قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

عقيق النوارس للاديب العراقي الدكتورلميس كاظم

اضاءة على رواية الاديب العراقي المغترب الدكتورلميس كاظم!

كثير من العراقيين تركو الوطن الام لاسباب مختلفة قسريا بالتسفير او اراديا هروبا من الاعتقالات والحروب والملاحقات ومنهم من عاد للعراق بعد سقوط الديكتاتور الفاشي صدام حسين على يد القوات الامريكية عام 2003 ومن عاد منهم كبطل الرواية هاني كان حاملا معه احلاما وردية في بناء العراق الجديد الديمقراطي المدني ولم يتصور احدهم ان يكون هو بنفسه اداة لتخريب العراق الجديد ليعود من جديد الى منفاه خائبا فاشلا محطم الاحلام والامنيات ومنهم لم يعود لمنفاه ولم ينجو من المفخخات في شوارع العراق او الاختطاف هذا ماتناولته رواية الدكتور لميس كاظم والكثير باسلوب شيق للغاية وصور حية بحيث لاتستطيع ترك الكتاب من يديك ولن نكشف نهاية الرواية !

كل العالم بات يعرف قصة الشعب العراقي المشرد في جميع بقاء الارض على هذا الكوكب فمنهم من ترك العراق بارادته لينجو من النظام البعثي الفاشي او لانه رفض المشاركة في الحرب ضد ايران ورفض ان يقتل انسان برئ ومنهم من اجبر على مغادرة العراق تسفير قسري وتجميد كل املاكه كما حدث مع الاكراد الفيلية او كما لقبوا بالتبعية الايرانية رغم انه تم تسفير عائلات عربية غير ايرانية الاصل فقط لانهم تجار اغنياء ليستفيد نظام البعث من املاكهم في الماكينة الحربية ضد ايران عام 1980

رواية الدكتور لميس تسلط الضوء على قصة طفل اسمه هاني من مواليد بغداد منطقة البتاوين يهاجر مع اسرته والده انور ووالدته مليكة الى امريكا ويعود للعراق بعد مرور عقود بعد ان اصبح رجلا ذو منصب هام في امريكايعود لبغداد مع زميلة عراقية نوال عاشت مثله في امريكا تربطهم علاقة عميقة عمليا وعاطفيا كما تربطه علاقات ليلية ساخنة مع الكثيرات يعود للعراق حاملا معه حلم اعادة بناء العراق الجديد بعد سقوط الديكتاتور سمع قصص عن بغداد كعروس جميلة تزخم بالمهرجانات الثقافية والحب والشعراء ليعود الى بغداد ويراها جثة مشوهة ومقطعة الى اشلاء ويجد امامه بلد تتلون شوارعه بالجثث بلد تتسابق فيه الفتاوي لترفع عدد القتلى بلد ملتحف باللون الاسود حتى في النهار حتى نساؤه لكن هاني يستمتع بكل النساء هناك رغم انه في امريكا كان يرفض الارتباط باية امراة عراقية حسب ذوق والدته يعود هاني للعراق لبلد غاب عنه الجمال الا ان البطل هاني يعود محملا باحلام جديدة تصطدم بكوابيس بلد ترابه عجنت بدماء الابرياء الذين ينحرون يوميا باختلاف عن الاغنام التي تنحر فقط في الاعياد مرتين في العام ولكن اثارة النساء لهاني تجعله يعيش في تلك الارض الميتة

يمكن تلخيص شخصية البطل هاني بافضل صورة بمقولته التالية " لاني لم اترك نهدا الا وتسلقت مرتفعاته لم ار عنبة سوداء او عسلية ناهضة الا وقرصتها بين اسناني لم التق بلمى رطبة الا وتذوقت نعومتها لم ارى سيقانا سكرية الا وعصرتها بين افخاذي كان طعمهن مختلفا عن كل اللاتي تلذذت بهن من قبل لااعرف سر هذه المدينة التي سحرتني بجمال نسائها كان اجسادهن مخمرة بعذوبة ماء دجلة ومعتقة بخل تمرها ومحمصة بابتسامة البدر المنور ظله على شرفات المدينة

 

رواية لكنها اشبه بنص شعري بصور رومانسية رائعة لبطل الرواية الذي لايتعب من اللعب بالنساء يعيش كل يوم قصة رومانسية جديدة مع امراة جديدة.الجدير بالاشارة انه في امريكا رفض الزواج باي فتاة عراقية تقدمه امه اليه رفض الزواج التقليدي من عراقية ورغم زواجه من الفتاة الامريكية التي يحب الا انه يظل بين امراتين حتى عندما يعود للعراق يطير من زهرة لاخرى لايستقر على امراة واحدة فيلتحف كل ليلة بامراة مختلفة العراقيات في العراق يصبحن الهواء الذي يتنفسه هاني بعد ان كان يرفضهن في امريكا ضمن ايطار زواج شرعي حسب والدته.

رواية لكنها تتخلل المئات من قصص شهرزاد لتكشف الواقع العراقي مع دخول القوات الامريكية للعراق بحجة بناء العراق الجديد بعد اسقاط الديكتاتور صدام حسين الذي جثم على قلب الشعب العراقي عقود وزج شعبه في حروب لاطائل لها و حصار اقتصادي دفع ثمنه الفقراء وتتضمن الرواية روايات عديدة بصور شعرية عميقة لمعاناة العراقيين بعد الغزو الامريكي حيث الموت هو اغنية الصباح والمساء فالمفخخات لاتميز بين طفل وكهل واختطاف الابرياء مقابل فدية خيالية تنتهي بقتل الضحية ولاينسى الروائي الاديب الدكتور لميس ان يسلط الضوء على فضيحة الاعتداءات الجنسية على المعتقلين والمعتقلات العراقييات في سجن ابو غريب من خلال قصة احدى السجينات العراقيات ومحاولة فضح تلك الانتهاكات عالميا من خلال البطلة نوال التي عادت للعراق مع هاني والقوات الامريكية

لايمكن لاحد منا ان ينكر ازمة او فجوة اصطدام الحضارات عند الهجرة لدولة ثقافتها تختلف عن ثقافة الوطن الام فاما ان تندمج وتتاقلم بالثقافة الجديدة بشكل طبيعي وتتاقلم مع افراد البلد الجديد او تنفر من ثقافة البلد الجديد وتعاديه وردة الفعل تختلف من فرد لاخر احيانا تكون قاسية يدفع الثمن بكل الاحوال المغترب كانعزاله عن المجتمع وبقائه وحيدا وربما يصبح مدمن على الكحول او المخدارات والحشيش وربما يصبح مدمن على الادوية وربما ينتحر ويدور في مشاكل نفسية كثيرة وخاصة للذين في الاصل تركو الوطن الام بعد تعذيب في سجون المعتقليين السياسيين والملاحقات الامنية واذية اسرتهم وربما فقدوا احد افراد اسرتهم هذا المغترب الامه اكثر بكثير من المغترب الذي ترك وطنه بارادته ولم يكن معتقلا في السجون ولم يجبر على ترك اهله او حبيبته اوثروته او مبادئه وقيمه بل هجر وطنه بارادته .ربما يكون ثمن الاغتراب ايجابيا فيتغير المرء نحو الافضل باختلاطه بحضارة متقدمه لها قيم عالية مثالية تخلصه من رواسب ثقافته الرجعية وربما يكون ثمن الاغتراب سلبيا فيتحول المغترب المهاجر الى وحش كاسر مجرم مريض نفسي او مدمن كحول ومخدرات او ارهابي وينتهي للسجن او الانتحار الوحدة يضرب زوجته واطفاله يسرق ينصب يقتل .

في بداية رواية عقيق النوارس للاديب للدكتور لميس كاظم يسلط الضوء بشكل دقيق وذكي على الازمة الاجتماعية التي يعانيها الفرد العراقي مع اسرته وابنائه وخاصة اذا كان لديهم ابن وحيد في مجتمع امريكي بعيد عن ثقافة المجتمع العراقي ويتناول ازمة الاندماج مع ثقافة غربية في نفس الوقت مع رغبة الحفاظ على ثقافته الشرقية يصورها الدكتور لميس بدقة وجمال وكانها لعبة يمارسها المغترب العراقي للاندماج مع الحضارة الجديدة الغربية وفي نفس الوقت يحاول التثبت النفسي للحفاظ على عاداته الشرقية يصورها الدكترو لميس من خلال محاولات الام المتكررة بالضغط على الابن هاني للزواج من فتاة عراقية وليس الزواج من فتاة امريكية حتى لو كان الابن يحبها . فهل يتزوج الابن بامراة عراقية تحافظ على حياته وتفهمه ام يتزوج من امراة غربية من البلد التي ارتحل اليها واندمج مع ثقافتها انها لعبة معقدة لعبة الاندماج مع الثقافة الجديدة دون التخلي عن الثقافة العراقية الشرقية يصورها الاديب الدكتور لميس كاظم بجمالية شاعرية بوصف علاقة البطل هاني وتمزقه بين امراتين امريكيتين مختلفتي في الشخصية احداهن تتصف بالجدية المحافظة تريسا والثانية الفاتنة اللعوب التي تعرف كيف تثير جنون الرجل وتجره زاحفا الى سرير الحب التمرجح بين امراتين فتمرجحه بين امراتين كتمرجحه بين حضارتين الثقافة العراقية والثقافة الامريكية فاللعب بين امراتين واحدة تحترم العادات والتقاليد كما تصور له والدته العادات العراقية وتحاول اقناعه بالزواج بامراة عراقية ملتزمة اما المراة الاخرى تمزق كل تقاليد المحافظين وتبعثرها على سرير الحب.ربما هذه حال العديد من الاسر العربية التي تهاجر للغربفيعيش الابناء بين شخصيتين متذببتين تربية عربية ملتزمة وتربية غربية فيصبح الطفل ثنائي الشخصية

يستخدم الاديب الدكتور لميس كاظم شخصيات في الاصل هم ولادة العراق ولكن يهاجرون مع اسرهم الى امريكا ويكبرون هناك في حضارة وثقافة غربية ثم يعودوا للعراق مع القوات الامريكية ويعملون مع القوات الامريكية على اساس خبرتهم بالثقافة واللغة العراقية وحلمهم باعادة بناء العراق الجديد بعد اندثار الديكتاتور لكنهم يصطدمون بالموت الذي يلاحق الجميع ليخسروا اعز الناس وتخنق احلامهم الوردية ومن تلك الكوابيس التي يصطدمون بها كسرقة اثار متاحف العراق امام اعين الجيش الامريكي وكابوس صكوك الغفران التي يقدمها الامريكان للضحايا العراقيين وهي عبارة عن شيك تعويضات مالية في حالة القتل الخطا

الرواية تزخر بصور حية لدرجة انني عند وصولي للصفحة 316 اجهشت في البكاء ولم اقوى على ايقاف دموعي وكانني ارى المشهد امامي عند اجتماع الاخوة في المستشفى لرؤية جثة اخيهم محمود للمرة الاخيرة

في الختام اتمنى ان تترجم رواية عقيق النوارس الى اللغة الدنماركية والانكليزية والى لغات مختلفة وتصور سينمائيا لانها توثق معاناة الشعب العراقي بعد الغزو الامريكي وتفضح الواقع العراقي الذي يغوص يوم بعد اخر في مستنقع الموت والظلام

ختاما تحياتي الخالصة للاديب الدكتور لميس لانه سمح لي ان اترك واقعي المترف لايام واعيش واقع العراقيين الماساوي ولاانسى الصور الرومانسية الساخنة التي تحملنا من عالم الروتين الممل الى عالم شهرزاد الخيالي

مكارم ابراهيم

(أردابيولا) لـ(يفتوشينكو):..استشراف لمجتمع في طريقه إلى الانهيار والتفكك

jasim alayffقدم القاص والمترجم "محمد سهيل احمد" إلى قراء اللغة العربية، لأول مرة، الشاعر الروسي (يفجيني يفتوشينكو) روائياً في روايته (أردابيولا)*. شهرة (يفتوشينكو) الشعرية قد طغت على منجزاته الثقافية- الفنية الأخرى، فقد كتب السيرة الذاتية والرواية والمقالة والدراما والسيناريو، ومارس الإخراج السينمائي،كما مثل الدور الرئيس - سنة 1979 - في فيلم Vzylot

وعمل فيلمين سينمائيين بوصفه كاتباً ومخرجاً هما (روضة الأطفال-1983) و(جنائز ستالين- 1990 ).أنجز يفتوشينكو رواية (أردابيولا)، عام 1984 وصدرت بعد عامين في نيويورك، عن دار(سينت مارتنيز) وترجمها إلى اللغة الانجليزية (آرموررويسن). ثم بعد سنوات أعيد طبعها ثانية عن الدار نفسها، والمترجم يؤكد انه اعتمد الطبعة الأخيرة. و يَذكر انه: "قد جاء في الغلاف الأخير للطبعة الإنجليزية: موسكو تواجه بعض المآزق..المدينة مبتلاة بطاعون أتت به تماسيح مفعمة بالخسة والدهاء، غارقة في حفلات العربدة،ومسكونة بهاجس اقتناء الجينز الأمريكي".رواية (أردابيولا) قد تعد بمثابة نكتة فظة و بالغة القسوة في وجه الدنيا، وكارثة لبطلها وتمهيد لرحلته سعياً وراء الخروج من يأسه نحو أمل متجدد يكمن في ذاته، كما حاولت الرواية أن ترسم صوراً تفصيلية عن مرحلة ما قبل وبعد(البيروستراكيا) وتوق الناس لأهمية الفرادة في شؤونهم وقناعاتهم الشخصية. وهي تندرج عن قصد أو دونه، ضمن ما يطلق عليه بـ( الكتابة الضد)، لكنها لا تقع في منطقة (البروباغاندا) السلطوية النفعية والمجانية والدعائية، ولعلها توثيق حقيقي لشرائح اجتماعية ينتمي الكثير منها إلى ما يطلق عليه، على وفق التوجهات الفكرية والاجتماعية السابقة بـ"الشغيلة المثقفة" أو "شبه المثقفة"، وبعضها تقدم في السن وعانى من الإحباط، بعد أن نهكته وانتهكته (السلطة) بقهرها الدائم وشكوكها غير المبررة إنسانياً، وكذلك بفظاظتها،على وفق الوقائع الفعلية التي جرت قي تلك المرحلة، بالترافق مع أهوال الحروب الأهلية التي أثارتها القوى المضادة للتغيير الذي حصل عقب سقوط الحكم القيصري، لمواجهة تلك التغييرات التاريخية والساعية بمختلف الوسائل لوأد ما أنتجته من تحولات كانت أثمانها مريرة ومفجعة وباهظة جداً، وكذلك سنوات الحرب العالمية الثانية. فتحولت أحلام القسم الآخر الأكثر شباباً نحو الحياة في الغرب وبات يواجه مصاعب سنواته عبر التعامل ،خلسة في السوق السوداء، حتى وان كان المضاربة بتذاكر دور العرض السينمائية التي تعرض أفلاما هندية، وعاش شغوفاً بجميع ما هو قادم من العالم الرأسمالي: الدولار، الكوكا كولا، بناطيل الجينز، الويسكي خاصة (الوايت هورس)،و سكائر( الـمارل مابارو) برائحتها النفاذة القادمة من بعيد، والانخطاف بالـ(روك اندرول) بإيقاعاته الصاخبة. يوضح (أردابيف)، بطل الرواية، للفتاة التي التقطها في سيارته من الشارع، و كانت تحمل نسخة من مجلة(الآداب الأجنبية) وتعاني من الإجهاض بطريقة بدائية، انه يعمل على مواجهة مرض السرطان الذي ينشب أظفاره في صدر أبيه،عامل الفحم في قطارات سيبريا، عبر محاولاته البحثية الجامعية من خلال تهجين حشرة مع نبتة الـ(أربيدولا) مؤكدا لها:"نحن علماء الوراثة فقط مَنْ يستطيع ذلك من خلال المزاوجة بين الحشرة والنبتة"، ويذكر لها شيئاً عن كتابه الثاني المعنون" كيفية علاج الأمراض المستعصية بواسطة الموسيقى". وتؤشر الرواية إلى بعض شعراء روسيا ومنهم: ميخائيل سفيتلوف وولعه بلا حدود في الغابات الروسية، وسرجي يسنين الذي شنق نفسه في غرفة بأحد الفنادق الرخيصة، وهو في الثلاثين من عمره، ومايكوفسكي وانتحاره في قمة مجده الشعري، وعشرات الكتاب و الفنانين،بمختلف إبداعاتهم التي تلقى الرفض المتواصل وتثير الشكوك حولهم، ومعهم كثير من البشر ومصائرهم الأليمة بعد أن ذووا في معسكرات السخرة في الثلوج السيبرية. ينال (أردابيف) درجة علمية مرموقة عن كتابيه ويتم طبعهما في موسكو أولاً، ثم في الولايات المتحدة،والمانيا، وفرنسا، وايطاليا، وفي بلدان أخرى، وفي ذروة احتفاله بانجازه يجد في غرفته برقية أمه التي تؤكد فيها باقتضاب:" أبوك توفي.. الجنازة الأربعاء". فلا يكترث للأمر، بل ما يهمه دأبه الدائم وسعيه المحموم إلى الحصول على ريع كتابيه بالعملة الصعبة، فلم يحضر جنازة أبيه، لكنه يتخيل عمال سكك الحديد يحملون تابوتاً مغطى بملاءة حمراء على امتداد احد الأغصان. وينحدر من بعيد صوت أمه إليه:"هل ستأتي لدفني يوماً.. ". الجانب السردي في الرواية ينفتح على فضاءات متعددة منها الصوت المنفرد والتداعي غير المقيد بالزمان والأمكنة، والشعر والموسيقى والغابات والحانات الرخيصة العلاقات الزوجية، التي باتت خامدة بفعل تراكم الأيام والسنوات، وخياناتها، والانغماس بشرب (الفودكا) الرديئة من قبل الجميع، وبضمنهم الفتيان وان كانت مسروقة.يسجل،للمترجم" محمد سهيل احمد" انه قدم الرواية بلغة عربية مشحونة بشاعرية مرهفة عكست عوالمها وأجواءها بتمكن، وهي من السمات المعروفة عن قصصه، منذ بداياته الثقافية( شاعراً) ونشره بعض قصائده في بعض الصحف( البصرية والعراقية والعربية) والتحاقه بعد ذلك للدراسة في كلية التربية- جامعة البصرة- قسم اللغة الانكليزية.وتقاسمه مع القاصين(محمد خضير ومحمد عبد المجيد) الفوز بجوائز مسابقة القصة القصيرة لملحق جريدة "الجمهورية" الثقافي عام 1964، ومجاميعه القصصية "العين والشباك"1986 -الكويت و"الآن وبعد سنين" دار الشؤون الثقافية العامة " بغداد-2005، و"اتبع النهر" 2010 - اتحاد أدباء وكتاب البصرة.و ثمة تراجم عدة له أهمها رسائل" رامبو" التي قدم لها الشاعر "حسين عبد اللطيف"، ونشرت،صيف عام 1974، في مجلة "الأقلام" العراقية. إضافة لعمله في الصحافة الكويتية والأردنية،وبعد سقوط النظام عمل في صحيفة (المنارة) التي تصدر في البصرة وتوزع في كل أنحاء العراق، وبعض دول الخليج العربي، والآن رئيس تحرير صحيفة (الأخبار) الأسبوعية، لتي تصدر في البصرة عن (شبكة الأعلام العراقية). يلاحظ في رواية (أربيدولا) أن السرد والوصف يرتبطان ويتمازجان فيها بوساطة مقاطع متكاملة من الكلمات والجمل المتواصلة وعبر التتابع الزمني لخطابها الروائي، الذي لا تؤثر في تماسكه تنقلات شخصيتها الرئيسة في الأمكنة المتعددة والأزمنة المختلفة، وبذا تغدو (أردابيولا) بمثابة (استشراف) لمجتمع بات في طريقه إلى الانهيار والتحلل التاريخي وعلى حافة التفكك تدريجياً، وعلى الجميع أن يلقي جانباً تلك العقود التي تبددت بكل ضنكها وأحلامها وآمالها وعليه ان يدفع الثمن مجدداً بسبب التغييرات الجديدة العاصفة، وانهيار أحلام ملايين البشر في كل مكان من هذا العالم. الشاعر الروسي(يفجيني يفتوشينكو)ذهب في كتاباته الشعرية والسردية إلى التأريخ- الروسي تخصيصاً- معتمداً الوثائقية المتوفرة له. ومع انه أبدى اهتماماً بالمحطات ووجهات النظر الحكومية في سرديات التاريخ المعلنة رسمياً، لكنه بقي يبحث في الوجه الخفي في الوقائع المخفية قصدياً . و بحثه في الوجه المغيب للواقع والتاريخ،متجاوزاً الإطناب والبهرجة والتزويق، وواقفاً ضد تزوير الحقيقة، وتأبيد الذل والتزييف. يمكن اعتبار رواية (أردابيولا)مزيجاً من الشخصنة والسخرية المُرّة وكذلك (الفانتازيا) التي تجنح بقصدية نحو الحس الغنائي، وهي بمثابة بانوراما للحياة الروسية- الأوكرانية والسيبيرية، وتعود في أحداثها ووقائعها لزمن ما قبل تفكك الاتحاد السوفيتي. يفتوشينكو الشاعر، في رواية (أردابيولا) حرص على التعامل فنياً وثقافياً مع مفاهيم (بيروستريكية)، و تقديم شخوص الرواية عبر الكناية والتلميح. فعمد إلى أن تغدو شخصياتها بين الموقف الوسطي، فلا هي مع ما يسمى، رسميا في ظل النظام السابق، بكتّاب(الضد) كبوريس باسترناك والكسندر سولجنستين وغيرهما في كل المجالات الإبداعية - الفنية الروسية، ولا مع التوجه السلطوي البيروقراطي والسعي لتجميل الفظاعات التي تواجه الإنسان، والبحث عن المبررات و التلفيق المتواصل والخادع، وتجميل رعب السلطة القامعة وبيروقراطيتها، عبر ممثليها، كما في شكوى مصور الصحيفة الرسمية جراء غضب (مديرها) الدائم عليه وتذمره المتواصل من صوره الفوتوغرافية، كون:" الناس يظهرون فيها بثياب مهلهلة متهرئة". وسخرية المصور، السرية، تجاه مديره، لأنه : " يعتقد إني أتدخل في لباسهم". ناقد مجلة(نيويورك بوك ريفيو) وضع(أردابيولا) في خانة رواية (الفانتازيا)، فأعترض عليه بعض النقاد الغربيين، مؤكدين، انه يمكن اعتبار رواية الشاعر (يفتوشينكو)هذه، فكاهة سوداء تقع في منحى سردي، و تقرأ باعتبارها عملاً شعرياً في رواية مرةً أو عملاً روائياً شعرياً مرة أخرى. وقد عدت رواية(أردابيولا) بعد نشرها في الغرب بأنها تنتمي إلى الرواية العلمية. (أردابيولا) ليست الرواية الأولى التي كتبها(يفتشينكو) فقد قدم عام 1967 رواية (بيرل هاربر) وتناولت الحرب العالمية الثانية وما جرى فيها من فظاعات، وكذلك كتب رواية عام 1982 بعنوان(أماكن الحبات) تمحورت ثيمتها على نزع ملكية أراضي (الكولاك)، بالإكراه، في سيبريا خلال ثلاثينات القرن الماضي، كما كتب رواية (لا تمت قبل الأوان) عام 1993 وهي ذات طابع سياسي وفلسفي وذاتي في نفس الوقت .

 

فلسفة رعي الغنم والنبوة .. قراءة في قصيدة "أغنام قزحية" للشاعر المغربي محمد بو غنيم البلبال

hayelali almotheabiأولاً: النص

أغنام قزحية

 

"من هواياتي رعي الغنم

اريد ان ارعى غنمي

والنقش على الحجر

كالأنبياء

احب العزف

على الناي كالغجر

انا الراعي

اين غنمي

احبها في ممشاها

اهوى القمر

غنمي غنمي

ما احلاها

تهوى الشعر

والعزف على نايي والوتر

هل لك هناك في الجبل مستقر

غنمي غنمي

ارعاها

اهشها بعصاي

لا صخب لا ضجر

علبي البيضاء

تنبيني

ممرات تعز واسوان وجذع نخلات تعلو تعلو

علو الصفصاف سمو الالهة انانا

ضوء قمر

غنمي غنمي

ارعاها

كالنبي

كآلهة أولمب

ﻻللنوم في مقلتي مستقر

 

وهذا السعد خط ميازب

في اعماق

ماء خرافي

لا الناي استوى

ولا عصاي رقت

ونبي الشوق أغواني

بصلعة

الغيم

ورمش

ايقونة زنت يوم لقائي بها

يا غنمي

وزعي موسيقاي بالتساوي

فوطني جرعة

أحلام

لن يبددها ثغاء الخريف

ولا سفر الاوهام

غنمي

غنمي

موج الذكريات

حين اتقن

مخابئ

الجرح

في طلعة صفيري

ونباح

وفي القطيع

غنمي غنمي

متى القاك غنمي "

 

ثانيا: القراءة

• ثمة علاقة وطيدة تربط بين سلوك الإنسان وطبيعة عمله، وهي علاقة تتطور وتتعمق وتُسيطر على سلوكيات الإنسان بوعي منه وبدون وعي، هذه العلاقة تندرج في إطار العلاقات الإنسانية السلوكية المحضة، والتي لا تحتاج إلى مرجعيات أو استنادات أو مسوغات لإثبات صحتها وفاعليتها وحقيقة وجودها، بل تقتضي التأمل لأنها لا تتحقق إلا مع المدى البعيد غالباً أو مع بدايات الإنسان التكوينية التي تشكل وعيه وثقافته، فالمعلم – مثلاً- له علاقة سلوكية تربط بينه وبين طبيعة عمله، حيث يصبح منطقهُ في تعاملهُ مع من حوله وفي محيطه منطق الأمر والنهي ولغة " أفعل ولا تفعل " ....، والأمر بالمثل مع المخبر أو المحقق الصحفي، والذي يصبح منطقه بوعي وبلا وعي غالباً، في التعامل مع من حوله ومع محيطه منطق الأسئلة الستة التي تقتضيها طبيعة عمله ..! وكذلك الجندي الذي يصبح منطقه – وهي حالة تحددها وتحدد طبيعتها الرتبة والجهة المنتمي إليها، ولكن الخضوع هو السائد، وكذلك المهندس والمحامي والمحاسب والتاجر ....و.....و.....وهلم جرّا.

•لحكمة عظيمة اشتغل مُعظم الأنبياء بمهنة رعي الأغنام، وهي مهنة من أشرف المهن وأنبلها وأكثرها إنسانيةً، وإذا تأملنا علوم العصر الحديثة من إدارة أعمال وتنمية بشرية وما إلى ذلك، وتأملنا طبيعة مهنة رعي الأغنام لوجدنا أن هذه الأخيرة تترجم وتختزل في تفاصيلها كل تلك العلوم كما تلخص وتختزل صفات القائد الناجح، فطبيعة رعي الأغنام تعني السير بالقطيع في منهج واحد حتى يصل بها الراعي إلى سهل الكلأ. قال نيلسون مانديلا في ذات خطابٍ له :" على القائد الناجح أن يكون كالراعي الماهر الذي يقود قطيعهُ من الخلف بكل مهارة واحتراف .." وقبله قال عليه الصلاة والسلام مؤكداً على ما نحن بصدده بشمولية :" كلكم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته ..................." .

الشاعر البلبال يؤكد في قصيدته طبيعته المتأصلة في أعماقه أو حلمه على الأقل إن لم يكن الأمر كذلك وموهبته أيضا في القيادة على أساس أنه راعي ومالم يفصح عنه صراحةً فقد ورد في النص تضميناً بما في ذلك الصفات التي يمتاز بها باعتباره راعٍ للأغنام عدا ذلك الطموح الجوهري لدى الرجل الشرقي ..

إن الطموح الجوهري للشرقي العظيم هو أن يصير نبياً، والألماني أن يكون فاتحاً والروسي أن يكون قديساً والإنجليزي أن يكون شاعراً كبيراً والفرنسي أن يكون فناناً قديراً ..

يقول الشاعر :" اريد ان ارعى غنمي

والنقش على الحجر

كالأنبياء"

 

- ماذا تقتضي رعاية الأغنام؟؟

-إن طبيعة الرعي تقتضي الصبر والتضحية والحب وإنكار الذات والأمانة والإنسانية، ولا تتوفر كل هذه الصفات إلا بتوفر عنصر الإخلاص كما أنها تنمي الشعور بالمسئولية وعظمتها لدى الإنسان، وجديرٌ بنا أن نلفت إلى أن اشتغال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وآخرهم محمد بمهنة الرعي في مراحل تكوينهم ونشأتهم كانت من أجل تأهيلهم أولاً على ما سيصير لاحقاً وكانت مع نبينا الكريم بمثابة النبوءة التي تحققت فيما بعد ولخصت الرسالة الشريفة والدور الكبير والمهمة الجسيمة التي كانت على عاتقه إذ جمع الناس ووحدهم ومضى بهم في منهج واحد ليصل بهم من ثمّ إلى "سهل الكلأ"/ المحجة البيضاء "..!!

محمد البلبال هذا الشاعر الذي يسكنه هاجس النبوة لأنه شرقي وهذا ما أجده في النص وللنبي خاصيتان متلازمتان في التقليد الديني، الأولى هي أن نبوءته مفهوم جديد أو رؤيا جديدة للإنسان والكون..

والثانية هي أنها تنبئ بالمستقبل وتتحقق ويشير المعنى الذي اتخذته كلمة نبي في العربية إلى أن النبي يتلقى الوحي أي أنه ليس فعالاً بل منفعل، يُعطى رسالة فيبلغها ولذلك يسمى رسولاً، إنه مستودع لكلام الله، وليس فيما يقوله شيءٌ منه أو من فكره الخاص، بل كل ما يقوله موحى من الله، والنبي راء وسامع لما لا يرى ولا يسمع، يرى المجهول والمستقبل ويسمع أصوات الغيب..

وللنبوة مستويات أيضاً، فمن الأنبياء من يكمل مهمات تاريخية عظيمة كأن يحرر بلاده، أو يفتح بلاداً أخرى..

والنبوة بهذا ليست كلاماً فحسب، وإنما هي عمل كذلك، فالنبي هو أيضاً يقاتل ويحارب في سبيل العدالة، ومن الأنبياء من يرى ملاكاً يكلمه ناقلاً إليه الوحي، ومنهم كموسى من يكلمه الله مباشرة وهذه الحالة حالة نبوية فريدة..

وفي موضع آخر من القصيدة يقول البلبال :" ضوء قمر

غنمي غنمي / ارعاها كالنبي / كآلهة أولمب / ﻻللنوم في مقلتي مستقر .."

الضوء القمري يدل على يقظة قوى الخيال التي تعيد صياغة العالم وعلى ماهو أنثوي فينا، على الربة البيضاء التي جعلت زرقاء اليمامة تكتحل بنثار الحجر الأسود ..

كانت نساء العرب ورجالاتها قديما تدق الحجر الأسود " الأثمد " وتكتحل به تقرباً إلى الربة القمرية " عشتار" وكانوا يرون أن ذلك نوع من الصلاة للربة القمرية بأن تمنحهم بُعد الرؤيا، البصيرة أو العرافة..

تلك الربة القمرية هي ذاتها آلهة أولمب التي يذكرها الشاعر وهي عبارة عن نجمة خماسية تظهر كل أربع سنوات يسميها العرب " الزهرة " وقد تم تأسيس قيام الألعاب الأولمبية كل أربع سنوات بناء على هذا الظهور لها واحتفاء به وحتى الرمز الخاص للألعاب الأولمبية كان عبارة عن نجمة خماسية لكن السبب في اختراع خمس دوائر متداخلة بناء على الرؤوس الخمسة للنجمة هو من قبيل عدم الالتباس والتمييز للألعاب الأولمبية عن بقية الأخويات والمنظمات السرية التي اتخذت رمز النجمة الخماسية بكثرة كرمز لها ..

ذلك ضوء القمر وتلك آلهة أولمب ويبقى سهر الليل الذي يؤرق الشاعر ولايستقر بمقلتيه ونعلم مطلقا أن من يجافيه النوم عاشق وهذه دلالة أخرى تتساوى في النص مع فن رعي الغنم والحلم بالنبوة وهي ثلاثية متداخلة يتسع بها رمز الأغنام في النص ويقترب من فكرة الحقل الدلالي، بمعنى أن كل شيء نحبه سيحتاج منا رعاية دائما فيصبح العشق أساسياً وجوهرياً في القصيدة وهو ماء الحياة ومن دونه لن يبقى سوى الغبار ..

وأخيرا أؤكد أن الشعر كالماء والماء يظل ماء في أي وعاء كان ولذلك كانت الفكرة والعمق هو الشرط الوحيد لهذه القراءة .

 

هايل المذابي – اليمن

 

فضاءات إسماعيل سكران القصصية في زهرة اللؤلؤ

saleh altaeiاسترداد، الدوامة، العائد، الملاذ السري، الورقة، بيوت بيضاء، زهرة اللؤلؤ، المهمة، السور، في البرية، في منتصف العام إلى شهداء جامعة القادسية، همهمات موحشة بتجربة سنين عذاب تشكلت على هيئة فنتازيا وكأنها خيوط المن والسلوى فتناثرت على مدى ثمانية وستين صفحة من زهرات اللؤلؤ؛ لترسم أبعادا ليس من اليسير أن تحيط بها إلا عيون تعلمت التفرس والتحديق بالأشياء إلى حد تعريتها من حقيقتها الظاهرة، والولوج إلى عالم الخفايا والأسرار، حيث يقبع المجهول بين حنايا الوجع. وتلك مهمة لا يقدر عليها إلا النابه الفطن الذي يجيد فن الصنعة، والذي يتحول أحيانا إلى حاو يراقص الثعابين، أو ساحرا يجعل الكتل الثقيلة ترتفع في الهواء بلا عمد، أو عابد متهجد في محراب اللون، صوفي يصلي من دون وضوء.

إسماعيل سكران، هذا القصصي الواسطي الذي لم تثنه جذوع خمس وستين نخلة من بستان عمره؛ يحملها على ظهره المنهك عن متابعة النظر من ثقب الحياة إلى الحياة، ومن عتمة التاريخ إلى عتمة العمر، ومن أكواخ الحكمة إلى قصور التأمل، بل مد يده إلى عمق عمرة ليستخرج منه أحلى ما فيه، ويصوغه جملا تحمل كل بهاء السنين المسفوحة، تتوشح بالندى، وتتعطر بمسك الحروف، لتتحول إلى "النثار" 1977، ثم بعد صيام طويل من الغربة والخوف والتوجس من بطش السنين؛ أمتد لأكثر من أربعة وعشرين عاما جاءت "رفات الملائكة" 2001، و"مدينة الرخام" 2007، و"القادمون فجرا" 2008، و"الأرنب البري" 2008، و"طقس مؤجل" 2009، و"البحيرة الخالدة" 2012، وأخيرا وليس آخرا "زهرة اللؤلؤ" 2014

وعجيب كيف ينكفئ الأديب قابعا خلف قضبان الوجل متخوفا من تهمة تفسير السلطان لمضمون حديثه بخلاف ما يقصده، فتطاله يد الغدر ليلحق قوافل شهداء الكلمة، وبالتالي يكف عن النشر مدة أربعة وعشرين عاما.. عمرا كاملا من التأوه والحسرة على صور يراها إيقونات قابلة للسرد، ولكن سردها عصي لأن السيف المسلط لا يرحم.!

هذا ما حدا بالسارد العراقي لأن يكون مقلا، في وقت بزه العرب وراءهم بما توفر لهم من أسباب ومسببات، فأصدروا الكثير من المجاميع، واشتهروا في الوطن العربي والعالم، في وقت نجد فيه نتاج الأديب العراقي يتفوق من حيث الجودة على نتاجهم، وعليه تجد الكاتب السوري "زكريا تامر" مثلا أكمل في مجموعته القصصية "الحصرم" إصدار ثلاثمائة قصة قصيرة. والكاتب السوري وليد إخلاصي، أصدر أربعة عشر مجموعة قصصية على مدى عشرين عاما (من سنة 1963 ولغاية سنة 1992) وهذا شيء كثير (1) وللأسف هي المدة نفسها التي أضاعها الأديب إسماعيل سكرا يوم بقي ساكتا.!

لكن بالرغم من السكوت الطويل، أعاد أديبا الحياة إلى مشروعه، فأصدر بعد التغيير مجاميع جيدة امتازت بالجودة، وأجد أن العمل الأخير للمؤلف "زهرة اللؤلؤ" يمثل، نضجا في التجربة، واكتمالا في التكون، حيث تبدو البنى القصصية واضحة المعالم، ولاسيما أنه عبر من خلالها عن هواجسه ورؤاه الفكرية والاجتماعية والسياسية، من خلال لعبة تناسق شكلية البنية والمضمون من خلال توشيج الواقع بالخيال.

جاءت مجموعته القصصية الجديدة "زهرة اللؤلؤ" ـ بالرغم من صغر حجمها ـ مثقلة بالهموم، محملة بالأسى، مدافة حد الثمالة بالمعاناة، معاناة الإنسان الحقيقية، وليست تلك التي يصنعها الخيال، معاناة الإنسان التي يعيشها الأديب مشاركا أبناء جيله وطأة ثقلها، فهل من معاناة أكبر من أن تدفع الوحشة والغربة والوحدة الإنسان لكي ينشئ له عائلة مكونة منه ومن أنثى كلب وجرائها الصغار؟ وأن تصبح هذه العلاقة منتهى وغاية لدرجة أن الرجل: "في ليالي البرد يفرش لهم الأرضية ويضع الدثار الرث فوق الجراء حين يستغرقون في نومهم"(2)

حينما يشعر الإنسان أن انتماءه إلى إنسانيته قد تعرض إلى التشكيك والاتهام، أو حينما يفقد هذا الانتماء لأي سبب كان؛ لابد وأن يدفعه طبعه الاجتماعي إلى البحث عمن يشاركه الضجيج، فالحياة بلا ضجيج مقبرة، يكسر رتابتها الإنسان حينما يبحث عما يشعره أنه لا يزال حيا، أو يبحث عما يحس أنه ينتمي إليه، حتى لو كانت عائلة من كلاب، فيجعله ذلك يشعر بالانتماء: "كانت عائلته، لا شيء يضاهي بالنسبة إليه متعة الانتماء إليها"(3)

ولقد كان الانتماء أحد أكبر المشاكل التي واجهت الإنسان، ليس في معاصرته فحسب بل وفي كل تاريخه، كما كان الدفاع عن الانتماء والإخلاص له احد أهم الأسباب التي دفعت البشر إلى التحارب والتقاتل على مر التاريخ، لكن انتماءً هجينا لابد وأن يحمل في مضمونه قوة فض الشراكة وفسخ عرى التواصل دونما حرب أو بعد حرب فاشلة، ولاسيما حينما يشعر المنتمي (الإنسان) أن إنسانيته تحتم عليه أن يرقى بنبل إلى قيم تاريخه، فيتعامل مع المُنتَمى إليه (عائلة الكلاب) بنفس مملوء بالرحمة، وهو ما دفعه في النهاية بعد أن كان يقاتل للحفاظ على هذا الانتماء لكي يتنازل طائعا، لتأخذ دورة الحياة مسارها، وليفتح بيده باب المقطورة للكلبة وجرائها ليلتحقا بالكلب الذي كان واقفا ينتظر عائلته الحقيقية. أراد إسماعيل سكران القول أن هذا التنازل ليس هزيمة بقدر ما هو دليل على الشجاعة ومسؤولية الموقف، وهو ما يجعل الإنسان المنتصر الأخير في كل معاركه الشرسة.

في "الدوامة" تعود المماحكة ذاتها لتفرض نفسها على الحدث حيث يعيش البطل ضحية للتناقضات الاجتماعية والسياسية (4) مما يضطره إلى التخلي عمن يحب سعيا وراء وهم يعرف انه لا يتحقق، فلا يجني سوى بعدا في المسافة ومفارقة للزملاء، ولمشروع حب ربما كان سيسعده لو تحقق. أما الهروب فهو الصفة الملازمة للحدث حيث يتكرر ثانية مقرونا بلوعة الاعتراف بالخطأ بكثير من الندم.

أما في "العائد" التي كان إخراجها الطباعي غير موفق، هي ومجموعة أخرى من القصص؛ فقد ترجم القاص روح التناقض التي يمتاز بها العراقيون، الذين تراهم في اشد المواقف حساسية يتخذون قرارات عاطفية غير مدروسة، لأن عاطفتهم وحبهم للوطن يغلب على تفكيرهم، فعندما يصحو جميع الركاب نتيجة توقف الحافلة للتزود بالوقود ترى البطل على خلافهم يشعر بالنعاس والإجهاد: "ألقيت راسي فوق متكأ المقعد وغفوت مستنشقا رائحة الأهل" (5)

وجاءت "الملاذ السري" لتكمل لعبة الهروب غير المقنن، الهروب لمجرد الخوف "من العيون الراصدة التي لو تمكنت مني لأرسلتني إلى حتفي" (6)، لكن كم هو بسيط ذلك الإنسان الذي يهرب خوفا؛ ثم لا يحسب لخطواته حسابها، فيتخذ من معسكر مهجور مكانا للاختباء، ثم ينفخ في بوق الصباح ليوهم القرويين بوجود جنود في المعسكر، ولا يكتفي بكل تلك الهنات، ليعود ثانية ويضرم نارا تحت قنابر مدفعية تالفة نتيجة البلل، أودى صوت انفجارها به بعد أن سمعه الجنود!

ألا تجد التشابه كبيرا بين هروب بطل هذه القصة وهروب بطل القصة الأولى "استبعاد"؟ لا أدري إذا ما كان إسماعيل سكران يريد أن يقول من خلال تكرار الهروب أن ظهر الإنسان العراقي كان مكشوفا على الدوام؟ وان العراقي نفسه أسهم في ذلك، ربما بسبب طيبته وفطريته.!

في "بيوت بيضاء" يتحدث إسماعيل سكران عن اثر الحروب على تصدع العلاقات البشرية للمجتمع التي تدفع الناس إلى الهجرة بحثا عن ملاذات آمنة وبالتالي تتكون عشوائيات تمتاز بالقطيعة: "مثلما يجهل سكان تلك السفن أي شيء احدهم عن جاره الآخر، الكل غرباء، شتات التصق بهذه البقعة المحاذية للخليج" (7) أما في زهرة اللؤلؤ فيؤكد هذه القطيعة عازيا الأمر إلى أعوام الحصار والجوع والحرمان: "لم تعد ثمة وشائج بيننا وبين سكان الأرض الآخرين"(8)

في مجموعة "زهرة اللؤلؤ أجد إرضاء جماليا يتلمسه القارئ وهو يجوب عوالمها، فالقاص أحسن توظيف الزمان والمكان ليخلق لحظات إدهاش وصعقات صادمة، مع أنه اختار نهايات واضحة لقصصه لا تعتمد عنصر المفاجأة، ولكن تنوع طرائقه الأسلوبية ووضوح الرؤية الفنية جعله يحكم السيطرة على أحداث القصة، ويوجهها كما يشاء، كما أن معايشة الأديب وتفاعله مع البيئة التي يعيش فيها وهي بيئة غنية بالعطاء، أغناه عن تعب البحث عن بيئة مفترضة، ليجعلها مكانا لصراع العواطف الإنسانية الذي طغى على كامل المجموعة، وكأنه أراد القول من خلالها: إن الإنسان بحاجة إلى الإنسان، وهو "في توق لرؤياهم والتحدث معهم حول أي شيء فقط لأمد الجسور فيما بيني وبين العالم الآخر"(9) ربما لأنه يؤمن: "أن المشتركات تجعل من الحياة شيئا يمكن احتماله، والاستمرار فيه رغم قبحه، ووجود الخلل في تكوينه"(10) ويؤمن كذلك أنها رغم ذلك قد تؤدي إلى إفشال المهمات ولاسيما حينما يستغل بعضنا طيبة البعض الآخر، فيسرق منه ما يبني عليه آمالا تصل إلى درجة إنقاذ أب من الخاطفين الإرهابيين (11)

صدرت المجموعة أوائل 2014 عن دار المرتضى في بغداد بثمان وستين صفحة من القطع (نصف أي فور) أو ما يعرف بـ 14، 5 × 21، وهي تضم أحد عشر قصة قصيرة لتأخذ التسلسل (8) بين المجموعات التي أصدرها الأديب إسماعيل سكران حتى الآن.

 

....................

الهوامش

(1) ينظر: النقد التطبيقي للقصة القصيرة في سورية، الدكتور عادل الفريجات

(2) قصة استرداد، ص8

(3) قصة استرداد، ص8

(4) قصة الدوامة، ص 11

(5) قصة العائد، ص 19

(6) قصة الملاذ، ص21

(7) قصة بيوت بيضاء، ص31ـ32

(8) قصة زهرة اللؤلؤ، ص37

(9) قصة السور، ص 49

(10) قصة زهرة اللؤلؤ، ص41

(11) قصة المهمة، ص 43

 

 

ميادة ابو شنب ونصها: "استِعارةٌ مَوسِميّة" .. قراءة أولية

majedalgarbawi5منذ مطلع القصيدة تفاجؤنا الشاعرة ميادة أبو شنب في نصها الجديد (استِعارةٌ مَوسِميّة) باسلوب رمزي، يدعو للتأمل في سياقات النص بحثا عن مآلاته ضمن المنحى الفكري والثقافي لها. فهي شاعرة رهيفة ترتكز في كتاباتها إلى خلفية فكرية وثقافية، يؤكد ذلك ديوانها الأول الصادر سنة 2002م بعنوان: "رسائل من بريد السنونو" إذ تجد الشاعرة تعمل في أكثر نصوصها على ثيمتين: "حرية المرأة". و"تداعيات العلاقة بالرجل المتخلّف" او (الصحراوي) كما تسميه، حيث لازمها خوف مرير من رجل لا يفهم المرأة الإنسان، ينهش كرامتها وانسانيتها .. يتشبث بجسدها .. يتحكم بإرادتها .. يصادر حريتها في التعبير عن ذاتها وتطلعاتها .. ذلك الانسان الذي يرتاب من سلوك المرأة مهما كان حضاريا، لذا كتبت على الغلاف الخلفي للديوان تعبيرا عن هموم جميع النساء، في نضالهن ضد سلطة الرجل الدكتاتور:

أخافك خريفا مراهقا

وأنا ورقة شجر

أخافك بردا وثلوجا

وأنا تائهة

يغرقني رذاذ المطر

وبكل حواسي الأنوثية

أخافك رجلا صحراويا

يدعي التحضّر

 

في نصها الجديد، (استِعارةٌ مَوسِميّة) ظلت الشاعرة وفية لمنهجها في الكتابة الواعية لأهدافها فعالجت في نصها الجديد موضوع الغربة والاغتراب والبعد عن الأحبة والأوطان، واشكالية العلاقة العاطفية ضمن إطار يرواح بين التفاؤل واليأس. إلا أنها في هذا النص اختلفت في اسلوبها الكتابي عندما عمدت لتوظيف الرمز كآلية للتعبير عن همومها، فنجحت في التقاط مفاصل مشهد عصي على الوصف، من خلال أسلوب بديع في كتابة النص، فعبّرت رمزيا عن مشاعرها، باستعارات وتشبيهات راقية، جسّدت خوفها وقلقها، فكانت مفاجأة صادمة عندما وعت أن ميسانها (الحبيب / الوطن) .. الحب المستعر في روحها، ينسل أو يتلاشى، في غفلة من الزمن، تاركا أحلامها في مهب لحن (ذؤابة) ضوء لقيط، تأبى الروح أن تأنس به أو تتفاعل معه، بل تشعر معه بغربة حقيقية، وتراجع شعوري لا إرادي:

يتسلّلُ من ظِلِّ قوسِ النّصرِ مَيْساني،

ليُؤنسَني بلحنِ الضّوءِ اللّقيط.

كأنها تريد في هذا المقطع أن تضع ميسانها / الحبيب / الوطن أمام معادلة قاسية، إما أنت أو البديل الطبيعي لغيابك ضوء لقيط لا تخفى خصائصه، لهذا استخدمت أدوات التعريف في إشارة بليغة تعني ذلك الضد، الآخر / المراوغ / المخادع المعهود. لتؤكد فداحة الخسارة، لذا  راحت تعاتبه برقة وعفوية، تصوّر مشهدا وجدانيا، عاطفيا، تمر به كل أنثى حينما تعيش سعادة حالمة ثم تنهار في لحظة غياب يعكس واقع وحقيقة مرّة، فتتوسل إليه بانبهارها وضعفها، وتكتب برقة تؤجج مشاعرنا، فنتفاعل مع محنتها.. حضور رمزي أو مؤقت، وغياب واقعي، معادلة قاهرة، تبعثر الروح في عنفوانها، فلا تجد الشاعرة سوى الكلمات:

أتَفقدُني خِلسةً في خريفِ خوائِكَ،

رعشةَ رهامٍ ...

تَميدُ في أنفاسِ المَغيب.

فهي تعيشه لحظة سحرية، لا يتوارى عن عينها ووجدانها، مهما كان البعد، ومهما بعدت الشقة، لذا رغم اليأس تعود الشاعرة لتعزف سيمفونية الأمل، ما يعكس قوة تعلقها بميسانها / بحبيبها، وعمق العلاقة الروحية والعاطفية، فاختارت أسلوبا رمزيا بارعا في التعبير عن أمنياتها المشوبة باليأس، ضمن قدسية الأمكنية والأزمنة التي احتضنت حبهما:

أستعيرُ حواسَكَ الموسِميّة،

ألامسُني ... بأناملكَ الطّيفِ

في فَجْرِ أنوثَةِ السّنابل.

إنها ذكريات موجعة تقصّدت الشاعرة تسويقها برمزية باذخة، تعلم جيدا قوة ايقاعها في نفس الحبيب، وظلت تصعّد من نبرتها، لتعكس حالة الوجد التي ألهمت الشاعرة صوفية عفيفة، فوظّفت استعارات موفقة، للتعبير عن غليان الروح وذهولها، فهي تعي جيدا إن همس الحبيب ولثماته المستعرة بنار الشوق، كفيلة بتسكين جراح الغربة، لذا لا تتردد أن يعلو صوتها:

ألثِمُني ... بجمرِ شفةٍ تَسْكنُ حُلمَ المَوقدِ.

أهمسُ لي سيمفونيةَ البونِ

في مدِّها اللّجلاجِ ...

وأعاتبُ الوترَ

إنْ حادَ عن جَزْرِ الوَميض.

ورغم المحنة، محنة الفراق، تتشبث الشاعرة بكل وسيلة بما فيها السحر، ومصابيح الجن، وتستعيد كل تجارب الحب الطويلة، رغم تجهّم الليل ومحنته، فقد تبدو ناجحة وتحقق بعض أمنياتها، لكن النتيجة التي اعترفت بها في آخر المطاف قاسية، حيث لا دواء سوى الصبر لقهر النزف المختال في مدار الجرح كما تقول:

سأفركُ كُلَّ مصَابيح الجنّ المنسِيّة

من سَالفِ الحبِّ

وغابرِ النّشوةِ والأنِين

مع تَغلغُلِ اللّيلِ الأيهَمِ في عهدِ الوعودِ،

فَلن يَقهرَ النّزفَ المختالَ في مَدارِ الجِراح

إلا تَمائمَ الصّبرِ على هَوْدجِ السّنين.

 

ايقاع العنوان

منذ الوهلة الأولى تنساب من خلال عنوان القصيدة (استعارة موسمية) موسيقا تبعث على الترقب، حيث استطاعت الشاعرة من خلال كلمتين بليغتين أن ترسم مشهدا يختزل قصيدة كاملة. فـ "الاستعارة" و"موسمية" يعزفان على ذات اللحن .. تعبيرا آخر عن التوجّس المضاعف، ولهما قوة جذب تؤسر القارئ، وتضطره لمتابعة الشاعرة وهي تعزف ألحانها من خلال حوار ينطلق من أعماق النفس المشدودة لحيثيات المكان.

على بساطِي الخَمرِي ... يَختالُ

ذاكَ الضّياعُ المَنفِي.

يدخلُ جنّةَ ... ناري،

ينفخُ شهوةَ التّشردِ في لهيبِها الأسطوري،

 

بنية النص بلاغيا

أولا: الضياع والغربة والخوف من خسارة الحبيب وتبدد الحلم كان المحور الأساس لبنية النص حيث عبّرت الشاعرة عن هذه المفاهيم من خلال اصطفافات بلاغية لا تخلو من تشبيهات واستعارات، منها:

- الضّياعُ المَنفِي

- التّشردِ

- (تنزح هالة شمالك

إلى أقاليم النسيان)

- عهدِ الوعودِ

- النّزفَ المختالَ

كما ان الترادف كان سمة النص، حيث استخدمت الشاعرة كلمات تنتمي لذات الحقل الدلالي بمستويات متفاوتة فراحت ترسم صورا شعرية تتألق في فضاء القصيدة، وتبعث على التأمل، باستغراق وذهول يتوالد باستمرار وأنت تصغي لموسيقا النص.

 

ثانيا: بدأت الشاعرة نصها بأفعال مضارعة كي تمنح المشهد الشعري ديناميكية وحيوية واستمراية تضع القارئ في مداراته، وتشده لمتابعته:

- (يَختالُ ذاكَ الضّياعُ المَنفِي)، .. لاحظ كيف تصوّر الضياع في حركته، وطبيعة تحركه، فرغم كونه ضياعا منفيا إلا أنه يتباهى منتصرا، بل راح يصعّر خده عندما منحته  الشاعرة حيوية أقوى  بوصفه مختالا. إنه ضياع مربك يختزل اليأس وشيئا من أمل متزلزل، لذا راح يختال ويتباهي معلنا انتصاره، في لحظة غياب الحبيب.

 

- (يدخلُ جنّةَ ... ناري،)،  ..استخدام آخر للفعل المضارع، يجسّد حيوية "دخول" يلهب مشاعر القارئ، خاصة وأن الشاعرة أتت بتضاد صاعق، رغم إلفته في النصوص الشعرية بل واستهلاكه، إلا أنه بدى حيويا فاعلا ضمن اشتغالات النص ولغته العامرة ..

كيف تكون النار جنة؟ إنه انزياح بديع، صوّر حجم المحنة النفسية والألم، فكانت النار جنة مقارنة بجحيم الفراق والبعد والشوق الملتهب.

 

(ينفخُ شهوةَ التّشردِ في لهيبِها الأسطوري)، .. في هذا المقطع كان للفعل المضارع دوره أيضا في إضفاء حيوية على المشهد الشعري، من خلال استمرارية النفخ .. فهو لا يتوقف، نفخ يؤجج الشرود والذهول، تشرّد عصي على الوصف .. إنه اسطوري.

فأي لهيب في أعماق الشاعرة حتى تعذّر عليها وصفه، ولم تجد له ما يناسبه من الصفات سوى الأسطورية؟ .. إنها كلمة تضع السامع في مدارات قصية، هكذا شاءت الشاعرة أن تصوّر لهفتها.

 

(يتسلّلُ من ظِلِّ قوسِ النّصرِ مَيْساني،)، وهذا فعل رابع، ضمن مجموعة الأفعال المضارعة في القصيدة، حيث أرادت الشاعرة التدرج في تسلل ميسانها / حبيبها، كي تُبقى (ولو أثرا منه) لا شعوريا. فهي تصوّر مشهدا في غاية الألم، تصف فيه كيف يتسلل حبيبها، بعد حضور عقدت عليه آمالها، ثم يذوي ويبتعد بشكل متدرج.

 

ثالثا: رغم ترميز النص وثرائه الدلالي، إلا إن المنحى التأويلي فيه ظلّ متوازنا لا يتطلب جهدا تأويليا كبيرا. وهذا ليس نقصا بل ضرورة فرضتها معمارية النص وميكانيكية اللغة. فمثلا من السهل على القارئ فهم السياقات اللغوية والبلاغية لعبارة: "قوس النصر" رغم ما تحمل في ثناياها من خزين تأويلي، إذ اتضح من استخدام قوس النصر، مكانة الحبيب، حتى كان هدفا للتنافس بما يتصف من خصائص وسمات تدعو لذلك. فهنا لا بد من التأويل لكنه ليس منغلقا ولا صعبا ولا عصيا على الفهم.

ورغم إن عبارة: "فَجْرِ أنوثَةِ السّنابل"، تستفز الشعور التأويلي للقارئِ، لكن بقليل من التأمل في دلالات اللغة وسياقات النص تفهم، إن مشاعر الأنثى في أول بلوغها مرهفة، تفعل بها اللمسات الرومانسية فعالها، وتضعها في مدار خيال خصب.

 

رابعا: نقطة اخيرة، إن كثافة الترميز برأيي اقتضتها صعوبة المشهد، مشهد غياب الحبيب / الأحبة / الوطن في ظل غربة قاتلة، وللضرورات أحكامها، وليس هناك أي خلل بنائي بسبب الكثافة الرمزية.

 

يبقى للنقاد من السيدات والسادة رأيهم النقدي المحترم، وهذه مجرد وجهة نظر وملاحظات أولية لنص باذخ في مشهده الشعري.

 

شكر وتقدير للجهد الأدبي الباذخ الذي صاغ النص، حتى فرض نفسه علينا، فكانت هذه قراءة انطباعية أولية مغامرة. تحياتي للشاعرة الفاضلة الاستاذة ميادة ابو شنب التي نجحت في نصها تصوير الغربة والبعد عن الأحبة والأهل والأوطان، وهي حالة لا يشعر بها سوى مغترب أكتوى بنار الغربة.

 

ماجد الغرباوي

 

 للاطلاع

استِعارةٌ مَوسِميّة / ميادة ابو شنب

 

 

المدينة الفاضلة في رواية الزمن المستحيل

waleed alzobaydi- المـقـدمـــة: رواية الزمن المستحيل للروائية العراقية وفاءعبد الرزاق، من أصدارات مؤسسة المثقف العربي- سيدني/استراليا، نشر وتوزيع شركة العارف ، بيروت- لبنان، طبعة الأولى، سنة الطبع 2014م، قياس الورقة 5و14×5و12سم، عدد الصفحات(221) صفحة.

تأتي الرواية ضمن تسلسل (5) من اصدارات الروائية بعد رواية (أقصى الجنون الفراغ يهذي) . وقد قدّمَ للرواية د. عبد النبي ذاكر- المغرب، بتقديمٍ شافٍ وافٍ، ناتج عن رؤيته وقراءته،

للقاريء العربي الدخول في أجواء الرواية. وقد وزّعت الروائية الكتاب بين أهداء(ص:5) ، وعرفان من الروائية الى مؤسسة المثقف (ص:6)، ثم جاء التقديم (ص:9- 14)، ثم جاءت بعدها الرواية ، وقد قسّمتِ الروائيةُ روايتَها على (12) رحلة.

كما عهدنا طابع وأسلوب الروائيةِ في الكتابةِ، فالروايةُ انسانيةٌ بطرحها وموضوعها، فهي تصلُحُ في كل مكان من هذا العالم، فهي تبحثُ في حياة ومستقبل جيل كاملٍ من المعوقين، ذكوراً وإناثاً، جيلٌ أفرزتْهُ مجتمعاتٌ تعاني من اضطراباتٍ وتشوهاتٍ في العلاقات الانسانية (مجتمعياً وطبياً)، مجتمعات

التطور الصناعي والتقني الذي يذهبُ ضحاياه العديد من الأطفال نتيجة تلوّث البيئة والحروب وماتُنتجهُ تلك المجتمعات من نشاطاتٍ وفعاليات؛ فضلاً عن التفاعل والعلاقات في تلك وهذه من علاقات غير سويّةٍ نابعة من أخلاقيات وتصرفات هجينة يفعلها البعض على مختلف الديانات والثقافات، كلها تصبّ في انتاج جيلٍ مشوّهٍ نلعنهُ وننبذهُ في حين يتحمل المجتمع جزءاً من هذه العاقبة.

الروايةُ تمثلُ صرخةً في هذا العالم المترامي الأطراف شماله وجنوبه، شرقه وغربه، عالم الأغنياء، وعالم الفقراء، و(العالم الثالث)، وتقرع جرس الخطر لما تعاني منهُ هذه الشريحة في المجتمع الدولي من أهمالٍ ونظرةٍ دونيةٍ، وسوء في التعامل، بل أن الكثير من الدول (المتحضرة) أهملتْ قوانينُها واعرافُها المعاقين أو (المنغوليين)، بشتى صورهم وأشكالهم وعاهاتهم..بل وصمتَ عند هؤلاء الطب، وبعض رجال الدين من مختلف الديانات والمذاهب، فهنا دعوةٌ للمؤسسات الأممية والدولية لإعادة النظر بالقوانين والتعليمات، لنصرة هذه الشريحة، وكذلك لعالم الطب والأطباء لإنصافهم، وايجاد ثقافةٍ جديدةٍ واعيةٍ تتعامل بحرص انساني وحضاري وأخلاقي مع هذا المجتمع، الذي كان ضحيةً لمشاكل هذا الكون.

إنجازٌ أدبي راقٍ، يستحقُ الوقوفَ عنده من قبل المشتغلين في النقد الأدبي، وعلم الاجتماع، والباحثين في الحوار بين الأديان، والمهتمين بوضع القوانين ، ليغترفوا من هذه الرواية رؤىً وأفكاراً تبني بها عالماً جديداً يؤاخي بين الإنسان وأخيه مهما كان شكله أو معتقده أو لونه –خصوصاً- ممن يعانون من عاهة أو عوق.

 

المبحث الأول

1- عنوان الرواية:

كما هو حال كل رواية ، من روايات الروائية العراقية، وفاء عبد الرزاق، فأن العنوان يولدُ داخل النّص، فقد جاء في (ص:18) :(لم يحرّكْ "أحمدُ" ساكناً، ولم يغوهِ حديث مقدم الحفل,,بل شدّتْهُ يديالضئيلة بأصابعها النحيلة ..جذبتهُ اليها ووضعت يده على كتاب روايتي "الزمن المستحيل" .).

وفي (ص: 104): (هناكَ عدم رضا يسكنُ في أحشائي، كتبتُ ومزّقتُ كثيراً حتى استقرّبي المطافُ الى رواية "الزمن المستحيل" فلا تبخلْ عليّ في نهاية الأمر، وقد رافقتني من أول حرف فيها.).

 

2- أسلوب كتابة الرواية:

الروايةُ قُسّمتْ على رحلات، والرحلةُ هي السفر، الانتقال والتنقل، فهناك التنقل المكاني بين المدينة والريف، ومدينة ومدينة أخرى، وهناك رحلة الروح والعقل وتنقل الفكر وحركته من حال الى أخرى..فالرحلة حركةٌ تسري في داخل تفكير كل شخصية من شخصيات الرواية. وكان عدد رحلات الرواية اثنتىعشرة رحلة ، عنونتْ (أحدى عشرة) منها بتسلسلاتها الرقمية، وذكرت الثانية عشرة(الرحلة الأخيرة) لتعطي مدلولاً للقاريء أنها آخر رحلة كي لاينتظر رحلات أخرى في النص يتبع هذا المقطع.

وهي ضمن تقنيات سردها ومنهجها في الكتابة تولدُ الرواية عندها حيثُ يصطدم القاريء بحضور كمٍ هائل من الشخصيات ينفردون به ويضخون له حوارات كبيرة وكثيرة، وكأنه فيبداية الأمر يغيش أجواء غريبة بل يسمع لغات وأصوات غريبة لايفهم ولا يفقه معناها في صفحاتها الأولى، وكأنها تمد خيوطاً كي تجر القاريء نحو التالي من الدهشة، فبعد أن يسترسل بالقراءة تفتحُ الرواية ذراعيها له كي تُعرّفهُ بضيوفهِ الذين عجّوا بالمكان معهُ وبالأحداث التي تتوالى..

ثم تتركُ الروايةُ للقاريء حريّة تسمية الأبطال، فهناك تعددية أسماء للشخصية الواحدة، بل والأماكن غير محددة أو مشخصة، فتترك فسحات للخيال أن يختار المكان الذي ترسمه مخيلته ويعتقدُ أنهُ الأصلح، وكذاك الزمان. فضلاً عن الميزة التي تسودُ كتاباتها وهي أن تولد حكايةٌ من رحم حكاية والرواية مشحونةٌ بلغةٍ شعريةٍ محببةٍ.

وفي هذه الرواية تحديداً انمازت الروائية بأسلوب مختلف عن بقية رواياتها الأخرى. حينما يبدأ القاريء بقراء الرحلة الأولى ثم ينتقل الى الرحلة الثانية، لمتبدأ الرحلة الثانية مباشرةً، أو الثالثة أو الرابعة وهكذا... بل تضعُ ممهدا بصفحتين أو اكثر، ثم تضع نجمةً لنهاية التمهيد، ومن ثم تذكر الرحلة. وهو أسلوب لشد القاريء ولطرد الملل، ولخلق المفاجأة والصدمة.

 

3- المدينة الفاضلة في الرواية:

المدن نتاجُ البشر، تُبنى وتؤسس لحاجاته ومتطلبات حياته، حسب عاداته وتقاليده وثقافته، حيث هناك مدنٌ تؤسسُ لدرء الحروب والنكبات الطبيعية، وهي التي تعاني من عدم الاستقرار وتعاني من فوبيا الموت والدمار، بوجود حروب مستمرة، فتجد تصاميم دورها وشوارع عبارة عن ثكنات ومتاريس، والدهاليز والسراديب.. وهناك منْ يطاردها شبح الفيضانات لقربها من الأنهار ومصادرالمياه أو البراكين، ..أو اية ظاهرة طبيعية أخرى، فتتأقلمُ المدينة شكلاً ومضموناً مع حاجة اهلها.. وهناك مدن مستقرة مطمئنة فتفترش الأرض سعةً، وتجد دورها وشوارعها وحدائقها، ومسارحها أكثر رحابةً وانبساطاً، لاتنكمش من فوبيا محددة أو غير محددة.

ولكل مفكرٍ ومبدعٍ صورةٌ لمدينته التي يريد، هنا وضعتِ الروائية تصميم مدينةٍ جديدةٍ، وضعت فيها كل ما يساعدُ أبطالها لتجاوز الأزمات والتحديات. فقد ذكرت أحدى الشخصيات المهمة في الرواية (سحر) مدينتها التعيسة ، وقد أسمتها: "المدينة العمياء" ليست لأنها أغفلتها ولم تحتضن شبابها، أو أن أحدا من سكانها لم يرها فقط، بل لأنهامدينة النكبات، مدينة الموت، بوفاة والديها وفقدناها لهما في عمر مبكر، ثم عيشها مرحلة الخوف بوجود زوجة والدها، وزوجها الذي كان يعاكسها ويتحين الفرص للإنقضاض على فريسته، ..وكذلك أولاد زوجة أبيها.. والمدينة هي التي تنكرت لهؤلاء المعوقين ونبذتهم فتبرأت منهم ، كما تبرأ مجتمع المدينة وعوائلهم منهم، فجعلوهم بذلكالمنفى، الذي أصبحَ بعد حين فردوسهم .

مدينةُ الذين فقدوا بصيرتهم، ولايرون إلا أنانيتهم المتضخمة، وينفرون من الآخر، مدينةٌ يسودها العنف واللاإنسانية.

ومقابل هذه المدينة التي أنتجتْ تاريخاً مظلماً لحياة "سحر"؛ أبتدعتِ الروائية مكاناً ساحراًجميلاً بمكانهِ وبمجتمعه، في قريةٍ أسمتها: "أبو فرج" –وهي المدينة الفاضلة للروائية- ، والقريةُ مكانٌ يقعُ في ظاهر المدن عادةً، ويكون الحويصلة والرئة للمدينة المختنقة بدخان الحضارة والنفاق.. وتسمية فرج جاء –في المعجم الوسيط- : الفرج: انكشاف الغمّ، وانفرجَ الشيء: إتّسعَ، وانفرجَ الغمّ والكربُ:إنكشفَ.

وتقول الروايةُ في سبب هذه التسمية (ص: 98): ( سمعتهم يقولون أن رجلاً اسمهُ فرج جاء من مكانٍ ناءٍ غلى القرية، وكانت وقتها غير مأهولة بالسكان، شيّدَداراً طينيةً وعاشَ وحيداً يزرعُ النخيل ، حتى تكاثرَ وأصبحَ يملأ المكان، كما شقّنهراً صغيراً للري أخذ اسمه أيضاً، "نهر فرج"...).

وهكذا اختارتِ الروائيةُ مكاناً يكون فرج اًلمجتمع هذه القرية الذين جاء أغلبهم من مدنٍ شتى ولكل واحدٍ وواحدةٍ من شخوص الرواية حكايتهُ وخسائرهُ وأحزانه. وهذا المكان هو جنة الفردوس ، وذلك كما وردَ في (ص:41): (لم أسأل عن الراتب، مغادرتي البيت تعني الدخول الى عوالم الجنة وإن كانت في قرية ومع معوقين.).

 

- مجتمعالمدينة الفاضلة:

في قرية "أبو فرج" نسيجٌ مجتمعي مختلفً مؤتلف، مختلف في:طبقاته وثقافته ومهاراته ومهنه، مؤتلفٌ في: روح التعاون والتسامح والعمل المشترك والأماني والهدف الموحّد. مجتمعٌ يحتضنُ:

1- أصحاب الاحتياجات الخاصة وهم الحلقة الرئيسة في هذا المجتمع بل هم أبطال الرواية.

2- ثم هناك مديرة دار رعاية المعاقين، التيهربت من المدينة، لتضع ماتملك من صحةٍ وعمرٍ ومالٍ في خدمة هذا المجتمع الجديد.

3- وكذلك سحر وسلوى وكل العاملين والعاملات في الدار الذين لا يأخذون مبالغ بمستوى ما يقدمون من خدمة، بل أنهم كمن يتبرع بفناء عمره لخدمةِ هذه الشريحة أو الفئة.وكذلك من ضمن هذا المجتمع مجموعة من الأطباء(محمود- سليم- الطبيب النفسي..).

4- مجموعة كبيرة من أهالي القرية الطيبين الذين يساعدون (دار الرعاية) بالعمل في الحديقة أو أعمال النجارة دون مقابل، وهناك منْ هو ميسور يقدم الدعم المادي، ونساء القرية اللائي يعمل أعمالاً يدوية وبمهارات مختلفة مجانا في دعم (دار الرعاية). ثم هناك المختار وضابط مركز الشرطة في القرية ، وهما رمز - الدولة- .

5- مجموعة معلمات الدار ومدرسات الموسيقى والرسم، وزيارة عدد من الفنانين للدار..

كمالم تكتفِ الروائية بوضع خارطةٍ للتعاون والتآلف بين أفراد الدار والقرية الذين يتمتعون بالصحة والسلامة، بل وضعت خريطةً للمعاقين وكيف يوفرون لحياتهم الجديدة سبل العيش الكريم ، بعد التفكير بزواج المعاقين المنغوليين "سالم وحمامة"، فوضعت نظريتها بضرورة ايجاد فرص عمل لهما داخل الدار، عمل"حمامة" في المطبخ، وعمل "سالم" في الحديقة لمساعدة الفلاح.

- التكافل المجتمعي – العمل الخيري التضامني- في المدينة الفاضلة في الرواية:

شكّلت فكرة (السوق الخيري) و(المهرجان الفني)، صورةً راقيةً لفكرة العمل التعاوني، والتكافل المجتمعي، وصور التعاون بين أبناء مجتمع (قرية أبو فرج) لغرض دعم دار الرعاية وتلبية متطلبات ذوي الاحتياجات الخاصة باسلوب حضاري. وذلك من خلال العمل التطوعي وتبرعات أهل القرية، ويكون هذا السوق من أعمالهم اليدوية، واستثمار عمل النساء للإشتغال بعمل السلال والحصران والأطباق ، وصناعة بعض الحلويات وتعليبها، وأعمال التطريز وملاءات الأسرّة،  وبيعها في السوق.. أمّا الرجال، فتبرعَ كلّ منهم حسب مهنته، الخياط والفلاح والمعلم والنجار.. والى جانب هذا السوق، يكون المهرجان الفني،  ويكون ريعه للدار.

 29-azaman

4- الصوت في الرواية:

يُعدّ الصوتُ بصورة عامةٍ من أهم العناصر التي تتكون منها اللغة، لأنّ اللغةَ –أيةلغة- لاتقومُ إلاّ بهِ، وهي بدونه كالجسدِ بلا روح، فاللغةُ تقومُ على أصدار الأصوات واستقبالها أثناء عملية الكلام. والصوت اللغوي هو الصوتُ الذي يُصدرُهُ جهاز النطق عند الإنسان.

تمتازُ هذه الرواية (الزمن المستحيل) بتعدد الأصوات، وهذه من التقنيات السردية المعتمدة في كتابة الروائية، فتختلف الأصوات في اللهجات والأسلوب والايديولوجيا، وتعتمدُ هذه التعدديةُ أيضا على تعدد المواقف الفكرية وأختلاف الرؤى، والتنوع في استخدام الصيغ والأساليب الذي تديرهُ الروائية في تحريك دفة الصراع الدرامي الداخلي- المنولوج- والخارجي .

ومع التعدد الصوتي في الشخصيات المتعددة في الرواية، نجد هناك تعدد صوتي على مستوى الشخصية الواحدة، فنلاحظ وجود التعددية الصوتية في صوت البطل(أحمد)، وفي أفكار ورؤى (سحر)و (سلوى) و(فضيلة) و (محمود)و...الخ.

ومع هذا التعدد الصوتي، هناك أصوات ظهرت من نوع آخر، أصوات لإعاقة، ومعاقين، لاينطقون كلمات كاملة، بل حروف أو أجزاء الكلمة، وهناك صرخات وهمهمات وهمس، كلها أصوات جعلتمن الرواية متعددة المشارب والأساليب، متعددة البنى، لتبين مدى راكزية الشخصية ، ومدى الاضطراب النفسي والعقلي، ومايؤثره في عدم السيطرة على مخارج الحروف والكلام، بحيث يظل هذا النوع من الأصوات شفرات. ومن هذا النوع الكثير الذي نقرأهُ في الرواية أصوات الطفلة المنغولية (حمامة):

1-  ص55:مصّتْ شفتها السفلى الى الداخل، أمالت حلقها وأغمضت عينيها، ثم فتحتهما مشيرةً الىعيني مرةً ثانيةً وعوتْ ...عووووو...عووو مامة.

- وتعنيفي هذا الصوت: إنها ترجوكِ النوم بقربها...

2- ص 59: تشجعها "سلوى" من مسافة متر.. رافعةً أبهامها كإشارةٍ تشجيعيةٍ ..كلما شاهدتْ "حمامة" ابتسامة"سلوى" عَوَتْ: يّعيّ..يَعّو..وامّمّمْ..نعن..نع.

- وهذا يعني: في تقليد مدرّسة الرياضة.

3- في تعبير (حمامة) عن الفرح والسرور(ص:130): .. حتى كادت تلغق السلسلة بلسانها الطويل الممتد الى حنكها معبرة عن فرح مباغت دخلَ قبلها..همهمتْ إهم..هي..هم..

وهذه نماذج من معوّق آخر أنما هو يختلف عنعوق (حمامة) فعوقهُ بدني فقط هو بطل الرواية (عنقود الأحمدي):

ص80:أضغطُ ابهامي واصبعي الوسطى، ثم أكز على أسناني بحرف السين..أس..أس..أس وأجمع شفتيّ الى بعضهما وأقول: أمم..أمم أمممم.

- وتعني:نطق بعض حروف الموسيقى..

وهناك نوع من الصوت الفعل والصورة الذي يصرخ أو يهمس في لغة الحوار، وأذكر منها:

1- ص 77: كان "سالم" مشدوداً اليها، وكلما اقتربت منه، أو شمّ عطرها ماءَ مثل قطٍ أخرس.

- صوت القط: مواء القط.

2- ص 99: صهلَ الكون في مخيلتي...

- صوت الحصان: الصهيل.

5 - لغة الجسد في الرواية:

للجسد فنٌ ولغةٌ، من خلاله يجسّدُ الفنّان فكرةً وحواراً ، يجسدّهُ بعرضٍ بدني، كما في فن(البونتمايم)، وفن الرّقص، فالجسد لم يكن جسداً تشريحياً فقط، أو عبارة عن محموعة أجهزة تعمل بصورة ديناميكية، بل هو تاريخ فرد، وثقافة وعلاقات ونشاطات..فالجسد هو أساس الحركات التعبيرية المقننة في فعاليات عملية رمزية، فهناك فيه إشارات وحركات وإيماءات، تؤدى وفق تزامنات عضلية باستخدام اليد أو الوجه او الرأس أو الجذع أو الأكتاف، ..وتختلفُ تقنيات الجسد وفق مفاهيم مختلفة منها: 1- الجنس: دكر أوأنثى..2- نوع العمل والمهارة. 3- شكل استخدام الحركة والإيقاع وموضوعهما. كما يشير بعض الباحثين أن نوع تقنيات الجسد تختلفُ باختلاف العمر والطبقة الاجتماعية .

في موضوعة الصوت لاحظنا تعددية الصوت في الرواية، وهنا تعددية اللغة، فمع اللغة المقروءة هناك لغة أخرى بصرية، تراها لاتسمعها، حر كية، تستخدم الجسد وسيلة للنطق والتفاهم. فكما هو الصوت يتطور تصاعديا من زمن الطفولة الى الكهولة، كذلك هي لغة الجسد تتطور وتتصاعد من الطفولة الى الكهولة وفق تقنات تلائم كل مرحلة بزمانها ومكانها.

وهنا سنذكر بعض من الإيماءات والإشارات والحركات بواسطة اليد والأصابع والرأس التي استخدمتها شخصيات الرواية:

 

- لغة اليد:

1- ص: 79: [العنقود]أحركُ أصابعي بشكل الحرف الذي أسمعهُ، أرسمهُ في الهواء، محاولا النطق بهِ قدر المستطاع..أتعثرُ كثيرا في الاحتفاظ به أديرُ لساني حول أصبعي لأقنع نفسي بأنني قادر على الذوبان بين الحروف.

2- ص: 106: مشى سالم خلفها [حمامة] منقاداً الى عطرها ، أنما أذهلتُ [العنقود] الجميع بحركات أصابعي، خاصةً مُدرّسة لغة الاشارات.

- انصتوا جميعاً [قالت سحر] واسمعوا مايقول"أحمد" إنهُ يقولُ شعراً، أنا بأصابعي والمُدرّسة تترجمُ حركاتي اليهم: رسمتُها في قلبي وليس على الورق/ رسمتُ روحي التي بين أضلعها./.

3- ص107: طلبتِالمديرة [مديرة الدار] من المعلمة التي تجيد لغة الإشارة أن تخطّ ما كتبتُهُ [العنقود]في أشاراتي على ورق كارتون وتعلقهُ في صالة الدار.

- هذه المرّة كان ضغط يدي مختلفاً..وصلَ إليها بلغةٍجديدةٍ ملؤها الثقة والبهجة. [العنقود].

4- ص: 128: [العنقود]:وكثيراً ما أحاول ايصال ما يدور في خاطري اليها بواسطة الضغط على يدها..

5- ص:156: [العنقود- سحر]: ..رفعتُ يدي اليمنى وضعتها على صدري موضع القلب.

6- ص:139: [العنقود–الى أحمد] نظرتُ اليه بحزن وقلتُ غاضباً بعدة اشارات من أصابعي حتى اشتبكت مع بعضها كأنها في عراك.

7- ص:140: [العنقود]:وخلال وجودنا يوم أمس واليوم تركتْ [سحر] بصمة كفها الناعمة على يدي فأشعرتني بغبطة لامثيل لها.

8- ص 159: [العنقود]:أصابعي لا تستطيع الامساك بالقلم، ترتعشُ ويسقط منها أرضاً، لذلك أتقن لغة الاشارة وأصبحت سبابتي هي القلمُ والهواء هو الورق.

9- ص 187: [العنقود–الفنان علي]: رفعتُ سبابتي وكتبتُ في الهواء "الجمال الدافيء".

- لغة الرأس:

1- ص:112: تحرّكَ رأسي [العنقود] باتجاهات مختلفة، ايجاباً، وأشرتُ الى قلبي فهمتْ [سحر] أنني أضعها في قلبي..

2- ص: 130: [العنقود]:لم أهتم لكلامها، عضضتُ يدها ولأول مرة أفعلها، وأشرتُ رأسي صوب العنبر...

- ... أشرتُ [العنقود] باشاراتٍ منفعلة مما اضطرها لمناداة المعلمة "مناهل" لتشرح لها انفعالاتي المتلاطمة مع بعضها مثل أمواجبحر هائج.

- لغة الشفاه:

1- ص: 116: استنفدتُ[العنقود]كل لغة الاشارات والايماءات والحركات..فردتُ أصابعي على طولها ، مددتُ شفتي السفلى الى أقصاها والعليا ضممتها بقوة، عضضتُ بسني على السفلى وبكل قوتي حتى أدميتها..لم أصلالى ذلك اللعين ابن الكلب " الصوت الحر".

2- ص: 120: أرى عجزي[العنقود] في التعبير عن أفكاري، فأوصلها اليهم برسوماتي واشاراتي الشعرية، وكتابتي بعض الجمل الراقية كرسالة الى حياة ..

3- ص: 194: [العنقود- سحر]: كل حركاتي تعني لها شيئاً، حين أمط شفتي السفلى وأضغطُ عليها بسني ..وحين أعقدُ حاجبيّ الخفيفين وأفركهما بأصابعي تراقبها جيداً.

4- ص205: [العنقود]:ارادت احدى المذيعات عمل لقاء معي فأشرتُ لها بالرفض وكتبتُ لها على قُصاصةٍ ورقيةٍ(لاأستطيع الكلام).

- لغة العيون:

1- ص: 145: [حمامة–سحر]: ..في الصباح لفتَ قرطها انتباه "حمامة" فأشارتْ إليه راغبةً فيه، وعدتْها بشراء مثله هديةً لها.

2- ص157: .. الودنشعرُ به من خلال لمسة أو نظرة..

المبحث الثاني

أولاً- صورة البطل في الرواية:

منْ هو البطل؟ فقد تعدّدتْ أسماؤهُ ومسمياتُهُ، بل وتركتِ الروايةُ للقاريء أن يضيف مايحلو لهُ من خلال قراءتهِ وفهمه لشخصية البطل. وهكذا فنحنُ حينما تحدّنا في تعددية الصوت وتعددية اللغة، سنجد هنا تعددية الأسماء للذات الواحدة في صورة البطل. فقد استخدمت الرواية أسماء ومسميات عدّة للبطل، وهذا يعني أنها تفتح المجال للقاريء كي يختار ما يجده مناسباً، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تريد أن توصل إلينا رسالةً أنهذا البطل هو (س) من البشر، أي هو يمثل مجتمعا بكاملهِ، شريحةً وفئةً كبيرةً من أصحاب الإحتياجات الخاصة في العالم أجمع. فإذن هي لم تجعل للنص جسداً محدداً أو هيأةً محدّدةً أو تشخيصاً ، بل هو نصّ مفتوح يحتملُ كل التفسيرات والتحليلات، ليظل النّص يتحدث عن هذه الفئة دون تحديد قومية أو دين أو معتقد، بل وأنها لم تحدّد المكان والزمان كذلك، فإذن هي حالة أممية تعيش وتنمو في أحشاء كل هذا العالم.

- ثنائية الأسم، والصورة:

وضعتِ الروايةُ البطل يعيش في حالة الإزدواج، والتصادم مع الذات من الداخل، فجعلتهُ يضعُ مع ذاتهِ ذاتاً افتراضيةً أخرى، تتنفس معه وتنام وتأكل وتشاركهُيومياته، وقد ولدت في النص أسماء لهذه الثنائية، الذات والظل. من الأسماءوالمسميات للبطل وظله الذي يرافقه في الرواية :

1- العنقود/ أحمد. 2- أنا – الآخر. 3- الواقعي- الإفتراضي. 4- الفكرة- الحقيقة. 5- الظاهر- المجهول. 6- الأصل- الصورة. 7- المتخيّل- الواقع.

- الإفتراضي والحقيقي: الإفتراضي هو الآخر الخيالي أو المتخيّل، الذي يرسمهُ الحقيقي في عالمٍ استيهامي، ويُفترضُ في هذا الإفتراضي أن يكونَ محركاً ومستفزاً للآخر الحقيقي، ليحوّل ماهو خيالي الى حقيقة أو ماهو غير متحقق الى إمكانية التحقيق، فالإفتراضي هو الحقيقي المحتمل الحدوث. وهذا يفسّر الحالة التي يمرّ بها (عنقود) في صراعه مع الإفتراضي(أحمد)، الذي يشاركه سريره وقراءته وعمله بل ومشاعره، ويكون لهُ النّد والمتحدي، لأنهُ الحالة الأفضل التي يسعلل وصول إليها الحقيقي (عنقود).

ثانياً - صفات العنقودي:

1- هو أختصارٌ الطفل ، وهو اختصار لحالة الشباب، يتقوّسُ حول نفسه مثل دلو ممتليء بالطحالب، جرّبَ الموت على دفعات لأزماته النفسية والإنعالية ولظروف إعاقته.(ص:34، 56).

2- ساقاهُ دون أقدام، يداهُ نحيلتان صحيحتا الأصابع، كانها فعلاً حبّات تنضّدت على عموده الفقري، جسدٌ ذاوٍ ، عنقود معاقٌ منذ الولادة، عينان صغيرتان مضمومتان من طرفيهما وجحوظ في بياضهما، سنٌ كبيرةٌ تتوسطُ فمه، لونهُ اسمر بصفرةٍ ، ذو شعرٍ بُنّي أجعد. (ص: 57).

3- شكلهُ مثلَ غولٍ يفترسُ نفسُهُ ، انتفاخُ بطنهِ وكُبرُ حجم رأسهِ قياساً الى جسدهِ النحيل جداً. (ص: 33).

4- العنقودُ سجينُ روحهِ المعذّبةِ بالإعاقة، من أبٍ فاقدٍ كل معنى الأبوّة، وأمٍ لم يرَها ولم يتعرّفْ على نبضات قلبها ساعةَرضاعة.

- صفات (أحمد) الإفتراضي:

في( ص: 196): يتحدث الإفتراضي –أحمد- موجهاً خطابه الى- العنقود: ( ..لقدأصبحتُ عالمكَ منذ الرسم الأول، هل نسيتَ بحلقة عينيك على الورق؟ استدرجتُكَ الىملامحي فلم تستطع، رسمتني على شكلك أنتَوأمليتَ عليّ رغباتك.. الشكلُ المفقودُ فيك وضعتهُ على صورتي وحرّكتها كلّ يومباحثاً عنكَ فيّ....).

- حالة بحثه عن (أحمد) والتحامه بهِ:

- (كدتُ بالكاد أفرح وأنا أتقمصك..../ ..كنتُ أضحكُ في سرّي وأقول هذا الفتى مثلي..) ص:20.

1- كان (العنقود- الحقيقي) يبحثُ عن(أحمد- الإفتراضي)، يبحثُ عن الحياة في الإفتراضي، لعلّ حياة الإفتراضي تساعدُهُ على تخطي أزماته، فكان (العنقود) يدخل عالم الإفتراضي، ويحتشدُ فيه ، يروّضهُ وبالمقابل كان الآخر يروّضُهُ. وحتى أتّخذ (العنقود) من (أحمد) مرآته ليرى صورته الأخرى، الجميلة، بلا ألم أو قبح أو دمع أو نحيب.. (ص: 15- 16).

2- كان (العنقود) يتمنى الخروج من جسدهِ وارتداء جسد (أحمد) الصحيح الكامل والمتكامل، صورتهُ المثالية.لأنّ (أحمد) هو الذي شجّعهُ ليكونَ رسّاماً وكاتباً تفدُ الوفودُ إليه.(ص: 30).

3- التحام (العنقود) و(أحمد)، رغم الإختلاف، لوجود مشتركات مبهمة وحقيقية بينهما، حتى في ألوان الملابس. حتى أن درجة التحام وصلت بهما أن يستسلم (العنقود) الى (أحمد) ويتوحّد معهُ حيثُ أخذ (أحمد) يقرّرحضوره ومغادرته في أي وقت يشاء. (ص:29).

4- ووصلت درجة الإلتحام حتى في السرير، حيثُ يختلي (العنقود) مع (أحمد) في السرير دون لقب، وكان يندسّ معه في فراشه . (ص: 80، 9).

5- كان (أحمد) يشارك (العنقود) في قراءة الرواية. (ص: 103).

- نهاية اللقاء مع الآخر- أو مرحلة الخلاص منالآخر:

1- في (ص: 18): لم يحرّك"أحمد"ساكناً ولم يغويه حديث مقدّم الحفل بل شدّتْهُ يدي الضئيلة بأصابعها النحيلة..جذبْتُهُ ووضعتُ يده على كتاب روايتي (الزمن المستحيل)..كلانا أصبح حائراً.. أينا سيوقّع النسخة الأولى، الفكرةُ أم الحقيقة؟ أحمد أم أنا؟.

- بداية التحدي:

- (ص:19): (حرّكتُ راسي باتجاهين معطّلين رافعاً رقبتي قليلاً مصوّباً بصري نحو "سحر"والجمهور متحدياً"أحمد" الافتراضي. ).

–( ص: 27): (أبعدتُ "أحمد" عنّيقليلاً وببعدهِ صرتُ طفلاً مهيئاً للغناء.).

– ( ص:34): (لا تغضبْ منّي يا"أحمد" ، كلانا لهُ دور وسينتهي..).

– (ص: 179): (كلما كتبتُ عبارة أو اتضحت ملامح "أحمد" في الرسم، كلما وقفَ الآخر فيّ مذهولاً... حانَ الوقت أن نواجه واقعنا.. يالهُ من ازدواجٍ بشخصي..).

– (ص: 87): (مرةً تناديني: رفيقي، وأخرىصديقي، وأخرى عنقود، وماذا بعد وقد أعلنت عرغبتك في قتلي؟؟).

- نهاية التحدّي وانتصار (العنقود) على نفسه ليكون(أحمد) الحقيقي:

– (ص: 182): (لابُدّ من النهاية يارفيقي المشاكس.. نعم صدقتَ لم يعدْ باستطاعتنا المضي بهذه الخدعة الكلامية. كلانا أحمد وكلانا ظاهر ومجهول.).

- (ص: 195) : (نعم فعلاً عزمتُ على أمرالخلاص منك.).

- اختفاء الإفتراضي وتجلي صورة أحمد:

– (ص: 206): ( كان "أحمد" يأخذُركناً قصياً في القاعة... وبالتدريج اختفى...).

- الرجوع الى أحمد الأصل:

- (ص: 207): (رجعتُ الى "أحمد"الأصل وليس الصورة.. أو "أحمد" المتخيّل" من قبلي..).

ثالثاً- ثنائية الإبداع: الرّسم والكتابة؟

لقد شملت الثنائيات أبداع البطل، فلم يقف عند موهبةٍ واحدةٍ بل تجاوزت مواهبه لتكون أثنتين ولم تقف عند واحدة، لماذا..؟ ولماذا أختارت الرسم والكتابة؟

إنّ الروائية تدخلت في كل تفاصيل أبطالها، وعاشت معهم، وحدّدتْ لكل واحدٍ وجهته وهدفه، وكيفية تصاعد تطوره ونموه وفعله الدرامي. فالبطل هو (العنقودي- أحمد)أو سمّهِ ما شئتَ.. شخصية تمثل حالة العوق الكوني، العوق بكل صوره في شتى أنحاء العالم، ولكن حينما حدّدت نوع إعاقته، فهو معاق جسديا، وليس عقلياً، لذلك أختارتلهُ نوعين من الفنون، الرسم والرواية.

لماذا الرّسم: لأنّ الرّسم مرتبط بحواسه، النظر، اللمس، السمع، وبقية أجهزة الجسمالتي تعينه مع الفرشاة واللون، وبهذا تُثبت الروائية أن أجهزتهُ سليمةً وحواسّه سليمة، أمّا الرواية، فهي نتاج عقلي وحسي ، فهو أثبات لسلامته عقلياً، ففي هذين الفنين تخبرنا الروائية أن هذا الإنسان لديهِ مالديكم يا أسوياء الجسد، بل يتحدى بإصراره وصبره ليكونَ ما يريد.

بلهناك رسالةٌ أكبر : ( إعاقة القلب والضمير أشدّ وأخطر من الإعاقةِ العقلية والبدنية..:ص: 172) .

- الرّسم واللون الأسود:

الرّسم عند (العنقود- أحمد)، رسم ذاتي، وهو تعبير عن أنفعال محدّد، أو ردّ فعلٍ يحدثُ، أوانعكاسٌ لحالةٍ نفسيةٍ في وقتٍ معين، لذلك تجد صور (العنقود) تعبير للحظة والساعة، مرةً صورة أو صور لوجه (حمامة) التي أحبها، ومرة أخرى صورة(سحر)، ومرةً أخرى يرسمُأ شكالاً قبيحةً أو أشباح بلا وجوه ولا سمات محددة، غير واضحة المعالم، تُعبر عن حالته النفسية القلقة، ومرةً أخرى يعبّر عن سخريته بالعالم وبوالده فيرسمه بهيئات وأشكال قبيحة ، وهكذا..

أمّا لماذا اللون الأسود؟ الأسود هو تعبير عن الظلام، الحزن، السوداوية، الخوف من القادم، الإنطواء... وكثير من الدلالات التي يعنيها التشكلي باسخدامه لهذا اللون..أما (العنقود) فكان الأسود ظله الذي يتابعه، الآخر الذي يتمنى أن يجده ويلتقيه يوما، كما يعبر عن حالته النفسية وشعوره بالسوداوية بشأن حالته الصحية. وقد كرّر استخدام هذا اللون في لوحاته في أكثر من موقع في الرواية، نذكرُ منها:

1- ص85: .. أما تراهم يقفون كثيراً عنداللوحات رغم أن أغلبها باللون الأسود؟

- هذا يعني حتى الأسود أنتصر واستحوذ على الاعجاب.

2- ص105: ...أشرح لها اللون الأسود وسحره على الورق الأبيض.

3- ص113: ..لاأدري لماذا تتحكم هذه الابتسامة وتستفحل على محاولاتي..هي في اللون الأسود والأبيض فقط..يالعظمة هذين اللونين.

4- ص 117: ..هو عقيم لايستطيع كتابة كلمةواحدة أو يمسك بقلم الفحم يثبت للناس أن السواد له وجود في حياتنا..ووجوده يشكل هيأة نقررها نحن على البياض وتقررها أناملنا.

 5- ص179: ...قبل وصولي مزّقتُ وبكيتُ قرب أوراقي ودفاتري. القلم الأسود ضحك مني واستهزأ كثيرا..البياض على الورق شجعني وأعطى أناملي شحنة ودفق أنفعال فني.

6- ص 188: .. أغضبُ وأصبّ غضبي على الورق أوالقماش ..أو بقلم الفحم على ورقي الأبيض ..أفضّل الرسم باللون الأسود دائماً.

7- ص 196- 197: وجه واحد لأنثى تقف نهاية الرسم، بدون ملامح، مجرد جسد يوحي بانوثة وفم كبير بأسنان طويلة ..على ثوبها رسم حرف"ما" أعوجاً وعدلاً ومقوساً، ومنحنياً ليزين الثوب الأسود كله.

8- ص 206: ..فاجأت- سحر- بصورتها وهي واقفة بجانبي ، رسمتها بالفحم تعبيراً عن اتحاد هذين اللونين...

- ... أبيض الورق وقلم الفحم.الظلام والنور ، كنتُ أنا الظلام وهي النور.

- أمّا الكتابة: فقد سبكَ أحلامهُ وفق قوانين أدبية بشكل رواية، وكتبَ حكاياته المتداخلة ببعضها المعبّأة بالألم (ص:27)، وقد اعتادَ على تدوين كل شيء يمر به ويراه في دفتر ملاحظاته فيكتب كل همسةٍ ولمسة بلغةٍ جميلةٍ واسلوبٍ أخّاذ. ويقول –العنقود- ص :108: (فرحتي باكتشاف الشاعر فيّ، أبعدتْ عني هواجس الغيرة..). ويقول العنقود في مكان آخر ايضاً، ص: 193: ( ..أجل سأبدأ من اللحظة ليكون لي معرضي الخاص في العاصمة وروايتي وإن كانت هي مذكراتي ستأخذُ حيزاً من اهتمام النقاد.).

هكذاوجدنا بأن الرسم والرواية توأمان في ذات (العنقود)، أحدهما يقف مع الآخر لإكتمال صورته، وإحياء توازنه .

ثالثاً - صورة الوالدين في الرواية:

- (( أتّقوا ربّكم وآخشوا يوماً لايجزي والدٌعن ولده.)). –سورة لقمان: 31/ الآية:33.

- ((لا أقسمُ بهذا البلد* وأنتَ حلٌ بهذا البلد* ووالدٍ وما ولد*)) – سورة البلد: 90/الآية: 3.

معظم شخوص الرواية المتجركة داخل النّص، تعاني من أزمات نفسية جرّاء العلاقة مع الوالدين سلباً أو ايجاباً، وما أفرزت تلك العلاقات من نتائج ألقت بظلالها على حاضر وتطلع الشخصية. أن الناس الأسوياء والذين يتمتعون بصحة وسلامة خلقة، كثيرا مانلاحظ وجود مشاكل أسرية ، فكيف بخلقٍ غير سوي، محمّل بعاهة أو إعاقة، كيف ستكون علاقته بأهله بل بمجتمعه، .. هذا ماتكشفهُ لنا الرواية، في طبيعة النسيج المجتمعي، واضعةً علم الإجتماع أمام أسئلةٍكبيرة تجاه هذا الموضوع، ولم تقف الأسئلة عند حدود علم الإجتماع فحسب بل، عندعلماء الطب والقانون والأديان مجتمعةً.

وقضية الوالدين، التي تطرحها الرواية بأسلوب حداثوي غير مكرور، يربط فيعلاقة الشخوص بوالديهم، وسبب مجيئهم الى جنتهم قرية (أبو فرج)، ولكلٍ موقفه من والديه يعيش صراعه ، حلوه ومره، أو سمّه أحياناً. وسنشرع الآن بعرض هذه العلاقة على مستوى شخوص الرواية:

1- علاقة العنقود بوالديه:

علاقة (العنقود) علاقةٌ سلبية ، فيها من الألم والعذابات، فهو يتمنى في لحظة تكوينه، لو أرتدى والده (غفّار) الواقي ساعةَ نزوته (ص:25)، أنهُ ينفرُ من اسم والده ولا يريد أن يذكره لأن والده لا يحتمله ولا يحتمل عاهته أو رؤيته، لذلكلم يذكر اسم أبيه على الرواية بل يكتفي باسمه، فوالدهُ يتجاهله منشغل بملذاته ولياليه، ولا تربطه بولده سوى المبالغ التي يرسلها الى الدار لخدمة ابنه فقط.يستفحلُ الغضب عند (العنقود) على والده الحي الذي لا يسأل عنه بل يتجاهله، ويرى في أحزانه وآلامه أكثر وجعاً من طفلٍ أو انسان فقدَ والديه ويعاني اليتم. أمّا والدتهُ الذي لم يرَ وجهها ولم يتعرف على رائحتها أو ينام على صدرها أسوةً بأطفال العالم، فهي راقصة، حملت به في ليلةٍ حمراء مع والده، ثم أرسلته بعد الولادة مشوهاً الى والده مع السائق في يومه الرابع..(ص:60). فهو لم يحلم حتى بوجهها ولم يتفقد وجهها بين وجوه النساء، لذلك رسَمها ذات يوم (..وأرسم شكل خنزير، ثمل ماذا نكرهُ الخنازير..أقلها هي تحمي صغارها بين أضلعها من البرد ومن أزيز الرياح.. ص:113)؛ ثم يقول عن والدته أيضاَ: (أمّ لم أرها ورسمتها ذات يوم لتكون في المعرض على شكل حمار، ثمّ مزّقتُها فهي لاتستحق حتى الحمار.ص:196).

وفي ص: 141: يقول (العنقود): (أبي وأمي أحقر طغاة العالم ....إنظهرتَ لي أو فكّرتَ يوماً برؤيتي يا أبي، سأخفي وجهي عنكَ.. الموت في وجهكَ لايروقُ لي.. ولا أحبّ رائحةَ المستنقع في مسامِ جلدك...).

2- علاقة (سحر) بوالديها:

لم تكد أن تبلغَ الخامسة من عمرها حتى توفت أمها، فتزوّج أبوها من أمرأةٍ متكبرة تعاملها معاملة أمرأة الأب القاسية ، وخلّفتْ هذه المرأة لأبيها ثلاثة أولاد، فاحتضنهُ القبر (ص:36). فكانت زوجة أبيها تهوى تعذيبها، مصاصة دماء، فتزوجتْ أمرأة أبيها بزوجٍ آخر (العم فاضل) حيثُ أصبحت هدفا لتحرشاته، ويحاول أن يتحين الفرص للإجهاز على ضحيته (سحر)، (ص:38)،  فيظل والدها في ذاكرتها حيث تناجيه : (سابقاً حين يعودُ أبي من عمله المضني في سكة الحديد..يصهره التعب والتحوّل..يخفي تعبه حال دخوله الدار وينشر البهجة في نفوسنا..فتهمسُ في أذني ضحكات أمي وهي تعد الغداء لنا نحن الثلاثة.,... يا لأبي المسكين ..ليته ينهضُ ويرى كيفَ أخذت صورته حيزا في خزانة الحمام مع صورة أمي.. وليته يرى التي خان أمي من أجل نزوة معها ماذا فعلت، وكيف تخرج الكلمات من فوهة فمها الكارثة...ص: 39).

3- علاقة (سلوى) بوالديها:

تخبرنا الرواية ، عن سلوى، أن الأبوين تركاها(أي توفيا) لخالٍ وضعها في ملجأ الأيتام تليبةً لرغبةِ زوجته التي لم ترحب بوجودها في بيتها. (ص: 61).

4- علاقة السيدة (فضيلة- مديرة الدار)بوالديها:

تسلّط الرواية الضوء حول هذه العلاقة، حيث كانت من أسرةٍ فقيرةٍ معدمةٍ مكوّنة من أربعة أخوة توأئم ... فزوجوها لثري في المدينة يكبرها بثلاثين عاماً....الثامنة عشرة سنة الزهو وليست سنة الترمل..لم يسمح لها عرف الأرملة الحلم بجواد أبيض وفارس يمحو زلل زواج غير متكافيء...عادت الى القرية بثروة لابأس بها، ووفاء لأخوتها الذين ماتوا نتيجة الفقر في القرية في قرية ليس فيها أي اهتمام من وزارة الصحة ، أو اية جهة حكومية ، نذرت نفسها ومالها لهذه الدار... الزوج المسن لم يهبها جنينا، لذا عادت لأبويها تحمل بين أضلعها حلما مفقوداً... ص: 61.

رابعاً- قضية زواج المنغوليين:

في الإستهلال عن الحديث حول هذا الموضوع الذي طرحتْهُ الروايةُ بجرأةٍ، ويشكلُ مطالبةً لوضع حلول شرعية ووضعية وطبية لمعالجة هذه القضية الإنسانية. فقد وضعتِ الروايةُ أسئلةً كبيرةً مهمةً: هل هناك حب منغولي؟.. هل يتصرّفُ أصحابا لإحتياجات الخاصة في علاقات الجنسين غريزياً أم عشقاً حقيقياً؟.. هل يمكنُ أن يعشقَ المعاق بدنياً وعقلياً؟؟..

حيثُ تقدّمُ لنا الروايةُ حكايةً أخرى من حكاياها، وهي حكاية(سالم وحمامة) ، ومابينهما من ألفة وحميمية، وعشق، مما دعا والدة سالم الى طلب زواج ابنها المنغولي من (حمامة) المعاقة أيضاً، وما أسهم هذا الطلب في وجود موجات معارضة من قبل منْ في الدار أولاً، وعدم تقبّل هذا الموضوع، ثم بعد ذلك كيف تصاعدت الأحداث والمطالبة والإصرار بالزواج من قبل والدة سالم كي ترى حفيدها قبل وفاتها.. تتطور الأحداث فتقتنع الدار ومنْ فيها بالزواج إلا أن هذا الطلب يصطدمُ بعقبات كبيرة، منها القانون، وقرار المحكمة، والطب أحياناً في رأيها لمتضارب بين القبول والرفض، والرأي الشرعي(الديني)، يرفضُ القاضي المصادقة والإعتراف بالزواج، فتظل هذه القضية مطروحة في الرواية، وتظل سؤالاً قائماً يحتاجُالى جواب؟؟؟..

 

الخاتمة:

رواية (الزمن المستحيل) وضعت أمام القاريء مواضيع وأمور في غاية الأهمية، ووضعت علامات استفهام كبيرة أمام المجتمع الدولي، أمام الدول والحكومات والمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني، وهيئات حقوق الإنسان، قضيايا تتعلق بعلم الإجتماع، وضرورة الإهتمام بأسس التربية الأسرية ، وأحترام الآخر مهما كان نوع مرضه وعاهته وأن ينظر اليه أنسانا قبل كل شيء ، وأن تضعالدساتير والقوانين مواد خاصة بهذه الفئة. كما أن العوق أو الإعاقة لاتشكل خطراًكبيراً على المجتمعات بقدر مرضى الفكر والثقافة المعادية للبشر، وجرائم العصر التيلا

ثم وضعتْ أسسا وأحلاماً من أرض الواقعي مكن تحقيقها لهؤلاء الناس وفق أسلوب التضامن والتكافل المجتمعي لغرض النهوض بهم، فهم مجتمع يعملـ يتذوّق الموسيقى، لديه أبداعات فنية وأدبية، بل وجعلت الرواية ختامها أن يكون (أحمد الأصلي) معلماً فيدار الرعاية ليعلّمَ ابناء مجتمعه ويعمل وفاء لهذه الدار التي أحتضنته بعدمارماه أهله منذ طفولته فيها. فانتصرت إرادة التحدي والعزيمة والإصرار..فقدمت لنا الرواية أنموذجاً أبداعياً شائقاً، ولكن..؟؟ لغرض أكمال رسالة الرواية على المعنيين أن يضع الحلول والإجابات لإسئلة الرواية...

د. وليد جاسم الزبيدي

العراق- بابل

12/آيار/ 2014

............................

المصادر والمراجع

*القرآن الكريم.

- بوليفونيا التصميم الضوئي في العرض المسرحي التجريبي، أطروحة دكتوراه:نورس محمد غازي، جامعة بابل- كلية الفنون الجميلة/قسم الفنون المسرحية، أشراف: د.عقيل جعفر مسلم، 1434هـ/ 2013م.

- التداولية في الفكر النقدي، أطروحة دكتوراه: كاظم جاسم منصور العزاوي، جامعة بابل- كلية التربية للعلوم الإسلامية- قسم اللغة العربية، أشراف: د. عباس محمدرضا، 1433هـ/ 2012م.

- معجم السرديات، أشراف: محمد القاضي، دار محمد علي للنشر- تونس، ط1، 2010م.

- معجم الجسد، أشراف: ميشيلا مارزانو، ترجمة: حبيب نصر الله، مجد المؤسسة الجامعية- بيروت، ط1، 1433هـ/ 2012م.

- المعجم الوسيط، مجموعة أساتذة، مؤسسة الأمواج- بيروت، ط3، 1988م.

- موسوعة السرد العربي، د.عبد الله ابراهيم، دار الفارس- الأردن، ط1، 2005م.

 

قراءة في رواية (أعشقني) لسناء شعلان

sanaa alshalanلا ينكر قارئ منصف أنّ الأديبة د. سناء شعلان استجمعت كل قواها ومصادرها ومعارفها لتؤسس لها ولنا عالماً غريباً غير مألوف من الناحية الأدبية، ولا أقصد هنا تلخيص حكاية روايتها المعنونة (أعشقني) أي أعشق نفسي، كيلا أفعل مثل الكثيرين، فنحن في رواية (أعشقني) أمام نص خارج عن مضمون ومجرى وحتى مستوى النصوص العربية المعروفة وخاصة في الأدب العربي الأنثوي، لكنني سأحاول أن أتسلل عبر منافذ القصة ومخارجها ومتكآتها تحليلا وإشفاء لنفوس القراء.

تبدأ الأديبة سناء شعلان بتحليل الإنسان على طريقتها وحسبما يناسب ثيمة حكاية (أعشقني)، فقسمت حياة الإنسان إلى خمسة أبعاد، هي طول الإنسان وعرضه وارتفاعه والزمن ثم البعد الخامس وهو الحب وهو الأهم والأكثر تأثيراً، وكاتب هذه السطور يشارك المؤلفة اعتبار أن الحب هو عنصر خلق وإبداع، وفي الوقت نفسه قد يكون عنصر تدمير.

وسنحاول اكتشاف هذه الأفكار عبر اندماجنا في شرايين الرواية نفسها، وأول ما نكتشف أننا أمام نص نابض بالحياة وقابل  للاكتشاف، تتنقل الراوية بـأجوائها وتحورها وتحررها ودمجها عنصري الزمن والحب، وفي جو حافل بالإعجازات والتقدم العلمي والتقني، والأهم من ذلك هو قدرة الكاتبة على الانتقال الكلي جسدياً وروحياً وفكريا مع أجواء هذا السّبق السّاحر، لتؤكد لنا وبأسلوب مقنع عبر حبكة جميلة أن تلك العناصر هي التي تؤثر على كلّ إنسان في شخصيته وشكله وإبداعه وتقدمه وإنتاجه وتأثره وتأثيره بالمجتمع المتوافق وحتى المعادي، ثم مع الطبيعة والكينونة منذ نشأتها حتى قيام تلك الساعة المستقبلية، لكن البعد الخامس وتقصد به (الحبّ) هو الذي دارت حوله معظم الحكاية، إنه الأساس الذي يتحكم بمصير شخوص الرواية، ولاسيما باسل المهري والعشيقة شمس في حاضرهما ومستقبلهما، وفي كلّ ما يمكن أن يحدث لهما، إنه القابس والمحرك الذي يشغل بال الرجل والمرأة على السواء، ونحن هنا بصدد قصة عجيبة فيها كل التضاد واللامألوف والتناقضات والعجائب إلى جانب عنصر الحب الذي مزق كل الحواجز واخترقها، وتخطى كل التابوهات الدينية والتراثية والقانونية وحتى المعارف التي توصل لها إنسان القرن الواحد والثلاثين، لتحقق معجزات تتفوق على المعجزات العلمية الباهرة، والصادمة بالنسبة لنا نحن سكان الأرض حتى تاريخه، فعنصر الحب اخترق الأجواء، والمنظومات القانونية والعلمية والسياسية والتي تحكمت في البشر سكان كواكب السموات كلها حسبما ورد في الرواية، وكأنّما أصبحت المعارف العلمية هي رب ذاك الكون المتخيل والمسيرة له، ففي هذه الرواية نحن في زمن هارب لألف عام للأمام، أيّ بداية الألفية الرابعة عام 3010، فخيال الروائية وقدراتها الثقافية والعلمية والمعلوماتية خلقت لنا عالماً غرائبياً ساحراً ومحيراً، مستخدمة ما يتوقعه علماء الفضاء والذرة والفلك،  وكلنّا يعلم أنّ معظم ما حققه الإنسان حتى الآن كان حلماً يداعب عقول العلماء والناس العاديين قبل خمسين إلى مائة عام، مثل السير على القمر، والوصول للكواكب البعيدة لمسافات تعد بالساعات في سرعة الضوء أو لأيام أو حتى لسنوات. فلم تعد الكرة الأرضية قادرة على استيعاب طاقات الإنسان وقدراته وتعداد سكانه وتكاثرهم، فتفتقت العقول وانتهج العلماء وسائل السّفر الأسرع من سريان الضوء، ليسهل على الإنسان الانتقال بين الكواكب والعمل على الاستيطان بها وإعمارها، ووصل التقدم العلمي حسب الرواية إلى إمكان نقل عقل بشري سليم تداعى جسده، إلى جسد إنسان آخر خرب عقله وسلم جسده.

وتفيدنا الرواية نجاح تجربة نقل عقل سليم بجسم معطوب لجسم سليم وبعقل معطوب، وتشاء إمكانات سكان المجرة أن تتم التجربة الأولى على نقل عقل رجل فاعل ومؤثر ومهم في إدارة ودعم السلطة الوطنية هو باسل المهري، وربما كان مكرهاً أو مضطراً على قبول هذا القرار، لأن السلطة رأت ذلك نظراً لأهميته لهم، فتم نقل عقله ربما دون إرادته إلى جسد امرأة حزبية أو نقابية ذات شخصية مهمة وبرزت في جانب المعارضة للسلطة في الكوكب البعيد واسم تلك السيدة (شمس)، ناسبت خلاياها خلاياه، لكنّها كانت قد سبق لها أن حملت جنيناً في بطنها قبل موت عقلها (هي لفظت أنفاسها الأخيرة هذا الصباح في زنزانة قذرة، وأنا تعرّضت لحادث إرهابي في الوقت نفسه، هي باتت دون روح ودون دماغ، وأنا بتّ عقلاً ينبض بالحياة دون جسد) ص 16، (الأطباء أكدوا له أن هذا الجسد الأنثوي المنسرح في أحضان الموت، بابتسامة قرمزية مترعة بالسلام والرضا، وبشيء آخر لا يعرف له اسماً او لونا او صفة، هو الجسد الوحيد الملائم جينياً وأنسجة وخلايا لجسده) ص 22، لقد أفعمت الكاتبة هذا الحدث العلمي بالكثير من التفاصيل، وهو بالنسبة لنا سكان الأرض حتى تاريخه يعدّ أملاً أو خيالاً بعيداً عن التحقيق في المدى المنظور لإنسان الألفية الثالثة، لكن تسلح الراوي العلمي والإلكتروني والمعرفي ومتابعة الاستعداد لمواجهة تعقيد قفزة علمية كهذه، تحسب للأديبة سناء شعلان، ويمكنني القول أنّ هذا الإلمام الأنثوي الساحر يقزم الكثيرين، ثم لا ننسى أنها حاولت تحقيق ما تريد، وأملت علينا أحلامها عبر قصة جاذبة تحتل قصب السبق في الأدب العربي الحديث، وتحليل كاتب هذه السطور يرى في هذه القصة تنفيساً عما يصول في عقل راويها ومؤلفتها، وتعكس الأمل والإحباط في آن، ولا نزيد على ذلك، فحلول عقل رجل عاقل مثقف وذي مركز سلطوي سابق جعله في حيرة وقلق وتعاسة ربما: (ما عاد معنياً بأي قوة محبة له في السماء أو في الأرض، فكل المشاعر الجميلة والانتصارات الماجدة التي حققها عاجزة عن أن تعوضه في هذه اللحظة عن عضوه الجميل، أو عن جسده المديد الغض كأطواق الياسمين) ص 36، وهاهو يصف الأطباء والعلماء والسياسيين متخذي القرار ( أين كانوا جميعاً وأنا أفقد جسدي جزءا جزءا؟ وأندس مجبراً في جسد امرأة لا أعرفها، لأصبح مهزلة كبرى اسمها السيدة باسل المهري؟) ص 44، وهنا نستدرك ثانية بأنّ جذوراً عميقة في الطفولة تؤثر على أي إنسان، فربما كانت الأم تتمنى لو أنّ ابنتها كانت ولداً، وربما نعتتها في أوقات كثيرة بأنها أفضل من الرجل، فتتكدس تلك المقولات والأفكار وتؤثر على الطفل أو الطفلة لتجعلها تتقمص شخصية رجل ذي خبرة عالية في شئون الحياة والسبق العلمي، بل وفي تجربة استكشاف أسرار الحياة الزوجية واعتصار كل لحظة ممكنة للمتعة، وتفخيم اثر العلاقات الجنسية على حياة البشر وإغراقها برومانسية  تصل حد الخيال المتخم والإعجاب على الأقل بالنسبة لمحدودية معارف الإنسان العربي في هذا المجال، بسبب تراكم التابوهات وقيود التراث في حياتنا، وبعض من الصبايا يقعن فريسة استنكار بروز الثديين في سني المراهقة، فتتوزع نفسها بين التباهي والإعجاب بمظاهر الأنوثة هذه، وبين التمني بإخفائها، لكن نفسية الفتاة قوية الشخصية تؤثر على عقلها وسلوكياتها فتتفنن في جذب انتباه الرجل لجمالياتها، ومع حفظ عقل باسل وإبقائه حياً لم يقنعه بسبب حرجه من حلوله في جسد امرأة (مهمتي الآن هي استرجاع باسل المهري لا شيء غيره، ولتذهب ابتسامتها الوردية إلى الجحيم الكوني، ولتغرق كل المحيطات بلا رحمة لخضرة عينيها المائيتين) ص 57

إن قدرة الكاتبة على الصبر والاحتمال المطول لتسجيل المعاناة والإحباط والرفض الذي يدور في عقل باسل المهري بإسهاب، وقراءاته لمذكرات شمس التي يقبع عقله في جسدها، ومعرفة المؤلفة لقدراتها الجمالية والخلْقية، لأن أي كاتب لا يستطيع الخروج من جلده ولا معارفه، ثم وفي شهور الحمل الباقية لكي يخرج الطفل من بطن والدتها أو بطنه أي (باسل المهري)، وقبلها الاندماج في الأدوار النفسية والعلمية لعملية نقل عقل رجل إلى جسد امرأة حامل، مع دقة في الوصف، يظهر مدى سعة مرآة التصور والخيال الواسع المعجز لدى الكاتبة سناء شعلان، وهذا في حد ذاته يعتبر إعجازاً بشرياً يضاف إلى عالم الأدب والفن والجمال والحياة بإبداع نسوي (واكتشف باسل المهري أنّ أفضل طريقة للهروب منها هو الهروب إليها) ص 62 ، وتجمّعت ظروف لتحصل متاعب لحكومة ذلك الكوكب بسبب عدم رضا  ناسه عن الحكومة بما يشبه أوضاع كثير من الحكومات في الظروف الحاضرة في الوطن العربي أو يصلح إسقاطاً عليها، فاشتغلت أحداث الرواية والخلاف بين الحكومة وبين باسل المهري على أهداف أبعد مما يدور في الرواية، ثم إن التّصادم برغم التوافق النسيجي بين عقل باسل وجسد شمس هو الآخر كان بؤرة موقوتة للانفجار في أي لحظة (إن الحكومة واجهت حروباً شعواء من المعارضة، وعدم تسليم الحكومة جسدها لحزبها لا يزال يشكل أزمة ثقة متجددة مع الرأي العام، ومادة غنية لهجوم الإعلام على الحكومة)

وتمتد الحكاية على طول باقي الرواية بعدها في قراءات باسل المهري المركب على جسد (شمس) المرأة الحامل، يقرأ لطفله الذي في بطنه أو بطنها وهو يكتشف أسرار علاقة شمس بحبيبها خالد، ومما جاء في تلك المذكرات (بحبي لك وحدك، بجسدك وفتوتك ورائحتك ونظراتك وعناقاتك يا شمس، أشتهيك كما اشتهى  الفلاسفة نهاياتهم أريد أن انتهي على أعتابك وأنا أتوسد حدائقك واحترق بحرائقك يا نبيتي) ص 89 وأثناء كلّ تلك القراءات والاكتشاف يتم التركيز على أهمية الجنس وضرورة الإشباع الجسدي والروحي (لا قيمة للحياة دون الجنس، ولا جدوى للذكورة والأنوثة دون فعل التواصل الجنسي الكامل) ص 95، وتتواصل رسائل العشق بين العشيق خالد والمعشوقة شمس، فمن رسالة لخالد يقول (كيف أصبحت يا وجه الله في روحي . . . أريد أن أبلل حدائقك بمائي الذي حملته وخبأته في بئري منذ أربعين عاماً، إنه ماء الأنثى، ماء الأمل، ماؤنا، ماؤك يا نبيتي القادمة من غياهب الروح، احبك يا ملاكي. أشتهيك: خالد) ص 98 وهناك يأتي على البعد الخامس وأثره (قولي لي يا شمس من أنا؟ فأنا أعرف أنك القدر الذي طرق بابي يوم كنت جالساً أتأمل صنع الله للكون، واكتشفت أن هناك بعداً خامساً يفسر كل ألغازه، فكنت أنت وحبك هذا البعد الخامس، اشتهيك: خالد) ص 112، هذه النماذج من نزف المشاعر بمفردات، تشي بالعمق الإنساني والوعي التام لدى الراوي والأمانة وارتفاع مؤشر الثقة والتلويح بتلك القدرات.

وحتى في العام 3010 وفي ظل قدرات الإنسان على التحكم والتوطن بكلّ كواكب المجرة وجدنا أنّ هناك محسوبية وإمكانية للوصول للمعلومة بطرق غير مسموحة وفي أدق المعلومات وأعقدها وأكثرها خصوصية (وبسبب مصالح له معلقة فقد حصل على الحزمة الضوئية أخيراً) ص 65 أي حصل على ملف حياة المرأة (شمس) الكامل وأسرارها أثناء حياتها، وليكتشف حبها لخالد برغم أنها كانت امرأة متزوجة، وباسل المهري الذي فقد جسده كان متزوجاً هو الآخر من امرأة أنانية كان كل همها التنعم بماله ومكتسباته ومركزه، والمرأة التي حل عقله بجسدها لم تكن سعيدة مع زوجها الأناني، ومع كونها امرأة قائدة وتمسك بمواقع متقدمة في حكومة الكوكب، إلا أنها امتلكت إمكانية التمرد على المألوف، وفي تركيبة عقلها جرأة على اقتراف الممنوع وتجربة المحرم والشاذ، ومع أن الحمل الطبيعي كان محظوراً بقوانين متشددة في حكومة الكوكب عالم 3010 إلا أنها حملت سفاحاً من عشيقها المتزوج واسمه خالد (فكل ما يغريها هو التمرد والعصيان وتثوير المواطنين ودفع الغرامات) ص 68 وهذا ما اكتشفه باسل المهري من مذكراتها، يقول عقل باسل المهري (كلّ شيء يتعلق بهذه المرأة هو محض أسئلة معلقة في عالمي الصمت والألغاز، وأريد أن أجد الإجابات لعلي أجدني) ص 73، أي لعله يجد نفسه التي حلت في جسد تلك المرأة، فالمرأة شمس تعشق نفسها وتبحث عن عشيق لإنضاج هذا العشق وتتويجه، وتصريحاتها في مذكراتها توحي بهذا العشق، على الرغم من كونها شخصية سياسية جدلية، وباسل المهري يعشق نفسه والمسئولون يحتاجون عقله مما جعله يوافق على نقل عقله لجسد امرأة، وزوجته كانت تعشق نفسها بأنانية، وزوج شمس كان يعشق نفسه ويحاول إشباع هذا العشق بأساليبه، ويعود الراوي لتذكير الناس بتحكم مخابرات الدول في الأفراد (ففي معتقل المخابرات المركزية لحكومة المجرة، تحرم من كل شيء حتى ذاكرتك) ص 78، ويكشف باسل المهري أفكاراً أخرى للعاشقة شمس الحامل سفاحاً (ليست معادلة الطاقة هي السبب الوحيد وراء ذلك، بل أفكارها التي تهدد بتقويض سلطة المتسلطين، هي الدافع الأكبر لسيرها نحو مصيرها المتوقع، فالكون لا يتسع للفساد والإصلاح في آن، على واحد منهما أن يفرض نفسه، وينفي الآخر) ص 164، وهنا يسجل للكاتبة سعة معرفتها ويصبح كلامها وعلى لسان شمس فلسفة للحياة.

ثم يجري سرد أحداث الحياة على نمط واحد وفي تكرار المعنى والهدف لتمجيد جسد الأنثى أو فحولة الرجل ومدى السعادة حين تتوافق الرغبات بين رجل وامرأة، مما يسبب بروداً بطريقة مختلفة لدى القارئ بعد أن اعتاد على الإثارة والديناميكية في الجزء الأول من الرواية، وإن إقحام الإلحاح على الشبق وادعوه الوصف اللغوي الأدبي لممارسة الجنس، أضعف النهايات، ومما جاء في الجزء الأخير من الرواية (وثورة النهد إذ يرتشف رمانه الشبق، وارتعاد الغدير إذ تداعبه النوارس فتتحشرج في شوك ضفتيه، وتترنح، فتدندن في غلمته إذ تسكنه غدواً ورواحاً،  قبضاً وانفراجاً، فتتفجر فيه بحراً ملوناً برائحة النور والتراب والحياة، ملتهباً بخرافية اللذة وهي تستيقظ نشوى يمعابره وامتداداتها وانحناءاتها المعناة باللهاث المتهدج المنغم الجميل ... الخ) ص 192 ، ولكم تمنيت أن لا يكون هذا الوصف الدقيق الفاضح لتزاوج حميمي في هذه الرواية التي سبق ووصفناها بالتفرد، ولنبحث لهذه الفقرة موقعاً آخر خارج هذه الرواية الفذة، لأنّ ما ذكر في الرواية سابقاً يكفيها جاذبية، للذكر والأنثى، شباباً أو شيبا، والأدهى من ذلك نجد تذييلاً في أسفل الصفحة بأن هذا الوصف النصي هو بقلم المبدعة د. فلانة من المكان الفلاني، ثم لا اعتقد بصواب اقتباس بمثل هذا الطول ولصفحات، فالكاتبة أشقت نفسها طويلاً مع هذا العمل القيم، وهي قادرة على مواصلة قفل هذه الرواية بمجهودها، دون الاعتماد على اقتباس من أي فرد أيا كان، والرواية هي مثل حياة الفرد، لايشبهه في حياته وجسده أحد، وحتى لو تمازج او تداعى او انصهر مع آخر فلا بد أن يظهر الطرف المضاف شاذا، أما في حالة التكامل النصي من المؤلف فسيبقى يحمل مواصفاته ومؤهلاته سليماً معافى او سقيماً، وأرى أن هذه نقطة أضعفت هذه الرواية المترعة بالخيال العلمي والتجديد، فالأديب والروائي يقتبس جملة أو سطراً، ولكن لا يزين ولا يحسّن روايته بكلام مطول من غيره، والأنكى من ذلك أن يحاول التبرؤ من تبعات مااقتبس، مع انه يبقى مسئولا عن كل مفردة وردت في الحكاية حتى لو كانت مقتبسة، والقصة تكون دائماً أذكى من القاص.

 

نازك ضمرة

نورث كارولاينا  في 8/4/2013

 

قراءة في رواية (غرفة البرتقال) لعارف علوان: البنية الزمنية المركبة (2 – 2)

alaa allamiهذه التقنيات السردية التي استعرضنا بعضها قبل قليل* تنتمي جميعها إلى السرد المتداخل البسيط والأفقي غير أن الفارق بين الأمثلة التي أتينا على ذكرها وبين رواية "غرفة البرتقال" يكمن أيضا في التنفيذ النثري وفي أساليب هذا التنفيذ بهدف تشكيل البنية الروائية المندغمة منظورا إلى طبقتها الأولى والمركبة باسترسال محسوب زمنيا ونفسيا ومقروءةً – في النهاية - كمتن سردي منجز.

وبالعودة إلى المتن الروائي ذاته، يمكن لنا رصد بداية السرد بالحركة الهابطة للسيارة التي أتينا على ذكرها، والبؤرة المكانية أو المنطلق المكاني للحدث فسيكون مثالها الأول السيارة المتحركة ذاتها. أما فعالية الشخصيات الروائية ووزنها البنيوي فتشكو - في الظاهر - من خلل فادح جعل من الشخصية الثالثة : العشيق "جلال"، مجرد نتوء ملصق بشبكة الشخصيات الأخرى مع أنه يمتح محوريته من وجوده الفيزيقي في البؤرة المكانية "السيارة" أكثر مما يمتحها من دوره في الفعالية الحَدَثية وعلاقته بعشيقته "وداد" وزوجها "صبحي".

وقد يقول قائل: إن هذا الخلل الظاهري ينمُ عن رؤية واقعية لوزن العشيق في الحبكة الروايئة وفي الحياة الاجتماعية الواقعية بذات القدر. وهذا قول يحتاج إلى تمحيص وتقويم خصوص

قراءة في رواية (غرفة البرتقال) لعارف علوان: البنية الزمنية المركبة (2 – 2)

ا إذا نظرنا إلى وزن الشخصية من حيث فعلها الدرامي هي، ومن حيث فعل الآخرين الدرامي الواقع عليها،مما يمنحها في أمثلة روائية واجتماعية معاكسة نطاقا حركيا أوسع، ووزنا وجوديا أثقل .

إن الحضور الطاغي للشخصيتين الرئيسيتين: الزوجة "وداد "والزوج "صبحي" والحركة الصراعية النفسية والعاطفية بينهما، جعلت وزن الشخصية الثالثة "جلال" يخف كثيرا حتى أن شخصية "عمة وداد" الواردة في الرواية الداخلية - على ثانويتها السردية - أكثر حضورا، دع عنك أن نهاية الرواية التي سنتوقف عندها بعد قليل لأهميتها جعلت حضور العشيق لا يزيد على حضور هيكل السيارة التي احترقت قبل بلوغ منحدر "صليما" وترنح في لهيبها الزوج في أزمة قلبية مباغتة .

ولعل من المفيد أن نشير - وإن بعجالة - إلى بعض المؤاخذات والهنات ذات الطابع الإجرائي التي تسجل على هذا العمل ولكنها لا تنقص البتة من قيمته التأسيسية ومن ذلك:

- لم يحسم "عارف علوان" أمره بخصوص اللهجة المستعملة في الحوارات القليلة التي وردت في الرواية فهو تارة يستعمل اللهجة العراقية و اللبنانية بحسب الشخصية الروائية الناطقة، لنجده في مناسبات أخرى يستعمل العربية الفصحى في حوارات مشابهة. لقد كان بوسعه أن يحسم هذا الموضوع فيميل إلى خيار اللهجات العربية المحلية ويهمل الحوار بالفصحى أو يفعل العكس ليخرج نصه وقارئه من هذا المأزق الإجرائي السهل نسبيا. مع ملاحظة إننا نتكلم – هنا - عن الحوار الخارجي "الديالوج" وليس الداخلي "المونولوج" الذي يمكن أن يكون بالعربية الفصحى في حين يكون الخارجي باللهجة المحلية.

-كان من الأفضل أن تعتني الجهة الناشرة أو المحررة والمراجِعة للنص بعلامات الترقيم والتنقيط وخصوصا في طبع عمل دقيق يعتمد هذه الأساليب السردية الحديثة وعدم الاكتفاء باستعمال المزدوجتين الصغيرتين أو خلط الكلام الحواري بالوصفي كما حدث في مناسبات كثير فلا يستطيع القارئ تميز كلام الشخصية الروائية من كلام الراوي.

- تبدو بعض المضامين الأخلاقية والاجتماعية والسياسية والإيروتيكية (نسبة إلى الإيروتيك (Érotique ) أي الشهوانية الجنسية الخفيفة، تمييزا لها عن البورنوغرافيا (Pornographique) أي الإباحية الجنسية الداعرة) المعبر عنها على لسان الشخصيات الروائية وخصوصا على لسان شخصية مأزومة وملوثة روحيا وعاطفيا كـ "صبحي" بحاجة إلى حرص في الصياغة وتنظيم وموضوعية في الطرح لكي لا يساء فهمها فتتحول إلى أحكام معيارية تحسب خطأً على المؤلف لا على شخصياته وخصوصا تلك المتعلقة باللبناني والعربي الفرد والمجتمع ..الخ . أما الوقفات الإيروتيكية الواردة في الرواية فبعضها كان منسجما وشفافا أما بعضها الآخر فيبدو محشورا حشرا وفي غير مناسبته أو بيئته أو أنه مبالغ فيه على أرجح تقويم .

- كان يمكن تفادي الكثير من الغموض غير المبرر والاكتفاء بنماذج من الرواية الداخلية مع الانتباه إلى توزيعها بدقة وعدالة تخطيطية على مجمل الهيكل الروائي، ولعل من أبرز الأمثلة على الغموض هو ذلك المتعلق بالحركة الصغيرة التي لجأ إليها الكاتب لإحداث الحريق فهي للأسف حركة حدثية رئيسية لم تكن مبررة واقعيا ولا سرديا: فبعد أن تتوقف السيارة بسبب نفاذ "البنزين" تتذكر "وداد" علبة بلاستيكية مملوءة به وموجودة في الحقيبة الخلفية للسيارة فتقدمها لزوجها الغاضب في حركة تحدى واضحة -كان يمكن تطويرها سرديا - وحين يبدأ الزوج بصب "البانزين" في خزان السيارة يسيل جزء منه على غطاء السيارة ذاتها فيمد الزوج يده في حركة مفاجئة ويسحب الولاعة من داخل السيارة ويقدح النار قريبا من فتحة صب الوقود. لماذا فعل ذلك ؟هل للتخلص من البانزين المسكوب خارج السيارة؟ أم إنها محاولة مقصودة لإحراق السيارة بجلال الذي ظل داخلها كما يبدو؟ ثم تأتي النوبة القلبية لتجمد وتشل "صبحي" وتسقطه في اللهب.

في الواقع يمكن لنا أن نبرر بأكثر من سبب وكيفية هذه النهاية المركبة ولكننا ومهما فعلنا لن نتمكن - للأسف -من تخليص نهاية الرواية من الأثر العميق والمحبط لهذا الغموض والارتباك في صياغتها. ولعل قارئا فطنا قد تساءل بعد أن انتهى من قراءة الرواية: ترى ألم تكن النوبة القلبية كافية كخاتمة ليبحث المؤلف عن حريق إضافي لا يمكن تبريره سرديا أو واقعيا؟

ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه المؤاخذات الثانوية وغيرها مما لم نتوقف عنده، يمكن القول بثقة إن عارف علوان قدم عبر روايته "غرفة البرتقال" تمرينا سرديا محمودا لا يخلو من إبداع ملحوظ ونقاط جِدَّة وقوة على استعمال هذه الأساليب السردية، ولعل أبرز ما سيلاحظه العارفون بالمنجز السردي لهذا الكاتب هو لغته السلسة والتي تحولت إلى ما يشبه الماء الفرات الذي تسيل فيه الكلمات فتتطامن مكونات البنية السردية لتلتحم به تماما، وسنلاحظ أيضا خلو الرواية من أي أثر للنبرة الخطابية المسرحية إذا ما علمنا أن "علوان" كان كاتبا مسرحيا له العديد من الأعمال قبل أن يكون كاتبا روائيا مقارنة بتجارب كثيرة لكتاب آخرين جاؤوا إلى السرد الروائي من النص المسرحي لذلك كله يمكن اعتبار ما فعله كاتبنا عملا لا يخلو من التميز والتحدي الإبداعي وخطوة تأسيسية مهمة في السردية العراقية المعاصرة.

 

*كاتب عراقي

....................

"العالم الجديد/ عدد 13 مايس/ آيار 2014"

لن يُطهر جثتي إلا الرمل وسورة ياسين .. مسرحية "كوابيس الأبيض لـ "عبد السادة جبار"

qasim madiالذي يعمل في حقل المسرح وخاصة الذين يواكبون كل ما هو جديد سواءً في التأليف المسرحي، أو النقد ، أو الدراسات،أو حتى العرض الذي تقدمه تلك الفرقة أو هذه الفرقة، فيكون شغلهم الشاغل البحث عنه ، كي يطوروا إمكانيتهم المعرفية والبصرية، وبصفتنا الباحثين عن الكُتب المسرحية ومصادرها كي نحصل عليها عبر إستعارتها أو أقتنائها فيكف يكون الأمر أذا كان الكتاب من فنان مسرحي عمل في مجال التمثيل والاخراج والتأليف منذ نعومة إظافره وهو يوجهنا ويرشدنا ويشُد من أزرنا عبر فرقته المسرحية المعروفة في فترة السبعينيات، ونحن كنا صغاراً نحب أن نلعب لعبة المسرح عبر سمفونية يتخللها العذاب، والفقر، والمتعة التي أحسسنا بها، لأننا كنا نضع ما في جيوبنا من أموال على عروضنا المسرحية التي كانت تعرض في مدينتنا التي ظهرت منها أسماء مهمة في خارطة المسرح العراقي الآن ، هذا الكتاب الذي أهداني اياه الكاتب والفنان " عبد السادة جبار " وهو ليس بكتاب بل هو تاريخ مشترك لحياته الخاصة التي تبناها هذا المبدع الذي يشتغل بصمت، لكن بطريقة نص مسرحي، ولأنه يعمل بصنعة وحرفة في كل ما يقدمه من إنجاز فني، ولصوص المخبرين السريين ينتشرون وخوفاً منهم بتقاريرهم التي أعدمت العديد من أصدقاءنا وأصدقاءه، ومنهم " الفنان المبدع رعد شوحي " توقف نشاطه الثقافي منذ   عام 1979، وهذا التاريخ هو تاريخ اسود في حياة العراقيين، ولا داعي للخوض في تفاصيله المؤلمة، وجاء ليقول لنا ومن خلال بداية صفحات الكتاب أنني أتمسك بحقوقي كمؤلف مسرحي بنصي هذا، ومنذُ هذه اللحظة دخل معنا في صراع مع من يحاول أخراج نصه المسرحي المعنون " كوابيس الأبيض، وبيان يقظته الأول " رافضاً موت المؤلف، رافضاً كل سياقات بعد الحداثة والتي تقول " موت كل المهيمنات والسرديات الكبرى والايديولوجيات،وعند العزم على تجسيده في عرض ننبه إلى مراعاة الافكار والأحداث الرئيسية فيه، نرجو عدم تغيير القصد بحجة التفسير المختلف، ومن يريد ان يختلف فليكتب نصه بنفسه وعذرا للبعض الذي لم يجد فيه ما يتوافق مع عشقه للتغريب والتجريب أو التخريب " للواقعية " هذا النص هو ما يحدث في أرض العراق وخاصة ما بعد الاحتلال الأمريكي الذي عمل على تشتيت المفكرين والعلماء وقتلهم عنوة عبر شخوص واقعية ومتخيلة مما ساهموا في محاولة منهم في تجفيف المستوى العلمي والثقافي، وزرع نواة الطائفية المقيتة التي نعاني منها بعد أحداث عام 2003، فجاءت الشخصيات ومنها " الدكتور سعيد، والدكتور جعفر، وخالد، لتوضح لنا عظم المأساة التي لحقت بنا وبالمجتمع العراقي، هذه الحوارات التي دارت بين هذه الشخصيات الثلاثة " اللقاء " هي نقطة البداية في وضع اللبنات الأساسية في نصه المسرحي،وهذا ما يسمونه في المقدمة المنطقية للمسرحية، وهي المقدمة التي يهدف كل شيء في المسرحية من فعل أو قول أو حركة إلى أثبات صمتها، وهذا الولوج في عالم الشخصيات عبر حوارات قصيرة ومفعمة بالفلسفة وفيها صورة واضحة للتشتت والضياع، ماذا يقول الدكتور سعيد "

انا هنا، أنا الهدف، قولوا لمن أرسلكم بأن دماء الأبيض، ليست حمراء لن ترتو ِ عيونكم، أنا بالانتظار، لن تجبرون ِ على الرحيل، أو البيعة لن أبايع، لا أمية، ولا بني العباس، لا لن تروا مني بعد اليوم، لا منجنيقا ولا ساعة دقائقه، ص 20

وهذه الواقعية التي اسس لها وخرج بنصه الأدبي في الكثير من "الثيم " التي تصب في واقعنا الحالي الذي يسودهُ الجهل والموت الذي عايشه الكاتب وهو الذي يقول عاودت العمل في عام 2003، هذه الشخوص التي شخصها على ورقه الأبيض من الفكرة إلى بناء شخصياته المعبرة والفاعلة، هذا التجديد والإبتكار وخلق عدة " أزمات " كي يتلاعب بنا وفق معطياته السردية والحوارات الأدبية، ولأن هذه التجربة ليست الأولى في كتابة النص المسرحي وفي السياق نجد نقاشا ً بين شخصتي رئيسيتين هما د. جعفر ود. سعيد وكذلك مع شخصية خالد الذي تمثل شخصيته الجيل الجديد والحوار هو حيث يقول د. جعفر (ليس بلد أحق بك من بلد، خير البلاد ما حملك) ص12 ثم يستطرد ويوقل (طال الانتظار للحلم تجرعنا العلقم متنا ونحن أحياء، انتظرنا من يزف لنا اي نوع من التغيير، إرحل من هذا المكان قبل ان نقرر نحن من الدنيا رحيلك .يا إبن !!!!) ص14 هذه الحوارات هي انعكاس لذات المؤلف الذي حاول اطلاق مشاعره عبر جدل فكري يحمل الكثير من الاسئلة ، وسبق أن كتب مسرحيات نذكر منها " نقطة فاصلة، قطرة ماء، خيمة الأرض " وهو يمتلك المهارات الاساسية في كتابة المسرحية والتي عمل عليها في سبيل إيصال أفكاره التي هي تشاكسه كي يفصح عنها،وكما هو معروف بأن التأليف المسرحي فن من الفنون التي لها قواعدها العامة الثابتة وخطوطها الأساسية التي يجب أن تتوافر كلها في المسرحية، ولأنه مؤمن بالنص المسرحي وبتأليفه بالرغم من انه لم يأخذ فرصته في إنتشاره عبر مخرجين معروفين كي يوفروا الفرصة له ويساهموا في تقديم أعمال مهمة ولها صدى كبير في المسرح العراقي، ولأن التأليف المسرحي علماً من العلوم منذ عهد أرسطو، بل هو كان علماً غير مكتوب، وكان حاسة سادسة عند اسخيلوس وسوفوكليس، وغيرها من أساطين الكتاب المسرحيين اليونانيين، وبالتالي أدعو كل من له علاقة في العمل المسرحي أن ينتبه للمبدع والكاتب " عبد السادة جبار " وخاصة في هذا النص الذي يدُخلنا في متاهات هذا العصر ومشكلاته التي ألمت بنا وبه، لكنه حالم بفراشاته التي لاتفارقه من خلال شخصية الدكتور سعيد " وهو يقول، لقد خف وزني لم اعد ديناصورا، انا حمامة، انا فراشة، مهيأ للطيران، بقي أن نقول أن مسرحية " كوابيس الأبيض " من القطع المتوسط ويقع في 100 صفحة، ويرجى أعادة طباعتها وتسويقها عبر دار نشر مهمة .

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

مقالة نقدية للنص المسرحي (مدارات) تأليف ميثم السعدي

قال السيد المسيح ... (ملكوت الله فيكم)

حينما يحكي اللاوعي وهو يمسك بحجر ما ..حجر اصم .. حجر لا غير .. نعم .. يستحيل هذا اللاوعي لولبا متصلا بماكنة هائلة مخترقا المدارات الحجرية للنفس الواحدة تلو الاخرى في عملية تقشير كبيرة لمقتربات ذاتانية تتفاوض بسحر غامض مع الخيال لإذابة جبل الجليد الذي تختفي خلفه الاقنعة البشرية الهجينة المزيفة والتي تخجل من نفسها وهي تتزحزح كل حين كأنها لحية ممثل تتماوج مع كل حركة عنيفة تعكس تخلخلا معينا في طريقة تثبيتها لذا اجد ان حجر الزاوية في مسرحية (مدارات) للكاتب ميثم السعدي .. هو انه تأتي علينا ساعات نقشر فيها صورنا المقمطة بقماط لا يبدو منه راس للحقيقة سوى شيء مبهم غامض متلون بالوان زاهية غايته سلب العقل وتهجير الفطنة وانتقاء الصور الجميلة الكاذبة وترسيخها لدى الاخر في عملية تناغم تبرره المصالح مع اعتقادات وخلفيات وسيسيولوجيات ميثولوجية بين الانا (هنا) وبين الاخر(هناك) وكما يحصل لدى الممثل عندما يقوم بإيهام المتفرج بحقيقة بعيدة عن حقيقته في عملية اغواء للعقل واسره في خانة لا يخرج منها الا في نهاية العرض عندما يحيي الممثل الجالسين قاعة العرض .... لتنعكس هذه الحالة في زئبقية عنيفة لدى الاخر في تحديد كم هائل من الصور ومحاولة القبض على احداها وكأنها لعبة روليت مطاطية المعنى .. لكن امام قوة جبارة في ظروف قاهرة في زمن ومكان لا يشبه نظيره تتراخى وتتفكك وتتفجر كل الاقمطة والاقنعة وتتقشر وتندحر ليظهر المسكوت عنه بجلي الصور.

ومن هذا اللاوعي المنفلت من عقاله واسره الذي اسلفنا ذكره تنطلق حقيقة ثابتة يعتد بها ان للمسرح مسؤولية كبرى اصبحت بديهية لدى الجميع مفادها ان المسرح مخلوق لم يأتي صدفة او من تلقاء نفسه بل من اجل حاجة ما فكان وسيلة سامية في الكشف والتحليل للوصول لغاية وان كانت غاية محدودة لكنها تأتي بغايات اكبر واعمق اعترضت طريق الاحداث فتفاعلت معها في مواجهة عنيفة ادت الى انهيار قناعات وتحولها الى اخرى اكثر عمقا وصدقا في عملية تشظي اخترقت كل السواتر والجدران مع تثبيت رؤى وافكار هي في حقيقتها تورج قوي التوهج قشر المبهم والمخفي من الحقائق وهذا ما درج عليه الكاتب ميثم السعدي في تعرضه لقضايا العصر الهامة.

ومن هذا اللاوعي ومن بيئته الحقيقية المسرح استخرجنا دعوات ومرجوات من قبل الكاتب للقراء او المتفرجين في ان يبحثوا عن ذواتهم وحقائقها ومعرفة الانسان نفسه قمة الكمال وكما قال سقراط (اعرف نفسك بنفسك) وما الانبياء الا بشر جهدوا انفسهم لمعرفة حقائقهم فتكاملت ذواتهم مع انفسهم في صورة متماهية جذابة الهية لكن الانسان في عالمنا الراهن اكتفى بنظرة قاصرة ومقصرة لما يخطر بباله من صور اكتنزها وعيه المنفعل بالمادة لتبقى جاثمة صنمية هذه المادة على عيناه وليبتعد ويتباعد عن جوهره السامي ليسقط في فخاخ المنظور والملموس بانقياد أعمى وراء الرغبات المادية والشهوات الجسدية والتي لم تكن الا سجن روحي تتقيد من خلاله الانا العليا في انطلاقها نحو الألوهية السامية.

تتمظهر المسرحية بثلاث مساحات او غرف او اجواء او احداث او حيوات لأناس معينين يرتبطون مع بعضهم البعض بأبواب مشرعة كل يؤدي للآخر الا الغرفة الاخيرة فإنها تؤدي الى كشف الحقيقة والمعنى بصور هندسية تعكس مسار الشخصية واناتها وتطورها الدرامي والسيولوجي .. حيث يطل علينا الكاتب بمحكمة يرأسها قاضي مرتبك فكريا لا يبدو عليه أي نوع من الاتزان لا يجيد اتخاذ القرارات يتأكد ذلك من خلال اعتراضات المخرج العديدة على تصرفاته وقراراته والتي تأتي بالضد من فكرة المخرج وما يريد قوله وهو اعتراض يقودنا لأمر غاية في الأهمية بتصوير حالة العبد وربه وهذا ما يريد قوله اكثر الملحدين بان قرارات الله عبثية مرتبكة لا تحكمها قواعد ثابتة ادت لاعتراض العبد على هذه القرارات الغير مدروسة بعناية مما دعا لاتساع الهوة بينهما وهذا ما اكده المخرج بنهاية المسرحية بــ ...

(حسنا ايها الحاكم لن اسند اليك هذا الدور مستقبلاً وسأجعلك مناديا او اي شيء اخر حسب ما ارتئيه انا .. لكني أخشى عليك من غضبي فما دمت انا الكبير الذي جعلك حاكما امتلك القدرة على ان اجعلك سمساراً فاحذر لأنه حينها قد يتدحرج راسك) وبهذا الخصوص اوجد الكاتب محاكاة لنظرية بيراندللو المسرحية (مسرح داخل مسرح) في انقلابات فكرية مهووسة تجعلنا متيقنين باننا نعيش مسرحية كبيرة وضعها فنان مسرحي كبير ايضا تأليفا واخراجا (الله) نجده في بعض الاحيان احسن الديكور الا انه لم يحسن رسم الشخصيات على الورق ولم يضبط حركتها على الركح لتتداخل مع مسرحيات اخرى لتتقاطع الصور والمسرحيات بعملية تتدافع لاحتلال المحل المناسب لها والاستئثار به دون الاخر لتكون صورة الفوضى ماثلة بقوى فوق كل الصور وهذا التداخل يقودنا لان نغير القناعات وفقا لحوار المخرج الاخير وكانه يقول لله نحن من خلقناك في اذهاننا ونحن ومن اوجدك كاله تعبد لذا احكم بالعدل ولا تشطط والا سنفنى وجودك وعدم اشراكك مرة اخرى في مسرحية عالمية اسمها الحياة والوجود...

نعود لتداخل الغرف مع بعضها حيث تطالعنا قصة شاب تزوج فتاة حامل من رجل اخر كان قد انتحر مسبقا بسبب هول الحياة وصعوبتها ليعترف هذا الشاب نازفا ذاكرته وما اعتملت ذاته من تقيحات مع جملة من اعتراضات وتبريرات لأدلجة قراراته وسبب مجيئه الى المحكمة ليسجل هنا جملة من اعترافات المواطن العراقي الاسير للفقر والحاجة والعدم وهو يعترض على السلطة التي لم تنفق جهدا يذكر في قتل الفقر وتحجيمه في مجتمعاتنا المقهورة ادت سلبيتها الادارية ان يقترن بفتاة عاشت قبله الحب الزائف مع اخر لم يحسن السيطرة على غرائزه المكبوتة وهي بالمقابل وجدت لذة ما ..كانت روحها المعذبة بالحرمان تختزنها بقوة وتقادم زمني ليكتشفا بعد حين ان طريق اللذة لا يجتمع مع الحب الصادق الحقيقي ليوهما نفسيهما بانهما على حق لكن سيسيولوجية وميثيولوجية المحيط العائلي والشاعري للفرد العراقي قادتاهما الى ازدراء ما قاما به وبالتالي وقعا تحت طائلة اللعن والاغتراب من قبل المجتمع ليجدا نفسيهما امام قرار كبير ادى الى انتحار الشاب بان رمى نفسه من عل ليتم تأشير استقراء من قبلنا لتلك الحالة بعدم وجود شجاعة ما لكليهما امام المجتمع في اثبات حبهما الخاوي وان ما حصل هو نتيجة طبيعية للحب والجنون وما الحب الا جنون وبالتالي على الجميع ان يتخذ موقف المصالحة مع ما حدث لكن الفتاة اثرت النجاة بجلدها وعقد اتفاقية مع المجتمع بتلقي الاهانات والصفعات مع ثعلبنة الموقف واستخدام المكر للاندماج من تسويق جديد لمفاتنها معهم وبهم واليهم ..اما الشاب فهو مذبذب الهوى والعقل اكتشف حبيبته ونفسه ليسا اهلا لشيء عظيم اسمه الحب لان غريزتهم الحيوانية تغلبت على حقيقة الملائكة في احترام الحب وكذلك وجد نفسه صغيرا متصاغرا امام المسؤولية في لملمة الجراح واطباق غطاء يستر عورة الحقيقة التي تسرب عفنها بدفق هائل ملأ افاق الارض واطبق نجومها بذلة على خد اسمر اسمه البسيطة فلم يجد بد من اعلان الهزيمة وتعجيل العقاب فكان الحل انتحارا وهو في حقيقته اعداما له من قبل اعراف ونواميس ضحلة بالية تريد عنوة ان تغفل طبيعة الانسان والتي مارس الصاقها دكتاتور لا يعرف فسح المجال للحرية والاختيار في ان تجد موطأ قدم لها في عالم نراه وهو يتخلى عن هذه الصور عالم عدمي فوضوي ناسيا انه مركز قدرته الاحلام التي لا تعرف التحقيق سوى في اخيلة ما ورائية مخدرة تسير على غير هوى... وكما قلنا وجدت هذه الفتاة طريقا للمصالحة مع المجتمع من خلال مقولة لا انا بلقيس ولا فيكم نبي وكما قال المثل الشعبي العراقي (يا جماعة خلوا الطبق مستور كلنا اولاد تسعة) ليتزوجها غر غبي لا يعي شيئا من الحياة غافلا عن مفصل حياتي مهم ودفة سفينة تقود ولا تقاد وقطب الرحى الذي تدور حول مركزه الاشياء .. هذا الشيء الذي به تحيا البشر يومها ومنه تنطلق الى مستقبلها الا وهو الماضي .. الماضي الذي يعتبر هوية تعريفية امام الجميع وبه تقاتل وبه تواجه وبه تحيا وبه تموت ..لذا لم يتطرق الى ماضي الفتاة واهم ما فيه الماضي الجنسي ليسقط في فخ وشرك نصبه لنفسه ليكتشف ان زوجته حامل لتلد بعد ذلك وليدا يسجل باسمه وبين ليلة وضحاها يعترض على هذا الامر ويطلب من محكمة العدل انصافه والحاق اشد العقوبة بالفتاة ووليدها لكن .. السؤال لمَ لمْ يعترض الشاب على حمل الفتاة في لحظة دخوله عليها فراش الزوجية لم قضى وطرا منها حتى انجبت وسُجل الطفل باسمه واعترض بعد ذلك على حال الفتاة وفض بكارتها مبكرا من قبل غيره .. هنا يلمح لنا فرويد هذه الجدلية بالجنس والغريزة الشبقية فبعد اشباع رغباته وغرائزه واكتفائه من ذلك تأججت غيرته العربية الاصيلة وكما قال المثل الشعبي (لمن ضرطت صمت) وعندما يُواجَه الشاب من قبل الادعاء والقاضي بعدم جدوى اعتراضه وشكواه يلجأ الشاب للفذلكة مفسرا الوجود بالعدم وهو ينظر للأشياء بغير حقيقتها وهذا من حقه لأنها اصلا مزيفة فكل ما قالته جمهوريات الحب كذب وباطل فلا يجتمع امرأة ورجل ان لم يكن هاجس اشباع الرغبة سيدا للموقف لتلغى كل ملكات الحب القابضة على تلابيب الروح والمسيطرة على زخم فوتونات الشغف والوله المزدحمة تدفقا في مسارات لا تعرف الاستقرار.. ثمة فانتازيا اوردها المدعي العام بمطالبته بان يشنق هذا الشاب الذي وجد زوجته حاملا واراد الطلاق منها وهي بريئة براءة العراق من عقوق ابنائه وهنا بعض التجانس والتجاذب والتوافق وحقيقة مؤشرة بقوة وان كانت مضحكة (الفتاة بريئة) وفقا لما قاله واكده المنطق (كون الفتاة ستمر بحالة الحمل عاجلا ام اجلا ان كانت منه او من سابقه الذي انتحر وسيلحق الطفل بابيه الماثل امامنا كائنا من كان) مما يعطي الانطباع من قبل الكاتب انه يريد القول كم منا من هو مثل هذا الطفل سكت عن فتح بالوعة الحقيقة لخجل ما او لمصلحة ما او لخوف ما وكإن المدعي العام يقول .. (ليحترم هذا الشاب نفسه فمن يدرينا ان يكون هو قد اتى بنفس الطريقة لوليده المسجل اسمه في هوية الاحوال المدنية العراقية ونتيجة لعقدة اوديب المذلة تراه يعترض الان على زوجته ...

بعد ذلك ينطلق بنا الكاتب في جدليات اخرى لا بطريقة تكديس لبنات الابنية بل تلتف بشكل لولبي هرمي متناسق يتقلب بكل الاتجاهات يتماوج برغبة عارمة للتحول شكليا ومعنويا وسحرا للعيون وكأن ما يرى امامنا كريستال يسر الناظرين وهذه هي القيمة الحقيقية للكاتب ميثم السعدي ومن خلال ذلك يرى المجتمع ذاته ببوح يصعب الاعتراف به حقا في ظروف عادية كما يعجز جبروت كاذب ان لا يتقبل واقعيته المفرطة... بوح كلسع الجمر على القفا بالمسكوت عنه والمقموع واللامفكر فيه والهارب والمنفلت وكل ذلك بطريقة عجيبة قام بها الكاتب ببث احاسيس وارهاصات قابلة للمعاينة تاريخيا ونفسيا مركزها الانسان ليطالع القارئ او المتلقي سفر ذاته وجذور هويته الأصيلة وحقيقة انفعالاته النفسية وهو يمر على صفحات النص المشبعة بالوهج ليعي كنه شخصيته وصفاتها ومثلها وامراضها وما تصرخ بحاجته من المكملات لنقص يطرأ عليها كل حين ليصل به الى نقطة تسقط جميع الإضافات عنه وتقليم شجرة الانسان نفسيا لتبدو كلوحة حديقة غناء لا لغو فيها ولا تأثيم .

ملاحظة مهمة يجب الانتباه لها لجميع الشخصيات في المسرحية فهي لا تجتمع في بيئة موحدة او عمر واحد او طبيعة موحدة او حتى منهجية ثقافية موحدة ولا حتى ظروف موحدة او طبقية معاشية واحدة لكنها وجدت زمنا ما يضعها في مكان ما في تصادم معين وصراع متعدد الجوانب اساساته ما ذكرنا من جملة الاختلافات الانفة الذكر مع ممانعة قسرية ثبتتها الموروثات المجتمعية الخانقة والتسليم بها كحد فاصل حاكم بين الجميع لتتاكد صورة معينة بان الصدقة هي الضابطة الموضوعية في تلاقح غرائز وميولات الجميع.

الصورة الثانية او القضية الثانية وهي حكاية مصيرية تعيشها اجيال من المعممين الذين جعلوا شكلهم الديني كابن باعوراء الذي غرر بالفتاة المجنونة واغتصبها وقتلها هذه الصورة الواقعية التي اوردها الكاتب اتت كردة فعل واعية لجموع من اعمدة الرفض للاستلاب الفكري واستغلال سذاجة الاخرين او شظف العيش الذي اوغل سكاكينه في أرواح بريئة ما كانت لتكون عليه لولا امبريالية الدين الذي خسر معناه وحقيقته وجدواه بسبب شرذمة استخدمت خيوط العنكبوت فنسجتها عمامة بلونين اسود وابيض تلتصق بجلود بضة هشة اليقين لا تمتلك من الممانعات الفكرية ما يجنبها الانقياد القسري بغياب الوعي في مغارة سوداء كالحة المعاني اسيادها رجال الدين ومن خلال ما قدمنا نجد الكاتب يعرض علينا امرأة عاهرة بالمسمى المجتمعي والتي هي في حقيقتها ضحية للحب الزائف حب لم يمنحه الحبيب الا قشورا واللب احتفظ به لأخرى فهذه العاهرة لم تكن بهذا الحجم من العهر بل كانت تلتف بحرير من الطهر المنمق الملائكي الا ان هذا الحرير تساقط عنوة ومزق بقسوة من قبل شاب تخلى عن رجولته وتنصل عن وعوده فصفع امانته بلعنة الحب والانسحاب من حياة الفتاة التي لم تجد لها من يربت على كتفها ويسرقها مما الت اليه حياتها التي اضحت بائسة لتركس من قبل الجميع وبدفعة واحدة وبيد موحدة في بالوعة العهر والبيع المجاني للقيمة الحقيقية للمرأة في سوق لا يتواجد به الا من كانت له سوابق بهذا المجال ومحترف خيانة لا يجارى ولا يبارى ..وفي خضم سقوطها القسري وتهاوي نجمها الانساني في وحل لزج لا تكاد تسقط فيه قدم حتى تعلق الاخرى اشرأب وجه كالقمر.. بلحية ممشطة وثوب معطر وطول فارع وقوام ممشوق وثمة علامة مميزة على جبهة تطل من بين ركام يصل عنان السماء من آثام لم تصفر حساباتها مع الله ومع الناس لنرى من قبل الكاتب تحولا يبدأ مع دخول حركة أو قوة ضغط أو عنصر جديد في صلب النص تماماً كدخول الرقم واحد بعد الصفر ليطلق باقي الأرقام فبعد عملية حب فاشلة للعاهر مع شاب وبعد الجريمة التي ارتكبت بحقها اصبحت طريحة الشارع لا الفراش للإيغال بقسوة في مدى تعري المرأة لتصبح عظمة ساق لنعجة التهمت بشره فرميت كفضلات في الشارع تتناوبها مخالب الحيوان ولسع الحشرات .. مر الناسك بدعارته المخفية امام العاهر فارتقى حقيقة حيوانية تثير التساؤلات التي تدعونا لان نضع النقاط على الحروف فكم من ناسك داعر في مجتمعنا العراقي والعربي الاسلامي نكث عهده مع الله واستطاب عهدا مع اللذة ففجر الفاحشة تفجيرا ونفذ الى دهاليز روح العاهرة المعذبة بركيزة الخداع بانه سيظلها بظل لا ظل بعده في بيت تختزن فيه كل مقومات نزيف شبقي حاد يلم شتات روحها المعذبة تواجهه العاهر بقوة وممانعة بقولها (تقول لي ابنتي وهل من ابجديات علاقتك بابنتك ان تضع يدك بهذا الشكل عليها) تتوالى الاقنعة البشرية تساقطا ويطل وبقوة زيف الحقائق من عنق الزجاجة كأفعى اناكوندا مما يجعلنا نتلمس تكرارا لعملية الالتفاف هذه في الهيئة الكريستالية للنص على نحو لولبي يبدأ من النواة المتمثلة بالحب لينطلق ويتفرع في شبكاتٍ ذرية وتشابكاتٍ كيميائية في محيط النواة ليفجر الكاتب قنبلة اخرى تتشظى حقائق مرعبة تمنعنا من النوم لأيام واسابيع فالناسك علاوة على دعارته واحترافه الزنى بنساء اخريات نجده هنا وقد اعترف ضمنا انه محترف لزنا المحارم فهو لطالما تصرف مع ابنته بهذه الكيفية .. لكن هذه الممانعة لدى العاهر تتكسر امواجا على رصيف اسفلتي اسمه الواقع القسري وهذا حال من فقدت انسانيتها في اتون حماقة اتت على كل ابجديات وجودها الحق لنرى هذه العاهر تسقط مرغمة او بإرادتها في لعبة بطلها ناسك مهووس بقتل العفة لدى بنات بعمر ابنته والفاصل في الموضوع وكتبرير سوقي مقيت بان ما يجري سيكون وفقا للشرع بزواج اسمه المتعة او المسيار وربما حتى هذا التبرير لا يتواجد واقعا في منهجية الاغواء الهمجي لدى الناسك .. لا يكتفي الكاتب بصفع الحقيقة فاضحا اياها من خلال ما اسلفنا بل تتطور الصور الكريستالية بنسقها المتماوج المتلألئ في لوحة جميلة نعم لكنها موجعة فنكتشف نحن كقراء والعاهر كوجود فعلي ان الشاب الذي تركها طريحة الشارع ببكارتها المفضوضة ودمائها التي امتزجت بوحل عبارة هيت لك وهزيمتها الساحقة كإنسانة نكتشفه بانه ابن الناسك الذي راودها قبل قليل ليبعث الكاتب لنا رسائلا عدة تترا متوالية بشكل رصاصات كلاشينكوف تهدم جبلا من اقنعة وكأن الناس لدى هؤلاء مجرد حاجات مهملة لها وقت معين للاستثمار مصيرها الطرقات وكانه منهج متفق عليه وقع بإمضاء اصابع لم تحتج الحبر لتوقيعها لأنها سوداء كالفحم بوثيقة لم نرى منها ترجمة لواقع ما سوى تناسل الخسة والنذالة لأجيال امتدت منذ زمن الجاهلية ونخاسة الفتيات وتوزيعهن كغنيمة في حروب ظاهرها المصلحة العامة.. وهذا هو منهج الافاكين وشذاذ الافاق ..كل حتى تشبع وبعدها القمامة هي المأوى .

من خلال ما مضى نجد ان الضحايا كانت تبحث عن الحب العذري الشريف الا انه وكما يقول الكاتب .. الحب حقيقة مزيفة ولا وجود لشيء اسمه الحب لكن ما يؤسف له ان هذه الشخصيات المحبة تنزلق وبسهولة في تفسير خاطئ للحب وكما في العاهرة نراها تستحث الناسك لقول ما يريده بالضبط .. (تكلم فانا اعرف الدجالين) مما يدلل على انها كانت خاضعة لسلطة النساك في افتضاض انوثتها وبشكل متكاثف.. ثم بعد ذلك نجد العاهرة برفقة الجميع وقد اشتكوا من استغلالهم بإعدام الحب بدم بارد وفي حقيقتهم يتحملون جزءا كبيرا من المسؤولية والعقاب الجماعي سوف لا يخطاهم ولو بصورة تدريجية بامتداد العمر وبشكل دفعات من القهر والتآكل والاضمحلال كمعنى وجودي يحمل قيما كبرى اسمه الانسان ..

سنقف مع بعض وبشكل متدفق لصور معينة مؤطرة بإثارة التساؤلات واطلاق التفسيرات تعكس قدرة كبيرة تواجدت وبقوة لدى الكاتب ميثم السعدي ..

العاهرة : يقال انه في احد الايام قرر ابن اوى ان يتوب عن اكل الدجاج فأبتاع مسبحة مثل هذه .. (تشير الى مسبحة الناسك) ..توبة شكلية حالها حال الكثير من رجالات ديننا الحنيف ابناء اوى .. وذهب الى الدجاج وقال لهم لقد تبت عن اكل الدجاج ولما استأمنه الدجاج هجم عليه واكله .. نقول للناسك ومن لف لفه فهل انت تحب اكل الدجاج .. الدجاج القابع في خيالنا الدجاج الوديع الفقير الحبوب والذي يستغفل دائما من قبل اصحاب المكر واساتذته حتى ان اكثر رجالات ابن اوى عجزوا عن ان يمنحوا الحب للآخرين وعجزوا عن الواجب الجنسي حتى في اغلب الحالات الا ان عقدة الملكية المقيتة التي تستحوذ على سلوكهم تجعلهم يستأثرون بالغالي والنفيس وحتى سقط المتاع من الدواعر والمنحرفين ليودع في خاناتهم القابعة في دهاليز العري والإمتساخ.

من خلال ذلك تتأكد نظرة الكاتب وفلسفته عن الحب بان الحب مزيف مبني على انتهاك الحرمات ولا يعدو عن كونه لقلقة لسان يطلقها اغبياء ومستغلون بكسر الباء لينطلق الكاتب بنا الى معنى اكبر واسمى الا وهو حب الله فجميعنا نرتكب جريمة معقدة بافتعال الحب مع الله حب نراه ونعتقد به مبني على قدر المنفعة أي عبادة الله وحبه على حرض فالنعمة يتبعها قول المحب ربي اكرمني والمصيبة ربي اهانني وهذا امر موثق لدى الجميع لكن ما نقراه بين السطور لدى الكاتب ثمة ثورة وقنبلة ما ..يريد ان يفجرها من خلال الشق الثاني للحب الالهي بين العبد وربه فالإنسان عاشق وله بربه يحبه حد الجنون لكن الرب بالمقابل لا يتوافق مع هذا الحب رغم انه قال انا اراف بعبدي من الام على ولدها والرأفة من متممات الحب فكيف اذن نرى ونسمع كل يوم والموت القهري والعذابات المتتالية والدماء النازفة الصورة المعبرة لحياتنا هي الصورة الموحدة الجامعة الشاملة لسيرنا الحثيث في عدائية لا تفسير اخر لها سوى البغض ولا غيره .. طفل لم يبلغ السنتين تطاله يد الموت ليثكل الابوين ..امرأة في ليلة زفافها يخرج زوجها لحاجة ما ولا يعود بعد ذلك مطلقا حتى تجده وقد افترش الارض والتحف السماء وعنوان حاله يقول قتل برصاصات غادرة .. وفي سياق نقدنا لهذا النص لا نفتعل شيئا من جيوبنا انما هي حقائق اراد الكاتب ان يقولها بقوة وهي ممارسة طبيعية لسلطة النقد التي تدعونا لندلي بهذا المسار دلونا في بئر الحقيقة.

حاول الكاتب ادخال المخرج بين الحين والاخر بجمل اعتراضية لقرارات القاضي بشكل تفسيري مناوئ للقيم المسلوبة مع تداخل جراحي لكشف المضمون وكانه لسان حال الجمهور في بعض الاحيان قارئا ردة افعالهم لما يرون ويسمعون أو كزرع للفكرة في فضاء الذهن لتبني أفكاراً وتصاميما اخرى تقود لحقائق معينة لا يمكن لها ان تتواجد لدى المتفرج ما لم يتواجد كيان اخر غريب عن جسد المحكمة متمثلا بالمخرج وهو يروم تلقيح الفراغ بالحركة لإخصاب السكون بالمظهر المشع الحاكي والمتكلم بعنف احيانا .

يستمر التشكل البلوري الاخاذ في ثنايا النص متموسقا مع الحاجة الملحة للإيضاح وسلب الضبابية للفكرة الجوهرية متحولا كمجرى نهري لم ينفصل عن مصبه العام حاملا خصائصه ومحتواه لتطل علينا قصة اخرى بطلاها مدرسة تعاني الوحدة تعلق قلبها شغفا بتلميذها الغر الجاهل لنعود من جديد لجدلية الحب والشهوة واللذة وفكرة وتشخيص فرويد التي مفادها ان مرد تصرفات البشر لمصدر واحد هو الجنس والرغبة بالامتلاك والتمحور حول هذه الفكرة بعدة مدارات اظهرها الكاتب بثلاث قصص ..

الطالب : دعي موضوع حبك اللامعقول وافصحي لي بل لنا جميعا عن ما يدور في خلجاتك؟ اي موضوع ستستخدمين لإقناعي؟ كانت النسبية و المطلق وبيرانديللو .. (يقلد صوتها) ثق يا حبيبي ان افضل ما كتب بيرانديلو هو (6شخصيات تبحث عن مؤلف .. فهل سنبحث عن مؤلف؟)...

قنبلة يفجرها الكاتب بزمن ومحل لا يخفى على المتفرج القاريء الواعي من خلال قصة هذه المدرسة واغوائها لتلميذها وهذ الحيز من الفراغ يتمثل بمعهد او كلية فنية تعنى بالمسرح او نشاط مسرحي ربما تكون المدرسة مخرجة للعمل والطالب احد الممثلين وهذا امر وارد فمجرد ذكر بيراندللو تطفو على سطح الفهم والاستنباط ان المدرسة حريفة مسرح عتيدة ومن خلال تجربتي الفنية والمسرحية لم اجد صدى لبيراندللو ومسرحه المتداخل ومسرحيته المشهور ست شخصيات تبحث عن مؤلف لدى عامة الناس الا من كان احد الارقام الصعبة في عالم المسرح والفن لذا نؤكد ما ذهبنا اليه بان المدرسة هي مدرسة مسرح في معهد او كلية ..واكثر حالات الحب التي تشهدها هذه المحافل مردها للأعجاب الطارئ العجول وليس الحب الثابت الواضح المكتمل البناء مع توافر الحاجة الملحة لإكمال ما نقص من صور معينة كمن يرى نفسها وحيدا في صورة معينة لا يراها جميلة بقدر ما ان لم يتواجد بقربها شخص اخر يذوب يتماهى مع الاخر وهذا هو الخلل الحقيقي في حقيقة مثل هذا الحب الارعن وما يجعله كلمة مطاطة تلفظها الالسن دون وعي وادراك اعتقادنا الخاطئ بانفعالات الاخرين واستجابتهم لنا ربما تكون عفوية وقد ترجمت بشكل خاطئ ادت الى يقين حاد يقود الانا لبناء خيال واحلام تبدو كبالون كبير ومع اول وخزة بدبوس مهمل تتفجر متلاشية في الفراغ ... بعد عدم اقتناع الطالب بحبها تتجرد عن غاية الحب الحقيقية لتتعرى كاشفة زيفها ووجهها الحقيقي مقشرة اناتها وذاتها الحيوانية امام الطالب قائلة ...

المدرسة: لا يا حبيبي بل سنبحث عن مكان نختلي فيه لتسقيني حبك وحنانك

الطالب: يا للمهزلة .. تطلب مني حبا وحنانا !

ترد عليه مبررة رغبتها الجنونية والتي تراها قد اينعت قوة جبارة لا يمكن ردعها ان اقتنع الطالب ام لا ...

المدرسة: لا يمكنني ان اقضي بقية عمري بين احضان الوسادة .. لا يمكنني ان اتصور ماذا يمكن لهذه الغربة في هذه الغرفة ان تفعل بي؟ (تستمر وكأنها تهذي)

وهنا نجد تأكيد لما ذهبنا اليه ان الجميع يعيش في عالم الهذيان وهذا هو المسرح فمن الكاتب الى المخرج الى السينوغرافي الى الممثلين يتقافز كالقرد في سيرك هذياني لا ترجى منه سعادة تذكر بل هو كمن ينكأ جراحه لتنزف دماء لتجدد قصة تقودنا لشيء ماكث في صورة اسمها اللاجدوى وهكذا دواليك حتى تصيح الساعة.

يتراجع الصبي عن رفضه ومقته وقوله الضمني انا هيت لك.. سيدتي لقد ابحت لك ما املك من رجولة تستحث انوثتك للانفجار وذلك بقوله الذي يفسر مدى ضبابية انفسنا واستعصاء فهمها لتلبية متطلباتها المتعددة المحكومة بالجنون...

الطالب: مدرستي لا تفهم نفسها فكيف بها ان تفهمني ! وهل فهمت انا نفسي حتى يفهمها الاخرون؟ انا لست الان سوى سنبله صفراء تنكسر بأهدأ نسمة.

قوله اني سنبلة صفراء دليل سقوطه في براثن الحقيقة القائلة لا انا بلقيس ولا فيكم نبي فيشاطرها الشغف بعملية فض لبكارة الوحدة والعزلة والاغتراب لنرى ونقرا ونسمع ترجمة لا منطقية او حقيقية لمعنى الحب ونكتشف انه لم يكن الا تبادل لمنح وهبة الاعضاء التناسلية بين الطرفين وكل يقول هذا ما تبحث عنه خذه ولا تبتأس وما هي الا لحظات تطول او تقصر فتنقلب الهامات متدحرجة بديلا عن السيقان السائرة وهي تلوح لنقطة مبهمة في السماء بتحميلها مسؤولية ما يحدث ...

المدرسة :ما الذي فعلته اجبني ماذا فعلت بي انت؟؟ من اين اتيت؟ اللعنة عليك (بهدوء) من المسؤول عن تنغيص عيشتي (بصوت اعلى) من المذنب في تنغيص عيشتي؟ امي؟ ابي؟ المجتمع؟ انت؟ نفسي؟ لا بد لي من ان انتقم منك انت .. اخرج .. آمرك ان تخرج من افكاري .

فما كان من المدعي الا ان ينتفض ممن كان سببا لخلق شيء قسري اسمه المحكمة وتواجده هو والاخرون في ادارة دفة سفينتها وهي تمخر عباب الاقنعة ينتفض بقوله ..

المدعي العام : اطالب بإنزال اقصى العقوبات بحق الجاني وهو الحب حتى الموت.. وهو اسلوب فانتازي اعتاد الحاكم والمدعي العام التزامه على مدى النص الزمني..

نجد مما فات ان هناك ذبذبة بثها النص بقلم الكاتب قائمة على حركة معينة يفهمها الفكر رقما والبصر لونا والسمع نغمة تعجل باستدراج قهري لذواتنا وبصفعة قوية مفادها اننا وانتم والاخرون منهجنا الكذب والادعاء بأمر لا وجود له اسمه الحب وذلك لسوء الترجمة لمعناه الحقيقي القابع في ما وراء الجبال القصية .. ليعلن الكاتب عن نهضة فكرية ويقظة وجدانية من سبات كبير مقيت الم بذواتنا مع دعوة لنيل اكبر كم من الفرص لاستلهام الدروس والعبر والسير بطريق مخضر يانع لتكامل كريستالي لجسد يفنى مع رسوخ روح خالدة في مقام الوعي المدبر الناضج.

هناك صرخات متباينة الحدة للشخصيات لإعدام المجتمع من خلال الانتفاضة على قيم هشة بالية واراجيز غبية وهي تمثل انتفاضات ميت يرفس برجليه في اتجاهات عدة لا ترقى لان تكون منحوتات واضحة البيان في جسد الواقع واحداث التغيير والسبب في ذلك ان رسوخ ما يعترض عليه من القوة بمكان لا تزحزحه اعتراضات فردية هنا وهناك لا تجمعها حنجرة واحدة كعزف ناي لا يمر بجوفه سوى الريح.

صورة جميلة جدا رسمها الكاتب ميثم السعدي عندما اقعد العاهرة وهي شبه عارية على الطريق تعترض الناسك وغيره من ذباب الموائد وبيان رخص سعرها وفقا لمختمرات ذهنية سلوكية لدى المجتمع.

من خلال قفشة تنتمي للكوميديا السوداء تعرت وجوه اثر وجوه اطلقها الكاتب ميثم السعدي على لسان الطالب حينما سأله الحاكم عن عمره فأجاب وهو يشير لجبهة الناسك عمري يا سيدي القاضي بعمر صلاة هذا العاهر عفوا هذا الناسك ... هكذا هم نساك الزمن الغول لا يجيدون من الحياة عملا سوى الانحناءات المتكررة بحركات فيزيائية ورياضات سويدية اسمها الصلاة وهم يرتكبون ابشع الجرائم كل يوم على مراى ومسمع الجميع بحجة ان الاسلام لا يقوم الا بالسيف والجنس وكما في حديث مزور عن رسول الله بقوله (اننا معاشر الانبياء حبب الينا كثرة الطروقة) ومعنى الطروقة النكاح فأي دين هذا لا يستقيم الا بالنكاح والعقل والروح اين يذهبان والصفات الحميدة اين تولي وجهها وبهذا الصدد يتردد بين ظهراننا واسماعنا مشروع اطلق عليه القانون الجعفري الموحد وهو بمجمله قفز على الحقيقة وتعال عن الذوق واجحاف لحقوق الناس اهون ما فيه اباحة الرجل الزواج بفتاة ذات تسع سنين بحجة ان سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام قد تزوجت في سن التاسعة وهذا مجانب للحقيقة ومن خلال ما تم تأشيره من سذاجات وتشكيلات مرعبة لتفاصيل القانون نخلص للقول ان الانحطاط الاخلاقي بمدعي الدين واصحاب اللحى المقرفة لا يهدا لهم بال حتى يبسطوا يدهم على كل نساء العالم في عملية جماع تبيح لهم مواقعة ما يشتهون منهن بغير حق والتاريخ اشر وبقوة لحوادث جرت كانت كالصاعقة وقعا على ضمائر من ازدرى فعلهم الخسيس .

يقول المخرج لا وجود للحقائق نعم فالحقائق لا تبدو حقائق عند الكثير لأنها لو كانت كذلك لساخت الارض باهلها واعلان نهاية العالم فجميعنا لا يرضى للحقيقة ان تكون حقيقة .

في حوارات الحاكم يبدو غباءه المفرط واضحا للعيان والعميان فهو ليس اهلا لقيادة محكمة لها قرارات ستؤثر في مسيرة الاحداث الانسانية مستقبلا ولا يمتلك اجابات مقنعة لتساؤلات يقف امامها عاجزا عن اعطاء كل ذي حق حقه فهو غير مؤهل لذلك البتة ..وهنا تشظي فلسفي يقودنا لوصول خطر الى منطقة اشد خطرا تؤكد اعتكافنا مسمرين صاغرين ام جمادية الحاكم دون ان ننبس ببنت شفة ودون ان يشفي غليل احدنا بما يمنحنا ثمة راحة تمسك زمام أرواحنا المنتفضة الغاضبة.

كل شيء يسير بالمقلوب والجميع متمرد على اصل الاشياء وحقيقتها من الحاكم للزوج للناسك للمرأة للشاب للمخرج للمدعي العام وهذا حال الانسان منذ خلقت التفاحة فافتضت مؤخرة الجريمة والعبث والنفوق اللاإرادي وكأن الكاتب يقول لم نكن اهلا لما خلقنا له فحق علينا عذاب اللذات والشهوات المستعر على مدى طريق تسكنها الحيوانات.

عبارة جميلة جدا هزتني بما فيه الكفاية لاقتنع وبقوة لما اراد النص ان يوثقه ويؤكده وذلك بقول العاهرة ...

العاهرة: انت دائما قادرا على اقناعي وحتى ان لم تقنعني بأفكارك اجدني عاجزة عن تفنيدك او اقناعك بالضد من قناعاتك ...

وهو تبرير استجابتها لنزواته شكلا واستجابة لنزواتها ضمنا ...ثم تؤكد المدرسة ذلك المنحى من التقرير الايحائي للنص ...

ثق ليس بيني وبينك الا حاجز بسيط .. ارجوك اخترق هذا الحاجز فهو وهمي زائل ..

نجد من خلال ما تقدم واستعراضا لما جرى من احداث .. ان ليس هناك من رفع قضية على الاخر بل رفعها الضمير والذي يمثله المخرج ليس هناك من حرك تلك القضايا سوى هذا المخرج المتمثل بإثارة المشاكل والذي هو في حقيقة امره الفلسفة القابعة في نفوسنا والتي مصدرها السؤال الماثل في عقلنا الباطن منذ الازل والى ابد الابدين (من اين والى اين ومتى وكيف ولماذا)...

الطالب: (بانهيار معترضا على الجميع) لازلتم تمتثلون لنزواتكم .

اعتراض غير مقبول ..النزوات مشاعر تحتدم في الكيان الانساني وبشكل طبيعي فلم لا ندعها ان تسترسل انهمارا مطلقين عنانها دون ان يكون لها ما يصدها حتى تبين الحقيقة ..ومحل تبيانها هو في اللاوعي والذي يراه فرويد وحسب مدرسة التحليل النفسي هو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكياتنا سواء منها السوية أو الشاذة .. لذا ترى ان النفس الإنسانية تجمع بين هذين النقيضين ولكن ثقافة الإنسان التي يكتسبها نتيجة لمعطيات ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية تغلب أحدهما على الآخر في صراع لا يقل عنفا عن صراع الديكة في حلبة المتعة واشباع الرغبات وبما ان الدافع المحرك للفعل الانساني عند فرويد هو غريزة الجنس القاهرة والتي من خلالها تتحقق اللذة وما هذا التحقق الا رمز لهذه الغريزة التي تدفع للحياة وتصنع الحياة في ذات الوقت وان كان البعض يرى هذا التفسير مجانبا للحقيقة لنرد عليه ..وهل بعد ما قاله كاتب النص وعلى لسان ابطاله ..ان هناك حقيقة فعلا لذا لا يصح لك الاعتراض وفقا للنص على ما قاله فرويد.

اخيرا وليس اخرا لا يسعني الا ان احيي قيمة الكاتب ميثم السعدي الفنية والادبية لهذا الصرح الذي بنته مخيلة تتفطر ابداعا وتتشكل لونا يطبع الوجود بصيغة اسمها التفجير والتنوير والاهتداء حتى يصل بالمتلقي لاحكام قبضته على الحقائق كي لا تتسرب كافعى لين مسها من بين قحفتي راسه ...

.

الكاتب كاظم اللامي

التماثل .. دراسة في سوسيولوجيا الخطاب .. قصة "عرس الذيب" لهيام الفرشيشي أنموذجا

heyam fershish(باغتتني رغبة في كتابة بعض المشاهد التي أطلت فجأة في أحلامي بعدما نهضت من الذاكرة ..وجوه لشخصيات خلت أنها اندثرت بعادات نخرها الزمن في مراسيم القرية التي كنت أحضر أفراحها وأنا طفلة).              

عملية الكتابة هنا لا تعني التدوين وإنما هي شهادة على ذلك الواقع الذي يحمل دلالة الفعل الماضي المستمر ويجسد ذلك: (وجوه لشخصيات خلت أنها اندثرت بعادات نخرها الزمن) ولذلك فالقاصة عند ممارسة فعل الكتابة مارست محوا للمرتكزات لتبين ما آلت إليه الأمور وعملية الاسترجاع تشير إلى أن الانقلاب على الأنساق غدا فعلا ثابتا ومترسخا.                        

وإذا تتبعنا النشاط الجمالي في النص نلمح أن الأمر الذي وطد علائق المحتوى الدلالي هو التماثل الذي يتمظهر على وفق المصاديق الآتية:

 

التماثل الإجمالي في الصفات

يعبر عن الاختلاف المرجعي بين العلامتين عند التماثل بحسب "روبير مارتان"ولذلك فالتماثل الإجمالي في الصفات يبين حجم التجريد على مستوى خلق رموز موازية يتمرأى من خلالها المحتوى العميق للنص بشكل واضح ويتجسد في (الطفلة، الحنانة) ولعل ذلك ولعل ذلك يتمثل في علامتين هما:

فالطفلة التي كانت تأخذ زمام السرد على وفق زاوية الرؤية التي لا تتوافق مع عين طفلة تعكس ذلك البعد الرمزي للبراءة والضمير الذي لا يرضى بأنصاف الحلول ومازالت، وكأن القاصة تراهن هنا على المستقبل. والضد النوعي لها في القصة شخصية "الحنانة"بما ترمز إليه بوصفها بائعة الهوى. فهي بوابة الولوج إلى عالم "الرجل الذئب".                                  

(وترى ذلك الرجل الذي يتابع حركات الصبية، يسلم أحد الأطفال ورقة وقطعة نقدية ويهمس في أذنه. يبتسم الطفل ويركض نحو الحنانة يعطيها الورقة خلسة عن الآخرين. ويعود ليواصل اللعب بالقوس الناري، أما الطفلة فقد كانت تتابع ما يجري، وترصد حركات الحنانة التي تتجه إلى العروس وتحدثها بهمس. ثم تخبر أم العروس أنها ستفك عن العروس التصفيح في هذه الليلة).                                                                      

الحنانة تمثل الوسط الموصل بين"الرجل الذئب" وفريسته لأنها تمنح الرغبات اللاواعية والتكوينات المتفرعة عنها العبور إلى نظام الوعي والخروج إلى حيز التنفيذ.ويجسد حركية التماثل الجدول الآتي:                                                      

الرجل والذئب يختلفان عند التماثل مرجعيا إلا أن صفة التماثل بينهما هي" الخبث".

الرجل

الذيب

1ع

المرأة والسلوقي عند التماثل مرجعيا يختلفان الا ان صفة التماثل بينهما هي "المكر".

المرأة

السلوقي

2ع

 يعكس التماثل هنا الوقوف أمام مرآة الذات_واللا_ذات بوصفهما البشري ،فالعلامة الأولى؛الطفلة تمثل الذات الإنسانية بجميع محمولاتها .أما العلامة الأخرى؛الحنانة فهي تمثل اللا_ذات لأن الشخصية تنأى عماهو إنساني وتدخل في حيز الإنسان المفارق_المسخ.

 

التماثل الانتقائي في الصفات

يعبر عن الاختلاف المرجعي إلا أن هناك مشتركات على مستوى امتلاك الصفات ويتجسد في علامتين هما:

 

الذيب

الذئب على مستوى الارتداد الداخلي هو مضاف إليه للمضاف المحذوف "الرجل"وفي الحذف دلالة على أن الرجل يحمل صفات الذيب على نحو التطابق نظرا لكونه حاملا لأبرز صفات الذئب إلا وهي الغدر والخطف .ولن يدخل القرية إلا ليلة العرس ليعقد قرانه ويخرجها من فضاء القرية المسكونة بحكاية "الرجل الذئب") الذي يختطف الصبايا..).

ومن هنا يمثل "الرجل الذئب" إنتاجا للنزوات بما يعكس استقلالية هدفها وهذا ما خلق حالة من القلق لدى المجتمع في عدم كشف سر الذئب وتحديد ملامحه الذاتية لا لأنه بلغ هدفه ببناء سور من التخييل الشعبي حول شخصيته بل لأنه يمثل حالة من التواطئ الآخر معه والارتكاز على" الموتيف الشعبي" الذئب يستأثر بإقبال المتلقي لأنه ينفتح على مخياله ليقوم من بعدها بنسج أطر العلامة لتترك أثرها على الأحداث.

 

الجينيوم الثقافي

يحمل الرجل الذئب مجموعة من الصفات التي يمكن اختزالها على وفق التصور الآتي:

الغواية: تعكس الارتهان النفسي الذي يصيب الذات بحيث تكون مستلبة امام كاريزما الآخر ولعل هذا ما خلق حالة من الاتصال بحيث يتابع كل منهما الذئب والأنثى هدفه الذاتي بشكل متواز ومتعالق مع الآخر.

(...يعوي فيغوي فتيات القرية.يغيب عواؤه ثم يجوع ليأكل اللحم الحرام)

فصارت بين الفتيات والذئب حالة من الانجذاب غير الإرادي بسبب العواء بوصفه المحفز للإغواء والسقوط في دائرة الذئب.

اللعنة: يمثل هذا الموقف تضييع آثار "الذئب"ومحو دلالاته الواقعية المتجسدة "برجل"محدد من خلال تجذير شخصية الذئب مثيولوجيا (وهكذا تعودت العجائز على استعادة روح خرافة تثير قشعريرة في المسامات...فالرجل الذئب،هو ذئب يتلبس صورة رجل وسيم، كان معمراً فرنسيا قتله "الفلاقة" فبقيت روحه تتشكل على هيئة رجل يلبس معطفا بفرو...).

فحديث العجائز يلقي عمقا وجوديا يستحث "المخيال الشعبي" لملاحقة أحداث الماضي وربطه بالراهن غير أن حديث الجدات لا يكشف السر بقدر ما يجعل النفوس على مستوى اللاوعي منقادة له ولكشف أسراره.  

الأمنية: الغموض الذي طوق أبعاد شخصية "الرجل الذئب "جعل منه أمنية كل فتاة وهذا ما عمق من بعدها السوسيولوجي حتى غدت تشبه تيارا جاذبا يكتنفه الغموض.وعن أمنية كل شابة في الزواج من رجل شبيه بالرجل الذئب (و يباغتها من حيث لا تدري بمظهره الأنيق وبشعره الحريري الذي يسرحه كنجوم السينما..).

من الملاحظ أن الرجل الذئب أصبح يعادل "اللذة" التي تتجاوز حفظ الذات.

 

السلوقي

يعبر عن الوجه الآخر للذئب بما يحمل من خبث وهذا ما يشير له الأصل اللغوي لمادة "سلق" ف"السلقة" أنثى الذئب /الذئبة بحسب ابن فارس في معجم مقاييس اللغة.

يقول الشيخ عبد الله هازئا من مكره: "اللي قاريه الذيب حافظه السلوقي"، ويردد شاب متعلم من القرية : "تعدو الذئاب على من لا كلاب له". يحمل مثل الشيخ الصورة المألوفة التي ترتكز على خلق التقابل بين الكلب السلوقي و"الذئب " ولكن ما يكسر المألوف هو إن الإحالة تختلف فهي تحمل بعدا إسقاطيا.

إن كلا من الذئب وعروسه دخلا في دائرة المسخ وهنا أصبح المسخ فعلا يعكس التحولات السوسيولوجية في المجتمع ويتجسد التماثل في الجدول الآتي:                        

الرجل والذئب يختلفان عند التماثل مرجعيا إلا أن صفة التماثل بينهما هي" الخبث".

الرجل

الذيب

1ع

المرأة والسلوقي عند التماثل مرجعيا يختلفان الا ان صفة التماثل بينهما هي "المكر".

المرأة

السلوقي

2ع

 التماثل هنا بستند على بيان التشاكل في الصفات بين المتماثلين والاختلاف يكمن في نوع جنس كل منهما.

 

التماثل المرجعي الكلي

 إن البعد المرجعي للعلامة واحد إلا أنه يختلف على مستوى التناسب ولعل ذلك ما أدى إلى جذب دلالي يستتبع خلق تقابل بين الواقع بوصفه يحاصر جميع المنافذ الإنسانية ليقع من ثم فريسة اللا_إنسانية.

ف"العرس" يمثل الفعل الشرعي للعلاقات الايجابية بين الجنسين فهو يرمز إلى ديناميكية الحضارة بأنقى تجلياتها ومن خلال العرس /الزواج تتوالد الأجيال وتستمد الحضارة حيويتها.ولكن النص رصد كيف تتحول القيمة الإيجابية إلى قيمة سلبية يحتفى بها فيتبين كيف تحول العرس من كونه فعلا مقدسا إلى كونه فعلا مدنسا نظرا لأن الإطار الذي دار في فلكه تشريع الزواج دخل في دائرة القبول والرضا بالذئب عريسا:

(..فاضطر إلى الزواج بها وأدرك أن لا رجل قادم من وراء البحار ..)

وأقيم حفل الزفاف: "عادت إلى ذاكرتي صورة الشيوخ والرجال الذين يرقصون في القرية على وقع ضربات الطبال،وصوت الزكرة التي تنفخ أوداج الزكار والنساء اللاتي يشاهدن هذا الرقص المنتشي بإزاحة أطراف ستائر الأبواب والشبابيك، والأطفال الذين يوقعون انتشائهم بضربات أقدامهم المتلاحقة".

وهنا يعكس النص "التعالق النزواتي"في النص نزوة السلطة ممثلة بالذئب ونزوة النرجسية ممثلة بالعروس بنت الهجالة.

ويعكس التماثل الجدول الآتي:

غياب القرية بوصفها النسق بما يحمل من قيم

القرية

1ع

حضور اللاقرية بوصفها تعكس انكسار النسق

اللاقرية

2

القرية فيها الثأر للعرض من القيم التي يعتز بها غير أن هذه القرية تعكس المحيط المكاني لكسر النسق ولعل هذا ما يشير إلى حجم التشوه الجيني الذي استشرى في المجتمع وهذه المفارقة على مستوى البنية الداخلية للمكان/القرية مرجعها الانحدار الثقافي والذي يشير إلى أساس المحتوى الكامن وهو زواج فئة من الشعب بالسلطة تحت عين ومباركة أهل القرية وأولئك الذين يرون بأنصاف الحلول مكسبا...

وبعد ماتقدم يمكن القول: إن قصة "عرس الذيب" ماهي إلا تجسيد للحراك الثقافي للمجتمعات التي تعاني من الدكتاتورية بمعناها الواسع، للمجتمعات التي تحرك فيها كل شيء من موقعه الصحيح وأخذ يتموقع في منطقة اللابؤرية انحراف البصر "الإستكماتزم "ولكن القاصة على الرغم من كل ذلك تبقى تراهن على عين الشاهد/الطفلة بوصفها لاتعاني من من نسق اللابؤرية.

 

الاستاذ جراح كريم الموسوي/ العراق

 

قراءة في رواية (غرفة البرتقال) لعارف علوان: تقنيات السرد المتداخل (1- 2)

alaa allamiضمن محاولتنا التعريفية ببعض الانجازات الروائية العراقية، نتوقف اليوم عبر دراسة نقدية نستقبل بها رواية "البرتقال" للكاتب العراقي عارف علوان ننشر اليوم القسم الأول منها:

تستأهل رواية "غرفة البرتقال" للروائي العراقي عارف علوان التوقف عندها نقديا لعدة أسباب لعل من أهمها: أنموذجيتها – صعودا وهبوطا - في التقنية السردية المتداخلة وبساطتها الحكائية، إضافة إلى وجود ضرب من الشفافية الحميدة في مجال اللغة التي سنلاحظ أنها غدت بفعل سلاستها ومرونتها العالية من العوامل الدافعة لتوليد بنية روائية على قدر كبير من التماسك مع أنها كررت – وإنْ نادرا - الهنات البلاغية السائدة في النثر العراقي المعاصر من قبيل عبارة "ذروة الهاوية"... وتشبيهات وتركيبات خاطئة مماثلة.

قد تبدو هذه الرواية للنقاد المطلعين على أعمال "عارف علوان" الروائية أقل أهمية من رواية أخرى صدرت له قبل هذه ببضعة أعوام هي "محطة النهايات" لناحية التعقيد البنيوي والموضوع المركزي والحجم السردي غير إن لـ"غرفة البرتقال" صفة النَمْذَجة كما أسلفنا في مجال جديد نسبيا على السردية العراقية وهو المتعلق بأساليب السرد المتداخل.

يخبرنا الناشر في الغلاف الخلفي بأن الزمن الحقيقي لهذه الرواية يستغرق خمسة وأربعين دقيقة، ولعله يقصد بالـ"زمن الحقيقي" ما يسميه بعض نقاد السرديات بالطبقة الأولى للبنية الحكائية أو المدى الزمني الذي يستغرقه فعل الرَوي، غير أن البنية الزمنية التي تمتد عليها أحداث الرواية المستعادة عبر الاستذكار والمحايثة والاسترجاع وأساليب قرينة أخرى يستغرق زمنا أطول كثيرا، حتى أنه يعود إلى فترة طفولة الشخصية المحورية في الرواية وهي الزوجة "وداد".

نلاحظ أيضا، وعطفا على الإشارة السابقة، أن هذه الشخصية تقوم بدور الراوي الداخلي إلى جانب الرواي الرئيس والذي لا علاقة له بالرواية حَدَثيّا، عَنَيْنَا: الراوي المحايد الممارس لفعل الكتابة. ثمة شخصيتان أخريان محوريتان هما الزوج "صبحي" الذي يقود السيارة والعشيق "جلال" الجالس في المقعد الخلفي.

تقوم اللعبة التقنية لتقديم هذا التداخل الزمني والسردي بين أحداث رحلة الشخصيات الثلاث في داخل السيارة من مدينة "بحمدون" اللبنانية إلى "صليما" وبين لقطات منتقاة من حياة امرأة في الثلاثين، تقوم على ركائز حَدَثية بسيطة وبأساليب وتقنيات متنوعة منها: الاسترسال، الاسترجاع، الاستغراق، التماثل، المقارنة، الاستيهام، التفكيك البصري والمحايثة النفسانية....الخ. ولتوضيح المراد النقدي - وهو تعريفي بالدرجة الأولى وتحليلي تنظيري بالدرجة الأخيرة - سنقدم الآن قراءة تخطيطية للصفحات الأولى من الرواية محاولين من خلالها ملامسة ملامح الخطة السردية المنفذة:

تبدأ الرواية ومنذ سطرها الأول بحركة هبوط حقيقية ومباغتة للسيارة المقلة للشخصيات الثلاث عند نزلة "حمانا" باتجاه منحدر "صليما" لتدرك الزوجة "وداد" النوايا الثأرية القاتلة التي تعتمل في ذهن زوجها. يلي ذلك مقطع وصفي لداخل السيارة، فمقطع على لسان الراوي لتوضيح حادثة سابقة في المنحدر ذاته كادت تؤدي بصبحي ومن معه إلى كارثة. يتواصل الاسترجاع ليطرح نماذج من التفاصيل اليومية من حياة الزوجين بغرض توضيح الخط الحَدَثي، فعودة إلى متابعة السيارة في اندفاعتها على الطريق الجبلي مع لقطات وصفية للمحيط، فحوار مقتضب بين الزوج والزوجة حول ما يبيعه رجال مسنون على الطريق، ليواجه القارئ، بعد هذا الحوار، أول نقلة في السياق السردي حين تستلم الزوجة فعل الرَوي من الكاتب وبضمير المتكلم هذه المرة بعفوية وسلاسة وباتجاه عمق راوية الداخلية الخاصة بفترة طفولتها فيكفُ الراوي/ الكاتب عن فعل الرَوي تماما في هذا المثال، أما في مثال آخر ومع تقدم السرد وحتى الربع الأخير من المتن الروائي فسوف يتقاسم الراوي والزوجة الفعل وتحديدا في الصفحة 100 حيث تبدأ الفقرة الفرعية بعبارة للراوي الرئيسي نصها (كانت في السادسة عشرة...) تتضمن توصيفا لفترة مراهقتها ولأول حادث اعتداء جنسي تعرضت له في أحد شوارع بغداد، وقبل أن تنتهي هذه الفقرة الفرعية تكمل الزوجة فعل الروي وتصف لعشيقها "جلال" أثر ذلك الاعتداء عليها والألم الصاعق الذي شعرت به حينها ثم، وفجأة، يعود الراوي الرئيسي إلى عمله. النقلة الأولى والتي ذكرناها قبل قليل لا تستغرق سوى تسعة أسطر محصورة بين مزدوجتين صغيرتين لنعود بعدها إلى الطبقة الأولى في السرد أي إلى داخل السيارة المتجهة نحو منحدر "صليما".

يمكن اعتبار هذا العرض القصير للصفحات العشر الأولى – من المهم الإشارة إلى أن متن الرواية مؤلف من كتلة واحدة غير منقسمة إلى فصول أو أجزاء غير أن القارئ لا يلاحظ ذلك، وهنا تكمن مهارة الكاتب النثرية - بمثابة مقطع عرضي للبنية السردية المتداخلة وأيضا للبنية الزمنية المحيطة بها إحاطة (الفضاء الزماني بالوجود الفيزيقي) بعبارة الفيلسوف كانط، غير أننا إذا اكتفينا برصد مكونات هذا المقطع "العَرَضي" رصدا رقميا فلن نصل إلى فهم الكيفية التي نهضت عليها البنية السردية العامة ولا إلى مدلولاتها المضمونية المحايثة للمضمون الروائي العام والذي سيغدو جزءا مكملا للبعد الجمالي الشامل في العمل.

لعل من المفيد كذلك، الإشارة إلى أننا، وعبر تفحص مكونات، وحركة مكونات، هذا المقطع سنفهم وبصورة أفضل أن التداخل السردي الذي نتحدث عنه والذي اعتمده عارف علوان يختلف اختلافا جذريا عن مفهوم مشابه هو "البنية العنقودية السردية"، وعن مثالها الأشهر كما نجده في الملحمة السردية العربية الخالدة "ألف ليلة وليلة"، حيث القصة تلد أخرى فأخرى فأخرى، ومن هذه الأخيرة تولد قصص أخرى وهكذا دواليك إلى درجة لا يبقى من الطبقة الأولى غير الأثر الغائم أو الخيط الباهت والجامع لحبات العنقود.

نلاحظ أيضا أن التقنية المعتمدة في الرواية موضوع قراءتنا هذه تختلف جوهريا عن تقنية "النص داخل النص "أو "القصة داخل القصة" كما دشنها دويستوفيسكي في روايته "ذكريات من منزل الأموت"، حيث يعثر الراوي الرئيس على مذكرات السجين السابق "جوريانتشكوف" بعد وفاته ليستلم "الميت!" فعل الرَوي عَبر مذكراته بعد الفصل الأول من الرواية مباشرة ولينسحب الراوي/ الكاتب من الرواية انسحابا تاما أو للدقة انسحابا يغدو بموجبه مجرد "محرر" لما يمليه الراوي الميت! ثمة أيضا تجربة قريبة من هذا المثال لدوستيفسكي ذاته استعمل فيها طريقة توزيع البنية السردية على مجموعة من الرسائل المستقلة في قصته التي تحمل اسم " قصة في تسع رسائل" والقريبة بدورها من روايته "الليالي البيضاء" والتي يتوزع متنها السري على عدد من الليالي وثمة تقنيات مشابه جربها كتاب معاصرون من أمثلتهم الروائي السوري "محمد الدروبي" في روايته الأخيرة "عشاق الدَير"، ولكن بشكل أكثر تركيبية حيث يجد القارئ نفسه بإزاء ثلاثة نصوص: الأول وصفي تعريفي للكاتب الروائي – الدروبي -، والثاني للراهب الشامي "إفرام" الشخصية الروائية المحورية عبر مذكراته والثالث لـ"عكرمة" المكلَّف من قبل الخليفة "الوليد الثاني" بتدوين كتاب عن الراهب "إفرام" هدفه دحض وتفنيد ما يشاع عن وجود علاقة معينة بين الراهب والخليفة لتؤلف النصوص الثلاثة – من ثَم - بنيةً سرديةً واحدةً ومتداخلةً على المستوى الأفقي وليس العمودي المَزْجي كما سنتفحصه في "غرفة البرتقال"... يتبع

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

قراءة في لافتات الشاعر أحمد مطر

أحمد مطر شاعر عراقي من مدينة البصرة، ولد في قرية التنومة عام 1954 م، ومن التنومة أنتقل إلى محلة الأصمعي مع أسرته المكونة من عشرة أبناء، وكان تسلسله الرابع بين أخوته الذكور والإناث .

تميز أحمد مطر بنبوغ موهبته الشعرية وهو في مرحلة الصبا، فكتب الشعر في سنّ مبكرة وقد ذكرت بعض المصادر ومنها (ويكيبيديا – الموسوعة الحرة) التي أعتمدنا عليها كمصدر في كتابة بعض الفقرات من حياته، أنه في سنّ الرابعة عشرة بدأ يكتب الشعر، ولم تخرج قصائده الأولى عن نطاق الغزل والرومانسية، إذ كتب أول قصيدة له وهو في هذه السن، وكان عدد أبيات القصيدة سبعة عشر بيتا ومطلعها:

مرقتْ كالسهم لا تلوي خطاها *** ليت شعري ما الذي اليوم دهاها

إشتهرأحمد مطر بالشعر السياسي، فتناول موضوعات تنطوي على تحريض واستنهاض الهمم للخلاص من الواقع الظالم المفروض على الناس من قبل السلطة الظالمة (ألقيت بنفسي مبكرا في دائرة النار، عندما تكشفتْ لي خفايا الصراع بين السلطة والشعب، ولم تطاوعني نفسي على الصمت أولا، وعلى إرتداء ثياب العرس في المأتم ثانيا، فجذبت جوادي ناحية ميدان الغضب) .

هذا الموقف الوطني جلب له ألما وسجنا، وقد سُجن في مدينة الكوت أثناء تأديته الخدمة العسكرية، بسبب رفضه طلبا لمحافظ الكوت (محمد محجوب) بألقاء قصيدة لمديح السلطان الجائر بمناسبة ذكرى (17 تموز) التي يحتفل فيها أعضاء (حزب البعث) إذ كانوا يجبرون الناس على الإحتفال معهم، وفي السجن نظم قصيدة يخاطب فيها لائميه مطلعها:

ويك عني لا تلمني فأنا اللوم غريمي وغريمي بأسي

وبسبب مضايقات نظام البعث الظالم، هجر أحمد مطر وطنه مضطرا وهو يشعر بالألم والحسرة، إذ إضطر (إلى توديع وطنه ومرابع صباه والتوجه الى الكويت هاربا من مطاردة السلطة)، الأعمال الكاملة .

أستقر أحمد مطر في الكويت، وعمل محررا ثقافيا في جريدة (القبس) الكويتية وفي رحاب (القبس) عمل مع الفنان الفلسطيني ناجي العلي، ليجد كل منهما في الآخر توافقا نفسيا واضحا، تبنت (القبس) الأثنين معا، فكانت تنشر في الصفحة الأولى أحدى لافتات أحمد مطر، وفي الصفحة الأخيرة تنشر رسما كاريكتاريا إلى الفنان الفلسطيني ناجي العلي، ذاع صيته في العالم العربي من خلال نشراللافتات لأنها كانت سياسية تحريضية، وتتطابق مع رسومات ناجي العلي ذات المغزى السياسي الثوري أيضا .

اللافتات سميت بهذا الإسم لأنها كانت تؤدي دور اللافتة في الأعلام، عندما تعلق اللافتة لغرض الإحتجاج على مواقف السلطة والتنبيه على أخطائها، وأرى أنها سميت (لافتات) لأنّها تشبه اللافتة الإعلانية من حيث القصر والإختصار في اللفظ والتعبير، أضافة لدورها الوظيفي الذي يشبه دور اللافتة الإعلانية في التنبيه على الأخطاء والتحريض على الثورة .

لافتات أحمد مطر أثارت حفيظة مختلف السلطات، تماما مثلما أثارتها ريشة الفنان الفلسطيني ناجي العلي، الأمر الذي أدى إلى إصدار قرار من الحكومة الكويتية بمنع نشر لافتاته في جريدة (القبس)، فأعلن أحمد مطر إستقالته من الجريدة ونظم قصيدة أسماها (حيثيات الإستقالة) نذكر منها هذه الأبيات:

- لا ترتكب قصيدة عنيفة .

لا ترتكب قصيدة عنيفة .

طبطب على أعجازها طبطبة خفيفة

إنْ شئتَ أنْ

تُنشر أشعارك في الصحيفة !

• حتى إذا ما باعنا الخليفة ؟!

- (ما باعنا) . . كافية .

لا تذكر الخليفة .

• حتى إذا أطلق من ورائنا كلابه؟

- أطلق من ورائنا كلابه .. الأليفة!

• لكنها فوق لساني أطبقت أنيابها ! !

- قلْ: أطبقت أنيابها اللطيفة !

• * *

• أيتها الصحيفة

الصدق عندي ثورة

وكذبتي

- إذا كذبتُ مرّة –

ليست سوى قذيفة !

فلتأكلي ما شئتِ، لكني أنا

مهما استبد الجوع بي

أرفض أكل الجيفة .

أيتها الصحيفهْ

تمسّحي بذّلةٍ

وانطرحي برهبةٍ

وانبطحي بخيفهْ

أمّا أنا . .

فهذه رجلي بأمِّ هذه الوظيفة !

قصيدة (حيثيات الإستقالة) تعبير عن كرامة الشاعر الذي يرفض بيعها في سوق النخاسة، مثل ما يحصل اليوم لكثير من المأجورين، كلمات القصيدة تعبير صادق عن نبض كل مثقف أو أديب أو أنسان، أي أنسان تحت أي عنوان كان، يرفض بيع كرامته من أجل المال، عزّة النفس والكرامة هي من دفعت الشاعر للهجرة من العراق، وهما من دفعتا الشاعر لقطع علاقته مع (القبس) الكويتية .

موقفه هذا دفع الحكومة الكويتية لنفيه مع رفيقه (ناجي العلي) خارج الكويت فهاجرا إلى لندن عام (1986 م)، وهنا فقد أحمد مطر رفيقه ناجي العلي الذي أغتيل بمسدس كاتم للصوت، لأنه أثار حفيظة الحكام العرب والكيان الصهيوني من خلال رسومه الكاريكتارية، وقد رثاه في قصيدة طويلة من أبياتها:

   ناجي العلي لقد نجوت بقدرة *** من عارنا، وعلوت للعلياء

إصعد ؛ فموطنك السماء ؛ وخلّنا *** في الأرض إن الأرض للجبناء

وعن حياته في بريطانيا يقول (أحمد مطر):

(أنا في بريطانيا دولة مستقلة، نمشي على قدمين، نشتاق إلى أوجاع إحتلالها ونهفو إلى المعركة من جديد، لست سعيدا لأني بعيد عن صدى آهات المعذبين،لأني أحمل آهاتهم في دمي، فالوطن الذي أخرجني منه لم يستطع أن يخرج مني، ولا أحب أن أخرجه ولن أخرجه) .

يجد الكثير من الثوريين في العالم والناقمين على الأنظمة الظالمة مبتغاهم في لافتات أحمد مطر، حتى أنّ هناك من يلقبه بملك الشعراء، ويقولون إذا كان أحمد شوقي أمير الشعراء، فأحمد مطر ملكهم .

 

دوستويفسكي الذي منحني الشمس وبعض الدموع

saieb khalilقادني حسن الحظ إلى موقع ثري بالكتب الصوتية المجانية (1) والتي ساعدتني في مرحلة سابقة على تخطي مرحلة استمرت شهوراً عديدة التي تطلب فيها عملي ساعات عديدة في السياقة اليومية بين روتردام وبروكسل، فاستمتعت برفقة رائعة في سيارتي التي استضافت دارون في اصل الأنواع وأصل الإنسان و نيتشة مع زرادشت وكتب أخرى وآدم سميث بكتابه المشهور عن ثروة الأمم وآخر عن الأخلاق وماركس في "رأس المال" ونصوص أخرى و "العقد الإجتماعي" لجان جاك روسو وكتاب عن الإقتصاد لجون ستيورات ميل وكذلك شوبنهاور وغيره من الفلاسفة، وكذلك محاضرات السياسة واللغة لمعلمي الكبير نعوم جومسكي والتاريخ الشعبي للولايات المتحدة للرائع هاوارد زن، وكتابين للمبصرة المعجزة العمياء الطرشاء، التي لا تتصل بالعالم إلا بلمس الأصابع هيلين كيلر، إضافة إلى بعض كتب التاريخ ومواضيع متفرقة أخرى عن الموسيقى والعلم.

وحين عجزت في مرحلة تالية عن إقناع نفسي بضرورة ترك الحاسبة والتمتع ببعض الرياضة والشمس يومياً، وفشلت كل الأساليب التي أخترعتها من أجل ذلك، تذكرت المكتبة الصوتية وقررت المحاولة معها، ووقع اختياري على أن استمع إلى كتب الأدب التي لم أمنحها الفرصة في الماضي، لشدة حماسي لكتب السياسة والفلسفة، وقررت اصطياد نفسي بطُعم لذيذ، فبدأت بقصص تشيخوف القصيرة، ونجحت الحيلة نجاحاً باهراً وداومت على برنامج المشي بلا انقطاع تقريباً. ثم بعد ذلك قررت ولوج الروايات الطويلة فاخترت دوستويفسكي، فحولت "المقامر" و "الليالي البيضاء" و أخيراً "الأخوة كرامازوف" إلى أشبه بالمسلسلات التلفزيونية التي كنا نتابعها بشوق في الطفولة والشباب، مع فارق العمق الفكري والقيمة الجمالية.

 45-saeibkhalil

(بورتريت رسمته للكاتب دوستوفسكي بعد قراءة قصة الأخوة كرامازوف)

"الأخوة كرامازوف" كانت آخر روائع الأديب العالمي الكبير ، وكان ينوي أن تكون الحلقة الأولى من سلسلة كبرى بعنوان "حياة مذنب كبير"، لكنه توفى بعد الإنتهاء منها ببضعة اشهر في عام 1880.

ويصف دوستويفسكي في روايته التي استغرقت منه سنتين روسيا القرن التاسع عشر من خلال شخوصها وأحداثها وردود الفعل العام عليها، وكان قد اقتبس الكثير من تلك الأحداث والشخصيات من الواقع الذي عاشه أو وجده مخطوطاً في الأديره. ولا يخطئ المرء الشكل الأدبي الروسي المميز في دوستويفسكي بصفاته "الحيادية" في رواية الأحداث والذي نراه بوضوح أيضاً في تشيخوف، رغم الصبغة الشديدة العاطفية الواضحة بين السطور. ولعل تلك العاطفة الشديدة هي ما دفع الكتاب الروس إلى تقمص الشكل الحيادي في الأدب فمنحه ذلك التناقض ثراءاً رائعاً.

العلاقات الإنسانية التي وصفها دوستويفسكي بين شخوصه تعلمنا الكثير. فإضافة إلى سبره لأغوار النفس البشرية في أبعادها المتطرفة في الطيبة والشرور، وتفسير تصرفاتها الغريبة غير المتوقعة أحياناً واندفاعاتها المتناقضة التي تعبر عما يدور في أعماقها من صراعات من عواطف ودوافع، فإن تلك الشخوص لا تفشل في جذب تعاطف القارئ سلباً وإيجاباً وتفاعله معها لتؤثر في منظومته الأخلاقية من حيث لا يدري، وأن تكون أشباح لـ "مثل عليا" للقارئ، توحي له بما يفترض أن يكون الإنسان عليه

إنني أذكر بوضوح، منظر صديقي لطيف علو في غرفتنا في القسم الداخلي في جامعة الموصل، وهو يضطجع أسابيع متتالية في عزلة عنا، ليقرأ "الأخوة كارامازوف" مفضلاً إياها على دراسته وعلى صحبتنا وتهريجنا الذي لا ينتهي. وكان بين الحين والآخر يتنفس الصعداء ويفرك عينيه كمن يفوق من حلم عميق، أو ليمسح دمعة قبل أن نراها وتكون موضوعاً لتندرنا عليه، وفي كل مرة يعود ليؤكد من جديد ضرورة أن نقرأها.

كذلك أذكر لسلامة موسى حديثه عن الفترة من حياته التي ارتقى فيها من "مهاوي الأدب الإنكليزي إلى قمم الأدب الروسي" حسب تعبيره، وقوله أنه كان يعشق المتناقضين نيتشة ودوستويفسكي، وأنه كان يقتبس من الأول المنطق العلمي الأخلاقي القاسي، والذي يوازنه و يخفف من "غلوائه" دوستوفسكي وتولستوي بإنسانيتهما.

أشعر اليوم بالأسف أني لم استمع لنصيحة لطيف أو سلامة موسى، ففي هذه الرواية ما كان سينفعني كثيراً في فهمي للإنسان والعالم وتشكيل عواطفي ومقاييسي ويجنبني الكثير من الأخطاء الكبيرة.

لا بأس أن نخطو خارج رواية الأخوة كارامازوف لنلقي نظرة سريعة على الظرف الذي نشأت فيه من الأدب الروسي، ولنأخذ بضعة سطور من مقدمة توماس سيلزر، لكتابه "أفضل القصص القصيرة الروسية" وهو يتحدث عن الأدب الروسي مقارنة بالأدب الغربي فيقول:

"تمتع محب الطبيعة الذي يترك معارض الفن ليتجول بين الأشجار والأزهار البرية والطيور، هو ما يشعر به محبوا الأدب الرفيع عندما يتذوقون لأول مرة السعادات البسيطة للأدب الروسي"

ويشير إلى أن الأديب الروسي يعامل الفقراء والمهمشين من الشخصيات بنفس الإهتمام الذي يعامل به أفراد الطبقات العليا، وبلا تأثر أو شرح للمشاعر. فعندما يكتب الإنكليزي ديكنز عن الفقراء بتعاطف مؤثر، فإن القارئ يستشعر "البعد" في تعامل الكاتب مع شخوصه. إنه يعرض معاناتهم على العالم من الخارج، أما الكاتب الروسي فإن الفقراء يقدمون كما هم، باعتبارهم ضمن مجتمعه باعتبارهم نماذج بشرية مثلنا، وبدون أية تأثيرات مسرحية.... ومن إحساس عميق بأنه لا يملك أن يحكم على الآخرين.

قال أحد الكتاب الروس: "كلنا خرجنا من معطف كوكل"، ولم تكن رواية دوستوفسكي "أناس فقراء" التي ظهرت بعد ذلك بعشرة سنوات إلا امتداد لقصص كوكل القصيرة.

يتميز دوستوفسكي بعمق تحليلاته للنفس البشرية وخاصة الجانب "المريض" و غير المعتاد منها. أن

"حب البشرية والعطف عليها والبحث عما يحسن مصير البشر والإلتصاق بالقيم الإجتماعية ،يمثل العنصر القائد في الأدب الروسي".. "الروس يتعاملون مع الأدب بجدية ربما تكون أكبر مما يفعله أي شعب آخر. إنهم يطالبون بأن تكون القصة أو القصيدة مرآة صادقة للحياة وأن تخدم الحياة. فلكي ينجح أي كاتب روسي، فيجب أن يكون مفكراً أيضاً، رغم أنه ليس بحاجة إلى أن يكون فناناً متكاملاً. فكل شيء يعد ثانوياً أمام أمرين: المثل الإنسانية و الصدق في تصوير الحياة، ذلك هو السر في البساطة المدهشة لفن الأدب الروسي. الكاتب الروسي يعلم أنه لن ينجح بتغطية أي نقص فكري من خلال الذكاء والحيل اللفظية، أما إن امتلك ذينك العاملين الأساسيين فإن أبسط لغة ستكون كافية لنجاحه.(2)

ونعود إلى روايتنا موضوع المقالة فنقول أنه يغلب على رواية "الأخوة كارامازوف" الطابع الديني المخفف بنقيض لا يكاد يقل عنه قوة في الإتجاه إلى الإلحاد، يتبارزان ببراعة ضمن حوارات شخصياتها. والدين عند دوستويفسكي تفاعل إنساني بعيد عن الخرافات والأساطير التي يفندها من خلال مناقشات شخوصه، رغم أنه يمنح القس الشاب "اليوشا" بطيبته وصدقه التام، بطولة القصة ومحورها.

ولا تخلو القصة من أحداث بوليسية وتحقيقات مدهشة القوة تنافس بل قد تزيد إثارة على نصوص أكاثا كريستي. ففي الأجزاء الأخيرة من "الأخوة كارامازوف" يركز دوستويفسكي على تداعيات جريمة قتل للأب، أتهم بها الإبن الأكبر ديمتري، فيكتب ببراعة كاتب القصص البوليسية المتخصص، خطابي المدعي العام ومحامي الدفاع.

ويستفيد دوستويفسكي من الحدث لطرح وجهات نظره المختلفة من النواحي السياسية والإجتماعية في الحياة في روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر، ونظرتها التي لا تخلو من الدونية إلى الأوروبية المتمثلة بفرنسا وبريطانيا. ولكن أهم من ذلك، يطرح دوستويفسكي مراجعة مقاييس النفس الإنسانية وكيفية تشكيلها. إنه يبدأ بمرافعة المدعي العام الذي يقنعنا بقوة حجته ومنطقه بأنه لم يعد هناك أمل للمتهم البريء ديمتري بالنجاة من مصيره، ليعود في مرافعة محامي الدفاع الأكثر قوة وعبقرية بإقناعنا بأن المتهم سيخرج بريئاً بالتأكيد، وكأنه يفند قناعاتنا بالحياة يقول لنا: أنظروا... ربما أنكم تستمعون إلى جهة واحدة من الحقيقة فتقتنعون بها تماماً، لكنكم لو أعطيتم الجهة الأخرى الفرصة للكلام لما كان اقتناعكم بالعكس أقل قوة!

ونلاحظ في كلا الخطابين للمدعي العام والدفاع في محاولتيهما إقناع المحلفين، وجود خطين متوازيين يلتحمان في جديلة رائعة. يهدف الخط الأول إلى إقناع "العقل" بينما يهتم الخط الآخر بإقناع العاطفة بمشاربها المختلفة، إنسانية ودينية وحتى قومية! فكل منهما يعلم جيداً أن الإنسان لا يمكن إقناعه بالمحاججة العقلية وحدها، ولا كذلك بطرق عواطفه وحدها بشكل مكشوف قد يؤدي إلى العكس إذا شعر المرء أن المقابل يركز على عواطفه ليخدعه. إن محامي الدفاع يحلل أثر الأحداث التي وصلت إلى المحلفين ويتوقع كيف أنها أثرت على عواطفهم بشكل سلبي بالنسبة لموكله، فيسعى إلى انتزاع تلك التأثيرات واحداً واحداً. فالقضية قضية قتل إبن لأبيه، ولذلك فهو يراجع ذلك التأثير ويسعى لتحييده من خلال تساؤله للمحلفين عن معنى "الأبوة" بالنسبة لإبن يهمله أباه بهذا الشكل؟ ولمن يكون قد تأثر دينياً بتلك القضية ويرى آن الإبن آثم، فإنه يأتي بنصوص مناقضة لذلك التأثير. وبتحييده عواطف المحلفين واحدة وراء الأخرى يهيء عقلهم لقبول منطقه النافي للقرائن التي تدل على الجريمة، والتي تأتي ببراعة لا تقل روعة فتهاجم العقل بنفس الإبداع الذي هاجمت به مقولاته الشعورية، عواطف المحلفين.

ولا يخشى المتحدثان المدعي والدفاع، في هذا النحو الخطابي المزدوج للعاطفة والعقل، حتى من التناقض بين الخطين أحياناً، فيدعو محامي الدفاع إلى النظر إلى المتهم بعين العطف وتذكر ما عاناه من إهمال من والده، في الوقت الذي يؤكد فيه من خلال محاججاته المنطقية بأن المتهم لم يقتل والده! ويتساءل القارئ: إن كان المحامي مقتنعاً ببراءة المتهم، فلماذا يطلب من المحلفين العطف عليه؟ لكن المتسائل سرعان ما يقتنع بأن "المحامي" (أو دوستويفسكي) يعرف الناس أفضل منه، وأنه لا مجال لإقناع عميق لإنسان من خلال المحاججات وحدها!

"الأخوة كرامازوف"من الآثار الأدبية التي تمنحنا القدرة على تفهم أو حتى تقبل شخصيات لا نقبلها أو لا نبذل أي جهد لتفهمها عادة. شخصيات إجتماعية كريهة وسطحية وعنيفة، لكنها سرعان ما تكشف عن جانب إنساني يجبرك أن تتخيل نفسك مكانها، وأن لا تستبعد أن تقوم بتصرفاتها لو أن ظروفك كانت ظروفها، فتتعاطف معها وتتسع دائرة الإنسانية في تفهمك، أو لنقل: "يتسع قلبك" لإنسانية أكثر شمولاً لما "تفرخه الشمس على الأرض من مخلوقات"، كما يقول نيتشه. ويريك دوستويفسكي كيف يمكن أن يحب الإنسان الفض بتفان، وكيف تبحث النفس البشرية عن طريقها لإرضاء نفسها وإرضاء المجتمع، بين الحواجز والصدمات والخوف والمشاعر المختلفة، وكيف يتابع دوستويفسكي تلك النفس وهي تسير في طريقها من خلال التقاطه لمحات من تصرفاتها وأقوالها هنا وهناك، فتنزع النفس الإنسانية عن وجهها ما يمنع عنا رؤيتها، من قناع الصلابة والعنف أو حتى التملق والهبوط، ونكتشف دون شرح مباشر أو الحاجة إلى تركيز كبير، أين وصلت تلك النفس في صراعها وما الذي تريده حقاً.

ينحت دوستويفسكي الشخوص وينفخ فيها الحياة في أذهاننا من خلال التفاصيل الكثيرة لما تقوله وما تفعله ويمنحها خطوطها الحادة وضلالها الخافتة حتى يقنعنا بأنها شخوص حقيقية تعيش معنا، ولا نعود قادرين على تجاهل مصيرها. "آليوشا" (طفل بإسم مشابه جداً لإسم القس) الذي يتوسل بديمتري أن لا يضرب أباه (أبو آليوشا) أمام الناس، ويقبل يده متضرعاً، يلجأ إلى الإنتقام من كلب بإلقاء قطعة خبز تحتوي على دبوس ليقتله. وحين تتاح له الفرصة، يعض يد أخو ديمتري بعنف شديد لينتقم لأباه من المهانة...لكنه يعود ليندم على ما فعله خاصة بالنسبة للكلب الذي يصبح وسواساً يلزمه الفراش.

الأب المهان يتحدث لإبنه بعد ذلك ويجعله يعدل عن الرغبة بالإنتقام ويعده بترك هذه المدينة التي يعتدى فيها على أبيه الفقير، وأن هناك في العالم مكان يتسع لهم ويمكن أن يمنحهم السعادة.. "آليوشا" الطفل بتفاصيل أحاديثه ومشاعره بالحب وبالمسؤولية و تفاعله مع والده وتخطيطه لتفاصيل ذلك الرحيل، يمنحنا شعورنا بأن الطفل إنسان حقيقي كبير المشاعر وأن معاملته على أساس حجمه الصغير فقط، خطأ لا يغتفر!

في الخاتمة، يتعاهد بطل الرواية، القس الشاب "اليوشا"، مع اصدقاءه الصغار (والذين هم زملاء آليوشا الصغير في المدرسة) على أن لا ينسوا أبداً صديقهم "آليوشا" الذي دفنوه للتو، وأن يجعلوا من ذلك العهد وتلك الذكرى تعويذة تضيء طريقهم إن أعتمته الحياة يوماً. تعويذة تمنع عنهم "الهبوط" وتساعدهم على صمود الإنسان فيهم.

لا شك أن دوستويفسكي كان بذلك يعد طفله الصغير الذي توفى مريضاً وعمره ثلاث سنوات وكان إسمه "اليوشا"(!)، ذلك الوعد بأن لا ينساه وأن يبقى إنساناً وفاءاً لذكراه. لقد منح اسمه لأجمل شخصيتين في روايته الأخيرة الخالدة ، قبل أن يتوفى الكاتب نفسه مريضاً بعد بضعة أشهر من إنتهائه من كتابة روايته تلك.

في تجوالي الأخير مع الدقائق الأخيرة من رواية "الأخوة كرامازوف" وجدت نفسي قد خرجت بعيداً عن طريقي المعتاد لأستطيع إكمال خاتمة الرواية، واصطدت نفسي والدموع تترقرق في عيناي لذلك الخطاب وتلك المشاعر الإنسانية العميقة من أب مفجوع بابنه، وفهمت لأول مرة لم ترقرقت عينا لطيف بالدموع قبل ربع قرن!

 

صائب خليل

10 آيار 2014

..........................

(1) ليبريفوكس: المكتبة الصوتية

https://librivox.org

تحتوي هذه المكتبة الصوتية المجانية على كمية كبيرة جداً من الكتب المسجلة صوتياً وخاصة الكتب الكلاسيكية في مختلف المجالات ويمكن الإستفادة منها كثيراً لمن يقضي وقتاً طويلا نسبياً في أوضاع الإنتظار أو المشي.. معظم الكتب باللغة الأنكليزية وستكون ثروة لمن تساعده لغته الإنكليزية على فهمها، لكن هناك كتباً بلغات عديدة اخرى وعدد محدود جداً من النصوص باللغة العربية

https://librivox.org/search?primary_key=9&search_category=language&search_page=1&search_form=get_results

لكن من يريد نصوصاً مسموعة عربية فهناك مكتبات صوتية يمكن شراء بعض الكتب الصوتية منها، ويمكن البحث عنها في الإنترنت.

(2) http://www.gutenberg.org/cache/epub/13437/pg13437.html

(3) The Brothers Karamazov (معلومات عن القصة)

http://en.wikipedia.org/wiki/The_Brothers_Karamazov

(4) الاخوة كارامازوف (وضعت هنا رابطاً لإنزال القصة لكن برنامج الحماية يؤكد أن الرابط غير مأمون، لذا أترك من يريد قراءة القصة أن يبحث عنها على مسؤوليته على النت)Download - 4shared

(5) لوحة رسمتها للكاتب دوستوفسكي

https://fbcdn-sphotos-g-a.akamaihd.net/hphotos-ak-frc3/t1.0-9/971906_690317304358675_7423903125982074281_n.jpg

 

فيلم نوح: من أوتونبشتم السومري إلى نوح التوراتي (2 – 2)

alaa allamiقصة نوح السينمائي: يروي فيلم "نوح"، وهو فيلم ملحمي ديني من بطولة الممثل الكبير راسيل كرو الذي ظهر متمكنا تماما من دوره، رغم ما طَبَعَ أداءه من مقاربات ذات نكهة مسرحية، ربما كان يقتضيها دور من هذا النوع، وقد شاركته النجمة  إيما واتسون البطولة وكان أداؤها باهرا حقا.

مخرج الفيلم هو، كما قلت في فقرة سالفة، الأميركي دارين أرونوفسكي، صاحب أفلام "البجعة السوداء" و"النافورة" و"المصارع" وغيرها. أرونوفسكي مخرج مثير للجدل فنيا، فهو مخرج جيد ومبدع وذو خيال خصب، ولكنني شخصيا أعتبره "غريب الأطوار" إخراجيا، فقد لاحظت أنه يُضْعِفُ أفلامه في نصفها الثاني - وكأنه يتعمد ذلك أحيانا - كما حدث حين حول فيلمه الجميل "البجعة السوداء"، والذي بدأ فنيا وشاعريا وعميقا، ثم تحول إلى نوع من أفلام الرعب والجريمة المبتذلة. وقد رشح هذا الفيلم إلى جوائز الأوسكار، ولكنه لم يفز بأي منها، لا كأفضل فيلم ولا كأفضل مخرج، بل فازت  بطلة الفيلم ناتالي بورتمان بأوسكار أفضل ممثلة بطولة، والواقع، وهذا رأيي الشخصي، فإن بورتمان لم تكن تستحق الفوز بهذا الأوسكار رغم ما بذلت من جهود! وقد أخطأ أرونوفسكي أساسا في إسناد دور بطولة "راقصة الباليه" للنجمة بورتمان مع أن جسدها الممتلئ نسبيا لا يسمح لها بتجسيد هذا الدور بسهولة ورشاقة هائلة يقتضيها الدور، إذْ أنَّ راقصات الباليه، كما هو شائع، نحيفات ورشيقات جدا؛ وفي المناسبة، فقد وقع المخرج الكبير الراحل يوسف شاهين في هذا الخطأ ذاته حين أسند دور الراقصة الغجرية في فيلم "المصير" وهو دور مفصلي ومهم، إلى الممثلة ليلى علوي بجسدها القصير والممتلئ "جدا" وحركتها البطيئة وأدائها المفتعل، فكانت ليلى علوي بمثابة عقب أخيل ونقطة الضعف الثقيلة في هذا الفيلم الممتاز والجريء في دفاعه عن الفيلسوف المسلم العقلاني والمستنير ابن رشد!

نعود إلى فيلم "نوح" ملخصين قصته، معتمدين في ذلك على الخلاصة التي وردت في الموسوعة الحرة للفيلم، مضيفين إليها ما أغفلته ولاحظناه عند مشاهدة الفيلم، لنرى أنه يبدأ بتسجيل حياة ‌نوح وهو فتى صغير، حيث يشهد مقتل والده "لامَك" على يد توبال قايين. بعد سنوات عديدة، ها هو نوح يعيش مع زوجته "والهة" وأولاده سام و‌حام و‌يافث؛ ولكنه، بعد رؤية زهرة تنمو على الفور من الأرض المتضمخة بالدماء، ثم الرؤيا التي رآها في المنام عن طوفان عظيم، يقرر نوح زيارة جده، مَتوشَلَخَ. وهذا ما يذكرنا بزيارة الملك السومري جلكامش للعجوز أوتونبشتم الوحيد الباقي حيا من عهد الطوفان ليحصل منه على عشبة الخلود. في طريقه لجده، يصادف نوح وأسرته مجموعة من الناس قتلت حديثاً، ويتبنون الناجية الوحيدة، وهي فتاة تدعى "أيلا". يطارد رجال توبال قايين نوحا وعائلته لكنهم يلتجئون إلى الملائكة الساقطة المعروفين باسم "الحراس"، الذين تم نفيهم إلى الأرض على أشكال صخر من جنة عدن بسبب مساعدتهم البشر. يعطي مَتوشَلَخَ لنوح بذرة مستمدة من جنة عدن. يضع نوح البذرة في الأرض فتنمو غابة كاملة خلال ثوان، يستخدم أخشابها عائلة نوح والحراس من أجل صنع السفينة. بينما يقترب الانتهاء من صنع السفينة، تبدأ الحيوانات من مختلف الأنواع بالصعود على متنها، من كل نوع زوج، ويتم تنويم الحيوانات المفترسة وغير المفترسة بإشعال نوع من البخور المنوم لتفادي مشكلة الافتراس مشهديا.

بينما أيلا أصبحت تحب سام، يذهب نوح للمستوطنة المجاورة للبحث عن زوجات لحام ويافث، لكنه يشهد أكل لحوم البشر بواسطة الناس الجوعى فيقرر التراجع. بعد ذلك، يقوم مَتوشَلَخَ بشفاء أيلا من العقم. يقرر حام البحث عن زوجة بنفسه، فيلتقي بفتاة تدعى نائل؛ لكن عندما يهاجم رجال توبال قايين السفينة، يجبر نوح حام على الذهاب وترك نائل لتموت. جميع عائلة نوح تدخل السفينة ما عدا مَتُّوشَلَخَ الذي يبقى عن قصد. بينما يبدأ الطوفان، يقوم الحراس بالتضحية بأنفسهم لحماية السفينة من رجال توبال، وتصعد أرواحهم إلى السماء وبطريقة مضحكة جدا فهذه المخلوقات الحجرية التي يشع النور من شقوق كبيرة في رؤوسها تموت بعد أن يتغير لون النور ثم ينطفئ. وبعد ذلك يغرق الفيضان بقية الرجال، لكن توبال قايين يتمكن من الصعود على متنها ويغري حام، مستفيداً من غضب الأخير تجاه نوح لتركه نائل تموت. تصبح أيلا حاملا ثم يتوقف المطر. وعلى الرغم من محاولة زوجته إقناعه بالعدول، يقرر نوح قتل الرضيع إذا كانت فتاة لتلبية رغبة الخالق بتدمير الإنسانية، ويمكن أن نتذكر هنا ما ورد في ملحمة الطوفان البابلية حول غضب الآلهة من (البشر ذوي الرؤوس السود الذين كثر ضجيجهم فقررت إبادتهم) وحيثية الانتقام السماوي من البشر متكررة في الكتب السماوية وغير السماوية شرقا وغربا وربما نفهم منها محاولات بدائية لتفسير الكوارث الطبيعية التي كانت تجتاح العالم القديم.

تمر أشهر، وأيلا وسام يبنون طوفا للهروب من قرار نوح، لكن نوح يحرق الطوف بعد أن يكتشف أمره. بعد ذلك، تلد أيلا توأم بنات. في غضون ذلك، يقنع توبال قايين الابن حام بمساعدته في قتل أبيه نوح، فيهاجم نوح بواسطة توبال وحام وسام الذي يريد حماية زوجته وبناته. وبينما يتقاتلون، تصطدم السفينة بجبل، ويقتل حام توبال قايين. يأخذ نوح توأم البنات وقبل أن يقتلها بالخنجر ينظر إلى براءتهما ويقرر الصفح عنهما. عقب الخروج من السفينة، يعزل نوح نفسه عن الآخرين في كهف ويتصالح في ما بعد مع أبنائه ثم يسافر حام لوحده. وأخيرا، وبناء على طلب أيلا، يقوم نوح بمباركة العائلة كبداية للجنس البشري الجديد، ويشهدوا قوس قزح هائل.

هذه هي قصة "نوح السينمائي" ويمكن بكل بساطة ملاحظة أمرين: الأول هو بعدها عن النص التوراتي أو حتى السومري لقصة أو أسطورة نوح "أوتونبشتم". وثانيا، الطابع الهوليودي السطحي والهجين "مغامرات ورسوم متحركة ورومانسية وتاريخانية" في هذه القصة التي تحاول جر الجميع إلى صندوق التذاكر عبر صناعة فيلم فج على صعيد القصة. ورغم ذلك فلمسات المخرج المتمكن وصاحب الموهبة أرونوفسكي كانت موجودة وبقوة، ولكن هذا الأخير لم يشأ إلا أن يمسخ جهوده لإخراج فيلم تاريخي جميل بغض النظر عن فنطازية الامتدادات المضافة للقصة وكانت حيثية المخلوقات الحجرية العملاقة التي سيطرت على ثلث الفيلم الأخير كارثة بحق حولت الفيلم إلى نوع من مسلسلات الرسوم المتحركة اليابانية الفجة. وكما قلنا فأورنوفسكي وقع في هذا الخطأ في أكثر من عمل كبير رشح بعضها إلى الأوسكار ولكنه فشل في نيلها حتى الآن.

ابن مكة: لفتت انتباهي بقوة كنية "ابن مكة" التي كان يطلقها بعض الشخصيات وخاصة توبال قايين على نوح وقد شككت في العبارة أولا، واعتقدت أنني أسأت سماعها، لولا أنها تكررت عدة مرات. ونبهتني جليستي في مشاهدة الفيلم إليها، ولا أدري حتى الآن ما المقصود بها. فعلى افتراض أن كاتب القصة يقصد بها مكة الحقيقية في الحجاز فلا علاقة لنوح بها، بل أن قصة إبراهيم القرآنية في السورة التي تحمل اسمه، تذكر أن إبراهيم هاجر إلى مكة يوم كانت خالية من الناس والماء والزرع "واد غير ذي زرع" وكانت معه زوجته سارة، التي ولدت له هناك إسماعيل. والقصة مشروحة بالتفصيل في صحيح البخاري وغيره من أمهات الكتب في التراث الإسلامي. فما علاقة نوح بمكة وبهذا اللقب الذي يمكن أن يطلق على إسماعيل وبنيه، أم أن الكاتب يعتبر نوحا من أحفاد إبراهيم وبالتالي أجاز لنفسه إطلاق كنية أحد أجداده عليه؟ هذه مجرد تساؤلات قد يكون في طرحها فائدة ما لإضاءة هذا الموضوع فنيا وتاريخيا وتأريخيا.

فائدة لغوية: كلمة "التاريخي" هي نسبة "نعتية" إلى التاريخ وحوادثه بمعانيها عامة. أما "التأريخي" فهي نسبة إلى ما تم تسجيله بأرقام السنوات في الماضي. للتوضيح: حين نقول بأن الحلاج شخصية تاريخية فنحن نعني أنها شخصية ذات قيمة كبيرة معنويا وأخلاقيا وفلسفيا في التاريخ العربي الإسلامي والإنساني وحين نقول "الحلاج شخصية تأريخية" فنعني أنه شخصية حقيقية في التاريخ وليست شخصية وهمية أو أسطورية.

 

* علاء اللامي: كاتب عراقي

 

الخلاف بين (فرانكشتاين) ماري شيلي وفرانكشتاين في بغداد

goma abdulahاحتفاء بفوز رواية (فرانكشتاين في بغداد) للكاتب (احمد سعداوي) التي حازت على الجائزة الاولى، في مسابقة الرواية العربية (بالبوكر)، احاول في هذه المقالة الاستعراضية، ان اسلط الضوء، لتبيان اوجه الخلاف الواسع في شخصية (فرانكشتاين) بين الروايتين، وليس استعراض جوانب اخرى من كلا الروايتين، ويتضمن متعلقات الخلاف في النواحي التالية: مثل. النشأة. الخالق والمخلوق، او الصانع والمصنوع، والعلاقة بين الطرفين. الهدف والغرض، الجوانب الابتزازية الموجودة. الغاية من المخلوق، التهديد والانتقام. المشاعر بين الخالق والمخلوق وبالعكس. موقف الناس من المخلوقين. الخاتمة او النهاية لكلا الطرفين. ومن اجل ايجاز هذه الجوانب بوضوح مختصر، لابد من من فحص الروايتين ووضعهما تحت المجهر، من خلال الاستعراض الموجز، يشمل على جوانب الخلاف من خلال هذا السرد.

1 - رواية (فرنكشتاين) للكاتبة البريطانية (ماري شيلي). وهي رواية غرائبية من الخيال العلمي ودهاليزه العجيبة. بان طالب يدرس العلم (فيكتور فرانكشتاين) مولع بنهم وبهمة عجيبة وغريبة، في الابحاث المختبرية التي لها علاقة في كشف سر الحياة، وعودة الروح الى الجسد الميت، وكان يجلب جثث الموتى من المقابر، ويجري عليها ابحاث مختبرية، ويحاول تجميع الاشلاء السالمة من الموتى، وتخيطها مع بعضها، لتكون جثة كامة منقوصة الروح، وحينما اكتملت الجثة الكاملة، حتى فزع برعب وخوف، باستيقاظ الجثة من مكانها التشريحي، وهي عبارة عن جثة ضخمة،بشعة، كالحيوان الوحش، يقفز من النافذه، وسط ذهول واستغراب شديد، هكذا نجح (فرانكشتاين) في صنع مخلوق بشع، ليدفعه ان يخوض غمار الحياة وليجرب حظه فيها، لكن اكتشف هذا المخلوق المسخ،   بان حياته تسير في طريق مسدود، دون غاية وهدف، واحس بانه منبوذ ومكروه من الناس، وان خلقته البشعة تثير الرعب والفزع عند الناس، وبذلك خلقت في دواخله روح الانتقام وغزيرة حب ارتكاب الجرائم، بالحقد والكراهية، وبذلك صار عدو للبشرية، ويحمل الحقد وروح الانتقام من خالقه او صانعه، لانه وجد ابواب الحياة مقفلة بوجهه، لذلك صار اشد الاعداء لخالقه (لقد اقسمت الايمان المغلظة على ان انتقم منه، ليكن اول ضحاياي) فيرد عليه خالقه (لقد كفرت بنعمتي، وجحدت صنعي. انا الذي وهبتك الحياة،، لقد كفرت بنعمتي) فيرد عليه المسخ (رغم كوني لا اشعر لك باية عاطفة، سوى الحقد والمقت. ايها الخالق الذي لايرحم. لقد بثثرت في العواطف والاهواء، وانشأتني من العدم، لتلقي بي، في وهاد البؤس والشقاء) ويرد عليه الخالق (ألم يكفيك ما أقترفت عليه من جرائم تقشعر لهولها الابدان)

- لقد توقعت منك ان تلقاني بهذا الشكل. الناس جميعاً يكرهوني ويحقدون عليَ، حتى انت يا خالقي

- خسئت ايها اللعين تكفر بالذي خلقك، في استطاعتي ان أذيقك العذاب الاليم

- آوه يا فرنكشتاين.. كن رؤوفاً بي، لا تكن قلباً متحجر. لقد خلقتني وحيداً لا رفيق لي، ولا انيس اسكن اليه، واطمئن على احضانه

وبذلك انقطع اخر وتر من قيثارة الامل هكذا شعر المسخ، ولم بيق له، سوى درب الانتقام ليفج قلب خالقه في العذاب والحزن الاليم، وليجعل ايامه عبارة عن فواجع محزنة تضرب بسهامها النارية القلب، حتى يترنح في العذاب الجارح، وهكذا ارتكب جريمة قتل فاجعة ل (ويليام) الطفل الصغير المدلل، أخوة (فرانكشتاين) وسبب في اعدام الفتاة البرئية (جوستين) المحبوبة لعائلة (فرانكشتاين)، وبذلك خيمت المأساة الاليمة والمعذبة، لقد صدقت مقولة المسخ لخالقه بانه (سيكفر في اليوم الذي ولد فيه) وخاصة ان مخطط الاجرام البشع يختص بعائلة (فرانكشتاين) واحد تلو الاخر يسقط، وهو مغلول ومقيد اليدين سوى تجرع كأس الشقاء المرير والمهلك، وتسير الفواجع من سيئ الى الاسوأ، حين يرسل له المسخ التهديد المبطن بشر الانتقام، اذا لم يوفي بمطلبه (ينبغي ان تخلق لي أنثى أنيها العواطف التي تجيش في جوانحي. وتعلمني الحياة التي احياها. لن يستطيع احد ان يفعل ذلك سواك. فكل ما أرجو ان لا تضرب عرض الحائط. انك اذا حققت امنيتي لن تقع عيناك عليَ مرة اخرى) وافق (فرانكشتاين) على طلب المسخ بذل وتخاذل وقهر معذب، وشرع بالعمل لخلق انثى تسامره الحياة سوية، ولكن بعد شهور من العمل، روادته المخاوف المرعبة، والتساؤلات الخطيرة، التي تفجرت في عقله وذهنه، ماذا لو انجز الطلب، ماهي عواقبه وشروره ؟ !، فانبثقت حقيقة مروعة في ذهنه، فعرف الخطر المقبل عليه في خلق انثى (بانها ستكون اعظم كارثة التي سيلحقها بالاجيال المقبلة، سوف تنصب اللعنات عليه بعد موته) وعدل عن الفكرة المخيفة، وفي سورة غضب وثورة هيجان حطم ومزق جسد الانثى، الموضوع على طاولة مختبره وفجأة دخل عليه المسخ (لقد حطمت العمل الذي بدأت، فعلام عولت، أعزمت على ان تنكث بوعك) ثم لوح المسخ بالتهديد المخيف (حسناً، ساذهب الآن ولكن تذكر جيداً. انني سأكون معك في ليلة زفافك) وكان الضحية الاخرى صديقه الوفي (هنري كاليرفال) ثم جاء دور خطيبته (الزابيث) وسيكون موتها في ليلة زفافها، وهذا ماحدث فعلاً (اجل ماتت الزابيث، واحسست برأسي يغلي وساقي يتخاذلان فسقطت على الارض مغمي عليَ) وبعد ايام فجع بموت والده. وهنا تبدأ المطاردة الرهيبة والغرابية، بين الخالق والمخلوق، حتى يداهمه الانهاك والتعب والمرض حتى يستسلم الى الموت، هكذا قضى نحب (فرانكشتاين) وحين عرف المسخ بموت خالقه، شعر بان لافائدة من وجوده بين البشر، سوى طريق طريق الفناء الابدي، ولذلك اختار طريق الموت.

2 - رواية فرانكشتاين في بغداد.

هادي العتاكَ (بائع العاديات) او ما يسمى ب (هادي الكذاب) رجل خمسيني، قذر الهيئة وتفوح منه رائحة الخمر، يعيش في فقر مقدع في احد خرائب المهدمة في منطقة (البتاويين)، من هول حادثة صديقه الانيس (ناهي) في حادثة انفجار سيارة مفخفخة، حتى اشلاءه تلاشت وتحطمت واحترقت ودفن باشلاء محترقة قد تعود له او لغيره، وبدأ يجمع الاشلاء السليمة من الضحايا السيارات المفخفخة، ويقوم بلصقها وتخيطها على شكل جثة كاملة. وكان اخر عضو ليكمل الجثة الهامدة في الخرابة التي يعيش فيها، ينقصها الانف، وفي انفجار في ساحة الطيران في بغداد ضد المواطنين الابرياء، فحين تناثرت اشلاءهم المحروقة والمقطعة، لاح له من بعيد قطعة انف كبير، فاسرع اليه ووضعه في كيس الجنفاص، ليضعها على الجثة، حتى تكون كاملة الاعضاء من الضحايا الابرياء من الارهاب الوحشي، فتنبعث في الجثة الروح. ويقوم من موته، ولكن لا يحمل اسم (الشسمه) ليقوم بدور المنتقم لضحايا الابرياء، ويأخذ بثارهم وينتقم لهم بما يعرف (بعدالة الشارع) بعدما غابت وضاعت عدالة السماء، وعدالة القانون، ليكون شفيع الضحايا الابرياء وليس فقط من التفجيرات الدموية في العهد الحالي، وانما تشمل روح الانتقام من اعوان النظام السابق، الذين ارتكبوا جرائم قتل وتعذيب ضد الابرياء، والذين افلتوا من عقاب قانون الدولة، واستمروا في نعيمهم في النفوذ والجاه والمال، والتحكم في مصير المواطنين، وكذلك القصاص من فلول القاعدة، التي تزج الانتحارين لقتل الناس، في السياراتهم المفخفخة، ان (الشسمه) الذي لااسم له، يحاول تطبيق عدالة الشارع بكل المجرمين بشتى اصنافهم ومسمياتهم. وحين يسأل الصحفي (محمود السوادي) موجه سؤاله الى (هادي العتاكَ)، الى متى يستمر مسلسل القصاص ؟

- سيقتلهم جميعاً، جميع المجرمين الذين اجرموا بحقه

- وبعدها ماذا يكون ؟!

- يتساقط ويعود الى حتفه السابق، يتحلل ويموت

اي انه الوسيلة الوحيدة لقصاص والثأر، حتى تهنئ الاموات في موتها، بعدما ضاع الحق والعدل والقانون (الطايح رايح)، انه ينجز عدالة الابرياء في الانتقام من مسببي الموت وعذاب الانسان، ولم يطبق هذه العدالة المتساوية، سوى (الشسمه) او الذي لااسم له. وحين يدخل (الشسمه) بيت العجوز (ايليشوا) المفجوعة بفقدان ابنها في الحرب، وتعيش وحدها في خرابة مهدمة في منطقة (البتاويين)، والتي رفضت الهجرة خارج العراق، لان الامل يراودها برجوع ابنها المفقود (دنيال)، وحين تتطلع الى (الشسمه) في عتبة بابها العتيق وبملابسها السوداء، حزناً على فاجعة ابنها، تقول له بحنان الام العاطف بالالم المعذب والحزين

- تعال يا ولدي

ويتقدم اليها طائعاً ومستسلماً بتيار الحنان، وهو يخطو اليها كالطفل ويرتمي في احضانها باكياً للوعتها المعذبة والحزينة، التي تنشطر لها القلوب بالوعة التي كان مسببها (ابو زيدون) الرجل البعثي النشط والمجرم، فقد كان يلاحق ويطارد بدم بارد وحقد اعمى، المتخلفين والفارين من جبهات الحرب ومن الخدمة العسكرية، وكان من ضحاياه، ابن العجوز المكلومة (دانيال) الشاب الذي كان يحاول ان يتعلم الموسيقى، وافضل هدية يقدمها (الشسمه) الى العجوز الحزينة، لتنزع ثوب الحزن، بالقصاص من المجرم (ابو زيدون) وبالفعل نزعت الثوب الاسود، واوفت بنذور للجوامع والكنائس، هكذا انعش القلب المفطور والملثوم، بهذا القصاص العادل، وبعدها اخذ (الشسمه) يفتش عن الانتحاري، الذي داهم بسيارة الازبال الملغومة، حارس الفندق البريء الذي تطايرت اشلاءه المحروقة في السماء

- نعم، ربما يجب ان اعثر عن القاتل الحقيقي لحارس الفندق، حتى تهدأ روحه وينتهي من النواح

وتتكاثر عمليات الانتقام والقصاص هنا وهناك لكل المجرمين من كل الانصاف، ثم يتذكر (الشسمه) بان (هناك رجل في تنظيم القاعدة، يقيم في احد البيوت، وكذلك ضابط فنزويلي من المرتزقة، يعمل في شركة امنية تعمل في بغداد) وهي الشركة المسؤولة، عن جلب الانتحارين ودفعهم لقتل الناس الابرياء، يشعر (الشسمة) اتساع مسلسل قتل الابرياء، دون ان يجد نهاية، بفعل غياب عدالة السماء وعدالة القانون، الذي في قبضة ايادي غير نزيهة وغير مسؤولة، كأنها لا تشعر بذرة من حجم العذاب المدمر للعوائل المفجوعة بأبناءها الابرياء، كأن هؤلاء المسؤلون عن حماية الناس، قلوب من حجر لاتعرف معنى الشفقة والشفاعة والاحزان، لهذا يكون (الشسمه) نصير للذين لا ناصر ولاشفيع لهم، انه الامل الوحيد لعدالة الشارع، ولهذا يتسور بعطف وحنان ومحبة الناس له، حتى ان بعضهم يتوسل اليه بشغف واجلال، ويعطيه السكين ليقطع اعضاء من اجسادهم ويقولون له (خذ من اجزاء جسمي، ما تحتاج من قطع الغيار) ليواصل مسيرته في مناصرة الضعفاء والابرياء، ولانه يحتاج بين فترة واخرى الى تبديل القطع التالفة من اعضاء جسمه، بفعل الرصاص الكثيف الذي يواجهه في كل عملية انتقام وقصاص، وان جسمه كله ينتمي الى اشلاء الضحايا الابرياء. ان العلاقة المحبوبة وصلة الوصل والتفاهم والتناغم بين الخالق او الصانع (هادي العتاكَ) وبين المخلوق (الشسمه) الذي لااسم له، بالمحبة الابوية ونظرات التعاطف والود والقهر والحزن، التي تلف بحياة شاقة ومزرية، التي يرنخ تحتها (هادي العتاكَ) وهو يصارع ضنك الحياة المضنية، لاشئ يملك من هذه الدنيا الظالمة، حتى الخرابة المهدمة،التي يأوي اليها ليست له، وحالفه الحظ باعجوبة نادرة من الموت المحقق، من سيارتين مفخفختين، وكان الانفجار الثاني اشبه بالموت، فقد تشوهت اجزاء جسمه واحترق وجهه، حتى اصبح وجه مرعب بالحروق المشوهة، حتى هو حين نظر الى المرآة فزع من منظره المخيف والمرعب، حتى يأس من كابوس الحياة الجاثم عليه، وزاد الطين بلة وفداحة بالظلم، بان السلطات الامنية القيت القبض عليه، بتهمة بانه المسؤول الاول، عن عمليات القتل والارهاب المروعة داخل بغداد، التي ادخلت الرعب والهلع في نفوس الناس، وعرضوا على الناس في الشاشات، بانه صيد ثمين لعيون السلطات الامنية الساهرة على امن المواطنين، واعتباره نصراً عظيماً كاسحاً، ليسجل لمآثر السلطات الامنية، في انقاذ الناس من مجرم شرير وخطير، هكذا وصل مصير الاسود ل (هادي العتاكَ) المسكين المسالم، يدلل على خواء والنفاق من قبل الجهات المسؤولة، التي دفعت الناس الى الرقص في الشوارع، بالاحتفالات في الشوارع، ابتهاجاً بالنصر العظيم الذي تحقق، و(الشسمه) يظل حياً، يواصل عمليات الثأر والانتقام لاعداء الحياة من المجرمين، وطالما غابت عدالة السماء وعدالة القانون، يظل نصير الضعفاء والمظلومين والابرياء، عدالة الشارع

 

جمعة عبدالله


 

عائلة الحرب "أقاصيص" خرجت علينا كخبز طازج لنشرة أخبار ساخنة سخونة الحرب لـ "صلاح زنكنة"

qasim madiأجل إنها أثقل من كابوس الموت وأسرع من عزرائيل في حصد الضحايا ص18

في زيارة إلى وطني الأم الذي غادرنا ولم نغادره مهما أبتعدنا عنه، ومهما جافانا ببعض تصرفات من أهله الطيبين، الذي أنهشته ُ الغربان والجرابيع، والتي لا تكل ولاتمل، وهي كالطيور الجارحة المعبأة بالدم، والقتل، والفقر، وكواتم الصوت التي لا تنتهي، دفنت الحياة هناك وغادرتها بعد أن دفنت جثتين طاهرتين كانتا تصرخان بحبهما للوطن رغم عذاباته، و هما يشكلان محور حياتي القاسية التي مررت بها من أنظمة قاسية محبة للمال والسلطة، وهما أمي وأبي، هذان اللذان لم يستنشقان من هواء العراق سوى رماد الفقر والأمية على مدى سنوات حياتهما المعذبة والمجحفة، المهم أجد ذاتي المعذبة في كلمات سطرها المبدع القاص "صلاح زنكنة" محبكة بطريقة غريبة وكأنها سوالف جداتنا العريقات حينما يروين لنا بعض "سوالف الماضي والحاضر بطريقة غريبة، حتى أننا ننام بين أحضانهن التي تربينا عليها، وبالتالي يعتقد القاص "زنكنة" وهو في طبخته الإبداعية ومن خلال مجموعته " عائلة الحرب " الصادرة من دار " ميزوبوتاميا " والتي تقع في 72 صفحة من القطع المتوسط، يدخلنا بصور وكأنها " صور من المعركة " وأنه يمنتجها مونتاجاً فيزيائياً، ويدخلنا بتلك الآهات التي أوجعتنا ودمرت حياتنا التي مررنا بها، الة الحرب التي أحرقت ودمرت كل شيء جميل، هذا النقاس المحتدم بين ذاته والآخر المعذب من هذه الحروب، ونصوصهُ ناطقة وفيها من الدلالات والإيحاءات، وكما يقال " النص ينطق أحياناً فيسكتنا " وهو في هذه المجموعة يلفنا بدوامة سحر آسر " وهو المعروف عنه له إسهام في إثراء القصة، وفي أقاصيصه يكشف عن مأساة شعب، وهنا رسائله أدانة إلى الموت، الحروب، الفواجع، التي ألمت بنا وبمجتمعنا، نسج عبر ألية العزف على وحدة الموضوع ومفردات ذات موسيقى خاصة، حزناً على ماشاهده، والقصص تفصح عن أسى وتمزق وانتحار فردي وجمعي، والدليل الإهداء الذي يقول فيه إلى الشهيد صلاح زنكنة، أنا الذي فر من الموت والتحق بالحياة، إثارة لقضايا معينة أو لنقل موضوعات عديدة يناقشها وهو يحمل " سكينته " في يده لكي يشرح أفكاره على طاولته الخاصة التي وضعها على صفحاته المضرجة بحروب دامية .

الحرب سرقتنا من الأزقة، والشوارع، والبيوت، والحدائق، والمسارح، والمقاهي، والمدارس، والكليات، وحشرتنا في ساحات التدريب وأسمتنا جنوداً ص 10

يقول عنه الكاتب والناقد " صباح الانباري "الصورة عند " زنكنة" أذن مركبة من معان تعاكس الواقع وتتناقض مع الحياة، لتصب فيها وتتنافر مع المألوف لتتوحد فيه، أنها محاولة مستمرة، ودائبة للاقتراب من الأشياء والمواقف والظواهر التي يرفضها القاص جملة وتفصيلا، وهنا تدور في مخيلتنا عدة أسئلة في مجموعة " أقاصيص " ومنها هل هو في مجموعته إعلاناً عن يأس ! ومرور محروق بحرقة دائمية لزمنه الذي تشظى بفعل الموت، والقنابل ! وهنا تعج مأساته الكبيرة بألمه الذي لا يطاق ! هذه الرسائل التي قصها علينا وأدخلنا ثانية في أتون الحروب التي نغصت علينا كل شيء، ونحن في عز شبابنا الذي دفنته الحروب !وهنا أستعير هذه المقولة الرائعة التي تقول " ومقضي عليً بأن يكون الحزن لوناً في مواويلي " هذا النشيج الذي يسري في حروفه الجميلة، لهو ضرب من ضروب المآسي العامة، يصاحبه نزف داخلي ملتهب في روحه التي لا تموت، فجاءت عناوين القصص التي وضعها في هذه المجموعة هي بمثابة أشعار للماضي وكذلك للحاضر، منها " شهداء، قتلى منسيون، القنابل، المدفعية الثقيلة وغيرها، هذا البناء المتماسك للمضمون، والإشتغال على الأحساس العالي الذي تربى عليه منذ صباه أو بالاحرى منذ دخوله عالم المسرح الجميل، يقول الذين سبقونا في كتابة القصة القصيرة بإنها " لا تتعامل مع الانتصار" وهنا نؤكد ومن خلال أهم أساطين القصة القصيرة وأبرزهم مثل الشهير "جي دي موباسان" بإعتبارها هي فن الوحدة، والعزلة، لأنها صوت الفن المتمرد، وهي عادة لا تستوجب تعدد الشخصيات أو الازمنة أو الاماكن، كل هذا وجدناه في هذه المجموعة عبر ابتكار " حسُه الشعري، وحسُه الدرامي " نجد تجربة جديدة في الفكر والتكنيك، بقي أن نذكر أن الاديب زنكنه أصدر المجاميع القصصية التالية ومنها " كائنات صغيرة " 1996 صوب سماء الأحلام 2002، هذا الجندي هو أنا، 2001، ثمة حلم ثمة حمى 2002، الصمت والصدى " مختارات " 2002، كائنات الأحلام " مختارات " 2002

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

قراءة في رواية: الغضب والنضوج في حفل تأبين ثقافي

amir alfarhanصدر عن دار البراق للطباعة والنشر والتوزيع /المنستير/ تونس 2012 رواية حفل تأبين ثقافي للكاتب التونسي المرحوم بوراوي سعيدانه وقد تزلج على نتوء الجليد الحاد وسط منعطفات مرتفعة تارة ومنخفضة قي اخرى محافظا على وتيرة التوجه الادبي الذي تفرد به عن غيره في النقد والتحليل متمردا على قواعد كتابة النصوص التي نسلكها، ربما أراد خلق تجديد آخر بحثاً عن عالمه المفقود وسط تداعيات سياسية وادبية مرتبكة...

وانت تقرأ اولى سطوره تشعر بحاجة الى التكرار بسبب توظيف الخيال والاستعارة والوصف في تناول المشكلة بشكل عام ومشكلته التي يشعرها بشكل خاص فربما تحسسها أكثر من أي شخص آخر، كاتب أو سياسي وان كان شريفاً يشعر بالمواطنة الحقيقية لذا تجده يشك او يجزم انه يعرف كل من حوله جيدا اذ لم يترك أحدا دون الإشارة إليه بأصابع الاتهام والانحراف عن واجبه الحقيقي وقد يكون الشيء الوحيد الذي يعاب عليه كنا نطمح ان نرى شخص في حفل التابين من هو يحمل وجه الحقيقي التي يبحث عنه بوراوي ....

روايته كانت عبارة عن شباك صيد صغيرة المربعات اذ لم تترك الجزئيات البسيطة ، المواطن الفقير، المحامي، الاعلامي، الموظف، الطالب، المدرس، المرأة ثم السلطة السياسية العليا في ادارة البلاد وهي معضلته الرئيسة اذ وظف كل امكانياته الادبية في التقريع المفرط الساخر المبكي بالوقت ذاته...

كتابته كان تثويراً وتنويراً وتحريضاً لافتا الانتباه الى التصحيح ورفض الذل والهوان والمسكنة ولو وقفنا عند العتبة الاولى من روايته(هذا نص لايقرأ الا بليل لاتضاء فيه شمعة وكل مايرد في هذا النص معوج والمستقيم فيه استثناء) هنا يتضح حجم الحذر، الترقب، الشؤم، التنكر، التخفي والهزيمة بالوقت ذاته متوافقاً مع المثل الصيني القائل (العدل في المجتمع الاعوج اعوجاج) ويعطيك حجم الوجع والاسى الذي يدور في خلده وانت تغور في نفق ماتناوله سيتضح ذلك بشكل جلي دون غبار...

كان الكاتب عاطفيا متمرساً في صنعة الاحداث دخولا في العنوان وانتهاءاً في نصه الذي يبدو غريبا لاول وهلة فمرة هو كاتب، واخرى سياسي- مثقف- مواطن عادي وينتهي زاهد مثالي بل يبحث عنها في طوفان الارض لكنه يعود منكسرا..

النظرة الساخطة المؤيدة بتقييمه وادراكه الغاضب من اعلى سلطة الى اقل فرد فقد انتقد كل طبقات المجتمع بقوله – الكثير من الاصحاب والرفقاء والندماء بالنقود والسلطة فيصبح هدفاً ومرمى وغاية وكلامه عسلا مصفى وشعرا مقفى وموبقاته محاسن ومحارمه حلالا واستبداده عدلا ودكتاتوريته ديمقراطية – اعلام العرافين المتهمين بالميسر والقمار قد تحول الى حلال بعد ان كان في عهد السلف من المحرمات بفضل (؟) العرافين كل شيء يعرفونه بمستقبل غيرهم ولكنهم يجهلون مستقبلهم فالوزراء هم ايضا من العرافين .

ينحدر بوراوي واصفاً نفسه انا لست الا ذبابة في زجاجة قهوة تنغص راحة بعض المستكرشين الذين لايقرأون الكتب كما يقول شيوخ هذا البلد (الذباب لا تقتل ولكنها تعكر الصفو وتقلق الراحة) هكذا يرى نفسه في خضم معالجته اليائسة في مجتمع تحكمه قراصنة السياسة .

لم يتوقف عند هذا بل وقف عند نتنياهو , باراك اوباما, شارون على موقفهم المعادي للسلام مقرّعاً بشكل ساخر (فأننا سنتخذ موقفاً حازماً الا هو الصبر والانتظار) كان يريد ان يقول ان الظلم الصادر عن هؤلاء هو الموقف الحازم الذي يتخذه العرب جراء ذلك متوجهاً الى العرب(ما فتأ العرب يدعمون اخوانهم الامريكان الذين ما فتأوا يدعمون اصدقائهم الاسرائيليين) مشيراً الى انها المؤامرة الكبرى التي هي ادهى من موضوعة الصبر الذي ما عاد لينفذ وكأن لسان حاله يقول:

تنبهوا واستفيقـــوا ايهــا العرب

          فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب

انتقد شريحة الكتاب المدعوين الى حفل التأبين قائلاً انهم مع الدف اذا دف ومع المزمار اذا نفخ ووصفهم بعباد الاوثان المعاصرة من اصحاب الجلالة والفخامة والعظمة والشاطر من عرف من اين تؤكل الفخذ ولم يترك لغيره لا عظام ولا فتات مؤكدا ان الكاتب رسالة كبرى توكل اليه مهمة قيادة المجتمع والوقوف مع الحق ضد الباطل لا ان يكون امعات سياسية لبناء نفسه ورفع شأن الاخر بما لا يستحق ولكن بوراوي التزم ان لا يعطي اداة استثناء لاحد.

وحين مر على المواطن البسيط واقفاً بجانبه فقال (البلاد من الشمال الى الجنوب تحب الرقص واللهو والغناء ومن يعترض يرفضه صاحب النص وعليه دفن نفسه واقسم ان البلاد لا تحزن عليه ولا تنعيه اي صحيفة او اذاعة او قناة تلفزية وما يريده هو بيان ابشع صور الانتهاك لحقوق الانسان البسيط).

المحاماة جاء بهم واقفا بجانب المواطن بالقول (يدفعون ثمن جهلهم مبالغ طائلة )

القناة التلفزية :غنية عن الافتتاح بالقران الكريم والتذكير بالصلوات الخمس ومافائدة ذلك اذا كانت تتخللها برامج منافية للحياء..وغيرهم فساق القوم الذين تركوا كتاب الله وراء ظهورهم وعبدوا الاوثان من رموز الثقافة تجده هنا في موقف يدافع به عن سلطة الله وكتابه عز وجل .

كما وضع وصية مفادها من يحسن الظن بهذا النص مثل الذي يحسن الظن بالشيطان أو بأمريكا ومصيره معروف ولا فائدة من التكرار والتكرير وما أراد بذلك إلا مفسدة السلطة وإفسادها

كما ركز على المدرسين منتقدا طبيعة العلاقة بينهم والطالبات فلا باس أن تكون له صديقة تقدم له بعض الهدايا وأحيانا تكون هدية النجاح (؟) مما يضيق اللسان قوله

وان الوطن مجرد مكان للإقامة والشعارات وإذ تعرضت لغزو معين فان هؤلاء المدعين الوطنية تجدهم على أتم الاستعداد للمغادرة مع سواح أوربا مشيرا إن تلك البلوى ستكون على الفقراء...

وبرغم كل المنغصات التي تحف البلاد فهو مستمر في تثوير المجتمع على الواقع لخلق الإنسان الجديد...

 ويبقى الاديب بوراوي سعيدانه مسلة يشار لها بغضبة الانسان الحقيقي والنضوج الفكري الذي لايحابي مطلقا بمفردات بلغة بليغة ساخرة ولكنها نظرة شمولية ومتشائمة بالوقت ذاته...

 

عامرالفرحان/العراق

 

المحامي سعيد نفاع يترافع عن البوعزيزي

nabe  odaكتب سعيد نفاع في مقدمة المجموعة القصصية الجديدة اعترافه الذاتي بأن "حب قليل يضاهي حبي للأدب" وهو محام وسياسي، أشغلته السياسة عن المحاماة ولكنها لم تشغله عن الأدب، ذلك تأكيدا لقاعدة ثبتت صحتها، الى ان السياسة والأدب هما توأمان سياميان لا يمكن فصلهما. السياسي بلا عالم الأدب هو فاكهة قطفت قبل أوانها والأديب بلا سياسة هو شتلة في ارض صحراوية. لذا ليس بالصدفة ان السياسي سعيد نفاع اختار موضوعا يتعلق بمفجر الربيع التونسي وصاحب الفضل الأعظم في تفجير الربيع ألعربي (أي سياسة وادب بنفس الوقت) فحملت المجموعة اسم سمائية البوعزيزي ..وهل هناك من احق منه بالسماء؟

هذه القصة المحورية في المجموعة الجديدة تسير على ثلاث ركائز ..سياسي، قضائي وأدبي تعبيرا عن ذات سعيد نفسه.السياسي سعيد نفاع يطرح حادث الانتحار لبوعزيزي الذي فجر الغضب الشعبي ضد ألطغيان القضائي يطرحه المحامي سعيد نفاع المدافع عن البوعزيزي امام محكمة التاريخ، او محكمة السماء اذا شئتم والمحور الثالث يطرحه الأديب سعيد نفاع بتحويل النص الى قصة تعبر بأرقى فن إنساني السرد القصصي،عن حادث من اهم حوادث العصر في العالم ألعربي ليثير دهشة القارئ وانفعاله، ويكسبه كجزء من المحلفين اما محكمة التاريخ، الى جانب البوعزيزي، الرجل الذي فارق روحه قهرا، من أجل رفع الظلم الوضعي الذي لا يطاق، لذلك القضية المطروحة هل تقبل السماء جسد المنتحر وروحه، ويكسب سعيد المرافعة لتدخل روح البوعزيزي الجنة من أوسع ابوابها.

القصة الثانية التي سأتناولها في هذه العجالة الثقافية (النقدية اذا شئتم) قصة "التشذوب" حيرني الاصطلاح ودفعني سريعا لأقرأ قصة وحكاية مليئة بنكهة السخرية (هومور)، حكاية لم تفارق المحامي سعيد في حياته ألقانونية وجاء الوقت لتأخد حقها بالنشر.

نص "التشذوب" يصلح ان يكون نصا تسجيليا، او صيغة لمذكرات شخصية، وفي نصوص سعيد في هذه المجموعة وفي السابق نلمس دائما روايته لحكايات عايشها او سمعها، مقدما التمهيد المناسب للحكاية، حيث نجد سعيد جزءا من الحدث الحكائي.

النص عبارة أيضا يوميات من مرحلة فاصلة من حياة طالب انهي الثانوية ووالده يسأله عن الموضوع الذي سيتعلمه في الجامعة.. فيقول له " المحاماة"

طبعا لن اروي الحكاية حتى لا افقد النص عنصر المفاجأة القصصية، وان ابقي للقارئ المتعة من الحكاية التي رواها الوالد عن "التشذوب"

المهم يتبين ان "التشذوب" هو "الكذوب" بلهجة البدو... وهو نعت للمحامين، لكن الحكاية ابقيها للقارئ حتى لا اتهم من "تشذوب" بتجاوز حقوق النشر!!

قصص المجموعة تشير الى قدرات سردية مشوقة، حتى في النص الذي يفتقد الى بعض عناصر ألقصة نجد ان السرد يسد فراغا كبير قي السرد القصصي لسعيد نفاع.

الملاحظ ان سعيد انتبه الى انه لا يقدم مجرد قصص فنية، بل حكايا شعبية فولوكلورية، دمجت بإطار قصصي تمهيدي، يتميز بحس كتابي وفني سردي راق... لغة قريبة للمناخ الثقافي ألسائد بدون ديباجة لغوية، بدون فذلكة.. لغة نعيشها كل يوم في كل مكان تجعل النصوص اشبه بالخبز الخارج لتوه من الفران، له رائحته الذكية وطعمه ألرائع بما يغري بالمزيد..

ملاحظة اخرى لا بد ان أضيفها ان سعيد نفاع يقوم هنا بحفظ الذاكرة ألشعبية وهو يذكرني مع اختلاف كبير طبعا، بكتابات اللبناني سلامة الراسي.

بعض القصص هي لوحات كاريكاتيرية، مثلا قصة ألخطيب زعماء ليسوا أكثر من ظاهرة صوتية.

اترك القسم الثاني من المجموعة "رباعية من الدفاتر ألقديمه لجولة أخرى...

 

ألكتاب: سمائية البوعزيزي – قصص قصيرة وحكايات

للكاتب: المحامي سعيد نفاع (بيت جن/ اعالي الجليل)

اصدار خاص- 112 صفحة من الحجم الوسط

 

فيلم نوح .. من أوتونبشتم السومري إلى نوح التوراتي (1-2)

alaa allamiقبل أن يبدأ الفيلم: تطرح إشكاليةُ ورود العديد من الأساطير والمرويات السومرية القديمة في الكتب الدينية الثلاثة "التوراة والإنجيل والقرآن" وخصوصا في أولها، أي التوراة اليهودية، المعاد كتابتها في بابل الأكدية من قبل النبي التوراتي دانيال وزملائه الثلاثة حننيا و ميكائيل وعزرايا خلال السبي البابلي. وقد أصبح النبي دانيال لاحقا، نديما ومفسر أحلام للملك الكلداني نبوخذ نصر، تطرح هذه الإشكالية التأريخية والتاريخية تحديا خطيرا على الخطاب الديني اليهودي والمسيحي والإسلامي إذ لم يستطع أحد أن يبرر أو يفسر كيف وردت تلك الأساطير في التوراة معادة التأليف، بعد أن وردت قبل ذلك بعدة قرون في الألواح المسمارية العراقية القديمة ومن تلك الأساطير والمرويات: قصة الطوفان وبطلها أوتونبشتم الذي ورد ذكره في ملحمة جلكامش، وسيرة حياة الملك سرجون مؤسس المملكة الأكدية التي انتحلت لتكون قصة وسيرة النبي موسى ونقلت جغرافيا من جنوب العراق الى مصر الفرعونية وقصة الخلق وآدم وحواء وغيرها. وهذا التحدي يعبر عن نفسه بطرح أسئلة محرجة للخطاب الديني الإبراهيمي التقليدي سواء كان يهوديا أو مسيحيا أو مسلما، فهو يتساءل عن الأصل التاريخي الحقيقي لما ورد في الأساطير العراقية القديمة وتكرر ورودها في التوراة والتي ذكرنا بعضها:

- فهل الأصل هو التوراة أم التراث العراقي القديم وأخذها عنه من أعادوا كتابة التوراة ثم تكررت في الإنجيل وفي القرآن وبشكل شبه حرفي؟

إن الثابت تاريخيا هو أن هناك أكثر من ستة عشر قرنا بين الحدثين فقد حكم سرجون الأول الأكدي (تمييزا له عن سرجون الثاني الآشوري) من سنة 2334 ق م إلى 2279 ق م . أما حدث إعادة كتابة التوراة في بابل من قبل النبي دانيال وزملائه فقد حدثت بعد سنة الأسر البابلي 605 ق م .وهكذا فالأقدم هو سرجون الأكدي وسيرته التي انتحلت للنبي موسى ويصل الفرق الزمني الى ستة عشر قرنا تقريبا. وهذا بصدد مثال واحد هو سيرة سرجون فماذا بخصوص القضايا الأخرى المشتركة بين النصين العراقي القديم والتوراتي؟

و إذا كان الجواب بـ : نعم، الأصل هو التراث الوثني العراقي القديم، فكيف يفسر الخطاب الديني الإبراهيمي ذلك؟ لعل أفضل تفسير اطلعت عليه هو ذلك التفسير الغامض والذي يجعله غموضه أقرب الى اللاجواب، وهو القائل إن الإبراهيمة أقدم من التوراة وربما سبقت هذه الأخيرة كتابات إبراهيمية لم نصل إليها بعد، وقد – يضيف صاحب هذا الرأي- أخذ منها الوثنيون هذه القصص. وهذا التفسير لا دليلا أركولوجيا أو تاريخيا أو تأريخيا واحدا عليه، ولا يمكن بالتالي أن نبرهن على صحة المبرهَن عليه "النص العراقي القديم" بغير الموجود أصلا، أو بغير المبرهَن على وجوده، أي " النص الإبراهيمي الأقدم" وحتى على افتراض صحة هذا الاحتمال، فكيف نوفق بين الرؤية الوثنية البابلية القديمة وضمنها التفاصيل الفنية والحيثيات الواردة في النص العراقي القديم وبين النص الإبراهيمي "المفقود" إن وجد؟

أما الزعم التوراتي القائل بأن النبي نوح هو الحفيد التاسع أو العاشر لآدم فهو متهافت علميا تماما، فلو تسامحنا في الحساب و اعتبرنا أن مدة الجيل الواحد أربعين وليس ثلاثين عاما، فلن يتعدى الامتداد الزمني بين نوح وآدم أكثر من أربعة قرون، فهل يعقل هذا الامتداد مقارنة مع ما أثبتته العلوم التجريبية والأبحاث الحديثة المتخصصة حول عمر الإنسان وعمر الحضارة البشرية الأحدث سنا منه ؟ لقد قدمت دراسةُ الإحفوريات " الإركولوجيا" وتحليلُ الحمض النووي للبقايا الإنسانية أدلة قاطعة تشير إلى أن الإنسان الحديث كان في أفريقيا قبل حوالي 200 ألف عام، فأين نضع هذه الحقائق الموثقة علميا؟ هذا من الناحية "التاريخية"، أما "تأريخيا" فهذا التفسير القام على احتمال وجود نص إبراهيمي سابق للطوفان، لا قيمة له، بل هو خطأ فاحش، فأشهر التواريخ التي "تؤرخ" للنبي إبراهيم تعود الى سنة 2200 قبل الميلاد، أي أنه لا يبعد زمنيا عن عهد سرجون الأكدي بأكثر من قرن واحد، فماذا بخصوص الأساطير التي ترقى الى عهود أقدم من سرجون بعدة قرون؟

هل أسس نوح العنصرية الأوروبية والأميركية : لعل من أطرف وأغبى مفردات هذا الملف هي تلك التي تخص نظرة بعض الجهات السياسية والكنسية الأوروبية والأميركية إلى قصة نوح وإلى شخص النبي نوح. فكما قلنا كان نوح في نظر أغلب المسيحيين رجلا صالحا وحكيما بل أن هناك جهات كنسية اهتمت بسفينة نوح أكثر من اهتمامها بنوح نفسه. هذا ما أكدته مثلا الكتابات المسيحية التي كتبت في القرن الرابع بعد الميلاد من قبل أوريليس أوغسطين (354 – 430 م) حيث تم إعطاء أهمية دينية كبيرة لتلك السفينة و تم اعتبارها رمزا للخلاص من خلال تشبيه السفينة بالكنيسة. ففي القرون الوسطى بدأ " المثقفون وأفراد النخبة" المسيحيون الأوروبيون يهتمون في كتاباتهم بالاقتناع بالتوزيع العرقي للأجناس البشرية الذي ورد ذكره في سفر التكوين، وأضافوا إليه توزيعا طبقيا جديدا حيث اعتبروا رجال الدين والقديسيين ينحدرون من سلالة سام، والفرسان والنبلاء الإقطاعيين ينحدرون من سلالة يافث والفقراء ينحدرون من سلالة حام! يرى بعض الباحثين أن في هذا الكلام تكرارا لفكرة لعنة حام والتي يعتبرها البعض أول تقسيم عنصري مستند على الدين، والتي لعبت دورا في النظرة التمييزية التي نشأت وما تزال قائمة إلى حد ما إلى الأفريقيين وأصحاب البشرة السوداء.

وقد بلغ الأمر ذروته في العصر الحديث وتحديدا سنة 1964، كما تقول الموسوعات التاريخية المفتوحة، حين قام السيناتور الأمريكي اليميني العنصري روبرت بيرد من فرجينيا الغربية باستخدام قصة نوح كمبرر لإبقاء سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة صعود الحركة السلمية الديموقراطية للأميركيين من أصول أفريقية ضد الدولة العنصرية الأميركية بقيادة مارتن لوثر كنغ والذي اغتاله العنصريون سنة 1968 بالرصاص ولكن حركته انتصرت انتصارا رائعا وكنست ركاما هائلا وجزءا كبيرا من الزبل العنصري الأميركي. لقد كان بيرد أكبر المعمرين في مجلس الشيوخ وقد كان سيناتورا منذ 1959 وهو الذي رفض في عام 1991 ترشيح قاضيتين من أصول أفريقية أمريكية للمحكمة العليا في الولايات المتحدة كما رفض في عام 2004 ترشيح كوندوليزا رايس لمنصب وزيرة الخارجية وقد توفي عام 2010 لأنها من ذات الأصول . ورغم رحيل بيرد عن عالمنا ولكن أفكاره وممارساته ما تزال حية في الولايات المتحدة التي ينظر إليها أدعياء اللبرالية عندنا بوصفها كعبتهم الخاصة!

المنع الأزهري لنوح السينمائي الكاريكتيري : ننتقل إلى موضوع فيلم " نوح" للمخرج دارين أرونوفسكي. ونسجل أولا الملاحظات المفتاحية التالية :

-يعترف اليهود والمسلمون بنوح كأحد أنبياء الله بل إن المسلمين يزيدون عليهم بوصفه، فهو عندهم من الرسل ذوي العزم أي الرسل المتميزين، أما المسيحيون فلا يعتبرونه نبيا بل رجلا صالحا وحكيما فحسب، وهذه خصوصيات دينية ينبغي احترامها فكل أتباع دين أحرار في ما يعتقدون. غير أن نوح الذي رأيناه في فيلم أرونوفسكي لا علاقة له لا بأوتونبشتم السومري ولا بنوح التوراتي بل كان مزيجا من أفلام الفنطازيا ومن النوع المكرر وثقيل الدم و الفيلم التاريخي المصنوع بتقانة ومهارة فنية رفيعة فعلا.

-أما عن حيثية منع هذا الفيلم في عدد من الدول العربية من العرض فيمكن ان نقول إن هذه الخطوة جاءت بمبادرة من الأزهر، الذي اعتاد على القيام بدور المانع والمحرم لهذا النوع من الأفلام، و المبرر الذي طُرِح لمنع الفيلم مكرر بدوره ولا علاقة له بقصة الفيلم، بل بكون الفيلم يظهر أحد الأنبياء مشخصا بشريا وبشكل مباشر وهذا ما قام به الأزهر حين أخرج ميل جبسون فلمه الرائع - رغم قسوته المفرطة -"آلام المسيح" وهو الوحيد الذي راعى أن يتكلم المسيح فيه بلغته الآرامية وليس العبرية أو الإنكليزية.

إن تبرير المنع الأزهري لهذا الفيلم قديم نسبيا، وقد تجاوزته الدراما التلفزيونية الرمضانية حين جسدت شخصيات الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب قبل عام في مسلسل "عمر الفاروق"، ويبدو انه انتهى كتقليد تحريمي أو بدأ نهايته الحتمية، ونضيف بأن هذا التقليد التحريمي انتهى ولكن على مستوى الخلفاء الراشدين وليس على مستوى الأنبياء. هذا بخصوص منع عرض الفيلم و الذي يبقى غير مبرر طالما أنه ابتعد عن الإساءة الأخلاقية للشخصيات المقدسة سواء كانت لأنبياء أو خلفاء أو غيرهم، وهذا ما حدث في فيلم أميركي آخر صنع في الثمانينات هو "الإغواء الأخير للمسيح" للمخرج مارتن سكورسيزي ولم يكن هذا الفيلم يخلو من الإساءة الأخلاقية للنبي يسوع المسيح حتى أن المطالبة بمنع عرض الفيلم شملت إضافة الى الكثيرين من المتدينين المسيحيين آلافا من اليساريين والعلمانيين وحتى الملحدين الصرحاء في أوروبا وأميركا .

فائدة لغوية : كلمة "التاريخي" هي نسبة " نعتية" إلى التاريخ وحوادثه بمعانيها عامة. أما "التأريخي" فهي نسبة الى ما تم تسجيله بأرقام السنوات في الماضي .. للتوضيح : حين نقول بأن الحلاج شخصية تاريخية فنحن نعني أنها شخصية ذات قيمة كبيرة معنويا وأخلاقيا وفلسفيا في التاريخ العربي الإسلامي والإنساني وحين نقول " الحلاج شخصية تأريخية" فنعني أنه شخصية حقيقية في التاريخ وليست شخصية وهمية أو أسطورية.

يتبع

*كاتب عراقي

 

امرأة الرسالة) للروائية والتشكيلية الفلسطينية رجاء بكرية .. مستوياتٌ متعدّدةٌ في قراءةِ النّص

rajaa baktiaفي الاستهلالِ تساءلتُ: هلْ يمكن اعتبار (امرأةُ الرّسالةِ) قصةَ عشقٍ مجنونٍ، أم نصّا ايرتوكياً، أم نصّاً سياسيّاً، أم نصَّ أزمةِ هويّةٍ، أم نصَّ مكانٍ، أم أنّه نصُّ كلِّ هذه المستوياتِ مجتمعة في نصٍّ روائيّ واحد؟! وإذا ما أشرنا إلى أنَّ هذا النّصَ يندرجُ في إطارِ ما يُسمّى (الأدب النسوي) فهل سَعَت الكاتبةُ هنا لتحطيم التابوهات المحرّمةِ في الكتابةِ العربيةِ ؟!

 

الرّواية: امرأة الرّسالة. (طبعة ثانية)

الكاتبة: رجاء بكريّة

دار النّشر: الجندي للنّشر والتّوزيع، القدس، فلسطين.

 

استهلال

يأسِرُكَ نَصٌّ ما، فَتُوغِلُ فيهِ، وتُبحرُ بينَ سطورهِ لتتمكّنَ منه، وتسعى لتَفكَّ رموزَه، وتحلّلَ دلالاتِه، حتّى ولو أعدتَ قراءتَهُ أكثرَ من مَرَّة. قد تأسِرُكَ الّلغةُ بما تحملُهُ من جماليّاتٍ ورموز وصورٍ شعريّةٍ (حتى لو كان النّصُ سرديّاً)، أو قد يأسِرُكَ الحدَثُ المسرودُ بما يحملُهُ من تفاصيلَ ودلالاتٍ وإشكالياتٍ متعددةِ المستوياتِ. أن يغريكَ نصٌّ ما، ويجذبَك لإعادةِ قراءتِهِ فورَ انتهائِكَ من قراءتِكَ الأولى فهذا أمرٌ يُحْتَسَبُ لصالح النّصِ وكاتبِه. 

 

عندما أنهيتُ قراءةَ روايةِ (امرأة الرّسالة) للكاتبةِ، والفنانةِ التشكيليةِ الفلسطينيةِ رجاء بكرية قفزت أمامي تساؤلاتٌ عدّة. هل ما قرأتُهُ في روايتِها التي صدرت لأول مرة عام 2007 عن (دار الآداب) في بيروت، وأعيدَ إصدارُها في طبعةٍ ثانيةٍ عام 2014 عن (دار الجندي للنشر والتوزيع) في مدينة القدس المحتلة،تساءلت، أَكانَ ما قرأته قصةَ عشقٍ مجنونٍ، أم نصّا ايرتوكياً، أم نصّاً سياسيّاً، أم نصّ أزمةِ هويّةٍ، أم نصَّ مكانِ، أم أنّه نصُّ كلِّ هذه المستوياتِ مجتمعة في نصٍّ روائيّ واحد ؟! أمامَ هذه التساؤلاتِ أعدتُ قراءةَ (امرأة الرّسالة) مرةً ثانيةً في غضونِ أيامٍ معدوداتٍ حتى أتمكّنَ من الولوجِ في عالمِ السّاردة، والمسرود.

يَعمدُ بعضُ الكتّابِ إلى جعلِ القارئ شريكاً في كتابةِ النّص. بمعنى أن ينتقلَ بالقارئ من دورِ المتلقي (السلبي) إلى دورِ المتلقي (الإيجابي) وجعلِه أحدَ أبطالِ عملِهِ إذا كانَ النّصُ سرديّا. أن يُقْحِمَهُ في عالمِ النّصِ، ويُغْرِقَهُ في تفاصيلِهِ، ويورّطَهُ في البحثِ عن حلولٍ لأزماتِ شخوصِهِ الروائيةِ، ومُواكبةِ مساراتها، وانفعالاتِهم. إنّ عملاً بهذه المواصفاتِ لا بدّ وأن يكون عملاً إشكالياً بامتياز، وبالتالي لا بدّ وأن تعطيه حقَّه في قراءتِه، والكتابةِ عنه إذا شئت.

 

إضاءةٌ في ظلالِ (امرأة الرّسالة)   

تبدأ الكاتبةُ رجاء بكريّة روايتَها برسالةٍ تبعثُ بها نشوة، وهي باحثةٌ فلسطينيةٌ في شؤون المسرح، تقيمُ في مدينة حيفا (كما يتّضحُ اسمُها ووظيفتُها فيما بَعْدُ) لحبيبها غسّان، وهو مخرجٌ مسرحيٌّ مقيم في مدينة عكّا (كما يتّضحُ اسمُه ووظيفتُه فيما بَعْدُ أيضاً)، وتوقّعُها باسم (امرأة الرّسالة)؛ هذا الوصفُ الذي تحملُه الرّوايةُ اسماً لها. في الإهداءِ تَرِدُ إشارةٌ مُبَكِّرةٌ لجانبٍ من دلالاتِ النّص: (إلى عَكّا وإليْكْ...).     

في روايتِها تطلقُ رجاء بكريّة العنانَ للساردةِ (نشوة) لِتحكي قصّةَ الزّمانِ، والمكانِ، وتروي الأحداثَ بأسلوبِ البوحِ، وانثيالِ الذكرياتِ حول حالةِ العشقِ الجنوني التي نشأت بينها وبينَ غسّان، الشخصية المحورية والمركزية في الرواية. زمانيّاً، يأتي غسانُ بعدُ وقبلُ في علاقتِها به، إلا أنّه يظلُّ الطّاغي في حضورهِ، حتّى في حالاتِ غيابِه الماديّ عنها. قبله كان (وائل) الذي ارتبطت به بحالة حبّ رومانسيةٍ وسافرَ للعمل في الخليج، وبعده كان كاظم، العراقي الهارب من وطنه المحتلِ أيضاً، والذي عاشتْ معه في شقتهِ اللندنية حياة مشاركة، حاول خلالها مرارا التقرّب منها دون جدوى، فولاء قلبها ظلّ لغسّان بكل ما تحمله تلك الشخصيةُ من تناقضاتٍ، ونزواتٍ، وانفعالات، وإن كانت لا تنفي حالةَ الاشتياقِ لكاظم، والسّخريةَ المحبّبَةَ من وائل في ثنايا الرواية. 

في (لعبةِ) السّردِ بعثت رجاء بكريّة إشاراتٍ أوليّةً لأهميّةِ الرّسالةِ التي كتبتها نشوة لعشيقها غسّان، هذه الرسالة التي تتحول مع تصاعدِ الأحداثِ إلى (بطلٍ) أيضاً، إذْ يقدّم غسان فيما بعد عرضاً مسرحياً بهذا العنوان (امرأة الرّسالة) من إخراجه، ويعرضه في مدينة يافا. تجسّدت تلك الإشارات الأوليةِ في نوعيّة الورق الذي استخدمته لكتابة الرّسالة، ومكتب البريد الذي بعثته منه، وقد استغرق الأمر منها عدةَ ساعاتٍ وهي تتنقل من مكتب بريدٍ إلى آخر.  

 

في متنِ (امرأة الرسالة)

في الاستهلالِ تساءلتُ: هلْ يمكن اعتبار (امرأةُ الرّسالةِ) قصةَ عشقٍ مجنونٍ، أم نصّا ايرتوكياً، أم نصّاً سياسيّاً، أم نصَّ أزمةِ هويّةٍ، أم نصَّ مكانٍ، أم أنّه نصُّ كلِّ هذه المستوياتِ مجتمعة في نصٍّ روائيّ واحد ؟! وإذا ما أشرنا إلى أنَّ هذا النّصَ يندرجُ في إطارِ ما يُسمّى (الأدب النسوي) فهل سَعَت الكاتبةُ هنا لتحطيم التابوهات المحرّمةِ في الكتابةِ العربيةِ ؟! وإذا ما أضفنا أن الكاتبةَ تنتمي جغرافيّاً إلى مكانٍ أصبحَ مُلتبِساً في أذهانِ القارئِ العربيّ البعيدِ عن المكانِ، فهل أرادت أن تمسَحَ الغبارَ الذي تكوّمَ بفعلِ السّنين، وتطورِ الأحداثِ، ومحاولاتِ تغيير قشرة المكانِ عنه، وعن الذهنِ المُلتَبِسِ معاً ؟! وهنا أحاول تقديمَ قراءةِ شاعرٍ لنصٍّ سرديّ.

 

1. في المكان

المكانُ مركّبٌ أساسيٌّ من مركبّات النّص السّردي، وأحياناً يكونُ المكانُ (بطلَ) النّص. في الرّاهنِ الفلسطينيّ يحتلُ المكانُ أهميّةً خاصّةً في النّص، سواءً أكانَ المكانُ داخلَ حدودِ الجغرافيا الفلسطينيةِ التّاريخية، أو خارجَها. إذا كانَ النّصُ يحكي عن المكانِ الدّاخلي فإنّ الساردَ يعملُ على تثبيتِ هويّةِ المكانِ الذي تعرّضَ لمحاولاتِ طمسِهِ، ونفيّ هويته الأصلية عنه. أمّا إذا كان النّصُ يحكي عن الخارجيّ فإنّ الساردَ يعملُ على تثبيتِ هويّةِ المكانِ الجديدِ (المخيّم في المنفى على سبيلِ المثالِ) وربطِه في المكان الأصلي ربطاً مكانياً وزمانياً ووجودياً. 

لم يكنْ تثبيتُ اسم عكّا في إهداءِ (امرأة الرّسالة) ضرباً من ضروبِ العبثِ عندَ رجاء بكريّة، بل إنّه جاء في هذا السياق. غسّانُ من عكّا، ونشوة من حيفا، ووائل من رام الله، وفي الرّوايةِ تعودُ نشوة من لندن إلى مدينةٍ فلسطينيةٍ أخرى، وهي يافا، لِيُصبِحَ بذلك المسرحُ المكانيُّ الدّاخليُّ ثلاثَ مدنٍ فلسطينيةٍ كانَ لها الأثرَ الأكبرَ في تجسيدِ نشاطِ الحياةِ العامةِ في فلسطينَ ما قبل النّكبة، وهي من أكثرِ المدنِ الفلسطينيةِ التي تعرّضت لمحاولات تغيير صورتِها. وأمّا الأمكنة الأخرى التي تردُ في الروايةِ فهي: عمّان، لندن، بغداد، والموصل، فلا بدّ وأنّ لها دلالاتها في النّصِ أيضاً. 

إنّ تركيزَ الأحداثِ في ثلاثِ مدنِ فلسطينيةٍ رئيسةٍ (عكّا، حيفا، ويافا) لم يكن عبثياً، بل كان مقصوداً قصداً واعياً. تمرّ السّاردةُ على ذِكْرِ بعضِ الأسماءِ المُسْتَحدَثةِ في تلك الأمكنةِ، إلا أنّها تُظْهِرُ تلكَ الأمكنةَ بأسمائِها الأولى، وفي تجلياتِها الأولى، وتاريخِها الفلسطيني للتّأكيدِ على هويّةِ المكان. ففي كلّ مدينة من تلكَ المدن تتقصّد الكاتبةُ إيرادَ أسماء الأحياءِ والشوارع العربيةِ فيها في مجابهةِ الاقتلاعِ، وتغيير صورةِ ومدلولِ المكان. لقد شاءت الكاتبةُ أن تؤكّدَ على أن الوجود الفلسطيني داخل الكيان الجديد (إسرائيل) ليس وجوداً عابراً، بل إنّه الوجود الأصيل، وما عدا ذلك فهو طارئ. {{أكلهم كانوا أغبياء ؟ جميع الرّسامين حتّى أهملوا حبرَ رملِها! حبر يافا يرسمون به بيوتاً من بخار. كلّما تبخّر بيتٌ نهضَ بيتٌ سواه... النّكبةُ الأولى علّمت الطوبَ أيضاً أن يقاوم موته}}. (ص 236) 

كانت لندن أحدَ الأمكنةِ، وكانَ كاظم العراقيّ، الذي لا ينتمي طبقيّاً لطبقةِ نشوة أحدَ شخصيّاتِ الرّوايةِ، وعلاقةُ (نشوة) بالمكانِ وبالشّخصِ لا يمكن وصفها بالعلاقةِ العابرةِ إذا ما تمّ الحديثُ عن إحدى عشرة سنةِ عيشٍ مشتركٍ تحتَ سقفٍ واحدٍ خلفَ ستائرَ مغلقةٍ، وإن دخلت في أربع سنواتٍ منها داخل غرفة الآجاص. لندن منفى آخر، وفي القراءةِ الأولى تساءلتُ: لماذا لا يكونُ كاظم مغاربياً مثلاً، أو مصريا، أو... أو...وفي القراءة الثانيةِ حاولتُ التّأكدَ من واقعيةِ ما ذهبتُ إليه في قراءتي الأولى للرواية، وهو الرّبطُ بين واقعيّ احتلالينِ خارجيين لبلدين عربيين، وما فعل هذا الاحتلال بهمها، وبناسِهما، ومع التفريق هنا بين شكليّ ومقاصد الاحتلالين. وأمّا عمّان، حيث تعارف غسّان ونشوة فيها، فهي جزءٌ من الوجودِ المكاني الفلسطيني بما أصبحت تحملّه من التباساتٍ أيضاً في علاقتِها مع (فلسطينيي الدّاخل) بعد التوقيع على اتفاقيّة السلام بين الأردن و(إسرائيل). ويبدو لي أنّ رجاء قصدت أيضاً إيصال رسالة هوية المكان للقارئ العربي من غير الفلسطينيين، وأن تصرخ بصوتٍ عالٍ: نحنُ، يا عربُ، نحن.

في ذاتِ حديثٍ لها عن (امرأة الرّسالة) التي مُنعتْ في العديد من البلدان العربية صرخت رجاء بكريّة: 

{{أردت أن يعرف العرب قضيّتي من خلال طبيعة شخصيّاتي كبشر يحبّون ويكرهون، يعشَقون ويُعشقون، يقاتلون ويُقتلون، ويفتّشون عن رغبات أجسادهم كما يفتّشون عن رغبات تاريخهم. أردت أن ينكتب اسم عكّا وحيفا ويافا في ذاكرة القارئ العربي عبر بوابات جديدة للذاكرة والحدث}}.

 

2. في الهوية

{... لا أعرفُ إذا كان الفلسطيني هنا محسوباً على دولتهم كإنسان. بقلبٍ يبكي ويضحكُ وحسٍّ يتألم ويفرح. لم أشعر لحظةً واحدةً أنني داخل تعريفِ المواطنةِ التي منحوها لنا منذُ رفعنا الأعلامَ البيضاء. وبطاقتي الزرقاء لم يقرؤوها على الحدود دون أن يصنِّفوني ضمن خليةِ الارهابِ التي يدرسون أوصافَها وفق معاييرَ مفترضةٍ عن أشياء ثلاثة: القومية، الدين، واللون...}. (ص 83)

يُعتَقلُ غسّان ويُحكَمُ بالسّجنِ خمس سنواتٍ بتهمةِ نقلِ حقيبةِ متفجراتٍ من مفترقِ (الكابري) إلى شارع (بن عامي) في عكّا الجديدة. نشوة تشاهده على شاشةِ التلفزيونِ محاطاً بعددِ من رجالِ الأمنِ الإسرائيليين،   وغسّان، المخرجُ المسرحيّ يتعاملُ مع هذا الحدثِ بشكلٍ من اللامعقولية وكأنّه أمام مشهدٍ لا يخلو من الفنتازيات، حتّى أنّه لا يكلفُ نفسَه عناء نفي التهمة عنه!. وأمّا رجاء بكريّة فإنّها لا تمرّ على هذا الحدثَ مروراً عابراً، إذْ أظهرتْ لعبةَ الإعلام الإسرائيلي في قلب الحقائق، وعرض (الدّولة) كضحيّة لإِرهابِ لغسان، وكأنّ غسان، (الفلسطيني الّذي يحمل بطاقة زرقاء)، ويمتهن تفجير الأضواء فوق خشبات المسارح يستحيل إلى مخرّب مع سبق الإصرار.

في السّجنِ ينفصلُ غسّان عن زوجتِهُ الشّقراء، جينيا، التي تغادرُ البلادَ حاملةً طفليها منه إلى وطنها للا عودة.  وأمّا نشوة التي انتظرته ثلاث سنوات قبل أن تغادرَ إلى لندن حاملةً عشقَها لغسّان معها علّها تنساه، فإنها لا تكفّ عن السعيّ إليه، رغم معرفتِها بتفاصيلِ نزواتِه مع بائعاتِ الهوى من الرّوسيات اللواتي غزوّنَ أسواقَ الدّعارة في مدنِ السّاحل.  

(الدولةُ التي منحتُهُ مواطَنتَها تتهمّهُ بخيانتِها)!! هنا تتناولُ الكاتبةُ رجاء بكريّة الهويّةَ الفلسطينيةَ داخلَ إسرائيل كقضيةٍ شائكةٍ، وإشكاليةٍ. الفلسطينيونَ الذين لم يغادروا الديارَ، وأبناؤهم وأحفادُهم الذين ولدوا بعد النّكبةِ وجدوا أنفسَهم في حالةٍ وجوديةٍ ملتَبِسَة. فالدولة التي تدّعي أنهم رعاياها تعاملهم كمواطنين من درجاتٍ دنيا، وهم في دائرة الشّكِ من حيثُ الولاء لها، فهي تعاملهم معاملةً قائمة على التمييز في الحقوق، وتسعى لتجريدهم حتى من أبسطِ حقوقهم الإنسانية، وتطلعاتهم القومية. هل يمكن بالفعلِ أن يقدّم الفلسطينيونَ الولاءَ لِدولةٍ اقتلعتهم من بيوتهم، وشرّدتهم من ديارهم، وأعملت سيفَها في رقابِ أهاليهم، وأوغلَت في دمهم، وحوّلت الآلاف منهم إلى لاجئين حتّى داخل (الدولة)؟! وحتّى تلك (الأقلياتِ من الفلسطينيين) التي تمّ توريطها في (الاندماج في سياسات الدولة) لم تسلم من التمييز ضدها على خلفية قومية، وعادةً ما يُعامَلُ أبناؤها الذين يعارضون سياسةَ الدولة بقسوةٍ بالغة، فكيف الأمر بالنسبة للآخرين؟!

لقد عمل الفلسطينيون في تلك البقعةِ من أرضهم على تعزيز هويتهم الوطنية والقومية بأبعادِها الإنسانيةِ الرّفيعة. وكذلك على حفظِ الذاكرةِ الجمعيةِ لشعبِهم، وسردِ روايتِهم في مواجهةِ الروايةِ النقيضةِ، والنافيةِ لهم، والتي بدأت تتشكلُ لِتخلقَ شرعيتَها المزعومةَ على هذه الأرض. وفي المقابل فإنّ ألـــ (هؤلاء) من الفلسطينيينَ أيضاً في موضعِ شكٍّ وريبةٍ من قبلِ أشقائِهم العرب الذين يتعاملُ بعضُهم معهم كـــ (إسرائيليين) وليس كفلسطينيين لأنّهم يحملون (الجنسية الإسرائيلية)!!

يُغْفِلُ، أو قد يجهلُ الكثيرونَ (من خارجِ دائرةِ الجغرافيا الفلسطينية) الدّورَ الذي لعبه المفكرونَ والمؤرخونَ والكتّابُ والفنانونَ الفلسطينيونَ في تعزيز الهويةِ الكفاحيةِ، ليس في الحياة الفلسطينية وحسب، وإنّما في حياةِ وتاريخِ الحركةِ الثوريةِ العربيةِ خلال عدة عقود. لقد أسس هؤلاء أدبَ المقاومة، وطوروا مفهومَ هذا الأدب بما يتناسب مع المعنى العريض لإنسانيةِ أي حركة مقاومة أو تحرر، وكأنّ الكاتبةَ هنا أرادت الصراخ: نحنُ من هؤلاء الذين حموا الهويةَ القوميةَ في فلسطين، وطافَ منتجُهم الثقافي الآفاق. ألا يعلمُ المشكّكونَ في ولاءِ هؤلاء الفلسطينيين لقوميتهم أنّ إميل توما، وإميل حبيبي، وتوفيق زيّاد، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وراشد حسين، وسالم جبران وغيرهم من أعلام الفكر والأدب العربي المعاصر، وكذلك الجيل الذي جاء بعدهم، هم هؤلاء المُشّكّكُ بولائهم. 

 

3. في كسر التابوهات

{{لماذا اعذّبُ الكلامَ، ولا أدعُ العتمةَ تذهب إلى فراشِها}}؟ ص 28

في لغةٍ شعريةٍ مدهشةٍ، وجملٍ مكثّفةٍ سريعةٍ ورشيقةٍ، تدخلُ رجاء بكريّة في (امرأة الرسالة) في مربعات كسر بعض (التابوهات المحرمة) في الأدب العربي، وبخاصة (تابو الجنس) من خلال بوحِ نشوة في بعض مناطق النّص، أو سرد الراوي في مناطق أخرى عن عشقها الجنوني لغسان، أو عن علاقتها بصديقها العراقي كاظم. في إطار الفَهْمِ الضيّق والقاصر لمفهوم (أدب المقاومة) قد يجد نصٌّ كهذا رفضاً واستهجاناً واستنكاراً من قبل فئةٍ ما من القراء، وحتى من نقادٍ ومثقفين، وبخاصة أن هذا النّص السردي فلسطيني، ولكاتبة من (الداخل الفلسطيني)، لذا فإن رجاء، وكما ذكرت في مكانٍ سالفٍ هنا، أعلنت ذات حديث لها أنها أرادت {{ أن يعرف العرب قضيّتي من خلال طبيعة شخصيّاتي كبشر يحبّون ويكرهون، يعشَقون ويُعشقون، يقاتلون ويُقتلون، ويفتّشون عن رغبات أجسادهم كما يفتّشون عن رغبات تاريخهم}}.

يُصَنّفُ هذا اللونُ من الكتابة بالكتابة (الأيروتيكية) التي اعتراها سوء الفهم منذ دخولها في النّصوص الأدبية النسوية، وبخاصة في الثلث الأخير من القرن الماضي. ارتبط ظهور هذا اللونِ من الكتابة مع تحقيقِ المرأة العربية لبعضِ حقوقها، واحتلالها مساحاتٍ جديدة في الساحة الثقافية، إذْ تقدمت هي بنفسها للكتابة عن نفسها، بلغتها، ومشاعرها، وأحاسيسها، وتطلعاتها، ورؤيتها للحياة في مواجهة النّص الذكوري الذي نصّب نفسَه متحدثاً بلسانها عقوداً طويلة من الزمن. لقد اثارت هذه الكتاباتُ حفيظةَ الكتّاب الذكوريين، حتى أن بعضهم ربط بينها وبين الكتابات الإباحية، ووضعوها في سلّةٍ واحدة. هنا لا بدّ من الانتباه إلى وجود خيطٍ رفيع بين هذين اللونين من الكتابة، فالكتابة الإباحية تستخدم الجسد كسلعة رخيصة، وأما الكتابة (الأيروتيكية) فإنها تتحدث عن الجسد كقيمة إنسانية، بل إنّ هناك من يفسّر معنى (الأيروتيكية) بلغة الجسد، أي أن الجسدَ يتحدّث عن نفسه بنفسه، كقيمة إنسانية وليس كسلعة سوقية.  

يحتاجُ هذا اللونُ من الكتابة إلى جرأةٍ غير عاديةٍ لأنّه يدخلُ في مربعات (التابوهات المحرمة) في النّص الأدبي العربي أولاً، ولأنّ كاتبَهُ امرأةٌ أحيطت بعشراتٍ من الأسوارٍ العاليةِ والمترّاصةٍ من قبل المجتمع الذكوري الذي رسم حدودَ جسدِها كسلعةٍ هو وحده من يحدد قيمتَه، ودوره. وإذا كان هذا النص فلسطينياً فإنّه يحتاجُ إلى جرعةٍ إضافيةٍ من الجرأةِ نظراً لقيودِ القداسةِ التي أحيطت بالقضية الفلسطينية، وبكل ما ينتج عنها من سلوكياتٍ، وآدابٍ وفنون. 

في (امرأة الرسالة) تحتل نشوة الشخصيةَ المحوريةَ في الرواية، وتقدمها الكاتبةُ كامرأة عاشقةٍ في مختلفِ مفاصلِ الروايةِ، وأحداثِها، فمنذ أعلنت نشوة عن عشقها لغسان، فإنَّ محركها الرئيس هو علاقتها بغسان، وملاحقتها له، وهروبه منه، وعودتها إليه، والتخطيط المسبق للحمل منه، وتحقيق هذا الهدف في نهاية الرواية. {{ تعترف المرأة ... بأنها ستقتل الرجل إذا لم يتوقف عن مزاولة المومسة مع قطيع النساء، وتضيف أنها ستمهله حتى انتصاف شهرها بالخصب، ثم تحدد اليوم الذي ستحمل منه}}. (ص 233)

لقد غامرت بعشقها المجنون لغسان حين عادت إلى يافا بعد غياب لتخطط مشروع انتقام يخلّ بالنظم، حين خططت الإلتقاء به. التقته في صالة العرض الّتي أعدت لتقديم عرض مسرحيّ يحمل عنوان توقيع رسالتها الأولى له (امرأة الرسالة). فيه خطّطت لقضاء ليلة معه، وجعلتها إحدى أيّام خصبها. تذهب إليه في مدينته عكّا، وتحمل جنينها منه، ثمّ تتسحب عائدة إلى لندن، ومنزل كاظم تحديدا. وهي في هروبها الأخير تعزل نفسها عنه في غرفة الآجاص. حين شعرت بيقظة غسانُ الصغيرُ في أحشائها قررت العودة إلى الوطن عكّا. ونقرأ في عودتها تلك بعدا سياسياً أيضاً يتعلق بحقّ اللاجئين الفلسطينيين في المنافي بالعودة إلى وطنهم الأم.

 

فواصل وسياقات

في علاقتها بوائل لا تخجل  نشوة من اتهامه بالجبن، لأنه كلما حطّ شعرها على كتفه كان يطلب منها العودة للفندق، ليس للاختلاء بها، وإنما للهروب منها. وحين تتحدث عن علاقتها بكاظم فإنها تتحدث بانفتاح عن هذه العلاقةِ التي كسرت فيها أيضا (تابو) الطبقية من خلال إقامتها علاقاتٍ مع صانع أحذية جمعتهما الصدفة في المنافي. إنّ سطوراً قليلة كهذه لا يعدو كونها إضاءة عابرة على هذا الجانب الأهم في الرواية، فكما أشرتُ فإنّ الفكرة الرئيسة في النّص هي فكرة العشق، وإظهار انفعالات النفس البشرية، وحاجات الجسد من وجهة نظر نسوية، وما الأحداث التي تم سردها في الرواية إلا جوانب منطقية في حياة الشخوص، وإن قصدت الكاتبة تحميلها مضامين سياسية أحياناً. إنّ الجرأة التي تحلّت بها رجاء بكرية في روايتها هذه تُحتَسَبُ لها، وليس عليها. 

 

4. في شاعرية النّص   

{{إنّ أصابعهنَّ النحيفةَ وحدها تعرف كيف تربط آخر الشَّعرِ بأولِ الرّوح}} ص18

{{سقط الليلُ في منامتي، وبدأ يستثير دمي ويدفع سكناتِ قلبي ليهرب ثانية مني}} ص 27

{{تمنّيت أن أقبّلَ روحك}} ص 59

{{أريد أن أقبّلَ روحك}} ص61

{{لعلّها رائحتك، أيقظت جسدي، وأفعمت قلبي بدفق شتاء رجع}} ص115

أيُّ إغراءٍ هذا الذي تقدّمُهُ اللغةُ الشّعريةُ للكاتبِ، حتّى لو كان سارداً؟

هذا التساؤل قفزَ أمامي وأنا أقرأ الصفحةَ الأولى من الرواية، بل والجملة الأولى منها: {{فكّ أزرارَ المغلّفِ بأصابع راعشة شوقاً أو رعباً، لا يعرف، لكنّه سمع ضربات قلبه تقفز فوق السطر}} ص11 

في (امرأة الرّسالة) تغري اللغةُ الشّعريةُ، رغمَ وعورتِها، الكاتبة، فهذه اللغةُ حاضرةٌ بشكل واضحٍ في روايتها، وبخاصةٍ في تلك المناطق من الرواية التي تلجأ فيها للبوحِ على لسانِ نشوة. وحتى في رسالة غسان إليها. (ص104) فضلا عن رسالة كاظم إليها عندما عادت إلى يافا (ص250) ولا تخلو الحوارات بين الشخوص من هذه اللغة الشعرية العالية.

رجاء بكريّة، تستخدمُ في (امرأة الرّسالة) رؤاها الفنية في الرّسمِ التشكيلي لترسم لوحاتٍ شعريةً في بناءِ نصّ نثريٍّ ثريّ بالأحداثِ والتداعيات، ومغرٍ للقراءةِ، والغوصِ في شكله، وإشكالياته. وفي النّهاية لا أخفي هنا أنّ أولَ ما جذبني في الرواية، وأغراني بالاستعجال في قراءتها هي لغتها الشعرية قبل أي شيء آخر.

 

سميح محسن

شاعر من فلسطين مقيم في رام الله المحتلة

 

هل خرج احمد سعداوي من معطف غوغول؟

(الى الاديب المبدع احمد سعداوي – غوغول العراق) .. ض. ن.

هذه تأملات أولية وذاتية بحتة ليس الا، وكلمات وسطور ليس الا ايضا، ولا ادري ايضا مدى دقتها وحقيقة معناها وقيمتها واهميتها ومطابقتها للواقع الموجود فعلا، ولا اعرف ايضا كيف سيتقبلها الكاتب العراقي المبدع أحمد سعداوي نفسه، اكتبها بعد ان سمعت للتو بفوز روايتة – (فرانكشتاين في بغداد) بجائزة البوكر الكبيرة، هذا الخبر الذي كان ينتظره العراقيون بفارغ الصبر - كما يقولون - وفي كل مكان في العراق وخارجه انقاذا وبلسما شافيا لهم من هذا الغمٌ والهمٌ والألم والضغوط والمعاناة والدموع والدماء التي تخيم وتسيطر على مسيرة حياتهم اليومية وارواحهم وقلوبهم وعقولهم وهم يعيشون في ظل هذه الاوضاع المأساوية في العراق الجريح الذي ينزف دما، والذي يذكرني بالمقطع الرهيب من القصيدة الشهيرة للشاعر التشيلي العظيم بابلو نيرودا –

تعالوا انظروا                              

كيف يسيل الدم                            

في الشوارع ...                            

لا اظن ان اي كاتب عراقي او عربي، بما فيهم طبعا الاستاذ احمد سعداوي لم يطلع على قصة (المعطف) لنيقولاي فاسيليفتش غوغول، ولا أظن انه لم يتأمل – وبعمق - تلك الصورة الفنية المدهشة الجمال، التي رسمها غوغول حول خروج شبح أكاكي أكاكيفتش في نهاية تلك القصة وهو يحاول ان (يتحاسب!) مع هؤلاء الذين سلبوه معطفه الثمين لديه، والذي كان بالنسبة له رمزا لحياته كلها، ولكن من المؤكد ان غوغول لم يكن يعرف ولم يكن يحلم ولم يكن حتى ان يتصور ظهور كاتب مبدع عراقي بعد حوالي قرنين من الزمان يحول شبح ذلك الموظف البائس والمسحوق الى تجميع لقطع من الجثث تناثرت هنا وهناك نتيجة ارهاب هائل يجتاح مجتمع انساني باكمله، ومن ثمٌ، يخرج هذا الشبح التجميعي وبصورة انسان متكامل ليقتص وينتقم من قاتليه، كما أقتٌص وانتقم شبح اكاكي اكاكيفتش من هؤلاء الذين سخروا منه وحرموه من معطفه الاثير الى نفسه، (رغم ان بطل سعداوي يرتبط باسم فرانكشتاين وكاتبتها البريطانية ماري شيلي في بداية القرن التاسع عشر)، لكن شبح سعداوي التجميعي بالطبع اقرب بكثير الى قلوبنا العراقية وعقولنا من شبح غوغول، واكثر مأساوية ودموية ورهبة ورعبا منه بلا شك، اذ انه شبح تجميعي من قتلى كثيرين نعرفهم ونحبهم وقريبين روحيا منٌا، ولأنه - اضافة الى ذلك - لا (يتحاسب) مع الآخرين لمجرد انهم سلبوا معطفه كما هو الحال عند غوغول، بل (يتحاسب) معهم لأنهم قتلوه وسلبوا حياته، صحيح، ان معطف اكاكي اكاكيفتش عند غوغول كان يرمز الى حياته وهدفها، ولكنه رمز مضحك وباهت ليس الا لشخصية واقعية، ولكن مضحكة وباهتة، اما (الشسمه) عند احمد سعداوي فانه رمز مأساوي لشخصية واقعية وحقيقية، ولكن تراجيدية وعميقة ترتبط بالمجتمع العراقي المعاصر وحياته اليومية ومسيرته في الوقت الحاضر وتمثٌل وتجسٌم هذه الضحايا التي تسقط كل يوم نتيجة هذا الرعب والارهاب الدموي والعبثي الرهيب الذي يسيطر على مسيرة الحياة اليومية في المجتمع العراقي الجريح .

لقد سبق لنا ان نشرنا مقالة بعنوان – (هل خرج دستويفسكي من معطف غوغول)، وتحدثنا فيها تفصيلا عن مصدر هذه المقولة المشهورة في الادب الروسي والعالمي وعن الآراء والاسئلة والاستفسارات التي تدور حولها، وأشرنا الى الاحتمالات المختلفة بشأن الاجابات على كل تلك التساؤلات، ولكن الشئ الاكيد في جوهر هذا الموضوع يكمن بلا أدنى شك في ان الشخصية المسحوقة اكاكي اكاكيفتش، بطل قصة (المعطف) لغوغول ومعاناته الحياتية هي التي خلقت هذه المقولة عندما قارنوها بشخصية ديفوشكين في رواية دستويفسكي القصيرة – (المساكين)، وهي مقارنة واقعية وموضوعية وصحيحة جدا لانهما كانا فعلا شخصيتين مسحوقتين من قبل مجتمع ظالم، ولكنهم لم يتحدثوا في تلك المقارنات بالذات عن قضية كبيرة ومهمة اخرى عند غوغول، وهي - ظهور شبح اكاكي اكاكيفتش ودوره في كل هذه البنية الفنية الغرائبية المتشابكة، وكيف استطاع غوغول، وبمهارة فنية مدهشة ان يحوٌل هذا الرجل البائس المسحوق الى شخصية عاصفة ومخيفة تنتقم من هؤلاء الذين سببوا له كل تلك المأساة والمعاناة، وان ذلك لا وجود له بتاتا عند دستويفسكي لا من قريب ولا من بعيد في روايته القصيرة تلك، ولا في عوالمه الابداعية الاخرى فيما بعد، وهذه هي النقطة الجديدة والاصيلة والاساسية التي اريد ان اركٌز عليها وابرزها هنا واتوقف عندها بتفصيل كبير، (رغم انها ترتبط بشخصية من الادب الانكليزي، لكنها ترتبط شكليا، اي بالاسم فقط، وليس اجتماعيا) اذ انها هي بالذات التي ذكٌرتني رأسا بقصة معطف غوغول وأجوائها وخصائصها عند الحديث عن رواية فرانكشتاين البغدادي لاحمد سعداوي، والتي جعلتني اطرح بشكل مباشر ودقيق هذا السؤال وهو – (هل خرج احمد السعداوي من معطف غوغول؟)، والذي جعلته عنوانا لمقالتي هذه من اجل ابراز هذه الفكرة والتركيز على جوهرها واهميتها، والتي جعلتني اسجٌل في الاهداء ان احمد سعداوي هو – غوغول العراق . ان هذه هي النقطة التي استطاع خيال احمد سعداوي وابداعه ان يلتقطها – من وجهة نظري المتواضع - في معطف غوغول بذكاء مدهش ورائع ويمررها عبر قلبه وعقله الابداعي وعبر الواقع العراقي الذي يحيطه، ويصل بها بالتالي الى هذه الذروة الفنية التي صورها على صفحات روايته الرائدة والاصيلة والجميلة والرائعة . وهناك شئ آخر، جعلني اربط بين غوغول وسعداوي، وهي قصة غوغول الاخرى – (اللوحة) ((او (الصورة) او (البورتريت) كما جاءت في بعض الترجمات العربية المختلفة)). هل تذكرون كيف تنبعث هناك الحياة في تلك اللوحة وكيف ينزل العجوز من اطارها ويبدأ بالحديث مع الرسام الشاب ؟، الا يذكركم ذلك   بانبعاث الحياة في الجسد التجميعي لجثث المقتولين في شوارع بغداد عند سعداوي ؟. ان كل هذه العوالم الغرائبية في رواية – (فرانكشتاين في بغداد)، (والتي أشارت اليها لجنة التحكيم للجائزة بدقة وموضوعية فعلا) تذكرني بعوالم غوغول الابداعية وخياله الفذٌ والمستند الى الواقع والمحلٌق في الوقت نفسه في عالم الفنتازيا الغرائبي، حيث يجد الحلاق في قطعة الخبز التي يقطعها انف ذلك الزبون الذي حلق عند ذلك الحلاق قبل فترة، وذلك في قصة غوغول الاخرى – (الانف)، هل تذكرونها، هذه القصة المضحكة والمبكية والواقعية والخيالية والطبيعية والغرائبية ؟ واتذكر الان وانا اكتب هذه السطور وجوه طلبتي في قسم اللغة الروسية عندما كنا نقرأ مقطعا من تلك القصة في مادة – (النصوص الادبية) للصف الثاني، وكيف كانوا يقهقهون ويرتعبون في آن واحد وهم يستمعون الى ذلك المقطع من قصة (الانف) ويترجمون كلمات غوغول همسا فيما بينهم وهم لا يصدقون، وهو على الاغلب نفس الاحساس الذي يخيم على قراء رواية سعداوي – (فرانكشتاين في بغداد) من العراقيين خصوصا ومن العرب بشكل عام وهم يطالعون سطورها المدهشة والغرائبية والمرعبة والواقعية والحقيقية والخيالية في آن، رغم ان اسمها يرتبط بافلام الرعب التي كنٌا نشاهدها ايام زمان، ولكني على ثقة تامة، ان (الشسمه) هذا يحمل صفات عراقية بحتة ترتبط باحداث مجتمعنا التراجيدية بعمق، وهو ما يفتقده فرانكشتاين .

 

مواقف وإشارات أديب كمال الدين

saleh alrazukلم أجد ما أقوله بعد قراءة (إشارات الألف) للشاعر أديب كمال الدين. ليس لأن القصائد فقيرة بالمعاني، وليس لأنني لم أفهم التجارب والخبرات التي وراءها، ولكن لأنها تدخل في مجال الاعترافات (من جهة) ثم مجال الابتهالات (من جهة ثانية).

في هذه الباقة من القصائد المتميزة تجد كل ميزات الحساسية الفنية الخاصة بأديب كمال الدين وكل العطاءات المتوقعة من الشعر الحديث .

إنها تتقاطع مع ماضيها ومع تجارب أخرى سمعنا بها.

وهنا لا بد من توضيح.

التقاطع مع الذات واحدة من أهم الصفات أو بالأحرى المزايا التي تربط شعرية أديب كمال الدين بالشعر. فهو يعمد للتكرار سواء على صعيد التراكيب والأمثولات والدراما والشخصيات ثم المعاني، ولكنه تكرار تأكيدي. الغاية منه الإصرار على الفكرة، وهذا يتطلب منه اعتماد أسلوب الإزاحة (سلاسل الإزاحة chains of displacement التي تحدث عنها دريدا في مضمار كلامه عن مذهب روسو الرومنسي). فالصور تحمل دائما إضافات توسع المعنى، إنها تعارض مقولة ابن عربي: كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، وتصبح بعد قليل من التعديل الطفيف: كلما اتسعت الرؤيا تطورت العبارة.

و يمكن ملاحظة ذلك من خلال نموذج لا تخلو منه مجموعة لأديب كمال الدين وهو محنة النبي يوسف عليه السلام وتجربة النبي نوح عليه السلام.

ففي (مواقف الألف) يغلب على كليهما صفة الإصرار إلى درجة العناد، وهو إصرار خلفه عزيمة إيمانية.

بينما في (إشارات الألف) يغلب على الشخصيتين صفة التحذير والوعيد. وهكذا يخرج المعنى من دائرة البحث عن الذات الضائعة وعن جوهر المعنى المفقود، ويدخل في مرحلة التبشير بالذات الكلية.

و الفرق بين المرحلتين ليس في الخطاب ولكن في طريقته.

فهو مباشر ومادي في (المواقف) ولكنه رمزي وكنائي في (الإشارات). وهذا يعني أن الذات التي كانت تبحث عن حقيقتها انتقلت إلى إرشاد الموضوع لحقيقة غيره.

ولمزيد من التوضيح: إن النبي يوسف في (المواقف) يعكس نقطة تثبيت وهي باختصار الألم الناجم عن المحنة والسقوط في غيابة الجب. ولكنه في (الإشارات) يعبر عن الخوف والخشية من الخديعة والدسائس والغواية.

ولذلك حتى لو أن شخصيته تبدو هي هي، شخصية بسيطة، وتكشف لنا الغطاء عن الصراع بين الغرائز الأساسية، بما تنطوي عليه من خير وشر، أو حركة وسكون، فإنه في حقيقة الأمر شخصية مركبة وتتكون من باطن (الدفن على قيد الحياة - المواقف) ومن ظاهر (تجربة التصعيد الفني وتهذيب الغرائز - الإشارات).

وهكذا يمكن لنا أن نفهم التكرار في قصائد أديب كمال الدين بنفس المعنى الذي أشار إليه لاكان. إنه عبارة عن مكبوت يتطور في اللاشعور. وكلمة " تتطور " تعني ضمنا أنه يمر بمراحل ومحطات. وبعبارة أخرى تعني حتما أنه ينضج نفسيا ويبدل من محتواه. ألم نسمع بالحكمة اليونانية: إن الإنسان لا يسبح في مياه نفس النهر مرتين؟!.

إن هذه الحكمة هي خير تعبير عن العلاقة المحتملة بين المكبوت واللغة (انظر: ص ٥٠-٥١، المفهومات الأربع للتحليل النفسي- لاكان. طبعة بنغوين. ١٩٩٤).

فإذا كان المكبوت مبدأ يعمل من فوق الطبيعة والواقع فأساليب التعبير عنه تتأثر بالحياة وقوانينها، سواء لدواعي التهذيب أو السياق.

و أنا لا أتصور قصيدة من غير حروف وكلمات، وكلنا يعلم أن اللغة تخضع لشروط وقواعد.

والأمثلة أكثر من أن تعد وتحصى. مثلا إن معنى المضاف يختلف حسب اختلاف المضاف إليه.

فشجرة الطفولة التي تدل على الخير والنماء والأمل هي غير شجرة الموت التي (كما قال بالحرف الواحد) لا تحب المزاح ، وطويلة كجهنم، ولا تحمل ثمارا لذيذة ملونة (ص٢٥- شحرة الحروف . دار أزمنة).

وقل نفس الشيء بالنسبة للحلاج. مع أنه اسم علم وله تاريخ معروف. فهو أشبه بفراشة تحترق بنور القلوب المعذبة في قصيدة (إني أنا الحلاج) والتي يقول في بدايتها:

لا تقترب من ناري.

من نار قلبي وسري.

فإني أخاف عليك من النار (ص١٧- أقول الحرف وأعني أصابعي. الدار العربية للعلوم).

و لكنه في (إشارة الحلاج) يصبح رمزا للحب المقدس أو الايمان. فيناجي ربه في مستهل القصيدة بقوله:

إلهي،

حين ارتبكت حاء الحلاج

في باء محبتك الكبرى..

و الفرق بين القصيدتين واضح. مثل الفرق بين الاكتواء بنار وعذاب التجربة وبين التحول إلى رماد نذروه في مياه دجلة .

***

أما بالنسبة للتقاطع مع فن الشعر فيدخل في باب ما نسميه المؤثرات والمصادر.

و أرى أن أهم مصادر أديب كمال الدين هي القرآن الكريم وبعض التجارب والخبرات. وأضيف لها الفولكلور الديني والأسطورة.

و مع ذلك (شكليا) كتب مطولات شعرية تذكرنا بما فعله سميح القاسم في (كولاج) ويحيى السماوي في (مناديل من حرير الكلمات) ومحمد عمران في (كتاب الملاجة) و(قصيدة الطين).

و لكنه كان نسيج وحده.

فسميح القاسم ومحمد عمران وضعا القول الشعري جنبا إلى جنب مع الأنشودة الشعرية. كانا يترنمان بعذاب الأمة ونكساتها وهزائمها ويضيفان لذلك تأملات بصيغة الإخبار. بمعنى أن القصيدة لديهما كانت تتألف من متوازيات غير متماثلة لا في التراكيب ولا الاتجاه. وكانت تندرج كلها في بناء عمودي واحد من خلال وحدة المعاني.لقد كانا يشيدان صرح القصيدة بمفردات تجدها في البيئة المحلية. الموت والعنف والدمار لدى سميح القاسم. والطبيعة والبحر والتراب (ليس الأرض وإنما غبارها ، ليس الصخرة ولكن بقاياها) عند محمد عمران.

أما يحيى السماوي فقد حاول الضغط على الأصول الشعرية لقانون القصيدة ولجأ للتحميس والخطابة والمناداة والمناجاة، وكان هجوميا وساديا في المديح والهجاء. كان يفتك بأصدقائه قبل أعدائه من خلال لغة تلتهب بنار عاطفته. وبما يصوره من رعب وشقاء وعذاب وفوضى.

ولكن أديب كمال الدين أعاد إنتاج سيرة نشاطه النفسي.

لقد كان يفسر ويشرح أكثر مما يلاحظ ويدون.

حتى المكان والأحداث والأساطير عمد إلى تفكيكها وإعادة إنتاجها حسب رؤيته. كان يضع كل الملاحظات في أتون أو نار حياته النفسية ويعيد تكوينها بشكل أحلام دامية أو كوابيس.

وعلى ما أرى كانت المطولات الشعرية السابقة كلها تعمل حسب إيقاع وفروض مبدأ التصعيد. إنها نضالية تعمل على تحرير الأرض أو الإنسان. أو غزلية تعمل على إطلاق سراح المكبوت.

ولكن مواقف وإشارات أديب كمال الدين عملت حسب مبدأ الكاثاريسيس (التطهير). إنها تثير ما لدى الإنسان من نوازع للخير والشفقة على الذات.. بنبرة استسلام وخنوع في (المواقف)، وبنغمة حزن في (الإشارات).

 

نقطة أخيرة.

إذا كان الشاعر أديب كمال الدين في كل تاريخه غاضبا ومتبرما، أو ناقما ويطلب المغفرة على ما اقترفته يداه من خطايا، فهو في (إشارات الألف) لا يكتفي بمخاطبة إلهه، ولكن يلفت نظره لإخلاصه بلغة يشوبها الاعتزاز وتمجيد الذات.

مثلا يقول في قصيدة إشارة نهاية الحرب:

إلهي

خرجت من الحرب منتصراً،

حرب الطغاة والأوغاد والأعدقاء.

خرجت منتصراً أجر جثّتي بيدي في الطرقات ليل نهار!.

و يقول في إشارة الطريق:

وكنت مضيئا

إذ لم أعد أسمع رنين الذهب

ولا أرى جناح غراب الشهوة الذي تبعني،

من قبل، كظلِّي.

في الطريق إليك كنت سعيداً كغيمة

لأنني احتفظت في قلبي بلغة الماء..

رحلة علي عيدان مع قصيدة النثر .. و(هنالك.. وأبعد)

jasim alayffأوائل عام  1974 أصدر الشاعر العراقي (علي عيدان عبد الله) مجموعته الشعرية النثرية الأولى / دار العودة- بيروت/ بعنوان "لائحة شعر رقم-1 -" وتعود تواريخ قصائدها إلى ما قبل سنة إصدارها بسنوات، فتعرض من قبل السلطات الثقافية- الأدبية الرسمية، ومَنْ معها وساندها كذلك، في مدينته (العمارة)/ 280 كم شرق بغداد، إلى مضايقات وتقولات وشكوك  لا حصر أو عد لها، ورأت في ما أصدره (علي عيدان عبد الله) بمثابة دعوة (شعوبية جديدة)  لنبذ التراث الشعري العربي والاستهانة به، ويجب وأدها في مهدها، قبل أن تستفحل!!. لم يستطع (علي)، ولوحده حينها، مواجهة تلك المضايقات والتوجهات والتقولات الرسمية، العلنية، وسؤ النوايا السلطوية- الثقافية وتداعياتها ومخاطر أثمانها. فـ(هرب) بسبب مجموعته تلك، وتوجهاته في كتابة  قصيدة النثر، من مدينته (العمارة) إلى مدينة  (البصرة) 180 كم شرقاً. في (البصرة) ومع انفتاح مشهدها الثقافي - الفني، خلال مرحلة منتصف السبعينات، لم يُقدم (علي عيدان) نفسه، على مدى ثلاثة عقود وأكثر، في أي نشاط ثقافي - أدبي عام، وبقي محتفظاً بصداقات محدودة جداً، وعاش منذ ذلك الحين، دون أن يتخطى الحواجز التي رسمها لنفسه، لكن ذلك، لم يمنعه من مواصلة مشروعه في كتابة قصيدة النثر بإصرار وعناد لا حد لهما. فاصدر في العام 1976 مجموعته "الخطى"، وفي 1977 "حوار الفصول"، وفي1984 " المسرات لي"، وفي 2991  "موجز النّار" وفي 2001 "الأبيض القصي". بعد  التغيير،  بدأ (علي عيدان عبد الله) التردد على الوسط الأدبي- الثقافي في (البصرة)، وأصدر مجلة (تواصل) وترأس تحريرها، متحملاً تكاليف إصدارها. وعبر (تواصل)، والاسم الذي أطلقه عليها، سعى (عيدان) لـردم عزلته، السابقة، والتعويض عن تلك العقود المُرّة، فاستقطب كثيراً من الأقلام، من الجنوب العراقي بالذات، والتي ساهمت في الكتابة فيها. وكان يخصص افتتاحية كل عدد لأحد الكتاب بعد افتتاحية العدد الأول التي عرض فيها نهج (تواصل) وأفقها وما تسعى إليه، وكتب بعض الأدباء والكتاب تلك الافتتاحيات بناء على طلب منه ومعه الشاعر البصري (خضر حسن خلف) والذي كان مديراً لتحريرها. وقد كُلفتُ بكتابة افتتاحية احد الأعداد.وكنتُ على دراية بالضغوط المادية التي يعانى منها (عيدان) والتي  ستحول دون مواصلة صدور (تواصل) ما لم تمول من جهات مدنية - رسمية في المدينة أو مساهمات جماعية تسعى لتقاسم كلف صدورها لفتح أفق جديد في تجربة المحافظات العراقية، عبر إصدار مطبوع ثقافي- أدبي شهري حر، ومستقل، ومعني بالحداثة، والتجريب، ولا هيمنة لأحد عليه، وتساءلتُ في ما كتبته، في افتتاحيتي تلك، عن المصير الذي سيواجه (تواصل) في قادم الأيام؟. وجاء في نهاية كتابتي:" هل تستطيع (تواصل)، وعرابها (علي عيدان) وقلة جداً، من الأصدقاء المحيطين به وبها، تجاوز معوقات الإصدار المادية "؟!. بعد عدد واحد على مقدمتي تلك احتجبت (تواصل) عن الصدور بسبب غياب الداعمين. وكتب (علي عيدان) افتتاحية العدد الأخير مقدماً رثاءً مراً وحزيناً، معلناً توقفها ، وأضاف:" أن هذا لا يعني انتهاء مغامرة إصدارها أو مشروعها التحديثي، فالعزلة قد تبددت والجدران قد أنهدت، ولعل الخوف الكبير قد تلاشى أو في طريقه لذلك". لحد ما بدأ (علي عيدان) يساهم في المشهد الثقافي والأدبي في البصرة وساهم في الكتاب الالكتروني الذي أصدرته، بعد التغيير، صحيفة (إيلاف) الالكترونية اليومية، تحية منها لأدباء وكتاب البصرة، كونهم وفي تلك الظروف التي تمر بالعراق وبالذات في بداية الشهر الخامس عام 2003 أول من أعاد، وخلال مؤتمر عام للهيئة العامة وشهد حضوراً متميزاً وفعالاً لغالبية أدباء وكتاب المدينة، هيكلة اتحاد الأدباء والكتاب وإسقاط شرعية الهيئة الإدارية السابقة، وحماسهم  خلال ذلك الزمن العراقي الصعب ولحظاته الخطرة المريرة ، القاسية،  ممارسة النشاط الثقافي- الأدبي وعقد أكثر من جلسة ثقافية أسبوعياً، في مقهى شعبي، بعد الاستيلاء على مقرهم بالقوة( المحوسمة). وكانت جلساتهم الثقافية والأدبية تقام تحت مطارق (حواسم ولصوص) عراق ما بعد 9 /4 /2003، وكذلك إصدارهم مجلة (فنارات) وهي أول مجلة ثقافية- أدبية تصدر في العراق بعد التغيير، وعملهم على إعادة مهرجان (المربد) إلى البصرة بعد أن تم الاستحواذ عليه  سابقاً ونقله خارجها . كما ساهم (علي عيدان) في مجموعة شعرية أصدرها اتحاد أدباء وكتاب البصرة، ضمت عدداً من شعراء المدينة، بعنوان (عزلة من زمرد). وقد حاولتُ معه، وكنتُ حينها منسقاً للنشاط الثقافي- الأدبي في الاتحاد،  في أن تُكرس له جلسة خاصة بصفته احد رواد قصيدة النثر العراقية، فاعتذر بلياقة . لكنه بقي يتواصل مع النشاط الثقافي في المدينة، وصدر له ضمن مطبوعات اتحاد أدباء وكتاب البصرة مجموعته (الوضوء بالأزرق) عام 2004، وكذلك دأب على الكتابة في صحيفتي (المنارة والأخبار)، البصريتين. في عام 2008 وفي البصرة اصدر مجموعته (وبعد...). عاد بعدها إلى مدينته (العمارة) دون خوف أو خشية مما ستسببه له قصيدة النثر التي اتسع مشهدها في مدينته (العمارة) والتي غادرها في الماضي بسببها. جوهر الشعر يتولد من التجربة الشخصية ومن حرارة الروح وحدسها ويأسها وحتى من حزنها الذي يؤجج المشاعر ولعله قد يدفع للفرح، بالترافق مع ثقافة منفتحة متجددة وغنية إنسانياً. مجموعة علي عيدان عبد الله، الأخيرة (هنالك.. وأبعد)* تكشف عن أفق جديد في تجربته بعد إصدار هذا العدد من الكتب التي لم يفرط فيها بقصيدة النثر مطلقاً. فبعد أن تلامست تجربته السابقة مع أشكال متعددة نوعية في كتابة قصيدة النثر جرب فيها الانشغال تارة بالهاجس اللغوي أو الشكلي والذاتي، نراه هنا يفتح أفقاً آخر لتجربته وهو الانفتاح على الخارج والثيمات الأسطورية واستخدام الاستعارات والشخصيات والرموز التاريخية والمعاصرة لاستنطاقها وكبح جماح الذات..تلك الذات المتضخمة والتي لا ترى فقط إلا انعكاساتها بنرجسية عالية:

"يقول سرفانتس:

إذا وقع الحجر على الإبريق

فالويل للإبريق

أما إذا وقع الإبريق على الحجر

فالويل للإبريق

هذا ما تركه المشّاؤون

فأيّ تَرِكةٍ ؟".

....

"في (بوب الشّام)

 امسكني من يدي

وأجلسني إلى جانبهِ

وقال:

متى يكون الظلُّ

ألطف من شكلهِ؟

قلتُ:

كأن الشمس

قد خرجت تواً من(القوس) وكأنك

ذلك التو..".

....

" أمس..

هنا.. وفي المكان بالـذّات

كنتُ اسمع ضجيجاً

لا..

لم تكن(إيثاكـا)

تلك المدينة التي

تهبك الغنى غير المتوقع

 بل

مدينة (كويتزي)

تلك المدينة التي

تفرض عليك- الحـل ".

....

" في سجن (تروجيلو)

كتب سيزار فاليجو على الجدار:

علينا القتال من اجل أخراج

أنفسنا من خرم الإبرة.

سيزار فاليجو

لم يعلم

أنّ الأرقام لا نهاية لها ".

قصيدة علي عيدان في (هنالك ..وابعد) باتت قريبة الصلة ومتواشجة ،مع استفادته الغنية الواضحة، من تجربته الشعرية، وثمة ما يبعد عنها الترهل الزائد ومحكومة بانضباطٍ سردي واقتصاد في اللغة حد التقطير :

"في المساء

اجلس على ضفة نهر المدينة

 ماداً يدي

باسطاً كفي

ماذا يعتقد المارة؟

إنني انتظر

نجماً يقع..".

....

" أنا أفضل

من الغد

لأني

وصلت قبله ".

....

"غالباً

ما أتقن عملي

لفرصة..

 قد لا تتكرر".

الكلمات هنا  ندية والعبارة باقتصادها  تستغرق وتهيمن على المعاني والتفاصيل وكذلك معنية بكلية المشهد بشكل تبدو وكأنها يوميات متدفقة لا تتجاهل الواقع المسكون بالتجلي:

"الرداء

لا ضيق فيه

بل المرتدي

يعاني طلب الإيجاز".

....

"ليست هناك كلمة

اشد وطأةً

على قلبي

من كلمة:

شئتَ أم أبيت".

....

"تكون الأرض

بحجم حبّة قمح

كما كان المجد بحجم (الكـوبك)

ذاتَ يوم

عندَ ذاك

وعندَ ذاك فقط

يكون الموتُ

سلِساً".

في حوار مع الشاعر الإيطالي " يوجين مونتالي"، الحاصل على جائزة نوبل للآداب منتصف السبعينات، ذكر أن:" الشعر أرخص الفنون كلفة، انه لا يتطلب غير قلم صغير من الرصاص تمسك به أصابعك، وورقة مهملة لا تثير المارة جنبك، ويمكن أن تلتقطها من أي رصيف تسير عليه في شارع ما"؟!. وأضاف: "مونتالي": "لكن السر الكبير.. يكمن ويقف خلف الروح المستعرة التي تخلق وتملي، الكلمات، على تلك الأصابع". "هنالك.. وأبعد" تكمن خلفها تلك النيران المستعرة في الروح. تلك الروح التي أشار إليها(مونتالي). فثمة تجلٍّ للواقع العراقي الراهن، بكل عذابه، ونكوصه، ودمويته المتواصلة، ويهم الشاعر كموقفٍ وقول:

" خوسيه ساراماجو

قيل:

حين يموت الأطفال

يصبحون ملائكة

لذا من المؤكد:

أنّ غالبية الملائكة الصغار في السماوات

هم عراقيون".

*- دار فضاءات - الأردن - الغلاف للفنان- صدام الجميلي.  

 

سِحر الطبيعة وأنغامُها في سمفونية بتهوفن السادسة

358-pitالسمفونية السادسة أو "السمفونية الرَعوية" هي مِن السمفونيات المُمَيّزة للموسيقار بتهوفن، فهي ترسُم لنا صورة ساحِرة عَن الطبيعة، وتصِف لنا في نفس الوقت مَشاعر الإنسان تجاهَها بأعذب الأنغام والألحان. هي تُعَد الى جانِب السمفونية الرينانية (نسبة الى نَهر الراين) للموسيقار شومان، وسمفونية (أحلام الشتاء) لجايكوفسكي مِن أروع المَقطوعات التي أولفت عَن الطبيعة وعَبّرَت بجمالية عَن صوَرها اللونية مِن سَماء وحُقول وأشجار باسِقة وزهور مُتفتحة زاهية، وعَن مَلامِحِها الجغرافية مِن سُهول ومياه وهِضاب وجبال، وعَن أصوتها كخرير الماء وزقزقة طيور السمان والوقواق والعَندليب وهَدير الرياح.

لقد عُـرف عَـن بتهوفن عِشقه للطبيعة وللتجوال في الهَـواء الطـلِق، وعِند تأليفه لهـذه السمفونية كان مُقيماً بأطراف فينا، ويَبدوا أن هذا العِشق بالإضافة لعَبقريته الأسطورية ساعَداه على تأليفها وإنجازها على أكمَل وَجه رَغم الصَمَم الذي كان قد أطبَق على سَمعِه بشَكل كامل قُبَيل بَدأه بتأليفها. "ذكريات وصوَر مِن حَياة الريف" هكذا وصَف بتهوفن سمفونيته السادسة وأضاف"سَعادتي لا توصَف وأنا أتجوّل بالحُقول والغابات وبَين أعشابها وصُخورها وأشجارَها، فهي تُعطي المَرء كل ما يَحتاجه مِـن مَصادر الإبداع". وفعـلاً جائته فكرة تأليف هذه القِطعة الساحرة مِن روح الطبيعة عام1803 خلال تجواله بضَواحي الريف المُحيط بفينا، وأنجزها عام1808، وهي لا تصِف الطبيعة بشَكلها المُجرد فقط بل وحياة الريف المُرتطبة بها وبأجوائها وبظروفها وتقلباتها. لذا لا يُمكن للمَرء أن يَستمع الى هذه السمفونية على أجزاء وبشَكل مُتقطِع، وإن فَعل فإنه لن يَستمتع بها كما يَجب وكما أراد لها مؤلفها أن تكون، فهي قِصة مُتكاملة لن نفهَمها اذا لم نستمِع الى كل فصولِها وأجزائِها لتبدوا لنا الصورة واضِحة ومُتكامِلة ومُمتِعة وذات قيمة وفائِدة.

358-pit1في الحَركة الأولى مِن السمفونية يَصِف بتهوفن صَحوة مَشاعر البَهجة حينما يَصِل المَرء للريف ويُصبح بأحضان الطَبيعة التي يُصَورها لنا هنا برَوعة وإتقان عِبر حِوار لحني دافيء خَلاب، مُستخدماً الوتريات مِن جهة للتعبير عَن تمايل سَنابل حُقولها الخصبة وطرقها المَكسوة بالعُشب الأخضر وتِلالها التي تترائى سُفوحَها مِن بَعيد، والهوائيات مِن جهة أخرى خُصوصاً الأوبو والفلوت ليَسمِعُنا تغريد العَصافير وزقزقتِها وهَفيف الرياح ونَسائمُها الى دَرجة أنها تكاد تتجَسّد لدى المُستمِع للحَركة.

أما الحَركة الثانية فيَبدوا أن بتهوفن أرادَها أن تكون الهدوء الذي يَسبق العاصِفة التي تنتظرنا في الحَركة الرابعة ويُنذرنا بإقترابها، فهي صورة للحَظات إسترخاء عِند جَدول صَغير تعَود بتهوفن أن يَجلس على ضِفته مُتأملاً الطبيعة وأسرارَها ليَصوغها لنا أنغاماً ساحِرة، فهي تمتاز ببُطئِها وعُذوبة أنغامِها حَتى يُخيّل للمَرء أن بإمكانه أن يَستنشِق هَواء الريف العَليل ونسائِمه المُنعِشة المَصحوبة بأصوات الطيور.

في الحَركة الثالثة أراد بتهوفن أن يُعبّر لنا عن أفراح أهل الريف وإحتفالاتهم بمَواسِم الحَصاد، بَل وأرادَنا أن نشعُر بسَعادتهم، حَتى أنه أبدَع لحنا شَعبياً قصيراً يُمكننا أن نمَيزه وسط أنغام الرَقص والغناء التي تمَيّز هذه الحَركة. لكن وعلى غِرار سمفونيات بتهوفن التي تدخل حَركاتها الأخيرة على التي تسبقها بدون وقفة، تُطبِق العَواصف الرَعدية على طقوس الإحتفال ومَظاهِر الفرَح قبل نهايتها لتقاطعَها بشَكل درامي مُفاجيء مُنذرة بحدوث ما ليسَ مُتوقعاً، يَتبَعها بَرق ودَوامات رياح يُبدع بتهوفن بتصويرها صُعوداً ونزولاً بإيقاع قوي يُشعِرنا أننا بقلب العاصِفة نسمَع هفيفها وتتقاذفنا رياحَها التي يُخيّل للسامِع أنها سَتأخذه مَعَها. لذا فهي تعَبّر أيضاً عَن تلك العِلاقة الأزلية الشائكة بَين الإنسان والطبيعة، وعن ذلك الخوف الكامِن داخله تجاهَها، وعَجزه عَن مواجَهة نزواتها مُنذ بَدء الخليقة حَتى يَومنا هذا.

لكن كما إن بَعد كل شِدّة فرَج، فإن بَعد كل عاصِفة سَكينة وسَماء صافية وشَمس تُشرق على الأرض لتُعيد أليها جَمالها ونَضارَتها، ولتعيد لأهلها إبتساماتهم وأفراحَهُم وأمَلهُم بغَـد أجمَل، وهذا ما تعَبّر عَنه الحَركة الخامِسة والأخيرة للسمفونية، فهي تبدأ بلحن هاديء رَقيق يعَكِس لنا مَشاعِر الراحة والإمتنان التي يَشعُر بها المَرء بَعد تلاشي العاصِفة وعودة الطيور والحيوانات والناس الى الظُهور تدريجياً بَعد أن زال خوفها وحَل بَدلاً عَنه أمان وطمأنينة تعكسُها هذه الحَركة التي تنحى أنغامَها في النهاية مَنحاً أكثر سُرعة وبَهجة وفرَحاً تنتهي به هذه التُحفة الموسيقية التي ترَكها لنا أسطورة الموسيقى العالمية بتهوفن.

 

مصطفى القرة داغي

مقدمة في فن العمارة الفرعونية

zouher sahebتتفاعل في تكوين سمات الاسلوب لدى الفنان عوامل شتى، اهمها اجتهاد الذات، والرؤية الخاصة، ونظم المرجعيات الفاعلة في التكوينات الفنية، والمنهج المتبع والذي يقرر نظم التشكيل، واحداث المحيط الخارجي الثقافية المؤثرة، والوسيط البيئي وغيرها، وتجد ذات الفنان في الفنون التشكيلية المصرية كعملية ابداعية موقعها ضمن المجموع، دون تشخيص أي تقاطع ما بين الخاص والعام. فهي الذات الرائية وربما الساحرة التي تحيل اسرار الكهنوت، الى دلالات شكلية مائلة للعيان ومتمثلة للادراك. ومع كل هذا لم تكن خصوصية ذاتية متمردة فوضوية وربما حتى عبثية كما يحصل في فنون الحداثة المتاخرة، انها تجد خصوصيتها ضمن المجموع، تجد عبقريتها في الاطار العام للفكر، تعمل وتبدع وتبتكر صمن نظم المرجعيات المؤثرة في حركة المضامين وحركة الاشكال. باعتبارها قوى ضاغطة ومحركة لأنظمة الاشكال.

 595-sahib

ولعل اهم ما يميز حركة المضامين وحركة الاشكال في فنون وادي النيل، هو ميلها الى الثبات وابتعادها عن الثورات الكوبرنيكية في الفن والتحولات الملحوظة والمميزو في الاسلوب. وتفسير ذلك، هو استناد الاسلوب في الفنون التشكيلية المصرية الى نظم من المرجعيات القوية والمؤثرة، واهمها البيئة، والدين والملك والفكر الكهنوتي، وخصوية نشدان الابدية والخلود في بنائية الفكر المصري. هذه المرجعيات التي عملت بفاعلية المغناطيس في اجتذاب الاشكال وتقرير اتساقها ونظمها، كان لها من الثبات والاستقرار الشيء الكبير، فهي قوى ايديولوجية هامة في رسم سمات الفكر، والذي لم يشهد احتكاكا حضاريا خارجيا، مما جعله يحمل سمات الاستقرار والثبات وربما حتى النمطية والتشابه، وان وجدت تحولات بسيطة في نظم الاشكال وسماتها المميزة، فانها لم تصب الجوهر، وبقيت تعمل ضمن انظمة النسق العامة، باعتبارها سمة مميزة للنظام، الذي اوجد التشكيلات المصرية، ما عدا ثورة اخناتون الدينية، فان لها من الخطورة، في تحول الاسلوب، مما جعلنا نفرد لها فصلا خاصا في نهاية هذا الكتاب.

وبفعل ثبات السمات الاسلوبية المميزة للاشكال، والمستندة الى ثبات محركات الفكر العامة، فاننا سنميل الى مناقشة الفنون التشكيلية، كحالات منفصلة، بدلا من تتبعها التاريخي عبر العصور، لكون هذه الالية في التحليل والتركيب، تتوافق بشكل سليم مع خصوصيات المنجزات التشكيلية الابداعية من بلاد وادي النيل، مع الاخذ بنظر الاعتبار اتباع دراسة تحليلية مقارنة لسمات الاسلوب بين الفترات التاريخية، حين تقتضي الضرورة التحليلية التركيبية للمنجزات التشكيلية مثل هذا التشخيص.

يمكن اختزال تعريف العمارة، الى انها نشاط واع، يستخدم خامات، يُبدع اشكالا ذات ثلاثة ابعاد في فضاء حر. وهي ضمن هذه الماهية، تعتبر فناً من الفنون التشكيلية، شأنها شأن الرسم والنحت. والفن المعماري اكثر الفنون تجريدا، فهو فن لا موضوعي، استحال فيه المضمون الى شكل، وشأنه في ذلك شأن الموسيقي، نوعا من البنية الرياضية التي تعرض ذاتها كانظمة اشكالا بدلا من ترديد التجربة الخارجية، الا ان اشكالية فن العمارة الاساسية هو ارتباطها بوظيفة، ذلك ان الوظيفة تتدخل في كثير من الاحيان بشكل فاعل في تقرير انظمة الاشكال، ولا ضير في ذلك، فاذا غادرنا قوانين الفلسفة المثالية في رؤيتها لجماليات المنجز التشكيلي، سنصل الى جمالية العمارة في تضايف او تعالق انظمة الوظيفة وانظمة الاشكال.

595-sahib2والعمارة رغم شكلانيتها، وباعتبارها واحدا من اجناس الفن التشكيلي المهمة، تتأثر بنوعية البنية الثقافية للعصر، وتتحدد بنظم من المرجعيات والافكار العاملة كقوى فكرية ضاغطة في زمانها ومكانها، ذلك ان الانساق الشكلية المعمارية، يمكن ان تتصف بسمات العمارة الاسلامية في سعيها نحو المطلق، او تكون كلاسيكية، عندما تقع وفق قوانين وانظمة النسق الكلاسيكية المعروفة في الفنون التشكيلية وهكذا، فالعمارة إفراز مهم من افرازات الحضارة، وتتصل وتعبر عن فلسفة الحضارة التي تنمتي اليها. فالعمارة السومرية التي استحالت الى عدم بفعل ارتكازها الى قدسية الطين، هي في فلسفتها عمارة روحية، عاشت لزمانها ولروحانيتها وانظمتها الميتافيزيقية، فلو بُعث السومريين مرة اخرى، لم ياسفوا لمثل هذا الزوال المادي، ذلك ان أزلية الروحي في الثقافة السومرية هي المنتصرة على حساب ضآلة المادي بكل اعتباراته، في حين يمكن قراءة بلاغ الخطاب التشكيلي الذي تبثه العمارة الآشورية، والتي صمدت امام اعتداءات الطبيعة والزمن بفعل مادتها الحجرية الصلبة، الا انها تذكر بعظمة ملوك بلاد آشور الذين حكموا اعظم امبراطورية في الشرق، ووضعوا اولى لبنات الفكر الامبراطوري في تاريخ الحضارة العالمية، وفي نظم الاشكال في العمارة الاغريقية، استحال الجمال المثالي للشكل البشري باعتباره اسمى شيء في الوجود، الى قانون في رسم سمات النسق الشكلي للمعابد الاغريقية، والتي هي بحد ذاتها، قراءة رياضية للنص المعماري كنظام، بدلا من الثقل العضوي للعمارة الباروكية، المثقلة بالتفاصيل، والمترهلة بالفخامة المصطنعة، ولقد قيل: ان العمارة الغوطية في انساقها الشكلية الروحية ومنائرها العالية، بأن السماء قد بكت فتجمدت دموعها على هذا المنوال.

ويعتبر فن العمارة واحدا من اكثر اجناس الفن التشكيلي تأثرا بالبيئة الطبيعية، كوسيط فاعل في تقرير الشكل وخامات البناء والتشييد، فعمارة سومر جنوب ارض الرافدين من الطين واللبن، لخلو السهل الرسوبي جنوب العراق، من اطنان الحجر اللازمة للبناء، وهي رخامية في الحضارة الاغريقية، بفعل رخاء البيئة اليونانية بمثل هذه الخامات الجميلة. والأهم من ذلك، هو ان وسيط البيئة الطبيعية، كثيرا ما يقرر نظام الشكل في المباني المعمارية، ذلك ان سقوف المعابد الاغريقية جملونية الشكل (سنامية) بغية تسريب اكبر كمية من الامطار والثلوج التي تميز البيئة الطبيعية اليونانية شتاءا.

ورغم كون المباني المعمارية انظمة شكلية تجريدية، الا انها تحتفظ بقيم رمزية مهمة، ذلك ان الخطاب التداولي التشكيلي، قد استحال بها الى تأويل رمزي، ذو بنية مفاهيمية واسعة ضمن نشاط فعل العمل الفني سوسيولوجيا، ان المعبد، كنسق شكلي، يحتفظ كبيئة مكانية، بشفرة التقديس والتبجيل على مر العصور، فقد وجد قدسيته كنظام علامي، بفعل تقديس بنية الفكر الاجتماعي واجلالها له، ذلك ان روح الإله قد حلت به، فارتفع من اعتباراته المادية نحو عالم الروح القدسية، فهو مبجل بفعل مثل هذا الحلول ذو الطبيعة الفتشية.

595-sahib3 

ان دراسة تحليلية تركيبية لنظم العلاقات التي تميز الابنية المعمارية، تظهر انها بمثابة نسق من العلاقات الرابطة بين مجموعة من العناصر البنائية، وان المهم هنا، هو ان اهمية أي عنصر في التكوين المعماري، متأتية من نظام الترابط والتفاعل ما بين هذه المكونات التركيبية. وضمن هذه المنهجية النقدية في دراسة فن العمارة، وسنجد انها كمكونات، او نظم تركيبية، او دلالات تتصل بالمعنى والتأويل الرمزي، تلتقي مع الفنون التشكيلية التقاء قريبا، فلا فرق لدينا بين تمثال لأي نحات ومن أي عصر كقيمة تحليلية تركيبية لنظم العلاقات، وقيمة المباني المعمارية، فقد قال بيكاسو : اريد ان أسَلّم منحوتاتي الى المهندسين المعماريين، لتستحيل الى اعمال معمارية. كم هو جميل اذن ان يقيم المرء في جوف تمثال.

حين نفكك تركيب البنية المعمارية، باعتباره نظاما شكليا تجريديا، يكون الخط احد عناصره المهمة، حتى ان البنية المعمارية بحد ذاتها، تكاد ان تكون نظاما تركيبيا خطيا. شأنها في ذلك شأن لوحات موندريان الهندسية، والتي استحال فيها التكوين الى نظام من التركيبات الخطية، اما الفضاء فهو احد عناصر البنية المعمارية المهمة، ويقرر في كثير من الاحيان نظام التجربة الجمالية الشكلية في العمارة. وفي العمارة فضائين احدهما خارجي، يكّون جماليات الشكل الخارجي، الذي يقرر نظام تركيب السطوح المعمارية، والاخر داخلي يرتبط بالوظيفة المعمارية في خصوصيته.

ان تجارب كرافاجيو وفيرمير ورمبرانت، تؤكد اهمية الضوء والظل في جماليات نظام السطح للوحة التشكيلية، وكذلك فان تجارب مبدعي الاعمال الفنية التشكيلية في اتجاهات الحداثة، تؤكد اهمية تفاوت الملامس، كظاهرة جمالية في خصوصية سطح اللوحة التشكيلية، فقد غدت اعمال الرسام الاسباني انطونيو تاييس وغيره، نظاما لتفاوت الملامس على سطح اللوحة، هذا النظام من اسس العلاقات بين العناصر، هو الخصوصية الجمالية لهذه الابداعات. ويرتبط هذا النظام من الشعور او الاحساس بالجمال في بنائية الاعمال الفنية التشكيلية، بفن العمارة، وذلك بصدد مفهوم النسق الفني التشكيلي التجريدي، بخصوصية الملمس التي تميز السطوح المعمارية الداخلية والخارجية، ومظاهر الضوء والظل المتجسدة فيها، تلعب دورا ربطا في نظم العلاقات التي تؤطر فن العمارة باعتباره نسقا تشكيليلا، وبنفس المفاهيمية، يلعب اللون دورا تشييديا وتعبيريا وجماليا في نسق الفنون التشكيلية والمعمارية، ذلك ان الازرق في رسوم (الواسطي) يمتلك ذات التأثير في نسق الصورة المعمارية، حيث قباب العمارة الاسلامية الزرقاء. ويتوج نظم العلاقات الرابطة بين العمارة وفنون التشكيل، هو ذلك التعالق الجميل، بين فنون الرسم والنحت مع المباني المعمارية، بدءا من رسوم الكهوف - المعابد السرمرية - القصور الآشورية - مباني مدينة الحضر العربية - الابنية العمارية الاسلامية - وحتى اعمال (مايكل انجلو) في كنيسة السستين في ايطاليا من عصر النهضة الايطالية.

كان لابد لنا، لمثل هذا التقديم، في بغية توضيح منهج دراستنا لفن العمارة في بلاد وادي النيل، والتي تعتبرها دراستنا هذه، على انها واحدا من اجناس الفنون التشكيلية المهمة اضافة الى الرسم والنحت، وتأسيسا على مثل هذه الرؤية، وسنوضح اهم مميزات فن العمارة المصرية القديمة.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

 

استعراض الديوان الشعري (بعد فوات الاوان) للشاعر مصطفى المهاجر

goma abdulahلوعة قساوة الغربة، ومعاناة الحنين لفراق الوطن، وحالة الاغتراب عن الوطن، بمرارتها الموجعة للغريب، اصبح مادة شعرية تعزف على انغام الاناشيد الحزن الطافح في الروح، وثنايا عذاب الاحاسيس والمشاعرة المحروقة والمتعذبة بعشق الوطن البعيد، وكثير من الشعراء جسد هذه الهموم الحارقة بالوجع النازف، التي تكتوي بنيران الوطن البعيد، ومنهم شاعر الغربة الحزينة (مصطفى المهاجر) وفي مجموعته الشعرية (بعد فوات الاوان) وهي مرسومة باللوحات التي تطوف في سماء الوطن، بعنفها الحزين والغاضب، وبشوقها المتفجر في الروح، بتراتيل الحزينة، وهي تنشدة اناشيد الفراق عن الوطن الحبيب، المسكون بالهموم والحسرات الحارقة في القلب، كأن كل خلية من الوطن البعيد، تتوهج داخل الروح ووجدانها المعذبة، بغياب الوطن، ان هذه الحالات التي تنزف في الروح قيحاً ودماً، تخلق بواعث الوحشة الكئيبة، التي لاتغيب عن، خارطة الاحزان ودروبها مسارتها الضيقة، انها (يوتوبيا) باوسع امواجها العاصفة والعاتية، بالتوجع الشديد للقلب واشواقه، بمفرداتها التي لاتغيب عن عذابات القلب المذبوح بسكينة الوطن، او انه يريد ان يقولنا الشاعر الغربة القدير (مصطفى المهاجر) بان لاصوت يعلو على صوت الوطن، رغم عذاباته المنتحرة باشواقه، او بقربان الوطن، او انه يشير لنا بوضوح، كما قال شاعر الملاحم الاغريقية (هوميروس) بان (ليس هناك شيئ في الدنيا، اعذب من ارض الوطن) لذلك فان المشاعر والاحاسيس الاغتراب، موجهة صوب الوطن البعيد، وهي تتزاحم في الصدور بالشوق والاشواق العاصفة. واذا كان (ابن زريق البغدادي) ترك حبيبته في بغداد - الكرخ

استودع الله في بغداد قمراً

بالكرخ من فلك الازرار مطلعه

ودعته وبودي لو يودعني

صفو الحياة واني لا أودعه

فاما شاعرنا (مصطفى المهاجر) فانه ودع العراق

اقبل فيك العراق

الذي فارقتني

رؤاه

وأشهد ان العراق

بعيد .،

كنجمة صبح

قريب كوخزة جرح

والى معشوقته بغداد

وبغداد . .

يخنقها الوجدُ

للراحلين

لتيه المنافي

وللغائبين

بقعر السجون

بهذا السعير الذي يحرق الوجدان والروح، بنار بالحنين، هكذا يتشبث بناصية الوطن البعيد تشبثاً، ويتحمل اعباء الغربة والاغتراب، والبعاد النازف بامنية الحنين الى اللقاء

ولقاءك

امنية التجلي

وعلى يديك

سأرتمي

اشكوك مغتربي

لعلي

ألا أعانق

غير طينك

والضفاف

وذكر اهلي

بهذه المكابرة المقرونة باوجاع الروح، والمفجوعة بنار الفراق والبعد، التي تشتعل بالعشق الموجع بوجدان الوطن . هكذا يرسم لنا خارطة فاجعة الاغتراب، بالاحاسيس المحترقة في قدسية الوطن، وهي تفيض في مساحات واسعة في قصائد المجموعة الشعرية، وباطياف ساخنة ومقتولة بعشق الوطن، كأنها تسافر وتطوف في سماء الوطن، لتتحسس مضاجعه وانفاسه باروع لوحة من الحنان والحب، في سمفونية الدلالات اللغوية والصوتية، كأن كل الدروب تقود الى الوطن البعيد، وكأن خبزه كما يقول فولتير (بان خبز الوطن، اطعم من كعك الغربة) . بهذه القدسية للوطن منثورة في انفاس قصائد المجموعة الشعرية، كأن لا اوجاع إلا اوجاع الوطن، ولا حروف إلا حروف الوطن، بصورة الشوق والاشتياق العارم والطاغي، الذي يتفجر في ثنايا الروح والوجدان،بلوعة العاشق الولهان

عبثاً احاول

ان امد اليك

ياوطني

بقية أدمعي الثكالى

واحلامي . .

فارجع خائباً

 

ولوعة التوسل الكئيب تزفر وتخرج من شغاف القلب المحروق والمصلوب، بان تاخذه رياح المسافرة الى الوطن لتحمله هناك الى عاشقه البعيد، بروح المجازفة والمخاطرة، و نار الاشتياق تدفعه لتسلق الصعاب

واركب شتى البحار الصعاب

لأرسو هناك ...

على شاطئيك

حنانيك .......

ياوطن التائهين

حنانيك . .

خذني أشتياقاً

اليك ..... !!

بالتيه

يسكنني

والخناجر

تغرزُ ظائمة

في دمي

لكن هيهات،فيعود مكسور الوجدان   يجر عذبات الهزيمة والحزن الكئيب بالفراق الموجع، ليرفع راية الحزن

أنا ارفع الآن

راية حزني

واعلن

بين القبائل

اني هزمت

مراراً

وان الاسى

يملاء الان اوردتي

وهواي المعفر

بالتيه

ويضع روح الطافية في نهر الغربة، على مقصلة الانتظار،

ويبقى اللهاث

ويبقى العثارُ

وتبقى المواويل ...

ضائعة

والنهار

ابقى

يعذبني الانتظار

ويتصاعد هذا الشغاف بمناجاة الغربة، لتدخل في مجرات الوهم، بان الوطن سيذكره بعد حين

يراودني الوهم

ان سوف تذكرني

ذات بعد

من يضيء وهج الروح

فتبعث لي

عبر هذا المسمى البريد

سلاماً

فأختال من الفرح

تضيء بي الروح

وهذا الاصرار على وهم اللقاء يجتاح الروح بالشوق والاشتياق، بانه سيلقاه يوماً ما، ليسكب مرهمه على الجراح المعذبة

يراودني الوهم

لكنه الوهم

أن سوف القاك يوماً

فتسكب في عاثر الجراح

بُرءاً

وتسقي المعذب بالبعد

من نور عينيك

اغنيةً

أو مُداما

في موسيقى الترتيل الحزينة والجارحة، يفقد العمر في لجة الاغتراب، طعم ومذاق العيد

يطرق العيد

أبوابنا

بهدوءٍ

فنفتحها

خائفين ... !

من يجيء .....

بهذا السكون

المريب .. ؟!

وماذا يريد ....... ؟ !

وتتصاعد احتراق الجمرا ت الحزن في دروب العمر المشنوق بحبل الاغتراب على الوطن المذبوح

مذبوح يا وطني ...

مسفوح دمعي .....

ضائعة أيامي ......... !!

وعجيب ..... !

كيف يخاطبني . .

الصمت ... ؟ !

ودجلة لها مكانات واسعة في الروح والشوق والمناجاة الغريب، كأنها طوق نجاة

أتحمل يا ماء (دجلة)

شوقي أليهم ...... ؟!

وتغمرني بالحنين .... !

سلاماً

لمائك

يغسل بغداد

منذ ابتداء السنين

ويزرع فيها التواريخ

عابقةً

ان هذه الرحلة المعذبة باشواق وحنين للوطن، سببها وقوع الوطن في قبضة الاستباحة والاغتصاب الشعب، من

بين رأس بليد

ورأس حقود

ما بين شعب

مضى للمتاهة

عامرة بالسدود ..... !

وشعباً

تطوقه .......

مثقلات القيود

انها تراتيل حزينة للوطن الجريح، بهذه الانغام الحزينة الخافقة بنار بالشوق والفراق المؤلم، كأنها رحلة طويلة لطريق الالام . ومهما كتب عن المجموعة الشعرية (بعد فوات الاوان) يبقى غير مكتمل البناء، لان كل قصيدة هي قطعة موسيقية كاملة من والاحزان الاشواق الملتهبة على الوطن البعيد

 

جمعة عبدالله

للاطلاع

            بعد فوات الاوان / مصطفى المهاجر

مرة أخرى مع نزار قبــانـي

faroq mawasiفي آخـر نيسان سنة 1998 رحل عنا الشاعر الشاعر نزار قباني، عن خمسة وسبعين عامًا. 

أثبتُ فيما يلي مقالتي "شيوع الأدب لا يعني جودته"، وهو مقال ناقشت فيه رأيًا لنزار، ويكتسب المقال أهمية ما في عصرنا هذا، ومع ترديد الكثيرين لكلمات ليست شعرًا، وليس لها من شفيع إلا شهرة صاحبها، وكذلك مع شعرائنا أولئك الذين يتعجلون النشر.

وكنت نشرت المقال في كتابي "الرؤيا والإشعاع". باقة الغربية- 1984، ص 131- 137.

 

حول مقال لنزار قباني .. شيوع الأدب لا يعني جودته

أنا من عشاق نثر نزار قباني لما فيه من موسيقية وحيوية،  وأنا من المعجبين بفكر نزار لما فيه من ثقافة وإنسانية..... ولكني هنا أخالف نزارًا..... واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.

كتب نزار " صباح الخير أيها الشعر" -  مقالة نقلتها (الحصاد) العدد 27- سنة 1980  يُظهر فيه تشفّيه من بعض الشعراء الذين لم تلاق كتبهم رواجًا في معرض الكتاب العربي، حيث  أقيم في بيروت.

ومسألة ذيوع الكتاب وسعة انتشاره مسألة فيها نظر...

 ومن كنزار يعي كيف توزع مجلة (الموعد) البيروتية مقابل الأعداد اليسيرة التي كانت توزعها (الآداب) بشق الأنفس!؟

ومن كنزار يعي كيف يخدر جمهورنا ودهماؤنا بقراءة الكتاب التافه الرخيص السطحي، وكيف تذاع القصص البوليسية..... بينما لا يكاد يعرف القصيمي وطرابيشي والعالم والنويهي والشمعة وأضرابهم.

ولو عرضنا الفلسفة على قرائنا لما وجدنا إلا الصفوة تقبل على هضمها، ومتى كان الكم دليلاً على الكيف؟ ورحمة علي أبي حيان التوحيدي!

إني لعلى يقين أن ثمة تفاوتًا في أذهان المستمعين أو المتلقين،  فمنهم من يستملح الحكمة المجترة، ومنهم من يبحث عن الجدة والطرافة.... منهم من يبحث عن الحيل والتلاعب اللفظي والمحسنات، ومنهم من تستهويه الفكرة عينها، منهم من يفهم من أول قراءة-  بل يقرأ ما بين السطور،  ومنهم من لا يفهم حتى ولو قتلت ما تعرضه عليه شرحًا وتأويلا.

فأي (ناس) يعني نزار إذ يكتب:

"لقد آن لهؤلاء أن يتعلموا أن الشعر هو كائن يعيش مع الناس،  وفي الناس، ويبدأ وينتهي بالناس".

خذ لزومية من المعري واعرضها،  فستجد قلة يسيرة تدرك أبعادها، والعزوف عنها لا يعني إطلاقًا أنها ضعيفة، وهذا ينطبق على كثير من الشعر الغربي وعلى بعض شعرنا الغامض الذي ينطلق من رصيد ثقافي غني،  ولا اعني هنا المبهم المستغلق- على الجادّين- الذي لا يوحي ولا يشي بشيء.

إن الأفكار كالإنسان .. فكم من رجل فيه عمق ودراية لا يجد قبولاً في مجتمعه، ومن كالأدباء والفنانين يحسون بذلك؟ فهل نحكم على هذا الرجل بالعدم؟ وهل (الشعبية) أوصلت بسذاجتها الى إبداع؟

أرجو ألا يفهم من رأيي أنني أدعو إلى الترفع، وإلى البرج العاجيّ، وإنما هي جدلية موقف، وذلك أن تحس إحساسات الشعب، وتخرج عنه من خلال محافظة على فرادة وذاتية،  لتعود بالتالي إلى هذا الشعب، فمنه خلقت وإليه تعود.

يقول شاعرنا الكبير المتنبي: إن النفيس غريب حينما كانا، ولقد شكا أبو الطيب سوق الكساد إذ قال:

وشغل النفس عن طلب المعالي

 

ببيع الشعر في سوق الكساد

ولا ريب أن آلاف الأصناف من الجواهر لا يقدرها الجاهل بها- إلا إذا غره اللألاء اتفاقًا، ومأساتنا أن فينا كثيرين ممن ينصبون أنفسهم قضاة للحكم في كل ميدان.

هل أعيد الجملة الأخيرة؟!

لي صديق يخوض في كل بحث مع الخائضين،  وكأنه العالم العلاّمة يحكي أكثر مما يقرأ أو يسمع، أشرت عليه أن يدرس ويقرأ ويتخصص،  وبعدها ينقد في مجال اختصاصه،  وقصصت عليه قصة المثّال الذي اختبأ وراء تمثاله ليستمع إلى ملاحظات المارة.... فلاحظ أحدهم- وكان إسكافًا- ملاحظة تتعلق بالحذاء ، فقبل الفنان نقده شاكرًا، ولكن هذا لم يكتف،  بل أخذ ينقد ما ليس في دائرة معرفته.... وبالطبع فإن الفنان ضرب عنه صفحًا، لكن صديقي تولى،  واخذ يصعّر خده، ويدلي دلوه  في كل بئر..... فهو الحكم الفيصل على الشعر والشعراء،  وهو الذي يعرف أصول الرسم، ويعطي العلامات لبيكاسو، وهو الذي لا تعجبه طريقة التوزيع الموسيقي أو الهارموني عند باخ، وهو الذي يحدثنا عن التمثيل والتماثيل (فما شاء الله.....!!)

 ما أكثر أمثال صاحبنا وخاصة في ميدان الشعر، هذا الميدان (المسكين) الذي يصول ويجول فيه  كل من ينطق العربية،  فإن حفظ  شخص بضعة أبيات أخذ يساجل فيها،  ويرددها كالببغاء،  بل طالب الشعراء الجدد أن ينسجوا على منوالها بلحمتها وسَداها.... ليس من سبب اللهم إلا لأن المادة المخزونة تتطلب أحاسيس موافقة  لذاكرته مدغدغة.... وإذا كان بحر الرجز حمار الشعراء فالشعر يريدونه حمارًا لهم.

إن نزارًا يدرك حق الإدراك أن ذيوع القصيدة عنده وانتشار كتبه لا ينفي كونه شاعرًا مبدعًا وأصيلاً، كما أن ذيوع شعر غيره لا يعني إطلاقا أنه أفضل مما خيمت على كتبهم العناكب، فليس بالضرورة أن يكون قرار وحكم.

فليقرأ كل منا ما يستحب،  وليعجب بمن يعجب، فليست الشعبية والسوقية من علامات الخير، وليست الانعزالية والكساد بالضرورة ظاهرة إيجابية، إنها أمور متداخلة لا يمكن تقويمها إلا في ضوء دراسة منهجية أصولية.

وإذا كان نزار حزينًا لما أصاب الشعر الكاسد من مذلة وانكسار وشرشحة فإنني حزين لأن شاعرًا عزيزًا وأصيلاً يؤمن بالاستفتاءات الثقافية،  ولأن شاعرًا مُجيدًا يناقش شعر الغثيان من خلال كساده، وهذه حجة واهية لا تقف على أرض صلبة.

ولنزار تحيتي ومحبتي!

 

بين شاعرين: ابن معصوم والحبوبي (3-3)

khalidjawad shbaylتحتل خمرياتُ الشاعر محمد سعيد الحبوبي  حَيّزا مهما من عطائه الشعري الذي أفرزه منذ شبابه المبكر الى حين انقطاعة عن الشعر وهو دون الأربعين. ولئن كان من السهل تحديد نماذج خمريات ابن معصوم فإن الأمر يبدو مختلفا لدى الحبوبي، لتعدد النماذج الشعرية من خمرياته وتفاوتها، حتى ليبدوَ أن اختيار الجميل من الجميل أمرٌ غيرُ هيّن. ولعل أهم خمرياته وأذيَعَها هي "شمس الحُميا"، التي تجاوزت شهرتُها العراق بفضل أن المطرب الأستاذ محمد القبانجي قد غناها في المؤتمر الموسيقي العربي في القاهرة عام 1932 وقد سمِعها الشاعر أحمد شوقي الذي أُخِذ بها وسأل القبانجي بلهفة: أَي شاعر هذا الذي لم أعرفه؟1 والقصيدة من البسيط:

شمسُ الحُميا تجلّت في يدِ السَّاقي –   فشعّ ضوءُ سناها بين آفاقِ

سترتُها بفمي كي لا تنُمّ بنا      –     فأجَّجت شعلةً  مابين آماقي

تشدو أباريقها بالسكب مفصِحَةً – بشرى السليم فهذي رقيةُ الراقي

خُذها كواكبُ أكوابٍ يشعشعُها –ما يحتسي الظُرف من أقداح أحداقِ

تسعى اليك بها خَوْدٌ مراشفُها   –  أهنا وأعذب مما في يدِ السّاقي

ما شاك عقربُ صدغيها مقبِّلَها     –   إلا ومن ريقها يرقى بدرياقِ

مسوَّدةُ الجَعدِ لولا ضوءُ غرتها   –     لما هدتني إليها نارُ اشواقي

يُهدي اليك بمرآها ومسمَعِها    –      جمالُ يوسُفَ في ألحان إسحاقِ

هيفاء لولا كثيب من روادفها       -       فرّ النطاقان من نزعٍ وإقلاقِ

صال الوشاح بكشحيها متى نهضت – تسعى اليك وضاق الحِجلُ بالساق

لا تلبسُ الوشيَ إلا كي يُزانَ بها    –     كما يُزانُ سوادُ الكحلِ بالماقِ

تزيدُ حُسماً إذا ما زدتَها نظَراً   -    كالروض غَبَّ رفيف القطرِ مُهراقِ

تلك التي تركت جسمي بها مَرِضاً – وحرّضت كي تُذيب القلبَ أشواقي

واستجمعت واثقاتِ الحسن فاجتمعت  –  لها المودةُ من قلبي وأعلاقي

ضممتُها فتثنت وهي قائلةٌ       –       بالغُنج: رِفقاً لقد فصّمت أطواقي

رقّت محاسِنُها حتى لو اتخذت        –      عرشا بناظرتي لم تدرِ آماقي

وبِتُّ أسقى وباتت وهي ساقيتي – نحسو الكؤوسَ ونَسقي الأرض بالباقي

في مَربعٍ نسجت أيدي الربيعِ لهُ     –      مطارفَ الزهر من رند وطبّاقِ

تشدو العنادلُ في أرجائه طرَباً     –    والغصن يسحب فيه ذيل أوراقِ

كأنما النرجسَ الغضَ الجنيَ به     –       نواظرٌ خُلقت من غيرِ أحداق

والنهر مطّردٌ والزهر منعكسٌ       -       والناي ما بين تقييد وإطلاقِ

في غلمة كبدور التّمِ اوجهُها   -    قد اشرقت في الدياجي أي إشراق

شمّ الانوف شأى الجوزا محلُّهم  -    سروا الى المجد في نصٍ وأعناق

أنسا بعُرس حسين بدرِ هالتهم    -    محالف السعد في عهد وميثاقِ

لعل هذه القصيدة أكثر تمثيلا لشعر الحبوبي لا لخمرياته وغزله فحسب بل لمجمل شعره، وذلك لشمولها، وسعة أفقها، والقصيدة قالها الشاعر مهنئا بعُرس لبعض من معارفه، وهنا لا بد من ذكر أن الحبوبي قال أروع قصائده في شعر المناسبات من تهاني أو مراثي وما الى ذلك من الأخوانيات. القصيدة قوامهما دون الأربعين بيتاً بقليل، تقوم على أربعة محاور: المستهل الخمري، ثم التشبيب بالساقية اعتبارا من " تسعى اليك بها خود.." ثم وصف المكان " في مربع نسجت أيدي الربيع له ..." وأخيرا الجانب الإخباري وهو التهنئة التي هي ذروة قصيد الشاعر " في غلمة كبدور التم أوجهها..." والتي سأتجاوزها، كما تجاوزت بيتين من الغزل لا ينطويان على أهمية ضمن نسيج القصيدة...

ركّزتُ على ذكر هذه الانتقالات لأهميتها في هذا الدفق الشعري والتي تعبر عن سبك مطبوع لا خلل فيه رغم تغير الموضوع، وهو ما يعبر عنه بحُسن التخلص وهو يقابل في الموسيقى MODULATION أي الانتقال بالمسار اللحني من نغمة (أو مقام) الى آخرى بانسيابية تامة.

أن تتجلى الكأس في يد الساقي أمر شائع في الخمريات، وقد مرَّ معنى التصوير ذاته عند ابن معصوم، وكذلك الحال حين يشع ضوء سناها، فلطالما شعّ عند ابن الفارض وعند ابن معصوم، بيد أن "تأجيج الشعلة بين الآماق" يتعدى الوصف الخارجي الى فعل الخمرة في شاربها والتي ألمح له أبو نواس في بعض من أشعاره، كما أن الشاعر حدد مكان التأجيج في الآماق2 ( جمع موءق أو موق وهو في العين وتحديداً مجرى الدمع منها)، وحيث أن للخمرة رائحة نفّاذة فلا بد من سترها فالتقية واجبة إزاء التزمت! وفي البيت الثالث يرتفع التصوير من الساكن الصامت الى الديناميكي المُفصح، فالخمر ليست خرساء، بل تُفصح وتجعل شاربها مفصحاً أيضا3، فهي تشدو مبشرة السليم بالسلامة فلا داعي لاستحضار كاتب الُّرقى، والسليم هو الملدوغ وفق مبدأ أجازه  فقه اللغة بأن تُستعمَل الكلمة عكس معناها الشائع بغرض التلطيف كأن يقال للأعمى "بصير"، على أن كلمة  "مفصحة" صائته في السياق الصوتي العذب إذ كان يمكن أن يستخدم " منشدة" لكن الشاعر مال الى المعنى على حساب اللفظ وهو محق تماما، فشتان بين المعنيين! وفي البيت الرابع هناك مدى واسعٌ لفهم البيت بلاغيا حيث جانس بين الاقداح والاحداق ويحتمل البيت أكثر من تفسير وربما أراد ان العين مشغوفة بمرآها وهي تنازع النفس التي تود شربها... لو اعتبرنا أن المستهل هو تاج العروس فقد أبدع الشاعر أيما إبداع..ولكن من الضروري استحضار قصيدة لابن معصوم لغرض المقارنة حيث أن الصور التي  ذكرناها عند الحبوبي أعلاه وما سيليها نجد لها جذورا لدى ابن معصوم حيث يقول من البسيط:

وافى اليك بكأس الراحِ يرتاحُ  -  كأنه في ظلام الليل مصباحُ

ساقٍ لعشاقه من جنح طرته   -    وضوء غرته ليل وإصباحُ

لم تدر حين يدير الراح مبتسما – من ثغره العذب أم من كاسه الراحُ

أمسى الندامى نشاوى من لواحظه  -  كأن أحداقه للخمر أقداحُ

أردنا أن نقول أن الشاعر الحبوبي قد تأثر بابن معصوم في خمرياته ناهيك عن تأثره بالاندلسيين.

وقد انتقل الشاعر الى وصف الساقية وأجاد التصوير، مثلما أجاد التعبير بلغة صافية، ولا أود الإطالة، لكن من يدرس شعر الحبوبي سيجد اهتما كبيراً ببعض الأوصاف أو التعابير المجازية التي تتكرر في العديد من قصائده، مثل "عقارب الصدغ"، وهي قذالة الشعر الملتوية أمام الأذن ولها دالة جمالية، وقد ورد ذكرها في أشعار الاندلسيين4 السريع:

  عقارب الاصداغ في السوسن الغض – تسبي تقى من لاذ بالنسك والوعظِ

وكذلك ما قاله ابن عرام5:

من مُعيني على اقتناص غزالٍ – نافرٍ من حبائلي رواغِ

قلبه قسوة كجلمود صخرٍ    –    خدّه رقةً كزهر الباغِ

كلما رمتُ أن أقبّل فاهُ   -   لدغتني عقاربُ الاصداغِ

وكذلك تتكر الصور أحيانا بمثل ما يتكرر جمال يوسف في عدة مواضع للشاعر نفسه، وكذا الحال نفسه مع الأرداف الثقال، وضيق الحجل بالساق، وخمرة الريق، أضافة الى ولعه بالكشح (مفردأ أو مثنى)، فلنسمع من قصيدته " لح كوكبا وامش غصناً والتفت ريما.."6 والتي خّمسها صديقه الشاعر جعفر الحلي، وهي أيضا في التهنئة من البسيط:

ألقى الوشاحَ على خَصر توَهَمه – فكيف وشّح بالمرئيِّ موهوما

ورجّ احقاف رملِ في غلائله -  يكاد ينقدُّ عنها الكشحُ مهضوما

إن ألّمّ الحِجلُ ساقيه فلا عجبٌ – فقد شكا من دقيق الدرز تأليما

الردفُ والساق ردّا مشيهُ بهراً – والدرع منقدة والحِجل  مقصوما

وعودة الى القصيدة الأولى حيث هناك أبيات جريئة، لا بد من التوقف عندها، وأقصد:

ضممتُها فتثنت وهي قائلةٌ       –       بالغُنج: رِفقاً لقد فصّمت أطواقي

وبِتُّ أسقى وباتت وهي ساقيتي – نحسو الكؤوس ونَسقي الأرض بالباقي

التصوير واقعي للدلال والممانعة وهو ما يطلق علية بالغنج بفتح الغاء مصدراً أو بضمها اسما، أما فصم الأطواق فهي للمبالغة وكناية عن الاضلع ، أما البيت الثاني فهو يلتقي مع بيت شائع للشاعر المتصوف عبد الغني النابلسي7 من الطويل:

فقلت لهم خلّوا الملام فإننا      –       بحكم التجلي والمجال قريبُ

شرِبنا وأهرقنا على الارض جرعةً – وللأرض من كأس الكرام نصيبُ

ولتوسيع دائرة الضوء على خمريات الحبوبي لا بد من جولة، نهدف منها بيان مزاياها واختلافها عن خمريات ابن معصومن حيث يقول من الوافر:

هل انعقدت أكاليل الزهورِ – على غير الاهلة والبدورِ

الى أن يقول:

حُميّا عتق العصّار منها – مجددة البشاشة والسرورِ

أضئنا في سناها واستترنا – فما ندري العشيه من البكور

كأن حبابها أطفال در – ترقّصُ فوق نهد من سعيرِ

شربناها مشعشعةً بكفّيٍ  –  فتاة كالهلال المستدير

ويُرى هنا حرارة الوصف الداخلي للخمر، وصدق التعبير. وتتكرر الصور ذاتها، والمعاني تعيد نفسها بحلل جديدة وعذوبة فائقة والفاظ موسيقية على البحور القصيرة، فلنسمع  شيئا من هذه القصيدة الراقصة المرقصة على الهزج:

أدِرْ لي خَمرةَ الريق – وخالف كل زنديقِ

وخالفهم وإن قالوا –   بتحقيق وتدقيق

فإن الراح ياقوتٌ – أذيبت في الأباريقِ

كمثل الشمسِ يجلوها – غزالٌ بارد الريقِ

ويبدو ولع الشاعر في تكرار مزج الخمر بالريق بكثرة ملفتة لكل من يلقي نظرة على خمرياته التي طالما ارتبطت بالغزل فمن الرمَل:

سلّها حمراء من إبريقه –  بسنا تحسبها نار الفريقْ

وغدا يمزجها من ريقه – حبذا مزج رحيق برحيقْ

وقبلها يقول:

 أكسبتنا إذ سقتنا نطفا – خفة الطبع وثقل الألسنِ

والسؤال هل ذاق الشاعران الفقيهان ابنة العنب أو أقاربها؟ سؤال ربما فيه شيء من الوقاحة، لكن المنهج الموضوعي لا يتردد في أن يقول كلمته بحيادية، فأما ابنُ معصوم فقد انصرف الى الحياة الجادة منذ صباه ودوّن سفرته مذ كان ابن الخامسة عشرة وانشغل بالعلوم من نقد وسير رجال وفقه وعلوم لغة وكان الشعر أقل أدواته ناهيك عن انشغاله بمواقع عسكرية جادة قريبة من الملك المغولي آرانغ زيب8، إضافة الى أن وصفه للخمر وصفا خارجيا ذا نزعة صوفية بيِّنة،، وشعره الذي عرضنا له درساً وتمحيصاً يثبت رأينا.

أما الشاعر الحبوبي، فعلى الدارس أن يُميّز بين الحبوبي الشاعر الشاب طالب العلم، وبين الحبوبي الفقيه، ما يساعد على فهم النصوص وربطها بحياته الخاصة خارج نطاق السطوح والمقدمات وتحصيل الخارج. إن دراسة النصوص الشعرية للحبوبي تثبت ولعه بوصف الخمر بعيدا عن أي تأويل صوفي، وحيث أن الوصف حار والإخبار فيه مكثف، كما أن الوصف كان من الداخل وأعني به، ما يسمى باللغة العلمية التأثير الفسيولوجي للخمر على شاربها، ولا أود الاستغراق في هذا المجال... ولكن تبدو متابعة شخصية الحبوبي الشاعر مهمة، فالشاعر الشاب من عائلة ميسورة الحال توفر له الخروج من محيطه الضيق في النجف حيث لا تكاد تقع عين الرائي على منظر مبهج، وقوانين العرف الاجتماعي صارمة، والتردد على بغداد تلك الحاضرة التي ستوفر له من المُتَع  التي يفتقدها في مدينة الشعر والفقه. سيتردد الشاعر على مجالس الادب والشعر، وكان مجلس محسن الصائغ في الكاظمية في البيت أو الدكان في تلك الفترة(عام 1312ه) محط أنظار طالبي الشعر حيث كان نجم المجلس الشاعر الشيخ جابر الكاظمي، ومن حُضّاره الشاعر عبد الباقي العمري، والسيد باقر الهندي، وبذلك ينتظم العقد بحضور محمد سعيد الحبوبي وجواد الشبيبي وأحيانا جعفر الحلي9...لا شك أن الشاب الحبوبي بوسامته وزيه الديني ولباقته، شارك وألقى قصائد وتألق نجمه فهو نابغة النجف بالشعر والحديث الحلو الذي تلمس فيه الجد والعلم، والشعر والمرح! كان الحبوبي شابا مرحا يتعاطى شيئا من الشعر المكشوف إذا طاب خاطراً وصفا مزاجا، فشعر الأخوانيات ينساب من فمه انسيابا بلا تكلف، ولطالما أعجِب به الحاضرون وأُشبِع مديحا وإطراءً وأي شاب شاعر لا يتوق الى المديح والإطراء من علية القوم؟! يذكر الدكتور عبد الإله الصائغ، أنه قرأ في دفتر مخطوط  للشاعر الراحل الدكتور مصطفى جمال الدين، يحمل عنوانا بالدارجة " مَلخيّات" وبدافع الفضول  سمح له بالقراءة فيه من دون استنساخ اي شيء، فقرأ شيئا من هذه الملخيات منسوبة للشاعر الحبوبي، فحفظ شيئا منها10، ما يدل على خفة ظل الشاعر محمد سعيد الحبوبي.

لا شك أن هذه السجايا الظريفة وما تجود به قريحته وحافظته من أشعار ومُلَح، جعلته قريبا من أعيان بغداد، حيث كان يُدعى الى المجالس الخاصة لآل كبة وآل جميل والشاوي والسويدي والمدفعي و الآلوسي في هذه المجالس التي تعقد في قصور 11وحدائق يصدح فيها الغناء والرقص وتُدار الكؤوس، وقد وصف إحدى هذه الحفلات بقصيدة من الرجز:

غنّت ظباءُ الفرس بالمعازفِ – تُرقصُ حتى الوحشَ في المآلفِ

واتخذت للمهرجان ملعبا      –    في روضة موشية المطارف

الى أن يقول:

تهزُّ للطعن رماحا لقبت    -    في معرك الأشواق بالمعاطفِ

تنصلها الالحاظ في أسنّة   -    لا تُتقى  بالحلق  المضاعّف

تكاد أن تسري بها نواظري -  لولا   ثقيل الحلي والملاحف

لي بينها رود التثني كاعب -  رود الشباب شهلة السوالفِ

وأنا اشهد بأن نواظر شاعرنا المبدع قد سرت كأحسن ما يكون السري أو السريان وإلا لما جادت قريحته بهذا الوصف الدقيق المدهش وهذه الأصداء الموسيقية التي تسمعها ولا تصدق أنها من هذا البحر الرتيب  من خلال هذه الخريدة الرائعة!

وأخيراً لا بد من ملاحظة أذكرها للقاريء بأنني أتوقف عند هذا الحد في المقارنة بين خمريات الشاعرين، وما هي إلا جزءٌ من دراسة واسعة مقارنة بين شعري ابن معصوم والحبوبي، أُعِدُّها مع مقالات أخرى لأن تكون بين دفتي كتاب...

 

.....................

هوامش:

1 غنى المطرب الكبير هذه القصيدة من مقام الاوج/السيكَاه العراقي (الخزام) وهو مقام يصلح للتشكي والتوجع، أرى أن هذه القصيدة تلائم الأبعاد الصوتية لمقام الحويزاوي وكذلك النوى والنهاوند..

2- المعجم الوسيط: ماق

3- يقول أبو نواس (ولا يجوز وضع الهمزة على الواو) الطويل: فلما شربناها ودَبّ دبيبُها- الى مكمَن الأسرار قلتُ لها قفي.

4- المقري التلمساني، نفح الطيب من غصن الاندلس الرطيب.

5- هو علي بن أحمد بن عرام الربعي شاعر مصري وفقيه ت380ه/1184م.

6- غنى هذه القصيدة الأستاذ يوسف عمر وأبدع فيها على مقام المنصوري/الصبا.

7- هو الشاعر المتصوف عبد الغني النابلسي (1050-1143ه/1641-1730م)، تنقل بين فلسطين والشام والعراق.

8- راجع الجزء الأول، من هذه السلسة، وكذلك "في مضارب بوذا"  لكاتب هذا الموضوع.

9- ملحق المدى، مجالس الادب في بغداد في لقاء مع عميدها؛بقلم الصحفي الراحل إبراهيم القيسي، الأحد7/8/2011 .

10- الصائغ، أ.د. عبد الإله، "أخوانيات الصكَار ألق بصري.." طريق الشعب، 30/3/2014.

11- عز الدين، يوسف  الشعر العراقي في القرن التاسع عشر، م.س، 161-168، راجع ايضا مقالة نبيل الحيدري " الفقيه الحبوبي مع الغزل والنسيب والخمرة" في عرب تايمز، والعنوان ينطوي على خطأ كبير، لأن الحبوبي هنا شاعرٌ وليس فقيهاّ! 

  

الأدب النسوي ومجموعة "سأنتظرك" لسهام الطيار

saleh altaeiلا أدري لماذا قيد الأدب الذي تجود به النساء طبقيا، وضيق عليه حتى وصل التمييز إلى درجة حشره لوحده في خانة تحت مسمى "الأدب النسوي" مع أن الأدب هو الأدب، وهو ترجمة سامية تخلقها المعاناة، تترجم من خلالها خلجات النفس الإنسانية، تحركها ثلاث قوى: القدرة والموهبة والثقافة؛ التي قد تكون جميعها أو بعضها مفقودة لدى كثير من الناس بلا علاقة للذكورية والأنثوية، وقد تكون مفقودة لدى كثير من الأدباء من الجنسين، أو تكون بادية ظاهرة لدى بعض النساء أكثر منها لدى الرجال.

ولذا أسجل أول اعتراض لي على هذا التمييز بالذات، وأعلن أني أقبل الأدب كمنجز فكري وجداني مهما كان مصدر انطلاقه سواء كان من نتاج شيخ هرم عجوز، تملأ وجهه التجاعيد، محني الظهر، قاسي القسمات، أو فتاة ربيعية العمر، قمرية الوجه، شمسية الوجود؛ ما دام فيه ذلك الكم من العذوبة والجذب والإدهاش القادر على أن يغمرني بلحظات البهاء، ويحمل روحي على أطياف الدهشة السرمدية. أما أن أحب هذا الأدب لأنه نسوي، وأكره ذاك لأنه ذكوري، أو العكس، فهي متاهة كبيرة وخطيرة، مصطنعة، يحاول البعض إدخالنا فيها عنوة لغاية ما قد يكون هدفها تبجيل بعض الأسماء ودكترة(1) واقع هزيل لا يملك مقومات السطوة الفكرية، فيحاول أن يستعيض عنها بسطوة الشاربين.

والغريب أن هناك من يتمسكون بهذه التسميات ويقاتلون لغرض إقرارها مدعين وجود العلامات الفارقة بين المنجزين الرجالي والنسائي بوضوح لا يغفله حتى غير المتخصصين، ومنهم صديق لي كتب ونشر أكثر من موضوع عن هذا التخصيص ادعى في واحد منها انه يكتفي بقراءة سطرين فقط من العمل المعروض عليه، حتى لو كان مبهم الاسم ليعرف فيما إذا كان نسويا أو رجاليا، ويفخر أن له قدرة تمييز الأدب النسوي عن غيره وبشكل لا يخطئ أبدا. وعن طريق المصادفة عثرت على مجموعة قصصية لإحدى الأديبات الشابات التي تنبئ بمستقبل واعد فطلبت، من أحد الأصدقاء في شارع المتنبي أن يصمم لي غلافا جديدا للمجموعة باسم "بسام صالح الطائي" ويضعه عليها بدل غلافها الأصلي، وأخذتها إلى صاحبي الناقد مدعيا أنها المحاولة الأولى لولدي الأوسط بسام، وأتمنى أن يكتب عنها دراسة نقدية جادة ومحايدة وخالية من المجاملات، على أن يسلمها لي لأعرضها على ولدي وآخذ موافقته على نشرها أولا، لكي لا يصدم، فيمتنع عن الكتابة، وفعلا جاءني بعد أربعة أيام يحمل دراسة نقدية من خمس صفحات، تناول فيها المجموعة المزيفة، مشيدا بالروح الذكورية التي تطغى عليها، وكيف استطاع ولدي تمجيد ملامح الذكورة وتوظيف قيم الرجولة، وجمال تلك الفحولة التي تمظهرت في مجموعته، مدعيا أن ذلك هو ما يميز الأدب الرجولي، وأن هذه المجموعة لو كتبت بيد فتاة لتحولت إلى كتلة من الميوعة والانحلال المغرق بالغنج والدلال الأنثوي الذي يطفئ وهج النص، ويفرغ عنتريته. فما كان مني إلا مواجهته بالحقيقة وبشهادة صاحبي الذي صمم الغلاف، وبعد أن عرضنا علية عدة نسخ من المجموعة الأصلية باسم كاتبتها، غضب منا وأرعد وأزبد ووجه لنا بعض اللعنات وابتعد عنا، وقاطعنا.

نعم أنا لا أنكر أن المرأة بطبيعتها ممكن أن تضفي على الكلمات الصماء المتحجرة بعضا من حزنها، فجيعتها، أنينها، وجع حريتها المسلوبة، بعضا من أنوثتها، رقتها، جمالها، خفة روحها، حيائها، وخجلها، فتبدو الكلمة أكثر عاطفة، وتوجعا، وتأوها، وشكوى، وترفا، ورقة، ونعومة؛ مما لو كتبها رجل، بل تبدو وكأنها فراشة ترقص حول الأضواء فترسم قوس قزح غير محدود الألوان بدخان جناحها الذي يحرقه الوهج. ولكن ذلك لا يعني أن هذا التشذيب أو التطبيع الجنسي أو الإسقاط الأنثوي يفقدها قيمتها، أو يحولها إلى مخلوق أسطوري خرافي، له جنس يختلف عن غيره، فهي الكلمات ذاتها التي يستخدمها الرجل، مرة بخشونة وتهتك ومجون وتبرج تترفع المرأة عن التكلم فيه؛ بحكم طبيعتها الشرقية، ومرة بحدة تجرح ويبوسة تُقرِح، وعبوس يقشعر منه البدن، وثالثة بترف ولطف وكأنه يدغدغ بها أذني وقلب ومشاعر محبوبته. ولكن أساطير الأوهام التي عششت في قلوب البعض تأبى أن تؤمن بهذه الحقيقة وتقاتل من أجل بقائها وديمومتها، وتختلق لذلك مصطلحات غريبة.

إن ولوج المصطلحات المصطنعة إلى دنيا الفكر يعرقل أحيانا الكثير من المسارات التي لو قيض لها أن تترك وشأنها على سجيتها وفطرتها؛ لكانت غير ما هي عليه اليوم، فمصطلحات مثل "الأدب النسوي" أو "الأدب الأنثوي" أو "الأدب النسائي" لا علاقة لها بخصائص المرأة البيولوجية بكل تأكيد، ولا تمثل وجهة نظر المرأة تجاه الأحداث، حتى لو آمنا باختلاف وجهات النظر جندريا. ولا دخل لها بطبيعة الخلق والنشأة، وهي لو لم تكن كذلك لما أخذت كل تلك المساحة من الحوار لدرجة أن المتخصصين لا زالوا عاجزين عن مجرد تقريب رؤاهم أو الخروج بمصطلح موحد فيه من الدلالات ما يغني عما سواه.!

أما إذا قصد بالمصطلح ما تنتجه المرأة، فحتى في مثل هذه الحالة لا يمكن أن نجد علاقة بين المصطلح ومحتوى ذلك الإنتاج ما دامت المرأة تكتب في كل ما يكتب فيه الرجل. أما الذين يرون في تلك المصطلحات إشارة إلى ما يكتب للمرأة، فالذين كتبوا للمرأة كانوا من الجنسين، وبالتالي لا علاقة للتسمية بالمسمى.! والغريب أن هناك من استخدم المصطلح للدلالة على المضمون أي مضمون المادة، بغض النظر عن جنس كاتبها، فكل مادة تتحدث عن المرأة وتكون المرأة محورها سواء كتبها رجل أو امرأة هي حسب فهمهم: أدب نسوي.

وأنا من خلال متابعتي المستمرة لم الحظ حدودا فاصلة بين الأدب الرجولي والأدب النسوي، فكلاهما أدب، كتب لغاية وهدف قد تكون مشتركة بين الاثنين وقد تهتم بأحدهما دون أن تهمل الآخر. أما السبب في ظهور هذه المصطلحات فهو بالتأكيد جاء رد فعل على تنامي أعداد النساء الأديبات بعد أن كن شبه مغيبات، فحتى وقت قريب كان الأدب مقصورا على الرجال، ولم تكن هناك فسحة للنساء ليشاركن الرجل في هذا المضمار، ثم لما جاء الانفتاح في بدايات القرن التاسع عشر بالنسبة للغرب وخمسينات القرن العشرين بالنسبة للشرق، ودخلت المرأة المجالات التي كانت محظورة عليها، ثم التنامي السريع لأعدادهن ودرجات وعيهن شكل علامة فارقة لفتت أنظار النقاد والدارسين والباحثين، فاستنبطت تلك المصطلحات.

والغريب أنها استرعت عناية النساء أكثر من الرجال، وكانت هناك بينهن من دافعت عن مصطلح الأدب النسوي بقوة، مثل منى حلمي التي دافعت عن المصطلح بشدة وبحثت في بداياته ومعانيه(2) ونازك الأعرجي التي تستخدم مصطلح: "نحن الكاتبات" وتدعوهن إلى التمسك به والعمل كفريق واحد(3)

إن المصطلح ما كان ليأخذ كل هذا الاهتمام لو بقي مجرد فكرة، ولكن تحوله إلى باب للتحيز يجعله بمثابة دعوة إلى التفريق بين الجنسين، فالناقدة نازك الأعرجي التي تبارك استخدام المصطلح لا تكتف بالمباركة فحسب، بل كانت عنيفة ضد الكاتبات اللواتي (احتقرن) أنوثتهن واخترن الانضمام إلى صف الرجل.. فهي لا تريد مهادنة بل تريد أن يكون للمرأة صوتا أنثويا لا يكفي للإفصاح عن جنسها وانبعاثها فحسب ولكن يكفي لإزعاج سلام الجنس الآخر، وإقلاق راحته والحد من هيمنته وغروره(4) فهذه الدعوة تنسف كل الآراء والأقوال حول المصطلح، وتدعو إلى إيقاع القطيعة مع الرجل، وبناء عالمين أحدهما ذكوري والآخر أنثوي، لكل منهما حدوده وثقافته.!

 

ما دعاني إلى كتابة هذه المقدمة الطويلة مجموعة قصصية أهدتها لي ووضعتها بين يدي الأديبة الناشئة السيدة "سهام الطيار" وهو العمل الأدبي الأول لها، لأفاجأ بمقدمة نقدية غاية في الروعة بقلم الأديب الكبير الروائي إسماعيل سكران رئيس الاتحاد العام للأدباء فرع واسط بعنوان "السرد النسوي في سأنتظرك" تحدث فيها عن "توظيف آليات السرد في منطقة اشتغال نسوية" لأعرف لأول مرة أن هناك مناطق اشتغال جندرية.!

وقد أكد الروائي سكران أن المجموعة لهذا السبب بالذات "استحقت أن تكون وبجدارة جزءً من الأدب النسوي العراقي" ليس لأن كاتبتها امرأة كما قد يخيل للبعض، لأن الأستاذ إسماعيل علل سبب عده المجموعة ضمن الأدب النسوي بأن "جميع القصص تميزت بلغتها الشاعرية وبنسيجها المشترك، الحب"(5) فوضع حاجزا بين الأدبين، وحدد صفات كل منهما، فجعل الرقة والشاعرية والحب في الأدب النسوي، وجعل نقائضها في أدب الذكور حتى وإن لم يقل ذلك. والغريب أنك تجد مثل هذا الرأي لدى الأستاذ إسماعيل بالرغم من أن اغلب رواياته تمتاز بالرقة والعذوبة.

وحينما رجعت إلى قصص المجموعة لم أجد ما يميزها عن النتاج الرجولي، ووجدتها محاولة جريئة لولوج عالم القصة الساحر بكل ما يحويه من مفاجئات وتحديات، ولو رفع اسم الأديبة عنها، ووضع بدلا عنه اسم رجل، لن تجد من ينجح في تشخيص، أو العثور على جين نسوي فيها.

إنها مجموعة قصص قصيرة ولدت من رحم المجتمع العراقي القلق الذي أتعبه الضجيج، فبات يبحث عن الراحة والأمان بين حنايا الكلمات، علها تنفس بعضا من غضبه الجامح، وتخفف عنه رعونة القدر.

قرأت المجموعة فلم أجد فيها دعوة إلى إنكار الذات النسوية وتمجيد الذكورة، كما لم أجد فيها سعيا إلى تمجيد ذات المرأة وتحقير ذات الرجل، بل وجدتها نفثات روح أضناها العبث الذي يتحكم بمصائر الأمة، ولم أجدها أكثر من كائن يحمل جينات شعب بكل نساءه ورجاله؛ عاش المعاناة على مر الأجيال.

"سأنتظرك" محاولة بسيطة، خطوة أولى على درب المعاناة والتعب اللذيذ، تخطوها الأديبة سهام الطيار بثقة كبيرة، ليس لأنها امرأة، وإنما لأنها إنسان عراقي يكتب عن نفسه، وهي وإن كانت تشكو بعض الهنات هنا وهناك إلا أنها توعد بولادة موهبة عراقية جديدة ستأخذ أبعادها الحقيقية إن قدر لها تسعى لذلك.

صدرت المجموعة القصصية "سأنتظرك" للأديبة سهام الطيار عن مطبعة الأندلس العراقية أوائل عام 2014 تزين غلافها صورة لمنظر مفتوح تغطي أرضه الحشائش القصيرة التي تشبه الثيل، وتشمخ فيه شجرة وحيدة، تقف بثبات رغم عصف الريح الشديد، وكأنها تعبر عن حالة الترقب التي يعيشها العراقيون.

 

......................

الهوامش

(1) دكترة كأقلمة وأسلمة: منحوتة من الدكتاتورية

(2) التلصص من ثقب الباب، ميسلون هادي، ص15

(3) التلصص من ثقب الباب، ميسلون هادي، ص13

(4) التلصص من ثقب الباب، ميسلون هادي، ص 23ـ24

(5) الكلام بين الأقواس مقتبس من المقدمة، ص1

معلومات إضافية