبقـّى من بدايات المسافات ..ُ

 

هل تكفيك حرقة جرحي

أم تكتفي باستدارة الأنهار

واحتضار الليلة الباردة

في أوج انبهارها

لأن الدوامة نامت

على أحجية المسافات

 

من ثرثرة الصمت التي تأخذنا بعيدا ً الى ثورة الكلام الصامت .. حروف ٌ وكلمات ٌ تحمل ُ الوانا ً من العذاب .. ما الذي ترتجيه من حرف ٍ يضج ُ بسرد حكايا من العمق، ما عاد لنا سوى الأنتظار على متن جسد مرسوم، وعيون تناجي طيف ٌ يراود حلم يرتل أسطورة من خيال ..

 

لا تجعل من صمتك فاصلة

تنادم هذا الاحتدام

لأنك تدري

ما سوف يأتي

وان أعتصار الحروف

يراود ما كان مني

أو سيكون

تمتد الفواصل وتستظل بجمرة ٍ تعبر ُ سارية اللهب، ينثر ُ بخورا ً ويشعل ُ شموعا ً معطرا ً بأريج التراب ليطوي ليله الحزين على مشارف الرؤى النازل عند ضفاف النهر .. يحمل ُ جسده الملفوف بالجرح ليحرس خارطة الوطن التي تنبت ُعشقا ً يوقظ رجفة الأبدان

 

الخطوط في لوحات علي رشيد

saleh alrazukمنذ بداياته والفنان علي رشيد يتعامل مع خطوط منحنية. في المرحلة التعبيرية كانت شخوصه تنحني بقاماتها فوق بعضها بعضا، الطويل يحتضن القصير، والمبصر ينظر بشيء من الاهتمام للأعمى الذي لا ترى عينين في وجهه.

وهذا شأنه في المرحلة الراهنة. إنه يضاعف من عدد الخطوط المنحنية مع تدمير بعض المفردات وفي المقدمة الشخوص. في لوحاته الراهنة تراكم للأشياء وعناصر الطبيعة ولآثار تركها الناس حولهم دون أن يتوفر للناس وجود من أي نوع.

فالبيت يخلو من ساكنيه. والشارع بلا مارة ولا عابري سبيل. والبحر من غير صياد، وكذلك البستان والغابات. لا تجد مزارعين فيهم.

و العلامة الوحيدة على أن العالم مسكون ببني البشر وبحضارة المجتمع الممزق والمهزوم والمتألم هي في الرسوم والخطوط التي تراها على الجدران أو في بصمات الأقدام على الدروب.

وهي خطوط لا ينقصها الالتواء والتقاطع، وتكاد تتألف من أقواس متداخلة تتعانق مع بعضها وتحتضن بعضها البعض، كما كانت القامات الحقيقية في بواكيره.

لماذا يختصر علي رشيد الإننسان لخطوط غير متمايزة؟.

أعتقد أن هذا يذكرنا بما فعله فاتح المدرس في فترة سابقة. لقد ركز في شبابه وشيخوخته على رسم وجوه مضلعة من غير أبدان، وبأذرع قصيرة التحمت أصابعها، وألوان غامضة ومكفهرة تعبر عن الهم الثقيل والانطواء وعن الغضب.

لقد تخلى فاتح المدرس في النصف الثاني من عمره عن مشاهد الطبيعة المشرقة ولا سيما مرتفعات قريته " عفرين" ولم يعد لديه ميول لرسم إنسان يواجه الطبيعة أو يتآلف معها، وانحسر كل شيء وتم اختزاله في جوه تعبر عن الاغتراب والانعزالية. وحتى لو أنها وجوه لقرويين، كانت تبدو في مواجهة الأفق ومنفصلة عنه. فهي لا تحاول أن تندمج وفي نفس الوقت تبذل جهدها لتكون نفسها. عبارة عن علبة للأفكار المنضبطة والمتراكمة.

بمعنى أن النشاط يتحول لمكابدة مع الهم النفسي.

إن خطوط فاتح المدرس الأخيرة بزوايا وبأضلاع. وهي زوايا قائمة وحادة، وبمساحات ضيقة تضع الإنسان مباشرة في حدود عالمه المديني والعصابي. وهي من غير خطوط لدنة أو قليلة الانحدار. إنها تحاصرك بمباشرتها وعنفيتها ولا تترك لك فرصة للتفاهم والتأقلم. كما كان يفعل في مناظره الطبيعية التي تتألف من سفوح ومنعرجات.

وأعتقد أن أقواس علي رشيد لها معنى زوايا وأضلاع فاتح المدرس. إنها تضع الإنسان في دائرة مغلقة، وتفصله عن محيطه، عالم الإنترنت والفضاء المفتوح، عالم الموبايل والإلكترونات الحاملة للأفكار والمساعدة على التخاطب والتواصل.

و أكاد أقول إن علي رشيد يقترب شيئا فشيئا من كلاسيكيات المغامرة النفسية لمرحلة الستينات حينما انتشرت موجة الفن القوطي الجديد ولا سيما على يد المخرج المعروف هيتش (ألفريد هيتشكوك) مبدع نفوس معقدة والطيور.

فالخطوط الملتحمة والغامضة تنقل لنا حالة هلع فردي وشخصاني وعصابي من الواقع والمجتمع وتتبنى آلية دفاعية هي الإنطواء على الذات والنمو الذهني عوضا عن الإندماج بالآخر وتنمية العلاقات والروابط المشتركة معه. وفي أحسن الأحوال إنها تعمل بشكل موقد فيه تنصهر الأشكال وتتحول لفكرة أو لإرهاص بشكل وربما بشخصية قيد التطوير.

وإن سياسة اللون الواحد هي بلا أدنى شك تعويض عن هذا التجزيء وعن هذه التضحية بعضوية العالم. والدليل على ذلك لوحات مرحلته السابقة. لقد كانت الألوان متعددة. وتتراوح بين الأزرق والأخضر والأحمر. لون الماء والهواء والنار.

لقد كانت لوحات مبصرة ترى دمار وخراب ما حولها. ولكنها الآن تتراوح بين الأبيض والرمادي لتنقل حالة الانكفاء على الذات والاهتمام بخلجات النفس التي تهتم بدمار الذات وخراب النفس وفساد العواطف وتدهورها.

و إن نقطة التفاؤل الوحيدة هي في رؤية منعكسات الطبيعة والواقع على مرآتنا النفسية. هذا وحده يترك المجال للانتباه وللوعي أن الوجود ممكن، وبمقدورنا إعادة تأهيله بالإنسان والشخصيات..

 

آب ٢٠١٤

قراءة في نصّ سرّ الدّهشة لمادونا عسكر

في سبيل الدّهشة الأولى .. صعودا من مقبرة العالم واللّغة إلى قلب الله والقصيدة الممتنعة...

سرّ الدّهشة ... / مادونا عسكر

 

حالات الصّلاة أربعٌ:

الأولى،

سجودُ العقل عند إشراقة المعرفة

على وقع خطرات العشقِ

وعشقٌ يخطف القلب من مكر الحكمة...

كلامُ للحبيب رهيفٌ

إلى مسامعه يُزفُّ بحرارة وتؤدة...

يرنو إلى أسرار قلبي صامتاً

ينصت لارتعاد النّبض في حناياي...

حبيب يصغي ومحبوب يتكلّمْ...

سماء أبوابها مُشرعة على همساتي...

الثانية،

همس الحبيب لي بأناة الآلهة

يُدخل العقل في سرّ الدّهشة

يداعب القلب بلمساتٍ الرّأفة...

على قيثارة روحي يعزف أشعاره العليّة..

ألحان فرح، إلى غابات النّور ترفعني...

الحبيب يتكلّم والمحبوب يصغي..

فأنّى لنهىً بعدُ أن يبحثَ أو يجتهدَ؟

وأنّى لروح أن يحزن أو يكتئبَ؟

الثالثة،

صمت مهيب يضرم سرّ الحضورْ

عبرات تسرّ العينينْ...

قرابين غبطة لمن ليس مثله في الوجودْ...

قلب من شدّة الحبّ يثملُ...

يرتمي في أحضان الحبيب الأوحدِ...

يستزيد حبّاً ولا يشبعُ

يستقي من منهل العذوبة ولا يرتوي...

حبيب في عينيّ ينظر ويسعدُ

وأنا جلاله أتأمّلُ...

وروحي في جسدي يتراقص ويختلجُ...

في حضرة السّماء أنا..

وأنوار السّماء تهلّ من أجلي...

مقدّسة أنا في عينيه..

وهو الّذي هو، إليه يرفعني ويضمّني...

الرابعة،

حضور كالأبد، لا يحُولُ...

حبيب صامت، ومحبوب صامتُ

ما الحاجة إلى الكلام والحضور يقول ما لا يقالْ...؟

ما معنى الكلمات والحبيب هنا وأنا هناكْ...؟

على ذرى العشق هيمى أنا..

وأنهار ماء حيّ تفيض من العلا...

حضور يرمي بي أبعد من الرّؤى

يفرغ النّفس منّي، من كلّ شائبة

يسكنني ملء قلبي...

حبيب أنا ومحبوب

محبوب هو وحبيب...

ليت شعري... هل أقول شعراً بغير ذي الحروف

فيبلغ كمال الوحي سرّ قداسة...؟

 

 

إذا صلّيت أصلّي في مخدعي

حيث الحبيب كله لي وأنا لهُ

أعانق حالة رابعة

في صفو الحبيب تصطفيني

أسجد بالعقل والرّوحِ

أصلّي حبّاً ولا أكتفِي بالعبادة...

أنظم قصائد حبٍّ

على مسامع الحبيب أنشدها...

شاعرة أنا في مناجاتكَ...

فالشّاعر قدّيسٌ

من وحي الله يكتبُ ويترنّمُ

وعلى صفحات الكون يخطّ أشعاره ويتلو...

 

•القراءة:

للشّاعرة العاشقة قدرة مدهشة على توليد المفاهيم وإعادة ترتيبها بشكل نسقيّ يجعل بعضها يبرز لينبني عليه كلّ نص جديد، فتتآلف وتدور في فلكه المفاهيم الأخرى..وهي في صياغة تلك المفاهيم شعريّا، لا تستعيدها أو تستعيرها بقدر ما تعيد تأسيسها بما يتلاءم ونسقها الفكريّ /الرّوحيّ الخاصّ، حتّى وإن كان ذاك المفهوم من أعرق ما عرفه التّراث الإنسانيّ ..ولنا في مفهوم " الدّهشة" ما يؤكّد الديناميكية الشّعرية /الروحية التي تعيشها الشّاعرة، وتتيح لها أن تنتج نصوصا جديدة باستمرار..

وحين نقرأ هذه القصيدة تتراءى لنا نصوص في "الدّهشة" قديمة، نحاول بها أن ندخل كون هذا النص، فنجد فيها بعض المفاتيح، لكنّها لا تفتح مخازن أسرار الدّهشة فيه، لأنّ الشّاعرة لا تكتب غيرها، بل تكتب ذاتها، ولا توقع الحافر على الحافر، بل تسير في سبيل جديدة، فتصوغ دهشتها هي، لا دهشة الفلاسفة أو المتصوّفة أو الشّعراء أو القدّيسين أو الأنبياء.. وهي، وإن استلهمت أو أخذت ، فإنّ ذاك لا يكون إلاّ للتّجاوز وإعادة التأسيس..

وأبرز ما تمتاز به في هذا النص أنها اتّخذت "الدّهشة" منطلقا وغاية، محرّكا منشئا لحركة في سبيل الوصول بل الارتقاء إلى حال، وإن شئت إلى مقام من مقامات العشق والعرفان..

وهي أيضا، نعني الدّهشة، موقف من العالم وما وراء العالم، ومعيار لتصنيف المعارف وبيان منزلتها في وجود الإنسان، وهي أيضا نواة لنظريّة شعريّة، وإعادة قراءة للدّين باعتباره منظومة من المعتقدات والطقوس وشتّى ضروب العبادة..

وحين تقرأ القصيدة تتبيّن أنّ الشّاعرة ترتقي بك ومعك من درجة إلى درجة، ومن مقام إلى مقام من مقامات الدّهشة، حتى تبلغ بك المقام الأعلى والأكمل لها..

وهكذا يكون النّصّ في الدّهشة والحبّ والمعرفة واللّغة والفكر والعقل والرّوح واللّه والصّلاة والعبادة والإنسان والقداسة والكون..هو نصّ في " كلّ شيء"..لأنّ الدّهشة واصلة بين كلّ الأشياء..ولأنّ فكر الشّاعرة نسقيّ في انسجام صارم بين مختلف مكوّناته..

وأهمّ ما تتجلّى فيه وبه هذه النّسقيّة جعلُها "الدّهشة" في درجاتها الأربع أحوالا ووجوها للصّلاة والعشق والتّواصل بين الإنسان وذاته، وبين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والعالم، وبين الإنسان والله..حتّى أضحت الدّهشة في النّهاية سرّ أسرار الكون ومبلغ الكمال الإنسانيّ المستعاد، وسبيل التّحرّر والانبعاث من مقبرة العالم والصّعود للحياة في مملكة الحبّ المطلق في قلب الله..

 

1) المقام الاوّل / دهشة العقل والصّلاة..الأرض تناجي السّماء

هي دهشة خارجيّة تتفاعل فيها عناصر الفطرة والاكتساب، فيها للحكمة حبّ وللمعرفة فضول وفي الكون والله حيرة تحتال عليها "الأجوبة الجاهزة " فيسجد العقل انبهارا بالفتوحات "العلميّة "إلاّ أنّ القلب لا يرضى ولا يقنع ولا يطمئنّ للحكمة الآسرة المانحة دهشة باردة جزئيّة زائلة زائفة:

سجودُ العقل عند إشراقة المعرفة

على وقع خطرات العشقِ

وعشقٌ يخطف القلب من مكر الحكمة...

ولئن استندت الدّهشة في هذا المقام إلى قاع روحي ونبض يهزّ حنايا الكيان، وإلى رغبة عميقة حارقة في كشف حجب كثيفة فاصلة بين المريدة العاشقة وموضوع إرادتها وعشقها، فلا مجال للتّعبير عنها إلا بالصّلاة " كلاما" محفوظا تردّده الشّفتان..ولكنّ الصّلاة ههنا تظلّ كلاما..وإن كان صادقا حارّا، فهو دون حرارة الدّهشة وحريقها الهائل المرجوّ..المتعالي على كلام يقال ويُسمع :

كلامُ للحبيب رهيفٌ

إلى مسامعه يُزفُّ بحرارة وتؤدة...

يرنو إلى أسرار قلبي صامتاً

ينصت لارتعاد النّبض في حناياي...

حبيب يصغي ومحبوب يتكلّمْ..

سماء أبوابها مُشرعة على همساتي...

ولا يخفى ما في هذا المقام من اختزال للتجربة الرّوحيّة الإنسانيّة في التّاريخ العامّ وتاريخ الأديان والمقدّس، حين كانت تتّجه القلوب والعيون والألسن إلى السّماء، متنقّلة مترقّية من دهشة إلى أخرى، توقا إلى دهشة أعظم وأكمل..هنا الإنسان منبهرا بالعجائب والخوارق وكل ما بدا لناظريه عظيما عليّا مستعصيا على التّفسير والفهم..هي الحيرة الأولى وبدايات التفلسف والتأمّل والبحث عن الله بين الكواكب والنّجوم والأقمار وما وراءها وفوقها..وهي الرعدة والشّهقة إزاء البرق والرّعد والريح والطوفان والنّار والقبّة العظيمة وبانيها ..ولكن الشّاعرة تكتب هذا التّاريخ باعتباره تاريخ عشق وارتقاء في مقامات الدّهشة. وهي في هذا المقام صاعدة داعية منتظرة لحلول الحبيب في العالم وقد طال غيابه عنه، وعظم الشوق إليه واشتدّت الحاجة ..

 

2) المقام الثّاني/ دهشة الوحي والصّوت.. السّماء تستجيب للأرض

ينبعث صوت الحبيب في هذا المقام من الأعالي وحيا وهمسا ونشيدا سماويّا، وصوتا مقدّسا يتنشر في الأرض ويبعث الدّهشة فرحا غامرا يهزّ القلب كما اهتزّ قلب موسى أمام النّار والنّور هولا ثمّ ابتهاجا: " أَبْتَهِجُ أَنَا بِكَلاَمِكَ كَمَنْ وَجَدَ غَنَائِمَ كَثِيرَة " (المزامير 119: 162)..كذا تحكي الشّاعرة العاشقة دهشتها وهي تسمع الحبيب أوّل مرّة، فتأخذها هزّة القدّيسات، وهي منهنّ، يبلغن " سرّ الدّهشة" ويصغين وحدهنّ إلى أناشيد وأنغام سماويّة ترفعهنّ إلى "غابات النّور.."..وهو ذا الحبّ عندها، لا يكون إلاّ لحبيب إلهيّ وإله حبيب، يأتي ليبعث في القلب الفرح المقدّس الأبديّ، فيقصر العقل عن الفهم والتّفسير، وتتحرّر الرّوح من سجن الحزن والكآبة :

همس الحبيب لي بأناة الآلهة

يُدخل العقل في سرّ الدّهشة

يداعب القلب بلمساتٍ الرّأفة...

على قيثارة روحي يعزف أشعاره العليّة..

ألحان فرح، إلى غابات النّور ترفعني...

الحبيب يتكلّم والمحبوب يصغي..

فأنّى لنهىً بعدُ أن يبحثَ أو يجتهد؟

وأنّى لروح أن يحزن أو يكتئبَ؟

 

3) المقام الثّالث/ دهشة الحضور والصّمت ..حلول الحبيب والحلول فيه..

تحدث في هذا المقام نقلة وجدانيّة عشقيّة وتواصليّة لغويّة شعريّة، فينفي الحضور الصّوتَ بانتفاء المسافة، وينعقد اللّسان ويقصر البيان عن وصف الحال، ويدخل القلب طور ما بعد اللّغة، وتعظم الدّهشة عن أن يحتويها اللّفظ، ويضحي الصّمت المقدّس لغة بديلا، وتنهمر عبرات الغبطة واللّقاء..وإذا القلب في سكر لم نر غير ابن الفارض سبق الشّاعرة في وصفه حين قال:

فلا عيشَ في الدُّنيا لمنْ عاشَ صاحياً ومنْ لمْ يمتْ سكراً بها فاتهُ الحزمُ..

والشّاعرة هنا في أشدّ الحبّ والخشوع والنّشوة والاغتباط والانتصار والانبهار..تقرّب الدّمع، وتستقي من "منهل العذوبة.." المقدّسة، فلا ترتوي، لأنّها لو ارتوت لماتت، وهي مريدة أبدا مطلق الظّمأ ومطلق الدّهشة، ليستحيل الكون سكرا وجلالا "في حضرة السّماء.."

صمت مهيب يضرم سرّ الحضور

عبرات تسرّ العينين..

قرابين غبطة لمن ليس مثله في الوجودْ...

قلب من شدّة الحبّ يثمل..

يرتمي في أحضان الحبيب الأوحدِ...

يستزيد حبّاً ولا يشبعُ

يستقي من منهل العذوبة ولا يرتوي...

حبيب في عينيّ ينظر ويسعد

وأنا جلاله أتأمّل..

وروحي في جسدي يتراقص ويختلجُ...

والدّهشة العظمى أيضا هي هذا الصّعود العظيم العجيب من طين الأرض إلى "أنوار السّماء" ومن مقبرة العالم إلى الحضرة العليّة..هي أن تكتشف الشّاعرة القدّيسة أنّها ليست " طينة فاسدة.." بل جوهرا إلهيّا يقدّسه ويعشقه اللّه، لأنّه منه، وإليه يأتي ليستعيده ويتّحد به، ويضمّه ويرفعه :

في حضرة السّماء أنا..

وأنوار السّماء تهلّ من أجلي...

مقدّسة أنا في عينيه..

وهو الّذي هو، إليه يرفعني ويضمّني.

 

4) المقام الرّابع/ دهشة الأبد وكمال القداسة... القصيدة الممتنعة واللغة المستحيلة...

هو المقام الأرفع الذي نزلت منه الرّوح، وإليه تعود لتعانق حبيبها الأوّل..وكان عليها أن تصعد سلّم المقامات درجة درجة، وتتحرّر من معايير العقل وتعاليم الأديان وقوانين الطّبيعة وأحكام الجسد، وتتنقّى من كلّ الشّوائب لتستعيد طهرها الأوّل، وتفرغ من كلّ شيء إلاّ من الحبيب يكون ملء القلب، ويكون لها وتكون له أبدا، كما كانا قبل البدء وقبل التّكوين، واحدا في سكون هو الأزل ..حضور وتوحّد وتقدّس أعلى من اللغة والعقل والفهم:

حضور كالأبد، لا يحُول..

حبيب صامت، ومحبوب صامت

ما الحاجة إلى الكلام والحضور يقول ما لا يقالْ...؟

ما معنى الكلمات والحبيب هنا وأنا هناكْ...؟

على ذرى العشق هيمى أنا..

وأنهار ماء حيّ تفيض من العلا...

حضور يرمي بي أبعد من الرّؤى

يفرغ النّفس منّي، من كلّ شائبة

يسكنني ملء قلبي...

 

إذن فذروة الدّهشة هي بلوغ ذروة ذرى العشق، والاتحاد الأبديّ بين الحبيب والمحبوب، والخروج النّهائي من ثنائيّة الإنسان والله، وبلوغ مرتبة القصور الإشاريّ الإحاليّ المرجعيّ..ليبقى للّشّاعرة العاشقة القدّيسة دور واحد، وهو أن تبتدع اللغة المستحيلة، وتحاول كتابة القصيدة الممتنعة..لأنّ كلّ ما قالته وتقوله ما هو إلاّ صعود أو خروج إلى هذا الصّمت الشّعريّ العشقيّ المحتاج أبدا إلى حروف غير الحروف :

ليت شعري..هل أقول شعرا بغير ذي الحروف

فيبلغ كمال الوحي سرّ قداسة...؟

وبذلك تستقرّ الشّاعرة في هذا المقام الرّابع منصتة إلى الوحي الإلهيّ الذي يتلقّاه القلب، ليكتب ويترنّم بما لا يقال، لأنّ " الحضور يقول ما لا يقالْ..." ولانّ الشّاعرة القدّيسة بلغت " أرض السرّ" ودخلت مخدعا لا يضمّ سواها هي والحبيب، وفيه تصلّي وتنظم القصائد، وتنشدها الحبيب " قلبا لقلب.."

إذا صلّيت أصلّي في مخدعي

حيث الحبيب كله لي وأنا لهُ

أعانق حالة رابعة

في صفو الحبيب تصطفيني

أسجد بالعقل والرّوحِ

أصلّي حبّاً ولا أكتفِي بالعبادة...

أنظم قصائد حبٍّ

على مسامع الحبيب أنشدها...

شاعرة أنا في مناجاتكَ..

فالشّاعر قدّيسٌ

من وحي الله يكتبُ ويترنّمُ

وعلى صفحات الكون يخطّ أشعاره ويتلو...

ومن بلغ " أرض السّرّ " عاش الدّهشة المقدّسة ونجا من " مقبرة الأبجديّة.."..ولبلوغ أرض السرّ لا بدّ من جناح..لأنّ هذه الأرض بعيدة وعالية...

"أصفاد من ورق" رواية (البدون) .. رواية المهمشين للروائي يوسف هداي ميس

(نحن في العراق عالمان مختلفان كل الاختلاف، نحن بدشاديشنا البيضاء والكفافي الحمراء، بدواويننا وسهراتنا نجسد كل معالم المجتمع الخليجي، وهم ببنطلوناتهم ونسريحات شعرهم يعيشون عالم آخر مليء بالمصاعب والهموم .يقولون للعراقي فرحتان: عندما يتسرح من الجيش وعندما يتسلم "الكمية" الا اننا لم نذق طعم أي من الفرحتين ..)

"هذا النمط من النصوص "الهامشية" يشكل اليوم "ظاهرة" أدبية تتسع باستمرار مكونة تيارا أدبيا قويا وطليعيا بكل المعايير كما يقول: إدوارد سعيد، إذ أصبحت هذه النصوص المكتوبة في المنفى بلغة المنفى جزءا من الأدب لرواجها وحسن استقبالها."

1-العنونة:

بهو الدخول إلى النص..

يمثل العنوان في حد ذاته صيغة دالة للتعبير عن واقع الحال الذي لم يتغير على الرغم من مرور الزمن، السارد يطرح إشكالية الهوية كثيمة أساسية للنص الروائي بكامله، مشهد الصراع بين الهويات في عصر تفكك وانحلال سياسي واجتماعي شامل تتسم كل هوية بسمة مجتمعية اقصائية قائمة على التمايز والاختلاف. فلقد سيطرت إشكالية الهوية بسرد تعاقبي بضمير المخاطب، أي سرد يضع بطله في صورة ضمير المخاطب. ويكون هذا البطل عادة هو الشخص الوحيد الذي يُرَى العالم من بؤرته، كما أنه هو أيضًا المروي عليه في العمل على وجه العموم. وتُحكَى القصة في أغلب الأحوال في الزمن المضارع، وبعض الأشكال تتضمن كذلك استخداماً متكرراً للزمن الشرطي والزمن المستقبل. إن بحثي يرسم الاتجاهات ولا يحدد شروطاً ثابتة؛ ذلك أن السرد بضمير المخاطب شكل بالغ المرونة، وكينونته الخاصة تتجنب أي ثبات.على واقع النص منذ البداية وحتى نهايته، وجاءت هذه الإشكالية لتحدد ممكنات التعايش من خلال سرد متلازم وشفاف، ولعل الاستهلال الأول لهذه الإشكالية جاءت فى المفتتح الأولى من النص فى هذا المقطع الدلالي: (وبينما كنت هائما في عالم وردي تحفه الورود وتغنيه الخضرة كانت جموع من المبعدين تعبر حدودنا أتيه من الصحراء، يعتمرون الكفافي البيضاء او الحمراء، يعلوها عقال عربي، ويرتدون دشاديشهم البيضاء ..ص13)

المشهد بالنسبة له مشهدا مأسويا صارخا قد بث رسالة معبرة هي صرخة إنسانية مدوية في عالم ساد فيه الإقصاء والتهميش، حيث شارك هو فيه الجميع وكانت تلك هي المحطة الأولى للعبة السردية، .

(خرائطية البث المرسل) 2- المتن الحكائي:

تتشكل بنية الرواية بمشاهد متواترة تفصح عن بعض زوايا ومحاور التجربة النصية والرؤية، كما تتمحّور كل رؤية نصية من خلال الراوي المخاطب، وهو السارد، والراوي، والحاكي، والمتحرك فى جميع الأنحاء من منظور العليم ببواطن الأمور التي شكلت جانبا مهما في نسيج النص وتتواتر عتبات النص المختلفة المتمثلة فى عناوين أجزاء من البنية النصية، والبنية المشهدية، كل ثيمة انتقالية تشير إلى حادثة حدثت له على أبعاد انخرطت جميعها فى هذه البنية النصية بعضها جاء واقعيا متماهيا مع الذات وحوار لاينقطع مع الهروب باتجاه الحياة العاطفية.

(لقميصها الأخضر الزاهي تناسق عجيب مع عينيها الخضراوين . دققت بوجها المستدير، تبدى تورد خديها البضين وطراوتهما، انفها الدقيق .شعرها الذهبي الذي يتوج جبهتها الصغيرة كالإكليل، ثمة إحساس غريب يدعو للفخر، لالشيء سوىانني في محاولة للحصول على هذه الفاتنة...ص139))

هذه الهواجس والوساوس العاطفية الجياشة جاء رامزا للمكبوت داخل ذات البطل وهو ما يظهر فى الاستهلال الشاعري..قد شكلت دورا مهما في تأطير وبلورة السرد الروائي فى نسيجه ومفرداته ونسقه الخاص ورصع بها الكاتب الأجزاء المختلفة من أقسام النص جاءت جميعها مواكبة لما كان يستحضره الكاتب لاشعوريا..

لقد كانت الرواية فى منحاها هو تداخل مابين الشعوري / اللاشعوري، والتي تحمله الشخصية المحورية للنص، حالة خاصة من حالات النفسية المكبوتة فى ذائقة تتماهى فيها الذات مع عدة قضايا وإشكاليات وجدت نفسها تطرح على صعيد النص وفى بنيه فنية فى إدراك عدة محاور حياتية عبر شخصية البطل ومحنته الغرائزية، وقد جاء النص فى بعض تحولاته وتنقلاته النصية مستخدما عدة تيمات حياتية اشتغل عليها النص تواجدت بصور مختلفة عبر المكان والزمان الذي تواجدت فيه الشخصية فى مراحل سنية مختلفة وعبر تجربة حياتية مليئة بزخم الاجتماعي، والسياسي بسرد يأخذ فنيته من محاولة الكاتب الاشتغال على الناحية النفسية للشخصية، التي شغلت واقع النص ونسيجه بهذا الطرح من العلاقات والهواجس والبوح الذي شكل هذه البنية الفنية لهذا النص الروائي المتميز..

(لقد قال المهاتما غاندي كلمة شهيرة بحق هذا الرجل العظيم :تعلمت من الحسين ع..أن أكون مظلوما فانتصر..ص78)

فالسرد يقدم لنا منذ البداية بطلا مسكونا بالقلق والأسئلة، من خلال التأمل الذي يشك فى كل الثوابت التي تقيم وتحرك عالم قاسي لا جدوى من إصلاحه، مسجلا أحداث هذه الوقائع وملاحظاته عليها، وعلى من حوله الذين لن تستوقفهم هذه الحياة سوى الأشياء العادية اليومية المرتبطة بالعمل وظروفه والحياة ومشاكلها اليومية، والتغير فى الواقع الاجتماعي والسياسي والصراعات اليومية المألوفة فى عالم من الأحداث والشخصيات ذات البني الاجتماعية..الشخصيات كما قدمهم السارد، شخصيات في طبيعة تكوينها، وفى سلوكها اليومي، وفى ردود أفعالها تحيا حياتها فى قلق وحيرة وتسائل.تهدأ في لحظة أسئلة الوجود التي امتلأ بها البطل النموذجي للعقاب.. لماذا..؟

(التأشيرة .. الطريقة الأزلية لتنقل البدون، لامناص لي منها .هذا النظام المستحدث في وسائل التنقل، ابتدعته هذه الفئة المغلوبة على أمرها، حيث ان معظم شبان البدون غير موظفين ...ص128)

3-اللغة : لغة حلم بـ (المرأة والاغتراب):

إذا كانت الكتابة الأدبية عموما لعبة تخيلية طقسية يحاول الكاتب فيها ومن خلالها التحرر من الشروط المعتادة للزمن والمكان، فإنها هنا وبالإضافة إلى ذلك تتلبس بعدا انطولوجيا - سوسولوجيا، يتولد عن محاولة الكاتب إعادة تأويل معانى وجوده ومصيره الذاتي فى اتجاه الخلاص من آلام الحلم غير المتحقق او التخفيف منه قدر الممكن والمستطاع هنا تحديدا تتحول الكتابة إلى عملية ترحال دائم بين هذين العالمين فى محاولة يائسة لامتلاك احدهما والتموضع أو الاستقرار فيه نعم لا وطن للمنفى، هذا المهيمن في النص نظرا لأن الأمر يتعلق بـ "مذكرات" لكن هيمنة هذه اللغة في مستوى البنية الظاهرة، أو السطحية، للنصفي متن - جسد النص تكشف عما تحاول الذاكرة طرح القضايا التي نركز عليها هنا وإن كان نصها يطرحها علينا من خلال شفراته أو من خلال "لاوعيه" كما يمكن للقراءة النقدية الحديثة أن تعيه وتكشف عنه.

(لاتتصور ولو للحظة واحدة بأنك قد حققت نصرا على الحكومة لا-أنت واهم يااخي، الم تعشق ابنة خالك؟ لماذا لم تتزوجها؟ ولماذا أنت لحد الآن غير قادر على إكمال دراستك ... ص154)

وبصيغة أخرى نقول إننا هنا أمام تمييز إجرائي تبرره وتسمح به قراءتنا المسكونة بهواجسها ومشاغلها "الراهنة " وبعيدا عن مقصدية الكاتب المعلنة من الكتابة، وسنرى لاحقا إلى أي مدى تسمح لنا عملية تفكيك لعبة الكتابة في هذا النص. وموسومة حتما بآثار العنف فهي في جوهر الأمر جزء من تجربة المنفى كمعاناة دائمة يعيشها البطل الذي تحول طوعا أو كرها إلى تجربة الاغتراب لابد وأن ينبنى على شكل من أشكال التوتر الشديد "والمؤلم. الأولى تشده نحو الماضي المخزون في شكل رموز وصور هي كل ما تبقى من تلك الحياة الحميمية المنتقدة وتجذبه الثانية نحو الحاضر حيث يعيش المغترب في سياق شروط ووضعيات جديدة لا يمكنه الاندماج فيها بعمق واطمئنان، حتى وإن تلبس الأقنعة ومثل الأدوار وصدق الظنون والتوهمات..!!

(وضع الكويت في النصف الثاني من القرن العشرين، يذكرني بماقراته عن مدينة البصرة أبان عصرها الذهبي في القرون الوسطى، وقبل خرابها الذي أحدثه الزنج، نفس التشكيلة المجتمعية، فرس هناك اتو بحضارتهم الساسانية ليحدثوا ثورة علمية وكلامية وأدبية، وإيرانيون تجنسوا في الكويت أحدثوا نجاحا فيها يفوق الوصف، حتى غدوا هم تجار البلد.حتى لهجة الكويتين تغيرت بسبب المد الإيراني، وهذا نفسه ماجعل العرب الأوائل الذين كانوا يقطنون البصرة يلحنون بالقران ليظهر لنا علم النو...ص200)

في الختام :يختم السارد حكاية المهمشين بالقول..

(لاتوجد قيمة للشهادة هنا، لاتعطيك المال ولاحتى القوة ... ص253) إن الرواية هي أسئلة وكشف أحداث ووقائع تحدث كل يوم، لم يتعاطف معها أحد ولم يقلق لشيء أو ينزعج لما يجري، ان كان يحدث ما حدث لهذه الشريحة الاجتماعية من أقصاصات مجتميعة تنذر بالنتجية بخطورة التقسيم مستقبلا.. انه عالم مثير حتى فى الفوضى والعبثية المسيطر عليها، كأن يريد السارد من خلاله كسر حدة الرتابة السردية إذن هي سرانية الحياة الداخلية والخارجية للمؤلف، هذه هي أسئلة الوجود الكبرى أو هي أشجان الروح المتسائلة..!!

 

قراءة:عقيل هاشم الزبيدي

 

قراءة جديدة لقصائد الشاعرابراهيم البهرزي

ali almasudمثلما كل مرة ....

حملوا قبور أجدادهم وطافوا بها.

أكثر من مدينة غريبة طوت زهورها بوجوههم

كما يُطوى سجل سرّي،

من المؤكّد أنهم لايقطفون الزهور لأجل موتاهم

هذا ليس من تقاليدهم

ولكن روح الموت كانت تشيع حولهم كالفضيحة .

انهم الموت، كان أمناء البلديات يهمسون

ولم يكونوا كذلك في حقيقة الامر،

انّما كانوا يحملون قبور أجدادهم لأن هناك

في البلاد التي لم تحتمل وجودهم

كان أعداءهم ينبشون القبور

بحثا عن شبهات تبرّر اقتلاعهم .

 

كانوا سيُقتلَعون َ في كل ّ الأحوال

خفافا أو بما احتَملوا .

غير أنّهم أرادوا ان يقولوا لأعداءهم

كنّا نريد أن نحتفظ بحب أجدادنا لأجدادكم

كامنا في العظام، بعيدا   عن الشبهات ِ

فلا يرثها الأحفاد كحقائق مؤكّدة

هم

أو أعداءهم

أو أعداء أعداءهم

ممّن طوّفوا في مدن غريبة

أو أقاموا غرباء في مواطنهم،

كانوا نُسّاج الكراهة من رميم القبور.

نشرت في موقع (الحوار المتمدن) بتاريخ 30- 09 - 2014

تعد تجربة الشاعر أبراهيم البهرزي من التجارب المهمة والعميقة، التي تؤثث فضاء المشهد الشعري العراقي المعاصر وفي قصائده إبداعية فريدة لافتة للانتباه، تنم عن عمق فكري ووعي جمالي، بما للكتابة من قدرة على التعبير وابتكار المعاني ومن قدرة على تشكيل الصور وتجديد معالم الحياة، عبر اللغة والكلمات، ولكن في قراءتي لمنجز الشاعر يزاحمني السؤال : هل يمكن للقصائد

المرشحة للشاعر " أبراهيم البهرزي " في ديوانه الاول و الذي صدر عن دار ضفاف و كان بعنوان (صفير الجوال أخر الليل) ان تفرز لنا صورة استقرائية لتجربة شعرية في جسد القصيدة العربية الحديثة؟؟؟ اليست قصائد" ابراهيم البهرزي "فراشات ملونة و تحتاج الى مهارة و معرفة كي تستطيع الولوج لعتباتها خارج باب الدهشة التي تسكننا منذ البدء؟ ؟ كيف تستطيع هذه التجربة الشعرية أن تخلق فرادتها وتميزها، بل وصوتها الشعري المفرد في الوقت الذي ملأ فيه "نباح أشباه الشعراء" المشهد بكثير من ال"قول" وبقليل من دهشة الشعر؟ ؟ أليست تجربة " البهرزي " وأسلوبه الشعري وفرادته هذه الفرادة العراقية الشعرية بكينونتها، وهويتها المركبة تستحق ان يسلط عليها الضوء،؟؟

لقد ظلْ الشاعر البهرزي باحثا عن اسلوب ابداعي متميز أ به و صوتأ متفردأ في قصائدة هو بهرزي أصيل من محافظة ديالى . مقيم ابدي فيها منذ أن أكمل دراسته في الجامعة التكنولوجية ببغداد ا لأربعة أعوام 1976- 1980

أبراهيم البهرزي هذا الشاعر الذي يحمل ريحان الحرف الشفيف، حلمه دفاتر تخطها أشعة الشمس..تتلاقى أمام بوابة إبداعه مرايا ومرافئ، وأوطان للريح وبساتين بهرز ووالتي يستمد منها الشاعر صياغة الحرف، ويوصف الشاعر علاقته بالمكان (بهرز) ووقعها في نفسه وتاثيرها عليه في بلورة وعيه فيقول: (عن بهرز حين أحدثك ينبغي أن أتحدث عن شبق زهر البرتقال في نُوّارات البراءة والخمرة والوداد الرفاقي، عن أريحية المقاهي الضجيعة تحت يوكالبتوس (خريسان) القديم، عن المطر الحنون المتشقلب على مراوح النخيل، عن الرياح الموسوسة التي تدوّم بالطفولة إلى أعالي الله، عن مسارج النفط بفتائل التمر المشعشعة في أكواخ البساتين المعتزلة، عن القُبل الأولى المهراقة تحت نزيز العنب،)، ويسترسل في الحديث عن معشوقته عن قريته (بهرز) رغم تطلعاته

وتصريحاته الدائمة، عن مرارة العيش فيها لكنه ما غادرها و لا غادرته رغم سياط الجلاد و حروبه و الجوع و الحصار: (عن بهرز حين أحدثك ينبغي أن أتحدث عن الوجوه البُنيّة المنحدرة لشواطئ (المنتريس) بوفير الخمر وهدير الأغاني الناحبة،عن الطيور الطائرة والقناطر البعيدة، عن ماريجوانا القدّاح  

المتغلغلة في بلازما الجنس الخجول،عن زهور الخُزامى السكرى على أسيجة المنازل العالية،عن سطوة الفلس السحرية في زمان العيد والأراجيح ودواليب الهواء.

(من حوار مع الشاعر إبراهيم البهرزي)

عدنان حسين أحمد

(الحوار المتمدن-العدد: 764 - 2004 / 3 / 5 -)

بين يدي الشاعر (أبراهيم البرزي) تبحر القصيدة حاملة استداراتها القزحية، وتتدلى خطاه من سقفها الماطر المليء بغوايات الشعر الأبهى وينشد في احدى قصائده :

ايامك

قديمة جّداً

كما يقول امين المكتبة

عليك أن

تُنجّدها

وتجلدها

وتصنع الرفوف لاجلها

وتصفّها

وتتامل من بعْد في هذه الصفوف العريقة....

لقد انتهى وقت العمل

عليك ان تحدّق بالزائرين

والزائرون

ربّما مثلك

يتامّلون هذه الصفوف العريقة

هكذا ستحتفي بالعدالةِ

الصانع والزائر غائبان معا في شراكة التامّل

وحين يجوع الجائع

لاباسَ بان يتناولَ من الرفِّ وليمة،

ولكنها محنة

اقتحمتني بدون استئذان قصيدته " في الغابة ثمة من يجبك "، حيث رأيت الشاعر مستلقيا فوق لحاف العتمة، يتقلب فوق سرير الحزن،لا أ دري هل هو الحزن الذي يصل "حد العتمة " من يغرس قوسه في جسده؟؟، أم شيء ما مجهول يطوق ذاكرته بالتفكير العميق، يحوله الى مايشبه الريح التي لاتعرف ماذا تريد لنسمع ما يقول الشاعر في تلك القصيدة :

لستُ حزيناً حَدَّ العتمةِ...

شجرُ الحور الاكثرُ حزناً

أخضرَ

أخضرَ كالضحكِ،

ريشةُ الغرابِ مُبلّلة بالندى أيضاً،

هل قلتُ انَّ الشمسَ اكثرُ سطوعاً في السواد ؟

تقولينَ :

انَّ الغابةَ اكثر أتّساعاً من الحقيقة

وأنَّ غموضها اكثرُ وضوحاً من دهشتكَ

وانتَ مثلَ الريح لا تعرفُ ما تريد.....

يتعامل الشاعر " أبراهيم البهرزي " بدقة بالغة وحساسية مفرطة مع المفردة..و المفردة لدية تتجاوز اطارها الشكلي الى الدلالة المعنى و للشاعر" البهرزي" رؤية تنبع من تجربته و هذه الرؤية اساسها الهم الانساني على عكس هذا أشتغل البهرزي في تفعيل الرمز لآيصاله الى مستوى الأسطورة وتحويله الى دال يجد مدلوله في مرجعية الذاكرة الجمعية لخلق معنى جديد!! و ينتقل الشاعر لوصف هذا الآثر المحفور بخنجر الخيبات بين ألياف قلبه ! حتى أرتوى شوقه من ماء دجلة و ألاحزان و له جناحان و طائرأ يعبد أمرأة ويقول في قصيدته :

قولي لهم

أنّه لم يعُد غير طائر من المحارم

لن يفعل غير ان يطوف حولي

قولي، وانت تعرفين، انه لن يفعل اكثر

من ملامسة الجناح الكسير على جانب الخد

لن يفعل اكثر

من أن يقف على كتفي ويتلفَّتْ ...

لي جناحان

وليست الارض،مُذْ استحلت طيرا

أمّاً لي ولا مرجعا   للأصول ...

أطيرُ حولك وأعبدك

وليس   لرفقةِ   القدامى غيرَ بنادقهم ...

طائرٌ يعبدُ امرأةً

الشاعر " ابراهيم البهرزي " منذ ان عرفته في منتصف سبعينيات القرن الماضي عاشقا خجولآ شفاف حتى يخيل لك (انك لو رميته بباقة من الازهار فسوف تدميه؟) يتنقل في قصائده كي يعمل إلى وضع خارطة رومانسية يمشي فيها عشقه " يَمامةُ الوداعٍ أمّارةٌ بالرضا " فهو يعلم بقصص العشاق الذين استباحوا صفحات التاريخ، و عارف بالساحات التي تحمل أسماءهم، إ يقول في احدى قصائده

أمسِكي يَدي أخوّةً

أمسكيها لانهضْ

يَمامةُ الوداعٍ أمّارةٌ بالرضا

رَفرفَ النعناع على السياج ِ

وأخذتني غفلةٌ من الفردوسِ الى مَرضعٍ بهيج ٍ

كانَ كلّ الموتى يبتسمونَ على الجسرِ

مُتعثراً بينَ صوب وصوب

ألتفتُ الى يدكِ المغلولة،

أمسكي يَدي

أُخُوّةً

ليسَ تلكَ اليدِ التي توقظُ الارانب َ في الليل ِ

ليسَ تلكَ التي تهصرُ البرتقالَ النبيذ

أمسكيها

رايةً بيضاءَ

نافضةً بعد حروبها

كلّ غنائمها السُود ..

أمسكيها أخوّةً

يمامةُ الوداع

 

إن هذا العاشق الذي تئن حروفه الغزلية صراخا خفيا حينا، ومدويا أحيانا، يجر مأساة قلبه بصبر غريب، فهو يعترف بأنه ليس أول من ذاق مرارة الفراق، ولا أول من تناثر خريفا في أرض العشق، لكن" قلبه يسبقه للساحة يعدو .. ويهرول " لكنه يستدرك ان " قلبه الريشة لم يبتكر الى ألان جناحه " و ينشد ففي وضف ذالك بالمقطع حين يقول :

قلبي يسبقني للساحة

يعدو

ويهرولُ

يحتفلُ ويخجلُ

كنتُ اظنُّ الظنَّ الزين َ باهلِ الساحة ِ..

قلبي

يسبقني ويحوقلُ !

لا حولَ ولا قوّةَ الا بالخيل

فقلبي الريشة

لم يبتكرَ الى الانَ

جَناحهْ..

ذاتَ دفترٍ عتيق

لقد شَرَّحَ الشاعر مشاعره في هذا النص، الذي رأيت فيه رحلة لكبار العشاق، وأنا أتنقل بين سطوره الشعرية السردية، لأجد في زواياه غطاء أسود يلطم خد البياض، وكأن الشاعر في غرفة منعزلة لا يسمع فيها غير نبض العشق يتموج في ساحاته النفسية، حيث يعلو صداه حطام القلب، محاولا قراءة اوراق دفتره العتيق، لكنه حين يتحدث عن البلاد المنفى ويحرف موجوع على فراق الاحبة

فانه يصوغ فلسفته حين يقول (المنفى ليس هنا ... المنفى ليس هناك) بل المنفى في الروح :

ما غادرتُ بلادي ابداً

ما غادرتُ المنفى

ذاكرتي غائمةٌ بالنُدفِ البيضِ

وما يسّاقطُ منها

تأبينٌ لمكانٍ غادرني

او لزمانٍ غادرتُ،

وما بنثيث المطرِ

تخبُّ خطى أِنسان

ويستكمل قصيدته الجميلة عن الوطن المنفى و المنفى الوطن فيقول :

موتٌ في المنفى

او موتٌ في المنفى

هذا قَدَر ُ المنفردينَ عن القطْعان ْ

نتركُ كالعطر ِ مكاناً

لا تبصره   عينان

ونغيبُ

وتمحونا خطوات المدن الظالمة

وأيّ المدن،

اذا كنتَ حزيناً وحيدا،

تُجْبر خاطركَ المتهشّم

بضمادِ السلوانْ ؟

المنفى ليس هنا....المنفى ليس هناك .

في كل قصيدة من قصائد الشاعر" ابراهيم البهرزي " كنت ألمس جمال فني يرصد تناقضات النفس في العبور نحو حقيقة تجمع فوضاه الداخلية، والتي كانت مرآة تنقلت بين زواياه رقيقة حينا، وحائرة أحيانا، بين مَدِّ الخوف من الفراق، وجَزْرِ الاستسلام له بكبرياء. وتلك هي قدرة الشاعر الجبارة في نقل القارىء من حال إلى حال ..؟؟؟؟. تبدو الذات المائرة المترنحة المثقلة بكل رغباتها وإحباطاتها في قصيدة : " في الغابة ثمة من يحبك " للشاعر أبراهيم البهرزي و المنشورة في الحوار المتمدن-العدد: 4245 - 2013 / 10 / 14 - 13:28 -) ذاتأ تعكس

القلق والتوجس والتخبط، وتطرح السؤال الوجودي العميق عبر عالم من الرموز يهدر بهذا الترنح والقلق، فينتصب الغبار رمزا للرغبة والحقيقة المتعالية، وهو أيضأ رمزا والتشظي والانفصام، وهي تيمة تتوارد في العوالم الشعرية بكل إصرار وعناد في نصوص هذا الشاعر، هكذا يبدأ السطر الآول : " ولستُ تائهاً حدَّ الغبار "، بتركيب إنشائي مزدوج يفتح أفق حوار يحاول الشاعر أن يجعله متكافئا بتجريد الثوابت من تعريفها ولذا نجده يتحرك في محور التعاقب و ثنائية

متوازية لروح النص الشعري ألذي تشكله تيمة ألحزن، ففي الأسطر الأولى يستهل الشاعر قصيدته بوصف الحزن التي يتناوله بطريقة شفافة ويصفه الى حد العتمة، فيكاشف القارئ بشرارة المعاناة التي انطلقتْ بمناداته رفيقة دربه التي

تملأ خياله، وتسكب أيام عمره الحزينة بكأس الشجون، وقد عبّر عن هذا الحزن المسكوب والمصبوب بقوله :

لستُ حزيناً حَدَّ العتمةِ ....

شجرُ الحور الاكثرُ حزناً

أخضرَ

أخضرَ كالضحكِ،

ريشةُ الغرابِ مُبلّلة بالندى أيضاً،

هل قلتُ انَّ الشمسَ اكثرُ سطوعاً في السواد ؟

تقولينَ :

انَّ الغابةَ اكثر أتّساعاً من الحقيقة

وأنَّ غموضها اكثرُ وضوحاً من دهشتكَ

وانتَ مثلَ الريح لا تعرفُ ما تريد ...

وإذا تأملنا المقطع الثاني من القصيدة " في الغابة، ثمة من يحبك " وجدناه لا يخرج كباقي الأسطر عن الغوص في ذلك العالم اللامحدود من الرموز المجسدة لذات قلقة مترنحة، ذات يصبح (حد الغبار) فيها المفارق للمعني المحدود حقيقة لها بكل ما يعنيه من فراغ أو قلق أو عجز أو شطط أو مأساة أو انكماش أو تلكؤ أو ضجر أو... أو بالأحرى حين يصبح الموت رمزا للشاعر بكل أثقاله (وانَّ السوادَ نفسهُ وشاحُ الخيانةِ)، وهكذا تصبح الخيانة فعلا مزدوجا من أفعال وسلوكيات مرفوضة و له لون واضح الي يسلب ارادة الانسان !!

هل قلتُ انَّ اطواقَ الورود والمراثي سخريّة مُرّةً

وانَّ السوادَ نفسهُ وشاحُ الخيانةِ

وانّ الارادةَ نفسها

بجعةً كسيرةُ الجناحِ

مرةً تضرب الماءَ

واخرى يضربها هو

في عراكٍ غير عادلٍ .؟....

أريدُ الطريقَ الذي لا يمرُّ به الليلُ

حانياً على ذلك الحيوان الضاري،

من برعمِ وردةٍ يندفع احياناً

أو شَقٍّ صغيرٍ في الجذوع المتعفنةِ

حيوانُ الجزعِ الذي لا يُرى

بمخالبهِ الناشبة ...

          ولم يكن الاحتفاء بالسير الإنسانية، في أغلب قصائد البهرزي، بعيدا عن الاحتفاء بالمكان، كفضاء للاحتواء والاحتماء، داخله تعبر حالات ومشاهد وتفاصيل حياة، تعكس بصورة من الصور، قلق الإنسان في مساره اليومي ودرجة وعيه بسؤال كينونته ووجوده. هكذا تحضر بغداد وبهرز وبعقوبة وتحضر المقاهي والاصدقاء والأنهار ومحطات القطار، وتحضر أمكنة أخرى، هنا وهناك، تختزل لحظات شعرية وإنسانية منفلتة من ضجيج العالم، تمكن الذات من الإنصات إلى ذاتها والإنصات إلى الآخر على انفراد.

(إبراهيم البهرزي).. شاعر عاصر جيله كل تحول حاد وعنيف في الفكر الإنساني.. حيث ولد عام (1958م)، وما تلاها من عواصف انقلابية في سدد الحكم العراقي، ومن تبديلات دموية قاهرة.. شاهد عيان، حصيف محايد.. يكشف أوراقه الشعرية بمقدرة لاعب محترف، مقتدر بايصال كل ما يريد إيصاله وفي" منكشف للريح أنا" يستذكر رفاق دربه و وندماء مسراته :

هل أبكي يا بعقوبة شط خريسان؟(سفينة نوح) ؟ ضحك (مؤيد سامي)؟ سرد (كريم بن حسن) ومزاح (منير)؟.. هل ابكي غيبة (محيي الدين) وهجرة(ظاهر شوكت)؟ ميتة (ياسين النجار)

قتيلا قرب النهر؟ دماء (السعدي فائق) في باب المنزل؟ صوت (العزاوي فاروق) أبي وأخي؟ ضحكة (أحمد خالص)، سعي (أبا نوار)الدائب بين المكتب والبار؟ (كريم)؟ (سعد)؟ وخطى (لويس)؟ أأنسى صيحة (نوح) .

وهو ينادي

يا أولادي

السكر هدوء وسكينة..

صمت

سيجيء مفرقنا يوما

ويصير تراب الغرفة هذي

من أغلى الأحلام!

صدق الله و(نوح) وكل الشهداء

تفرقنا حقا

كالأيتام...

-- (سفينة نوح) مرثية عمر لن يضحك بعد، المجداف انكسر وحامله مذبوح القلب،--

فكثيراً ما ينطرح التساؤل حول الشعر : ما القضية / الهمُّ الذي يفرض نفسه على تجربة الشاعر؟ ولعل القضايا كثيرة بجُنَّزها وخُنّاقها، وما أرخص القضايا المعاصرة في عالم يبدو الآن بغير قضية، وما أفدح القضايا التي تخنق نَفَسَ الشعر والفن معاً؛ لتطفر على وجه الشاعرية كالدمامل والبثور، أو ربما كالشعارات الجوفاء فوق واجهة الحدائق .. ربما لذلك تتنحى تجربة البهرزي عن هذا الطريق لتفاجئ الجميع من الخلف بقضيَّةٍ لم يعد يلتفت إليها أحد، تلك هي القصيدة نفسها .. هذه الومضة -- النموذج الجمالي البكر الذي يُحَمِّلُ الجميع على كاهله ـ رغم رهافته ـ أوزار عصرٍ بربريٍّ يرى في أزيز الطائرات وهدير المدافع شاعريته، وفي السقوط الاخلاقي و الفكري و ربما لهذا هو شاعر الوجع ومدفعٌ السخرية أو .. ربما لهذا ـ بين الرصافة والجسر ـ عيون المها تجتر آلامها؛ وأيامها، ومابين بهرز و بغداد والمسافة بينهما حقول ألغامٍ وساحات من الفوضى، وألاعيب ساسةٍ محترفين، وكثير من صفاقات القوانين، وأصداغ المحللين كيف نجتاز المسافة الملغومة إذن إلى عيون المها ؟ كيف نجتاز المسافة والمسافة صاخَّة بصراخ النائحات والثكالى؟ .. كيف نَـعْـبُرها إلى هناك، حيث القصيدة في عيون المها، نسحبُ انكساراتها، ونبسم فيها من روحنا روحَ الحياة؟ .. كيف وأرواحنا متعبة؟! .. ربما أن الشاعر وحده قادر على اجتياز المسافة مثلما أن روحه قادرة على أن تعيد لنا ما قد فقدناه؟؟ ترى كيف وجدت شاعرنا " البهرزي " بعد غياب ثلاثين عاما او أكثر ؟ وجدته و كأنه لم يفقد شيئأ بعد، وجدته بروحية شعرية هادئة !كيف بدا قادراً على أن يعيدنا إلى عيون المها، أو يعيدها إلينا بكل هذا النقاء و بكل بكارة الحياة و طزاجتها و سحريتها، لتبدأ عيون المها ـ كسابق عهدها ـ في قتلنا من حيث ندري ولا ندري !!

القارئ لقصائد الشاعر (ابراهيم البهرزي) يدرك تماماً أن القصيدة نفسها هي همُّ الشاعر الأول، وهي قضية القضايا بالنسبة له .. كيف تبدو مدهشةٌ ببساطة تراكيبها، واعتيادية مفرداتها، بل كيف تبدو طازجة و هي ترفل في جماليات

شكليَّةٍ آسرة ؟ .. كيف أنها مراوغة بلغتها بين الوضوح والغموض، وكيف أنها تحمل قدراً من التخييل الناتج عن التوسع في استخدام المجاز اللغوي، و مقدرة من سحرية اللغة التي تكتسب من خلال عملية الانتقاء والجمع والتوليف طاقةً إيحائية بالغة ؟ كيف أنها تَعْبُر الظاهر الاعتيادي إلى عوالم سحرية ساهِمة؟

أما وقد أبحرنا مع تجربة الشاعر (أبراهيم البهرزي) بشكل عابر و سريع، بغرض إضاءة الطريق نحو تجربة ثرية متسعة، لها كثير من الخصوصية والحضور، إلا أن ذلك لا يجب أن يخرج عن غرض الإضاءة الممهِّدة لدراسات أكثر تركيزاً على كافة الجوانب الفنية و التجربة الشعرية للشاعر " أبراهيم البهرزي "

 

الكاتب: علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

............................

من قصائد الشاعر (ابراهيم البهرزي)

لم يعد في البلاد ثمّة ورد

 

خُذ   طوق ورد منّي أيّها اللئيم

ضَعْه حيث تقترح شهيدا

لقد تعبت فيك ولم أجد أحدا منهم...

مَن الشهيد ؟

أيّها اللئيم   بألف   راية   مُفترية   ونشيد

يا ساقي الخديعة في حانة الغُرِّ المندهشين

شَربناك صَبوحا

وحين داهمَنا المساء اقْتَتَلنا

واستشهدنا برعونَتك ...

حشد من شعراء الزور يطوفون بالخيل على أضرحتنا

ينشدون الشهادة

تلك التي منها يهربون...

كانت حقول الشهداء أوسع من سماءك

حتى انَّ مطر الدم ليفيض الى حقول مجاورة

حتى لكأنّك تَستولد الامّهات شهداءا بالدَيْن

من تاجر يسلّم صكوك الوفاء به لتاجر

وما وفاء الجميع غير الوعيد....

خُذ طوق ورد منّي لتلك الارملة

التي صَدّقَت أنَّ البلاد تنحني لها

لتجد نفسها علامة على معراج الصَدَقات

خُذ طوق ورد منّي

ليديها

للقمامة

للتي أدركت أنَّ ما من شهيد بهذي البلاد،

خلا المشهد الّا من حوار طويل

بين باعة الحماسة الذين لا يستشهدون

وشُراتها الذين يقتلون بعضا ً

حوار طويل من الشعر والاناشيد وبقيّة الاوبئة التي تقعقع في الجيوب

مثل خُردة القوّاد...

لم يعد في البلاد ثَمّة ورد

كلّنا الشهداء الحمقى نحصد حقول العوسج ِ

لنُسَوّر أضرحتنا ...

بعد الشهادة لا زلنا نرى

شهيدا مسعوراً يتناوش شهيدا،

الحماسة لم تنتهي بعد فناءنا

طالما انَّ تاجرا وشاعرا أفلتا من مراسيم الشهادة العموميّة .....

لم يعد في البلاد ثمّة ورد

ولم يعد في البلاد شاهد عَدل

على خصام شهيدين

غير الشهيد .

 

القصيدة نشرت في : الحوار المتمدن-العدد: 4346 - 2014 / 1 / 26

 

تَوَهُّن النفس وانكسارها عند المتنبي

nadhir haronalzobaydi"تميَّز النصف الثاني من القرن العشرين باهتمام بالغ فيما حققته الانسانية من تقدم ملموس وبثروة كبيرة من المعرفة، وبخاصة في ميدان العلوم الانسانية، كما ادت هذه الدراسات الى تنشيط البحث العلمي في جميع فروعه المتشعبة، وقد حظيت الدراسات السيكولوجية – الى جانب هذا- بثروة بالغة الاهمية، وصارت الحاجة الى الاهتمام بالفن في العلوم النفسية امرا ملحا في ميدان البحث العلمي لإثراء جهود المحللين النفسيين الذين اقتحموا ميدان الادب، بما في ذلك جهود النقاد الذين استفادوا في دراساتهم من استخدام ادوات التحليل النفسي" (1) .

من هنا نجد ان توثيق الصلة القائمة فعلا بين النقد الأدبي والتحليل النفسي تمكَّن الباحثين من التعرَّف على سيكولوجية الشاعر وما يتمتع به من مميزات نفسية وموروثات اجتماعية كما يمكنهم التعرف على أهم القيم التي يتمسك بها ، وبذلك فإنه يساهم في تفسير وتأويل الأعمال الأدبية .

وبما ان الشعر بطبيعته مرآة عاكسة لمشاعر وانفعالات داخل نفس الشاعر، فهو وسيلة يستخدمها للتعبير عن وجدانه وترجمة لحياته وأفكاره وآماله وأحلامه، فيطلقها الفاظا موزونة مقفاة .

إن الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي لا يحمل في طياته جميع المفاهيم النظرية التي يدرسها التحليل النفسي كما يتعرض لها جو العيادة الطبية . وانما القصد من ذلك في نظرنا هو دخول الأدب من منظور الاحاطة بجوانب الاسلوب السيكولوجي للسلوك الانساني . وان كانت تجدر الاشارة الى ان هناك بعض النظريات النفسية صالحة لتفسير العمل الادبي بتحليل الرموز التي يثيرها هذا الاثر او ذاك، غير ان الاسراف في تطبيق هذه النظريات لا يفي بغرضنا لتحديد معالم النص الادبي، واكثر من ذلك فأن استخدام نظريات التحليل النفسي بكاملها يتطلب مهارات علمية ليس بوسع أي باحث ان يعكسها حرفيا على طبيعة النص حتى وان فعل فإن ذلك لا يخلو من التعسف في حق الاثر الادبي الذي يستدعي منا فك رموزه مستعينين بمفاهيم التحليل النفسي قدر المستطاع (2).

ان التعامل مع النص وفق منظور سيكولوجي يمنحنا قراءة خاصة عبر صياغته الفنية التي تحمل في ذاتها رؤية لعالم الانسان الخفي واستدعاء تجليات اللاشعور، غير ان ذلك لن يتأتى الا بمعاناة الفنان التي تستمد قوتها من الاحساس بوجود الذات في طبيعة العمل الفني الذي ارجعه النفسانيون الى الحالات الانفعالية، والتجربة اليومية، كما انه في – نظرهم ايضا – ينشأ من اعماق اللاشعور، وهنا يكون الفنان قد حقق غاية ذاته بإعادة توازنه النفسي ضمن الاثر الذي احدثه فحرك المشاعر، وكان ذلك عونا لنا على فهم حياته، لأنه يلامس الاعماق الشعورية، ويتعامل معها وفق ما تقتضيه التجربة الوجدانية، وهنا يأتي دور التعامل مع منهج التحليل النفسي عن طريق استقصاء النصوص واستقراءها لإزاحة ما خفي من تجارب الفنان (3). خاصة وان التحليل النفسي يتعامل مع كثير من العناصر الأساسية في الشعر والأدب مثل الاستعارة والكناية والمجاز ما يمكنه من كشف تعقيدات النفس البشرية الأمر الذي كان ولا زال انشغال الأدب والادباء.

نحن اليوم حيال شاعر العرب الكبير ابو الطيب المتنبي، نادرة زمانه، وأعجوبة عصره كان ولا يزال مالئ الدنيا وشاغل الناس، وكان شعره الى اليوم مصدر الهام ووحي الشعراء والأدباء، يجدون فيه القوة، والشاعرية المرتكزة على الحس والتجربة الصادقة .

يقول الاستاذ عدنان الظاهر: " لم أجد المتنبي الشاعر – الإنسان كما هو على حقيقته إلاّ في حالين: الغزل ثم في قلقه وحيرته مكاناً وزماناً. وعليه فإني أقترح على نُقّاد ودارسي هذا العملاق النادر أن يكفّوا عن التركيز على مدائحه المعروفة، ذاك لأنها لا تمثل الرجل أبداً ولا تعبّر إلاّ عن القليل من مشاعره وأحاسيسه الداخلية وعن همومه الخاصة وحيرته " (4).

ولما كان الشعر صورة لنفس الشاعر، ومرآة لأحاسيسه وشخصيته التي تضافرت في تكوينها عوامل داخلية وخارجية محيطة بالشاعر، كان لزاما دراسة أهم هذه العوامل وبيان أثرها في شعر المتنبي.

ولد المتنبي طموحا مهوسا بالمجد وظل بعد خروجه من السجن حتى الرابعة والثلاثين من عمره فقير الحال يجوب الاقطار معرضا نفسه للأخطار والاهوال، فلم ينل من الدنيا مراما . وفي هذا الطور يكثر في شعره ذكـر المجالدة، ويقرن ذلك بذم الزمان واهله والسخط على اولي الامر من رؤساء وامراء (5). فمنها قوله:

اوانا في بيوت البدو رحلــي       وآونة على قتـــــــد البعير

اعرض للرماح الصم نحـري       وانصب حر وجهي للهـجير

واسري في ظلام الليل وحدي       كأني منه في قمــــــر منير

فقل في حاجة لم اقض منهـــا       على شغفي بها شروى نقير

ونفس لا تجيب الخسيــــــــس       وعين لا تدور على نظـــير

وقلة ناصر جوزيت عنــــــي       بشر منك يا دهر الدهـــور (6)

فمما يلاحظ تلك المرارة التي صحبته كل ايام حياته وكان منشأها ما تكابده نفسه من المشاق فكان شعره الوجداني الحقيقي مظهرا لما في نفسه من كبرياء حوّلها الى نقمة وسوء ظن (7) كقوله:

فما لي وللدنيا طلابي نجومهــــــا         ومساعي منها في شدوق الاراقم

ومن لم يعرف الايام معرفتي بها         وبالناس روّى رمحه غير راحـم

فليس بمرحوم اذا ظفروا بــــــــه         ولا في الردى الجاري عليهم بآثم (8)

ولعل هذه الحادثة تبين حالة الانكسار التي مر بها المتنبي في مراحل حياته الاولى رواها البديعي في الصبح المنبي (9): خلاصتها انه اراد ان يشتري بطيخا من بائع فلما ساومه على الثمن جبَّهه البائع واحتقره، ثم جاء تاجر غني فرحّب به البائع وباعه البطيخ محمولا الى البيت بأبخس مما عرض عليه المتنبي . ولما رجع كلمه المتنبي في ذلك فقال: اسكت، هذا يملك مئة الف دينار . فوقع في نفس شاعرنا من ذلك، وان الناس لا يحترمون غير صاحب المال . وفي شعره ما يدل على ما كان في نفسه من ذلك . كقوله:

واتعب خلق الله من زاد همــه     وقصر عما تشتهي النفس وجـده

فلا ينحلل في المجد مالك كله       فينحل مجد كان بالمــــال عقـــده

ودبّره تدبير الذي المجد كفـــه     اذا حارب الاعداء والموت زنـــده

فلا مجد في الدنيا لمن قل ماله   ولا مال في الدنيا لـــمن قل مجده (10)

كان المتنبي يشعر بالمرارة عندما تقهره الظروف وتضطره لان يمدح هذا وذاك من الامراء والحكَّام الذين هم اقل منه فهما ونباهة واحط منه قدرا (11). وفي ذلك يقول:

اذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص   على هبة فالفضل فيمن له الشكر (12)

لقد نقل لنا التاريخ الكثير من المواقف الصعبة و التجارب المرّة و المعاناة التي تكبدها المتنبي خلال رحلته الطويلة نحو الخلود والتي أثارت قريحة شاعرنا، فراحت تتفجر أروع القصائد . ومن هذه التجارب وهي على سبيل الحصر نستطيع تحديد بعض العلامات البارزة التي توضح حالة الانكسار النفسي عند المتنبي وهي:

 

اولا: تجربة السجن:

ظهر المتنبي في اوائل شبابه في البادية على راس فئة من الاعراب ناقمة على اولي الامر وانه كان بفطنته وفصاحته يستهويهم الى غاياته من حب الظهور والرئاسة ولكن امره لم يتم فألقي القبض عليه واودع السجن وهو في نحو التاسعة عشر من عمره ولم نتحقق كم بقي في السجن لكننا نستنتج انه بقي فيه مدة غير يسيرة . وكان اول دخوله السجن يظهر الاستخفاف بأهواله . ومن اقواله في ذلك الحين ابيات كتبها الى صديق له يدعى ابا دلف وكان يتعهده وهو في السجن (13). يقول:

كن ايه السجن كيف شئت فقد      وطنت للموت نفس معترف

لو كان سكناي فيك منقصــــة       لـم يكن الدر ساكن الصدف (14)

لكنه لقي في السجن عذابا شديدا فقد وضعوا القيود في رجليه وعنقه . ولما طال اعتقاله فقد صبره وارسل الى الوالي قصيدة يستعطفه ويتعذر اليه (15). يقول:

اما لــــك رقي وشــــــأنه             هيهات   اللجين وعتق العبيد

دعوتك عند انقطاع الرجـا             والموت منــي كحـبل الوريــد

دعوتك لما براني البـــلاء             واوهن رجلـي ثقـــل الحديــد

وكنت من الناس في محفل             فها انـا في محفــل من قرود

فما لك تقبل زور الكــــلام             وقدر الشـهادة قـدر الشهـــود

فلا تسمعن من الكاشحــين             ولا تعــبأن بمحـل اليهــــــود

وكن فارقا بين دعوى اردت           ودعوى فعـلت بشأوِ بيــــــد

وفي جود كفيك ما جدت لي             بنفسي ولو كنت اشقى ثمود (16)

ان القصيدة التي نظمها المتنبي ليستعطف بها والي حمص الامير (اسحاق بن كيغلغ) من القصائد التي تبين براعة المتنبي في التلاعب بأنفس سامعيه وشدهم اليه ما يمكنه التأثير عليهم تأثيرا عظيما. وفي هذه الابيات يظهر جانب من شخصية المتنبي المحطمة التي تبحث عن النجاة،فقد تضايق الشاعر لكونه قد حبس مع مجموعة من اللصوص وقطاع الطرق. (17)

وهذه ابيات اخرى تدل على نفثات رجل متضايق نفد صبره وخاف مغبة الامر ثم راح يستثير عواطف الوالي ورحمته فقال:

بيدي ايها الامير الاريب         لا لشيء الا لأني غــــــريب

او لام لها اذا ذكرتنـــــــي          دم قلب بدمـــــــع عين يذوب

ان كان قبل ان رايتـــــــك         اخطأت فاني على يديك اتوب (18)

ولكن من اي شيء يتوب ؟ هنا تتضارب اراء المؤرخين فمنهم يجعل ادعاءه النبوة سبب سجنه وهو قول يحتمل الشك . ومنهم من يزعم غير ذلك (19) . وقد نقل تعزيزا لهذا الشك ما رواه ابن جني تلميذ المتنبي وشارح ديوانه اذ قال (20): سمعت ابا الطيب يقول لقبت بالمتنبي لقولي:

انا ترب الندى ورب القوافي     وسمام العدى وغيظ الحسود

انا في امة تداركهـــــــــا الله     غريب كصالح في ثمـــــــــود (21)

وبعد فان احدا لا يشك في ان الرجل (ابو الطيب ) كان قد سجن لأمر ما ولكن حرص البعض على ان يجعلوا حبسه من اجل النبوة، وهذا يجعلنا نرى انهم جعلوا مسألة (النبوة ) غطاء يسترون به حقيقة ما قام من اجله ابو الطيب فقبض عليه. وتبين على مذهبنا في نسب المتنبي ان الرجل حبس من اجل " دعوى العلوية" (22).

 

ثانيا: الحب في حياة المتنبي:

وهذه فقرة بارزة في عمود صورة المتنبي لم يعرفها ولم يقف عندها احد من دارسي ابي الطيب قديما وحديثا وقد استخرجها ابو فهر . وهذه القضية تكاد تكون هي القضية الوحيدة التي لم يجد لها ابو فهر ظهيرا من رواية تاريخية او حكاية مروية لا من قريبي ولا من بعيد: اذن فهو تذوق شعر ابي الطيب ليس غير (23). يقول ابو فهر الاستاذ محمود شاكر في كتابه المتنبي: " وقد استوقفنا ونحن نتتبع شعر الرجل على طريقتنا ومذهبنا، الفرق الكبير الكائن بين شعره الاول وشعره الذي قاله في حضرة سيف الدولة وتدبرنا الاسباب فلم يستوي عندنا ... فعدنا نجدد الراي لذلك ونقرا ما بين كلمات الرجل من المعاني ونستنبط من روائع حكمه وبلاغته ما يهدينا الى السبب الاكبر في هذا التجويد الفذ الذي غلب به الرجل على شعراء العربية فاستروحنا في شعر الرجل نفحة من نفحات المرأة التي تكون من وراء القلب تصنع للشاعر المبدع بيانه وتتخذ من فنها النسوي مادة تهيئها لفن صاحبها وعبقريته ونبوغه" (24).

دخل ابو فهر الى قضية حب ابي الطيب (خولة ) اخت سيف الدولة من خلال رثائه الاخت الصغرى لسيف الدولة وقد خلص من ذلك الرثاء بجودة الفهم والاستنباط الى تعلق ابي الطيب بخولة الاخت الكبرى، حتى اذا ماتت خولة بعد اختها بسنوات ثمان جاء رثاؤه لها وهو بالكوفة حزينا ملتاعا كاشفا كل مخبوء وفاضحا كل مستتر (25).

لما ماتت اخت سيف الدولة الصغرى وقف المتنبي يعزيه ويرثيها ويسليه ببقاء اخته الكبرى وذلك يوم الاربعاء للنصف من رمضان سنة 344هـ . وطفق المتنبي يمدح سيف الدولة بمناقبه مما يصلح لهذا الموضع من العزاء (26). الى ان قال:

اين ذي الرقة التي لك في الحر         ب اذا استكره الحديد وصـلا؟

اين خلّفتها غداة لقيــــــــت الـــ         روم الهــــــام بالصوارم تُفلـى

قاسمتك المنون شخصين جورا         جعل القسم نفسه فــيه عــــدلا

فاذا قســــــــت ما اخذن بما غا         درن ســرى عن الفؤاد وسـلى

وتيقنت ان حظـك اوفــــــــــــى       وتبينت ان جدك اعلـــــــــــى (27)

"فأبو الطيب يطلب من سيف الدولة ان يقيس اخته الصغرى التي ماتت الى اختها الكبرى التي بقيت . فاذا فعل ذلك كان سلوى له وتسلية للهم عن قلبه، ولا ندري كيف يتفق ان يخطر لشاعر يرثي امرأة محجبة ماتت ان يذكر اخرى - وتكون اختها – ويعزى اخاها بهذا العزاء الغريب" (28)؟

ثم مضى ابو الطيب في القصيدة كلها يمدح سيف الدولة ولم يتعرض لهذه الفتاة اختها الصغرى الا في موضع اخر (29)، اذ يقول:

خطبة للحِمام ليس لــها ردُّ           وان كانت المسماة ثكـــــــــلا

واذا لم تجد من الناس كفئا           ذات خدر ارادت الموت بعلا (30)

فالعجب ان يكون ذلك عزاء ... فإن ابا الطيب قد قدم الكبرى في المنزلة فكان اولى اذن ان تموت الكبرى، اذا هي ولا شك عند ابي الطيب افضل من هذه الصغرى التي لم تجد من الناس كفئا يكون لها زوجا فاختارت الموت بعلا لها !! وهذا التناقض يدلنا على ان الرجل كانت قد اقترنت في عينه صورة الكبرى بصورة الصغرى فاضطرب قوله ولم يمض على سنن ونهج، وذلك لاضطراب نفسه الذي اظهر ما في قلبه وكشف عنه في تدفقه حين ذكر هذه الكبرى فقال فيها البيتين (فاذا قست ...الخ) (31)

فلما ماتت الكبرى هذه التي ذكرها هنا – وهي خولة اخت سيف الدولة في سنة 352هـ اي بعد ذلك بسنوات، وكان ابو الطيب يومئذ بالكوفة، فورد عليه خبرها، فكتب الى سيف الدولة قصيدة فيها 44 بيتا منها واحد وثلاثين في ذكر خولة هذه وستة ابيات في ذكر الدنيا ونكدها ولم يذكر سيف الدولة الا في سبعة ابيات منها . هذا مع ان القصيدة التي رثى بها الصغرى لم يذكر فيها الصغرى الافي بيتين وذكر الكبرى ومعها الصغرى في ثلاثة ابيات وجعل بقية القصيدة وعدتها 42 بيتا في مدح سيف الدولة الا قليلا في الحكمة والحياة اليس هذا عجيبا كان الفرق بين القصيدتين بين واضح لا خفاء فيه بينما كانت الثانية في رثاء خولة عاطفة قد اخذها الحزن وغلبها البكاء (32). يقول المتنبي وقد افتتحها بخطاب خولة:

يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ           كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَب

أُجِلُّ قَدْرَكِ أنْ تُسْمَــــــــيْ مُؤبَّنَةً         وَمَنْ يَصِفْكِ فَقد سَمّــــاكِ للعَرَبِ

لا يَمْلِكُ الطّرِبُ المَحزُونُ مَنطِقَه         وَدَمْعَهُ وَهُمَا في قَبضَةِ الطـــّرَبِ

غدَرْتَ يا مَوْتُ كم أفنَيتَ من عدَدٍ         بمَنْ أصَبْتَ وكم أسكَتَّ من لجَبِ

وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَـــــازَلَةٍ         وكم سألتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِـــــبِ

كأنّ "خولة" لم تَمْلأ مَوَاكِبُهَـــــــا         دِيَارَ بَكْرٍ وَلم تَخْلَعْ ولم تَهَـــــبِ

.........................................

وَإنْ تكنْ خُلقتْ أُنثى لقد خُلِقــتْ         كَرِيمَةً غَيرَ أُنثى العَقلِ وَالحَسبِ

فَلَيْتَ طالِعَةَ الشّمْسَــــــينِ غَائِبَةٌ         وَلَيتَ غائِبَةَ الشّمْسَينِ لـــــم تَغِبِ (33)

ما تضمنته هذه الأبيات من القصيدة من العاطفة التي عطفته على هذه التي يرثيها، وما يتوهج في ألفاظها من نيران قلبه . فلست تخطئ فيما نرى أنين الرجل و حنينه و بكاءه . ولا بد لنا هنا من بعض القول في أبيات منها نشرح به أمر أبي الطيب. أن الانتقال من معنى إلى معنى في شعره، هو الموضع الذي ينبغي لنا الوقوف عنده و تمييزه و التبصر في أوائله و أواخره، إذ كان الانتقال في شعره هو الذي يعينك على الكشف عن أسرار قلبه و نفسه و حياته . فإذا شئت الآن فانظر إلى انتقاله من قوله في مخاطبة الموت: (وكم صحبت أخاها في منازلة...) إلى ذكر ما أفزعه و كربه، وهزّ نفسه وحزّ فيها حين بلغه خبر مــوت خولة وهو بالكــوفة، ففزع قلبــه، واضطرب أمره، وانتشرت عليه عواطفه، ففي البيتين أثر قلبه الفزع المضطرب، وعليها وسمٌ من لوعته و حرقته (34) إذ يقول:

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَبَرٌ          فَزِعْتُ فيـهِ بآمـالي إلــــــى الكَذِبِ

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَــلاً           شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشرَقُ بي (35)

وقد غلب أبا الطيب بيانه في هذين البيتين، فصرّح فيهما بكل ما يضمر لخولة من الحب . أنظر كيف جعل الخبر يطوي الجزيرة كلها يقصده وحده دون غيره، وقد خصّص ذلك بقوله (حتى جاءني)، وفي هذا من غلبة الحب على قلب أبي الطيب ما جعله يرى أن هذا الخبر بموتها - الذي سمعه وهو بالعراق، وقد كان قد علمه الناس ولا شك - لم يقطع أرض الجزيرة إلا ليبلغه هو، و الحب دائما يخص و يضيّق بمثل ذلك . ولا يرى فيه الشَّرِكة، ولو تساوى الناس جميعاً في المشاركة فيه أو العلم به . ثم إن أبا الطيب نسب الفزع الذي لحقه إلى آماله، إذ كانت آماله كلها في الحياة بعد حبه خولة متعلقة بها و بحياته، فلما جاءه الخبر بموتها فزعت آماله هذه أملاً إلى الشك في الأمر الواقع، و إلى طلب الحيلة في رده و تكذيبه، عسى أن تجد لها متعلقاً تستمسك به . فلما أخفقت الآمال أملاً، وقطّعها الخبر الذي سمعه بالصدق و اليقين، سقطت نفس الرجل ولم تستمسك على رجولتها و قوتها، وغرقت في دمعها حتى شرقت به . وهذه حالة في الحب القوي العنيف الذي يستولي على القلب، ولا يجعل للحياة بآمالها معنى إذا فقد من يحب، أو ساءه من أمره ما يسوءه . فهذا من أبي الطيب دليل على أن كلامه هذا ليس كلام شاعر يرثي أخت صديقه و أميره، و إنما هو كلام قلب محب مفجوع قد تقطعت آماله من الدنيا بموت حبيب قد فجعته المنية فيه (36).

لقد عالج ابو فهر حب ابو الطيب خولة بفيض من الوجد الغلاب والشاعرية الشفيفة التي ترقرقت في كلماته حزنا كاويا وحسرة ملتاعة وعبرات تكاد تكون تجول على الورق، وكأني بأبي فهر حين كتب هذا الكلام وابان هذه الابانة انما كان يعيش حالة حب كتلك التي عاشها ابو الطيب ووجد مسها وتباريحها، ولا يعرف الشوق الا من يكابده (37).

وهناك من لا يتفق مع ذلك تمام وينفيه جملة وتفصيلا ومنهم الدكتور محمد تقي جون في مقال له في صحيفة المثقف يقول فيه: "ما سمعنا – قبل محمود شاكر – عن المتنبي بأنه كان من الذين أصابتهم سهام (كيوبيذ) وانه كان من المعاميد المتهافتين على محراب (فينوس) آلهة الحب والجمال. فقد زعم محمود شاكر أن المتنبي أحب الأميرة (خولة) وان قصة الحب هذه كانت وراء تركه لحلب بانياً كل هذه الادعاءات على قصيدة واحدة للمتنبي انفردت بذكر خولة وهي القصيدة التي رثاها بها وهو في العراق. والعجب العجــاب أن الجمهور تقبلوه مــنه وتبنــوه وجعلوه من بديهيات دراسة المتنبي. وما كان هذا الأمر ليخفى على الجهابذة من النقاد والشراح الذين عاصروا المتنبي أو جاءوا بعده وهو مشغول عنها بالمجد. وانتبه الثعالبي إلى حقيقة مهمة وهي أن المتنبي كان يستعمل ألفاظ الغزل – وهي من لوازم المرأة – في مجال هدفه المجدي في قصائد الحرب والمدح" (38).

اذا فالموضع لازال محل بحث وتحقيق بين شك وتصديق لأنه كما اسلفنا لم يعضد برواية تاريخية او حكاية مروية لا من قريبي ولا من بعيد.

 

ثالثا: حسد الاخرين له:

لم يثر شاعر حسادا ومناوئين ونقادا في عصره وما بعد عصره كما فعل المتنبي، ولعل الخصومة التي قامت حول المتنبي، والحسد أحد أسبابها، من أكبر قضايا الشعر في العصر العباسي، وقد كان المتنبي في كل هذا دليلا وشاهد عصر، وتميزه عن شعراء عصره ونبوغه وتفوقه عليهم أوقع فيهم الحسد والغيرة والمرارة واللوعة، التي جعلتهم يكيدون له بصنوف المكائد كافة (39). فهو يقول:

وللحساد عذرا أن يشـحوا     على نظري إليه وأن يذوبوا

فإني قد وصلت إلى مكان   عليه تحسد الحدق القــــلوب (40)

يشير المتنبي إلى أن المكسب هنا يتم تحديده من خلال رؤية الحاسدين، لا بل أكثر من ذلك يدخل المتنبي في جانب آخر على مستوى الشخص نفسه؛ إذ يصور أن القلوب تحسد العيون على تلك المكانة (41).

فمن المفاهيم التي تبدو بجلاء في شعر المتنبي، مما يذكره بكثرة، مفهوما الحسد والوشاية، وهذان المفهومان هما اللذان عاناهما المتنبي في علاقاته، ويغرق المتنبي في تحليل دور هذين المفهومين في التأثير في العلاقات التبادلية، ونجد أن إضافات المتنبي في هذا المجال عميقة جدا وأصيلة (42).

فقد بالغ الحساد في الوقيعة بالمتنبي حتى غيروا قلب سيف الدولة نحوه فأعرض عنه لان تقريب سيف الدولة له واعجابه به جعلهم ينصبون له شباك المكائد وكان اهمهم ابو فراس الحمداني (43). فنظم المتنبي قصيدته التي مطلعها:

واحـرَّ قلبـاهُ مِمَّـنْ قلبُـهُ شَبـِـــــــمُ       ومـنْ بجسمـي وحالـي عنـده سَقـَمُ

ما لي أكتمُ حبـاً قـد بـرى جسـدي     وتدعـي حُـبَّ سيـفِ الدولـة الأمـمُ

إن كـان يجمعنـا حــبٌ لغرتـــــــه     فليـتَ أنـَّا بقـدرِ الحـب نقتسـِـــــــمُ

قـد زُرتـُهُ وسيـوفُ الهنـْدِ مُغْمَـدَةٌ       وقـد نظـرتُ إليـهِ والسيـــوفُ دمُ

حتى قال:

يا أعـدلَ النـاسِ إلاّ فـي معاملتــي ... فيكَ الخصـامُ وأنتَ الخصـمُ والحَكَـمُ

........................................................

أنا الـذي نظـَرَ الأعمى إلى أدبــي ... وأسْمَعَـتْ كلماتـي مَـنْ بـه صَمَـمُ

......................................................

إن كـان سَـرَّكمْ مـا قـال حاسِدنـا ... فمـا لجَـرِحٍ إذا أرضاكـُمُ ألـَــمُ (44)

ولم يغفل المتنبي عن شكوى الحسد الموجه ضده (45) قال:

إزل حسد الحساد عني بكبتهم     فانت الذي صيرتهم حُسدا (46)

ومن قوله ايضا:

اعادي على ما يوجب الحب للفتى     واهدأ والافكار في تجــــول

سوى وجع الحســــــــــاد داو فانه     اذا حل في قلب فليس يحول

ولا تطمعن من حاســــــد في مودة   وان كنت تبديها لـــــه وتنيل (47)

واخيرا نجح كيد الكائدين وتمت الوقيعة بين سيف الدولة والمتنبي وانصرم حبل الالفة بينهما بعد ملازمة لمدة تسع سنين. ولم يخل المتنبي ممن كانوا يبغضونه ويكيدون له اثناء اقامته في مصر ومن جملتهم ابن مرابة وزير كافور وكان هؤلاء يوغرون صدر كافور عليه . فلم يستطيع المتنبي بعد كل هذا ان يطيل الاقامة في مصر فعزم على الرحيل .بعد ان اقام فيها مدة تقارب الخمس سنوات. (48)

رابعا: الموت الذي اخترم احبته:

ان ما اصاب المتنبي من سوء المعاملة من الحكام والقادة الذين خلدهم بشعره جعله انطوائي، يتفجر غضبا، وقد ظهر ذلك في شعره الرثائي، وخاصة تلك التي نظمها في رثاء جدته لأمه التي كانت تحبه كثيرا وتحزن لما اصابه من تعب، وقد ماتت في غيابه فتألم كثيرا لهذا الامر ولم يجد ما يعبّر فيه عن آلام حزنه الا بالبكاء الشديد على مصابها (49). فقال في رثائها:

ألا لا أُري الأحداثَ حَمْدَاً ولا ذَمّا         فَما بَطشُها جَهلاً ولا كفُّها حِلمـَا

لَكِ اللـــه مِنْ مَفْجُوعَةٍ بحَبيبِهــــــا       قَتيلَةِ شَوْقٍ غَيرِ مُلحِقِها وَصْمَـــا

أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بهــــا       وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمّا

بَكَيْتُ عَلَيها خِيفَةً في حَياتِهــــــــــا       وذاقَ كِلانا ثُكْلَ صاحِبِــــهِ قِدْمَا

..................................

وإنّي لَمِنْ قَوْمٍ كأنّ نُفُوســــــــــــَنا       بهــا أنَفٌ أن تسـكنَ اللّحمَ والعَظمَا

كذا أنَا يا دُنْيا إذا شِئْتِ فاذْهَبـــــي       ويا نَفـسِ زيــدي في كرائهِها قُدْمَـا

فلا عَبَرَتْ بي ساعَةٌ لا تُعِزّنــــي       ولا صَحِبَتْني مُهجَةٌ تقبلُ الظُّلْمـــَا (50)

انه لا يريد البقاء بعدها بل يريد ان يضمه المحشر الذي حشرت به جدته، وتموت والدة سيف الدولة فينتهز ابو الطيب الفرصة في هذه المناسبة فيرثي الفقيدة بقصيدة يتخللها شكواه من الزمن وغدر الناس به (51) فيقول:

رماني الدهر بالأرزاء حتى     فؤادي في غشاء من النبـــــال

فصرت اذا ابتني السهـــــام     تكسرت النصال على النصال (52)

 

....................

المصادر:

1-   الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، عبد القادر فيدوح، دار صفاء للطباعة والنشر والتوزيع، عمان، الاردن، (د.ت) .

2-   أمراء الشعر العربي في العصر العباسي، انيس المقدسي، ط17، دار العلم للملايين، بيروت – لبنان،1989م .

3-   دراسات في الشعر العربي،عطا بكري، مطبعة الارشاد، بغداد، 1970م.

4-   دموع المتنبي / إلى الأستاذ ناثر العذاري، عدنان الظاهر، الحوار المتمدن، موقع الكتروني، العدد 2035، 11/9/2007.

5-   شرح ديوان المتنبي،عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتب العلمية،بيروت لبنان،1428 هـ 2007 م.

6-   الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته،د. علي نجيب عطوي،دار عز الدين للطباعة والنشر، بيروت، 1413 هـ -1993 م .

7-   الصبح المنبئ عن حيثية المتنبي، الشيخ يوسف البديعي، مكتبة عرفة، مطبعة الاتصال،دمشق، (د.ت) .

8-   العرف الطيب في شرح أبي الطيب المتنبي، الشيخ ناصيف اليازجي،ط2،دار القلم،بيروت-لبنان/ (د.ت).

9-   العلاقات التبادلية في شعر المتنبي دراسة تحليلية في ضوء مفاهيم النظرية التبادلية وقضاياها في علم الاجتماع، نايف البنوي، المجلة الاردنية للعلوم الاجتماعية، مج2، العدد1،2009م

10-   في اللغة والادب دراسات وبحوث،محمد محمود الطناجي،ط1،دار الغرب الاسلامي، بيروت، لبنان،2002 م.

11- المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا، ابو فهر محمد محمود شاكر،المؤسسة السعودية مطبعة المدني، القاهرة،مصر،1987م .

12- المثال والتحول في شعر المتنبي،جلال الخياط،ط2،دار الرائد العربي،بيروت، لبنان، 1987م.

13- هل أحب المتنبي خولة.. أم راعى العرف العربي، محمد تقي جون، صحيفة المثقف، العدد1225، الاربعاء -11/11/2009.

14- وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان،ابن خلكان،تح، احسان عباس، دار صادر، بيروت – لبنان،1972م.

15- يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، الثعالبي، تحقيق: مفيد محمد قميحة، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، 1983م.

 

الهوامش:

1) الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص57.

2) ينظر: المصدر نفسه، ص7-15.

3) ينظر: المصدر نفسه، ص7-15.

4) دموع المتنبي / إلى الأستاذ ناثر العذاري .

5) ينظر: امراء الشعر العربي في العصر العباسي: 353- 354 .

6) ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي: ج2/ 246

7) ينظر: امراء الشعر العربي في العصر العباسي: 357

8) الديوان: ج4/237

9) ينظر: الصبح المنبئ عن حيثية المتنبي، الشيخ يوسف البديعي، مكتبة عرفة، مطبعة الاتصال،دمشق، (د.ت): 1/80

10) الديوان:ج2 /122

11) ينظر: دراسات في الشعر العربي: 256

12) الديوان: ج2/ 254

13) ينظر:امراء الشعر العربي في العصر العباسي: ص 330

14) الديوان:ج3/ 24

15) ينظر: امراء الشعر العربي في العصر العباسي: 328- 329

16) الديوان: ج2 /67

17) ينظر: الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته: ص187- 189

18) ديوان المتنبي، شرح الواحدي. تصحيح فريديريخ ديتريصي، ص857.

19) ينظر: وفيات الاعيان وانباء ابناء الزمان: 1/64

20) ينظر: يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر: 1/80

21) ديوان المتنبي شرح عبد الرحمن البرقوقي: ج2 / 48

22) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: ص213

23) ينظر:في اللغة والادب دراسات وبحوث: ص222.

24) المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا:335

25) ينظر:في اللغة والادب دراسات وبحوث:ص222

26) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا:336

27) الديوان: ج3/245-246

28) المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: 337

29) ينظر: المصدر نفسه: 337

30) الديوان:ج3 /249

31) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا:337

32) ينظر: المصدر نفسه: 337- 338

33) الديوان: ج1/ 215 - 220

34) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: 340 -341

35) الديوان:ج1/ 216

36) ينظر: المتنبي رسالة في الطريق الى ثقافتنا: 341

37) ينظر: في اللغة والادب دراسات وبحوث، ص223

38) هل أحب المتنبي خولة.. أم راعى العرف العربي، العدد1225، الاربعاء -11/11/2009

39) ينظر:المثال والتحول في شعر المتني:17

40) الديوان:ج1/ 204

41) ينظر:العرف الطيب في شرح أبي الطيب المتنبي،ص3

42) ينظر: العلاقات التبادلية في شعر المتنبي دراسة تحليلية في ضوء مفاهيم النظرية التبادلية وقضاياها في علم الاجتماع، مج2، العدد1، ص64

43) ينظر: دراسات في الشعر العربي: ص279

44) الديوان:ج4 / 80 - 87

45) ينظر: دراسات في الشعر العربي: 281

46) الديوان:ج2 / 13

47) الديوان:ج3 / 230

48) ينظر: دراسات في الشعر العربي: ص281-283

49) ينظر: الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته: ص196-197

50) الديون:ج4 / 226 - 235

51) ينظر: الشعر في العصر العباسي مظاهره واهم اتجاهاته:ص198

52) الديوان:ج3/ 141

 

 

المكان في قصص جورج سالم ووليد إخلاصي

saleh alrazukإهداء إلى روح المرحوم جورج سالم الذي علمني كيف أقرأ ما بين السطور

مع أن جورج سالم ووليد اخلاصي بدآ بالنشر عام ١٩٦٠، وعلى الرغم من أنهما من نفس المدينة (حلب في شمال سوريا) ونفس التوجه الفني (الحداثة ذات الفحوى الاجتماعي) هناك تباين واضح في الخطاب.

فالبنية في قصص الأول ذات طبيعة مشهدية. بينما هي عند الثاني تتألف من أحداث متوالية وتحولات.. من الكابوس إلى الحلم ثم الواقع. ويجدر التنويه أن واقعه رمادي وأحلامه وردية أما الكابوس فهو دائما حالك السواد وتهيمن عليه شمس صفراء مريضة.

ويجب أن لا ناخذ العبارة الأخيرة بالحرف الواحد، ولكن يجب تأويلها والتعامل معها بمطلق المعنى.

فأحلام الهيلة مرعبة وخانقة. بالمقارنة مع تخيلات وأوهام الإنسان المنفرد بنفسه. أما الواقع فيصعب تحديده، وغالبا تعترضه أحداث جسيمة ليس لها تفسير.

ومن الطبيعي أن تؤثر البنية الفنية على التصورات.

ففي حالة جورج سالم يبدو البطل في أزمة، وعلى عدم وفاق مع محيطه لدرجة الاغتراب والانفصال. حتى أنه أحيانا لا يتعرف على صورته في السطوح العاكسة كالمرايا وبركة الماء الساكن.

إنه نسخة معدلة من واحد من إثنين: غريب كامو اللامنتمي الذي لا يفهم معنى التلازم، وغريب كافكا الضائع والفاقد للاتجاه والذي ليست لديه فكرة عن التزاماته.

وهو دائما إنسان في حالة فراغ ويتبعها ما أسميه بالتخلي، أو الخروج من المعنى.

وشخصياته مثل خيال الظل، أو الخيال الذي يرتسم على الأرض، نراها ولا يمكن أن نعرفها. لأنها هي بالذات تنكر الارتباط، وتؤكد على مضمون التساقط.

والإنكار هنا له علاقة بالتوقعات. فما تفترضه سرعان ما ينهار أمام امتحان المتوالية الزمنية. حتى أن (فقراء الناس) الذين يتحلون بشروط واقع محسوس، يتحولون (في عزف منفرد على الكمان) لنماذج من عالم ينقرض نفسيا ويتآكل ويغمره شعور عام بالعجز.

و خذ على سبيل المثال قصته (النور والظلمة)، فمسرح الأحداث صالة عامة في مصرف. والأشخاص كلهم متشابهون. يقول عنهم: لا أكاد أميز واحدا من آخر. ويقول أيضا: إنه لا يرى أمامه غير حوالات متشابهة. والناس يتحولون إلى أرقام تتحرك بشكل آلي. وفق نمط وروتين معين.

و لذلك هذه الشخصيات أضعف من أن تقدم على الانتحار.

وأرى أنها أقرب للاستسلام والتضحية، بالمقارنة مع أبطال حيدر حيدر أو هاني الراهب، حيث تتوافر ميول نرجسية. تثمن معنى الانتحار. وتعتقد أن الموت قضية وليس مجرد عدم. والتضحية بالنفس غير التضحية من أجل التطهر والخلاص.

لا شك أن الانتحار بطل من أبطال عالم الموتى، وبه يحقق الأحياء سعادة ينتقمون بها من الظروف غير المواتية. وهذه ليست من أخلاقيات جورج سالم المؤمن بضرورة التفكير. وموضع الطرافة هنا أنه تفكير غير ديكارتي، لا يلازمه الشك، وتبدو القناعات التي وراءه بعيدة عن التجسد. إنها قناعات مكبوتة. ولا ترى غير أدواتها. وتفضل الانتظار في غرف وردهات معتمة. يصعب فيها شحذ البصر (وهذا هو القانون المرعي في أول أعماله: فقراء الناس). لقد وقع كل العبء عنده على النشاط النفسي. وبه كانت الشخصيات تنير عالمها ومتاهاته.

انها شخصيات ميؤوس منها. وكما قال جون ماكوري: وجودها من حيث هو معطى واقعة عمياء (٢)

لذلك اختار لشخصياته جوا مطبقا ويهيمن عليه الظلام والتراجيديا. إنها دائما شخصيات "تضرب خبط عشواء " كما قال زهير بن أبي سلمى. ولا ترى منفذا للهروب من هذا المحيط من الفوضى والعبث واللامعقولية.

وأجد أن هذه الرؤية هي المسؤولة عن اختياراته.

ألا تؤثر معتقدات وقيم الناس على نمط سكناهم، كهندسة المكان وصورته وتحولاته ونظافته (كما ورد في مقالات سعد رحيم عن الهجرات الداخلية وهوية المكان- ٣) .

لقد اختار جورج سالم لشخصياته السكن في القفر. ووضعها دائما في تيه روحي وبيداء لا حدود لها. إما في صحراء أو غابة. وإذا ما صمم لها مأوى فإنه بلا معنى اجتماعي ولا وظيفي.

وفي هذه القصص لا توجد بيوت حسب النمط المعروف في الستينات، الشقق والفيلات.

وإذا ورد ذكر لبناء فهو صالة معمل، أو ممر بلا أنوار، أو قاعة نصف معتمة لعزف الموسيقا. وربما مقهى يأوي له الضالون. وكل من سقط في الحفرة النفسية. ولم يعد لديه إدراك حيال الواقع.

إنها أماكن عامة تحرم الإنسان من خصوصيته ومن إحساسه بالانتماء لعائلة ناهيك عن أن يكون رب أسرة.

وفي بعض الحالات هناك إسهاب في وصف محطات القطار ومحطات الحافلات العامة. وهي على النمط الغربي. وتعلوها سقوف الآجر الأحمر (الجمالون)، شيء ليس له وجود في حلب، باستثناء بعض العلامات الكولونيالية، والتي تركها الفرنسيون وراءهم.

لقد كانت جماليات المكان عند جورج سالم قريبة كل القرب من فلسفة العمارة في القرون الوسطى. فالنوافذ ضيقة وصغيرة المساحة. وتغطيها ستائر تساعد على نشر الظلام. والأثاث ضروري ومع ذلك له زخارف وغضاريف.

و بصورة إجمالية لا نسجل اهتماما بالديكور والكماليات، ولا أية محاولة تذكر للتعبير عن صراع الإنسان المحلي ضد البيئة الحارة. ربما لأنه إنسان يعيش " خارج" المكان، مدفونا تحت طبقات من الأفكار البشرية العامة، المهمومة أصلا بمعضلة البشرية وفقدان الذات.

و مع أنه كاتب يميل لطقوس ليلية تنتمي لشعوب تعبد إله الموت وتقدم الأضاحي للقمر ولربة الينبوع (الثقافة المائية)، لا يمكن أن تجد لديه إشارة واحدة للقناطر والأقواس وأشجار الكرمة المنزلية، والتي تدحر الشمس الحارقة في الصيف، وتوفر الظل للاستجمام.

و أوضح مثال على ذلك طريقة إحساسه بما حوله. فهو ينتظر دائما في مكان يرين عليه الصمت. تمهيدا ليخيم عليه الظلام. وغالبا يسدل الستارة على أحداث القصص بهذا المعنى. إما أن الظلمة تسود من حوله (قصة النور والظلمة)، أو تنطفئ المصابيح لينتشر ظلام رمادي سرعان ما يكون دامسا لا تخترقه الأنظار (قصة فقراء الناس). أو أنه يسجى في قبر ويغلق المعزون الحفرة عليه ليلفه ظلام حالك (قصة حكاية الظمأ القديم).

و لكن أغرب ما في هذا الموضوع إهمال أماكن العبادة. فهو لم يتفنن في رسم صورة كنيسة بأبراجها وجرسها. أو بالصليب رمز درب الآلام والخلاص. وأعتقد أنه لا يوجد سر وراء ذلك. فهو كاتب وجودي مؤمن. لكن روحانياته تنسكية وفردانية. يغلب عليها الطابع المازوشي الذي يترنم بالعذاب وتطهير الجسد. حتى يتحول لدائرة من النور الإلهي.

إن الكنيسة مكان يفترض تأدية طقوس جماعية. أما أبطاله غير اجتماعيين. ويبحثون عن سلم أو مرقاة للسماء بطرق فردية.

و لذلك أسرف في وصف ردهات الانتظار والممرات. لقد تحدث في (فقراء الناس) عن شبكة من الممرات التي تشبه السراديب والمدافن القوطية. وفي بقية أعماله (وبالأخص الرحيل) تخصص بموضوع التيه. ولا سيما تيه الأفراد. حيث يبتعد فيه الإنسان عن نفسه.

***

ولكن هذه الصورة العامة تنعكس تماما في أدبيات وليد إخلاصي.

مع أنه خصص مجموعتين للكلام عن المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي (دماء في الصبح الأغبر، ثم ما حدث لعنترة). ومع أنه أنهى مشواره الفني برواية عن نفس الموضوع (السيرة الحلبية)، لم يتوقف عند جماليات الهندسة الكولونيالية. وكانت أبنيته على النمط العربي. لا تهتم بالسقف الذي يقاوم أثر الثلوج والأمطار والرياح، ولكنه يهتم بالاستجمام وساعات الاسترخاء. وبضرورة التغلب على الجفاف وارتفاع حرارة الهواء.

لقد صب اهتمامه على ديكور البيت وتصميمه من الداخل. ولا تخلو أعماله من حديث عن الباحة التي يتصل بها البيت مع فضاء مفتوح تعلوه القبة السماوية، كرمز للتصعيد والتفاؤل وكطريقة للتذكير بالرحمة الإلهية.

أضف لذلك اهتمامه بالفسقية والنافورة والعلية والمناور.

وهذا لم يردعه من الاهتمام بالأقبية كإشارة لتضاعف عالمه. ولماذا لا نقول لألفته لنفسه..

فاهتمامه بمكونات وعناصر اليقظة والشعور لم يمنعه من الإشارة لوجود الفجوات المبهمة في حياتنا، بعبارة أخرى لقطاع اللاشعور الذي لا يظهر إلا في الملمات ولحظات التأزم. أو عند منعطف في حبكة القصة.

و لنأخذ روايته (بيت الخلد) كمثال. في الفصل الخامس الذي يحمل عنوان (جثتان في حريق -٤) يرسم مخططا لعمارة كبيرة. يقول عنها إنها تنتصب كالبرج في قلب المدينة (و هذا الانتصاب الأيروسي يعادل انتصاب قلم الزهرة بين التويجات). وهي الصورة التي ستتكرر في كل كتاباته عن مدينة يحبها لدرجة الغرام الذي صنفه ابن حزم الأندلسي في عداد (الدنف).. إن لم تجد في أعماله صورة مجازية لبناية لن يخلو الأمر من صورة استعارية للقلعة التي تتعالى على المدينة فوق هضبة مرتفعة. فتستقبل أشعة الشمس وتلقي بظلالها على الأرض.

إن نظرة وليد إخلاصي لفن العمارة في حلب نظرة عائلية. فهو يهتم بالهيكل الخارجي الذي يتحول دائما لمناسبة اجتماعية. ومن الداخل يرسم المجال الحيوي للأب والأم. غرفة الاستقبال والمطبخ. ثم يأتي دور الأقبية التي تبدو مجالا للإخصاب والتلقيح. في هذه الظلمات وبين لهيب الأبخرة الحارة هناك جنين يتشكل. وحياة تتطور. وعقود ومواثيق يتم الاتفاق لإبرامها.

يقول عن القبو في عمارة روايته (بيت الخلد): إنه حريق خامد. وناره هي الطهر والجحيم. (٥).

***

إذا كانت هندسة وتخطيط المكان في أدبيات جورج سالم هي اختزال لفكرة الإنسان ذي البعد الواحد، الذي تطحنه رحى حياة استهلاكية لا تتناسب فيها عطاءات الدولة مع رغبات المواطن، فهي عطاءات مجزوءة تضع الإنسان خارج ذاته، حتى تلتهم الذات نفسها، وتدخل في ذهان مرضي يتسبب بالهلاوس والتناذر، فإن هندسة الأمكنة في أدبيات وليد إخلاصي من طبقات، هندسة أحفورية وأخرى من ضميرنا الشخصي المعاصر. أي أنها كما افترض المرحوم ليسلي فيدلير هي أبنية تغطي حاجات المجتمع، غرف تحت الأرض وملاجئ، وغرف مخصصة للسكن والحياة العامة، وبرجيات تشق عنان السماء. وهكذا يرى الإنسان نفسه وسط صراع مرعب بين عالم الأبالسة المفطور على الشر والدسائس وعالم الملائكة الأخيار.

إن التقابل في بناء المكان وترتيباته وهندسته (الذوق المعماري الخاص بمدينة حلب) يحمل في داخله بذرة الصراع الاجتماعي والفكري لمدينة تتألف من أقليات وأعراق ومذاهب. وفي خطوة لاحقة من شرائح اجتماعية لها علاقة بصناعة الثورات. أو مفهوم الثورة المستدامة (و بنفس المعنى الذي نستخدمه في الطاقة المستدامة - إنها إشارة للبدائل والتحولات ومنعطفات الذهن المنتج لشكل وصورة المدينة والإنسان).

وعليه أرى أن قصصه تتحدث عن الموت بنفس الذهن الذي تتناول به الحياة.

و لقد مهدت هذه الرؤية لإنشاء مدن متوازية، تعيش فيها أرواح الأموات (كما في يا شجرة يا) جنبا إلى جنب مع عامة الناس (مجموعته الأعشاب السوداء، وموت الحلزون).

و لئن كانت الشخصيات لا تعبر من فوق الحد الفاصل بين الواقع وما بعده، فهي تمتلك شرط هذه الحرية بواسطة القناعات أو جهاز الذهن المركزي، وفيه تلتحم الذكريات مع اللحظة الراهنة.

و هذا هو المبرر لتوظيف تقنيات المسرح، حيث يمكن تجسيد الأفكار بشكل فانتازيا. وأرى أن توزيع الأدوار بين الحوار والمونولوج في (الأعشاب السوداء) له نفس تأثير الإنارة على خشبة المسرح. حيث يمكن عبور شرط الزمان والمكان من خلال التحكم بالإضاءة وتوزيع الشخصيات.

ولذلك بقية القصص تغطي بأحداثها الأحياء الشعبية وأحياء النخبة. ولئن ابتعدت الحكمة في الحالة الأولى عن المغزى فهذا لأن وليد إخلاصي كاتب عضوي. يعرف كيف يفكر ولا يعرف كيف يتيح هذا الشرط لغيره.

و للتوضيح أقول: إنه قدم الإنسان المأزوم في أحلك لحظاته. بمعنى أنه أعاد تركيبه بشروطه النخبوية وبعاطفته. وهذا يفترض أنه حامل لمحمول. إنسان يعبر عن مشيئة الكاتب وشرط الكتابة. ولا يعبر أبدا عن حرية الاختيار.

هل كان لدى أشخاص جورج سالم ووليد إخلاصي حرية في الاختيار؟!..

كلا.

لقد عاش الأول تحت الرعب من الموت. وتحمل إثم البشرية المخطئة دون أن يفكر بطلب المغفرة. وهذا أبسط تفسير لمتلازمة مرضية في شخصياته، وهي السفر لمحطة مجهولة، وحمل الفائض من الحاجيات والحقائب. وكلنا نعلم أن الحقيبة في أحلام فرويد رمز على ذنب يثقل على الضمير.

أما الثاني كان دائما في صراع مرير ضد الانحراف وفي حالة رهاب من الخصاء. وهو ما رمز له بالخوف من تقهقر الطبيعة الأم أمام مجتمع صناعي ربوي جامد القلب والأحاسيس.

وربما لحظة الرعب هذه هي النقطة اليتيمة التي جمعت القاصين في مربع واحد. مربع حداثة الستينات.

 

أيلول ٢٠١٤

.................

هوامش:

1- صفحة جورج سالم. موقع مجلة القصة السورية.

www.syrianstory.com

٢- الوجودية، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام). عالم المعرفة. ١٩٨٢. ص ٢٧٧.

٣- انظر جريدة المدى، ع ٣١٨١. صفحة آراء وأفكار.

٤- بيت الخلد. منشورات اتحاد الكتاب العرب. ١٩٨٢. ص ٤٣.

٥- السابق. ص ٤٥.

 

الثالوث الدلالي في "روائح مقاهي المكسيك"

said bodbozعلى متن هذه الورقة، سنقوم برحلة قراءة سيميائية في رواية "روائح مقاهي المكسيك" للكاتب المغربي عبد الواحد كفيح[1]. وهي (الرواية) التي يمكن القول باختصار أنها تحتفل- على طريقة السارد الخاصة- بـ "عيد" التمزق الأخلاقي والتمزيق الاجتماعي الشامل، حيث تم تطليق مجموعة من الفضائل، والزواج بمجموعة من الرذائل. تختفي القيم الحميدة، وتظهر العادات المقيتة، لتؤسس ثقافة العداء على أنقاض الحب، وهلم انحرافا وانحلالا، مما يعطل نشر التراحم بين العباد في هذه الأرض، ويعرقل الاستجابة للدعاء، إذ يصبح الإنسان بـعيدا عن الرحمان، وقريبا من الشيطان.

قبل إتمام قرائتي الأولى لرواية "روائح مقاهي المكسيك"، لفت انتباهي الرقم ثلاثة، حيث لاحظت أولا بأن هذه الرواية لا تعكس أحداثا خيالية فحسب، أو واقعية محضة، أو مقروؤة، بل هي مزيج من كل ذلك. ومن هنا بدأ النص يأخذ، على هذا النحو، وضعيته الثلاثية، في هذه القراءة، وهي تغوص بي شيئا فشيئا إلى أعماقه. حين نقول "أحداثا واقعية"، فإنما نتحدث عن الذاكرة. ونعني بالأحداث المقروءة مجموعة من التناصات، أو استلهامات سردية تكونت لدى السارد نتيجة قراءته للعديد من الأعمال السردية، "لأن التناص يكون بمثابة اللقاح الذي يكسب الجسم قوة وعافية"[2] وبناءً على ما تقدم، فإن هذه الرواية تقوم على ثلاثة أسس؛ وهي القراءة، والذاكرة، والخيال.

إن القراءة تكتشف، والذاكرة تحفظ، والخيال يمد (ينقل) هذه المعطيات إلى قممها الرمزية والدلالية من خلال الصياغة الفنية والأسلوب الخاصين بالكاتب. إن الخيال هو المحرك الإبداعي للأحداث، سواء من العدم إلى الوجود، أو من الذاكرة إلى النص. ولعل أهم الآليات التي تتلقى بها الذاكرة هذه الأحداث السردية هي "الأذن" و"العين". إذا كان الأمر كذلك، فإنا نستطيع بسهولة أن نميز بين السارد الذي يعتمد أكثر على السمع، والسارد الذي يعتمد على الرؤية. وعلى سبيل المثال: حين نعلم لاحقا بأن سارد هذه الرواية، التي بين أيدينا، يعتمد كثيراً على ركوب القطار ليسافر، ويربط ذلك بالكتابة، فسيتبين لنا بأنه يعتمد على الرؤية أكثر من السمع. وهذا يسمح لنا باستنتاج أن آلية حفظ الأحداث في ذاكرة ساردنا هي العين.

إننا، في هذه الرواية، أمام سارد يخاطبنا من داخل القطار؛ يقرأ علينا رواية بعنوان "أنا والشيبة العاصية؟ أو لمَ لم تنتظريني يا أمي؟". وقد نفاجئ القارئ إذ نقرر، بناء على ما تقدم، أننا، في حقيقة النص، أمام ثلاث روايات متداخلة بشكل رمزي!. ويتم هذا "التثليث" وذاك التداخل في حالة من الوعي تشبه الحلم، لأنها لا تحرك الأحداث (الخطاب) في مسار أفقي للنص (أي من وعي السارد إلى وعي القارئ مباشرة في حالة عادية)، وإنما تحركها في مسار عمودي (من باطن النص إلى سطحه). إن الرواية الأولى تتحدث عن شخص اسمه عبده، وعن تجاربه العادية في عمق البادية المغربية، والزواج (المشكوك في شرعيته) الذي حدث بين هذه التجارب وما عاشه في أروبا بعد أن هاجر إليها، وذلك قبل أن يعود إلى الوطن حيث أصبح يعمل في محطة لتوليد الكهرباء.

الرواية الثانية تتحدث عن سيرة شخص اسمه بوقال واضطراره، بعد أن ضاق ذرعا بالبؤس الذي يعيشه في كنف زوجتي والده، إلى مغادرة البيت متجها إلى "مقهى المكسيك" الذي يديره عجوز اسمه الشيبة العاصية وزوجته التي تدعى العايدية.

الرواية الثالثة تتحدث (بشكل جزئي وشبه استباقي) عن تجارب الشيبة العاصية أثناء مشاركته في حرب الهند الصينية كما سنبين لاحقا. ففي الصفحة 148، ونحن نقترب من نهاية الرواية، نجد فصلا يحمل عنوان "مذكرات الشيبة العاصية". هذا العنوان عاد بنا إلى الوراء، إلى بداية الرواية، حيث وقعت عينا السارد (المسافر)، في محطة القطار، على عنوان "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟". ففي هذه الصفحة، أصبح بإمكاننا أن نقرر بأن أمامنا ثلاث روايات كما قلنا. ومن هنا أيضا أمكننا القول بأن العنوان الرمزي للرواية الثانية التي تتحدث عن سيرة بوقال، هو "لم لم تنتظريني يا أمي؟" على أننا قد صرحنا بأن عنوان "روائح مقاهي المكسيك" يخص الرواية الأولى التي تعكس وجهة نظر السارد عبده وتجاربه داخل وخارج الوطن.

إن عنوان "مذكرات الشيبة العاصية"، لا يخفى عنا بأنه الوجه الثاني للنص الأول من العنوان المركب "أنا والشيبة العاصية...". وفي هذا الفصل يقول السارد: "ذات يوم جمعة، مباشرة بعد صلاة العصر، أسر لي بوعزة السمعلي ولسيف الدين الحلاق (مصاص الدماء) ولبويدية الخياط أنه عثر بين أوراق أرشيفه، حينما كان بصدد تنضيد صناديق عتيقة لديه، في إحدى زوايا منزله، أوراقا ووثائق في غاية الأهمية"[3] أضف إلى ذلك أنه، إذا سلمنا بأن الرواية عبارة عن مزج بين الخيال والذاكرة والقراءة، وإذا سلمنا بأنها تحمل ثلاث روايات على مستوى الإعلان الرمزي، فإنها تنقسم أيضا، على مستوى المتن المباشر، إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين فرعية بمثابة إعلانات ملخصة للمضامين. وهكذا نجد العنوان الأول "العايدية"، يليه الثاني "وفاة الشيبة العاصية"، ويليه الثالث والأخير "مذكرات الشيبة العاصية" !.

بعد إدراكنا لهذا التوجه الثلاثي على المستوى المذكور، كان من السهل أن نلقي نظرة، مرة أخرى، على لوحة الغلاف لهذه الرواية، ونلاحظ بأن عنوانها يتكون من ثلاثة مقاطع، أي "روائح مقاهي المكسيك"، وأن لذلك ارتباطا سحرياً بالشبكة الدلالية التي تحكم النص، ولا يقل في ذلك عن الصورتين الصغيرتين، على تلك اللوحة، لإصدارين سرديين من أعمال الكاتب عبد الواحد كفيح، وهما؛ "رقصة زوربا" و"أنفاس مستقطعه"، وأن هاتين الصورتين تبدوان شبه متداخلتين وكأنهما امتداد رمزي للتداخل الذي تحدثنا عنه بين الروايات الرمزية الثلاث التي تتضمنها هذه الرواية.

إن هذا يقوم على تمثيل باطني لكون الرواية التي بين أيدينا هي الإصدار الثالث لهذا الكاتب. والآن لنتأمل كيف يمكن لهذا الترتيب أن يسير على هذا الإيقاع الثلاثي.

إن الإصدار الأول لعبد الواحد كفيح يحمل عنوان "أنفاس مستقطعة"، ويمكن اعتبار هذا العنوان أحادياً بالمقارنة مع عنوان إصداره الثاني "رقصة زوربا"، لأن هذا الأخير يتكون من شيئين، وهما؛ "الرقصة" و"زوربا"، أي أن هناك مضافا ومضافا إليه. وبناءً على هذا الإيقاع، سوف يأتي الإصدار الثالث بعنوان ثلاثي، وهو؛ "روائح مقاهي المكسيك" ! وبهذا يجوز لنا، وفقا للمنهجية المعتدة في هذه القراءة، أن نستنتج بأن تثليث عنوان هذه الرواية يندرج في إيقاع الثالوث الدلالي.

إننا لا نتعامل هنا مع مفردات النص باعتبارها مجموعة من الصدف شاءت الأقدار أن تجتمع في بياض هذه الأوراق، بل نعتقد أنها بناء دلالي متكامل له قاع وسطح. وبمقدورنا أن نبرهن على ذلك من خلال العديد من الأمثلة. وأن النص الذي بين أيدينا يقوم على استبطان هذا الواقع بشكل رمزي معقد نتمكن من التقاطه كمجموعة من الترسبات اللاشعورية. إنه إيقاع دلالي تنتظم في مساره مختلف التجليات التي يأخذها ما نختزله نحن في مفهوم "الرقم". قد يلوح في أفق النص على هيئة رتبة أو طبقة أو عدد أو كلمة أو جملة الخ.

لأن علاقة الكاتب بالنص الذي يكتبه ليست مجرد علاقة أحادية، ولا يمكن حصرها في نطاق الوعي فقط، وإنما هي علاقة متعددة الوجوه، تنتشر في عدة اتجاهات، ومن هنا يصبح للنص ظل دلالي يختلف في أبعاده عن الأبعاد التي يظهر بها في حلته الخطابية أمام المتلقي. وبذلك نكون أمام لغة باطنية متكاملة تحاول أن تبلغ النص اللاشعوري بهذا الاتجاه الموازي.

 

 

 

لقد قام السارد باختيار شخصية بوعزة السمعلي، لقراءة مذكرات الشيبة العاصية، لأنه كاتب عمومي على مستوى الواقع الافتراضي للنص، لكنه ممثل رمزي لكاتب الرواية أيضا !. فكما يقوم السارد عبده بقراءة رواية "أنا والشيبة العاصية..." داخل القطار، نرى الكاتب العمومي بوعزة السمعلي يقرأ علينا (وعلى بوقال) مذكرات الشيبة العاصية في حانوت الحلاقة الذي يشتغل فيه سيف الدين الحلاق/الحجام. إننا إذن، أمام ثلاث روايات، قرأنا منها اثنتين، وماتزال الثالثة في باطن المجهول، على أننا مبشرون بقراءتها. والمهم أنها حاضرة بعنوانها الرمزي في هذا النص.

من هنا نعود إلى تحليل وتعليل صيغة العنوان التالي: "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟" فكما نرى أن هذا العنوان مركب من صيغتي استفهام. وإن لسان حال السائل (السارد) يقول: هل أقص عليكم حكاية الشيبة العاصية أثناء مشاركته في حرب الهند الصينية؟، أم أقص عليكم ما حدث لي مع والدتي التي رحلت وتركتني صغيرا؟.

وكما نستشف من خلال قراءتنا المتأنية للرواية، أنه قرر أن يقص علينا قصة الجواب على السؤال الثاني؛ وهو "قصته مع والدته المتخاذلة"، وإن كان للشيبة العاصية حضور هامشي فيها طبعا. لقد "انبرى بوعزة السمعلي يقرأ علينا داخل حانوت الحلاق ورقة، شهادة، وصية، وثيقة، لست أدري، ربما مذكرات أملاها عليه الشيبة أيام خلواتهم. لا تستعجل عزيزي القارئ، لم تكن هذه الوثيقة، المذكرة، سوى رواية لأحداث وقعت للشيبة أثناء شبابه العاثر الذي قضى جله في حرب الهند الصينية"[4]. وبينما يشق النص طريقه في هذا الاتجاه الثلاثي أمامنا، نلاحظ بأن هذه العناوين تتضمن الإشارات إلى ثلاثة شخوص، وهم؛ بوقال، وأمه الشتوكية، والشيبة العاصية (أنا/أمي/الشيبة !).

إن هذا السارد يتمثل الكتابة(الرحلة) والقراءة (العودة) معا. نصفه سارد والنصف الآخر ناقد. تارة عادل رحيم عطوف، وتارة ظالم ساخر قاس تجاه البطل (بوقال) الذي يقص علينا حكايته. كأنه بذلك يتمثل رحلة باطنية من وإلى ذاته. كأنه يرحل ظالما ويعود عادلا، يرحل ساخرا ويعود رحيما. إنه يرحل عن بوقال ويعود إليه ليتمثل رحيله من سيادة العيد إلى السيدة العايدية. ذات يوم، وهو في محطة القطار الذي سيأخذه إلى مكان عمله، وقعت عيناه على الرواية (الثانية)، حيث يقول:

"وأنا أحجز تذكرة سفري من بهو محطة القطار، استرعى انتباهي عنوان مركب وغريب لهذه الرواية: "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي ؟" وليس هذا كل ما عمق حماسي لاقتناء هذه الرواية وشد فضولي فحسب، بل كلمة الناشر كذلك على صفحة الغلاف الأخيرة حيث يقول: منذ أن ترجمت هذه الرواية للإنجليزية ظلت هيلاري كلينتون تتأبطها، بعشق، في زياراتها الرسمية أو غير الرسمية للمغرب"[5].

من هنا ندخل مع السارد في قراءة هذه الرواية (الثانية)، التي تدور حول البطل بوقال، وهو شخصية مدججة بالهزائم والبؤس، يصارع اليتم والفقر والتهميش والعادات والتقاليد صراعاً عميقا وعقيما، كله ألم بلا أمل. يهدر شبابه وزمانه وأعصابه بلا طائل ولا طوئل. تظهر شخصية المسافر (السارد) عبده على أنها ميسورة، نوعا ما، تمسك بزمام الانتصار، بالمقارنة مع شخصية بطلـ (الرواية التي بين يديـ) ـه بوقال الذي يمثل واحدة من أكبر الهزائم الاجتماعية في هذه الرو اية.

بيد أن الرواية لا تتضمن ما يفيد الإشارة إلى رحلة واحدة للسارد (القارئ)، بل تشير إلى أنه تعود أن يقطع هذه المسافة على متن القطار، وفي ذلك تمثيل رمزي لكون الرواية فصلا من فصول الرواية (أو القصة) الكبرى التي تشكل المنجز السردي المحقق والممكن للكاتب. وحتى نوضح هذه النقطة بدقة، لنميز أولا بين "القراءتين"، الأولى هي قراءة الكاتب (السارد) لمجموعة من الأعمال السردية. والثانية هي "قراءة السارد لرواية "أنا والشيبة العاصية..." داخل هذه الرواية (القطار). فالأولى قراءة للنص، والثانية قراءة في النص.

إن الكاتب هو قارئ النص حسب هذا المفهوم، وأن السارد هو القارئ في النص. وبناءً على ذلك، فإن القارئ في النص ذهب (قرأ) عملا سردياً في رحلته إلى العمل (= محطة توليد الكهرباء)، وأن هذا العمل (= الروائي) أثر فيه، ألهمه وحفزه على كتابة (= سرد) رواية "أنا والشيبة العاصية...". إن تأثر قارئ النص بما قرأه خارج رواية "روائح مقاهي المكسيك" يساوي تأثر القارئ داخل النص بما قرأه داخل رواية "أنا والشيبة العاصية...". وإذا كان ذلكم التأثر الخارجي قد دفع قارئ النص لخلق رواية بعنوان"روائح مقاهي المكسيك"، فإن التأثر الداخلي دفع القارئ (السارد) ليقص علينا سيرة البطل بوقال !.

إن من يقرأ هذه الرواية قراءة عابرة، قد يركز على سيرة بوقال دون أن ينتبه إلى سيرة السارد عبده (التي تتخللها بين حين وآخر)، وبذلك قد يتصور بأنها عبارة عن هزيمة واحدة، إلا أن القراءة المتأنية تسمح لنا بملاحظة الإزدواجية التي تقوم عليها في هذا الصدد؛ فهي هزيمة وانتصار في نفس الوقت (إنها تمزيق وترتيق). إن السارد يمثل حالة انتصار، أما بوقال فهو هزيمة نكراء. من هنا نلاحظ خارطة المفارقة؛ حيث انتهى بوقال إلى دفع عربة البؤس في المحطات.."من يراني لأول مرة، قبل أن يتمعن جيدا في هيئتي، يعتقد-بحكم بشرة وجهي الضامر وصلابة جذع هيكلي العظمي-أني مازلت شابا يافعا، وأنا الذي قوست ظهري وحدبته هذه العربة اللعينة، وضربات الغدر وتجارب الزمان البغيض، الذي جعلني رغم أنفي، منذ صغري، أسد فمي بلقمة عيش حارة"، وهكذا فإن "كل محطات السفر شاهدة على مأساتي"[6]. ولكن، في المقابل، يقول السارد عن نفسه:

"أما رحلتي إلى باريس جعلتني أتعلق بكل ما هو جميل من مظاهر الحب والفن والحرية، فطلعت للتو قصيدة حب رائعة للشاعرة سعاد الصباح عن امرأة مغامرة، وحيدة دون رفيق مثلي في باريس. هناك الشطار والعيارون و..إخ تعود مرة أخرى لتغوص في قاموس بداوتك .."[7]. فمن خلال هذه الأمثلة يتبين لنا وجه المفارقة بين الروايتين المتداخلتين، رواية بوقال التي تحتفل بالعيد كميلاد للهزيمة، ورواية عبده التي ترثي لحال بوقال من على ضفة النجاة الأخرى.

يرثي لحاله من خلال نوع من العودة إلى المشترك الثقافي والاجتماعي، وهي العودة التي سنتحدث عن ضرورة مقاومتها. فبينما كان بوقال يتضور بؤسا، كان السارد عبده قد جاب عواصم أروبا الغربية سائحا مستمتعا بحياة الغرب الراقية، لينتهي به المطاف إلى محطة لتوليد الكهرباء. إنها المفارقة التي يمكن أن نطلق عليها عنوان "العيد"، ونحن آخذون بعين الاعتبار أهم ما يتصل به من دقائق الحياة الاجتماعية والنفسية والدينية والاقتصادية.

إن كلمة العيد من الألفاظ النوافذ بين ظاهر النص وباطنه. إن "العيد" هوعبارة عن الجذر التيمي لسيرة (ومسيرة) بوقال الروائية التي انطلقت من البيت إلى مقهى المكسيك، ومن فقدان الأم الحقيقية، إلى اكتساب الأم العايدية، "ففي الوقت الذي يسعد فيه الجميع بأجمل ما في الحياة ألا وهي الأعياد، كنت أنا أتمنى في قرارة نفسي ألا تتكرر وألا تعود"[8]. وكما يعتبر العيد مناسبة للفرح بالنسبة للميسورين، يعتبر مناسبة للقرح بالنسبة للفقراء، لـ " أنها في اعتقادي مناسبة توقظ آلام الفقراء وتبرز تعاسة التعساء وبؤس البؤساءوكآبة الأشقياء"[9].

وبمأ أن بوقال تتوفر فيه كافة هذه الشروط السلبية، فلذلك أصبح "العيد مرآة تظهر، بجلاء فادح، فقر الفقير، ويتم اليتيم."[10] بالنسبة إليه، وهو اليتيم الذي فقد أمه قبل أن يرها، ولا يعرف كيف اختفت أصلا. إنها رحلت، ورحل العيد الحقيقي معها، فيجب ألا يعود هذا العيد المزيف، "لم يكن نصيبي من ملابس العيد إلا مرة واحدة"[11]. وكيف أقبل أن تتكرر هذه المرة التي لا تزدني إلا بؤسا على ما أنا فيه من بؤس، فلقد "دخل يوما أبي وهو يرمي في وجهي بحذاء جلدي كبير جدا وضخم كرأس عجل"[12].

ولعل هذه أفضل حال يمكن أن يصبح عليها بوقال في يوم العيد؛ المناسبة التي تظهره أمام أقرانه كما ولدته أمه، بلا حول ولا حلة. قد تكون الإقامة في البيت ممكنة، رغم كل الإقصاء الذي يعامل به بوقال من طرف زوجتي أبيه، لو ترحل فقط مناسبة العيد إلى غير رجعة. ولكنها للأسف، تـ "عود"، ولذلك لا مناص من الرحيل، ومقاومة هذه الـ "عود"ة. إذا كان من الممكن أن نقهر العيد بالرحيل، فسوف نقهر العودة بالقراءة. أو بعبارة أخرى: إن السرد يمكن أن يكون سلاحا لمواجهة الأحداث المريرة. ولكي لا تـ"عود" هذه الأحداث إلى حياتنا، يجب أن نقرأ هذا (النص) ! وتلك هي "عود"تنا (الطويلة)السليمة التي تقينا من شر ما وقع فيه البطل بوقال.

حين يقرأ (يسرد) علينا رواية (التجارب المريرة) التي عاشها بوقال، فإن السارد ببساطة يمارس فعل الـ"عود"ة إلى عمق البادية والبساطة وحياة العوز والبؤس الذي تعيشه شريحة واسعة من أبناء شعبنا، ولو بشكل مؤقت على الأقل. إنها عودة إلى عمق الهوية اللاشعورية للإنسان المغربي. وهذه القراءة (العودة) تسيطر على السارد لتبدو كأنها الضرورة التي، رغم مقاومتها، تجد طريقا إلى التحقق بين حين وآخر."هكذا تصفحت الكتاب، وتأبطته بعشق ليكون أنيسي وعكاز رحلة العودة الطويلة"[13].

وأنا أقرأ هذا المقطع، أحسست بعيني تميلان نحو كلمة "العودة"، وكأنها مركز الثقل الجاذبي لما يحيط بها من الكلمات، فلماذا حدث ذلك يا ترى؟. وهل هذا سؤالي وحدي أم سؤال السارد قبلي؟. بيد أنه السؤال الذي لم يطرحه السارد، ربما فضلت نسخته الراحلة أن تطرحه النسخة "العائدة" !. على كل حال، فقد تبين لي، فيما بعد، أن تركيزي كقارئ على هذه الكلمة يساوي التبئير السردي الذي قاده المسافر داخل القطار. إنه لقاء بين الصوت والرؤية؛.فبالصوت ركز السارد على "العودة" دون الذهاب، وبالرؤية ركزت أنا على هذه "العودة". لكأني بـ "رقصة زوربا"[14] تذهب، و"روائح مقاهي المكسيك" تعود !.

"إخْ..تعود مرة أخرى إلى بداوتك ألم تنبهر وتتأثر بحضارة باريس؟"[15]. قال هذا الكلام بعدما تساءل ما إذا كان الديك يصيح أيضا في باريس، وهكذا يتخطفه الحوار مع الذات بين الإقدام على الحضارة الغربية والإحجام الذي يعني عودته إلى حضن البداوة المغربية. إن هذه العودة من جنس عادة القراءة أثناء السفر(على متن القطار...) بالنسبة للسارد، فكما عادت به الذاكرة إلى حياة البداوة في قاع المغرب الأقصى، وهو في باريس، كذلك جذبته عادة القراءة أثناء السفر لاقتناء رواية "أنا والشيبة العاصية..." التي تدور حول سيرة بوقال."أنا لست، في الحقيقة، من هواة حمل الحقائب المكدسة بالكتب والمجلات أو الجرائد، كما يفضل بعضهم، أثناء السفر، ولكن، وأنا أحجز تذكرتي من بهو محطة القطار، استرعى انتباهي عنوان مركب وغريب لهذه الرواية: "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟"[16].

وسوف يختار بطله بوقال ليقاوم هذه العودة بطريقته الخاصة. فبينما يبدو السارد كثير الاستسلام لهذه العودة (وفقا للرمزية العميقة التي تجمعها بالقراءة)، نلاحظ أن بوقال يقاومها بشكل صارم وحاسم. وإذا كانت علاقة العودة بالـ قراءة تحتاج إلى بعض التأمل واستجلاء بعض خفايا القرائن السردية، فلا أعتقد أننا بحاجة إلى كل ذلك حتى ندرك وجه العلاقة بين العين والقراءة من جهة أخرى، ولكن ينبغي ألا تختلط علينا الأمور في شأن التمييز بين القراءة، باعتبارها تلقيا لمجموعة من الأحداث المكتوبة، والقراءة باعتبارها تمثيلا رمزيا للتناص الذي سوف يكون مكونا من المكونات السردية للرواية.

وذلك لأن السارد لا يقرأ رواية "الشيبة العاصية..." في الواقع، بل يقرؤها داخل النص. وبناء على ذلك، فإن هذه القراءة تمثيل رمزي لعمل، أو مجموعة من الأعمال السردية التي قرأها الكاتب، والتي استلهم منها بعض الصور السردية التي استطاع بخياله الإبداعي أن يجعلها جزء من النص الذي أبدعه. ويأتي القطار ليمثل المد الخيالي الذي يوصل بين معطيات النص المقروءة، ومعطيات الواقع المحفوظة، ليبث فيها روح الحياة (الحركة) السردية. إذن، فإن القطار تجسيد رمزي للخيال الإبداعي. وإذا كانت درجات التخيل متفاوتة بين روائي وآخر، وبين حالة وأخرى، فإن سارد هذه الرواية يمكن اعتباره في الدرجة "الثالثة" !.

تأمل قوله: " لا أدري من قال: إذا أردت أن تكتب، فعليك أن تسافر في الدرجة الثالثة من القطارات، التي تجوب الأصقاع في كل يوم، حتى تتحقق من نفسك أنك فعلا تخالط الحياة الحقيقية !"[17]. وكما تطورت (انتشرت) سلبية العيد إلى كلمة "العود"ة، التي وجب مقاومتها بالقراءة أثناء رحيل بوقال (ورحلة السارد)، كما تحققت مقاومة العيد ذاته برحيل بوقال وحده (كما سنشير)، كذلك سوف يتطور إلى "دعاء" غير مستجاب، فعلى سبيل المثال، " حينما سألت أمي لم حسن وعمر لهما ملابس جديدة وأنا كل عيد أصبح وأمسي بدونها؟ فردت علي أنهما بقي يقظين ينتظران، دون أن يرف لهما جفن، حلول "سيدنا قدر"ليلة السابع والعشرين من رمضان، ولما ظهر لهما، قالت، طلبا منه ملابس جديدة فاستجاب لمرادهم وأنت رأسك ثقيل، كنت تشخر كحيوان، بات فمك محلولا، يبول فيه الشيطان"[18].

إذن، فإن البطل خانه الطلب، وكما فاتته سعادة العيد، فاته أن يـ "دعو" سيدنا القدر، لأنه تصرف كالحيوان. ففي هذا المقطع، تحاول زوجة أبيه أن توهمه بأن أخويه حسن وعمر أفضل منه بسبب "الدعاء" المستجاب. وكما أصبح العيد مزيفاً، بالنسبة لبوقال، غير مرغوب به، فكذلك نرى أن هذا "الدعاء" مجرد كذبة تحاول زوجة الأب أن تبرر بها الاهتمام الذي يحظى به أخويه غير الشقيقين؛ حسن وعمر، والإهمال الذي يعيشه ربيبها بوقال. وبالتالي، فإن الدعاء (الصوت) لم يُستجب، لذلك لجأ بوقال إلى الكتابة (الحروف)، إذ كان هو "الصبي اليتيم الذي كتب في بحر أسبوع العيد رسالة إلى الله تعالى حتى يبعث له بملابس جديدة يفقأ بها عين الحسود صباح يوم العيد"[19].

إنها العين التي زادها العيد شرا في هذا اليوم المبارك الذي أصبح مشؤوماً بامتياز. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان اللحد نفسه أهون على بوقال من العيد، وهو يقول: "كم تمنيت لو تبلعني الارض ولا أواجه الاقران يوم العيد"[20]. لقد انتشر الرفض الذي زرعه العيد في نفس بوقال ليطال النهار ويفضل عليه الليل، ويتمسك بالسهر ليقاوم به الفجر." أنا الذي كنت أسهر طول الليل متمنيا، من كل قلبي، لو يتأخر آذان ومطلع الفجر. بل ألا يطلع فجر يوم العيد أبدا"[21]. وإن الموت أفضل من "عودة" العيد، فـ"كم تمنيت أن يحتضنني الموت أو يمضي العيد إلى غير رجعة"[22].

إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، فلا بد من الرحيل، "وفي غبش الفجر قفزت، منزلقا من فراشي، رغم تعب السهر، وألقيت ساقي للريح مهرولا كالمسعور دون اتجاه، هاربا من مواجهة أجواء العيد التعيس وطقوسه"[23] إنه رحيل من العيد، ورحلة إلى الله في نفس الوقت. "يبتلعني زقاق وتتقيأني أزقة، رافعا بصري ، وكل أملي، بعد أن التبست علي كل السبل، أن أمتطي ظهر غيمة تسبح بي عاليا، توصلني لأبواب السماء المفتوحة. دأبت على ذلك أياما طوالا"[24]. ويبدو أن هذه الخطوة لم تجدِ نفعا، ربما لأن الرقم ثلاثة المشؤوم لـ"لعيد" تدخل بشكل ماكر كالشيطان، فلنلاحظ ماذا يقول السارد بعد ذلك عن علاقته بالله؛ "وأنا أبحث عنه في كل مكان. ولكن كنت أجزم أنني لن أجده إلا في مكان بعييييييد"[25].

فلو لم يكن بـ "عيد"اً إذن لتحقق الحلم !.

إن هذا العيد الذي دفع بوقال للبحث عن الله البـ "عيد" لعله يعطيه ملابس جديدة كي يلبسها في تلك المناسبة، هو الذي سيتطور (عبر الزمان السردي) إلى الأم "العايدية"، بعد أن رحلت الأم الحقيقية وأصبحت بـ "عيد"ة عن بوقال !. وإذا كان لنا أن نأخذ المعطى اللساني في حسبان هذا الاستغوار الباطني للنص، فقد نذكّر بأن هذه الكلمة ثلاثية الأحرف، تتكون من حرفين صامتين، وحرف صائت. وهي العين والمد والدال. على أن المد ثلاثي الحالات بدوره، إذ يظهر في صورة الياء والألف والواو كما هو معروف، على أن ما يجمعها طبعا هو المد الذي به ينتقل الصوت من حرف إلى آخر (كما ينتقل القطار من محطة إلى أخرى).

إن للنص الأدبي عموما بنية عميقة حلمية (إلى جانبة البنية الخطابية) تخضع فيها الكلمات إلى ترابط رمزي يمكن أن يبلغ مستوى مدهش من التماسك. مثلا، عندما نرصد علاقة بين كلمتي "العيد" و"العودة"، فإن هذا لا يعني أننا نكتفي بالجذر الثلاثي (العين والمد والدال)، بل نرصد أيضا ما وراء هذه الحالة، لدرجة أن النسخة الموازية للنص تبدو لنا كالبرق الذي تم التقاطه بآلة التصوير. في قول لسان حال السارد مثلا: "أكره عودة العيد"، لا نرى فقط علاقة "العودة" بـ "العيد" على هذا المستوى، بل نربط ذلك بالشبكة الدلالية العامة لمنطق النص، وهذا يعني أن السارد ببساطة "يرفض العيد نفسه باعتباره عودة إلى أصل من الأصول القديمة" !. على سبيل المثال، يقول شمس الدين الكيلاني أن "الاحتفال أيام العيد بالعودة إلى الأصول، إنما يعبر عن ذروة تلاؤم الحدث الراهن المعاش مع المدلولات الكلية للحدث الأسطوري"[26].

وبناءً على ما تقدم، فإن الروح الثلاثية التي تحرك اللاشعور السردي في هذا النص، تظهر في بعدها اللساني على هيئة ثلاثة أحرف، وهي العين والمد والدال. حيث يتطور الأول إلى "عين" القارئ السارد في القطار (= كما يصورها خياله الإبداعي) التي من خلالها نقرأ (+ نـ [عود] إلى) حكاية البطل بوقال في الماضي. ويتطور الثاني (الذي يسمح للصوت بالامتداد كما يسمح القطار للسارد بالسفر) إلى "المدة السردية" الباطنية بين ضفة الطفولة الأولى حيث البداوة المغربية، وضفة العمر الثانية في مرحلة النضج والحضارة الغربية. أما الثالث، فهو "الدلالة" العميقة لهذا الجذر "الثلاثي" الذي سوف يبدأ انفجاره السردي في "سوق "الثلاثاء الميمة" !، وهو محطة (القطار السردي) لتفجير واحدة من أدق السخريات ضد السلوك اليومي للمحيط الاجتماعي الذي عاش فيه بوقال. "لقد أصبحنا الآن، بعدما قطع القطار مسافة تقارب الأربعين كيلومتراً، في ضواحي المغارير على مشارف سوق الثلاثاء الميمة"[27]. فمن هذا المكان (سوق الثلاثاء) سوف يلتقم القطار مزيدا من الركاب ويصيح أحد القائمين عليه عبر المكبر الصوتي: "رجاء لا تفرطوا في شحن القطار بالحيوانات، حافظوا على مرافق القطار. قطار وأي قطار؟ تحفة آثرية خربة، يتسكع بين محطات وقضبان خربة من مخلفات العهد الاستعماري البائد"[28]. وهكذا يبدأ مسلسل السخرية الذي يشمر فيه السارد على التنكيل الأدبي بالعادات والتقاليد.

وإذا كانت المعاناة الاجتماعية التي تدور حولها الرواية تبدأ من المحن العائلية والأسرية، وعلى وجه الخصوص بين الأم والابن، فسوف يكون الرقم ثلاثة شاهدا على واحدة من أهم المناورات الجنسية اللاشرعية التي سوف يتم ارتكابها (أو محاولة ارتكابها) باسم الأمومة. فـ" في إحدى الليالي الباردة حضر في منتصف شاب أشعث أغبر يبدو على سحناته أنه غريب يقود أمه المسكينة من يدها راجيا مني بمنتهى الأدب واللطف، أن أوفر له ركنا آمينا يأوي إليه هو وأمه"[29].

وطبعا هذه المرأة لم تكن أمه، وإنما أراد أن يستغلها لأغراض شيطانية معروفة، فماذا حدث بعد ذلك؟ يجيبنا السارد: " نقدني درهما أبيض أدخلته إلى غرفة بها ثلاثة غرباء"[30]. وبرابطة من روابط البنية الباطنية للنص، يمكن أن يكون هؤلاء الغرباء الثلاثة هم "عين" السارد، التي سوف تكشف لنا عن حقيقة هذه الضيافة ( !)، و"المد" (القطار؟) الرمزي للأحداث الذي وصل بنا إلى هنا، والدلالة التي عرفنا كيف تسير على ذبذبات هذا التمزق الأخلاقي الذي رفع نسبة الأدرينالين في شرايين النص. وبقدرة قادر ساحر، سوف يشهد هذا الرقم، المشحون بكهرباء الانقلاب الدلالي الذي بدأه "العيد" لينتهي في بيت السيدة العايدية، عقوبة طريفة؛ فحين يتحدث عن ممارسة الجنس مع الحيوانات، يقول السارد: "غير أن المراهقين يصلون متأخرين بعد أن يقضوا وطرهم من عنزات فطومة الصويرية من حوش مجاور للمقهى"[31].

وكتعليق على هذه الأحداث، يستطرد قائلا: "وفي حمأة هذه الظروف العصيبة وتضارب الآراء ألقي القبض على شاب من شباب الضواحي يقود بغلة إلى الأحراش فاعتقل بتهمة السرقة واللصوصية، وحكم عليه بثلاث سنوات حبساً نافذة"[32]. ولقد اتضح بأن هذا الشاب لم يكن سارقا، بل كان ينوي ممارسة الجنس مع البغلة، لا أكثر ولا أقل. ثم امتد الفضح السردي، المقاوم لهذه العادات الاجتماعية المقلوبة، إلى تسليط الضوء على علاقات الوافدين، في مقهى المكسيك، بالحيوانات، إذ يحدثنا السارد عن شخص جاء بثعلب حي "ذات مساء يوم ثلاثاء"[33] لكي يبيعه..الخ. وسوف يكون هذا الرقم شاهدا أيضا على تحرش جنسي فاشل، حيث نجد أنه كما كانت السنوات الثلاث صورة للعقوبة، ستكون ثلاث نساء صورة للردع، فحين حاول المدعو الزيزوار أن يتحرش بخادمته التي انتهت فيما بعد نهاية مأساوية، يقول السارد:

"وهو نفسه من تسبب في إبعادها عن المنزل والمدينة ككل، حينما راودها عن نفسها وأكدت له غير ما مرة أنها ستفشي سر تحرشاته بها، لزوجاته الثلاث"[34]. وحين كان يتحدث عن الخلل الذي شاب مدة حمل الخالدية بالطفل رحال الذي كان يعتقد أنه ابنه، قال بوقال: "كما أنه لا ضير أن يخرج رحال إلى العالم بشهرين أو حتى ثلاثة قبل أوانه"[35]. ليضيف قائلاً: "غادرت العايدية وابنها رحال المكان، وبعد اختفائها مباشرة بثلاثة أيام، وفي صباح متعجرف، داهمتني عصابة من المقدم والشيخ وثلاثة من رجال القوات المساعدة"[36].

وهو يتحدث عن وفاة الشيبة العاصية، قال: "ماعدا العايدية التي ما ظهر على محياها أثر الحزن ولا ذرفت دمعة وبللت عينيها المبللتين أصلا، هي وثلاث نسوة من جاراتها مكثن خارج المنزل"[37]. وهو يتأمل حياته التي تذهب إلى جحيم البؤس هباءً منثورا، يقول: "وما لحظي البئيس يطردني باكرا من دائرة التواقين للعب أدوار ضاربي الحياة بركلة اللامبالات "اضرب الدنيا تزعرط" هؤلاء كلهم أدركوا زمن الأسنان الثالثة"[38]. وقد أكد رفضة لعودة والدته من الخليج بعد اختفائها، يقول: "قلبي غرفة واحدة باذخة أحكمت الخالدية سلطانها عليه ورمت مفاتيحه في الثلث الخالي، وما أظن أن هذه الأمي بقادرة على أن تجد لها فجوة تتسلل من خلالها لتجاويف الغرفة السلطانية"[39]. وحين كان يتحدث عن اختفاء أمه الحقيقية، قال: "لكن من اعتقدت أنها أمي لم تكن هي ودادا زهوا إلا زوجتا أبي"[40].

نستشف من هذا الكلام أن والد بوقال كان له ثلاث زوجات؛ أم بوقال الحقيقية التي اختفت، والأم المزيفة، ودادا زهوة. ويتضح لنا، من خلال قراءة النص، بأنهن أنجبن من هذا الرجل ثلاثة أبناء، وهم؛ بوقال من الشتوكة لخواض التي اختفت، وحسن من أم بوقال المزيفة، وعمر من دادا زهوة. إن الخلفية العميقة لهذا المشهد السردي ذات طابع خيالي. أو، بعبارة أكثر دقة، أقول: إن تحرك القطار (الذي يجسد الخيال بين الذاكرة والقراءة) بالسارد من محطة إلى أخرى، من جهة له علاقة باختفاء والدة بوقال، ومن جهة أخرى له علاقة برحيل بوقال نفسه إلى مقهى المكسيك !.

وإذا كان والد بوقال قد اقترن ذكره بثلاث نساء، فسينتهي بوقال إلى حضن الخالدية التي اقترن ذكرها السيء بثلاثة رجال، وهم عسو العجوز، والشعاوي الغريب، وبوقال البئيس. "لأن الشعاوي الغريب الأطوار، كان يعاشر الخالدية بالنيابة عني وعن عسو البئيس أيضا، أناء الليل وأطراف النهار، ولما أدرك أن ابني هوابنه، غادر إلى غير رجعة"[41]. وأخيرا (كما ذكرنا سابقا) ستعود والدة بوقال من الخليج، لكن، لاحظ أنه سيرفض هذه العودة، كما رفض العيد تماماً، إذ يقول:

"عادت إليّ بعدما عاث شيطان اللذة في جسدها وأفكارها فسادا، وما عادت تلعب مشاعرها وإحساساتها نزوات اللذة والشهوة كأيام زمان"[42]. فيما مضى كان حزينا على اختفائها، خاصة وهو كان يتصور بأنها يمكن أن تكون قد توفيت أثناء ولادته، وبسببه، فـ "هل أنا من تسببت في وفاة أمي؟ ماذا اقترفت في حقك يا أمي؟منذ سنين وأنا أعاود الأسئلة ذاتها فأحاكم نفسي مرارا وتكرارا وأقاضيها وأعذبها وأقلقلها، ثم أضرب أخماسا في أسداس، وأصدر أحكاما قاسية في حقي، بجريرة ضلوع رأسي الكبير، ربما، في وفاة أمي"[43]. أما الآن، وقد انقلب السحر على الحاضر، فلم تعد هناك حاجة إلى عودتها.

"ذات مساء وأنا مطأطئ الرأس أتخبط كالديك في مصيبتي وبلواي أحسست بالسمعلي يجرني من كتفي ويطوقني بذراعه قائلا، وقد علت محياه ابتسامة وقحة وخبيثة: هيا كن كريما ولو لمرة واحدة في حياتك واحمد الله بمناسبة عودة أمك"[44]. لكن هيهات أن يؤثر في قلب بوقال الذي انقلب رأسا على عقب، وهو يقول: "أدركت في قرارة نفسي أن الماكر يتمناها ويتواخاها زوجة له الليل قبل النهار"[45]. وبناءً على ما تقدم، فإن هذه الكلمات التي تشكل الثالوث الدلالي في هذا اللاشعور النصي، كما يرى القارئ، ليست مجرد تصفيف أو تصنيف للحروف، بل إن الأمر يتعلق باستنطاق الأدوار والمواقف والأحداث المفصلية داخل الرواية، وانصبابها التلقائي في هذا الاتجاه التحليلي.

وكما يقاوم "العود"ة، فإن بوقال في صراع مع "العاد"ة أيضاً، وعلى رأسها العيد كما رأينا طبعا. وذلك ابتداءً من حصرها في مفهومها السلبي (انقلاب أخلاقي) حتى يخيل إلينا أنه لا تكاد تنص هذه الرواية على عادة إيجابية. فعلى سبيل المثال، يشمئز من الأيام التي قضاها في المسيد "حيث كان الفقيه يعمد إلى إجلاس التلاميذ بالقرب منه حتى إذا استأنس للبعض منهم ومسح المكان بعينه الزائغتين جر وأقعد أقربهم إليه بين فخذيه"[46]. إنها باختصار؛ عادة الشذوذ الجنسي التي كان الفقيه يحاول ممارستها على الأطفال الذين يحفظون القرآن الكريم على يديه الشريفتين.

"الكل يعرف أن العايدية لها عادة وبيلة في التبول إذ كان يسمع لشرشرتها ضجيج مسموع، مصحوب بزحير وأنين موجع"[47]، إلى آخر الأوصاف التي سددها إلى شخصية العايدية.

وبهذه المناسبة سنشير إلى بعض مظاهر التناص المتعلق بدور هذه الشخصية كواحدة من عجائز النحس اللواتي تحدث عنهن الكاتب في مجموعته القصصية "رقصة زوربا"[48]، والتي أفردنا لها دراسة معمقة ومفصلة[49]. لنقارن المقطع السابق مع ما ورد في قصة "الوحش" من مجموعة "رقصة زوربا"، حيث يقول السارد: "ولكن عجوزنا، تصدر أنينا حزينا حادا وزفرات كسيرة عندما يدافعها البول، ويسمع لشرشرتها ضجيج غريب، هو بمثابة نذير شؤم، يحسب له سكان القرية ألف حساب، فيعدون له العدة، ويتهيؤون لأفظع مصائب الدنيا والآخرة على مضض، كما ينزل الوبال مدرارا على القرية لما تتميز من الغيظ .فأضحى لا أحد يغيظها. وهكذا بفعل توالي المصائب، ارتأى نظر كتيبة من الأشقياء- بل وجدوا أنفسهم، على نحو آخر، مجبرين- للقضاء على القوى الشريرة - إلى اعتراض عجوز النحس واغتصابها جماعيا حتى الموت"[50].

وكما نرى، ونحن نقرأ "روائح مقاهي المكسيك"، أن السيدة العايدية شريرة تماما مثل عجوز النحس التي تم اغتصابها حتى الموت في قصة "الوحش". لنأخذ مثالا آخر، من هذه الرواية، حيث يتحدث السارد عن العايدية قائلا: "يشاع، والعهدة على الرواة، أنها مطروشة من طرف قوى شريرة، استوطنت الشيبة العاصية، وتعاركت-وهي معه على الفراش-ذات ليلة من ليالي رمضان مع جنية تمكنت العجوز الدردبيس- بكل ما تمتاز به من قوى خارقة وخبث ودهاء – في مبارزة تاريخية، أن تطردها للأبد"[51].

لنقارن ذلك، مرة أخرى، بما ورد في قصة الوحش، حيث "تشاءم سكان البلدة من الحلم المشؤوم الذي رواه حسن، صاحب الدكان، عن إحدى جدات جداته التي زارته في المنام وهي تنتحب راجية منه، متوسلة أن يثأر لها ممن اغتصبوها منذ زمن سحيق. يُحكى أن قصتها أدمت القلوب آنذاك، وهي التي زرعت في القرية سحرا وما هو بالسحر ولكن مثل السحر. هي عجوز لا ينصاع المطر لصوتها، وينهمر مدرارا، كما هي الواقعية السحرية، في الغابات الاستوائية"[52].

هنا نجد ما يسمى بـ "التعلق النصي hypertexte"الذي فيه يتحقق التفاعل النصي عبر تعلق نصين ببعضهما أحدهما لاحق وهو النص المتَعلِّق والآخر سابق وهو النص المتعلَّق به"[53]. وبتطبيق هذا المفهوم على النصوص التي بين أيدينا، يمكننا اعتبار المتعلِّق هو "روائح مقاهي المكسيك"، والمتعلق به هو مجموعة "رقصة زوربا"، أو،على وجه التحديد، قصة "الوحش". وهذا يعني أننا بصدد "التفاعل النصي الذاتي" الذي "يجري بين نص الكاتب ونصوصه الخاصة"[54].

إن للتفاعل النصي الذاتي في كتابات عبد الواحد كفيح طبيعةً خاصةً سبق أن تحدثنا عنها تحت عنوان "تناسخ النص"، فهو أقرب إلى نوع من التناسخ، ولا يتسع الآن المجال لتفصيل الحديث حوله، ولكني أريد بهذه الأمثلة أن أدخل بالقارئ إلى مستوى أعمق لدلالة الـ "عودة" التي يكافحها بوقال ذات الوعي وذات اللاوعي. لقد رأينا أنه رفض "عودة" أمه الحقيقية التي تركته طفلاً وذهبت إلى الخليج حيث ارتبطت برجل آخر. وكان رفضه صريحا وعن وعي، لأن عودة الأم ببساطة كانت صريحة (حقيقية)، والآن، أضيف أن الأم العايدية عادت، هي الأخرى، عودة رمزية باطنية من مقبرة "زوربا" إلى "مقاهي المكسيك" !.

وأنا أصل إلى هذه النقطة، تمنيت لو كان القارئ قد قرأ هذه الكتب الثلاثة؛ "روائح مقاهي المكسيك" و"رقصة زوربا" و"تناسخ النص"، لأن ذلك يعني أنه سيفهم جيدا عماذا نتحدث، وكيف، وإلى أين يمكن أن نصل. إن العجوز، التي تم اغتصابها حتى الموت في قصة "الوحش"، قد عادت في صورة (نسخة) العايدية إلى "مقاهي المكسيك"، وهي العودة اللاواعية التي يرفضها بوقال بنعوته اللاذعة. فمن خلال وصفه للدور الشرير الذي تتقاسمه هذه مع تلك، يبدو جليا أن هذه الشخصية واحدة على مستوى النص النموجي لعبد الواحد كفيح. ولو كان لنا أن نعيد ترتيب هذه الأوراق السردية لجعلنا رواية "روائح مقاهي المكسيك" سابقة لقصة "الوحش" على الأقل !

"تعجبت كيف كان بإمكان العايدية-مع أني أعرف أنها مسكونة بالأرواح الشريرة-أن تنشد ابتهالات بكلمات في كامل الفصاحة"[55]. يقول بوقال عن العايدية في سياق سخريته منها: "قد ظلت تنكر مرارا وتكرارا لمن يشكك في ذلك أن عادتها الشهرية انقطعت"[56]. ولا يخفى أن لسان حال السارد يقول بأن هذه العادة قد انتهت بلا شك، وأن كل ما في الأمر أنني أريد أن أتحدث عن المكابرة الفارغة للعايدية وإصرارها على الكذب وتزييف الواقع المرير.

وبهذا تبدو لنا العايدية كشخصية مدافعة عن تلك العادة، بينما يبدو بوقال مقاوما لها ولمجموعة من العادات كما أسلفنا. يقول وهو يصف بيتها الفوضى:"على الجدار علقت صورة لمحمد الخامس في إطار من العرعار المصقول تتصدر البوستيرات : أفيشات بالية، عملاقة،لأفلام موغلة في القدم، يتوسط إحداها محمود المليجي بابتسامته الخبيثة وعماد حمدي بتسريحته المعلومة، تعلوهما ليلى مراد بابتسامتها الشبقية كتب تحتهم بخط أسود عريض دائرة الطباشير القوقازية، وعلى الجدار المقابل علقت لوحة قرآنية مازالت آيتها الكريمة ماثلة في ذاكرتي "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم"[57].

وهو يتحدث عن جدران العايدية شاحنا هذه الصور بالدلالات، جعل هذه الآية القرآنية في الجدار المقابل وكأنها تعكس مشروع بوقال الذي أجبرته الأقدار على أن يعمل نادلا في مقهى المكسيك الذي تشرف عليه العايدية. ليس من الممتنع أن تكون هذه اللوحة معلقة فعلا على جدار من الجدران الحقيقية، ولكن من المؤكد أن توظيفها في النص ليس مجرد تعليق (على جدار الواقع)، بل هو موجه في إطار البرنامج السردي سعيا لتشعيب البنية الدلالية للنص. وقس على ذلك في شأن أسماء الشخوص، التي وإن كان لها وجود حقيقي في الواقع، فإن إدراجها في النص السردي خاضع لنفس البرنامج. فما زالت هذه الآية "ماثلة في ذاكرة" بوقال، مادامت تعبر عما في نفسه تجاه المحيط الساخط والمسخوط عنه.

إن قراءة هذه الرواية في ضوء استجلاء ما تقوم عليه من "التفاعل النصي الذاتي"، تعطينا فرصة لإدراك بأن شخصية العايدية تعود إلى حياة "مقاهي المكسيك" السردية لكي تقيم زواجا "عدا"ئـياً مع الشيبة العاصية. وإن هذا الزواج من جنس الحياة السردية الباطنية لبوقال، وهي السيرة التي لا يعيشها تماما كما هو مفروض في الواقع، يملأ أدوارا مجهرية في عالم القيم بغية إعادة تشكيلها السردية. ولكي نبسط هذه النقطة، لنذكر القارئ بأن المفروض في الزواج أن يكون إعلانا للحب بين الرجل والمرأة.

لنأخذ بعض الأمثلة عن الطريقة التي يتعامل بها كل من العايدية والشيبة العاصية مع بعضهما، ففي حديثه عن الشيبة العاصية يقول السارد: "وأحزر أنه كلما مر من أمام العايدية كانت تكيل له في نفسها السباب"[58]. وليس هذا فقط، بل كانت تفشي حتى أسراره الخطيرة، وهو بدوره لم يقصر في التعبير عن كامل عدائه لزوجته العايدية، إذ يكفي أنه أقدم على اغتصاب ابنتها الخالدية ! "كما أسرت لي بسر خطير لايخطر على بال عاقل: قالت لي أن عجوز النحس الشيبة العاصية هو من اغتصب الخالدية وأفقدها بكارتها في ليلة ليلاء لتفر في يوم أسود لا تنبح فيه كلاب"[59]. وهكذا قام بتهجير ابنتها بعد اغتصابها، كما تقوم هي بإفشاء أسراره، وأخيرا سوف تفرح لموته وتقوم بتزويج الخالدية لخادمها بوقال، وهو الزواج الذي لن يسجل إلا مزيدا من المتاعب.

"قبل أن يموت الشيباني، كانت العايدية قد حضرت مستلزمات الجنازة قبل الأوان. اقتنت الحنوط والكفن ودقت طبول الموت بوقت طويل. وكما لو أن الموت في كمشة يدها، بل وكأنها تستعجل موته على أحر من الحر"[60]. وماذا يقول الشيبة العاصية لبوقال عن زوجته العايدية وهو في السجن؟ لقد"حذرني من اصطحابها مخافة إصابتي بعدوى السل الذي استوطنها"[61]. وبهذا تكون العايدية قد بلغت رسالة العودة والعداء والعدوى معاً. هكذا يتناسل البؤس بين هؤلاء المنبوذين الذين يشكلون المحيط الاجتماعي لبوقال في هذه الرواية. "وفي حوار بدت فيه العايدية متكتمة، أفضت لي بسر يخص زوجها الشيبة العاصية، أن له بنتا من علاقة غير شرعية"[62].

يبدو أن هذا الشيبة العاصية أطلق العنان لفساده المبين، وهو يوزع اغتصاباته ذات اليمين وذات الشمال. على أن العايدية لم تكن أقل منه فسادا، وإقداما على الخيانة الزوجية حتى وهي عجوز. فبعد أن قضيا ليلة في الضريح أثناء طريقهما إلى الخالدية، اقترحت العايدية على بوقال أن يتبادلا بعض الحكايات، وفي هذا السياق يقول: "لما حان دوري حكيت لها بكل أمانة وأنا مضطجع أعد وأحصي نجوم السماء، أمام باب الضريح الذي كانت هي بداخله مع البواب (عاهدتها أن أضيف هذا إلى زوادة أسراري وأصرها صرا. أسرار دفينة وأحقاد متقيحة، ضاق بها صدري الطاعن في الهشاشة والضعف)"[63].

وكما نعتبر العايدية "عائدة" من مقبرة "الوحش" إلى حياة "روائح مقاهي المكسيك"، عبر جسر التناص الذاتي، يمكننا اعتبار شخصية الخالدية أيضا من هذه الكائنات السردية. لقد قلنا في تحليل قصة "الموت الذي مرق بين نحر الفجر وضفة النهر"[64]"أن اسم "خلود" أطلقه السارد على الأنثى، من التؤمين، وأن اسم "خالد" قد أطلقه على الذكر. صحيح أن النص، على مستواه السطحي، لا يحمل التصريح بأن خلودا هي التي أنجبت خالدا ! ولكن، على مستوى البنية العميقة، يمكن القول بأن هذا الاشتقاق يشير إلى عملية الولادة، وأن الانحراف الدلالي، الناجم عن عملية التوليد التي تمتد من عمق النص إلى سطحه، يساوي الانحراف المعكوس الذي يقوم على انتفاء الولادة البيولوجية بين خالد وخلود !."[65].

والآن، نقول بأن زوجة بوقال "الخالدية" يشار من خلال اسمها ودورها إلى نوع من النسبة من خلال حرف "الياء"، فهي إذن منسوبة إلى "خالد"، وأن هذه النسبة تقوم على رمزية أن رواية "روائح مقاهي المكسيك" مثلاً لن تكون قطيعة مع النصوص الماضية للكاتب ("رقصة زوربا" على الأقل)، فإذن هي منسوبة إليها. لقد رأينا بأن الرضيعين؛ "خالد" و"خلود" لم يموتا في تلك القصة، بل انتهيا إلى المجهول بعد أن غرقت أمهما في النهر. والآن، ها هي الخالدية (الرواية) تواصل (اشتقاقها) السردي (التناص الذاتي) من القصص السابقة (خالد)، وها هي تنفلت من زوجها بوقال بعد أن ضحت من أجله، أو ضحى من أجلها، عبثاً !.

لنعد قليلا إلى الوراء؛ يبتعد البطل "بوقال" عن بحر"العيد"، ويقترب من بر "العايدية". وتعود هذه الأخيرة من مقبرة "زوربا" إلى "مقاهي المكسيك". وتخلد "الخالدية" في أبدية السرد المخاتل (الخيانة الزوجية)، بعد ذلك، لتواصل اختفاءاتها السردية وتجر معها الفضول إلى حيث يتعين عليه أن يتحول إلى تشويق ذات رواية قادمة ! بل إن شخصية الخالدية يمكن أن تتقمصها الروح الرمزية للرواية أو القصة ذاتها. ولكي نبين هذه المسألة أكثر، لنتذكر بأن والدها (زوج العايدية السابق للشيبة العاصية) كان اسمه "رحال".

"غير أنه، ومع مرور الأيام، وميلاد ابننا رحال-والذي أصرت على أن تعطيه اسم والدها-بدأت الخالدية تشدد عليّ الخناق وتحد من مساحة عملي"[66]. وسوف نجد أن رحال (الجد) كان زوجا ثريا للعايدية؛ فلقد "حكت لي أن ابنتها الخالدية، هي ابنة من زوج ثري سابق، تزوجت به في زمن بعيد"[67]. إن للرحيل والرحلة حضورا جوهريا في هذه الرواية. وإن وضع الكلمات المشيرة إليهما تحت المجهر يسمح لنا باستجلاء مجموعة من خفايا النص. إن رحال (الجد) ليس سوى "الثراء" المقابل لـ"البؤس" الذي يتشخص في رحال (الحفيد). إنه تضاد فرعي ينحدر من علاقة التضاد الأصيل القائم بين السارد عبده والبطل بوقال. ثم لاحظ أنه، كما تصور بوقال الله تعالى "في مكان بعيييد"، كذلك يبدو أن رمز الثراء هذا المدعو رحال تزوجت به العايدية "في زمن بعيد" !. (بُعد الرحمة = بُعد الثراء). والآن، لنحاول إعادة التمثيل اللغوي لهذه العلاقة، ونقول على سبيل التوضيح:

"رحال العايدية"، أو "عايدية رحال". فكما تُعتبر (تُعرب) الـ "رحلة" مضافاً إلى "العودة" بإظهار، تتم إضافة "رحال" إلى "العايدية" بإضمار، وعلى النحو التالي: "زوج العايدية" !. لقد اضطر بوقال، كما رأينا سالفا، إلى "الرحيل" من بيت والده. ووجدنا أن السبب المباشر لهذا الرحيل يتمثل في "العيد" بالذات. فبسبب الـ "ع ي د" كان على بوقال أن يـ"و دع" مسقط رأسه. وهكذا تحول الـ "عيد" إلى و"داع"، وتحول وداع بوقال إلى عودة السارد من سفره، بعد أن تحولت الأفراح إلى أقراح بالنسبة لبوقال.

بيد أن "رحيل" بوقال هو الزوج الباطني لـ "رحلة" السارد. وها نحن أمام "رحلة العودة" كمقابل ظاهري لـ"رحيل العيد" !. لنغوص قليلا في بنية السيكولوجيا السردية لعلاقة هؤلاء الشخوص بأحداث الرواية. إذا بدا لنا "رحيل العيد" على هيئة إضافة (تركيبا) في الظاهر، فيمكن أن يكون مجرورا (تفكيكا) في الباطن. أو، بعبارة أخرى، يمكن أن يكون رحيلا ذا حدين؛. فهو "رحيل العيد"، أي أن "العيد" ودع طبيعته التي تتمثل في الشعور بالفرح، ورحل بالبطل بوقال إلى الشعور بالقرح. وهذا رحيل باطني من موقف إلى موقف آخر. وهو أيضا "رحيل [من] العيد"، وهنا تحيل كلمة الرحيل على البطل، أي رحيل فيزيائي من مكان إلى مكان آخر. وعلى غرار المركب الإضافي "رحال العايدية"، يمكن اعتبار السارد "رحال العودة" !. وذلك من خلال الجمع بين دوره داخل القطار ومنطوقه "رحلة العودة الطويلة...". وهنا نجد أنفسنا أمام التقارب الصوتي الواضح بين "رحال العايدية" و"رحال العودة" على مستوى العمق الدلالي.

وكما افترضنا وجود علاقة رمزية بين العيد والعايدية، نفترض أن هناك علاقة موازية بين شخصية "رحال" و"السارد" (راكب القطار). وفي الواقع، قد لا يخلو "اقتناء" الرواية في المحطة من التمثل اللاشعوري لـ"الزواج" (= اقتناء المرأة). ومن أجل التعمق في هذا الموضوع، أحيل القارئ على دراسة لي بعنوان "بين الجنس الأدبي والجنس الآدمي"[68]. ولي دراسة أخرى بعنوان "سيميائية السارد المفارق"[69] يمكن أن تساعد كثيرا على فهم النظرية التي أستند إليها في مقاربة النص السردي على هذا النحو.

لقد تحدثت سابقا عن علاقة "المخاتلة السردية" بـ "الخيانة الزوجية"[70]. وبناءً على ذلك، فإن "القراءة السردية" التي قام بها السارد عبده في القطار، تقوم على تمثيل لاشعوري لزواج العايدية برحال، وإنجاب الخالدية !. وبناء على ذلك، فإننا أمام تمثيل مجهري أخر بين الرحالين؛ الجد والحفيد. وهو تمثيل (تناسخ نصي) أيضا لعلاقة السارد بالبطل بوقال، إذ نعتبر السارد هو الجد السردي للبطل بوقال، لأنه هو الذي يقرأ علينا (يسرد) الرواية التي تحمل عنوان "أنا والشبية العاصية؟..." (كلا، بل "لمَ لمْ تنتظريني يا أمي؟" !) التي نعتبرها (بناءً على نفس المنهجية) بمثابة الأم السردية (المباشرة) لبوقال، مع العلم أن هناك رواية له غير مباشرة (= الجدة السردية؟) أيضا تتمثل فيما يحمل عنوان "روائح مقاهي المكسيك" !.

"إذا كان السارد عبده يقرأ (يسرد) لنا سيرة بوقال، فإن هذا الأخير يسرد علينا سيرة الشيبة العاصية. وبالتالي، فإذا كانت رواية "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟" متضمَّنة داخل رواية "روائح مقاهي المكسيك"، فإن رواية (مذكرة) الشيبة العاصية متضمنة داخل رواية "أنا والشيبة العاصية؟...". لقد جعلنا، في هذه الدراسة، "الذاكرة" واحدة من الأسس التي يقوم عليها النص ليأخذ وجهته نحو الثالوث الدلالي . والآن سنضيف أن بوقال، كما رفض عودة أمه، يجب أن يرفض الذكريات الماضية التي باتت تسبب له الحزن أيضا، وبالتالي؛ يجب أن يدخل في نوع من الصراع مع "الذاكرة" نفسها. تأمل قوله: "كم تمنيت أن تسيح الذكريات وألا يعلق كل ذلك بذاكرتي. كم هي عنيدة ذاكرتي، تأبى أن تنسى"[71].

هذا مثال على موقفه تجاه الذاكرة والذكريات، التي يحاول التغلب عليها "ولكنها تأتي، رغم أنفي، مزدحمة توقظ نار الأسى بدواخلي"[72]. إذا كان الأمر كما نرى، فإن "القراءة" سوف تنخرط في هذا الثالوث من باب مقاومة الذاكرة نفسها ! لنتذكر كلام السارد في بداية النص حيث يقول: "هكذا تصفحت الكتاب، وتأبطته بعشق ليكون أنيسي وعكاز رحلة العودة الطويلة"[73]. إذا كان هذا المقطع مثلا يتضمن إشارة إلى "عشق القراءة"، فإن هذه "العودة" تظهر لنا في بعدها الزماني والمكاني معاً؛ إنها عودة عبر المكان من وجهة نظر السارد (المسافر) داخل القطار (= البعد الأفقي للنص). ولكنها عودة عبر الزمان أيضا من وجهة نظر القارئ (الدارس) لـ حضور الخيال (= البعد العمودي). عودة من الماضي، من الذاكرة.

إن التمزق الأخلاقي، الذي تتحدث عنه الرواية، أدى إلى تمزيق اجتماعي مبين. فعلى سبيل المثال؛ كما نجد بوقال ربيبا لدادا زهوة وأمه الباطلة بعد اختفاء والدته الحقيقية، كذلك نجد رحال (الحفيد) الذي كان من المفروض أن يكون ابنَه مع زوجته الخالدية، اتضح بأنه من صلب المدعو الشايعي الذي اختفت معه، كما اختفت من حياة زوجها عسو وظهرت في حياة بوقال. وهذه الخالدية نفسها كانت ربيبة للشيبة العاصية الذي اغتصبها وقام بتهجيرها فيما بعد، لأن العايدية أنجبتها من السيد رحال (الجد) الذي رحل مبكرا عن الحياة والنص معاً. وكذلك المامونية ابنة الشيبة غير الشرعية التي كانت تعمل عند شخص يدعى الزيزوار، كانت، بشكل أو بآخر، ربيبة للعايدية، وهلم تمزيقاً وتطليقا وتربيبا وترميلا.

إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بتمزق أخلاقي وتمزيق اجتماعي، فإن مجتمعا كهذا يحتاج إلى "خياط". وهذا هو الدور الرمزي للسيد المكي بويدية في هذا النص ! فهو يمكن اعتباره نقيضا لسيف الدين الحلاق/الحجام. قبل أن نعرض نماذج من سلوك المكي الخياط، نشير إلى أن سيف الدين الحجام قطعة من الجحيم بالنسبة لبوقال، نظرا للدور الذي لعبه أولا كحجام في فجر طفولة بوقال، وبالضبط أثناء عملية ختانه. وسواء كان قاطع قلفته سيف الدين ذاته أو حجام آخر أصبح في زمن كان، فإن التشرير الذي يتحدث به بوقال عن الحجام في هذا النص واحد يتجسد كله في شخصية سيف الدين.

يعلن بوقال عن موقفه تجاه الحجام عموماً حيث يقول: "لن أنسى، ماحييت، هذا الشرير الأول"[74]. ويوم الختان الأسود "ألقوني أرضا، كتفني على إثرها والدي وقدمني، في جو من الانتقام العدواني، طازجا، أبول في سروالي من الهلع، إلى الحجام، الذي كان ساعتها مدججا بكل عدة وعتاد الفتك والتدمير. يشهر في وجهي، مقصا عملاقا لجز الصوف..."[75]. لكأن سيف الدين هذا يجب أن يبدو أطول من كل سكاكين الدنيا. "ولولا الألطاف الإلهية لكان قد استأصله من جذوره، وبقيت سلعة بائرة، كاسدة، في سوق المخانيث"[76]. يبدو أن "عادة" الختان هذه ليست إلا ستاراً تخفتي وراءه غريزة التدمير الذي يتجلى في عملية الإخصاء.

إن هذا الختان أقرب إلى مشروع تخنيث. لكأن سيف الدين (الذي يحمل مشعل الحجام العدواني) لا يقوم بعمله كحجام عادي ذي نية صادقة في تقديم مساعدة لهذا الجنس البشري، بل يحركه شيء آخر؛ إنه، في الواقع، يحاول أن يهلك الحرث والنسل معا. يحاول أن يستعجل الانقراض البشري عن طريق استئصال العضو التناسلي.

ربما لأنه سيف الدين المسلط على رقبة الدنيا؛ السيف الذي تم استلاله من عالم الغيب ليذبح عالم الشهادة في أقرب فرصة ممكنة. ذلكم هو الحجام في هذه الرواية الذي له "عينان يتطاير منهما شرر الحقد، حسبته يومها سيقتلني. ارتمى علي مهددا متوعدا وأنا أصرخ ملأ حنجرتي"[77]. وبالإضافة إلى مهنة الحجامة والحلاقة، فإن لسيف الدين مهنةً أخرى تتلخص في الفضح والنميمة وتعقب أعراض الناس وتفاصيل أسرارهم، حيث "بدأ يسرد على مسامعي-دون أن أطلب منه ذلك- قصة غريبة. قال إن الشيبة العاصية له قصة فظيعة مع ربيبته"[78]، فهو تارة يفضح الشيبة العاصية وتارة يفضح العايدية، حيث يقص حكاية اقترافاتها لبوقال، فقد"أضاف الحلاق، وهو يبصق لعابه على المرآة ويمسحها بقطعة من جريدة قديمة، بأن العايدية على حد علمه، كانت تنتقي من الشبان-البدويين منهم خاصة-أشدهم قوة، وأصلبهم عودا وعدة وعتادا"[79].

ويواصل نبشه في أسرارها، إذ "لم يقف تأفف الحلاق عند هذا الحد، بل أضاف أنها تسببت في إفساد قبيلة من الشباب، في عمر أحفادها، اعتادت أن توزع عليهم ثروتها مقابل سويعات اللذة"[80]. وحين يجتمع هذا الجمع حول الشيبة العاصية بمناسبة وفاته، لا يكف سيف الدين الحلاق عن تسديد الضربات الكلامية الموجعة أحيانا، ولكن، في المقابل، نجد المكي الخياط يحاول إعادته إلى رشده.

و"عندها حول الحلاق مجرى الحديث متسائلا عن سر غياب العايدية، فتنحنح الخياط بويدية مرة أخرى مومئا إليه بعدم الخوض فيما لا يعنيه. "[81]. لاحظ سلوك سيف الدين الحلاق، ولاحظ سلوك الخياط في المقابل، وسيتبين لك أن الحلاق يقود مشروع التمزيق الاجتماعي (قطع الأوردة الاجتماعية ومص الدماء)، وأن الخياط يقود مشروع الخياطة الاجتماعية (رتق وتضميد الجراح) من جهة أخرى. "وبعد صمت قصير، عاد الحلاق للانفجار ثانية مرددا: العايدية تلك الداهية هي التي بعثت به إلى السجن، وهي التي أسرت به للبوليس السنة الفارطة، وكشفت لهم الكثير مما يستره الشيبة عنا وحتى عن نفسه"[82]. وفي المقابل "نهره الخياط معارضا: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسدد العايدية مثل هذه الضربات الغادرة في ظهر زوجها"[83].

حين تحدث بوقال عن احتضار الشيبة العاصية، قال:"طلب مني-متلعثما وكأني به يجر أشتات كلماته من جوفه جرا- أن أستر عرض فتاة، لا إقامة لها ولا عنوان، وتدعى المامونية"[84]. وكما سبقت بنا الإشارة إلى ذلك، أن هذه الفتاة هي ابنة غير شرعية للشيبة. حين قال هذا الأخير ما قال، "جرني الحلاق إليه بمنتهى الهدوء، وهمس في أذني قائلا: لا تنشغل بأمره ولا تهتم بما قال لك، إنه يهذي"[85]. هنا يبدو الحلاق كالشيطان، يوسوس في أذن بوقال. فما هو إلا سيف من سيوف الشر المسلولة، ولذلك بالضبط يحمل اسم "سيف الدين" في هذا النص، فما أكثر الشرور التي يتم ارتكابها باسم الدين "والحلاق يهم بالاندفاع ليحشر أنفه في حديث ديني، لا يعرف فصله ولا مفصله. ينهره الخياط بعصبية ويخرس لسانه"[86].

والخلاصة أن "سيف الدين الحلاق، أو بالأحرى الحجام، رجل شرس، يغلب عليه طابع العنف الذي استمده طيلة حياته من قلع الأضراس والأسنان بلا شفقة ولا رحمة، لأنه كان يعتاش على ألم الأخرين" [87]. حين عادت والدة بوقال من الخليج، "حاولت جاهدة، هي والخياط بويدية، بتوسلاتهما، أن أغفرلها"[88]. هنا يظهر جليا الدور الرمزي للخياط. وهكذا يتضح لنا بأن هؤلاء الشخوص لا يحملون أسماءً بريئة في النص، بل إن لها انخراطاً دلاليا منسجما مع أدوارهم، وإن كان لهم وجود حقيقي في الواقع، فإن إدراجهم في النص خاضع للغة السرد الفنية، وأن هذا يعني أنها تحمل دلالات متعددة. فإذا كان سيف الدين الحلاق من أبرز الشخصيات التمزيقية، فإن المكي بويدية من أبرز الخياطين الأخلاقين والاجتماعيين، وأن هذه الخياطة تقابل ذاك التمزيق في عمق النص، أي أننا أمام صراع بين التمزيق والترتيق.

 

....................

[1] عبد الواحد كفيح: روائح مقاهي المكسيك، رواية، مطبعة سليكي أخوين- طنجة/المغرب. الطبعة الأولى 2014.

[2] د.محمد عبد الرضا شياع: الخلفية الإسبانية والشعر العربي المعاصر، الطبعة الأولى 2013، ص 53. وانظر؛ عبد الواحد لؤلؤة: التناص مع الشعر الغربي، مجلة الوحدة، س.7، ع.82-83/1991، ص 15.

[3] روائح مقاهي المكسيك ، ص 148.

[4] المرجع السابق، ص 148.

[5] المرجع السابق 9.

[6] المرجع السابق، ص 7.

[7] المرجع السابق، ص68.

[8] المرجع السابق، ص 16.

[9] المرجع السابق، ص 16.

[10] المرجع السابق، ص 16.

[11] المرجع السابق، ص 16.

[12] المرجع السابق، ص 16.

[13] المرجع السابق، ص 9.

[14] عبد الواحد كفيح: رقصة زوربا، مجموعة قصصية، الطبعة الأولى سنة 2010، منشورات وزارة الثقافة.

[15] روائح مقاهي المكسيك، ص 69.

[16] المرجع السابق، ص 9.

[17] المرجع السابق، ص5.

[18] المرجع السابق، ص 18-19.

[19] المرجع السابق، ص 18.

[20] المرجع السابق، ص 18.

[21] المرجع السابق، ص 18.

[22] المرجع السابق، ص 18.

[23] المرجع السابق، ص 19.

[24] المرجع السابق، ص 19.

[25] المرجع السابق، ص 20.

[26] شمس الدين الكيلاني: من العود الأبدي إلى الوعي التاريخي، الطبعة الأولى 1998 دار الكنوز الأدبية، بيروت-لبنان، ص16.

[27] روائح مقاهي المكسيك ،ص 59.

[28] المرجع السابق، ص 60.

[29] المرجع السابق، ص 37.

[30] المرجع السابق، ص 37.

[31] المرجع السابق، ص 37.

[32] المرجع السابق، ص 37.

[33] المرجع السابق، ص 38.

[34] المرجع السابق، ص 75 -76.

[35] المرجع السابق، ص 135.

[36] المرجع السابق، ص 135.

[37] المرجع السابق، ص 124-125.

[38] المرجع السابق، ص 104.

[39] المرجع السابق، ص 142.

[40] المرجع السابق، ص 10.

[41] المرجع السابق، ص 135.

[42] المرجع السابق، ص 142.

[43] المرجع السابق، ص 20.

[44] المرجع السابق، ص 145.

[45] المرجع السابق، ص 146.

[46] المرجع السابق، ص 70.

[47] المرجع السابق، ص 48.

[48] عبد الواحد كفيح: رقصة زوربا، ص20.

[49] سعيد بودبوز: تناسخ النص، مخطوط مازال غير مطبوع، وهو موجود عند المؤلف.

[50] سعيد بودبوز: المرجع السابق.

[51] روائح مقاهي المكسيك، ص 47-48.

[52] رقصة زوربا، ص20.

[53] روائح مقاهي المكسيك، ص63.

[54] "وقد كتب عن ذلك الدكتور محمد عبد الرضا شياع "بين بعض نصوص البياتي: فيديريكو غارثيا لوركا وعبد الوهاب البياتي: دراسة في التناص، م.س، ص :197. انظر كتابه " الخلفية الإسبانية والشعر العربي المعاصر" ص67.

[55] روائح مقاهي المكسيك، ص 75.

[56] المرجع السابق، ص 49.

[57] المرجع السابق، ص 50.

[58] المرجع السابق، ص 41.

[59] المرجع السابق، ص 77.

[60] المرجع السابق، ص 121.

[61] المرجع السابق، ص 116.

[62] المرجع السابق، ص 80.

[63] المرجع السابق، ص 77.

[64] رقصة زوربا، ص 32.

[65] سعيد بودبوز: المرجع السابق.

[66] المرجع السابق، ص 130.

[67] المرجع السابق، ص 77.

[68]سعيد بودبوز: بين الجنس الآدمي والجنس الآدمي، دراسة نقدية منشورة على الأنترنت.

[69] سعيد بودبوز: سيميائية السارد المفارق، دراسة نقدية حول قصة "عنترة يحرص الطواحين الهوائية" التي تتضمنها مجموعة "رقصة زوربا" للقاص عبد الواحد كفيح، ستنشر قريبا في مجلة "الرؤى" الليبية.

[70] المرجع السابق.

[71] روائح مقاهي المكسيك ، ص 13.

[72] المرجع السابق، ص 13.

[73] المرجع السابق، ص 9.

[74] المرجع السابق، ص 12.

[75] المرجع السابق، ص 11.

[76] المرجع السابق، ص 11.

[77] المرجع السابق، ص 11.

[78] المرجع السابق، ص 113.

[79] المرجع السابق، ص 116.

[80] المرجع السابق، ص 115.

[81] المرجع السابق، ص115.

[82] المرجع السابق، ص 120.

[83 المرجع السابق، ص 121.

[84 المرجع السابق، ص 119.

[85 المرجع السابق، ص 119.

[86] المرجع السابق، ص 119.

[87] المرجع السابق، ص 112.

[88] المرجع السابق، ص 140.

***

 

https://www.facebook.com/Saidbz

 

قراءة في قصيدة "لماذا أنت صامت!؟.." للشاعر عدنان الصّائغ

في محاكاة السّخرية الإلهيّة من "اللّغو البشريّ.." أو.. هكذا حدّث الشّاعر ربّه...

 

لماذا أنت صامتٌ..!؟ / عدنان الصائغ

بـ

ا

س

م

كَ؛

يتفاوضُ الانبياءُ والرسلُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يحكمُ الخلفاءُ والملوكُ والولاةُ والحكّامُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُفصّلُ الشرائعُ والدساتيرُ والأحكامُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمك؛ تُكتب الألواحُ والأسفارُ والسُورُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُصدحُ المزاميرُ والتراتيلُ والأدعيةُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُشادُ المعابدُ والكنائس والجوامعُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمك؛ تُشعلُ الشموعُ والبخورُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُقدمُ الأضاحي والنذورُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُجبى الضرائبُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُخاضُ الحروبُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تتصارعُ المِللُ والنِحَلُ والطوائفُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يفسِّرون

ويفتون

أو يكفِّرون

ويفخّخون..

أو يلطمون

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يقْسِمُ الأدعياءُ

وأنتَ صامتٌ!

ويشكّك بك الملحدون

وأنتَ صامتٌ!

ويشتمكَ الغاضبون، ويكفرون بكَ

وأنتَ صامتٌ!

ويستغيثُ بك المرضى والغَرْثى والمنكوبون...

وأنتَ صامتٌ!

وتُنسب اليك الزلازلُ والمجاعاتُ والفيضاناتُ والجفافُ والأوبئةُ

وأنتَ صامتٌ!

.. والخَلْقُ والأرزاقُ والأمطارُ والحظوظُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يُحرّمُ الغناءُ والخمورُ واللحوم

وأنتَ صامتٌ!

وتُحجّبُ النساءُ، وتُرْجَم

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُوزّعُ الجنائنُ والحورُ العينُ والولدانُ المخلّدون

وأنتَ صامتٌ!

.. وتسّعرُ جهنم، وسِجِّيل،

ويُسقى الزقّوم

وأنتَ صامتٌ!

صامتٌ

صامـ..

صا..

صـ..

...

(*) ..

 

أتَخَيّلُك يا الهي؛

جالساً...

- بصمتكَ الأزليِّ،

على عرش جلالك المهيب -

محرِّكاً بعصاك؛ المجراتِ

والكائناتِ

والأقدارَ

والمصائرَ

وأنتَ تمسّدُ لحيتَكَ الضوئيةَ، بتؤدّةٍ

غيرَ ملتفتٍ لكلِّ ما ألّفناهُ، واخترعناهُ، وتخيلناهُ، وكتبناه، ورويناه، عنكَ

- عبر آلافِ القرونِ والمجلداتِ والأممِ -...

ساخراً من كلِّ هذا اللغوِ البشريِّ؛..

الذي

لا

يليقُ

بهيولى

إلهٍ

مثلكَ...

 

13 / 4 / 2005 لندن

........................

(*) ...مــــــــــــ[ــــــــــــاذا...

لو كلّمتَ عبادك، يوماً،

يا ربي

لكنْ؛ كيف، بأي الكلمات

ولغاتُ عبادكَ - سبحانكَ - تدري أو لا ندري؛ أشتاتْ

تربو الآن على 6 آلافٍ، بلْ،

وملايين اللهجاتْ ].

 

1) تقديم

في كون اللّغو والصّمت، وتاريخ تعلو فيه أصوات اللاّغين اللاّغطين الصّارخين النّافرين المستنفرين، ووسط عالم أراده مبدعه حكمة فكان فوضى رهيبة، وبين ناس ينحدرون من جنس هو خير الخلق عند بارئه، ومحسود الملائكة والمطرود من الجنّة، متبوعا بقول ربه " انزلوا بعضكم لبعض عدوّ.." فكانوا بإرادته وإرادتهم أعداء.. وبعد قرون من "الصّمت " الإلهيّ، وانقطاع الوحي وغياب آخر الرّسل، وبين حضارات وثقافات وأديان تتنازع اللّه، وترفع ألويته، وتنتسب إليه، وتنسب إليه كلّ أعمالها، وفي قرن ترتسم فيه معالم حروب وصراعات عرقيّة ودينيّة وطائفيّة وحضاريّة، وصار الدّم يهدر ويسفك، والرّؤوس تُقطع باسم اللّه، كان لا بدّ أن يرتفع صوت الشّاعر الصّائغ يستشعر الرّعب وينشد الأمن يأتي من صوت لا يأتي، ولن يأتي، كما ارتفع صوت أبي العلاء منكرا تدنيس المقدّس وتقديس المدنّس:

ولا تطيعنّ قوماً، ما ديانتهُم إلاّ احتيالٌ على أخذ الإتاوات

وإنّما حمّلَ التّوراةَ قارئَها كسبُ الفوائد، لا حبُّ التلاوات

إنّ الشّرائعَ ألقت بيننا إحَناً، وأودعتَنا أفانينَ العداوات

وهل أُبيحت نساءُ القوم عن عُرُضٍ، للعُرب، إلا بأحكام النُبوّات؟

فجاء النّصّ متعدّد العتبات أولاها اسم الشّاعر يحيا ما يحياه قومه من بؤس حضاريّ وروحيّ ودينيّ، وينطلق من وعي بسلطة "اسمه" علما من أعلام الشعر العربي المعاصر، ويتكلّم في زمان (2005) خبت فيه أوهام فكريّة وإيديولوجيّة حكمت العقول ردحا من الزّمان، ونشطت حركات أصوليّة دينيّة لها صوت وصدى في مكان الكتابة (لندن) ..والنّصّ من مجموعة شعريّة هي من أحدث نصوص شاعرنا(2011)، تضمّ أكثر من سبعين نصّا، كان الشّاغل الرّوحيّ / الدّينيّ من الشّواغل البارزة فيها والمندرجة ضمن إحساس حادّ بالغربة، وفي الآن نفسه بالصّفاء في الرّؤية والقدرة على "وصف حالتنا" في جلاء مؤلم.. وهذا النّصّ يتأخّر في ترتيبه ضمن نصوص هذه المجموعة، فلا نجد بعده إلاّ نصّا واحدا (طواف) ويسبقه نصّ في الغرض نفسه (دين) فتتجلّى الرّوح العلائيّة منزّلة في شواغل حديثة، ومحكومة بهاجس المعرفة والسّؤال والحرّيّة والإنسانيّة والجرأة الإيمانيّة التي تتيح لصاحبها كلّ هذا الحبّ وهذه الفطرة ليخاطب ربّه بلا خوف ولا وجل، بلا وسائط ولا وسائل، متجرّدا من كلّ شيء إلاّ من الإيمان به بعيدا وقريبا:

" ما دمنا - بالفِطرة - أُورثنا الدِينْ

ما ذنبي أنْ أُولدَ سنياً أو شيعياً.. مندائياً، ناموسياً، فرّيسياً، صَدَّوقياً، كاثولوكياً، بروتستانتياً، أرثوذكسيا، بوذياً، سيخياً، مارونياً، يزيدياً وبهائياً، وزرادشتياً، أو تاويا.. والخ من ذِكرٍ وتلاوينْ

أو.. وثنيينْ.."

(من نصّ "دين")

وأجدر العتبات بالتّوقّف وأبرزها عتبة العنوان، ندخل منه النّصّ في صيغة استفهاميّة متفجّرة، رفضا وإنكارا ورغبة في معرفة مستعصية...

 

2) العنوان: لماذا أنت صامت؟

يختزل هذا القول الذي اتخذ عنوانا للنص، السياق الوجداني والحضاري والعقائدي والسياسي الذي قيل فيه..فهو في بنيته الاستفهاميّة نصّ لذاته، يمكن أن يكتفي بنفسه.. مثقلا جاء بأحوال المتكلّم ثائرا وحائرا ومتألّما وغريبا وصارخا ولائذا ويائسا وساخطا وضائعا ورافضا وآملا.. كموسى "غَضْبَانَ أَسِفًا.."

وهو باعتباره خطابا ، "كلام" من الأنسان / الشاعر / العاشق لربّه وللإنسانيّة، إلى هذا الرّبّ الذي "سكت" ودخل منذ قرون حالا من "الصّمت" فوجد الإنسان نفسه وحيدا غريبا عاجزا قاصرا عن العيش والتعايش مع بني جنسه في هذا العالم..

وهو استفهام حول الموقف من العالم.. الموقف الإلهيّ الغائب والمطلوب، لأن هذا الإله غائب حاضر، غائب بذاته، حاضر بغيره، مقصى مبعد ليتكلّم عنه بالوكالة والنّيابة.. وهذه المفارقة هي ما يؤلم الشّاعر، فيرفع صوته مستصرخا هذا الإله ليهبّ لإنقاذ الإنسانيّة البائسة..

ويبدو المطلوب استفهاميّا، خروجا عن "الصّمت" بما يختلف عن مقابل هذا الصّمت، وهو الكلام، لأنّ الكلام الإلهيّ كما دُوّن في الكتب المقدّسة، شديد الحضور، وصوت الله بهذا المعنى عال مسموع طاغ بأبواق قويّة جدّا..إلاّ أنّ " الكلام" استجابة لحاجات العالم الرّاهنة، هو الغائب والمطلوب الذي يستشعر الشاعر فراغ العالم منه، فيتساءل ويسائل..

وفي بنية الاستفهام إذن، تعبير عن حاجة وأزمة ومعظلة ومفارقة لها انتشاراتها في متن النّصّ.. وهو شوق وتوق وعتاب الحبيب للحبيب وقد طال غيابه وصمته..فيه شوق موسى إلى وجه ربّه يريد أن ينظر إليه (..قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ.. / الأعراف..143) والشّاعر يريد أن يسمعه ليعرف قلبه الطمأنينة واليقين..

وهو توق إلى الخلاص يأتي من السّماء، لأنّ سبل الخلاص انسدّت في الأرض، وقد طغى فيها "المقدّس" حتّى قتل الإنسان وأبطل الحياة..وفي عمق الشّاعر أنّ هذا الخطاب المقدّس الرّامي إلى توسيع دائرته حتّى يغمر العالم ويتوغّل في أعماق الإنسان ويحكم أدقّ تفاصيله، لا صله له بالإرادة التي ينتسب إليها هذا الخطاب ويستند ويكتسب شرعيّة الدّم..

وبناء على ذلك ينشأ تقابل مرعب بين الفعل السّائد والمقدّم على أنّه فعل إلهيّ أو تحقيق لإرادة إلهيّة، وحقيقة هذه الإرادة.. وهي حقيقة يعتبر الشاعر ضمنيّا أنّها الوجه النّاقض والنّقيض للحقيقة التي يقدّمها المتكلّمون باسم الإله الصّامت...

ومن ناحية أخرى، نلمح في هذه البنية تقابلا بين جرأتين ومقدّسين: جرأة المتكلّمين باسم الله والمستحوذين على إرادته، والمدنّسين لذاته بوعي منهم أو بلا وعي.. وجرأة الشّاعر وهو ينتصر لهذه الذّات الإلهيّة التي يستولي عليها الخطاب الإرهابيّ في العالم، ويلجم صوتها.. وهذا يوجب أن يرتفع صوت الله الحقّ في العالم، ليعاد بناء هذا العالم على قواعد الحبّ والخير والجمال، فتندحر قوى الكراهية والشّرّ والقبح..

 

3) بنية المتن...

يفصل الشّاعر بين جزأين في المتن:

أ‌) جزء أوّل (وهو الأكبر) وهو قائم على بنية ترديديّة ذات خصائص تركيبيّة ودلاليّة واسمة للنّصّ بوصف العالم محكوما بمنطق " الحقّ الإلهيّ"..

ب‌) جزء ثان، تنكسر فيه البنية التّرديديّة الواسمة للجزء الأوّل، ويخصصه الشّاعر لوصف الله تنزيها له عن محنة "الحقّ الإلهيّ" التي تحكم العالم والتّاريخ..

 

أ‌) بنية المتن النصّي (في الجزء الأوّل) مساءلة الله..

وهي بنية قائمة على ثوابت ومتغيّرات:

• باسمك (ثابت) +فعل مبني للمجهول{في الغالب}+ نائب الفاعل {مفاعيل}(متغيّر)

• وأنت صامت : (ثابت)

• البنية التّركيبيّة بشقّيها : الأصلّي (الأفعال) والفرعيّ (الإلصاق: باسمك+ الحال : وأنت صامت) تكسب الخطاب الشّعريّ وحدته العضويّة وتوهّجه الإيقاعيّ الوجدانيّ، فينشأ وينمو استعادة لتلك البنية الثّابتة المتغيّرة، التي تتردّد ولا تتكرّر، وتتوسّع وتنفتح على العالم تاريخا وسياسة ودينا وفكرا وثقافة وطقوسا وأساطير وعادات.. فتقول كل ذلك لتقول وحدة المنطق الذي حكم ويحكم تاريخ الإنسانيّة، وهو منطق الحضور والغياب للصّوت الإلهيّ في العالم..

• هذا "الاقتصاد" التّركيبيّ هو من أدوات الشّعر أو هذا الضّرب من الكتابة الشّعريّة ، وهو يبحث عن قوّة "الأثر" عند التّلقّي، فكلّما تواترت البنية برزت وتكثّفت في وعي المتلقّي، المفارقة التي انبنى عليها هذا النّصّ..

• تنهض البنية التّركيبيّة "المحدودة" والمفتوحة، بوظيفة إيقاعيّة، محاكاة لإيقاع النّفس تنفعل بموضوعها، فتنطلق بلا قيود، في نفس لا ينقطع، فيتحقّق الانسجام بين إيقاع اللّغة وإيقاع النّصّ وإيقاع النّفس، وينشأ إيقاع "داخليّ" خاصّ مختلف عن الإيقاع التّقليديّ باعتباره معطى قبليّا جاهزا..

• من أبرز ما يمكن أن نصادر عليه، بناء على هذه التّماثليّة التركيبيّة والتّرديد الإيقاعيّ والمتغيّر "الثّابت" من حيث الحقل الدّلاليّ الذي تنتمي إليه الأفعال والمفاعيل، أنّ حضور الله في العالم كان أبدا ثابتا لا يتغيّر منذ أدرك الإنسان أو بلغ وعيه الدّينيّ التّوحيد، فاقترن وجوده منذئذ بحضور "الله" باسمه في الكون والكينونة وكلّ ما يكون:

" تفاوض / يحكم / تفصّل / تُكتب / تُصدحُ / تُشادُ / تُشعلُ / تُقدمُ / تُجبى / تُخاضُ / تتصارعُ / يفسِّرون / يفتون / يكفِّرون / يفخّخون / يلطمون / يقسم / يشك / يشتمك / يكفرون / يستغيث / تنسب / يحرّم /

تحجّب / ترجم / توزّع / تسعّر / يسقى / …"

 

• الإنسانيّة .. ودولة الحقّ الإلهيّ ...

بؤرة التوتّر الدّلاليّ في النّصّ هي هذه الفجوة الحادّة العميقة التي يحكيها النّصّ عنوانا ومتنا (تركيبا وإيقاعا) بين البشريّ والإلهيّ في التّاريخ..هذا الذي "يقرؤه" الصائغ شعريّا باعتباره "مصادرة " لله بعنوان "الحقّ الإلهيّ" وإعادة إنتاج لدولة الإنسان المستبدّ وإيهام الإنسانيّة أنّ " الحكم لله" وأنّ الإنسان يقيم " دولة الله" على الأرض..

فللفاعليّة، في إطار هذه الفجوة أو الثّنائيّة (الإلهيّ / االبشريّ) مستويان:

- مستوى النّواة، أو الأصل أو المرجع أو المركز الذي تكتسب منه الشّرعيّة والقداسة والوجوب واللّزوم.. نعني قداسة الفعل ووجوبه إنجازا وقبولا وامتثالا لاستتباعاته ومقتضياته..

- مستوى الهامش أو المحيط أو الامتداد..

وهو هامش دائريّ مفتوح متّسع أبدا مادام الفعل البشريّ باسم الله لا ينقطع، غامرا كلّ شيء..ولذلك جاء الخطاب تعديديّا مفتوحا أيضاومتّسعا متيحا للنّصّ أن ينتشر إلى مالا نهاية، منطلقا من الصّمت منتهيا إليه:

وأنتَ صامتٌ!

صامتٌ

صامـ..

صا..

صـ..

...

 

فالأعمال الإنسانيّة هوامش في الخطاب لمركز ثابت في هذا الخطاب، ثباته في مركز الكون.. منه وبه يكون كلّ شيء..اسمه لا هو..وهو هو اسمه عند من يتكلمون ويفعلون باسمه..واسمه حين تلتصق به الباء (كما يرى النّحاة) يقوم مقام " آلة الفعل (ابن هشام / المغني) لأنّ " الفعل لا يتأتّى على الوجه الأكمل إلاّ بها..(ابن هشام / المغني)...

بيد أنّ هذه المركزيّة الخطابيّة المستندة إلى مركزيّة كونيّة مستندة هي بدورها إلى مركزيّة خطابيّة إيمانيّة مقدّسة، تتهمّش حضورا فعليّا، ليكون الحضور الحقّ للفاعلين الكثر الذين ينتشرون في النّصّ كما ينتشرون في التّاريخ وفي العالم، فارضين سلطانا لا ردّ له أو عليه إلا بالإيمان والتّسليم والخضوع والامتثال..

• تنتمي كلّ الأفعال المنسوبة إلى فاعلين كثر، إلى الحقل الدّلاليّ للحرب، في فهم استعاريّ واسع للحرب باعتبارها فعلا نازعا إلى غاية نهائيّة هي الغلبة والإخضاع وفرض السيادة والهيمنة، فتقترن بوجوه لا نهاية لها من العنف الغامر لكلّ مستويات الوجود:

- عنف نبويّ

- عنف سياسيّ

- عنف تشريعيّ

- عنف خطابيّ

- عنف طقوسيّ

- عنف جبائيّ

- عنف حربيّ

- عنف طائفيّ

- عنف تفسيريّ

- عنف تكفيريّ

- عنف حجاجيّ

- عنف إلحاديّ

- عنف انفعاليّ

- عنف قدريّ

- عنف إفتائيّ

- عنف اجتماعيّ

- عنف فكريّ...

 

ب‌) بنية المتن النصي (في الجزء الثاني): الانتصار لله..

يمثّل هذا الجزء نقلة خطابيّة من المساءلة والمعاتبة والمحاججة إلى الانتصار لله وتنزيهه، بل وتبرير صمته بعد أن كان "مأخذا" عليه، فهذا الصّمت هو عنوان المهابة والجلال والرفعة:

أتَخَيّلُك يا الهي؛

جالساً...

- بصمتكَ الأزليِّ،

على عرش جلالك المهيب –

 

وهو أيضا وجه للتّحكّم والغنى عن الكلام، في صورة طفوليّة أسطوريّة لله "شيخا" كثّ اللّحية، عرشه فوق السّحاب، يدبّر شؤون الأكوان:

محرِّكاً بعصاك؛ المجراتِ

والكائناتِ

والأقدارَ

والمصائرَ

وأنتَ تمسّدُ لحيتَكَ الضوئيةَ، بتؤدّةٍ

والأهمّ من كلّ ذلك هذه اللاّمبالاة الإلهيّة بالفعل الإنسانيّ المؤّسّس على فساد في الرّواية عن الله وخيال واختراع :

 

غيرَ ملتفتٍ لكلِّ ما ألّفناهُ، واخترعناهُ، وتخيلناهُ، وكتبناه، ورويناه، عنكَ

- عبر آلافِ القرونِ والمجلداتِ والأممِ -...

 

ويبلغ هذا الموقف التّنزيهيّ للذّات الإلهيّة ذروته في صورة " علائيّة" ساخرة سخرية منسوبة إلى اللّه المتعالي، بيد أنّها سخرية الشّاعر وهو يختصر تاريخ الأديان في كلمة " اللّغو" وهي في أعمّ معنى لها " السَّقَط وما لا يُعتدّ به من كلام وغيره ولا يُحصَل منه على فائدة ولا على نفع.."..وهذه السّخرية هي جوهر المفارقة التي انبنى عليها النّصّ، وأسّس عليها الشّاعر رؤيته التّنزيهيّة لله، والتباس المقدّس والمدنّس في ما يُنسب إليه، ويعمل باسمه :

ساخراً من كلِّ هذا اللغوِ البشريِّ؛..

الذي

لا

يليقُ

بهيولى

إلهٍ

مثلكَ...

4) "الاستطراد" الشّعريّ...القطيعة الإلهيّة البشريّة...

مثلما أجاب الله موسى قائلا {لن تراني..} أوحى الشّاعر إلينا أنّ الله لن يتكلّم، وما من سبيل للتّواصل اللّغويّ بين العالم والله..وأراد الشّاعر أن "يضيف شيئا" في استطراد طريف "ألحقه بالنّصّ"..ومن يمنعه من ذلك؟؟ فهو حرّ..له أن يختم نصّه ويذيّله بمكان الكتابة و تاريخها(13 / 4 / 2005 لندن) ثمّ يخطر له خاطر عجيب:

 

(*) ...{مــــــــــــــــــــــــاذا...

لو كلّمتَ عبادك، يوماً،

يا ربي...

فيتحقّق المطلوب والمرغوب، ويستجيب الله لحاجة الشّاعر والعالم..إلاّ أنّ هذا الخاطر سرعان ما يتلاشى ويتهاوى واقعا في هوّة الامتناع والاستحالة..لانقسام العباد شعوبا وقبائل وألسنا لا تعدّ..

لكنْ؛ كيف، بأي الكلمات

ولغاتُ عبادكَ - سبحانكَ - تدري أو لا ندري؛ أشتاتْ

تربو الآن على 6 آلافٍ، بلْ،

وملايين اللهجاتْ }.

فهل تعود استحالة التّواصل بين الله والعالم إلى انقسامه إلى أشتات لغويّة أم إلى امتداد فعل الخطيئة من العالم العلويّ إلى العالم السّفليّ وانتشاره واستفحاله باسم الله ذاته..فانصرف ساخرا غضبان لائذا بالصّمت الأبديّ؟

ومن يدري؟! لعلّ في صمته موعظة:

يا واعظي بالصّمتِ! ما لك لا تُلْقـي إلـيّ حديثـكَ اللّـذّا؟

(أبو العلاء)

 

الحبيب بالحاج سالم / تونس

 

من أنثولوجيا الشاعر سامي العامري (1): شمس لا هاي

khalidjawad shbayl"أطلِقْ طائرَك!" هذه الجملة الأمرية الصغيرة، تحمل حِكمة شرقية عميقة، أطلَقَها شاعرُ الهند طاغور، ولا شك أنه أراد بها أن يتميزَ كلُّ مبدع في مجال اختصاصه الخَلقي عن غيره بعيداً عن التقليد. . وحين فكّرتُ أن أكتب عن سامي العامري كنتُ أتريثُ في كلِّ مرّة وأرجيء الأمرَ معلِلاً النفْس بأسباب شتى؛ والأمرُ في حقيقته أن الكتابة عن العامري مَهَمةٌ ليست هيّنة، ذلك أن هذا الشاعرَ واسعُ الأفق متعدد المواهب، والقصيدة عنده لا تكرر نفسها. هو شاعر وناقد وقاص ومقالي! ورغم فيض منجزه وتنوعه كنتُ في كل مرّة أخشى عليه من النَّمَطية أو من خفوت النفَس الشّعري أو التكرار الذاتي الذي يُضعفُ الخاطرَ الوجداني ويُفقرُ المخيلة الشعرية ويُخفتُ العاطفة، ويشتِّتُ الفكرة، ويَستهلك الذخيرةَ اللغويةّ إلا أن طائرَ العامري ظلّ يحلِّقُ في مّديات عالية، بارعاً في طيرانه بمقدار ما هو مغرَدٌ شجيُّ الصوت فصيحُ الإنشاد..

ثلاث محطات في حياة الشاعر، أكسبته خبرة حياتية ثرّة، لوّنَها الحزنُ والمرارة والسخرية والخيبة و الحنين ولوعة فراق لأناس قريبين منه فارقهم فراقا أبديا، وحبٌ عاطفي وموضوعي فتح له باب السعادة ثم تبخر على حين غرة لتعودَ الخيبةُ والوحشة ويتعمقَ الحنين، كل هذا سيكون جواز مرور لفهم منجزات العامري، ومادام الأمر كذلك فعلامَ نحمل السُّلّمَ عَرضاً؟!

"سامي" ابن الريف، وإن شئـتَ ابن الريف المتحضر ولد في قرية من "أبو غريب" التي طبقت شهرتها الآفاق بسبب سجنها الشهير وما شهده- من بلاوي المحررين- متجاوزاً شهرة كلية الزراعة المرموقة و معاهدها ومعامل الانتاج الحيواني والنباتي و مصانع المواد الغذائية؛؛ واختزنت ذكرياتِ الريف رأسُه الصغيرة وبقيت تختزن المكان والزمان والناس من رحل منهم ومن أقام .. بساتين مثمرة وأرض خضراء تمتد على مرمى البصر ومعاز ذوات أجراس وخراف موسومة ودجاج وراعية رؤوف مترعة بحس إنساني أحبها، وجدة حنون وبقرتها، وأم رؤوم وطيبتها،، انتقل الى بغداد حيث درس ودخل الجامعة –معهد الإدارة- على غير رغبة وحُرِم دون وجه حق من كلية الآداب حين بدا "سامي" فتىً مولعاً بالقراءة النهمة، وتشبع بحب الشعر وبدأ يتعاطاه وأدرك الشاعرُ الشابُ عادلٌ موهبته وشجعه ووجد هو الآخرُ في عادل مُعلّما،، لقد ابتلعتِ الحربُ مع إيران عادلا وشعره وأحلامه، مثلما ابتلعت مئين الألوف من الشباب وأوشك أن يكون "سامي" منهم لولا هربه من الخطوط الأمامية في أشد وطيس لها (عام 1984) في بنجوين الى إيران مشيا على الأرجل في ليلة ليلاء قمراء!

كان العامري محظوظاً فقد أفلت من عيون العسس ونجا من الألغام والضواري، هو في محطته الثانية إذن وفي مخيم شمال طهران والطعام حساء وخبز للمعدة، والكتاب هي غذاء للعقل والروح، وحلم كبير في أن يُفلِت الى الغرب وأن يتنسم الحرية ويكتب شعراً وسيُسمع صوته للآخرين من العراقيين وستتوفر لموهبته الأجواء لتخرج من عقالها كما تشق النبتة تربة الأرض؛ والذي نجا من فم الكريهة بأعجوبة ألا يستطع أن يجتاز المعبر؟ واجتازه بجواز مزوَّر بعد سنة ونصف السنة من الحرمان!

هي ذا بلاد الألمان تستقبله؛ وأكب على تعلم الالمانية وبدأ الشاعر سامي العامري ينشر شعرا ومقالات في الصحف وبدأ يتعرف على وسطه الجديد ويكسب بعض الصديقات ما سرًع من فهمه للمجتمع الألماني وبدأ يتعلم الالمانية ويقرأ فيها ويترجم منها وتعرف على هاينه وغوته وهرمان هسه وبرخت ووسع من ثقافته، كل هذا ونزوع بوهيمي وميل الى الخمر وربما غير الخمر من الدخان والقهوة والكتاب، وخيبة أمل من انغلاق المثقفين العراقيين بدائرة لا ترحب بالوافدين الجدد حتى ولو كانوا اصحاب مواهب من قبيل سامي العامري! فعانى من الوحدة وتنقل بين المدن واستقر في كولونيا أطول فترة حين تعرف على سيدة سيكون لها أثر كبير في صقل تجربته وتوسيع مداركه بما في ذلك اللغة الألمانية وانتج شعرا وقصصا، وبدأ يتألق سامي العامري ولم تدم السعادة فبعد حسن عِشرة (اثنا عشر عاماً) مع ريتا نيبركال التي اختطفها الموت بلا مقدمات، وأطفئت سُرُجُ كولونيا وغدت مظلمة؛ سينتقل الى برلين وسيُهديها رواية " ربة الشفاء"..لينكفيء على ذاته وليبدأ مرحلة العزلة والميل الى التصوف، فان رحلت ريتا جسداً فمازالت ترافقه روحا .. كل هذا سنلمس تاثيراته في أنثولوجيا الشاعر المبدع سامي العامري، وسنقف عند ملكته الشعرية، وخصائصها في ما نختار من قصائد، و سنتوقف ماوسع الحال معه في المنحى البوهيمي، الصوفي، الحنين، الحزن، مصادر شعريته وتأثراته، وأشياء أخَر ستعنُّ لنا خلال معالجتنا لمنتخبات هذه القصائد؛ ولكن لماذا هذه الأنثولوجيا ؟ ألا تكفي كلمة مجموعة؟ لا، لأن للشاعر مجاميع شعرية وقصصاً ورواية...

 

منجز العامري

أصدر في القاهرة أربع مجاميع شعرية من مختلف دور النشر، المجموعة الأولى:السكسفون المُجَنّح عام 2004، والأخرى عام 2011، وهي: أستميحك ورداً؛ العالم يحتفل بافتتاح جروحي، اعراض حفاوتي بالزئبق؛؛ حديث الشفاء- رواية؛ النهر الأول قبل الميلاد- قصص....ألفت نظر القاريء الكريم الى الانتباه بين تاريخي صدور المجموعة الأولى 2004، وبين تاريخ الأعمال الأخرى عام 2011، حيث ظل الشاعر يناضل من أجل الطبع حين يكون العامل المادي عائقاً، ولولا مساعدة الأصدقاء لما تم الطبع!!إنها محنة النشر..

"شمس لاهاي" من الشعر السياحي، وهو شعر عريق في أدبنا العربي، كتبت فيه روائع، نذكر على سبيل المثال: قصيد ة ِ" شِعب بوّان" للمتنبي وهي من أعمال شيراز، وشوقي في زحلة "يا جارة الوادي" وفي "دمشق روح وجنات وريحان" وعلي محمود طه المهندس في " من أين يا كانُ هذه الصور" وفي البندقية "الجندول" والجواهري في لبنان له قصائد وما قيل في بغداد كثير، لبَشارة الخوري، ونزار قباني...

والآن الى قصيدة شمس لاهاي، التي سأقسمها الى أربعة مقاطع بدون تعسف لأنها تتالف من أربع حركات ضمن وحدة الموضوع:

من نافذة قطارْ/ يمتدُ العالمُ مرعىً / تتوزع فيه كقطع الشطرنج الأبقارْ/ ساهمةً لاهيةً / فأنا في الصيفِ / ولكن هولندا بغمائمها / لاتعرف من كل العالم سوى آذار / الكل تجَففَ تحت الشمسِ / عدا هولندا .. / فيها الشمس تشعشعُ لا نوراً / بل أمطارْ / دربٌ رحبٌ / صبحٌ رطبٌ / ولذلك ما أكتبهُ / جبن هولندي لا أشعار!

الشاعر ينظر الى الطبيعة لا بعين الكاميرا الصماء وإنما يرهف الحسُ، ويعمل الجمالُ في خاطره ويختمرُ ليحوله من مشهد مادي الى صور حسًية وجدانية تذكي العاطفة والخيال وتنقله الى ماض بعيد يتسلل الى خاطره من لاوعيه؛ في قرية هجروها وتركوا الجدة وبقرتها، وكم تمنى ابن الخمس سنوات لو جلبوا الجَدة والبقرة والدجاج الى حي المأمون البغدادي الحديث ولا أقل من جدةٍ تحكي حكاياتٍ وبقرةٍ تحكي حليباً وجُبنا و دجاجٍ بيضا.ً الذي أخرجه الشاعر من خاطره صوراً مرسومة بالكلمات، مرعى واسع تنتشر البقرات الجميلات بحرية وأمان ورائحة الارض عبقة بفعل المطر الرذاذ الذي أنعش الجو وقارن بين آذار الهولندي وآذار العراقي ذي " الزلازل والامطار" والشمس القوية (لعلها شمس الباقلاء)، وختم المقطع بأن ما يصفه من أرض ومطر وأبقار محصلته الجبن الهولندي من الخوْدا وإخوانه .. الموسيقى عالية وينتقل من أجواء الكامل الى المتدارك في " درب رحب/ صبح رطب)، وتخلص الشاعر بمهارة من الإقواء بالوقوف على روي الراء، إلا في (بل أمطار) حيث لزم أن يكون (بل أمطاراً) وهو إقواء حميد اقتضته الضرورة..

 

الحركة الثانية:

أنا المقدوني / حيث عبرتُ جميع المحيطاتْ / وغزوت جميع الولاياتْ / واقترنت بألف من الملكاتْ / ودانت لبأسي الحياةْ / لا بجيش / ولكن بجلسة تبَغٍ / وفصيلٍ من العبرات.

هنا توارد الأفكار، انكفاء داخلي فاتر، وجعل الصوت فاتراٍ، كمن غنى بجواب اقتضى بعده القرار، لابأس فالحالة التأملية تذكي المشاعر، والتبغ يهدىء، والشاعر في انتشاء روحي وانسجام مع الذات!

 

الحركة الثالثة:

فيها الشمسُ تشعشعُ لا نوراً بل أمطارْ/ دربٌ رحبٌ / صبحٌ رَطبٌ / ولذلك .. / ما أكتُبُهُ جبن هولندي لا أشعار / بعد سنين / تتعشين معي / وتُسرّين! / هل هذا حُلُم أم هلوسةٌ من زمن معتاده؟ / يا شكراً لحضوركِ / بشراً في هيأة بِشر / وغناء / وحماماتٍ تهدلُ فوق الغصن / والغصن يفتشُ مثلي / عن لحظات استرخاءٍ / ووسادة!

الشاعر في هذا المقطع يتماهى بين العالم الخارجي والداخي بشكل ملتحم، ابتدأ باسترجاع النبرة العالية بعد الخفوت وجعل أجمل العبارات الشعرية مكررة لجمالها، وهوالتكرار البلاغي الذي يشحذ النفس ويبهج الخاطر، واستعادة الانتشاء واستحضر من أراد أن يستحضر للراحلة ريتا أجمل الذكريات، جاءه الطيف على هيئة بشر وإن كان ملاكا .. والوسادة التي أراد أن يضع رأسها ورأسه وتنزل الدموع لتختلط مع بعضها..ألم يردد قول هاينرش هاينه: ضعي خدكِ الى جانب خدي لتسيل دموعنا معاً. ولي اعتراض يا صديقي سامي على رسمك "هيأه" وصحيحها "هيئة" لأن الياء الساكنه قبل الهمزة تعمل عمل الكسرة، والكسرة أقوى من الفتحة بل أقوى من جميع الحركات..

 

الحركة الرابعة:

وقالت أحبُكَ أنتا / أيا أول الزارعين بروحي / يا أول الساهرين عليها /أحبك حيث العواطف شتى / ودمائي وهي تفور بحبك /تصنع من نبض شوقي أوسع دلتا / أحبكَ أنتا.

هذا هو مسك الختام ويا لها من عاطفة نبيلة ويا له من همس منساب مع مد التاء، ولا يتحمل السمو هذا تعليق خشية ألا يُفسَد.. يا للراشاقة يالحسن الإبتداء ويا لروعة الكلم وجمال التصوير ورقة العزف..

لقد ابدع الشاعر سامي العامري وأود أن أوجه عناية الشعراء الجدد بل وحتى المتمرسين، كيف تكون العبارة الشعرية قد أنجزت مهمتها من حيث الطول والقصر وفق المعنى واللفظ لا وفق إرادة الشاعرة، هذه القصيدة قالت شاعرها، فهي واحدة من الدرر الفريدة المتقنة معنى ومبنى .. أختتم بتعليق على القصيدة حيث نشرت بموقع النور:

(بعد حذف المقتبس) الشاعر المبدع سامي العامري..ماذا أقول؟ أنت شاعر رائع، كيف استطعت أن تذيب هذه الحسناء هولندا في روحك وتخرج بهذه الأغنية الهولندية- العراقية التي لا نشاز في خلطتها! كيف ضعّفت هذا الفعل (شعشع) وجعلته هامسا؟ العامري يعزف تقسيمات ببراعة (صولو) مصحوبة بصور شعرية متتالية، بل قل هي موسيقى تصويرية ولا تخف! هولندا الحسناء " سقاها مضاعف الخير العميم" فأنببت عشباً أخضر وروت أبقاراً حسانا - زينة للناظرين - وأعطت جُبناً. رائحة الارض يضوع نشرها وإن غاب الخزامى (التوليب) لماذا أيها العامري الجميل؟ وحقك شممت نشره بين كلماتك الساحرة .. وقالت أحبك أنتا .. أحبك حيث العواطف شتى. واسلموا/خالد

 

رام كم هنغ 30 سبتمبر 2014

..................

هامش1 المعلومات عن الشاعر سامي العامري استقيتها من الحوارات التي قام بها كل من: الاستاذة الافاضل: عزيزة رحموني؛ والدكتورة فضيلة عرفات محمد، والاستاذ حمودي الكناني..

2 إن كاتب هذه المادة قد قام برحلة بسيارته صيف عام 1992 منطلقا من ستوكهولم الى يوتبوري عابرا البحر الى فريدريكسهامن الدنماركية ثم هامبرغ وبريمن والى هولندا عبر غروننغن حتى غرب فرنسا مونت سانت ميشيل في الاطلسي ورجع الى حيث انطلق عبر طريق آخر وقد طابت هولندا بمتاحفها وزهزرها ومهرجانات الأجبان وطعامها اللذيذ وسوائلها المنعشة الباردة! ولست بشاعر حتى أصفها كما وصفها العامري فابدع...

 

قراءة في نصّ: مدينة السّماء لمادونا عسكر

قال الحبيب واللّيل يرخي أهدابه على كتف الضّحى:

- " اكتبي أبداً عن الحبّ...

واخلقي من طين الحروف موسيقىً عذبة

وانفخي فيها من سحر الكلمة

ترانيم تُبشّر الكون بتجلّي الهوى...

حدّثي النّاس عن خفر العشق وخشوع الهيامْ،

وعلى وجه المياه ارسمي ألوان الصّبوِ

حتّى إذا ما استفاق العالم وخرج من عزلتهِ

تراءت له حمائم السّلامْ

تبشّر بانتهاء الطّوفانْ..."

**********

ومشينا في روضة غنّاء تشرف على مدينة السّماءْ

يصدح فيها صوت الحبيب فتخجل البلابل وتسكنُ...

يمرّ بحسنه على الرّوابي، يختال كالبرق الممزوج بالطلّ، فتخشع وتزهدُ...

من روحه ينساب نهر عظيمْ

يغمر الحضور ويصلّي آيات العشق، مزامير تعانق عبق الإلهْ...

قلت: - " دعنا نبقَ هنا،

نبني لنا بيتاً على ضفاف فجر لا ينتهي،

أسكنك وتسكنني،

وينتفي الوقت ويذوب الزّمانْ...

ها إنّنا على مشارف مدينة السّماءْ،

مدّ جناحيكَ

واحملني إلى فوقْ،

حيث الشّمس تلتحف رداءكَ

والقمر يتنسّم ضياءكَ..."

أغمض الحبيب عينيهْ

وأراق في قلبي لغته العذبة...

كلمات تقاطرت كالدّمع الخجولْ

تهيم بها الرّوحْ

ولا يدركها النّهى...

وبينما هو يتكلّمْ

رأيت الصّوت يورق على أغصان غابة نضيرة

وسمعت ملامح الحبيب تشرق في سماء المدينة...

 

•القراءة:

حين تستقر الكتابة في الممارسة الإبداعية، نتحدّث عن الأسلوب الخاص والسّمات الإبداعية المميزة للذات المبدعة، فنراها ونعرفها وإن لم نر لها اسما، لأن هويتها أصبحت أسلوبية..وتقترن الخصوصية أحيانا (أو غالبا) بسمات غرضية أو " تيميّة" تجعل المبدع في شبه " تخصص" أدبيّ من حيث الأسلوب والفكر..وهذا ما قد يثير حفيظة بعض المحبّين أو غير المحبّين، فيرمي المبدع بالتكرار والاجترار، ويدعوه إلى ترك السبيل المعهودة والضرب في أرض جديدة، وطرق أغراض لم يطرقها قبل..ولعل الشاعرة استشعرت هذا

"القلق" الجماليّ التقبّلي، فانبرت تنتصر لهويتها الأدبية والفكرية والروحية، متمسكة بنهجها الشعري وخصائص نصوصها، وبما إليه وبه ترمي وتقصد..

هكذا يمكن أن نفهم الأساس النظري البياني الذي قام عليه كل المعمار الشعري في هذا النص، ولعلنا واجدون ذلك مختزلا في قولها:

" اكتبي أبداً عن الحبّ..."

وإذا هي " الرّسولة " الشاعرة ينزل عليها وحي من السماء، وقد انتخبتها لتبني للسماء مدينة على الأرض أو لتصعد بالعالم إلى مدينة في السماء، عمادها الحب والشعر، ومهندستها الشاعرة وقد وهبت من القدرة ما به تأتي الخوارق من الأعمال بفضل"سحر البيان"..فإذا هي الخالقة :

"واخلقي من طين الحروف موسيقىً عذبة..."

ولسنا هنا بإزاء مجرد تضمين أو استلهام لقصة الخلق، بل إنّ في الصورة توسعا في معنى الخلق وانتشارا فيضيّا للفعل الإلهيّ الأول، وهو الذي كان قوليّا انبثاقيّا أصله ومصدره الكلمة نورا وحياة وحبّا..وما الفعل الشعري إذن إلا امتداد مقدّس لذاك الفعل القديم المتجدد الذي يتماهى فيه الله/الحب والإنسان/الشاعر في فعل تأسيسي كونيّ به الوجود يكون والشعر يكون..

ولا يخفى ما في القول الرّسالي من بعد يرقى به إلى رتبة التعاليم الروحية والبيانات الشعرية الراسمة لمعالم الممارسة الشعرية مفهوما ومحتوى وغائيات ومقاصد.. فتأتي الأفعال الطلبية جامعة بين التوجيه والإسناد والتأكيد والإظهار :

اخلقي..

انفخي..

حدّثي..

ارسمي..

فتتجلى الشاعرة خالقة ساحرة "رسولة " محدّثة مبشّرة بالعشق دينا سماويا أرضيا كونيا إلهيا إنسانيا يتماهى فيه السحر والدين والأسطورة والفن ..والشعر (على حدّ هيدغير) جوهر كل فن..وظيفته وصل الأرض بالسماء، واستنهاض الله النائم فينا ولا نراه، لأننا نوّم معزولون منعزلون في هذا العالم الواطئ الذي يغمره " الطّوفان " ويحتاج إلى سفينة العشق، من ركبها نجا، وأمسك بحبل السماء الذي تمدّه الشاعرة لمن اهتدى، ورأى معجزة المشي على الماء، تأسّيا بالسيرة اليسوعية، وحاجة الرسول إلى تثبيت قلوب مريديه وأحبته..

وكذا الشاعرة تبعث في " طين الحروف" الروح والموسيقى فتبشّر وتدعو إلى سبيل حبّها وتعلّم العالم كيف يعشق، فيعرف سبيل النجاة والسلام...

هكذا يتمحّض القسم الاوّل من هذ النص للبيانية الشعرية من حيث هي تذكير بالماهيات الغائبة عن الإدراك، وأهمها ماهية الإنسان والحب والفن والشعر، إلى جانب معنى الوجود ومنزلة الإنسان فيه وعلاقة الأرض بالسماء علاقة مكانية رامزة لما بين الإنسان والله من تواشج وتماه، في جوهر هو الحبّ..

وذاك هو مذهب شاعرتنا في الشعر والحياة، تعرضه علينا عرضا تصويريّا إيحائيا متضمنا من المعاني والمفاهيم ما هو جماع روافد متآلفة منسجمة مؤلفة لنسق خاص هو عنوان الهوية في تفرّدها وتميّزها...

وهذا البيان الشعري العشقي اختارت الشاعرة أن تعرضه في سياق إسنادي قولي ينزّل الحبيب منزلة المتكلم من علٍ في حركة خطابية تبشيرية تتنزل فيها الشاعرة منزلة الوسيط والرسولة التي يوحي إليها، ومنزلة العاشقة الشاعرة تقول: ذا مذهبي في الشعر والحبّ..

قال الحبيب واللّيل يرخي أهدابه على كتف الضّحى...

وكل هذا البيان جاء مكتسيا رداء العنوان..وفيه تنضاف المدينة إلى السماء، وبها تعرّف فتكون لها هوية غير هويتها الأرضية التاريخية المدنية الحديثة القائمة على أخلاق وقيم وقواعد عيش وتعايش، تنفصل بها المدينة كونا وضعيّا ينتج قواعد العيش والتعايش...حيث لا ينظر الناس إلى السماء ولا يعرفون الدروب إليها..فتعمد الشاعرة، وقد استشعرت الانفصال والانقطاع، إلى أن تكون بالقصيدة وبتجربتها الشعرية، الرائدة في الوصل بين ما يبدو ألا اتصال بينهما..وكان ذلك في القسم الأول بالصوت السماوي النازل الحامل رسالة الحب، لتكون الشاعرة "رسولة "الحب في الأرض لعلّ ناس المدينة يهجرون " مدينة الأرض" إلى" مدينة السماء" ويجدون سبيل العودة إلى المدينة الأمّ والأصل..وما هذا النص في بعد من أبعاده الأساسية إلا رحلة نجاة من الطوفان :

" تبشّر بانتهاء الطّوفانْ..."..

وهو طوفان ابن الفارض يشكو غربته وحنينه إلى مدينة السماء:

" فطوفانُ نوحٍ، عندَ نَوْحي، كأدْمَعي؛ وإيقادُ نيرانِ الخليلِ كلوعتي.."

وهي أيضا رحلة "معراج اتحاد " مركبها الكلمة /الحب الموهوبة لمن " جاوزت حدّ العشق" و"طابت بالهوى نفسا.." (ابن الفارض)

وبهذا التصوّر يمكن أن تقرأ القصيدة في حركات ثلاث:

1) حركة التّبشير بتجلّي الهوى

2) حركة العروج إلى مدينة السماء

3) حركة تجلّي السّرّ..

ولئن كانت الحركة الأولى خطابيّة في إطار دين الحبّ، فإن الحركتين الثانية والثالثة حدثيّة فإدراكيّة، تعرج فيهما روح الشاعرة العاشقة من الأرض إلى السماء...

وكل حركة من هذه الحركات الثلاث تقتضي استفاضة وتوسّعا، وتغري بالوقوف والـتّأمّل.. وحسبنا أنّ القسم الأول الذي وقفنا عنده، قد رسمت فيه معالم الطريق إلى الشعر والحبّ كما تراهما الشّاعرة وهي تأخذنا إلى جذورنا الأولى، في رحلة عجيبة مقدّسة لترينا من آيات الحبّ ما لا نراه ونحن مشدودون إلى جذور الأرض..

 

التّهيئة للّقاء .. قراءة في خاطرة للكاتب التّونسي أمير "الوسلاتي"

madona askarهذا النّص أراده كاتبه مفعماً بالقداسة والطّهر والنّقاء، ونراه يستخدم عبارات مرتبطة بالطّقوس الدّينيّة، ليس للدّلالة على طهارة المكان أو إضفاء طابع قدسيّ عليه أو تصويره لنا وكأنّه مكان غريب عن هذا العالم، وإنّما هي دلالة على طهارته الشّخصيّة على المستويين الفكري والرّوحي. فبقوله " دخلت الى المقهى على طهارة "، يشير إلى تهيئة نفسه وروحه وفكره قبل الدّخول إلى المكان. ويؤكّد هذه التّهيئة ما أشار إليه الكاتب في آخر النّص: " تركت بقعتي المقدسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان". فما يعني الكاتب، ليس قداسة المكان وإنّما رحاب ذاته الّذي اختاره ليكون طاهراً مقدّساً.

معروف أنّ المقهى هو مكان يجتمع فيه الكثير من النّاس على اختلاف مقاصدهم. فبعضهم يقصد المقهى بهدف التّسلية أو الاستراحة والبعض الآخر بهدف اللّقاء مع الأصدقاء أو الأحبّة، إلّا أنّ الكاتب اختاره للقاء ذاتيّ، داخليّ بينه وبين نفسه، على الرّغم من ذكره لشخصيّة آتية فيوحي لنا بلقاء عاديّ بين شخصين.

- " دخلت الى المقهى على طهارة، أدّيت مناسك حج في غير وقتها لأني استطعت السّبيل أخذت الثّواب ودفعت الأجر .. أجر النادل ومن ثمّ خرجت "...

إنّه الدّخول إلى ما يناقض الواقع، أو بمعنى أصحّ ولوج الكاتب في عالمه الخاص المختلف عن العالم الّذي يعيش فيه، فيؤدّي طقساً دينيّاً في غير وقته وكأنّي به يشذّ عن التّقليدي لأنّه يبتغي الأمثل والأكمل، ما تشير إليه بوضوح عبارة " أدّيت مناسك حج في غير وقتها لأني استطعت السّبيل". إنّ تأدية الطّقوس الدّينيّة تبتغي هدقاً معيّناً إلّا أن الكاتب وصل إلى مبتغاه فحافظ على الطّقس لكن في غير وقته ولعلّه أيضاً أراد هدفاً آخر، لأنّه نال الهدف الأساسيّ. وكما أنّ تأدية مناسك الحج غير مرتبطة بالزمان المطلوب أو المتعارف عليه، كذلك الثّواب الّذي ناله غير مرتبط بالأجر. فالثّواب الّذي أخذه، ثواب شخصيّ وحده الكاتب سعى إليه وناله، وأمّا الأجر فهو ببساطة ثمن مكوثه الطّبيعيّ في المقهى. وهنا يحاول الكاتب أن يشركنا في حالته بحذر حاجباً بعض الوضوح في تعبيره ولعلّه يريد بذلك جذب القارئ إلى التّأمّل والبحث في نفس الكاتب.

- " إلى المقهى، ستأتي ولو بعد حين... بدواوين شفاهية قديمة منعت من الحرق تزين شعرها بوهج ملحمات عن أوج رجل شرقي... دواوين وحرق وملحمات وشرق "..

انتظار ومجيئ أكيد لشخصيّة قد تكون غير معروفة بالنّسبة للقارئ لكنّها جليّة بالنّسبة للكاتب. وهذه الآتية، لم ترحل قطّ من تاريخ الكاتب بل هي حاضرة في ذهنه وقلبه وراسخة في مسيرته الإنسانيّة مع أنّها قد تكون غير حاضرة في واقعه. هي أشبه بتحفة يأبى التّاريخ أن تندثر ذكراها أو قوّة حضورها بل وهج تأثيرها عليه. ويختصر الكاتب وصف الآتية، ويلخّص مكنونها بشعرها الأسود: " خلاصة الحديث أنّ شعرها أسود.. الأسود الخام. وأني ما رأيت بعيني ندماً كعن عشق أغرتني به عين، فلم تخلق قطعاً أعين سوداء.. قطعاً ."هل يشير الكاتب في هذه الجملة إلى ندم الآتية أم إلى ندمه على غيابها؟ لعلّ الأمر ملتبس أو لعلّه ندم مشترك. فالآتية بنظر الكاتب ستأتي نادمة (ستأتي ولو بعد حين)، كما أنّه نادم على غيابها (وأني ما رأيت بعيني ندماً كعن عشق أغرتني به عين). والنّدم مرتبط بالعشق وكأنّه يقول أنّ العاشق فقط من حقّه أن يندم، أو أنّ النّدم يجوز في حالة عشق وليس في حالات أخرى. فكلّ أمر باء بالفشل يمكن تعويضه إلّا خالة العشق الّتي لا يمكن تعويضها.

- " وبما أنني من طينة محافظة ظللت أذكر مع كلّ طواف أنّ أيّ لون آخر في حضرتَيْ القبلة (قبلة الصلاة) والحب ما هو إلا إلحاد نفس. وهذا العرف فرض لا يقبل التنقيح سوى أنه كان تفسيراّ بسند صحيح أو تجويداً ممّا يدرس بظوابط متّفق عليها."

على الرّغم من النّدم، يبقي الكاتب على نظرته النّقيّة للآتية ولتاريخها، هذا ما يشرح تهيئته الذّاتيّة للطّهارة. فهذه الآتية لا تُذكر إلّا والكاتب في حالة من الطّهر والنّقاء. كما يفسّر طوباويّة هذا الحبّ الّذي يحتلّ مكاناً واسعاً في حياة الكاتب بل كلّ حياته فلا يحلّ محلّه أيّ أمر آخر. (ظللت أذكر مع كلّ طواف أنّ أيّ لون آخر في حضرتَيْ القبلة (قبلة الصلاة) والحب ما هو إلا إلحاد نفس.) والإلحاد هنا يشير إلى إقصاء كل ما يمكن أن يشوب هذا الحبّ الّذي يتأرجح بين الصّلاة والعشق.

- " أتت .. و مذ أتت وأنا أؤدي السبع نظرات تباعاً ."

غالباً ما يدلّ الرّقم سبعة على الكمال، وكأنّي بالكاتب قد وصل إلى غاية مبتغاه لما حضرت الآتية ودخل هذا الكمال ولن يخرج منه بعد الآن.

لكنّ الكاتب لم يدخل عمليّاً دائرة الكمال فالآتية ستغادره قبل حين وبقرار منه. " من المقهى، ستغادر قبل حين .. قبل أن أتمّ العدّ بنظرة غض بصر وخصلتين شرقيتين .. الحين مرتبط بقراراتي الآنيّة بين أن أنشغل بالكتابة الّتي لا تنتظر أحداّ وبين انتظاري لموعد غير مدبر بيننا على أمل أن تعينني الصفا على بلوغ المروة رغم أني رأيت المكانين - أو مهما كانت طبيعتهما الأصلية التي أقصد، المغايرة لطبيعة مكان - رأيتهما صدفة لكليهما طاولة منفردة" .وكأنّي بالكاتب حذر من هذا اللّقاء الدّاخليّ، يستحضره بكلّ فخامة وأبّهة وطهارة إلّا أنّه يقرّر في لحظة ما أن يتراجع. وهذه اللّحظة تأتي لحظة معاينة مكانين: "المقهى، وعالم الكاتب"، أي الواقع الحقيقيّ والواقع المراد أن يكون حقيقيّاً.

ويوضّح هذا المعنى الجملة التّالية: " الصراط بينهما غير مستقيم" لكن لن يغضب عليَ ولن أضلّ " ثمّ أنّ منسك الحج في ومن طاولتي، طاولة الصفا، ذهاب بلا عودة، اعتكاف بلا التفاف، فقط رشفة رشفة .." إلى أن يمتلئ الفنجان بخلوة ما، ربعه خالي، وعموماً الربع كلًه خالٍ في تلك الصحراء المقدسة. لن تقذف جمرات اليوم فأنا عازم على أن أكمل يومي طاهراً قدر المستطاع في ما يخص القذف و لن أطلب أرجيلة هذه المرة حفاظا على مظهري النّقي أمام الشّرق فيما يخص الجمرات .. و لن يرجم عمود الشيطان - أو مهما كان المكان - لن يرجم بالثلاث فمكانها المفضل بجانب العمود .. عمود المقهى "..

إنّ الواقع المراد بالنّسبة للكاتب، واقع طاهر يخلو من أيّة شائبة، أو ذكرة مؤلمة، فيتوقّف عن استحضار الآتية ويكتفي بما اختلى به مع نفسه محافظاً على طهارته الفكريّة والرّوحيّة والنّفسيّة دونما المساس بذكرى لعلّها كانت مفعمة بالحبّ والعشق ولم تعد كذلك.

- " تركت بقعتي المقدّسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان لأنّي لا أعلم لماذا أحسست بأنه حلق تماماً.. لم تتغير هيأة الأشعث .. أخذت الثّواب ودفعت الأجر .. أجر النادل و من ثم خرجت ...

يعود الكاتب من عالمه أو بمعنى أصحّ يخرج إلى الواقع الحقيقيّ. (تركت بقعتي المقدّسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان). وهذه العودة ليست سوى المثول أمام الذّات ومعاينة الفرق بين العالمين، وتحدّد المرآة هذا المعنى.

لقد نال الكاتب مراده من هذا اللّقاء أو هذا الاستحضار أو لنقل هذا الانتقال من واقع إلى آخر فيعود إلى واقعه الأصليّ والحقيقيّ يدفع أجرة مكوثه في المقهى ويخرج.

.....................

 

الخاطرة / أمير "الوسلاتي"

 

دخلت الى المقهى على طهارة، أدّيت مناسك حجّ في غير وقتها لأنّي استطعت السبيل. أخذت الثواب ودفعت الأجر.. أجر النّادل ومن ثمّ خرجت ...

إلى المقهى، ستأتي ولو بعد حين... بدواوين شفاهيّة قديمة منعت من الحرق تزيّن شعرها بوهج ملحمات عن أوج رجل شرقي... دواوين وحرق وملحمات وشرق.. خلاصة الحديث أن شعرها أسود.. الأسود الخام. وإنّي ما رأيت بعيني ندماّ كعن عشق أغرتني به عين، فلم تخلق قطعاّ أعين سوداء.. قطعاّ. و بما أنّني من طينة محافظة ظللت أذكر مع كلّ طواف أنّ أيّ لون آخر في حضرتَيْ القِبلة والحبّ ما هو إلّا إلحاد نفس وهذا العرف فرض لا يقبل التّنقيح سواء أكان تفسيراً بسند صحيح أو تجويداً مما يدرس بظوابط متفق عليها. أتت .. و مذ أتت وأنا أؤدي السّبع نظرات تباعاً .

من المقهى، ستغادر قبل حين ... قبل أن أتمّ العدّ بنظرة غض بصر وخصلتين شرقيتين .. الحين مرتبط بقراراتي الآنية بين أن أنشغل بالكتابة التي لا تنتظر أحداً وبين انتظاري لموعد غير مدبر بيننا على أمل أن تعينني الصفا على بلوغ المروة رغم أنّي رأيت المكانين - أو مهما كانت طبيعتهما الأصلية التي أقصد، المغايرة لطبيعة مكان - رأيتهما صدفة لكليهما طاولة منفردة . الصراط بينهما غير مستقيم " لكن لن يغضب عليَ ولن أضل " ثم إنّ منسك الحج في ومن طاولتي، طاولة الصّفا، ذهاب بلا عودة، اعتكاف بلا التفاف، فقط رشفة رشفة .. إلى أن يمتلئ الفنجان بخلوة ما، ربعه خالي، وعموماً الربع كلّه خالٍ في تلك الصحراء المقدسة. لن تقذف جمرات اليوم فأنا عازم على أن أكمل يومي طاهراً قدر المستطاع فيما يخص القذف ولن أطلب أرجيلة هذه المرة حفاظاً على مظهري النّقي أمام الشرق فيما يخص الجمرات .. و لن يرجم عمود الشيطان - أو مهما كان المكان - لن يرجم بالثلاث فمكانها المفضل بجانب العمود .. عمود المقهى .. سترجم فقط بنظراتي المؤمنة إلى أن تنتهي القهوة مع آخر المناسك فألحق إلى حلقي شربة من مياه زمزم، القارورة فقط تدعى زمزم أمّا المياه فيشبه طعمها طعم القارورة تعليباً .. تركت بقعتي المقدسة في المقهى واستبدلتها بركن نجس يحتضن مرآة لأتفقد شعري قبل رحيلي عن المكان لأني لا أعلم لماذا أحسست بأنه حلق تماماً.. لم تتغير هيأة الأشعث .. أخذت الثواب ودفعت الأجر .. أجر النادل و من ثم خرجت ...

 

القصة القصيرة في الصحافة العربية

amir hushamما زال العديد من وسائل الأعلام المقروء يهتم بنشر القصة القصيرة وأخبارها وإصداراتها الجديدة. وإذا كان هناك بعض الخفوت أو التروي في نشر نتاجات الكتّاب عبر العالم في القصة القصيرة فذلك لأن فعل السرد الروائي الغزير يحتاج الى المتابعة والرصد الدقيق، خاصة وان هناك اليوم العديد من جوائز الأدب مخصصّة للرواية في أنحاء العالم ومنها عالمنا العربي بطبيعة الحال.

وقد بدأت الصحافة العربية إبداء أهتمام واضح بنشر القصة القصيرة وهو الفعل الذي يجب تشجيعه لما للجريدة اليومية الورقية أو عبر موقعها عبر الشبكة العنكبوتية من تأثير على القاريء. وهنا أذكر بالذات جهد القسم الثقافي في جريدة الحياة الصادرة في لندن في نشر القصة القصيرة الأسبوعية ولأكثر من كاتب واحد أحيانا مما يحقق التواصل المطلوب بين القاص والقاريء عبر قصة قصيرة واحدة لكاتب أو كاتبة بدل أن يتعرف القاريء على كاتب من خلال مجموعته القصصية فقط مما قد لا يكون متاحا.

وقد قرأت خلال مدة ما يقرب من أربعة أسابيع أمتدت بين منتصف شهر آب/ أغسطس الماضي ومنتصف شهر أيلول/ سبتمبر سبع قصص قصيرة لكتّاب وكاتبات من أجيال مختلفة، وقد وجدت أن في القصص المنشورة من جميل السرد ما يستوجب الأنتباه أليه والتعريف به. كما أن القصة القصيرة المنشورة في صحيفة يومية لابد من أن تكون مواكبة لحدث معاصر يصير القاريء في لاوعيه جزءا منه من خلال فعل القراءة نفسه، وهذا ما وجدته من خلال قراءتي هذه للقصص المشار أليها.

 

قصة " السيطرة على الأيقاع" للقاصة أسماء ياسين:

يهتم السرد في هذه القصة بموضوعة النفي والهجرة أو النزوح عن الأرض الأولى. وكل ذلك بما يعطي الأنطباع عن غربة الشخصية في القصة عن واقعها المعاش الحالي، لتذهب القاصة وعبر المونولوج أو الحوار الذاتي والتأمل عبر الصمت والمشاهدة، تذهب في التفسير والأستنتاج بشكل مكثف مركز. وكما تريد أن تقول عتبة العنوان حول الأيقاع، يجد القاريء وهو يضع نفسه مكان ضمير الغائب الذي كتبت به القاصة أسماء قصتها، أمام العديد من الإيقاعات والتي أذا أنصت القاريء لوقعها فقد يسمعها كما أرادت القصة..! ومن ذلك أيقاع دق عكاز الرجل العجوز (شخصية القصة الوحيدة) وأيقاع رمي الحجارة في البئر وأيقاع الموسيقى التي يحبها وتراتيل الكنيسة وأيقاعات صدى صراخه هو. فكل ذلك أضافة الى صورة سيميائية معبرة كما في العشب الأصفر الذابل أو القهوة الصباحية أو المكعبات الزرقاء في السجادة التراثية، أنما يوظّف بشكل موجز ليخدم هدف القصة في تكسير حواجز غربة النفس والروح.

 

قصة "بقي الصباح لي" للقاص فؤاد قنديل

تتناول القصة بتكثيف وإيجاز مشكلة الفقد والخسارة من خلال الموت عبر حادث سيارة.. فهو ضمير المتكلم الرجل عند القاص قنديل والذي فقد زوجته بعد أن سحقت سيارتها الفارهة الجديدة مقطورةٌ أسطورية على طريق سانت كاترين.. فهذا هو مكان الحادث أذن والذي نتج عنه الفقد، وطلب سعر السيارة من قبل الدائنين الذين لا يعرفون الرحمة، فتم الحجز على ممتلكات الرجل والذي هو نفسه عانى من كسر ساقه التي حشيت بالمسامير.. وهنا تقرأ عن تعامل المثقف مع موضوعة الموت والخسارات، فهو التعامل الحضاري اذا جاز التعبير، والتعامل العقلاني الذي يخطط لصباحات جميلة في المستقبل رغم خسارته المفاجئة حاضرا..وها هو القاريء يعرفُ ان الرجل في القصة فنان يحب الأوبرا والكتب وأسطوانات الموسيقى العالمية والعربية ، أضافة الى حبه للطيور ولببغائه الذي ظلّ يصرخ . فعبر العلاقات بين هذا الأنسان المكلوم والحيوان الأليف (يملك قطة أيضاً) وعبر العلاقة مع الكتاب وأجهزة الموسيقى يتعمق الشعور بالحزن الذي رغم الأستسلام له ولكنه أدى بالرجل الى الأبتسام.. حيث ما زال مصرا على لبس أزهى الثياب ووضع العطر والتمشي وحيدا على الكورنيش، راقصا مثل زوربا حتى الشروق..

 

قصة لعنة " الآي آي" للقاصة سعاد سليمان

تدور القصة في قاعة أنتظار المرضى في معهد أورام السرطان في مصر وكيف أن شخصية المرأة المتحدثة بضمير المتكلم يتراءى لها الرجل المريض بالسرطان وكأنه أبيها أو أحد أعمامها، حيث في ملامح وجهه المنحوتة شبها وأي شبه. وإذا كان مرض السرطان يسبب فقدان وزن الجسم مثلا إلاّ أن قصتنا هذه ركزّت على موضوعة الألم ومتانة الآهات الصادرة من صدر ضاق بما وسعه من ألم. وعليه جاءت عتبة القصة تناصا مع ألم وصفه القاص الكبير يوسف أدريس في قصته المعروفة " لغة الآي آي" والتي وصف فيها ألم حصاة الكلى وهو الكاتب الطبيب. وإذا كنت لم أجد مبررا لزج حضور الصديقة العراقية التي لعب السرطان بأعضائها هنا في القصة المكثفة، إلاّ أن نهاية القصة بحوار الذات القاسي عن طبيعة الذكريات التي تربطها بالرجل المصاب بالسرطان، لها ما يبررها في بناء الحال النفسي لمن فقدت أقرب أقربائها بسبب سرطانات أنتشرت في أجسام ناس أمتلأت بهم معاهد الأورام العربية.

 

قصة وظيفة خالية للقاص خالد عاشور:

تكشف هذه القصة بجلاء عن مشاكل الشباب العربي معتمدة السرد السريع بضمير المخاطب وكأني بالقاص يخاطب جموع الناس ليعلمها بجلال الخطب. أما البداية الصادمة ب " مات صديقي.." فهي تجيء لتجذب القرّاء خاصة وانه مات بعد أن دهسته فتاة عشرينية تدّعي أنها خطيبته..!. تحاول القصة مرة واحدة ومن خلال قصة شاب بعمر ال ٣٥ عاما يبحث عن وظيفة تؤمن له مستقبله كشف الفساد الذي ينخر في الجسد العربي ونموذجه المصري في حالة القصة هذه بالذات. ومن نماذج الفساد:

١. الكذب والخلل العاطفي وزيف العلاقات الأجتماعية.

٢. الفساد العلمي من خلال سرقة البحوث العلمية في الجامعات وأتهامات الأساتذة بعضهم للبعض الآخر.

٣. ظاهرة البطالة بين الشباب المتعلم والإعلام الذي يتجاهل الحقائق حيث يشير مانشيت الجريدة الى تقلص نسبة البطالة في مصر عكسا للحقائق المعروفة من قبل الجميع.

٤. حاول القاص عاشور أن يردد شعارات خاصة بشخصية قصته ويضعها بين قوسين تحديدا وتحديا.. ومن ذلك " كن فاسدا تحيا أفضل، فالبقاء للأفسد.." و " أن الذين هلكوا بأيدي الأصدقاء أضعاف الذين هلكوا بأيدي الأعداء"..

 

قصة ورد للقاصة كارولين كامل وقصة طائرتان في عش للقاص محمد أبراهيم طه:

وما وضعي لهاتين القصتين في عنوان واحد إلاّ للإيحاء بأن القصتين إنما تعالجان موضوعا متشابها واحدا ألا وهو موضوع

المرأة في حالتها الأجتماعية وهي مطلقة في قصة ورد أو متزوجة من رجل بعمر أبيها في حالة " طائران في عش". ولعل دندنة هبة وتنهدها بأغنية يا ورد من يشتريك وعشق طفلتها لهذه الأغنية هو مفتتح ناجح لقصة عن معاناة أم موظفة في دائرة حكومية، تعيش وحدها مع طفلتها. وهي الأم التي تعشق أيضاً الموسيقى الصوفية وتنظر لطفلتها على أنها صديقة لها بعمر الأربع سنوات. وهي الأم الفنانة التي تزداد تحديا لظروفها الصعبة لتصبح أكثر إبداعا من خلال أنجازها للوحات جديدة كمعادل موضوعي لإنجازات في الحياة جديدة تتمنى أن تقلّدها فيها طفلتها ذات الأصوات الطفولية الرائعة ولكنها نصف مشروخة.!. ومن جانب آخر راح القاص محمد ابراهيم طه وعبر أستخدامه لضمير المتكلم يقص لقارئه عن علياء التي تنام حتى وقت متأخر والتي ينظر أليها كطفلة أكثر منها زوجة وهو الشخصية الكبيرة عمرا والذي يظلّ بعد سبع سنوات من الزواج من علياء مكتشفا لوجهها الآخر فيشعر بنغزة ألم في القلب. ويستدرج القاص قراءه بصور سيميائية تعبر عن حالات الكآبة والنهاية الحزينة المتوقعة في هذه الحالة حيث الغياب المفاجئ للشمس في الظهيرة وتراكم السحب والذي يقابله من جانب آخر غياب محمد أبن العمة المريض والذي يرقد في الطابق الخامس في معهد ناصر بالتحديد المكاني الذي قصد أليه الكاتب.

 

قصة سميراميس للقاص شعبان ناجي

حاول القاص في "سميراميس" وعبر أستخدامه لتقنية الحلم ونهوض الشخصية مفزوعا من نومه وعبر تناول سرده بإستخدام ضمير المتكلم، أن يدين الغنى الفاحش المفاجيء وأسلوب المعيشة الرغيد الذي تحوّل في طرفة عين الى جهنم حمراء. ومن خلال الكوابيس والأساطير التي توحي القصة بتحولها الى واقع يروي القاص ناجي بلغة سهلة الفهم واضحة كيف ان بيت الحزينة - دائماً وأبدا- عليه طينه.

وهنا لابد لي من أن أشير الى أهمية إيلاء فن القصة القصيرة والقصيرة جدا الرعاية الواجبة ومحاولة تعريف القرّاء العرب بكل ما هو جديد مبدع من أصول هذا الفن الذي يواصل التجدد والإبتكار والإدهاش دائماً.

اطلالة على العالم القصصي للقاص المغربي عبده حقي

nabe  odaماماغولا

الكترونية مجموعة قصصية

للقاص المغربي عبده حقي

"رب صدفة خير من الف ميعاد"..

تلقيت رسالة من القاص المغربي عبده حقي للمشاركة في ملفّ حول دور النخب العربية، ولم تكن لي سابق معرفة به، او بالمجلة التي يحررها "مجلة اتحاد كتاب الانترنت المغاربية" ففوجئت مرتين، اولا بالتعرف الى اديب، والتعرف الى مجلة تعكس الواقع الثقافي المغاربي، الذي للأسف علاقتنا به ليست على نفس مستوى علاقتنا مع أدب المشرق العربي. بعد تبادل بعض الأحاديث الإنترنيتية العادية عرّفني عبده حقي بمجموعة قصصية الكترونية اصدرتها له المجلة.

قرأت المجموعة مرتين لأسباب عديدة، اهمها اني وجدت نفسي أمام أسلوب جديد في السرد القصصي، تغيب فيه الشخصيات الملموسة،او تتداخل مع المكان، تتصارع فيه الأفكار، اللغة تلعب دورا دراميا، ربما يصح القول ان اللغة هي البطل في الأسلوب السردي للمجموعة القصصية "ماما غولا".

لست ناقدا بالمفاهيم النقدية الأكاديمية، انا ناقد ذوقي ولو خيرت لوصفت كتابتي بالكتابة الثقافية وليس النقدية. ما لمسته هنا هو الترابط السردي بين الأحاسيس، الانطباعات والرؤية الذاتية للكاتب من جهة، وبين رسالة يحاول ان يوصلها بأسلوب حداثي في الصياغة الى القارئ لكني اعتقد ان هذا اللون السردي يحاج الى قارئ واسع الثقافة، ممتد الخيال، ليتابع المونولوج السردي. او اللعبة اللغوية التي تداخلت فيها حركات عديدة، هو حقا مونولوج سردي تغيب منه الشخصيات المجسمة كما اعتدنا في الكتابة القصصية التقليدية.. البطل كما لمست هي اللغة اولا، وهل من قيمة لأي نص مفكك اللغة؟ البطل الثاني يتغير، مرة المكان المتداخل بالزمان بخلطة لم اجد مثلها لدى كاتب آخر، مرة الرؤية الحسية، مرة الأسطورة، مرة الفكرة التي تبحث عن تفسير او تسجل رؤية حياتية... لكنها ليست نصوصا مجردة من الانسان، رغم غياب الشخص الشكلي في معظم السرد.

ان الملامح الانسانية تنعكس بإطار فكري وليس تجسيدي. الكاتب لاعب وحيد، يضبط المكان والزمان داخل رؤية فكرية او فلسفية، ربما هي حداثة لم نعتادها بعد في نصوصنا القصصية، مما يجعل القراءة صعبة بعض الشيء لكن اللغة المتدفقة لعبدة حقي، البطل الحقيقي في نصوص المجموعة، تسهل على الكاتب ان يُبقي كل خيوط اللعبة القصصية بيديه، كأني به يعامل القارئ كما في مسرح الدمى، يملي عليه الحركات، يملي عليه الأفكار. اقرأوا مطلع اول قصة: "ضاق الدرب على الرؤية... حتى الدرب شاخ وغارت تجاعيده على الحيطان.. الزمن طعن فيه.. وهم طعنوا في السن او طعن فيهم.. فلا احد يدري من طعن في الآخر.." هذا المقطع يفسر الرؤية السردية لقصص المجموعة. البطل ليس مجسدا بشخص ربما بزمن ربما بفكرة، ربما بتفاعل تاريخي. صحيح ان ما يرتسم في الذهن هم الطاعنون في السن، لكني المس هنا نقدا اجتماعيا أيضا، نقدا عن غياب حركة التطوير.. وليفهما كل منا كما يشاء". "ضاق الدرب عن الرؤية" و "الزمن طعن فيه وهم طعنوا في السن"...

هل هذا وصف لحالتنا الاجتماعية في العالم العربي؟ لا شيء يتغير.. لا الدرب المتهالك ولا الانسان المستسلم للعجز. هي كتابه أشبه برحلة يجلس فيها الكاتب مراقبا ومسجلا لمشاهدات ما تمليه الحياة علينا، على المكان وعلى الزمان. ولكنه ليس كاتبا حياديا، انما يقول رأيه (او نقده) بأسلوب يبتعد عن المباشرة، المباشرة قد تعيش ليوم ليومين اما النص السردي الفكري القصصي فيعيش ما دام الدرب يزداد ضيقا...

في قصة ماما غولا التي تحمل المجموعة اسمها، يصور شخصية اسطورية، هل هي شخصية بشرية، ام وحش اسطوري؟ يترك للقارئ ان يستنتج.. بمعنى آخر يحث القارئ ان يفكر. بدون تفكير لا حقيقة، بدون تفكير نبقى ضحية للأسطورة او لواقع مرعب مع شخصية كانيبالية، بشر مثلنا كما يقول في نهاية سرد مثير، لكنها وحش آدمي كما يفترض ان نستنتج من النص. ماما غولا قصة آسرة.. عبده حقي يثبت هنا ان الفن القصصي يحتاج الى قارئ مفكر وليس قارئ نصف نائم.

هذه القصص أعادتني الى مقال نشرته قبل فترة تحت عنوان "القصة كمادة فكرية" قلت فيه عن مثل هذا اللون القصصي المتمثل بطرح فكرة فلسفية او رؤية فلسفية، كجوهر للقصة، انها نصوص تخاطب قارئاً من نوع جديد، قارئاً بمستوى ثقافي ومعرفي ما فوق المتوسط على الأقل، يقرأ القصة بذهن يقظ كما يقرأ، الى حد ما... موضوعاً فكرياً، وقلت ان السؤال الذي يشغلني بدون إجابة كاملة حتى اليوم: هل يختزل ذلك فن القصّ ام يرقى به الى مستوى جديد؟ نفس السؤال فرض نفسه بعد ان قرأت مجموعة ماما غولا!!

ليس من السهل إعطاء إجابة قاطعة. ما استطيع ان أقوله ان عبده حقي يقوم هنا بمغامرة سردية، اعرف ان القارئ ليس جاهزا لهان هذا على الأقل استنتاجي من الواقع الثقافي الذي أعيشه، من تجربتي، بنفس الوقت هناك قراء للأسف هم أقلية، تشكل القصة بالنسبة لهم عالما فكريا، وهي أكثر متعة من مجرد سرد قصصي تقليدي.

 

ملاحظة:

اعترف ان بعض النصوص استعصت علي وظلّت مغلقة امامي.. مثل الدرب التي تضيق عن الرؤية... ولكني لاحظت ايضا الرسالة التربوية التي تملأ عالم عبده حقي حين أشار باحدى قصصه الى كتاب "قصيدة تربوية"، للمربي السوفييتي الكبير انطوان ماكارنكو والتي قراتها قبل اربعة او خمسة عقود وأعدت قراءة الكتاب مرات عديدة عبر السنين.. وأجبرت عشرات الزملاء الناشطين في السياسة والتربية والتعليم على قراءة الكتاب (صدر بثلاثة أجزاء كما أذكر) فسحرهم الكتاب والتجربة التربوية لمؤلفه...

اجل عزيزي كم يحتاج مجتمعنا الى مئات أمثال ماكارنكو... في جميع مجالات الحياة.

الادب المغربي وشِبْاك الاضواء الفرنسية .. ليلة القدر رواية بمواصفات الغونكور

ibtesam yousifaltahirمعظم ما يصلنا من المنتج الادبي المغربي هو ما ترجم عن الفرنسية فالكثير من كتابهم يكتبون باللغة الفرنسية. منها رواية ليلة القدر او الليلة المقدسة حسب ترجمة العنوان الحرفية عن الفرنسية، للطاهر بن جلون الذي يرفض الكتابة او الحديث باللغة العربية.

الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية رأى النور في عهد الحماية الفرنسية، وهو ما جعل مسألة الهوية تشكل واحدة من مكونات النسيج القصصي للرواية المغربية والمغاربية ككل. فهذا الجنس الأدبي شهد بعد نصف قرن من الاستقلال، تطورات وتغيرات عديدة. الناقد المغربي عبد الله بيضة، يقول في أن الأدب المغربي المكتوب باللغة الفرنسية أصبح حاليا يلامس قضايا كونية مع التشبث في الوقت ذاته بالجذور المغربية.

وبالنسبة للجيل الأول من الكتاب المغاربة "إدريس شرايبي وأحمد الصفريوي ومولود معمري" وحسب الناقد بيضة أن نتاجهم كان بشكل عام رد فعل تجاه الاستعمار واتخاذ موقف سواء إزاء الثقافة الغربية، خشية الوقوع في براثن الاستلاب. أو حيال ثقافة المنشأ تحت طائل التحجر. بل وذهب بعض الكتاب إلى حد إعلان القطيعة مع الأدب بلغة موليير بتهليلهم للقومية العربية.

لكن في الوقت الراهن، تغيرت الرؤى والمتطلبات الاجتماعية والثقافية فصار ثمة تنامي لأدب جمع بين هاتين الثقافتين واللغتين لرسم جمالية متأصلة ارتبطت بأعمال ملتزمة غداة الاستقلال، مثل كتابات عبد اللطيف اللعبي والطاهر بن جلون وعبد الكبير الخطيبي. لكن هذا الجيل تحول في أواخر السبعينيات من القرن الماضي نحو التجارب الفردية، فالكاتب لم يعد يعتبر نفسه كمتحدث باسم الشعب. فظهرت كتابات عديدة تتعرض للتجربة الشخصية او السيرة الذاتية للكاتب او تجارب حياتية بأسلوب سردي فيه شفافية بلاغية احيانا او مبالغة باختيار المصطلحات العربية المفعمة بالإنشاء او الرمزية. حسب ما يراه القارئ.

والنقد يلعب دور في تسليط الضوء على العمل الابداعي. لكنه كما هو الحال في معظم البلدان العربية حركة النقد بعيدة عن الموضوعية والمنهجية. فحسب الناقد المغربي خالد زكري "النقد الممارس تحضر فيه الزبونية والزمالة. فالحديث عن النصوص في كل الجرائد الناطقة بالعربية، إما أن تمجد أو تذم. لا تقدم قراءات موضوعية من وجهة نظر جمالية أو أدبية... وهناك تجاهل لبعض الاقلام مثل (محمد لفتح) هو مثال عن الحيف الممارس على الكتاب الذين لا يدخلون في حسابات خارج الأدب. فقد صدرت له رواية "آنسات نوديا" في سنة (1992) ولم تتحدث عنها الجرائد في المغرب كأن الكتاب لم يصدر. مع انها رواية من أهم ما كُتِب باللغة الفرنسية لمغربي في التسعينيات. فهناك خلط بين العلاقة مع الكاتب كشخص اجتماعي، وبين النص الأدبي ككتاب له حياة مستقل".

فمعظم الكتاب يجهلهم القراء للأسباب التي ذُكرت عن النقد أو لأنهم لم يغامروا في كتابتهم والدخول في نفق المحرمات التي تستهوي فضول القارئ العادي. والاهم تستهوي الغرب الذي يسارع لتسليط الاضواء على كل ما يعري المجتمع المحافظ التي لازالت تحكمه تابوات التحريم. فالكثير من الذين يكتبون الرواية باللغة الفرنسية بالغ بعضهم في الحديث عن الجنس والشذوذ الجنسي وبشكل صادم! أو الحط من القيم الاجتماعية والدينية التي تعتبر من المقدسات لدى عموم الناس في تلك البلدان. ليستقطب اهتمام الاخر ويصير محط اهتمام وجوائز وترجمات.. وبعدها يبدأ اهتمام مواطنيه بالمنتج ذاك خاصة اذا تعرض للمنع كما حصل لرواية محمد شكري. فبالرغم من كتابة روايته او سيرته الذاتية في السبعينات لكنها أثارت ضجة في الأوساط الثقافية المغربية بعد نشرها بالعربية عام 1982. "كان هناك إجماع على منعها في المغرب وفي عدد من الدول العربية، وهذا ما أعطى قيمة كبيرة للسيرة الذاتية الروائية" كما يقول صديق محمد شكري عبد اللطيف بن يحيى في احدى المواقع الالكترونية. فالمنع كان بمثابة دعاية للعمل واستثارة فضول القارئ. بالرغم من استنكاره حتى من قبل عائلة الكاتب فأخته مليكة قالت "إننا نرفضُ رواية "الخبز الحافي" لما ورد فيها من مشاهد جنسية صادمة، وكذلك لتطرقها إلى علاقة الأب مع الأسرة التي كان يطبعها العنف".

 

ربما هذا احد الاسباب التي جعلت الكثير من الكتاب في المغرب العربي يركزون على الجنس بطريقة فاضحة تطغي احيانا على جمالية لغة السرد الشاعرية. مما يقلل من قيمة العمل الفنية. لعدم ترك مساحة للخيال لدى القارئ. اضافة الى اقحامها في بعض المشاهد. فالقارئ الواعي المهتم بالأدب يجد بعض من تلك المشاهد لو حذفت من الرواية لما اثر على تسلسلها الدرامي والأدبي. الا اذا صنفت في خانة الكتب التجارية الجنسية الرخيصة التي لا تحوي على قصة او فلسفة.

فالكاتب الذي تنأى عنه اضواء (الافرنجي) نادرا ما يحظى باهتمام النقاد او الاوساط الادبية من ابناء جلدته! والغرب كما قلنا يهتم بمن يتعرض عمله للمحرمات لاسيما الدين والجنس. ولمن لا يتطرق للغرب المستعمر قديما وما خلفه من جهل ولا المدمر الحالي ودفعه لمعظم الشعوب الفقيرة لهاوية التطرف الديني.

فالشاعرة وداد بنموسى لا تجد حرجا في الاعتراف إن ما تكتبه عن الجنس هو نتيجة تجربة ذاتية: "التجربة الشخصية هي التي تغذي أي كتابة وأن المصدر الحقيقي لها هو الذات" حسب ما كتبته ريم نجمي. الشاعرة هنا تلغي عنصر الخيال لدى الكتاب والشعراء فبعض الكتاب يكتب عن تجارب لم تخرج من ادراج الامنيات المغلقة. فالشاعرة أحلام مستغانمي تقول: أن الكاتب لا يكتب بالضرورة عن الحب انطلاقا من تجربة شخصية، وإنما يكتب انطلاقا من ذاكرة الحب.

وأكثر من تعرض للهجوم والنقد اللاذع هو الطاهر بن جلون. فالناقد د.عبد الله الشارف يقول عنه: "لا تكاد تخلو رواية واحدة للكاتب الطاهر بن جلون من الصور والمشاهد الجنسية، أو الكلام الفاحش، لدرجة تحس معها إما أن الكاتب في طفولته مر بأحداث اجتماعية ونفسية سببت ثورته على القيم الاجتماعية والتقاليد والأعراف. أو أنه بعد اطلاعه على الأدب الفرنسي المكشوف والخليع استهواه ووقع في أسره".

ففي روايته (ليلة القدر) التي كتبها بن جلون لإدانة العنف ضد المرأة وضد ظاهرة كره الاناث للحد التنكر لإنثوية بعضهن وإجبارهن على التشبه بالرجال. فيها مشاهد صريحة للجنس. لكنه كتبها بلغة شاعرية مفعمة بالخيال والسريالية وتماهي الحلم بالواقع. فيها فلسفة الكاتب عن الحياة والدين والجنس. "يجب ان يعاش الدين في صمت وتأمل وليس في جلبة تكدر صفو الملائكة". لغة الشخوص على اختلاف ثقافاتها وخلفياتها الاجتماعية كانت لغة موحدة هي لغة الكاتب نفسه. فبطلة الراوية، المسلوبة الانوثة والمتحررة توا من سجن قناع رجل فرضه ابوها ليتباها بأبنه الوحيد وليحرم اخاه الجشع من الميراث. "لا اعلم بأن ذاكرة مملوءة بأنواع الصمت والنظرات المتقطعة يمكن ان تصير كيسا من الرمل يعسر معه السير"ص5

فازت الرواية بجائزة (الغونكور) الأدبية وهو أول كتاب عربي، يفوز بهذه الجائزة ذات الشهرة العالمية، فهي تجلب الشهرة والكسب المادي للفائز، فقد بيع من رواية(ليلة القدر) بعد أسبوعين فقط من صدورها،271000 نسخة.

لكن الكاتب المغربي أحمد عبد السلام البقالي انتقد الجائزة والكاتب "حافظت جميع الأكاديميات المشرفة على منح جائزة (الغونكور) على وصية الكاتب الراحل (أدمون دوغونكور) بمنح الجائزة لمن يسير على خطاه. فلجنة الجائزة غير حرة في اختيار العمل الإبداعي. بل هي مشروطة ومقيدة بقيود فرضتها عقلية من القرن الماضي لتخليد أسلوب تدقيقي وتفصيلي وتطريزي تجاوزه العصر الحديث، عصر السرعة والثراء الإعلامي.. والطاهر بن جلون يدرك كل هذا، ورغبة الفرنسيين في الإبقاء على جذوة لغتهم وحضارتهم مشتعلة في دول المغرب العربي الذي أوشك على الإفلات منهم ثقافيا، كما أفلت سياسيا. فأدخل الكاتب كل هذه المعطيات في حسابه للفوز(بالغونكور)".

فالبقالي يعتبر الكاتب فصّلَ الرواية وفق شروط الجائزة ليتمكن من الفوز بها ابتداءا من أسلوب (الغونكور) المغرق في الوصف. الى تقسيم الرواية في اثنين وعشرين فصلا معنونا تماما كما أوصى بذلك (أدمون غونكور). ويعلل رفضه للرواية ايضا "لأنها لم تعجب السواد الأعظم من المغاربة، بل والعرب والمسلمين، فهي مكتوبة ومحبوكة بعقل ميكافيللي يؤمن بأن (الغاية تبرر الوسيلة). والغاية هنا هي الحصول على الجائزة بأي ثمن".

 

..................

1- شبكة الاعلام العربية

2- مجلة دعوة الحق

         

جدلية السياسة والأدب في تناقض الشخصية العربية .. سلوى النعيمي نموذجا (1)

mohamad talatالجدلية العقيمة التي غالبا ما تصاحب أي عمل أدبي خارج عن المألوف على مستوى اللغة والمعالجة الإنسانية والطرح الفكري المتضمن في اللوحة السردية الروائية. أمر ينم على انحدار وتدني منظومة القيم والحرية في تناول النص سواء على مستوى الفكر أو الإبداع الفني من قبل أنصاف النقاد والمعترضين على النص وعلى المبدع نفسه، ويتوج هذا الهجوم بمصادرة العمل الفني ومحاصرته بـ"التابو المقدس"، ولعل أقوى نموذج للرواية المصادرة رواية" برهان العسل" لـ "سلوى النعيمي"، التي أزعجت الرب في سمائه والأخلاقيين في أخلاقياتهم وكأنها حرضت على المساس بالأمن الاجتماعي، لتناولها موضعين غاية في الخطورة من وجهة نظرهم " خرق تابو اللغة العربية" و" خرق تابو المجتمع الجنسي" حيث تناولت النعيمي في شخصيتها الرئيسية بنصها الروائي "برهان العسل" بعض المفردات الحيوية المهجورة من اللغة الرسمية تلك اللغة المتبرقعة بالحجاب والنقاب، وكأن هذه المفردات عورة لغوية لا يصح استخدامها في إطارها الفصيح المعترف به في القواميس والمعاجم العربية. فضلا عن إنطاق النعيمي ما لا ينطق في نصها على لسان البطلة التى تسرد بعض مشاعرها الجنسية كامرأة عربية مكبوتة بعالم له قيوده الظاهرية وحريته في الخفاء. فأزمة البطلة هنا تعكس أزمة اللغة، وبالتالي تعكس أزمة المفردات المحرمة التى تعكس أيضا أزمة بوح مشاعر الأنثى العربية.

إن الازدوجية المجتمعية التي فضحتها اللغة في "برهان العسل" والتى تؤكد عوار الحالتين التي يعيشها العربي في استخدامه للغة بين ما يقال في العلن وأمام حفل من الناس وما يقال في الخفاء، وبين زمرة من الندماء والخلان. بين ما يقال في أدب واستحياء وبين ما يقال في فجور. ولعل المفردات الجنسية التى وصمت بعار الشهوة وحصارها في قوالب وحالات معينة تقال فيها سواء بقصد الإثارة أو بقصد السب. هنا أعطت تقاليد عوار المجتمع مع لغته في تدرجها بين المستويات الفصحى والعامية واللهجات حالة من السلطة والتجبر التى تتسم بالازدوجية في استخدام نفس المفردة في العلن أو الخاص، فضلا عن الفعل وممارسته ما بين النور والعتمة. كل هذا جعل قيم وأخلاق الشخصية العربية متناقضة ومتفاوتة التفسيرات لممارسة الفعل وفقا للمقام سواء في العلن أو الخفاء واستغفال الأخرين، فتقول الساردة" ما كنت أمشي معه في الشارع العام، وما كان يمشي إلى جانبي، من دون أن يضع يده على مؤخرتي، يتحسسها من فوق الثياب أو على اللحم مباشرة. أصرخ مبتعدة عنه: مجنون، نحن في الشارع العام. قد يرانا الناس! كنت جبانة، وحريتي الجنسية العملية لا تعبر عن نفسها إلا بعيدا عن عيون الآخرين. كان يقول: تلفتين نظر الناس عندما تبتعدين عني. إنهم لا يَرَوْن شيئا. لا أحد ينظر إلينا لو تابعتِ السير بهدوء. يرد عليَّ وعلى استهجاني، وهو يعيد يده إليَّ، إلى مؤخرتي، وأنا أشهق رغما عني، والتصق به، وأنسى العيون الغريبة. صار يبحث عن باب أول عمارة نمر قربها كي يجذبني إلى داخلها، ويقبل شفتي، ويمص لساني، ويتحسس صدري. بداية كنت مضطربة، وبمرور الوقت تعودت، وصرت أمشي إلى جانبه، وعيناي تبحثان معه عن أي مكان يمكنني فيه أن أقبّله وأمص لسانه وأتحسس جسده" ص 34. هذا الفعل الذي استهجنته البطلة ( في البداية) ابنة مورثات تشويه الأخلاق والقيم وعدم ممارسته في جمالياته على أرض الواقع.

توتر ممارسة القيم والأخلاق واختلاف مفاهيمها حسب تعاطيها تحت الشمس أو في الغرف المغلقة أمر معقد في الشخصية العربية في فعلها ولغتها، وهذا يفضحه النص "برهان العسل" من رفض تام لهذا الختان الفكري واللغوي، فجاءت "برهان العسل" بمفرداتها بشكل عفوي وتلقائي، وكما هو معبر عنه بالحياة، وما يجري به على اللسان، فتقول الساردة موضحة المعنى الكامن وراء مسمى برهان العسل : " كنت أصل إليه مبلّلة، وأول ما يفعله هو أن يمد إصبعه بين ساقيَّ، يتفقد العسل كما كان يسميه، يذوقه ويقبّلني" ص 30، لتؤكد المعنى مرة أخرى من تحوله من السعار الجنسي إلى تذوق جمالي شهود للقلب مالك كل الجسد والروح "... ترمينى لاهثة مضرجة بالعسل والمنى ، أحتضن لذتى النابضة قلباً بين ساقيَّ "، ص 91، ليبقى العسل هو سر الجمال والكمال الناقل من عتبات الجسد إلى الروح من عتبات الروح إلى الملكوت السر الحافظ لمحبة يصعب على الكثير فهمها واحتوائها والحفاظ على توهجها وديمومتها مهما مرت الأيام والفراق سيبقى عسل البرهان، وهذا ماتؤكدة الساردة في :" كنت واثقة من أن المفكر سيطلع أمامي ذات يوم... ليسألني عن عسلي ... وأرد أن عليه أن يجد الجواب بنفسه ، أن عليه أن يمد يده بين ساقىّ ليتذوقه . برهان حلاوة العسل . هو العسل نفسه ، يقول ابن عربى "، ص 149 .

تهبط معارج برهان العسل إلى حضيض مستويات العفن المجتمعية بتوصيفه للفعل وللمفردة المصاحبة لها في اللغة من الاحتقار المتدني والمبتذل للمشتقات اللغوية ما بين الفصحى والعامية "شرموطة / سايبة/ فلتانة" ودلالتها الثقافية في الشارع العربي، فحين يتم توصيف الفعل وصاحبه بـ" عندنا يُسمونها شرموطة . بلعت الكلمة . اكتفيتُ : فلتانة . سايبة . نفس الشئ تقريبا " ص 76، فهذا يمثل ختان فج ونمط متسيد سلطوي استعلائي بجلد الذات مرة وجلد الأخر مرة بهدف احكام القبضة على المجتمع.

إن تنوع الساردة بوحها باستعمال المفردات المسكوت عنها لهو أمر كاشف عن عوار الختان اللغوي والفكري في تباين استعمال اللغة والفعل وتفاوت القبول والرفض لهمها، فتقول:" الشيخ المغربى الذى يعلم الطالبات نواقض الوضوء ، يعددها واحداً واحداً إلى أن يصل إلى مس الذكر، وستسأله واحدة من الصبايا ، يا شيخى ، بالسين أو بالصاد ؟ " ص 106، لتسأل بسذاجة المرأة الشبقة التعسة المصابة بخلل الرؤية التى هي نتاج لتناقضية المجتمع حول التصريح بـ " أنا أنيك إذن أنا موجود. لماذا لايمكنني أن أقولها أو أكتبها بالعربية؟" ص 116، وتضع النعيمي هنا الرد الصادم للثقافة العربية المزدوجة في مفرداتها التي تشكل طابعها اللغوي المحصور ما بين الحلال والحرام بمفاهيمه الخاطئة التي تتبعد تماما عن مفهوم الشرع نفسه لنوعية هذا العلاقة ، لذلك"بالعربية، النيك، لفظا وفعلا، ممنوع من العلنية في أيامنا هذه. النيك معصية حتى ولو كان شرعيا.."ص116.

كل هذا الختان الفكري واللغوي وقع تحت سطوة العيب، وليس الأخلاق، حيث تم النظر لهذا النص باعتباره نصا جنسيا فجا، وتم تصنيفه تحت الكتابات الإيروتيكية، بل والطعن في شرف المبدعة في أسفاف نقضي، والنظر إليه بنظرة الاستحياء القبيح لأنه يخوض حالة بوح لمرأة تسرد مغامراتها الجنسية ورغبتها مع ذاتها ومع الكتب ومع صديقها المفكر على اعتبار، هذا الفضح في المقام الأول ما هو إلا فضحا لغويا صادما، تعامل معه الجميع على أنه سعار جنسي يجب طمس الساردة وتلجيمها لتختزل لغتها في إطار المفردات المتعارف عليها(الاستحيائية) والمتبعة في مثل هذا البوح والسرد.

العمل الإبداعي في"برهان العسل" لم يكن صدمة روائية، ولم يكن صدمة إبداع منقطع النظير، وإنما صدمة الإتباع لمن أسميهم بـ"الأباء المنفتحين الخالقين/ الآباء الصادقين" والإبحار إلى زمنهم الجرئ الصادق مع النفس ومع اللغة، فـ"سلوى النعيمي" تعلن موقفها بوضوح فى استخدام ألفاظ معينة( الفاظ مرتبطة بالجنس وفعله وبالأعضاء الجنسية) سكتنا عنها دهرا ولم نكتبها، وإن كنا نهمس بها سرا، وكأن قاموس اللغة انقسم على نفسه ما بين كلمات العيب، والذى لا يصح أن يقال وما بين ما هو مباح فى الجهر به علنا، وعلى الرغم من خلق هذا التابو اللغوي المحدث فنجد الثروة التراثية العربية العريقة ثورة في قلب الموازين الاختراعية والابتكارية في التعبير وتشكيل صور واستعارات تصل لحد ألوهي بجمال اللغة الذي يحاكي جمال الطبيعة في وصف الجمال في ثوب الإثارة المفعم بنعيم الشهوة والرغبة بلا حرج. إذن مَن أعطى الحق في فرض الختان اللغوى، مَن مزق صفحات هذا التراث العريق الصادق مع النفس ومع اللغة متسقا مع بيئته ولغته وربطها ما بين الطبيعة والأشياء والتفنن في ربط كل هذا بالمرأة وجسدها، فيقولون في وصف عضوها التناسلي الذي فاز بالسبق دون غيره في عدد الكلمات العربية التى تسميه وتصفه "فغير الكلمات المعروفة مثل المهبل والفرج، نجد كلمات تصف ضيقه ووسعه وجفافه ورطوبته. فنجد مثلاً: الهن، بفتح الهاء، والحر، بكسر الحاء، وكلاهما يعني الفرج. أما الضلفع: فهي المرأة الواسعة الهن (القاموس المحيط ولسان العرب). وكذلك الخجام: المرأة الواسعة الهن. والمرأة الرهوى والرهو: هي المرأة الواسعة الهن.. وكانوا يشتمون بأسماء الفرج، فيقولون إذا أرادوا سب رجلٍ: يا ابن الخجام. والخجام هي المرأة الواسعة الهن"، وأيضا تفننوا في البوح المتفنن في وصف " الممارسة الجنسية التي أعطوها أسماء تختلف من حيوان لآخر. فقالوا مثلاً: نكح الإنسان، وكام الفرس، وباك الحمار، وقاع الجمل، ونزا التيس والسبع، وعاظل الكلب، وسفد الطائر، وقمط الديك (فقه اللغة للثعالبي). أما نكاح المرأة فقد تفننوا في تسميته. فقالوا: باضعها، وذخمها، وخجأها، ووطأها، وناكها، ونكحها، وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب الوطء المباح (لسان العرب). ومن شدة غرامهم بالنكاح فقد وصفوا نزول المطر على الأرض به، فقالوا: نكح المطر الأرض، ونكح النعاس عينيه. بل قالوا: ناك المطر الأرض وناك النعاس عينيه (لسان العرب). وهناك كلمات مثل (بؤأ الرجل) إذا نكح. والباءة هي النكاح. وقالوا: ضرب الفحل ضراباً إذا نكح. وضربت الناقة: شالت بذنبها فضربت فرجها فمشت، وهي ضارب /القاموس المحيط للفيروزآبادي".

ومن هذا المنطلق نجد النقاد القدامى أكدوا على أن لا عورة في اللغة ولا في فكرها حيث أن اللغة هى ابنه الحاضر ومشاعره المعبرة عنه بلا استحياء ولا عقد، لذلك كان مذهبهم " وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنما المآثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب... فتفهم الأمرين وافرق بين الجنسين.عيون الأخبار / أبو محمد بن قتيبة الدينوري".

لذلك المبدعون القدامى أبدعوا الحكي عن الذات وما يثيرها وما يكدرها وما يسرها، فأبدع الغزل الصريح لحد المجون بل والتعبير عن رغبة المرأة المشتهية للجنس دون مواربة" المرأة عاشقة راغبة لا معشوقة مستجيبة"، كما ابتكر الأباء الصادقون طرق التعبير عن ولعهم بالجنس من خلال وعاء لغتهم المحتوية على (والتي اتسقت بين لفظها ومعناها واتسقت مع نفس ولسان المبدع) أسماء وأوصاف للمعشوقة الأنثى لدرجة وصف عضوها التناسلي، فضلا عن وصف وتدوين العلاقة الحميمة بين العاشق ومعشوقته وتضفير كل هذه الأوصاف مع الطبيعة ومع المرأة ومع اللغة ومع المشاعر، لذلك تكثر الإبداعات في الوصف حول الساحر الذي شغل بال الشخصية الرئيسية في "برهان العسل" في مداعبتها له (الهن) وفي اشتهائها لفعل"النيك" .

إذن من يصادر عملية الإبداع ومن هى العقلية التى تحلل وتحرم العمل الإبداعي بناء على لفته ومفرداته على أساس أنها عورة يجب ختان لغة النص الإبداعي حتى يستقيم ولا يسبب أي هيجان للقاريء؟ وتاريخنا العربي حافل بما هو أقوى وأصرح وأجرىء في تناول لغته ومعالجتها وفقا للحالة المزاجية التى تمر بها شخصية السارد ابن بيئته. ثمة انقسام هجين بلى لقيط لا يعرف له نسب ولا أب قام بهذا الانقسام في قاموس اللغة الذي حوله إلى مهجور ومتروك وغير مستخدم وبين صالح وغير صالح .. من جهض ووأد كلمات وأفعال ومشتقاتها بعينها دون الأخرى.. من الفاعل؟

تتساءل النعيمى نفس السؤال بشكل آخر، فمن منع كلمات وبدلها بالأخرى؟ "حتى كلمة النكاح فى عنوان أحد كتب شيخنا السيوطى هذبت وترجمت من العربية إلى العربية(الإيضاح فى علم النكاح)، صارت(الإيضاح فى علم الجماع) وطز فى السجع." ص 116.

وهنا تعلن النعيمى موقفها عبر نصها متخذة من رأى الجاحظ فى هذا المسألة حجة لها:" وبعض من يظهر النسك والتقشف، إذا ذكر الحر والأير والنيك تقزز وانقبض. وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من المعرفة والكرم والنبل والوقار إلا بقدر هذا التصنع.. وإنما وضعت هذه الألفاظ ليستعملها أهل اللغة، ولو كان الرأى إلا يلفظ بها ما كان لأول كونها معنى، ولكان فى التحريم والصون للغة العرب أن ترفع هذه الأسماء والألفاظ منها " ص 115، فلا عجب إذن أن تسير الكاتبة على هذا النهج؛ حيث فتحت باب السطور والجمل على مصرعيه عبر صفحات روايتها لتسخدم فعل"ناك" وجميع مشتقاته ومفرداته لأكثر من مائة مرة حتى تكرر فى باب اللسانيات إلى ما يزيد من عشر مرات.

أما عن المنع والمصادرة والنقض، فثمة علاقة وطيدة شرعية وعلى يد مأذون معمم أو قس، وبشهود سنين وأجيال لا حصر لها. الكل يبارك في صمت أو عن رضا تلك العلاقة الآثمة المتوجة باسم الشرع على سرير الحُكم العربي الشهواني الدامي ببكارة الحرية والحق والعدل، ولأن الكلمة هي نور تكشف ظلام المنافقين وجشع المطبلين فدوما تخصص لها شرائع فقهاء السلطان المنع والترهيب والمصادرة، فكيف لكلمة تفج وتفك عتمة البلاد وتوقظها من رتق عبودية الحاكم بأمر الله؟ إذن يجب العمل بالحيلولة وبالبطش لمنع هذه الكلمة، لكن، كيف؟

الرؤية الدينية والصوفية في الشعر الأمازيغي بالريف .. شعر ملود اليبراقي نموذجا

jamil hamdaouiالمقدمـة: يعد ملود اليبراقي من أهم شعراء منطقة الريف الذين ينتمون إلى مدرسة الخارج التي تسمى أيضا بمدرسة الاغتراب أو مدرسة المهجر أو شعر المنفى، ويمثلها كل من: أمنوس (بلغد عبد الرحمن)، وكريم كنوف، وأحمد الصديقي، والحسن المساوي، وميمون الوليد، ومحمد شاشا، ونجيب الزوهري، ومحمد والشيخ، وأحمد الزياني، والطيب الطيبي، وصالح الحوري، وحميد بوسدرة...

بيد أن الشاعر ملود اليبراقي قد تجاوز هموم الذات والوطن والأمة إلى قضايا الدين والزهد والتصوف، ويشاركه، في هذا الطابع الروحاني، الشاعران: حسن المساوي والطيب الطيبي.

إذاً، ما أهم القضايا الدلالية والفنية والجمالية التي يزخر بها ديوان (ءارخـــــزراث زي راگـــــــاج/ نظرة من بعيد)1؟ هذا ما سوف نرصده في موضوعنا هذا.

 

الجوانـــب الدلاليـــــة:

تتميز قصائد ملود اليبراقي بروح النضال والصمود والتحدي، والحث على العمل والصبر والوحدة والمثابرة من أجل تحقيق النصر، وعدم الاستسلام للكسل والتعب والتواكل، بغية الظفر بالعيش الكريم، وتحقيق الاستقرار الأفضل. ومن هنا، لايمكن أن يتحقق ذلك إلا بالاحتكام – جميعا- إلى الحق والعدالة والقانون:

 

أَذْوَا ذَبْرِيذْانَّغْ اسْثَرْيَاسْثْ اقَ يَحْمَر

نَكُّوارْ انَمْسَكَارْ خَرْحَقْ انَسِّيوَرْ

أَرْحَقْ قَنَتْـوَرَاثْ يَتْوَفَّا سَرْبَطَـرْ

أَنُيُوَارْ غَرَزَّاثْ نَشِّيـنْ وَرَنْتِيحَـرْ

أَنَسْمُونْ ارَاغِي وَنْ يِكوْجَنْ اذِسَرْ

 

كما يدافع الشاعر عن الفقراء والبؤساء والمساكين، ويصور حالتهم المأساوية المزرية والمضنية؛ بسبب الفاقة وكثرة الحرمان وضيق الحال. وفي الوقت نفسه، يشيد بصبرهم وثباتهم وأملهم الكبير في الله والمستقبل:

 

أَرْمَسْكِينْ اصَبَّارْ اخْ ثُوذَاثَ ذَعَسَّاسْ

إِتَكّارْ يَتْوَطَّا ثِزَمَّارْ وَلُـو غَـاصْ

رَبْدَا يْتَرِي يَطَّارْ وَتْيُوفِي اثْوَدَّرَاسْ

إِتَمْسَيْسِي اكْذْ ازْمَانْ نَتَّا قَيَصْبَرَاسْ

يوُحَرْ يُورِي ثِسَوْنِينْ امْ ادجِّرَثْ اذْوَاسْ

يُوحَرْ يَفْسِي ايشَدَّانْ اسْوَشَّانْ اتَّغْمَـاسْ

 

كما تحضر تيمة الهجرة لدى الشاعر شأنه في ذلك شأن باقي شعراء الريف الذين تغنوا بالهجرة ومغادرة الأرض، وتصوير ما ينتج عن ذلك من فراق وشوق وحنين؛ وما تعانيه الأم بسبب ذلك، كأن تلتجئ إلى البكاء والعويل والحزن حينما تفتقد ابنها ، وتعلم أنه قد هاجر إلى الضفة الأخرى، فتنقطع أخباره جملة وتفصيلا، فتستسلم الأم لأنياب الحيرة والشك والتيه ، متأرجحة في ذلك بين اليأس والرجاء، والألم والأمل:

 

يَتَّفُّودْ وَيَدجِّي يَفَّغْ أوشَا يُويـوارْ

منْتَمَّواثْ ذِي يَدجَّا مَنِي إيرُوحْ إوَدَّارْ

اتْسَقْسِيغْ إمْسَبْرِيذَنْ مَوَاثْزْرِيمْ اعْمَارْ

إمَانِي غَايِيرِي مَنِي إيرُوحْ إيهَجَارْ

أمِّي نَرَزُّو خَاكْ رَبْدَ ا قَنَغْ ارِي ضَارْ

مَقَّاشْ ذِي اثْمُورَايَا نِيغْ غَوَانِي رَبْحَارْ

 

أضف إلى ذلك، فقد صور الشاعر آثار الغربة القاسية على المهاجر نفسيا وواقعيا واجتماعيا، سواء أكانت تلك الغربة مكانية أم ذاتية. ومن ثم، يتسلح الشاعر بلغة الشوق والحنين والتذكر، والتلذذ بالرغبة الملحة إلى العودة إلى الوطن عاجلا أو آجلا:

 

وَحْشَخْشَمْ ايَمَّا اسْوَطَّاسْ وَدجِّي سَذْرُوسْ

أَسْقْذْغَانْدْ إيجْ انْتَبْرَاتْ زِي اثْمُورَايَا غَاسُوسْ

اْورِيخْتْ سِمَطَّـاوَنْ وَطَّنَيِدْ خُفُــوسْ

أَشْحَارْ غَنَكْ نَشِّينْ انْتَتْلِيعْ اخْرَكْنُوسْ

نُسَـدْ غَـاثْمُورَايَــا ذِزَاعَنْ افَقُّــــوسْ

نُحَرْ نَيْسِي ارْهَمْ انْتْمُورَياَ زِينَسْحُوسْ

أَرْهَـمْ انْدجْغْرُبَيَّثْ يَكَّـا ذَا يَقَطُّـوسْ

مَنَبْرِيذْ غَشُقَغْ اذْزَرْمَضْ نِيغْ اذْيَفَّوسْ

إِرْسَوَنْ ذَا قَضْعَنْ أمْ وقَسِّي نَرْمُـوسْ

 

ومن ناحية أخرى، يدافع الشاعر عن لغته الأمازيغية قولا وكتابة، وينافح عن هويته الإنسية الأصيلة، فيتباهى بارتباطه المتين بجذوره العريقة الممتدة في تاريخ تامازغا وحضارتها التليدة والعتيدة:

 

سَثْمَزِيخْثْ انَسِّيوَرْ سَثْمَزِيخْثْ انَارِي

أنَارِي ثَقَسِّيسْثْ أنَارِي ايجْ انْيزْرِي

وَخَّا يَنْدَرْ اطْـرَامْ اثْفُوشْثْ وَخَّا ثَغْـرِي

أتْنَارِي ذِي ثَفْرَايْ غَارْ اطْيَا نَتْزِيرِي

أتْنَـارِي أتَنْغَـارْ وَذَانَـغْ اتْوَدِّيـرِي

إمَانِي مَّا نَدجَّا اثْمَزِيخْثْ كِينَغْ ثِيرِي

ازَّيَسْ اينَسَّوَارْ وَغَانَـغْ اتِّيـزِي

أكِيسْ ايغَا نَقِّيمْ اكِيسْ ايغَا نِيرِي

 

ولم ينس الشاعر أرضه التي ترعرع فيها إلى أن شب وكبر، فهي التي أرضعته بلبان ثديها ، وأسقته ماءها النمير، وغرست فيه قيم الرجولة والعز والكرامة والإباء. ومن ثم، فلن يجد أرضا مثلها، وإن اجتاز الأرض طولا و عرضا:

 

وَشَمْ تَتُّوغْ يَثَموُّاثْ خَرْقَغْ ذَيَمْ ايْمِيغ

أثْزَذْغَذَايْ ذِي رَعْقَرْقَوَزَّيَمْ اسْخِيغْ

رَهْنَا ذَيَمْ يَدجَّانْ   ذِهَا قَوَثَزْرِيغْ

أكِّيغْ قَاعْ ثِمُورَا رَهْنَ انَّمْ وَثُفِيغْ

وَتْغِيرَغْ رَبْحَارَا أثْشُوقَغْ اثَزْوِ يغْ

انْهَا رْ رَمِي يُيواغْ غِرَايْ وَتَنْدَمِّيغ

أخْيَجْذِي انَّمْ اقِّيمَغْ ذَكوَّزْرُو أذَرِيغْ

خَامْ ارِيغْ ثَقَسِّيسْتْ اسْرَحْرُوفْ أومَزِيغْ

 

ويتجاوز الشاعر همومه الذاتية والمحلية والوطنية نحو هموم قومية وإنسانية، إذ يتغنى بالقضية الفلسطينية، مدافعا عن الحق الإنساني للفلسطيني في امتلاك كل شبر من أرضه المباركة، مع التنديد بغطرسة الصهاينة الكفرة الفجرة:

 

أدُّونَشْثْ اتْوَرَا سْثِطَّوِينْ اثْخَزَّارْ

خَـزَّارَنْ َذكوُّذَايْ غَرِنَقْ يَتْكَـزَّارْ

اخْمِنْخَدْمَنْ وُذَايَنْ ارْحَقْ وَرَتَّقَّارْ

أدُّونَشْثْ اثْخَزَّارْوَثَنِّي شَا ثَسْقَـارْ

أكْذَمَّنْ ذِمَطَّاوَنْ يَحْمَرْ زَّيْسَنْ يَغْزَارْ

أنْتَمْغَرِينْ ذِسَيْمَانْ يُذَفْ ذَيْسَنْ سُضَارْ

إِتَزَّا إِهَدَّمْ ذَجْهَذْ اشْحَا يَمْغَـارْ

إِهَدَّمْ زَكوْجَنَّا زِثْمُواثْ رَا زِرَبْحَارْ

حُمَا ضِنَغْ ابْنَذَمْ وَيَتْغِيمِي يَدَّارْ

 

ومن ثم، فلابد أن يعود الحق إلى أصحابه الأصليين، مهما طال الزمن أو قصر، ومهما تمادى العدو وتجبر، فلابد لليل أن ينجلي، ولابد للقيد أن ينكسر، ولابد أن تنتصر مشيئة الله - حتما- بنصر المغلوبين المظلومين على الغالبين الظالمين:

 

فَلَسْطِينْ اتَّمُّواثْ انَّغْ نَشِّينْ ذَثْبَابْ انَّسْ

عَمَّاصْ وَرَنْقَبَّرْ اشْبَارْ ازَّيَسْ يَنْقَسْ

ذَرَبِّي اتْغَيَحْضَانْ نَتَّا أَقَّثْ اكِذَسْ

أَرَبِّي إِيخَـزَّارْ وَيِـكوِّيـجْ قَيُــذَسْ

ألدُّنَشْتْ قَثَسْقَارْ وَرَثْفِيقْ زَكِّيضَسْ

أخْمِنْخَدْمَنْ وُذَيَنْ اتْوَشَافْ زَكِّرَسْ

وَرَنِّيـنْ مَنَوْيَا الدُّنَشْتْ اثْخَـزَّا ذَيَـسْ

أثْخَزَّا ذِي رَعْذُوايْتَكْ ذَيْنَغْ مَمَشْ يَخْسْ

إِقَدجَّع اسَّجُّوارْ زِي ثِيَّاثْ ايتَكَّسْ

 

بيد أن اليبراقي يتميز ، عن باقي شعراء منطقة الريف، بقصائد الزهد والتصوف شأنه في ذلك شأن الحسن المساوي والطيب الطيبي، إذ نظم مجموعة من القصائد الشعرية في الوعظ والإرشاد والنصح، داعيا الآخرين إلى التحلي بالأخلاق الحميدة، والتمسك بالشرع الرباني، والاقتداء بالنبي (صلعم)، والاستعداد لملاقاة الله بإعداد الزاد الحقيقي الذي سينفعهم يوم الحساب:

 

يُمَرِشَـكْ ارَبِّـي ثِـذَتْ ايغَــا ثِنِيـــذْ

خَرَّصْ ذِي ثِوَشَّا اذْ مَانِي غَثِرِيـذْ

أَدُو شَارْ اذْوَزْرُو ذِنِّي غَتْوَسَقْسِيذْ

أَشْ يَسَّقْسَا رَبِّـي إِمِنْدَاسْ غَثِنِيـذْ

وَشِنَفَّعْ وَكْـرَا تَّرَّاوْثْ إيذَا ثَجِّيـذْ

إِلَّا مَرَا ثَرْقِيتْ اسْوُورْ انَّشْ يِرِيذْ

 

علاوة على ذلك، فقد ثار الشاعر على إنسان هذا الزمان الذي تغيرت قيمه الأخلاقية الأصيلة، فانحطت ملامحها في مجتمع منحط، إذ أصبح هذا الإنسان ثعلبا لأخيه الإنسان، لا يمكن الثقة فيه مهما كانت صفته وهيئته وحاله، ولا يمكن التعايش معه بسلام؛ بسبب أطماعه ونفاقه وشجعه وغدره الماكر، على الرغم من أن الموت هو مصير كل ابن آدم:

 

أزْمَانَا ذِي نَدجَّا ارْعِيشْ ذَيَسْ يَوْعَـارْ

أزْمَانْ انْوَمْرُوشِّي اذْوَسْرَاخْ ذٌو قَزَّارْ

أزْمَانْ ايمَطَّاوَنَ زِغاَ يَحْمَرْ يَغْزَارْ

ابْنَذَمْ يَسَّوَارْ غَاصْ ايرْسْ ذَزِرَارْ

يَقَّـارْ مِينْ وَيَدجِّينْ ارْحَقْ اثِـزَوَّارْ

 

هذا، ويكثر الشاعر من التبتل والورع والتقوى، مع تذكير الآخرين بيوم الحشر والهول الخطير، يوم يسأل الله عباده عما اقترفوه من الذنوب والمعاصي والسيئات.لذا، ينصح الشاعر الناس باتباع طريق الله، وتنفيذ أوامره، وتجنب نواهيه. فالموت مصير كل امرئ، ولن تدوم الحياة بترفها وجشعها وطمعها، إذ تنشب المنية أظفارها في روح الإنسان في اللحظة المناسبة.ومن ثم، يحث الناس على التوبة والاستغفار والندم، والرجوع إلى الله عز وجل من أجل نيل رضاه ورحمته التي وسعت كل شيء:

 

أسَنْطَاعْ إيرَبِّي يَنْهَيَنَغْ يُمَـارْ

مَرَّا زَّيَسْ نَكوَّذْ نَتَّا أقَ يَمْغَارْ

أولاَبُودْ انَمَّثْ أشْحَارْ غَنَكْ نَدَّارْ

أرْمَوْثْ اقَ ثَكوُّادْ غَوْمَزْيَانْ ذُوَسَّارْ

نَشِّينْ اقَا نَتُّو مَشْ ذَانَغْ غَثَمْسَارْ

أنْدَمَثْ وَرَتْفَكِّي نَشِّينْ مَرَا نخْسَارْ

أنْخَرَّصْ ذَكوَّنْدَرْ أرْحَارْانَّسْ يَوْعَارْ

يَـارَبِّ اصَّرَنَغْ أنْهَـارْانِّـي يَنَكَّـارْ

أصَّارْ رَعْيُوبْ انَّغْ مَخْمِي غَنَمْسَكَارْ

 

ومن جهة أخرى، يدعو الشاعر إلى توحيد الله، وعدم الشرك به؛ لأن ذلك عمل فظيع غير مرغوب فيه.لذا، فعلى الإنسان أن يتقرب إلى الله، ويتوب إليه، ويستغفره عما ارتكبه من زلات وهفوات وكبائر، فالله يرى أفعال عباده ويترقبها، ويعلم سرائر نفوسهم، ويطلع على نوايا صدورهم. لذا، فالفوز بالجنة يكون بالمآل إلى الله، والإنابة إليه تبتلا وصبرا وتوبة وتذللا:

 

أعْبَذْ وِشْ إيخَرْقَنْ وِكِيسْ تَكْ بُو وَشْرِيشْ

أمَّـرَّا مِنَتَّكَّذْ ارَبِّـي قَيَزْرِيـشْ

أَرَبِّي قَيُذَسْ اقَّاثْ رَبْدَا أَكِيشْ

إِمَانِي مَّا ثَدجِّيذْ ارَبِّي يَرَوْسِيشْ

أَتَّارَسْ إيرَبِّي خَكْ إيوَسَّعْ ارْعِيشْ

أَرَبِّـي ذَمَقْرَانْ نَتَّـا قَيَرَزْقِيـشْ

 

ويتضمن ديوان الشاعر قصائد في المديح النبوي، حيث يشيد الشاعر بالنبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر بصفاته الفضلى والمثلى، ويدعو الناس إلى فهم سيرته العاطرة، وتمثلها قولا وفعلا وسلوكا، مع العمل بمواعظ القرآن الكريم، والتحلي بصفات النبي الأكرم، والاهتداء بخلاله وشمائله النيرة ، مع خشية الله، والابتعاد عن السيئات والذنوب والمعاصي بغية نيل رضا الله عز وجل، والفوز بجنته الخالدة:

 

اسْيِسَمْ نَارَبِّي رَبْدَا قَاثْ يَرَحَّمْ                      

أنَزَّادْجْ خَالنَّبِي مَرَّا خَاسْ انْسَدجَّمْ                  

أَنَحْمَذْث ارَبِّي خَالدِّينْ انْغْ امَسْرَمْ                      

انْتَتَّا ذَنَغْ يَهْذَا غَوَبْرِيـذْ ايسَكَّـمْ                      

ذَكوَّبْرِيذَا نِيرِي مَرَّا خْيِيجْ انْوُوذَمْ                    

أَرَبِّي   يَنَّانَغْ   مَرَّامِنْغَا   ثَكَّمْ                          

ذَيَسْ ايغَـا ثُيُوامْ اتْشُوقَم اتَكَّـمْ    

 

وعليه، يتميز ملود اليبراقي - كذلك- بكونه شاعر التوحيد والهداية والدعوة إلى الدين الحنيف، فهو يحث الآخرين على نبذ الشرك، ويغريهم بالرجوع إلى الله، والإيمان بوحدانيته وتعاليه وجبروته؛ لأن الله خالق البشر أجمعين، وخالق هذا الكون بسماواته وأراضيه وجنه وإنسه:

 

أَنَــامَــنْ زِي رَبِّــي نَتَّــا قَذَمَقْــرَانْ

قَاوَاكِيسْ بُووَشْرِيشْ غَوَحْذَسْ اييَدجَّانْ

إِتَكْ غَا مَمَشْ يَخْسْ نَتَّا يَدَّبَّارَانْ

ذِي ادُّونَشْتْ اذْرَخَاثْ نَتَّا وِسِزَمَّانْ

نَتَّـا إيخَرْقَنْ ثُذَاثْ ذَدُّونَشْتْ غَيَفْنَـانْ

يَخْرَقْ ثِمُورَايَـا يَخْـرَقْ رَذِجَنْـوَانْ

 

كما يشكر الشاعر الله على نعمه الكثيرة التي لاتعد ولا تحصى، ويحمده على فضله الكبير الذي عم سائر عباده ، فليس هناك أفضل من نعمة المطر التي تدل على رحمة الله الواسعة، ومشيئته المطلقة الدالة على العظمة الربانية:

 

أنَّيَّثْ ذِي رَبِّي أتِيرِي ذِي بَـدُّو

مَـرَّا ازَّيَسْ نَكـوَّذْ ارْحَدْ وَثَـنْعَدُّو

أنِيرِي ذَكوَّبْرِيـذْ ارَبـيِّ خَانَغْ يَعْفُــو

أوَّثْ ايَنْزَارْ اوَّثْ انْتَتَّارِشْ نَـارَزُّو .

 

كما يدعو الشاعر إلى الأخوة والمحبة والصداقة والتعاون والإيثار والتضحية من أجل إسعاد الآخرين، مع نبذ التهميش والإقصاء واحتقار الآخرين:

 

أشْحَارْ غَنَكْ نَشِّينْ نَقَّارَصْ انَبْنَا

أشْحَارْ غَنَكْ انْتَرِي ثِسَوْنِينْ قَنَفْنَا

أشْحَارْ غَنَكْ نَرَزُّو مَنِي يَدجَّا رَهَنَا

أشْحَـارْ ذِشَثْشِثَـنْ اشْحَـارْ اتِّمَنَّـا

أشْحَـارْ ذَوَمْ انْرُو اشْحَـارْ ذَوَمْ نَنَّـا

أشْحَارْ ذِمَطَّاوَنْ اتِّغُويَّـا ذَكوْجَنَّـا

 

وفي الأخير، نصل إلى أن الشاعر ميلود اليبراقي قد تناول مواضيع الذات والواقع والأمة العربية الإسلامية، مع التركيز على قضايا الدين والزهد والتصوف.ومن ثم، فهو شاعر مناضل وملتزم وإصلاحي تنويري، يدعو إلى تغيير الواقع تغييرا شاملا على المستوى الديني والروحاني والإنساني.

      

الجوانب الفنيــــــة:

لقد وظف الشاعر مجموعة من الأغراض الشعرية، مثل: الشعر الواقعي الاجتماعي، وشعر الزهد والتصوف، وشعر المديح النبوي، وشعر الرثاء، وشعر الوصف، وشعر الشوق والحنين، والشعر الوطني، والشعر القومي...

ومن هنا، فقد كتب الشاعر قصائده الشعرية بأمازيغية الريف، ولاسيما أمازيغية قبيلة قلعية. ومن ثم، تمتاز لغته بالأصالة والرقة والفصاحة والسلاسة واللين من جهة، وبقوة السبك ورصانة اللفظ وبلاغة الأسلوب من جهة أخرى.ويعني هذا أن لغته الشعرية مهذبة ومنقحة ، ومستواها الشعري راق وسام ونبيل، ولم يتدن فنيا وجماليا ولغويا كما عند بعض الشعراء الأمازيغ الآخرين. ومن هنا، فحقوله الدلالية متنوعة، مثل: حقل الذات، وحقل الطبيعة، وحقل الدين، وحقل الواقع، وحقل الأمة...

وكذلك، تتميز قصائد الديوان بهرمونية الإيقاع الداخلي والخارجي؛ بسبب توازي الأنغام، وتواتر المقاطع الموسيقية، وميل الشاعر إلى وحدة الروي والقافية تارة (الميم، والشين، والضاد،والغين،الراء...)، وتنويعها تارة أخرى، كما يبدو ذلك جليا في قصيدة (يوماراناغ ءارابي/أمرنا الله)

علاوة على ذلك، تتكئ القصائد الشعرية على بلاغة الأمثال والحكم، وبلاغة الجناس، وبلاغات أخرى تتعلق بـ: الأمر، والنفي، والنهي، و السجع، والطباق، والمقابلة، والتكرار، والتضمين، والكناية، والتشبيه، والمجاز، والاستعارة...

لكن الشاعر يستعمل أساليب تقريرية مباشرة في معظم قصائد الديوان؛ والسبب في ذلك ميل الشاعر نحو الزهد والتصوف والوعظ، والارتكان إلى الوظيفة التعليمية.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن الشاعر الأمازيغي الريفي ملود اليبراقي من أهم شعراء الخارج أو شعراء مدرسة المهجر الذين تغنوا بالهوية، والأرض، والكينونة الأمازيغية، وأكثروا من الشوق والحنين والتطلع إلى الأرض، مع التغني بالغربة والوحدة والكآبة.

بيد أن الشاعر لم يقتصر ، في قصائده الشعرية، على ماهو ذاتي ومحلي ووطني وقومي، بل كان شاعر الدين والزهد والتصوف على غرار الشاعرين الأمازيغيين المتميزين: الحسن المساوي والطيب الطيبي.

 

.............

1- ملود اليبراقي: ءارخـــــزراث زي راگـــــــاج، مطبعة رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م.

تجرّأتْ غادة السّمّان وصمتت الأديبات العربيّات

sanaa alshalan(إطلالة على رسائل غسّان كنفاني إلى غادة السّمّان)

لقد تجرّأت غادة السّمّان على البوح في حين صمتت جُلّ النّساء العربيّات لاسيما الأديبات منهنّ دون أن يلوّحن بكلمة أو اعتراف أو بوح، وهذا ليس عيباً في حقّ النّساء أوالأديبات؛فشؤونهنّ الخاصّة هي ملكهنّ، لا ملك أحد غيرهنّ، ولهنّ أن يصرّحن بتفاصيلها، أو أن يقرّرن دفنها في الظّل، ولكن ما فعلته غادة السّمّان كان –دون شكّ- شجاعة خالصة من أديبة كبيرة، وكان ضرباً بقوّة وإصرار لشقّ طريق جديد في جبل صمت المرأة العربيّة، كما هو منهج جديد في أدب البوح تقوده غادة السّمّان بكلّ إصرار وعزم وشجاعة، في حين تحجم غيرها من الأديبات العربيّات عنه، فقد قامتْ بخطوة جريئة في المشهد الأدبيّ العربيّ عندما أقدمتْ على نشر رسائل غسّان كنفاني إليها، وهي إحدى عشرة رسالة عشقيّة كتبها غسّان كنفاني لها بخطّ يده، وهي الباقية من كثير غيرها قد احترق في حريق منزلها في بيروت في مطلع عام 1976، وإنّما النّاجي منها قد نجا لأنّ غادة السّمّان قد احتفظتْ به صدفة في منزلها في لندن، وعلى الرّغم من الرّدود الكثير والمتباينة حول هذه الخطوة إلاّ أنّ غادة السّمّان ظلّت متمسّكة بصواب قرارها بنشر هذه الرّسائل مصمّمة على أنّ هذه الرّسائل هي جزء من مجمل إنتاج غسّان كنفاني، وبذلك لا يجوز قتلها أو دفنها في السّر، وبنشرها لهذه الرّسائل لا تسيء له، بل تخلص له إنسانيّاً وإبداعيّاً على الرّغم من عاصفة الانتقادات التي رافقت نشر هذه الرّسائل التي عدّها البعض خطوة تآمريّة تهدف إلى أن تشوّه صورة غسّان كنفاني المبدع والإنسان والمناضل الفلسطينيّ.

وخطوتها هذه لاقت من ناحية أخرى استحسان الكثير من القرّاء والنّقاد من منطلق أنّ هذه الرّسائل هي جزء من مجمل الإنتاج الإبداعيّ لغسّان كنفاني، وهي ملك لغادة السّمّان، ولها أن تفعل بها ما تشاء، في إزاء موقف الرّافضين لنشر هذه الرّسائل الذين يرون أنّ الرّسائل الشّخصيّة ليست جزءاً حقيقيّاً من الإنتاج الإبداعيّ لأيّ مبدع كان.

والحقيقة التي علينا أن نعترف بها جميعاً، سواء أعجبنا موقف نشر هذه الرّسائل أم لا، أن نشرها قد فتح باباً جديداً في موضوع أدب الرّسائل الشّخصيّة المعاصرة، كما أنّه شكّل ريادة في انتهاج اتّجاه نشر هذا النّوع من الأدب، إلى جانب أنّه قد قادنا إلى التّعرف عن قرب على غسّان كنفاني الرّجل بعيداً عن هالة الكفاح والقضية والاستشهاد التي تحرمنا من أن نسوح في دواخل هذا الرّجل العاشق، لاسيما أن لا أحد منصفاً يستطيع أن ينفي علاقة الإبداع والتّشكيل الجّماليّ بالحالة الوجدانيّة والخبرة العاطفيّة وطقوس القلب وأحوال العشق.فمن له أن يقرأ هذه الرّسالة ثم لا يشعر بأنّه قد غدا أقرب من غسّان كنفاني؟وأنّه بات يعرفه أكثر؟ هذه الرّسائل لم تقلّل من شأن غسّان كنفاني كما يزعم البعض، بل إنّ فتح الأبواب على دواخل الإنسان حيث الرّقة والمحبة والجمال لا يمكن أن تورّث إلاّ المحبة والإعجاب والتّقدير والتّعاطف، وبخلاف ذلك لنا أن نزعم جزافاً واعتباطاً أنّ عشّاق التّاريخ جميعهم محتقرون في عيون العوام، والحقيقة التي يدركها الجميع أنّ هؤلاء غدوا –بلا منازع- رموزاً إنسانيّة خالدة تحظى بالتّقدير والمحبّة، وتستدعي معاني الإعجاب والاحتذاء والتّعاطف، فإن كان حال هؤلاء جميعاً هو على ما ذكرنا من تقدير، فلماذا يزعم البعض ممّن نصّبوا أنفسهم قضاة على قلب غسّان كنفاني، وقرّروا في لحظة حمق أن يحجروا على أحاسيسه ومشاعره، أنّ نشر رسائل حبّه فيه تقليل من مكانته وانتقاص من اعتباره؟ لم الكيل بمكيالين؟! لا أستطيع أن أفهم ذلك إلاّ من منطلق الإساءة المقصودة إلى غادة السّمان، وتعمّد مهاجمتها والتّقليل من شأنها واتّهامها بأسوأ التّهم بأيّ ذريعة كانت.

وهذه الرّسائل على الرّغم من قلّة عددها، وعدم اطلاعنا على المزيد منها بسبب ظروف احتراق الكثير منها إلاّ أنّها قد عرّفتنا بغسّان كنفاني الرّجل والإنسان العاشق، وأجابت عن سؤال القلب والعشق وتجلّي ذلك في أدبه كما أجاب سائر أدبه عن أسئلة النّضال والفكر والمعاناة والحلم والدّرب عنده.وإن كان هذا الأدب قد أجاب على سؤال جدليّة النّضال والأدب، وبرهن على إمكانيّة تسخير الأدب لصالح النّضال، وانتصر لهذا البرهان بالاستشهاد على أيدي أعدائه الذين انهزموا أمام قلمه وأمام روحه الأبيّة، فإنّ رسائله إلى غادة السّمّان المنشورة في كتاب خاص هي من تجيب على أسئلة الرّجل والقلب والحبّ والمعاناة في حياة غسّان، وهي إجابات لا تنتقص من قيمته وبطولته وكفاحه وشرف استشهاده، بل تُعلي من قيمته الإنسانيّة والجماليّة التي انتصرت للحبّ حتى في أحلك الظّروف وأقساها وأبشعها.وهل هناك أعظم من قلب عاشق على الرّغم من القسوة والظّلم ومرارة النّضال؟!

البعض رأى أنّ نشر هذه الرّسائل هو انتقاص مقصود من هيبة غسّان كنفاني، وهذا اعتقاد شخصيّ لا فائدة من مناقشته لا سيما أنّه لا يملك البرهان والدّليل؛فلكلّ شخص حقّ في أن يتبنّى ما يريد من القناعات، ولكن المهمّ في هذا الأمر أنّ هذا النّشر هو دعوة جميلة وشخصيّة من غادة السّمّان لكي تبوح المرأة العربية لاسيما المبدعة بمكنونات إبداعها حتى ولو كان في ذلك بوح بتفاصيل شخصّية ما دام في ذلك مدٌّ للإبداع العربيّ بالمزيد من المنتجات الإبداعيّة الرّاقية الجميلة.

قد يقول قائل إنّ الدّفع في هذا الاتّجاه من النّشر والبوح هو دعوة جريئة، وقد تكون خطيرة لأجل نشر تفاصيل الحياة الشّخصيّة لكثير من المبدعين لأجل الشّهرة أو لفت النّظر أو تصدير أفكار خاصّة أو ترويج كتابات ذات اتّجاهات معيّنة، وهذا قول لا يستحقّ النّقاش؛لأنّ الخوض فيه يعدم إرثاً إبداعيّاً إنسانيّاً عملاقاً يشمل ما أنتجته البشريّة من إبداع وتنظير ونقد حول علاقة الحبّ بين الرّجل والمرأة بكلّ تعقيداتها وخصوصيتها وجماليتها وأهميّتها.ولو افترضنا جدلاً أنّ هذا الإعدام الجائر قد وقع فعلاً، لكنّا حُرمنا من أرث كبير من الأدب لاسيما الشّعريّ والقصصيّ منه على المستوى الكتابيّ أو على المستوى الشّفاهيّ، ولكنّا حُرمنا من أن نمتّع بكلّ ذاك الحبّ الذي يغمر البشريّة بأجمل التّجارب وأرقاها، وليس في ذلك انتقاص لكاتب أو مبدع أو راوٍ، ولو كان الأمر كذلك ما رأينا شاعراً يكتب قصيدة في حبيبته، ولا سمعنا راوياً ينقل لنا ملحمة حبّ، ولا خلّدت الأقلام والأفئدة والذّاكرات أسماء العاشقين وسير المحبّين الذي اجتمعوا على إدراك أنّ الحبّ ارتقاء بالبشريّة، لا هبوطاً بها.

الأقدمون عبر التّاريخ أقدموا على نشر تجاربهم ومشاعرهم في الحبّ دون خوف أو خجل أو قلق، فرأينا قصائد الحبّ وملاحمه وقصصه وسيره، وحفظنا أسماء أعلامه، وسمّينا أبناءنا وبناتنا على أسماء العشّاق والعاشقات، والغرب الذي نراه أنموذجاً محتذى دون تفكّر قد خطا خطوات حقيقيّة وكبيرة في أدب الاعتراف لاسيما من جانب النّساء، وفي بلادنا لا نزال ننصب المشانق لقلب إن خفق وليد إن كتبت، ونلمز بخبث أيّ كتابة نسائية تحاور قلباً أو جسداً، ونسجنها في سجن الاتّهام، متى سنكتب عن قلوبنا ومشاعرنا وتجاربنا دون خوف؟! كيف سنتقدّم ولا نزال نخشى أن نقول إنّ لنا قلوباً تخفق بحبّ ما؟ في حين نُعلّم أن نجاهر بالكره دون خجل أو استحياء!

إن طلبنا أن نعدم رسائل غسّان كنفاني إلى غادة لسبب أو آخر فعلينا من المنطلق نفسه أن نطالب بإعدام قلوبنا ومشاعرنا وتجاربنا وأحلامنا، بل علينا في الشّأن نفسه أن نطالب بإعدام إرث البشريّة كاملاً في الحبّ والعشق والجنس والجسد كي ننتصر لفكرة مزعومة بالدّفاع عن مبدع مناضل فلسطينيّ نريد أن ندفع عنه أجمل تهمة وأعظم فعل إنسانيّ، ألا وهو الحبّ الذي إن طرق قلب إنسان فقد ظرف ولطف ونظف كما قال فيلسوف ما.

من له أن يعدم قلباً قد عشق، أو أن يحرق أوراقاً تدلّ على أنّ رجلاً عاشقاً قد مرّ في هذه الحياة؟!من له أن يلعن غادة السّمّان وهي تهمس في آذاننا، وتحكي لقلوبنا اللاهثة خلف الحبّ:"نعم كان ثمّة رجل اسمه غسّان كنفاني، وكان له وجه طفل وجسد عجوز..حين اقرأ رسائله بعد عقدين من الزّمن أستعيده حيّاً، ويطلع من حروفه كما يطلع الجنّي من القمقم حارّاً ومرحاً صوته الرّيح"؟!

كم نحتاج إلى دروس في الحبّ تبدّد ما في قلوبنا من صقيع وكره وحقد، نحن في حاجة حقيقيّة إلى تعميم ثقافة الحبّ بكلّ أشكالها لعلنا ننجح في يوم ما في أن نهدم مجتمع الكراهيّة الذي نعيشه لنمارس إنسانيتنا ووجودنا ونحقّق مدنيتنا بعيداً عن الحقد والكره والكبت والإجحاف بحقّ قلوبنا وأرواحنا.

أنا شخصيّاً أسجّل شكري لغادة السّمّان التي سمحتْ لي وللقرّاء أجمعين بأن نشاركها في قلبها ومشاعرها وأسرارها وخصوصيتها انتصاراً للأدب والجمال والعشق، لقد سمحتْ لي أن أرتّل معها قولها:"نعم، كان ثمّة رجل اسمه غسّان كنفاني التصق بعيني زمناً كدمعة نقيّة، وانتصب فوق أفقي كقوس قزح"، بفضلها استطعتُ أن أعرف غسّان كنفاني الإنسان الذي كان يحاصره الحبّ ويهدّه، فيغدو به أقوى وأجمل وأعظم، كنتُ قد قرأتُ إنتاجه الإبداعيّ والنّقدي كاملاً في صغري، ثم أعدتُ قراءته في فترة دراستي في درجة الدّكتوراه، ولكنّني اكتشفتُه بحقّ عندما قرأتُ رسائله إلى غادة، لقد أصبح حينها بملامح واضحة وبقلب نابض وبأنفاس زكيّة، عندها أصبح –في نظري وإدراكي- بطلاً حقيقيّاً بقلب نابض يعرف العشق والحزن والألم، لا مجرّد بطل من ورق على ورق لأجل الورق، فالرّجل الحقيقيّ في نظري هو صاحب القلب الكبير العاشق الذي يتسع لحبّ امرأة ما كما يتّسع لأجلّ القضايا وأشرفها، وينشغل بها.

وقد أدركتْ غادة السّمّان هذه الحقيقة، ونشرتْ رسائل غسّان إليها، فخلّدته في سِفْر العشق كما خلّده قلمه وأدبه ودفاعه عن قضيته الفلسطينيّة واستشهاده في سبيلها في سِفْر البطولة والرّجولة والنّضال الموصول الذي لا يعرف فتوراً، ولذلك صمّمتْ على أنّ حبيبها غسّان كان بطلاً كامل الحضور لا مجرّد صورة نمطيّة تقليديّة هشّة، ولذلك قالتْ بكلّ صراحة ووضوح:"لم يكن فيه من الخارج ما يشبه صورة البطل التّقليديّة:قامة فارعة، صوت جهوريّ زجاجيّ، لا مبالاة بالنّساء(إلى آخر عدّة النّضال)لأنّه كان ببساطة بطلاً حقيقيّاً، والأبطال الحقيقيون يشبهون الرّجال العاديين رقّة وحزناً لا نجوم السّينما الهوليووديّة الملحميّة، غير العادي في غسّان كان تلك الرّوح المتحدّية، النّار الدّاخليّة المشتعلة المصرّة على مقاومة كلّ شيء ، وانتزاع الحياة من بين منقار رخّ القدر، نار من شجاعة كلّ شيء حتى الموت".

والسّؤال الذي يطرح نفسه في ظلّ هذه المبادرة الشّجاعة من غادة السّمّان هل هي إرهاصة محتملة للمزيد من الخطوات المماثلة من الأديبات العربيّات؟ لعلّ الإجابة عن هذا السّؤال هي في يد الأديبات المبدعات العربيّات اللواتي حتى هذه اللّحظة يلذن –في الغالب- إلى الصّمت في إزاء أدبهن الذي يشكّل بوحاً أكان رسائل شخصيّة أم روايات أو قصصاً أم غيرها من أجناس الفنون الإبداعيّة؛فالمبدعة العربيّة لا تزال في الغالب أجبن وأضعف من أن تبوح بحبّها صراحة دون أن تحيله إلى التّرميز في أشكال إبداعيّة تزعم زوراً وكذباً أنّها من مخيّلتها الإبداعيّة بعيداً عن تجربتها الشّخصيّة الحقيقيّة.

ولنا أن نفترض بشيء من التّمنّي الحارّ أنّ المبدعات العربيّات لو اتّجهن اتّجاه غادة السّمّان، وقرّرن البوح بمشاعرهن وتجاربهنّ، ونشرن إبداعهن في هذا الصّدد، فهنّ دون شك سوف يمددن الأدب العربيّ بل والإنسانيّ بأجمل الرّشفات الإنسانيّة وأكثرها صدقاً.بل قد تعمّم هذه الحالة الإبداعيّة الجميلة، ويتّجه نحوها الرّجل المبدع العربيّ ليسهم في مدّ هذه الرّشفات بالمزيد من الإبداع الإنسانيّ الخالد، فلنا أن نقترح أنفسنا رموزاً للعشق والحبّ بدل الاستجداء من مخزون عشقيّ انحصر في الذّاكرة العربيّة في حالات محدّودة قليلة، فغدونا أوتاداً مسنّدة على ذكرى بعض القلوب التي خفقت في زمن ما، وجادت قريحتها بإبداع يخلّد هذا الحبّ، وبقيت البشريّة العربيّة تعيش على فتات قلوب الآخرين الرّاحلين!

لا نعرف من هي المبدعة العربيّة التي سوف تكون الثّانية بعد غادة السّمّان في هذا الدّرب، ولكنّني متأكّد أنّها لن تكون الأخيرة فيه، وهي تنشر ما كتبت، ولا تؤاخذ غادة لأنّها لم تنشر رسائلها إلى غسّان، واكتفت بنشر رسائله إليها بحجّة إنّ هذه الرّسائل ظلّت في حوزة غسّان، ولم تستردها منه، إذ تقول في هذا الشّأن :"الشّهيد غسّان كنفاني قُتل والعلاقات الدّبلوماسيّة بيننا على أفضل حال، ولم يحدث ما يستدعي قطع العلاقات وسحب الرّسائل والسّفراء، بعبارة أخرى:رسائله عندي ورسائلي عنده كما هي الحال لدى متبادلي الرّسائل كلّهم"، وهي بطبيعة الحال لا تملك نسخاً منها :" ليست لدي مسودّات عن تلك الرّسائل العابرة، ولا "فوتوكوبي"-استعمال النّاسخات لم يكن شائعاً يومذاك، الأمل الوحيد في نشر رسائلي هو أن يتكرّم من بحوزتهم الرّسائل بالإفراج عنها"، بل إنّها قد وجّهت نداء مكتوباً على هامش نشر هذه الرّسائل لكلّ من يملكها أو يملك بعضها أن يسلّمها لها كي تنشرها، ولكن يبدو أنّ نداءها ذهب أدراج الرّيح، ومن له أن يملك جرأة البوح كما تملكها غادة السّمّان؟! أظنّهم قليلاً من البشر.

إنّني أؤمن بأنّ غادة السّمّان عندما أفرجت عن هذه الرّسائل ونشرتها كانت أديبة كاملة الالتزام للأدب، كما كانت كاملة الوفاء لإبداع غسّان، وفي ذلك تقول:"ولعليّ كنتُ حنثتُ بعهدي لغسّان على نشر تلك الرّسائل، لو لم أجد فيها وثيقة أدبيّة وسيرة ذاتيّة نادرة الصّدق لمبدع عربيّ، مع الوطن المستحيل والحبّ المستحيل، وثيقة ثريّة بأدب الاعتراف الذي تفتقر إليه مكتبتنا العربيّة، والرّسائل بهذا المعنى تسدّ نقصاً سبقتنا الأمم الأخرى إلى العطاء في مجاله، وتؤسّس لنوعٍ جميل من الأدب ما زلنا نتهيب أمام بحاره، ومن أجدر من القلب العربيّ الثّريّ للخوض في لجّته".

كما أنّها كانت في الوقت نفسه مخلصة لذاكرة عشق رأت أنّ من الظّلم أن يموت بموت من مارسوه، وتبّنت فكرة أنّه إرثٌ إنسانيّ، وانطلقت من هذا التّبنّي في رحلة نشره وتحمّل أوزار ذلك، لتتيح لنا جميعاً أن نصافح إنسانيّة غسّان، وأن نشاركه تجربة قلبه، وأن نراه على حقيقته دون أصباغ وأقنعة تشوّهه، وتحول دون رؤية قسماته البشريّة الجميلة الرّائقة.

الآن أستطيعُ أن أكتبَ في دفتر قلبي كلمات غادة التي قالتْ ذات صدق وبوح:" نعم، كان ثمّة رجل اسمه غسّان كنفاني، جسده المهترئ بالنّقرس لا يرسمه جيّداً، ولا يعبّر عنه، ولكنّ حروفه تفعل ذلك بإتقان، وحين أقرأ رسائله بعد عقدين من الزّمن أستعيده حيّاً".

أعترفُ بأنّ غادة السّمّان كانت الأكثر جرأة والأجمل والأصدق والأذكى من سائر الأديبات العربيّات عندما نشرتْ هذه الرّسائل، كما كانت الرّائدة في هذا الدّرب، وأزعم أنّ في هذا الدّرب الكثير من الإنتاج الإبداعيّ الذي على المرأة العربيّة المبدعة أن تكشفه للشّمس والنّور والبهاء، وحتى ذلك الوقت ستكون الأمنية حاضرة بأن يتحوّل صمت المرأة المبدعة إلى إنتاج يعرف طريقه نحو النّشر كما عرف دربه نحو الورق والتّدوين، وأن نبوح جميعاً كما باحت غادة السّمّان ذات قرار.

 

الأديبة الأردنيّة د.سناء الشّعلان

 

المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي (2)

alkabir aldasisiنواصل سلسلتنا حول المرأة في مشروع يوسف زيدان الروائي، وبعد مقاربة لصورتها في رواية عزازيل نحاول في هذا الجزء الثاني عن كيفية مقاربة زيدان لموضوع المرأة في رواية النبطي، على أن نعود في الجزء القادم لباكورة أعماله رواية (ظل الأفعى)

تحكي رواية النبطي حياة ما قبل دخول الإسلام إلى مصر على يد عمر بن العاص ووقوع مصر بين تجاذبات الفرس والروم من خلال قصة فتاة بلغت من العمر الثامنة عشر عاما تعيش في حياة بسيطة مع أسرتها المكونة من الأم وأخيها بنيامين،في كفر يدين أهله المسيحية.. والرواية تنقسم إلى ثلاث أقسام كل قسم يشكل مرحلة خاصة من حياة البطلة:

- وتبدأ الحياة الأولى بتقدم أحد العرب الأنباط مصطحباً معه أقاربه وأخويه الهودى والنبطى لخطبة ماريه والتي ستوافق على الزواج به رغم كبر سنه وهي ابنة الثامنة عشر، واضطرارها إلى الرحيل معه إلى أرض قبيلته بعيداً عن أهلها، وفي هذه القسم نتعرف إلى حياة المصريين قبل دخول الإسلام ووضعية المرأة آنئذ...

- وتمتد تفاصيل الحياة الثانية عند تحرك القافلة نحو ديار النبطي مصطحبه معها ماريه في طريقها إلى أرض زوجها مروراً بصحراء سيناء، ليضعنا هذا القسم في تفاصيل حياة القوافل العابرة للصحراء، وكيف عاشت مارية (المرأة الغريبة ) هذه التجربة، وكيف كان ينظر العرب الرحل للمرأة

- تبتدئ الحياة الثالثة بوصول مارية إلى ارض قبيلة زوجها سلومة حيث قابلت أم زوجها (أم البنين) وهناك تعيش حياة مغذبة وسط أسرة كثيرة العدد منهم زوجها الذي اكتشفت أنه لا ينجب منشغل عنها بالتجارة، فتعلقت عاطفيا بأخيه النبطي، حتى إذا عزمت الأسرة على الرحيل نحو مصر لنشر الإسلام خامرتها فكرة مغافلة الأسرة و البقاء مع النبطي وحيدين...

يبدو من خلال مضامين هذه الرواية إذن أنها جعلت من المرأة تيميتها الأساسية من خلال إسناد السرد والبطولة ل (الخالة العابرة مارية وقيل صواب اسمها ماوية)[1] ومن خلالها تسعى الساردة لتقديم واقع المرأة في مصر وشبه الجزيرة العربية قبيل دخول الإسلام، حيت تعتبر المرأة عانسا وهي لما تبلغ الثامنة عشر من عمرها تقول (فقد تجاوزت الثامنة عشر من عمري بعدة أشهر ويكاد يأسي من الزواج يبلغ منتهاه... والنسوة الكادحات ينظرن نحوي بإشفاق يليق بعانس)[2]، لذلك كانت تغبط دميانة صديقتها التي تزوجت في سن الخامسة عشر، مقتنعة أن (الفتاة إذا تخطت الخامسة عشر بلا زواج، يدب الصدأ إلى بطنها فيخرب معدنها)[3]، لذلك كان الزواج حلم كل فتاة في بلدة يسمون الزواج فيها (السعد)[4]، وأن الفتاة لا تصير امرأة إلا به، تقول لدميانة (ساعة انتهى الراهب من الصلوات وصيرك امرأة)[5]...

حاول زيدان أبراز معاناة المرأة في مجتمع رجولي دون أن يحط من قيمتها أو يستصغر شأنها فبين كيف كانت مهمشة، لاحق لها في اختيار شريك حياتها، و أن الرجال هم من يختارون العروس (العرب جاؤا يخطبون ولا امرأة معهم... لا امرأة في الغرفة لأجلس بجوارها)[6] ... وعلى المرأة أن تظهر صغيرة،حتى لو اضطرت إلى الكذب في تحديد سنها فأم نونة كانت (تردد دوما أنها في عمر أمي،وسمعتها الشهر الماضي تقول إنها في العشرين مع أنها بلغت الأربعين)[7].. لذلك يتم الإصرار المجتمع على تزويج طفلات لازلن في سن اللعب خوفا عليهن من العنوسة المبكرة: (كانت نونا في أول زواجها تهرب نهارا من بيتهم لتلعب مع الأطفال في الدرب والساحة، فيخرج زوجها العامل بالمعصرة، ويحملها على كثفه كلعبة ويعود بها إلى البيت وهي تبكي، وترفسه بساقيها القصيرتين... كنا نسمع صراخها آناء الليل، وكانت أمها حين تسألها النسوة، تهز كتفها اليمنى كعادتها، وتقول غير عابئة: البت صغيرة، وكل ما فيها صغير.. نونا لازالت تنادي زوجها إلى اليوم ياعمي..بلغ عمرها قرابة العشرين عاما ولها من الأطفال خمسة )[8] هكذا تستمر الرواية في كشف عورة مجتمع مختل (الرجال (فيه) لا يكبرون مهما امتد بهم العمر، النساء يكبرن لأنهن يلدن ويرضعن فينهد الحول وتسقط العافية)[9]

مجتمع يقوم على الرياء يحتار العقل في تمييز أفعال أناس (يزينون العروس ليشجعوا الزواج، ينشرون على الملأ خرقة دم العذرية ويتركون الزوجين منفردين ليفعلا كل ما يشتهيان، وبعد ذلك يقولون إذا ما ذكرت أمامهم الأفعال إنها عيب)[10].. الكل يلهث وراء المرأة ولا أحد يفكر في عواطفها في مجتمع يعمل حلى تختين النساء حتى يكبح شهواتهن، لذلك ارتبط كل شيء قبح لدى مارية بذلك الشخص الذي ختنها وحرمها متعة اللذة الجنسية ( ذكر البط أسود وقبيح منظره يذكرني بالرجل الضخم الذي ختنني أناو دميانة)[11]، ينتقد زيدان إذن هذا الواقع الذي يحرم المرأة حتى من إظهار حزنها تقول مارية (صرت أبكي مثل أمي خفية بلا صوت البنت تصير كأمها لا محالة)[12]، والمفروض على البنت فيه أن تكون شفافة في كل شيء حتى في لباسها (جلباب الولد جيبه إلى الداخل وجيب جلابيب البنات يخاط من الخارج كي لا يحجبن عن الناس ما يخفين في جيوبهن)[13]، وحتى إذا ما إذا بدأت علامات النضج ترسم ملامحها على أجساد الفتات تسجن وتمنعن من الخروج: (حين حبستني أمي بقيت أياما أبكي بحجرة الحبوب.. وكلما هددتني بالضرب أو ضربتني ينقلب بكائي نشيجا لا أملك له دفعا.. أبونا باخوم زارنا أيامها وتوسط عند أمي لتطلقني في اليوم ساعة واحدة، لكنها اعتذرت منه لأنها تريد تزويجي، والبنات الطليقات لا يتزوجن..)[14].. في مقابل ذلك لا تفرض قيود على الرجال والذكور من الأولاد، فمظهر الرجل ليس مهما ولا هيئته،والمهم في الرجل أن يكون غنيا وطيبا ولا يضرب زوجته)[15]، للرجال حق التحرش بالفتيات مهما كن صغيرات، تحكي مارية كيف كان بستني الرجل السمين المترهل يطمع في اغتصابها وهي بعد غرة صغيرة، في هذا الوقع المأساوي للمرأة الذي يرفضه زيدان، كانت المرأة مجبرة على طاعة الرجل، والكاهن يقرأ في كل ليلة زواج ضرورة خضوع المرأة للزوج مثل خضوعها للرب (ليخضعن لرجالهم كما للرب،لأن الرجل هو رأس المرأة، كما هو المسيح رأس الكنيسة)[16] ...

أما كثرة القيود التي تكبل المرأة، وجدنا بطلة الرواية كثيرا ما تمنت الموت على العيش في الذل والهوان، وتكررت هذه الأمنية في مقاطع متعددة من الرواية تقول البطلة :(تمنيت لو مت أيام طفولتي أو يوم زواج دميانة) وفي مقطع آخر تناجي البطلة نفسها وتقول:

(ناديت هامسة أيها الموت اقترب

خذني إليك وطوح بروحي بنقطة ماء تنسرب

بين الشقوق فتشربها الرمال بلا تعب

لعلني ارتاح إذ أأوب في التراب وأغترب) [17]

لقد تمنت الموت بكل الطرق، بحثا عن الأمان، وعما يشعرها بإنسانيتها بعدما ضاعت بها الحياة درعا، تقول: (إنني أريد الأمان أو مجيئ ثعبان يندس في فرشي فينهشني ويشرب من دمي متمهلا، فأنزلق من نومي إلى موتي، من دون أن أنتبه، أو ألقي بنفسي من شاهق جبل فأرتاح مما لم أحتمل)[18]

وتمنت في مقطع آخر (لو كنت معزاة لانفردت عن القطيع وناديت باكية على ذئب، ليفترسني فأستريح)[19]

لقد كانت البطلة، ومن خلالها المرأة في نظر زيدان تعيش في مجتمع النسوة لا ينادون الرجال بأسمائهم، مجتمع يكبلها، يقيد حريتها، يزوجها صغيرة فخلال رحلتها رصدت رجلا له جاريتان صغراهما في العاشرة، إن المجتمع يمنعها حتى من إظهار وجهها تقول مارية : اقترب مني وهو يهمس: يحسن أن تسدلي ستر رأسك على وجهك، ابتداء من غد فلا يصح لغير إخوتي أن يروكِ[20]، ويفرض على المرأة أن تكون لزوجها وفية كالكلب مع صاحبه، على الزوجة رعاية زوجها، والسهر على خدمته ففي ديانة النبطي: (كل امرأة أم وكل رجل ابن)[21]، ورغم تضحية المرأة وسهرها على تنظيم حياة الرجال فإن المجتمع لا يعترف للمرأة بشيء تقوم به، ولا يُنسب إليها، فأم زوجها وإن كانت لها بنات، فإنها تعرف بأم البنين: (لزوجي ثلاث أخوات وستة إخوة، ولأن أمه أنجبت من الذكور سبعة،صاروا ينادونها أم البنين،هم لا يعدون البنات، ولا يعتدون بهن عند العد، أو لعلهم يتحرجون)[22] وذلك لقناعة المجتمع بأن المرأة مهما فعلت تظل خائنة متحالفة مع الشيطان، النبطي يقول: (المرأة، حواء، عصت الرب وخانت زوجها آدم بأن تحالفت مع الشيطان، ومن يومها والنساء تخون)[23]

وعلى الرغم من كون زوجها عقيما، فإن المجتمع مقتنع أن (الرجال كلهم ينجبون، وأن النساء هن اللواتي قد يعقمن) وحتى إذا علمت المرأة بعقم زوجها عليها كثمان الأمر والتظاهر بأنها العقيم، فعندما علمت ماوية بعقم سلومة، طلب منها عميرو (لا تقولي لأحد أن زوجك لا ينجب فهذا عندنا من المعايب الداعية لاحتقاره)[24]

وهو ما عبرت عنه الطفلة ببراءتها لما حدثها أمها عن المسيحية فاستغربت الفتاة قائلة ( لهم رئيس للدين اسمه البابا ولنا بابا غيره.. البابا هنا والبابا هنا اين هم الأمهات؟؟)

من خلال رواية النبطي يبدو أن يوسف زيدان وإن تحدث عن مرحلة قديمة، فإنه يتغيى تعرية واقع المرأة في العالم العربي حديثا، إذ لا زلات إلى اليوم حقوقها مهظومة، وأن المجتمع لا يعترف بقيمة المرأة إلا إذا تزوجت وأنجبت ذكورا وهذا ما يتضح من نصيحة الأم لابنتها العروس: (سوف يجبك زوجك إذا أعطيته أولاد، الولد سر عزتك وسبب بقائك .. قد تكركه حماتك .. فاحرصي على التقرب إليها وإرضائها اتقاء لشرها.. سوف تغيظك أخت زوجك .. فابتعدي عنها إلى حين .. حين تتمكني خبئي للزمان أموالا لأن ابنك سيحبك غنية ... ولا تتأخري عن دعوة زوجك للفراش فهو يحبك شهية .. لا تتكلمي هناك إلا قليلا)[25]

وبذلك تكون رواية النبطي قد سارت في نفس فلك رواية عزازيل، من حيث جعل المرأة بؤرة اساسية في الروايتين، و من حيث تقاربهما في المرحلة الزمنية (عزايزيل في القرن الخامس الميلادي، النبطي خلال القرن السادس الميلادي) لكن بين الروايتين بون شاسعة في نظر المسيحي (هيبا) لنساء عصره، وبين نظر العرب قبيل ظهور الإسلام لها ... ورغم تناوله لموضوع المرأة في الروايتين فأن أرقى ما قدمه زيدان عن المرأة يتجلى في روايته الأولى (ظل الأفعى) وهو ما سنتناوله في الجزء القادم

(يتبع)

 

...................

[1] النبطي ص 9

[2] النبطي – ص 14

[3]– النبطي ص 16

[4] – النبطي ص 16

[5] النبطي ص 16

[6] - النبطي ص 22

[7] - النبطي ص 28

[8]- النبطي ص 44

[9]- النبطي ص 53

[10] - النبطي ص 30

[11] - النبطي ص 42

[12] - النبطي ص 53

[13] - النبطي ص 58

[14] - النبطي ص 65

[15] - النبطي ص 81

[16] - النبطي ص 139

[17] - النبطي ص 331

[18] - النبطي ص 332

[19] - النبطي ص 335

[20]- النبطي ص 152

[21] - النبطي ص 231

[22] - النبطي ص 247

[23] - النبطي ص 301

[24] - النبطي ص 349

[25] - النبطي ص 141

معلومات إضافية