قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

مقاربات في الشعر والسرد .. شهادة عن الإبداع العراقي الحديث

من ابرز السمات التي يتصف بها كتاب الكاتب جاسم العايف (مقاربات في الشعر والسرد)* احتفاؤه بالانجاز الشعري والروائي الذي يصدر لكتاب عراقيين من مختلف الأعمار، ويتضح ذلك جلياً في المقدمات التي تتصدر كتاباته، وهي تسرد السيرة الأدبية والمعاناة التي عاش ضمن ظروفها الشاعر أو الروائي، وهي سيرة تحمل التقدير والاحترام الكبير لهؤلاء المبدعين. يضاف إلى ذلك أن هذه السيرة عبارة عن رحلة في الزمان تتجلى فيها العلاقات الخاصة، التي تتسم بالعذوبة والصفاء، وبعلاقتها بالجو السياسي والاجتماعي المؤذي والمخرب الذي يحيط هذه العلاقة ويؤطر الإنتاج الشعري والقصصي الذي كتب في تلك الفترة . وهناك أمثلة عديدة تتناول هذا الجانب، ففي تناوله لمنجز الشاعر (مهدي محمد علي)، يضع عنواناً لافتاً (مهدي محمد علي: شجرة مثمرة .. ومنجز غمرته الظلال) يلخص فيه إنتاج هذا الشاعر والظروف التي أحاطت بحياته وهو يتنقل في المنافي، بعيداً عن وطنه ومدينته الأثيرة البصرة التي ظل أكثر من ثلاثة عقود خارجها، مصراً على تذيل قصائده بـ( البصرة. .. ) ويضع المدينة التي هو فيها بعدها مثلا (البصرة- طرابلس) أو(البصرة - موسكو) وأخيراً( البصرة- حلب) ولا يكتفي بهذه المعلومات من سيرة الشاعر أو الكاتب بل انه يعمد إلى تحليل ونقد احد منجزات الشاعر أو الكاتب، فقد تناول بالتحليل ديوان الشاعر مهدي محمد علي (رحيل عام 78) ملاحظاً أن الشاعر استثمر (ثنائية الحضور -الغياب، حضور الذاكرة - الماضي- وغيابها الآني، استدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح، محاورتهم، طغيان ملامحهم، الاحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد -الماضي القابع في الذاكرة - غياب الوطن في المنفى واختراق المنفى ذاته في حضور الوطن، الناس، الأحداث، الصلات اليومية (ص13). وحين يكتب عن الشاعر حسين عبد اللطيف فأنه يسرد بعضاً من سيرته الشعرية كاحتفاء الشاعر ادونيس به حيث نشر له (في العدد الثاني من مجلة مواقف مجموعة من القصائد (...) وقد أكد ادونيس ومن خلال تعريفه بحسين عبد اللطيف أن العراق بشبابه من الشعراء يضيف نكهة خاصة متميزة لبيت الشعر العربي الممتد عميقا في المكان. . (ص19)ثم يوضح دور الشاعر حسين عبد اللطيف باهتمامه الشديد بالعديد من الأدباء الشباب في المدينة . وعندما يتناول ديوانه الجديد (بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو) يرى" أن لا تراث يعتد به لهذا النوع من الشعر في الخارطة الشعرية العراقية والعربية حتى (ص21) ليؤكد أن المجموعة فيها الكثير"من الاهتمام بالطبيعة الجنوبية والبصرية بالذات، التي يمكن الرجوع إليها في المجموعة التي تحتشد بأسماء بعض الأماكن وسماتها وتلك الحيوات الهشة الموسمية في دأبها الدائم على مواصلة الحياة على الرغم من معوقات الطبيعة ذاتها (ص23) وعلى الرغم من توفر عناصر قصيدة الهايكو في ديوان الشاعر حسين عبد اللطيف كالاحتفاء بالطبيعة واحيائها وقصر هذه القصائد وكثافتها اقتراباً من قصيدة (الهايكو) ألا أن الكاتب جاسم العايف يصفها بعيداً عن هذا المعنى حين يلاحظ أن قصائد الديوان"ليس سوى صدى أو تشابه مع قصائد الهايكو (ص22) ثم يتمنى على الشاعر (ألا يلحقه بـ"الهايكو"بل يكتفي بما ذكره كونه (ومضات) أو ما أطلق عليه بـ(توقيعات)ولحسين في ما فعل اجتهاده وهو حر فيه ((ص22)ولم يعط الكاتب سببا لتمنياته أو توصيفاً يناسب اقتراحه بان يكتفي الشاعر بـ(ومضات أو توقيعات). وعند تناوله مجموعة(على جناح ليلكة) للإعلامية أطوار بهجت يعلق الكاتب على مصيرها الفاجع وما تعرض إليه موكب تشيعها باعتباره "من المشاهد الواقعية اليومية التي تختص (دراما) الحياة العراقية الراهنة . . مشهد لا ينجو منه يوم من أيام العراقيين، وهم يعانون مخلفات سنوات القهر والقمع والدماء والحروب"( ص36) ثم يتناول مجموعتها هذه بعناية خاصة مكثفاً أجواءها " بهموم وجودية - عاطفية، جهدت فيها الشاعرة أن تترسم حياتها اليومية الدافقة وروحها العالقة-المعذبة بين الحضور والغياب بثنائيات"( ص36) ويخلص إلى أن هذه المجموعة الشعرية (اقرب لـ"مدونات يومية شعرية"تفتقر إلى قلة الخبرة (الفنية- الشعرية) مع عدم الاهتمام بـ (الإيصال). وقد تضمنت المجموعة هواجس وخواطر متراكمة بسيطة غير معقدة لكنها من جهة أساسية تتفجر بعواطف ومواعيد سرية- وجدانية وألوان وأفراح وأحزان إنسانية ذاتية، شخصية متباينة) (ص39). ثم يتناول( أغنية حب) المجموعة الشعرية للشاعر مهدي طه، ويستغرق طويلا في سرد مكابداته مع استبداد النظام السابق، إلى حين" العثور على جثته غريقاً في الثلاثين من أيار عام 1975 بالقرب من نهر الحكيمية، ويجاور النهر:مديرية مخابرات المنطقة الجنوبية و مديرية استخبارات البصرة" والكاتب إذ يسهب في تفاصيل العذاب الذي تعرض له الشاعر قبل غرقه، فأنه يقدم شهادة معاناة ومكابدة عاشها المبدع العراقي في البصرة أو المحافظات الأخرى وهي خلفية مؤثرة في النتاج الشعري والقصصي، ويذكر الكاتب أمثلة بأسماء الشعراء والفنانين والكتاب الذين تعرضوا لموت مفاجئ ( يشبه غرق الشاعر مهدي طه) وهم حميد كاظم ( القاص سمير أنيس) وسعدون حاتم (الشاعر آدم حاتم) كلاهما قتلا في لبنان والقاتل مجهول !؟. (...) الشاعر قيس حيدر اعدم بتهمة الانتماء لحزب محظور (ص30)، ثم يكثف الكاتب وجهة نظره في شعر الشاعر مهدي طه قائلا: "لدى مهدي طه ارتفاع صوت الأنا عالياً في شعره ولا مكان لتعدد الأصوات في قصائده مما قلل مساحتها العامة ومنعها من الخروج عن ذاته المغلقة" (ص33) كما يلاحظ بعض الهفوات والسقطات الشعرية (البريئة بالضرورة) وهو يعزوها إلى العمر والتجربة القصيرة. ويضم القسم الأول من الكتاب إضافة لما ذكرناه موضوعات تتناول مجموعات شعرية ونقدية عن الشعر: (فجائع عازف آخر الليل، بداية البنفسج البعيد، جدل الشعر والرسم في قيم تشكيلية عراقية، قصائد النثر العربية: مشاهد ورؤى متعددة، أنشودة المطر. . قراءة جديدة .. وغيرها). ويختص القسم الثاني من الكتاب بالسرد وهو يتناول:(كوكب المسرات: شهادة جارحة. . تعدد التجنيس، أفراس الأعوام:تاريخ وطن. . تحولات مدينة، روايات غائب طعمة فرمان: برلمان الحياة العراقية، أوراق جبلية: تجربة ذاتية وتنوع المنظورات الإدراكية، مدن الرؤيا: قراءة مجاورة، انكسارات مرئية: محاولة اختزال المألوف والشائع). في رصده لكتاب( كوكب المسرات ) للقاص محمد سعدون السباهي، يلاحظ الكاتب جاسم العايف، تعدد التجنيس فيه، فالسباهي يكتب على غلاف كتابه "سيرة ذاتية من يوميات سجين" (ص85) ثم يهديه نصاً: "إلى زوجتي. . واصغر الأبناء الشجاعَيْن اللذين بواسطتهما هربت مسودات فصول هذه (الرواية)"، ويكرر وصف كتابه بالـ(رواية) في صفحات غيرها. ثم "يورد السباهي الملاحظة التالية في نهاية كتابه:" تاريخ كتابة النص" (ص89). . "وبهذا أطلق السباهي أربعة( أجناس) على كتابه فهو أولاً: سيرة ذاتية، وثانياً: يوميات سجين، وثالثاً: رواية، ورابعاً: نص"( ص89). ومن خلال هذا التجنيس المتنوع لكتاب (كوكب المسرات) لاحظ العايف" أن السباهي كان المراقب للجميع عما يحيطه ويحيطهم لذا روى براءة بعضهم والالتباسات التي وضعتهم في هذه الجحيم، وهذا الجانب يمكنه أن يسهم في توسيع فرص التنويع، واللعب الفني- السردي على المنظورات الإدراكية" (ص86). وعن رواية (أفراس الأعوام) للروائي زيد الشهيد، الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة دار الشؤون الثقافية لعام 2011 يكتب قائلا: "تدخل رواية (أفراس الأعوام) ضمن الرواية التي تستفيد من سجلات التاريخ، فهي تروي بسرد شفاف يتداخل فيه الزمن والتاريخ في العراق، بالتشابك مع الوقائع العينية للحياة اليومية، ونمط العلاقات المتعالية للفئات العليا في السلم الاجتماعي"(ص92) ويلخص الكاتب الأحداث التي سردت في هذه الرواية ممثلة بالحياة اليومية خلال سلطات العهد العثماني "المتلفعة برداء الدين الإسلامي وحكمها الفاسد الجائر الناهب للخيرات العراقية بحجة إسلاميتها" (ص93) وكذلك الأحداث قبل وبعد دخول القوات البريطانية إلى العراق عام 1914 وما جرى بعدها من أحداث دامية واجتياح مدينة السماوة من " قبل وحوش الوهابية، سلالات الفكر الصحراوي والقرى القاحلة"(ن. ص ) ويخلص إلى نتيجة تقول: " في رواية (أفراس الأعوام)يهاجر الروائي زيد الشهيد من الحاضر إلى الماضي للامساك به وبأحداثه المهمة وبنوع من الثبات الفني- السردي القادر على تناول ذلك أو بعضاً منها لان من الطبيعة المهمة للسرد أن يقترب من شؤون الحياة وناسها"( ص99). بعد أن يتساءل الكاتب جاسم العايف عن جنس كتاب ( أوراق جبلية) للروائي زهير الجزائري وهل يقع "ضمن سرد التجربة الشخصية، عند التحاقه بفصائل (الأنصار) في كردستان العراق، ونزعة رواية التجربة، بعد معايشتها ومعاينتها بكل التباساتها وخساراتها ودمويتها (...) لتكون شهادة موثقة لزمن كان فيه مشاركاً ومراقباً وشاهداً" (ص107) ليسارع إلى تأكيد سؤاله واعتبار ( أوراق جبلية ) "سيرة توثيقية، والسارد فيها هو الجزائري بالضرورة" (ص107). وعلى ضوء هذا الرأي قرأ الكاتب العايف (أوراق جبلية) باعتبارها تحمل الكثير من الحقائق الواقعية التي عاشها الروائي الجزائري ولم ينتبه، العايف، إلى أمرين وردا في قراءته هذه:الأول يتعلق بـ"الأشخاص المرافقين للجزائري وتجربتهم وكأنهم ملائكة مطهرة من كل آثام أو أنانية أو أحقاد أو منافع" (ص107)الأمر الذي أسهم "على نحو ما في تقليل فرص التنويع على المنظورات الإدراكية وافقد السرد اليومي مرونة التحرك بين المواقع المتبدلة للأصوات والشخصيات المشاركة" (ن. ص) وبذلك حكم على شخصيات السيرة باعتبارهم شخصيات روائية وليسوا شخصيات سيرية، أما الأمر الثاني فيتعلق" باستعادة الروائي الجزائري أوراقه القديمة المفقودة عن طريق احد رفاق الجبل ثم يعيد كتابتها أو ينقحها ويضيف إليها بعد أكثر من عشرين عاما على صدورها عن دار نشر جبلية وهمية اختفت من الوجود تماماً"(ص108) وهي تقنية روائية تعمدها المؤلف للإيهام بحقيقة الأحداث والشخصيات التي وردت في السيرة باعتبارها أحداثاً حقيقية وليست روائية، غير أن (الكاتب العايف) لم يقرأ هذه الأوراق باعتبارها رواية تستثمر السيرة وإنما قرأها على وفق العديد من الوقائع التاريخية التي باتت معروفة لنا جميعاً التي وردت فيها، مؤكداً على جوهر الصراع الدامي بين السلطة الحاكمة ضد خصومها السياسيين والذي يتصف بالقسوة والبشاعة من اجل القضاء على" المخربين، حسب منطقها ، ويعني ذلك واقعياً تحويل الأرض في بعض مناطق كردستان إلى فراغ خال من البشر"( ص108) ومن خلال إعادة الكتابة يتوفر للروائي، الجزائري، صورة أخرى لقسوة السلطة الجديدة وتجبرها ومن" الذين قاتل معهم السلطة السابقة، وصاروا رجال السلطة البديلة فهو يطالبهم (بعدم النسيان) لان (من ينسى الماضي محكوم عليه بتكراره حسب ما يقوله جورج سانتيانا"(ص109). ويورد العايف، عينات للذين" دوت القذائف في آذانهم ولعلع الرصاص قربهم وترك جروحا أو عوقا على أجسادهم (..) وبعضهم بات جثثاً غرقى محنطة في متاهات الثلوج إلى الأبد"(ص110). في القسم الثالث من هذا الكتاب يقدم الكاتب كتابين عن المسرح احدهما كتاباً للدكتور كمال عيد عن نشأة المسرح العالمي يعارض فيه "إن الأصل في المسرح والمسرحية انهما قد خرجا من المسرح اليوناني القديم" ويؤكد إن" التجربة المسرحية الأولى هي تجربة وادي النيل والثانية في وادي الرافدين" (ص131). إما الكتاب الثاني فهو كتاب الناقد المسرحي الراحل حميد مجيد مال الله (التدوير الدرامي) الذي يضم (بعض مقالاته ودراساته التي نشرها منذ تشرين الأول عام 2003 ولغاية شباط عام 2009) لتبقى مقالاته التي كتبها منذ بداية السبعينات حقلاً يحتاج إلى مَنْ يجمعه في كتاب، فهي مقالات متخصصة بالنقد التطبيقي كتبها الراحل منذ أوائل السبعينات وفيها" قراءاته ومتابعاته النقدية للعروض المسرحية التي حضر عروضها في البصرة وبغداد وسواهما من المحافظات"( ص135). وعن كتاب الراحل خليل المياح (استقلالية العقل أم استقالته!؟) يلاحظ (العايف) أن هذا الكتاب يضم مقالات تسهم في فهم (جوهر المعنى الفلسفي ) وقد كان مسعى الراحل المياح "في اغلب مقالات كتابه البحث والتنقيب في المقولات الماركسية الكلاسيكية وأراد المزاوجة بينها وبين الحداثة، في محاولة منه لقراءة الأطروحات السياسية- الدينية الراهنة لغرض تفكيك بنية خطابها الديني والمذهبي في هذه المرحلة التي تشهد صعوداً غير مسبوق للهويات الدينية الفرعية" ( ص142). وناقشت مقالات الكاتب الراحل (خليل المياح) تقديس التراث من قبل بعض السلفيين مؤكداً: "انه ليس قيمة بحد ذاته، إلا بقدر ما يعي من قيمة علمية في تفسير الواقع" (ص143). لقد كان كتاب الكاتب جاسم العايف، (مقاربات في الشعر والسرد)، سياحة في بستان الإنتاج والإبداع العراقي في أجناسه المتنوعة: الشعر والقصة والرواية، والمسرح والترجمة، بوجهة نظر تعتني بهذا النتاج، وكِتابه وتستكشف مضامينه الإنسانية وأشكاله المتنوعة، وبذلك فهو اسهامة جادة، جديرة بالقراءة، للتعرف على هذا النتاج وعلى سيرة من كتبوه ومعاناتهم ومكابداتهم حين اختاروا طريق الكتابة الوعر والشائك.

 

* منشورات: مجلة الشرارة- النجف- 2013/الغلاف: الفنان هاشم تايه

 

" الحلم لي" للروائية المغربية حليمة زين العابدين

najia  jannaرواية "الحلم لي" بوح فريد وعشق صريح للأستاذة حليمة زين العابدين، رواية تزاوج بين الأسلوب الشعري و الخطاب الأيديولوجي الذي آثرت من خلاله الكاتبة إلا أن تدلي برأيها في الأحداث العربية الأخيرة، وتعالج قضايا اجتماعية تراها سببا في احتقان الوضع ومأساويته، وتنظر لحلم كبير يحمل أماني كل فرد عربي، اعتمدت الكاتبة التنوع والتركيب في خطها السردي فجاءت الرواية منفتحة على عدة تأويلات، في إهدائها ص 3 ذكرت الكاتبة أسماء لأصدقاء لها كانت لهم بصمات وتأثيرات على الرواية الشيء الذي أعطاها صبغة واقعية، ولمسة مؤثرة جدا على المتلقي ويظل فضاء البحر رمزا قويا لقيم الحلم الكبير الذي يسكن حليمة زين العابدين.

ينطلق المتن السردي من داخل الزنزانة عبر ذاكرة علاء، يأخذنا عبر ضمير المتكلم إلى وضعية المعتقلين وعذاباتهم، وحالة السجون والقمع الممارس والمستمر على الإنسان العربي.

سنتعرف على قصة حب جميلة وعميقة بين شابين كانا في مقتبل العمر (خديجة وعلاء) ومن خلال التحول التراجيدي للأحداث ستطلعنا الكاتبة على عدة عوالم وأحداث واقعية ومتخيلة،تتمازج فيها الحوارات والمنولوجات الداخلية، والحكي، وكأننا بصدد قراءة سيناريو يعالج قضايا اجتماعية شائكة – القمع والاعتقالات القسرية، الهجرة، التسول، الدعارة،التعصب الديني، اغتصاب الطفولة، تعنيف المرأة وزواج القاصر، فالرواية جاءت مثقلة بالمواضيع الجادة التي تؤرق المهتمين بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. في ص7:" حالمان معا بدخول متاهات وطن عشقناه حد الوله، فلم نعد ندري أحبنا لبعضنا من حب الوطن أم الوطن هو الحب ونحن شعيرات في صدر الوطن .. يتحسس قيودا أدمت معصميه وهو ما يزال ببهو مخفر الشرطة، لم ينقل بعد إلى المخافر السرية تحت الأرضية، انتقلت دمعة حارقة على خده من تحت العصابة السوداء التي وضعوها على عينيه ..."هذا وطني يا حبيبتي .. مازال تدبيرهم الأهوج المستبد سياسة قائمة لا يغيرون سوى اللباس والقناع " يستمر المتن الروائي بحبكة مزدوجة، تمتزج فيها ثيمة الحب المزدوجة أيضا، فبطل الرواية مهووس بحب الوطن وحب خديجة، حلمه كبير باتساع البحر الذي شهد على سعادتهما ومغامرتهما ومأساتهما أيضا، نلاحظ كذلك ازدواجية المكان والزمان، الماضي والحاضر، وازدواجية ضمير المتكلم وضمير الغائب، فالتخطيط الذي اعتمدته الأستاذة حليمة يكشف عن طاقة روائية حقيقية ورؤية ناضجة للأحداث الواقعية للثورة العربية التي انتهت قبل أن تبدأ في ص 5: " أبحث الآن عنك يا حبيبتي في دروب نفسي ومتاهاتها، هل نجوت من الغابة؟ أعرف يا حبيبتي أن الذئاب لا تفترس امرأة حبلى في شهرها السابع...هل خرجت من الغابة يا حبيبتي أم اعتقلوك تائهة؟ هل وجدت العم عامر ؟.. أنا حبك والحب انتصار"

في ص16 " إيه يا خديجة حبيبتي، ماذا حل بك في هذا الزمن الملوث بالظنون والخديعة والخيانة؟ فكم كان حلمك أن يمهلونا قليلا حتى تحول بلد المدينة إلى حديقة تزهر فيها الحياة بالأمل والفرح"

يمتزج متخيل الماضي بالحاضر فيعطينا انطباعا بأن النص تسجيل لفترة تاريخية معينة تركت بصمات غائرة لدى الكاتبة التي خبرت هي أيضا الاعتقال السياسي، في ص 18 " في الزمن الغابر، زمن الغزو البدائي، قسم القراصنة شبه الجزيرة جنوب البحر إلى ثلاثة بلدان، كانت القسمة حسابا مضبوط النتائج .. فلم تجد لفظة الحدود منفذا تتسلل منه إلى اللغة المتداولة، ليحولوا شجر الغابة وأزهارها إلى أسلاك وأشواك تمنع التسلل، حين يبتلع الضباب القمر " إن الواقع الذي تمتح منه الكاتبة أضحى متعدد الأبعاد يطرح إشكالية سياسية وطنية وقومية، فالكاتبة تتكلم عن ثلاث بلدان مجاورة كانت موحدة فيما قبل (بلد الجبل – بلد المدينة وبلد قرية الصيادين) فبلد الجبل وبلد قرية الصيادين حققا الأمن والعدل والسلام ص 52 " الشعب في قرية الصيادين ثار ضد الفساد وحكامه، حاملا معه البدائل، محولا أحلامه إلى خطط وبرامج عمل، هدم ثقافة الخضوع للذل والاستعباد التي كانت سائدة، وأقام على أنقاضها ثقافة المواطنة والمساواة و التكافؤ وحقوق الإنسان والعدالة والتنمية البشرية " ... " حاكم بلد الجبل حلم ببلد مختلف، بلد يكرم فيه الإنسان ...انضم إليه الشعب ...لقد قاموا جميعهم بثورة كالنار الهادئة ...وخلال عشرين سنة، تطور اقتصاديا وتضاعف دخل الفرد فيها وأصبحت تحتل مراتب مشرفة ..." أما بلد المدينة، بلد علاء وخديجة في ص 51 " أقسى الحزن أن يتخلى عنك بلدك ...يلقي بك في بطن الحوت، وأنت تنوي الهرب منه إلى البر الآخر، راكبا قوارب الموت .. لماذا بلد المدينة يعيشون الظلام، على هامش القرية بلدكم، وهي تعانق الشمس بالنهار، وبالليل النجوم؟.. أليس لنا نفس الخيرات التي لكم ولبد الجبل؟ لماذا أنتم تعيشون الرفاه الاجتماعي ونحن نعيش النكد الاجتماعي " تلامس باستحياء مشكل الحدود والتفرقة و والعنصرية وتطرح عدة قضايا وظواهر تاريخية، اجتماعية وسياسية ساهمت في إحباطات وخيبات المجتمعات العربية وتحاول إيجاد البدائل لذلك، في ص 18 " و مازال الوهم يسكننا، يسكننا نقاء العرق وصفاء الدم" في ص 19 لن يتلاشى هذا الوهم إلا حين يدرك المواطنون البسطاء أن نقاء العرق لم يكن أسطورة استمرت قرونا .."

أما الحبكة الكرنولوجية فقد اتخذت عدة مسارات ويظهر ذلك من خلال تعدد الأصوات، والحلم، والحكايات، إضافة إلى المقاطع الشعرية التي تقدم إيحاءات قوية لكل مقطع سردي من الرواية وكأنها عناوين لأجزائها الثلاث.

بحيث سيتعرض علاء لثلاث صدمات متتاليات، خيبة ظنه بالوطن الحبيب،سيعتقل وستضيع منه خديجة وهي حامل في شهرها السابع، في ص 5 " حلم لا يبتاع لا يبضع لا يسرق لا ينسف لا يدمر"، ولكن يسجن ويعذب وسيعاني سجديا ونفسيا إلى حين، وثانيهما بعد خروجه من السجن سيعلم بموت خديجة الذي سيخلف ذكريات جميلة وندوبا نفسية في ص 83 "حلم عصي على الريح على المطر على العواصف والرعد" نلاحظ تعدد الشخصيات بحيث من خلال تحاورهم ستثير الكاتبة قضايا اجتماعية تعتبر الركائز الأساسية للمشاكل التي يتخبط فيها المواطن كمشكل السكن والشغل و التعليم والصحة، وثالثها اغتصاب طفلته "وردة" على يد متسكع بالغابة، الشيء الذي سيؤجج نار الثورة لدى علاء وأصدقائه في ص 161

" انشر في الكون الدمار

مزق الجسد وأوقد النار

...

لا يهزم الحلم

حلمي لا ينكسر لا يهزم

حلمي لا يتلاشى لا يدمر"

 

فينبثق نور الأمل ترسمه الكاتبة لتعطينا نظرة تفاؤلية عن مستقبل واعد بفضل تضافر جهود الجمعيات التي تصر على تحقيق الحلم و تغيير الوضع مهما كان الثمن . فالجزء الثالث كما سيلاحظ القارئ اختزلته الكاتبة في حوارات وتناص مع حكايات، تحاول من خلاله إظهار الوسائل اللوجيستيكية التي ستعتمدها الجمعية -التي اتخذت لها اسم " كرامة، عدالة، مساواة"- في ثورتها لتحقيق الحلم المنتظر والعودة إلى البلد.

 

...................

الهوامش

رواية " الحلم لي " لحليمة زين العابدين، عن منشورات دار الأمان، سنة 2013، ص 3-5-7-16-18-19-83-51-52- 161.

غنائية تموز في إنشودة (شفيع مرتضى)

eyal aldalmiالقصيدة ولادة غيمة رائعة، فأحيناً تكون الولادة قيصرية، وأخرى تأتي هاطلة وافرة الحظوظ، تحيي أرض الأرواح فيزهي نبتها زاهراً، تشكل الموسيقى عنصرا مهماً للطرب واحداث النشوة، هنا تبرز مهمة الشعر حيث يقال أن الأثر الممتع للشعر يكمن أن تنبع من الحقيقة القائلة (بأن إيقاع الضربة الشعرية يكون عادة أقل سرعة قليلا من إيقاع النبض، لذا فالشعر لغة القلب). الإيقاع غير الوزن فهما يتعارضان في الأغلب، قليل من الشعر الذي يخرج على صورة الوزن، فالحيوية تكمن في توازي حركات الإيقاع الموحية مع الحركات العقلية، لأنه يضيف إلى الدقة الكمال والتعقيد اللذين لا يستطيع النثر أن يقوم بهما لفقدانه الزخرف الشكلي، فالوزن نغم موسيقي، وكل معنى يحتاج إلى الحركة التي تلاؤمه، فالشاعر يشعر بأهمية الحياة كما يشعر بأهمية فنّه. (شفيع مرتضى) يتحسس واقعه بكل ما يحمل من مكنونات داخلية ليعود إلى ما خلّف في الماضي من حنين، والى الأمس من طفولة بريئة، إلى الصفاء، عاد روحياً لا جسديا بكل ما يحمل من مؤثرات أحدثت بفعل الزمن والتحول الحاصل بعصر التجدد السياسي .ليسأله عن ذكرياته عن طموحات كبتت عن آمال نحرت عن خطوات طفولته المتعثرة بأقل حَزَن من الأرض ارتفاعا ً فيقول في قصيدة (لو تستفيق الأسئلة):

       عدنا إلى البيت القديم لنسأله   وندحرج الذكرى بوجه الأسئلة

       فهناك وجه الماء خبّأ صوتنا           ليمر من أحلامه المتبتلة

يمتلك تراكم روحي فجفن الماء حيث الحياة وتغريده بروحانية خاصة، فهو ينتقل من الطفولة إلى مواقف أكثر إيلاما يغلّها الحزن بحميم القوة المتسلطة، حيث يقف على كمًّ من التناقضات المستحيلة، ولم يبقى سوى بريق الحلم وأمل ارجواني يتحرك بالدم ليشعل العواطف فقد غزل بأمنياته الحلم:

     هل تذكر الأمل الذي في بابنا؟           كنا نلم المستحيل لنغزله

     هل تذكر الأشواق كيف نخيطها       كانت تظلُّ بجانبيك معطلة

العقبات كثيرة والمخاوف ترمي ستائرها على ضوء الصبح لتكمل دائرة السواد لا أقول الظلام،ولكنها الليل الطويل البعيد الصبح ومع وسع جراحه يبزنا بصورة باهرة (هل تذكر الأشواق كيف نخيطها؟) لقد مدَّ ظلّه ليصافح طعنات الزمن برغم صعوبة أيامه وإهدار الضمير مخضباً، لكنه يمتلك القابلية على الوقوف والتجلد لمصافحة الأمس المرير :

     عدنا نمد الظلَّ كف محبة       لنصافح الأمس الذي.. ونقبله

     عدنا نذكره بحقل طموحنا     نسقيه سمرة خدّنا، كي نجعله

أراد بمناشدته أن يهب البيت سمرة سحنته ليصيّره كبيرا عظيما، ليهيج ما خبأ من طموحات مكبوتة بقيت مابين الأمل والخوف، فكان حتى التفكير بها همساً، مافتئ يشعر بدفء حضن الأم وهمسها، لكنه وأخوته منعوا ممن حلموا في تحقيقه :

     لا زال همس الأم – حضنا دافئا     لا تحلموا، فالأمنيات مكبلة

     صلى النخيل على ضفاف جراحنا       فجراحنا للقادمين مكللة

كان كل شيء في حضن الأم يتردد صوتها وغمغماتها، ورحيق كلامها، ونشيجها المُر عندما يصدر من صدرها له إيقاع خاص، أكثر تأثيرا وأعظم ذكرى .. أما حينما ترحل فأشدّ دمعاً والأحلام يتملكها هول التصحر .فأصل الثالث الذي نمى من أظافر آدم (النخيل) وقدسيته وبصلاته على جراح العراقيين حيث يتمايل على ضفافها دون الخلق، فهو فرد من جمع تساوت به الجراح، لذا استفحل الشيطان ولم يترك شيئا إلا استوطنه مكبرا حجمه إلى أن سدّ دخول الضوء وعفّن الهواء من نافذة الأمل، ليقتل ابسط الأشياء ويقتله، فقد كانت النفوس رديئة:

     كنّا نرى (الشيطان) في شباكنا     عيناه تسترق الشعور لتقتله

       تركت خطاه الورد ينزف حائرا     وسنابلا رقّت لقسوة منجله

لقد ابتلّت خطوات أمله بدم الزهر فنزفت عطرها وفتوة شبابها حتى أصبح دمها أبخس شيء، فانحنت السنابل المثمرة واستعبدت لقسوة الجلاد، لكن الآمال العظيمة نهضت كالفينيق لتهب الريح وتدفع الغبار والظلام والجبروت، والجدران البالية بمختلف الأفكار العقيمة.

     كبرت أمانينا، ويصغر ظله     وعلا جناح طموحنا ليظلله

     فاليوم عتقت الشعور أنامل     كانت يمر الموت وهي مهللة

ها هي الخطى الواثقة نهرا من الخير لتنهض بجياع الحرية والفكر، جاءت لتطلق المفردة المؤجلة الوجلة، والشجرة كثرت أغصانها لتسع العصافير كلها، والشرفة تحتضن الضوء والنافذة مطلقة لدخول الهواء، والثغر ما عاد مثقلاً بالأصفاد . فضحكت الورود لقبلات الندى وعانقت ريح الفضاء خطواته المتفردات بعدا، فالطريق يكفي الجميع بلا تدافع .

       جاءت تؤثث ما تأجل في فم       شفتاه أرصفة الكلام المثقلة

     فالآن لون الليل فارق صبحنا   مذ عاد لون الورد كي يتخلله

وقد تمطت الشمس تحت هزج الأغاني الملهمة تهزهزها الريح بتدلل، فقد عاد الضمير من منفاه، والتأمت جراحه، كي يضع الميزان ويبني الأرواح،ليوسع البيت القديم في نفوس المبعدين، ويعود بكل أتربته القديمة التي تحمل سحنة ألواننا التي ربما بدلها الزمن أو رام تبديلها.

فلتضحك الشمس التي في حجرها         كانت أغانينا تنام مكبلة

القت عصاها الريح بعد رحيله             فعيوننا بالأمنيات محملة

سيظل صوت الفجر يهتف أننا   للخارجين عن الضمير المقصلة  

 

عيال الظالمي

4\4\2014

 

موفق محمد .. شاعر لمدينة فقدت حدائقها المعلقة

rahman khodairabasللمدينة - أعني الحلة - طعم العطش الأزلي، منذ فخامة الجنائن التي عُلقت كما يروي لنا التأريخ عربونا عن حب ملوكي، في مرحلة منحت البشرية لونها وميسمها وعطرها الحضاري، حتى آخر إنفجار سيارة مفخخة،تعصف باجساد من وجدوا انفسهم فجأة امام جحيم لحظة متحجرة الملامح. ماذا تبقى من بابل غيراسوارها التي لم تسلم من عبث المستكشفين والأفاقين وسارقي الآثار ومن ارادوا ان يتسلقوا على التأريخ، بوهم كتابة اسمائهم على بواباته؟، نزوة لعظمة كاذبة لوثت نقاء الحضارة الممتدة حتى الشمس، حيث حمورابي يكتب نقوش القانون البشري على مسلته، وحيث الأسد يفترس الأعداء الذين ينوون شرا ببابل، اسد رابض بقوة على جسد بشري ليعلن سطوة مطلقة للقوة التي ترفع الأمم اوتذلها . وماذا تبقى من بابل الحديثة/ الحلة غير وحشة الذكرى. او كما يصفها الشاعر

في الغروب التي تلون فيها الغربان أصواتها من وحشته ""

لأيام زهت وانطفأت تحت وطاة رذاذ الموت اليومي؟ وماذا تبقى لشاعر المدينة المثخن بالجروح غيرلغة الرفض والإحتجاج . هذا الشاعر الذي اكتسب توئمة مطلقة مع ليل المدينة، نهرها، وجع اهاليها وازقتها وحيطان بيوتها . لقد آلى على نفسه ألا يغادر الحلة، وان يكون نبضها الذي لايتوقف :

" انا احب الحلة لأني ولدت على بعد

موجتين من نهرها "

لم يكن موفق ابو خمرة شاعرا طارئا. فقد عاقر خمرة الشعر منذ سبعينات القرن الماضي، وارتشف منها ما يكفي لأن يكون شاعرا متميزا باسلوبه وطريقته، وكان قارءا نهما ومتذوقا لعيون الشعر والأدب العالمي منه او العربي، لذا فتكونت لديه خميرة جعلته فقد يروض الكلمة ويمنحها قدرة الفعل .لتتحول الى قصائد جادة غير قابلة للتأويل . فهي خشنة الملمس، حادة الملامح، تبدو متوحشة احيانا، فتنشب أظفارها في الجدران كي تصل الى النافذة . أحياناً تستكين وكأنها دمعة بلورية تشق طريقها عبر تجاعيد الزمن المرّ . واحيانا تنفلتُ من عقال الصبر كي تمطر الزمان والمكان بغضب إنساني متوهج . لذا كانت قصائده تستنسخ وهي تنتقل من بيت الى آخر،ومن يد الى أخرى وكأنها مناشير سرية . كان يكتب الشعر في هواء ملوث،ينفث بقايا الألم فيتلقفه بقية الناس الذين يبحثون عما يعزّي آلامهم . وقد استخدم سلاح السخرية الضاحكة، وكأنه يريد ان يخفف من حجم الألم، او يحاول ترطيبه وعدم الإنكسار أمامه . كان شاعرا فكهاً بإمتياز. رغم أنّ كريس ماركر يرى " أنّ الفكاهة هي الجانب المهذب من اليأس" وإذا اعترفنا بهيمنة اليأس، فانه لم يكن نصيب موفق محمد فقط وانما هو قاسم مشترك لملايين العراقيين الذين اكتووا بحروب عبثية " واحدة تلد أخرى " وهجرة وتهجير قسري لأسباب إثنية ومذهبية وفكرية، وانتفاضة تخلى عنها العالم، مما جعل النظام المهزوم في الحرب ينقضُّ عليها وعلى من اعتقدته السلطة قد قام بها . وكان نجل الشاعر احد ضحايا هذه المذابح الجماعية التي إرتكبها النظام،لقد خرج أثناء الأنتفاضة ولم يعد الى الأبد . وقد ترك موته غصة في اعماق ابيه وهو القائل

"ميت أنا .. ميت .. ولاخط يجي عن موتك

سودة وحشتك يا ولدي، حرموك من تابوتك "

وكان الحصار المدمر الذي استهدف لقمة عيش المواطن، حصار اشترك فيه كل العالم، ولأول مرة يتفق الغرب مع الشرق على تجويع العراقيين، وتدمير خصائصهم وسماتهم . هذا الحصار الذي اكل الأخضر واليابس، والذي جعل شاعرنا موفق يبيع الشاي في احد شوارع الحلة، بعد أنْ باع كتبه، فكيف يمكن لنا ان نفسر صبره وهو يواجه هذه الأحداث التي كانت اكبر من أنْ تتحملها القدرة البشرية . لقد مكث في مدينته، رافضا الهروب او الهجرة الى بلدان اللجوء . وكأنه لايريد ان يتخلى عنها . او يتخلى عن الألم الذي أدمنه . ومع ذالك كان يقاوم الواقع القاسي في مواجهة غير عادلة، ومع نظام سياسي لايعرف معنى الإنسانية في ظل ضوابط لاتعترف بحقوق الإنسان ومعنى المواطنة. لذالك فهو يستنكر سيطرة من لم يكتووا بنيران الفقر والحصار، والذين جاءوا تحت غبار الغزو لأعادة عقارب الزمن الى الوراء، ومحاولة إغراق البلد في احتراب آخر، تحت دعوى حرصهم على العراق، فكان يوبخهم بقوله

" أين كنتم، ايام كان العراق

ماكنة للحم البشري .."

احيانا تشعر ان بعض القصائد تحاكي اوجاعا مزمنة . رافقته منذ البدايات، وتشعبت في عروقه وكأن الألم يراوح في مكانه دون أنْ يتقدم :

" راوح مكانك ياسلام

من نصف قرن يلهث الإنسان في جسدي ويعوي

لم يذق طعم المنام

راوح مكانك ياسلام، واسمع صهيل الموت يشهق في يديك وفي عيونك

لاتخف فالموت خُط على جبينك، واستدر للخلف وأزحف في الظلام .."

و كأن هذه القصيدة الحزينة طارئة على مايتمتع به الشاعر من حسّ الفكاهة والطرافة، حيث كان بالنسبة لأبناء مدينته ملاذا لأمتصاص الضجر . ولكن الموت الذي يلف العراق من اقصاه الى اقصاه هو الذي جعل قصائده تترنح تحت وطأة الدفن اليومي والقتل اليومي وقلق اللحظة المتحجرة . لقد طغت لغة الموت على جُلّ قصائده، وتشبعت بمفردات المقابر والأضرحة والثكلى والبكاء وعزرائيل والتوابيت والذبح والجثث والأشلاء والمفخخات والجحيم ..الخ . الموت حاضر في شعره. احيانا يناجيه او يعاتبه او يتحداه او يتوسل اليه او يناديه كي يتأمل المأساة :

" قل لي ايها الموت

هل تسمع أنين الأطفال

وهم يرضعون الحليب المعسّل بالسرطان من أثداء أمهاتهم "

والموت في قصائد الشاعر غير مرتبط بقضايا الأقدار او كوارث الطبيعة ولكنه مرتبط بفعل بشري . فحينما تدين قصائده فعلَ الموت فانها تدين الجريمة، بكل اشكالها ووجوهها، ابتداءا من جريمة الحرب التي تورط بها النظام الى جريمة الغزو والتحرير مرورا بجرائم القتل على الهوية والإحتراب المذهبي . لقداستطاع مفهوم الموت ان يتمدد في قصائده ليشمل فتاوى القتل، وممولي عصابات الموت وفضائيات التحريض التي ماانفكت تؤجج المعارك لكي تتسع القبور من اقصى البلاد الى اقصاها . ورغم ان شاعرنا قد اكتوى مباشرة بالموت من خلال فقد إبنه، ولكنه لم يجعل منه حزنا ذاتيا بل وجعا عراقيا شاملا، فقد تكون الحياة موتا . فهاهم اطفال العراق يموتون الما وجوعا وذلا :

" فهاهم أطفالنا وبحماسة لجان التفتيش

ينبشون المزابل نبشا، للفوز بلقمة عارية من الصحة ..."

لايتورع الشاعر عن سفح بشاعة الصورة . إنه يعكسها كما هي، لايلقي على جثث الضحايا غطاءا لستر كرامة الموتى كما يفعل مصورو القنوات الفضائية العالمية لتغطيتهم للمجازر .. هو يجعلها عارية كما ارتكبت ويصفها بدقة الرسام،وكأنه يريد أنْ يصفع وجه العالم مذكرا اياه بأنين الضحية وهي تعاني نزعها الأخير، غارقة بالدم والغضب والألم والعجز عن المقاومة . اعترف بان بعض الصور غارقة في رعب الموت وتشنجاته، ولكنه يريد ان يريه الى الآخرين، كي يصدمهم بدوي الحقائق التي تمارس على الأرض من قبل قطعان بشرية حالمة بالجنة، وسالتقط بعض العبارات المبثوثة في ثنايا قصائده: (الجثث المكتوفة اليدين .. اجلس في المقلاة ..جاهدت ان أجعل من جثتي شمعة ..القناص كتب اسمه على جبهتي ..يتدلى من رأس مقطوع ..ثقب واحد في رأس الثدي الأيسر ..مصنع لتعليب الرؤوس البشرية ..وينز دما من عينيه ..السكاكين تعزف على رقابنا..أمّا قلبي فلا تستغربوا من المسامير التي تطرزه ..ألخ)

تطفح قصائد الشاعر موفق محمد برموز أثيرة الى نفسه متعددة، تجلت في اغلب شعره، ومنها : الأم التي ظلت تداعب خيال الشاعر وتبقيه طفلا أبديا ببراءته وحاجته اليها، والأم هي الوجه الآخر للوطن، وقد كان موفق عاشقا للأمومة يذوب فيها ويغترف منها القدرة على الوقوف والتماسك، كما انّ امه ألهمته الشعر كما ألهمته الألم منذ صرخته الأولى وهو يواجه العالم، باكيا من استنشاق عطر الحياة المخضب بالدم، بينما القابلة تهمّ بقطع حبل المشيمة . ومنذ تلك الحظة اضحت امه حائط مبكاه ومسرح ضحكاته : " هي ذي كأسك

فكأسي إمرأة تبكي في منتصف الليل "

واحيانا يصف لوعتها وهي تواجه حدة الواقع الحياتي المر

" فامي يقظانة نائمة

وقنبلة موقوتة البكاء، تقبّل وسائد الغائبين"

اما مدينته فقد اخذت من شعره حيزا واسعا لايمكن استيعابه بهذه العجالة . فالحلة- في قصائده- ليست مجرد مدينة، بل هي كيان تاريخي ضارب بجذور حضارات مازالت شاخصة . وهي ملعب صباه وباكورة احلامه ومسرح اوجاعه ومسراته . فيها تجرع خمرته الأولى وسجارته الأولى، وفيها تهجى الحروف التي رافقته الى الأبد:

" أنا أحب الحلة فقد علمني نهرها القراءة والكتابة

وأعارني كتبا ممنوعة .."

لذا فقد تحول الى شاعرها وعشيقها وحارسها ومتسكعها الليلي وصعلوك شعرها الذي يلتحف من الهم اليومي بغطاء قصائده كي يتصيد عنف اللحظة:

" في أول ساعات الفجر

وانا أترنح في الليل المسجور بأجساد القتلى .."

انتهج الشاعر موفق محمد اسلوبا في كتابة الشعر، يقوم على الموائمة بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة حتى ان الكثير من قصائده تسمو في افاق القريض احيانا ثم تخبو لتلامس النثر احيانا اخرى . ويأتي شعره معبرا عن كبرياء الكلمة في كلتا الحالتين، وعن موقفه كشاعر وكإنسان، لذا فقد جعل من الشعر وسيلة للتغيير ونقله من زواياه المحدودة في اعمدة الصحف والمجلات، ليجعله (منبريا) إنْ صحت الكلمة , فالشعر الحديث أقل قدرة على شد المستمع من الشعر العمودي، ولكن موفق استطاع ان يجعل من شعره قابلا للأصغاء، مستقطبا الجمهور بمختلف مراتبه الثقافية . وكأن الجمهور يذهب للأستماع والإستمتاع وكأنه جمهور (الفرجة) التي يتفاعل بها الفنان بمن يحيط به . ومفردات موفق تلامس ذائقة المستمع الى شعره حتى وان هبطت عن المألوف . واذا لم تسعفه فصاحة اللغة ومتانتها يستعين باللغة الدارجة ويوظفها في القصيدة بشكل متقن . وكأن الفصحى غير قادرة على البوح، لتنبري اللغة الحكائية وتقوم بدورها . حتى ان الجمهور يبكي ويضحك في نفس اللحظة . وما القصيدة التي قيلت في إحتفالية ابي تمام الا مثال على ذالك :

" افنيت عمرك لم تقم من وجعة، الا وطحت بأخرى

سرمهر وانكس

وما تخلصت من بور لطمت به إلاّ تمنيته

فالجاي كان أنكس .."

ويكثر الشاعر في استخدام الكلمات الدارجة، فتراها مبثوثة في صفحات قصائده دون ان تؤثر على جمالية اللغة، بل تمنحها اتساعا في الدلالة . وسألتقط بعض هذه المفردات على سبيل المثال :

(اويلي يابة - يا جار رمش لي - يمة آنا لفيت صرتك بالورد وذبيتة - وين نولي - العدة عراقي عتيك للبيع - انتو مطينة طرح - بلاد الجنابر - وضع ما تبقى من أيامه على تنكة نص ردن - لو نعرف انت بيا طولة...الخ) وهكذا تأتي اللغة الشعرية متشابكة ومؤثرة، وليس غريبا على الشاعر الذي يجيد كتابة الشعر الشعبي وله قصائد رائعة تتسم بالعمق والحزن ومنها (يا مطر زخنة محنة) كما ضمن الكثير من الأغاني الشعبية الشائعة في قصائده، ومنها اغاني سعدي الحلي وعفيفة سكندر وغيرها :

(اريد الله على الدكة يجازيهم

كلما عذبوا حالي، ساكت ما أحاجيهم ..)

أما الأقوال المشهورة والأمثال السائرة فقد استخدمها بشكل محوّر من اجل إثارة الأنتباه وتسليط مزيد من الضوء، ومنها: (انت لاتنزل القبر الواحد مرتين - بأنّ مسيرةالمليون قبر لاتبدأ إلا بجثة - قبل أنْ نهزه رصاصا جنيا - أنا افكر اذن أنا دايخ - وقتالكم لاتأخذه سنة ولانوم ..ألخ )

لقد كانت السخرية سلاحه ضد الأنظمة . لم يهادن ولم يصمت بل قال ما ينبغي قوله وكأنه لسان لمن آثر الصمت خوفا او جهلاً. واذا كان الفيلسوف الفرنسي ذو المنهج السريالي (اندريه بريتون) قد إخترع ما يسميه السخرية السوداء . تلك السخرية التي تقوم على استدعاء الأمور الأكثر رهبة، فانا يصح ان نسمي سخرية الشاعر بالسوداء، لأنها تطفو على بحيرة من الألم والحزن والمرارة،وللنظر مشهدية هذا النص :يقول في احدى مقاطعه:

" يقول القرضاوي

فمن يقتل عراقيا خيرا يرى، ومن لايقتل عراقيا شرا يرى ! "

ثم يقول في مشهد آخر:

" وما ذبحناهم بل كانوا انفسهم يذبحون

قالها مفتن من اليمن السعيد، وهو يخزن القات .."

لقد كان المقطعان نموذجا لسخرية سوداء، فيها من الألم والأستغراب والدهشة، ما فيهامن طرح المتناقضات بشكل اضحك الجمهور وابكاه في آن واحد. كما انه أدان التطرف الديني والمذهبي وسفّه شيوخ التطرف والتكفير، منتصرا للبراءة والضحايا،منتصرا للعراقيين الذين تذوقوا مرارة القتل والفتك والتجويع بأسماء مختلفة وهنا تكمن اهمية السخرية الهادفة التي انتهجها الشاعر موفق محمد في اغلب نصوصه .

 

قراءة موجزة عن شجرة الإبداع في أعمال سهى ذكي

mohamad talat"يعرف الجميع من هو السيد حزن؟ هو من يحكم سيطرته على البشرية، من يجيد تسخير مساعديه لمعاونته في كل حزن، بداية من حرمان طفل من ثدى أمه، مرورا بالانكسارات الصغيرة في الطفولة وفشل الحب الأول، نهاية بإجبارنا على الاستسلام لمساعده الأكبر، الموت".

بهذه المشهدية السردية من نصوص "وجع الأغاني" بدا البراح الإبداعي عند سهى ذكي الأديبة المصرية براحا يتسع ويضيق حسب مزاجية حالة الإبداع لديها حيث بدت ملتصقة شديدة الالتصاق بواقعها النفسي الغالب عليه صفة الديكتاتورية الذي يشترك أيضا مع واقعها العام الذي يعج بالكثير من الديكتاتورية والألوهية وعبدنة الأفراد والحالات، وقد برز ذلك واضحا في جملة أعمالها الأدبية، وخاصة " جروح الأصابع الطويلة2008م- فاطمة 2010م- وجع الأغاني2013م"، وفي هذه الأعمال بدت رؤيتها للعالم والوجود متماهية مع الغُلب والفقد اليومي الذي تمثله روح السرد المتسيدة حد الاستبداد في فرض ما تراه هذه الرؤية في هذه الأعمال الفنية.

وبعيدا عن الكلمات المحفوظة التى اختراعها بعض هواة النقد في التسطيح الصحفي، فأعمال سهى ذكى تبتعد عن تلك "الأكليشيهات المتوارثة" من نوعية إنها تهتم وترصد فئة المهمَّشين من الأناث المَقْصِيّين إلى آخر تلك السلسلة من التشبيهات العجيبة التى تُمحور صوت أي مبدعة على قائمة تصنيف الصوت النسائي المضطهد صاحبة القضية المهولة. حيث لا يوجد في المسرح السردي لهذه الأعمال أي تقصىي لصوت الأنثى المهمشة بل هو إبحار في سيطرة واستبدادية الأنثى في فرض سيادتها بإجلال حزنها السرمدي، وجمالها الفريد، وبشهوتها العاطرة على الوجود في حالة قبول وتعايش ورضا بالكينونة والنوع. كلها صفات تصالحية مع الذات الأنثوية التي هي المعادل الموضوعي لتلك الوسامة التى تتغزل بها سهى ذكي في نصوصها الإبداعية لدرجة يمكن التخيل فيها أن سهى تكتب بحالة انسجام ما بين شقها الذكوري والأنثوي معا.

في هذه الأعمال لن نجد الإعلاء المصطنع لشأن الأنثى كمظهر مسرحى لحقوق المرأة المعقدة لدينا في الشرق ، حيث صدرها المبدع العربي وصدرها للعالم بمنتهى العبثية العقيمة التي أنتجت أغلب الأبجديات الأدبية الأنثوية التي تعاني من رؤيتها كأنثي، إذ لا تراه في ذاتها سوى ديكور يزين به الرجل الشرقي عضوه الذكرى في أغلب الأحوال، لكن المشهدية السردية سواء في واقعيتها أو متخيلها عند سهى ذكي لا تعتني بتلك التأزمات والتراكمات النقصية التى جسدتها في سياق الانتهاك لحقوق الإنسانية. حيث استعارت مفردة"مضاجعة/ الأوضاع" التي تقترن عادة بشكل جنسي مهين للأنثى؛ لتنطقها كوضع أكثر إهانة حين يشعر بها الذكر، فتقول على لسان "عمر" في رواية جروح الأصابع الطويلة: "هل يوجد غيري في هذا العالم يضاجعه القدر في كل الأوضاع"ص33، وهي هنا تؤصل نوعا ما لفسلفة إنهاك الجسد البشري بمفردة جنسية حبستها الأبجدية الإبداعية العربية وقيدتها حول الأنثى. كسر القيود وفتح براح أعم وأشمل تتساوى فيه كل المفردات دون تميز ولا عنصرية ولا فرق في استخدامها بين عالم الذكورة والأنوثة، فهى هنا لا تخلق صراعا مفتعلا بين العالمين بل تعمل على استزراع شجرة الاحتواء التى تظلل على الجميع.

إن شجرة الإبداع الاحتوائية لديها يقبع بداخلها ديكتاتور الوجع السردي (الحكي/ السارد) الذي يعلم كل شيء ويصف أدق التفاصيل كأنه رسول أتى بعلمه من رب ذوات النفس الداخلية للبشر، ليفضح ستائر الحزن عن عالمهم، ليوحد بينهم، فثمة حزانى هنا تعلن عنهم في عالمها الإبداعها الذي يحرر بالمعني الرقيق الدافئ الصادق بلا ضجيج ولا ادعاء النبوة، فهي تحرر قيود الرغبة للأنثى لتختار ما تراه مناسبا، ولتمارس الحب مع من تريد، ولتلعب مع من تشتهي، فهى تآخي الذكورة في سلطوية اللعبة التى يتحكم فيها الذكور. في رواية فاطمة: " قومي يا قزمة العبى معايا.. يالا يا كرته يا وحشة.. إنتي ما بتحسيش؟"ص30، تفضح هذا التميز والعنصرية من هذا الذكر" يتسلل هاني بعيونه السوداء الضيقة طويلة الرموش، يترقبني من تحت نظارته الرقيقة مرتديا بيجامته المقلمة فيقترب منى مستفزا.."ص30، وهذا الوصف الديكتاتوري للحالة المشهد ككل من قبل الساردة أعطى مساحة من الديمقراطية في المشهد السردى العام حيث لم تخلق الوصف السيء للذكورة عقدة (الولد والبنت) فجاءت ديمقراطية اللوحة السردية بطفل آخر أكثر وسامة تلتف حوله البنات.. وهو الوسيم(وسامة الإنسان) الذي تحاول أن تفرضه ديكتاتورية الساردة في"وجع الأغاني"، و"فاطمة" و"جروح الأصابع الطويلة" ليكون المعادل الموضوعي لـ(قبح الذكورة)، كمحاولة ديكتاتورية منها لإجبار الذكورة للتعايش والإخاء والمساواة مع الأنوثة. وبهذا تأسس سهى ذكي دمقرطة السرد وإن بدت غاية في الديكتاتورية.

والأديب الذي يؤصل هذه المعاني فهو بلا شك يمتلك رؤية عميقة للحياة أو لما وراء الحياة.. لظاهر النفس مع الناس ولباطن النفس مع الذات. في مساحة تطول أو تقصر وفقا لمزاجية الحالة الإبداعية عند الأديب. وهذا واضح بشكل عام في إنتاج سهى ذكي الإبداعي. إذن هذه الرؤية للعالم الإبداعي تتكامل وتوضَّح في نصوص "وجع الأغاني" رؤية واضحة متكاملة للإنسان (الأنثي) والوجود(الوجود الأنثوي) و كأن ملامح هذه الرؤية هي أشبه بصفحة السماء في فصل الشتاء في يوم غائم تتكون السحب الحبلى بالماء شيئا فشيئا، لتجعل القارئ يجول في السماء، و يلاحق الحدث(المطر) ليرى أول قطرة ليستنشق أول عبق برائحته النفاذة عن جماع طبيعي ما بين الماء أساس الحياة والتراب/الرحم الشريك الفعلى لخلق الحياة.. إيلاج فطري في تتابع زخات المطر المتقاذفة من السحب لترشق بين ثنايا التراب لتعجنه أديما لزجا ينتج عنه هذا العبق الفني في نصوص هذه المبدعة. تضع هذه الرؤية القاريء في حالة استكشاف المسكوت عنه المتواري خلف لغة مشحونة بالحس الفصيح والعامي لتنير درب الوجع لدى القارىء الذي ربما يصادف بعض أو كل أوجاعه وهمومه فيما تسطره هذه الأديبة، ليرى أمامه نزول الوحي على هذه (الساردة/سهى ذكي) ليتوجها بأنوثة النبوة (نبوة الحزن وحكمة رسالته المفجعة).

 

قراءة لقصيدة الماغوط (أيها السائح)

faroq mawasiفي مثل هذا اليوم الثاني من نيسان سنة 2006 رحل عنا الساخر في أدبه، المميز في قصائده النثرية – الرافض لما يجري في الأنظمة، الجريء في مواقفه- محمد الماغوط

ولا إخالكم نسيتم أنه صاحب المسرحيات "ضيعة تشرين" و "كاسك يا وطن" و "الحدود" وغيرها.

ارتأيت اليوم أن أقدم لكم قراءة لقصيدته "أيها السائح" وهي قصيدة مطلوبة في امتحانات الدراسة الثانوية، لذا فعلى المهتمين أن يحفظوا هذه المادة علها تنفعهم أو تنفع أبناءهم.

 

قراءة نقدية لنص حديث أو مصاحبة لقصيدة: أيها السائح لمحمد الماغوط

 

قلّما يختلف قراّء الشعراء الجاّدون على أن محمد الماغوط (1934- 2006) أديب مبدع في نصه . ونادرًا ما نجد من ينكر طاقته الشعرية، كما نعدم من ينكر أن نصه الشعري حداثي – على اختلاف مفاهيم الحداثة، ولعل كون هذا النص غير موزون ما يؤكد كذلك على حداثيته (1).

ومادام النص حداثيًا، ومبدعه ذا طاقة شعرية بارزة (2)، فإنني سأعمد الى قراءة هذا النص على أنه شعر – آخذًا بنظر الاعتبار قصدية المبدع (3) أولاً، وكذلك اتفاق الدارسين ونقّاد الأدب العربي الحديث على تميز لغته الشعرية (4) .

لنلج إلى قصيدة " أيها السائح " للماغوط (5)، وقد استهوتني بسبب ما فيها من عرامة الإحساس بالغربة، وبسبب العزف فيها على وتر الرفض، ولأنني لمست الصدق الفني متلقيًا ناقدًا، فدعتني إلى التفكير والتأمل من خلال اكتشافي أنّ النص له موقف نقدي من الحياة والمجتمع، وأنّ الإنسان فيه وهو البؤرة التي تشعّ حلمًا لحياة أفضل (6).

لن انضبط هنا بمنهج ثابت، ولن افتعل مقاييس هندسية، ولن تراوغني المقولات المعلّبة، وإنما سأصحب النص متلقيًا متقربًا، وسأحاول اقتناص الدلالات من كل لفظة في سياقها – ما استطعت الى ذلك سبيلاً . أمضي إلى النص حرًا إلى فضائه الحر (7) . أحاوره ويحاورني، وسبيلي في المصاحبة إيجاد الرؤى أو اكتشافها، وهي تمتص شحنات الحاضر الممض لترسم مستقبلاً مضيئًا، أو على الأقل – وهي تّبين لنا / لي أي حاضر هذا ونحن نستقبل المستقبل (8) .

وإليك النص اولاً:

أيها السائح !                        

                                            (محمد الماغوط)

 

طفولتي بعيدة ... وكهولتي بعيدة ...

وطني بعيد ... ومنفاي بعيد

أيها السائح

أعطني منظارك المقّرب

علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون

تومئ إليّ

صورني وأنا أبكي

وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق

واكتب على قفا الصورة:

هذا شاعر من الشرق .

 

ضع منديلك الأبيض على الرصيف

واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون:

لأبوح لك بسر خطير:

اصرف أدلاّءك ومرشديك

وألق إلى الوحل .. إلى النار

بكل ما كتبته من حواشٍ وانطباعات

إن أي فلاّح عجوز

يروي لك " ببيتين من العتابا "

كل تاريخ الشرق

وهو يدرج لفافته أمام خيمته .

 

إلى القصيدة:

أيها السائح:

 

العنوان فيه دلالة خطابية مركزة (9) على شخص غير عادي / غير مألوف، على الخارج عن اليومي أو المدهش ؛ وسيعود الراوي على هذا الخطاب في السطر الثالث بعد أن يقدم لنا في السطرين الأولين عصارة معاناته.

تقع القصيدة في مقطوعتين أو في مجموعتين من السطور بينها فسحة فراغية . تبدأ المقطوعة الأولى بمطلع استذكاري انفعالي، فيه تنبيه لنفسه أولاً، وفيه بيان للناس ثانيًا:

طفولتي بعيدة ...وكهولتي بعيده ..

وطني بعيد .... ومنفاي بعيد .

إنه الضياع إذن المتمثل في الأخبار بالبعد – البعد المستمر للأزل ! فالطفولة – وهي بريئة وجميلة – مرّت وانطوت بحرمانها حتى غدت مجهولة أو بعيدة عن ذاكرته، وكم بالحري إذا كادت – هكذا – أن تُنسى، ولا يبقى من أثرها ما يذكر .. وحتى كهولته (10) (ويعني شيخوخته) لا تقبل عليه، بل تظلّ بعيدة عنه . وها هو الراوي يتمناها في شبابه ليخلص مما هو فيه من عذاب، مؤملاً أن يكون له هيبة ما، أو أن يكون على شفا النهاية أو الاستقرار، إذن هو في وسط الدوامة – لا يستطيع أن يرجع، ولا يستطيع أن يتقدم (11)؛ لا يستطيع أن يحظى بعالم له معالم، فهذا فيه منتهى الضياع .

ويعود إلى نفس الفكرة التي يرسّخ فيها معنى الضياع ليقول لنا إن وطنه بعيد ؛ والوطن يعني أولاً البيت والحمى والأهل، فإذا أحسّ هنا بالبعد فإنه يعيش مغتربًا مستلبًا، والأنكى من أنه لا يملك حتى المنفى – هذا المنفى الذي قد يكون استقرارًا بالرغم من هجره وإنكاره .

وعلى ذلك فليسَ له وطن وليس له منفى . (12)

يستعمل الراوي الطباق بدءًا ليعكس مدى الصراعية في قرارة نفسه، وذلك من خلال هذه الغربة الوجدانية التي تتفاعل فيه .

لو جربنا أن نحذف ياء المتكلم (المضاف إليه)، لوصل إلينا المعنى هكذا: لا طفولة ولا كهولة، لا وطن، ولا منفى – كلها ليست حاضرة، ولكن الياء هذه تخلص الجمل من المباشرة، وتشحن الجمل بالتجربة الشخصية الحيّة، بالإضافة إلى تقديمها الإيقاع الصوتي الموسيقي المتعاقب . بعد هذا الكشف الأولي لغربته في الزمان وفي المكان يتوجه الراوي الشاعر إلى السائح مناديًا إياه:"أيها السائح".

هكذا مباشرة، ويطلب تلو الآخر من غير أن نرى أو نلمس أي رد فعل منه، لقد انشغل بنفسه فقط، وما عاد يحفل إلا بتوتره وتواتر رجائه . إنه لا يحيي السائح أو يتلطف إليه، بل يباشره - حالاً بالطلب: أعطني منظارك المقرّب ! ولفظة " المقرب " جاءت موازية لتقلل من حدة البعد، ولكنها – عمليًا أكدت رسوخ الألم في نفسه، فها هو يطلب المنظار، ويمنّي نفسه: علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون تومئ لي !

إذن هو يبحث عمّن يُعنى به، يجيبه، أو على الأقل ينتبه الى وجوده، فهذا الكون الواسع ليس فيه يد تشير إليه، بل ليس هناك حتى محرمة (بدون أن تظهر اليد) . إنه يطلب المنظار لعله يرى أملاً عن بعد، وذلك بعد أن عزّ ما في القرب واستعصى – وذلك في تنكر مَن حوله وجفائهم، والمنظار من شأنه أن يقرّب، ولكن هيهات، ولذا تواصلت الجملة الشعرية طويلة وتلاحقت من غير توقّف يشي بالأمل . أما لفظة المحرمة، العامية فقد جاءت معبرة أكثر من لفظة " المنديل " التي سيستعملها (بعد أربعة أسطر)، في سياق الحديث عن السائح، وذلك بسبب صدقها وعفويتها، خاصة وهو يعقد الأمل في خلاصه على الناس العاديين، وأنى له ذلك !

ينتقل الراوي إلى الطلب الثاني: " صورني وأنا أبكي " !

إنّ الراوي يشير لنا إيحاء أنه دائم البكاء، فالجملة الحالية ثابتة لا متنقلة، فلا يصح المعنى أن ينتظر السائح ساعة بكائه فقط ليلتقط له صورة، وبلغة أوصل – ليصوره .

إنه يقعي وعليه أسمال ويجلس أمام عتبة الفندق، فهذه الألفاظ فيها صورة لغوية لرجل كأنه الكلب ، فقير جدًا، ومنبوذ – يقعي أمام العتبة (ذلك لأنه محظور عليه الدخول بهيئته الزرية) .

يتخيّل الراوي أن الفعل لا بدّ محقق، وأنه سيصوره، فيطلب منه:

" واكتب على قفا الصورة

   هذا شاعر من الشرق " .

لم يطلب منه أن يكتب اسمه الشخصي، وها هو قد عرفّنا لأول مرة إلى نفسه، فهو شاعر من الشرق . يقول " شاعر " ليرمز إلى كل المثقفين أمثاله ممن يعانون معاناته، ويقول " من الشرق " مقابلة للسائح من الغرب – عادة – هذا السائح الذي يجيء إلى الشرق ارتيادً للسحر والمدهش والغريب عن عالمه . قلت – لم يطلب منه أن يكتب اسمًا معينًا، بل طلب منه أن يكتب " هذا شاعر ..." تنكير من غير تعريف، وكأنه يدلّ على شموليّة المصير لدى القطاع الذي يمثله، فهو ليس وحيدًا في معاناته .

ويظلّ تساؤل: ترى لو التقط سائحنا الصورة – وكتب عليها " شاعر من الشرق "، فماذا عساه فاعل بها ؟ هل تكون للتسلية ؟ للتضامن ؟ أم ستبقى لقطة عابرة ؟! ... هل سيريها لشاعر آخر هناك ؟ أم أنه سيمزقها بعد أيام ؟

تأخر تعريفنا أنه " شاعر من الشرق "، فجاءَ ذلك بعد أن وصف عذابات الإنسان المسحوق عامة (من غير تخصيص) ؛ فإذا أدركنا مدى شقاء المثقف (ومن المفروض ألا يكون بهذه الحدة)، فكم بالحري أن نتساءل: كم سيبلغ شقاء ذلك المسحوق العادي أكثر من ذلك ؟

تنتهي الفقرة الأولى، ونستلخص منها عذاب الراوي وغربته، ومناشدته السائح أن يستعير منه منظاره للحظات، فلعله يرى بصيص أمل في اعتباره كائنًا بشريًا له علاقاته الإنسانية . يطلب منه أن يصوره باكيًا وهو يقعي أمام عتبة الفندق – حيثُ يقيم الغرباء عادةً ممن جاءوا يترفهون، إن الوصف هنا أخذ ينطلق إلى وصف المجموع بعد أن كان يدور حول الفرد .

تبدأ الفقرة الثانية بمناشدة السائح:

" ضع منديلك الأبيض على الرصيف

واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون "

لم يقل للسائح " ضع محرمتك "، فالسائح يحمل منديلاً (لفظة ترتقي ومستوى الخطاب)، وهذا المنديل أبيض – دليلاً على النظافة، فهو لم يكدّ ولم يكدح . وأين سيضع المنديل ؟

على الأرض جانب الراوي ؛ فالسائح لا يقتعد الأرض مباشرة،خوفًا من اتساخ ثيابه الراقية (تذكر الأسمال بالمقابل) . يطلب منه أن يجالسه على الرصيف، وأن يتخلّى قليلاً عن مظاهر ترفه ورفاهيته، وكأنه يقول له: اجلس إلى جانبي – أنا البائس – يا أيها السائح المترف، فقد تكون على استعداد فعلي لأن تفهم إنسانيتي، وفي هذا التوجه يلمس القارئ أنّ هذا الغريب (وغالبًا – الغربي) على استعداد لأن يقوم بذلك حقًا .

يسأله أن يجلس إلى جانبه تحت هذا المطر الحنون . ما زال الراوي يقعي ويبكي، وهو في أسماله . وهذا المطر – إشارة لتحقيق صورة واقعية تزيد من حدة المأساوية، ولكن المفارقة هي في اعتبار المطر أنه حنون . ولماذا هو حنون ؟ - لأنه يتعاطف معه، فهو ليس غزيرًا ليقسو عليه، وهو حنون (يلفظ الكلمة)، فقد يحن ّّّّ السائح إليه كالمطر، إنّّ السائح ليس كالشرطة التي تطارده هنا وهناك – إنه أقل خطرًا وضررًا، والراوي يطلب منه أن يجالسه ليبوح له بسرّ خطير . ولفظة خطير توحي بأنّ الشرطة تطارده وتلاحقه وتلاحق كلماته، أو تلاحق مجرد اتصاله بالغريب – أي غريب .

وقبل ذلك يطلب من السائح أن يصرف ويبعد أدلاءه ومرشديه – وهؤلاء – عادة - هم أشخاص موظفون ورسميون . ولماذا يصرفهم ؟ لأنهم قد – بل – يخدعونه أو يقدمون له معلومات ومواد غير دقيقة أو مغرضة . ها هو يتجرّأ بمخاطبته:

" ألقِ إلى الوحل ..إلى النار

بكل ما كتبته من حواش وانطباعات "

إنه ينّوع المصير الذي ستؤول إليه هذه الانطباعات التي كتبها السائح – وهي موجهة غالبًا . فلتكن إذن في الوحل – مبعثرة متسخة محتقرة ... أو لتكن معدومة محترقة إلى الأبد . إنك أيها السائح تتحرى الحقيقة . ولا شك ؛ إذن دعني أفضي لك بالسر الخطير – وذلك بعد أن تصرف المرشدين والأدلاء، حتى لا يسمعنا أحد، وبعد أن تتلف أوراقك وتعدمها، والسر هو:

" إن ّ أي فلاح عجوز

يروي لك ببيتـين من العتابا

كل تاريخ الشرق

وهو يدرج لفافته أمام خيمته " .

يقول: أي فلاح، و" أي" تدلّ على شمولية المعاناة، ومع ذلك فهذا الفلاح العجوز – ابن الأرض يحدو العتابا، وما زالَ الأمل يشمخ في عروقه، فيبتان من العتابا كافيان لأن يرويا كل تاريخ الشرق . ولفظة تاريخ لها ما وراءها، وهي مشحونة باستمرارية قصور العدالة، إنه لم يقل لنا مثلاً " قصة معاناة " بل قال " تاريخ الشرق " – التاريخ الآخر غير تاريخكم أيها الغربيون !إنه التاريخ الحافل بالعذاب والأسى .

يستطيع الفلاح العجوز أن يقصّ حكاية المعاناة بأغنية أسيانة – يغنيها وهو يدرج لفافته أمام خيمته، أو على الأصح بيتين من العتابا ... وقد يثير هذا القول تساؤلنا: ما هما البيتان المحتملان ؟ أو ما مضمونهما ؟ - هذا المضمون الذي سيحمل الأشجان المتساوقة والموسوقة بكل هموم الشرق المؤرخة . وهنا لا ننسى أن الراوي يخفي مضامين العتابا الغزلية أو الوصفية الجمالية (من فخر وحكم وهجاء ومدح وألغاز)، وكأنها مغيبة، علمًا بأنها هي الغالبة كمًا ونوعًا، وعلى ذلك نجد العتابا وكأنها – بالضرورة – حكاية عذاب مغنّاة مع مدة الصوت الأسيانة . ولا ننسى هنا أنّ نتخيلها: الشيخ يدرج لفافته (بينما عادة المترفين أن يشتروا الدخان معدًا)، وهو يجلس أمام خيمته (مقابل جلوسك أنت وأمثالك في الفندق)، وكذلك فهو يغني العتابا – غناءً مشحونًا بالحرمان والاضطهاد .

ونجمل الفقرة الثانية بأنه استمرَ يتحدث عن معاناته الشخصية، ولكنه ما لبث أن انتقل الى المجموع (13)، حيثُ رأى أنّ أبناء الأرض هم الذين يحفظون تاريخها المعذّب، ويصبونه في غناء أو حداء، فما على رواد المعرفة إلا أن يتلمسّوا حياة هؤلاء البائسين – بعيدًا عن أعين الرقباء والمتسلطين الذين يبغون تمويه الحقائق وتزييف الواقع حتى يستمروا في تنكرهم لحقوق العباد ودوس " الإنسان فيهم .

صاحبتُ هذه القصيدة قارئًا ومنتجًا – ما أمكن – على أثر استشفاف الصدق (14) في بنى الكلمات وعلائقها (15)، فاستوحيت إيحاءات متولدة من النص أو ملازمة له . وكانت اللقطات الموصوفة في النص تتراوح بين الواقع المعيش والواقعية الممكنة – حيث يكون المتخيل، وإلا فما معنى أن يصمت السائح، ولا يكون له أي رد فعل إزاء إلحاح الراوي عليه ؟! إن هذا السلوك لا يحدث في أي واقع حقيقي، ولكن النص يرسمه ليعمقّ مأساة الإنسان الذي يمثله أو يتماثل معه، وكم بالحري المثقف المنبوذ، ولا شك أنّ مأساة الفلاح هي أعمق وأنكى .

لقد صورّ الشاعر ندوبًا من واقع معاصر – في ظرف من المفروض أن يناقض طبيعة الحداثة – هذه التي يفترض – أصلاً ونتيجة – أن تثري حياة الإنسان بالمتعة، ولكن إنجاز الإنسان أو إحباطه لا يقرران إن كان النص حداثيًا أم لا – فالرؤية وشكل الأداء وظروف النص – كلها معًا تسلّم النص أو تقدمّ جواز المرور إلى معالم الحداثة .

إنّ هذه القصيدة في دراميتها المعتمدة على المـفارقات في الموقف والصورة، وفي خيالها المبني على الواقع، وفي استغراقها الشجني لتجعل النص مثيرًا بقدر ما نجعله متجددًا . هي تبني الجمل بقدر ما تفككها . تبقي المتلقي مقيدًا مطلقًا – سيان .

ابتدأت القصيدة بكلانية البعد في الطفولة والكهولة – فيما يخص المفرد – واختمت بكلانية تاريخ الشرق يرويه فلاح عجوز – على لسان الجمع – وفي ذلك استمرارية ودوران وطواف كلّي على الألم، ما لم يكن تغيير وتثوير، وهما محور الرسالة في النص .

 

------------------

1 - يرى علوي الهامشي أن " من خلال هذا المنجز الشعري – قصيدة النثر – يمكن النظر إلى المصطلحين (الحداثة، وما بعدها)، أي أنهما يعنيان في تقديري إنجاز قصيدة نثر ناجحة " دفاتر ثقافية "، مايو 1999، ص 33.

2 - يتحفظ بعض الدارسين والشعراء من كون قصيدة النثر شعرًا،انظر: حوار مع محمود درويش، صحيفة أخبار الأدب، 9/2/1997: حوار مع أحمد عبد المعطي حجازي صحيفة الفينيق،، 1/5/1997، وصحيفة أخبار الأدب،24/1/1999، صحيفة الأيام (رام الله)، 28/7/1996، حيث نرى أنه يرفض تعبير " قصيدة النثر " ولا يراها شعرًا، وانظر جودت نور الدين، مع الشعر العربي – أين هي الأزمة ؟ ص 199، وهو يطلق على قصيدة النثر اسم " النـثـيـرة " ! " حوار مع جوزيف نجيم " ورد في كتاب: جهاد فاضل ، قضايا الشعر الحديث، ص 400-403 .

3 - يقول الماغوط في حوار معه: " الشغلات التي تشع بسرعة قبل أن تنطفئ أكتبها شعراُ "، وعندما سئل الماغوط:- ألم تكتب الموزون المقفى ؟

أجاب " لا . شغلة مضحكة بدت لي . كان الوضع بالنسبة لي في الماضي كما يلي – بدلاً من أن أدوّر على قافية كان عليّ أن أدوّر على بيت أنام فيه، أدوّر على قافية تضبط ؟! لا عمرها تضبط !!! أنظر الحوار معه في كتاب جهاد فاضل، أسئلة الشعر، ص 285

4 - حتى لو تحفظ بعضهم من اعتبار قصيدة النثر شعرًا – كما أشرت أعلاه . سئل حجازي في حوار أجرته أخبار الأدب (24 /1/1999):

-        .. لكن هناك اتفاقًا حول شاعر كمحمد الماغوط – مثلاً .

-        ..نحن نقرأ الماغوط دون أن نعتبره استمرارًا لأي شاعر عربي . نقرأه . نقرأه في ذاته .

أضيف الىذلك إحساسي الشخصي بطاقته الشعرية، وهنا استذكر ما ذكره شيركو بي . كه . س: " الشعر شعر، حين يهزّني شعر جميل ويجعل روحي منبع الأسئلة لا يهمني إلى أي مذهب ينتمي هذا الشعر، يكفي أن ينتمي إلى وطن الإبداع " . مجلة نزوى، إبريل 1999، ص 145 .

5 - الماغوط محمد، الفرح ليس مهنتي،ص 44 –45 .

6 - هذه هي الحداثة التي تنطلق لمعايشة الإنسان في وجوده وصراعه، إنها تعطي قيمة لكيانه وحتى لرفضه، وهي لا ترى المتاهات دليلاً لها: للتوسع في هذه الرؤية انظر: محمد علي الكردي: " الحداثة وما بعد الحداثة "، مجلة إبداع العدد 7، يوليه 1996، ص 17 – 28 .

7 - الحداثة – كما أراها – حرية لا فوضى، وكم بالحري إذا كانت هذه الحرية تدعو ولو إيحاء إلى معانقة الهدف الذي نتشوّف إليه، وإلى الإفادة من إنجازات العصر وعلومه، وهي ترى أنّ الحاضر عماده التجديد المستمر فكرانيًا، وأنها تدرك أن فهم المنظومة الجمالية والمعرفية يتأتى بمعايشة الواقع – لا الوهم، ولا الدوائر الهلامية الفراغية .

8 - يرى عيسى بلاطة أنّ الحداثة لدينا هي " ... الغوص في الواقع العربي للوصول إلى معرفة حقيقته بلا مواربة، ثم استنهاضه لمعانقة القيم الجديدة "، مجلة الناقد، العدد 3 (سبتمبر 1988)، ص 31 .

9 - يرى محمد فكري الجزار في كتابه العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، (ص66)،وهو يتوسع في مقولة أوردها محمد عبد المطلب في إحدى دراساته: " العنوان له مستواه السطحي كما له مستواه العميق، مثله في هذا مثل عمله تمامًا . وثمة توازن شكلي ودلالي يبن العنوان وعمله – الأمر الذي يجعل العلاقات بينهما أكثر تعقيدًا ..." .

10 - الكهل – لغة – من جاوز الثلاثين إلى الخمسين، ولكنها في الاستعمال الشائع تعني الشيخ المسن، وهذا ما يقصده الشاعر في القصيدة، بدليل الطباق الذي عمد إليه ليدلّ على المفارقة، وكذلك بدليل قسوة الاغتراب التي يلقاها الشيخ عادةً .

11 - تذكرني هذه الحالة بحالة سلمى – زوجة صخر بن عمرو، وذلك عندما أصيب وصار في مرحلة " البين يبن "، فقالت ردًا على من سألها عن حاله: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيغنى " .

12 - لا يرى محمود درويش أنّ الوطن هو بالضرورة نقيض للمنفى، فيقول: " العلاقة بين المنفى أصبح فيها شيء من الألفة ... إني قد أجد المنفى هنا معي في فلسطين " . مجلة الشعراء، العدد 4-5، ربيع 1999، ص 39 .

13   - يقول يوسف جابر في معرض حديثه عن الشفوية باعتبارها عنصرًا هامًا في قصيدة النثر: " ...قدرة الشاعر على إعطاء بعض من ذاته ودمجها بلغة المجتمع يسمح لها أن تخرج في النهاية ذات نكهة عذبة ألصق ما تكون بمشاعره التي هي في الأصل جزء من مشاعرهم ... إن شفوية القصيدة النثرية إنما تسيطر على عالمها مشاعر الحزن العميق التي تكتنف إنسان عصرنا الحالي " . يوسف جابر: قضايا الإبداع في قصيدة النثر، ص 113 .

14 - أنظر دراستي " استشفاف الصدق في القصيدة الوجدانية لدى القارئ" في كتاب هدي النجمة ص 97 .

15 - مع أنني أكدت حريتي بدءًا وعدم تقيّدي بمنهج نقدي فقد حلقت قراءتي أو مصاحبتي للنص في أجواء منهج التفكيكية، وذلك بسبب إبعاد المؤلف عن نصه (ولا أقول موت المؤلف) أولاً، وكذلك بسبب تركيزي على النص واستخراج أبعاده متلقيًا . ومع هذا وذلك، فإنني لم أقوّض النص لأعيد بناءه كما فعل بارت، ولم أتناول الأبعاد السيكلوجية كما فعل لاكان، كما أنني لم أجارِ جاك دريدا في اعتبار النقد " لا بنيويًا شكلانيًا ولا مضمونيًا محايثًا " – دريدا: الكتابة والاختلاف،ص 57، ولعلّ ما يشفع لهذه القراءة أنها صادقة المنطلـق بقدر إحساسي بصدق النص .

 

..............

المراجع والمصادر

الكتب

الأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني،(ج15)، مطبعة أوفست، حيفا – د .ت.

جابر يوسف حامد: قضايا الإبداع في قصيدة النثر، دار الحصار للنشر والتوزيع، دمشق – 1991 .

الجزار محمد فكري: العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، الهيئة العامة المصرية، القاهرة – 1998

دريدا جاك: الكتابة والاختلاف، (ترجمة كاظم جهاد)، دار توبقال، الدار البيضاء – 1988.

فاضل جهاد: " حوار مع الماغوط "،أسئلة الشعر، الدار العربية للكتاب، (لا تفاصيل أخرى) .

.....: " حوار مع جوزيف نجيم "، قضايا الشعر الحديث، دار الشرق – بيروت – 1984 .

الماغوط محمد: الفرح ليسَ مهنتي، دار العودة، بيروت، 1973 .

المناصرة عز الدين: قصيدة النثر (المرجعية والشعارات)، بيت الشعر، رام الله، 1998 .

نور الدين جودت: مع الشعر العربي (أين هي الأزمة ؟)، دار الآداب، بيروت، 1996.

الصحف والمجلات

(1)مجلة إبداع (القاهرة)، العدد 7 يوليه، 1996 .

(2)صحيفة أخبار الأدب (القاهرة)، العددان: 9/2/1997، 24/ 1/199 .

(3) صحيفة الأيام (رام الله)، العدد 28/7/1996.

(4) مجلة جامعة (باقة الغربية)، العدد الثالث، تشرين الأول 1999.

(5)صحيفة دفاتر ثقافية (رام الله)، عدد مايو 1999.

(6) مجلة الشعراء (رام الله)، العدد المزدوج،: 4-5/1999.

(7) صحيفة الفينيق (عمان)، عدد 1/5/1997.

(8) مجلة الناقد (لندن)، العدد الثالث، سبتمبر 1988.

(9) مجلة نزوى (عمان)، العدد 18، إبريل 19

 

 

صراع المفردة في الصورة الجمالية لبنية النص الشعري الدرامي في (تعبت و لدي رغبة في الهدوء)

nema alsodaniتعبت..

و لدي رغبة في الهدوء

في قليل من الاسترخاء.

لو أجدني بحلم صبية

تمسح الندى عن وردة ناعمة..

 

المفردة والتشكيل الجمالي للصورة الشعرية:

تحت عنوان هذه المجموعة الشعرية للشاعر الأستاذ "علاء كَعيد حسب" ولدت قصائد تحمل معنى العنوان ولبسته، كما هو في أول عتبات النص المهمة جدا "العنوان" وهذا شيء مهم للغاية.

بعد قراءات متعددة أجريتها على هذه النصوص، كقارئ وشاعر وناقد، وجدتها تحمل في طياتها خطابا فنيا انسانيا شاعريا، يحمل في معانيه ومضامينه من الصور الجمالية المرئية البصرية التي تحولت عبر الفعل والتفاعل إلى حوارات مليئة بالمشاعر الجياشة المتنوعة، التي تمتد على طول وعرض الذاكرة المشبعة في الألم و البعد والافتراق والخوف والقلق، بصراعها مع ضمير وذات الشاعر، جسدها لنا عبر منظومات صورية شعرية جمالية فاعلة في الواقع ،مؤثرة، متعددة، تتجلى فيها الأهداف والقيم الإنسانية التي أراد أن يرسمها لنا ببوصلته الشاعر.

تنطلق هذه النصوص، من وجد شاعر عاشق أتعبه الحزن الدائم ورقة الشوق وحرارته. أتعبه صراع الحب بما يمتلك من تعبير للتعويض عما فاته في حياته الخاصة والشخصية. يؤرقه الحنين الى الارض العتيقة ورائحتها,الى الوطن والأم من خلال خيط المعاناة الرفيع الذي يخترق كل عوالمه .

في إجراء تحليلي لهذه النصوص وجدت أن "التتابع الذي يشكل العمود الفقري" في النص الشعري للمفردة يشكل الصور الجمالية التي اعتمدها الشاعر (علاء كعيد حسب) في عملية البناء الفني المتقدمة، ومن ثم وجدته أيضا مليئا بصياغات دقيقة لحالات فنية ترتبط ببعضها بعض، كما في أجزاء الصورة الفنية الواحدة التي يوحدها الفعل الدرامي والبناء الدرامي لبنية النص الدرامية.

في النص الذي يكتبه الشاعر نجد "العمود الفقري هو الفعل" الذي يتحلق حوله (الفعل) أو الكثير من الافعال المتعددة لكل قصيدة يتم عليها البناء الفني، و تدخل في رسم عملية البناء النصي بتشابكها مع أفعال أخرى جديدة تدخل على الشاعر أثناء تكوين وبناء النص عبر منظومة الخيال والواقع التي يمتلكها. وهنا النص هو من يرسم نفسه ويضع كل شيء من خلال بوصلة الشاعر التي تضع كل شيء في مكانه حسب الزمان والمكان، حتى الوصول إلى صيغة نهائية في الصور الشعرية البصرية التي تجمعها (فكرة و وحدة موضوع) بما فيها (رمزية المكان وبعض من الزمان) في المتن الشعري التي تتعدد وتختلف حسب الرؤى بين حين و أخر، مثل هذه الصورة:

لو أتذوق رائحة البراري في أنفاس غزالة،

و أدرك عشق صوفي في شعر،

لو أسمع أنين السماء كما يسمعه القديسون،

سأكون للموت سرا

و أجمل قصاصة .

 

في صورة أخرى تحكي عن نفسها: أو

كُلمَا تَأَخرت غيمةٌ عن موعدها

رافقتُ السنابِلَ إلى الوادي

و صَلَيْتُ..

 

في هذه الصور الجميلة نتذوق تحفيز الذاكرة للقارئ، بين ذات الشاعر والمكان والابتعاد الحقيقي عن مكانه الاصلي لاستعادة الذكريات .

ان انفتاح الشاعر على عوالم تمتد من (شرق الحياة الى غربها) هو انفتاح على العالم، يطرح لنا قيما فكرية في مستوى هذا (المنجز أو المنتج الشعري) من خلال منظومة مهمة تسمى (أخلاق الشاعر) في شعريته وصدقه وحبه للكون والبشرية.

شاعر يدير عملية ناجحة في محاكاة الواقع (كأنه يعمل في تأثيث لفضاءات المسرح) و في إدراك المتغيرات التي لحقت به منذ الولادة إلى الآن، فهو يحاور ويناقش أصواتا متعددة داخل النص، بروح صلبة قاسية مرة، و بصمت و هدوء شفاف مرة، و بصوت عال وصراخ مرة أخرى، حوارات فيها من العتب على فعل، أو زعل من حركة ألمت به، أو فراق لم يكن في حسبانه وهو صغير المنفى كبير العقل، يدرك الأشياء بخصوصية شاعر حساس. بعدها يحيلنا معه بالدخول الى عالم المشاكسات للذات التي تعيش المنفى بين الغياب والروح الحاضرة.

وفي أماكن أخرى يبحث عن مراث حزينة في نصوص متألقة جدا. ينعى أحلامه المقتولة منذ زمن الولادة بشجن محب وبدنف يلامس ويتلمس اللوعة. يذهب بعيدا نحو الهم البابلي ويعبر عنه بنبض الحياة اليومي المراكشي الذي يعيشه ويختزل المسافات بين الكلمة والصورة و الحركة:

 

صراط العصفورة..وسام الشمس

ما أشعر به الآن

بعد دورك الملحمي في معركة النار

يتعدى هول القيامة على زهرة،

يتعدى حسرة قمر على حوافر منسية بالرمل،

أضخم بكثير

من غصة في حلق طائر احترق عشه،

يتشظى كشمس مارس على توبقال..

كأن مقابر النمل تضاعفت في صدري

امتدادا لأسلافها في بابل.

 

 

الفعل والدلالة في عملية الانزياح:

إن عملية الانتقال في النص الشعري وتحديدا هنا: من تأكيد على حركة، أو فعل ماض أو ما حدث ألان، أو ما سيحدث لاحقا، إلى أخر الفعل الممتد في الحدث، كل هذه الانتقالات تعطينا بالمحصلة (صورة فنية كاملة)، تشكل بحد ذاتها حكايات فنية متماسكة نسجت بخيوط ملونة، كأنها امتداد لحكايات من ألف ليلة وليلة، خيوطها ناعمة الملمس قوية المعنى، بالإضافة إلى قوة تركيبها بنائيا.

وجدت أيضا من الدلالات المهمة التي تشير إلى (أول عتبة) من عتبات النص وهي العنوان (تعبت ولدي رغبة في الهدوء)، والتي تقودنا إلى أخر النص ( إلى أواخر كل النصوص ) حينما تشكل لنا (أخر عتبة ) فهي تشبه لحد كبير النهايات المكورة كما في أعمال شكسبير، حكاية فيها "بداية وسط" و نهاية مفتوحة أو بشكل دائري مع فضاءات طويلة وليست بقصيرة (حسب طول نفس النص) على طول جسم القصيدة.

من جانب أخر مهم أيضا، هذه النصوص يمكن أن تنفتح على كل الفنون الأخرى، لما فيها من جمالية الصورة أو كأنها شريط بصري، في بعض الاحيان يقدم لنا سردا لحكاية سرعان ما تنتهي لكنها تبقى عالقة في الذاكرة.

تلمست أيضا في نصوص المجموعة، ما هو جديد في عملية (الانزياح للقديم) في مخيلة و متخيل الشاعر في كتابة النص. و ما بين هاتين الحالتين نجد (انعاشا للجديد ) و انتعاشا للذاكرة التي تصل الى حدود الحضارة البابلية و تأثيرها عليه وتعلقه بها من خلال "الصور واللغة والبلاغة والدلالة في أسلوب الكتابة" عند الشاعر و ذاكرته المتطورة في الصراع مع المكان الذي يعيش به اليوم، مشيرا بإسهامات و إشارات إلى المكان الأول لأجداده المكونة من (طين وماء وطائر يحلق معه دائما وجنوب) في عمق حضارة قديمة.

لا بد من الإشارة إلى أن اغلب النصوص التي جاءت هنا، هي اطلاع على الواقع المؤلم الذي عاشه الشاعر، لذلك تشكل تناصات متعددة، أعاد الشاعر صياغتها بشكل فني جميل و حاذق من جدي،د حسب ثقافته المستمدة من تاريخ أجداده حسب قوله.

قدمت هذه التناصات الواقعية ( النصوص) بشكل يقشعر لها البدن في بعض مواطن النصوص، لما تحتويه من دفق إنساني ومشاعر إنسانية، كنهر هادئ دون توقف، نهر مهمته التعبير عن الحب والفراق والألم والشوق والوجد والحنين واللوعة و القهر، حلقت في فضاءات متحركة لا يمسكها ولا يمسها أي شيء و لا تحددها أي روح أو هيكل، فهي ترقص بحرية فضاء القصيدة المرسومة:

للهواءِرائحةُ الموت

و الفزع علا وجوهاً تزينُ المكان

انتظروك طويلا..قبل ولادتك

لتحمل رمزك الجيني

و تجوب الأعراق و الخيام

بحثاً عن عيون والدك

جوادهِ الأول في خطوط يدك..

 

ولان الشعر يعتبر صياغات فنية كما هو فن التصوير، نرى النصوص مكتنزة بالانفعالات والوجدان، حيث نشعر بالاستجابة لكل الاشياء التي تحيط بنا ونحن نقرأ بصوت عال لهذه النصوص، مع الاعتبار المهم لقيمة التأمل عند القارئ أو المستمع.

وأحسست بالموسيقى التي تتأتى من زوايا النص وعتباته الداخلية، أنما هي تعتمد على "الايقاع واللغة والصورة والانفعالات الصادقة في كل الحوارات" التي حلقت في متن النص مع التأويلات أو الترميزات التي اشتغل عليها الشاعر، بما فيها من توقفات جراء عملية التنقيط، لأنها حالة صحية تحسب للشاعر، فهي حالات من (التأمل) المهم، تؤثر في القارئ أو المستمع -- لإنهاء حالات التوتر التي يعيشها الشاعر مع روح النص – ولأنها أيضا تؤدي إلى الاسترخاء النفسي والعقلي بعيدا عن الانفعالات والذهاب صوب التأمل و الهدوء إلى ما وراء النص، وهذا مهم جدا أيضا حسب اعتقادي. لان الشعر يحمل تلميحات و ترميزات ويخضع إلى التأويل كما أسلفت وعلى الأذن أن تفك شفرات هذه النصوص بثوان بعد السماع:

 

على الضفة الأخرى للحلم

تفتح حبيبتي ذراعيها

و بلا خوف تمنحني سرها

لا دواء للبدن العاشق الآن

إلا جمرتان

واحدة في القلب

و أخرى على اللسان

 

إن جميل الشعر وعذوبته يتأتى من موسيقى الحياة و ايقاعها وصليلها اليومي، هي موسيقا داخلية تدل على تناغم واصطفاف لمكونات النص من حروف ومفردات وصور فنية رائعة تجسد للقارئ انفعالات الوعي المتراكمة عند الشاعر التي تصب في التعبير النفسي للصورة الشعرية.

 

توظيف اللغة .. بين السرد والمختزل والمكثف:

وظف شاعرنا لغته واشيائه التي يحملها في روحه وعقله وقلمه بحنكة ودربة عالية، لتقديم رؤية خاصة ذاتية تعنيه هو بالذات، عمل هذا من اجل اضفاء جمالية خاصة على نصوصه عبر الدلالات المنوعة بين ( الدال والمدلول) بلغة شعرية مشحونة بصور فنية انسانية عميقة. جميل الشعر في تأويله عبر الدال والمدلول ومرجعيته الواقع.

ولان الشعر حرية مطلقة لا يمكن حصره أو حشره في قوالب أو خانات جامدة أو اخضاعه لمنطق معين لذلك لا نفكر أبدا في تفسيره، وهذه مهمة مناطة بالقارئ الكريم، لأننا إذا فسرنا ما كتب الشاعر وتطرقنا إلى قصدياته، سينتهي أن يكون شعرا نتناوله بيننا:

 

و أحفظُ في حقيبتي المسافةَ بين قبرينِ..

مصيري على جناحِ بعوضةٍ

أهزهُ

من الأحرُفِ الناقصةِ في عناوينِ البريدِ

أميزهُ..

حيثما غابتِ الألوان وتعطلتِ البوصلة

 

ظاهرة أخرى يمتاز بها الشاعر "علاء كعيد حسب" من خلال التنوع بين ماهو سردي وماهو مختزل ومكثف، نراه تارة يشبع وحدة الموضوع وعناصره في مستوى الدلالة التي تنبثق من ذات الشاعر، في لغة مكثفة معبرة فيها رؤية فنية وفكرية متكاملة وهذه لحظات داخل النص الذي نراه بصورة اخرى اقرب للسرد.

هي تجربة شعرية تعتمد في الكثير من النصوص على الوجدان الصادق المفعم بالفكرة والفلسفة الخاصة بالشاعر مؤثثا للنص عبارات وفضاءات ذات ايحاء موسيقي منسجم مع الخيال والمتخيل والواقع القريب والبعيد. ولان الشعر يوّلد (فالمفردة تولد المفردة أيضا) وتفقس مفردات ومفردات ويؤخذ من الصور الحياتية والذاكرة الانفعالية بما تحتوي من صراعات كبيرة ومعقدة و التي نراها ونحسها يوميا، على هذه التجارب يبني الشاعر علاء كعيد أهراماته الشعرية ويمارس طقوسه الفنية عند عتباتها الشرعية، يحلق بداخل فضاءاتها، يرسم العنوان و الإهداء و الدخول لروح النص ويتحكم كالديكتاتور في - فضاءات متعددة هو يعملها- إلى نهاية النص، وهو من يختار أن يكون شكل النص، مغلقا آم مفتوحا، حتى النقطة الأخيرة ووضع الاسم تحت نهاية جسم القصيدة.

كل هذا يؤكد لنا على أن صاحب العمل هذا، هو صانع ماهر موهوب، و ممارس حقيقي في ميدان اللغة ولديه من الوعي و الإدراك والثقافة ما يجعله ينتج إنتاجا كأنه (سومري النزعة) في الشعر،(بابلي الهوى ) في العشق، حسب ما جاء في "روح " اغلب النصوص بل أكثرها.

وفق هذا كله من تراكمات فنية لغوية، يعطينا للقصيدة (شكلا ) أخر لا يؤثر حتى في عملية (التكرار) على عملية البناء الفني للنص، لأنها جاءت بشكل متناسق جمالي محسوب، و لأنه أيضا يغني النص ويؤكد بقصدية واضحة على الشعور للشاعر، وبنفس الوقت يثبت لنا توازن الذات التي تعيش بين القلق وهي حالة صحية مقصودة ومؤثرة:

 

تكرار (لا)

و من عينيك

تهاجر عصفورة إلى قلبي

لا جاذبية المكان تغير وجهتها

لا ريح تحملها

و لا صوت..

عاطفة ترصع تاج الجراح

تشحذ جناحيها زرقة السماء.

 

ثم يعيد هنا أيضا هذا الشكل في (التكرار) : (لي): المفيد المقصود ..

لأحيك خيوط الشمس على مقاسي..

لي في كتاب التنجيم أغنية وبضع تعويذاتٍ

لي في كوب الشاي عينان تحفظ رؤاي

لي في التفاحة خطيئة البداية

لي في الشارع خطى أسلافي أتبعها

لي ظل أخف من قبلة ماجنة

تحبس الليل في خيمة

تشرق منها ملايين الأقمار.

و أنت وحدك

كالحب يسمو على شموع الغواية.

 

و أخيرا لابد من قول مهم جدا وجدته بين نفحات هذه النصوص مفاده أن للشاعر موقفا فلسفيا وفكريا ونفسيا واجتماعيا أيضا من حركة الحياة التي عاشها في بلده "المغرب" وتحديدا في مدينته مراكش، حيث درس، وتعلم لغته العربية الجميلة وصاغ لروحه لغة خاصة شعرية يكتب بها، وبالتالي نراه يتعمق في النص من خلال لغته الثرية المسندة على علم، كما يجيد التصرف في مواطن توظيفها بالشكل الصحيح ليضيف لها جمالية وقيمة فنية شعرية وهذا واضح وجلي في كل قصائده.

 

كلمة أخرى، وجدت شاعرنا مرة عابداً يسكن في روح الوطن، وأخرى عاشقاً تخالجه أوجاع الحب، ومرة يتعمد في خيبته، وأخرى في عشقه، وثالثة بغربته وحاضره، وفي كل حالاته، كان الوطن المتعدد حاضراً بقوة وبمختلف الأشكال لأنه عاشق للحياة، وكأنما هو يتدثر بالوطن القريب و البعيد في غربته واستلابه المتناوب، متفاعل مع الحياة التي يمارسها كفعل حقيقي يومياً.

 

ليس للقصيدةِ وطنٌ

أو نشيدٌ تُلَمْلِمُهُ الأبجديةُ من الحناجرِ

ليسَتْ منفىً يؤمُهُ نساكُ الغيابِ

بين كأسٍ و كأسٍ..

 

ليس للساعةِ -هذه الساعةُ- ضفائرُ أمي

أو مَخَادِعٌ يرقد فيها الزجاجُ كعيني أخي

ليسَتْ واقعيةً بما يكفي

لأعيدَ الفصول إلى دَورتها الدائرةِ..

إلى أولِ طقسٍ..

 

لم يكن له أن يختار ممارسته هذه بملء إرادته، إلا أنه أجبر عليها عندما أطلق ساقيه للريح دون علمه، لذلك نجد جزئيات فنية من النصوص فيها تلاوين مختلفة، بل هي خليط من المرئي والمحسوس والمتخيل والمبصر، تتوزع بين حالات الوعي واللاوعي، بين المدركات الحسية والعقلية و اللامدركة، خرجت على شكل مفردات لغوية ثم تحولت إلى صور شعرية قامت بحد ذاتها واصطفت كلها في مجموعة شعرية حملت اسمها معها، لتبني لنا خطوطا درامية فنية من قيم الصراع، الصراع الذي أثر بحياة الشاعر من دون إرادته في بعض الأحيان وفي حالة الوعي الكامل في بعض الأحيان، كل هذا يشكل موقفا فلسفيا وشعوريا قويا يجذب القارئ ويعطيه أيضا بعدا مهما لحياة هذا الشاعر الجميل.

 

نعمة السوداني / ناقد عرقي مقيم في هولندا ..

 

لا أُريد لأحد أن ينقذني

rasheed alahmadبهذه الجملة التي تفتح الآفاق أمام كلّ الاحتمالات، يُسمّي الشّاعر السّوريّ /عارف حمزة/ مجموعته الشّعريّة الجديدة، بين صفحاتها مآسٍ، بنزعة غريبة عجيبة، وجمل لغويّة فيها من المواربة الكثير الكثير، يلكزُ قلب الكلمة، ويربت مؤخّرتها لصنعِ جملته، الكلمة هنا تتكلّم من تلقاء نفسها، هذا العمل هو عمله السّابع، صادر عن دار الغاوون في بيروت، يرسم فيها ألواح تشكيليّة من الحالة الإنسانيّة، لتخرج من الشّوارع، والفروع الأمنيّة، وسطوح الأبنية، وأخرى على شكل بندقية تواجه طفل، وغيرها الكثير من اللوحات بحالات عديدة، وشخوص مختلفة، تجتاز نفسها بشكل أكبر من الحالة في تجربته الشّعريّة، التي تظهر فيها الموهبة بدرجات أكثر من تفاصيل اليوميات، كما اعتدناه في الكثير من الأعمال النثريّة، ومن وهج الحكايات الّتي ينسجون حولها في زمن التعليب الأنثوي، بلعبة باتت روتينيّة ؛استطاع حمزة أن يضيف بأدواته الخاصّة إضافات كثيرة، ليس بالوجع الذي يعم على القصائد، كما في عمله السّابق /قرب كنيسة السّريان/ فهنا الحوار بين سطور القصائد نفسها، يجعلك تشارك الحوارات التي تبدو لغزاً بألف حل، بعد أن يضعنا أمام عدّة تأويلات وخيارات، فتارةً تظن أنّه يقصد شعار على لافتة للمظاهرة، كعنوان جمعة من جُمَع الله، وتارةً أُخرى تجده يقود ثورة، كما هنا عندما يقول:

نصف قمر

نصف قمر يسطع الآن فوق مدنٍ

لم يبقَ فيها أحد.

نصف قمر يؤلمني

كانشطار وجهكِ بفأس.

تحت هذا النصف من القمر الضعيف

حملنا أولادنا إلى الأَسِرّة

بينما حملهم الآخرون

إلى القبور!!

-----------

ملوكٌ الجهاتِ الأربع

أيتّها الجَدّة

لقد انتهينا للتوّ

أبناؤك الأربعة

الذين جعلتِهم ملوكَ الجهات الأربع

لقد انتهينا

من دفنِهم للتّو.

يلبّس حمزة قصيدته المرسوم الشّرعيّ السّياسيّ، والحالة الاجتماعيّة والإنسانيّة، محدّداً اتجاهه، ليس من موقف جهة سياسيّة، بل من الحالة الإنسانيّة، تظهر بشكل واضح من الجزء المكتوب كملحق، مسيّف على الغلاف، أسفل العنوان بجملة تقول:يوميات الثورة السّوريّة، فنرى بصماته على كلّ التفاصيل في سوريا، ينبش ذاكرة الوطن ليخبرنا عن الموت تارةً، وتارةً ما هو أشدّ من الموت، فترى مشهداً تراجيدياً، بلقطات سينمائيّة قريبة بعيدة، وأخرى من زاوية ملطّخة بالدم، مع وجود ضحيّة في مكان الجريمة تستطيع أن تراها، وتلامسها دون أن تدرك عمّا سيحدث بعد لحظات، وبالتفاتك يمنةً ويسرةً سترى يداً مقطوعة هناك، وهُنا قلب تمشي بلا جسد، وطفلةً كانت على إحدى الشّرفات تتلوّى، ولكن بالتفاتتك صارت تحت الأنقاض، والكثير الكثير من الأحداث، وهو في الطريق المؤدّي إلى المنزل.

في الطّريق إلى بيتكِ

وأنتِ تنظرين إلى شجرة محترقة

إلى جثّة

عندما يرتجُّ جسدكِ بسبب حصاة صغيرة

أو كبيرة

في الطّريق إلى بيتك

وأنتِ تتأمّلين يداً مقطوعة

أتمنّى لو كنتُ مكانها

هذا المشهد الحي يجعل من الحوار - في أغلب الظّن - رعب وهول لما يحصل من دمار، وهو وحيدٌ لا يجد أنيساً ولا جليساً سوى نسخة من الصّورة الّتي على الجدار، الجدار الذي نجا من القصف، فيجمح أمام الصّورة، وينقل لنا ما جرى من حديث، وماذا تمنّى في تلك اللحظة بإصرار يرفض فيها النّجدة .

أضعُ صورتكِ

على الجدار الوحيد في بيتي.

ثمّ أجلسُ على ركبتيّ المتقرّحتين

يدي مقطوعة كما تعلمين

وقلبي يضخّ الدم إليها ولا يعود.

أجلسُ

وأنظر إلى صورتكِ

ثم أتمنّى

أن أُصابَ بالتوحّد.

ينتقي حمزة مادته من وقائع وأفكار ورسائل تركها له الحرب ذكرى مؤلمة حتّى في سردها، فينتقل من الحرب الّتي لم تترك حتّى الذّكريات التي كانت على جدران المنازل، ليرصد المأساة الحقيقيّة بين السّجين والجلّاد راسماً الظّلم والقهر وأشكال التعذيب في لفتة كطريقة حوار، فالقصيدة هنا ارتجالية عاطفية، ذات مقاصد وجدانية، الأمر الذي يمنحها شحنة تراجيديا، تنبثق، من قوة الفكرة كمجاز، ورمزيّة اللفظ و الإيقاع، وهو تعبير صريح في مواجهة طغيان الحبّ والغياب والظلم والانتظار، وهنا احتمال آخر كما في هذه اللوحة عندما يقول :

أنت في السّجن أعرِفُ .

وأعرفُ ما معنى تعليق قدميك بالسّقف

أو ثقب كفـّك بسيجارة

أو حشركم في زاوية

ثم اختطاف أحدكم من العتمة

بيدٍ معدنيّة

كدجاجة من قن .

تقولُ زوجتك بأنّك لم تمتْ

رغم أنها رأتكَ في المنام

تلوّح لها بمنديل أبيض

مثقوب بالأحمر

وسطر أحمر يبلّل عنقك.

« الدم يُفسد المنام» . تقولُ لنا

وتبكي.

تفاصيل مدهشة، أفكار جهنَّميّة، وقصص متناثرة يختارها حمزة لمادته المليئة بالصّور والمشاهد، التي تقودك في نهاية كلّ قصيدة الرّجوع إلى العنوان ؛سرد تفاصيل الرّعب التي يسردها مع حبيبته، يسيطر على الكثير من اللوحات، في كلّ لوحة نجد حدثاً جديداً مختلفاً عن السّرديّة التي سبقتها بألم ومعانات وموضع جديد، ولكن هذا لا يعني أنّه لم يحسب حساب هذه الغلطة التي ينتظرها النقّاد بفارغ الصّبر، كي يرسموا حولها علامات الاستفهام، بأدواتهم النقديّة في مواربات التكرار القاتل للنص كجزء، وللعمل كشكل متكامل، بدءاً من لغز عنوان العمل، وغلافه - لباسم صبّاغ الذي نقلها بحرفيّة المتمكّن للبوتريه، والرّسم الزّيتي، واختيار أرضيّة المعكوس السّلبيّ - مروراً بالنصوص وعناوينها وصولاً إلى الفهرس .

عندما تنظرين إلى أصابعكِ

وتظنين

أنّني بخير ...

رائحتي التي لا تتخلصين منها

بعد الجنس

بعد السفر

بعد النوم

بعد القلق

بعد الحيض

بعد شهوة الحيض

بعد الصباح

بعد الطعام

بعد المساء

بعد رأي أحدٍ ما في خصركِ

بعد صلاتكِ

بعد رفضكِ

بعد قبولــكِ

بعد حبلك بالطفل الأخير

بعد موتك ثم حياتك من جديد

بعد مئة عام ....

رائحتي التي

لا تتخلصين منها .

 

راشد الأحمد

كاتب وناقد وإعلاميّ

سوريّ

 

قصة تشيخوف القصيرة: (فرحة)

ابتدأت مسيرة تشيخوف الابداعية عام 1880، عندما انتقل من مدينته التي ولد فيها وهي – تاغنروغ في جنوب روسيا الى موسكو واصبح طالبا في الكلية الطبية بجامعة موسكو، وقد نشر في سنوات دراسته تلك كثيرا من القصص القصيرة في المجلات الفكاهية الروسية، التي كانت تصدر آنذاك، وهي مجلات من الدرجة الثانية ان صح التعبير، وكان الهدف من النشر هو الحصول على بعض النقود من اجل تذليل متطلبات العيش ليس الا، اذ ان وضع العائلة كان عندها صعبا. وتمضي الايام و السنوات ويصبح تشيخوف كاتبا معروفا ولامعا في بلده روسيا وفي ارجاء العالم ايضا،وهكذا بدأ مؤرخو الادب والنقاد بالبحث عن كل ما قام بنشره طبعا في مسيرة حياته، وعندئذ رجعوا الى مجلات الدرجة الثانية تلك والتقطوا منها القصص القصيرة التي كتبها ونشرها هناك في سنوات الدراسة الجامعية و اعادوا اصدارها ضمن الاعمال الكاملة لنتاجاته، ونتناول في مقالتنا هذه واحدة من تلك القصص بالذات وهي بعنوان – (فرحة) و التي نشرها تشيخوف في عام 1883 عندما كان لا يزال طالبا في كلية الطب بجامعة موسكو، اي في بداية مسيرته الابداعية، ونحاول – عبر قراءة تحليلية وتاريخية لها – ان نحدد قيمتها الفنية وايجاد ملامح العناصر التشيخوفية - ان صح التعبير - في ثناياها ، و نتكلم عن موقف الكاتب نفسه والنقد الادبي تجاهها فيما بعد .

نشر تشيخوف قصته القصيرة (فرحة) في العدد رقم 3 لشهر كانون الثاني / يناير 1883 لمجلة (زريتل) (المشاهد) وكانت بعنوان – (شرف عظيم) وبتوقيع تشيخونتيه، وهو أحد الاسماء المستعارة العديدة لتشيخوف في بداية طريقه الابداعي، وقد أجرى عليها فيما بعد تصحيحات في الاسلوب وتم تغيير العنوان ايضا عندما قرر تشيخوف ان تدخل هذه القصة القصيرة ضمن مجموعته القصصية التي أصدرها الناشر الروسي ماركس في ثمانينات القرن التاسع عشر في مدينة بطرسبورغ، والقصة هذه هي واحدة من تلك القصص المبكرة التي أدخلها تشيخوف نفسه فيما بعد ضمن مؤلفاته المختارة التي أصدرها لاحقا، وكل هذه الوقائع تؤكد بلا شك اعتزاز تشيخوف بهذه القصة القصيرة، رغم انه كتبها عندما كان طالبا في الكلية ومن اجل كسب بعض النقود لتمشية امور الحياة اليومية آنذاك ليس الا .

مضمون او حدث تلك القصة بسيط جدا كما هو حال كل القصص القصيرة المبكرة لتشيخوف ذات السمات الهزلية، والتي يمكن حتى ان نسميها ب – (اللامضمون) او (اللاحدث)، اذ يدخل البطل في الساعة الثانية عشرة ليلا الى شقة اهله وبيده جريدة ويوقظ جميع من في البيت ليخبرهم بان احدى الصحف كتبت عنه خبرا وانه بالتالي اصبح معروفا ومشهورا (في روسيا كلها)، ويؤنبهم لانهم جهلة و لا يطالعون الصحف ولا يتابعون ما تنشره من انباء عن المشاهير، وعندما يقرأ والده الخبر المنشور في زاوية اخبار الناس في تلك الصحيفة امام أفراد كل العائلة المندهشين، يتبين انه يشير الى ان صاحبنا سقط تحت عجلات عربة امس لانه كان سكرانا مع صديق له ولم يصب بأذى، وهكذا تنتهي القصة بخروجه من بيت عائلته مسرعا وبيده الجريدة كي يذهب الى بيوت الاقارب والاصدقاء الآخرين ليعلمهم بذلك الحدث الذي اصبح نتيجته مشهورا ومعروفا، لأن الصحف تنشر فقط اخبار المشاهير.

كتب أحد الباحثين الروس قبل فترة مقالة طريفة عن قصص تشيخوف المبكرة الهزلية تلك بعنوان جميل وهو – (افكار جديٌة حول قصص تشيخوف الهزلية)، وجاء فيها جملة اود ان اتوقف عندها قليلا، وهي، ان – (الكاتب كان يضحك أما القارئ فكان يبكي)، واريد ان أقول لهذا الباحث باني متٌفق معه فيما ذهب اليه وهو ان الكاتب الشاب والطالب في كلية الطب بجامعة موسكو تشيخوف كان يضحك ويسخر فعلا عندما كتب هذه القصة وغيرها من القصص الهزلية، ولكني اريد ان اطرح عليه السؤال الآتي – (هل ان القارئ هنا كان يبكي؟)، و اجيب عن هذا السؤال قائلا، باني شخصيا – كقارئ – لم أذرف اي دمعة عندما قرأت القصة القصيرة تلك، بل ضحكت وحتى قهقهت مثل مؤلفها تشيخوف، ضحكت من الموقف الهزلي هذا، وضحكت من تفاهة هذا الشخص وضحالته، وهكذا تحول ضحكي بالطبع الى شجب لهذه الضحالة والتفاهة التي يمكن ان تحدث في مسيرة الحياة اليومية لاي انسان في كل المجتمعات وبغض النظر عن سمات وطبيعة تلك المجتمعات كافة، والشجب غير البكاء - في رأي المتواضع -، اذ اني أرى ان الشجب أعمق وأعلى من البكاء، وهذا ما حققه تشيخوف في قصصه تلك، وربما، او على الاغلب، حتى دون تخطيط مسبق من قبله، بل كان كل ذلك تعبيرا طبيعيا عما يكمن في أعماقه من أفكار . واود ان اشير هنا الى انه يوجد تعبير معروف في تاريخ النقد الادبي الروسي في القرن التاسع عشر يرتبط بالكاتب العظيم غوغول ونتاجاته الابداعية وهو – (ضحك عبر الدموع)، و يوجد مثل هذا التعبير بلغتنا العربية ايضا قبل مئات السنين من ميلاد التعبير الروسي هذا، واقصد به طبعا قول المتنبي العظيم الذي ذهب مثلا – (ضحك كالبكا)، ولكن كل ذلك لا ينطبق على تشيخوف وابداعه . ضحك تشيخوف لا يؤدي الى البكاء، بل الى المرح الحلو الفتٌان، المرح الجميل واللطيف، وقد شاهدت قبل فترة قصيرة – وبامعان - تسجيلا كاملا لحفلة فنية في احدى المدارس المتوسطة الروسية، حيث جرى تقديم تلك القصة القصيرة لتشيخوف على خشبة المسرح المدرسي من قبل التلاميذ، ورأيت كيف كان التلاميذ يضحكون ويقهقون ويصفقون ويتمتعون وهم يشاهدون احداث هذه القصة ويتفاعلون معها، ومن المؤكد طبعا، ان ضحكهم وتصفيقهم جعلهم اعلى واسمى من تفاهة وضحالة ذلك الحدث، وتذكرت ما قرأته مرة في مقالة البروفيسور الدكتور كاتايف – رئيس قسم تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر بكلية الآداب في جامعة موسكو (وهو من أبرز المتخصصين الروس في ادب تشيخوف بالوقت الحاضر) حول هذه القصة عندما أشار الى انها تجسٌد المحاولات الاولى لفلسفة تشيخوف الابداعية وتطبيقاتها، وأشار كاتايف ايضا الى ان هذه القصة يمكن (مثل حال الكثير من قصص تشيخوف القصيرة الاخرى) ان تتحول الى مسرحية كوميدية ببساطة، وفي هاتين النقطتين من هذه القصة بالذات (اي التعامل الفلسفي في ثنايا الابداع الفني اولا، وامكانية مسرحة القصص القصيرة ثانيا) نرى بوضوح بدايات سمات عبقرية تشيخوف وخصائصه، و التي ظهرت في قصصه المبكرة، و تبلورت وبرزت وتجسٌمت فيما بعد اثناء مسيرته الابداعية لاحقا، و هي التي استطاع الكاتب المسرحي العراقي المعروف عادل كاظم ان يفهمها ويستوعبها ويتعامل معها تطبيقيا قبل اكثر من خمسين سنة ويحول قصته (المنتقم) الى مسرحية (انظر مقالتنا بعنوان عادل كاظم وتشيخوف)، وكذلك قام بذلك كل من الفنان العراقي الكبير بدري حسون فريد والفنانة العراقية القديرة عواطف نعيم، عندما تعاملا مع قصص تشيخوف الاخرى (انظر مقالتنا بعنوان تشيخوف في العراق).

ختاما أود ان اشيرهنا الى ان المترجم المبدع المصري الكبير وزميلي في الدراسة بكلية الاداب في جامعة موسكو وصديقي الحبيب الدكتور ابو بكر يوسف قد افتتح مختاراته الرائعة والشهيرة في اربعة مجلدات لترجمات مؤلفات تشيخوف الى العربية بهذه القصة القصيرة بالذات، ولا اريد ان احمٌل الفرضيات اكثر من طاقاتها كما يقال، وبالتالي لا اريد ان أستنتج ان ذلك التسلسل في القصص لم يكن عفويا، ولكنني استطيع ان اقول – مع ذلك - ان هذا التسلسل لقصة (فرحة) في تلك المجلدات ينسجم ويتناغم ويتطابق مع روحية هذه المقالة الوجيزة حول قيمة ومكانة القصة القصيرة تلك واهميتها، و يؤكد الاستنتاجات التي أشرنا اليها.

 

الشاعرة نداء خوري بين ارتعاشات الجسد واشراقات الروح

shaker faredhasanنداء خوري شاعرة فلسطينية متميزة وقديرة لافتة للنظر قادمة من ربى فسوطة الرابضة على سفوح الجليل الأعلى في فلسطين. وهي مثقفة تمتاز بسعة اطلاعها وثقافتها الواسعة، وإنسانة عصامية متمردة على العادات والتقاليد والجمود والتحجر، ومن دعاة تحرير المرأة .

أطلت نداء خوري على المشهد الشعري والثقافي في هذه الديار كشاعرة رفيعة المستوى، ومبدعة مختلفة لها شخصيتها الشعرية وأدواتها الفنية، وأسلوبها الخاص، ولغتها الخاصة، وأيقونتها الكتابية الخاصة . وامتد صوتها الصادح في هذا المشهد العريض مترامي الأطراف، الذي فيه ما يتشابه ويتشابك، وفيه ما يشذ ومختلف ومغاير يكتب خصوصيته، وذلك عبر قصائدها الجميلة التي نشرتها على صفحات المجلات والدوريات والملاحق الثقافية الفلسطينية وأصدرتها في مجاميع شعرية بلغ عددها أحد عشرة ديواناً، وأيضاً من خلال مشاركتها في الندوات الأدبية والنشاطات الثقافية والأمسيات الشعرية .

وقد جاءت نصوصها وكلماتها لتشف عن روح وثابة ومقاتلة رافضة للقيود والسلاسل التي تكبل المرأة، وللقيم والأفكار الرجعية المتزمتة التي تجعل منها أسيرة وسجينة أدوات حياتية، ونجدها تتمسك بحريتها وتتمرد على كل المسلمات والتقاليد الاجتماعية البالية والفرضيات الإنسانية المقيتة التي تحد من طموح الأنثى وتغتال إنسانيتها ولا تقر بحقها في الحياة والوجود الإنساني .

إنها صوت يتحلى بالجرأة والشجاعة في البوح الصادق عن نبضات وارتعاشات الجسد واشراقات الروح الأنثوية، والتعبير عن الرؤى والمواقف تجاه قضايا المرأة، وتصوير التجارب والمشاهد الحسية، وكانت عنونت إحدى قصائدها بـ "حبل غسيل جسدي" .

وفي قصائدها نلمس تلك الروح الرومانسية الهائمة الحالمة الثائرة المتفجرة بالغضب، التي ترفض القيد وكل ما هو سائد ومألوف، وهي بذلك تتجاوز نصوص الكثير من الشاعرات العربيات والفلسطينيات المحدثات . وتدل موضوعاتها وعناوينها ودلالاتها النفسية ، وما تحمله من إشارات ودلالات وإيحاءات ورموز على مراحل تجربتها الإبداعية ونضوجها الفني .

نداء خوري شاعرة تساورها مشاعر الغربة الروحية والفكرية في عالم قاهر للذات النفسي والجسدي، وذات تجربة شعرية خصبة تحتشد بصور الألم والمعاناة على الصعيدين الخاص والعام، وينطوي نصها الشعري على قلق ذاتي اضطرابي، فردي وجمعي، ونقرأ فيه وجه المرأة المستلبة والمظلومة، والوطن، والإنسان، وذكريات الماضي الجميل، وروح الثورة والتمرد، ولغة الجسد الذي مزقته الهزائم والنكبات .

والقارئ لدواوين نداء يجد العمق الجدلي والتخييل الذاتي الشعري، وما تمثله وتجسده نصوصها من مشروع إبداعي تحرري منحاز لقضايا المرأة وانتصار لحريتها، وتعامل المجتمع العربي التقليدي الذكوري معها، الذي يهينها ويمسخها ويهمشها ويحاصرها . ويشعر بالومض الخافت للهب، والثورة النفسية التي تضطرب في أعماقها وصدرها وتكشف الأسرار سحيقة الأغوار في روحها المتمردة من ترابية الجسد، الذي طالما سبح في مفاهيم دونية أساءت إليه .

إن كتابة نداء خوري متورطة في الجسد الذي يحتل الحيز الكبير موقع الصدارة في كتاباتها الشعرية الحافلة برؤية ابستمولوجية للفعل الإنساني في علاقته بالجسد الذي يأبى الصمت والخفوت واضطرام أواره . وتجربتها في ذلك تمثل نموذجاً متميزاً ومتفرداً للشعر النسوي الإنساني الذي يعيد الاعتبار للجسد والروح الأنثوية . وعن الجسد في شعرها تقول نداء في احد الحوارات معها : " الجسد هو الدليل القاطع على عبثية وجودنا، وهو إثبات لعبور الروح في هذه الدنيا، هو تجسيد لذواتنا، هو العنوان الذي نقيم به، هو العنوان لزمن لنا، وللجسد جمال وشهوة وملائكية . وله سقوط ونزوة، للجسد احترام وقدسية كما أن له خطاياه وجروحاته وآلامه . والجسد إطار الروح، هو لنا إطار في الحياة كما هو لنا إطار لصورنا عندما ندخل إليها ونسكن الجدار بعد الموت، أجسادنا حواجز تقضي ونحن نحاول أن نتجاوزها ونعبر منها إلى الآتي، ألسنا نحن شعب العبور وأناس العبور ما بين أسطورة الزمن ومعصية الوجود . اوليست ضحايانا أجسادا تتقدم، متمردة على روحها، وقوة الحياة تدفعها إلى نفي الحياة، لأجل أن تحقق الروح ذاتها . وهل لأحد فينا أن يعترف إلى أي حد نحن مشغولون بكيف تحقق الروح ذاتها داخل الجسد ".

ومن أشعار نداء التي تحكي عن لغة الجسد وعمق المشاعر الإنسانية الدافئة، وتلامس هموم المرأة العربية وعذابها، وتعانق الحب والحلم والحرية عبر بوابة نسيم الحياة وكل ما هو جميل فيها، نقتطف هذه السطور :

العطش من جسد نساء

أشلح عيوني لأنام

عارية

من عيون الناس

يأتيني الماء

يعلمني وجع العري

وسر البكاء

يشربني

يبل ريقه

ينهنه ويحمد ربه الذي

خلق العطش من جسد نساء

ولنداء خوري ديوان بعنوان "الخلل" وفيه ترتقي بجماليات الكتابة الشعرية، وتطمح إلى لغة تتجسد فيها الحياة، الحب، الضياء، حيث ينتصر الخير على الشر، والنور على الظلمة، والحياة على الموت، لغة تعيد للإنسان صورته الإنسانية الحقيقية . والخلل الذي تتحدث عنه وتعنيه هو الخلل القائم في حياتنا الاجتماعية والسياسية وسلوكيات وأخلاقيات الناس وممارسات رجال الدين، فضلاً عن الفوضى والتسيب والانحلال الذي اجتاح مجتمعنا بفعل الثقافة الاستهلاكية المتعولمة، ومن واجبنا كمثقفين ومبدعين ومصلحين العمل على تغييره وإصلاحه .

وهو ديوان يمثل صرخة المرأة المقهورة المظلومة في مجتمع رجعي متخلف لا يعرف الرحمة، ولا يؤمن بالحرية، ويصادر حقها باتخاذ القرار، ويمنع عنها الميراث، إنه ثورة على المسلمات وقيود المجتمع وقيمه المتوارثة واستعباد الرجل ومصير الأنثى ومستقبلها . وفيه تصور شاعرتنا نداء خوري شفافية الروح التي تبحث عن المطلق، عن المثال، عن الجوهر، عن انتصار الروح على كل ما يحيط بالواقع من خلل .

إن قصائد نداء خوري إنسانية وانسيابية مفعمة بالجدة والدهشة والرقة الأنثوية والعبق الشاعري، وتغرق بالوجد والمؤانسة ولغة الجسد، وتمنح الحروف جمالاً والقاً وأنوثة تثير الكلمات . وهي ذات قيمة وأبعاد إنسانية بإطار فلسفي، تبتعد عن التقريرية والمبالغة، وتزخر بالصور الشعرية الراقية والمعاني الخلابة، واللغة المتميزة بالنضارة والجمال والتعبير البلاغي البديع والجميل، وتوظف فيها العبارات والرموز الدينية للتعبير عن عالمها الداخلي والروحي .

وفي الإجمال، نداء خوري شاعرة متألقة ومتأنقة، وشاعرة الصورة الشعرية الجمالية، تسكن روحها لغة الجسد، وكتابتها تتميز بنوعية خاصة ترتكز على البوح والإلهام الشعري والإيضاح الجريء عن رغبات الروح والجسد وما يحفل بهما من طاقات وافتنان، والتداخل بينها وبين الجسد يمنحنا الدفء الإنساني، ويعطينا قمة الأداء الشعري .

 

نافذة على الأخطاء .. رؤية نقدية لمجموعة الشاعر قاسم الشمري (أخطاء ليست متاحة لمن يشاء)

539-lotإن من أهم ما يميز النص الشعري عن غيره من النصوص الإبداعية هو لغته التي يواجه المتلقي بها فهي عنصر بل من أبرز عناصر البناء الفني فالنص الشعري يحدد بلغته وفي ذلك يقول أدونيس: (يحدد الشعري بدئيا ً وموضوعيا ً بلغته لا بفكريته إذ لو كان يحدد بفكريته لما كانت هنالك حاجة إلى نشوء لغة خاصة شعرية فممارسة الإنسان للشعر كتابة ً وتذوقا ً تعني أن هناك لغةً توصف بأنها شعرية مقابل لغة توصف بأنها غير شعرية أي أن هذه الممارسة تكشف عن تمايز في مستويات الكلام).( 1)

وتطور اللغة ينبع من حياة الشاعر وتجربته وليس من الكلمات والمفردات فالشاعر قادر على إعطاء الكلمات والمفردات بعدا ً دلاليا ً من خلال توظيفها في شعره .

ولعلنا في هذه العجالة لا يمكن بل يتعذر علينا الوقوف على مميزات اللغة الشعرية عند قاسم الشمري وهو يقف الآن على أعتاب العقد الثاني من عمره الشعري ولكننا نحاول أن نتلمس بعض العلامات الفارقة التي ميزت هذه اللغة عن سواها عند مجايليه وسنقف عند الألفاظ والتراكيب والأساليب في لغته الشعرية في مجموعته (أخطاء ليست متاحة لمن يشاء):ـ

أولاً: الألفاظ: وصفت اللفظة في النقد العربي القديم والحديث بأنها الجزء الهام الذي يتشكل منه الخطاب الشعري فأفاض النقاد في دراستها وعلاقاتها مع بعضها وتناسقها داخل السياق وأشاروا الى أن الألفاظ تكتسب في الشعر تميزاً وإيحاءً يرتفع بها عن عموميتها (وإذا فقدت اللغة أو المفردات عنصر الإيحاء في الشعر هبطت في دلالتها الفنية وأصبحت لغة ايصالية موضوعية أكثر منها تخيلية).( 2)

يبدو لمن يطلع بإمعان على نصوص قاسم الشمري استعماله ألفاظ الطبيعة بشكل ملفت للنظر ويأتي هذا الاستعمال بجانبي الطبيعة المضيء والمعتم وبدلالاتها الموحية والمعبرة عن أجواء القصيدة فتجد لديه ألفاظ: (الليل الجبال الطير الغصن الأعشاش السماء البرق الأفق الرياح الفضاء الحصاد السنابل الورود الماء الفجر الشمس...).

إن استعمال ألفاظ الطبيعة عند الشعراء يأتي في أغلب الأحيان أما انعكاساً للبيئة التي يعيشون فيها أو نتيجة لأسفارهم الى بلدان تتمتع بطبيعة ساحرة ملهمة أو إن قوة التخيل لديهم مكنتهم من الإبحار في عوالم الطبيعة الغناء دون أن تلحظ أبصارهم شيئاً من ذلك وقد توافر قاسم الشمري على هذه الهبات الثلاث فقد ولد ونشأ وترعرع في ربوع مدينة تحيط بها بساتين النخيل والأشجار والأنهار من كل جانب ثم إنه سافر الى بلدان عربية وإسلامية تتمتع بسحر الطبيعة مثل سوريا والكويت والإمارات وتونس وإيران فضلاً عن كونه شاعراً يمتطي صهوة الشعر وبيده زمام الخيال.

يتمتع الشاعر قاسم الشمري بما أوتي من مهارة وتفنن في الاستعمال الشعري بقدرته على شحن ألفاظه بدلالات جديدة تمحو عنها صفاتها المعهودة ويحملها صفات جديدة تجعل منها نقطة إشعاع دلالي داخل البناء الشعري بحيث تبدو كل لفظة في مكانها المناسب تماماً وتقوم بالدور الفني الذي أراده لها فيقول:

كيف الورود لثغرٍ بعضه المـــــاء؟ وفيض كلي تدلت منه صحــراءُ

كيف العروجُ لخدٍ ؟ يا ذهولُ أجب فيه به منه تسقي الفجرَ أضواءُ

فالألفاظ: (الورود والثغر والماء) كانت تتمتع بقوة الإيحاء نحو دلالة العشق والتعلق بالمحبوب والوله العفيف فضلاً عن المعاني العميقة المختبئة خلف الاستفهام بينما أوحت ألفاظ: (العروج الذهول الفجر الأضواء) بالانتظار والترقب لطلوع النهار بعد العتمة.

الشاعر قاسم الشمري لا يؤمن بانفصال الثنائيات في الطبيعة فهذا العالم يجتمع عنده بكامل تناقضاته فهناك الورد كما إن هناك الشوك وهناك الوطن كما إن هناك المنفى (الأرض ـ السماء) (الضياء ـ الظلام) (الصمت ـ الأنين) (النارـ الثلج) (البحرـ الساحل) (الموت ـ الولادة) (الندى ـ الخريف) (البستان ـ الرمال)... الخ ومعنى ذلك أن هذه الطبيعة لا تأخذ خطاً واحداً منسجماً إنما تتشكل من مجموعة المتناقضات التي يتمثلها الشاعر فيوحد بينها في أعماقه ورؤيته للحياة حيث يقول.

539-lotقناعٌ ترابيٌ ووجهٌ من الندى وغيمٌ خريفي الطقوس تسيده

وخدٌ بكنه الثلج قد مات ظامئاً الى قبلةٍ نارٍ لتغتال موقده

فمن ألف شمسٍ والضياء محاصرٌ وأحداق أفقي بالظلام ملبدة

وثمة ملحوظةُ أخرى يمكن أن تطفو على سطح الرؤى النقدية لمن يتصدى لدراسة هذه المجموعة هي كثرة تناول الشاعر للألفاظ المستقاة من المعجم الديني وهذا ينبئ عن شدة الانتماء والتعلق العقائدي والتأثر بالمحيط البيئي المنصرف الى الدين وتفرعاته فيرى مفردات مثل: (الإيمان الآلاء الإثم الطهر الجحيم النور المعراج القدسية السرائر الدعاء الدرويش الراهب الذنب...) وهذه الألفاظ تكاد لمن يدقق في تراكيبها وتوظيفها ضمن السياق أن تقدم خدمةً مجانية للمحور العام الذي تدور عليه أفكار قصائد المجموعة التي هي عبارة عن اعترافات ذاتية عن أخطاء وذنوب لا يريد الشاعر أن يبوح بها لمتلقيه جهراً وإنما يريد منهم أن يكتشفوا ما وراءها لكنه في الوقت نفسه يبحث عن غفران تلك الذنوب والأخطاء التي لم يرتكبها عامداً بل كان الزمن والواقع والمنهج الذي تسير عليه الحياة منذ نشأة الكون هي الأسباب المباشرة التي أدت الى حدوث ما يعدها من الأخطاء.

فمن أخطائه أنه اقترف القصيد إذ يقول:

وسألتها ...

قلق المساء يلفني

والأرض شاحبةٌ كوجهي

حين أقترف القصيد.

ومن أخطائه أن التيه يختمر في ذاته مثل امرأة خرافية مصنوعة من طين الغوايات فيرقص مع اللهب ويتوج مساءه بالنار النار التي أحرقت روما فيقرر مع نيرون :

لابد أن أمضي لمملكة الذنوب

ومن أخطائه أنه عقد للثأر رايته ونفخ في جمر التاريخ ليستفز اللهيب ودحرج كرة السنين الى الوراء كأنه صبح يدفع في قفا الظلماء لكنه يعود فيمني نفسه ويستنطق المهلهل:

لو يعود العمر عانقت المنايا

واستسغت صديدها من أجل ثأرٍ لا ينام.

وهنا لا بد من الالتفات الى أن عناية الشاعر بالأحداث التاريخية وتوظيفها في نصوصه جاءت نتيجة حتمية لنظرية (التاريخ يعيد نفسه) التي آمن بها فهو يحاول تسليط نقاط الضوء عليها ويذيب نفسه المرهفة مع شخصياتها ليلج عبرها الى متلقيه فـ (نيرون والزير سالم والمهلهل والملك الضليل والحلاج) ما هي إلا أدوات وظفها الشاعر وألبسها حلةً متناغمة مع روح العصر ومتطلبات قصائده فالشاعر حين يعول على اللغة لا يعول عليها بدلالتها التقليدية بل يمنحها حياة جديدة متطورة بما يحدثه فيها من تأثيرات مع عالمه الشعري الخاص فاللغة (مادة متطورة متجددة ما دامت الحياة التي نحياها متطورة متجددة). (3)

 

ثانياً: التراكيب:

صحيح أن الصورة الشعرية في النقد الحديث تدرس بشكل مستقل لكنها لا تنعزل عن البناء الفني للنصوص الشعرية وقد ارتأيت أن أتعرض لها عند قاسم الشمري ضمن مطلب التراكيب.

تكمن أهمية الصورة ـ حسب الدكتور جابر عصفورـ في إنها تفرض على المتلقي نوعاً من الانتباه واليقظة ذلك لأنها تبطئ إيقاع التقائه بالمعنى وتنحرف به الى إشارات فرعية غير مباشرة لا يمكن الوصول الى المعنى دونها. (4)

يبني قاسم الشمري نسيجه الشعري مستفيداً مما منحته له الصورة الشعرية من مساحة واسعة للاشتغال فترى الصور التشبيهية و الاستعارية و الكنائية قد تجلت في شعره على شكل تراكيب منحتها القرائن قوة البقاء ضمن المساحة الشعرية للنص لتشكل بذلك حصناً يصعب اختراقه من قبل المتلقي إلا بالتأمل والبقاء ضمن حالة الانتباه واليقظة وبذلك نكون أمام نص شعري جديد ليس الإيقاع الخارجي أساسه ولا القوالب الجاهزة بناءه بل الصورة الشعرية عماده.

فلو تأملت هذه التراكيب: (فم الماء شاطئ السكين جسر المرارة سيماء القداسة أحلام عرجاء تخوم الظمأ أبواب الغيم يد الموج مفازات العروج خبز الدمع ... وغيرها) لوجدت أنها تركبت وفق أساليب المجاز الشائعة في البلاغة العربية لكنها وحين النظر إليها ضمن السياق الشعري تتشكل لدينا صورٌ تنبعث منها رائحة الجدة والدهشة التي تصل في بعض الحالات الى الانبهار فهو يقول:

لا ترتكب فجراً اقل براءةً

إن التشظي في عيون الشمس

أخطاءٌ يناقشها الجمال.

فقد استعار للفجر صفة البراءة واستعار للشمس عيوناً واستعار للجمال خصيصة المناقشة وهذه صورة استعارية مركبة استعملها الشاعر ليضفي على نصه التكثيف الهادف الى الانتشار فكان البناء متشكلاً من جملة من العناصر القلقة لأن التوتر في الإدراك الفكري يخلف الانسجام. وإن أهم ما ينبغي تحقيقه في الصورة الشعرية وفي الصور داخل البناء الشعري هو مخاطبة الحواس والتمرد على الدلالة الحرفية واكتشاف علاقة وتحرك الخيال بين قطبين وإدماج الحسي بالمجرد في شكل أو بناء موحد تملأ فيه الثغرة بين القطبين. (5)

إن اكتشاف العلاقات الجديدة بين الأشياء هي التي ميزت الشاعر قاسم الشمري عن معاصريه من 4حيث البناء الصوري فالعلاقة بين الكف والشراع وبين الرحيق والصلاة وبين القيود والاحتضار وبين الجمر والمطر ربما كانت قد تناولتها قرائح الشعراء لكنها تشكلت عند الشمري عبر سياقاتها المتحركة داخل النص لتخلق للمتلقي تصوراً بالجدة والإدهاش اللذين يسعى لهما الشاعر الحديث.

ويعرف الدكتور صاحب خليل الصورة الشعرية بأنها: (رسم لوحات حيوية تعبر عن انفعالات الإنسان ومشاعره سواء أكانت حسية أم متخيلة تكشف براعة الشاعر وقدرته وحسن ذوقه على التأثير في المتلقي وإثارة تخيله في الذهن والواقع بألفاظ جميلة ومعان جديدة).(6)

فهو يقول-

هو برزخٌ بين الجفون

وسادن الأرق اعتلى شرفاته

والقلب عار مثل كفٍ للتسول

والولوج الى رغيف الحرف أتعبها

فتعتنق السكون.

ها هو يرسم لنا لوحةً معبرة مؤلفةً من جملة من التراكيب الصورية بريشة الفنان الذي لا يريد من متلقيه مجرد عبارات المدح والثناء بل يريد الوقوف عندها للتأمل والنظر الى ما فيها من حيوية وبالتالي استخلاص الانفعالات المنعكسة على الطرف الآخر وهو المتلقي ومن ثم الوصول الى المتعة التي هي غاية كل فنان.

لقد عزا بعض الباحثين جمال الشعر الى اكتشاف العلاقات بين الأشياء المتباعدة ولم يؤاخذ الشعراء في جنوحهم الى الخيال وابتعادهم عن الواقع (فلا جُناح على الشاعر في أن تكون صوره التي تشكلها قوة التخيل والملاحظة عنده غير موجودة في عالم الواقع أو غير مدركة في مجملها للحس المهم أن تتآلف عناصر هذه الصور في نسق يقبله العقل). ( 7)

إذ يقول

أركب الأمس القصي بقارب الذكرى

فترسو في شواطئ مقلتي

صورٌ تحلق في مرايا الروح

فقارب الذكرى وشواطئ المقلة ومرايا الروح هي صور غير مدركة للحس لعدم وجودها في عالم الواقع لكن الشاعر أوجدها وألف بينها في نسق مقبول يدركه صاحب الذوق وفي أغلب الحالات يتفاعل معه لوجود المشتركات الإنسانية بين بني البشر.

 

ثالثاً: الأساليب:

وردت في قصائد قاسم الشمري جملة من الأساليب الإنشائية الطلبية ولا سيما الاستفهام الذي يعد عنصراً أساسياً من عناصر المجادلة والمحاججة إذ لا يرد به السائل حقيقة ما لأنه في الغالب يكون عالماً بالجواب فتأتي الاستفهامات معبرةً عن أغراض بلاغية كالتعجب والتحقير والتقرير والنفي والتمني وغيرها.( 8)

إن تصدر أسلوب الاستفهام الكلام يمثل ركيزة افتتاحية تملك من القوة الدلالية ما يكفي لشحذ ذهن المتلقي للبحث عما يشفي التساؤل فالصيغة الاستفهامية (صيغة يستعملها العربي حين يرد ان يفهم ما تعسر عليه فهمه لأمر حدث أو لخاطر خطر بباله ...)( 9)

إن أول ما أراد الشاعر أن يلفت أنظارنا إليه هو صورة الغلاف التي جاءت على شكل وجه آدمي بعلامة الاستفهام المتعارف عليها في علامات الترقيم وكأنه يريد إحالتنا الى جملة من التساؤلات لماذا الأخطاء؟ ولماذا ليست متاحةً لمن يشاء؟ وهل هي أخطاء الشاعر؟ أم هي أخطاء الركن الآخر من ركني النص الشعري (المتلقي)؟ أم هي أخطاء الواقع؟ وبالتالي فإن الاحتمالات جميعَها واردة ومقبولة لأنه ربما أراد أن يستفهم عبر الشعر ما تعسر عليه فهمه من تناقضات في الحياة ومن ازدواجية في المعايير ومن تضارب في السلوكيات أو ربما أراد أن يمارس مع قارئه لعبة الخفاء والظهور أو بيان الشيء بضده فأخطاؤه صحاح لا يصرح بها فصرح بضدها وترك التأويل للقارئ.

إنه يتساءل:

من أنا؟ تسأل المرايا فتذوي عقربٌ في الجواب يهديك لسعه

العلم بالجواب والتخوف منه علامتان بارزتان تحيطان بتساؤلاته لكنه يطرحها ليشفي رغبته الجامحة وحبه للإطلاع عما سيؤول إليه المصير:

من ذا سيخدش ماءه؟

والخوف أن يتنفس الضوء المباغت

دون أن يمشي على جثث الرماد

سنا اللهب.

إنه يجد الراحة في النزيف وفي الوجع فيبحث عنهما على عكس ما يبحث عنه الآخرون وكأنه يريد القول إن الشاعر هو كائنٌ مثالي يرفض كل ما هو مألوفٌ ومتعارفٌ عليه:

تعبتُ فأين نزفك يا جراح؟

من ذا يلقنُ منجلي وجعَ الحصاد؟

وثمة سمة أسلوبية أخرى برزت لنا عند الشاعر قاسم الشمري وهي النداء والنداء عُرف بتعريفات عدة كلها تفيد بأنه (طلب المتكلم إقبال المخاطب عليه) (10) أو(طلب إقبال المدعو على الداعي).(11)

وقد استعمل النداء عند الشاعر الحديث لا بمعانيه الأصلية وإنما بالخروج عنها الى معان أخرى كالإغراء والاستغاثة والتعجب وغيرها.

يا هذا لا تخشى خوفك

يا هذا لا تخشى طهرك

ليس بالضرورة أن نتعرف على شخصية المنادى فربما يكون الشاعر نفسه وربما يكون من ليس له أي وجود وربما يكون قريباً جداً فليس على الشاعر أن يضع تفسيرات وتوضيحات لشعره إنما عليه أن يصل بنا الى ضفة الإمتاع فمرةً يعرف به لغاية فنية:

يا ساقي النيران

عذب كنه صحرائي بمائك

ومرة يخفيه لغاية فنية أخرى:

يا هذي التي راقصتها

ومراجل للوجد تكفر بي

فراقصنا اللهب.

وفي الختام أقول: لعلي استطعت عبر هذه الرؤية النقدية المتواضعة أن أفتح نافذةً واحدة على أخطاء الشاعر قاسم الشمري وبقيت نوافذ كثيرة ليست بعصيةٍ على ذوي التخصص فهذه المجموعة جديرة بالدراسة والوقوف على معالمها لاستكناه الخفي من عوالمها فالدر لا يظهر إلا بالغوص الى الأعماق لاستخراجه والاستمتاع ببريقه الساحر.

 

عماد الحيدري

الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق

النجف الأشرف

آذار 2014

 

..........................

الهوامش

1) الثابت والمتحول: أدونيس دار الساقي د.ت 4 / 243 .

2) لغة الشعر العراقي المعاصر: عمران خضير حميد الكبيسي وكالة المطبوعات ط1 الكويت 1982م

3) لغة الشعر بين جيلين: د. إبراهيم السامرائي 140.

4) ينظر: الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب د. جابر عصفور المركز الثقافي العربي ط3 بيروت ـ لبنان 1992م 328.

5) ينظر: الصورة والبناء الشعري د.محمد حسن عبد الله مطابع دار المعارف القاهرة 1981م 166.

6) الصورة السمعية في الشعر: د. صاحب خليل إبراهيم من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق 2000م 19.

7) الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب: 61.

8) ينظر: البلاغة العربية علم المعاني بين بلاغة القدامى وأسلوبية المحدثين د. طالب محمد إسماعيل الزوبعي منشورات جامعة قان يونس ليبيا ط1 1997م 101.

9) ينظر: تطور دراسة الجملة العربية: الظالمي 121.

10) جواهر البلاغة: أحمد الهاشمي 88.

11) البلاغة والتطبيق: د.أحمد مطلوب ود. كامل البصير مطابع بيروت الحديثة ط1 1430هـ/2009م 140.

 

صرخة الأغوار .. قراءة في المجموعة القصصية تضاريس التيه للكاتبة المغربية مريم التيجي

537-marimأ) تضاريس التيه وغواية العنوان: قليلة هي الكتابات التي تجعلك تكتشف بأن لكل واقع صورة موازية أو خفية، أوظل كثيف يحجبه عن عيون الفضوليين، وأن ما نراه مجرد قناع لوجهه الحقيقي، أي البشع ..فللواقع فعلا أوجه شتى وأقنعة وظلال و ظاهر وباطن، لأنه واقع منافق ومخاتل بامتياز. وهذه الكتابات رغم قلتها تجعلنا شكورين لأصحابها، وسعداء بالإنصات لأصوات تقول الحقيقة وتمزق الغشاء السميك الذي يخفي الوجه المخزي و المخجل لبعض "أوضاعنا الاجتماعية" .

وقليلة هي أيضا عناوين الكتب التي تغريك بتوقع الأفضل ..وحين تقرأالكتاب تجده يرضي انتظارك، ولا يخيب ظنك فيما توقعت، لقد تمتعتَ واستفدتَ وتألمتَ وانشرحتَ، وتأثرتَ بما قرأت كما ينبغي أن يكون التأثر والتفاعل بين القارئ والكتاب .

لقد ترك الكتاب بصمته واضحة وعميقة على صفحة العقل وفي القلب.

أحسستَ بآلام الناس وعشتَ بعض أحلامهم، عشت تجاربهم المرة وخيباتهم، وتمزق لحمك بالمشارط والإبر والسكاكين، مثلما تمزقت جلودهم وكرامتهم وحناجرهم بالصراخ غير المجدي في وجه هذا الصمت البهيم الذي لا تشقه أصوات إدانة أو رفض .

واحد من هذه الكتب التي قدر لها أن تترك مثل هذا الأثر في نفسي، هو المجموعة القصصية الصادرة أخيرا للكاتبة المغربية المتميزة " مريم التيجي "

وواحد من هذه العناوين الموحية والتي لم تخيب ظني، هو " تضاريس التيه ".

تضاريس التيه هو العنوان الذي اختارته الكاتبة لمجموعتها القصصية.

وليس ذلك فقط لأنه عنوان واحدة من قصص المجموعة، بل لأنه ـ كما أقترح في هذه القراءة ــ هو روح المجموعة والدليل إلى عوالمها المتنوعة،المرعبة والمشوقة في الآن نفسه .

إنه عنوان دال على الواقع المخاتل ..عنوان يُصَرِّحُ بالحقيقة الجارحة من خلال المفارقة الصارخة بين التيه والتضاريس، وكذلك من خلال المفارقات الدالة بين أقنعة الواقع الزاهية وحقائقه المخجلة. عنوان يكشف المفارقات التي تعمل قصص المجموعة على فضحها .

فالتضاريس تعني الشكل الذي يتخذه سطح الأرض .

التضاريس معالم، أشكال، ارتفاع وانخفاض .

أما التيه، فضياع وضرب في غير ما اتجاه .

كيف يصير التيه أرضا /واقعا له معالم وأشكال .؟

بل و كيف لا يصبح كذلك، إذا كان التيه هو واقع ما يعيشه المستضعفون والعاجزون والقاصرون والمسنون والمغتربون والمرضى .....والحوامل والأرامل واليتامى .وكانت تضاريسه هي الفقر والجوع والعوز والحاجة والأمية، ثم كانت أيضا هي المستشفى والمدرسة والإدارة والبيت والشارع والعمل والعدالة..؟.

هذه بعض تضاريس التيه الذي تقودنا فيه الكاتبة وهي لا تحمل غير مصباح الكتابة ولا تهتدي بغير بوصلة القلب.

ومن تكن الكتابة مصباحه والقلب بوصلته يفلح دائما في إيصال رسالته لمن له عين تقرأ وقلب يعي .

تجوب الكاتبة جغرافيا الجسد المغربي العليل، تمشي حافية كنساء مجموعتها فوق نتوءات شرطٍ إنساني لا يرحم الضعفاء، حتى يصير دم الأمهات وعرقهن وذلهن في أقبية الولادة وبين مكاتب الإدارات، حبرا يطرز الألم المغربي على الورق مثلما تطرز الممرضة/الخياطة جراح الأمهات بعد الوضع .

تجوب الكاتبة تضاريس الواقع المغربي بشجاعة كاتبة رائدة، وصبر أم متعاطفة مع الأمهات، تقتحم الغرفَ المظلمة وتفتح نوافذ الأقبية . فمرة تجهر بالحرف وسط الصخب الهادر للمستشفيات العمومية، ومرة تهمس به تحت زخات المطر وهي تئن كأم تئن وكزوجة تئن، ممزقة بين واجبات البيت والأولاد والمدرسة والزوج المتطلب والمطبخ والعمل، حتى لا يبقى للكتابة حظ من الوقت، ولو اقتصر على مجرد نفض الغبار عن كتب تشتهي الجلوس إليها بعض الوقت .

فكل امرأة ليست ككل النساء.

وكل كتابة ليست ككل الكتابات .

كتابة المبدعة " مريم التيجي " تكشف وتُعري وتَفضح وتُصَرِّحُ وتصرخ بالحقيقة التي تعاني منها المرأة /الطفل/المسن /المغترب/الوطن.

حقيقة الواقع المنافق.

حين تُسمى مراكز التعذيب مستشفيات .

ومصاصو الدماء مدراء.

ويُسمى الابتزاز عدالة.

وأقبية الإهانة إدارة.

وحين يحمل الجلاد اسم الزوج .

والجحيم اسم بيت الطاعة.

والغرباء أسماء الأقارب .

والكوابيس أسماء الأحلام.

كل الأماكن معلومة وموشومة في الذهن، كل الأماكن مرسومة بإتقان، ولها أبواب وحيطان ولافتات تضاء بالنيون والألوان، تحمل أسماءها ووظائفها وأدوارها على جبينها ولا يندى لها جبين إذا كان ما تقوم به في الواقع يتعارض مع هذه الأسماء والوظائف والأدوار .

البنايات والبِنْيات والعلاقات والمؤسسات تضاريس فعلية لهذا الواقع الموصوف بعناية في المجموعة القصصية، والتائه الوحيد فيها ..هو الإنسان " اللي ما فحالوش "، ولتيهِهِ نُجود يقطعها عطشان بلا أمل في غيمة، مشدودا إلى سماء لا تمطر، بحبال السراب .معلقا كالمنتحر بين السماء والأرض .، ولتيهه جبال صعودها يقطع الأنفاس، لتيهه أغوار وحافات وفجاج وأرصفة .

تلك هي تضاريس التيه .

جنة صارت جحيما لما غادرتها الملائكة واستوطنتها الأبالسة .

جنة صارت جحيما لما غادرها الإنسان .

جنة صارت جحيما لما صار الإنسان وغدا ووحشا يفترس الإنسان .

جنة البيت، وجنة العدالة، وجنة الصحة وجنة الإدارة وجنة القرابة وجنة المودة وجنة الرحمة وجنة القرابة .......جنات بلا إنسان .

في هذا التيه الوجودي العظيم والمرعب والمؤلم لمن يعبر تضاريسه أعزل بلا سلاح وسط الضواري والكواسروالحيتان .في هذا التيه الوجودي الكبير تتقاطع مصائر البسطاء وخطاهم تحت دائرة الضوء الذي تسلطه الكاتبة على واقعهم ومعاناتهم .تلتقي المرأة والرجل / النصاب والبريئة / الجميلة والوحش .تلتقي كل الفئات العمرية / الأطفال والفتيان والمسنون.يلتقي المستضعفون والمسحوقون / العامل واللاجئ والزوجة و الموظفة .تلتقي الفئات المهضومة الحقوق، تلتقي الفئات المهمشة وجها لوجه بمن صنعوا آلامها وعذاباتها، لكنه لقاء داخل متاهات وأنفاق بلا أبواب .

في هذا التيه العظيم يلتقي الموت بالحياة ..وتصر الحياة على أن تحيا وتبقى .. حتى وإن كان البقاء أحيانا معلقا بمجرد حلم .. حلم أن تحمل الأم مولودها بين يديها فتنسى عذابها، وتفلت المتقاضية بجلدها من فخ النصاب، وتبقى للمواطنة بعض مبادئ لا تتحلل في كأس قهوة أو كأس رشوة .

قصص المجموعة إذن وكما أرادت لها الكاتبة ذلك حين عنونتها بتضاريس التيه، تضاريس تيه فعلي .. تضاريس التيه فعلا .

537-marim 

ب) تضاريس التيه و صرخة الأغوار*

1) " تضاريس التيه" هو المستشفى، وصرخة الأغوار هي تلك التي تصعد من أحشاء المرأة التي جاءت لتلد فصار عليها أن تصعد (السرير) الجلجلة بلا صليب، وتعبر الصراط (الكرسي) إلى غرفة الولادة على حد الشفرة .

ستمشي المرأة فوق الدماء والقيء والأوجاع والإهانات والأنين والصراخ والكلام تحت الحزام ـ الكلام تحت الحزام أقسى على قلب المستضعفين من الضرب تحت الحزام ــ وحدهن المسحوقات يشعرن بالضربات حين يسمعن هذا الكلام . وفي فضاءات أخرى على الأرض نفسها وتحت سقف السماء نفسها من الوطن نفسه، تُستقبل نساء أخريات عند بوابة العيادة وتنحني "كم وزرة بيضاء" لتساعد السيدات على صعود الكرسي، أو سرير الفحص، أو انتعال الحذاء .

نساء ونساء .

أما هنا فتؤمر المرأة برفع" قاعها" وكتم أنينها لأن "القيعان" ليست سواء ..القيعان طبقية بامتياز، هنا بنات القاع الاجتماعي، وهناك بنات القاع والباع، قيعان المترفات لا تتساوى في ميزان الطب ومصطلح التمريض مع قيعان المسحوقات .

هنا، في المستشفيات العمومية تصبح مجرد التفاتة صغيرة وعابرة كرما ليس مثله كرم، وتصبح محاولة التقاط السروال الذي أزيل عند الفحص مهمة أشبه بالمستحيل،خاصة وقد انغرست الأصابع المتفحصة في الأحشاء . فهنا "تفحص النساء كما تقلب الأحجار وكأنهن لسن كائنات بشرية"، نساء عاريات من ملابسهن ومن جلدهن ولحمهن ودمائهن، نساء مجردات من عزة النفس ومن الكرامة . نساء عاريات إلا من بقية أمل راودهن يوما أن يلدن لتكتمل أنوثتهن ...نساء يحملن في أحشائهن أملا ..." ولد ميتا " .

هي تضاريس التيه فعلا:

2) تضاريس التيه وصرخة الأغوارتلك التي تصعد من أحشاء الموظفة الرهيفة الإحساس، الرقيقة المشاعر، وهي ترى الوجوه الأنيقة الحليقة تتحلق حول مائدة اجتماع المجلس الإداري لتحصي المداخيل وتنوه بالسعاة والعاملين وجباة المحاصيل، ولا هم لأحد إلا ملء الصندوق .

ملء الصندوق .

الصندوق امتلأ فعلا، ولكن بدماء الشاب الذي وقف في الطابور يضغط على الجرح الغائر في الخد .

وامتلأ بالأنين والأوجاع والآلام .

امتلأ بعرق المتسولة، وامتلأ بآخر رمق من حياة عجوز لفظ آخر أنفاسه بينما رفيقة محنته تنتقل بين المكاتب لتسديد فواتير الفحص .

وجوه أنيقة حليقة تتكلم كل اللغات إلا لغة المرضى، وتهنئ نفسها على ارتفاع المداخيل .. ولو كانت رأت وجهها في المرآة ...لكانت رأت الأنياب التي نبتت لها لطول ما غرست أسنانها في لحم الفقراء .

لكانت رأت في المرآة .. وجوه مصاصي الدماء.

3) صرخة الأغوار أيضا هي، بالنسبة للعجوز الذي خاب ظنه وأمله في الكشف عن حالته، وصار يعرف بأن النوبة القاتلة لن تمهله حتى يصل دوره بعد ستة أشهر في قسم المستعجلات .

مستعجلات تأمر المريض المسن والواهن العظم والقلب أن يعود بعد ستة أشهر لأن حالته مستعجلة .. هي فعلا مستعجلات جدا .

4) وصرخة الأغوارهي، بالنسبة للزوجة التي تجر أطفالها وتقصد بيت أبيها بشعرها المبلل بقذارة الزوج، فقد أفرد الوحش رجليه وتبول على رأسها، فقط، فقط لأنها كانت نائمة، ولم تلب له حاجته كالعادة قبل أن ينطق بها .

أطفال جياع وزوجة تائهة، بين أم تحثها على ترك الأطفال للوحش، وأب يأمرها بالرحيل العاجل لأن بقاءها ببيته ليس في مصلحتها، وزوج جبار متغطرس ينتظر عودتها للبيت لكي يعلمها أحدث فروض الطاعة .

امرأة تائهة تجر أولادها وراءها وتقصد محطة القطار ..تنظر بين الفينة والأخرى خلفها إلى الأبناء، وتتابع السير، دون أن تعرف أو يعرف القارئ إن كانت ستنتحر أم ستنتصر على كبريائها وتعود صاغرة لبيت الطاعة .

وما الفرق بين أن يمزق القطار جسدها أو يُحَوِّل الزوج البوَّال أيامها إلى أشلاء؟.

5) وهي صرخة الأغوار حين يُرغم اليتيم تحت ضغط اللهو السخيف للأم والخالات على التبرؤ من حبه لأبيه .. فيُحبه في السر طوعا ويطيعهم في العلن مكرها .

6) ويطمع اللاجئ في العودة إلى بلاده ورؤية سمائها بعينين مفتحتين، خاصة وقد أصبح مواطنا صالحا يشرب الخمر ويتعاطى الحشيش، ولم يعد ينقصه غير الجواز . لكنه سيعود في صندوق، سيعود ميتا بعينين مفتحتين على سماء فارغة.

لم ينفعه أنه صار مواطنا صالحا يشرب الخمر ويتعاطى الحشيش .

7)ويستغل الوغد النصاب تواطؤ قاضية ليستدرج المرأة الشريفة إلى سرير شهوته البهيمية .سيدة لا ذنب لها إلا أنها لا تعرف أسرار البيع والشراء وبعض أسرار القضاء.

8) و تمتلئ يوميات الأم باللهاث خلف الوقت والأولاد لتحميهم من زخات المطر عند باب المدرسة، أو لتتركهم فريسة للحمى وتذهب لتجلس في مكتب بارد على جمرات الخوف والقلق .، أو تكتفي بنفض الغبار عن المقام الزكي للولي الطاهر، والإصغاء إلى ألمها الخاص وشغب الأولاد،، أو تدور مع دوامة الحياة والمواصلات لتكتشف بأن الزمان قد تغير وبأن القيم قد ضاعت وبأن الأيام قد ازدادت سوءا .وبأنها هي ..ربما .. مجرد ورقة سقطت سهوا من دفتر مذكراتها القديم، ومن حساب الأحلام الوردية للشباب.

9)هي صرخة الأغوار الباردة، صرخة العجوز الذي ينتظر أبناءه كل صباح عند بوابة المستشفى ولا يأتي أحد ليأخذه ..فلم يعد أحد يرغب به . لكنه ..لكنه يصر على الانتظار، فيجمع كل صباح ملابسه وغطاءه في كيس بلاستيكي ويعود لينشرها في المساء، حين ينتهي موعد آخر زيارة ولا يأتي أحد ليأخذه .

دائما ودائما،هي تضاريس التيه، ولكنها غير ذلك أيضا .هي أيضا رصيف للوفاء والصفاء والحنين .

 

ج) تضاريس التيه و رصيف الوفاء*

1) التضاريس أيضا رصيفُ وفاء للملح والطعام ولزهرة الأيام التي ابيضت في الأيادي، وللتجاعيد التي حفرتها السنون على الجبين وعلى أطراف الشفاه وجفون العيون، هي رصيف الوفاء للمرأة المسنة والرجل العجوز حين يجلسان جنبا إلى جنب في حديقة عمومية، هو يحكي وهي تنصت أو يتبادلان الأدوار ثم تمسد يده وتمسح طرف عينه وجوانب فمه .. وينصرفان .

2) وهي رصيف وفاء المرأة لنفسها ولذكرياتها الشعبية اللطيفة حين تحتفي المرأة بالعيد الأممي للنساء، والذي جعلت منه عيدا خاصا بها، عيدا لها وحدها .. بعيدا عن الورود و ضجيج الخطب .. بعيدا عن الصخب، تحتفل المرأة بنفسها .. عند النبع الحقيقي للحب، حفلا يكفي فيه بعض البصل والسمك لتغمرها السعادة ..ولتعرف بأنها .. قد احتفلت فعلا بالنساء، ولكنها احتفلت بلا كذب .

3) هي ..هي رصيف الأرواح التي تنتظر أخذ العزاء في موتها، رصيف الأطياف التي تسكن كل ركن من البيت والذاكرة، رصيف اللقاء بالأموات الذين يقاسموننا الكلام والأيام، رصيف أول لفاطيمة ورصيف ثان للكاتبة التي ظلت وفية لقصتها،فاطيمة التي لا تزال تجوب أروقة المستشفى وخيط دم رفيع كالنزيف يزفها لموتها .

4) رصيف لاختبار قوة الإيحاء في علاج أعطابنا، حيث تكفي كلمات للملمة الشتات: " أنا لاباس .. أنا لا باس .. جرحي برا . أنا لاباس، جرحي برا، قلبي لا باس،جرحي برا ." تكفي كلمات لتخف حدة الألم وتلتئم الجراح، أو على الأقل تتوقف عن النزيف .

5) رصيف لكنس غرفة القلب، رصيف لغسل الذاكرة، رصيف للعلاج بالكتابة رصيف من ... تضاريس التيه.

هي كل ذلك وهي غير ذلك أيضا .

هي في الأخير تضاريس للمفارقات القصيرة جدا .

د) تضاريس التيه والوقوف على حافة المفارقة *

 

حافة المفارقات في مجموعة " تضاريس التيه " حادة تشرف على الأغوار العميقة، حادة ومضيئة تشرق بالمعنى كشمس من تحت الماء.ليست الشمس في الأعلى فقط، فكثيرا ما تكون صفحة الماء سماء إن جربنا الغوص إلى الأعماق.

التضاريس أيضا تضاريس للمفارقات:

1) الماكرة:

حين يسأل الطالب الجامعي عن فتوى تبيح للجائع السرقة ... لأنه يريد أن يسرق تفاحة تشبع .. جوعه الجنسي .

2) المذهلة:

حين توحي صورةُ رافعة البناء للزوج بحبل يتدلى منه رجل منتحر، وتوحي للزوجة بوردة تدور في الهواء، أو براقصة بالي تدور برشاقة على رجل واحدة

3) الذكية:

يوم تلتقي المرأة وجها لوجه بعدوها السابق في الجامعة على مائدة للحوار والعمل فيقول مستغربا:" اليمين واليسار، ماذا جمعهما معا؟ " فترد عن صواب: " لقد كنا مجتمعين معا منذ البداية ..فقط كنا صغارا ولم ننتبه لذلك "

4) الساخرة:

إذ تطلب الحبيبة من محبها المتنور جدا زهورا برية من ضفاف الأمازون كهدية رمزية على قدر الحداثة التي يدعو إليها بدل مهر من ذهب ومال ..فحتى هي لا تهتم بكلام الناس، ولكنها تحسن رفع قيمتها في عينيه هو الذي قال بأنها أغلى من المال والذهب .

5) المضحكة /المبكية:

إذ تشكو الزوجة لصديقتها باكية ما تعانيه مع الزوج البخيل والبغيض، والذي جعل من البيت غارا أسود مظلما مات فيه الحب ومات فيه الفرح .فتذكرها الأخيرة ضاحكة،بأن أغلى ما كانت تتمناه في الصغر هو أن يطير بها فارس الأحلام إلى مغارة في أعلى الجبل ......وقد فعل .

6)المربكة:

حين تشعرك شارة الانتساب إلى المهنة بالخجل بدل أن تعزز لديك روح الانتماء

7)غير المتوقعة:

إذ يدخل الإبن ووالداه إلى بهو المحكمة لإجراء معاملات الطلاق.....طلاق الرجل المسن من المرأة العجوز .ياللمفارقة .

8)الحالمة:

بزمان آخر تحت شمس أخرى يصيرفيه الابن مهندسا أو رئيس عمال، يجلس في المكتب المريح ويركب السيارة المكيفة ... هكذا يحلم الأب بمستقبل لابنه بينما يحمل الطوب والحجر على كتفيه تحت أشعة الشمس الحارقة ..

9)البليغة:

لرجل وامرأة لم يلتقيا أبدا ولم يفترقا، ماتت قبله بيوم فدفنوه في اليوم الموالي.

10) الوقحة:

حين يصبح " ادهين السير " أفضل طريقة للسير السريع ولا يهم أن لا يشد السير الحذاء، إنما المهم أن ندوس بالحذاء على المبادئ والقيم ونحث السير لقضاء المصالح . ونغض البصر عن الوقت الأفضل للدهن، أبعد الصلاة أحسن أم قبلها .؟

ه) تضاريسٌ لبحرِ المآسي *

هي إذن تضاريس تصعد من أغوارها صرخات المقصيين والمهمشين والمستضعفين والمسحوقين .

وهي تضاريس تجوب أرصفتها أرواح عاشقة تحن إلى إلفها أو صغارها أو تحن إلى نفسها .

وهي تضاريس تقف على حافتها المفارقات الجارحة أحيانا والمتأرجحة بين النزول إلى الأغوار أو الصعود إلى الرصيف .

هي تضاريس لبحر الناس ومآسيهم .

لقد أعطت الكاتبة للصراخ صوتا لعله يصل إلى كل الآذان .

وأعطت للحنين والشوق بعض الحق في الدفء.

وأعطت للومضة العابرة بعض الوقت لتستريح فيه من دهشتها .

قصص الكاتبة مريم التيجي إنسانية /اجتماعية وواقعية بامتياز، وقد وفقت المبدعة في سردها بأسلوب واقعي وسلس ينفذ إلى العمق مباشرة، بالقدرنفسه الذي يوفي فيه التفاصيل حقها من العناية سواء تعلق الأمر بالقصص القصيرة الثلاثة عشر أو بالقصص الاثنتي عشر القصيرة جدا .

أسلوب الكاتبة يتفوق في غالب القصص على الصورة نفسها، في نقل الواقع وعرضه على الأنظار، وهذه من المرات النادرة التي تستطيع فيها الكتابة التفوق على الصورة،وليس ذلك إلا لأن الكاتبة تنظر إلى الواقع بعين القلب فيجعلها إحساسها البليغ بالفجائع والمواجع والآلام، تقدم هذا الواقع حيا يصرخ ويتوجع ويتألم كأنه يتكلم عن نفسه ويقدم شهادة عن مآسيه .

إنها قصص تفتح الدمل الاجتماعي بقلم / مشرط لتنظف الجرح من قيحه وصديده، وتفتح معه أبواب الأقبية المغلقة على عفنها لتطرد الهواء الفاسد والدماء الفاسدة أيضا ....فما أكثر الدماميل الاجتماعية التي لا تزال تخفي قيحها وصديدها عن الأعين، وما أكثر الناس الذين لا تزال تجري في عروقهم دماء فاسدة .

لقد بثتنا الكاتبة شكواها وفتحت أعين القراء على حقيقة " حالتنا الاجتماعية "

المزرية .وهي بذلك قد رفعت أمانة الشهادة على هذا الواقع عن عنقها وطوقت بها أعناق قرائها، لقد طوقتنا بواجب الأمانة، وهذا منتهى ما تطمح إليه كل كتابة جديرة بهذا الإسم، ــ" أن تجعل الارتقاء بالمجتمع وتغيير العقليات مسؤولية مشتركة " ـــ

وأخيرا فإذا كان لا بد من وجود كاتب "ة" يجيد قراءة الواقع، فإنه لا بد أيضا من وجود قارئ"ة" يجيد الإصغاء للكتابة .

* جمال الدين حريفي

القنيطرة: 21/03/2014

19/جمادى الأولى /1435

الهوامش:

*" تضاريس التيه ": مجموعة قصصية، صادرة عن دار فضاءات للتوزيع

والنشر، عمان، الأردن . الطبعة الأولى: 2013.

*" مريم التيجي ":كاتبة مغربية،من مواليد مدينة الرباط 1969

ــ حاصلة على ديبلوم الدراسات العليا في الفلسفة / تخصص المنطق

ــ حاصلة على ديبلوم في التواصل

ــ اشتغلت بالصحافة الورقية طيلة عشر سنوات

ــ تتوزع اهتماماتها بين النقد الأدبي والاجتماعي والسياسي والفكري

ــ تكتب القصة والمقالة والخاطرة

ــ تعد للطبع مجموعتها القصصية الثانية، وتشتغل على روايتها الأولى " ذات البعد التاريخي والاجتماعي والنفسي "

ــ تنشر في عدة منابر (ورقية وإليكترونية)

*الأغوار والأرصفة والحافات: تضاريس بحرية

 

رواية جديدة بعنوان: امرأة بلا وجه للأديبة تركية صلالحه

rafee halabiفي ظل نزاعات شرسة وتقلبات اجتماعية على كل الساحات في شرقنا الأوسطي وفي خلال شهر آذار 2014 شهر المرأة وعيد الأم العالمي تصدر الأديبة تركية صلالحة المحترمة، ابنة قرية بيت جن الجليلية وسيدة من سيدات مجتمعها ومربية أجيال في مدارسها، روايتها بعنوان: امرأة بلا وجه، تتصدرها أوضاع وحالات إجتماعية مختلفة مع المرأة الشرق أوسطية التي ترفع أعلام الأسرة العربية من جهة وأعلام المجتمع العامة من الجهة الأخرى، حياة مختلفة كلياً عن كل سيدات الأرض على اختلاف مجتمعاتها شقاء أكثر عذاب أكبر ومشاعر جياشة تسري بسرعة البرق وتتحول في انصهار مستمر وانصياع لعادات وتقاليد مميزة وخاصة تناسب مجتمعنا فقط، في ظل الحضارة المعاصرة والزمن الحاضر بين الشريعة والدين والروحانية والتطور والتغيير ثبت أن هنالك ثوابت اجتماعية تبقى كما هي لا تتغير مع امتدادها لآلاف السنين من ماض وتواصل بحاضر يشير إلى المستقبل.

تضع الكاتبة روايتها في 221 صفحة من الحجم الوسط طبعتها في منشورات دار الوسط رام الله – البيره وقد قام بمراجعة الرواية الأستاذ جمال محمود قبلان المحترم، والمراجعة الأخيرة والتدقيق قامت به الشاعرة آمال عواد رضوان المحترمة، حيث قدم للرواية الأديب محمد نفاع المحترم، وجاء في مقدمته للرواية: " امرأة بلا وجه: العنوان معناه اللفظي الحرفي يوحي بالقشعريرة والرهبة. له معنى عظيم من خلف المضمون والسطور. العنوان هنا يرمز إلى الكثير من قضايا المرأة الشرقية التي عانت. وما زالت حتى يومنا هذا في بعض المجتمعات." ويتابع ويقول: " كل قضية في الرواية ترمز إلى مشكلة قائمة بحد ذاتها. ومختلفة عن الأخرى. واقعية وليست من نسج الخيال وفي الوجه أوجه حياة وجمال وكمال."      

تكتب الأديبة في إهدائها حيث تقدمه: " إلى المرأة التي اختبأت أحلامها في ظلال الظلام. وفقأت بحيرات عينيها مشاهد تتلعثم الشفاه عن وصفها لتصفها الأفلام. إلى التي كوّرت جسدها تحت لحاف. لتحمي نفسها من آهات وأنين. وأمضت الليالي تغرق في أرق التفكير! إلى التي تموجت أحزانها عندما سافرت عيناها إلى البحر لتراه متدثراً بالسكون. فتعود وتصفعُ الأشعة ببؤبؤ عينيها لتستمد الدفء الحنوَّ. ولتحيك بهما أجنحة أبنائها. "

كما وتتابع الأديبة في إهدائها لتقول: " إلى أجمل وأثمن ورود حياتي – زوجي ورفيق عمري فؤاد و- رنده – آية – أحمد – آدم " حيث تشمل الأديبة في تقديمها أسرتها الكريمة من زوج وأبناء وبنات.    

وجوه عدة للمرأة في المجتمع العربي الشرق أوسطي والذي ما زال يعيش تحت ظلال العادات والتقاليد الراسخة من دون تغيير هذا ولا يهم أين يتواجد الرجل العربي والمرأة العربية تبقى هناك تأثيرات قوية ومباشرة للجذور ومسقط الرأس على الرجل والمرأة في كل أنحاء المعمورة، ولا يتأثر هذا الرجل أو ذاك أو هذه المرأة أو تلك بنظام حكم ديمقراطي أو دكتاتوري ولا بقوانين مدنية في دول مختلفة ففوق رأس الرجل والمرأة على حد سواء أمور ونظام عليهما أن يتتبعانه لأنه يمتهم بصلة للآباء والأجداد حتى لو لم تناسبهم هذه الجذور.

تشرح الأديبة تركية صلالحة المحترمة، في روايتها عن حالات إجتماعية عدة تمر بها نساء المجتمع وتلتزم الصمت والسكوت على الرفض والمبادرة بحياة تناسبها وهنا تعلن الأديبة ثورتها على المجتمع القابع بين العادات والتقاليد وامتدادها لجذور الأجداد والحضارة المعاصرة التي تنفي في معظم الأحيان عادات وتقاليد " أكل عليها الدهر وشرب "، معلنة لنخرج من الظلام والظلمة إلى النور والهدى كي نبني يداً بيد مجتمعاً أفضل مبني على الحرية والمساواة والتسامح والتآخي بين كل قطاعات المجتمع وللأسف لم نصل بعد إلى هذا الحد في فكرنا وعقلانيتنا الحضارية فيوم نعود لقرانا من كل مكان نتصرف وكأننا لم نخرج منها منذ الأزل ويوم نخرج منها لمكان ما في عمل أو حنى نزهة نتصرف وكأننا لم نعيش في جو قروي بتاتاً ولم نعرف أي شيء عن قرانا . . . وبين هذه العادات والتقاليد من جهة والحضارة المعاصرة لزمننا من الجهة الأخرى علينا كرجال ونساء أن نجد السبيل الذهبي للحياة دون أن نسيء لأحد ودون أن نتورط في وجوه تكاد تكون سبباً لموتنا.

الرواية إمرأة بلا وجه، تتناسب مع إمرأة متعددة الوجوه لأن في داخلنا أشياء كثيرة تدفعنا نحن الرجال لنرفع أعلام المساواة للمرأة في المجتمع لنيل حقوقها والإستماع لرأيها واستشارتها والأخذ بعين الإعتبار كل مشاعرها وأحاسيسها إلا أننا نتكسر كما الزجاج على صخور العادات والتقاليد التي تحدد مكانة المرأة في المجتمع من دون أي تغيير فيها حتى لو كانت لا تناسب مراحل حياتنا في هذا الزمن المعاصر.

قامت في الماضي صرخات عديدة تناشد بالتغيير ولكن معظم الأمور بقيت كما هي والكاتبة وأنا والكثيرين من أبناء وبنات مجتمعنا لا نقف موقف التحريض والتغيير والرفض وإنما نبحث عن سبل ونهج يعزز في مكانة المرأة من دون أن يتصدع مجتمعنا ومن دون أن ينهار فلكل مكانته واحترامه وتقديره بقي علينا أن نشد أواصر المجتمع بخيوط الفكر والعقلانية والمحبة والتقدير والاحترام والتسامح والحرية والمساوات والتآخي كي نصل مع الجميع كمجتمع ووحدة إجتماعية طيبة إلى شواطئ وبر الأمان.        

إلتقيت بالكاتبة في نادي الصديقات ورئيسته السيدة شفيقه قدور المحترمة، وفي خضم الاحتفال الناجح والرائع والتي بادرة إليه رئيسة النادي بمناسبة يوم المرأة العالمي جمع رجال وسيدات من قرانا في الكرمل والجليل قدمت لي الكاتبة روايتها وباكورة أعمالها الأدبية كهدية قيمة بالنسبة لي، شكرتها على عطاءها وطالبتها بمزيد من العطاء والتقديم في مجال العمل الأدبي، لقد كان الإحتفال في جمعية ندى لذوي الإحتياجات الخاصة والتي يترأسها السيد أبو فادي سلمان عواد المحترم، والمعروف في وتقديمه وتضحيته وعطاءه للمجتمع.

في النهاية هذه الراوية ليست من نسج الخيال وإنما مستقاة من واقع حياتنا اليومية في قرانا العربية والتي جذرت فينا ورسخت ما هو كاف جداً من عادات وتقاليد الأجداد وليس بالسهل التخلي عنها أو تغييرها مهما عصفت رياح التغيير والحضارة فما سجل على لوحات الروح والفؤاد وفي عقلية ونفسية كل فرد منا لا يتغير بسرعة ونترك للزمن الحاضر والآتي أن يحرر عقولنا من أمور تكاد لا تناسب واقع حياتنا وعلينا بناء أنفسنا لاستقبال واقع جديد.

 

بقلم: الشاعر رافع حلبي دالية الكرمل

  

قراءة عاشقة للديوان

khalil alwafiها هو، الخليل الوافي لزرقة بحر الشعر، يطالعنا بموجة الدفق عاتية الخفق، بمولود جديد يسبك فيه ما التقطته بصيرته الوجدانية الشاعرة في زمنه الآخر: ما أراه الآن.هكذا عنون الشاعر خليل القوافي ديوانه الشعري، ضمخ حروفه جمرة الوهج المشتعل بين مركب ما الموصولية و الفعل المسند إلى رؤية الشاعر الثاقبة كفاعل مستتر، يسكن كل المواضيع الآنية الحافز على البوح الشعري، وفضّل أن يكون موضوع الرؤيا ضميرا متصلا يحل محل المفعول به، ليخلصه الشاعر من خلال مشروع الكتابة التي تعيد ترتيب العالم إلى خلقه الأول.

رؤية الشاعر المطل بوجهه من الطابق العلوي، من شرفة بيته الشعري، من أعلى الديوان يتربع إسم الشاعر: خليل الوافي مكتوب بزرقة الموج، إشارة إلى سعة الإسكباب الشعري الذي يسكنه ويمتلك زمامه، ليرى ما يرى، ويلتقط كل ما هو كائن.

يضيق الغلاف عن إطار يكتم الفرح بين أطياف قزحية، يمنح الذات الشاعرة ؛ النبض الأول المشروط بفعل الكتابة، يؤسس من خلاله لمشروع يتجاوز به المرئي الآني، ويستشرف به وطنا يقرضه ساعة للحلم الأبيض الذي يكتسح غلاف الديوان.

عند قراءتنا الأولى للديوان، نعي تماما أن الشاعر تعاقد مع معجم تتماهى فيه الأصوات، وتتجانس من قبيل: الحجر، الجرح، و الشجر.يضمّن الشاعرالحجر بحمولة تحيل على القسوة و التسلط و الجبروت الموقع على الذات الشاعرة، التي تحمل الجرح وترابض في أعالي الشجر شامخة تطل على ما تراه الآن...

البناي سعاد_ أستاذة اللغة العربية وشاعرة_ المغرب

نقد الصقيع العربي في غياب الرؤية الحضارية عند وفاء صندي

mohamad talatمن مساوئ فكرنا العربي المعاصر أننا نبالغ في تضخيم التفاهات ونُقلل من شأن القيم والدرر الفكرية العميقة التي إن التفتنا إليها سوف تغير عدة مفاهيم في منظومة حياتنا، ومشهدنا السياسي والثقافي. ثمة فكر تنويري يسعي في منطقتنا العربية للشباب العربي الصاعد. والأطرف أنه قادم من بنات حواء. وهنا وجب الانتباه لما تقدمه حواء لآدم من فكر عقلي وليس تفاحة جسدية. وبعيدا عن الابتذال أو المدح، فإنهن يمثلن جيلا جديدا صاعدا يتقدم بنا بقوة نحو الجنة.. جنة عرضها العلم والعمل والأمل.

 ومن بنات حواء  التى أعنيهن هنا. الباحثة المغربية والمتميزة "وفاء صندي" التى تخطو خطواتها الأولى نحو محيط الأرق المعرفي بهمومه وأعاصيره. تقف أمام سطوة جبروت قراصنته من العلل المعرفية. تحاول أن تنجو بسفينة الوطن عبر اليابسة القاحلة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي  بالفكر. تلم شتات ما سموه بالربيع العربي وتسميه هي بالصقيع العربي. وكما قال حكماء المعرفة :"لنا حكم بعد المناقشة"، وكانت المناقشة والقراءة في كتاب صندي الأول(غياب الرؤية الحضارية في الحراك الثوري أزمة نخبة وشعب) حيث تقدم قراءة تحليلية جديدة للفكر السياسي الثوري للمجتمع العربي بنخبته وبشعوبه.

تنطلق وفاء صندي من خلفية العبث المجتمعي من المحيط إلى الخليج، وما أسميه هنا بـ "عبثية الرؤية". التي تسود فيها الغلبة لنمط عرض الموجود على نمط معرفته، وهو ما حدث لقبول المجتمع العربي بالموجود على الساحة السياسية (كما حدث في تونس ثم مصر وليبيا في قبول التيارات الأصولية مع قبول حالة التشتت في سوريا واليمن.. مع قبول حالة التأقلم في المغرب والأردن وأمارات وممالك الخليج.. مع قبول حالة النسيان كما في الدول العربية الأفريقية التى نجهل أوضاعها مثل الصومال وموريتانيا!)، وإن كان المواطن العربي الثائر لم يعرف هذا المعروض عليه معرفة جيدة سوى التعاطف المرضي، وهذا لا يمنع كما تشير صندي إلى أن المواطن العادي لا يكون وسط هذه النمطية منفصلا عن الثورة باعتبارها عالمه الجديد المعاش حيث تم إقحامه فيها بشكل أو بآخر، بل يكون فيها المواطن جزءا من ماهية هذا العبث الثوري وضلاله. يكون فيها المواطن مقترنا بمناخها العام ذي الضباب الكثيف الذى يجعله يقبل بالموجود أي بالمطروح أمامه دون تعددية الاختيارات والبدائل. وتصل صندي إلى الغاية التى وراء هذه النمطية، والتي تتمحور حول العودة لمربع صفر حيث إبقاء الحال كما هو.

ويفترض تبيان دور المواطن ضمن هذا التقدم، أن تكون القراءة التى تناولتها صندي قراءة تحليلية بحق. صادمة تعري فينا نواقصنا التقدمية والحضارية لتفضح ما بدا على السطح من استغلالية فجة ومبتذلة لحد الرخص السياسي والاجتماعي، لكنها تجنبت في فصل تحليلها مواجهة الغليان العربي بحقيقيته. وقد تبدو أنها معذورة لما تمثله هذه الحقيقة من رفض متطرف أو قبول أكثر تطرفا بسبب ما تمثله الثورة العربية من حالة الهياج العامة بفكرة الثورة.

وليس المقصود اتهام الثورة أو تقديسها. لذلك تعتبر صندي أن ما حدث ما هو إلا حراك ثوري، ولا أدري لماذا لم تقولها صراحة ثورة هذه أم ليست ثورة؟ استغفلت المواطن العربي أم لم تستغفله باسم الحريات والجوع والعطش والبطالة ؟ هل وضعت صندي مشرطها على تلك الحقيقة أم استحت واقتصرت سلامة الجبن المجتمعي للباحثين الذين يخافون إلقاء الصدمات على مجتمعهم؟ هل ذكرت صندي بصراحة الهدف من وراء تمرير نمط معين للحالة العربية في حراكها أم لا.؟ هي أيضا أخذت تلف وتدور حول فكرتها التى جاءت أكثر جرأة منها والتي صدمتنا بتعرية النخبة والشعب في غياب الوعي الحضاري لمفهوم الطموح في العمل الثوري. نعم ثمة أفكار، وثمة كتب تكون أجرأ من أصحابها في القول الصادم لمن يفهم ما بين السطور.!

وتجد المؤلفة صاحبة كتاب غياب الرؤية الحضارية أن الالتزام بفينومينولوجيا الإدراك الثوري (إن جاز لنا التعبير هذا) مبرره في ما يزخر به فكر السادة أصحاب الشهادات أو بمعنى أدق الشريحة التى وقعت تحت طائلة استبيان بحث الكاتبة المطول. حيث لم يخرجوا من دائرة  مفاهيم الظهور السطحي للمعنى الثوري والغياب السطحي للعمق رؤية الثوري، عرت هذه الاستبيانات سطحية أصحابها الذين لا يعوا معنى القول السديد والفاصل. الذين لا يملكون رؤية معمقة في تشريح ظاهرة الحدث، ومنهم للأسف ساسة يرفلون في بريق الشهرة والصيت. لكن هذا لا يمنع وجود شهادات عميقة ضاربة جذورها في عمق التاريخ والنفس والمجتمع والدين. يبقى مجمل هذه الشهادات وجميع هذه مفاهيم تعانق فهم الوجود الثوري في واقع المجتمع العربي على كافة أشكاله ونقائضه. والغواية التى صنعتها المؤلفة في كتابها الضخم إنها أهّلت إدراك المواطن  للصعود في مخيلة نخبته ليرى المحتجب عنه، لتظهره له بلا حجاب، لكسر التابو المقدس والهالة التى يحتجب فيها ثوار وساسة النخبة تحت سقف الشعارات الثورية  بـ" السؤال" الصادم والرد الساذج والمتشتت وغير ذي وعي وفهم لما وراء السؤال المطروح.

وللخروج من هذا السياق الاستفهامي التصادمي وجدت صندي أن الالتزام بضبطية المصطلحات أمر حيوي وفعال. وفي منبر تحليلها لما جمعته من استبيان الشهادات والأخبار والأحداث، اعترضت على القول بثمة مؤامرة. معتبرة أن المؤامرة ليست فقط ذلك الجهد الخبيث، الذي يبذله ساسة الغرب من أجل توريط المنطقة العربية أو بتمرير جملة من المشاكل المختلفة التى لا تنحصر في ما هو اقتصادي أو سياسي، وإنما تمتد إلى الجوانب الأخلاقية والروحية للمستهلك العربي، و بحصر مشاكلنا العربية في تعدية التدهور الأخلاقي والنفاق الديني والازدواجية الاجتماعية، فقد يبريء هذا كله المؤامرة الغربية ضدنا، لأن هذه المشاكل بداخلنا نحن (فلا مبرر للعاهرة إلقاء الجرم على القواد.!) إذن يمكن القول على لسان صندي إنه لا توجد مؤامرة، بل يوجد لغة مصالح، والأقوى هو الذي يوزع أوراق اللعبة، والأضعف ينصرف مهزوما أو مطرودا أو مخلوعا أو معزولا. واللعبة السياسية العالمية بلغة العلاقات الدولية ومصالحها يمكن وصفها بأنها التغيرات الكبرى. وليست المقصود بها الشرق ولا الغرب، بل هى التوازنات وصراع العولمة الجديدة أو ما يحلو للبعض تسميها بصراع الحضارات.

ذلك أن صندي لم تقل بعبثية الشرق وتبعيته وخروجه المستمر من السباق حيث لم يتعلم الدرس، ولم يقرأ أن على كل رأس خمسين سنة تتغير معالم الخارطة العربية، وهو كما هو. لا يتحرك إلا في إطار الشعارات الرنانة وكلمات الأغاني الحماسية مع صعود لحفنة من الجوقة الحمقى عوضا عن جوقة أكثر حماقة ليتسيدوا الموقف العربي، لكن ذلك لا يمنع من اعتبارها أنها قالت ذلك في متن كتابها بشهادات شهود أهل الشرق على لسان 45 من كبار أهل المعرفة والساسة في المنطقة العربية.

وتوضح الكاتبة والباحثة وفاء صندي إن الثورة العربية ليست قرآنا، فلا لها تأويل ظاهري ولا آخر باطني، إنما لها ما نراه محسوسا أمامنا من لغة وصورة سهلة تَعْبُر بنا نحو التقدم دون مزايدة ودون تهليل وتهجيص إذ أدركنا أين نضع أقدامنا. وأول الإدراك أن نتخلى عن فعل الاستغلال والنهب الذى أضاع جميع ثوراتنا العربية من قبل، فكم ثورة قامت من قبل، وكم رجعنا للخلف بعد هذه الثورة. وهنا يجب أن نعي الخطورة في غياب الرؤية الحضارية أزمة نخبة وشعب. وضمير إنساني.

ويخلص القول إنه يمكن أن تكون لنا ثورة حقيقية مع أمثال هذا الفكر والوعي والحضور الطاغي البادي فيما قرأت لهذه الباحثة التى أتنبأ لها أن تكون من كبار المفكرين السياسيين الأكثر إثارة للانتباه، وهي وإن كانت قد أخذت شهادتي بين دفة هذا السفر الضخم، فهذا لن  يضعني  في حرج إذ أصفها بهذا الوصف، فالمستقبل لها ولأمثالها...

وأقول: إن الأمم لن تقام إلا بالإيمان المطلق بالفكر، فكر.. انقد.. ابن بلدك.!

هيمنة المجهول: التوجس العابر والترقب آلاتي قصه كاردينيا انموذجاً

adnan aboandolisفي استهلال القصة هكذا تقول البطلة الخفية (المموهة) حد الارتعاش كي لأتفصح عن اسمها وتكون لعبة بيد القدر، ربما اسمها (كاردينيا)

(هكذا وجدت نفسي موزعة بين هنا وهناك) والتمويه حيث (هنا وهناك) اسمي إشارة تدلان على الإخفاء، والتمويه، شرود وبعثرة المكان وشتات أفكار لاتستقر بموضع، هذا المقطع لا يدل عن مثابة يستدل عليها التائه ضالته .

بل مجاهيل تذكر بقصدية عدم التعرف ،ربما ضجر على عجالة الكلام دون أن يكون الإحساس بما يتفوه به القاصد.أن حاله الشرود والإحساس بالمجهول المرتقب كل لحضه بسبب في عطل الحواس وحالة من ألامبالاة والوقوع في شرك الاستسلام الطوعي كونها مرغمه على اختيار أللاشيء.

بهذه ألمقدمه استطعت الولوج إلى قصة (كاردينيا) ضمن ألمجموعه القصصية للقاصه (إيناس البدران) الصادرة عن مؤسسة العهد الصادق الثقافية- الطبعة الأولى عام 2009 والتي تقع في (15) نصاً قصصياً قصيراً وفي (109) صفحه.

 أن المجهول المغلف بالرعب تقوده (الصدفة+ الحيرة) بالأفكار وصولاً إلى القدر (الحتمي) والذي بدوره تنفذ قبل الاحتمال جذوه الحرية .الخلاص الهروب إلى ضفة النجاة في مقطع من القصة (فقد رأت ان هناك انطفاءات الحياة في عيون الخيول والأفراس البرية) انه الجموح الشموس في مداعبه الريح حيث الانطلاق إلى المجهول في أرض الله الواسعة تمثل حاله رسوا سفينة النجاة قبل وقوع الخطر المحدق أو الواقع لا محال مجازاً، أن الانطلاق حاله تعتري الإنسان في ضائقة حياتية لحظوية يفكر في شروده إلى عالم المثل لحظتها ويطلق لروحه العنان من اسر الكبت والحرمان .. قبل صرخات غاضبه لسجين يرزح دهراً من وراء القضبان لغرض المسير الى ضفاف الحرية .. ولسان حاله يقول (لاشيء يثير الشوق في هذا المكان ) ان المألوف يؤول ألى الاعتياد التي جعلتها – أي بطله القصة – مستلمة مرغمه لما يؤول اليها القدر المحتوم ..اي مصير لابد منه ...مثل الحياة الخانقة في أصداف البحر ،حيث الكون والانزواء في ركن مهمل (سبات قسري) وما يسببه من عطل الحياة كاملاً وكان الزمن توقف كلياً وكما في مقطع من القصة (انقلبت حياتها الشبيهة بالدورة الكاملة لا صداف البحر حيث الانزواء حد السكون).

أن التقييم الحياتي الملثم بالتشاؤم حد الاصراف لم يثني الامل ببصيص حنين الى شيء مجهول في أفق أخر .. باتجاه حياة جديدة (البيت الجديد) لتنزع عن كاهلها أردية السبات وألخوف والترقب ،غير أن المجهول يتربصها ويمد خيوطه حد الذعر وكما في مقطع منها (وعزت مشاعرها حينها إلى النفس البشرية وطبيعتها التي تتوجس خيفة من كل جديد) وكما قلنا أن حالة الاعتياد تفرض على الرأي طابعاً مألوفاً لما يراه إمام عينيه حقيقة لا تشوبها مثلمة وكانه هو عين اليقين، ولو كان متلاشياً . ألا أن ألاقتحام والإقدام لما يؤول إلية سيؤطر العلاقة ويفتح كوة بين الماضي والحاضر ليست للمشاهدة وإنما للصراع ،حيث الإصرار باقتحام المجهول له طقوس موروثه متعارف عليها من البسملة –القدم اليمنى –عتبة الدار - الذبحية المنذورة - الحصص – استجلاب البركة -البهجة – مراقبه المشهد – اللحم الطري ..

هذا التدرج ألعرفاني ابدعت يه القاصة أيما إبداع وكأنه مشهد تصويري اخاذ يبهج النفس أضافه إلى ورود مقطع بهذه الخصوصية (ودت حينها لوتحصي عدد البشر الذين يشاطروها الهواء لتشاركهم حياتهم الفقيرة ) ...

أن انتفاح النفس على حياة جديدة يشعرك بان الشمس ليست كما كانت بل بأشعة فضيه جديدة أكثر دفئا عبر نوافذ مفتوحة وممزوجة بهواء نقي ولها (تنهدت إذ عبق المكان أريج عطر مسالم ناصع البياض لزهرة كاردينيا) أي أن زهرة الكاردينيا هي الدنيا لاتبالي بمصارع الأيام، الماضي بأخطائه الخرقاء وافكارة الفجة حيث تطلق رصاصة الرحمة فيختبئ ذاك الـ (هناك) دون حراك –الماضي من خلال التجارب المرة السابقة – إلحاضر بوصفه انعكاسات للأول وألصراع محتدم في النفس ألتواقه للعبور وإلخلاص من هيمنة المجهول التوجس الماضي – والترقب الحاضر – هما محورا القصة فكرتان زمنيتان – زمن الهروب أملاً في الخلاص – وزمن الترقب الدقيق عبر غير المستكشف (المجهول) .. هذا ماانجلى في القصة، حقيقة ان القاصة مبدعة وتستحق نصوصها التوقف قليلاً والتفكير ملياً في استخلاص العبر منها

قصه حديثه ذات حواس داخليه وصراع يتداخل فيه الأضداد لفكرة ما أملا في الخلاص من دهليز الماضي واكتشاف المجهول الأتي .  

قراءة في ـ الرّيح الأخيرة للشاعر سمير العِبدلّي

souf obidعندما اِستمعت مرتين أو ثلاثة إلى القصيدة شدّني إنشادُها الجيّد بما فيه من توهّج وتفاعل بالإضافة إلى موضوع القصيدة القديم وهو خيبة الاِنتظار لكن الشاعر جدّده بوضوح حيث وظّف تفاصيل المكان والفضاء وأغناه بصور مشحونة بالأسى والخيبة غير أنّ ذلك الإعجاب بالسّماع لا يكفي فلابد من القراءة المتأنية ومعاشرة النص كلمة كلمة وصورة صورة والوقوف عند عناصرها ومفاصلها وعند تخطيطها العام كي ندرك قيمتها الحقيقية فكثيرا ما يحجب جمالُ الإلقاء الجعجعةَ والخواء

قصيدة الريح الأخيرة ذات بناء دائري أي تبدأ من حيث تنتهي فقد اُستُهلّت بالاِنتظار والشوق عند الموعد واِنتهت بالخيبة والاِنكسار إثر فواته وعناصر القصيدة قائمة على الترديد بين المقطع والمقطع فأضفى إيقاعا كأنه إيقاع اِسطوانة مجروحة وقد أفلحت

القصيدة إلى حدّ بعيد في تصوير الشجون الداخلية من خلال الإحالة على تصوير الفضاء الخارجي في المقهى ومن خلال رصد الطبيعة والفصول أيضا وهنا يكمن التجديد في موضوع الانتظار وتبدو قيمة القصيدة بإعتبارها إضافة

أمّا الصور فقد كانت مُوفقة إلى حدَ بعيد بما فيها من اِنزياح يُثري المعنى كقول المكنسة تدفع بقايا الأرجل وفي القصيدة مراوحة بين الضمائر المُخاطبَة حينا والغائبة حينا والمتكلمة حينا آخر ممّا يجعل القول متعدّد المنطلق والأفق

كنت أحبّذ ـ لعلّك ـ بدلا من قوله ـ علّك ـ وكنت أحبّذ أيضا ـ مازلت ـ بدلا من قوله ـ لازلت ـ

ورغم هذا وغيره فالقصيدة أعتبرها من روائع الشعر الجديد ,

 

النص

الرّيح الأخيرة

سمير العبدلّي

 

هذا موعد الرّيح الأخيرة

وأنا أعبئ من فراغ الشّارع

وحدتي

وأقسّط من دعاءاتي القديمة

ما تبقّى

علّك تأتين من خجل الصّباح

زهرة، تعطّرين زوايا غربتي

وتومئين بالتّحية

هذا موعد الرّيح الأخيرة

وأنا، أجالس قهوتي

إذ أشتهيك مرّة أخرى

ترمّمين شهوتي

بالرّحيل إلى يديك

وتبدّدين الكلام في شفتي

فترتبك لك قهوة البنّ

وسجائري ومنضدتي

وملعقتي الصّغيرة

هذا موعد الرّيح الأخيرة

وأنا أغتصب بنوّارتي

صبح المدينة

وأرسل عبر الأزّقة صوتي

وعطر البخور والأغنيات

وأمشي على وقعك إلى الله

أحفر ماء الصّباح

وألغي مواعيد موتي

وآمر بانبساط الجبال

إذا ما مررت

وأن ترتديك السّماء

ربيعا لكلّ الحقول

وآمر أن لا تموتي

كي نلتقي ألف عام

بعد ميلاد الفصول

هذا موعد الرّيح الأخيرة

الشّمس تسرق من دمي

لوني

وأنا لا زلت أنتظر

ليتها تأتي

أضرم في صدرها

صحراء روحي

و أحوصل خرز التّوت لجيدها

ليتها تأتي

توقد ناقوس صدري

للكلام، وللمواويل الجديدة

يا.. كم كتبت

وكم جرّبت وكم سلبت وكم صلبت

وما تعبت منك القصيدة

هذا موعد الرّيح الأخيرة

للفتى أشياؤه

محفظة الجلد

وكراريس أطفاله

ونماذج الخطّ

وطبشور الماء

وأحلامه المهملة

يشتهي هذا الصّباح

قهوة أخرى

وموعدا آخر للمطر

تعرّش في قلبه

غزالة ريح

ويعرّش نخل الجنوب

وتعرّش حقائب الجسد

لمحطّات السّفر

يشتهي قهوة أخرى

وموعدا آخر للمطر

هذا موعد الرّيح الأخيرة

النّادل ، يلملم بقايا المقهى

وتدفع المكنسة

بقايا أرجل أرهقها المساء

هي لن تأتي

فليرفع النّادل قهوتك

والملعقة الصّغيرة

هذا موعد، لاموعد

هذا موعد الرّيح الأخيرة

عبثية التجريد المكثف في الصورة البصرية .. قصة: لحظات عرّي للقاص د. جليل الزهيري

adnan aboandolis"يرتقي التجريد الى اعلى درجات الإبهام والغموض في نص ما، حيث ينحرف المؤلف سواءً كان شاعراً او قاصاً-رساماً أو فناناً -إنحرافاً عن قوانين الحس العام المألوف بشدة ما يتطلبه التأليف الذي سينجزه "بعد أن يرصعه بعبثية تلائم الذوق ومتطلبات المرحلة، وفي مجموعته القصصية (لحظات عرّي) يقدم القاص عرضاً خاصاً لجوانب حياتية منتقاة ترانا نحياها اللحظة وبشطريها – المادي / المعنوي - والتي تحمل في إطروحتها الزاخرة بحداثة الطرح والتي مثلت إسلوباً جديداً وفق منظور لحظوي بتعدد الوقفات في موضوعاته المطروحة والمواقف المشهدية في تنوع إسلوبي غريب لم نشهده من ذي قبل إلا لمماً-هذا التّطور نحو التجديد وبشكل خاص من خلال قصة-طفل المملحة - والتي وظفها بشكل مذّهل وصورة ذهنية بإندهاشة عجيبة وغرائبية من خطف سريالي مرصع بعبث صوري لا يجمعها لمح بصري .

إن حالة الصراع الناشبة بين -الإنسان، الطبيعة-مرموزه من عنونة القصص والتي تشكل بحد ذاتها رأسية إستفهامية لموضوعاتها، صراع واضح المعالم محدد الأبعاد السيكلوجية -المعادل الشعوري للواقع، حيث إستطاع القاص ببراعة أخاذة من أن يغلف نهاية قصصه بخواتم معقولة وبشكل فني حاذق في سياق تكملة الحدث، والتي كانت تدفعه للنمو الأميبي -أي تستدرحه لذاتها ولمواصلة الأستمرار العشوائي، غير أن التوقيت النفسي حتّم عليه أن يختمها بالوقت ذاته، وكأن النَفس أعاق إستمرارية الإنشطار، وحالة القطع مبررة لإنقطاع النفس والإكتفاء بالسرد المضغوط / المكثف، لهذا جاءت خواتيمه -نهايات القص موفقة بالزمان والمكان المعينين وهذا ينطبق حقاً على -لحظات عرّي-، سبق وإن ذكرناها بتقنياتها الإسلوبية ذات الأدوات المستجدة والمهيأة لذاك الصراع المذكور.

إن التجريد الكاشف عنها بمدلولات هي أقرب الى إستحالة الإفصاح المعلن في قصة - السيد المدير - ومن نصها "وعندما إستدارت السكرتيرة لتغادر الغرفة تبادلا النظرات القديمة" الرجوع الى حقيقة معلومة وشيفرة ناطقة بابهام بينهما ومتفق عليها مسبقاً-إيماءة-إشارة -تراسل /وفي قصة -جنون التدفئة المركزية-"وبعد دقائق وجدا نفسيهما عاريين امام جنون التدفئة المركزية" لحظة عرّي متلبسة أمام وهج مادي قد خضع له الوهج المعنوي -إغراء الجسد والصراع المحتدم بنهاية معلومة، وفي قصتة الرائعة -طفل المملحة -والتي شدنا اليها سلفاً تستحق الوقوف امامها وبكل بصيرة لإستنطاق سطورها وبوح المحصلة النهائية لها عبر تراسل خفي مبهم وبعمق الدلالة، حيث أدخل العقل المجرد في حيرة لابل يمكن القول -إلغائه-وفق سقف زمني لحظوي عابر، وليس لها أنذاك السيطرة عليه .. هذا النص يحمل بين مضامينه مدارساً حديثة أدخلت كاتبها في صف الإبداع، فجاء بهذا الغموض المحبب كي يسمح للقارىء اللبيب إستراحة ليستنتج من أنه مازال على قيد العقل يقول"هربت الى الشارع بعد أن توقف السبل فوجدته يحبو .. لكنه كان بلورياً جميلاً" ..

هذا النموذج حُمل من الخيال العلمي مايكفيه أن ينير طموحاتنا التقليدية المعتمة بكلاسيكياتها المعهودة، وينفض عنها غبار النمطية الزائدة والحواشي والسائد ضمن العُرف والمناخ كي يتنعم القارىء بطارىء جديد ملذ ينور بتجلياته الساطعة في عصر يغدو بنا الى مجهول اسرع مما نتوقعه، من سرعة قصوى تحث خطانا لمجرة أخرى.

حيث على الأبواب الأن من المدارس الجديدة /الكتابة الآلية-التفاعلية وما بعدها .. هذه النصوص من المجموعة .. حقيقة تستحق القراءة وإبداء الراي فيها والتأمل بها اكثر وله نظرة تأملية غامضة وعبثية محببة وبرؤى

حالمة بلمحة بصرية خاطفة.

كركوك-15-9-2013.

فيوضات الأمكنة والأحلام .. قراءة في شعر عبد السادة البصري

mothana khadomsadiqتسعى هذه القراءة محاولةً القبض على شواظ شعر شاعر حميم، لشاعر يخفي في مواجيد روحه مكابداته التي أدلجها حباً للناس وللمكان .. إنه المبدع عبد السادة البصري الــ (أصفى من البياض)(1) روحاً .. في ديوانه الموسوم فيما بين القوسين الفائتين !! جاء العنوان عتبةً تمثل توقيعاً شخصياً لرؤاه، إذ حمل العنوان بلونه بعداً رمزياً جاء مؤطراً لمعمارية قصائده في المجموعة، لأن الشاعر قد بنى العنوان بصيغة التفضيل المعروفة (أصفى) التي حذف فيها المفضل (المحذوف) على المفضل عليه (البياض) فما هو يا ترى الذي (أصفى من البياض) عند الشاعر؟!علماً أن اللون الأبيض يضطلع ضمن المتداول العالمي بدلالة رمزية تدل على البراءة والسلام . كما أن صيغة التفضيل (أصفى) جاءت دالة على أن ثمة مفضلاً محذوفاً، ولعلنا نستطيع تأويله (روحي) فيصبح العنوان كالآتي (روحي أصفى من البياض) وقد اخترت الروح دون القلب، لأن الصفاء في اللغة للروح والنقاء للقلب، فقد دل اسم التفضيل على شيئين اشتركا في الصفاء، وزاد أحدهما على الآخر، فالمفضل هو (روحي) التي أتت محذوفة وموقعها قبل اسم التفضيل، والمفضل منه البياض، وبالنتيجة فإن روح الشاعر قد زاد صفاؤها حتى على البياض . تجربة الشاعر عبد السادة البصري هي تجربة تَمثُل، تقع في مضمار فيوضات الأمكنة والأحلام، ولاسيما أن قصائده تتشبث بالماء، ولا عجب فهو ابن الماء والملح، ففي قصيدته (على أنغام المطر يراقصهم الدخان) نشعر بنثيث العاطفة المستديم (كلما هبت الريح جاءوا / للشاطيء يسمرون / أحلامهم بضعة أسماك / أو مما يدخره البحر) ص 7 وظف الشاعر (كلما) لإفادتها الديمومة والملازمة، وكأن ثمة اقتران شرطي بين هبوب الريح ومجيئهم للشاطئ، لكي يسمروا، مما خلق ديناميكية بين الهبوب والمجيء، فمجيئهم هذا جاء، لأنهم قد استودعوا البحر أحلامهم التي شبهها الشاعر بالأسماك المتنوعة والمختلفة. يجيد الشاعر تقانة التشفير في نصه الشعري مستثمراً فنون البلاغة في مدونته الشعرية التي تؤوب غالباً إلى حضور ثيمة الفقدان عنده، ففي قصيدته (أهزوجة الطفولة .. تطوحها الدراريج) تضج فيها العلاقة مع الغائب (حافات الرصيف تثلمت الهواجس فيها / وشطآنك تبكي / الحمامات تبكي / الرصيف / الأراجيح / المرايا .. وحتى الصبايا) ص 12 فقد حرك النص التراكمات الروحية للمتلقي، ولاسيما أن شبه الجملة (فيها) جاءت منبهاً أسلوبياً إذ لم يوظف الشاعر (عليها)، لأن الهواجس المتثلمة قد أصبحت جزءاً محتوى في مكونات الرصيف، لكثرة التثلم فقد ورد في القرآن الكريم (في جيدها حبل من مسد) بدلاً من (على جيدها) لذات الدلالة، وقد جاء بكاء الشواطئ والحمامات وسواها نتيجة طبيعة لتأوهات الشاعر المستمرة الكثيرة، مما أدى إلى استعمال صيغ الجموع وجعلها تبكي (شواطئ / حمامات / الأراجيح / المرايا) وأن البكاء أصبح موغلاً جداً لها وتجاوزت الحالة من بكاء الجمادات والحيوانات إلى بكاء أرق البشر (الصبايا) فتوظيف الحرف (حتى) في النهاية يمثل خلاصة انتهاء الغاية . ترتد الأمكنة شعراً عند الشاعر عبد السادة البصري، فمنها ما يؤوب منها وما يؤوب إليها، بل إن هذه الأمكنة قد وشمته بميسمها، فأصبح ملكاً لها، ففي قصيدته (بميسمه وشمهم البحر) نجد العلاقة التجذرية لانتماء الشاعر المائي (الصيادون أسلافي / وشمهم البحر بميسمه / عيونهم شاخصة صوب مداه / والفنارات تجاربهم) ص 15 يتشبث الشاعر هنا بأرومته، لضرورة نفسية فرضتها بصريته .. أقول فرضتها على اختيار لا إجبار، لأنه وفيٌّ لها بارٌ بها . ينفتح النص على فضاء عميق وواسع .. عميق بجذور الأجداد وواسع بأفق البحر المترامي الأطراف، وأن الفنارات العالية المضيئة، هي تجارب نفيد منها نحن الخلف كما تفيد منها السفن في مثاباتها .. وتشكل الاستعارة عند الشاعر رافداً مهماً في إثارة المدفون الذي يمور في مرجل صدره، ففي قصيدته (نقاء سرائرنا استعاراته السماء) تبرز الأنا الجمعية الضاجة بالاستعارات (نحن الذين أكلت الشمس أحلامنا / وشوتنا الأقاويل على موقد الشبهات) ص 29 النص أعطى سيولة إيحائية باليأس من خلال الصور التي نقلت التجربة الجمعية لمصير أحلامنا على هذه الأرض، إذ إن الأحلام يتكالب عليها (الأكل / الشواء) ولعل الشاعر قد أختار الشمس آكلة للأحلام تعبيراً رمزياً على مائية هذه الأحلام التي بخرتها الشمس الحارقة، فالشمس هنا ليست دليل إضاءة وحياة، وإنما جاءت دليل فناء وموت وهي رؤية كونية عميقة عند الشاعر عندما قلب الدلالة الشعرية المتداولة للشمس، وأسبغ عليها دلالة أخرى، وهذه ميزة تحسب له، ويوغل الشاعر في المفارقة في مجموعته في تجلياته عن نفسه، واعتداده بها .. في قصيدته (على البعد تكمن الرؤيا) استطاع الشاعر انزال القمر وجعله منه (القمر صافح الأرصفة / فصار واحداً .. منا) ص 43، فالنفس جوالة على الأرصفة، ولا مأوى لعواطفها سوى القمر الذي صافحها من علو فعده الشاعر صديقاً .. وفي مسارب الروح تبرز أرهاصة الاغتراب واضحة في بنية قصائده، كما في قصيدة (ذلك هو أنا) فجدلية الاغتراب أوحى بها العنوان الذي يتجاذبه من طرفه الأول اسم الإشارة الدال على البعيد، المفصول بضمير الذات الغائب (هو) الذي نقلنا إلى الطرف الآخر، الضمير الأعمق المتحدث (أنا) لكي يجذب المتلقي إلى الإنصات إلى ذاته المتحدثة (كل الكائنات لها مأوى / إلا أنا !! / لم أزل هكذا دائماً / أفتش في (درابين) الحياة / عن معنًى لحياتي / التي أحياها بلا .. مأوى !!) ص 80 فللشاعر يستثنى نفسه من الكائنات لا بكونه كائناً، وإنما الفارق بينهما في المأوى (الحلم) الذي مازال قيد الحلم !! على الرغم من مفاتشة الشاعر عنه، ونلاحظ أن توظيف مفردة (الدرابين) قد أوحت بتداوليتها الشعبية على حالة الشاعر النفسية التي ضاقت ذرعاً بالبحث المضني، فضلاً عن أن اللفظة دلت على كثرة البحث في الأماكن الضيقة الكثيرة في الحياة، دونما جدوى وأخيراً لم يحظ بوجود سر حياته هذه .. فهل يا ترى سيبقى بلا مأوى كما يقول ؟!!.

 

(1) أصفى من البياض / شعر عبد السادة البصري، إتحاد أدباء البصرة 2008م .  

 

المفارقة السردية في رواية حاموت .. دراسة سيميائية

waleed alzobaydiالمقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم: (نحنُ نقصّ عليكَ أحسنَ القَصَصِ بما أوحينا إليكَ هذا القرآنَ وإن كنتَ من قبلهِ لمنَ الغافلينَ.) - سورة يوسف:12/ الآية:3.

روايةٌ تنحتُ اسمها، شكلها، مبناها، في صخور الذاكرة، منذ عنوانها وما يحملهُ من علامات تعجّبٍ؛ وغرابةٍ في نحت المفردة المتفردة لغةً وبلاغةً؛ ثمّ صورة الغلاف، وهكذا وأنتَ تتصفّحُ الكتابَ نفَساً نَفَساَ، لهاثاً لهاثاً، صرخةً صرخةً .. روايةُ (حاموت) للروائية العراقية: وفاء عبد الرزاق، وتسلسل الرواية بين مجموعة رواياتها الصادرة والمطبوعة رقم(6)؛ من اصدارات مؤسسة المثقف العربي سيدني- استراليا، نشر وتوزيع شركة العارف للمطبوعات-بيروت، الطبعةالأولى،سنة2014م،عددالصفحات 141، قياس الصفحة:14.5×21.5سم.

ظلّتْ ثيمةُ {المدينة} الهاجسَ الأقوى في كتابات المفكرين،والفلاسفة، والأدباء والفنانين، فتناولتها الأقلام والأوراق على مختلف العصور بصورٍ متنوعةٍ تنتمي لثقافات تلك المجتمعات. فقد راودت فكرة اليوتوبيا أو الطوباوية الكثيرين من الأدباء و الشعراء الذين يتمتعون بحسّ أخلاقي رفيع المستوى. وكان الحلم بمدينة فاضلة يعيش فيها الناسُ أحرارا متساوين أمام القانون -ولا يزال - حلما خصبا يستمد وجوده من وقائع شتى كغياب العدالة، المكر، الخبث، الاحتيال، الظلم و الظلام الذي أحاط بالبشرية من كل ناحية ردحا من الزمن .

كان أفلاطون أول من أشار إليها في كتابه " الجمهورية" و يعتقد أن الناس سواء في كل شيء و بعده رسم الفارابي دنياه المثالية في كتابه " المدينة الفاضلة" و يرى مساواة الناس أمام ميزان العدل. والحالمون بذلك كثيرون من العباقرة أمثال القديس أوغسطين، شيشرون، دانتي، فرنسيس بيكن و توماس مور و غيرهم.

لن تتوقف ثقافة اليوتوبيا، طالما أن (الحلم) كامن في أعماق النفس البشرية، وأيضاً لم يعد التبشير باليوتوبيا هو حصراً من مهمة الأديان والمصلحين الاجتماعيين، بل أصبح الأمر يرتبط بالكيانات الدولية العملاقة، وها هي الكيانات الرأسمالية الكبرى والعظمى تبشر الشعوب بـ(يوتوبيا) العولمة باعتبارها المخرج من الشقاء والمدخل لجنة النعيم والرفاهية والحياة السعيدة.

وهكذا كان الحُلم لدى الإنسان منذ البدء بناء مجتمع مثالي يرقى بهِ نحو السعادة والانطلاق لعيش يحس بكونه يحيا مع أبناء مجتمعه في عالم العدالة بعيد عن كل منغصات الحياة، بل وكثيراً ما التصقتْ ونُقشتْ بأذهاننا من كتب الأدب العربي والغربي مدن الخيال الفنتازي، ومدن الخيال العلمي، ..

ولكنّ اليوم، تقف الروائية لتعطينا مثلاً ومثالاً جديداً لمدينةٍ من نوعٍ آخر تختلفُ جذرياً عن كل المدن التي ذكرتْها كتب التاريخ والفلسفة والفن والعمارة، أنها مدينة وعالم متكامل تنحتُ بأوصاله، تكتبُ فيهِ ومنهُ، لم يكن فنتازيا ولا هو من الخيال العلمي، وليست أيديولوجية جديدة أصدرت أدبياتها لتُبشّرَ بفكرٍ جديد؛ ولا مؤسسة اعتمدت أنظمة الويب الحديثة لتشكل معمارا جديدا من مخيلةِ عالم آثار أو مهندس معماري. أنهُ عقل وفكر الروائية الذي حرّر الحروف من مكنوناتها وأخرج كل العفاريت والجن والأشباح من القمقم لتصوّر لنا أحوال (حاموت) ..

رواية (حاموت) رسالةٌ نصّيةٌ بابداع وتجليات أدبية عربية تقترنُ بتقنات الزمن الجديد، تقنات (العالم قرية صغيرة)، وهي إذ تُسجّلُ هنا بيانَها للعالم أجمع وتُنبيء عمّا سيأتي بصورة واقعٍ لا مغالاة فيهِ ولا تطرّف، ويبتعدُ أسلوبها عن كل مظاهر العنت العالمي أو التحزّب بصفّ اتجاه أو مؤسسةٍ أو سلطةٍ أو دينٍ بل هي للإنسان أينما كان، وحيثما كان .. ولم تقتصرْ على الإنسان فقط بل هي رسالةٌ للماوراء، وللكائنات الحية وغير الحيّة، وللطبيعة بتنوعها الجغرافي والمناخي والتجاري .. .

المبحث الأول

أركان رواية "حاموت"

التمهيد:

الروايةُ بناءٌ معماريٌ محكم في شكلهِ وبنيويتهِ، فأركانُ هذا البناء هو أركان البيت، كل بيتٍ تُخطّط لهُ كي يكون متوازناً من حيث الشكل وصحياً من حيث البيئة والإضاءة يعتمدُ على أربعةِ أركان؛ وهكذا تأخذكَ مخيلتكَ أولاً نحو هذا الشكل المربع، بناء بأربعة أركان، فتقول: بيت، مدرسة، صندوق، نافذة، حقيبة .. البيت: بما يمتلكهُ من أسرار ومن عناصر آدمية تتحرّكُ فيهِ وعناصر مادية وطبيعية تتحكم بهِ لتنشأ بداخلهِ علاقات وصراعات. أو المدرسةُ: بما تحويه من محتويات الصفوف، الساحة، العَلَم،الكتب، أصوات الطلبة، نشيد يوم الخميس . أو الصندوق: الذي يخزن اسرارنا وممتلكاتنا .. أو النافذة: التي تطلّ من خلالها لرؤية صباح يومٍ جديد أو أصيل الشمس وأنت تودّع يوماً من عُمركَ .. أو الحقيبةُ: الحاملةُ أوراقك الثبوتية،وقصائدك التي كتبتها بعيدا عن عيون المُخبر، ..

هكذا وضعتْ وأحكمتِ الروائيةُ سردَها، وتركتْ لكَ حريةَ التفكير والتخييل في ذاتِكَ، ولكن أيّاكَ أن تجعلَ من مربعك هذا سجناً أو قفصاً، فهو مهد الإنطلاق نحو ولاداتٍ صحيّةٍ كاملة غير قيصرية، ولا مشوّهة، ولا تنتجُ خدّجاً ..

وسنعرضُ هنا بأسلوبيةِ التفكيك وإعادة البناء برؤى تتثاقفُ مع مستوى السّرد وتصاعدِ رؤاه وأبعاده، الأركانُ الأربعة التي اشتغلتْ عليها الرواية، هي:

1- حاموت. 2- الشبح. 3- الشجرة. 4- الرّاوي.

 

أولاً- حاموت:

نبدأ مع الرواية من الغلاف الأول، فصورة الغلاف عبارة: عن قطعة من الأرض ترتفع نحو الأعالي، وتتركُ مكانها منطقة محترقة سوداء. لقد استطاع الفنان د. مطيع الجميلي تجسيدَ روح العمل في لوحتهِ- صورة الغلاف.

أمّا الأهداء، فكان الى(؟) علامة الإستفهام، لو قمتَ با حصاء عدد الأسئلة في الرواية، لتجد الأسئلةَ تنثال عليك انثيالاً في كل صفحة من الغلاف الى الغلاف، بل ستجد صفحات من أولها الى آخرها عبارة عن اسئلةٍ تبحثُ عن أجوبةٍ على مدار تصاعد النّفس والحوار في البناء الدرامي والأدبي للرواية.

هذا أولاً .. ثمّ مايمثّلهُ شكل(؟) رسماً كونهُ يشبهُ شكل الجنين في الرّحم،وهو ينحني مع شكل موطنهِ الرّحم، فيولدُ الإنسانُ سؤالاً منذ لحظته الأولى، كما وأن الإنسان حينما يشيخ ويهرم ينحني ظهره ليكون على نفس الشكل الأول(؟) ثم يودّع دنياهُ فتكون نهايته سؤالاً أيضاً؛ إذن هي شكل جنين وكهل الكل يبحثُ عن مغزى وسرّ هذه الحياة× وتظل هذه الولادات تأخذُ شكل الإستفهام الى .. .. .؛. من وراء هذه الفلسفة اختارتِ الروايةُ اهدائها بكل ذكاءٍ وفطنة.

- منْ وما هي حاموت؟

تُشير الروائية الى حاموت أنها مدينةٌ كونيةٌ، وتقول: ( .. أن حاموت ليست مدينتي، إنما مدينة كونية .. ص 27)، أي أنها غير محدّدة بخريطة أو حدود أو بلد .. ليست مدينة خاصة،وهي تعرفُ ناسها وأخبارها عبر الوسائل العلمية الحديثة ووسائل الإعلام المتطورة في نقل الخبر.

وحاموت لها تاريخُها، فقد كانتْ رحبةً كما أطلقها خالقها بساطاً،لها أشبارها وطنينُها، نهارُها وليلُها، خضرتُها وماؤها، فيها شواهد القبور والأحياء، فيها الأشراف والخونة .. وتحمل الذكريات الجميلة لإبنائها، حينما كانتْ ملاذاً وحضنا للطفولةِ والشباب، وأيام المدرسة وشقاوة الصّبا ..

ثُمّ كيفَ أصبحتْ (حاموت) مكتظةً بالدخلاء الذين أفسدوا الحياة الجميلة فيها، وراحوا باسمهم وبإسم الله يحصدونَ الأرواحَ ويحلّلون قتلَ المخالف لهم وتكفيره(ص 39) .. فلدى "حاموت" زعماء مغرورين ومهزومين. وأصبحت أعوادَ مشانق لأبنائها، وناموسها نصرة الغني على الفقير، والقوي على الضعيف، حتى أصبحت نتيجة لهذا النظام والقوانين، أصبحت "حاموت" اشباراً، أي مجزأة، تعدّدتِ الأشبارُ، فكانت "حاموت" الصغرى والكبرى .. وسلّطتْ على رقاب الناس، المخذولين والظالمين .. أمّا الناسُ في "حاموت" فهم أفاعٍ، ديدنهم الحصول على النقود والركض على المال الحلال أو الحرام مهما كان نوعه وجهته، ونظامهم الغاية تبرر الوسيلة(ص 57). واستبدّ الناسُ في "حاموت" وعاثوا في نفوسهم قبل العبث بالآخرين .. وظلَ الناسُ في "حاموت"ناقصين يحتاجون شخصاً ينحنون إليه، إلى طغيانهِ .. و"حاموت" الصغرى أو الشبر، حينما تقارنها بالأشبار القريبة، كيف خلقوا أنفسهم من العدم، من صحراء قاحلة الى بلد العمارات والبنايات الفارهة (ص89) ..

في عصر العولمة، والتكنولوجيا الحديثة، حيثُ تتطور وتُبنى الأشبار في حاموت الكبرى، وهبتْ "حاموت" الكبرى أشبارها الموزّعة وخصوصا الجنوب (وتعني القسم الجنوبي للأرض- وهو جزء الفقر والأمراض والتخلّف)، صدّرت المتخلفين والظلاميين .. وصدّرتْ كلّ الأمراض، والمخدّرات فتعاطاها الشباب عوضاً عن التسكّع والبطالة. والناسُ مشغولون بهمومهم اليومية،حتى الجار باتَ غريباً عن جاره. وأخيراً .. فإنّ حاموت قد أصبحت في النهاية مدخنة متصاعدة.

 

ثانيـــاً: الشّبح:

تقرأ الرواية، فتجدُ الرّاوي لا تستقرّ رؤاه أو أفكاره عند هذا الرّكن المهم من الرواية، وتحس ذلك وتتلمسُهُ من تردّدهِ، تخوّفهِ، لذلك يذكرُ لهُ مسمّياتٍ عدّةً، فتارةً يُسمّيهِ: الشيطان، وأخرى: الشبح، وأخرى: المحجوب. فعدم الوقوف على شكله وتماهيه بأكثر من صورةٍ وأكثر من معنى، يجعلُ الحيرة والقلق يسيران بهِ لإبتداع مسميات يعتقدُ أنها لا تحمل معناه بالكامل بل هو مزيج من هذا العام، الذي يتوزع بين الشيطنةِ والقداسةِ،فهو شبحٌ لايراه بل يحسّهُ، وتارةً يرى آثاره (ابهامه، بصمته، ضحاياه)، .. وتنقسم صورة الشبح على قسمين: آ/ الشبح أو الشيطان العِلوي. ب/ الشبح أو الشيطان الأرضي.

ومن خلال الرواية نقرأ ونرسم صورة هذا الركن الثاني من أركان الرواية:

آ/ الشبح والشيطان العِلوي (عزيز) ..

1- يلحّ الراوي في أسئلتهِ وتساؤلاتهِ حول ما هية هذا (الكائن)، س/ منْ وراءَ حضورهِ وغيابهِ؟ س/ منْ يقودهُ الى غرسِ سعارهِ بالمدينةِ ابتداءً من الإنسانِ الى الحشرة؟ (ص:12).

2- صورتهُ الأولى شبح: .. رأيتُهُ يمرقُ مسرعاً ليضعَ ابهامه على شاهدةِ قبرٍ جديد، لم يرَهُ أحد، لكن:لماذا يظهرُ لي مخلفاً اسئلةً تتغرغرُ في حنجرتي؟ (ص12).

3- آثار الشبح: لاحَ لي الإبهامُ الكبير ذاتهُ، ابهامُ الشبح، .. بصمات ابهاماتٍ مختلفةِ الحجمِ على أبواب دور "حاموت" .. ثمةَ بصماتٌ أصغر من الأخرى .. (ص15).

4- شكل غامض: .. ورأيتُ شكلاً غامضاً يلوّحُ لي .. كانَ بلا وجه، يحاولُ أن يتلمسني، لكنني جمدتُ في مكاني، لم أدرِ ما أقولُ، فجأةً شاهدتُ أشياءَ غريبةً .. ربما هو مجرّدُ شبحٍ لشخصٍ ما، يتألمُ مثلي ويملكُ معياراً من الإنسانية، ويقدّرُ الذي أمرّ بهِ الآن .. (ص 17، 20).

5- صورة شيطان: .. انتشرتْ في المدينة أشاعاتٌ عن وجود شيطان يظهرُ في الليل ويختفي في النهار. أحدهُم أجزمَ أنهُ رآهُ يعتلي حصاناً خشبياً .. .

6- صورة طنطل: .. بينما الصّبيةُ قالوا أنهم شاهدوا شخصاً طويلاً جداً، بحيث لم يستطيعوا الوصول الى رؤية رأسهِ، ذو قدمين كبيرتين كأنهما المسحاة، وساعدين يسحّان خلفهُ كمن يجرّ ساتراً كبيراً .. (ص 23).

7- مساعدو الشيطان، وحجمهُ: .. ربما للشيطان مساعدين يعينونهُ على نقل هذه الأمراضِ وينشرونها .. أو هو كبير الى درجة تصبح الكرة الأرضيةُ بين يديهِ بحجم الدّرهم.

8- الزمن لدى الشبح: .. والشيطان أو الشبح، هو المركبُ الوحيدُ الذي يبحرُ فينا الى زمن ما .. وبوجودهِ لا زمن مطلق .. (ص: 26-27).

9- أقنعةُ الشبح: .. أزحْ قناعكَ، فنحنُ في زمن الأقنعة .. كلهم مقنّعون، وكلهم نائمون وحدكَكَ اليقظ. (ص:33).

10- المحجوب: .. بتّ أسمعُ خطواتِكَ أيها المحجوب، لا أدري هل أسمّيكَ الشبحَ أم المحجوب؟. (ص:33).

11- حضور الشبح: سمعتُ شيئاً مثل حفيف الشجر، أو أطراف ثوبٍ طويلٍ تخطفُ ريحُهُ قربي .. تمسّكتُ أكثرَ وشددتُ كلّ قوتي .. أزدادَ الحفيفُ قرباً منّي وأدركتُ لحظتها أنني سأحتفلُ بحضورهِ .. (ص:33-34).

12- تجسيد الشبح(صورة إنسان): أصبحَ بذراعين وعينين،وأنفاس تصعد وتنزل، .. سمعَ الرّاوي أنفاساً قوية تحفّ برقبتهِ، تطايرَ شعرهُ وبدنهُ .. ويقولُ: حتى رأيتُهُ جالساً أمامي .. ثم يحاورهُ الشبح الذي أصبح بصورة إنسان: .. أنا الآن أمامكَ ما الذي تريد معرفته؟ لقد أرهقتني بتساؤلاتكَ وإلحاحكَ على رؤيتي، وها أنا ذا ألبسُ زيّ رجل وأكلّمُكَ. قلتَ سابقاً: لنتقابلَ رجلاً لرجل ونحنُ معاً الآنَ يا صاحبي. (ص:34).

13- صفات الشبح: متناهٍ في الغرور بنفسه، طويلُ القامةِ مديدُها،ممشوقُ القوام، ضامرُ البطن، جميل، تُخرسُ الراوي عيناهُ لمجرد النظر إليهما، فلهُ نظرةٌ تخترقُ الأبدان والقلوب،وتسحبُ الجلدَ من العظم .. ومن عاداتهِ اختراق الحواجز .. ويعرفُ ما في السرائرِ والنّفوس، ويعلمُ ما في ذهنك وتفكيرك قبل النّطق والتطبيق .. لا يعرفُ الشبحُ غير الصراحةِ، وليس من طبعهِ المبالغةُ والكذبُ والتخفي بجلود أخرى ووجوه أخرى، بل هذه أطباع أهل "حاموت" .. (ص:49).

14- ملابسهُ: .. لفّ رداءَهُ عليهِ واختفى بلمح البصر .. (ص:49).

15- القسم، الوعد، احترام الوقت: أبناء "حاموت" لا يحترمون الوقت والوعد، ويقسمون القسم الكاذب ويتخلون عنه بثوانٍ، ويقسمُ أبناء "حاموت" بالدين والله والشرف، وبتطليق النّساء .. وهذه الصّفات والمعاني غير موجودة في عالم الأشباح، فهم يلتزمون بالقسم، ويحترمون الوعد، فالوعدُ سيفٌ يضعونهُ على رقابهم .. (ص: 82).

16- أسماء الشبح: .. أسماؤنا تختلفُ عن أسماء(أهل حاموت) فأنتم تدنسون الأسماء بأفعالكم صادق( وهو كاذب)،جميل( وهو قبيح)، طاهر( وهو نجس) .. .،.

17- أصحاب مبدأ: الأشباح أصحاب مبدأ واحد وطاعة واحدة وجلدة واحدة، فهم في الأعالي ولا تصلهم حشرات وأمراض مجتمع" حاموت".

 

ب/ الشيطان أوالشبح الأرضي:

لقد اعتادَ الخلقُ على مرّ العصور بوجود خوفٍ من المجهول منذ الخطوةِ الأولى على الأرض، فكان الإنسان يرسمُ خوفه على جدران الكهوف، معتقداً أن هذه التميمة، واللعبة التي يضعُ أشمالها وألوانها ستجعلهُ يتغلبُ على كل أسرار المكان والزمان؛ بل وتجاوز ذلك بعد حين ليؤلفَ اساطيرَهُ وملاحمَهُ وخرافاتهِ التي تعبرُ عن فكرهِ وثقافتهِ وكيفية تعاملهِ مع هذا الهاجس إن أردتَ أن تُسمّيهِ الخوفَ أو المجهول .. لكن هذا الخوفُ من قصص الجن والعفاريت والشياطين أضحت هيّنة ويسيرة بعد تاريخ طويل من التروّض عليها، لتظهرَ بعد ذلك شياطين وأشباح تأكل معك، وتنام معك، وتعمل معك، تعيش وأياك في نفس الشبر؛ تلك هي الشياطين والأشباح الأرضية التي لبستْ جلود آدمية وأرواح شرّيرة؛ خلقها الإنسان ذاته في ذاته نتيجة ظروف وطبيعة اسماها منْ أوجدها التطوّروالبقاء للأصلح .. وهكذا .. . فصورة الشيطان والشبح والصنم الأرضي كما رسمتْهُ الرواية يتمثل:

1- شياطين القوت اليومي: هناك شياطين بشرية تسلّلت كي تعبث وتمنع القوت اليومي لبطون الجياع؛ بل وتسهم في ايجاد أزمات الماء والكهرباء والوقود وفق برامج تجعل من الناس تدور زمانها وعمرها وهي لاتعلمُ أين وصلت وأين ستذهب؟؟وماذا جنتْ؟؟ ..

2- شياطين وأشباح فض التعايش السلمي: حيثُ الحروب والقتل على أساس لون البشرة؛ والعِرق، والدين والمذهب، ..

3- شياطين وأشباح الحكومات الأرضية: حيثُ تتغيّرُ الأفكارُ والمباديء والقناعات كل يوم،وتسيرُ الأجسادُ الآدمية كيفما تقتضي المصلحةُ وكلما يستجدّ شيء في الساحة. (ص:39).

4-أصنام أرضية مقدّسة: تتهاوى في كل عصرٍ وزمانٍ أصنام وتحلّ مكانها أصنامٌ أكثر عدداً وأفتكُ بطشاً، فطبيعة الإنسان المجتمعية الشعورُ بالنّقص،فيحتاجون الإنسان الأكبر والأقوى والأعتى ليسترون بهِ ضعفهم وعوراتهم؛ حيث يتخيلون أشباحَ كبيرة وقوى خارقة ستضربهم في أي وقت، فلأجل الحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم لابُدّ أن يكون هناكَ منْ ينحني الجميع اليه، ويمثّلُ سلطة الآلهة.

5- أشباح تكنولوجيا حديثة: تطوّرتْ هذه الأشباح مع تطوّر المجتمعات وعقولها، حتى أصبحت هذه الأشباح تطاردُكَ في عوالم شبكات الأنترنيت وكل وسائل الإتصال الحديثة، لتجعلكَ عبداً وخاضعاً لها، تكشفُ كل أوراقك وحساباتك واسرارك؛ وتخترقك أينما تكون وحيثما تكون ..

 

ثالثــاً: شجرة "حاموت"

ارتبطتِ الشجرةُ بالمقدّس في كتب الأديان كافة؛ ولهذا فقد ارتبطَ وجودها بوجود الخير والسلام والمحبة، وحُرّم على البشر قلعها، بل عليه قلع داره وتهديمه أو حتى دور العبادة دون المساس بغصنٍ من أغصانها؛ فقال سبحانهُ في كتابهِ: (ألم ترَ كيفَ ضربَ اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابت وفرعها في السّماء.) سورة ابراهيم:14/الآية 24. وقولهِ تعالى): (وشجرةٍ تخرجُ من طورِ سيناءَ تنبتُ بالدّهنِ وصبغٍ للآكلين). سورة المؤمنون:23/ الآية 20. وكذلك ارتبطتِ الشجرةُ كوناً كائناً في الأحاديث القدسية والأحاديث النبوية الشريفة؛ وما تحملهُ أيضا من معانٍ في الشجرةِ التي حضّ عليها –سبحانه- آدم وحواء ألا يقرباه: (ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظّالمين.) سورة البقرة: 2/ الآية 35. وما تعنيهِ سدرة المنتهى، من علامات أخروية، .. وهكذا .. فنزلت هذه الشجرةُ في الرواية بصورةٍ تتكلمُ عن ظلمها وظلامتها، وما فعلَ بها أهل "حاموت"، في صورٍ نقتطفُ منها:

1- شجرةُ الأجداد: هي إرثٌ تركها الأجداد؛ وصورتُها المهيبة العالقة في الأذهان؛ إلا أن أهلَ "حاموت" لم يعتنوا بها، وأصابها الجفاف واليباس؛ بل وهبّ الحطّابون من كل الأقطار ليقتلعوها من الأرض، ويجعلونها وقودهم. (ص:11، 25).

2- عقاب الشجرة: هل خلقَ اللهُ في دواخلنا شجرة أخرى ويمتحنُنا؟ و"حاموتُ" ماذا أكلت كي تُعاقبَ؟ .. وشجرةُ "حاموت" تتغذى الآن على الجثث، على الجرحى والمجلودين، وعرق المساجين، المضروبة أعناقهم والشهداء.

3- الشّجرة العتيقة المقدسة: كفّتِ النسوةُ من الذهابِ الى الشجرة والتّبرك بها ومسحها بالحنّاء، ولم تعُدْ رائحة البخور تعبّ منها كلّ خميس .. وذلك لأنها مسكونة بالأشباح .. (ص: 25).

4- أوراق الشجرة: لم تعُدْ تورقُ كسابقِ عهدها، ولم تمتدْ أغصانها الى الجهات الأربع بل بقيتْ على حالها السابق، مشرعةً ساقها الممتد الى الجذر المعانق للأرض وتتطلع في وجوهنا.(ص: 25).

5- شجرة الذكريات والمحبة: يقول الراوي،انهالتْ عليّ الذكرياتُ الجميلة وأول قبلةٍ تحت ظل تلك الشجرة المسكونة .. .أتراها ستمضي الى شجرتِنا وتنحبُ على حبها الأول؟ .. (ص: 29-30).

6- شجرة العالم العلوي: في رحلةِ الراوي مع الشبح لمشاهدة نهاية هذا العالم، يقول: .. تضاعفَ تألق المكان بألوانهِ المختلفةِ النور والتوهج .. رأيتُ نفسي معلّقا فوقَ شجرةٍ كبيرةٍ جرداء، تساقطتْ أوراقُها كلُها إلا ورقةً كبيرةً واحدةً، اختبأتُ خلفها مندهشاً مما أرى. (ص: 100) .. .كنتُ ملتصقاً بالشجرةِ وشاهدتُ كل شيء حتى صرختك. (ص: 103).

وقال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: (فلمّا أتاها نودي من شاطيء الوادي الأيمن في البقعةِ المباركةِ من الشجرةِ أن يا موسى إني أنا اللهُ ربّ العالمين.).

رابعاً: الرّاوي

هو الشخصية المحورية في الرواية(صورة البطل –محمّد-) هو الذي يحرّك الأشياء والمواقف ويضع القاريء في صورة الحدث وكل المتغيرات والإنتقالات، هو الكائن التساؤلي، الذين يثخن العالم المخلوق في الرواية بالأسئلة، هو الذي رأى كل شيء دون جميع منْ حوله .. هو الذي يتحسّس حتى النسمات، ويميز ما بينها، هو الذي يحاورُ الماورائيات ويعبرُ عالم الشهادة الى عالم الغيب. هو الذي رأى وروى كلّ ما رأى ..

الرّاوي الرّافض لكل ما يعيشهُ ويتعاملُ فيه مع أهل "حاموت". ولسان حاله يقول: هؤلاء الأتباع ماهم إلا قومٌ عجزةٌ لا يحبون العمل والجد، ويسيرون خلف أهوائهم الجنسية وأعضائهم الشبقة، استحلوا يوما لاعملَ فيهِ، يأكلون وينامون ويعاشرون ويشربون .. إذن هو مجتمع عاطلٌ وشبقٌ فاسد .. ثم يردفُ فيقول:

نحنُ أبناء الزنا الكوني .. ألسنا من أب وأم إخوة؟ كيفَ تكاثرنا وأصبحنا أقواماً؟ .. نحنُ ابناء الزّنا الأول .. وأكثرالقوانين التي سنّوها كانت من مصلحة شخصية تصبّ أولاً وأخيراً لصالحهم .. وحتى في المجتمع العاطل سيكونون في عليّين .. يعني سنبقى المرتبة الثانية أو الثالثة .. وربما الأدنى .. .

 

المبحث الثاني فلسفة الموت في "حاموت"

-التمهيــــد:

قبل الولوج الى عنوان المبحث الثاني، لابدّ لنا من توطئةٍ تاريخيةٍ لفلفسةِ الموت بصورة مختصرة تمهيداً لفلسفة الموت في "حاموت".

الموتُ ذلك القلقُ الذي ظلَ هوس الإنسان منذُ ولادتهِ ونزوله الى الأرض، وظلّ يبحثُ عن أسرار الخلود والبقاء ليتشبثَ بالحياة، أو بحياة ما بعد الموت. ومن ذلك نرى في التاريخ القديم ما يعتقدهُ الإنسان القديم من العودة للحياة بعد الموت وقد تم اكتشاف عدد من المقابر التي فسّرت فلسفة الموت عند سومر وبابل، فقد اكتسبت (مقبرة اور الملكية) Royal Cemetery شهرتها بفضل آثارها النفيسة. وتعود أغلبية هذه القبور إلى عصر فجر السلالات الثالث. تضمنت ما يناهز 2500 مقبرة بشرية، وشخصت من هذه القبور ما لا يقل عن ستة عشر من القبور الجماعية التي ضمَّت كلاً منها عدداً من الشخصيات الحاكمة: ملوك وملكات وأُمراء وأميرات وجدوا مقبورين مع حاشيتهم وأتباعهم ومتاعهم وأثاثهم. ولم ترد في النصوص السومرية أو المسمارية ما يميط اللثام عن حقيقة هذه المقبرة باستثناء إشارات مقتضبة وردت في إحدى الأساطير السومرية (اسطورة موت كلكامش).

وكان كلكامش، بصفته شخصية تاريخية، عاش في الفترة الزمنية لأِحد ملوك المقبرة (ميسكلام- دك). جاء رأيان لتفسير طبيعة المقبرة: الأول يعود لمكتشف المقبرة (وولي) يقول أن الحكام السومريين كانوا في فترة قديمة من عصر فجر السلالات (2600- 2550 ق.م) يمارسون عادة التضحية بِأتباعهم ليُدفَنوا معهم بعد موتهم. وأن أُولئك الأتباع الملحودين كانوا يدخلون إلى قبورهم أحياءً ثم تُقتل الحيوانات من جانبهم، ويتناولون، بعد ادخال جثة سيدهم، سموماً كانت تُهيأ لهذا الغرض، وكان الدفن يجري في احتفال ديني. ويربط الرأي الثاني تفسير هذا الإنتحار الجماعي بما كان يُمارس في فترة ما من عصر فجر السلالات من شعائر: الزواج (الإلهي) المقدس، حيث يتم بموجبها اختيار الملك أو الحاكم أو الكاهن الأعلى ليمثل إِله الخصب (دموزي/تموز) ويتم اختيار الملكة أو الكاهنة العليا لتمثل الآِلهة (انانا/عشتار) ويقومان بشعائر هذا الزواج في بدء كل سنة جديدة لإِحلال الخصب والخير، ثم يُسمّان مع أتباعهما ويُدفنون في احتفال مهيب، وذلك ارتباطاً بعقيدة القوم الدينية. ويضيف هذا الرأي أن عادة التضحية البشرية هذه لم تستمر ممارستها في حضارة وادي الرافدين لاحقاً. وجِدَتْ في المنطقة وخارجها ممارسة مثل هذه الطقوس (التضحية البشرية): قبور كيش (عصر فجر السلالات)، الموقع الأثري (نوزي).

ثم يستمر المفهوم الميثولوجي عبر العصور حول مفهوم الحيا-موت،يتطوّر ويحفر في ثقافات الأمم والشعوب ..

أولاً– صور الموت في حاموت:

لقد نسجتِ الروائيةُ صوراً متعدّدة تنسجم والواقع المعاش للموت، فالموت في "حاموت" لم يكن ذا نوع واحد، أو طريقة أو صيغةٍ بعينها، بل كان متنوعاً تنوّع الحياة،بكل تفاصيلها، فقد انمازتِ الروائية هنا عن الروائيين الآخرين عرباً وأجانبَ بنظرتها للموت – خصوصا- في "حاموت" التي ارتبطت بها كل الأحداث.

وتوزّعَ الموتُ في الرواية بصورهِ وأشكالهِ كما في التقسيم التالي:

آ/ صور موت الطبيعة والكائنات الحيّة:

1- موت الأشجار: نقرأ في الرواية تساقط أوراق الأشجار، وموت الأشجار جرّاء معاول وفؤوس الحطّابين، لإستخدامها وقوداً، أو بناء الدور وكراسي(الزعماء).

2- موت الصراصير والحشرات والديدان: تكون صورة الموت تحت أقدام العابرين أو تُحشرُ في أغصان الأشجار فتلتهمها أو تموتُ خنقاً، أو تكون صورة الموت لها باستخدامِ المبيدات الفتّاكة.

3- موت القمر، البرق، الكواكب: ويكون الموتُ تحت لطمات السكون وتلمعُ كيفما قُدّرَ لها منتظرةً أن تلقي حمل أضوائها وتستريح. وصمتُ الشمسِ خيرُ دليل على عدم معرفتها بيومها المؤجل.

4- الموت جوعاً وعطشاً: من جدبِ الأرضِ وموت وفناء الزرع، وجفاف الأنهار، يولد الجوع والعطش، ومن الفقرِ وعدم وجود العدالة الإجتماعية يولدُ الجوع والعطش، فتكون هناك جيوشٌ من الأطفالِ والنساء والشيوخ الجوعى.

5- موت الحيوانات والطيور: حينما تزداد حمّى الإشاعات والإعلام، والمزايدات السياسية والحروب الإقتصادية، ظهرتْ أمراض قاتلة روّجت لها معظم المؤسسات والمنظمات، والصحية منها، التي نشرت تقاريرها حول نسب مرض جنون البقر، وانفلونزا الطيور.

6- موت الزهور: براعم النرجس العارية إلا من البراءة والطفولة والتي يتم قطفها برعونة .

7- غضب الطبيعة: تموت أعداد كبيرة من البشر وبقية الكائنات جرّاء الأعاصير ومنها أعصار – ساندي- الذي أصاب كندا وأمريكا.

8- موت القطط: تذكر الرواية صورة القطط (وما إن توجّهتُ صوبَ القطط حتى وجدتهم نائمات وكأنهن في عرض خاصٍ لمواجهة مصير جديد. ص37).

9- موت العناكب: تقول (.. واستخرجتُ بعض أكياس من الشاي، كانَ على باب المخزن عنكبوت محشورة بين خيوطها. حاولتُ إزاحتها، لكنها لم تتحرك ..)، (.. حتى العناكب لم تسلم منك اليوم. ص 37).

 

ب/ صور موت بني البشر:

1- الحروب: ضحايا الحروب والقتل الجماعي في مجزرة قنابل (هيروشيما) آلة الحرق والتشويه الخلقي، وضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية(ص 19).

2- أمراض البشر المختلفة، نتيجة تلوّث البيئة واستخدام آلات الحروب الحديثة والتقنيات الحديثة، كالسرطان وغيره.

3- موت مجتمعي: نتيجة التطور التقني والتقدم المعلومات ظهرت أوبئة وأمراض مجتمعية خطيرة، مشاكل وأمراض نفسية، ولإنتشار قيم أخلاقية جديدة منها الزيف، الحقد، الكره، الرشوة،السرقة، وسرقة الأطفال، المتاجرة بالأعضاء البشرية، تجارة الأطفال والنساء، .. .

4- الأزمات: نتيجة للتقدم وماتبعه من حاجات ومستلزمات ظهرت أزمات منها، أزمة الطاقة، شحة المياه التي تنذر بحروب مياه قادمة، تهديد الأمن الغذائي .. .

5- ذوي الحاجات الخاصة والمجانين والمسنين والأيتام: ظهرت في المجتمع الجديد طبقة جديدة وهي ذوي الحاجات الخاصة، التي تعاني من الإهمال والقهر، فضلاً عن طبقة المجانين ومصحاتهم، ودور المسنين والأيتام الذين ظلوا بعيدا عن رعاية المجتمع، وطالتهم يد العزلة والموت.

6- صور موت مختلفة في أركان الرواية منها:

آ/ الموت البشري الأول: موت العامل العائد من عملهِ في القاطرة، عادَ مبللاً بالمطر، خبّأ هديةً لعيد ميلادِ طفلتهِ الوحيدة التي جاءت بعد انتظار عشر سنوات، مات في أول خطوةٍ له لعتبةِ الدار .. (ص13).

ب/ موت طفلة جار محمّد: (.. صحوتُ على صوتِ جارنا، كانَ خائر القوى ينظرُ الى رحيل طفلته في العتمة منحشرة في تابوتها الصغير .. ص 14).

ج/ عزاء "أبو حامد": أربعة توابيت تنتظر الدفن، لأربعة جثث محترقة لم يتعرّف عليها .. (ص 18).

د/ هجرة البشر في العبّارات والسفن، وماتواجههم من نكبات وغرق للمراكب والسفن ليصبحوا وليمة لأسماك القرش .. (ص64).

هـ/ الموت انتحاراً:حادثة المرأة التي رمتْ اثنين من أولادها في النهر، وربطتْ رضيعها على خصرها .. (ص91).

و/الموتُ اغتصاباً: حادثة موكب عرس في "حاموت" حيث تم ذبح الرجال واغتصاب العروس أمام أعينهم .. ويقول الراوي-محمد-: .. أين أنت منهم ومن شيخ المسجد، هل تعتبرهُ كافراً حين يأوي قتلة وتتم جريمة الإغتصاب في مسجده وأما عينه؟ .. .. (ص:32).

ز/ الموت المتطور الحديث: موت المفخخات والأحزمة الناسفة،وعصابات القتل على الهوية،والتهجير القسري، .. .

ثانيــــاً/ الميثولوجيا في الرواية.

تتّكيءُ الروايةُ شكلاً ومضمونا على الموروث الديني، من الغلاف الى الغلاف، على الخطيئةِ والدنس الذي ابتدأ في العالم السفلي منذ الشجرة والتفاحة الأولى لآدم، وحتى أول جريمة قتل في التاريخ الإنساني، قتل قابيل لأخيه هابيل. ولأكبر وأعظم رحلة في التاريخ الديني عامة والإسلامي خاصة، معجزة افسراء والمعراج،التي أطّرتها الرواية برحلةٍ مغايرة من ناحية الشكل والمضمون حسب رواية الراوي-محمد- ولننتبه الى سر اختيار تسمية الراوي(محمّد) ومافيهِ من إشارة ودلالة وتلعب في الرواية لعبة الدال والمدلول، وانزياح القصص القرآني ليلوّن الحدث وليعطيهِ ثيمات تكاد أنتتناسل للتعبير عن دوران الأحداث وتصاعدها باسلوب دراماتيكي أخّاذ، يبعثُ في ذات المتلقي ضرورة استمرار القراءة وعدم الوقوف عند صفحة أو فقرة محددة، فكانت آلات التشويق وبث الحماس وعنصر المفاجأة والتغريب.

آ/ عقوبة أكل التفاحة: .. هل تشهدُ تفاحةُ آدم على إثم مبتكر؟ تفاحةٌ واحدةٌ غيّرتْ مسيرةَ آدم .. .هل خلقَ اللهُ في دواخلنا شجرةً أخرى ويمتحننا؟؟

قالَ- سبحانَهُ-: ((ولا تقربا هذهِ الشجرةَ فتكونا من الظالمين.)) –سورة البقرة: 2/ الآية:35.

ب/ الرّحلةُ: قال -سبحانهُ-: (إيلافهم رحلةُ الشتاء والصّيف) سورة قريش: 107/ الآية:2. وقالَ- سبحانهُ-: (سبحانَ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجد الحرامِ الى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حوله لنريهِ من آياتنا إنهُ هو السميع البصير.) – سورة الإسراء: 17/ الآية:1 .. هي الرحلةُ الكونيةالتاريخية التي قام بها الراوي-محمّد- مع الشبح-عزيز-، كي يريه الخطيئة الإنسانية واسباب هذه الفوضى والحروب والفساد الذي عمّ "حاموت". وفيها يرى قصصا وأحداث منها قصة الشابين( يعني: قابيل وهابيل) .. يقولُ الراوي: أغمضتُ عينيّ مستسلماً الى صوتهِ، عصفت جسدي عاصفةً هزّتهُ هزاً ودوامة هواء وأصواتلم أتعرف عليها من قبل، .. .(ص67).

ج/ الدنس الأول والقتل الأول: جريمة القتل الأولى ولدي سيدنا آدم –عليه السلام- وعلى لسان الراوي-محمد-: غابةٌ كثيفةٌ ولا أحد فيها غير شابين، يتحدثان الى بعضهما، أحدهما بان عليهِ الورع وبصمت ملامحهُ التقوى بالهدوء، والآخر تجسدتْ فيهِ معالمُ الشّر كلها .. .. أغوتهُ نفسه وأحبك خيوط الضغائن على أخيهِ، فدفعهُ من أعلى مرتفع، حاولَ أخوهُ التعلّق بأغصان شجرةٍ كبيرةٍ متفادياً السقوط، لكنهُ دفعهُ مرةً أخرى حتى سقطَ أرضا بلا حركة .. .. (ص: 68).

قالَ –سبحانهُ-: (وآتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتُقبّلَ من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قالَ لأقتلنّكَ قال إنما يتقبّلُ اللهُ من المتقين ..) .. وقالَ -سبحانهُ-: (فطوّعتْ لهُ نفسهُ قتلَ أخيهِ فقتلهُ فأصبحَ من الخاسرين.) – سورة المائدة: 5/ الآية: 27.

د/ قصة الغراب: قالَ- سبحانهُ-: (فبعثَ اللهُ غراباً يبحثُ في الأرض ليُريهُ كيفَ يواري سوءةَ أخيهِ قالَ يا ويليتي أعجزتُ أن أكون مثلَ هذا الغرابِ فأواري سوءَةَ أخي فأصبحَ من النادمين.). – سورة المائدة: 5/ 31.

 

الخاتمة

لقد نجحتْ الروائية في ربط الواقع المنظور والتطور التكنولوجي التي وصلت اليه حضارات الأمم وربطه بمفاهيم عقائدية دينية وحوادثها بدالّها ومدلولها، وحبكت رسالتها ضمن مكان لا يحدد بجغرافية وتضاريس، بل هي رسالة كونية، رواية تضع أصبعها على الجرح الإنساني بكل مستوياته الثقافية والدينية والعقائدية، وتحذّر من الآتي، صورةُ ماضٍ نتائجهُ أمام أنظارنا، وصورة مستقبلٍ تراهُ هي بمنظورها هي وفق تسلل تاريخي مع الأحداث ووفق موضوعية في دراسة ما يكون، وقد صورت لنا صور صراعات الحيا-موت، صراعات السادة والعبيد، الأعلى والأدنى، بل وحلّلت ما يدور في الأشبار من "حاموت" الكونية من مزايدات وما يظنه البعض ربيعا، بكل جرأة وبكل منطقية تعتمد العقل وتحتكم لأدوات تعتقدها أنها ناظورها وبوصلتها لمستقبلٍ سيكون على صورة "حاموت" ..

 

د. وليد جاسم الزبيدي

العراق- بابل

...................................

المصادر والمراجع

*القرآن الكريم.

1- تفسير القرأن الكريم، السيد عبد الله شبر، دار احياء التراث العربي-بيروت، ط1، 2007م.

2- العولمة-دراسة تحليلية- عبد الله عثمان-وعبد الرؤوف آدم.

3- مقدمة في أدب العراق القديم، طه باقر، دار الحرية للطباعة-بغداد، 1976م.

4- مقدمة في تاريخ الحضارات- تاريخ العراق، طه باقر، بغداد، 1951م.

5- المعجم الوسيط، ابراهيم أنيس ومجموعة من الأساتذة، دار أمواج - بيروت، ط2، 1987م.

 

أحمد مزعل والفن والفكر

sinan ahmadhakiتابعت مع البعض من الأخوة والأصدقاء مشاهدة أعمال فنان موهوب من على شبكة التواصل الإجتماعي (الفيسبوك) وهو الفنان أحمد مزعل، وهو شاب في مقتبل حياته، وبعد التمتع بمشاهدة عدد من أعماله الجميلة وكان أغلبها سكيتشات بالزيت أو الأكليريك أوتخطيطات بالقلم الرصاص لعدد من الوجوه وأهمها بعض الوجوه المغربية والمشاهد المراكشية وبدا لأول وهلة واضحا ما يتمتع به من خصائص طبيعية في فن الرسم وهي على الأعم قدرته التي أسميتها كما يقول العاملون في ميدان الرياضة (قدرة عصبيّة عضليّة) أي قدرته في تنفيذ ما تراه عينه بيد واثقة ومقتدرة فضلا عن أن عينه عين راصد محترف متمكّن في قنص الخطوط والألوان في سرعة فائقة مع الحركة كما بدا في الإبتسامات والحركات العفوية السريعة التي قدّمها لنا مشكورا ولا يبدو أن فناننا موضوع المقال هاويا ولا مبتدئا فالخبرة تملأ جوانب لوحاته الجميلة ويُميّزها إختياراته الخبيرة في إنتقاء اللون وأسلوب التلوين الذي يُشكّل طريقا لبناء شخصيّة متميّزة به ورغم أن الفيسبوك قد جعلنا مشكورا نطّلع على عدد من أعمال الفنانين الرائعين الكبار والصاعدين بما يمتلكون من مواهب وقدرات فنيّة متميّزة من أمثال الأستاذين محمود فهمي ومحمد عبود الذين يبهراننا بين الحين والآخر بأعمال ذات قيمة راقية ألاّ أن فناننا أحمد مزعل لفت إنتباهنا من حيث أدواته المتميّزة وخبرته الفطريّة واقتداره العالي في مطاوعة أنامله لما ترصده عيناه كما أسلفنا وقد شاهدنا من بين أعماله لوحة كاملة كبيرة بتفاصيلها عن السيدة العذراء وبدا أن شخصيته هنا قد إختلفت كليا عن شخصيته الفنية في سابق أعماله الموصوفة فبالرغم من أهمية إخراج مثل هذه الأفكار والمواضيع الكبيرة وهو قادر على إنجازها فعلا ألاّ أن مفاجأة المشاهد المتلقّي بالإنتقال من تخطيطات وسكيتشات لبعض الوجوه ولقطات لمناظر سريعة إلى هذا العمل البانورامي يحتاج إلى رؤية فكريّة فضلا عن مقدرة تشكيليّة وكلنا راودته أفكار عن إستلهام افكار من الموروث الخالد لا سيما الموروث الروحي الكبير كما هي قصّة السيدة العذراء وأحفظ لأحد الفنانين الذين كانت لي علاقة بهم طويلة أنه كان يفكّر بتناول عددمن الصور الروحية ومنها بعض الآيات القرآنية المبهرة كالآية التي تبدأ (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى .. إلى آخر الآية) ولكنه للأسف لم يُعالج الفكرة في حينها، إن أهم ركن في تناول مشاريع كبيرة هو الركن الفكري أو البناء الفكري ولن أطيل كثيرا في تفسير هذه الجوانب وتأكيدها ولكنني أتذكّر أن الفنان الكبير بيكاسو بما تسعفني به الذاكرة كان صفّق كثيرا للفنان مودلياني عندما شاهد عملا له لفتاة وهي حامل وترتدي رداءً أزرق وكان واضحا جدا كيف ربط بيكاسو بين الموضوع واللون فضلا عن أسلوب مودلياني المعروف في تصوير الوجوه وميله إلى التصرّف بالملامح واختصار التفاصيل مع الإحتفاظ بأسلوب مميّز وتعبير راسخ، هذا هو الفكر في الفن، إذ ليس من المهم أن نقوم بتنفيذ أعمال ضخمة أو جداريّة لكي نعبّر عن أفكار كبيرة وملاحم وأننا لن نضيف جديدا على ما فعله الأولون من أمثال مايكلانجلو وحتى ألجيريكو فقد أشبعوا بأعمالهم مراحلهم وعصرهم بما يناسبه من عملقة وتألّق .

إنني أتوسّم في الفنان أحمد مزعل كثيرا من الإشراقات والقدرات النابهة ولهذا أود التركيز على الجانب الفكري للفن والوظيفة وهي كما هو معلوم تشكّل جوهر العمل الفني وقوته الدافعة والمحرّكة، وأوّل ما أراه أن لا ينتبه كثيرا لكل ما يُقال له بضمنه مقالي هذا بل أن يُصغي إلى نداء العين وهواجس الأحاسيس وبصراحة أن يتوسّل الحريّة الكاملة في اللحظات التي تبدأ ريشته بالعمل ويدع في تلك اللحظة كل المعارف وجميع ما حاول أن يستعين به للوصول إلى ما هو عليه فلقد ذكرت في مناسبات سابقة حديثا للفنان جواد سليم الكبير في مجلة الآداب وأعتقد كان ذلك عام 1956 في عدد خاص بالفنون التشكيليّةحين سُئِلَ كي يوجّه كلمة للفنانين فقال: أهم شئ أن ندع جانبا التفكير بما يجب أن نفعل وأن نعمل بدون الإجابة على هذا السؤال، وكان الفنان الكبير بيكاسو هو الذي قال: إن يدي هي التي تفكّر ولكن بلوغ هذه المراحل يتطلب تفاعلا حيّا مع الثقافة بشكل شامل وكامل فعلينا أن نحيا عصرنا بتفاصيله وثقافته مثل كل الناس وكل المثقفين على الفنان أن يعي العصر الذي يعيش فيه ويتذوّق صنوف الفنون والآداب ويتعلّم كل ما تقع عليه يده ويتفاعل مع الحياة في ميادينها المختلفة في العلوم والفنون والآداب وبدون أن يُحاول محاكاة أعمال من سبقه أو جايله بأي شكل و سيجد أنه يقدّم أعمالا تنطوي على فكر خلاّق كما هو أمر فنّه الخلاّق أيضا وهذا هو الهدف والمراد، إطلق العنان لريشتك ويدك ساعة الإبداع ولا تفكّر بأحد لا متذوق ولا ناقد ولا مفكّر ولا مثقف ولا غيرهم ولكن عند ساعات الفراغ إصغِ لكل هؤلاء جيدا وتناول آراءهم بكل جد على أن لا يكون لهم سطوة على ريشتك فالحريّة ساعة العمل أهم شئ على الإطلاق ولا يجب أن يكون هناك شروط على الحريّة إذ أنها حقّا أداة الفنان كما هي أداة الأديب والمبدع بصورة عامّة وهي مادّة العمل للمبدعين ولا شئ يحل محلها بل إن غيابها يهبط بالفن والأدب والإبداع إلى القعر.

فالحريّة وقت العمل وترك ما يجب أن نفعل وإطلاق الطاقات بلا شروط هي سرّ التألّق والنجاح، ومهما كانت ألأعمال كبيرة والمراحل متقدّمة فإن مواصلة تنمية ماكان بدأ به مزعل من سكيتشات وتخطيطات أمر لازم ومهم جدا أن يستمر وعندها وبعد وقت ما ستجد خطوطه وألوانه قدرة عفويّة على التصرّف المطلوب في العمل الفني كما جرى للفنانين الكبار

لو كان لي أن اتمنى على أحمد مزعل لتمنيت أن ينفّذ لوحته عن السيدة العذراء بأسلوبه الذي رأى فيه الناس المراكشيين مثلا أو بأسلوبه الواقعي او الإنطباعي الرومانسي أو بما يمتلكه من أدوات إبداعيّة تشكيليّة وليس بمحاكاة فناني عصر النهضة أو ما بعدها وهذا سيجعل منه فنانا عصريا يعيش عصره ويعبّر عن مواضيع خالدة من منظور ميتكر يجمع ببودقة جديدة كلا من مفاهيم التراث بالمعاصرة .

إنني لا أوجّه له نقدا أو اوجّه عمله ولا أحاول فلقد قلت قبل قليل إن الحريّة هي أهم أدوات المبدعين وبدونها لا فن ولا فكر

ولكن الفكر هو جوهر الفن وهذا ما يجب أن يبقى في بالنا على الدوام دون أي إعتبار آخر

أتمنى للفنان أحمد مزعل رحلة ممتعة وجميلة مع عالم الإبداع وأكرر أن عليه أن يتجنب أية شروط أو توجيهات ويُسلم ريشته إلى الحريّة بالمعنى الذي عبّر عنه جواد سليم كما أسلفنا

ويمكن للقارئ الكريم أن يتصفّح بعض أعمال الفنان المذكور من خلال صفحته على الفيسبوك، مع تمنياتنا لكم بمتعة جميله مع أعماله التي تستحق المشاهدة

تحياتي وتقديري

 

سنان أحمد حقّي

منشغل بالثقافة

دهوك في 17 /3/2014

 

الشاعر السعودي "جاسم الصحيح": التمزق الذاتي والبحث عن الهوية

husan sarmakتستولي حالة التمزّق الذاتي المدمرة على الموقف النفسي للشاعر "جاسم الصحيح" في أغلب قصائده. فهو دائما نصفان يتحاربان أو شطران يتصارعان .. تتلاطم أفكارهما ورغباتهما بضراوة، و"أنا" الشاعر يراقب ساحة المعركة بينهما:

(تشرّدتُ  

ما بين الإشارات حائرا  

وطوّح بي    

في كلّ إيماءة، بُعدُ  

فساءلتُ حتى حيرتي:  

هل أنا هنا  

نزيل كياني  

أم هنا الآخرُ الضدُّ؟  

أدور مع الأيام حول حقيقتي    

أدور ولا قبلٌ هناك ولا بعدُ – ص 54 و55) .

ومن المؤك أن الحالة الصراعية الممزقة هذه، هي من أشد حالات العذاب النفسي هولا على ذات الفرد، فهي المصدر الجحيمي الذي لا ينضب لنيران القلق الحارقة التي تفضي إلى نتائج مدمّرة لعل في مقدمتها أن الصراع الداخلي المشتعل هذا يحطم تماسك الفرد ويصيب هويته بالإلتباس والإرباك المنهك:

(كالأبجدية بعد حرف (الياءِ)  

متشرّد أنا خارج (الإحساءِ)  

متشرّد حدّ التباس هويّتي  

متشرّد حدّ اشتباه دمائي    

همّي بحجم الروح لم أر هكذا  

ذئبا بحجم مساحة الصحراءِ  

قدماي: شكّي وحيرتي  

ويداي منفى توبتي ودعائي    

في كلّ ناحيةٍ أسير يقودني  

ضدّي على طرقٍ بلا أسماءِ – ص 151 و152) .

ولعل التباس الهوية هذا سيجعل الشاعر يعيش دوامة مربكة من التساؤلات عن مصدر هذا التشوّش .. عن سرّ هذا اللاإستقرار الماحق الذي يخلخل مفاصل روحه ووجوده .. عن سبب عدم قدرته على وصف وتحديد ملامح كينونته .. وستكون حياته عبارة عن سلسلة مفتوحة ومدوّخة من التساؤلات الشائكة .. وقد انعكس هذا الموقف الماتبس على بنية قصيدة الشاعر التي صارت بنية تساؤلية بصورة مباشرة أو غير مباشرة حيث لا يخلو أي نص لجاسم الصحيح من اسئلة وعلامات استفهام وجودية مصيرية أو نفسية أو اجتماعية كثيرة:

(فساءلتُ حتى حيرتي: هل أنا هنا ..

نزيل كياني .. أم هنا الآخر الضدُّ؟

أدور مع الأيام حول حقيقتي

أدور ولا قبلٌ هناك ولا بعدُ

وليس طريقا واحدا ذلك الذي

أحاوله لكنه طرق حشدُ - ص 55) .

ومن المفروغ منه أن أقول إن جذر هذا العذاب التساؤلي الذي لا نهاية له، ومترافقا معه يدا بيد هو " الشك " .. ليس على أساس الكوجيتو المعروف: " أنا أشك، إذن أنا موجود "، حيث يتأرجح الإنسان – وهذه من علامات صحته النفسية – بين الشك والحقيقة، وصولا إلى مرافىء اليقين، ولكن على أساس كوجيتو جديد يجترحه جاسم هو هاوية على جحيم التأويل الدلالي لمعنى أن يشكك الإنسان الرافض والمأزوم بما حوله من معطيات ووقائع .. تشكيكا يوصله نحو القرار الراسخ .. يصبح الكوجيتو هنا: " أنا موجود، إذن أنا أشك " .. وهذه كارثة ما بعدها كارثة .  

أضف إلى ذلك أن هذا التمزّق لن يتيح للشاعر إمكانية تحديد هدف حاسم لحياته .. فهو منشغل بمعركة الداخل ولن يستطيع التفرغ لمتطلبات الخارج . إنه في حالة ضياع مرير .. دوّامة عاصفة لا قرار لها .. ولهذا يندر أن تجد قصيدة لجاسم في المجموعة هذه لا تتكرر فيها مفردة " التيه " أكثر من مرّة ؛ التيه الواقعي الذي تمحقه الفضائيات وطوفان الحداثة وأطروحات نهاية التاريخ:

(ها نحن نكمل رحلة الأرواح في (التيه) الملوّن  

ها هنا  

حيث (الفضائيات) ذات الفتنة الشقراء  

قد فلت جدائلها على كتف (الحداثة)  

والثنائيات تعصر بين فكّيها الخليقة  

والنهائيّون جنازا فجنّازا  

أعدّوا موكب التشييع للتاريخ  

ماذا سوف نصنع بالقصيدة وسط هذا (التيه)؟ - ص 35 و36)،

... أو التيه الذي تفرضه حياة البلاد التي صارت قلاع اسمنت تشيّده نقمة / نعمة النفط:

(في عتمة الأفق النفطي لا قمرٌ  

يُغري الموانيء كيما تحضن السفنا  

تيهٌ يفرّخ تيهاً .. والمدى شبحٌ    

يسير منتعلا أسفلته الخشنا    

هل من لجوء جماليّ يلوذ به  

من بات في قبضة الفولاذ مرتهنا؟  

لم نأت للنخل نستشفي عيادته  

إلا لنبرأ من نفطٍ ألم بنا – ص 44 و45)،

... أو التيه " الوجودي " الغائر في " تيه " الأعماق مسقطا على رمال المتاهة الكبرى التي اسمها الحياة:

(وأنا غريب  

لم تلملمني المرايا في التفاتتها إلى الغرباءِ  

ضلّلني المدى  

وأضعت بيتي أبتغي وطني    

فما كانت خطاي سوى حروف (التيه) في لغة الرمالِ  

وجوارحي مفتوحة  

كعيون موتى  

خطّ فيها الموتُ أسئلة قدامى مثل أعمار الجبالِ – ص 111 و112)،

... أو التيه الذي يتأجج لحظة بعد لحظة لتتسع دائرته المميتة وينتشر دخان مضاعفاته حدّ الضياع الشامل .. ضياع في متاهة (مناطور) متوحش هو المثكل:

(أصيخ إلى لهاث الموت يجري  

على أثري، ولكن ما اهتدى لي  

ترافقني الجهات على دروبي  

ولكن ينزلقن إلى الزوالِ  

فأبقى في قطيع من شرود  

يُسيرني بغابات الخيالِ  

(أتيه) إلى أقاصي (التيه) حتى  

لأجهل كيف أرجع نحو حالي – ص 132 و133) .

ومع تكرار مفردة التيه معبرة عن دوامة الصراع الداخلي التي لا تهدأ تتكرر وبدرجة كثيرة جدا تعبيراتها اللغوية .. التعبيرات اللغوية الأداتية التي ترسم هذا التيه .. مثل مفردتي " الجغرافيا " و " الخرائط ": ففي الكثير من النصوص يكشف الشاعر حيرته المدوّخة وهو يرصد تفاصيل جغرافية الخارج التي هي صورة مشوشة ومرتبكة لجغرافيا الداخل المهشّمة، جغرافيا جمعية " شمطاء " كما يصفها الشاعر:

(لابدّ من عمل جماليّ لوجه الأرض  

قد كثرت تجاعيد المكان  

وهذه الجغرافيا الشمطاء لا تحنو على الغرباء  

نحن ضيوفها الآتون من أصلاب محنتنا  

نهاجر في المدى كالوقت مصلوبا على بندول ساعته  

ونسقط كالدقائق والثواني – ص 31).

وترتبط بالتيه والجغرافية مفردة حاكمة أخرى تتكرر كثيرا ولها موقعها الدلالي وهي: الخرائط . فالخريطة، كما يُفترض، هي التي تحدد لك الأماكن التي تبغي الوصول إليها بدقة .. وتتصاعد أهميتها عندما تريد الوصول بيأس إلى الأماكن المغيّبة في اعماقك، والتي مزّقت ملامحها مخالب الصراع المستعر .. يحصل هذا التوجّس المقلق حتى في لحظات الإلفة الواخزة مع موضوع حبّ:

(لم أكن أتحرى سوى رمشة  

كي تضيء المسافة بالغزل العذب  

من قبل أن نتورّع  

في قاطرات الزمان المسافر مثل الرياح  

على غير خارطة – ص 230) .

يرتبط التمزق الداخلي، بالتيه المتطاول، بالضياع المدوّخ، بالجغرافيا المضيّعة، بالخريطة المضلّلة في وقفة واحدة فريدة يصوغها الشاعر لتلخّص صورة المحنة السوداء الشاملة:

(وعلى جذوع النخل في بلدي  

تسلقت السنين إلى أعالي العمر  

عرّيت المدى الممتد في جغرافيا الإنسان  

نقّبت الخرائط باتساع النفس  

بلّلت القصائد  

في بحيرات المجازات البعيدة  

تائها في رحلة المعنى من المجهول إلى المجهول – ص 64) .

وكتحصيل حاصل ينجم عن هذه الدوامة الطوفانية المميتة أن يكون " الشك " الذي لا يتيح لأي قناعة أن تثبت وتسهم في تعزيز لحمة مدارك الفرد وإيمانه .. ليس على أساس الكوجيتو القائل: " أنا أشك، إذن أنا موجود " المحوّر عن الكوجيتو الديكارتي المعروف، حيث يتأرجح الإنسان – وهذه من علامات صحته النفسية – بين الشك والحقيقة، وصولا إلى مرافىء اليقين، ولكن على أساس كوجيتو جديد يجترحه جاسم هو هاوية على جحيم التأويل الدلالي لمعنى أن يشكك الإنسان الرافض والمأزوم بما حوله من معطيات ووقائع .. تشكيكا يوصله نحو القرار الراسخ .. يصبح الكوجيتو هنا: " أنا موجود، إذن أنا أشك " .. وهذه كارثة ما بعدها كارثة:

(آه أيها اليقين.. لقد تفسخ القلب من البصاق وأنا أبحث عنك في الأفكار والعقائد. أأكون أنا حجر الخطيئة الأول الذي أطلق نهر الدم في الأرض؟! وإذا لم أكن كذلك، فلماذا أشعر بـ (قابيل) يقبض على المتحجّر من أحاسيسي ليدمي به جبين الحياة ثانية؟! – المقدّمة، ص 16).

.. شك في الذات .. شك في الوجود .. شك في القيم .. شك في جدوى الجدوى من هذا العبء الثقيل الذي يسمى الحياة ... الشك يجعل حياتنا نوعا من متاهة دائرية تلتف على ذاتها إلى ما لا نهاية .. هنا تلتبس النهاية بالبداية فيقف الإنسان مصعوقا لا يستطيع تقديم أدنى إجابة على السؤال المفتاح: لماذا؟:

(في العمر    

في هذا الطريق الدائري على امتداد الوقت  

تلتبس البداية والنهاية    

لست أعرف ما الحكاية  

ما أنا إلا وعاء فارغ تتجول الأشباح فيه  

ولست أعرف من خلال المسرحية والشخوص  

متى سينسدل الستار عليّ  

كي أُنفى إلى المجهول  

خارج مسرح شيدته بيديّ  

ثمّ أعود أسكن في ظلالي  

أعمى وتخطئني عصاي  

فكيف ترشدني الليالي – ص 109 و110).

ومهمة الشاعر البحث عن " الحقيقة " بطريقة شعرية طبعا، وليس بطريقة علمية، فالطريقة العلمية تمس قشرة الحقيقة لتؤطرها في قوانين وقواعد يتفق عليها الجميع .. أما الطريقة الشعرية فهي تفتش عن جوهر الحقيقة وروحها من منطلق فردي، نسبي يبغي الغوص في أعماق اللامرئي . ولهذا ففي الوقت الذي يبذل العالم الجهود المضنية لكي يصل إلى الحقيقة فيريح ويستريح، من خلال تأسيس حقائق موضوعية جمعية راسخة لا تهزّها أي قناعة شخصية، نجد أن "الشك" هو " الحقيقة " الوحيدة التي تطارد الشاعر .. تحاصره وتخنق قناعاته وتهزها .. بل تهشّمها ليبدأ رحلة البحث عن " الحقيقة " من جديد .. فهذا البحث الذي يحفزه الشك هو مهماز عملية الخلق الشعري:

(موبوءة مثلي الأوراق بالنزقِ      

من صحّتي تتجلى صحة الورق  

عظم من الصدر في كفّي ألمّ به  

ما فاض فوق إناء الروح من حُرَق    

والشكّ – أنّى أولّي – يقتفي أثري  

بما أخلّفُ في نصّي من العلقِ - ص 159) .

وهذا الشك ليس محددا بجانب محدّد من جوانب الحياة والوجود كما يحصل في البحث العلمي، بل هو شك شامل .. شك كوني يطول كل الحقائق الكبرى التي تتحكم بحيواتنا . يبدأ هذا الشك من التساؤل عن الغاية من هذا الوجود .. تلك التساؤلات الخيّامية أو العلائية – نسبة إلى عمر الخيام وإبي العلاء المعري على التوالي – المؤرقة التي تجلد قناعاتنا وظهور أرواحنا . من أين وإلى أين؟ ثم الـ " لماذا " الرهيبة التي لا نجد لها جوابا فتطوّح بنا الحيرة المدويّة التي تربك وجودنا:

(إذا ما نمت نام معي سُعالي  

ولكن لا ينام معي سؤالي:  

لماذا جئتُ من نبع خفيّ؟  

لماذا سلتُ في عصب الليالي؟

وأيّ مشيئة خبزت مصيري  

بكفّ الغيب في فرن الأعالي؟  

وهل أنا من خلال الدهرِ أجري  

أم أن الدهر يجري من خلالي؟ - ص 131) .

ومن الوقائع التي قد تدمر وجود الشاعر هو حين يبني قناعات متفائلة حول نتائج بحثه الشعري عن الحقيقة .. فمن يعتقد أنه سيواجه حقائق ذات بياض ناصع مخطيء مخطيء .. وهذا الخطأ يمثل طريقا مستقيمة نحو الكارثة المعرفية .. الشاعر يحتاج قلبا حديديا أكثر من العالِم .. ففي الغالب تأتي الحقائق العلمية مطمئنة وتحل إشكالات عصيّة في حياتنا .. لكن الحقيقة الشعرية تأتي في صورة شبحية غير مؤكدة .. تفزعنا بصورتها المرعبة:

(أتت الحياة إلي  

خارجة من الآبار    

من حمّامها الأزلي في بيت البداية  

كنت أحدسُ:  

إنها حورية بيضاء  

ذات جدائل فرعاء  

فاصنع من ضلوعك مُشطها    

ووقفتُ خارج باب هذا الحدس  

أنتظر انفراج الباب عن شخص الحقيقةِ  

لم أُفق إلا على صلعاء  

جزّت بالأظافر شعرها الوحشي وانتصبت حيالي  

فوقعت في شرك المحالِ – ص 110 و111) .

لكن هناك مفارقة معرفية كبرى هي في حقيقتها مفارقة علاجية فريدة .. فالفعل الشعري البحثي الذي يمزّق الأغطية عن وجوه الحقائق الكالحة فيصيب ارواحنا بجراح الخيبة ونبال الإحباط هو نفسه – ومن خلال عملية البحث ذاتها – الذي يوفر الترياق اللازم لسموم الحقائق المميتة .. ومشكلة الشعر الكبرى ومصدر عظمته في الآن ذاته هو أنه يقوم بفعل متناقض وخارق هو معالجة الحقيقة بالمجاز – وسنقف عند هذه المفارقة العظيمة بجهد أوسع - .. هي مفارقة كبرى تطيح بالعلم لو استعان بها:

(سقط الزمان عليّ  

أثقل من سقوط الشاحنات  

وكلما عمّرتُ أكثر  

صرتُ أحتاج القصيدةَ  

كي أطبّب بعض أوجاع الحقيقة  

تحت تخدير المجاز  

لعلني يوما أطيق من الأسى ما لا أطيق    

فأنا برغم (الأربعين) من التشرّد  

ما اتفقت مع الطريق – ص 74) .  

ومن الهام جدا الإشارة إلى أن الشعر نفسه يقوم على التضاد ..على الحالة الصراعية المؤبدة التي تشتعل وبضراوة في روح الشاعر .. على تلك المواجهة الحامية بين الشك واليقين .. بين المرئي واللامرئي .. بين ما هو معتقدي جاهز وبارد صلد .. وبين ما هو تساؤلي متردد ملتهب وفضفاض .. وهذا الصراع هو في حركة دينامية دائبة تجعل الشاعر شديد الحساسية تجاه ما هو مستقر ومستريح .. يقلّبه على وجوهه .. يعتصره حتى ثمالة دلالاته كي يستخرج منه ما هو حي .. راعش .. وراجف بالتساؤلات الأزلية:

(مثلي هو الوقت لا ينفك معتقلا  

في قبضة الدوران الهائم القلقِ  

حرّرتُ خارطتي مني، ولا هدفٌ  

إلا لتكثر في هذا المدى طُرُقي  

مقدارُ ما آمنت روحي وما وثقت  

مقدارُ ما هي لم تؤمن ولم تثقِ  

البحرُ خاصم في نفسي شواطئه  

فلم أزل بين حدّ العتق والغرقِ  

هذا هو الشعر قلبٌ نصف معتنقٍ  

لما يحسُ، ونصفٌ غير معتنق – ص 163) .

جمالية التناص في"نجي ليلتي"

abdulwahid ijtatitمن خلال قراءتي للمجموعة القصصية "نجي ليلتي" لميمون حرش لاحظت أن القاص يتكئ على جملة من التقنيات الأسلوبية الفنية أهمها تقنية التناص، وهو ما سأتناوله في هذا البحث معتذراً من النص وصاحبه في هذه المحاولة المتواضعة.

لاشك أن التناص مفهوم جديد تبلور مع جوليا كريستيفا وإن كان النقاد العرب القدامى عالجوا هذا المفهوم تحت مصطلح "السرقة الأدبية".

ويُعتبر التناص عندها »أحد مميزات النص الأساسية، والتي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها أو معاصرة لها«{1} . فهو: »فسيفساء من نصوص أخرى أدمجت فيه بتقنيات مختلفة.. ومعنى هذا أن التناص هو تعالق (الدخول في علاقة) مع نص حدث بكيفيات مختلفة«{2}.

وقد يحصل دون أن يكون ذلك بقصد الكاتب ، بل يقع فيه من خلال مخزونه الأدبي والمعرفي في الذاكرة فهو »بمثابة الهواء والماء والزمان والمكان والإنسان فلا حياة له بدونهما ولا عيشة له خارجهما«{3}.

ولو أخذنا مجموعة " نجي ليلتي" للقاص ميمون حرش لوجذنا أن القصة عنده تعتمد على توظيف التناص - بشتى أنواعه وأنماطه- والمستنسخات النصية والمقتبسات المعرفية بشكل كبير فلا تكاد تمر بنص إلا وتلمس فيه عبقرية الكاتب في توظيف مجموعة من الإحالات المعرفية التناصية ، فهو يَستدعي الشخصيات التراثية ويَستحضر الرموز التاريخية الإجرامية كالسليك وبروكست وجلجامش وامرئ القيس.. ويوظف الروايات مثل رواية "موبي ديك" لهرمان ملفيل ورواية" الأشجار واغتيال مرزوق" لعبد الرحمن منيف ، وكذلك الأفلام مثل: "سو"، والأمثال العربية والأشعار، والتراث الشعبي ، (وغير ذلك مما سنتناوله لاحقاً).

فالخلفية الثقافية والتراثية التي تشربها الكاتب ترغمه على أن يتعامل معها ويأخذ منها لأنها استقرت في ذاكرته وكونت لديه مرجعية ثقافية معينة وأصبحت تشكل جزءا من بنيته الفكرية.

ولعل تقنية التناص الموظفة في هذه المجموعة هي التي تجعل المتلقي يعيش مع قصصها ويَندمج في نصوصها من خلال إعجابه بالطريقة التي وظف بها القاص حمولته الثقافية والمعرفية وأحيى بذلك الكثير من الأفكار التي كان يعتقد القارئ أنها ماتت وانقرضت في العصر الحاضر .

ولاشك أن الذي لا يعرف هذه الشخصيات لن يستمتع بالنص كثيراً لأن استدعاء القاص لها ليست دعوة صامتة تكرس دلالات قديمة بل يستدعيها محاوراً لها وخالقاً دلالات جديدة ، فمن خلال عملية التناص يختزل رؤى ومشاعر مكثفة باستحضاره لنصوص تتجسد فيها أحداث حية موشومة في الذاكرة أو شخصيات بصمت التاريخ الإنساني بمواقفها.

ومن هنا يلجأ القاص إلى صياغة هذه الشخصية التراثية بطريقة جديدة اعتمادا على دلالتها التراثية لتخدم النص القصصي وتثري دلالته الرمزية، فأنت ترى أنه استدعى شخصية السليك في قصة (بروكست .com.) مصرحاً بدلالة هذه الشخصية الإجرامية تقول القصة: (كَالسليك في عدوته، ينقض على ضحَاياهُ عَلى الهواءِ مباشرة، وفوق دراجته النارية يصلب..داخل بيته ينام..قرير العين..حقوق الإنسان في داخله، تدعمه وتصونه فلا وخز ضمير، ولا عتاب قلب في الخارج كلاب الدنيا تنبح من أجله، هو واحد منها، من أجلها يعيش، وبسببها ينتقم..وكلما فرغ ينصب..). فبمجرد سماع السليك نستحضر شخصية إجرامية، فقد كان من شعراء الصعاليك العدائيين ومن أدل الناس بالأرض وأشدهم عدوا لا يُلحق ولا تعلق به الخيل ويُضرب به المثل فيُقال: »أعدى من السليك«، وقد عمد الكاتب إلى الاستعانة بهذه الشخصية بما تحمل من معاني ودلالات لوصف ظاهرة مجتمعية تستفز المواطن الغيور وتتمثل في شيوع الجريمة بشتى أنواعها جهاراً نهارا في غياب تام للأمن والأمان .

لذا فإن استحضار هذه الشخصيات ليس مجانياً وإنما يعمد القاص إلى استدعائها عن سبق الإصرار والترصد فمن خلالها استطاع الكاتب أن يُكثف للقارئ ما يقرأه في صفحات.

وإذا ما تتبعنا التناص في هذه المجموعة سنجد أنماطه متعددة وهو ما يشي بتعدد المرجعيات الثقافية عند القاص المبدع ميمون حرش.

أما التناص الديني فهو حاضر بقوة، فكثيرا ما يستدعي القاص لفظة من السياق القرآني ويستنبتها في غير سياقها ، أو يمتص النص ويَعمد إلى تذويبه في نصه القصصي حتى أنه ليصعب اكتشافه في كثير من الحالات ما لم يكن القارئ مطلعاً على تلك النصوص والمعارف الموظفة.

ومن نماذج هذا النمط قوله في قصة (الوسادة الخالية) :(بلغا من الكبر عتياً ومع ذلك للشيخوخة نزوتها ورحم الله موقظها. تنظر إليه، وينظر إليها..ثم نزوة تبغي كشف عورة. قالت له : "سيدي الحاج، غازلني وخذني إليك كما في فيلم"الوسادة الخالية". قال: " المشكلة ليس في الوسادة فقط، فليست وحدها الخالية").

فقد اعتمد النص على آية قرآنية وهى قوله تعالى على لسان زكريا لما بُشر بغلام اسمُه يحيى :( قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا(مريم8-9)

ويوجد التناص أيضاً قي قصة (غراب الزهايمر) حيث يقول :(القوم يأتمرون..في ما يُأمرون .. ويصرخون حين يختلفون في ما يأتون .. على مقربة منهم غراب مُصاب بالزهايمر نسي نعيبه لسنين..كان يراقبهم وهم يتشاجرون .. وصبي غريب فاجأهم بالقول:"هل أدلكم على رأى سديد يجمعكم فتهتدون وتكفون؟" نهره كبيرهم صائحاً:"أها..استنت الجياد حتى القرعى"... ولما هب الجميع للنيل من الطفل هرب، وانساب انسياب الأيم، حينها فقط استعاد الغراب نعيبه وتبع الطفل..).

فهو يتناص مع قوله تعالى:

(فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (لمائدة31)

بيد أن الواقع في القصة عكس ذلك هذا تماماً فالغراب في المرة الأولى كان فاقداً نعيه ولما استعاده تبع الطفل، لأنه يئس من هؤلاء القوم فلم يُجرب حضه بأن يريهم كيف يهتدون ويجتمعون على كلمة سواء كما حاول الطفل الذي تهكموا به ورفضوا أن يُدلي معهم برأيه.

ففي هذا النص القصصي - كما في غيره- نشم تفنن الكاتب في نسج نصه اعتماداً على لغة قرآنية فصيحة تتمظهر فى أسلوبه وانتقال تعابيره فعند التأمل مثلاً فى قوله (نهره كبيرهم) نتذكرعبارة القرآن فى الحديث عن إخوة يوسف (قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ (يوسف80) .

كذلك عبارة (هل أدلكم على رأى سديد يجمعكم فتهتدون وتكفون؟) تذكرنا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (الصف10)

و قصة (غراب الزهايمر) هذه تذكرنا أيضاً بقصة محمد (ص) قبل البعثة وهو في ريعان شبابه لما دخل على صناديد قريش بعد انتهائهم من إصلاح الكعبة وقد اختلفوا أيهم ينال شرف وضع الحجر الأسود في مكانه وكادوا أن يقتتلوا لكنهم اتفقوا في نهاية المطاف على الاحتكام إلى أول شخص يطلع عليهم فكان هو محمد(ص) فحل المشكلة بأن جعله في ثوب وأمر كل زعيم قبيلة أن يمسك بطرف الثوب.

كما يوجد التناص أيضاً في قصة (أرقام) في قوله : (كرهت آخر الطابور وأنا محسوب على خير امة أخرجت للناس) إذ اعتمد على قوله تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (آل عمران)

وكذلك في قصة(الصغير فى عالم الكبار): (لا منتم لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء) فقد اعتمد على قوله تعالى في وصف المنافقين :(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (النساء143)

أما في قصة(بوركستcom.) فيتشكل التناص من خلال كلمتين قرآنيتين مع تباين الدلالة ما بين النصين: (وكلما فرغ ينصب) وقد اعتمد على قوله تعالى :( فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (الشرح7).

وفى قصة (الدرس الأول يقول:(فتعبت رؤوسهم فنكسوها) وقد اعتمد على قوله تعالى :( وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (السجدة12).

وفى قصة(أكباد مقروحة) يوجد التناص فى قوله:(سمع عن سوق بعيدة، يأتيها الناس من كل فج عميق) فهو يتناص مع قوله تعالى آمراً إبراهيم عليه السلام:(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ (الحج28).

هذا وتلجأ بعض النصوص الأخرى إلى آلية التناص من خلال توظيفه للمفردات التي يتوافر عليها النص القرآني مثل كلمة (إملاق)التي يتوافر عليها النص القرآني في قوله تعالى :( وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (الاسراء31).

أما عن اقتباس المأثورات الدينية فنلاحظ ذلك مثلاً في قصة(الرحيل) حيث يعتمد على القول المأثور(خير الأمور أوسطها) لكنه يقلب المعنى رأساً على عقب حيث استبدل كلمة خير بكلمة أسوأ حيث يقول) في الحب دائماً أسوأ الأمور أوسطها).

إلى جانب التناص الديني هناك تناصات أخرى حفلت بها المجموعة وفى مقدمتها: التناص الأدبي .

فمن بين ما يُثير انتباه القارئ عند تصفح هذه المجموعة استقاء الكاتب لبعض النصوص الشعرية لقصصه دون ذكر اسم القائل لكن يُفهم المتلقي انتسابه إلى جنس الشعر.

ففي قصة (السجين الشاعر) استدعى القاص بيتاً شعرياً لابن الفارض الملقب بسلطان العاشقين ليجريه على لسان بطل القصة مخاطباً محبوبته بأن بادرها بالقول:

أبَرق بدا من من جانب الغور لا مع

أم ارتفعت عن وجه ليلى البراقع

 

وأيضاً في قصة( التحدي) يقتبس بيتاً شعرياً لأبى العلاء المعرى وهو قوله:

وإني لأرى العنقاء تكبر أن تصادا فعاندا من تطيقان له عنادا

ويظهر المقتبس الشعرى كذلك فى مستهل قصة (داخل قلبى..)

يقول :

("من ذا يعيرنى قلبه أعيش به

من ذا الذى يعيرنى قلباً نبض دمه فرات

وعن الشر والهم فى سبات..")

وفى قصة ( لو يعود..!): (يد طرقت على حافة ظهره، انتفض"كعصفور بلله القطر"، حدق فى الطارق، كانت هي خائنة ملح قلبه وطعامه.. طأطأ رأسه، ومضى مسرعاً.. تسمرت في مكانها، ظلت ترمقه، وفي النفس أمنية:لو يعود لأخبره بما فعل بي "ال..." كان يتوارى..لم يلتفت كما يحدث في الأفلام..وظلت تتبع أثره بقية الأيام..)

فقد وظف في مطلع القصة البيت الشعري المشهور:

وإني لتعروني لذكراك هزة   كما انتفض العصفور بلله القطر

وفى قصة( نجي ليلتي) يعتمد القاص على شعر ا امرئ القيس فيقول:

(ليلى طويل..يالله، كيف ينجلي..على شجي..!! رواية "الأشجار واغتيال مرزوق" كانت عزائي الوحيد.. قرأتها اقتحمتها.. هدأت من روعي حين منحتني بعض الأسرار.. في الصباح نبتت في قلبي كل الأشجار التي رهنها البطل من أجل القمار..).

وهو يعتمد على ما قاله الشاعر في معلقته :

وليل كموج البحر أرخى سدوله على بأنواع الهموم ليبتلي

ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي   بصبح وما الإصباح عنك بأمثل

كما وظف بيته أيضاً في قصة (فوق وتحت) حيث قال:

(من عل، كصخرة امرئ القيس، حطت على قدميه حصاة ملفوف فيها ورقة... تخطاها دون أن يكترث، وبدل أن ينظر فوق، أو يقرأ الورقة تفل علي يمينه وهو يتمتم :"سنظل مثل حفار القبور، همنا تحت وليس فوق.").

فهو يتناص مع قول امرئ القيس :

مِكر مِفر مُقبل مُدبر معاً كجلمود صخر حَطه السيلُ من علِ

ومن صور التناص مع التراث الأدبي : الإفادة من المثل كما يتجلى ذلك في قصة (غراب الزهايمر) السابقة حيث يقول: (استُنت الجياد حتى القرعى) حيث اقتبس المثل العربي الذي يُضرب لمن يفعل ما ليس له بأهل مع التحوير (استنت الفصال حتى القرعى).

وكذلك في قصة (عريس عربي) وظف المثل القائل: (تفرقوا أيادى سبا).

ومن أنواع التناص الموظف في المجموعة أيضاً :

التناص الشعبي: كما يبدوا ذلك واضحاً في نص(الحمل الثقيل) والذي شغله بمقتبس من المرويات الشعبية الخاصة بالأطفال يقول:

(الطفل فوق الظهر، لا يكف عن البكاء..أمه تنوء به، تناغيه، تحمله، وتسير به على أربع:"نيني يامومو حتى إطيب عشانا إلى ما طاب عشانا إطيب عشا جيرانا" الأب يرمق الابن وأمه، يحملها معاً..يخرج، ينتشر في الأرض باحثاًعمن يحمله..في الخارج، العالم كله كان محمولاً..).

 

خاتمة:

وهكذا فإن اعتماد هذه المجموعة القصصية على التناص بمختلف أنواعه وأشكاله وسع آفاق النص ودلالته. وكثف القاص من خلاله البعد الدلالي للغة ما جعل النص ثريا وممتعاً في الآن نفس.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــ

{1} سعيد علوش :معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة(عرض وتقديم وترجمة)، دار الكتاب اللبناني بيروت، ط: 1، 1985م، ص :215.

{2} محمد مفتاح:تحليل الخطاب الشعري(استراتيجية التناص)، نشر المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء، ط:3، 1992، ص:121.

{3} المصدر السابق : ص : 125.

 

مجموعة (بروفايل للريح .. رسم جانبي للمطر) .. الرحيل في دائرة الإئتلاف والإختلاف

haidar abdullradaمن الأهمية أن ندرك إن بناء كل معرفة لابد لها من أن تمر اتجاه سلسلة من الأحداث الضمنية والتضمينية حيث يتسنى لنا بالنتيجة القصوى الأندراج تجسيديا وتركيبيا لأفعال معطيات مساندة لضرورة أفتراضاتنا لتلك الواقعة المعرفية الأخاذة فينا .. حيث تتوالد من بعد تلك الواقعة المعرفية ثمة مفردات من الإيحاء والحالة النفسية والصورة المؤشرية والخلفية المعيارية الأولية المنفردة في لغة الأشياء .. وعند النظر الممعن في أي إمكانية تسخيرية بلا إسناد أو تضمين أو مصدرية ما، لعلنا لا نجد فيها ذلك الأيقاع المؤثر من زمن الأهمية والإمكان في موقع القيمة ويافطة التمييز .. منذ أيام قليلة جاءتني نسختي المهداة من الشاعر جواد الحطاب، والتي هي مشروع سردي شعري ذات رؤية تناصية وتفاوضية متماسكة وحدود محمولات التجارب الشعرية الجديدة المتقنة .

وعند معطى قراءتي لنصوص تلك المجموعة التشكيلية الشعرية، لاحظت بأنها عبارة عن مقولات تصويرية محاكية لفعل مقولات وتضمينات (نصب الحرية) للفنان القدير جواد سليم رحمه الله . في الحقيقة عندما قرأت تلك النصوص التي هي أقرب في أسلوب معالجتها وبنائها الى بنية مقايسة وتسخير حالات الأشياء ولكن في حدود أمكانات تصنيفية تمرر بموقف وحدات الواقعة الأصلية ضمنا، أي إن الشاعر الحطاب في مندرجات تصاويره التوظيفية في النصوص، لم يبتعد وحدود أنتقائية نمذجة سبل التعديل والإضافة في المنسرحة في أفق إعادة الانتاج والمنتج الإحتوائي في ظواهرية ووقائعية النص المنحوت .

 

(.. تبرعت الأمهات بصراخهن الى الحصان

فلا سلاسل تقيد الصهيل ..

.. من همسة الأف سنة

يتوشح بالحياة

شعفاته : يا ما كان ..

وحوافره : الريح !)

 

هكذا وجدنا محصلة علائقية مكونات عضوية ملامح التجربة في خطاب نصوص (بروفايل الريح) الأصح منا إعتبارها نصوصا سردية شعرية وليس قصائد شعرية، وذلك لأنها تتوخى رمزا متعاليا يفوق مهام أسلوبية بناء خطاب القصيدة القولبية السائدة . نعم إنها نصوص سردية ولا يصح لنا تسميتها قصائد شعرية في أي شكل من أشكال التجنيس والمضامين المؤولة الأجناسية .. على أية حال فأنا في دراسة مقالي هذا سوف اتعامل وإياها على أساس من أنها تماثلات إنتقائية في ضوء مجرى جدلية التنصيص، وهذا التصنيف مني ما هو إلا إفتراضا حماسيا قد يتطلبه تحريك الأشياء وفرزها في مجريات مبحثية الدراسة .

 

(العلامة النصية واطلاقية الانطباع)

 

في الزمن التقريبي ل(كعك السيد)

أصيب بالفوتوغراف

الوصي : على ظهر الدبابات البريطانية

الوصي : على ظهر الدبابات الوطنية

السراق : على ظهر الدبابات الأمريكية

(. . بأخاديد الدبابات

تضع القنصليات بيوضها)

 

الشاعر الحطاب في عملية استيعابه لمفروضية الأشياء من حوله صار يتلمسها بمجسات تاريخية تحصيلية محاولا من خلالها أضفاء شحنة الترميز الإضافي لطبيعة الموقف ولمحاولة الإضفاء على النص حدود لجوء الذات الواصفة في تفسيرها لظواهر موقعة محددات تعارض المقولة الجوهرية الداخلية لدى الشاعر كفعل إنفعالي تأكيدي لقيمة الأفصاح النصي، وتبعا لهذا وجدنا النص يتعدى في خطابه جزئية مشهد الواقعة التجسيدية في نصب جواد سليم الى أفق إستجابة تعارضية مستحدثة تتناول حقيقة قضايا سياسية تمتلك خصائص وإكتسابات رمزية مخصوصة في تحولاتها المقولية والدلالية الفارقة . وقد يتضح الأمر جليا من خلال سياقية مشهد (في الزمن التقريبي لكعك السيد أصيب بالفوتوغراف) مقابل دال جملة (الوصي : على ظهر الدبابات) . إن الحطاب في استجاباته الخطابية التناصية لحالات النصب وما يحمله من تضمينات، راح يكشف لنا جزءاً من خالقية نصه وهو يلوح عن مشهد تقاويم تاريخية تتصل بمجالات الإيقاع بالوصايا الصادرة في الحاضر الراهني : (الزمن + التقريبي + الفوتوغراف = دبابات = كشف جديد = صيغة مركبة = تناص) يبدو إن متابعة الحطاب لتجربة أصوات نصب الحرية، لم تكن هي التجربة المستوحاة ذاتها في متن تجربة نصوصه بشكل محدد، بل إنها تحقيقات تتجاوز ما تحمله الرسوم المنحوتة من دلالات مؤقتة وواسعة، وصولا الى إننا أصبحنا نشعر بأن هناك في مكامن النصوص ثمة مقولات إضافية ومستحدثة شكلا ومحتوى .

.. معودين

لا تجمعوا أسمين في أجسادكم

يكره العراقيون تزاوج الأسماء

حتى ..

حين صار لديهم (فيصل ثاني)

قتلوه

مبارك صهيلكن أيتها الأمهات

.. زعاف الأفعى

لا يرهب التنين .

 

إن العلائق القائمة في مرجعياتها الخطابية أي ما بين خطاب المنحوت النصبي وبين صوت نص الخطاب، هو ذلك القصد التصوري الممتد ما بين دال (معودين) وبين دال (أسمين في أجسادكم) ودال (الأفعى) إذ أن العلائقية التشكيلية الواقعة ما بين الطرفين، تستلزم دائرة خصوصية الأرتباط ما بين محور(خروج ) وبين محور(ارتباط) أي خروج دال (معودين) عن مرجعية الذات التشكيلية في نصب دلالة (أيتها الأمهات) ودلالة (فيصل الثاني) ثم وصولا الى محور دليل (قتلوه) وتتكاثر بعد ذلك مساحة بياضية دوائر ممكنات الفصل الفراغي ما بين المداليل الفعلية وبين الصفات الاندماجية المؤولة في صوت النص :

(… / مبارك صهيلكن) أي إن وعي فضاء البياض والفراغ

في هذه المواطن المساحية قد غدا إزاء طبيعة الوقائع التصويرية في جمل الدوال، كما لو إنها محض امكانية تجاذبية لأطراف خالصة في الأستغراق والاستبصار التوفيقي في الخطاب، وبقدرة الذات الواصفة على خلق الترابط الأكثر تشكيلا في فضاء انشطار خصوصية الدائرة الاتصالية الواقعة ما بين أفق (العلامة) وبين محطة معطيات إضافة النص نفسه في اشتغالية ايجادية مزامنة لحركة ديمومة نموذج (نص / رسم) .

 

كان لبغداد .. أربعة أبواب

*باب الشام

* باب الكوفة

* باب البصرة

وكان للمنذر .. يومان .

 

التعويض بالحسية المرجعية الوثائقية هنا في طبيعة تركيب هذه المقاطع قد يتماهى مع التعويض بالحلم استشعارا، فالتنصيص ب (حلم) يشعر صاحبه أنه قادر على ايقاظ الجميل والقبول من الفترات التي لم يكن فيها ذلك الشيء في موقع الانعكاس في تعاطي القبول، فالحطاب في صورة تعويضاته المعالجية لملهمه (نصب الحرية) إنما راح يوظف هياكل مفرداته وخطابه وصوره، في حدود صياغة نفسية ظاهرة التعويض النفسي والبوحي، وصولا الى موضعية نشاطية أصيلة قائمة بذاتها تختلف اختلافا تاما عن رؤية مفردات الأصل أي نصب الحرية في بعض وظائفه الاستدلالية المضمونية والعرضية والمتنية، ولكن الحطاب أخذ يستثمر حلم ذلك النصب بموجب روحانية خاصة لربما تلتقي مع حيثيات النصب فقط من جهة شكلها العرضي، ولكن من جهة لربما تختلف مع مفردات النص بصورة تقريضية وحلمية : ولكن هل من حقنا لاحقا القول من إن أفعال دلالات نصب الحرية في تعارض تام مع استعارات نصوص تجربة الحطاب ؟ ولكن كيف ؟ والابعاد تمارس فعلها التداولي ذاته في جدل الأصول ؟ إن هذه الأسئلة قد لا يحق لنا إرضاؤها بالنفي أو القبول ولاسيما إن تجربة الحطاب لا تقاس بهذا الشكل الاستبدالي المفارق، وذلك لأن نصوص (بروفايل للريح) قد جاءت أفعالا تأويلية خاصة ومدعومة بوجهة نظر مضافة ومغايرة لسلالة معنى تواريخ وتقاويم مداليل نصب الحرية، بل إنها تنصيصات محايثة وليس نصوصا مكملة لأصل خطاب نصب الحرية، خصوصا وإن الراوي لدى تجربة الحطاب،راح يتدخل بإستفهاماته وبياضاته وفراغاته ومواطن تنقيطاته، لأظهار استنكاره وعجبه ومستحدثاته ولتحديد موقعه القولي والصوري لا كناقل أو محاكي، بل كتعويضي وتسائلي وتخصيبي وتقريظي .

 

وتعددت الأيام ..

الجمعة الدامي ..

الأحد .. الثلاثاء .. السبت .. الأربعاء

.. امتلأ الأسبوع دما

فمن أين نستأجر أياما بيض ..

وهمرات / فتاوى / الأحزاب

سجلتنا : (زائدة) حياتية ! !

. . . .

. . . .

القوة الخطابية والدلالية في هذه وجهة النظر المقطعية، تفهم بأن الزمن صار في البلاد فصل دموي مجحف يتنقل ما بين ايقاع الأيام والساعات وهو(امتلأ الأسبوع دما) فالحطاب هنا يحاول اللجوء الى أبجدية السؤال والمساءلة وصولا الى(فمن أين نستأجر أياما بيض) وهو ما يجعل المقاطع تكتسب صبغة تأويلية كهدف تبريري لزمن مقولة (همرات / فتاوى / الأحزاب) إن الحطاب يلج في منطقة (طريق التضاد) وهذه ــ دون شك ــ وجهة نظره الخاصة، لعلها تعطي لبعض خلفيات نصب الحرية قراءة أخرى بأسباب جديدة وإضافية .

 

يسير الأنبياء على الماء

ونسير على اللهب ..

فهل أختارنا الله

لتبليغ رسالته الجديدة ؟ ؟

 

فالذات المبدعة لدى الحطاب استدمجة انماط تفسيرية حاذقة ومفترضة لما تراكم في جوهر الأشياء وتحريرها في خطابات توصيلية تكون أكثر تأثيرا في الحس والعقل من مرجعية الاستبيانات الاختبارية في تجربة جواد سليم .

(النص كتصورات تشكيلية متناصة)

 

من الحقيقي والجائز أن نفهم التجربة النصية وهي تحدث عادة في نطاق تنقلات المعرفة الذاتية لدينا، كمعطيات محتملة تتوخى الثقة بالوعي النفسي والعقلي والمخيالي لدى الشاعر كتصور استلزامي قطعي في جل كيفياته الخطابية والانطباعية والاستفهامية والفراغية . فضلا على إن ما يحدث في لحظة التغلب على تكريس لحظة منفلتة عن أفق التصور، هي بمثابة التقديم المسببي لمعرفة ما لا يمكن طرحه كتقاطع لحقيقة الامتثال التصوري المقترح، فقد ينبثق(التعديل التصوري) كرد فعل جمالي وكميزة مشروطة لتحقيق سمات الانموذج الابلاغي . فالحطاب في مشروع نصوصه (بروفايل للريح) حاول تقديم خاصية توصيلية تنبثق وتبرز لتدين البنية المجتمعية السياسية الراهنة، ولكن ضمن خط إضاءات مقترحة من شأنها تمييز مجال جمالية تجربته الشعرية ومثاقفتها لمسببات دلالات خطاب نصب الحرية، وقد تبدو من جهة ما مسوغات تجربته، بمثابة انطباعات شفيفة عن أسيجة ظواهر معاشة في عمق الذات الناشطة لدى الشاعر تصوريا .

 

كأني رأيت المشاهد ــ من قبل ــ في السينما

: جنود من تنك

وجنرالات تصفر فيها الريح ! !

. . . .

. . . .

لن تمشي السيارات

بعكس السير هنا .

 

العالم والأشياء إذن هو من بات يؤسس ويدخل في تجربة(مشاهد الكلام) عند جواد الحطاب، فهو غدا يؤسس حياة معنى آخر لوجوده، فيبرز هذا المعنى خير دليل على مشروطية دلالات نصب الحرية وعلى الذاكرة التصورية، كذاكرة تبعث القول من جدة وجديد، بوصفها عنوانا مهيمنا للعودة الأبدية . وبما أن اللغة تتأول عند الحطاب بالرسم المنحوت، فهذا دليل آخر على إنبعاث كيفية الإقامة في منطقة التصور الترميزي، لا بالمعنى الإسترجاعي (التذكاري) وأنما بالمعنى (المشار إليه) في ذاكرة الذات المزامنة لحركة التأثير والذائقة الشعرية، من هذه الجهة لدى الشاعر تحتفظ بمنطقة الاستكناهية التفارقية الكامنة ما بين (المصدر / الدخول) إن الحطاب في مشروع نصوصه (بروفايل للريح)

توجد ثمة قابلية هائلة للعبور بمعناه الديناميكي، حيث يمكن عبور الخيال من تحقيق وجود صورة المنحوت في اللغة، الى الانتقال الى حالة الصورة الحسية في الوجود المعنوي الذي راح يكثف خرق العادة الوصولية في القول الشعري الى منطقة استكناه حيوية مواطن شرطية الكينونة في دلالات ترميزية نصب الحرية .

 

(جواد الحطاب وشعرية العلامة المزدوجة)

 

في هذا المبحث تحديدا من مشروع دراسة مقالنا حول عوالم نصوص مجموعة (بروفايل للريح) قد نحظى بفرصة ما لتقديم موقع الشاعر جواد الحطاب في نسق تمفصلات شجرة القصيدة العراقية عامة، لاسيما وأنني شخصيا لم تسبق لي فرصة تناول أي عمل من أعمال هذا الشاعر العراقي في كلا العهدين .. أقول بإيجاز شديد أن عوالم جواد الحطاب الشعرية

ذات بنيات تساؤلية متعددة تعتمد جدلية (العلامة المزدوجة) في كافة أبعادها الشعرية، والقارىء لها لربما يشعر بضيق كبير، نظرا لوجود محمولات علامية معقدة في جدل مشخصاتها الخطابية والتنصيصية .. فمشكلة قصيدة هذا الشاعر إنها دائما تكون حمالة لأوجه متعددة من العلامة والترميز وصولا الى مسببات نفسانية غير معروفة بالضرورة، فعلى سبيل المثال، تبدو القصيدة في مشغل هذا الشاعر التخصيبي، عبارة عن خطاطات تستعين في انطلاقاتها بوسائط من ترسيمات فراغات نقطة (اللا تحديد) أو بوسائط تلقائية (اسقاطات النص) وهذا ما وجدناه من خلال أعماله الشعرية كمثال قصائد (سلاما أيها الفقراء) وقصائد

(يوم لإيواء الوقت) وقصائد متفرقة قام بنشرها الشاعر في الصحف والمجلات .

ومن هذا المنطلق فأننا عندما نقرأ قصيدة جواد الحطاب، قد نشعر بأن خلف لغتها ودلالتها ثمة توجهات أخرى مسكوت عنها، دون التي نلمسها منذ زمن القراءة الأولى، فقصائده عبارة عن إيغالات فضائية محنطة بالعلامات والواقعة الترميزية، التي لا يمكن الأحساس بها في الوهلة الأولى، لأنها دوما في ذاتها تشكل حيوات لغوية مصبوبة في أفق مواطن الإيحاء (اللا مقصدي) . أنا شخصيا من متابعي هذا الشاعر العراقي ومنذ زمن العهد السابق، فقصيدة جواد الحطاب بمعزل كبير عن ما قرأته وكتبته عن بعض الشعراء العراقيين والعرب، فتجربة الحطاب شكلا آخر من ضمير السارد وموضوع التساؤل، لذلك فهو دائما مقل في انتاجه الشعري كثيرا في تطلعاته، بالمناسبة إن الكتابة عن قصيدة الشاعر جواد الحطاب ليس صعوبة في ذاتها أبدا، ولكن ما هو صعب في الكتابة عنه،

هو كيفية تشخيص إجرائية مساحة معالجاته لفرضيات الوصول الى فكرة مقولة الأشياء لديه، والبحث عن فرضية قول الأشياء في مواطن معالجات النصوص ذاتها، ربما هذا الأمر هو بحد ذاته يشكل إشكالية عويصة فعلا .. فمهما كان وعي الناقد كبيرا في أدواته ورؤيته بصيرة للنص، فلا يمكنه من الأحاطة التامة في ما يعنيه (سؤال فرضية النص)

والحطاب ذريعا في إخفاء فرضيات نصوصه وعلاماته الاختزالية في أفق المعالجة والملموسية الإجرائية . قد تبدو القصيدة من جهة ما لدى الشاعر سهلة البناء الشكلي للقارىء الشعري، غير إنها في الوقت نفسه عسيرة في سلطة الخطاب وصوت الضمير الفاعل المركزي في النص ودلالاته .

 

(تعليق القراءة)

 

بعد الأنتهاء من زمن القراءة لنصوص (بروفايل للريح) لابد لنا من إيراد التعليق التأكيدي والاستنتاجي الأخير

لزمن تمفصلات قراءتنا لنصوص الشاعر وتسليط المزيد من الضوء على مديات هذه التجربة . .

أقول إن تجربة (بروفايل للريح) لجواد الحطاب، لعلها بعيدة كل البعد عن زمنية ومدلول حالات مجسمات نصب الحرية، ولكنها في الوقت نفسه تقترب منه شكلا تعويضيا بمعنى كونها ذاتية متعلقة بحدود خطاب توسطي يزامن طموحات المزاوجة والإقتراب في السرد والحكاية أصلا وهوما يعني بدوره من إن تجربة نصوص جواد الحطاب، ما هي إلا بنيات ربطية تسعى لتوفير حدود جديدة من الزمنية المخطوطية الذاتية الصادرة من منسوبية نصب جواد سليم .. ولكن شكل وظيفية التلقي لنصوص الحطاب قد تشعرنا بعمق صلاحيتها بوصفها إمتدادا تجريبيا وليس مجرد مصورات ومجسمات حجرية متوقفة بموجب زمن عيني محدد .. في الحقيقة أنا شخصيا لا أحبذ نمطية هكذا تجارب، لأن القصيدة بطبيعتها خطاب متحرك وحال فنون الرسم والنحت بكل ابعادها التشكيلية ما هي إلا معارف ذاتية ذات أزمنة وأمكنة ودلالات متوقفة شكلا ومدلولا، فأنا أعارض كل المعارضة من يقر جدلا بأن ما بين الشعر والرسم والنحت ثمة مناظرة وعضوية ومحاورة ونقطة التقاء في الهدف والمعيار والجمال، فمثل هكذا تنظيرات ليس لها أدنى مكان في ميزان المعقولية والذوق، نظرا لأن القيم التشكيلية الشعرية والسردية تفارق خرائطية تلك المتخيلات الرسومية، ليس لأنها على ورق أو على جدار أو إنها من الألوان، لا فليس الأمر مقصورا على هذه الحدود السطحية، ولكن لأن الأبعاد في كلا العالمين متخالفة ومتناقضة وناشزة، فكيف يصح وصف وتحريك زمن ألوان ومجسمات تشير في محتواها الكلي والمضموني والبؤروي الى دوال أزمنة ثابتة وساعات راسخة في حجرية تقاويم تواريخ النسيان .. ليس هكذا أمر جغرافيا القصيدة الشعرية، فالشعر انفتاح متحرك في أعماق سكونية لغة الكينونة والعوالم السرية النابضة في مكامن طموحات اللغة، وليس في أن يحاول شاعر ما تحريك مجسمات تواريخ حجرية محاولا إضفاءها لغة وذوق وجمال، فلهذه الانصاب يا سيدي الحطاب أربابها ولغتها وجمالها وجموحها الذي لا يصيب إلا في مواطنه الأصلية الدالة .

 

لن أدفن تماثيلي الصغيرة في بابك

لأسترضاء موتاك ..

. . رأيتهم

يموهون بالذهب قبضات أسئلتهم

ويقدمون تلك الأجوبة

في بريد مساء السبت .

 

إن فعل الكتابة لدى الحطاب لأجواء ودلالات نصب الحرية كان من اللازم أن يأخذ بالاعتبار أولا عاملية قواعد وأصول وأنساق ذلك الفن لدى جواد سليم، حتى وإن استحالت وسائلية معرفة كيفية القراءة والكتابة بشكل أطروحة المحاكاة لتلك التأويلات النصبية، فعلى سبيل المثال، كان من الخليق على الشاعر الحطاب استخدام نفحات لغة ملحمية في رصد معايناته لسلطة اطلاقية تقاسيم النصب المفترضة .. وعلى هذا الشكل وحده كان من الممكن توفير اشارات وملامح وبنيات تكون قريبة من كائنية القصدية المدلولية في حاضنة النص .

 

لماذا

لماذا

؟ ؟ ؟ ؟

من يملك الاجابات

سيخسر حكمة الاسئلة

.. فكر

كم حكمة خسرتها

حيث لم تصبح علامة استفهام ؟ ! !

 

أنا شخصيا واثق الى حد بعيد من إن الحطاب كان لا يريد خلق ذلك الارتباط الحميمي مع موضوعة النصب، وذلك لأنه عندما يتحدث عن الأشياء في نصوصه يقودنا نحو منطقة تأثير حكمي ذائقي مخيالي فردي أصله طرف الشاعر ورؤياه الخاصة التي مفادها بالمحصلة الأخيرة مشهد تداعيات المؤلف إزاء اللحظة التصويرية الخاصة به تحديدا : ولكن الى أي حد يمكن للقارىء أن يعتقد بوجود هذه الصورة الأيقونية والعنوانية للمؤلف (تنويعات على نصب الحرية / رسم جانبي للمطر) أقول قد يكون الشاعر الحطاب ميالا لتجربة النصب نوعا ما، ولكنه لم ينقل ويسجل سوى يافطة رؤياه الذاتية الخاصة، وليس لمداليل جواد سليم أية واسطة لصنع نصوص (بروفايل للريح) فقد يكون الشاعر مهووسا بأسم النصب وأحلام جواد سليم الفنتازية، دون أن يكون لذلك أية علاقة مع قصديته الفعلية في انشاء فضاء تجربة نصوصه .. وأعتقد من جهتي الشخصية بأن أفكار ورؤية(رسم جانبي للمطر) ماهي إلا ارساليات حالات خاصة للشاعر فحسب لأنها جاءتنا بتأويلات مغايرة لسيناريو جواد سليم .. فالضمير الفاعل فيها هو المتكلم ــ الى الغياب، كما أنه في الوقت نفسه وثيق الصلة بجزئية النموذج والأختلاف في مداليل نصب الحرية .

 

لا أجراس في عنقه ..

هو.. الثور السماوي

يرى ما لاتراه المدينة :

تحت الضروع

يهرب الرعاة

أصابع ديناميت !!

دفعا لأشتباه العشب

صنع القدماء للثيران أجنحة ؟ !

 

إن القارىء لأجواء مجموعة (بروفايل للريح) قد يلاحظ بشكل ملحوظ مدى تأسيس الشاعر لحدود معنى الغيبة في دليل الخطاب بين معالجة وأخرى وبين صورة وأخرى، وصولا الى ظاهرة متعددة الأشكال والايقاع في اطار متوحد وموحد ..

وفي الأخير لا يسعني سوى القول بأن تجربة عوالم (رسم جانبي للمطر) أمكانية خاصة في انبثاق شعلة رمزية الاتصال الموضوعية في حافزية أمتداد الدوافع التصويرية الرفيعة، فالخطاب في مشروعه الجديد هذا، راح يعيد مشغل الشاعر الاختباري الملائم لأرتجالات الذهن التخييلي في لحظة ممتدة بين الذات والعالم الخارجي المفترض في شرنقة الشاعر وحده .. فسلاما .. سلاما لك منا شاعرنا الجميل جواد الحطاب .

 

الشاعرة السعودية "أشجان هندي": الشاعر رائياً: في فلسفة السرّ وسيكولوجيته

husan sarmak(- لماذا أنت شاعر؟

-لأنني لا أعرف أن أتكلم إلّا مع مجهول ٍ، لا يتكلم)

أدونيس من كتاب (المحيط الأسود)

 

( قلتُ:

أجمع أغصانك يا سرُّ

أتسلّقها

كي أطلَّ على مارد البوح ِ

أُبقيه ِ تحت جناحيّ

في غابة الريح ِ

بين الخضوع

وبين الرجاء

..................

قلت ُ

قلت ُ

فعدت َ بهيّا

قلت ُ

قلت ُ

وقلت ُ

وما إن هززتك َ

حتى تساقطت َ طفلا جنيّا

وضرّجت َ نافذتي بالغناء )

 

                     (أشجان هندي)

                   من قصيدة (خيوط)

 

تمهيد: قد يبدو هذا العنوان غريبا بعض الشيء على قسم كبير من القرّاء إذ يجعل مدخله إلى تحليل نص شعري محاولة لفهم بعض الجوانب الفلسفية من موضوعة السرّ. فقد اعتدنا على أن نقترب من النص الشعري من مقتربات لغوية وجمالية واجتماعية ونفسية وغيرها وفق معطيات المناهج النقدية. لكن من المهم الإشارة إلى حقيقة أن المبدعين كانوا سباقين في طرح الكثير من الأفكار الفلسفية والفرضيات النفسية خصوصا في إرهاصاتها الأولية قبل أن توضع في صورة مقولات ونظريات ناضجة ومدعمة منطقيا وعلميا. وقد قال معلم فيينا ما يوضح ذلك وبصورة مبكرة في كتابه (الهذيان والأحلام في الفن):

(إن الشعراء والروائيين حلفاء موثوقون وينبغي أن تثمن شهاداتهم عاليا، لأنهم يعرفون أشياء كثيرة ما بين السماء والأرض ليس بمقدور حكمتنا المدرسية بعد أن تحلم بها. إنهم أساتذتنا في معرفة النفس، نحن الناس العاديين، لأنهم ينهلون من ينابيع لم نجعلها في متناول العلم بعد (....) فالشاعر يركز انتباهه على لاوعي نفسه هو ويصيخ السمع إلى كل كموناته، ثم يمنحها التعبير الفني بدلا من أن يكبتها بالنقد الواعي . إنه يتعرف بواسطة داخله هو نفسه إلى ما نتعرف إليه نحن بواسطة الآخرين: ما القوانين التي تنظم حياة اللاوعي . بيد أنه لم يك بحاجة البتة للتعبير عنها ولا حتى إدراكها بوضوح، فقد اندمجت هذه القوانين في إبداعاته، وبفضل من تقبّل عقله ) (1).                                  

 

تطبيقات:

يأتي المقطع الإستهلالي متفائلا بخلاف أغلب قصائد المجموعة (للحلم رائحة المطر) (2) الثماني عشرة التي استولت عليها روح منقبضة ومقبضة وعلتها مسحة اكتائبية محبطة صارخة:

(عندما تنحني قامتي للمساء

المصابيح فضّية الوجه

تقطر شهدا نديّا

والستائر تجمع أزهارها

زهرة

زهرة

تهيؤها باقةً للقاء – ص 302)

إنها حالة استعداد لاستقبال "حدث" أو "شيء" مسرّ في حيّز شخصي حوّلته الشاعرة إلى خميلة صغيرة "أنسنت" فيها مكونات المكان المحدد فجعلت للمصابيح وجوها فضّية تقطر شهدا، والستائر كائنا مؤنثا يعد باقات الزهور (والزهور وخصوصا البنفسج من الرموز الأثيرة على نفس الشاعرة كما سنرى) للقاء المنتظر. ولو عدنا إلى البيت الافتتاحي وربطنا مدلوله العميق بمضمون حركتي المصابيح والستائر فسنجد ما يوحي بدرجة ولو محدودة من " التضاد – ambivalence " بين المناخ التفاؤلي العام والمسحة الاكتئابية التي يشي بها انحناء قامة الشاعرة للمساء وكأن حضوره المؤنسن يربك المتلقي في التحديد الدقيق لهوية الزائر الموعود. وفي عمق هذه "الأنسنة" تكمن عملية "إنابة" من المتكلمة (وأنا المتكلم هو من الضمائر الغالبة في نصوص أشجان هندي) التي تنيط دورها المباشر إلى مكونات لابشرية، تحل محلها لتؤثث المكان، الذي تجري على ساحته الصغيرة استعدادات مفارقة، في سعتها، وفي انفعال مكونات غير عاقلة، تضفي طابعا كونيا يبدو غريبا، ونحن نقف على عتبة النص تقريبا، الأمر الذي يثبت من جديد أن الاستهلال – والعنوان أيضا كما سنرى – لا يصلح أن يكون "ثريا" للنص . فذات الشاعرة اللاشعورية الفسيحة تتهيّا مترافقة مع وجه الزمان في حركة تهز قناعاتنا المعتادة عن طبيعة الزائر الذي ستحتويه غرفة بمصابيح فضية وستائر مزهرة. هذه الحركة تحلق بتوقعاتنا عاليا وبعيدا في احتمالات تحملها أجنحة أسراب العصافير الغضة نحو آفاق السماء القصيّة:

(وجه مائي

ووجه الزمان تهيّا

والعصافيرُ أسرابها

تبذرُ السرّ في بطن نافذتي

ثم تغوي الغيوم

وتمضي تبلل ريشاتها

بدموع السماء - ص 302 و303).

ولو تأملنا الصورة التي رسمتها الشاعرة لحركة العصافير "المؤنسنة" المحلّقة، فسنعود إلى معضلة "التضاد" التي أشرنا إليها . فحركة الذات "المائية" موحية بالاسترخاء والتلقائية وحتى المسرة الولادية .. في حين أن حركة أسراب العصافير – وهذا التحشيد يضخّم الوقع النفسي للحركة- حزينة حزنا شاسعا فهي تبلل ريشاتها بدموع السماء. من انحناءة قامة الشاعرة للمساء، إلى أسى دموع السماء، ينفتح المكان انفتاحا هائلا لكنه يبقى ذا وشائج "أرضية" عبر مدخل "النافذة" .. نافذة الغرفة التي شهدت حركة الإستعداد الأولي وهي ممثلة لنافذة الأنوثة. وفي "بطن" نافذة الذات تودِع العصافير بذرة "السر" .. تبذرها كنواة لفعل إخصابي . وهذه التفاتة حاسمة، فأوالية السرّ تتضمن في جوهرها فعلا ممثلا لإيداع البذرة في الرحم الامومي. إن السرّ الأول والأعظم والأكثر إلغازا وبهاءً هو ذاك الذي يستودع في تربة الرحم الأمومي المغلق. وهو أصل كل فلسفات الكون والحياة وتساؤلات الإنسان الحارقة عن مغزى وجوده و"سرّه" . ولا يعلم الذكور المتنفجون الذين يتندرون حول ظاهرة عدم وجود نساء فيلسوفات في تاريخ البشرية أو ندرتهن الشديدة جدا أن الأنثى ليست بحاجة إلى تعقيدات وفذلكات فلسفات مضنية تبحث عن سر الوجود وعلاقات الإنسان بالكون والخالق وعُقَد عملية الخلق الشائكة لأنها – أي الأنثى- استمكنت "السرّ" واستكمنته و"عرفته". وأسراب العصافير المتحالفة معها ن هي التي بذرت "السر" في بطن نافذتها، ورحلت بعيدا لتكمل أول مراحل المشهد السرّاني، الذي يتكلل بسمة "التضاد" حيث تتركب الروح "المازوخية" التي لا يمكن أن تكتمل عملية استيداع "السرّ" وكمونه ونمائه وتحمّل ضغوطه الوجودية / الفلسفية والنفسية من دونها. وعلى أسس سرّ الأنوثة الباهر الذي تنطوي "بذرته" على النوى الأولية لأغلب أسرار الكون والحياة والوجود تتأسس أغلب اسرار الأنوثة الثانوية، ومن بينها أسرار الشاعرة، ومن مركزها تنتسج "خيوط" أغلب انهماماتها المؤرقة اللذيذة ( ولاحظ من جديد معضلة التضاد الذي يجمع الأرق باللذة):

(خلتُ يا سرُّ

أنْ سوف تبقى خفيّا

أنّ ساقك لن يحمل الزهرَ

أنّ أوراقكَ السمرَ

لن تلثمَ السقفَ

خلتُ أنّ ثماركَ

لن تتبرجَ فوق سريري

خلتُ ثغركَ من فضّةٍ

تستحمُ عناقيدها في الخفاءْ - ص 303 ).

والآن .. تنقلنا الشاعرة إلى المركز الملتهب لمعضلة "التضاد" الكبرى.. هذه المعضلة تلوب في أحشاء "السرّ" نفسه. ولهذا تتحول الشاعرة إلى استخدام ضمير المخاطب (وهو الضمير الاثير الثاني بعد ضمير المتكلمة في المنجز الشعري لأشجان بأكمله) . إنها تحدّث السرّ / سرّها العزيز بمحنته التي هي محنتها أصلا . وهي تضع - في الوقت نفسه- إصبعها على لب سيكولوجية السرّ التي تقوم على تناقض عجيب مدهش وهو:

(أن السرّ لكي يكون سرّا يجب أن يُفشى) و(لا يمكن أن يكون شيئا ما سرّا إلا إذا كان قابلا للإفشاء).

أقول: إن السرّ لكي يكون سرّا يجب أن يُفشى .. فهل قالها أحد قبلي؟ وإن لا خاصية سرّانية إلا للأشياء القابلة للإفشاء. ولهذا فإن الموقف المعاتب الرقيق الذي تقفه الشاعرة من سرّها يشكل مفاجأة "إنكار – denial " تحاول فيها اللعب على قناعاتها العميقة المزدوجة. إنها تدرك لاشعوريا أن سرّها لن يكون سرّا إلا إذا كانت لديه القدرة على أن "ينكشف" . ولهذا "سوف لن يبقى خفيّا"، وسوف ينمو، وتتحول بذرته التي أودعتها أسراب عصافير النرجسية الجريحة نافذة الذات الأنثوية ورحلت آسية منتعشة إلى البعيد البعيد. وفي عملية النمو هذه تصوغ لنا الشاعرة حقيقة جديدة باهرة مفادها ان سرّ الأنثى ينمو على شاكلتها . فهو وليدها الشرعي .. جنينها المحبب .. "غصنها" الذي يكبر الآن في دفء جوارها؛ محملا بالزهور، وقد كبرت أوراقه، وصارت تلثم سقف رحم النفس .. وأينعت ثماره وصارت تتبرج أمامها فوق السرير . إن سرّ الأنثى له مثال هو جسد الأنثى نفسه، ونرجسيته من نرجسيتها. إن سرّ الأنثى هنا هو الأنثى ذاتها وقد صارت شاعرة، مستلقية برخاء فوق سرير الشعر تزهر وتورق وتينع وتتبرج أمام "مرآة" سرّها وفيها. ومن باب التأرجح المنكِر أن تعتقد الشاعرة أن ثغر السرّ الذي جُبل من فضة الكلام سوف يحاور ذاته/ ذاتها في هدوء العناقيد الراعش المستحمة في الخفاء. هذا الثغر يترفع عن ذهب السكوت بل ويزدريه لأن فيه موته وفناءه وإلغاء هويّته وتحوّله من سرّ عزيز منعّم ومنذر ومقلق إلى "معلومة" حقيقةٍ مبتذلة. فسمة "الإقلاق" وإثارة التوتر هي روح كرامة السر من الناحية الفلسفية والنفسية. إن من يحمل "السرّ" لا يكون مالكا لامتياز الإطلاع والمعرفة . حامل السرّ تعِبٌ ومهدّد .. حامل السرّ هو الضحية التي يضنيها "حمله" – ولاحظ كثرة أفعال وصفات الفعل الأنوثية المرتبطة بفعل السرّ-:

(كيفَ ليَ الآنَ

أن أُسلمَ العينَ للنوم ِ؟

أن أبقيَ الليلَ حيّا ؟

والثمارُ الحبالى

تكسّرُ أضلاع نافذتي

وتطلّ على الوقتِ من لغة ٍ

غارقٌ نعشُها

في عيون الضياء - ص 303 و304) .

والشاعرة حاملة السرّ أرقة هجر أجفانها الكرى ليس لأنها "تحمل" سرّاً ولكن لأن لهذا السرّ "ضغطا" ؛ التهديد هنا يأتي من الداخل لا من الخارج بالرغم من أن هذا الضغط يُسقط على الخارج في صورة طرق دائب وقاس لثمار السر (ولاحظ هنا "تضاد" الضغط القاسي للثمار الرقيقة) على أضلاع نافذة الذات إلى درجة تكسيرها .

وهنا تحيلنا الشاعرة إلى بعد فائق الحساسية من أبعاد فلسفة الشعر وسيكولوجيته ويتمثل في تماثليته مع أواليات الإبداع الشعري خصوصا، وسيرها في مسالك موازية للمسالك التي تنضج فيها عملية الخلق. فالسر في كل تمظهراته اللغوية – الشفاهية والمكتوبة، واللالغوية أي الجسدية التي يتلبسها عبر ضغط مؤرق ومستديم يشبه التمظهرات التي تنسرب متسترة بها "أسرار" المبدع الداخلية لتتمثل - بازغة من عمق سديم اللاشعور محمولة على أكف مفردات "لغة غارق نعشها في عيون الضياء" – في هيئة نصوص وصور وتراكيب مجازية باهرة. ودائما تكون هذه التمظهرات في لباسها اللغوي مضللة لا تستطيع مهما أوتيت من دقة تعبيرية أن تعبر عن معاناة الفرد حامل السر في "كبت" هذا السرّ ومقاومة ضغوطه . وهذه المواحهة المعاتبة الحيية بين وجه الذات المتعبة معبرا عنه بوجه الملاءة المضخم بحشد كل خيوطها، والصباح الراصد المراقب .. هذا [= الصباح] يسرف في اللوم والتقريع، وذاك [= وجه الذات] يسرف في التكفير والتخفف من أوجاع المراودة الباطنية، لا تعكس أبدا أهوال العذابات الداخلية العظيمة:

(وجه كلّ خيوط الملاءاتِ

يبقى حييّاً

يُسرفُ الصبح في لومه ِ

وهو يُسرف ُ

في غسل أوجاعه ِ

ويجفّف ُ أطرافه بالنقاء - ص 304) .

والمشكلة المضافة التي امسكت بخيوطها الشاعرة الحكيمة، والتي قد لا تُدرك بجلاء هو أن السرّ يتحوّل إلى وجه داخلي للذات .. يصبح بطانة الوجود الفردي التي لا يمكن إلا أن تنعكس على وجه مرآة الذات التي تحاول إحكام قبضتها عليها . وهذا الصراع المعذّب لا يمكن إلا أن يورِث الفرد شعورا ممضا بالذنب . وهنا رؤية سيكولوجية هائلة. فلا معنى لسرّ لا يثير الإحساس بالإثم. لن يكون الشيء سرّا إلا إذا كان مهددا للضمير. لا قيمة لسرّ "بارد"، وكمال السرّ و"حرارته" وحكمته تكمن في قدرته على أن يثير صراع الخوف من "الإقتراف" .. السرّ ابن الخطيئة .. هل قالها أحد قبلي؟ .. وهذا الشعور بالإثم يصيبنا بالكدر الذي يجعل الطبيعة تتكدر من أجلنا في استجابة شعرية / نفسية لاشعورية:

(النهارُ الحزينُ

يلاحق ُ أنفاسه ُ

يتفتّق ُ شيئا فشيئا

والشموس ُ تلملمُ أهدابها

من عيون ِ البكاء – ص 304 و305) .

ومن هذا الصراع يأتي القلق المنعش – إنظر إلى سمة "التضاد" مرة أخرى - .. تأتي لذة التوتر ومجاهدة إثم الإقتراف هذا. هنا يكون للمازوخية فعل عذب يستمرئه الفرد .. يتنفسها بلا توقف فقد صارت جزءا من كينونته وحيوية ذاته:

(وأنا ..

أتنفسُّ سرّاً سخيّا

وأشدّ على موج جسمي

بياضَ الغطاء – ص 305) .

إن سخاء السرّ وكرمه يكمن في إثارته هذا الصراع الداخلي المحبّب، بين محاولة الذات المستميتة لقمعه وقدرته الجينية المتأصّلة على أن يفشي "سرّه" . وفي الحكايات الخرافية – وخصوصا في سيدة الحكايات "ألف ليلة وليلة" – والأساطير يتكرر كثيرا الموقف الذي يُحذّر فيه فرد – أنثى في الغالب – من أن يفتح باب غرفة معينة . من حقه أن يفتح مئات الغرف وتوضع بين يديه مفاتيحها، لكنه يُنهى وبحزم مخيف عن فتح باب غرفة واحدة تكون معزولة عادة هي الغرفة المحرّمة (غرفة الخطيئة). والمشكلة أن الشخص المحذر (بكس الذال) الناهي يُسلم مفتاح هذه الغرفة للشخص المحذّر (بفتح الذال) المنهي!! ومع أول لحظات هذا الإنذار الذي يدرك الفرد أن في داخله يكمن الخطر ونذر الخراب يشتعل "صراع الإقدام والإحجام". وهذا الصراع المنهك المفعم بالتوتر، ينطوي على تموّجات مسرّة من ألم المجاهدة ضد قوّة السرّ الضاغطة على نافذة الذات تبغي فتحها على مصراعيها . والذات تريد التسيّد على مفاتيحه وتتحكم بنافذته. لكنه يغويها لتراوده عن نفسه .. فتسقط في فخ "الإقتراف" شاعرة بعبثية محاولتها في ترويض "مارد البوح" أو إحكام الإمساك بأغصان "شجرة" السرّ في غابة الريح:

(قلت ُ:

أجمعُ أغصانك َ يا سرُّ

أتسلّقها

كي أطلّ على مارد ِ البوح ِ

أبقيه ِ

تحت جناحي ّ

في غابة الريح ِ

بين الخضوع ِ

وبين الرّجاء – ص 305 و306).      

إنه صراع عنيف في الواقع .. ومجاهدة مستميتة .. وهذه من خصال الصراعات المرتبطة بالخطيئة .. وليس شاذا أن يكون صراعا مميتا .. بل هذه هي قاعدته . وليس أدل على ذلك من صراع "الخطيئة الأولى" الذي لم يستطع فيه "آدم" الحفاظ على "السرّ" الأول . ومع لعنة الشقاء التي حلّت عليه وعلينا من بعده كان الظفر باللذة الكبرى، لذة تمتد بين قطبي "الرضوخ والرجاء". وأنموذج سرّ الخطيئة هو السر المرتبط بلعبة الحياة والموت، فمنه تشتق خيوط الأسرار كلّها. إن السرّ الأكبر في هذا الكون هو السر المرتبط بفنائنا الشخصي. السرّ المرعب هو من أين نأتي وإلى أين نمضي. وهذا هو السرّ الذي من المستحيل إخفاؤه .. هو الحي الذي لا يموت .. والذي راحت كل جهود الشاعرة في ترويضه سدى .. جهود تمتد من المحو بالمياه إلى الطيّ والإخفاء فالنحر والموت:

(قلت ُ:

أمحوكَ محوَ المياه ِ

لوجه ِ النقوش التي

خطّها الأمس ُ

في معصم الرمل ِ

أطويك َ

طيّ الصحائف ِ

أُخفيك َ

بين الستائر ِ

تحت الجدار ِ

أُهيلُ عليك رموش المرايا

وكحل الغبار ِ

أروّيك َ بالموت ِ

أُقصيك َ من رئة الوقت ِ

أنحر ُ صوتك َ

أيقيه ِ ملتحفا ً بالدماء – ص 306 و307) .

وفي كل هذه المحاولات "الإغتيالية" للسرّ الشخصي، يبدو عدم صدق نوايا الشاعرة من خلال أن أدوات الفعل، وطريقة التنفيذ تُجهض الغاية، ولا توصل إليها، أو هي تعبّر عن "المتعة" في مطاولة المجاهدة وديمومة الصراع برغم آلامه . إنها أشكال من "القتل الرقيق" إذا جاز الوصف. فرقيق هو إفناء النقوش التي خطّها الأمس على معصم الرمل بالمياه. كما أن طيّ الصحائف والإخفاء بين الستائر وتحت الجدار .. كلها يكون الفرد فيها عارفا بـ "مكمن" السرّ الأمر الذي يتيح له العودة والعثور عليه. والأكثر رقة وشفافية هو أن تدفن شيئا خطيرا برموش المرايا أو كحل الغبار. وفي أقصى الحالات؛ في ختام هذا المقطع، وأقساها يصبح التهديد بالموت مصدرا للإرتواء. وحتى حين تنحر الشاعرة "صوت" سرّها فإنها "تبقيه" "ملتحفا" ومغطى بلباس من الدماء. وكلّها حالات تعكس التصارع العميق والتضاد المتجذّر والمستعر بين الشحنات السلبية والإيجابية؛ بين منطق الشعور الذي يدرك المخاطر الجسيمة التي ستترتب على "خطيئة" الإفشاء وإثم الإنتهاك .. وبين حفزات اللاشعور التي لا تعرف حدودا ولا تقرّ تعطيلا لنزوع "الكشف" حتى لو كان المآل النهائي العذاب والخراب. إن الطرق السابقة كلّها تحوّل السرّ إلى سرّ مضاعف. وهذا يعبر عن سمة السرّ المستحيلة وهو أنه عصيّ على الموت. وكأن السرّ – بهذه الخصلة "الخلودية" – يرسم أمامنا الأنموذج الأمثل للعصيان على الفناء. هذا العصيان الذي تتوق له انفسنا الجريحة. إن في روح السرّ فعل عنقاء تحترق/ تُفشى وتفنى لتتجدد. وسرّ الأنثى هو السرّ الأنموذج .. سرّ الحصانة النرجسية العتيدة التي لا يعرفها أحد ؛ السرّ الذي يسّاقط عليها "طفلا جنيّا" كلّما هزّت شجرته الباسقة المعرّشة على نافذة ذاتها الملتمة المكتفية فتضرّجها بدماء الغناء !:

(قلت ُ

قلت ُ

فعدت َ بهيّا

قلت ُ

قلت ُ

وقلت ُ

وما إن هززتك َ

حتى تساقطت َ طفلاً جنيّا

وضرّجت َ نافذتي بالغناء – ص 307) .

وهنا - وكما افتتحنا مقالتنا هذه – تصل معضلة التضاد الوجداني التي لا تحكم موضوعة السرّ ولا جوهر حياتنا النفسية ولا مواقفنا الفلسفية حسب، بل حتى لغتنا، ذروتها . فضرّج الذي هو مبالغة ضرَجَ يعني التزويق والحُسن بعد أن كان جذره يعني شقّ الشيء وفتح عين النار وتلطيخ الثوب بالحمرة وسيعني مطاوعه (تضرّج) احمرار الخد وتبرّج المرأة وتزيّنها وتفتّح الزّهر وتلطّخ الثوب بالدم. أمّا معاني مفردة السرّ لغة فهي تنطبق على جوهر الموقف النفسي المتضاد الذي يثيره في النفس البشرية. فمن معاني الجذر (سرّ) هو الكتمان والمناجاة (الإفشاء) في الوقت نفسه وأسرّه كتمه، وأسرّ إليه حديثا أوصله وأعلمه . وسارّه مسارّة وسِرارا ناجاه وأعلمه بسرّه . وقد قلت في مقالات ودراسات سابقة إن الشاعر في لحظة الإبداع يشتغل بلاشعوره في القسم الأكبر من عمله. وحين يختار مفردة مركزية فإنها تأتي معبرة عن حزمة الدلالات التي تنتشر على مساحة النص. ولو عدنا إلى المقطع الثالث من القصيدة الذي تناجي فيه الشاعرة "غصن" سرّها، وتصف أوراقه، وسمو ساقه، ونضج ثماره، وكيف يتبرّج فوق سريرها، وكأنه صورتها الأنثوية الطفلية المصغّرة.. وبرغم أن النص الأنثوي (وليس النسوي لأن بإمكان الرجل المبدع كتابة نص أنثوي عندما يكون "الظل الأنثوي – anima " قويّا في البنية اللاشعورية لشخصيته، مثلما بإمكان المرأة المبدعة أن تكتب نصّا ذكوريا عندما يكون "الظل الذكوري – animus" قويا في البنية اللاشعورية لشخصيتها) يحفل عادة بمرجعيات الطبيعة وصور فعالياتها النمائية والخصبية، فإن الاختيار اللغوي المركزي يحمل أيضا هذه الدلالة: فسرّ فلانا سرّاً: حيّاه بالمسرّة، وهي أطراف الرياحين، والسّرَّة هي الطاقة من الريحان، والسرير هو المضطجع .. ودفعا للإطالة فإن "السرّ" يحمل أيضا الوجه المناقض للحياة وهو الموت: فسرّ فلانا: طعنه في سُرّته .. والسرير هو النعش قبل أن يُحمل عليه الميّت !!          

              

........................

هوامش:

(1) الهذيان والأحلام في الفن - سجموند فرويد – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة - 1986 .

(2) ريق الغيمات – أشجان هندي – شعر – منشورات النادي الأدبي بالرياض – المركز الثقافي العربي – بيروت – الدار البيضاء – الطبعة الأولى - 2010 .

 

الثنائيات في قصيدة (هنيال الكصب) للشاعرة وفاء عبد الرزاق

waleed alzobaydi- المقدمـــة: وأنتَ ثقرأ قصيدةً أو نصّاً، وسط هذا الكمّ الهائل من النتاج الشعري المتعدّد الألوان والمشارب، فقد مسّ الشغاف منذ القراءة الأولى، وجعلَ النّصُ الحيرةَ راكزةً في ثنايا تفكيرك، وخلطَ بين ظنونك وإشاراتكَ المعرفيةِ؛ فعرّجتَ في قراءتكَ الثانية لتضعَ خارطةً للنّص، بل وتبحثُ عن مصادرهِ ونبعهِ. هكذا وجدتني أسلّطُ الضوءَ على المفردات والألفاظ والصور ليكون أشراق النّص شكلاً ومضموناً محتكماً لآليات التفكيك وماضيا في أفق الإسلوبية.

وأنتَ حينما تصمّم للغور في أعماق النّص، عليكَ أن تلتزمَ الهدوء والصبر في جلي وسبر غور مجاهيله، وعليكَ ألا تعبثَ بألوانهِ وزخارفهِ، ولا تثلم تماثيلهُ ونصبه التي تمتدّ رموزاً وآلهةً لعالمهِ..فإن كنتَ لا تملك أدوات توائم النّص الذي يعنيك فعليك أن تبتعدَ عن تدنيسه أو تمزيقه، أو تشويه جماليته. والنّص الذي بين يدينا قصيدة من الشعر الشعبي للشاعرة العراقية وفاء عبد الرزاق بعنوان( هنيال الكصب)، والشاعرة حصدت العديد من الجوائز الأدبية وتُرجمتْ معظم نتاجاتها الشعرية والروائية الى لغات أجنبية، ولها في الشعر الشعبي مدار بحثنا أكثر من ثمانية دواوين. فلنبدأ قراءة النّص:

 

-عنوان القصيدة:

يقولُ الناقدُ الفرنسي( رولان بارت): ((العنوان ثريا النّص))، وهكذا نبدأ مع العنوان: (هنيال الكصب): والقصبُ نبات أزلي يرتبطُ ارتباطاً وثيقاً في الموروث الرافديني القديم، فهو يشكّلُ ثُنائيةَ الحياة بل أكسير الحياة مع الماء، وهو رمز الحياة وبداية الخليقة، بل وأنتَ تبحثُ في تاريخ تلك العُشبة( القصب) نجدُ لها مدلولاتٍ تاريخيةً عميقةً وخطيرةً ارتبطتْ بالذات العراقية القديمة، وأقصدُ بالذات : الهُويّة، الأرض والانسان،وكل ما ينتجهُ العقل البشري في الرقعة الجغرافية التي تمتدُ ما بين النهرين. فحينما نقرأ التاريخَ القديمَ نجدُ كلمة (سومر) وهي تعني في اللغة السومرية: (أرض سيّد القصب)؛ فالقصبُ موجود حينما كانت (أور) وربما قبل ذلك، حتى أنّ مؤسس السلالة الثالثة في أور الملك (أورنمو) وتعني: (ملك القصب). والسومريون يعرفهم التاريخ أنهم أصحابُ أولى الحضارات في تاريخ الإنسانية.

   و نجدُ (القصبَ) هذا النبات الطاهر المقدّس كيف خصّتْهُ الأقدارُ بالهيبة والكرامةِ، فقد اتّكأتْ عليه أعظم أساطير وملاحم سومر وبابل (اسطورة الخلق، وقصة الطوفان..)؛ بل ستقرأ أوديسة العراق الخالدة (ملحمة كلكامش) لتجدَ القصبَ المقدّس موجوداً في صفحاتها، وستقرأ ما قالهُ إله المياه العذبة والخصوبة حينما أرادَ أن يحذّرَ (أتونابشتم) من الطوفان، فاختارَ أن يخاطبَ بيت القصب:

(بيتَ القصب.. يا بيتَ القصب

جدار.. يا جدار..

إصغِ أنتَ يا بيتَ القصب..)

   والقصب مصدر أساس في حياة الإنسان العراقي، فهو يدخلُ في مفاصل حياة الفرد، فهو مصدر مهم لبناء بيوت الناس والسفن ، ومنه الوقود، ومنه طعام حيواناتهم..بل وتفنّن الناسُ بالقصب في صناعاتهم كـ( الحصران، البارية، الصريفة، السوباط،..) وامتدتْ لصناعة الآلات الموسيقية (المزمار، المطبك، الناي..).

هذا هو القصب السومري العراقي المقدّس الذي ظلّ يُشكّلُ ثنائيةً عظيمةً مع الماء؛ فحيثما وُجدَ الماء تناسلَ فيه القصب السومري ليشكّلَ لوحةً رائعةً على جسد الأهوار. ويمتلكُ هذا النوعُ من النباتات (القصب) صفةً تميّزهُ عن النباتات الأخرى فهو عنيد ويرفضُ الفناء ويقاومُ الجفاف وحتى لو جُفّفت الأهوارُ وغارت أمواه دجلة والفرات يظلّ متطاولاً بقامتهِ تتمسّكُ جذوره بالأرض العراقية مهما قسى الزّمان وقست الظروف. وهذه إضاءةٌ بسيطةٌ لمفردةٍ في عنوان النّص، فهي إذ تُشكّلُ وتُدلّلُ على:

1- هوية العراق التاريخية، القصب المقدّس، الذي ارتبطَ بالأرض والماء.

2-التسميات السومرية والبابلية القديمة التي تأثرت بالقصب وكونه أثرا مقدساً.

3- وجود القصب في الملاحم والأساطير السومرية والبابلية.

وما تشيرُ إليهِ الشاعرة منذ اللفظة الأولى الى ما تعنيه ، من كون القصب يتصف بالعناد والصلابة رغم قساوة الظروف والجفاف فإن جذوره تضرب في بطن الأرض ملتصقا بالرحم لايغادره البتة، وهذا ما تعنيه الشاعرة في ارتباطها بالوطن مهما تغربت وبعُدت المسافات.

-الثنائيات:

   تعتمدُ فكرةُ الثنائيات- في النقد الغربي- على أوجه التضاد والتوازي، فهناك الثنائيات اللاهوتية: الخير/الشّر، الحق /الباطل، وهناك ثنائيات ضدّية: النور/الظلام،الأسود/ الأبيض، السالب/ الموجب. وثنائيات اجتماعية: الظالم/ المظلوم. ويشكلُ مفهوم الثنائيات الضدية عصب المدرسة البنائية في النقد والتحليل البنيوي. وقد وجدَ التفكيكيون أنّ فهم الحياة على اساس الثنائيات الضدية يؤدي الى حصرها في نمط ثابت، وليس في الحياة ثبات. أمّا ثنائية الدّال والمدلول فقد وصلَ التفكيكيون في الفصل بينهما الى أبعد نقطة ممكنة.

أما في الثقافة العربية فيُعدّ الجاحظُ من أوائل الذين التفتوا الى قانون الثنائية الضدّية على أنهُ قانون الحياة الجوهري فالعالم على ثلاثة أقسام: المتفق، المختلف، المتضاد. ويُعدّ كتابهُ المحاسن والأضداد مثالاً على فكرته وفلسفته. وفي النقد العربي القديم يلتقي القديم يلتقي مصطلح الثنائيات الضدية في بعض جوانبه مصطلح الطباق والتضاد والتكافؤ.

-        ثنائيات النّص: في القصيدة سنحصر هنا الثنائيات بأنواعها التضاد والمتفق:

1- الثنائيات الحرفية: نقرأ في النص: (العين والراء)- (الألف- القاف).

2- ثنائيات الإتجاه: يسار- يمين.

3- ثنائيات المتفقة: وهج- فانوس/ .. عشب- خضرة ../ دمعة- عين.. الشط- ضفتين.

-التثنية: مع الثنائيات امتزجت صيغة المثنى في متن وقافية النّص، لعل هذه الثنائيات جعلت من النّص أن يتلاقح وألاّ تطغى أو تظهر لغة الأنا بل أخذت تثنية الأسماء والصفات والمعاني مأخذها ودورها الناشط في النّص. فظهرت: (قفلين-مثنى قفل-، شطين-مثنى شط-، نصّين- مثنى نص-،مرتين-مثنى مرّة-، خدّين-مثنى خدّ-، شمسين- مثنى شمس-، ضفتين- مثنى ضفة-، ألفين- مثنى ألف-، ظلّين- مثنى ظل-، مُرّين –مثنى مرّ-، .

- قيامـــة النّص:

   تبدأ الشاعرةُ( وفاء عبد الرزاق)، وكأنها تكتبُ رسالةً الى وطن.. هذا الوطن الذي حدّدتْهُ بعد أن بيّنت حالة التمزّق الذي يعيشه أو الحال الذي أرادت قوى الشّر رسمها في تمزيقه وتقسيمه؛ فجاء الإسم ممزّقا ممفرّقا، وعبّرتْ عن ذلك بقولها: (عضّاني الإسم والعين والراء) ثمفي الشطر الثاني الممزق( ولكيت الألف والقاف سجّين). وهكذا كان الإسم سكينا يطعن الأحبة حبا كلّما هيّجت الذكرى الحنين وكلما سمعت في غربتها أخبار الدمار والحروب، وكلما وجدتْ أنهاره أصابها الجفاف بعد خير عميم، وبعد أن كان هذا الوطن كريما يوزّع للعالم عطاياه علماً وهدايا، إلا أن يد الأقدار عبثت به وجعلتْ من أنهاره تشكو العطش، وكثُرتْ الأقفال التي أغلقت كل المحطات؛ الأقفال التي تعني الممنوع، وكبت الحريات والتكميم (تعنيت وعلى العتبات قفلين)..

تقرأ القصيدةَ من بدايتها وفي ثناياها وخاتمتها يتنقل وينتصبُ القصبُ سيّدا مقدساً، حيث تقول: (مثل نبتة ويطرهه الكيظ نصين). ثم تجعلُ الوطنُ جسداً (يل جسمك نبي وايديك قرآن) فالوطن جسدٌ إذا سُرقَ تهدّم الدين والقيم، وأن سنين الجوع والجفاف هي ظروف القهر وما يصيب الناس من آلام وحرمان (ترضه يجوع طيني وانته صلصال) والحيطان تصيبُها الشروخ. ثم تقفُ معاتبةً عتاب الحبيب لحبيبه (ولك ليش الصفع خدّك تعز بيه)،فتستأنف نشيد حبها لتفتح باباً لحوار جديد يبنى على نداء الحرية والسلام (أريد أدخل قميصك باب شمسين) فهي تريد الرجوع بكل محبة وعشق، تريد أن تضم قميصه بأحضانها. فهي وأن أنبت البُعد والغربة مخالبهما في جسدها وذاكرتها إلا أنها ظلت تعيش وتسكن في الشط وتنبتُ قصباً في الأهوار وتحملُ الفانوس على الضفة تدعو كل غريب في غربته واغترابه للعودة الى الماء والطين والقصب، تحملُ ضفائرها مصابيحا.

   ثمّ ترسمُ الوطنَ صورة طفل تناغيه وتهدهدهُ بأغاني الطفولة وألعابها (بكطرات الندى تلكه اسمي والناي../ والسدرة ولعبنه الجان ظلين)، ثم تعبّر عن صورة تبادل الهدايا بينها وبين الوطن (تهديني النبك وأهديك الألعاب)..

وفي الختام وبعد المناغاة والتدليل لطفلها تقول سؤالها الذي يفجّر القصيدة لتكون الخاتمة كسر للتوقع وتسير مسارا يرتقي نحو فكرٍ يسمو في فوق سماوات العنوان، فتقول: (يا طفلي الصغير مدلّل كماط) ..و (أجيبلك قيامة شلون ومنين)..؟؟ سؤال يفجّر طفولة التدليل وقماط المحنة سؤال الحيرة والبحث: شلون ومنين؟؟؟ هو البحث عن السبيل للخروج من المأزق بعنوان يليق بتاريخه وقامته. ثم لا يطول الإنتظار لتجدَ الجواب حاضراً : (بيك انته القيامة وسطوة النار) فهي تضع جوابها أن القيامة المنشودة موجودة وحاضرة بك يا طفلي ، موجودة في جسدك في يديك في عقلك في فكرك في تاريخك، بل هي موجودة في القصب الذي بات عصيا على الزمن وعلى كل الحقب فمهما جففوا الأهوار ومهما شحّ الرافدان، ستظل القيامة قائمةً وسيكون التغيير والتحرر وستُفتحُ ابواب الحرية وستنكسر كل الأقفال.

ومثلما بدأت الشاعرةُ عنوان القصيدة بـ( القصب) تختتم القصيدةَ بالقصب أيضا لأنهُ المقدّس فتقول: (وهنيال الكصب من يحرك البين) فهو رمز سومر، رمز العراق القديم-الجديد يظلُ هاماً مرفوعاً يمدّ جذوره عبر التاريخ...

قصيدةٌ تغورُ في النّفس والعقل، بناؤها حديث استخدمت في بناء القصيدة وتأسيسها ورسم مفاتيحها الحداثة ببنيويتها وتفكيكها، ومن طباق وجناس، شكّلتْ اسلوبا يميّزها يرتقي بالمتلقي نحو آفاق التأويل والقراءات المتعددة التي تصبُ في بهجة المعنى والتجدّد مع القصب.

4/ آذار/ 2014م.

 

قراءة: د. وليد جاسم الزبيدي

العراق- المحاويل

.................

مصادر ومراجع القراءة

1- أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، علّق عليه: محمود محمد شاكر،مطبعة المدني-القاهرة، 1991م.

2- الثنائيات الضدية، سمر الديوب،منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، وزارة الثقافة-دمشق، 2009م.

3- الحيوان، الجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، المجمع العلمي العربي الاسلامي-بيروت، 1969م.

4- عصر البنيوية، أديث كرويزل، ترجمة:جابر عصفور،ط1،دار سعاد الصباح-الكويت، 1993م.

5- اللغة العليا، جان كوهين، ترجمة: أحمد درويش، المجلس الأعلى للثقافة، 1995م.

6- مقدمة في أدب العراق القديم، طه باقر، دار الحرية للطباعة-بغداد، 1976م.

7- ملحمة كلكامش، طه باقر، ط2، وزارة الاعلام-بغداد، 1975م.

الشعر وتلويحة القمر المعذب .. قراءة في مجموعة أشجار خريف موحش للشاعر د . سعد ياسين يوسف

bushra albustaniإذا كان النص مدونة حدث كلامي يقع في حيز زمكاني معين، مهمته تواصلية تفاعلية وفي الشعر جمالية وقيمية، له مطلع وقفل ولا يمكن أن ينبثق من عدم حسب النقاد، وهو بؤر لأحداث مختلفة يعمل التناص على زجها في علامات تتداخل عبر نسيج النص وتعمل على تعدد مستوياته وتكثيفه أزمنة وأمكنة مما يجعله على صلة وثيقة بالقارئ الذي سيتناوله بالتحليل والتفكيك، وبإرجاع العلامات التناصية لأصولها التي صدرت عنها، والتي أضفت على النص ولا سيما النص الشعري عمقا في الزمن وتلوينا في المكان والأحداث، والناظر في مجموعة (أشجار خريف موحش) للشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف، سيجد أن الشجر وما يدور في حقوله الدلالية من ورد ونخيل وغصون، تؤازرها الجذور والزراعة والغيم والأرض وغيرها الكثير مما يندمج بأحداث الواقع واشتباكاته المنسوجة بوجع الإنسان ومكابدته، كل ذلك يكاد يهيمن على قصائد المجموعة، مستمدا من العنوان دلالات شتى، فالعنوان يشتغل بمهارة على تيارات نازلة من دلالته إلى المتن وصاعدة من المتن إليه، والشجر يعد أصلا من أصول الحياة وسمة استمرارها وتغذيتها ماديا وروحيا وجماليا، وهو في الشعر ينتمي لشعر الطبيعة الذي بات يسمى بالشعر الأخضر، لكن هذا الشجر الذي احترمه الإنسان، حد التقديس والعبادة في يوم ما، لم يعد بتلك النضارة التي كانت مبعث خصب وفرح للبشرية، فالطبيعة مذ نزل الأبوان للأرض كانت في تفاعل دائم معهما، تخصب بخصبهما وتخضر باخضرار فاعليتهما، وتثمر بجهدهما، وهي كذلك تذبل بذبولهما ويطول خريفها . فقضية الديوان تبدأ من العنوان والغلاف متعاضدين . إذ بالرغم من اوراق الشجر اليابسة المتساقطة على غلاف المجموعة إلا أن اللون الأخضر بأشكاله التجريدية في أعلى اليسار يوحي بربيع قادم لا محالة، فوجود إشارات الحرائق والدخان والألوان الداكنة المهيمنة على هذا الموازي النصي المهم إشارة لواقع تتواصل عذاباته ، فضلا عن كتابة العنوان بالأحمر الذي يوحي إيحاءً مزدوجا، بالنزف الدموي الذي يعاني منه وطن الشاعر من جهة، وبالحيوية التي يمكن أن تنتج عن حركية هذا الدم في العروق من جهة ثانية، لكن السياق النصي يرجح الدلالة الأولى ويميل اليها بعد قراءة نصوص المجموعة، إذ توحي الدلالة بان مسيل الدم البرئ هو الذي فتح الباب لحلول الخريف في المكان المقصود، وهو الذي أجهض خصبه وأحل فيه الجفاف والجفاء . لكن عاملين إيجابيين على الغلاف يوحيان بإيجابية منتظرة هما القباب السليمة رمزا لتراث ما زال متألقا، واللون الأزرق الفاتح المائل للون البنفسج . فالأزرق إشارة لانسجام سيطلع من أعماق التمزقات والصراع واشتباك التناقضات، والبنفسجي يوحي بما تفوح به وردة البنفسج الرصينة من عبير سينتشر بعد روائح المفخخات والعبوات والرصاص ..ولا عجب أن يكون الغلاف بهذا التصميم الجمالي المكثف فقد أنجزته أنامل الفنان التشكيلي الماهر الأستاذ الدكتور صبيح كلش . تضمن الديوان ثلاثين قصيدة ترتكز على الهم الجمعي العام دون ان تخلو من بوح ناجم عن ذلك الهم، فمن المراثي الى الخسارات إلى دم الكرستال إلى أشجار خريف موحش الى غربة نورس الصباح فاستغاثة الوردة وشجر الموت .. إلى الاستغاثة بالملاذات، حتى نصل الى أزمنة الرماد، وكأن كل تلك المعاناة ستؤول إلى زمن يغدو فيه كل شيء رمادا، ولذلك فان الشاعر كان يبحث عن ملاذات تخلصه من أغلال المحنة وشباكها الخانق فيلجأ للدين مرة وللرسول الكريم محمد عليه (ص) رمزا للصبر أخرى، وللأصدقاء ثالثة ، و للإطلالة على الروح رابعة:

لو لم يكن نورا سماويا

لما وصل الضياء

لكن النص ينتهي بالبكاء في بنية تقابلية ؛ لان المتلقين توقفوا عن استقبال الضياء والاستنارة به ولذلك ينتهي قفل النص بالحزن على بؤر مكانية كانت مزدهرة لكنها اليوم غدت أطلالا ؛ لأن السنابل انحنت، ونحن بالرغم من ذلك النور السماوي الذي غمرنا انحرفنا عنه بعيدا :

فقد تلتف فينا الطرقُ، المفازاتُ

يُسقطنا الرملُ

نبكي على أطلال مكة

والعراق

والحقيقة أن البكاء العربي يمتد إلى عصر ما قبل الإسلام حيث دونت الأطلال الأولى أول لحظة فلسفية عربية بحتة، شعرا باذخا ليس كمثله شعر قديم في العالم، إذا استثنينا ملحمة كلكامش وهي منا، ولنا؛ لأنا لم نفعِّل جذوة ذلك الشعر الرائع ولا واصلنا العمل على تطوير ما ترك لنا من قطاف جماليات ما زالت تنتظر من يكشف عن أسرار تشكيلاتها الباذخة، وذلك بفعل السبات الذي استسلمنا له فعمل بخبث على محاولة اندثارنا وتحويلنا إلى أطلال جديدة، لكن بلا فلسفة هذه المرة ؛ لأن الخسارات لا تتوقف عند حد معين، إنها تتناسل تناسلا شاذا وجماعيا اخطبوطيا وغير مألوف:

525-sadحين ولدت

لم اخرج بمشيمة

قالت قابلتي المأذونة

بل كانت سلة  

لخسارات وليدة

   هكذا  

كلما سرت على هدي النجوم

ولدت ألف خسارة  

كلما أيقنت أن الشمس

   سيدة النهارات المضيئةْ

عصفت ريح وألقتني إلى اليم.

وهو في اليم مكتوف اليدين بلا غيم يحمله ولا شراع منقذ ولا موج يهدهد برقصته المائية ذعر الغرقى ؛ ولذلك فكارثة الخسائر تتكرر، خسائر ماضية يكتظ بها التاريخ الذي كان ضحية الكتبة والأقلام الذرائعية، خسائر راهنة يخطط لها ويديمها دعاة الفضيلة الزائفة والدعاوى الكاذبة، وخسائر وليدة لتكون في الغد خسائر المستقبل، خسائر في كل الميادين، وهذا النص يلوِّن انسيابه بتنويع ضمائره، فمن ضمير المتكلم الذي بدأ به النص إلى ضمير الجمع الذي شمل الـ (نحن) إذ يتسع حجم العذاب ليصير شاملا :

هل نحيل الدم ماء / أم طيورا ...؟

ويتداخل ضمير الأنا بضمير الجماعة حين تغدو القضية واحدة :

يا سماوات التذكر أطفئي بين يدي  

ألف نار من عذابات غضضنا طرفنا حينا

وأيقظنا احتراق نجومها فينا ..

لكن القصيدة في بنائها الدائري تعود لتنتهي بضمير المتكلم الذي ابتدأت به، ليختزل وجعه بالوجع الجمعي، وفي تداخل الوجعين يتداخل ايقاع القصيدة ما بين الوزني والتداخل العروضي والنثري:

   يا تلويحة القمر المعذب في المحاقِ

   اطلي مرة  

وأنيري كهف روحي

وخذي ما شئت من غيمة قلبي

تتجلى وظيفة الشعر المستقبلية بمقاومة العذاب بالحلم وبؤس الواقع بالأمل، واللجوء للتشكيلات الجمالية يؤكد روح التطلع والمقاومة، فتلويحة القمر، وأنيري كهف روحي، وخذي ما شئت من غيمة قلبي تشكيلات استعارية رائعة تضمر في كثافتها ترميزا يفتح دلالتها ويمنحها بعدا يضمر أنينا إنسانيا يتجلى ببوح حميم . وقد ترتكز نصوص المجموعة على السرد الاسترجاعي كثيرا هربا من بؤس الواقع إلى براءة الطفولة وسعادتها، لكن الوعي ما يفتأ يداهم الطفولة الغضة ليكشف لها عورة الكوارث التي تكتنفها فيدخل الحوار ويلعب الإيقاع البصري بكثرة النقاط التي تفتح للنص بابا لاستكمال الدلالة، نجد ذلك في قصيدة (قبل ان يلقي الى البحر شراعه) حيث تبنى القصيدة على التوازي الضدي بين مشهدين متناقضين ما بين المطلع والقفل، بين فرح الطفولة وانطلاقتها في المطلع :

كانت الدنيا حقولا

وصباحات وشمسا وأغاني

بينما ينتهي القفل بقوله:

كل ما أخشاه أن تنكرني الأسماء

من حزني

أموت

وتفيد المجموعة من تفعيل الأمكنة والأزمنة والطبيعة، ومن التناص بين الواقع والنص حين تحتوي القصيدة وجع الواقع بنمذجته، والتناص بين الأديان يوم كانت متآخية، متحابة مؤمنة بمرجعية واحدة هي أن الله سبحانه وحده الملاذ والحب والصفاء الروحي، ففي (غربة نورس الصباح) المهداة لصديق الشاعر، يشتغل المكان بوصفه فاعلا شعريا، فمن عكد التوراة إلى السراي، الى بستان الدباس في العمارة ونهر دجلة إلى المركب الغركان، اذ تحمل كل علامة من هذه العلامات تاريخا من البوح والمحبة وأمن الطبيعة وسلام خضرتها وطيورها ونقاء مائها وجمال شجر السدر وثمره المتألق، بين النهر والنوارس والشمس الأليفة وقمر الشعر يضيء، وكأن الشاعر يقارن صفاء ذلك الزمن الجميل بطبيعته الخلاقة، وخراب هذا الزمن الطافح بالنيران التي قتلت الإنسان وخربت الطبيعة وأتت على الحرث والنسل :

من عكد التوراة

من خطوتك الاولى

فيها عند اذان الفجر

وناقوس الاحاد

.................

أكنت تفكر أن تغدو نورسة

أكنت تفكر يوما

أن تطلق كل يمامات شرايينك نحو الشرق

   إن فكرة المكان حازت على اهتمام الفلاسفة من أقدم الزمان، لكن تجلياتها تقدمت في العصر الحديث لتكون في طليعة المباحث الأدبية، سواء في الشعر او القصة والرواية، اذ اتجهت الفلسفة الحديثة إلى الاهتمام بالصورة الذهنية من مفهوم المكان وسواء كان التعامل مع المكان القديم ام الحديث، العام ام الخاص، وجماعيا كان ام فرديا إنما هو يستجيب لنا بقدر ما نتفاعل معه ونستجيب له فيغدو إدراكنا للمكان تأكيداً لوجودنا نحن كما يؤكد جبرا ابراهيم جبرا، ففي (ترتيلة دمشق ) يخاطب الشاعر عذاب المدينة التي عرفها خيمة حب، يخاطبها بتوجع أليم :

أكثير أن تظلي خيمة الله

وورد الأمنيات

ويلعب التناص في هذه القصيدة دورا في توسيع أفق النص اذ تتناص مع سورة يوسف بالإشارة إلى مأساة النبي الكريم الذي كاد له الأخوة إشارة لما يجري بين الأخوة اليوم من دم واقتتال، فضلا عن التناص مع شيخ الصوفية ابن عربي وحضوره في دمشق و...:

           قف بالمنازل واندب الأطلالا       وسل الربوع الدارسات سؤالا

فالشاعر ينظر لأطلال دمشق وهي تحترق نظرة شاعر الأمس لأطلاله، لأنه يدرك أنْ شتان بين زمن الطللين لكن المقاصد قد تتشابه، وضياع ما كان في الماضي، يذكره بضياع كل جمال الحاضر فتتناص الوقائع القديمة بالجديدة، ودمشق إشارة ينتزعها الشاعر من الواقع لكنه يعمل على نمذجتها باللغة الشعرية فتصير مدينة شعرية لعبت المخيلة بتشكيل معالمها وسماتها وأحوالها الجديدة التي أرهقت بلظاها روح الشاعر وحركت أشجانه.

إن المجموعة وبالرغم من هيمنة الحزن على ما يجري فيها، الا ان الشاعر سعد ياسين يوسف لا يسلم لليأس أمره فهو يقاوم بالحلم، ويلوذ ببريق الروح دفعا لسواد الواقع الذي تعيشه امته، فهو يمجد الإنسان والقيم النبيلة وجمال الطبيعة التي توحي بجمال الإنسان، وردها وطيرها وشجرها وأنهارها وبحارها، كل ذلك من اجل أن تنعم الإنسانية بالأمن الروحي والفرح، لكن طغاة الأرض بدلوا أمنه خوفا وفرحه حزنا وجروحا وانتهاكات   :

إذ يستيقظ الحزن

منتشيا بروحي، مطلعا

أزهاره الحجرية السوداء

ألوذ بما تبقى

من بريق الروح

يا وجعي

إن التعبير بالأزهار الحجرية السوداء تعبير جارح بارع يعبر بدقة عن قوة هذا الحزن ودوامه الزمني وسوداويته، لكن الشاعر يستنهض بالإرادة ما تبقى من بريق الروح ليتمكن من المواصلة والاستمرار، وينجح في تلك المقاومة ما دامت إرادة الإنسان خلاقة حين تكون مؤازرة بالتصميم والوعي والمعارف . إنه يرفض الفرقة، ويدعو للانسجام والألفة، يرفض الحروب ومواجعها ومكابدة الإنسان فيها، ويُدين تجريح ذاكرته بمآسيها:

من حلمات الرطب التموزي

أبوح بحزن يمامات الصمت

   النابت في ذاكرتي

شظايا حروب مرت

فوق خرائط جسدي

بهذا التحويل الفني يواصل الشاعر سعد ياسين يوسف مسيرته الإبداعية المشتبكة بالألوان والأفعال والأزمان والأزمات والتحولات المؤتلفة والمتناقضة معا عبر مسيرة حافلة بالإخلاص للأبدع والمبدعين .  

 

رواية أوراق الزمن الداعر للكاتب الكبير صلاح صلاح

neeran alobaydiرواية اوراق الزمن الداعر للكاتب صلاح صلاح والصادرة عن دار التنوير للطباعة والنشر رواية من القطع المتوسط تحتوي على 318 صفحة، تبدأ الرواية بكندا وتقدم اوراق السرد لزمن داعر عن ماضي عاشه البطل في العراق وتنتهي بجمل مؤلفة من سطرين تخبرنا ان الراوي البطل لازال في كندا فيقول في ص 318 الاخيرة " وفتحت عيني وانا اشاهد الاطباء والنيرسات والاسلاك الكهربائية واللغة الانكليزية كلها تلتف حول راسي بيسوع جديد قتلته الفئة الباغية " الرواية مدورة تبدا وتنهي بمكان واحد ومن ثم يأتي السرد على لسان الراوي البطل الذي ينتقل بنا لازمان يختارها هو ومواقف يوغل في وصفها وفق مخيلة شخص مصاب بمرض نفسي وربما انفصام في الشخصية يتعرض الى رجات كهربائية علاجية في كندا لاعادة ترتيب تفكيره وذاكرته كنتيجة حتمية لما تعرض له في الماضي يسرد لنا ويجعلنا نفكر ان كان مايسرده ضمن المعقول او اللامعقول ومن ثم نوقن بالحقيقة التي يطرحها ولا نوقن بها ،فالبطل رجل مهوس يطرح هوسه وعبثية بحثه عن الخلاص باسلوب ذكي يدل على ذاكرة متقدة تتذكر ادق التفاصيل فنعرف اننا امام كاتب كبير يكتب بجنون، متمكن من كتاباته،غزيز الانتاج لا يتوقف عند حدود صريح لدرجة الفضاعة الصادمة يطرح افكاره دون خجل يتلفظ الفاظ الشوارع ويسجل كلماتها . يبدا الرواية بقصيدة للشاعر المتمرد الغجري نصيف الناصري كتقديم لما يريد ان يطرحه، ويبدا الفصل الاول وهو يقول اسمي .. ليس مهم ان تعرفه .. استطيع فقط ان اسرد لك اما اذا اردت سؤالي مرة اخرى عن الاسم وكنت لحوحا فابمكاني اعطائك اي اسم مزيف او غير حقيقي " اذن البطل قد يكون هو او انت او اي شخص آخر هو يطرح ويكتب عن فترة تاريخية ويوغل في وصف تلك الفترة ليقودنا الى زمن الحروب فهي الخلفية المجنونه التي قادت الى جنون اكبر في الصحيفة 14يقول الكاتب عن لسان البطل في حديث مع امرأة عابرة اسمي كاغد .. اسمي جودي .. اسمك لطيف وهو اسم شعبي على ما أظن؟ .. لا الكثير من الناس لا يستخدمون هذا الاسم .. هل تحبه؟ لم افكر بهذا الموضوع انه مجرد اسم .. ماذا يعني اسمك ؟ ورقة مجرد ورقة .. هنا تكمن براعة الكاتب البطل مجرد ورقة اسمه كاغد تسرد احداث ليوافينا ببقية اوراق الزمن بعدها يخبرنا ان اسمه هو من اوحى له التفكير في كتابة كتاب مقدس جديد، هذا الطرح له دلالت عدة منها انه شخص مجنون يفكر بكتابة كتاب مقدس مدعيا انه المسيح الجديد او النبوة من اجل صلاح عالم بائس فشل الانبياء والمسيح باصلاحه ولانه مجنون نحن نتقبل طرحه حتى لو مس المقدس الديني باعتبار طرح جاء من شخص مجنون،الوجه الاخر يخبرنا الكاتب بأشارة واعية ذات مغزى وهدف مدرك ان العالم الذي نعيشه بحاجة لاصلاح لكن هذا الاصلاح قد يأخذ زمامه شخص دعي يدعي النبوة ليأخذ مصافي الانبياء بخزعبلاته المجنونة وكتابه الذي يدعي، طرح فيه كثير من الجرأة، صلاح صلاح وضع اسس مدرسة جديدة للواقعية العراقية الجديدة بعد الحرب استطيع ان اسميها الواقعية الصادمة فهي تعتمد الواقع وتنيط اللثام بشكل مفاجيء لتصدمنا بسرياليتها ولا معقوليتها اعمال يمارسها الافراد او تمارسها سلطة غاشمة متعاقبة على العراق تتخذ من الافكار الشمولية تبرير لتصرفاتها اللا انسانية امام مواطنيها فتصدمهم بحدث لانستطيع استيعابه و هذا الحدث هو محور كتابات صلاح صلاح يكتبها بجرأة نادرة مستعملا الفاظ عامة الناس بل قاع محيطها واذا علمنا انه يكتب عن الانسان البغدادي المسحوق المنحدر من طبقات اجتماعية مثقفة لها ارث حضاري كبير لكنها مسحوقة لادركنا سبب دوافعه باستعمال الفاظ نعتبرها نحن هابطة او نابية تنم عن سخط كبير واحباط لطبقة ترى نفسها جديرة بالحياة لكن افكارها ومبادئها لا تستوي مع مجتمع مشوه مجنون كالمجتمع الذي يتطرق له صلاح صلاح فتسقط هذه الطبقة وتنسحق وتنزل الى منازل واطئة في عالم غريب من الجنس والجريمة والانحطاط الاجتماعي والعهر السياسي داخل المدينة الكبيرة صلاح صلاح مثقف من نوع خاص درس بآناة الفلسفة الدينية اللاهوتية للعهد القديم واستوعب الفاظها وعرف اسرارها لذا نراه يستعرض هذة الاطلاعات الواسعة في ادبه بل يتخذ منها وسيله للتفرقة بين الخير والشر حسب مفهوم الشخصية التي تروي الحدث فيقول على لسان الراوي في حالة سخط ونوبة غليان وجنون وانتقاص الاخر المتفوق عليه كلمة "غاييم قذر "وغاييم او كوييم تعني الغريب عن الشريعة اليهودية لكن استاد صلاح لم يكلف نفسه ان يضع هامشا لتفسير الكلمة ولا حتى الكلمات الكهنوتية المستعملة للقاريء العادي وتركه يتخبط في سرياليات وهواجس جنونية وفلسفية واوغل في استعمال الغير معروف وترك للقاريء البحث والدراسة كأنه يريد ان يقول انها ليست مهمتي .

524-neeranالكاتب صلاح الانسان حساس مترفع عن المهاترات منطوي على كتاباته واطلاعاته الفكرية مثقف يناصر المرأة بجرأة نادرة ويكسر بهذه الجرأة كل التابلوهات القديمة وهو لايعترف بشرف مزيف يسيل من جوانبه الدم يقول في اوراق الزمن الداعر الصفحة 18 “ يقتلون النساء لمجرد ان تكون ضاجعت رجلا انها كائن له رغباته واحاسيسه ونزواته وهفواته مثل الرجل هناك عالم يعيش تحت ارث رجولي شنيع هل تعرفين ان عدد القحاب هناك اكثر من اي مكان اخر هل تعلمين كم سلطة تتسلط على المراة هناك اللعنة انه جحيم مخيف علاقات معقدة وكبت ونزوات مقتولة وجبروت هائل وجوع جنسي واضطهاد وموت وقتل، المراة هناك هي الضحية الوحيدة لهذا الارث الجهنمي " بهذه الكلمات يلخص كاتبنا موقفه من المرأة وهو لا ينتظر كلمة شكر منها فهي مقدسة بالنسبة له متمثلة بالام الحقيقية او الام الروحية ام المسيح "ام الله " حسب المفهوم المسيحي يقول في الصفحة 83 “ في بعض الاحيان كنت اشعر اني جزء من راحيل من تكوينها الفيزيقي والنفسي والبايولجي انفاسها كانت تمنحي افقا جذريا ملونا حتى رائحتها كانت تسحرني " البطل عاشق دائم للمرأة لا يحتاج الى اثبات لكنه يتعرض للسقوط الجنسي المثلي كضحية تائهة في عالم مشفر وملغز بالغرائب بعد ان يفقد محاولاته بالصمود الكل يسقط في الوحل حتى جدته وعبائتها وهي تخوض في صراع من اجل البقاء وتقرع الابواب من اجل سكن يلمها في آخر عمرها ويحفظ شيبتها لكن هيهات فقاع المدنية يحتوي على الكثير مما يخرجه الحاوي من كيسه على شكل قصص واحاجي وسرد فننظر مشدوهين فاتحين افواهنا على عقوق العم ومعاملته لأمة التي انجبته، وتنتهك الطفولة بضرب العم للبطل الطفل الصغير الكبير ص 98 “ اضرب يا عمي بعصاك البحر واخرج السلطعونات والاسماك والقواقع الخ … .. بأشارة لضرب موسى البحر بعصاه وانشقاق البحر الاحمر لعبور قومه الى الارض المقدسة يستعملها الكاتب كتورية للحالة الفيزيائية للضرب . ثم يقول اضرب كما بدا لك فقد قررت ان لا ابكي " عالم قاسي يمثل ابشع انواع الصراع من اجل البقاء وربط تاريخي وفلسفي موفق يدل على ذكاء من الكاتب في رحلة التيه وفقدان الام ، يتعرف البطل على شخصية نوفل الذي من خلاله يتعرف على الماخور والسينما ومطاعم بغداد ومقاهي الحشاشين ودجالي السياسة واللوطية والسماسرة لكنه لا ينسى ان يسجل لنا صور صوفية اجمل ما يكون عن تضرع زوار الامام الكاظم والدموع والابتهالات ليضع تسائلاته فينقلنا الى فلسفته الفكرية يقول في ص 77” ليس للامام طريقة معينة في حل المشاكل احيانا نسمع صرخات مكتومة واحيانا اخرى تهب عاصفة من البرد والدموع والنشيج كأن الامام في كل الاماكن في الريح في العاصفة في القناديل الملونة والمعلقة في الهواء ولا ينسى ان يذكر الدراويش والمجذوبين في حلقات الذكر وحمل طاسة الاستجداء في مطبخ الخيرات عند ضريح الشيخ عبدالقادر الكيلاني صور يلتقطها الكاتب ببراعة لبغداد خالية من الالوان رمادية لأزمنة الفوتغراف بالاسود والابيض، ازمنة الزمن الداعر

 

نيران العبيدي

آذار 2014 كندا

 

حدث في الكوت في آذار 1991 .. من رواية الصبار لايموت عطشا

ذرات الرمل المتطايرة من سطح "اللوري" تتسلل الى أجساد الركاب الواقفين يستند أحدهم على الآخر كلما أهتز اللوري وهو يجتاز الحفر التي خلفتها الدبابات على الشارع الاسفلتي النازل الى الكوت .

كان نهارا ربيعيا جميلا .. على الجانب الايسر كانت مزارع الحنطة تمتد زاهية، سيقانها الخضراء تتماوج تحت أشعة الشمس فيما راحت عصافير نزقة تطارد مئات الفراشات الملونة التي تتدارى بالزهور البرية.

على الجانب الايمن بساتين تفتحت عن طلع ما يزال حليبا، تحتضنه اشجار النخيل التي تعد برطب جني، الربيع لن يهجر العراق

على سطح اللوري كان الركاب منكفئين على همومهم يبحثون خصوصياتهم بحذر كي لا تفصح سحناتهم عن شيء، من يدري قد يستطيع احد ما الدخول الى ما يفكرون به ‍‍ ..الآخرون إخطبوط تمتد مجساته بكل الاتجاهات .. السلامة في الا تفكر .. لا تناقش نفسك حتى بالصمت الاخرس، لقد تعلموا ذلك بالتجربة .

تطلع في الوجوه عله يتعرف على شخص ما، على شيء مختبئ في عمق العيون، على فكرة ما، قد تطفو فوق النظرات الحزينة والمقهورة .. هل بإمكانهم أن يضحكوا .. حسنا .. أن يبكوا .. ربما هم مستعدون لذلك ولكن الوقت قد لا يكون مناسبا وبالتالي توجه لهم تهمة ما ‍‍‍‍‍‍‍!! ربما تهمة الاساءة، تذكر قصة الالماني الذي ضحك بصوت عال يوم وفاة أم الزعيم فسجن لانه لم يشارك الشعب بالمصاب الاليم !! يوم خروجه من السجن وقف على الجسر .. طويل اللحية رث الملابس يبكي ماضاع من عمره .. سجن أيضا لأنه لم يشارك الشعب بفرحته بعيد ميلاد الزعيم .. الفصول تتعاقب والدنيا تتغير إلا الزعيم

قال السائق ـ الكوت، هل من يرغب بالنزول؟

توقفت السيارة عند مدخل الشارع المتفرع من الشارع الرئيسي .. نزل معه اثنان .. كانت وجوههم تحمل طبقة من الاتربة وتحولت الاجفان الى خطوط سريالية .. لم يتكلم احد منهم .. شعر بالخوف وهو لا يجد غير الصمت الثقيل يطبق على كل كيانه .

كانت تقف على مدخل الشارع النازل للمدينة دبابتان جلس فوقهما بضعة جنود، لم يكلموهم،كانت نظراتهم لامباليه .. أحس أنها جزعة تعبر عن نفاذ الصبر .. لم يشعر أنهم قد التفتوا الى الربيع الملقى أمامهم على امتداد الشارع .

المدينة خالية تقريبا الا من بعض المارة الذين يقطعون الشارع الرئيسي .. من الواضح أنهم يتجنبون المشي وسط الرصيف الواسع، فهم يسلكون الممر المحاذي للحائط .. كان يرين على وجوههم صمت مترقب يعطي لنظراتهم هدوء الانتظار .. وسط الساحة التي حولتها مياه الامطار الى بركة، تنتصب جدارية كبيره ملونة تزدان بصورة ربما ثلاثة امثال الحجم الطبيعي .. كانت الملابس العسكرية تزدان بأوسمة ونياشين وتمنح الجدارية،الشارع والمارين والنائمين في بيوتهم ابتسامة عريضة، شامتة تحاول أن يداري لؤما غريزيا مزروعا في القسمات .

على الكورنيش المحاذي لدجلة في الجهة المقابلة للجسر كانت مديرية المخابرات .. بناية كبيرة على مبعدة عدة أمتار منها لافتة كبيرة مثبة على عارضة خشبية   "" ممنوع السير على هذا الجانب ""

أمام الباب الرئيسي أربعة جنود مسلحين بالرشاشات، على السطح وضعت اسلاك شائكة تحوطا من قيام بعض المتسللين بالصعود الى السطح.

على الاركان فوق السطح صفت أكياس رمل كساتر لحماية الجنود الذين يقفون خلف رشاشات ثقيلة .. على الباب " بوستر " ملون، كان يداعب طفلا ويقسر نفسه على ابتسامة حاول أن يجعلها ودودة .. كان الطفل متشنجا يحس بثقل وطأة الكف على رأسه ويبدو أن المصور وامه يلوحان له ليبقى ثابتا وأن تظل الابتسامة البريئة على وجهه .. هذا عمو حتى وان كانت يده ثقيلة و معروقة .. عليه أن يكون شجاعا ويبتسم .

ساحة وقوف السيارات على الجانب الاخر، الجسر، دمر مساراته صاروخ اطلقته احدى الطائرات التي الحقته بقذيفة اخرى جعلته ينتكس معلنا أن لا مرور.. من يحاول فعلى مسؤليته !! الطائرات لم تستهدف مديرية المخابرات رغم أنها كانت تطلق النار من مدافعها الرشاشة و من جهاتها الاربع وكانت هدفا سهلا ! لماذا تظل الاسئلة حائرة .. متى سيأتي الجواب؟

كان دجلة لا يحييه أحد .. غاضبا كئيبا ولكنه صامت .. المويجات الصغيرة تعبّر عن رفض مكتوم، حمل الجثث مكرها، وزعها على البدعة، الكحلاء،المشرح، واخيرا خص شط العرب بالحصة الكبرى، لم يك يرغب بهذه الحمولات ولكنه كان مقهورا، مشى متثاقلا، كان هو أيضا يطوي جانحيه على همومه، يخشى أن يحملوه الى أرض اخرى كما حملوا نخيل البرحي من بساتين البصره، يخشى أن يصبح عقيما بعد ذلك كما هو نخيل البصرة في مواقع الاعتقال !!

كانت ساحة وقوف السيارات خالية من أية سيارة، مجمعات كبيرة من الراغبين بالسفر ينتظرون،كانوا واجمين ، بعض الرجال يدخنون بحرقة وكأنهم يعوضون الالم والإحساس بالعجز، البعض الاخر كان يدخن لقتل الوقت ومداراة البرد

ـ متى غادرت آخر سيارة؟

سأل خالد رجلا كان يقف مراوحا، امرأته ترضع طفلا

ـ وهل غادرت أول سيارة!!

كان الجواب مراوغا ولكنه ينضح بالسخرية المرة لم يك خالد هو ا لمعني بها، لقد فهم ذلك و قدر أن الرجل متعب أنهكه الانتظار الطويل والبرد ولجاجة الطفل .

تابع الرجل ـ قضينا اكثر من عشر ساعات بالانتظار .. لا أحد يدري متى يلوح الفرج .. اننا ندفع جزاء ما فعلناه .. علينا ان نتوقع الأسوأ !!

لم يعلق بشيء أحس أن هذا الاستسلام هو الذي سيأتي بالأسوأ، لماذا تعتمد ثقافتنا على عقدة الذنب الموروثة .. ترك الرجل وسار الى الجانب الاخر، كانت مجموعة من الشباب تصغي الى مذياع يحمله أحدهم .. كان المذيع يقدم تحليلا سياسيا معطيا صوته اقصى مايملكه من التفخيم بنطق العبارات دون أن يهتم بما قد يسببه ذلك من أذى لحباله الصوتية، وهكذا أيها الاخوة المستمعون سنظل " نلعب " دورا رئيسيا على المستوى الاقليمي والعربي والدولي .

لاحت على وجهه ابتسامة غارقة بالمرارة، نعم " ستلعبون " انه اللعب العبثي، لعب المأساة التي لا تبدو نهايتها قريبة .. انكم لا تؤدون عملا ولكن تلعبون !!

عاد ثانية يتجول في الساحة يتطلع في الوجوه المتعبة التي أمضها الانتظار والترقب .. صرخ طفل أنه جائع .. حاولت الام اسكاته بكسرة خبز .. قال رجل يشتم امراته .. وأخيرا ماذا سأفعل!! أرتفع صوت المذياع بأغنية راقصة، بدى الايقاع السريع نشازا، قال شاب لزميله ليس وقته، أنصت .. الحركة غير عادية، ماذا يحصل؟

على الجانب الاخر بدأ يسمع بوضوح صوت اطلاقات متفرقة .. شاهد الجنود على بوابة مديرية المخابرات يدخلون بسرعة .. انصفق الباب الحديد وراءهم على نحو صاخب سمع في الكراج، كانوا عجلين،استفز هذا المتجمعين في الساحة، اشرأب بعضهم يستطلع وتحرك البعض نحو الجسر .

بامتداد الشارع المتعامد مع الجسر بدأ يشاهد حشد من الناس .. كتلة بشرية متراصة تتقدم وهي تكبّر .

أطلق الجنود من على السطح زخات من الرشاشات الثقيلة .. تحولت الزمجرة المبهمة الى أصوات مختلطة غاضبة وهي تقترب .. من الجسر .. أيقن أنه لن تأتي سيارة بمثل هذا الوضع وانه يتحرق لمشاهدة ميلاد انتصار الناس ولو لمرة واحدة !! كانت نسوة يحملن اطفالهن فزعات يركضن بأتجاه الجسر للهروب الى الجهة الاخرى .. يتقدمهن صبيان حفاة يصرخون .. لقد احتلوا الكوت .. زغردت امرأة .. قالت عجوز وهي تستند الى الجزء المتبقي من   سياج الجسر تنظر نحو الماء وهي   تدخن

ـ وبعدين !

اشتد اطلاق النار .. ظهرت مجموعة صغيرة من الشباب المسلحين .. كانت اسلحتهم متباينة .. بعضهم   يحمل العصي وبعضهم الحراب وقلة تحمل بنادق، التحق بهم بضعة شباب يحملون رشاشات كلاشنكوف، كان واضحا انهم الاقرب الى التنظيم .. تعالى هتاف حاد من مكبر محمول .. الله أكبر ..رددت المجموعات كلها الهتاف .. زغردت النسوة اللواتي كن خلفهم.. زغاريد النسوة تدفع بحماس الشباب الى أعلى مستوياته.. شاهد محاولات فاشلة لتسلق سور المديرية .. سقطت بضعة أجساد ثقبها الرصاص واندفع الدم على الاسفلت حارا لزجا .. أمكن تسلق السور الشرقي .. هبط الجنود قفزا تاركين الرشاشات .. تعالى دخان من قلب البناية .. فتح الباب الرئيس وبدأت أعلام ملونة تتقدم من كل صوب .. أطلق المقاتلون الذين استولوا على البناية زخات من الرصاص الى أعلى معبرين عن الفرح .. قال رجل وصل من الجانب الاخر .. لقد أخرجوا السجناء بعضهم كان مختفيا منذ سنوات .

تقدمت جموع مسلحة غاضبة تعبر الجسر .. انه مشهد يصعب نسيانه .. توق مقهور للحرية رفع عنه الغطاء .. والبناء الذي شيد على الرعب والخوف ينهار بسرعة، بدأت سيارات عسكرية تمر خلف الكراج محملة بالجنود وصناديق الذخيرة .

لم يعبأ الجنود بالحشود المتقدمة وكانهم يشاهدون منظرا لاعلاقة لهم به،اخلي المعسكر على عجل وبهذا تم تجنب مذابح متوقعة .. لوح المهاجمون للجنود المغادرين ولكن أحدا منهم لم يرد .. سقطت مدينة الكوت وسقط المعسكر .

المساء يزحف باردا ينشر القلق والغموض .. لم تحل الفوضى بالمدينة فقد تم تنظيم كل شيء بسرعة، ساعد على ذلك أن العديد من الناس لزموا البيوت منتظرين، في الشوارع مجموعات مسلحة تقوم بالحراسة .. فكر أن هذا لن يستمر وان عليه أن يغادر بسرعة .. سار باتجاه الشارع العام تاركا الكوت خلفه .. انتهت الضجة والصخب .. شعر انه منهك .. كان الهواء البارد يلفح وجهه باعثا في جسده الرجفة .. بضعة بيوت متناثرة تنام خلفها مدينة صغيرة .. كان كل شيئ هادئا .. في المقدمة مقهى صغير تركه زبائنه مبكرين .. في الداخل شاهد رجلا يقوم بكنس الارضية

ـ السلام عليكم

رفع الرجل رأسه متفحصا

ـ وعليكم السلام .. لقد اقفلنا

كان يريد ان يقطع عليه طلب الجلوس

ـ   ولكني لا أقوى على السير ..ولا توجد سيارات ..انا بحاجة الى شيء من الطعام .. سأدفع ما تطلبه .

ـ اجلس .. هل أنت من بغداد؟

ـ نعم

ـ لهجتك مختلفة عن هذه النواحي .. حسنا وما الذي جاء بك في مثل هذه الظروف؟

كان من الطبيعي أن يوجه له مثل هذه الاسئله اضافة الى أنه يدرك أن من عادة الفلاحين الفضول ،الذي لايجدون فيه أمرا غير مألوف

ـ كنت في طريقي الى النجف .. تركت سيارتي قبل الاحداث لإصلاحها فهي بحاجة الى سمكرة .. "عمرة " كبيرة

لم يشأ ان يتحدث عن عائلته لان من شأن ذلك أن يدخله " باستجواب" لانهاية له

ـ انقلاب أم اصطدام؟

ـ الاثنين .. انقلاب أدى الى اصطدامها

ـ وماذا ستفعل الان؟

ـ لا أدري، ولكن الذي أدريه الان أني بحاجة الى شيء من الطعام والشاي .. ألا يوجد مطعم؟

ـ الان ! لا .. ولكن بسيطة .

نهض الرجل الى الموقد فأشعل ورقة ليضعها تحت بضع خشبات احترق نصفها وملأ ابريقا نحاسيا بالماء من الزير الفخاري الذي بدأ ت طحالب خضراء تملأ سطحه الخارجي

سيكون الشاي جاهزا خلال دقائق .. المشكلة في الطعام .. لا أستطيع المغادرة .. راقب الماء وخذ راحتك لاني أود أن القي نظرة على الطريق .

خرج الرجل متجها الى الشارع العام يستطلع وليتأكد أن الجيش لن يعود الليلة الى الكوت .. كان قد تجاوز الاربعين ولكن هيأته العامه توحي بأنه قد قضى حياة مليئة بمتاعب أثقلت قسمات وجهه بغضون ثقيلة وحولت عينيه الى بركتين صغيرتين تنزان ماء .. لم تتحمل كتفاه ما تعرض له فقوست ظهره بانحناءة واضحة .. كانت (دشداشته) ذات اللون البني في يوم ما قد تحول لونها الى لون باهت مختلط .. ربما لم يكن يشعر بالبرد فهو لا يلبس سترة أو عباءة ..كان في قدميه صندلا بلاستيكيا لا يقيهما من الماء .

أعد خالد الشاي ووجد بضع كسرات من الخبز اليابس .. جلس ممددا ساقيه على "التخت " الخشبي الذي راح يموء تحته .. أحس بتكسر الخبز اليابس تحت أسنانه .. قليل من الشاي وتعود للخبز طراوته .. كان طعم الخبز لذيذا لم يتذوقه من قبل .. ناديه المتفحصة هل استكانت لقدرها؟

فاتن لن تسمح لأحمد بالخروج .. الوقوف عند الباب خطر .. ولكن يا عزيزتي وسعي قليلا من حدود حريته .. ان عليه أن يحس بالحرية في مسؤوليته عن تصرفاته .. المراقبة في المدارس .. في الدوائر .. في المقاهي .. لماذا نضيف نحن أيضا مراقبة جديدة ! ثم لماذا لا تستمتعين بوقتك؟.. ألا تتعبك مثل هذه المتابعه .. ولكن أريده أن يصبح رجلا .. أرجو ألا تعقد الامور !.. ستظل متابعاتنا مطلوبة حتى لو كنا في معتقل !! .. السلوك تربية .. ثم تضحك لتدفعه الى تغيير الموضوع   .

بدأت دوريات من الشباب المسلح تشاهد ماشية تراقب الطرقات ..كان بعضهم يلقي عليه نظرة سريعة مستفسرة

ـ السلام عليكم

ـ وعليكم

يبدو أن جاسم غير موجود؟

ـ نعم لقد خرج وسيعود قريبا.

لم يستغربوا وجوده ولم يسأله أحد عن "هويته" كانوا على العموم في العشرينات من العمر أضفى المساء الداكن على وجوههم السمراء صلابة وشيئا من الخشونة .. ربما لأنهم يدركون ما هم مقبلون عليه من المخاطر، على رؤوسهم كوفيات بيضاء بالأسود مما يستعمل عادة في جنوب ألعراق،

جاء جاسم متعبا لقد خاض في برك طينية موحلة فالصندل البلاستيك كان مغطى بالطين، ارتمى على التخت وأغمض عينيه اللتان كانتا تنزان ماء،حاول أن يخفف عنه

ـ كان الله في عونك .. يبدو أنك مشيت كثيرا

ـ أشكرك .. نعم .. لقد ذهبت لتفقد دار أخي .. زوجته والأولاد وحدهم !

ـ هل هو مع المقاتلين؟

ـ كلا .. سحب نفسا عميقا .. ماذا يمكن أن أقول .. هذا أخي الكبير .. كان موظفا في الكويت .. التحق بالفلسطينيين في الاردن ثم انقطعت اخباره .. عاد الى النعمانية ليتزوج ويستقر .. افتتح دكانا للمواد الغذائية.. قبل الدخول للكويت في عام 88 اخذوه ولم نسمع عنه شيئا .

ـ ولكن بأية تهمه؟

ـ الاشتراك بحركات مسلحة !!

صمت لحظة ثم تابع

- ماذا يمكن أن أحكي .. أنا الان في الحادية و الاربعين .. أعرف انك تراهن أني قد تجاوزت الستين ! معك الحق .

رفع رأسه وتطلع نحو خالد .. لم يستطع أن يخمن ما اذا كان يبكي أم أن عينيه تنزان .. كان الدمع قد تجاوز المحجرين ليتدحرج ببطء نحو الغضون الممتدة كأخاديد صغيرة

ـ ما قضى علي ليس اختفاء حسن .. لا .. قتل ابني الكبير حميد .. كان في الصف السادس ثانوي .. يقول عنه استاذ الرياضيات .. انه نابغة .. جاسم تذكر هذا .. حميد سيكون له شأن كبير !!

ـ ولكن كيف قتل .. اعني عملية ثأر !!

ـ ماذا؟ ثأر .. لا نحن هنا كلنا اولاد عم.. المشاكل لا تحل على هذا النحو .. كان حميد شابا لطيفا تصور أنه لم يزعجنا .. لا أنا ولا امه .. كان عشقه يتركز في أمرين .. القرآن الذي كان يحفظ معظمه ويتلوه بصوت بالغ العذوبة والحلاوة.. والشعر .. كان يحدثني أنه يهوى ثلاثة واحد أبن قيس، لقد نسيت اسمه !

ـ امرؤ القيس

ـ فعلا .. والثاني الرضي

ـ الشريف ..

ـ نعم .. أعتقد انه أخو الامام الرضا .. أليس كذلك؟

ـ ربما

ـ اما الثالث فهو من النجف .. يقول ان أسمه الجواهري .. كان يحفظ لهم كثيرا .

وجد خالد أن الرجل يسترسل بالحديث بلذة .. يجد في ذكرياته عن أبنه شيئا من العزاء عن فقده

ـ ولكن من الذي قتله ما دام بهذه المواصفات؟؟

ـ" هم ".. وهل يجرؤ أحد على القتل غيرهم؟

ـ لماذا؟

ـ استدعوه الى المقر .. قالوا له أنت من أعداء الحزب .. قال أي الأعداء!!! .. قالوا .. أنت تحاول أن تتذاكى علينا .. أنت تعرف ما نعنيه .. اعترف أبن ألـ ..

لم يتحمل الإهانة .. ضرب المسؤل الذي شتمه .. قيدوه .. أثناء الضرب مات .. قتلوا حميدا يا أخي ..من يومها وعيني لا تنفكان تدمعان .. كان رجلا .. كيف يشتمه بأمه؟!.يكره الحزب؟

ـ لا ادري فأنا لا اعرف شيئا عن الاحزاب .. الذي أدريه انهم قتلة .. كان يذهب الى الحسينيه في النعمانية .. الجميع يذهبون الى هناك .

ـ هل لديك أولاد غيره؟

ـ نعم أربعة .. ثلاثة صبيان وبنت .

ــ ادعو الله أن يعوضوك عنه .

ـ انشاء الله .. يبدو اني اتعبتك بمشاكلي .. آسف جدا .. ٍاذهب الى البيت .. يمكنك النوم في المقهى حتى الصباح ولكن اسمح لي .. سأغلق الباب من الخارج

ـ لا بأس وأشكرك

ـ في الحقيقة أنا أخاف عليك، لا يوجد في المقهى ما يستحق السرقة .

صمت كل شيء إلا أصوات الجنادب التي راحت تطلق أزيزا مستمرا زاد من معاناته كما بدأت مئات الضفادع على شاطئ الترعة الغربية نداآت لجوجة .. رائحة بقايا الشاي في الصفيحة قرب الموقد كانت عطنة نفاذة .. لماذا لم يخرجها .

في غرفة التوقيف الضيقة كان هناك أكثر من عشرين شخصا وكانت صفيحة مماثلة تبعث رائحة عطنة، أرضية الغرفة الكونكريتية تبعث موجات من البرد حادة تصك العظام .. كانوا ممددين متلاصقين يصعب أن ينقلب أحد على جنبه الآخر دون أن يزيح زميله بضع سنتمترات .

لم يسمح لهم بالاستحمام منذ اسبوع .. تنزت رائحة العرق في جو الغرفة .. التعب والانتظار والقلق المضني لم تترك لأحد أن يشكو .. لكنه الان يستطيع أن ينقلب على جنبه .. التخت الخشبي لا يشاركه فيه أحد.

ـ خالد عبد الدايم

كان صوت آمر حاد

ـ نعم

ـ تعال

لم ينبس أحد بكلمة .. يعرفون أن جلسة " الطرب " ستبدأ .. هكذا يسمون جلسات التحقيق .. جلسة الطرب قد تمتد لساعات .. أنت وحظك .. أنت وقدرتك على التحمل أو الاعتراف بما أنت أو بما يملوه عليك.

يعود من جلسة "الطرب " بكل الأحوال يحمل وجها آخر .. كرة مضرب كانت صفراء .. يبدأ " ألطرب" عادة على الوجه ثم يتقاذفه محققان .. يطرح أرضا .. العصى المطاطية مرنة تلتصق بالجلد   ثم تنط الى أعلى .. راقبها عدة مرات.

-   ابن ألـ .. لماذا لا تعترف .. لدينا خارطة بالهيكل التنظيمي .. نحن لا نريد اعترافك لإقرار الهيكل ولكن حتى لا تدعي البطولة .

لكمة قوية وقاسية على أنفه ويجري شلال من الدم على فمه .

- حسنا أنت لا تريد الكلام ! سنبدأ الخطة "ج" .. انزع.

لم تك لديه القدرة لخلع ملابسه .. لكمة أخري وركلة بين فخذيه وتم تجريده، علق من معصميه .

- الان سنبدأ واذا انتهينا دون أن تتكلم سنتحول الى الخطة "أ" ..أنت حر في الاختيار فالقرار بيدك !!.

ولكن لماذا يعملون بالمقلوب ج.. ثم.. أ.. ربما في هذا الترتيب حكمة لايفهمها هو .

- " أ " يا ابن الـ.. ستجلس على الخازوق .

ضحك المحقق الاقرع .. كان شعره قد تساقط بفعل مرض جلدي من وسط رأسه وبدت فروة الرأس حمراء منكمشة، كان قصيرا ممتلئا يتمتع بصحة جيدة .. يداه قصيرتان ولكنهما متينتان،وجهه املس لا يعطي انطباعا بالرجولة، حينما يبدأ بالضرب فأن ما يغيظه هو أن تتطلع في وجهه .. كان يستشعر الاحتقار فيندفع الى الانتقام بقسوة، حتى حينما " يوفق " في دفع بعضهم الى الاعتراف "و رغم مشاعر التشفي التي تشيع على قسماته " فأنه يلجأ الى الشتائم المقذعة .. أكتب .. ابن ألـ.. أخ ألـ..

توقف كل شيئ فجأة وسمعت أصوات انفجارات وهدير دبابات، هرع المحققان خارجا، سقطت قذيفة على الباب الرئيسي، جاء مفوض بالملابس الرسمية، البس بسرعة، تم اخلاء المديرية .. لقد بدأ هجوم الجيش على قوات الحرس القومي!!.. كان ضحى أحد ايام تشرين .. لقد أعطاه تشرين الحرية صدفة .. لم يعمل من أجلها .. جائته هبة من السماء فماذا سيعطيه آذار !

سمع صوت باب المقهى يفتح .. دخل صبي يحمل فانوسا قال:

ـ عمي، أبي ارسل لك هذا المذياع وشوية حلاوه جزر وخبز

ـ شكرا .. ما أسمك؟

ـ خلف

- في المدرسة؟

ـ نعم بالصف الخامس الابتدائي .. تعرف عمي، الانكليزي صعب .. تعرف أنت انكليزي؟

ـ قليلا

تنهد الصبي ووضع صحن الحلاوة ورغيف الخبز على الموقد المنطفئ وأعطاه الجهاز

5555555555555555555555555555

تنام القرى مبكرا حينما يصمت آخر ديك عن الصياح وعادة ما يكون ذلك مع اختفاء الشمس كلية دون مراعاة فروق التوقيت .. كما أنها تصحوا على صياح أول ديك ..كان غبش الفجر رماديا ..والأرض الطينية برك متصلة بعد أمطار الليلة الفائتة،اذ أنها ليست قابلة لتسريب المياه،غيوم ثقيلة منخفضة ذات لون داكن تبعث في النفس كآبة وميلا للكسل، لا تزال تتحرك ببطء نحو الشمال .

فتح الباب ودخل جاسم (بدشداشته) الواسعة التي فقدت الانتساب لأي من الالوان المعروفة وكوفيته المنقطة بالأسود ولكنه اليوم يرتدي أيضا سترة طويلة زرقاء بأزرار نحاسية لامعة

ـ السلام عيكم

ـ وعليكم السلام

ـ هل استطعت النوم؟

ـ يعني !

انشغل الرجل بإشعال الموقد .. وضع ألإبريق النحاسي الذي سرعان ماغلفه الدخان الكثيف المنبعث من الموقد بطبقة سوداء سميكة ..كان يتحرك بخفة ويدندن بصوت غير مسموع أغنية ريفية .. التفت اليه

ـ سيغلي الماء بعد أقل من خمس دقائق .. لقد جئتك بجبن وخبز وتمر،هل تفضل تناول الطعام الان أ م تنتظر الشاي؟

ـ أفضل انتظار الشاي .. جزاك الله خيرا لقد أتعبتك معي .. هل استطيع الصلاة .. أعني هل المكان طاهر؟

ناوله سجادة صغيرة بحالة جيده .. ربما لا نها لا تستخدم كثيرا !

ـ تقبل الله

ـ منا ومنكم

قال جاسم ـ ربما لم تنتبه اثناء الفجر لأصوات الدبابات وسيارات الجنود وهي تتوجه لتطويق الكوت؟

ـ كلا .. في الحقيقة كنت متعبا لأقصى حد .. لم أسمع شيئا

ـ الامريكان فجروا مخازن العتاد في المعسكر، هل تعتقد أنهم يخشون من وقوعه بيد المقاتلين؟

ـ ربما

ـ هل ستذهب اليوم

ـ نعم .. وأنت ماذا ستفعل؟

ـ سأظل في المقهى .. الوضع خطير جدا، يعني ماذا سيفرق، واحد زائد .. واحد ناقص !

لم يعلق فالأمور تسير دائما على هذا النحو .. دس في يد جاسم بعض النقود وغادر، هل يعود الى الكوت؟ القتال سيبدأ وقد تنقطع به السبل ولن يستطيع أن يجد سيارة الى الكوفة أو النجف، هل يعود الى بغداد؟.

على الشارع العام وقف بانتظار سيارة عابرة، كان المطر قد بدأ رذاذا تدفعه ريح جنوبية رطبه رفعت من درجة الحرارة .. بدت سيقان الحنطة الخضراء منحنية وكأنها تنتظر خبرا مفجعا قد يأتي بأية لحظة .

توقفت سيارة " بيك أب " قال السائق .. الى بغداد ثلاثون دينارا، لابأس، دفع المبلغ وصعد الى جنب السائق، كان المذياع يقدم أغنية ،     يانبعة الريحان !!

 

سبهري .. أبجدية الماء

قليلة هي القصائد التي تبقى قادرة على التواصل مع التلقي حين تزاح بالترجمة من فضائها المعرفي إلى فضاء لغة أخرى، حتى قيل (الترجمة خيانة النص) و(الشعر هو ما لا يترجم)، وما الى ذلك من مقولات تبدو صائبة في بعض الاحايين، لكن ليس دائما .

قصائد سهراب سبهري من النوع العابر للغة، لامتلاكها مقوما تواصليا بينا على الرغم من حفاوتها بالرموز، فرمزية العلامة اللغوية عند سهراب تقوم على اشتغالها في منطقة الوعي الجمعي للعلامة والنماذج العليا للخيال المادي، أي في منطقة المشترك، او الرمز الكوني، مما يرسخ جسورا عبر لغوية متعددة للتواصل مع حركة الرمز أو العلامة داخل النص، وهذا ما يجعل شعره قادرا على تخطي الجدار اللغوي المنيع ليتواصل مع مساحة أكبر من التلقي غير المحلي .

ثمة خصائص أسلوبية تنجلي للمتلقي عند إيغاله في عوالم سهراب، لعل من أبرزها:

 

1 ـ الصوفية:

صوفية سهراب على الرغم من طابعها الكوني فإنها إسلامية أيضا، سهراب من الشعراء القلائل الذين تمكنوا من الافادة من الآيدلوجيا الدينية في تخليق حداثة نصه، مع النجاة من الصبغة المدرسية او الوعظية للخطاب، التي تقع بطبيعتها خارج منطقة الشعر، أي في منطقة المنطق، نجا سهراب من الوعظية فبلغ ضفة الشعر الصافي بزورق الآيدلوجيا، الذي قليلا ما بلغ تلك الضفاف:

وربٌّ في الجوار / بين ورود القرنفل عند الصنوبر الباسق ـ 21

مسلمٌ أنا / الجوري الأحمر قبلتي / عين الماء موضع صلاتي / أسجد على النور / السهل سجادتي / أتوضأ بنبضات قلب النوافذ ـ 25

ذهبت إلى ضيافة الدنيا / إلى سهل الحزن / إلى حديقة العرفان / ذهبت إلى شرفة المعرفة المضيئة ـ 34

وكثيرا ما نجد العلامات المائية محملة برمزية ترتد الدلالة فيها على نفسها، لتخليق (الشطحة) بوصفها ذروة معرفية في سيرورة الخطاب الصوفي وملمحا اسلوبيا لصيقا به :

أسمى من قانون الماء ـ 21

عين الماء موضع صلاتي ـ 23

أعرف جيدا أن بركة ألواني تخلو من الأسماك ـ 31

الماء وما يعكسه ـ 49

نتسلق أقدام المطر الرطبة نحو قمة المحبة ـ 71

سأمضي في إبحاري، نحو ماوراء البحار / حيث النوافذ تشرف على التجلي ـ 87

تندرج الشطحات ضمن صوفية الخطاب، وتبدو إحدى سماته الاسلوبية، في عبارة الشطح، تتعالق العلامات تعالقا غرائبيا، حيث يقوض الشاعر سكونها المعجمي والتداولي ويلحقها بفضاء جديد وتعالق غير سكوني، يضع المتلقي عند بوابات التأويل المشرعة :

أحيانا أبني من الألوان قفصا وأبيعها لك لتحيي بها غربة قلبك ـ 29

لوحتي تبدو باهتة / أعرف جيدا أن بركة ألواني تخلو من الأسماك 31

امرأة تطحن النور بمهراس ـ 41

أينما أذهب .. السماء لي / وكذا النافذة والفكر والهواء والحب والارض 55

وما الرحلة التي يسردها الشاعر لقارئه في قصيدته الاخرى (ما وراء البحار) سوى رحلة المعرفة والكشف عن الحجب، انها رحلة صوفية بامتياز، رحلة الروح الظمأى لرشفات التجارب والمطالعات والاسئلة:

سأصنع قاربا وألقيه في الماء / سأبحر تاركا خلفي غربة هذه الارض 77

انها رحلة التجرد اللانهائي من الشهوات والنوازع الدنيوية، رحلة الاستغناء والاكتفاء بالبحث والابحار لبلوغ الحقيقة :

قاربي يخلو من الشباك / وقلبي من شغف اللؤلؤ / سأمضي في إبحاري / لن يتعلق قلبي بالازرقين / ولا بحوريات البحر المتبرجات / حيث يحاولن إغراء الصياد الوحيد 79ـ81

وقد هدته عبارة الشطح الى ضرب من مساءلة الأعراف، والساكن الدلالي في الوعي الجمعي، ليس الشك الذي يضرمه سهراب في السواكن والتواطؤات إلا أحد وسائله لبلوغ اليقين، أو بتعبير أصح للتعبير عن يقينه المتخطي للأشياء إلى ماورائها، وللظواهر إلى مكنوناتها :

أستغرب ! .. لماذا يقولون الحصان حيوان نبيل ؟ واليمامة جميلة، ولماذا لا يحتفظون بالنسر في أقفاصهم ؟؟ / ماذا ينقص البرسيم أمام التوليب الأحمر ؟؟ / فلنغسل أعيننا ونغير نظرتنا / يجب أن نغسل المفردات 58، 59

صعدت من سلم المذهب / ذهبت حتى نهاية زقاق الشك / إلى نسيم الاستغناء / ذهبت حتى ليل المحبة الندي / إلى لقاء شخص في الضفة الأخرى من الحب 35 ـ 37

 

2 ـ السيرية وبساطة التعبير:

فسهراب يكتب سيرة غير ذاتية لروحه على الرغم من ذاتيتها المخاتلة، إنها تصطحب المتلقي وتأخذ بيده إلى ذاته بوصفها تجليا آخر من تجليات الشاعر، تقترن السيرية غالبا بلغة تجمح نحو البساطة والوضوح، على الرغم من كثافتها الاستعارية والكنائية والتشبيهية والمجازية عموما :

أنا ابن كاشان / أموري لا بأس بها / لدي كسرة خبز وشئ من الذكاء / وقدر من الذوق / لدي أم من أوراق الشجر ـ 19

رأيت على مائدتهم خبزا وخضارا / الندى كان صحنهم والمحبة قدحهم الدافئ 41ـ 43

ابن كاشان أنا / لكن .. كاشان ليست مدينتي ! / ضاعت مدينتي ! / أنا بنيت منزلا في الطرف الاخر من الليل / بتعب وعناء / انا سعيد بتفاحة / وبعبق زهرة البابونج / قنوع أنا بمرآة / وعلاقة خالصة49ـ 53

 

3 ـ حضور الطبيعة:

ليست الطبيعة في النص السهرابي تأثيثا لمشهد المكان الشعري، وإنما هي حلول متبادل بين الذاتين : الطبيعة والشاعر .

لذلك، تؤدي علامات الطبيعة مهمة تواصلية عبر المغزى الرمزي للعلامة الناجم عن وعي الشاعر للمحمول السيميائي لعلامات خطابه، ويطالعنا الماء بوصفه العنصر السيميائي الأكثر هيمنة على هذا الحقل الدلالي، ابتداء من العنوان (وقع أقدام الماء)، (ما وراء البحار) (ماء)، مرورا بالإهداء المائي اللافت عند عتبة المجموعة: (إلى قطرة الماء الندية على زهرة شقائق النعمان) .

لا يخفى ما للماء من نصيب كبير من مساحة رمزيتها وتشكلها الصوري والمجازي .

وحينا تكتظ العلامة المائية بمحمولها التطهيري الذي يستدعي بدوره محمولها التخصيبي، بوصف الماء العلامة المهيمنة على فضاءات التطهير الروحي والجسدي، والتخصيب المضاد للجدب والظمأ :

يجب أن نغسل المفردات ... ونخرج تحت المطر ... نغوص في أعماق الحب ... يجب أن نلهو تحت المطر .. فالحياة تبلل متوال

الحياة هي الاستحمام في بركة اللحظة .. ـ 59 ـ 65

 

لندع الماء نقيا، ربما في السهل يمامة تروي عطشها

... في القرية ربما يملأ إنسان جرته، لندع الماء نقيا

... تدنو حسناء من الماء، فلندعه نقيا

يا لعذوبة الماء، يا لنقاوة النهر 97 ـ 103

 

إن شعر سهراب يقدم للمتلقي مائدة معرفية غنية بالالوان والنكهات، يحتفي سهراب بالطبيعة على نحو معرفي، مغاير، لا يقع في التهويمات والتهويل الرومانطيقي، بل يحتفي بالطبيعة بوصفها تجليات متواصلة تطل منها الحقيقة على الشاعر المتطلع اليها بشغف وإصرار ويقين، وفي منطقة المهمل يُعمِل بصيرته النافذة للكشف عن المزيد من جماليات المعرفة .

ليس في رؤيا سهراب كائن أو عنصر غير مهم، كل الاشياء لها أهميتها وجماليتها حتى أبسط الاشياء وأكثر الكائنات عادية وأقلها حظا في لفت النظر، النظر المتعالي الذي يدينه سهراب:

كم هي صافية قلوب أهل القرى / بوركت ينابيعهم وحليب ابقارهم / لم ازر قريتهم / لكن دون شك آثار الله حول أكواخهم جلية / والكلمات مستنيرة بضوء القمر / دون شك : لا يملكون أسوارا عالية / ولا يغفلون عن شقائق النعمان / دون شك .. هناك الازرق أزرق / والناس يعلمون متى تزهر الورود 103 ـ 107 .

 

د. محمد الاسدي ـ جامعة البصرة

.......................

• وقع أقدام الماء ـ سهراب سبهري، تعريب وتقديم زهراء حسين الموسوي، منشورات ذات السلاسل ـ الكويت ـ 2013 .

معلومات إضافية