قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

متاهاتنا للاديب العراقي المغترب د. برهان شاوي

انفرد الروائي والشاعر الاديب العراقي المغترب الدكتور برهان شاوي بسلسلة روائية مميزة اخذت عنوان متاهات متاهة قابيل، متاهة حواء، متاهة ادم، متاهة ابليس، متاهة الاشباح. وكان السباق في هذا الانجاز الادبي برواياته المميزة  هذه وبنصوص اقرب للشعر منه للسرد القصصي غنية بصور شعرية عميقة كتشبيه سكون المدينة بالجثة الهامدة  وربما نعتبرها  دراسة تحليلية ونفسية فلسفية لشخصياتنا المتنوعة وتفكيك لازماتنا النفسية  فيدخل  الدكتور شاوي الى اعماق المراة والرجل الى ضمائرنا ليرفع النقاب المزيف ويفضح حقيقة افكارنا الغامضة وتخبطنا بين الخير والشر من خلال طرح تساولات عميقة ودقيقة تمس سلوكياتنا ونفسياتنا سلسلة روائية مميزة يسقط الاديب  د. شاوي اقنعتنا ويعرينا بكشف ضعفنا واختلاف شخصياتنا المراة او حواء والرجل ادم حسبما اطلق الدكتور برهان شاوي على شخصيات رواياته يكشف شخصيتنا الحقيقية التي نخفيها  بدقة عن عيون الاخرين كما تخفي المراة القبيحة عيوبها بالمكياج وعمليات التجميل وكما يخفي اللص دنائته بارتداء ملابس فاخرة واعتلاء مناصب رفيعة انه الواقع المرير الذي نعيشه وانا شخصيا اتذكر من حياتي في الدنمارك احدى النساء العراقيات في كوبنهاكن كنت اعرفها فترة من حياتي كانت تمنع صديقاتها من لقاء طليقها وزوجته الجديدة ومعارفه لكنها هي تلتقي بطليقها ومعارفه كانت متخصصة في تدمير العلاقات الزوجية والعلاقات بين اي عاشقين لانها وحيدة ولم تحصل على حبيبها فتنتقم من كل نساء الارض هذه المراة العراقية المطلقة والوحيدة حالها حال العديد من النساء الارامل والمطلقات اللواتي يعشن وحيدات لسنوات خاصة في الاغتراب بعيدة عن الوطن والاهل وبلازوج ولاحبيب تتحول الى مخلوق مشوه نفسيا تحقد على الجميع وتكره ان ترى السعادة ترتسم على وجوه الاخرين يمكن كتابة رواية عن هذه المراة القاسية حتى الموت يهرب منها  رواية بعنوان ابليس على هيئة امراة ويمكن ان تكون احدى شخصيات متاهاتنا للاديب  د. شاوي تلك المراة تمثل  الشيطان او الافعى بلباس انسان طيب تضحك على الناس هذا واقعنا المزيف عالم مزيف  وللعلم المرء الوحيد ادم او حواء الذي لايصل الى الاوكازما يكون انسان مريض نفسيا متوتر ومشحون وعرضة للاصابة بامراض كثيرة لضعف الجهاز المناعي لديها ولديه لانه لايمارس الحب ولايصل الى الاوركازمالان الدراسات العلمية اثبتت ان الاوركازما تقوي الجهاز المناعي للانسان وتسلعد على الاسترخاء بافراز هرمونات مهمة للجسم على كل حال جميعنا بسلوكياتنا المعقدة نمثل شخصيات ابطال روايات متاهاتنا للاديب د. شاوي فينا تجد ابطاله فنحن ادم ونحن حواء ونحن ابليس ونحن الاشباح نحن الواقع الاليم. واكثر النساء غموضا وتعقيدا هي الوحيدة تراها امام صديقاتها  تفتخر بانها لم تتزوج رغم تقدم الرجال المميزون اليها حسب زعمها ولم ترتكب معصية بمعاشرة اي رجل بعد انفصالها او موت زوجها لانها الشريفة العفيفة رغم في داخلها تعلم مدى حاجتها لتشعر بجسدها تشتهي ان ترتعش ولومرة واحدة وتعلم انها بوحدتها تحولت لامراة اخرى قاسية متوترة تغار تحسد تبغض الناس وربما تتفنن في كيدها في تدمير علاقات الاخرين . طبعا لانعمم ولانقول كل امراة وحيدة تكيد للاخرين بل الامية الغير متعلمة ولاتعمل لاتشارك في بناء المجتمع لاتقرا كتب لاتمارس الرياضة لان ممارسة الرياضة تؤدي لافراز الاندورفين الذي يساعد على استرخاء الجسم مثل  الاوركازما في ممارسة الحب اذن الرياضة تعوض عن ممارسة الحب والاوركازما في فوائدها العديدة 

ومن جهة اخرى الكثير من الباحثين طرحوا السؤال التالي من اين اتينا والى اين نذهب ولماذا نحدد تقيماتنا للامور دوما بالثنائيات لكل شئ اما ابيض اواسود خير و شر انثى وذكر ادم وحواء ابليس والملائكة قابيل وهابيل؟ الا يمككنا التحرر من ثنائيات الكتب الدينية المقدسة بدءا من التوارة واساطيره اليهودية الماخوذة من الاساطير السومرية الذين يعتقدون بان ادم ولد في ارضهم وحواء جاءت من ضلعه هل مازلنا نؤمن بهذه الثنائيات  الدينية الاسطورية ؟ قرائتي لمتاهات الاديب الدكتور برهان شاوي تدفعني لطرح سؤال : لو تحررنا من هذه الثنائيات الدينية كيف سنعيش وكيف تكون حياتنا وسلوكياتنا ؟ وماهي ابداعاتنا وافكارنا بدون اساطير الاولين؟

هل تسائل احدنا يوما ما كيف يمكن ان نحيا او كيف  تكون حياتنا لو خرجنا من قيود اساطير الكتب الدينية؟ هل تبقى الانثى او حواء  ملعونة ومقيدة  باساطير الكتب المقدسة؟ هل تختزل الانثى رغم التقدم التكنلوجي  الى مجرد اداة جنسية تحرض ادم عن معصية الخالق وتسبب في عقابه واخراجه من جنة عدن وتبقى  حواء المراة بمفاتنها  المحرض الرئيسي للرجل باغتصابها او قتلها او قتل عشيقها هل يمكننا ان نختزل جميع النساء في امراة واحدة وانثى واحدة اسمها حواء ؟ وهل يمكننا ان نختزل جميع الرجال في رجل واحد او ذكر واحد اسمه ادم؟ القراءة هذه دفعتني للتسائل كيف تصبح قواعد حياتنا بدون الاعتراف بادم وحواء؟كيف تكون ثقافتنا العربية والشرقية اذا الغينا اساطير الديانات وكيف تكون سلوكياتنا ووجهة نظرنا للقيم والمعايير الاخلاقية اذا لم نعترف بالكتب المقدسة واساطيرها ولم نعترف بادم وحواء؟

قراءة المتاهات للدكتور شاوي دفعتني للتامل بعقلية الرجل ولماذا تبقى الانثى اللغز المحير للذكر فهو يتمنى ان يعرف كود ايميلها الخاص او كود الفيس بوك ليكشف اسرارها وشخصيتها  وخياناتها العاطفية لايثق فيها كما هي لاتثق فيه. ويذكرني باحدى الدعايات يتمنى الرجل ان يمتلك نظارات سحرية بمجرد ان ينظر الى حبيبته او لاي امراة في الشارع تنكشف امامه كل الاسرار ويرى كل جزء خبئته في جسدها الفاتن اعتقد بان الانثى ستظل اللغز الغامض المثير للذكر مادام يؤمن بان حواء هي من اخرج ادم من الجنة .

وماذا لو عكسنا الاسطورة الدينية المقدسة يعني ماذا كان يحدث لثقافتنا الشرقاوسطية وسلوكياتنا لو حدث العكس اي امنا بان ادم هو من حرض حواء على معصية اوامر الخالق وتسبب في غضب الخالق وخروجهما من جنة عدن والنزول الى الارض وبداية التناسل وانجاب البشر الملعونين اي بمعنى اخر، كيف ستكون ثقافتنا وسلوكنا اذا اعتبرنا ان بداية الخليقة كانت  بسبب ادم وليس بسبب حواء؟

المشكلة لو عكسنا الاسطورة هذه ستكون لدينا مشكلة تفسير وجود تفاحة ادم في عنق الرجل وليس في عنق المراة؟ تفاحة ادم التي تعترف بها جميع الثقافات العالمية

هل نستطيع الاجابة على السؤال التالي: كيف ستكون سلوكياتنا سواء الانثى حواء والذكرادم لو خرجنا من قيود اساطير الكتب المقدسة؟ هل تبقى المراة حواء التي اخرجت ادم من الجنة؟

وختاما جزيل امتناني للاديب والشاعر الروائي الدكتور برهان شاوي لرواياته التي توهتنا في متاهاتها

 

مكارم ابراهيم

 

رواية "فرانكشتاين في بغداد" .. التناص والنص الغائب

fadil theamirقد يفاجأ بعض القراء والنقاد بالروائي احمد سعداوي في روايته الجديدة "فرانكشتاين في بغداد"(1) الصادرة عام 2013 عن منشورات الجمل (بيروت، بغداد). لكن القارئ المتابع سيتذكر بالتأكيد ان هذا الروائي سبق له وان سجل حضورا لافتا في روايته السابقة "انه يحلم او يلعب او يموت"(2) "التي اعتمدت على تقنية سردية فيها الكثير من اللعب والخوف والتمويه، وقبل ذلك يمكن للقارئ ان يتذكر بدايته الواثقة في روايته الاولى "البلد الجميل "(3).

لكن احمد سعداوي هنا، بالتأكيد يضع قدما راسخة في ميدان اللعبة السردية ويتقدم بسرعة الى الصف الاول من الروائيين العراقيين الذين اعقبوا جيل عبد الخالق الركابي، احمد خلف، فاضل العزاوي، عبد الرحمن الربيعي ومحمد خضير وتركوا مسافة بعيدة بينهم وبين الجيل الذي أسس للرواية الحديثة في العراق وأعني به جيل غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقر. واذا شئنا ان نكون منصفين لا يمكن ان ننسى جيل الرواد المؤسسين للرواية العراقية: محمود احمد السيد، ذو النون ايوب، جعفر الخليلي وعبد الحق فاضل وغيرهم.

واحمد السعداوي هنا يقفز قفزة واضحة في روايته الجديدة، فاسلوبه الروائي يفارق ماسبق وانجزه في روايته السابقة "انه يحلم" والتي كانت عسيرة القراءة والملاحقة وفيها الشيء الكثير من الحذف لكنها ربما تشترك مع هذه الرواية في كونها، تعنى بالتقاط جوانب ومشاهد من حياة المجتمع العراقي في فترة الاحتلال وبعد سقوط النظام الدكتاتوري عام 2003 وما رافق ذلك من انقلاب امني وزيادة مظاهر العنف واشتداد الصراع الطائفي مع عناية خاصة باللغة والبناء الفني.

ويبدو ان الراوئي قد افاد الى حد كبير من تجربة الرواية العربية الحديثة خلال العقد الاخير بشكل خاص ورواية الحداثة في الادب العالمي. فهناك وضوح في حركة الاحداث مع الميل للمحافظة على حركة منضبطة للزمن تكاد ان تكون خطية ومتصلة مع اللجوء ولكن بشكل محدود الى حالات الرجع "Flashback" والاستذكار عبر المونولوج وبناء المشهد. وبذا فالرواية تستدرج القاريء الى ملاحقتها بيسر، وربما بسبب مجموعة من الخواص التي توافرت عليها ومنها طبيعة الحبكة المتوترة التي اعتمدتها والتي جعلتها قريبة من حبكة الرواية البوليسية ورواية الخيال العلمي حيث تبدأ هذه الرواية من لحظة توتر من خلال انفجار مفاجيء يهز فضاء المشهد الروائي الذي يتخذ له من منطقة البتاويين في قلب الرصافة ببغداد ميدانا لها، وما يتلو ذلك من ارتكاب سلسلة من الجرائم الغامضة التي تصبح محورا للبحث عن المجهول والذي يقود الى اكتشافات هائلة تقدم تشريحا دقيقا لاوضاع شرائح مهمة من المجتمع العراقي (البغدادي) تحديدا ولمعاناة الناس في فترة الاحتدام الطائفي ونشاط قوى الارهاب والعنف والتكفير في العراق 2005 ـ 2006.

وهذه الرواية بالذات، بدءا من العنوان تستدعي توقفا خاصا مع العتبات النصية التي قدمتها ومنها العنوان والمقتبسات الثلاثة(4) و"التقرير النهائي(5) واخيراً" الاشارات"(6) الختامية التي ذيل بها الروائي روايته هذه. فالعتبات النصية هي موجهات مهمة للقراءة وللتأويل لايمكن لاي قاريء او ناقد ان يتجاهلها. فعنوان الرواية فضلا عن الاقتباس الاول يحيلنا حتما الى رواية "فرانكشتاين"(7) للروائية البريطانية ميري شيللي المنشورة لاول مرة عام 1817 والتي تدور احداثها في القرن الثامن عشر وتتمحور حول رغبة بطلها العالم فكتور فرانكشتاين، المتخصص بالعلوم الطبيعية في الوصول الى "اكسير الحياة" من خلال بث الحياة في احد مخلوقاته غير الحية والذي صنعه من بقايا اشلاء بشرية وحيوانية اخذ بعضها من محلات القصابين والمقابر والمختبرات حيث يتحول الكائن الى مخلوق متوحش مدمر يقتل بشكل عشوائي ودموي حيث يقتل اعز واقرب الناس الى العالم ومنهم زوجته وشقيقه وبعض اصدقائه. وهو ما نجد له شبها كبيرا برواية احمد سعداوي "فرانكشتاين في بغداد" مما يجعل نص ميري شيللي نصا غائبا ونصا مرجعيا وربما نصا موازيا - اذا اعتمدنا اليه المفارقة او "المعارضة" بالمفهوم البلاغي في توليد نصوص جديدة من نص سابق عبر عمليات تمثل وامتصاص واحتذاء تقوم على قواعد التناص Intertextuality الحديثة بعيدا عن اطروحات السرقة التقليدية القديمة.

ويمكن القول ايضا ان رواية احمد سعداوي، وقبلها رواية ميري شيللي تحيلان الى نص غائب كلاسيكي هو اسطورة بجماليون الاغريقية والتي اعاد الادب الحديث تشغيلها برؤى حديثة كما هو الحال في مسرحية "بجماليون"(8) لبرنادشو، والفلم السينمائي العالمي "سيدتي الجميلة" ومسرحية توفيق الحكيم بالاسم ذاته "بجماليون". اذ تقوم الفكرة المركزية للاسطورة عاى توسل النحات (ويقال بأنه ايضا كان ملكا لجزيرة كريت او قبرص) للالهة لكي تبث الحياة في تمثال صنعه وتتحقق رغبته ليجد نفسه امام فتاة جميلة، لكنها في النهاية تتمرد عليه بوصفه خالقها وتختار شابا اخر. (وهناك تنويعات اخرى على الاسطورة ونهايتها).

ومما يكسب الرواية جاذبية انها تعتمد على تقديم شخصية وحدث ينتميان الى مايسمى بفن الغروتسك Grotesque أي الفن الذي يميل الى خلق شخصيات غريبة وخيالية واحيانا مخيفة او مضحكة. كما هو الحال في فيلم "افاتار" مثلا وفي المئات من الروايات والافلام العالمية التي تعتمد على الخيال العلمي والخيال التاريخي، ومنها مسلسل "هاري بوتر" للكاتبة البريطانية ج. ك. رولنغ ومجموعة افلام الغرباء The alien الشائعة في السينما الامريكية وغيرها كثير والتي تدور حول اشخاص غرباء يأتون من كواكب اخرى مثل "الرجل الحديدي" و"ستارترك" و"مصاصو الدماء". اذ بدأ المتلقي الغربي يميل الى الروايات التي تلتقط مواقف او لحظات او شخصيات غروتسكية تثير الرعب والهلع في الغالب - وبشكل خاص عند قراءته لروايات العالم الثالث، حيث يحمل هذا القارئ افق توقع "استشراقي" ملفق عن الشرق والعالم الثالث فيروح يبحث عما هو غريب واستثنائي وشاذ من حالات انسانية صادقة وغير متوقعة، وهذا ما ادركه مؤخرا بعض الروائيين العرب الذين راحوا يتوجهون لارضاء هذه النزعة الاستشراقية الواهمة لدى القاريء الاجنبي وابهاره. وربما يفسر ذلك سبب نجاح اتجاهات الرواية الايهامية والفنطازية والسحرية في العصر الحديث.

يقال احيانا ان الاسد هو مجموعة من الخراف التي هضمها وافترسها وان الناقد – قياسا على ذلك – هو مجموعة المكتبات التي قرأها وتمثلها. ونقول في ضوء ذلك ان الرواية الحديثة – ومنها رواية احمد سعداوي "فرانكشتاين في بغداد" هي ثمرة ما افترسه الروائي من كتب وما قرأه حديثا من روايات وما مرّ به وبمجتمعه وبالعالم من تجارب ومحن ومعاناة بوصفها مادة اولية لمدخلات وبيانات database تعامل معها خيال الروائي ومهارته لتنتهي بعد عمليات تخييلية خلاقة وابداعية في نهاية السلسة الى عمل روائي مبتكر يعبر عن وعي الخالق / المؤلف ذاته وموقفه من العالم على حد تعبير لوسيان غولدمان ورؤيا شخصية يضمرها النص الروائي للنص والحياة معا.

كما ان الاستهلال الموسوم بـ "تقرير نهائي"(9) والذي يسبق الفصل الاول من الرواية، والذي يرتبط بشكل مباشر بالفقرة الاولى من التذييل الختامي الذي يحمل عنوان "اشارات"(10) والذي ينفى جملة وتفصيلا وجود اية دائرة رسمية عراقية بإسم دائرة المتابعة والتعقيب التي اشار اليها الاستهلال الاول "تقرير نهائي" يؤكد ان الطبيعة الميتاسردية لهذه الرواية تكمن في خلق حالة من المباعدة بين الروائي والنص من جهة وكسر امكانية التماهي مع الشخصيات والوقائع والاشارة الى ان الاحداث هي نتاج مخيال روائي محض وان النص الروائي الحالي هو ثمرة ما دبجه شخص يبعث على الريبة اطلق عليه اسم "المؤلف"(11) والذي تم العثور معه على "نص لقصة كتبها بالاستفادة من المعلومات المتضمنة من بعض وثائق دائرة المتابعة والتعقيب، وهي بحدود المئتي صفحة مقسمة الى سبعة عشر فصلا " وهذه الاشارات تحيل بشكل واضح الى متن الرواية الاصلي وفصولها التسعة عشر. وهذا كله فضلا عن الدور الذي شغله الصحفي محمد السوادي في تقصي اثار الجرائم التي كانت تحدث، كلها تعزز المنحى الميتاسردي لهذه الرواية بوصفها مكتوبة بوعي يقصد التدوين والتوثيق ويعتمد الى حد كبير على الوثيقة المكتوبة وما سجلته آلة التسجيل الصحفي نفسه. بل يمكن القول ان وجود صحفي يحاول تغطية جرائم معينة ليكتب عنها، يحيل ايضا الى سلسلة من الروايات والافلام ومنها السوبرمان و"الخفاش" The Batman والتي نجد فيها صحفيا يحاول ان يكشف سرّ الجرائم التي كانت ترتكب في زمنه ويوثقها بالصوت والصورة.

كما لايمكن اغفال النص الثاني من المقتبسات والذي يدور حول حياة القديس (ماركوركيس)، لانه يرتبط ايضا بشخصية العجوز (ايليشوا ام دانيال) التي كانت تعد هذا القديس شفيعها وتعتز دائما بإنموذج الايقونة المشهورة في عالم الفن الكنسي والمعلقة في بيتها والتي تصوره على هيئة فارس يطعن بشجاعة التنين الذي كان يهدد حياة الناس انذاك ويتهيأ لافتراس اضحيته الجديدة ابنة الملك، فيكتسب بذلك شعبية بوصفه منقذا وفارسا وقديسا. وهي واثقة من خلال دعواتها المتكررة اثناء القداس انه بوصفه شفيعها سيعيد لها ولدها دانيال(14) ذلك ان الملك الذي قرر قتل هذا القديس ووضعه بالمعصرة حتى تحول الى اشلاء متناثرة – وهذا ماجاء ذكره في المقتبس الثاني (15) من العتبات، وفي القصص الكنسي المتداول – كان قد عاد الى الحياة ثانية بشفاعة السيد المسيح، وهذا ما تراءى لها وهي تستقبل الزائر الغريب(16) الذي صنعه هادي العتاك من اشلاء جثث ضحايا التفجيرت الارهابية، معتقدة انه ولدها وقد عاد الى الحياة بشفاعة قديسها الاثير، لانها اصلا لم تصدق يوما بأن ابنها كان قد قتل في الحرب قبل عشرين عاما، أي في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وانه بالتأكيد سيعود اليها ثانية، وهو ايضا ماجعلها ترفض الهجرة للالتحاق بإبنتها واسرتها خارج الوطن.

ومن جهة اخرى لايمكن ان نتجاهل التعليق الذي اطلقته الصحفية الالمانية التي كانت تعد فلما سينمائيا عن الصحفيين العراقيين والتي كانت برفقة الصحفي محمود السوداني عند سماعها لحكاية هادي العتاك والذي قالت فيه:

"هذا يروي فلما.. انه يقتيس من فلم شهير لروبرت دي نيرو(17). لم يكن هذا التعليق عرضبا او طارئا وانما يكشف عن شفرة من شفرات النص الروائي. اذ ان روبرت دي نيرو كان قد مثل دور الوحش في فلم "فرانكشتاين" والذي انتج عام 1994، وهو واحد من عشرات الافلام التي استلهمت الرواية الاصلية، لكنها قدمت قراءات مغايرة لها وربما يمكن الاشارة الى ان احدث نسخة من هذه الافلام هو الفلم الذي انتج هذا العام 2014 والذي مازال يعرض في دور السينما العالمية. ولكن هنا لا بد من الاحتكام الى الرواية الاصلية بوصفها نصا مرجعيا حاكما. كانت رواية ميري شيللي تحمل موقفا ايديولوجيا – وربما اخلاقيا ودينيا تجاه توظيف العلم بطريقة خاطئة او معارضة للفطرة الانسانية حيث ينقلب فيه السحر على الساحر. فهي بمعنى من المعاني صرخة ضد التوظيف العشوائي وغير الانساني للعلم والذي ينتج سلسلة من الويلات والمآسي على البشرية حيث يكون الفاعل ضحية لفعله. اذ يتحول الوحش او المسخ الذي خلقه العالم فيكتور فرانكشتاين الى قوة عمياء مدمرة تنتقم من الجميع وتبدأ بأقرب الناس الى العالم ومنهم خطيبته واخوه. ففي المشاهد النهائية للفلم يصغي المكتشف الانكليزي (روبرت والتن) الى قصة فرانكشتاين الذي كان يحتضر كما يصغي الى اعترافات المسخ ذاته عن دوافعه الاساسية لارتكاب هذه الجرائم ملقيا اللوم على العالم الشاب الذي بعث فيه الحياة ووصفه بالمجرم الذي خلق انسانا مجردا من الحب والروح وهذا مايؤكد ان مؤلفة الرواية ميري شيللي كانت تمتلك موقفا فكريا واخلاقيا واضحا في هذه الرواية وتقدم فيه تحذيرا قويا من مخاطر التلاعب بالتوازن الطبيعي للحياة وبإساءة توظيف العلم في كشوفات واهداف غير نبيلة.

وربما تكمن وظيفة النقد في الكشف عن المغزى الذي تخبئه رواية احمد سعداوي ومدى مقاربتها للرواية الاصلية، وهي وظيفة ترتبط اساسا بقدرة الناقد على فك الشفرات والرموز اللسانية والسيمائية والتاريخية النصية والخارج نصية التي تهيمن على الرؤيا الروائية.

لاشك ان من اقوى مصادر الجاذبية في رواية احمد سعدواي تكمن في جاذبية وقوة وغموض شخصية الوحش "الشسمه" والذي يتحول الى شخصية اسطورية مركزية تتقاسم البطولة مع بقية الشخصيات الروائية الرئيسة وبشكل خاص شخصيات الصحفي محمود السوادي وشخصية هادي العتاك، بائع الخردوات، والعجوز الاثورية ام دانيال وشخصيته ورابعة لاعلاقة لها بالروائي هي شخصية "المؤلف" بوصفه مشاركا وساردا وشاهدا في ان واحد.

ولاشك ان لشخصية الوحش – الشسمه جذرا في الذاكرة العراقية او البغدادية بشكل ادق يرتبط بظهور مجرم سفاح ظهر في مطلع السبعينات من القرن الماضي كان يرتكب جرائمه بطريقة وحشية عرف بإسم "ابو طبر" وسادت بين الناس انذاك اشاعة تقول بأن النظام الدكتاتوري كان يقف وراء تلك الشخصية. وقد استلهم الكاتب حامد المالكي هذه الواقعة فكتب سيناريو مسلسل قدمته احدى القنوات العراقية خلال عام 2013.

واذا كان هادي العتاك هو من صنع او خلق هذه الوحش فعليا او تخييليا شأنه شأن العالم فيكتور فرانشكشتاين في رواية ميري شيللي من جذاذات واجزاء بشرية من جثث ضحايا التفجيرات في بغداد، فـان قوى خفية، فنطازية وغرائبية هي التي اسهمت ايضا في صناعة هذا المخلوق الغريب. وكنا نتمنى ان نلاحق منذ البداية مراحل "تجميع" هذا المخلوق الغريب، وان لانجد انفسنا فجأة امام جثة كاملة ينقصها الانف فقط والذي عثر عليه هادي العتاك بعد احد تفجيرات ساحة الطيران في بغداد. كما ان الاشارات اللاحقة التي اظهرت في الرواية من قبل رواة اخرين اشارت الى ان معظم اجزاء هذه تعود الى جثة ناهم عبد كي، صديق هادي العتاك الذي قتل في احد الانفجارات. اذ عندما ذهب هادي الى المشرحة لتسلم جثته وجد جثته مجموعة اشلاء متناثرة مختلطة باشلاء ضحايا اخرين وطلب منه ان يختار منها مايشاء، وفعلا اخذ مجموعة منها ودفنها في مقبرة (محمد سكران) شرق بغداد. ويبدو ان هادي كما يقول عزيز المصري، صاحب المقهى الشعبي في منطقة البتاوين حيث تدور الاحداث قد "محا ناهم ووضع الشسمه في مكانه"(19) كما ان الروح الهائمة للحارس السابق حبيب محمد جعفر الذي قتل في انفجار سيارة نفايات كان يقودها ارهابي سوداني بالقرب من فندق السدير نوفوتيل في ساحة الاندلس في الرصافة، هذه الروح الهائمة التي لم تجد جسدها الاصلى بعد الانفجار دخلت هذه الجثة عسى ان تهدا وتدفن لاحقا: "تلبس الجثة كلها، فعلى الاغلب، كما تيقن في تلك اللحظة، ان هذا الجسد لاروح له، تماما كما هو الامر معه، روح لا جسد له. وفعلا نجد ان هذا المخلوق كما اخبر هادي العتاك لاحقا كان يريد الثأر لمقتل حبيب محمد جعفر حتى تهدأ روحه "فروح حبيب تطلب الثأر ويجب ان يقتل المتسبب في موته(20).

ولكي نكتشف المغزى من قيام هذا المخلوق بهذه الجرائم وفيما اذا كانت مجرد جرائم عشوائية ام انها تمتلك اهدافها ومقاصدها الخاصة علينا ان نتذكر ان شخصيته لم تظهر الى الوجود الا بعد عملية بحث وتقص عن هذا المخلوق قام بها اساسا الصحفي محمود السوادي الذي سمع عنها من خلال حكايات هادي العتاك التي كان يرويها لجلاس مقهى عزيز المصري في البتاوين والتي كان الجميع يسخرون منها ويقولون انها مجرد اوهام وخرافات واكاذيب كان يسردها عليهم هادي الذي استحق بفعل ذلك لقب "الكذاب"(21).

ولكي يوثق الصحفي هذه المرويات العجيبة بدا يسجل كل ذلك في مسجلته، بل وطلب من هادي العتاك ان يسجل صوت ذلك المخلوق الغريب للتأكد من صحة مروياته، وهو ما تحقق فعلا، كما ان عملية الكشف والمتابعة ساهم فيها العميد سرور محمد مجيد الذي كان يقود "دائرة المتابعة والتعقيب"(22). الذي كان يرغب في الكشف عن ذلك المجرم الخطير الذي قوض الامن والاستقرار في المنطقة، كانت عنصرا مهما في البحث والاستكشاف من خلال شبكة عملائها ومنجميها الذين كانوا كما يزعم يمتلكون القدرة على التنبؤ بالاحداث قبل وقوعها.

اذ نجح العميد سرور في الاطلاع على كل ماكتبه الصحفي محمود السوادي ومسجلته، كما اجرى تحقيقات مع هادي العتاك و"المؤلف" واستدل في النهاية على المكان الذي كان يتردد عليه في البتاوين وهو بيت هادي والعجوز ام دانيال.

ومن هنا تتحول الرواية بصورة من الصور الى رواية بحث بوليسي تماما كما نجد ذلك في الروايات والافلام البوليسية، لكن هذا المخلوق الغامض كان يفلت دائما. كما ان الرصاص لم يكن يؤثر فيه وتركه المؤلف في النهاية طليقا – وربما كان يسخر من مطارديه الذين اعتقلوا هادي العتاك ظنا منهم انه هو الشسمه المطلوب مصدقين باعترافات هادي العتاك الذي فقد عقله بعدما تعرض الى حادث تفجير شوه وجهه وجسمه فخيل له ان وجهه هو نفسه وجه ذلك الكائن الذي خلقه من اجزاء وجذاذات بشرية، وبذا اعلن امام المحققين بأنه المجرم المطلوب، وهو امر استقبلته السلطات الامنية بالترحاب لانها كانت راغبة في اغلاق ذلك الملف المغلق والغامض.

وقد ادرك محمود السوادي، الذي انتقل الى مدينة العمارة ان السلطات الامنية ترتكب بذلك خطأ جسيما، اذ من المستحيل ان يكون هادي هو الشسمه(23). وفعلا نجد مشهدا له دلالة مهمة نرى فيها شبح الشسمه يخطو بهدوء وهو يراقب المشهد من خرائب "فندق العروبة" الذي تحول الى انقاض بسبب التفجير بينما كان قط العجوز ام دانيال الذي رفض مغادرة المكان يتمسح بسرواله(24). ومعنى هذا ان الروائي احمد سعداوي قد اختار لروايته نهاية مغايرة لرواية ميري شيللي وحتى لسيناريو فلم "فرانكشتاين" الذي قام بدور الوحش فيه روبرت دي نيرو عام 1994. اذ ان رواية ميري شيللي وكذا فلم روبرت دي نيرو ينتهيان بموت الوحش والعالم الذي صنعه أي فرانك فرانكشتاين في مشهد مؤثر وفي منطقة متجمدة من القطب الجنوبي. والحقيقة ان الرواية والفيلم يبدءان من نقطة النهاية ثم يعودان الى الماضي من خلال السرد الذي يصغي اليه المستكشف المغامر (روبرت والتن)، من العالم فرانك فرانكشتاين وهو يكاد يلفظ انفاسه الاخيرة حيث يبدأ يسرد على ذلك المستكشف قصته ورغبته في ملاحقة الوحش لقتله والانتقام منه بناء على موعد للقاء معه حدده الوحش في هذا المكان بالذات، ولكن العالم الشاب يموت قبل ان يلتقي بالوحش الذي يكمل سرد القصة من وجهة نظره ويقرر ان يموت سوية مع خالقه وابيه العالم الشاب حرقا كما هو التقليد المتبع في دفن الموتى من البحارة والمستكشفين انذاك(25).

واذا ما كان الوحش في رواية ميري شيللي ـ وكذا في الفيلم يرتكب جرائمه البشعة انتقاما لان خالقه العالم الشاب قد تجاوز الحد الانساني وخلق كائنا بلا عواطف وروح، وهو يشير الى مغزى اخلاقي وفكري من قضية توظيف العلم بطريقة غير انسانية. فان لدى مخلوق احمد سعداوي في رواية "فرانكشتاين في بغداد" تبريراته وفلسفته الخاصتين. فهو يرفض ان يوصم بالمجرم (القاتل) الذي يقتل حبا بشهوة القتل وذلك انه كما يقول يحمل رسالة لتحقيق العدالة الاجتماعية الغائبة انذاك.

اذ سبق للصحفي محمود السوادي وان عبر عن اعتقاده ان الشسمه "كان في مهمة نبيلة"(26) كما قال هادي العتاك "ان الشسمه سيقوم بقتل جميع المجرمين الذين اجرموا بحقه، ثم يتساقط ويعود الى وضعه السابق، يتحلل ويموت"(27). وكما اشرنا سابقا فقد اخبر الوحش هادي العتاك انه يريد الثأر لروح الشاب حسيب محمد جعفر لكي تهدأ روحه ولايمكن ان نتناسى احدى العتبات النصية الاستهلالية التي يخاطب فيها الشسمه الذين يسمعون التسجيلات ان لايقفوا في طريقه ان لم يكونوا قادرين على مساعدته(28) وهي اشارة الى انه يحمل رسالة لاقامة العدل الاجتماعي. وهذا ما قاله لهادي العتاك:

"انهم يتهمونني بالاجرام ولايفهمون اني انا العدالة الوحيدة في البلاد."(29) كما ترك في المسجلة دفاعا عن موقفه :

"انا الرد والجواب على نداء المساكين: انا مخلص ومنتظر ومرغوب به"(30). ويبدو انه قد وجد له انصارا ومريدين يؤمنون برسالته تلك حيث نجده في الرواية وقد جمع عددا كبيرا من المقاتلين الذين خاضوا معارك مجتنية في الدورة ادت الى فناء اغلبهم.

لكن قناعة هذا المخلوق تتعرض احيانا الى التزعزع ويجد نفسه بلا هدف محدد. ولذا فقد قرر مع نفسه التوقف عن القتل مادام لايعرف المغزى بوضوح"(31). لكنه احيانا يفلسف وضعه بطريقة اخرى:

"ولانه قاتل استثنائي لايموت بالوسائل التقليدية، فعليه ان يستثمر هذه الامكانية المميزة خدمة للابرياء وخدمة للحق والحقيقة والعدل"(32). وقد تعددت الاراء والتأويلات حول هدف الشسمه من استمرار القتل. اذ يرى احد المنجمين انه "يقتل من اجل ان يستمر فهذا مبرره الاخلاقي الوحيد. انه لايريد الذوبان والفناء. لذلك يتشبث بالحياة"(33).

وهكذا راح هذا المخلوق يتحول الى اسطورة شعبية "اذ راحت صورته تتضخم، رغم انها ليست صورة واحدة، ففي منطقة مثل حي الصدر كانوا يتحدثون عن كونه وهابيا، اما في حي الاعظمية فان الروايات تؤكد انه متطرف شيعي، الحكومة العراقية تصفه بأنه يعمل لقوى خارجية اما الاميركان فيرون انه يستهدف تقويض المشروع الاميركي في العراق، ويذهب العميد سرور محمد مجيد الى الاعتقاد ان الاميركيين هم من خلق هذا الكائن بالتحديد خلق هذا الفرانكشتاين واطلقه في بغداد"(34).

وهكذا تتحول اسطرة شخصية هذا المخلوق الغريب الى كرة ثلج تزداد اتساعا، بل وتغطي على الكثير من الشخصيات والوقائع المهمة في الرواية.

يظل السؤال الذي يؤرق عددا غير قليل من القراء: ترى ما الذي اراد الروائي احمد سعداوي ان يقوله في روايته، وهل استطاع ان يقدم رؤية او قراءة متوازنة للوضع السياسي والاجتماعي العراقي بعد الاحتلال وسقوط النظام الدكتاتوري وبشكل خاص في سنوات الاحتراب الطائفي وتصاعد انشطة المنظمات الارهابية والمليشيات المختلفة وبشكل خاص عامي 2005 و2006.

يبدو لي ان الرؤيا السردية التي انجزها الروائي احمد سعداوي تقوم اساسا على الوصف المحايد والمراقبة الحسية البصرية للاحداث دونما اعطاء مواقف محددة، واحيانا محاولة النظر الى المشهد من زوايا نظر متباينة تؤكد الجوهر البوليفوني في مشهد العنف انذاك: فمن الاهداف التي اختارها للانتفام ضابط فنزويلي يعمل في شركة امنية واحد قادة القاعدة في ابوغريب وقائد ميليشيات شيعية في مدينة الصدر. لكني اعتقد انه يحاول ان يواصل ما بدأه في روايته السابقة "انه يحلم او يلعب او يموت" الصادرة عام 2008 من تقديم رؤيا كابوسية للواقع العراقي بدون اسقاطات سيكولوجية وهذا ما رأيته عندما كتبت عن روايته تلك تحت عنوان "بنية المتاهة والنسخ الميتاسردي للحكاية" والمنشور ضمن كتابي "المبنى الميتاسردي للرواية" حيث اشرت الى ان رواية احمد سعداوي هي رؤيا مأساوية وكابوسية لسنوات صعبة من حياة العراقيين بعد الزلزال الكبير. والمؤلف في غمرة تنضيده للاحداث والمشاهد لم يفكر، كما يبدو، ان يترك بارقة امل للمستقبل واكتفى بالرصد والوصف المحايثين والمحايدين من دون ان يفكر بالارتقاء بمستوى هذا الوعي السالب والقانط الى مستوى التمرد والرفض او حتى الصراخ، فجاءت الرواية مرثاة حزينة كئيبة ومؤلمة لواقع يومي مر. وقد كانت الاحداث تمر احيانا عبر رؤيا ساخرة وموجعة قد تكون لونا من الكوميديا السوداء. حقا كان الروائي يلتقط الاحداث او يصفها عبر "عين الكاميرا" او المسجلة، بالصوت والصورة كما يقال ببرود ودونما حسرة او لوعة. وتساءلت انذاك: "ترى أكانت حياتنا حقا كما تخيلها الروائي؟"

وهل تقتصر وظيفة السارد على النقل البارد والفاتر لمأساة بهذا الحجم؟(35) ويبدو ان الروائي احمد سعداوي يواصل الانطلاق في روايته الجديدة هذه "فرانكشتاين في بغداد" الانطلاق من هذه الرؤيا بالذات مع تعديلات طفيفة في البنية السردية التي صاغ بها خطابه الروائي الجديد.

البنية السردية في الرواية مصنوعة بمهارة عالية تدلل على استيعاب ذكي لشروط السرد الحديث وبالذات السرد ما بعد الحداثي. فالرواية تنطوي على اكثر من مستوى: فهناك من جانب المستوى الغرائبي الفنطازي المهيمن في الرواية والذي تحتل فيه حبكة هذا المخلوق الغرائبي الحيزالاكبر فضلا عن اعمال المنجمين والسحرة وحركة الارواح الهائمة وهناك من جانب اخر المستوى الواقعي او اليومي، وهو مستوى مهم يكشف عن الحياة اليومية لشرائح اجتماعية واثنية ودينية عراقية تعيش في رقعة اجتماعية صغيرة هي البتاوين. ويخيل لي ان هذا المستوى كفيل لوحده بأن يصنع رواية متكاملة لكنه تعرض الى التضاؤل والتراجع امام بريق المستوى الغرائبي الاول. وربما يعود ذلك ايضا الى اعتماد الروائي على خلق شخصية غروتسكية غريبة وغير واقعية تمتلك القدرة على شد القاريء والمشاهد بسحر خاص. كما ان الرواية تنطوي على جوهر بوليفوني من خلال تعدد الاصوات السردية وتنوعها وتجاوز المنظور المونولوجي الاحادي لصوت الروائي او "وكيله" الافتراضي. فقد منح الروائي الفرصة لجميع الشخصيات الروائية الرئيسة والثانوية على السواء للتعبير عن وجهات نظرها فيما يجري من خلال حوارات خارجية او مرويات شفاهية او سلسلة من المونولوغات المبؤرة التي تستبطن وعي هذه الشخصيات الروائية وهو ما اثرى فضاء السرد ومنح الرواية بعدا تعدديا وديمقراطيا بعيدا عن المنطق الاوتوقراطي الواحد. اذ اتاح الروائي الفرصة حتى للكائن الغرائبي ان يكشف عن رؤيته ومنظوره بالافعال والاقوال وبشكل خاص عندما وافق على ان يسجل على المسجلة بصوته وشهادته عن مغزى وجوده وافعاله ونظرته الى العالم.

وهذا يرتبط بتعدد الرواة والمؤلفين الذين شاركوا بصورة مباشرة اوغير مباشرة في صناعة فسيفساء البنية السردية هذه فهناك مرويات شفاهية وحوارات ومدونات وتقارير ورسائل الكترونية وتسجيلات صوتية كانت بمثابة المادة الاولية الخام التي تشكل "المتن الحكائي" والتي اعاد الروائي لاحقا اعادة صهرها في بوتقة خطاب روائي مدروس لتحقيق الصورة الاخيرة لما يسميه الشكلانيون الروس بالمبنى الحكائي.

اذ لايمكن ان ننسى المرويات الشفاهية لهادي العتاك في مقهى عزيز المصري، ومدونات الصحفي محمود السوادي ومتابعات العقيد سرور محمد مجيد ومكتبة الاستخباراتي وتقاريره ونبوءات منجمية وعرافية. كما لايمكن ان ننسى الجهد النهائي الذي وقع على شخصية روائية ممسرحة ومشاركة في الفعل الروائي هي شخصية "المؤلف" وهي بالتأكيد لاعلاقة لها بالمؤلف والروائي الحقيقي احمد سعداوي. وهي شخصية مهمة، لانها في الواقع الشخصية التي اعادت صياغة كل هذه المعطيات في خطاب روائي متماسك. وكان اول ظهور له قد ورد في "التقرير"(36) النهائي بوصفه متهما عثر في حوزته عند اعتقاله على قصة تتكون من سبعة عشر فصلا، لكن التحقيق لم يجد مبررا لابقائه في المعتقل لذا اطلق سراحه، وان تقرر فيما بعد اصدار امر جديد باعتقاله، مما دفعه الى الهروب واستكمال الفصلين الباقيين لتضم القصة او الرواية تسعة عشر فصلا. لكن يجب ان نأخذ بنظر الاعتبار ان "المؤلف" هذا لم يكن بمقدوره ان يكمل مشروعه دون الاستعانة بالعشرات من الوثائق والتسجيلات والمدونات والشهادات والرسائل الالكترونية التي كانت تصله تباعا من جهات مختلفة وبشكل خاص من الصحفي محمود السوادي وشخصية غامضة هي "المساعد الثاني".

ان هذه البنية الروائية المركبة تؤكد الطبيعة الميتاسردية لها، وهي لعبة جربها واتقنها احمد سعداوي في رواياته السابقة "انه يحلم او يلعب او يموت" التي سبق لنا وان درسناها في موضع اخر. فهناك اولا قصد واضح لتأليف عمل قصي او روائي، ربما بدأه الصحفي محمود السوادي بتشجيع من رئيس التحرير علي باهر السعيدي وظهر بشكل قصة او تحقيق نشر بإسم محمود السوادي مع تعديل طفيف من قبل رئيس التحرير اشار فيه انه اطلق فيه عنوان "فرانكشتاين في بغداد" على التحقيق مع نشره لصوره من فيلم "فرانكشتاين" الذي قام ببطولته روبرت دي نيرو 1994.

كما اعتمدت الرواية في تشكيلهاعلى مجموعة من المخطوطات والوثائق والمدونات الورقية والصوتية منشورة بصيغتها الاصلية أومبثوثة ومتشظية داخل الفضاء الروائي، وهذه كلها عناصر تعزز المنحى الميتاسردي في الرواية المرتبط هنا بحس مابعد حداثي Post Modernism حيث شيوع ظاهرة التشظي وعدم الايمان بوثوقية المدونة التاريخية من خلال صناعة تاريخ تخييلي خاص، ونفي أي يقين حول ماجرى، من خلال خلق حالة تشوش لدى القاريء الذي يعجز احيانا عن الوصول الى يقين محدد او قراءة سليمة للرواية، لان كل قراءة حسب مايرى جاك ديريدا هي "اساءة قراءة" ليس الا، وهو هدف مركزي من الاهداف الذي تحاول الحساسية مابعد الحداثية اشاعته في الادب والفن والفلسفة بشكل عام وفي الرواية مابعد الحداثية بشكل اخص.

رواية "فرانكشتاين في بغداد" وهي الرواية الثالثة للروائي العراقي احمد سعداوي انجاز روائي عراقي وعربي كبير تنتمي بجدارة الى المنحى الميتاسردي في الرواية بجوهره مابعد الحداثي وهي تواصل تقليدا غرائبيا جريئا بدأه في الرواية العراقية الروائي العراقي فاضل العزاوي منذ روايته الاولى "مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة" وانتهاء بروايته "الاسلاف"(38) مرورا بروايته "اخر الملائكة" اما مايقال احيانا من ان الرواية قد افادت من رواية الكاتبة البريطانية ميري شيللي المطبوعة عام 1817 او افادت من فيلم "فرانكشتاين" المنتج عام 1994 والذي يلعب فيه دور الوحش الفنان روبرت دي نيرو فهو لايقلل من قيمة الرواية. انطلاقا من مفاهيم "التناص" الحديثة. اذ من حق المبدع اعادة انتاج الانماط والنماذج البدئية المركبة archytypes من خلال رؤيا جديدة، مثلما يتم استلهام اعمال كلاسيكية او ملاحم واساطير مثل اوديب وبجماليون وجلجامش وقصة التكوين وغيرها عبر منظور رؤيوي وفني جديد، خاصة وان الروائي احمد سعداوي لم يحاول اخفاء تلك الاصول التي يمكن النظر اليها بوصفها تمثل نصوصا غائبة او مرجعية أو موازية تثري النص الروائي الحديث مادام يمتلك اصالته وخصوصيته وتطبيقه على واقع اجتماعي وسياسي محتدم هو الواقع السياسي العراقي بعد التغيير والذي تميز وبشكل خاص عامي 2005 و2006 بإحتدام الصراع الطائفي وتصاعد اعمال العنف والارهاب التي كانت تقوم بها القوى الارهابية والتكفيرية وبعض الميليشيات والتشكيلات المسلحة والتي كانت تستهدف حياة الالاف من المواطنين الابرياء وتهدد الامن والاستقرار في البلاد.

لذا لم يكن مفاجئا ان تقرر لجنة التحكيم في جائزة البوكر العربية للرواية لعام 2014 اختيار هذه الرواية من بين الروايات الست المرشحة في القائمة الصغرى لكي تحصل على المركز الاول في المسابقة ولتؤكد على ان الرواية العراقية اصبحت بحق تقف في الصف الاول من النتاج الروائي العربي الحديث وهو ما يدفعنا الى الاحتفاء بهذا الفوز وتقديم التهنئة الى الروائي احمد سعداوي بشكل خاص والى الوسط الثقافي العراقي بشكل عام.

 

.......................

الهوامش

1_ سعداوي، احمد "فرانكشتاين في بغداد" منشورات الجمل، بيروت، بغداد، 2013.

2_ السعداوي، احمد "انه يحلم او يلعب او يموت" بيروت 2008.

3_ السعداوي، احمد "البلد الجميل" 2004.          

4_ سعداوي، احمد "فرانكشتاين في بغداد" ص 5.

5-المصدر السابق، ص 7- 9.

6- المصدر السابق، ص 351.

7- Harrey ,sir paul (ed)the oxford Companion to English literature ,fourth edition ocford, Great Britain ,1967 ,p.312

8- Avery ,Catherine B,The New Century Classical Handbook, New York ,1962 ,p948

9- سعداوي، احمد "فرانكشتاين في بغداد" ص 8.

10- المصدر السابق ص 351.

11- المصدر السابق ص 8-9 وراجع ايضا ص 323 -339.

12- المصدر السابق ص 323 -350.

13- المصدر السابق ص140.

14 المصدر السابق ص 140.

15- المصدر السابق ص5.

16- المصدر السابق ص63.

17 – لمصدر السابق ص 26.

18- Magill Franf N.(ed) Cycoloprdia of literary choracters Harper and Row ,New York ,1963 .p 385

19- سعداوي، احمد "فرانكشتاين في بغداد" ص 265.

20 – المصدر السابق، ص 143.

21- المصدر السابق، ص 25.

22- المصدر السابق، ص 348.

24 – المصدر السابق ، ص 350.

25- ينظر فيلم "فرانكشتاين" بطولة روبرت دي نيرو هام 1994.

26- سعداوي، احمد "فرانكشتاين في بغداد" 145.

27-المصدر السابق، ص 146.

28- المصدر السابق، ص 5.

29- المصدر السابق، ص 149.

30 –المصدر السابق، ص 57.

31- المصدر السابق، ص 234.

32 - المصدر السابق، ص 234.

33- المصدر السابق، ص 334.

34-المصدر السابق، ص 335.

35- ثامر، فاضل "المبنى الميتاسردي في الرواية" دار المدى، بيروت، دمشق – بغداد 2013 ص 277.

36- سعداوي، احمد "فرانكشتاين في بغداد" ص 53.

38- العزاوي، فاضل "الاسلاف" منشوررات الجمل، المانيا – بيروت 2001 وانظر دراستنا عنه في كتابنا "المبنى السردي في الرواية" ص 323 ـ 326.

 

حول رواية (أعشقني) للأديبة الأردنية د.سناء الشعلان

sanaa alshalanخلال قراءتي المتمعنة لرواية الكاتبة الأديبة الشّابة الدّكتورة سناء الشعلان أعبر أجوء روايتها المكتوبة بلغة رشيقة لتجعلها لينة تشكّلها كيفما تشاء لتعبر الألفيّة الرّابعة حيث تدور أحداث الرّواية في عام 3010، وتعبّر في الوقت نفسه عن تطّور التّكنولوجيا المتفوّقة علينا بحكم المنطق، إذ تستخدم الكتابة تعبيرات فريدة من نوعها تنقلنا تدريجيّاً إلى هذا العالم العجيب، مثل"منبهات الخرائط الإلكترونيّة والحزن الضّوئيّة"، وعبارات أخرى كثيرة.

اختارت الكاتبة الألفيّة الرّابعة لقلق يسكنها في عالمنا اليوم حيث كلّما اتّجه الإنسان نحو العلم والتّكنولوجيا خسر شيئاً من روحه وذاته، وكلما أمعن في عالم الماديّات تجمّد قلبه.

الحروب في عالمنا اليوم تفتك بالبشر مستخدمة أحدث أنواع الأسلحة المتقدّمة، ومن يدير هذه الحروب هم أناس أيضاً، ولكنّهم قتلوا الله في ذواتهم وتحجّرت قلوبهم.تنظر الكاتبة إلى الأقليّة من النّاس الذين يتمسّكون بالقيم العليا بقلق، هي تبحث عن الضّمي المنزوع من قلوب شريرة تحكم العالم، وتديه بوحشيّة بشعة.

الرّوابة تتحدّث عن مقتل نبيّة الكلمة الزّعيمة الوطنيّة المرموقة في حزب الحياة الممنوع والمعارض، وهي كاتبة مشهورة أيضاً، تُقتل علة أيدي جلاديها، فيتهتّك دماغها، ليبقى الجسد سليماً نابضاً بالحياة، بينما يتهتّك جسد أحد الجلادين في عمليّة تخريبيّة من الثّوار ليبقى دماغه ينبض، وفي الألفيّة الرّابعة حيثُ التّقدّم والعلم يُنقل دماغ الجلاد إلى جسد الثّائرة لتوافق الجسد جينيّاً وبيولوجيّاً في عمليّة فريدة من نوعها، وتستخدم الكاتبة لغة رشيقة لتعبّر عن ذلك، حيثُ تقول على لسان باسل المهريّ(الجلاد): " أريد جسدها بضجعة أبديّة لا تملك بعثاً لي أو بي"، وفي صراع مع ذاته يقول:" ليتني أستطيع أن أرفض أن ينقل دماغي إلى جسد تلك المرأة المعانقة للموت والعدم"، وتقول أيضاً:" إنّ دماغ سيرتدي جسدها، وهي ستكونه، وهو سيكونها، رجل في جسد امرأة أو جسد امرأة بعقل رجل"، ويقول باسل المهريّ:" هي الكأس، وأنا المدام المراق، وما قيمة مدام مراق أمام حقيقة وجود كأس".تركيبة عجيبة من نوعها نزجّ باسل المهريّ في صراع لرفض هذا الجسد ولاسيما عندما يكتشف أنّ صاحبته امرأة حبلى بجنين هي تعتقد أنّه أنثى أو تتمنّى ذلك، بينما يؤكّد الأطبّاء بعد ستة شهور قضاها باسل في غيبوبة، وبعد نموّ الجنين أنّه ذكر لا أنثى.

أمّا كيف حملت شمس، فهذا أمر آخر تتوقّف عنده الكاتبة حيث النّاس في عالم الرّواية يتناسلون في المعامل المخبريّة، فالجنين عبارة عن جينات مختارة بدقة وفق منظومة كروموسومات في بويضة مخصّب، المتعة الجنسيّة عندهم عبارة عن أقراص انفعاليّة مضغوطة تستخدم وفق برنامج مقنّن للإشباع الجنسيّ، الولادة الطّبيعيّة غير معروفة في عصر الرّواية، بل هي منقرضة منذ الآف السّنين.

الجنين الذي يحلمه جسدها أو جسده الآن هو ثمرة حبّ فريدة من نوعها اقترفها صاحبها في مخالفة قانونيّة جنائيّة.

يبدأ باسل المهريّ يتأقلم على جسد شمس الذي احتواه أو الذي أو الذي لا يملك غيرة ليدرك ويدرك أنّ الهروب منها هو الهروب إليها، فعليه أن يعترف عليها، وفي ذلك يقول:" كي أعرفني علي أن أعرفها تماماً، على أن أحصل على معلومات عنها عن طريق المحطّات الأرضيّة عبر جهاز الحاسوب الشّخصيّ".وهنا تلعب الكاتبة لعبة تكنولوجيا متخيّلة.

يقرّر باسل المهريّ إذن أن يطّلع على مذكّرات شمس التي هي عبارة عن رسائل موجّهة من والد الجنين خالد إليها موجّهة منها إلى الجنين، حيث كان يسكنها هاجس الموت، فهي المعارضة لحكومة درب التّبانة تستشعر أنّها قد تقتل، لذا تريد من الجنين أن تعرف والديها، وأن تعرف الله الذي ينكره سكّان المجرّة، فهي تخاطب الجنين قائلة لها:" خالد الأشهل هو أبوك البيولوجيّ والرّوحيّ والحقيقيّ، وأنا أمّك شمس النّبية التي حاربت المجرّة لتكوني".

خالد وشمس مخلوقات لغويان كما تعبّر الكاتبة؛فبالكلمة عبرا الدّنيا واستمتعا بجمالها وعاشا حقيقة تقرّبهما من الله، وفي العهد القديم" في البدء كانت الكلمة، والكلمة عند الله، والله هو الحقيقة". الله محبّة، ومن لا يستطيع أن يحبّ الذي يراه بعينه لايستطيع أن يحبّ الله الذي لايراه.نحن نرى بقلوبنا، ولكن سكّان المجرّة لايرونه؛لذا هم يتخلّون عن عواطفهم التي تكاد تكون معدومة، بل هي معدومة كليّاً في تصوّر الكاتبة، رسائل خالد كانت دافئة وحنونة ومكتوبة بلغة رشيقة لتعبّر بحميميّة عن حبّ فريد عميق يفتقده النّاس في زمن الرّواية، بل في زماننا نحن، حيث بدأت التّكنولوجيا تغزو عالمنا فتربكه.

باسل المهريّ المنكر لوجود الله الملحد شانه شان النّاس في المجرّة يدرك أخيراً أنّ هناك قوة خفيّة في الوجود، وهي قوة تحرص على سلامته، وتقوده نحو النّور بأن تكرّس جسد تلك المرأة ليحتويه، هذه القوّة هي الله الذي يراه أخيراً بقلبه، ويعلن أن لا إله إلاّ الله.

تُستكمل شهور الحمل، ولكن الجنين يأبى أن يخرج إلى الحياة، وكأنّه يرفض أن يعيش في هذا العالم الملوّث؛فهو امتداد لتمرّد والديه، والده رحل إلى القمر في مهمة سريّة لإسعاد البشريّة، وأمّه ماتت ليستمرّ وجودها من خلال وجود باسل المهريّ الذي يدرك أنّ روحها تعيش في كيانه، فقد أصبح يعشقها، ويعشق جنينها، ويحرص على الاحتفاظ به، وبتعبير الكاتبة يقول باسل المهريّ:" أعشقني كونه يعشق جسده أو جسدها وروحها في آن".

يقر!ر باسل المهريّ أن يهاجر إلى القمر ليضع الجنين هناك، لعلّه يوافق على أن يخرج إلى عالم نظيف، إنّه يرفض ظلام هذا العالم الذي فيه.

الكاتبة تقول إنّ الحبّ هو البعد الخامس، وفي تعبيرها عنه تضعه في المرتبة الاولى، فهو البُعد الأوّل حقيقة، هذا البُعد الذي يقودنا إلى النّور والحبّ والحياة.

الرّواية فيها إقناع ودهشة حيث أنّها غير مألوفة لتصبح عند قراءتها قريبة من القلب، يبقى تساؤل وحيد أضعه أمامها، وهو كيف استكاعت الكاتبة بتسلسل مقنع بظاهرة واحدة فقط أن تلغي علاقة الرّجل بالكرأة، وبعبارة أخرى تلغي الجنس والتّناسل الطّبيعيّ الذي أوجده الله ليكون ناموساً طبيعيّاً؟ّ ومن يخالفه يتحدّى الله، وبعبارة أخرى الإنسان في عالم متهتّك مفتقد للقيم ينتهك الجنس بوحشيّة، وينزله من مرتبته السّامية، ولكنّه لايلغيه.

ومع ذلك الكاتبة من خلال قوانين جائرة في المجرّة أبحرت في عالم الرّواية، وهذا الإبحار كان جميلاً وممتعاً، ولكنّه يفتقد للمنطق أحياناً.

أحيي الكاتبة، وأتمنّى لها المزيد من التّقدّم والإبهار.

 

بقلم الأديبة الأردنيّة: د.ميسون حنّا

 

قراءة في ديوان (تهجيات) للشاعر أحمد الحلي .. الشعر يؤسس مملكته من الأنقاض

ahmad alhili(تهجيات) مجموعة شعرية للشاعر أحمد الحلي تحتوي على نصوص عديدة تشتغل في فضاء الحداثة الشعرية وما بعد الحداثة، وهذا لا يعني أن النصوص تدخل في نفق الفهم السطحي للحداثة وما بعد الحداثة وفق اشتراطات كيفية أو قسرية جاءت نتيجة الكم الهائل من المنتج الابداعي الذي ينتحل تلك الصفتين، ولعل أهم ما يمكن الحديث فيه عن الحداثة يتعلق بالرؤية الشعرية الفاضحة التي تحاول أن تستثمر كل الفنون وكل الحواس في خلق النص الذي يغوص في شعرية تحاول كسر المألوف فإن هي فشلت في ذلك فإن النص سيكون هامشياً وفق رؤية الناقد الذي ينظر إليه بآليات اشتغاله الحداثوية .

إن أهم المَشاهد التي نتلقّها في هذه المجموعة مشاهد منبثقة من الحياة وعنها وفيها وإليها، بمعنى آخر أن النصوص التي توافرت في (تهجيات) نصوص واقعية بلباسٍ ثانٍ مشيّد من نقيض الواقع الذي نعيشه، والفرق بين الواقعين متأتٍ من زاوية نظر منتج النص التي تؤهله لاقتناص صوره وخلق شعرية جديدة هي امتداد ثائر للشعرية العربية الموروثة، ثائر على أطرها الجامدة ورؤاها المكررة، هنا نرى رؤىً مختلفة تحاول أن تصنع واقعاً ثانياً هو من الواقع وليس منه في آنٍ واحد، وهنا تتشكل بؤرة الرؤية الحداثوية للمنتج في هذه النصوص .

تفاجئنا المجموعة بمثابات مهادية أو تورية تشكل ثريا للدخول في عوالم النصوص على صفحة المدخل بعد عنوان الديوان، نقرأ ؛ " لو يعلم النحلُ ما تخبئه شفتاكِ" . لتأتي الصفحة التالية بنص قصير بعنوان "طلسم الحروف"، الذي يبدأه بالجملة الشعرية ؛ " على فمي ترقصين، بسملة للحب وطا وسين "، ومعلوم أن هنا إحالة إلى ثيمة صوفية تتعلق بالحلاج الذي لديه ديوان شعر بعنوان " الطواسين"، ليقوم الشاعر بتوظيف ذلك للتغني بالمرأة التي يحبها، حيث عمد إلى تجزئة حروف اسمها واخذ ينسج على كل حرف مقطعاً أو أكثر .

جاء النص الثاني المعنون "منحنيات بيانية" الذي يتألف من واحد وستين مقطعاً قصيراً، استكمالاً للمنحى الذي اعتمده الشاعر في مجموعته هذه وهو منحى الصفعة، باستحضار صورة المرأة المشدودة الوثاق بين تمنعها الصعب وتوقه الهائج للوصول إليها . والخطاب في هذه النصوص موجّه دائماً بين حضور للمحب وغياب للمعشوقة، بما يؤكد إعادة توجيه النظرة النقدية إلى ما يترتب عن تشغيل وظيفة هذا الاستبدال في المواقع المخفية عبر النسق المعلن للخطاب الحضوري المملوء بالعشق والغرام وهنا يتحول الشعر إلى تمثيل تقابلي إنتاجي يتأرجح بين أنتِ الغائبة البصيرة وأنا المنفرد المتغرب بذاته، ويكون المدى بين الحضور والغياب هنا متخذاً منزلة الحب العذري الذي نفتقده هذه الأيام .

يتجه الشاعر إلى إعادة خلق الفضاءات المنسية أو المهمولة قصداً من طرف المعشوق محاولاً نحتها بجسدٍ جديد من الأمنيات التي تعتمد البراهين المضللة والمظللة لأثر الحضور المتمنى والمطلوب، وهذا ما نستطيع تسميته بلسان الشعر الغزلي عبر تقانات التقابل والتضاد وتفجير طاقات اللغة مما تستحضرة الذاكرة أو تصنعه الأمنيات، وهو معطى شعري وإن كان مألوفاً في أدبنا العربي، إلا أن تقانة الإشتغال في هذه النصوص بالاعتماد على الأيقونة أو الصفعة تشكل إضافة نوعية لباب الغزل في الأدب العربي، لأنه يبتعد هنا عن طرائق الغزل العمرية أو النزارية أو العذرية بمختلف أصولها، إنه هنا صوت خارج من برية النفس يشكل عبر صداه صورة الحياة التي يريدها مع المعشوق الأزلي الذي ارتضاه معبوداً له بعد أن دجّن لنفسه صورة العابد المتبتّل .

إن المقاطع المدهشة التي تضمنها هذا النص (منحنيات بيانية)، من الغزارة الجمال بشكل لا يستطيع الدارس الإحاطة بها كلها، وإنما يستطيع أن يقول إن المحبوب المعشوق الروحي هو صنو الحياة غير المخلّقة الماكثة في الروح والعقل بكل تشكلاته وشطحاته ورؤاه وأسئلته الجنونية، بوسعنا أن نقرأ؛

* أدنى إيماءة منكِ، تُعلن في مقابر خلاياي النشورْ، هنا نلمس صورة المرأة التي تبعث الحياة في الرميم .

* كفيلةٌ بإحالة منطقة القطب إلى خط استواء، زفرةٌ واحدة من زفرات اشتياقي إليكِ، هنا صورة المحب القسري الذي عبر بوابة رؤاه الأزلية .

* أنفاسُكِ، تكفي لكي يسكر بها حتى الثمالةِ هواءُ مدينة، المرأة هذه هي وجود الوجود .

* إزاء فوضى العالم، حبُّك، الشئ الوحيد القادر على ترتيب الأشياء، المرأة هنا هي الهيولى المنظِّم للحياة .

* أجمل فصول السنة أنتِ . هنا ترتفع المرأة سموّاً عن مسمّيات الطبيعة بتشكيل طبيعة جديدة غير مألوفة خارج نفق المحسوسات والموجودات المكررة، إنها بعيدة عن التكرار عصية في الوصول .

* ما عادت السبورة سوداء، منذ اللحظة التي رسمت أناملي سهواً حروف اسمك عليها،، المحبوبة هنا إرادة لقلب المسميات المألوفة وإلغاء الألوان، نلاحظ هنا أن الشاعر عمد إلى استعمال مفردة (رسمت أناملي) بدلاً عن مفردة كتبت المألوفة، وذلك نابع من كون المكتوب على السبورة هو اسم المحبوبة الذي يحتاج إلى كثير من التأني والحذر .

* فيوضاتُ قربك، هي ما يلملم أشلائي من الجهات الأربع . المنتج في هذا المقطع منشغل بصناعة رؤيته الصادقة للمحبوبة، فهو هنا يمحو وجوده إزاء حضورها شعورياً، فلا يبقى خطاب ذكوري ساند له إلا بحضورها، لأنه يكتشف ذكوريته من خلال قدراتها على الخلق والتجريد والانبعاث وحملها لقوة التخصيب والتحريك والتوقيت والإملاء المسكون بالألوان ومثابات الطبيعة وأشكال الحياة .

* في خطوكِ يخطو إليَّ كل ما في الحقول من زنابق . هنا القوة السحرية الخلابة القادرة على تحريك وتحوير معطيات الطبيعة .

إن مثل هذا الخطاب الغزلي قلما نجده في شعرنا العربي حين يكون المحبوب صانعاً لحياة هي أعلى وأسمى وأعمق من الحيوات التي نعيشها ونحسها ونتلمسها رغم أفولها السريع بقياس الزمن، نلحظ هنا أن المحبوب هو الزمن الذي يتشكل الزمن منه وفيه في محاولة لإمحاء موجودية الأشياء التي نعيشها وخلق موجودية جديدة منطلقاً من حضور المعشوق .

في نص "لأنه منكِ"، المتشكل من مقاطع متفجرة قصيرة، تتجلى بوضوح آلية اشتغال الشاعر أحمد الحلي وفق مستويات ما بعد الحداثة، فهو هنا وإن عدد (الحزن، الجرح، السيف، الأسى، الكفن ....) إلا أنه عكس النقيض المخلق لوظائف هذه المسميات عبر صور شعرية مبتكرة تماماً ؛ الحزن ؛ حشوتُ به وسادتي، السيف ؛ تستكين له بودٍ رقبتي، الكفن ؛ شرنقتي، وكما يتبين لنا فإن هذه المقاطع التي تشتغل ضمن رؤيا الشعرية الحداثوية وإن كانت قصيرة جداً، إلا أنها زاخرة ومكتنزة بالرؤى والمعاني بما يؤكد قول النفّري ؛ كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة، والأكثر دقة أنه كلما اتسعت الرؤيا مالت العبارة إلى التشفير والترميز، ولنتواصل مع " لأنه منكِ" فنقرأ ؛ حبل المشنقة؛ أسميته رباط العنق، الخراب ؛ فليتناسل ! .

ثم لنصل إلى القصيدة الأخرى التي نقرأ فيها، جمرتان فوق الماء شفتاكِ، ولن آوي إلى جبلٍ عيناكِ تعصماني .

وما زالت المرأة صنو الميتا/حياة التي تكفل للشاعر سلامة البقاء إزاء ما يراه من دمار داخل نفسه وفي واقعه المعاش، في قصيدة " لاءات القلب" التي تتكرر فيها الـ (لا) أكثر من ثلاثين مرة لمختلف أنواع المباهج الحياتية يؤكد الشاعر انتماءه للحياة المرتبط بجسر انتمائه لمعشوقته التي تشكل التي (نعم) الكلية، لنصل إلى الجملة النهائية الحاسمة والقاطعة ؛ تضارع مباهجها نشوتي بلقائكِ !

ثم ننتقل إلى القسم الثاني من الديوان، وهو قسم المقاطع الفكرية أو الفلسفية الذهنية  

ونبتدئ بقصيدة (تأويل)، حيث ما يزال الشاعر مؤكداً لنسق عمله وآلية اشتغاله باعتماده اسلوب الأيقونة الشعري ؛

الثلج ؛ جمرُ أزمنةٍ لم تأتي بعد، الجسر ؛ خالٍ من السؤال عن هوية العابرين ، النواعير ؛ تمنيها لو تعلم أين يقود المجرى الماء الذي تصبّه كل حين

هنا نقع على اشتغال غير مألوف بكسر حدة الشكل التقليدي للشعر العربي شكلاً ومضموناً، وهو جوهر اشتغالات الحداثة الشعرية ؛ المداخن ؛ لكم هي في عيٍّ من احتواء النهار، فمهما قاءت فيه تراه يعود شفيفاً ناصعاً مثل حبّة ماس .

إنه تصويرٌ لأسىً جديد عبر حلم التعبير الشعوري، الحلم الماكث في روح الأشياء وصيرورتها .

في قصيدة (أسفار الرؤيا)، نرى سقراط، أرسطو، غاليليو، الغزالي، أبو نؤاس، المتنبي، المعري، ماركس، أبيقور، ميكافيلي، ديوجونيس، الجاحظ،، كوبرنيكوس، أرخميدس، بدر شاكر السياب، وعبر هذه الأسماء يتجلّى بوضوح سر شاعرية أحمد الحلي، لأنه وإن كان قد تعكّز على أسماء لها حضورها الفلسفي والشعري والديني، إلا أنه استطاع بوضوح أن يدجّن المفردة والفكرة المجردة علمية كانت أم فلسفية ضمن قالب شعري يغلب عليه الاندهاش والروح الخيالي وتطويع المعنى، وهو ما يؤكد قدرة كبيرة في الوصول إلى سر العمل الشعري الحقيقي الذي يحمّل المعاني طاقاتٍ لا تحملها إلا في أنساقها المسكوت عنها . .

الغزالي / كم هي قاحلةٌ وموحشة، تلك الصحارى التي لا يجد العابرون فيها واحة ماء / واضح هنا أن واحة الماء هي الغزالي، بفكرة العظيم وعقيدته الصافية التي ترتكز على أن الإيمان الديني لا يحتاج إلى أدلة عقلية لإثبات مدى صحته .

المتنبي/ لو أن زوبعةً اختارت أن تؤدي دورَ إنسانٍ لاختارت أن تكونك، أيها المستيقظ مع أول صهيل . فهو هنا (أي المتنبي) زوبعة العصور .

ماركس/ شئٌ واحدٌ فات نباهتك أيها المبجلُ / هو أن العالم ربما يكون أكثرَ بدانةً من الثوب الذي صنعتَ . واضح هنا أن الشاعر ينحاز ضمنياً لطروحات ماركس حول ضرورة أن تكون هناك عدالة في توزيع الثروات، ولكن هذا لا ينفي أن العالم بما يتضمنه من نزعات متجددة فيه أكثر اتساعاً من أن يحيط بها فكر أو فلسفة واحدة .

إن الشاعر في هذه القصائد القصار نجح في رسم صورة لمعطيات الرموز عبر رؤاها التي واجهت العالم بالنجاح والفشل، وما بين هذا وذاك يبقى العطاء رمزاً لجهود الانسان والشعر الذي لا تضيق به العبارة يتسع كلما حاول أن يؤطر الفكرة بحدود انطلاقها الروحي ليشكل ثورتها المتحولة أو المصنوعة عبر ديناميات وجودها التي تواجه مصائر الأفول والاخفاق به ومعه .

في النص الأخير (خيول) هناك اختصار لرؤيا الإنسان عبر الزمان والمكان، اختصار لأحلامه والمصائر التي ستؤول إليها، وهي فقرة مضمخة برؤى دفينة لا تستطيع الألفاظ أن تفصح عنها إلا بالمخيلة والتورية الساندة للصورة بالصورة، إذْ أن نص (خيول) يختصر مأساتنا في الحياة، يريد أن يقول قولة كلكامش حين فشل في الحصول على عشبة الخلود، ولكن المنتج الشاعر قاله بلسانٍ آخر ؛

بماذا تراها تفكر الآن/ تلك الخيول التي دهستها عرباتُ الغواية

........................

........................

وقد شاء لها نحسُها / حين واتتها الفرصة / أن تلعب دور المتفرّج وتخسر الرهان !

وكلنا متفرجون على مآسينا، لاحول لنا ولا قوة في ما يدور حوالينا .

إنها مجموعة تستحق القراءة وتشي بجلالة قدر المنتج وجهوده الرائعة في خلق نسق شعري جديد عبر تكوين ثقافي أدبي وشعرية أخّاذة في اقتناص المعاني، لا تريد هذه المجموعة أن تدّعي ما ليس فيها، ولكن فتور همة المنتج وأقصد الشاعر أحمد الحلي قد فوت عليه فرصة تحقيق انجاز خاص به ومميز تأريخياً حين لم يفكر بطباعتها بعد انتهائه من انجازها، فإذا علمنا أن (تهجيات) قد انتهى من كتابتها في العام 1999، علمنا أية فرصة أضاعها في طبع إبهامه الحداثوي في المشهد الشعري العراقي ....

وحسناً فعل الشاعر الحلي حين قام بطباعة مجموعته القيّمة هذه لدى إحدى أهم دور النشر بمصر ألا وهي مؤسسة شمس للطباعة والنشر، وقد ازدان غلافها بلوحة للفنان الاسباني الشهير خوان ميرو، لتكون خير معبر عن المضامين التي احتوتها .

 

جبار الكوّاز

غرفة فرجينيا وولف

rahman khodairabasعن دار طوبقال للنشر صدرت مجموعة قصصية جديدة للأديبة المغربية لطيفة باقا بعنوان (غرفة فرجينيا وولف). وتضم المجموعة تسع قصص. ولعله من المفيد القول: إنّ القاريء الذي لايعرف فرجينيا وولف قد لايفقه عمق المضامين التي تجسدت في هذه المجموعة. وكأنّ الأديبة لطيفة باقا قد إستمرأت فكرة الحلول في شخصية فرجينيا ‘ وتقمصت رغباتها في إمتلاك غرفة خاصة.ولكنها بدلا ان توصد تلك الغرفة وتتلمس أسرارها، شرّعت النوافذ من أجل كسر قشرة االأسرار الكامنة والنفاذ الى جوهرها. كما انها رصّعت قصصها التسع بمقولات للأديبة فرجينيا، وكأنها تجعل من هذه المقولات بوصلة للنفاذ في مشروع تلك القصة. أو لتنصهر في آتون المقولة، وما أن ْتتخضب من عطرالمغزى الخفي حتى تتخذ مسارا مستقلا يجعل من عملها الكتابي ليس مجرد تهويمات منحوتة من أدب فرجينيا ورؤيتها للأدب والحياة. محلقة في عوالم قصصية ذات رؤى واحداث متلاحقة تستلها من الواقع المغربي . ولكي نقترب اكثر من الأجواء القصصية للكاتبة لطيفة باقا، علينا أن نّطلّ على الحياة التي عاشتها فرجينيا وولف. تلك الحياة الحادة والعريضة والمشوبة بالتوترات والعقد منذ التحرشات الجنسية التي تعرضت لها من قبل أخيها غير الشقيق، الى زيجاتها الفاشلة سواء من الرجل الذي يكبرها سنا او الزوج الثاني الذي كان مصابا بالشذوذ الجنسي. ولكن ثمة إستقرار نسبي طرأ على حياتها وذالك بزواجها من الأديب ليوناردو وولف ولكنها لم تتمتع معه كثيرا، حيث انتحرت خوفا من إنهيارها العقلي الذي كان وشيكا. وكانت فلسفتها في الحياة إنعكاس لتلك العوامل، والتي أثّرتْ بدورها على طريقة كتابتها أيضا، مما جعلها تبدي إهتماما لكمية الوعي المتناثرة داخل الذات، فتحاول اعادة ترتيبها. كما اعتمدت على الغوص في أعماق النفس من أجل إستدعاء الخواطر والأحلام.

(الغرفة المجاورة) اول قصة في مجموعة لطيفة باقا. يبدا الموقف امام حانوت الخضّار الذي يوقظها وهي متلبسة في الماضي. "أش حب الخاطر" فينتشلها من لحظة الحاضر المعجونة بالفراغ، حيث " الزقاق موحش وبارد.." وحيث الحركة اليومية لجارتها وزوجها اللذين يخططان لبرنامجهما اليومي المعتاد !. تنطلق اغنية من المذياع " لله يالعطار اعطيني دْوايا..." فتتسلل الى الماضي وهي تتذكر زبيدة، عمتها، التي تمارس الدعارة. يبدا تيار اللاوعي ليحرك الأحداث. مشاهد مختلفة لذاكرة فتاة مراهقة واخيها المماثل لعمرها. اللذين يؤمنان بافكار تروتسكية، ويحبان اكل الحلزون ومشاهدة المسلسلات التلفزيونية. العمة زبيدة تقدم لهما كل ذالك برحابة صدر، وهي منهمكة بممارسة المهنة في غرفة مجاورة. السرد للمشاهد ياتي على لسان الفتاة. تحاول ان تشد خيوط القص غير مبالية بتسلسل الأحداث. تبرز زبيدة الطفلة التي لم تتجاوز سنها الثالثة عشر والتي هربت من زوجها لتنتقل من زوج الى آخر، وهكذا نتوضح المسببات للدعارة والتي تبدو كتحصيل حاصل لمجتمع ذكوري غير متوازن. ورغم أنّ العائلة تنبذ زبيدة، بوصفها خارجة على النواميس، لكن سياق الوصف جعلها لاتستحق ان تكون منبوذة لأنها ضحية. ورغم القرف البارز في الوصف لتسلل الرجال واغلاق الأبواب، ومجيء النسوة اللواتي تثير سماتهن بعض الشكوك. لذا تبدو الغرفة المجاورة كيانا غريبا مشدودا بالغموض. وهي المنطقة النائية والموحشة، وهي الحد الفاصل بين الفضيلة والرذيلة حسب وجهة نظر العمات ذوات السمات القاسية واللواتي لم يقدمن وجبة الحلزون. ولاشك أن الكاتبة ارادت ان ُتنشيء معادلة غير متوازنة : البراءة من خلال طفلين يحلمان بتغيير العالم ولايشاطران االكبار خطاياهم يشاهدان التلفزة ويأكلان الحلزون في غرفة. يتجاوران مع فعل ينمُّ عن تكريس العبودية وانتهاك الجسد. البراءة والخطيئة يسيران في خطين متوازيين لايلتقيان.

في قصة (واحد، إثنان، ثلاثة، اربعة، خمسة، ستة) يتجلى لها ابوها في الحلم. يزورها ويتعايش معها. تلك المرأة المغلقة من العواطف ومن العلاقات، حتى امها تتحول الى شريك لدود. تعيش حياتها المقفرة، وتقيس الزمن باخر ممارسة جنسية قبل ثلاثة عشر عاما من زوجها الذي رحل الى الأبد. وهكذا تتعايش مع حالة موت، فتتحول الى طفلة حالمة، تتأرجح بين ذراعي ابيها وهو يقودها الى أماكنه الأثيرة، الأسواق، الحانات. تشعر بالسعادة حينما تلغي فكرة الموت أو كما نراه عند الفيلسوف هادكر الذي يعتبر الموت إمكانية الوجود القصوى.وهكذا فقد هيمن على مشاعرها. كانت مفتونة بابيها رغم أنه كان يعيش - قبل موته- حياة بوهيمية، لايأبه لما يحيط به.أو كم تقول عنه " كان على حق حينما يتبول على العالم من النافذة " لقد كانت متيمة به كتعويض عن حالة الإحباط والفقر العاطفي، أو كأنها تحت وطأة عقدة اوديب الأنثوية او كما سماها تلميذه يونغ عقدة اليكترا. إنّ ظهور الأب - مع افتقاره الى مواصفات الحنان الأبوي - يدل على هيمنة الفعل الذكوري في مجتمع لايقيم للمرأة وزنا. لقد كان الحلم هو السبيل الوحيد لإعادة أشيائها المفقودة، طفولتها، ماضيها.وهذا يدخل ضمن مايسمى استحضارالتفاصيل التي غيبتها الحياة بقسوتها المفرطة. لقد علمها أنْ تعثر عليه من خلال احاسيس حسابات الأرقام الوهمية. وهكذا تدخلنا الكاتبة ببراعة في اللعبة الرقمية التي لاتنتهي والتي تبدأ بالعد الرقمي الواعي وسرعان ماتذوب في وهم الأرقام ووهم الأحلام. هل حققت القصة مضمون اليقظة على أنه موت كما ترى فرجينيا وولف؟ السياق الحافل بالمشاهد المختلفة يؤكد ذالك.

في (تفاحةآدم) يبدو المشهد شاملا. نساء في قاعة الإنتظار، لبنى وهي صديقة قديمة ترتدي سروالا جلديا وتنشغل في مكالمة تلفونية، والتي أثارت الأستغراب لأن الإتجاه الآن هو التحول الى الحجاب، ثم تفسر ذالك بشكل أقرب الى السخرية " في إطار مشروع التخفيف من التوتر الجنسي داخل الشارع العام " لبنى المتبرجة تبدو في جوهرها حاملة هموم المرأة التي تتعرض للظلم الذكوري. لذالك تلجأ الى ترحيل الألم وتحويله الى خيال سينمائي على طراز توم وجيري. وفكرة اسقاط قسوة الواقع على الخيال من أجل أنْ تنتصر الحياة رغم المحن والهزائم والندوب التي يتم إلغاؤها في المشاهد الكارتونية القادمة. ثم تستعرض المفردات المختلفة للحياة اليومية، انتظار سيارات الأجرة، الزحام والمارة، استعراض الوجوه والأجساد التي تمارس لعبة الأنتظار والتحرك. ومن خلال هذا الحشد من الأشياء التي تتلقفها عيناها يتراءى لها شاب وسيم تزين عنقه الجميل تفاحة آدم، يصبح مركزا لأهتمامها ورغبتها، هذا الأمر الذي تكتمه اية إمرأة، أفصحت عنه وهي تعالج النوايا والنزعات المكبوتة لبنات جنسها، فتعيش حالة من سباق الإنتظار ومراراته، والذي يوفر لها قدرا من الصفاء الروحي الكاذب، لاسيما وهي تغادر عيادة الطبيب النفساني. لذا تنشا اشكالية البوح الذي تصدرته القصة : " لايجدر بنا أنْ ننشر ما بداخلنا أكثر من مرة " ولتبق في حدود الحوار الخفي مع النفس وهي تستعرض المداهمات والمضاجعات والقتل ومحاولات القبل بين العشاق في الطرق المكتظة بالسابلة. لقد كانت قصة تفاحة آدم مشحونة بالأسئلة وبالمواقف الإنسانية التي إلتقطتها بعناية، مركزة على الأبعاد النفسية للمراة/ الإنسان. ثم تدخل في لعبة من الحوارات الداخلية، والتي تشم منها إعجابا بالكائن الآخر وفحولته ومبادراته، حتى على صعيد الجرأة والمبادرة والقابلية الفيزيولوجية "حيوانه المنوي الوقح الذي يبادر البويضة الديرويشة ". كل ذالك يأتي ضمن تقنية قصصية محكمة، تضع حكاية في داخل أخرى، ونصا سرديا قابلا للتفكك وقابلا للدمج، وكأنها تعيد تنظيم لحظات اللاوعي المتناثرة لأعادة ترتيبها. وهذا يدل على قدرة فائقة في تشكيل المشهد القصصي، حيث شخصت المناطق الرخوة في النفس البشرية من خلال تحليل علمي صارم في إسلوب قصصي جميل.

استحضار الآتي بمكابداته، بالشيخوخة المفترضة والعجز والوحدة وهجرة الأبناء. بالجسد الذي لم يحتمل، بالأدوية الطبية والنوم والقيلولة والثرثرة والصمت. هذا ما وجدناه في قصتها (غرفة فرجينيا وولف). تلك القصة التي جعلتها ايقونة المجموعة، أوصومعة البحار الذي يطلّ من فناره، كي يرى الأمواج والسفن والعواصف. لقد تقمصت الآتي من خلال زمن مفترض. ترى تقاطيع إمرأة طاعنة في السن "أتخيل هذا الوجه وقد ضاعت ملامحه في فوضى الغضون والتجاعيد "ثم يستمر التداعي ليصور بؤس الشيخوخة. ولكن رعب الإفتراض يختفي أمام المرآة ايضا حينما تعود الى بهاء اللحظة المعاشة، لحظة الحاضر " وجهي في مواجهتي مباشرة أنظر اليه بحنان غريب..أحسّ فرحا عارما متصاعدا يطفو أخيرا فوق وجهي" . لقد رسمت لنا لوحة بهية وكأنها فنانة تشكيلية وهي تصف شعاع الشمس في تلك اللحظة التي تنسحب من المستقبل لتعيش الحاضر " الفراشات الوردية على ثوب الستار الأصفر.. الفراشات هذه الكائنات الهشة المجبولة على الإحتراق، هي الآن تطير، تحاول أن تعانق السماء ". لقد كان تألقا لمشاهد متتالية في النص تحتمل الرمز، روح شعرية عالية وكأنّ الكاتبة ارادت أنْ ترتقي بالنص القصصي وتجعله شبيها بالشعر.

يفرض الأب شخصيته على المناخ القصصي للكاتبة، فهو يطل علينا من قصة الى اخرى وفي (رائحة القسوة) يبدو الأب مهيمنا على مشهدية القص. يظهر لنا بنفس الملامح تقريبا. رجل غير ملتزم ولكنه طيب.بوهيمي وشبيه بالمتسكع ولكنه يحب الحياة , ساهم في حرمان ابنته من أشياءها الطفولية الصغيرة وهي تنتظره في أبواب الحانات الرخيصة التي يرتادها، ولكنه يبقى في النص ذالك الأب الذي يشكل بحد ذاته حاجة معنوية عالية. حيث كان متألقا صادقا متمردا لظروف أكبر منه.مالذي أكسبه هذه الصفة الإيجابية؟ أهي الملامح الخفية التي تجعله يكتنز تلك الشمائل، والتي لايدركها أحد سوى أبنته " أغني بصوت عال أغنية حزينة كان يدندن بها ابي في لحظات إنتشائه..تتحدث عن حرب مجنونة بلا معنى..عن القسوة التي يشم أطفال الفقراء رائحتها عن بعد.." ولكن هذا الأب يتحول الى صورة نقيضة، محملة بالرموز. فهو نفسه الذي حرمها من دراجة هوائية أسوة باخوتها الفاشلين، وهو الذي فضّلهم عليها رغم تفوقها الدراسي، لأنها أنثى . الأب يتحول الى مايشبه الطفل وهي التي تحاول أن تشتري له ألآيس كريم الذي حرمها منه في طفولتها ولكنه أحيانا حينما يكون منتشيا، لايتورع من الإسراف في الشراء .تتذكر هشاشته وضعفه، ومع ذالك فانها تصر- في لحظات تداعيات الأحلام- أن تعامله بشكل مختلف. لايتماشى مع شعور التدني، بل نقيضه. إنه شعار الأنتصار على الهيمنة الذكورية حتى وإنْ تسربلت بجبة الأبوة.

لقد كان النص يسيل بالغربة، ليس بمعناها العبثي الذي وجدناه عند ألبير كامو وانما إستجابة لعوامل موضوعية دافعة للأغتراب. إمرأة مهددة طبيا بإجتثاث الرحم، والذي يقودها الى استنزاف كل الأعضاء البشرية لفقراء تطاردهم لعنة الأغنياء. يبدأ ألآن البعد الطبقي لصراع مقيت يطارد المسحوقين. كما كان الجسد حافزا للبقاء او العدم. الجسد تعبير عن الكينونة التي تنزف في شروط قاسية.

( رائحة القسوة ) تلك القصة الرائعة التي تغرق بين ابعاد حياتية غير متوازنة. فقط في عملية الضغط على القدرة المحدودة للأنسان - كأنثى- أنْ تحتمل وأنْ تقاوم.

 

poin-virgule

قصة بمذاق وتقنية هتشكوكية. المرأة ذاتها - حنونة ملتزمة - يدخل اخوها وهو يعيش هستيريا مرعبة. وهو أنه ضرب حسين عريجة بحجر فألقاه قتيلا. ولكن القصة تنحى منحى آخر، لتسجل الطرائق التربوية الخاطئة للمجتمع ب( عروبيته) او (ريافته) بمعاقبة الأطفال.وكأنها اساليب سليمة لتنشئة الجيل. القاصة تلقي الأضواء على هذه الظاهرة، وتجعلها عرضة للأدانة والسخرية لعدم نجاعتها في التقويم التربوي ثم تتناول الإعاقة الجسدية للضحية حسين والتي بوأته اعلى الدرجات في سلم النجاح المدرسي بعكس أترابه غير المعاقين، وكأنها تريد أن تصرخ أن العوق هو في العقول الخاملة، تأتي نتيجة الجريمة التي أعتقد أخوها أنه إرتكبها لاتعدو سوى إصابة غير قاتلة لتنتهي القصة بشكل مفرح ولكنه ذو دلالة. حيث يأتي اب حسين عريجة متوعدا بعد الإجابة غير المقنعة لآم المعتدي " يلا كانت غير جورتكم..الله ينعل بوها جورة.."

القصة ذات مغزى تربوي، وكانت ناجحة على الصعيد الفني من حيث التكنيك، ولكنها لاتضاهي بقية القصص من حيث ما اختزنته من عمق المعاني الفكرية.

لقد كانت الأديبة لطيفة قانا في مجموتها القصصية هذه( غرفة فرجينيا وولف) متمكنة من أدواتها الكتابية من حيث الإشتباك المباشر مع الواقع من أجل تفكيكه والخروج بقناعات فاعلة وذات قيمة إيجابية.كما أنها استنارت بفكر وأسلوب شقيقتها الأنثى فرجينيا وولف في بناء الصور الكلية من جزئيات متناثرة فنحن إزاء رصد لصور عديدة ومتشعبة تتكثف شيئا فشيئا لتصبح قصة، فهي -اي الكاتبة- تهتم بالجزئيات الصغيرة كي تتحول الى مفاصل زمنية لها تأثيرها على السرد.كما اعتمدت على المنولوج الداخلي لتقدم للقاريء سردا غير مباشر عبر اكثر من منظور. كما أضاءت لنا الكثير من العتمة في الشخصية البشرية على الصعيد السايكولوجي، ولاسيما من الجانب الأنثوي. فقد تمتعت بجرأة فريدة في دخول بعض التابوات التي تتردد غيرها من النسوة الخوض في غماره، وهو الجنس. كانت صريحة وحادة وصادقة، قدمت نماذج مدانة من المجتمع (المومس مثلا) ولكنها كشفت عن المكامن الخفية وغير المرئية.وهو إنه في داخل قاع الرذائل كثير من القيم الأخلاقية غير المنظورة. كما انّ العهر مرهون بعوامله السكوت عنها وهي الأكثر، كالتمايز بين الجنسين وإنتفاء المساواة. ولقد كانت جريئة في الطرح صادقة وواقعية وكأنها تُخضع هذه الظواعر لرؤية مختبرية.

اما الأسلوب القصصي فكان يسيل بعذوبة يرتقي الى الشعر أحيانا، حرارة في الكلمات، شفافية في التصوير، قدرة على شد الأحداث من جزئياتها كما إستفادت من اللهجة الدارجة في الحوار لتكسبه حرارة وصدقا. وعموما أستطيع القول أنّ القاصة لطيفة باقا، قد تركت لمسات مهمة في مسار القصة المغربية والعربية.

 

اوتاوة/كندا

عن سرّ الرّواية: يافا الزّيتونة والبئر وسط البيت!

rajaa baktia"..تضحك عمّتي، تشرق ريقها كالعادة، وتهمس في أذني، "هيك أحسن يا عمتي، أي هي دولة جدودِك تتغنّيلها؟" تَرمِشانِ عَيْنيَّ الشّهلاوين بخفقِ الدّهشة في زيتونهما، وأصرُخُ بفَرَحِ أطفالِ الصفّ الأوّل حينَ يحلّونَ مسألة ،"لكان دولة مين هاي يا عمتي؟"

عَرِقَ قاعُ الدّرج من حلمك، ومن حشيش قدميك فوق لوح الفرمايكا الرّطب. لو أخبروني لما صدّقت أنّ الحشيش الأخضر يكبر داخل الأدراج، وأنّ الحكاية بأعمارِها الكثيرة تولد مُوقَّعةً بأسماء من نحبّ! لكنّها الحقيقة أنّ حكايات الأماكن تكبر حيث لا نتوقّعها أبدا، على الحدٍّ الفاصلِ لمناطق محظورة عن بال الذّاكرة.

منذ ما يزيد عن ثلاثة عشر عاما، تستلقي أوراقكَ في قاع درج المكتبة. أنتقل من بيت إلى بيت وتنتقل معي بنفس الحماس والرّغبة. من شوق إلى شوق وتشتاق معي، من قلب إلى قلب تتقلّب فيّ كأنّها عشق مؤجّل، أو مذكرات حبّ محظور.

بعد أن غادرتُ عمّان بأيّام وصلتُ إلى يافا وبحثت عن سَلَمِة. لم أعثر عليها تماما، ولكن على ما يشبهها، شجرة الزّيتون المعمّرة والبئر الّتي نشَرْتَ صورها على حبل غسيل طويل، يمرّ عبرَ عينيك. والبئر لا تزال وسط البيت تحتلُّ عمق الذّاكرة. أعادتك التّفاصيل المنقولة بالشّبر لذات العشب، وذات العين. كبرتَ وأنت تحدّق بحشائش وهميّة تكبر تحت كلأ العين الحلوة. لكن، في آخر المسافة ازدادت سلمة انتشارا واستطالَ ورقها لِيُعانقَ جذِلاً قامتك، قرية بدأتْ أطْرافُهَا تفِجُّ تَحتَ بدَنِكَ، كَمَشَاحِرِ الشِّتاء يتثاءبُ جمرُهَا حقداً ووعيداً!

 أُجْليتَ عنِ العينِ الحلوة. غيّرتكَ المُدنُ وتغيّرتْ فيكَ، وبَقِيتْ سَلَمِة محتجزَةً في الجيبِ السريّةِ لسترتك الرّسميّة تعيشُ فيها ذات الأغنام ويزداد عشبها اخضرارا وسحرا في عينيك، قرية على مَقاسِ حُلُمٍ يتوهَّجُ حجرِ زهر بين كفيك، يتنقَّلُ من جيب إلى جيب مع تبديل ألوان السُتُراتِ وخشبِ السّيجارِ، واحتراقِ الحنينِ نُدُباً بين كفّيك. سألْتَنِي، هل تعيش يافا في الجيوب السريّة لكلّ الّذينِ رُحِّلُوا عنها؟ ألا تموتُ المدُن كما يموتُ النّساء والرّجال، وكما مات جمال يونس؟ ظلّ يشتاقُ ليافا حتّى سقط صريع حُلُمه ذات ليل منسي! لم يؤنسه في لحظاتِهِ الأخيرة سوى هذيان أحلام العودة على مفرش السّرير الشّاحب. قالَ لي ذات حديث، "عرّفتُهُ عليكِ لتستيقظ يافا في قدميه" لم أفهم حتّى ثار بركان سؤالاتك، فاعترفتُ لك على مضض "لقد سافَرَ في المدينةِ كلّ شيء، وأسماء الحواري لا تعودُ لذاكرة تكبر في أحذية قدميك" كأنّك لم تصدّق، همستَ، "تمزحين؟". قلتُ بشيء من القسوة، "في هذه البلاد لا نمزح، لأنّ الحزنَ أقوى من الضّحك". اكتأبتَ قليلاً، ثمّ قلت، "لكنّ البئر وشجرة الزّيتون باقيتان"، أطلقتُ ابتسامة لا تراها خلف أذن الهاتف، "باقية ما بقي الحقّ يُطالِب". وكأنّ جملتي القصيرة أعادتك ليلا لسلَمَتِك، أخبرتني أنّكَ مشيتَ ليلاً طويلاً  فوقَ كلأ. همستُ لَكَ كعرّافةٍ متمرّسة، "هي بلدُكَ جاءت إليك". أرسلتَ تلك الضّحكة المبتورة الّتي أعرفُ نحيبَ آخرها، وقلت، " يا بنتي، يعودُ لأين!"

عرّفَتْنِي عليكَ صُدفة لقائي بجمال. ما كنتُ لأصدّق، ولو أخبروني، أنّ خلفَ الخشب البلّوطي لسيجارٍ فاخر يعيش رجلٌ بمدينةٍ فالِتة، وَحِذاءٍ ضيّق يصرُخُ  كلّما تأخَّرَ عنهُ مَقاسَهُ. ثمَة شيء لم أفهمهُ أبدا، سرّ الأحذية الفاخرة الّتي تشكو سوء ماركتها، حتّى أفشت زوجتك سرّك، همستْ لي على حياء، "للآن لا أفهم سرّ المقاسات الخاطئة الّتي تتكرّر في قدميه". لم أجرؤ على تفسير  الظّاهرة لامرأة تعيشُكَ ثلاثين عاما، ولم يمض على تعارُفِنا شهرين. خفتُ من فِراستي، وسِعَة أفقي، خِفتُ أن أدمّركما معاً، هي لأنّها تعبُدُ حِذاءكَ، وأنتَ لأنّك وجدتَ منْ يفسّرُ غيرَهَا أَلمَ قدمَيْك. فهل يكبر الحنينُ في وَجَعِ الأقدام، أم في رجعِ الأوهام؟ ولأنَّنِي لم أعثر على إجابة تركتكما أنت وزوجتك تنبشان عتمة اللّيل، وخرجت. قُلتُ لك،  خلف حواجزكم ينتظرني رجل في مدينة تحبّني. أدهَشْتَنِي حين اعترَضْت، "ونَحنُ نُحبّكِ أيضا". نقّلتُ نظري بين عينيك الحانية، وعيني زوجتكَ الفزِعة، وأطلقتُ ضحكةً صاخبة لا أنساها ما حييت، واستدرتُ دون كلمة إضافيّة.بعدي سمعتُ الحِذاءَ يتعذّب.

"نعم أعرف أنّني أشْبِهُ سلَمِة، لكنّي لا أشبه حلُمُك. أُشَبِّهُ المدنَ ولا أُشْبِهُها" همستُ لك عبر ارتطامِ المساحةِ بالمسافة ،كي لا تزداد تحليقا في عقارب المكانِ والعلامة. 

 بُعَيدَ أيّام حلّت ذكرى استقلالهم، وحلّت في بدني هستيريا لا تُفسّر. ارتكبت حماقات كثيرة لم يكن سفري المفاجىء إلى سلمة ويافا آخرها، ولكن دوراني على  نفسي ليلة كاملة، وأنا ألعنُ أعيادَ الإستقلال، وألعنُ المحتفلينَ بِهَا. ولم ينته يومي بوصول حقول القرية، بل بدأتُ أرمحُ بين أشتال القمح الخضراء بعصبيَّةٍ بالغة، وألومُ الله لأنّه لم يكافىء صبرنا بيوم استقلال يتيم كأيّامهم. أمدّ أصابع يدي بمواجهة السُنبلات الحزينة، وأعدّ المذابح والمجازر الّتي حصدتنا ابتداء بأيلول الأسود وانتهاء بأكتوبر الأزرق. وأستمرّ ساعات في الحقد على استقلال الشّعوبِ حقدا لا يسيء لخلافِ دولةٍ كانت لَنَا. ولسبب ما أتوقّف عند الحادثة الّتي غيّرت وجه تاريخنا الدّبق صغارا، مجزرة صبرا وشاتيلا.

 

يوم استقلال الدّولة، ومدغشقر

 حتّى أواخر الإبتدائيّة بقينا كالخراف ننتظم داخل الصّفوفِ، وننتظر رفع علم الدّولة في ذكرى استقلالها على اعتبار أنّه عَلَمُنَا. ننتظم في ساحة المدرسة، وننتظر خطاب المدير السّنوي الّذي يعلن فيهِ ولاءه وتهانيهِ، ولأسبابي أنا كنتُ لا أستظرف خطابه، وكلّما قَصُرتِ المسافة بينَ رجفات يديهِ أهمسُ، "ما أتيسُه،لا يعرفُ القراءة، لو يتركُني أقرأها عنهُ لأنقذتُهُ من هذا الخِزي" لا يسمعني المدير بطبيعة الحال، فأقلِبُ شفتيّ احتجاجا، وأنا أتابعُ عسر القراءة الّذي لديه، "هُو أصلا لا يعرف كيف يكتب موضوع إنشاء للصّف الأوّل فكيف يقرأ رسالة مهمّة عن الدّولة". ينتهي المدير من تأتآتهِ.  نصفّق له تصفيقَ خراف مطيعة، يشملُنَا نحنُ الصّغار، تصفيقاً أشدّ حدّة واحتفاءً  بانتصار جدودنا على الأعداء من تصفيق الكبار، رغم أنّنا لا نفهم كما يفهمون. تصعدُ الجوقة إلى المنصّة، وتعزف نشيد استقلال البلاد، كأنّ استقلال الدّولة لم يكن وبالا على رؤوس جدودنا. ترقص الفتيات وتتغندر، ويطيرُ معلّم الموسيقى بكَمَانِهِ في فضاء السّاحة الصّغيرة، وأحقد أنا على مراييل الفتيات المسيحيّات اللّواتي اختارهنّ أستاذ الموسيقى للغناء.

أرسمُ بلحنِ الأستاذ الّذي قرّرتُ خِصَامَهُ النُّوتة. مرّة على بلاط السّاحة، مرّة على ريشِ السّنوناتِ المُحلّقة، ومرّة على إيقاعِ اهتزازات جديلتي الطّربة,

بْعِيد استقلال بلادي   سمعت الدّنيا بتنادي. هي كلّ ما أذكره من عيد الإستقلال. مضافاً إليها إنشاء المدير السيّىء، وخيزران معلّم الجُغرافيا السفّاح الّذي لم يُجِب طوال سنة كاملة على موقع فلسطين على الخارطة. كلّما سألناه، أخذنا إلى مدغشقر، كأنّنا نصيّف فيها كلّ عام حتّى تستغرق سنة كاملة من رصاصنا وحبرنا وعقولنا الصّغيرة.

 أعود إلى البيت معبّأة بالشّغب والدّموع، والسّخرية، وأعتب على أُمّي لأنّها لا تشتري لي مريولا كمراييل البنات المغرّدات في الجوقة، فأتأكّد أنّها لا تحبّني كباقي الفتيات. أغزو ورشة أبي، أحنّيهِ بدمعي وتعاستي الشّديدة لأنّني بنتٌ بشعة الصّوت ولا يختارها أستاذ الموسيقى للغناء. يضحك أبي، يصفق لي ويدعوني للغناء فيزداد زعلي لأنّه يستصغر عقلي. ثمّ أبحث عن عمّتي، وأشكو لها على مدارِ ساعة تصرفات البنات على المنصّة، ومريولي الأحمر، وصوتي الّذي لا يحبّه أستاذ الموسيقى. تضحك عمّتي، تشرق ريقها كالعادة، وتهمس في أذني، "هيك أحسن يا عمتي، أي هي دولة جدودِك تتغنّيلها؟" تَرمِشانِ عَيْنيَّ الشّهلاوين بخفق الدّهشةِ في زَيْتونِهِما، وأصرُخُ بِفَرَحِ أولادِ الصّف الأوّل حين يحلّونَ مسألة، "لكان دولة مين هاي يا عمتي؟" تصمت عمّتي، وأجتاحُ سنبلات الحاكورة دعساً لفَرطِ سَعَادَتي. أصبحت عمّتي تحتاط من طول لساني. أتوسّل إليها، وأعدها ألا أخبر أمّي، فتلتفتُ حولها وتهمسُ لي، "دولة اليهود يا عمتي مهنّي شحّرونا وشتَتونا، وأخذوها" أحتاج قاموسا لأفهم، فتكفّ عمّتي عن الكلام فور تلمحَ ظلّ أمّي المتقدّم. وأسرح طوال الفترة الممتدّة بين الغروب والمساء، وحين أعجز عن العثور على إجابة، أعرض عضلات معلوماتي أمام أمّي، "أصلا أنا مِش زعلانة من الجوقة، حتّى مريولي أحلى مريول، هذول بنات الجوقة غبيّات بغنّوا لدولة مِش لجدودهن". تقبض أمّي على معصمي، وتجبرني على الإعتراف، لكنّي أقاوِم كالمناضلين هذه المرّة، "قرأتُ في كتاب التّاريخ" لكنّها لا تصدّقني، "أكيد هاي عمتك، لمشحّرة بتخليش قشّة مكنسة ما بتحطها براسك" وأنا ألتزم بوعدي لعمّتي طوال شهر كامل. حتّى يختلّ لساني في جلسة هريسة لذيذة تصنعها أمّي، فأعترفُ لها بأنّ عمّتي أذكى راديو بالعالم، وبأنّها تعرف أنّ هذه البلاد مش إلنا، سرقَها اليهود، وصارت لهم!

 

أصحاب القُمصان الحَمْراء.

في اسقلال الدّولة تتزيّن ساحة مدرستنا، ونصفّق حتّى تنسلخ أكفّنا، وتعانق أصابعنا الصّغيرة طائرة الهيلوكبتر الّتي تقترب بمحاذات صلعة مديرنا لتنثر فوقها مناشير الإستقلال المباركة، تغمِزُنَا بأضواء متفرّقة، وتذهب.

وكنا سنقع في فخّ الذّاكرة السّوداء لولا اليقظة المفاجئة التّي سلّمتنا لجرحِ صبرا وشاتيلا، واكتساح رفاق أبناء البلد في تلك السّنة البعيدة لمدارسِنَا كهبوب ريح، فعضّت نواجد الصّغار قبل الكبار. ذلك الإكتساح العفوي لمدارس القرية وتخريب الكراسي، وحبس المدير شكّلت انعطافة حادّة في وعينا السياسي. خفنا وبكينا وشتمنا أصحاب القمصان الحمراء، لكنّنا فرحنا لأنّ الجوقة لن تعزف، ولأنّ المدير لن يقرأ بعد الآن خطابه المهلهل. هجستُ بلا آخر، ولم أفهم! كيف خرّبوا المدرسة ولم يخافوا من المدير؟ فحتّى ذلك الوقت آعتُبرَ خيزران المدير أقوى أسلحة العالم بعد أكفّ أبي طبعا، ولكنّ الحقيقة أنّ العَلَم الأحمر طيّر خيزرانهُ وأخرس صوته تماما. اعتبرتُهُم بواسل لأنّهم أوقفوا الطّائرات عن العزف في ذلك اليوم، فوق مراييل الجوقة الخالية من مريولي الأحمر، وَمنديلِ صلعةِ  مُديرِنا المَغلُوبِ عَلى أَمرِه!

 

حيفا، يونيو 014

 

جماليات الحذف في شعر يحيى السماوي .. قراءة نقدية لديوان: مسبحة من خرز الكلمات

amar ibrahimezatتوطئة: يتعاضد سياق الحذف في الأداء التعبيري مع مقتضى الأغراض، وسياق الحال والمقام، وذلك قصداً لما يُعْرَف بالتعمد في الأداء، ذلك لأن هذه القصدية شرط لوجود أي إبداع حقيقي في سياق اللغة . (1)

أي أن الوظيفة هي التي تحدد البنية وليس العكس . يقول أحمد المتوكل" ترتبط بنية اللغة بوظيفتها التواصلية ارتباطا يجعل البنية انعكاسا للوظيفة" . (2)

فظاهرة الحذف ينظر إليها من كونها "ظاهرة لغوية كونية تشترك فيها عامة اللغات البشرية ويقصد به لغة ً: القطع والإسقاط . جاء في المعجم الوسيط " حذف الشيء حذفا: قطعه من طرفه. يقال حذف الحجّام الشعر: أسقطه."(3)

 أما اصطلاحا فهو "إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل."(4)

يقع الحذف في اللغة العربية على الصـوت فالحرف فالكلمة فالجملة . أما مزاياه فنذكر منها:

1ـ إيجاز الكلام.

2ـ التأثير على المخاطب و إثارة فكره وخياله بتشغيله لآلية الاستدلال على جزء المعنى المحذوف من الكلام.

3ـ الزيادة في المعنى وتقوية قدرة الملفوظات على إيصال المعنى المراد.

4ـ الإبهام...

وركوب المتكلم لطريق الحذف بدل الذكر أمر يحدده المقام التداولي(التواصلي)، وليس له في ذلك خيار، بل عليه أن يراعي من جهة قصديته من ملفوظه، لأن الأصل في الكلام القصدُ. ويشارك في هذا القصد كلٌّ من المتكلم والمخاطب، لأن تحقيق التفاعل المطلوب في أي تواصل يشترط أن يشارك المخاطبُ المتكلمَ في هذه القصدية وهو على حال المستمع، أي أن يتحقق ما يسمى بالتفاعل الخطابي الذي يُعد الأصل في الكلام .(5)

"إن القارئ هو الذي يقوم بوظيفة المتلقي والمميز: فيقبل العمل الأدبي أو يرفضه، وهو الذي يحاكي أو يعارض مؤلفا ما... وإن النص الجديد يثير عند

المتلقي أفق توقعات تبعا لقواعد اللعبة التي استأنس بها في اتصاله بنصوص سابقة، وهذا الأفق يخضع بعد ذلك مع توالي القراءات إلى التغيير والتصحيح والتعديل أو يقتصر على إعادة إنتاجه، فيجب معرفة الأفق السابق بكل معاييره وأنساق قيمه الأدبية والأخلاقية وغيرها إذا ما أردنا تقويم آثار المفاجأة والضجة التي قد تصل إلى حد(الفضيحة)، أو أردنا بالعكس من ذلك التأكد من ملاءمة نص لتوقع الجمهور...."(6)

"إن المنجز الشعري (والأدبي بأجناسه المختلفة)  ليس فحسب بنيات إيقاعية ولسانية مضمنة في تركيب شعري متماسك البنية وفي نسيج نصي محكم الصنعة، ولكنه في واقع الأمر تمثيل ذهني إبداعي عن مدركات الذات الشاعرة في تفاعلها مع وجودها الخاص ومع وحدات اللغة ووقائع العالم. وعليه، يخضع النسق الشعري في اشتغاله اللغوي والتخيلي على مبدأ التفاعل بمستوياته المتعددة التي تضمن للنص الشعري بعده التواصلي الخاص وتجعل من القصيدة صوتا تداوليا للشاعر في سياق تخاطبي وثقافي محدد".(7)

  لذا نحن نتفق مع الرأي القائل: " إن عمل الروائي سيشبه عمل الشاعر(والعكس صحيح)، على أن لكل واحد آلياته التي يبغي من ورائها بث خطابه للمتلقي، و يريد أن يخفي شيئا من الكلام و أن يطويه؛ ليتكفل القارئ فيما بعد من فك طلاسمه".(8) وان استراتيجية الحذف " تسعى إلى إشراك القارئ وتوريطه ثقافيا في عملية الحكي".(9)

  

الحذف بين الأصالة والحداثة:

   تعد ظاهرة " الحذف من القضايا الهامة التي عالجتها البحوث النحوية والبلاغية والأسلوبية بوصفها انحرافا عن المستوى التعبيري العادي، ويستمد الحذف أهميته من كونه لا يورد المنتظر من الالفاظ وانما يذهب بالمتلقي مذاهب بعيدة، ومن ثم يفجر في ذهن المتلقي شحنة توقظ ذهنه وتجعله يفكر في ما هو مقصود " 10، فالحذف لا يمكن تلقيه على انه انحراف إلآ بالإحالة الى تركيبته التامة التي احيل منها، وهنا لا بد لنا من تحديد نقطة في غاية الأهمية تتعلق بمستوى التعبير العادي وذلك من خلال تعيين المستويات التركيبية والمعنوية التي يحصل فيها الحذف لمعرفة مستوى الإزاحة اللغوية والبحث عن دلالاتها وغاياتها ووظيفتها داخل التركيب وانعكاسها على مستوى النص بأكمله،وهذا ما سنحاول التفصيل فيه لاحقا .

إنّ ما يعنينا في هذا المبحث، رصد بعض الإشارات النقدية القديمة للبلاغيين والنقاد العرب، اذ لم يغفل جهدهم وتحليلهم البلاغي من رصد هذه الظاهرة، بل اننا قد لا نبالغ اذا قلنا: ان ما توصلوا اليه يستحق الاعتبار لما فيه من رؤى نقدية تدل على مستواهم الرفيع في التلقي والتحليل والتأويل .

فهذا عبد القاهر الجرجاني يشير في (أسراره) الى تلك اللمسات الجمالية والاثر الذي يحدثه الحذف في نفس المتلقي بقوله:" ومن المركوز في الطبع ان الشيء اذا قيل بعد الطلب له او الاشتياق اليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله احلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النفس احلى وألطف " 11

كما لم تغب عنه أهمية الوظيفة التواصلية والتفاعلية للغة لذلك فهو يستدرك بقوله:" ان خير الكلام ما كان معناه الى قلبك اسبق من لفظه الى سمعك " 12

وهنا نتلمس إشارة واضحة الى ان هذا الخفاء الناجم عن الحذف ربما يفضي الى نوع من الغموض الذي يجعل الإشارات اللغوية ذات (سنن) غير مفهومة لدى المتلقي، وبالتالي يؤدي الى انغلاق النص على نفسه وعدم وضوح الدلالة 

وغياب قدرة التأويل . ومن هنا نرى ابن الاثير قد شدد على تنظيم هذه المسألة وعدم عشوائية الحذف وضرورة اخضاعه لمجموعة من الشروط والقيم الفنية وإلآ  صار الى الفوضى والعبثية اقرب منه الى المنهجية والمنطق حيث قال:" والاصل في المحذوفات جميعا على اختلاف ضروبها، ان يكون في الكلام ما يدل على المحذوف، فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فانه لغو من الحديث لا يجوز بوجه ولا سبب، ومن شروط المحذوف بحكم البلاغة، انه متى اظهر صار الكلام الى شيء غث لا يناسب ما كان عليه أولاً من الطلاوة والحسن "13

نلاحظ انه لا يبتعد كلام بن الاثير بعيدا عن  الجرجاني الذي اعطى "أهمية كبيرة لثنائية (الذكر، الحذف) وراح يقارن بين طرفيها في كثرة التأثير والإفادة والفصاحة وقلته وفي قرب المعنى وبعده في قوله:" هو باب قريب المأخذ عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فانك ترى به ترك الذكر افصح من الذكر، الصمت على الإفادة ازيد للإفادة وتجدك انطق اذا لم تنطق واتم بيانا اذا لم تبن "، (ويمكن تفسير ذلك) بلغة معاصرة: ان العملية التواصلية لا تقوم على الجملة المظهرة لكل الوحدات الدلالية الأساسية دائما، وانما تحدث أيضا بنقص هذه الوحدات " 14، بل واكثر من ذلك اذ يعتبر الحذف من العمليات الأساسية والجوهرية في العملية الإبداعية لأنه " يتضمن تصورا اخر للتركيب باعتباره تحولا او انحرافات تصيب السياق وتثير المتلقي، وهو ما يعمد اليه الشاعر لأنه أسس جديدة في البلاغة العربية " 15

إلآ ان هذا التصور الاخر للحذف حتى يكون هادفا وايجابيا في توصيل الرسالة الدلالية الى المتلقي لابد ان تتوفر للمحذوفات ما يشير اليها، فالحذف صورة من صور البناء اللغوي يقع في كل المستويات (الصوتية، التركيبية، المعنوية) لكن باشتراط القرينة وما نلمح اثره واضحا عند (ابن جني)16  في اشارته لما في اللغة العربية من صفات ذاتية وقدرة واستيعاب كل ما من شأنه فتح قناة التواصل مع المتلقي ضمن حدوده المعرفية التي يتمكن من خلالها فهم وتذوق الإحالات الجريئة في اللغة والناجمة عن تقنية الحذف .

اذ تكمن جمالية الحذف، كما يستشف من الجرجاني، " في الحذف المتخير الذي تتجلى قيمته الفنية في تخييره عن طريق مقارنته بالذكر الذي لا ينهض بما يقوم

به في سياقه الخاص من وظائف جمالية وفنية خالصة وبهذا تتضح مزية الأخير، ولن يأتي هذا الا بحضور متلق متمايز ومثالي يتوسل استشفاف قيمته الجمالية والفنية بالتأمل والتدبر ومقارنة الحذف بالذكر" 17، حيث يستوعب الطاقة الايحائية المتفجرة بالتأويل والدلالة، فضلا عن قيمتها البلاغية التي تترك اثرها حال التلقي .

ان ايماننا بهذه الطاقة الجمالية والايحائية للحذف لا تقل عن ايماننا بدور القارئ الفاعل في إعادة انتاج النص والدلالات وتحديد قيمها الجمالية بشرط يتوافر الحذف على شروطه التي تمنع الغموض والإبهام، كنتيجة حتمية، في حال عدم توفر قرينة لفظية او سياقية تدل على المحذوف مما يؤدي الى الإلتباس والتعمية، فالذي " يتأمل البنى الحذفية يترك قضية الصياغة ويتوجه الى الفكر، حيث يشغل الفكر نفسه بالدخول في إشكالية تعبيرية ركيزتها الحذف، ومن هنا، ربط الفكرة بالبعد النفسي في تحليله للبنى الحذفية، اذ ان الحذف يؤدي بالضرورة الى دخول المحذوف دائرة الإبهام، وهو ما يؤدي الى حصول الم في النفس لجهلها به فاذا التفتت الى القرينة تفطنت له فيحصل لها اللذة في العلم واللذة الحاصلة بعد الألم اقوى من اللذة ابتداءً " 18

  ويمكن إجمال شروط الحذف بناءً على ما تقدم في أمرين:

1-  ان لا يؤدي الحذف الى الجهل بالمقصود، فيشترك على وجود دليل على

 المحذوف وقد يعبر عنه بالقرائن الدالة  .

2-  ان لا يكون المحذوف مؤكدا للمذكور، اذ الحذف مناف للتأكيد ومخالف لطبائع

 

 المنطق والعقل " 19

مما تقدم يكون الحذف وسيلة تعبيرية تفيض بالنص باتساع مطرد بالتأويل مما يؤدي بالضرورة الى انفتاح النص بالدلالة وعدم محدوديته " لأنه يلعب دورا رئيسيا في عملية التنبيه والإيحاء، ويثير ذهن المتلقي يحمله الحفر في عمق العبارات والتراكيب الامر الذي يجعلها تتسع من الداخل وتفرز شحنات دلالية كثيفة، وثمة تكمن جمالية ومتعة القراءة التي تحدث عنها رولان بارت " 20

في الوقت الذي نركز فيه على دور المتلقي، علينا ان لا ننسى دور المبدع لان " الحذف في البنية اللسانية ليس فعلا بريئا او عملا محايدا او شكلا مفروضا على

القصيدة من الخارج، وانما هو عمل واع وسمة من سمات القصيدة الحديثة ومظهر من مظاهر الابداع التي تعمل على استثمار الطاقات التعبيرية الهائلة التي تزخر بها اللغة " 21، حيث تشارك " اللغة العربية غيرها من اللغات ظواهر متعددة رغم انها اختصت بظواهر أخرى، ومما شاركت فيه العربية غيرها من اللغات ظاهرة الحذف، ولعل سبب انتشار هذه الظاهرة في العديد من اللغات راجع الى طبيعة النفس البشرية التي تميل الى التخفيف والتسهيل وتنفر من الإطناب والإطالة " 22 حيث ان الايجاز كما يشير الباحثون مرده الى طبيعة اللغة اذ ان " الأصل في النظام اللغوي ان نذكر الالفاظ، بيد ان اللغة ضمن صياغاتها اللغوية وانظمتها البلاغية تلجأ أحيانا الى ضروب من الفنون البلاغية، على سبيل الاختصار والايجاز، واللغة العربية من هذا الطراز اللغوي الذي يتفنن من أساليب البيان عن طريق المجاز " 23 

" ان الحذف باعتباره ظاهرة اسلوبية يزداد أهمية في الشعر المعاصر. فما لا تعرف اللغة العادية ان تنقله، هوما يطمح الشعر الجديد الى نقله، والذي لا يراعي القوانين النحوية والتراكيب المألوفة في بناء الجملة، وانما يعتمد على تحطيم القاعدة والألفة بإعادة تركيب الدوال وفق ما يقتضيه التركيب الايقاعي الدلالي للتجربة الشعرية " 24

وحيث اننا لسنا بصدد تقصي مصطلح الحذف إلآ بقدر ما يتعلق بمفهومه الاصطلاحي وتطبيقاته في الشعر المعاصر، إلآ ان اضاءة الدكتور عبد الراجحي تكاد تضع اليد على مفصل حيوي يوضح الى حد ما (شعرية الحذف وعلاقتها بكلية النص، فضلا عن كونها مقاربة لما خلصت له أفكاره في علاقة الفكر العربي بالفكر الغربي المعاصر في وحدة رؤاهم في تحليل الخطاب اذ يقول:" والنحاة العرب حينما حذفوا او قدروا فهم متفقون مع احدث النظريات المعاصرة يتفق مع فكرتهم في ان النحو ينبغي ان يربط البنية العميقة ببنية السطح والبنية العميقة تمثل العملية العقلية في اللغة " 25

 

المبحث التطبيقي:

بات من الصعب على الناقد المعاصر التحليق في فضاء النص الشعري الحديث بأدوات نقدية تعتمد السياق او بإجراءات تقليدية لان مفاتيح النص الدلالية قد تشابكت بأواصر من العلاقات لم تعد الأدلة اللغوية (الصوتية والمعجمية  والتركيبية والنحوية وغيرها) الفاعل الوحيد في إنتاج الدلالة الكلية للنص، بل تعدى الامر بفعل (التجريب) الى زج عدد لا محدود من الأدلة غير اللغوية لتتفاعل بشكل مطرد مع الأدلة اللغوية فضلا عن اشتراكها في لعبة الصراع بين البياض والسواد على صفحة النص الشعري تحديدا والنثري بشكل عام .

ان التقنيات التعبيرية القادمة بفعل الترجمة والتلاقح الثقافي وما وظفه الشاعر المعاصر من موروثه الادبي كانت متضافرة بشكل جليّ مع رغبة الشاعر في البحث عن ارض لم تستكشفها أقلام المبدعين حتى تحول الفضاء النصي الى  لوحة تشكيلية تستمد سيمياءها من الأصوات والحروف والجمل وعلامات الترقيم والفراغ المنقوط " الذي وجد الشاعر فيه أبلغ تعبيرا في المسكوت عنه من الكثير المصرح به في النظام الخطي للنص، فوجد فيه انه عميق الدلالة والايحاء لأنه يفسح المجال للمتلقي ليؤول ما يتلقاه بحرية وبزمن هو يقدره أو حسب ما سيشغله من فهمه للمحذوف الذي سكت عنه الشاعر" (26) بل وقد يصل الامر الى ابعد من ذلك، حين تتعالق الأدلة المتوفرة في النص مع الأدلة المحذوفة (البياض) وما يشي به من دلالة نتيجة لفجوة التوتر التي يخلقها الشاعر بقصدية، فمن السذاجة النظر الى الكتابة بأنها فعل بريء بل العكس انها تحاول ان تقلق القارئ وتزعزع استقراره باستمرار لتجره الى الولوج في اللعبة اللغوية المشكلة جزئيا للبحث عن التراكيب المفقودة وصولا الى إتمام الصورة الشعرية لتحقيق الانسجام الناجم عن المحذوف والمسكوت عنه في العمل الشعري .

ان هذه الرؤية البسيطة لتقنية الحذف ودلالاتها الجمالية واثرها في التلقي حفزتنا الى التنقيب في حفريات نصوص السماوي وبالتحديد في نصوصه النثرية (مسبحة من خرز الكلمات) كما يفضل ان يطلق عليها .

اننا نتفق مع حسين سرمك ان السماوي لا يختصر البوح الشعري " باللعب

المدروس على موضوعة التنقيط او السطور المنقطة والتي عدت منجزا حداثيا

خاصا بقصيدة النثر ....... (و) ان الأسطر المنقطة تعكس الانفتاح الدلالي التساؤلي الذي هو .... سمة اسلوبية لنصوص السماوي ......... ويتأكد استنتاجنا حول التوجه الغائي هذا لدى الشاعر من خلال ملاحقة استخدامه اللاحق لهذه التقنية والذي يعبر عن  فهمه لضروراتها ووظيفتها وليس لكونها صرعة فنية اوحشوا طباعيا او فاصلة كتابية  " (27)

كما نلمح من قراءة متأنية نوعا ما ان السماوي قد كرر تقنية السطرين المنقطين في عدة مقاطع وهذا يدفعنا الى البحث عن شعرية هذه التقنية وابعادها الدلالية المشتركة بين المقاطع فضلا عما يترشح عنها من جماليات ترفع بالعمل الإبداعي عن مستوى الرتابة والتكرار باتجاه التجديد كسمة فردية أحيانا تميز خطاب شاعر عن اخر، او سمة عامة تتضح كملمح في خطاب مرحلة معينة، ونستطيع القول ان لغة السماوي ممكن ان تصنف بين هذا وذاك . يقول السماوي (م 13 – ص18)

فمي قلم

لا يجيد الكتابة

 إلآ

 في دفتر شفتيك

..................

..................

جسدك علمني ابجدية أخرى

اتهجاها بأصابعي

ان الشاعر في هذا المقطع اعتمد التوازي الدلالي من خلال التضاد بين (الكتابة والقراءة) فالنقط تشي بالتحول من فعل الى اخر مما يقتضي فاصلا يمنع التداخل، فضلا عن كون الفم للشاعر (نسق الفحولة) والجسد (نسق الانوثة) .

كل هذا ممكن ان يعزز برؤية الشاعر (الاخراجية) ان صحت التسمية ورغبته في تقطيع المشاهد والتحكم بزاوية النظر من مشهد الى مشهد اخر في تلاحق صوري كشريط سينمائي وحيث يقتضي تحول الكاميرا فاصلا زمنيا لا يمكن تعويضه بأدلة لغوية عمد الشاعر الى تقنية الفضاء المنقوط لترتيب الفضاء الزمني لخطابه الشعري .

نعزز قولنا من خلال تفكيك المقطع الاتي: (م 37 ص 42)

كل ضغائن العالم

اضعف من ان

تهزم

قلبين متحابين

.....................

................

في عروقي نهر

 من الشهوات

يا ارض الشبق

يبرز التوازي الدلالي من خلال علاقة الشاعر بالعالم والعكس بالعكس نلمح ذلك بالتحول السردي من ضمير الغائب الى ضمير المتكلم ولعبة (الخارج والداخل) او (الأنا والآخر) . ان جملة التقابلات تعتمد على الرغبة التصويرية للعالم الخارجي بضغائنه كمشهد اول ومشهد نهر الشهوات (العالم الداخلي) حيث تبرز الثيمة المركزية للمشهدين من خلال إعادة ترتيب النص الدائري بتقديم المشهد الأول على المشهد الثاني لنحصل على متوالية حدثية، بأبسط صورها، ممكن ان تقول (سيل الحب في داخلي لا تصده ضغائن العالم) . ومثل هذا قوله: (م46 – ص136)

قبل ان تسكنيه

لم اكن اعرف

ان لقلبي

قلبا !

......................

.....................

من انوثة الماء

وذكورة الطين

انبثقت شجرة العشق

ان فعل الاندماج بين (الذكورة والانوثة) يتحقق من خلال صورتين (مشهدين)، (المشهد الأول) تتحرك الرؤية التصويرية بواسطة فعل التخيل الى خلق عالم داخلي يصبح فيه قلب الشاعر مسكنا تقطنه محبوبته،ويفسح نسق المفارقة " ان لقلبي قلبا " المجال الى تدفق الدلالات لما يخلقه من توتر قرائي يفضي الى تصور ان الشاعر قد انتقل من اللاوعي الى حالة الادراك والشعور بقلبه النابض بالحب، ولتبئير هذه الدلالة كان لابد من التحول من التصور الخيالي في المشهد الأول الى المدرك الحسي المقابل واستثمار بنية الاستعارة " انوثة الماء، ذكورة الطين، شجرة العشق " لاستدراج القارئ الى تفعيل حواسه للاقتراب من الصورة الكلية، يقف الفراغ المنقوط فاصلا زمنيا ينبئ بتوقف السرد ليلتقط السارد أنفاسه ومن ثم معاودة السرد في محطة أخرى تشي بالتكامل والانفصال كبنية ومضة شعرية لكنها في نفس الوقت تتعالق دلاليا مع المشهد الأول لإتمام لعبة السرد .

ان ما يعد اقتصادا لغويا بسبب الحذف، يمكننا النظر اليه من زاوية أخرى كفضاء يجد القارئ فيه مساحات لإسقاط معارفه وخبراته على النص ليشيد بذلك جسرا تواصليا مع ما انجزه الشاعر وتفاعليا يعيد انتاج النص بفعل القراءة، حيث يعامل الحذف كدال غائب عن النص لكنه مشارك وفاعل مع الأدلة اللغوية وغير اللغوية التي تمثل تضاريس النص .. وكأنما بنية الحذف تستقر في حفريات النص الشعري وان مهمة القارئ – تشبه الى حد ما مهمة الجيولوجي في استكشاف الطبقات العميقة لتربة ما .

وقد يكون الامر اكثر وضوحا في (م58 – ص152) حين يقدم الشاعر مشهدين الأول تبرز فيه علاقة القمر بالشاعر ويوحي في دلالته العميقة علاقة الشاعر بوجوده فضلا عن الدلالة الزمانية التي تفصح عن زمن السرد ليلا يقول:

القمر يهبط اليَّ بنوره

وانا اصعد اليه بنظراتي

...........................

...........................

اما المشهد الثاني يبوح عن تواصل جديد لا بين الشاعر والقمر (الفضاء الوجودي) بل بين الشاعر وحبيبته حيث تكون آلة الكلام معطلة فضلا عن لغة العيون .... فالمانع من التواصل بين الطرفين هو (اسوار من الصمت، وسلاسل من جبال الخريف) .

 ان بؤرة التوتر،ها هنا، تنشأ من التضاد بين (ربيع الانثى) و(وخريف الذكر) حيث نستشف من ذلك الفارق الزمني بين عمر الحبيبة وعمر الشاعر، او بين حيويتها ونكوصه وما الى ذلك من دلالات احكم الشاعر قبضته عليها من خلال الاستثمار الأمثل للغة الشعرية المجازية . بعد هذا نقول ان ثيمة التواصل بين الشاعر ومحيطه نشأت في تضاد منتج مع ثيمة عدم التواصل في المشهد الثاني مما اقتضى فاصلا منقوطا يقف كقرينة مشعرة بجملة من الدلالات النفسية والانفعالية، علاوة على ما يمكن ان يضيفه القارئ الى المشهد الأول من خبراته الشخصية وعلاقته مع الليل والقمر وبالأخص تلك التأملات التي نمارسها مع هكذا مشهد، كما لا ننسى ما يساهم به رصيدنا من الشعر العربي من مضامين تفصح عن علاقة الشاعر بالليل والقمر مما لا يسعنا ذكره لكثرته وتشعب اساليبه .

ومثل هذا التقابل المتضاد يتضح جليا في (م81 – ص181) اذ يقول:

قتل الابرار اليوم عشرين محتلا ؟

يا للخيبة !

أمن وهن ٍ في السواعد ؟

ام

قلة في الرصاص  ؟

.....................

.....................

جرحت نخلة عراقية ؟

يا للخسارة

هذا كثير

ان اللغة المباشرة في المشهد الأول تعمقت دلالتها من خلال قرينها الضدي في المشهد الثاني، فالقارئ لينجز فعل القرارة وإعادة تدوين النص دلاليا عليه ان لا يعتمد على الاجتزاء في التحليل . حيث لا يتحمل المشهد الأول اكثر من دلالة تراكيبه ولكن بعقد القران بين المشهدين ينتج هذا التضاد الفاعل في إنتاجية النص (الوطن، الاحتلال) و(المحتل، والمقاومة)، او بتعبير اخر (الانا الجمعي للشاعر مقابل الاخر المحتل)

ان ما يعقد أواصر النص ثيمة الصراع حيث يتكون النص دراميا من مشهدين يتطلب الانتقال من المشهد الأول الى المشهد الثاني – منعا للإلتباس – من سدل الستار ومن ثم رفعه بعد فاصل زمني، يتم خلاله تغيير عناصر المشهد بأخرى تتلاءم مع المتوالية السردية في المتن الحكائي لتهيئة الجمهور بعد إزاحة الستار الى ادراك ان ما يعرض امامهم  هو مشهد متمايز عن السابق بالرغم من انه تعالق مع السابق نصيا ودلاليا .

قد يتساءل القارئ عن السر في الحاح الشاعر على السطرين المنقطين لا اكثر ولا اقل؟ ... ورغم اعتقادنا ان دلالة واحدة لا تكفي مادام الشاعر لم يفصح عن قصديته في استخدام هذه (التقنية الجمالية)، لكننا نتصور انطلاقا من تحليل المقاطع السابقة ان الشاعر قد (مسرح) بعض نصوصه فاستعاض عن اسدال الستار وفتحة بحركتين يكون السطر المنقط الأول فيها بمثابة اسدال الستار على المشهد الأول، اما السطر الاخر فبمثابة فتح الستار للولوج في تفاصيل المشهد الثاني،كما لم يقتصر الشاعر يحيى السماوي على تقنية واحدة للحذف في إخراج                

عمله الادبي بل اعتمد جملة من التقنيات المستخدمة في الشعر الحديث انطلاقا من

مفهوم القصيدة المعاصرة التي تعتمد الاقتصاد في البنى التركيبية الى الحد الذي لا يخل بالبنية،لان ذلك حتما سيفضي الى الغموض وتعمية النص، وهذا ما لم يكن من ضمن أدوات السماوي التعبيرية كونه ينشد في جملة دواوينه القصدية في انجاز التواصل بين نصه الشعري وبين القارئ .

ان واحدة من تقنيات الحذف المستخدمة في شعر السماوي، هي تقنية حذف واو العطف المتكرر بين عدد من التفاصيل مثل (م 9 – ص98):

لا الامطار

لا الأنهار

ولا الينابيع ......... الخ

حيث اسقط الواو العاطفة قبل (لا الأنهار)، ومثله بفعل مقصود وواضح في قوله (م18 – ص109):

لن يكون بعيدا اليوم الذي

سينتقم فيه:

الجرح من السكين

(و) الشاة من الذئب

(و) الدموع من دخان الحرائق

(و) الشجرة من الفأس

(و) العراة من ذوي القفازات الحريرية

(و) الجياع من المتخمين

(و) الاغلال من صانعيها

(و) الأوطان من السماسرة

وملائكة اليقين من شياطين ظنونهم

لقد وضعنا (واو) العطف الساقطة من النص الشعري بين قوسين للدلالة على التكنيك الموظف من قبل الشاعر والذي لا يعد من إنجازات الشاعر، بل انه منجز حداثي مارسه الرواد ومن تلاهم تأثرا بفعل الترجمة من اللغة الإنكليزية او الإنكليزية مباشرة لمن يتقنها من الشعراء . فإننا كما نعلم ان اللغة الانكليزية لا تستخدم الروابط العاطفة بين التفاصيل الا مع اخر معطوف . وهذا بالتحديد ما مارسه السماوي في المقطع السابق حيث اسقط الواو باستثناء المعطوف الأخير (وملائكة) . ان هذه التقنية تكاد تكون سمة واضحة يصر الشاعر على استخدامها وكأنها بنية تركيبية أساسية في لغته الشعرية .

اما الأنواع الأخرى من الحذف فقد تضمنت حذف بنى تركيبية متعددة اما للاقتصاد في اللغة او لان السكوت ابلغ من الذِكر او لاستدراج القارئ كما اشرنا سابقا وإشراكه في انتاج النص وتحفيزه بجملة من الدلالات التي ما كان لها ان تدخل في تعالقات النص لولا جمالية الحذف . فمن ذلك حذف (أداة السؤال وذكر علامة الاستفهام) في (م 12 –ص101) يقول:

المال ؟

عندي منه ما يكفي لان ابتاع

أشياء كثيرة

عطر لجيدك

ولا يقف حد الحذف عند الحروف بل انه يتعداه ليشمل افعالا وأسماء وجملاً واشباه الجمل . ونورد المقاطع التالية على سبيل المثال لا الحصر لأنه ليس في غاية البحث إحصاء الحذف بقدر ما نركز على الظاهرة وتنوعاتها وجمالياتها في شعرية الحذف . ففي (م 8 – ص97) يحذف الفعل(يذهب) وسأشير الى مكان الحذف بقوسين للاستدلال  في قوله:

كل يذهب في حال سبيله:

النهر (يذهب) نحو البحر

السنابل(تذهب) نحو التنور

العصفور (يذهب) نحو العش

الآفك () نحو اللعنة

القلم () نحو الورقة

الصلوات () نحو الله

الوطن () نحو الصيارفة

وقلبي () نحوك

ان هذا الاقتصاد اللغوي منح النص إزاحة عن الرتابة التعبيرية .. معتمدا فيها الشاعر على سلسلة من التوازيات المتكافئة تركيبا والمنسجمة فيما بينها دلاليا لعلاقة واقعية او ذهنية ما بين المتقابلات في الشطر الواحد (النهر – البحر)، (السنابل – التنور)، (العصفور – العش) ....... وهلمجرا .

ان هذا التقابل فضلا عن قيمته الدلالية يضيف الى النص مسحة جمالية يتلمسها القارئ فيما ينتجه هذا التوازي من موسيقى داخلية تكاد تكون بديلا حقيقيا عن تفعيلة الشعر الموروثة . وقد يكون هذا الفعل مقصودا من لدن  الشاعر، لأننا كما نعلم ان السماوي شاعر تفعيلة ابتداءً وله دواوين عديدة موزونة، حيث تبدو من الوهلة الأولى ان  الشاعر استثمر ملكاته اللغوية لإنتاج نص شعري يشعر قارئه بذلك الانسياب والسلاسة عند الانتقال من فقرة الى أخرى ومن مقطع الى اخر وكأن تناغما داخليا يربط مقاطع النص الواحد .

اما من اشكال الحذف الاخرى التي عمد لها الشاعر هو حذف اشباه الجمل بعد الأفعال اللازمة لوجود قرينة او سياق مشعر بالحذف دون ان يؤدي الى نقص في الدلالة مثل ذلك قوله: (م17- ص107)

السفينة غرقت ؟

لا ذنب للميناء ....

انه ذنبها

لا ذنب لها ..

انه ذنب المجاديف !

لا ذنب للمجاديف

انه ذنب السواعد !

لا ذنب للسواعد

انه ذنب الرأس !

آه ..... كم مملكة عشق اندثرت

  يراهن الشاعر على قدرة اللغة في أداء مهامها رغم ما يعتريها من نقص مثل (حذف همزة الاستفهام) التي اسقطها ودل عليها بإثبات علامة الاستفهام في " السفينة غرقت ؟" كما اسقط من الشطر الثاني " لا ذنب للميناء ... " ولم يتم تركيبة الجملة واثبت فراغا منقوطا يحل محل شبه الجملة (في غرق السفينة) .

ان السماوي كان بارعا في نصب فخاخه اللغوية في مثل هذه الفجوات التي يتعامل معها القارئ باعتبارها بنى توتر لا يغادرها حتى يردمها بما يناسب فضاءها اللغوي والدلالي، وليس غريبا ما تمارسه قصائد السماوي من تجريب لأنها من سمات القصيدة المعاصرة التي تتماهى فيها معظم الاجناس الأدبية الأخرى فتستعير بعضا من تقنياتها كما نلاحظ في تقنية " المونولوج " التي استخدمها في المقطع السابق .

من الأمثلة الأخرى قوله: (م20 – ص111)

لا ترتابي ....

ما جئت لأخطفك ..

انا الضائع منذ عصور النار الأولى

جئت لأبحث فيك عني !

فافتحي لي

أبواب فردوسك

عساني اعثر عليّ

فيه !

ان الفضاء المنقوط بعد " لا ترتابي " يشي بحذف عبارة " مني " حيث تبرز

 دلالة المحذوف من دلالة ما بعدها " ما جئت لأخطفك " . هنا تبرز مهمة الناقد حين يمارس فعل القراءة اذ ينتج عن صيغة النهي دلالة الإرتياب على وجه الحبيبة، والتي سبقت طلب الشاعر  حين حاول ان يبرر ما اعتراه من سمات تدعو الى الارتياب . يكون الفضاء المنقوط بعد " ما جئت لأخطفك .... " كفاصل زمني لعملية التداعي والاسترجاع فضلا عن التحول من صيغة المخاطب الى صيغة المتكلم " انا الضائع "، وباستكمال الصورة الشعرية ورسم حدود الشخصية التي صورها الشاعر داخل النص، وهي في ابسط توصيف لها: (صورة انسان لا نعرفه لولا ذاكرة الحفريات وما خلفته لنا من مومياه او صور لإنسان قديم) وذلك حتما مما يدعو الى الارتياب والفزع لعدم  الألفة .

بعد هذا العرض التطبيقي الموجز، أقول ان بحثنا المتواضع قد خلص الى نتائج مفادها

1-  ان ظاهرة الحذف تكاد تكون سمة بارزة في العربية حتى ان البعض يصورها

انها لغة الحذف .

2-  ان تقنية الحذف تقنية ليست طارئة على الادب العربي بل ان الشاعر القديم قد استخدما بشكل مطرد .

3-   ان النقد العربي القديم قد تنبه الى ظاهرة الحذف وعد لها فصولا في كتب الادب والبلاغة، كما تنبه الى وظيفة الحذف حيث يكون السكوت عن الذكر ابلغ من الذكر كما يعبرون .

4- ان الشاعر المعاصر اختلف عن الشاعر القديم في استثماره الواعي للحذف متأثرا بالشعر العالمي وبالنقد المعاصر الذي أولى لهذه الظاهرة بالغ الاهتمام، معللا اهتمام الشاعر الغربي الى رغبته في التكثيف والاقتصاد اللغوي تماشيا مع روح العصر وعجلة الحياة المتسارعة وخير دليل على ذلك ابتعاده عن المطولات واقترابه من المقطوعات وصولا الى الومضة.

5-   ان السماوي شاعر يمتلك ادواته اللغوية، بل ويمتلك لغته الشعرية الخاصة، كما يمتلك تقنيات تعبيرية، وإحداها الحذف، مكنته، بالتالي، من انتاج (نصوص نثرية)، قد لا نبالغ اذا قلنا، انها تتفوق في اساليبها ورؤاها كمّاً  من الإنتاج الادبي الذي يسمى شعرا سواء اكان شعر تفعيلة او قصيدة نثر .                     

6-  ان ما أنجزته في هذه الوريقات لا يعدو كونه استكشافا بسيطا لشعرية ظاهرة اسلوبية وهي (الحذف) محاولا الاقتراب من جمالياتها.

ختاما أقول:

" ربما رصاصة طائشة

لكنني أتمنى ان يكون

لصوتها صدى "

 

إعداد: عمار إبراهيم عزت

ماجستير أدب

جامعة ذي قار – كلية الآداب

...................

هوامش البحث

1- د. محمد مفتاح، دينامية النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1987، 39.

2-  أحمد المتوكل(1993): الوظيفة والبنية: مقاربات وظيفية لبعض قضايا التركيب في اللغة العربية. منشورات عكاظ. ص: 10.

3- . إبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيات...: المعجم الوسيط . المكتبة الاسلامية للطباعة والنشر والتوزيع. ص: 162.

4- بدرالدين محمد بن عبد الله الزركشي: البرهان في علوم القرآن. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ج 3، ص: 102.

5- عبد الرحمان طه (1998): اللسان و الميزان أو التكوثر العقلي. ط 1 . المركز الثقافي العربي. ص ص: 215 -216.

6- عبد الرحمان مولي:جماليات الحذف في القصة القصيرة جدا،مجلة المظلة، ابداع ونقد، نسخة الكترونية .

7- د. أحمد العاقد: القصيدة خارج الورقة، المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، بحوث، نسخة الكترونية .

8- نصيرة زوزو:أشكال الفضاء الروائي في الخطاب النقدي المعاصر، مؤسسة البينة للاعلام، جريدة يومية سياسية عامة .

9- عبدالله المتقي: محكي الحذف وسؤال التلقي في "مطعم هالة"، مدخل سيميائي لقراءة القصة العربية القصيرة جدا،طنجة الأدبية، 04 - 08 – 2011، نسخة الكترونية .

10- د. فتح الله احمد سليمان: الاسلوبية مدخل نظري دراسة وتطبيق، ك الاداب، القاهرة، مصر 1997، 139 .

11- عبد القاهر الجرجاني: اسرار البلاغة، ت محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، مصر، ط1، 1991، 139 .

 

12- م . ن، 195 .

13- ضياء الدين بن الاثير: ت: محمد محي الدين عبد الحميد، المثل السائر في ادب الكاتب والشاعر، ك العصرية، بيروت، ج2، ط1، 76، 1995 .

14- د. محمد ميلياني: جمالية الحذف من منظور الدراسات الاسلوبية، مجلة كلمة، العدد 76، 2012 .

15 – د. صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة، الكويت، د . ط، 1992، 83 .

16 – انظر، ابن جني، أبو الفتح عثمان: الخصائص، ت: محمد علي النجار، ط1، علم الكتب، لبنان، ج2، 26 .

17 – د. محمد ملياني، جماليات الحذف، مصدر سابق الذكر .

18- محمد عبد المطلب: البلاغة العربية قراءة أخرى، ك لبنان، ناشرون، بيروت، ط1، 1997، 221 .

19- عبد الرحمن حسن الحبنكة الميداني: البلاغة العربية أسسها وعلومها وفنونها، ط1، ج1، 1986، 497 .

20 – د. محمد ميلاني: جماليات الحذف، مصدر سابق .

21 – ن. م .

22- ماجد احمد الخوالد: الحذف في القراءات القرآنية في تفسير الطبري، جامعة مؤته، 2008، 19 .

23 – يونس حمش خلف حمود: الحذف في اللغة العربية، مجلة أبحاث كلية التربية الأساسية، م10، العدد 2، 273 .

24 – عبد الرزاق بلغيث: الصورة الشعرية عند الشاعر عز الدين ميهوبي دراسة اسلوبية، رسالة ماجستير، جامعة بوزربعة، 2010، 53 .

20

25- د. عبد الراجحي: النحو العربي والدرس الحديث، المعارف الجامعية، الإسكندرية، 1998، 44.

26- د. خليل إبراهيم المشايخي: الطائر المبتل بماء الشمس ... النتاج المتولد من بنية الحذف، مركز النور، 11/06/2012،نسخة الكترونية .

27- يحيى السماوي: مسبحة من خرز الكلمات، نصوص نثرية، دار التكوين،  دمشق، ط2، 2010، 20-19 .

ملاحظة: يشير الاختصار (م) داخل متن البحث الى كلمة (مقطع)

 

 

المونودراما فرجة شاملة بصيغة المفرد

jamil hamdaouiتوطئة: عرف مسرحنا العربي مجموعة من الأشكال التعبيرية، مثل: مسرح الحلقة، والمسرح الدرامي، والمسرح الملحمي، والمسرح التاريخي، والمسرح التوثيقي، والكوميديا السوداء، والمسرح الكلاسيكي، والمسرح التجريبي، والمسرح الغنائي، والمسرح الفطري، ومسرح وان مان شاو، وغيرها من الأشكال المسرحية التي توسل بها للتعبير عن الذات والموضوع معا.

هذا، وتعد المونودراما من أهم الأشكال المسرحية التي استعملها على مستوى الكتابة والتشخيص والإخراج، وتعتمد على الممثل الواحد، والفرجة الشاملة والمتكاملة فنيا ودراميا. ويحيل هذا النوع من المسرح على دراما الممثل الواحد أو ما يسمى أيضا بالمسرح الفردي. وقد تعرف المسرحيون العرب هذا الشكل عن طريق الاحتكاك الثقافي بالغرب، وفعل الترجمة، والاطلاع على الكتابات والعروض المنودرامية الغربية، وكذلك عن طريق الدراسة في معاهد الغرب وجامعاته، مع تطوير التجارب الفردية الفطرية التي توجد في موروثنا العربي القديم (مسرح الحلقة نموذجا). وبعد ذلك، انتشرت المونودراما في الوطن العربي انتشارا كبيرا منذ سنوات السبعين من القرن العشرين.إذاً، ما المونودراما؟ وما مقوماتها الفنية والجمالية؟ وما تاريخها الغربي والعربي؟ وما أهم النماذج الممثلة لهذا النوع من المسرح الفردي؟ وما إيجابيات هذه التجربة وسلبياتها؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول رصدها في موضوعنا هذا.

 

تعريـــف المونودراما:

يقصد بالمونودراما (Monodrame) المسرح الفردي، أو مسرح الممثل النجم، أو دراما الممثل الواحد، أو مسرح الشخصية الواحدة. وتعني كلمة مونو (Mono) الواحد أو المفرد الجامع.أما كلمة دراما (drame)، فتعني التمثيل أو المسرح. ودلالة الكلمة المركبة هي مسرح الممثل الواحد. وبالتالي، فهذا المسرح عبارة عن فرجة جامعة بصيغة المفرد، يشبه المنولوج الدرامي في انسيابه المستمر. ومن ثم، فهو يتداخل مع الميم أو المسرح الصامت. كما يتقاطع مع الكوميديا السوداء. ومن ثم، لم يبدأ استعمال مصطلح المونودراما إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، مع الشاعر الإنجليزي ألفرد لورد تينيسون (Alfred Lord Tennyson) في مسرحيته (مود /Maud) سنة 1855م.ويعني هذا أنه مصطلح حديث ليس إلا.

ويعرف سمير عبد الرحيم الجلبي المونودراما بأنها" دراما الممثل الواحد، أو المسرحية ذات الشخصية الواحدة المتكاملة العناصر التي يؤديها ممثل واحد أو ممثلة واحدة، ويقدم فيها دورا واحدا، ويتقمص أدورا مختلفة."[1]

وتعرف المونودراما، في معجم أكسفورد كومبانيون (Oxford Companion)، بالصيغة التالية:" مونودراما: (بعض الأحيان تسمى ميلودراما حيث ترافقها موسيقا)، تبلورت هذه المقطوعة القصيرة الفردية لممثل واحد أو لممثلة واحدة مستندة بشخوص صامتة أو بكورس في ألمانيا بين 1773-1780م بواسطة الممثل برانديز"[2]

وقد عرفها حسين علي هارف بأنها المسرحية التي تطرح صوتا دراميا واحدا، وتعتمد على شخصية درامية وحيدة أو مستوحدة على مستوى البناء الفني. ومن ثم،" فهي تعاني أزمة أو عزلة أو اغترابا نفسيا أو اجتماعيا يفرز صراعا داخليا، وتنفرد تلك الشخصية بالجمهور ومساحة الفعل الدرامي شكل (طاغ) لتبوح أو تسرد تجربتها الدرامية وفقا لمنظور أوتوقراطي يعكس أحادية الصوت الموندرامي.وقد تتضمن المسرحية وجود أو دخول شخص أو شخوص ثانوية ذوي دور أو وظيفة هامشية – أو جوقة صامتة أو ناطقة مساندة."[3]

ومن هنا، فالمونودراما هي نوع من المسرح الفردي تمثيلا وكتابة وإخراجا وتأثيثا. وفي بعض الأحيان، يقتصر دور الممثل الفرد على التشخيص دون العمليات الأخرى التي يتكلف بها الأشخاص الآخرون. وبالتالي، فالمونودراما هي التي تقوم على الممثل النجم أو البطل أو الشخصية المحورية، من خلال الاعتماد على مجموعة من الآليات الفنية والجمالية، مثل: آلية التشخيص الفردي، وآلية تكسير الشخصية، وآلية التهجين، وآلية تفريع الحدث، وآلية التنويع، وآلية الاستطراد، وآلية الحكي، وآلية التضمين والتوليد، وآلية الالتفات، وآلية الارتجال، وآلية التقطيع، وآلية التركيب، وآلية الكولاج أوالإلصاق، وآلية البوح والاعتراف، وآلية النقد والتعرية، وآلية التجربة الشعورية الموحدة، وآلية الفرجة الشاملة...

وعليه، يرتبط المسرح المونودرارمي بشخصية واحدة.بمعنى أن الممثل الواحد، في المونودراما، هو ممثل شامل جامع، قد يكتب النص ويؤلفه بكلماته وجسده وخياله، فيرتجله تشخيصا وتمثيلا وأداء، ويقوم بعملية التأثيث والإخراج. وقد يكسر دوره إلى مجموعة من الأدوار الفرعية، ليجسد مجموعة من الشخصيات، بتغيير الصوت أو الرنة أو الكلام أو الملابس أو الإكسسوارات أو التموقع فوق الركح. وقد يشارك، في هذه المسرحية الفردية، ممثلون آخرون إلى جانب الممثل المحوري، بشرط أن " يظلوا صامتين طول العرض وإلا انتفت صفة " المونو" ...بمعنى واحد عن الدراما"[4]، وقد يكون هؤلاء تقنيين مساعدين أو شخصيات مكملة . وقد تتضمن المسرحية الحوارية المتعددة الأطراف منولوجات طويلة تقربها من المنودراما بشكل من الأشكال.

وعليه، " تعتبر المونودراما نوعا مسرحيا يستثمر المونولوج كوحدة متكاملة، ويستخدمه كإطار لتقديم حكاية ما، ويقوم هذا النوع من المسرح على مهارة الممثل في الأداء، فهو يتطلب منه أن يؤدي عدة أدوار في العرض الواحد، ويتقمص حالات متعددة في أمكنة وأزمنة متنوعة، ويوحي بوجود شخصيات أخرى غائبة يتعامل معها، كذلك يتطلب نوعا خاصا من الإخراج يتجسد في البحث عن نقاط ارتكاز للممثل ذات صفات دلالية عالية، ومؤثرات بصرية وسمعية معينة تعينه على الانتقال في الزمان والمكان، ولأن شكل العرض في المونودراما يلفت الانتباه لمتابعة أداء الممثل أكثر من عناصر المسرح الأخرى تعتبر المونودراما التعبير الأمثل عن مسرح النجم."[5]

وهكذا، فالمونودراما هي فرجة شاملة وكاملة بصيغة المفرد.بمعنى أن الممثل الواحد أو الفرد هو الذي يقوم بكل المهام التي يستوجبها العرض المسرحي كتابة، وتشخيصا، وتأثيثا، وإخراجا.

ومن جهة أخرى، تتميز المونودراما عن مسرح وان مان شاو، والكوميديا السوداء، والكوميديا الواقفة (Stand up)، والسكيتش الهزلي... بمقومات فنية وجمالية مميزة سنرصدها في العنصر الموالي.

 

مقومات المونودراما:

تستند المونودراما، على مستوى الكتابة والعرض، إلى مجموعة من المقومات الفنية والمرتكزات الجمالية التي يمكن حصرها في الخصائص التالية:

الممثل الواحد أو الشخصية المونودرامية:تنبني المونودراما على الممثل الواحد أو الشخصية الواحدة. بمعنى أن الممثل هو وحده الذي يقوم بالدور أو بمختلف الأدوار المسرحية داخل العرض الواحد. أما الشخصيات الأخرى، فهي صامتة أو مستحضرة غيابيا أو افتراضيا.أي: إن الممثل الواحد هو الذي يقوم بمجموعة من المواقف المتناقضة أو المتباينة فوق خشبة المسرح، بغية تجسيد الصراع النفسي أو الصراع الخارجي، انطلاقا من الذات المتكلمة أو المرسلة.

 

المونولوج الدرامي: يتحول العرض المسرحي المونودرامي إلى مونولوج طويل، يقوم على الاسترسال والانسياب والاستطراد، وتوظيف السرد والمحكي، وتشغيل تيار الوعي، واستجلاء اللاوعي أو اللاشعور، وفضح الذات وتعريتها، ونقد الواقع نقدا ذاتيا، وممارسة لعبة البوح والاعتراف والاستبطان والهذيان والتداعي الحر، وتوظيف الفلاش باك باسترجاع الذكريات، وإعادة الماضي، والانسياق وراء الأحلام.

 

الحكي أو السرد: يعتبر السرد أو الحكي من أهم الأركان الأساسية في المسرح الفردي؛ لأن الممثل يكسر حواره الداخلي أو المنولوج المسترسل، بسرد حكاية أو حكايات مختلفة ضمن عملية الاستطراد والانسياب لتكسير نمطية الحوار، واستبدالها بقصص وروايات متنوعة، معتمدا في ذلك على تقنية التضمين أو التوليد.بمعنى أن الممثل العارض يستنبط من القصة الأم قصصا فرعية، أو يخرج من قصة رئيسية إلى قصص مستقلة أخرى، ليشد بها انتباه المتفرج إلى الحبكة الدرامية التي يعتمد عليها هذا الفن. وقد يؤثر هذا سلبا على الجانب الدرامي في المسرحية؛ وهذا ما يجعل المونودراما فنا دراميا هجينا، تتداخل فيه الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية، مثل: الحوار المسرحي، والشعر، والحكاية، والاعتراف، والنقد، والخطبة...

وأكثر من هذا، تعتمد المونودراما على السرد الدرامي أو الحكي الدرامي، متأثرا في ذلك بالمسرح الملحمي لدى بريخت.وبذلك، يصبح الجمهور واعيا بأحداث العرض، ليس مستلبا أو مندمجا في الفرجة اندماجا سلبيا قائما على التطهير، بل يشارك الممثل في بناء الفرجة الدرامية دلالة وشكلا ووظيفة، مع تقويم مواقفها ومشاهدها وأحداثها من خلال رؤية واقعية انتقادية . ويعني هذا أن المونودراما تقوم بوظيفة التنوير، وليس بوظيفة التطهير القائمة على الخوف وإثارة الرحمة والشفقة، كما يتبين ذلك جليا في المسرح التراجيدي الأرسطي.

 

الفرجة الشاملة: تتميز المونودراما بكونها فرجة شاملة ومتكاملة دراميا، حيث يقدم الممثل عرضه المسرحي بطريقة كلية شاملة، فالممثل هو الذي يكتب المسرحية في مشاهدها وفصولها ولوحاتها ومناظرها، ويخرجها ويشخصها ويؤثثها، ويختار الماكياج المناسب، وينتقي الأزياء والملابس الخاصة بكل مشهد أو موقف درامي.

 

تكسير الشخصية: لايحافظ الممثل الفردي على شخصية نمطية موحدة من بداية العرض المسرحي حتى النهاية، بل ينوع الأدوار الدرامية حسب المواقف والسياقات الاجتماعية والنفسية، فيمثل مختلف الشخصيات التي توجد في المجتمع. ومن ثم، يلبس أقنعة عدة.

 

وحـــدة التجربة النفسية أو الشعورية: وعلى الرغم من تعدد الأدوار والمشاهد والمواقف داخل المونودراما الواحدة، فإن العرض المسرحي يشي بالوحدة الفنية والموضوعية والبنيوية . بمعنى أن الفنان يستعرض مجموعة من المواقف والأدوار المسرحية المستطردة، ضمن تجربة فنية واحدة تتسم بالترابط العضوي، ويتحقق فيها التماسك الدلالي والشعوري والنفسي والبنيوي. وإذا كان كل مشهد في الدراما الملحمية يتميز باستقلالية خاصة على مستوى التحبيك السردي والتخطيب الدرامي، فإن المسرحية الفردية تجربة فنية وجمالية موحدة على مستوى الشعور والوجدان، إذ يمتد خيط الإحباط والفشل والاغتراب والعزلة من بداية المسرحية حتى نهايتها.

 

الارتجال الفردي: يستند المسرح الفردي إلى الارتجال والإبداع الذاتي، كما يظهر ذلك جليا عند ممثل الشارع أو ممثل الحلقة. بمعنى أن الممثل قد لايلتزم بنص ما، بل يخلق نصه ويرتجله بشكل عفوي وتلقائي وطبيعي. بيد أن هناك من الممثلين من يلتزم بالنص مطابقة أو تفسيرا أو إبداعا. وينطلق منه في عرض فرجته الدرامية .لكن حسين علي هارف يرى بأن " الارتجال الذي كان عنصرا من عناصر فن الممثل الواحد في القرون الوسطى، قد تخلت عنه المونودراما الحديثة التي تحولت إلى فن أدبي باعتمادها على الدراما المكتوبة والمخطط لها، مع الإبقاء على مساحة محدودة لاجتهاد الممثل الآني (في الارتجال المنظم) عند مواجهته الجمهور في أثناء العرض المسرحي.[6]"

ومن هنا، يتبين لنا بأن المونودراما تعتمد على الارتجال الفردي، حينما يستبد الممثل بالحوار النفسي الداخلي، قصد تطويعه في سياقات درامية مختلفة ومتنوعة.

 

تعدد الأدوار: يتقمص الممثل الواحد أدوارا متعددة في عرضه المسرحي، ويكسر الشخصية ليتحول إلى شخصيات متعددة ومختلفة.بمعنى أن الممثل يحاكي شخصيات متعددة افتراضا وغيابا واحتمالا وإيهاما، مثل: الممثل العراقي سعيد يونس الذي شخص مسرحية جلجامش، فأدى أدوار مجموعة من شخصيات الملحمة (جلجامش- أنكيدو- البغي- خمبابا-إلخ...)، مستخدما أزياء متعددة وأقنعة مختلفة تمثل شخصيات الملحمة.

 

الصراع النفسي الداخلي: إذا كان المسرح الدرامي العادي يتميز بالصراع الخارجي، كصراع الشخصية مع واقعها أو قدرها، فإن المسرح الفردي يتسم بالصراع النفسي الداخلي، أو بصراع الذات مع نفسها استبطانا وتأملا وبوحا واعترافا وهذيانا وتساميا. ويعني هذا أن الممثل يعبر عن تمزقه الشعوري الداخلي. وبطبيعة الحال، هذا التمزق ناتج عن الصراع الخارجي. ويعني هذا كله غلبة الصراع النفسي على باقي أنماط الصراعات الأخرى: الصراع الخارجي، والصراع الميتافيزيقي، والصراع الاجتماعي... ويمكن أن تتأرجح المونودراما بين الصراع الراكد والصراع المتوثب.

 

غلبة المواضيع الذاتية والنفسية والمأساوية: لقدتناول المسرح الفردي مواضيع وقضايا مختلفة، مثل: المواضيع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والنفسية والإنسانية. بل انصبت مواضيعه أيضا على القضايا المحلية والجهوية والوطنية والقومية أو قد يتجاوزها إلى ماهو إنساني وكوني. ومن ثم، تشخص المنودراما الذات والموضوع والكتابة المونودرامية نفسها في إطار ما يسمى بالميتاتياترو أو الميتامسرح.

هذا، ومن أهم التيمات التي اهتمت بها المونودراما تيمة الاغتراب، وتيمة الثورة، وتيمة التمرد، وتيمة التحرر، وتيمة البوح والاعتراف، وتيمة النقد وتعرية الذات والواقع معا، وتيمة الجنون، وتيمة الفساد، وتيمة القيم، وتيمة العزلة، وتيمة الاستلاب، وتيمة السخط،... ويعني هذا طغيان التوتر والعزلة والاغتراب على مجرى أحداث المونودراما.

 

التهجين البوليفوني: تستند المونودراما إلى خاصية التهجين على مستوى اللغات، من خلال المزج بين العربية الفصحى والدارجة العامية، واستعمال اللغات الأجنبية، والتأرجح بين لغة الماضي ولغة الحاضر. علاوة على الجمع بين لغة ذاتية وانفعالية مشحونة بالتأزم والانفعال والقلق والتوتر والاضطراب النفسي، ولغة حركية بصرية لتجسيد هذا التأزم النفسي والشعوري والانفعالي. بله عن المزج بين الخطابات والأساليب والأصوات المتحاورة افتراضا واستحضارا، ويقربنا هذا من عمليات الإلصاق والكولاج الدرامي.

 

السرد والدرامية: تجمع المونودراما بين فعل الحكي والتشخيص الدرامي، أو الجمع بين التمثيل الدرامي والسرد الروائي، أو الجمع بين الوظيفتين: السردية والدرامية. بمعنى أن المنودراما قد تتعدى الحوار المونولوجي الفردي إلى استعمال السرد والحكي والقص في ذكر الأحداث. ويعني هذا بوضوح المزج بين القصة والمسرحية.

 

تكسير الإيهام: يهدف المسرح المونودرامي إلى تجاوز التطهير والتمثيل الخارجي الكوكلاني إلى فضح اللعبة المسرحية من خلال المنظور البريختي، عبر تكسير الجدار الرابع، وتغيير الأزياء فوق الخشبة الركحية، وإزالة غشاوة الإيهام والاندماج عند الممثل، من خلال تنويره وتوعيته واستدماجه في العرض المسرحي لانتقاد مضامينه، وتبيان مدلولها، واستكشاف مقاصدها الواعية واللاواعية.

 

شخوصية المنودراما: المنودراما مسرحية شخوصية أكثر مما هي حدثية.أي: إن الشخصية هي التي تقود الأحداث، وتتميز بدورها الدياليكتيكي الفعال من خلال الصراع مع الذات والواقع معا.

بيد أن الشخصية المونودرامية تتميز بضعفها الإنساني. وبالتالي، فهي محبطة ومتأزمة وعاجزة عن إنجاز الفعل بشكله الكامل،وهي كذلك شخصية إشكالية في ترددها بين الذات والواقع، على الرغم من وعيها المتقدم . لذلك، تنساق وراء اللاوعي، والهذيان، والاستبطان، والاستبصار، والتأمل، والجنون، والكابوس، والوهم، والتداعي الحر، والسرد، والاسترسال في الاستذكار والبوح والاعتراف، واستعمال ضمير المتكلم، والمزاوجة بين المنولوج والديالوج، واستخدام البناء المعماري النفسي والشعوري.

وعلى العموم، تتأرجح الشخصية المونودرامية بين الوعي واللاوعي، أو بين الشعور واللاشعور، أو بين التوازن والاضطراب.

 

تداخل الأزمنة وتشابكها: إذا كانت أمكنة المونودراما تتأرجح بين التشخيص الواقعي والبعد الافتراضي السريالي والعجائبي والعبثي، فإن الزمن النفسي هو الطاغي على المونودراما بامتياز.أي: يهيمن الزمن الذي ينطلق من الذات، ويتخذ أبعادا انفعالية ووجدانية وعاطفية وتعبيرية. ومن هنا، تكثرالانحرافات الزمنية أو ما يسمى كذلك بالمونتاج الزماني(استرجاع الماضي، واستشراف المستقبل، ورصد الحاضر)، والاعتماد على الزمن الذاتي النفسي البعيد عن الزمن المنطقي التعاقبي. ومن ثم، فالمنودراما إعادة للماضي وفق الحاضر والمستقبل. ويعني هذا أن زمن المونودراما يوجد في المنطقة الوسطى بين الماضي المعاش والمستقبل المشوش غير المرئي. ويعني هذا كله ارتباط المونودراما بزمن كينونة الشخصية (كما كانت) في صراعها مع الحاضر والمستقبل. كما يسعى الممثل إلى تكسير الزمن السردي بوسائل فنية مثيرة، مثل: استخدام الشاشة، والمرآة، والعاكس، واستخدام الصحف والهاتف والرسائل... وتشغيل سينوغرافيا مساعدة ووظيفية تتلاءم مع المشاهد الفردية.

 

البناء النفسي والشعوري: إذا كانت المشاهد مستقلة في المسرح الملحمي البريختي، ومترابطة ترابطا سببيا ومنطقيا في المسرح الدرامي، فإنها مترابطة شعوريا ونفسيا في المونودراما. بالإضافة إلى هيمنة المنظور الذاتي على المنظور الحدثي الخارجي. ويدل هذا كله على وجود بناء درامي دائري ونفسي مغلق، ينبني على بنية الهذيان وبنية اللاوعي.

وعلى العموم، تذهب نهاد صليحة إلى أن من أهم مرتكزات المسرح الفردي هو التركيز على الممثل الواحد، واستجلاء العزلة التي تفصل البطل عن محيطه الاجتماعي، والتشديد على الكثافة الشعورية الشديدة النابعة من تركيز الحدث الدرامي في شخصية واحدة تلح على وجدان المتفرج طول العرض[7].

وبناء على ماسبق، فالمنودراما هي المسرحية التي توظف الشخصية المغتربة، والمكان الافتراضي، والزمن النفسي الانفعالي، والبناء الدائري، والسرد المشهدي، والمنولوج، والمؤثرات المسرحية الدرامية الصوتية والضوئية الوظيفية ذات الطابع الانفعالي، والارتكاز على خاصية التمسرح من خلال منظور التذويت، والتأرجح بين الماضي والمستقبل (الحلم)، والارتكاز على الفعل غير المكتمل، والعزلة فوق الخشبة، وفقدان الحس النقدي، والاهتمام بالخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي.

  

المنودراما ومسرح وان مان شاو:

هناك فرق كبير بين المونودراما التي بينا مقوماتها الفنية والجمالية ومسرح وان مان شاو الذي يعتمد على السرد الفكاهي المباشر بصفة خاصة، دون توظيف البعد الدرامي والمسرحي في الفرجة. ومن ثم، فمسرح وان مان شاو أو مسرح وومان شاو one-man-show / one-woman-show بمثابة فرجة درامية هزلية فكاهية وانتقادية، يقوم بعرضها شخص واحد مفرد، سواء أكان ممثلا أم ممثلة، أو كان فنانا وفنانة، من بداية الفرجة المشهدية حتى نهايتها، حيث يحتكر فيها الممثل المقدم حصة العرض كلها لنفسه، دون استدعاء الشخصيات الأخرى، كما يبدو ذلك جليا في المسرح العادي والمألوف.

وقد تستغرق هذه الحصة التقديمية مدة من الزمن في توصيل الرسائل المباشرة وغير المباشرة، بغية تحقيق التواصل بين المؤدي والمتلقي . ومن ثم، يصبح ممثل وان مان شاو مؤلفا وممثلا ومخرجا وسينوغرافيا على حد سواء، فيعتمد في عرضه على العفوية والتلقائية والارتجال، ثم يتأرجح بين خطاب المتعة والفائدة، مع تشغيل الخطاب النقدي في التفاعل مع الراصدين من جمهور الصالة أو قاعة المسرح. ومن هنا، فإن مسرح وان مان شاو في الحقيقة يتموقع بين السكيتش الهزلي والمسرح الفردي. أي إنه يجمع بين الجد والهزل، وبين الكوميديا والتراجيديا.

ومن هنا، يتميز مسرح العارض الواحد(One Man show) بأنه مسرح فكاهي كوميدي، يقدمه شخص واحدفوق خشبة المسرح أو في أي مكان آخر . وغالبا ما يكون هذا المسرح عبارة عنمنولوگات فردية أو حوارات منودرامية ساخرة، تتوجه إلى الجمهور بشكل مباشر، ينتقد فيها العارض المسرحي، بفكاهته المضحكة العادية والمباشرة، واقعه الذاتي والموضوعي.ويعني هذا إذا كانت المونودراما مسرحية جادة بامتياز لتداخل السردي والحواري، فإن مسرح وان مان شاو مسرحية هزلية يغلب عليه السردي كثيرا.

 

عـــوامل ظهـــور المـــونودرامـــا:

يمكن الحديث عن مجموعة من العوامل التي كنت سببا في ظهور المونودراما، منها تطور المسرح الأرسطي الذي تفرع إلى فنون واتجاهات فنية رئيسية مراعاة لسنة التطور، مع أخذه بعين الاعتبار خاصيتي التجريب والـتأصيل. ناهيك عن العوامل الاقتصادية التي تجعل كثيرا من المبدعين يلتجئون إلى المسرح الفردي تفاديا للتكاليف الباهظة التي يستلزمها المسرح على مستوى التأثيث، والسينوغرافيا، ودفع أجور الممثلين في ترحالهم وإقامتهم. علاوة على تأثر المونودراما بالتحليل النفسي الفرويدي والدراسات النفسية التي ركزت كثيرا على اللاوعي، وتأثرا كذلك بالسريالية والرومانسية والتعبيرية.كما تأثرت برواية تيار الوعي لدى جيمس جويس، وكافكا، وفيرجينا وولف، ودون باسوس، وصمويل بيكيت، وجوزيف كونراد... علاوة على تأثرها بالرواية المونولوجية كما لدى مارسيل بروست في روايته(بحثا عن الزمن الضائع). بله عن تمثل فلسفات العبث وتيارات اللامعقول التي تعبر عن الضياع والاغتراب والاستلاب؛ مما قربها، بشكل من الأشكال، من الكوميديا السوداء، والسيكودراما، والمسرح العبثي، والمسرح الوجودي، والمسرح الملحمي ... ناهيك عن العوامل والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية التي يعرفها عصرنا اليوم.

وقد ذكر حسين علي هارف مجموعة من الأسباب التي كانت وراء نشأة المونودراما، مثل: ظهور الممثل الواحد منذ المسرح اليوناني مع ثيسيبس، ودعوة الاتجاه الرومانسي إلى تقديس الفرد، واعتماد المسرح الإنساني على تقنية المونولوج في عرض الفرجة الدرامية، وما قدمه الممثل الألماني يوهان برانديز من تجارب مونودرامية في القرن الثامن عشر، والتأثر بالدراسات النفسية كما عند فرويد، وتمثل مكتسبات الاتجاهات الفلسفية والفنية، مثل: التعبيرية، والرومانسية، وتيار الوعي، وتأثرا كذلك بالمسارح الصغيرة التي كانت تقدم فيها مونودراميات قصيرة، بشخصيات محدودة، وبفصل واحد. بالإضافة إلى الطابع التجريبي للمسرح الروسي منذ مطلع القرن العشرين، خاصة مع المنظر الأول للمونودراما نيكولاي أفرينوف، ومبدعها أنطوان تشيكوف.[8]

 

تاريــــخ المونودرامـــــا:

نستعرض، في هذا المبحث، تاريخ المونودراما الغربية والعربية معا، بغية رصد ماهية هذا الفن الدرامي، وتبيان فلسفته الجمالية والفكرية، واستجلاء مواضيعه الموضوعية وقضاياه الفنية والجمالية، مع ذكر أعلامه ومبدعيه وفنانيه، على النحو التالي:

 

المونودرامــــا الغربيـــة:

من المعروف أن المنودراما قد ارتبطت، في بداياتها الأولى، بالممثل النجم ثيسيبس الذي يعد أول ممثل يوناني مثل التراجيديا بطريقة فردية، مستخدما في ذلك الحوار الدرامي مع رئيس الجوقة. ومن هنا، يمكن الإثبات بأن " المسرحيات الإغريقية المبكرة – وهي الرائدة في مجال الفن المسرحي عالميا- كانت مسرحية أحادية تعتمد الصوت الواحد الذي يلقى بمشاركة الجوقة القصائد والأشعار التي تسرد لنا الحكايات والقصص الأسطورية.وإذًا، فإن الفن المسرحي قد بدأ في مرحلته التأسيسية بما يشبه (المونودراما) التي مرت بمراحل وأشكال متعددة حتى وصلت إلى ما استقرت عليه من شكل في العصر الحديث، ووفقا لهذا فإن المونودراما الحديثة ربما كانت محاولة فنية واعية أو غير واعية للعودة إلى أصول المسرح ومنبعه الأولي من حيث الشكل الفني."[9]

ويعني هذا أن ثيسيبس قد جسد عدة أدوار مسرحية مختلفة بتنويع الأقنعة والأزياء والماكياج. ولا أتفق مع الدكتور حسين علي هارف الذي أثبت بأن ثيسيبس رائد المونودراما الأول، وأن مسرحياته هي الأشكال الأولى لهذا الفن؛ لأن مسرحياته، وإن كانت مشخصة من قبل ممثل واحد، هي بمثابة حوار تراجيدي ودرامي ثنائي؛ لأن رئيس الجوقة حاضر باعتباره شخصية أخرى لها حضور كبير في عملية التواصل والتفاعل الحواري[10].

وبعد الممثل الواحد، وظف أسخيلوس ممثلين في مسرحياته. في حين، استعمل سوفكلوس ثلاثة ممثلين. وبعد ذلك، غاب الممثل الواحد بشكل كلي، ليظهر من جديد في القرن الثامن عشر مع الألماني يوهان كريستيان برانديز (1775-1780م).

وهكذا، يمكن القول بأن المونودراما فن مسرحي قديم، قد ظهر مع اليونانيين، والدليل على ذلك أيضا انشغالهم بالميم أو المسرح الصامت، بغية تقديم عروض مسرحية فردية ساخرة تتعلق بنقد الشخصيات والمواقف والأهواء في ضوء رؤية كوميدية، مع جذب انتباه المتفرجين، ودغدغة عواطفهم، واستمالة نفوسهم، وإثارة ضحكهم. ويعني هذا أن الميم شكل من أشكال المونودراما الهزلية.علاوة على ذلك، كانت المونودراما عبارة عن قصائد شعرية شعبية تتخذ بعدا كوميديا ساخرا. ومن أهم كتاب المنودراما اليونانية سوفرون (Sophron) الذي كان معاصرا ليوربيديس، وقد كتب ميمات الرجل والمرأة. وقد أثر على كثير من كتاب المونودراما الآخرين خاصة تيوقريطيس(Théocrite). وقد وجدت مسرحيات ميمية نثرية حوارية، مضامينها مبنية على استعراض الشخصيات والمواقف والقيم. وقد اطلع أفلاطون على مجموعة من الميميات، خصوصا ميميات سوفرون التي تتضمن حوارات سقراطية توليدية وساخرة، وقد أورد منها أفلاطون بعض المقاطع والشذرات.[11]

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث أيضا على الكورس أو الراوي (Le choeur) الذي كان يقدم منولوجات طويلة للحكي أو تقديم الشخصيات، واستعراض الأحداث. ومن هنا، نثبت بأن هذا يشكل بداية تفتق المونودراما أو ظهور الممثل الواحد، قبل أن يظهر ذلك جليا في المنولوج الدرامي الذي كان يتخلل المسرحيات التراجيدية أو الكوميدية، حيث كان الممثل يسترسل في الحوار، ويتوسع فيه، إلى أن يتحول هذا المنولوج إلى مقطع درامي مستقل بنفسه، يكون بمثابة مونودراما خاصة بالممثل الواحد.

هذا، وقد أصبحت المونولوجات، في المسرح الروماني، بمثابة خطب طويلة أشبه بالمونودراما الفنية في استرسالها وانسيابها الفني والجمالي. وفي هذا السياق، تقول الباحثة المصرية نهاد صليحة:" ولكن في المسرح الروماني، وخاصة في تراجيديات الكاتب اللاتيني سينيكا الذي قلد التراجيديات اليونانية على الرغم من اختلاف البنية الثقافية اليونانية عن الرومانية- في المسرح الروماني انقلب الوضع، ولم تعد المقاطع المنفردة تعبر عن فردية البطل وصراعه مع التقاليد الثابتة، بل أصبحت تعبر عن القيم الموروثة بجميع أنواعها، واتخذت- كنتيجة طبيعية- صورة الخطب البلاغية الطويلة التي تعرقل مسار الحدث الدرامي وتعطله."[12]

وتضيف الباحثة قولها:" واستمرت المقاطع المنفردة- أي السولو(SOLO) أو المونو- على هذا الحال في التراجيديات الأوروبية في عصر النهضة، تلك التي تأثرت بحركة إحياء الكلاسيكيات، والتزمت بالقواعد الجامدة التي استنها نقاد فترة عصر النهضة استنادا إلى التقاليد الكلاسيكية.فنجد أبطال هذه التراجيديات يحتكرون المسرح فترات طويلة ليلقوا على مسامع الجمهور الخطب العصماء التي تحوي المواعظ الأخلاقية التي لاتتصل بمواقف حية من واقع المجتمع أو واقع المسرحية."[13]

هذا، وقد ارتبطت المونودراما بالميم أو البانتوميم في المسرح الروماني، حيث " يبرز للجمهور ممثل واحد يلبس قناعا ومن ورائه كورس يحضر فيجلس، وتجلس معه فرقة موسيقية.ويأخذ الممثل يشخص وحده، يرقص ممثلا مسرحية أسطورية، بينما الكورس ينشد نصوص هذه المسرحية".[14]

وهذا يقرب المونودراما الرومانية من أختها اليونانية لوجود الجوقة، والممثل الواحد، واستعمال المسرح الصامت، مع الاستعانة بالماكياج والموسيقا والرقص.

وفي عصر النهضة، ارتبطت المونودراما بفن الارتجال الشعبي في إيطاليا، وكان المهرجون المسرحيون يؤدون فرجاتهم الشعبية بطريقة فردية أمام الجمهور في الشوارع والساحات العمومية وفي القصور أيضا، مع الاستعانة بالتمثيل الصامت. ومن هنا، " فإن فن الممثل الواحد قد انتشر في غرب ووسط أوروبا في المدة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر من خلال عروض تهريجية تهكمية، كان يقوم بها ممثلون صار يطلق عليهم المهرجون (Giullari)، والذين كانوا يشيعون في عروضهم الفرح والضحك في نفوس الجمهور ليحصلوا على قوت يومهم عن طريق تقديم هذه العروض التي كانت تمزج في كثير منها بين (المنولوج) وبين التمثيل الإيمائي التهريجي (الصامت)، ومن هؤلاء المهرجيين المهرج روتوبوف (Rutebeuf) 1285، وهو ممثل فرنسي تهريجي مضحك."[15]

وعليه، فلقد ارتبطت المونودراما بكوميديا دي لارتي أو ما يسمى بفن المرتجلات، إذ كان الممثل يعتمد على الارتجال والإبداع الذاتي في أداء عروضه المسرحية الفردية. وبالتالي، ففن الممثل الواحد" قد تبلور بوصفه فنا مستقلا وخاصا وشعبيا في المدة من القرن الثالث عشر وحتى نهاية القرن الخامس عشر، إذ نشط على يد مجموعة من الممثلين الذين كانوا غالبا يكتبون أو يرتجلون نصوص عروضهم بأنفسهم بقصد الإضحاك والإمتاع، ذلك أن تلك العروض (عروض الممثل الواحد) لم تكن تستند إلى نصوص درامية (أدبية) بالمعنى الحقيقي لها، بل كانت تعتمد في معظمها على الارتجال الحركي والتمثيل الإيمائي (الصامت) والحركات البهلوانية المضحكة والمنولوجات والأشعار التهكمية، وبهذا فإن تلك العروض قد ارتبطت بالتسلية و(الفرجة) هدفا وبالتهريج والمايم والمونولوج والأشعار الشعبية وسيلة."[16]

هذا، وقد وجدت في المسرح الإليزابيثي بعض المنولوجات الدرامية الصغيرة المتميزة التي تشبه المونودراما، كما يبدو ذلك جليا في مسرحيات شكسبير سيما هاملت والملك لير..." لكن باستثناء شكسبير وقلة قليلة من الكتاب، ونظرا لسيادة التيار الكلاسيكي المحافظ- خاصة بعد فشل الثورة الجمهورية في إنجلترا، وعودة الملكية في عام 1660م، ظلت المقاطع المنفردة في التراجيديات خطبا بلاغية جامدة لامونولوجات درامية حية تهدف إلى استبطان الفرد لذاته وإلى ربط الحركة النفسية الفردية بالحركة الاجتماعية الجماعية.فقد حارب التيار الكلاسيكي النزعة الفردية التي أتى بها عصر النهضة، إذ رأت المؤسسات الحاكمة في أوروبا آنذاك في هذه النزعة خطرا على استقرار أنظمتها، وأصبح التيار السائد في الفن والفكر هو وجوب التزام الفرد بالأنظمة والأشكال السائدة، وخنق نزعة التفرد والثورة والتجديد."[17]

وأكثر من هذا، يمكن القول بأن المونودراما قد ظهرت مع انبثاق الحركة الرومانسية التي أعادت للفرد مكانته الكبرى في الإبداع، واعتبرته مصدرا للكتابة والخلق والابتكار، وممثلا نجما قادرا على التشخيص المفرد، وتقديم الفرجة الفنية الشاملة. وفي هذا الصدد، تقول نهاد صليحة:" وعلى الرغم من أن المونودراما لم تظهر بشكلها المكتمل إلا إبان الحركة الرومانسية التي بدأت تجتاح أوروبا منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلا أن بذورها وجدت منذ بدايات الدراما الأولى، ونلمحها في المشاهد التي كان البطل فيها في المسرحيات اليونانية القديمة ينفرد بالحديث مدة طويلة بينما ينصت الجمع له في صمت حتى ينتهي. ولكن الكاتب اليوناني كان يحرص على استيعاب الحديث الفردي في إطار جماعي، فكان الكورس دائما حاضرا يستمع ويجيب ويعلق مهما طالت المقاطع المنفردة، بحيث احتفظ المسرح اليوناني إلى حد كير بمعادلة متزنة بين الفرد في فرديته والجماعة والمجتمع، وأقام جدلا ناميا، أي حوارا دراميا حقيقيا بين القيم الثابتة التي يمثلها الكورس وبين دوافع اللحظة وواقع الفرد الملح الذي يمثله البطل."[18]

وإذا كان كريستيان يوهان برانديز الممهد الأول للمونودراما في القرن الثامن عشر الميلادي، فإن جان جاك روسو أول من كتب مسرحية مونودرامية – حسب الدكتورة نهاد صليحة-، وهي تحت عنوان (بيجماليون) سنة 1760م[19]. و" في الفترة نفسها- أي في النصف الثاني من القرن لثامن عشر- احتلت المونودراما خشبة المسرح الأوروبي لأول مرة، وروج لها- آنذاك- الممثل الألماني الشهير(يوهان كريستيان برانذز)[20]، الذي وجد في هذا الشكل الفردي الذي يخول للممثل احتكار خشبة المسرح دون منازع، فرصة لإطلاق مواهبه التمثيلية الفذة...ولكن بعد هذا الازدهار المؤقت توارت المونودراما عن خشبة المسرح إبان القرن التاسع عشر، وكان لذلك أسباب."[21]

ومن بين تلك الأسباب طغيان المدين: الواقعي والطبيعي من جهة، وظهور الأدب الرمزي من جهة أخرى، ولم يظهر المونولوج إلا في الشعر الدرامي كما عند الشاعر الإنجليزي (روبرت براوننج) على وجه الخصوص. ولم تعرف المونودراما انطلاقتها الثانية إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع تشيكوف في مسرحيته(مضار التبغ)1886م، ومسرحية (أغنية التم) 1887م، وأيضا مع نيكولاي إيفرينوف، وغوغول، وجان كوكتو الذي كتب مونودراما بعنوان (الصوت الإنساني) في فرنسا عام1930م.

ويعني هذا أن المسرح المونودرامي قد تشكل فنيا وجماليا في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان امتدادا للمسرح الدرامي والميلودرامي[22]، وقد تمثل - بشكل جيد- مكتسبات علم النفس مع سيجموند فرويد، مستلهما في ذلك أيضا التجربة الرومانسية، والاستفادة كذلك من مكتسبات تيار الوعي [23]، خاصة مع جيمس جويس، وفرجينيا وولف، وجوزيف كونراد، وصمويل بيكيت... وأيضا نتيجة حركة المسارح الصغيرة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية التي ساعدت على إبداع مسرحيات منودرامية قصيرة تتلاءم مع خصوصية المكان وحجمه...

هذا، وقد انتشرت المونودراما في منتصف القرن العشرين انتشارا كبيرا في أوروبا وأمريكا، وأصبحت من أهم الاتجاهات الفنية الرئيسية في عصرنا هذا.

هذا، ومن أهم كتاب المونودراما الغربية نذكر: الروسي أنطوان تشيخوف في (ضرر التبغ) 1886م، و(في أغنية التم)1889م، والروسي نيكولاي أفرينوف في (الجدار الرابع) 1912م، و(خلف كواليس الروح) 1912م، و(المرأة المقعرة)، و(مهزلة السعادة)، والروسي فلاديمير ماكايوفسكي في (مأساة) 1913م، والألماني رينهارد زورجة في (الشاعر) 1910م، والألماني ديوروكس في (الكبت)، والألماني بايرل في (فخور بثماني عشرة ساعة) 1973م، والألماني بيتر هاكس في (حوار في بيت شتاين حول السيد الغائب غوته) 1976م، واليوناني يانيس ريتوس في (سونت في ضوء القمر)1985م، والإنجليزي أيان فروست في (اعترافات الشاعر اللورد جورج بايرون) 1987م، والإسكتلندي رينو سيتنا في (نبي)، والفرنسي جان كوكتو في (الصوت البشري) 1957م، والفرنسي باتريك سيمون في (سقطة حرة) 1982م، والإيطالي داريوفو في (الاستيقاظ) و(المرأة المستوحدة)، والمكسيكي غولدروز في (شريشماتوري))، ووالروماني يونيسكو في (القاتل)، والبريطاني هارولد بينتر، والسويسري أوغست سترندبيرغ في مسرحية (الأقوى)، والبرازيلي بدرو بلوخ [24] في مسرحية (الأعداء) و(لاترسل الأزهار) و(إيدي يوريدس) 1950م، والإيرلندي صمويل بيكيت (Samuel Beckett) الذي يعد من أشهر كتاب المنودراما في العصر الحديث، إذ كتب مجموعة من المسرحيات المنودرامية، مثل: (فصول بلا كلمات) 1957م، و(شريط كراب الأخير) 1958م، و(الأيام السعيدة) 1961م، و(ارتجالية في أوهايو) 1987م، و(الجمرات)، و(أليس كذلك ياجو؟) وغيرها... و"لقد وجد بيكيت في المونودرما أصلح الأشكال المسرحية لصياغة رؤيته العبثية التي تقوم على عزلة الفرد، واستحالة التواصل، واليأس من الحلول الاجتماعية."[25]

أما على مستوى التنظير، فقد كان الروسي نيكولاي نيكولايفيتش أفرينوف (1870-1953م) سباقا إلى التنظير للمونودراما في دراسته التي كتبها عام 1908م بعنوان (عذرا للمسرحة)، بعد أن قدم مجموعة من المونودرامات، مثل: (الجدار الرابع) 1915م، و(فيروز) 1912م، و(المستبد اللطيف)، و(الشيء الرئيسي) 1919م، و(مسرح الروح) 1912م...و" قد تضمنت أفكاره فيما ينبغي أن يكون عليه المسرح فوضع لها عنوانا ثانويا هو (دراما أحادية)، وتوضح على نحو هزلي عموما ما تنوع الشخصيات التي يمكن لشخص أن يتقمصها في نظر مراقبين مختلفين"[26]

ويتضح من هذا كله بأن المنودراما لم تنشأ إلا في حضن الثقافة الغربية وحضارتها. وبعد ذلك، انتقلت إلى باقي مناطق العالم في صيغ درامية شتى.

 

المــونــودراما العربيــــة:

يمكن القول بأن الراوي الشعبي في السامر والحلقة والأسواق والمواسم القديمة بداية للمونودراما العربية، وامتداد طبيعي لها؛ لأن هذا الراوي كان يمثل بمفرده، ويسرد القصص والحكايات المتنوعة إسهابا وحكيا واسترسالا، ويخرج عرضه الدرامي ميزانسينيا، ويجذب الجمهور الذين كانوا يتحلقون دائريا لرصد تلك الفرجة الشعبية النابعة من وجدانهم الفطري والأصيل. وتعد الحلقة المغربية كما في مراكش وفاس ومكناس والدار البيضاء نماذج حية لهذا النوع من الفن المونودرامي . ومن ثم، نجد كثيرا من كتاب المونودراما قد تأثروا بالحلقة أو الراوي الشعبي، مثل: عبد الكريم برشيد، وعبد الحق الزروالي، والمسكيني الصغير، وغيرهم.

وإذا كانت المونودراما قد ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر، فإنها لم تنشأ في الوطن العربي إلا في سنوات السبعين من القرن الماضي، وذلك لعوامل ذاتية وموضوعية عدة، مثل: التأثر بالراوي الشعبي القديم، وتمثل المونودراما الغربية، والارتكان إلى العامل الاقتصادي الذي دفع الكثير من الممثلين إلى اختيار هذا الأسلوب؛ بسبب غلاء الديكور والسينوغرافيا؛ ناهيك عن التكاليف الباهضة التي تستلزمها المسرحيات الدرامية المتعددة الشخوص. ويمكن الحديث عن عامل فني آخر يتمثل في ممارسة التجريب من جهة، والتأصيل من جهة ثانية، علاوة على سهولة كتابة المونودراما مقارنة بكتابة المسرحية الحوارية المتعددة الفصول.كما أن الإقبال على المونودراما راجع إلى الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عرفتها وتعرفها الدول العربية. وهذا ما جعل نهاد صليحة تتساءل :" أتكون دلالة الإقبال على المونودراما هي أن الإنسان العربي قد يئس من قدرته على السيطرة على قدره، والالتحام مع هيئاته ومؤسساته في صراع بناء، والإمساك بتلابيب التاريخ، فالتف بفرديته، وانزوى داخل ذاته يبحث عن خلاص فردي، بعد أن يئس من الخلاص الجماعي؟"[27]

بيد أن هناك تجارب فردية ارتبطت بالسكيتش أو المسرح الكوميدي الهزلي مع مجموعة من الأصوات العربية، مثل: نجيب الريحاني، وعزيز عيد، وعلي الكسار، ومحمد تيمور، وزكي طليمات، ويوسف وهبي، والشيخ حامد مرسي... الذين مارسوا هذا النوع من الفن منذ بداية حياتهم الفنية.

وإذا أخذنا على سبيل المثال سوريا، فلم يظهر المسرح الفردي إلا في سبعينيات القرن الماضي مع أسماء ثلاثة هي: سعد الله ونوس، والمخرج فواز الساجر، والفنان أسعد فضة في مسرحيته الفردية (يوميات مجنون) المأخوذة عن نص للكاتب الروسي غوغول بالعنوان نفسه، وقد قدم العرض خلال الدورة السابعة لمهرجان دمشق المسرحي عام 1977م.

ومن أهم المنودراميات العربية نستحضر: (بيت الجنون) للفلسطيني توفيق فياض، و(النقشة) للطيب الصديقي، و(الوجه والمرآة) و(ماجدولين) و(جنائزية الأعراس) و(رحلة العطش) و(عكاز الطريق) و(سرحان المنسي) و(برج النور) و(زكروم الأدب) لعبد الحق الزروالي، و(الناس والحجارة) لعبد الكريم برشيد، و(أوفيليا لم تمت) و(شريشتاموري) و(يوميات مجنون) و(بلوبالبوف) لنبيل لحلو، و(السباق) و(افتحوا النوافذ) و(الزغننة) لحوري الحسين، و(اندحار الأوثان) لمحمد قاوتي، و(بشار الخير) لمحمد الكغاط، و(حميدو) لشفيق السحيمي، و(صمت له كلامه) لعبد الرحمن بن زيدان، و(تارت) للمصري السيد محمد علي، و(الحصان) للمصري كرم النجار، و(يوم جديد) و(الإشاعة) و(من العطس ما قتل) و(ويوميات عصفور) للمصري أمين بكير، و(لحظة صدق) للمصري مجدي فرج، و(فنفان الصياد) للمصري رحمين ياسين، و(عديلة) للمصري نهاد جاد، و(بقبق الكسلان) للمصري ألفرد فرج، و(الأيدي البيضاء) و(نادي النفوس العارية) للمصري محمد الباجس، و(القيامة) و(الزبال) و(حال الدنيا) للسوري ممدوح عدوان، و(لقمة الزقوم) للسوري وليد إخلاصي، و(شيء يهبل) للتونسي رؤون بن يغلان، و(حبة رمان) لناحية الورغي، و(سراب) للتونسي محمد عفيف اللقاني، و(رسالة التربيع والتدوير) للتونسي عز الدين المدني، و(حكاية بلامعنى) و(ليلة دفن الممثلة جيم) للأردني جمال أبو حمدان، و(الشارع العام) للأردني عايد الماضي، و(غرفة بمليون دولار ) للسوداني النعمان حسن أحمد، و(ريش النعام) للسوداني خالد المبارك مصطفى، و(صفعة في المرآة) للسعودي عبد العزيز الصقبعي، و(بم) للإماراتي مؤيد شباني، و(الجاثوم) للبحريني يوسف الحمدان، و(النظارات) للبناني بول شاؤول، و(مجنون يتحدى القدر) للعراقي يوسف العاني، و(أصوات من نجوم بعيدة) للعراقي صباح عطوان، و(منقار من حديد) و(ماري) و(مذكرات ميم) و(لن أقلع أسنان أبي) للعراقي سعدون العبيدي، و(مرحبا أيتها الطمأنينة) و(ومضات من خلال موشور الذاكرة) و(انهزامية حزينة) و(مساء السلامة أيها الزنوج البيض) لجليل القيسي إلى جانب منودراميات عراقية أخرى لمحي الدين زنكنة، وقاسم محمد، وعواطف نعيم، وفلاح شاكر، وسعدي يونس، وإسماعيل أكبر محمد، وعلي حسين، وعلي عبد النبي الزيدي، ومحمود أبو العباس، ويعرب إبراهيم طلال، وعبد الله السراج، وناجي كاشي، وكاظم الحجاج، وبنيان صالح، وعبد الحسن ماهود، وضياء سالم، وعلي المطوع، ورياض كاظم، وكاظم النقدي، وعلي حداد، وخليفة، وكريم جمعة، وعباس الحربي، ورحمن عبد الحسين، ومحمد الجوراني، وخزعل الماجدي، وعبد الكريم السوداني، وحنين منع، وحسن موسى، وجبار صبري العطية، ومثنى صبري، ورحيم العراقي، وشوقي كريم، ومنال غازي...[28]

 

مهرجانات وملتقيات خاصة بالمونودراما:

ثمة مجموعة من المهرجانات المنودراميةالعالمية، مثل: المهرجان العالمي للمنودراما والبانتوميم ببلغراد بيوغوسلافيا، وقد انطلق في سنة 1973م، ومهرجان الحكي والمونودراما بفرنسا الذي انطلق مع الألفية الثالثة (2000م)، وينظمه مسرح مونو (Monnot)، وقد وصل إلى النسخة الخامس عشرة، وقد شارك فيه مجموعة من الحكواتيين، مثل: حليمة حمدان من المغرب، وكوراليا رودريجيز (Coralia Rodriguez) من كوبا، ونتالي لوبوشي (Nathalie Leboucher) من فرنسا، وحسن كوياتي(Hassane Kouyaté) من بوركينا فاصو، وجهاد درويش من لبنان.

وعلى الصعيد العربي،يمكن الحديث أيضا عن مجموعة من الملتقيات والمهرجانات الخاصة بالمنودراما، مثل: المهرجان الأول للمسرح الفردي بالرباط عام 1976م، والملتقى الأول للمسرح الفردي المنظم من قبل جمعية الفن السابع سنة 1977 بالرباط، والمهرجان الثاني للمسرح الفردي بفاس سنة 1983م. علاوة على مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما الذي انطلقت دورته الأولى سنة 2003م، ومهرجان الكويت للمونودراما، ومهرجان بيروت للحكايا والمونودراما، ومهرجان اللاذيقية للمونودراما، ومهرجان القاهرة لفنون المونودراما ... وأخيرا، مهرجان الناظور الدولي الأول للمونودراما سنة 2014م...

 

دراســـات حــــول المـــونـــودراما:

قليلة هي الكتب التي تناولت المونودراما أو المسرح الفردي بالتحليل والدرس على الصعيد العربي، وهي إما دراسات متخصصة في الموضوع من البداية حتى النهاية، مثل: دراستي الدكتور حسين علي هارف، وإما دراسات خصصت بعض فصولها للمسرح الفردي موضوعا وشكلا ووظيفة، مثل: دراسات نهاد صليحة، وجميل حمداوي، وتهامة الجندي، وأديب السلاوي، ولحسن قناني ... وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى كتاب (المسرح المغربي: البداية والامتداد)، لمحمد أديب السلاوي (1986م)[29]، وكتاب(المونودراما) للدكتور حسين علي هارف (1979م)[30]، وكتاب (التيارات المسرحية المعاصرة) لنهاد صليحة (1999م)، وكتاب (الاتجاهات الحديثة في المسرح السوري) للدكتور تهامة الجندي (2006م)، وكتاب (المسرح المغربي: جدلية التأسيس) لمحمد أديب السلاوي(2011م)[31]، وكتاب (فلسفة المونودراما وتأريخها) للدكتور حسين علي هارف (2012م)، وكتاب (المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي في المغرب) للحسن قناني (2012م)[32]، وكذلك الكتب التي ألفها جميل حمداوي، مثل: (أنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية)(2012م)[33]، وكتاب (الفضاء في المسرح المغاربي) (2014م)[34]، وكتاب (المسرح المغاربي والتراث) (2014م)[35] ...

أما في ما يتعلق بالمقالات الورقية والرقمية المتعلقة بالمونودراما أو المسرح الفردي، فهي كثيرة وعديدة ومتفرقة في الجرائد والمجلات هنا وهناك، يصعب جمعها وحصرها بشكل علمي دقيق؛ نظرا لضيق الحيز المخصص للمونودراما.

 

مواقف نقدية مختلفة من المونودراما:

ثمة مجموعة من المواقف المختلفة حول المونودراما. فهناك من يؤيد حركية هذا الفن، ويدرجه في خانة التجريب والتأصيل. وهناك من يرفض هذا الفن لفرديته، ومنولوجيته، وعزلة شخصيته المحورية؛ لأن المسرح فن جماعي بامتياز.ومن ثم، فالممثل الفرد عاجز عن إنجاز عرض مسرحي متكامل بمفرده من البداية حتى النهاية.

والآن، إليكم مجمل مواقف المؤيدين والمعارضين.

 

مواقف المؤيدين:

يعد الباحث العراقي حسين علي هارف من المدافعين عن فن المونودراما باعتبارها من أهم الاتجاهات الرئيسية في مسرحنا المعاصر، وقد قال:" إن للمونودراما بوصفها شكلا دراميا خاصا ومتميزا خصائص فنية وتقنية تجعل منها مشروعا يحمل في داخله عناصر النجاح أدبيا وفنيا أحيانا."[36]

ويرى فاضل ثامر معقبا على إحدى التجارب المونودرامية:" أنا أرى أن تجربة المونودراما ليست تجربة ملفقة وغريبة على الدراما، كما يخيل للبعض، فلقد كان العرض المسرحي منذ بداياته الأولى يكشف في داخله عن مشاهد مونودرامية متكاملة...

إن فن المونودراما فن يمتلك شرعيته داخل حقل الدراما الحديثة، وإنه ليس نبتة شيطانية طارئة يجب استئصالها."[37]

وعليه، فالمونودراما فن درامي جليل يستجمع كل الآليات والتقنيات المسرحية في يد الممثل الواحد. وبالتالي، فالمونودراما شكل صالح للحاضر والمستقبل معا، مادام يحمل رؤى فلسفية انتقادية ثرية، ويصيغها الممثل الفرد أو الممثل النجم ضمن منظوره الذاتي، من خلال الانتقال من حدث إلى آخر أو من مشهد إلى آخر، مع استغلال آلية التنويع، وآلية الالتفات، وآلية التقطيع، وآلية المونتاج، وآلية التهجين...لذا، لايمكن للفرجة المونودرامية أن تحقق لنفسها النجاح الجماهيري إلا إذا تحققت فيها الجودة الفنية والجمالية. وبالتالي، استطاعت أن تحقق، لدى الراصد، نوعا من الإشباع والارتواء الشعوري واللاشعوري، مستخدمة في ذلك كل الإمكانيات والوسائل التجريبية والتأصيلية لإفادة الراصد وإمتاعه.

 

مواقف المعارضين:

ترى الباحثة المصرية نهاد صليحة بأن المونودراما تعبير عن العزلة الفردية، إذ تضع الخلاص الفردي فوق الخلاص الجماعي. وبالتالي، تقترح حلولا فردية أنانية لايمكن أن يقبل بها المجتمع .كما يفتقد هذا الفن الجدلية الديناميكية والنقد الموضوعي البناء. وفي هذا الإطار، تقول الناقدة:" ولكن المونودراما كشكل فني اكتمل في أحضان النزعة الفردية، التي وصلت بها الحركة الرومانسية إلى مرحلة التقديس، تحمل في طياتها رسالة خفية تضع الخلاص الفردي فوق الخلاص الجماعي، وتنقل بؤرة التركيز من جدل الفرد والجماعة إلى النفس في انغلاقها على نفسها وجدلها العقيم مع ذاتها.

وحتى عندما تحاول المونودراما أن تطرح نوعا من النقد الاجتماعي الساخر عادة ما تصطدم هذه المحاولة بحدود الشكل المسرحي المونودرامي الذي يصل بالنقد إلى طريق مسدود- فهي حدود تعزل الفرد عن محيطه التاريخي، وتسجنه في دائرة الحلم واجترار الأحداث الماضية بدلا من التفاعل الحي عن طريق الفعل الحالي.لذلك، لاتطرح المونودراما كشكل فني إمكانية التغيير الاجتماعي، وأقصى إنجاز إيجابي يتحقق من خلالها هو تعرية البطل الفرد (الذي يصبح بحكم الشكل الذي يطرحه وحده على المسرح لمدة ساعة أو أكثر رمزا للإنسانية جمعاء)، دون أن تستشرف طريقا لرأب الصدع الذي تعريه.

والمونودراما بطبيعة شكلها تفتقر إلى العنصر النقدي في تناولها لمادتها مهما حاول المؤلف تأكيد هذا العنصر. إن إلحاح الممثل الواحد والمنظور الواحد على وجدان المتفرج طول فترة العرض يخلق نوعا من التعاطف تنتفي في إطاره إمكانية النقد، خاصة وأن المونودراما تتيح للممثل فرصة نادرة لشد الجمهور بقدراته الفذة بحيث تضيع الرسالة النقدية أو تبهت."[38]

ومن جهة أخرى، يرى لطفي فام بأن المسرح جماعي بامتياز، وليس فعلا فرديا. وفي هذا السياق، يقول الباحث:" إن المسرح أصلا فن جماعي، بل هو جماعي بصورة مزدوجة إن جاز هذا التعبير، جماعي بين الممثلين أنفسهم، ثم جماعي بين الممثلين والجمهور، فمن العسير أن نتخيل مسرحية يقوم بها ممثل واحد.وإن اتفق أن انفرد ممثل واحد بالجمهور، فإن ما يقوله أو يتحدث عنه هذا الممثل يوحي بأشخاص آخرين، ويشير إلى شخصيات متعددة"[39].

ويعلن المخرج حاتم السيد موقفه السلبي من المونودراما بأنها غير ديناميكية بقوله:" أنا ضد المونودراما، لأن المسرح حركة وحياة، وشكل المونودراما لايمكن دائما من تقديم حياة بكامل أبعادها وعرضها على المسرح"[40]

ويرى الناقد عواد علي بأن المونودراما نوع من السيكودراما التي تقوم على الاستبطان الداخلي والتحليل النفسي للشخصية:" إن عنصر الحكاية ملغى تماما، إذ ليس ثمة حدث درامي بالمفهوم الأرسطي، ولا حبكة ولا تعقيد ولا أزمة، وإنما كل ما تقوم عليه المسرحية هو : الشخصية والصراع الداخلي، والحوار، ولذلك فهي تقترب كثيرا إلى ما يسمى بالسيكودراما."[41]

ويرى لحسن قناني بأن المسرح لايمكن أن يكون فرديا، بل هو مسرح جماعي، حيث يحضر الآخر دائما في مخيلة الذات والأنا. بمعنى ألا وجود للذات في غياب الآخر. وفي هذا الصدد،يقول الباحث:" إذاً، لاوجود لمسرح فردي، بل سيظل المسرح جماعيا، لأنه حتى في المونودراما وحيث يتم الاعتماد على قدرات الممثل الواحد، فإن هذا الممثل لايعيش الحدث كظاهرة تأمل.أي: لايعيشه معتكفا على ذاته في أقصى درجات العزلة عن الآخرين، سواء كفواعل(Actants) حاضرين أو غائبين في النسق الدرامي للحكاية التي يسردها، أو كمتلقين لهذا النسق داخل القاعة، وذلك على اعتبار أنه في مجال التأمل، وكما يذهب إلى ذلك سارتر" لايستطيع المرء أن يجد سوى الشعور الذي هو كحضور عيني مباشر، فإنه موجود في شعورنا، فهو الذي يجعلنا نعيش الحدث وننميه، وذلك باستحضار هذا الآخر فنحدثه أو نشخصه، أو نتقمص شخصه، أو نحتج عليه أو نوافقه، أو نضحك معه أو نضحك عليه، أو نبكي له أو نبكي عليه...وفي كل هذه الحالات لايمكن للحدث الدرامي أن يترك لهذا الآخر فرصة التماهي بشعورنا، بل إنه يخرجه من قعر الشعور ليلقى به على سطح الركح، فيصبح معنا، ذاتا أخرى لها الحضور الفعلي المباشر، تعيش معنا الصراع اللازم لتنامي الحدث.وحتى إذا عرض لهذا الممثل أن يعوض الذوات الإنسانية بالأشياء الجامدة فيتوجه لها بالكلام، فإن هذه الأشياء تكون حينئذ قد اكتست بالنسبة لهذا الممثل شكلا جديدا لــ" أنا" قائم مقام الإنسان، لأن الشيء يكون قد شخص ليصير آخر وطرفا محببا في الحوار وفاعلا في الصراع، إنها النزعة الإحيائية إذاً (Animisme)، وقد صارت قابلة للتجسيد العملي على الخشبة."[42]

وهكذا، يتبين لنا بأن المسرح، في عمومه وجوهره، لايمكن إلا أن يكون فعلا جماعيا قائما على التواصل والمشاركة الجماعية الحية. وبالتالي، فالممثل الفرد عاجز عن إنجاز الفرجة الدرامية الشاملة بمفرده.

 

الخاتمــــة:

تلكم - إذاَ- نظرة مقتضبة حول مفهوم المونودراما، ونشأتها التاريخية في الغرب والشرق، وعوامل ظهورها، وأهم خصائصها الفنية والجمالية والفكرية. وتلكم أيضا أهم الدراسات النقدية التي تناولت المونودراما بالتحليل والدرس والتقويم ورقيا ورقميا. وتلكم كذلك أهم المواقف النقدية السلبية والإيجابية التي انصبت حول المونودراما إما بالرفض وإما بالتشجيع.

.....................

[1] - نقلا عن د.حسين علي هارف: فلسفة المونودراما وتأريخها، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:24-25.

[2]- Hartnoll,Phllis,Sd: The Oxford Companion to the theatre ,Oxford University press,London,1957.

[3] - د.حسين علي هارف: فلسفة المونودراما وتأريخها، ص:30.

[4] - د.نهاد صليحة: التيارات المسرحية المعاصرة، هلا للنشر والتوزيع القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:144-145.

[5] - د.تهامة الجندي: الاتجاهات الحديثة في المسرح السوري (1995-2005م)، نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:111.

[6] - حسين علي الهارف: نفسه، ص:105.

[7] - د.نهاد صليحة: التيارات المسرحية المعاصرة، ص:150.

[8] - حسين علي هارف: نفسه، ص:217-218.

[9] - د.علي هارف: نفسه، ص:33.

[10] - د.علي هارف: نفسه، ص:34.

[11] - A regarder: De la littérature classique ancienne, De Ficker,Traduit de l’allemand par M. Theil, Hachette, Paris, France, première partie, 1937, p : 93-94.

[12] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 145.

[13] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 145-146.

[14] - شلدون تشيني: تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة، الجزء الأول، ترجمة: دريني خشبة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1963م، ص:139.

[15] - د.حسين علي هارف: نفسه، ص:37.

[16] - د.حسين علي هارف: نفسه، ص:37-38.

[17] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 146.

[18] - د.نهاد صليحة:نفسه، ص: 145.

[19] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 147.

[20] - في الأعوام 1775-1780م.

[21] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 147.

[22] - الميلودراما صراع مسرحي بين الخير المطلق والشر المطلق.

[23] - يستخدم تيار الوعي المنولوج والهذيان والفلاش باك.

[24] - بدرو بلوخ كاتب مسرحي برازيلي من أصل روسي ولد سنة 1914م، هاجر روسيا إلى البرازيل لتدريس الموسيقا في إحدى الجامعات البرازيلية.

[25] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 149.

[26]- د.نهاد صليحة: نفسه، ص:149.

[27] - نهاد صليحة: نفسه، ص:153.

[28] - راجع: د.حسين علي هارف: نفسه، صص:346-355.

[29] - محمد أديب السلاوي:المسرح المغربي: البداية والامتداد، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[30] - د.هارف حسين علي: المونودراما، دار الحرية، بغداد، العراق، الطبعة الأولى سنة 1997م.

[31] - محمد أديب السلاوي: المسرح المغربي جدلية التأسيس، دار مرسم/ الرباط، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[32]- لحسن قناني: المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي في المغرب، سلسلة الكوميديا الصادمة، مطبعة الجسور، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

[33] - د.جميل حمداوي: أنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية، مطبعة الجسور، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

[34] - د.جميل حمداوي: الفضاء في المسرح المغاربي، منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2014م.

[35] - د.جميل حمداوي: المسرح المغاربي والتراث، منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2014م.

[36]علي هارف: نفسه، ص:18.

[37] - نقلا عن حسين علي هارف: نفسه، ص:99-100.

[38]- د.نهاد صليحة: نفسه، ص:150-151.

[39]- لطفي فام: المسرح الفرنسي المعاصر، الدار القومية للطباعة والنشر، د.م، 1964م، ص:77.

[40]- خيرة الشيباني: (الموندراما (كذا) حالة مسرحية متكاملة)، مجلة الرافد، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، العدد الرابع، شتاء1985م، ص:75.

[41]- عواد علي: (المونودراما في المسرح العراقي)، القسم الثاني، جريدة القادسية، بغداد،بتاريخ20/12/1986م، ص:4.

[42]- لحسن قناني: المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي في المغرب، ص:217-218.

سعد جاسم يُضئُ ذاكرة وطن .. قراءة نقدية في قصيدة "عراقُ الروح ...عراقُ الله"

nema alsodaniهكذا يؤثث الشاعرالمكلوم النص وفضاءاته بصور شعرية تتكيء على ألالم والمعاناة منذ العتبة الاولى التي تؤشر لنا العنوان

(عراق الروح ..عراق الله) متداخلاً في جدلية الصورة واللغة الشعرية

سعد جاسم من الشعراء الذين ينتمون الى عالم المسرح !

حينما قرأت هذا النص توقفت عند عتباته المهمة من حيث التشكيل في الصورة والسينوغرافيا والالوان واللغة والمشاعر من جهة،، والابداع والتألق والانطلاق في عالم كتابة الشعر وهو المتخصص ايضا في هذا المجال من جهة اخرى !!

شاعر يحمل الشعور الفادح بالالم والقهر على اقل تقدير في هذه الملحمة (عراق الروح .. عراق الله) بسبب انهيار مايراه امامه من تساقط في اوراق الحياة كمؤشرعتاب الى الله اكتوى به هو والوطن، وما افرزته الاوضاع من مأساة !

نص يرسم للواقع لوحات برؤى احلام واقعية وخيال مبدع مبتكر للتصوير،حيث بين الواقع والسريالية مرارة كانها قهوة العراقيين كما ذكر لي احد الادباء العراقيين هذا المصطلح الرائد .

شاعر يتبع منحنى مختلفاً خاصا به وبتجربته الشعرية، فهو حينا يضع حروفه ليسجل مشاعرَ فوق ورقة بيضاء كما هو يصف القميص، كانها قطرات دم قلب قد نزف، وهو لم يبالغ في تحميل الصورة ابدا .. فهو المشوق والمحب للوطن وهو العاشق الابدي له:

 

كلَّما أتذكّرُكَ

يرتبكُ دمي

وأصابعي تُصابُ بالإرتجافِ والذهولِ

وتَغصُّ حنجرتي بالحشرجةِ

أو بالسكوتِ المُر

وتسقطُ من قلبي

دمعةُ دمٍ

تُبَقّعُ وجهَ قميصي

فيتجعّدُ من فرطِ التذكّرِ

والأسى والحنين

 

يتكأ على ذاكرة لها ابعاد ماضوية يسود فيها الجمال والحب والسلام والوئام والمحبة، ذاكرة تحمل اشراقات الجمال والوعي واللغة وبنائها، والتعبير، بينما المرايا اليوم تعكس له لغة جديدة لم يسمعها من قبل، لم يألفها، فراح يحاكي الوطن بكل التفاصيل اليومية : وجع الوطن كبير جداً :

 

وكُلّما أحتاجُكَ

يضئُ وجهُكَ

في مرايا ذاكرتي

وروائحُ خبزِكَ

وطلعِكَ

وبنفسجِكَ

وقيمرِكَ

ورازقيِّكَ

وعنبرِكَ

وطينكَ الحنون ..

لغة الشاعر سعد جاسم تتميز بالدلالات المتغيرة (غير ثابته) لوصف الصورة التي تتشابك في ذهنه وخياله، وتعصف لنا صورا شعرية متحركة ..لان الصورة الشعرية و بحجم الشاعرية التي تحملها تكون جوهراً للشعر، كما هي روح القصيدة التي تمتد من اول عتبة الى اخرعتبة لتثبت للقارئ الصلة بين الواقع والتأثير المهم جداً، لذلك تأتي الصور قوية ! كل مفردة لها خصوصية في حواس القارئ وشعوره،لأن فن الصورة مرتبط بمفهوم الفن لدى الشاعر والفنان سعد جاسم !

والناقد بطبيعة الحال يبحث عن الجمالي في الصورة وعن التجربة الفنية والحالة النفسية للشاعر --الفنان الذي يجمع كل الاشياء في

(غروتسك) فني يحمل الجمال والقبح في ان واحد !

دائماً تفوحُ

من مساماتِ روحي

ومن جِلْدي الترابيِّ البسيط

وكُلّما اختنقتُ إشتياقاً إليكَ

وضاقَ بيَ الهواءُ

وأشتعلَ حنيني

وايضا يبحث الناقد في مستويات الشاعر المتميز من حيث كيفية تجددالصورة ونشاتها في فكره وخياله وعكسها للقاريء لان الحواس وحدها غير كافية بتوصيل ما نصبو اليه، بالاضافة الى بحثه عن الانزياح اللغوي وتحديث اللغة عند الشاعر، وبين الذاتية والموضوعية نتوقف كثيرا، لأن حجم الشاعرية والانزياح اللغوي، وتشكيل الصورة الجديدة، وسعة الخيال والمخيلة وسائل نكتشف بها معايير مهمة لجمالية الصورة الشعرية عند اي شاعر، وهي بصراحة مفاتيح للناقد مهمة لتفكيك اي نص شعري، حتى نصل الى جوهر النص وجمالياته الفنية !

الشاعر سعد جاسم لم يات بالصدفة ابدا انما هو ثمار تجارب عديدة حاولت ان تمزقه لكنه كان قوياً من الداخل، حيث يمتلك الذائقة الشعرية ليبوح يتكلم يصرخ، له الشغف الكبير والمعرفة في حب الوطن، لذلك جعل اهتمامه في الشعر في قلب اهتماماته ! وجعله صوته المنحدر من اي مكان يسكنه صوب الوطن .. وليس صدى .

الصوت والكلمة والطاقة التي يمتلكها الشاعر ضمان كبير في تركيبة الصورة وانعكاسا لحياته، وبنفس الوقت انعكاس لمفهوم المكان -الوطن - لان الزمان ماعاد يشكل شيئاً الآن .. فالذاكرة تعتمد المكان اولا ًثم تخوض في الازمنة لاحقاً لتثبت من قبل الاسماء كدلالات معروفة للقاصي والداني، ومن اهتم بشأن الادب والتاريخ . وهذا التقابل الفني بين واقع الشعر المعيش وبين ركام التاريخ يؤسس لوعي ولاحساس الشاعر في فكره ووجدانه بحب الوطن ومتابعة معاناة الناس . كما هنا في صرخته التي تبحث عن الحرية كموقف مشرف له في غربته المؤلمة :

أصيحُ:

حيثُ لامدى يتّسعُ لصيحتي ولوعتي

وجنوني فيكَ وعليكْ

عراق:

ع : عينٌ تتوهجُ فيها صورتُك القديمة

وأنتَ أخضرٌ ومعافى ورهيف

ر- روحٌ تتلالأُ بضوءِ مسلّاتِ الحكمةِ

ورقيماتِ الحرفِ الأولِ

وفتنةِ الجنائنِ الأرضيةِ وملاحمِ البسالاتِ

وإنوثةِ عشتاراتِ الخصبِ والحبِّ والمسرّاتِ

وأنوارِ حكمائِكَ وفرسانِكَ وشعرائِكَ وفنانيكَ ومُحاربيكَ ورواتِكَ

وقُضاتِكَ ومزارعيكَ ومعلميكَ النبلاء.

ا : آه منكَ وعليكَ .. ماأبهاكَ وأغلاكَ

وماأقساكَ أيها الملعونُ الجميل ..

ق: قلقي عليكَ وقلبي معكَ

حتى وأنتَ تطردُني وتقتلُني

وترميني الى الغامضِ والمجهول

لكنني وبلهفةِ المعشوقِ

أبقى عاشِقُكَ

ودمي رهانُكَ وقربانُكَ

ونهرُ خلاصِكَ الابدي ..

نص شعري تتدفق منه مشاعر خليطة من قوتين اساسيتين هما الفكر الانساني الذي يحمله الشاعر ونبضات قلب حساس رهيف شفاف، يشكلان قوة نابضة في دعائم النص، وهما في نفس الوقت الجسر الذي يعبر به الشاعر الى الانسان القاريء وبالتالي يضيف تفاعلاً عضوياً في المجتمع، وبالمحصلة يتحول النص الى ثمرة جميلة فيها من التكامل الروحي والانساني .. وتسكن في مخيلة القاري ويتدفأ بها وباحضانها ! كعاشقة، كحبيبة ! كمعشوقة،، كمعشوق ! فالنص يسري على المذكر والمؤنث بنفس التوجهات، لان الجميع يعيش داخل الاسوار:

ياأنتَ ياأغنيتي الأسيانة

وبيتَ أمي وأبي الحزين

وحبيبتي الأولى

وإخوتي وأخواتيَ الخجولاتِ

وأصدقائي الحائرين

الضائعين النازفين لأنَّكَ معضلتُهم وجوهرُ الأسبابِ

وإلتباساتُ ومآربُ البرابرةِ واللصوصِ

والخونةِ والعاهراتِ وحكّامِ الغفلةِ

والطوائفِ والكراهيةِ والقسوةِ السوداء

يااه ياأنتَ ياقبرنا الأخير

يااه ياأنتَ يافردوسنا الوحيد

يااه ياعراق ..

شاعر بالرغم من مرارة الغربة والابتعاد عن الوطن الا انه مازال مرتبط في التعبير عن الالتزام بقضايا الوطن والفكر، مواكبا للتطورات التي حدثت في السنين الاخيرة بما رافقها من ماساة كبيرة كان لايرجوها ابدا .. الا انه وحسبه كان يكتشف في مفرداته غايات تجول في خطابه وطاقته التعبيريةعن حبه في جوانياته وبرانياته . يحمل هم الوطن انى رحل وانى حل . ولهذه الخاصية مرارة لايلعقها الا من رضع حب الوطن من ثدي امه عند غربته التي تمثل الموت والفقدان لانه تربى داخل تقاليد شعرية اسس لها في وطنه وامتدت مع جسور الغربة. وفي كل المناسبات يسأل عن الوطن الذبيح ! كما هنا في هذه الصور:

أصيحُ فيكَ وأُناديكَ

وأنا أحتضرُ

أو أحلمُ

أو أعشقُ

أو أثملُ

أو أغني مجروحاً

أو مجنوناً ونشواناً

فيضجُّ العالمُ كلُّهُ

بالعطرِ والهديلِ

والغناءِ الحرِّ

وأدعيةِ الامهاتِ

الصابراتِ

النازفاتِ

النائحاتِ

الحالماتِ

الصائحاتِ فيكَ وعليكَ

ياعراق ..

فهلْ أنتَ حيٌّ

وحقيقيٌّ

وكريمٌ

ونبيلٌ

وطيّبٌ

كما نريدُك ونحتاجُكَ ونحبُّكَ؟

 

وانا هنا بصراحة لا اتساهل في مسؤولية الكتابة النقدية من حيث المحاباة في الاصدقاء، كوني ولسبب بسيط لااعرف الشاعر --الفنان المسرحي سعد جاسم عن قرب ابدا .. انما اعرفه عن بعد لمتابعتي اعماله الشعرية وما يكتب بالفن والادب وهذا من تخصصي انا ! وقد استحوذ علي هذا النص لان اسجل له ما يستحق من حق واستحقاق وكنشاط ابداعي له ولتجربته الشعرية وفي اصداراته المتعددة وهو ابن العراق ابن الشعر وابن السرد والحكايا ومكامن الوعي الجمالي في العلاقة بين السحر في اللغة والشعر وما بينهما من انتاج للوعي المتجدد في فضاء وروح سعد جاسم !

وآهْ

-ياعراقي

ياعراقَهم

ياعراقَ الخليقةِ

ياعراقَ اللهْ

 

2014-6-11

نعمة السوداني

شاعر وناقد عراقي- هولندا

الفن بين محاكاة الواقع ومحاكاة الذات

بعيدا عن تعريفات الفن المختلفة والاراء الفلسفية في تحديد مفهوم الجمال سواء عبر النظريات الحسية والعقلية والحدسية التي كانت ولا تزال مناهج وافكار فلسفية متناقضة في تحديد ما هية الجمال وقيمتة الفنية والمعيار الذي يعتمدة الناقد في التفسير والتحليل وصولا الى قيمتة ومدى تاثيراها على المتلقي بعد الغوص في داخل الفنان المنتج او الخالق للعمل الفني سواء كان العمل الفني مرئي او سمعي او بصري وان الخوض في دواخل المبدع لغرض اكتشافها وتحديد قيمتها تعتمد اولا واخبرا على قدرة الفنان على المحاكاة سواء كانت تلك المحاكاة واقعية ام فنتازية او واقعية فنتازية عبر التجريد المكاني والزماني والاشكال والهيئات ووووووووالخ وهي كلا الحالات المختلفة يكون الفنان اما مسيرا او مخبرا حسب الوجهات النظر الفلسفية والجمالية فاطلاطون مثلا بؤكد على ان الفنان مسير ولبس مخبرا وان ربات الفنون هي التي تنتقي وتختار الفنان اولا والابداع ثانيا ولهذا بصبح الفنان اسيرا لربات الفنون الى تمنحة جرعات ابداعية بغض النظر عن الزمان والمكان الذي بتواجد به المبدع والذي يصفة بالفيلسوف بل وضيف ايضا ان محاكاة الواقع للفنان لا ينتمى الى اصول الفن لانك نوع من انواع التقليد للواقع وان هذا التقليد يظر كثيرا بالبناء التربوي والاخلاقي والجمالي لمفهوم الفن واهدافة السامية لذالك ابعد الفنان المقلد عن جمهوريتة لانه فنان مخادع بينما من الجانب الاخر ارسطو الذي بؤكد على الفنان في محاكاتة للواقع والا لم بكن فنان مبدع انطلاقا من ان الفنان جزء من الواقع يؤثر وبتاثر به وبهذا يكون الفنان وحسب ارسطو مخيرا وليس مسيرا كما عند افلاطون وان هذا الاختيار يعتمد اولا واخيرا على قدرة الفنان في محاكاة الوافع وترجمتة عبر صور متنوعة وصولا الى نفس الاهداف التي ارادها افلاطون في خلق مجتمع متطور بتطور قدراتة الحسية والعقلية وهي نفس الاهداف التي تناشدها كل الاديان السماوية وغير السماوية تحت شعار تطهير الذات البشرية والارتقاء بها حسيا وروحيا وجماليا وفكريا اي الارتقاء بالروح الانسانية اي تلك الروح التي لها اشكال والوان مختلفة كالراضية والمرضية والوامة ووووووووووووووالخ اذ ان الفنان هنا هو شئ مقدس او رمز من رموزالتقديس والتي عبر عنها شوبنهور بان الفن هو تحرير المعرفة من الارادة التي تخضعة لمقوماتها والسمو بالعقل الى مرتبة التامل اللارادي ويضيف ايضا بان الفن بمكنة ان يسمو بالقبم الجمالية عند الانسان الى اعلى مستوى من الرقي والتطور- الا ان السؤال الذي تبقى اجابتة مبهمة وغبر دقيقة وهو كبف يتولد هذا الصراع سواء كان ما بين الفنان والوافع او الفنان مع ذاتة وهل هو صراع شكلي في مظاهرة الخارجية ام صراع داخلي واين تكمن ارادة الفنان ما بين ارادة الانسان وارادة الوجود اي ما بين البقاء والفناء خاصة وان الانسان بقاءة محدود وزائل وان الوجود باقي ويرتبط مع الدهر

وحتى لا نخوض في امور فلسفية قد نختلف او نتفق مع تفسيراتها وتحلبلاتها المختلفة دعونا نركز على ذات الفنان وصراعة الداخلي الذي يمثل المحكاة الحقبقة للواقع والتي قد لا نجد لها تفسيرا منطقيا لانها تدخل في صراع ما بين الشعور والاحساس والعقل والفكر والذي يتمخض من خلالة نتاج ابداعي وسبق لعلماء النفس من تفسيرة وتحليلة عبر اراء عديدة ومتنوعة قد نتفق معها او نختلف الا انها تبقى دراسات علمية وتجريبية عن مفهوم الشعور واللاشعور او الطاقة الكامنة كما يحددها فرويد مثلا عند دراستة وتحليل اعمال دافنشى ولوحة المونوليزا اي ان فرويد قد درس الذات الداخلية لدافنشي والتي انتجت لوحة المونوليزا وليس العكس اي الغوص في اعماق الفنان وكشف بواطنها ولمراضها وصراعاتها والتي كانت عبارة عن صرخة من الصراع الداخلي تجسدت عبر لوحة المونوليزا والتي شغلت كل النقاد والمحللين عن المعاني والدلالات التي تحملها اللوحة حتى اصبحت لغزا فنيا ليس في شكلها الفني بقدر ما تحملة من معاني عن الصراع الداخلي عند دافنشي وبهذا نتفق مع راى شوبنهور عندما يقول - بان اعلى مراتب الجمال هو الجمال الانساني وان الفنان قد منحنا عيناة كي نرى بها الواقع ونتاملة لغرض المعرفة الفلسفية وجينها لا نكون على وعي بانفسنا كافراد بل ذوات عارفة

 

د طارق المالكي

النصوص المتمرد على مبدعيها .. صفعة النص الروائي "عندما يبكى الرجال" لـ"وفاء مليح"

mohamad talatبداية وقبل المضي في أي تحليل نريد أن نسجل أن ثمة نصوص قد تفلت من سلطة مؤلفها لتكتب نفسها بنفسها، والنص الروائي "عندما يبكي الرجال"، للمبدعة المغربية "وفاء مليح" يعد نموذجا صارخا لهذا. وهو تجسيدا لمعنى انتصار النص لنفسه الذي خرج عن نطاق استبدادية مجتمعه وسلطة مبدعه.

لم نكن مبالغين إن قلنا مطمئين أن النص يكرس مفهومية أنوثة الوطن والتسيد عليه من قبل الشخصيتين الرئيستين. فنظرة "أحمد" للوطن نظرة قضيبية مخترقة وهي بالأساس نظرة جنسية قحة وفقا لفكر الرجل العربي المحصور في رغبة الأمتلاك، كيف؟ هى نظرة شهوانية في الإحساس بالمداومة بحالة الوصل ولفت النظر الفعال للشخصية التى تمارس فعل الأنا. فعل التسيد في مفردات الحياة، ولعل الوطن والأنوثة هما أهم هذه الأفعال عند الرجل العربي(الذي تعكسه شخصية أحمد) فهو يسعى دائما إلى حالة التملك. تملك مساحة ما أو نفوذا ما في الوطن، وتملك نساء وجواري وغلمان. هو نفس الإحساس من الزهو حين يصفق له الجمهور حين يعجب بمقاله له فى حب الوطن يعادله نفس الزهو حين تصيح رفيقته فى الفراش بالامتاع حين يعتليها. هذه التناقضية في الربط بين الأنثى والوطن والتحقق فيهما تكمن أزمة أحمد.

أما عالم "فاتن" فقد تلخصه نظرتها بأحساسها الأنثوي لمعنى الوطن. أي أن نظرة "فاتن" نظرة فرجية احتوائية مهما طاف عليه أو اخترقه اللصوص أو الشرفاء فهو الأرض الخصبة التى قد تصاب بعله ما بسبب اختراق فج من فلاح لايحسن تسيس هذا الفرج لزراعة كل خير فيه ومنه. ومع ذلك تقاوم فرجية(الأنوثة/ الوطن) لتخرج من هذه المعصرة متكيفة متعايشه مع واقعها على أمل فلاح أخر قد يأتي متحققا مع ذاته أولا، متخليا عن نظرته الاختراقية الامتلاكية مهذبا إياه بنظرة احتوائية ثانيا. وهذا محال بطبيعة الحال لذا تستمر القضية والنزاع والعجز. مفهومية أنوثة الوطن والتسيد عليه أيضا.

إن اكتمال النص كان يتوفر لو لم يتم اقتحام سردية الوطن وجعلها المحرك الذي بدا رئيسيا للأحداث التى أدت إلى عجز أحمد وانتحاره. كان يمكن رد سبب العحز الجنسي لأي سبب نفسي أو جسدي أخر لتتجلى قيمة الفن والابتكار ليتحقق السبق لـ" عندما يبكي الرجال" كأول لوحة عربية مغربية ترصد سردية الجنس كمفهوم مغاير اقترب من مصاف روائع الإنتاج الإبداعي الإنساني العالمي ذو القيمة، ولكنه اقتراب ضئيل خجول.

تلك الأزمة التى ابتعدت لحد ما عن تيمتها الجنسية لتقع في غواية التقليد الشائع لدى المبدعين العرب في اقحام المسألة الوطنية لتضغى على الهم الجنسي، بل يذهب منتج النص، لأبعد من ذلك في انعاكسية اخفاقات الوطن وعجزه على الصحة الجنسية لدى شخوص النص. لكن على أية حال جاء النص بمشاهد إنسانية مختلفة ومغايرة لحد ما، ويمكن القول بأنها سبق في الوصف والتحليل لحالة الجنس في المجتمع العربي والمغربي خاصة.

شأن أخر في مسألة هذا النص دون غيره لما فيه من قوة عصية. قد فلتت من استبدادية منتجته (الكاتبة) التي خلطت بين الجنس وأشياء أخرى جاءت ضرورية من وجهة نظر الكاتبة. لكن عند التوغل في النص يتضح عكس ذلك. حيث ينكشف إنها أشياء مقحمة، لأنها لم تصمد أمام قوة الهم الجنسي الذي كان صاحب الكلمة العليا. التى تلاشت أمامها استبدادية السلطتين( سلطة الكاتبة وسلطة المجتمع).

وعلى الرغم من هذا وذلك ، فثمة ملامح مقلقة تجسد"الهم الجنسي" وصراعاته الداخلية تشكل بمشهدية العالم الجنسي المثالي الذي يبدأ من العالم الأرضى ليعرج إلى عالم أخر يسري باحساس المرأة المتوحدة مع ذكرها في توافقية جنسية مشتاه تحلم بها كل أنثي.. وكما هو واضح من المشهد السردى ثمة علاقة ليست حميمية فقط بل علاقة اتحاد وتوحد الأنا بالمفهوم الصوفي لمعنى النشوة والسكر من خمر رضاب المحبوب. وهذا أمر مربك، فكيف يصاب(الذكر/ أحمد) الماهر في درايته بفنون الأنوثة بهذا الاكتئاب والعجز؟ وكيف تصاب(الأنثى/ فاتن) بحالة الأكتئاب والعزلة والبرودة فى تلقي خبر موت الرجل الذي اذاقها جنسا مغايرا لم تتذوقه من قبل؟ هذا ليس له جوابا غير أنه تم اقحام قصص وتفرعيات وتفسيرات وتبريرات لأوهام وطنية على مساحة سردية العحز الجنسي. صعب أن تكون فرضية حقيقة على أرض الواقع. وما يؤكد ذلك ما فضحه النص السردي الذي قدم (الذكر/أحمد) شخصية لها حضورها وسط المعارف والأصدقاء وتلاميذه، فضلا عن كونه سياسي وكاتب له جمهوره من القراء الذين يعرفونه كما رأينا في مشهد قسم الشرطة حين تعرف عليه الضباط من اسمه. كما أنه كان متحققا في علاقاته الجنسية وخاصة في علاقته مع ( الأنثى/ فاتن) فسردية العجز الجنسي وردها على الهم الوطني تبدو غير معقولة ومجحفة في حق الجنسانية الطبيعية بين قطبي الحياة وهذا عكس بدوره أزمة النص السردي في الرواية العربية وتشتته بين القضايا الإنسانية بصفة عامة والجنسانية بصفة خاصة وبين الوطن

فقد اجتهدت وفاء مليح في فرض ديكتاتورية باردة على مشاعر أناث نصها ومسخ ذكورها في قضايا مفتعلة باسم الوطنية بين المجهد بحبها وبين اليأس ببطالتها. وهى تعكس هنا صورة استبدادية المبدع الذي يمارس فرض اخلاقياته وأفكاره على شخوصه المتخلية التى جاءت صدى لما يجوب في اضطرابات المبدع نفسه وموقفه بين الجنس والوطن.

ومن هنا يجب أن يعي المبدع العربي خطورة ما يتناوله من قضايا مصيرية وشائكة في حياة الإنسانية وأن يعطي في مساحته السردية حرية حق التعبير والاختيار لشخصياته المتخيلة لتعبر عما يشغلها من قضايا الهم الجنسي أو قضايا الوطن مع وضوح الرؤية بينهما عند المبدع ذاته في المقام الأول.

النص الأدبي ليس غرا ولا طفلا مهذبا بل هو إنسان متمرد على الكون وعلى مصيرية الخالق فهو صاحب أول قرار متمرد في الكون والتكوين البشري. ومن هنا يجب أن نترك له مساحة من الحرية تمارسها شخوصه دون اقحام سلطتنا المجتمعية أو الإبداعية عليهم. الإبداع ليس عملية ترفهية لسد الفراغ والتسلية أو حشو أوراق والزج بها إلى المطابع لينشرها ناشر جهول بغية التربح. فالنص المتمرد باق وخالد فاكتبوا نصوصا متمردة ستربحون أكثر وما أكثر الربح مع الخلود الأبدي.

 

قراءة انطباعيّة في رواية (أعشقُني*) للدكتورة سناء الشعلان

sanaa alshalanإنّها رؤية جديدة،وتعريف جديد لمفهوم "الاغتراب" وصياغته في أطر وأبعاد لم نألفها من قبل، تلك هي رواية (أعشقُني)،كما فعلت الرّوائية سناء الشعلان في تقسيم عالم الرّواية على خمسة أبعاد،فإنّني وجدت أكثر من بعد لمفهوم الاغتراب على طول الخط البياني للرّواية. ويمكنني أن أقف عند أهمها كما يلي:

الاغتراب الزّماني؛ وتخبرنا الرواية منذ بدايتها بزمن من تقويمنا الميلادي،ولكن من المستقبل وهو العام 3010، أي أنّنا نتابع أحداثاً تتقدمنا بألف عام مما نعدّ،أحداثاً تذكرنا لحظة بلحظة بأفلام الخيال العلميّ ومغامرات إنسان المستقبل وتحدياته.الغريب في الأمر أنّه على الرّغم من براعة الروائية في صناعة الأحداث الغريبة،لكن القارئ لا يمكنه فصل أبطالها عن المحيط الواقعي الذي يعيشه، ففي النّهاية نجد باسل المهري و شمس و خالد وغيرهم ليسوا سوى أناس من عالمنا البشري حيث نشاركهم الأحاسيس و المشاعر و الآلام و المسرات.إنّ الاغتراب الزّماني حقيقة نعيشها مع مرور الأيام و السنين،لكن زمن الرّواية وكأنها خلقت لكي تبعد عن أذهاننا أحداثاً اقرب إلى الخيال تخبر عن تطورات علمية وتقنية مذهلة مثل الانتقال بسرعة الضّوء أو التحّكم بأجساد البشر وأعضائهم.

الاغتراب المكاني؛ رغم أنّ مسرح الأحداث الرئيسيّة هو الأرض التي نعيش عليها ،لكنها ليست بالشكل والمعالم الحالية؛إذ إنّ نتيجة لحروب كونية مهلكة فقد تغيرت معالمها بشكل جوهري إلى حد أنّ النباتات وأصناف كثيرة من أشكال الحياة قد أصبحت جزءاً من الماضي البعيد،و لم يُحتفظ إلاّ بنماذج منها في محميات أو في نماذج مصطنعة. لذا نجد حتى اسم "الورد" قد أصبح غير مفهومٍ إلاّ لدى من توارثوه من بعد أجيال أو عند من يُعدّون من العوائل المتحفظة المتمسكة بتقاليدها منذ الآلاف السنين و ليس من العجب أن يكون خالد و شمس و باسل من ذلك الصنف من البشر. إنّ المساحة المكانيّة في الرّواية تمتدّ عبر المجرة كما أنّ السّلطة السياسية متمثلة بحكومة المجرة هي التي تحدّد علاقة المواطن بالمكان وتنقلاته. وتقوم الرّوائية وببراعة بنقل القارئ عبر فضاءات المكان ولاسيما بين الأرض والقمر حيث تقع أحداث الرّواية مما يجسّد حالة الاغتراب المكاني الذي يعيشه الإنسان.

الاغتراب الوجودي؛ إنّ الحدث الرئيس في الرّواية والمتمثل بالعملية الجراحية الإعجازيّة أو التّجربة العلميّة التي أُجريت على باسل في نقل دماغه إلى جسد شمس المتوفية وما ترافقها وتتبعها من تداعيات نفسية وروحية يمثل الاغتراب الوجودي في أوج تساؤلاته عندما لا تغيب هوية الفرد فقط بل حتى تحديد جنسه، وذلك ما يحدث لبطل الرّواية عندما يجد نفسه المذكر في قالب امرأة لا يعرف عنها إلاّ القليل ومن ثم يبدأ رحلة للتعارف الشاق بكلّ مطارحاتها ومشقاتها. شيء لا يمكن حدوثه ضمن المعقول، ولكن لا يُنكر تصوره في المستقبل البعيد لو استمر التطور العلميّ على هذا المنوال. السؤال الوجودي يبدأ من الفصل الأول عندما ينظر باسل المهري وهو مستلقٍ على سريره إلى جسد مسجى لأنثى فارقت الحياة وهو يبحث عن الاستمرار في الحياة من خلال القبول بخوض أخطر مغامرة بما تبقى من جسده الذي قد تغيرت كلّ ملامح وجوده المادي. الشكل الآخر من الاغتراب الوجودي يكمن في السّؤال عن الإيمان في عالم يحكمه الإلحاد.

هذا الإيمان الذي يتجلّى في ظهور دين جديد على يد نبية غائبة. دين ركيزته الإيمان بالحب بعداً خامساً وبتقديس الشّهوة والالتحام الجسدي والرّوحي بين المحبين كآخر المآل.       في رأيي إنّ الاغتراب الوجودي يمثل جوهر المشكلة الإنسانية كما ركزت عليه الرّواية،وذلك يظهر في مكابدات باسل المهري في أن يكون نفسه لا غيره روحاً وجسداً، فيجد ذلك صعبا جداً،وفي النّهاية لا يجد مناصاً من القبول بالانسلاخ الوجودي من خلال الانسلاخ الفيزيكي (الجسدي) أيّ التحوّل من كائن أرضي زائل إلى كائن كوني يرنو إلى الخلود،وهو أقرب إلى نزعة المتصوفين المنادين بوحدة الوجود من خلال التّسامي و الاتحاد مع الذات الإلهيّة.

هناك جانب آخر من الثيمة الأساسية للرّواية يتعلق بالاغتراب الروحي للإنسان المعاصر، وذلك عندما تتحقق نبوءة أينشتاين حين قال في آواخر سنين عمره: "جلّ ما أخشاه هو أن يحلّ زمنٌ تتحكم فيه الآلة بحياة الإنسان ومصيره،حينها تتحول الأكثرية من البشر إلى كائنات بليدة فارغة من كل قيمة". الرّواية تقترب جداً من ذلك الزّمن الذي خشي منه أينشتاين، حيث نجد أناسا آليين يشاركون البشر جميع نشاطاتهم،و يمارسون مهنا مايصعب تصوره مثل الطب و القضاء، ويحاورون في أمور هي من صلب هموم البشر.

إنّ الإلحاد السّائد لدى الأكثرية السّاحقة في المجرة ما هو إلاّ انعكاساً طبيعيّاً للتطوّر العلميّ الخطير الذي يشهده ذلك العالم المستقبلي، كما أنّ من الطبيعي أن نجد القلة المحرومة من مجتمعات ذلك العالم تقرّر التمرد على العقيدة أو الإيديولوجية السائدة متسلحة بسلاح الإيمان كآخر ملاذ لخلاص الروحي. في الحقيقة فما النبيّة شمس إلاّ تعبير أو تجسدي صادق لصوت الرّفض و التمرد من خلال الدّعوة إلى دين جديد إيّ إلى عقيدة روحية مستقاة من العمق الإنساني لبشر ذلك الزّمن الذي ابتعد عن ذلك العمق بمسافات بعيدة ،حتى كاد أن لا يتعرّف حتى على روحه نفسها. حاولت التعرف على ملامح و مكونات ذلك الدين الجديد منذ قراءتي للصّفحات الأولى للرّواية لاسيما عندما وجدت محاولة جادة من قبل الكاتبة إلى إعادة صياغة المقولة الإيمانيّة من خلال وضع قاموس جديد لمفرداتها ولكن استغربت عندما وقفت على مقولات دينية معهودة تخص ديناً قائماً منذ أكثر من ألف عام وهو الإسلام لاسيما من خلال أشهر مقولة هي الشهادة بأن "لا إله إلاّ الله". لقد تنبأ هرمان هسه بولادة دين جديد في أكثر من عمل روائي له كما فعل أوسكار وايلد في روايته ألفريدة "صورة دوريان جراي" دين يتقاطع مع الأديان السّائدة في أكثر من مقطع ومفصل. دين يدعو إلى إعادة الكرامة الإنسانية كما عند هرمان هسه،و آخر يدعو إلى عبادة الجمال وإعادة خيوط العلاقة بين الإنسان والطبيعة كما لدى أوسكار وايلد.

التقاطع الوحيد للدين الذي دعت إليه رواية "أعشقني" يكمن في تقديس الشهوةّ، الأمر الذي يبقى غير مفهومٍ إلى النّهاية، فمن جانب تدافع الرّواية عن ضرورة التوظيف الطبيعي للأعضاء التناسلية لبشر ذلك الزّمن بما يعيد لعملية التواصل الجنسي معناها الحقيقي ومن جانب آخر تقوم بتغليب الشّهوة على العشق بابعاده الحسية أو الروحية حين نجد جميع رسائل خالد تنتهي بعبارة "أشتهيك" وهو تغليب للرغبة الجسدية على الرّوحية كما تتوافق نهاية الأحداث في الرّواية في الصّفحات الأخيرة مع نهاية الاتصال الجسدي بين خالد وشمس في أروع توصيف لممارسة الجنس بينهما فوق القمر.

فيما يخص البناء الروائي في (أعشقُني) فأنّني أود أن أشير إلى عنصرين وهما اللغة والحبكة (the plot) واللتين تشكلان الركيزة الأساسية في بناء هيكيلية الرواية. فالحبكة لا تحمل الكثير من التّعقيد من حيث صياغة الحدث وتطوره. والقارئ لا يغادر مسرح الحدث الوحيد وهو السّرير أوو المستشفى الذي يرقد فيه الشخصية الرئيسية في الرّواية ،ويبقى يتحرك في فضاءات افتراضية تخلقها الكاتبة في محاولاتها لفكّ الألغاز التي تطرحها على شكل تساؤلات لا متناهية عن مغزى الوجود الإنساني. كما يمكن تقسيم الرّواية إلى قسمين؛ الأول منه يتركز على الحدث الدّرامي وتطوره (العملية الجراحية، ظهور حالة الحمل و تقرير مصير الجنين) أمّا القسم الثاني الذي يبدأ من ألفصل السابع، فإنّه يشهد انتقالة فنية من الحدث والحركة إلى الإنشاء والسّكون حيث ينتقل القارئ إلى أزمنة خارج الإطار الحدثي للروائية؛إنّها انتقالة أو رحلة معارجية إلى عالم العشق والإيمان من خلال قراءة مذكرات شمس ورسائل خالد المفعمة بسحر العبارة وتأملات باسل العميقة.

من هنا تبدأ قوة العنصر الأوّل للرواية، أيّ اللغة، فإنّ الكاتبة لم تكتفِ باستخدامها التقليدي وسيلة للسّرد والبيان بل تعدّتها إلى توظيف أرقى من خلال هيمنة اللغة الشّعريّة على النّص بشكل شبه مطلق. من الفصل السادس أيّ من الصفحة 83 من الرّواية نجد تحولاً واضحاً من لغة السّرد الإنشائي إلى النّثر الشّعري بالتّزامن مع انتقالة حسيّة إلى مدارات أخرى ضمن عالم الرّواية نفسه من خلال رسائل الوجد وتبادل المشاعر اللامتناهيّة بين العاشقين و(صورة و/ورد) تشكّل الخلفية المؤثرة و الحاضرة دوماً في مجمل اللوحة. ما أنجزته الكاتبة في (أعشقُني) يذكّرنا بأدب الرسائل وقصائد العشق بلغة المتصوفين والعارفين المزينة بالعبارات المبهمة المليئة بالإلغاز الإلهية. أنّها تتعدّى حدود التمازج بين أصناف الكتابة الأدبية التقليدية لتدقّ أبواب الأدب العرفاني، وذلك عندما تتوسع رؤية وقابليّة الكاتبة في التّعامل مع الكلمات و العبارات لتتجاوز الإطار الحدثي والزّمكانيّ للرّواية،وتسبح في أثير التساؤلات والتأملات الوجوديّة،فتصبح اللغة هي الفاعل الرئيس في عملية الخلق الإبداعي حتى تتحول من وسيلة أو أداة إلى غاية ومبتغى.

 

بقلم: آوات محمد أمين

......................

* رواية "أعشقني": سناء الشعلان،ط1،مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة الأردنيّة،عمان،الأردن،2012م.

 

قراءة في قصيدة "علبة لم تعرف الصمت" للشاعرة لارا الظراسي

hayelali almotheabiلعل القول الذي ينفي وجود القصة والحكاية في تاريخ الأدب العربي قول خاطئ، لأن ظهور الشعر العربي سبقه ظهور السجع، وهذه المراحل كانت من أجل شيء، هو الحكاية، وكان أسهل طريقة لحفظ حكايات العرب في ظل غياب التدوين في تلك العصور هو اختراع الشعر، الذي أعلن العرب عن بداياته بمائة وخمسون بيتاً من الشعر، للمهلهل بن أبي ربيعة الشهير بـ" الزير سالم"، ثم ما تلاه من معلقات، ودليل ذلك أن البحور لم تكن معروفة، وليس هناك تفعيلات عروضية، وإنما خلقا وإبداعاً ..

الشيخ الذي كان يروي دائماً كان يسمى الشيخ "الكنتي" من كُنتُ التي يرددها دوما حين يحكي قصصه وحكاياته للآخرين، وهكذا كانت الحكاية تجري في شراريين الأمة، في ذلك العصر، وفي كل شعب، ليأتي الشعر قالباً يحفظ الحكاية، ويكتب لها الخلود، وبدون الحكاية لا يصبح للقصيدة معنى أو وزناً، ولذلك أؤكد أن الحكاية والقصة وجدت قبل أن يوجد الشعر لدى العرب، والقرآن يقول: "نحن نقص عليك أحسن القصص " ولفظة " أحسن " من أفعل التفضيل ..

في القصيدة أعلاه " علبة لم تعرف الصمت " للشاعرة لارا الظراسي حكاية السر الذي حفظته في علبة منذ صغرها تقول : "وضعت سري الصغير / في علبة / غلّفتها بصمت العمر / غرستها في قلبي / وتركتها في خزانة النسيان / حتى نضجت / وعندما جئت إلي / أعطيتك علبتي بفرح / فتحت سري لعينيك / أذنيك / قلبك ...."

ما هي الأسرار الصغيرة التي نخفيها عن الآخرين في الصغر ..؟

العلبة رمز للحرص، رمز لما نخاف أن تراه العيون، فعلب الليل مثلا ستر لمن يشربون الخمرة في البلاد التي يمنع فيها تعاطي الخمور...

لكن يظل كل شيء مبهم ولا نستطيع التكهن بشيء إلا في الفقرات التي تلي الثمانية أفعال الماضية التي تستفتح بها الشاعرة حكايتها الشعرية ليتكشف من ثم في المقطع التالي: "بعد أيام جاءت نسوة المدينة / يحملن العلبة / يأكلن ما فيها / بملعقة السخرية ..." ..

"بعد أيام" من لقائها بهِ جاءت نسوة المدينة، نسوة المدينة رمز يحيل إلى قصة يوسف عليه السلام في القرآن الكريم وهو تناص للدلالة على إثبات شيء كبير وعظيم ونقله من عالم الشكوك والارتياب والسخرية إلى عوالم التأكيد والإثبات ونفي اللوم عن الذات من قبل الآخرين مثلما فعلت امرأة العزيز في القصة، لكن هنا يأتي الفعل "يأكلن" ليحدد ماهية ما في العلبة أو يشير إلى رمز آخر يتضح بالقول " بملعقة السخرية " ...

إنهن يأكلن لحمها وسرها الذي ظنت أنه بمأمن عندما أفشت به إليه لكنه أي سرها يصبح غنيمة نسوة المدينة ومبعث سخريتهن ليس فقط من السر وإنما من الحالة بأكملها حالة الثقة التي أولتها له وفرط فيها وحالة تباهيها بوجد ما طال انتظاره من صغرها، إنه تشبيه بليغ ورائع جدا القول "بملعقة السخرية" إنها السخرية من الخيبة التي آل إليها حال الشاعرة وحالة لا تُحسد عليها من الشماتة وأمور أخرى لا يفهمها سوى النساء فقط ..

يتبع ذلك في القصيدة وصف لحالة انتشار محتوى العلبة "السر" فتقول الشاعرة: " البارحة رأيت أطفال القرية / يلعبون كرة القدم / بصندوقي الأثير / كان الطريق الذي يستند عليه المشايخ / في حجيجهم / يستند بدوره على علبتي المتسخة / الجميع عرف السر / شكرا لك / فقد علمتني كيف ادفن السر في الريح...."

إنه وصف بليغ للخبر التي ينشر بين الناس فيحرفونه ويضيفون له ما يروقهم حتى يتحول الأبيض إلى أسود والأخضر إلى أزرق والطهر إلى عهر كل ذلك وأكثر وهذا يتضح بالقول " يلعبون " ثم " علبتي المتسخة " ..

أجرى بعض علماء النفس تجربة علمية على خمسون شخصاً لأجل فهم طبيعة الإشاعة وكيفية انتشارها، فعرضوا فيلما قصيراً على النصف منهم ثم جعلوهم يروون قصة الفيلم على النصف الآخر بطريقة انفرادية ثم طلبوا من النصف الذي لم يشاهد الفيلم يروي قصة الفيلم الذي سمعها ممن رأوه، وكانت النتيجة مخيفة حقاً، حيث كان حديث الأشخاص مخالفا جدا لمحتوى الفيلم ولا يمت إليه بصلة وهكذا يتداول الناس الأخبار وينقلونها بإضافات من خيالهم الذي يستعينون به في حالة نسيان ما سمعوه، وهكذا تتناقل الإشاعات والأخبار بين الناس..

ثمة تشبيهان بليغان في النص وهما مبعث إعجابي بالنص بأكمله صراحةً ومبعث قراءتي له أحدهما " يأكلن ما فيها / بملعقة السخرية ... " والآخر الذي تنتهي به القصيدة : " شكرا لك / فقد علمتني كيف ادفن السر في الريح...."

لكن لماذا التشبيه ...!؟

سؤال لا يُجاب عنه إلا بسؤال آخر : لماذا الحب؟ لماذا الإنسانية؟ لماذا المجتمع؟ ولماذا تنتظم الأكوان وتتحرك وتسير إلى غاية؟

وهنا يحين الجواب : إن طلب التجمع أصيل في أعماق كل موجود، فهو عنوان على الوحدة، وعلى وجود المتنوع من أبناء الأسرة الواحدة، وعلى رجوع الذرية إلى أمها الكبرى " الأرض " ...

 

"علبة لم تعرف الصمت" / لارا الظراسي

"وضعت سري الصغير

في علبة

غلّفتها بصمت العمر

غرستها في قلبي

وتركتها في خزانة النسيان

حتى نضجت

وعندما جئت إلي

أعطيتك علبتي بفرح

فتحت سري لعينيك

أذنيك

قلبك

بعد أيام جاءت نسوة المدينة

يحملن العلبة

يأكلن ما فيها

بملعقة السخرية ...

البارحة رأيت أطفال القرية

يلعبون كرة القدم

بصندوقي الأثير

كان الطريق الذي يستند عليه المشايخ

في حجيجهم

يستند بدوره على علبتي المتسخة

الجميع عرف السر

شكرا لك

فقد علمتني كيف ادفن السر في الريح...."

 

 

ضربة فرشاة .. ألطعنة المخلصة في خاصرة الآن .. قراءة في نص للشاعر فلاح الشابندر

omar moslehfarisيقول سارتر: "ليست غاية الشعراء استطلاع الحقائق أو عرضها، ولا تسمية المعاني بالألفاظ"

ويقول أيضاً

" ألشعراء لايستخدمون اللغة على نحو مايستخدمه المؤلف، وإنما الكلمات عندهم أشياء بذاتها، بل هي غاية مقصودة وهي تمثل المعنى أو تصوره أكثر مما تعبر عنه، تماماً كما تفعل الألوان في اللوحة أو الأصوات في المقطوعة الموسيقية"

فلاح الشابندر يعي هذا تماماً، كونه شاعرا له صورته المميزة، وجمتله الخاصة.. لذا افتتح النص بمفاجأة حين قال:

"عري أبكم..

من أقصى البراري."

 

صوَّر حقيقة كبرى بأربع كلمات وحرف، وجعلها بهذه الجملة الخماسية واضحة المعالم بكل ماتمتلكه الصورة فن صمت على كشف السوأة..

غير مكترث لمسألة العري كعري مجرد، بل توقف عندها كحالة يجب تأملها، وكأنه شخَّص العلَّة وانتهى..

والانتهى هذه، هي خاتمة تفتتح مغاليق المسكوت عنه قسراً.

لذا فإنه تمنطق بحزام ناسف ليفتك بالمسلَّمات.. خصوصاً بعد أن أكد مشروعه بــ

"يتشرف السيد فراغ

ألفراغ الكبير

بدعوتكم .. لسماع عزف منفرد

عزف الرفيف المجنح"

 

من الذي تبرع؟.

وعلى أي عزف!.

 

لَعَمْري أنه بذخ جمالي، وعمق توصيلي كبير .. إذ أبدع بتوصيل اللحن على نغَم الاستهجان.. متبرئاً من آثام الواقع المقيت.. بعد أن وضع المدلول الذي هو المَعْنى والفحوى والمؤدى للصورة الذهنية لما تدل عليه أو ترجع إليه.

بعد استهلال أو مدخل مدهش.

ثم لم يشأ مباغتتنا بالدال بعد اسم مفعوله.

بل عقد هدنة مؤقتتة، كي يلملم كل شياطينه، ليعلن القصد.. فقال:

 

"على نحو عابرٍ.. غمامة الأفق

تنكراً متقن"

 

هنا أراد أن يمهد للصعقة، فوصف الحال، بعد استوقفتني "تنكراً" حيث ظننتها مرفوعة كما يجب أن تكون لغوياً، لكني تراجعت بعد فهمي لقصدية المبتغى.. خارج سياق النحو.

إذ أراد أن يمعن بتصوير الآن، واعتباره واقعاً على أي حال.. بعد أن أكد ماذهبنا إليه بــ

 

"لاشىْ فى اللوحة إلإ الإغواء الصادم

و الفراغ السطوه"

 

وهنا أبرر استهلالي الذي استعرته من (مواقف / سارتر)

"لاشيء"..

تعرب هذه الـ لاشيء عن أشياء، وواقع كوارثي، حطَّم الهنا.. بشراسة ذئب.

"إلا الإغواء الصادم"

ألحاضنة مكان شفاف، والخديج يرى، وتمكث في حدقاته صور العري المتحضر الذي استلفه البعض من البراري.

وهنا أكد الشاعر إمساكه بأداوته، ومحاور اشتغالاته ببسالة.. بعد أن صوّر الجمع خديج.. بتأكيد واضح، مع سبق الإصرار والعزيمة..

بدلالة

 

"والفراغ السطوة"

 

فانثالت النفس الشاعرة لتعلن هزيمة الحقيقة أمام الواقع..

"الشمس اعتراف"

 

أتوقف قليلاً عند هذا المقطع.. ألشمس اعتراف

أظنه جازماً كان يقصد الضوء، وإلا لِمَ لم يقل القمر؟.

والقمر سمير المعترفين..

هذا لأنه يعي تماماً أن النور انعكاس والضوء مصدر.. ليؤكد براءته التي أشرنا إليها سَلَفا.

 

"والظل الناكث.. يوماً

لا أعرفه

يعرفنى

يعدنى لا أعده

صالباً ذراعيه فى كل اتجاه يرانى

ذاكرة منظوره

أسمعها"

 

ياسلام..

ألظل الناكث.. الذي خان شرف وظيفته، بعد أن ضل الطريق

أي مخيال مترف هذا وأية صنعة تمتلك أيها الشابندري الرائع!.

حقيقة أذهلني هذا الربط، وهذه الطريقة الصوفية في توصيل الأحاسيس عن طريق شعور واحد.

"ساعة الحائط

تك . تك . تك

لا أدرى ما تصرح به

وبلا شك انها بريئة"

 

بريئة..

تأكيد آخر على براءته فصار يناغم أصوات عقاربها التي لدغته حين أكَّدَت أن الآن مازال على قيد الهنا.

بعدها أجهز على الاسترخاء بالقصد..

"تاريخ غير مؤرخك

ذاك معناك"

هنا بيت القصيد.. وهنا أعلن فلاح أن حي على الفلاح.. لأن المعنى غير مؤرخ، في رُقُم الحقيقة المنهزمة أزاء الواقع.

 

ضربة فرشاة / فلاح الشابندر

عرى أبكم..

من أقصى البرارى.

يتشرف السيد فراغ..

ألفراغ الكبير..

بدعوتكم.. لسماع عزف منفرد..

عزف الرفيف المجنح

على نحو عابرٍ..

غمامة الأفق

تنكراً متقناً

لاشىء فى اللوحة إلا الإغواء الصادم

و الفراغ السطوة.

ألشمس اعتراف

والظل الناكث..

يوماً لا أعرفه

يعرفنى

يعدنى.. لا أعده

صالباً ذراعيه فى كل اتجاه

يرانى

ذاكرة منظوره

اسمعها

قلق صفرى

ساعة الحائط

تك . تك . تك

لا أدرى ما تصرح به

وبلا شك انها بريئة

ننتظر..

وبينما ننتظر

تك تك تك

تأريخ غير مؤرخك

ذاك معناك.

 

ديوان الشاعرة السورية المغتربة سلوى فرح: "أزهر في النار"

ahmad fadelقدود شعرية بنكهة حلبية تغني بموشح ألم، للوطن وللحبيب ولكل من حملته الذكريات .

لم أجد أجمل من الأبيات الشعرية الثلاثة التي مر عليها الشاعر العراقي يحيى السماوي في مقدمته لديوان الشاعرة السورية المغتربة سلوى فرح " أزهر في النار" قلادة أضعها على صدر قراءتي لها والتي نقلها عنها يقول:

كلما أمشط الشمس يقصون أصابعي ..

كلما أغازل شفة القمر يئدون أنوثتي ..

وفي كل مرة أتحدى الريح يطعنونني برمح وثني ..

من هنا نقف أمام قصائد الديوان الذي احتوى على 25 قصيدة خلبت مشاعرنا برقتها، أحاسيسها، قوتها، تفجرها، وتكنيكها الآخذ بالابتكار لنصوص تشبه في أكثر حالاتها الذات الشاعرية لسلوى فرح وتوقها لخلق حالة شعرية متفردة بدأتها منذ سنوات ولا زالت عبر خطاب شعري يتسامى أكثر للإبتكار في حروفه ولغته والصورة التي تضع داخلها أبيات قصائدها ما ذكرني بكلام الكاتب الصحفي والروائي السوري خليل صويلح وهو يتكلم ذات الموضوع عن الشاعر اللبناني الراحل أنسي الحاج قائلا: " وحده أنسي الحاج ظل متمردا ومخلصا لبيانه الأول لجهة التوتر وإعادة النظر في تربة  القصيدة وحراثتها من الداخل بمعول رشيق، يقصد تخليصها من مقدساتها القديمة المتوارثة نحو فضاء حر شاسع ومفتوح، من دون أسوار بلاغية قديمة تقيد حركتها أو مشاغلها المختلفة " .

 ومع أني أختلف مع صويلح كون الحاج لم يكن وحده الرائد في تمرده على قصيدة النثر من الناحية التكنيكية، فإن الشاعرة فرح تنضوي نحو ما ذهب إليه الحاج أو تأخذ منحا مغايرا كون أحاسيسها الشاعرية كأنثى تختلف عنه وهذا ما نلاحظه مع أول قصائد ديوانها " حين لا يغفو النسرين " حيث نقرأ:

من أي كوكب هبط طيفك

على قلبي

وأيقظ غفوة النسرين

في دفق شراييني

وبسمات المانوليا

في وجناتي؟

ضمني إليك ليزهر ياسمين مدائني

خذ نبضي

أنا أموت وأحيا .....

في تعريفه: " لماذا نكتب الشعر؟ " يقول الناقد الإنكليزي الأشهر صموئيل تايلور كولردج ( 1772 – 1834 )، إن غاية الشاعر  الكبرى هي في إيصاله اللذة التي يشعر بها يقاسمه القارئ كذلك حينما يداخله الإعجاب بشعره، فلا ريب أن تشعر شاعرتنا بتلك اللذة مع ما يصاحب خطابها الشعري من ابتكارات على مستوى وضع قصيدة النثر في أطر جديدة أو كما كان يعتقد الشاعر الإنكليزي جيرمي باكسمان حينما قال: " أنه يجب على الشعراء بذل المزيد من الجهد لإشراك الجمهور في قصائدهم، وهي نفس الغاية التي طمحت وتطمح له شاعرتنا، هذا الخطاب نراه يتصاعد في عديد قصائد الديوان كما في: " إلى عرش الخلود " و " كن وطني " و " على شفا صحو " هذه القصائد كتبتها عام 2010  جميعها في مسكن غربتها كندا، نقرا الأخيرة منها لنتلمس مدى ذلك التقدم المحسوس في عملية إبتكارها للغة والصورة الشعرية التي أحاطت بهما قصائدها:

أيها الإنسان .. رفقا ..

ومضة خاطفة

الكل يتلاشى في مدافن الاندثار

فلم لا نتآلف، ننشد سر المحبة؟

إلى أن تقول:

ليعرش الياسمين

على شرفات ضمائرنا

ويزهر الحب على أفنان أفئدتنا

الصحوة تنادينا

وبلابل الحرية أسراب .

في قصيدتها " قبل شهقة النعناع " يتصاعد لديها المد الشعري في وضع قصيدة النثر حيث أرادت لها من حشد ابتكاري امتد حتى جميع قصائدها التي كتبتها عام 2011 أي بعد عام من كتابتها لقصائد الديوان الأولى، نقرأ في بضع أبيات منها:

يتيمة الروح في ليل الصفير

أحتضر في سراديب الصمت

أترقب همساتك الشاردة

وحنيني يقتفي آثار غيابك

كيف تهدأ رموشي

وأنت تنساب في أوردتي؟

لاحظ كيف يبدو البوح العاطفي للأنثى الشاعرة وهي تصوغ الأحرف قصيدة تضعها داخل إطار من السردية الشعرية المفعمة بالحب، الجياشة بكل الأحاسيس، منها ننتقل إلى " نحو الشمس " و " ترنيمة أحلامي " و " للعشق جنونه " التي نقرأ منها:

مع مواكب الغجر القادمة

سأغزو قلبك بألحاني

وأبعثرك أشلاء

وأصوغك من جديد

ثم " نزيف البراءة " و " غيث دون ابتسامة " و " وما عادت لنعناعك نكهة في مذاقي " التي اختتمت بها العام 2011 نقرأ منها دع بلابل الشمس تولد من حنجرتي لتغرد نشيد السعادة جذوري من سلالة الفرح ...

ومنذ ولادة فجري

ألد النغم تلو النغم

وأحول الصمت إلى مهرجان

دع فراشات نيسان ترفل من عروقي

لتعانق زهر الليمون

وحمام الوداعة يرف من فمي

هنا نكتشف جانبا من طبيعة الشاعرة لتشكيل أسلوب متوازن يتخلى في مجمله عن الحشو الذي حفلت به العديد من قصائد شعراء  المرحلة الآن، فما بين العامين 2010 و 2011 يبدو المشهد الشعري لدى فرح واسعا حيث يمتد بنفس الوتيرة من القوة حتى 2012 وهو العام الذي اختتمت به قصائد الديوان ، فثلاث سنوات هي عمر هذه القصائد تبدو في مجملها جهدا أضافت الشاعرة من خلالها لونا غير معهود يصب في صالح بناء القصيدة على الشكل الذي تثور فيه الصورة الشعرية متمردة على واقعها الذي عرفناه .

ومع أن هناك الكثير من القصائد التي اختتمت بها الشاعرة العام 2012، إلا أننا سنعرج على قصيدة " أزهر في النار " والتي حمل عنوانها الديوان كإحدى القصائد النموذجية التي حملت ابتكارا واضحا في صيرورتها والتي لن تتوقف الشاعرة عندها لأن هناك المزيد مما ستطرحه في قابل أيامها تنشد من خلالها ما بدأته:

أتدري ...؟

اهتز الكون لصدى قبلاتنا ...

ندى الحلم لثم شفتي

فتفتحت زنبقتان

ألمح دمعة فرح تلمع بين

سنابل عينيك

فصدى قبلاتنا شق الضباب

الأسمر !

وتلألأ جبين القمر

حملنا العشق على أجنحة

الروح

والسماء احتضنتنا نجمتين ...

الأبيات ومع أنها لا تحتاج إلى تفسير فقد سرت كموجة بحرية مسالمة نحو الشاطئ بهدوء تفصح كيف أن شاعرتنا وظفت العاطفة كحالة نصية إلى ما يشبه السرد وبطريقة ذكية .

في تقديمه لكتاب الدكتورة العراقية وجدان الصائغ المعنون " القصيدة الأنثوية العربية – قراءة في الأنساق " يتحدث الناقد اليمني المعروف الدكتور عبد العزيز المقالح: " على أن النماذج المدروسة من خلال الأدب النسوي الذي يميل إلى الابتكار والتجديد وإلى طرح الأسئلة العميقة التي ترفض الانصياع للإجابات الجاهزة والقوالب المكرسة، هو تعبير حقيقي عن حالة التمرد والحرمان والإقصاء "، هذا القول ينطبق على شاعرتنا سلوى فرح وهي تقدم خلاصة تجربتها الشعرية بخطاب حداثوي ابتكاري غايته كسر الجمود الذي أحاط بقصيدة النثر خلال حقبة ما بعد التسعينيات  التي نعيشها، ومع أننا لم نتناول جميع قصائد الديوان فقد اكتفينا بالبعض منها في إشارة إلى التقدم الحاصل في مجمل عمل الشاعرة الإبداعي طوال ثلاث سنوات امتدت من 2010 حتى 2012، الديوان صدر عن دار التكوين بدمشق بواقع 82 صفحة زينت غلافه لوحة جميلة ومعبرة للفنانة الروسية نتاشا مانيليس وحيث احتوى على 25 قصيدة نثرية وبمقدمة كتبها الشاعر المعروف يحيى السماوي .

 

أحمد فاضل

 

الأنين المتصاعد من أحلام النيام لعامر بوعزة .. كوابيس المرحلة...

مازال النص الشعري في تونس يحمل شحنة كبيرة من القلق والتأزم عاكسا حالة اللا استقرار التي سطت على الوضع منذ مدة. فأغلب النصوص التي تظهر في السنوات الأخيرة لم تكتم الحزن والحيرة والضياع عكس ما كان منتظرا وعلى خلاف التاريخ العربي الذي عرف فيه الأدب موجة فرح عقب الأحداث السياسية الكبرى .. ولعل أخر الأعمال الصادرة والتي تجسد هذا المشهد الشعري كتاب "الأنين المتصاعد من أحلام النيام" الذي أصدره الأستاذ عامر بوعزة في القاهرة مؤخرا .. فهذا الكتاب أضاف للمدونة التونسية نصا آخر يغلب عليه التوتر وهو ما يسهل على القارئ اقتناصه...

 

تقاطعات العناوين

على غير عادة شعراء العصر الذين اعتادوا اختيار عنوان داخلي كعنوان رئيسي يأتي هذا العنوان وهو ما يعطيه قيمة أخرى تسيطر على كل عناوين القصائد فهو عنوان جامع ومؤثر بالتأكيد ...

على مستوى الشكل ورد هذا العنوان مركبا وفيه الإضافة والنعت والجر أما العناوين الداخلية فعشرة منها ذات مفردة واحدة مقابل ثلاث عناوين مركبة...

أما معجميا فيلتقي العنوان مع هذه العناوين الداخلية قي معجم التوتر (انين. رحيل. اسئلة. رصيف. موت) كما يلتقي معها في معجم الحلم (احلام. رؤيا. سفر. بحر. ضوء...)

هذه التقاطعات توحي بان الكاتب يعد كل هذا المحتوى في باب الأنين والحلم المزعج هي رائحة الكابوس يطلقها هذا العنوان الرئيسي فالأحلام التي ينبعث منها الأنين هي الكوابيس المزعجة...ربما اراد الشاعر تصوير ثنائية الحلم والألم التي نعيشها في لحظتنا المعاصرة التي ارتبطت بها جملة مكن نصوص عمله...

 

المكان المتأزم

يصور الشاعر المكان بطريقة تكشف قلقه وتوتره وفوضاه وهو ما يعني حالة اللا استقرار والتعجب لحال المكان وهي حالة تنتمي لما صرنا نشعر به من خوف على البلد وما أصبح يتكدس من اغتراب في ثنايا الواقع المضطرب.فالمكان فوضوي ومنكسر وغريب مثلما يظهر في هذا المقطع:

الناس نيام

الشارع مزدحم بالقطط الجوعى

والبحر غريب

المقهى في الهداة يغلق عينيه

ص8

 

غريب وشاهدتي وطني

 

والمكان يبدو خانقا وغادرا وهذا ما نفهمه من صورة العصفورة

وهذي المدينة

عصفورة تتخبط في الماء

ص

11

وتتصل صورة المكان في مقاطع اخرى بالترحال والنفي والاغتراب والهروب والخوف:

يمشي في الوحدة منفردا

والبحر يقود الليل إلى منفاه

مسكونا بالترحال

نأى عن ارض الخوف الأبدي

ص

30

ثمة قلق مكان وحالة توتر تؤثر في الكاتب فيأتي تصوير المكان مرتبطا بالتأزم والقلق لينخرط الشاعر في القلق الجماعي الذي يراودنا...فهذه القصائد هي حالات قلق واعتصار وتألم للواقع اليومي ومما لا شك فيه أن هذه الملاحظة تتدعم حين نتطرق إلى جانب آخر من قصائد الكتاب وهو ذلك المتعلق بالقصيدة الحدثية التي تسجل حضورها في هذا العمل

القصائد الحدثية

في هذا العمل تحضر القصيدة الحدثية المرتبطة بأحداث معينة...حيث واكب النص الشعري بعض الأحداث الأخيرة منها ما اتصل بالمشهد الثوري وتحديدا

-قصيدة تونس التي احتفى فيها بالثورة:

رسم الثائرون بأجسادهم فتحة في جدار الظلام

وقالوا لأجنحة النور هبي

لقد صرخت في العروق الدما

ألا رفرفي في سماء الوطن

ص80

-قصيدة كشك عبد السلام التي تعلقت بحادثة إحراق عبدالسلام تريمش نفسه في المنستير

 

"العلبة الزرقاء ظلت من بعده واقفة مغلقة

لم يفتحها احد ليرى ما في داخلها

حتى لا يندفق البحر الغاصب من أحشائها

ولا يندفع الشهداء"

ص76

-موت

وهي في ذكرى الإعلامي الراحل عبد العزيز فتح الله

لا اعرف للوردة غير الوردة اسما

لكنك تعرف كيف تكون الوردة سيدة الأسماء

هذا أنت كما رسمتك يد السنوات

على اللوح المحفوظ

في ذاكرتي

ص82

يمكن القول في نهاية المطاف أن عامر بوعزة قدم عملا أدبيا ملتصقا باللحظة ومعبرا عن هواجسها وتشعباتها وقلقها وهي الحالة التي يتخبط فيها الإنسان التونسي عموما والتي تنهل منها المدونة الإبداعية المعاصرة...

لوح بيرني رائعة الفنون البابلية

zouher sahebالصنف الاول من مجموعة هذه الالواح الفخارية، يقع ضن خانة الموضوعات الدينية. واشهر نماذجها عُرف باسم لوح (بيرني) .. وهو محفوظ الآن ضمن مجموعة (كولفيل) .. بعد ان كان محفوظاً سابقاً ضمن مجموعة (بيرني) .. ومن هنا جاءت تسمية هذا اللوح، الذي يعد من اكبر نماذج الألواح الفخارية البابلية..إذ يصل ارتفاعه الى 50سم. ويهيمن على مشهد اللوح شكل إلهة مجنحة عارية أُنسنت بهيئة فتاة جميلة.. تمظهرت بتاج مقرن من النوع الثقيل.. ملوّحة بكلتي يديها برمزي السلطة وهما العصا والحلقة .. فيما شُكلّت قدميها على شكل قدمي طائر جارح. مرتكزة في وقفتها الاسطورية على شكل اسدين متدابرين.. ويؤطر جانبي المشهد وبشكل متقابل زوج من طائر البوم.

يمكننا المجازفة بكشف (هوية) الالهة الممثلة في المشهد: على انها الالهة عشتار.. بدلالة قرينها الأسد الذي يظهر مصاحباً لها كذلك في مشاهد الرسوم الجدارية على جدران قصر الملك (زمري ـ لم) في مدينة ماري. فان صح ذلك: فان إلهة الحب والجمال تعرض غواية خطابها الجسدي بمثل هذه الإباحية: علّها تستطيع الايقاع بالمزيد من العشاق الذين فتكت بهم الواحد تلو الآخر. وربما تزداد القراءة الدلالية للمشهد تعقيداً..اذا اخذنا بنظر الاعتبار..حضور الاشكال الرمزية الاخرى المصاحبة لها في بنية المشهد. فمن السهل تعرف دلالة شكلي الاسدين بأنهما يشيران الى القوة..اما شكلي طائري البوم فربما يُشفّران عن الحكمة والدهاء والمكر. لنصل في النهاية الى ان مركب الاشكال الرمزية في هذا المشهد الاسطوري.. يلمّح الى فكرة (غواية الانوثة المغرية الماكرة).

فقد عرضت عشتار جمال جسدها وحبها الماكر على الكثير من الشخصيات.. في حوارات درامية جميلة، واشهرها عشقها للبطل (كَلكَامش) بعد عودتهِ منتصراً على الكائن الاسطوري (خمبابا) حارس غابات الارز.. وبوسعنا ايراد جزء يسير من ذلك الحوار كما ورد في ملحمة كَلكَامش.

 

غسل جلجامش شعره الطويل وصقل سلاحه

وارسل جدائل شعره على كتفيه

وارتدى حُلّة مزركشة وربطها بزنار

ولما ان لبس جلجامش تاجه

رفعت عشتار عينيها

ورمقت جمال جلجامش فنادته:

تعال يا جلجامش وكن حبيبي الذي أخترت

ستكون أنتَ زوجي واكون زوجتك

ففتح جلجامش فاه واجاب عشتار قائلاً:

أي خير سأناله لو اخترتك زوجة

أنتِ كالموقد الذي تخمد ناره في البرد

أنتِ كالباب الخلفي لا يصد ريح ولا عاصفة

أنتِ قصر يتحطم في داخله الابطال

أنتِ فيلُ يُمزّق رحله

أنتِ قير يلوث من يحمله

أنتِ قربه تبلّل حاملها

أيُ من عشاقكِ من احببته على الدوام.. (طه باقر ، 2003، ص111-112).

 598-zuhar

تتجلى قدسية المعبد عند البابليين.. بنوع من التضايف بين النسق المعماري والانساق التشكيلية في بنية واحدة.. بغية الارتقاء بجمالية المعبد من جهة، والتسامي بقدسية المكان من جهة اخرى. لذلك فنحن نرجح ان يكون لوح بيرني من اللوحات المثبتة على جدران احد المعابد.. وحين دخل اللوح ذلك الحيز المكاني المقدس.. فانه امتلك دلالات اسطورية تجاوزت حضوره المرئي بمسافة تعبيرية طويلة.. إذ اصبح رمزاً مؤثراً في التلقي الاجتماعي لدلالتهِ الفكرية. وهنا تبرز الى الوجود قراءة تعرفية اخرى لدلالة المشهد: الذي نرجح ارتباطه باسطورة نزول (عشتار) الى العالم السفلي، اذ تقص الاسطورة السومرية وكذا البابلية:

 

من السماء العظيمة الى الارض السفلى العظيمة

سيدتي هجرت السماء..هجرت الارض ونزلت الى العالم السفلي

هجرت السيادة، هجرت الملوكية ونزلت الى العالم السفلي

وعندما دخلت.. رُفع عن رأسها (الشوكارا) تاج السهل

وحين دخلت البوابة الثانية.. أُخذ منها الذراع والمقياس من اللازورد

وحين دخلت البوابة السابعة

خًلعَ عن جسدها ثوب-بالا: ثوب السيدات

(فاضل عبد الواحد، 1973، ص 190-195).

 

ذلك هو مظهرها العاري في اللوح..عند (سيطرة) بوابة العالم السفلي السابعة: وخلاصة القول: هو ان ما عرفه البابليون من هذه الصور الاسطورية.. اصبح مستخلصاً ومخزوناً في بنيتهم الفكرية.. فكان لهم بمثابة اداة تجاوزوا بها الماثل والحاضر..فاذا كان تفكيرهم بالمفاهيم المجردة: ارتقاءً من المباشر الملموس.. والفردي والجزئي.. الى مفهوماتها الذهنية، فان تفكيرهم بالرموز: كان ارتقاءً الى درجة عليا تعددت بها مستويات الدلالة في التشكيل.. ووصل فيها التخيل الى نوع من الخصوبة الفكرية..مكنّتهُ من ادراك العلاقات والصيغ، التي أتاحت لهم الفرصة للتعامل مع مفاهيم دالة على وفرة من الاشكال الرمزية.

فاشكالية أحالة (النص) من خاصيتهِ المجردة.. الى نظام صوري من العلاقات الشكلية المتبادلة التفاعل، هو ما يُشكّل مأثرة الفنان البابلي المبدع.. في مجال نحت الاجسام الفخارية. والفعل الابداعي برمتهِ: يرتبط باشكالية فهم الافكار قبلياً.. وتحليلها، ومن ثم اعادة تركيبها بانظمة شكلية محمّلة باشكالات الفكر الاجتماعي. فالاساطير الدينية: التي تُحيل (الماورائيات) الى مرموزات شكلية منفتحة في تشفيرها الدلالي، وتقولب اشكال الآلهة غير المرئية.. بنظم الاشكال المرئية. هي اشكالات بأصعب مناطق الابداع تفرداً، وتشير الى وجود ظاهرة التميز في ابداع مثل هذه الروائع النحتية الفخارية.

وفي ملمح آخر: يبث لوح بيرني خطابه الابداعي..بدلالة الفعل التقني المتقن في آليات نحت اشكال المشهد..فسيطرة النحات على آليات نحت اشكالهِ..بمثل هذا النفور الكبير عن ارضياتها..وكانها تماثيل مجسمة، وقراءتهِ البصرية الدقيقة في دراسة تشريح وتناسب الاجسام، قد أثارَ احساس (جلجامش) وغيره: بدفيء ونعومة خطاب الجسد .. لربة الانوثة والجمال في الادب البابلي.

فالفعل الابداعي برمتهِ: يتمحور بالكيفية التي حَلَّ بها (الروحي) في وعاء الخامة.. لتحيا به في صيرورتها الخاصة جداً، إذ تسامى المادي الى مقام الروحي بعد ان حلَّ به حلولاً. فلوح (بيرني) لم يكن فخاراً بقدر ما هو إنجازٌ إبداعي.. شأنه في ذلك شأن مشهد واجهة معبد البارثنون: التي تعرض خطاب الجسد الانثوي لأشهر آلهة الاغريق غواية كأثينا وافروديت.

 

أ. د. زهير صاحب

أستاذ تاريخ الفن - كلية الفنون الجميلة – بغداد

فغيرة الوضيعين ماتزال أكثر قوة .. في مسرحية "لا رجولة في زمن العنف" لعدي المختار

qasim madiيقول "ت. س . اليوت" في مسرحيته الشهيرة "قتل في الكاتدرائية": الغيرة تأكل أحشاء الشيطان ص51

ذلك التوحد الجميل بين الذات، والفعل المقدس، هذا باختصار ما تعالجه المسرحية " قتل في الكاتدرائية " لا أدري لماذا يذكرني موقف رئيس الاساقفة هنا بموقف الفيلسوف اليوناني " سقراط " ولماذا يكون هناك ضحية ؟ هكذا يقول المترجم " مُيّسر الخشّاب " في نهاية المسرحية التي كتبها " اليوت " ويبدو هذا الصراع الذي يخُيم على أبناء البشرية منذ صراع " هابيل وقابيل " لم ينته بل على العكس يزداد يوماً بعد يوم،وهل يعتقد كٌتاب المسرح أو القصة أو الرواية أنهم سيقضون على هذا النزاع الذي شكل غولاً كبيراً في نفوس المبدعين عبر ما يكتبوه على الورق الأبيض، وهم يلامسون الواقع المعاش الذي خيم عليهم بالموت والدم والقتل، الذي أزهق أرواحا كثيرة من بني البشر دون سبب أو أقتراف للجريمة أو الحديث عن شيء يمس الملوك والامراء وأصحاب القرار، بل قضى حتى على الصامتين من الذين فضلوا النأي َ عن دائرة الجدل ، لأنهم لاذوا بلغة الصمت كوسيلة  إنقاذ والابتعاد عن كل ُ ما يفقد حياتهم،ورغم مايقال عن الشعوب، الا أن هذه الشعوب هي ولودة في خلق أناس من صناع الجمال على مدى العصور، وكما قال الروائي المعروف " عبدالرحمن منيف " الصمت لغة،فجاء الكاتب الشاب المبدع " عدي المختار " ومن خلال النص الفائز بالمركز الأول في جائزة " دار الشؤون الثقافية التابعة لوزارة الثقافة العراقية " وهذا النص " لا رجولة في زمن العنف " يقدم لنا طبخة شهية فيها الكثير من الخيال الذي استمدهُ الكاتب عبر قراءته المستمرة والمفعمة بقضايا تمس الحداثة والتقدم و إشكالاتها، بل هي بإعتقادي رسائل إلى الاخر الذي ينمو في عقله الخراب والقتل الوحشي الذي يرفضه الكاتب، هذه مفردات المحبة والسلام في عالم لا يكترث لها ومن خلال شخصيتين مهمتين هما " الرجل + المرأة " وبالتالي لماذا أختار المرأة هي الضحية، وجلادها الرجل، هذا الصراع الذي تحدث عنه كبار الفلاسفة والمبدعين ومنهم " اليوت " في مسرحيته الشعرية التي أراد لها أن تدخل العقل وتصبو إلى تفعيل الحياة، وهنا يتلاعب " المختار " ويطالب بمنح المرأة حقها و إعادة لها بيتها،وهل السلطة الذكورية هي التي تمارس العنف مع هذا الكائن اللطيف، أو مايسمى الجنس الناعم،هذه الرحلة هي إنصاف وعالم الحقيقة المرة والدفء بالاضافة إلى الرومانسية المشتعلة في دواخل الشخصية " المرأة " وهو بالتالي ينطلق من الحياة اليومية ولم يكتف بهذا بل راح يغوص في المخزون التراثي الأدبي والفكري، حتى يتماشى مع الواقع الذي نعيشه، وتسديد فاتورته التي أصبحث ثقيلة على كواهل مبدعينا، هذا النص على ما أعتقد جاء بعد مخاض طويل وفيه حوار مدروس بين الشخصيتين " المرأة + الرجل " وهما يشكلان المحور الرئيسي في هذا العمل، نجد ومن خلال المشهد الأول صراع الولادة وهي تعني إستمرار الحياة،ومن خلال إستخدام قطعة قماش بيضاء،وأخرى حمرا ء، تمتدتان بشكل طولي من أعلى عمق فضاء المسرح، منتصف المسرح، وكأنهما متدليتان من السماء، وهذه دلالة سيميائية مهمة لإرسال بعض الشفرات عبر العلامات والالوان ، لخلق هامش أوفضاء يطلق العنان لمشتغلي النص المذكور في الأبحار في عملية الخلق والابداع واستنباط استنتاجات جديدة مرتبطة برؤآهم حيال مضمونه ، وكما هو معروف عند جميع المشتغلين في المسرح، وخاصة الذين يريدون التجديد من خلال البحث عن مضامين وأشكال جديدة   والبحث عن ما هو جديد في سبيل تقديم ما هو مفيد وجميل للمتلقي ، بإعتباره هو نص أدبي مكتوب على الورق، وبالتالي هو تركيز الضوء من خلال متعة معرفية كما فعلها " المختار " في نصه الذي أراد له أن يخرج إلى النور، وهو يكشف عن مواطن الخلل في أوطاننا المتعبة التي تنتشر فيها الكثير من العادات السيئة والمقرفة التي تداولها الإرث العراقي الفطري الطافح في نفوسنا المريضة ، وهو المبصر بها ومحدد المشكلة بعيداً عن الحشو والتلفيق، وعند تناوله لشخصيتين مهمة في المجتمع العراقي هما " الرجل +المرأة " هو واحد منه يعبر عنه وهو لسان من ألسنة حاله،مما جعل بيننا حميمية ونحن نقرأ النص وموضوعة الطرح التي كانت تتصارع في مخيلة الكاتب، في المشهد الثاني كان المؤلف " المختار " كان عمله مستساغاً بعيدا كل البعد عن السرد والخطابة والوعظ والتكلف وكذلك الابتذال واللفظ والتعقر والتعالي على الجمهور، كما يفعل الكثير من كتاب المسرح هذه الأيام، نجد في معظم المشاهد هذا الصراع الذي يلف عقول الكثير من رجال هذا العصر،والكاتب يجابههم في كل تحد ٍ وصراع فكري تنسجه المخيلة، في المشهد الثاني هذه الحورات

الرجل " لاردة في أن يكون الرجل سيد المرأة، والمرأة جارية للرجل، بل الردة

" يحمل قطعة القماش ويلفها على يده كأنها سوط "

المرأة " تحاول التمايل في المسرح للإقناع "

الشمس خليلة القمر " بحزم له "

من يعجز منهم عن تبديد الظلمة

وهو يقدم لنا حواراً متنوعاً وحسب الأحداث التي سار عليها المؤلف، ولو تعاملنا مع الحالات النفسية، كي نظهر البعد النفسي للشخصيتين نجد المونولوجات الفردية التي اشتغل عليها بدراية واعية، وكأنه طبيب نفساني حاول الولوج إلى عوالمهم التي تتنفس فيها روح المجتمع العراقي ، وهذا يذكرني في إستطلاع ظهر حديثاُ بين نساء العالم فظهرت المرأة الكندية الأولى من حيث نيلها لحقوقها ودورها المؤثر في المجتمع في حين حلت المرأة العراقية الأخيرة من ناحية عدم نيلها لحقوقها المدنية المشروعة ومحاولة تحجيم دورها بدواع ٍ مختلفة، وهو يُسّير أحداث عمله المسرحي تبعاً للشخصيات بعيداً عن مساحة الدور، حتى يظل يحقق المتعة الفنية والفكرية للقارئ، وكل كلمة وظفها في مكانها " المختار " لها وظيفتها في خلق أجواء تثري العمل المسرحي،

الرجل " يخرج من بين كتبه دستور البلاد "

خليلتي بالفراش " يضحك "

بالفراش فقط بعيدة عن الحكم والدولة

المرأة " وهي تقف يسار المسرح نصف دائري "

حقي هو ان اشاطرك الدين والسياسة

" تحاول الإمساك به "

مثلما أشاطرك الحب والرغبة

ولا غرابة في تهميش المرأة العراقية في المشاركة في مواضع صناعة القرارات المهمة فوجودها في الاروقة السياسية لا زال هشا ً لا يخرج عن كونه إكمال ديكور فحتى الآن لا دور حقيقي يذكر لها، والأغرب من ذلك كله هو اننا حتى في مغترباتنا نشهد الواقع نفسه فالمرأة العراقية مغيبة تحت عناويين مختلفة منها العرف الاجتماعي البالي الذي أعيد التعاطي به هنا وتارة تحت عناوني دينية لذا بقي دورها هنا ايضا محدودا ضمن فضاءات ضيقة جدا ً في خريطة الحراك المدني للجالية العراقية تحديدا ً .

 

     قاسم ماضي – ديترويت

 

المقامات الزاحمية في أزمنة الحرامية

saleh altaeiإيصال المعلومة إلى المتلقي نحى منحى الترغيب والترهيب عبر التاريخ، ولذا تنوعت أساليبه وطرائق تقديمه، فولدت الحكاية والقصة والقصيدة والمقال والخبر المذاع وغيرها، لكن زاحم جهاد تجاوز كل التقليد المعروف، وكل ما ركن على الرفوف، وحتى المقلي والمسكوف، ليرينا الحتوف، ويدخلنا معه دنيا الغرابة والخوف، في عالم المقامة، ويأخذنا بالأحلام لا بالحقيقة إلى أرض نجد وتهامة، وقد اختار زاحم جهاد المقامة لتكون وسيلته في بث الاستقامة عند الخاصة والعامة.

والمقامة فن ولد في زمن البطر العربي، زمن الكرش المحشى والرأس المنتشي، ليؤشر مواطن المتعة والخطر بين الفقر والبطر، ثم مات من كثرة الأزمات، أو ذهب في سبات، إلى أن جاء زاحم جهاد، فحمل سيف الجهاد بتحد وعناد؛ ليعيده إلى الحياة أو ينقذه من بين الصحوة والممات، ليلبسه ثوبا جديدا ويصبح في بنائه وحيدا فريدا، لا يدانيه فارس، ولا يوقفه حابس، محكما مقولبا كما هي المحابس، وصار في دنياه سيد الفوارس يحلق كالنوارس

المقامة لغة: المجلس، وهي فن من فنون الأدب العربي السردي المسجوع المطعم أحياناً بالشعر، تدخل المقامة ضمن فن الفكاهة الهادفة الساخرة، أو ما يعرف بالكوميديا السوداء، وهدفها الأساس: إما تعليم الفتية أصول اللغة، وتدريبهم على القدرة على النظم وفن القول، أو للاعتراض على المسكوت عنه، الذي يوجع النفس، ويتم الحديث عنه بالهمس. تبنى المقامة عادة من خلال التفنن في الإنشاء، والاهتمام باللفظ والأناقة اللغوية وجمال الأسلوب والمحسنات اللفظية والبديعية.

وللمقامة ثلاثة أركان بنائية لا تكتمل المقامة إلا بوجودها، هي:

الراوي: الذي يتكرر اسمه عادة، وهو عند الهمداني عيسى بن هشام وعند الحريري الحارث بن همام، وعند زاحم جهاد عبد الله بن بهلول.

البطل: وهو مثل الراوي يتكرر دوره في المقامات، وعلى لسانه يدور محور المقامة، وهو عند الهمداني أبو الفتح الأسكندري، وعند الحريري أبو زيد السروجي.

النكتة: ولكل مقامة نكتة توصل من خلالها وعن طريق البطل الفكرة المطلوب إيصالها.

يعتمد بناء المقامة وأسلوبها على السجع عادة، مع توظيف مكثف للمحسنات البديعية كالطباق والجناس، فضلا عن التهويل في استخدام الكنايات والاستعارات والتزويق، فضلا عن توظيف غريب اللغة ونادر الاشتقاقات، بما يدعو إلى الإغراق في الصنعة إلى درجة التكلف الشديد، ولكنها بالرغم من ذلك تبدو كحجر المغناطيس تجتذب إليها كل الأصناف من حديد أو نحاس أو خشب صفصاف، ولاسيما من اكتملت به الأوصاف وأصبح من سكان عالمها الضعاف.

وأن تجد المقامة في عالمنا المزدحم المملوء بالضجيج مكانا لها، ثم تجد من يتابعها، ويهتم لشأنها، ويشتاق إلى متابعتها، فتلك ليست مؤثرات الموروث القديم من زمن السلاطين والحريم؛ بقدر كونها تلبية لاحتياجات نفوسنا التي نشعر أنها محاصرة من كل الجهات في عالم من المتاهات.

وفي عالم مثل هذا الذي نعيش مأساته لا شيء أكثر إمتاعا من أن يتسكع المرء في عوالم مسكونة بالدهشة، ومملوءة بالحكمة والوحشة، وغاصة بالسخرية والفطرية والسذاجة والتورية واللجاجة والأحجية، وكل ما عثر عليه الأولون من طباق وجناس وانطلاق واحتباس، ليكتشف بعد فوات الوفيات أنه يمخر عباب نهر هائج مائج، متلاطم الأمواج، منتفخ الأوداج، يُجذف عكس التيار في زورق من نار، لا يجد منه فرار، مخروم الجوانب منتوف الحواجب، تنفذ إليه السهام من كل صوب، وتأتيه الرياح من كل حدب، وتقوده الأيام في أصعب درب، وهو منهك القوى، خائر العزيمة، ضعيف الشكيمة، ولكنه مملوء بالإصرار والتحدي إلى درجة الانصهار، ليتحول إلى كائن تجتمع فيه كل نقائض وتناقضات الدنيا ، في عالمه المسكون بالآهة والوحشة والوحدة والوجع، وقليل من بقايا فرح قديم، عديم الملامح، غائر القسمات، فاقد البسمات، يعاني الشتات.

إن التسكع في عوالم زاحم جهاد يصيب الإنسان بالخور والإعياء، فيتحول إلى كائن من طين وماء، يبدو من شدة دهشته وكأنه يبحث من بين كل الأشياء عن إبرة في كومة قش في ليل مظلم لا يهش به ولا ينش، وذلك لأن زاحم جهاد وظف كل تجربته الحسية وخبرته الحياتية وقواه العقلية في عمل من صنف الأعمال الفنطازية، أطلق عليه اسم (مقامات معاصرة) ودفعنا عنوة لخوض غمراته والتدافع في لجج حيثياته بحثا عن أنفسنا، وعن أصدقاء تربطنا بهم متعة الفكر المضنية، وعيش اللحظات المنسية، والذكريات المطوية، حيث وجدتني في الصفحة الثامنة والتسعين أنا والثريد، دون أن أبحث عن مزيد، أو أعرف ما أريد، ووجدت فيما وجدت الصديق الدكتور بهجت عباس هو والشكوى، والأخت والزميلة الدكتورة هناء القاضي هي وعسل المظ، والأخوين العزيزين يحيى السماوي وسلام كاظم فرج هما والنسج والحلج، والأخ الأديب عبد الستار نور علي هو ومأساة الكرد الفيلية، والصديق الطيب عبد الفتاح المطلبي هو والمطلبية، والزميلة ياسمينة حسيبي هي والآبدة، وشاعر البجع سامي العامري هو وأطواق البركة، والزميلة سلوى فرح هي وعيد الميلاد، والأخ موسى فرج هو وحطاط المسموط، والصديق عمار المطلبي هو والكرسي، والصديق جواد كاظم غلوم هو وسلام الرحمانية، والزميلة ميادة أبو شنب هي والشقشقة، ووجدت آخرين لم يسعفني الحظ بالتعرف عليهم من قبل، ولم يكونوا معنا في جلسة المسموطة أو الثريد، ولكني شعرت بهم وكأني أعرفهم منذ زمن طويل.

كانت بداية اطلاعي على مقامات زاحم جهاد بعد المقامة التي كتبها يصف بها ومن خلالها جلسة المسموطة التي جمعتنا في بيت الأخ والصديق العزيز الأستاذ موسى فرج في السماوة العزيزة، وقد دهشت من قدرته على التلاعب بالكلمات والجمل، ودهشت من حجم خزينه اللغوي؛ الذي أمده بكلمات وجدتها غريبة عن العربية، ولكن بعد البحث عنها في قواميس اللغة؛ بدت عربية خالصة، ثم تكررت كتابة المقامات إلى أن جمعتنا سفرة المثرودة في بيتي المتواضع، لتولد من خلالها مقامة (مثرود الطائي) التي تأخرت ولادتها حينا من الدهر، ثم لما تذكرها جاءت رائعة موشاة، وفي خاتمتها اعتذار جميل عن التأخير، قال فيه: "لذلك فإن القلب في هم وكنود، والعقل في شرود أو ركود، لم أتبلدح ولكني نسيت عهودي، وتأخرت عن انجاز وعودي بالكتابة عن المثرود، جعل الله رزقك بالممدود، وأبعدك عن ثمود"[ص100] بعد ذلك رجوته أكثر من مرة أن يبادر إلى جمع المقامات في كتاب، لكي تأخذ مكانها بين النتاج الأدبي المعاصر، لأفاجأ اليوم بالأخ صالح مطروح رئيس اتحاد الأدباء السابق في واسط؛ وهو يحمل لي نسخة من كتاب أخبرني بأنه هدية من زاحم جهاد، وحينما فتحت الظرف وجدت (مقامات معاصرة) بحلة قشيبة، ففرحت بها أشد الفرح:

لأن المقامات تحولت إلى مطبوع جميل جدا سيأخذ مكانه في المكتبة العربية.

ولأن مقامة المثرودة التي تخصني وهي من بطولتي؛ كانت من ضمن الكتاب.

ولأن زاحم جهاد تذكرني وأرسل لي إحدى النسخ هدية ولا أغلى.

ولأن مشاغل زاحم الكثيرة وكثرة أسفاره بين البصرة وبغداد؛ لم تأخذه من عالم الأدب ودنيا المقامات.

وقد دفعني الفرح الغامر لأجلس، وأقرأ كل المقامات دفعة واحدة، وأكتب عنها هذا الموضوع بدون مقدمات في جلسة واحدة، حوت المتعة والفائدة، لممت من خلالها بالشاردة والواردة، ولم تبد معاندة، فأرسلته إلى النشر والتوثيق دون تجميل أو تزويق وأنا أبلع الريق خوف مقامات الصديق.

 

صالح الطائي

بغداد المنصورة أبدا

6/6/2014

الحب والزواج والخيانة يسردها عبيد بوملحة

fatima almazroweiتعتبر الرواية الأولى للكاتب عبيد بو ملحة ذات بعد اجتماعي، فضلا عن الجرأة التي تناول خلالها المؤلف جملة من القضايا والهموم الحياتية. ورغم أن هذا هو المنجز الأول لـ بو ملحة إلا أنه ــ وكما يظهر ــ بذل جهداً معرفياً وظفه في فصول الرواية التي وصلت إلى نحو 36 عنوانا فرعيا موزعة على 256 صفحة.

يحكي بطل الرواية (أحمد) قصته مع ثلاث نساء؛ الأولى: ترنيم، والثانية إيمان، والثالثة ليلى. ترنيم تعرف عليها بعد وصوله إلى الولايات المتحدة الأميركية لإكمال دراسته العليا، وقد أخذت القصة معها نحو نصف الرواية (حتى الصفحة 158)، أما إيمان، فهي زوجته التي اختارتها له أمه واقترن بها بعد عودته مباشرة وفق زواج تقليدي، لدرجة أنه لم يشاهدها قبل الزواج بل رفض حتى رؤية صورتها. أما المرأة الثالثة ليلى، فقد تعلق بها وأحبها، لسبب بسيط جدا وهو الشبه الشديد بينها وبين ترنيم..

 

ملاحظات أسلوبية

حاول المؤلف ربط الأحداث بشكل موضوعي، وكان ميله واضحاً لترك بعض الأحداث ليستشف القارئ نتيجتها دون التوقف عندها، لكنه في غير مرة كان يسهب في الحديث والشرح والتعليل، وكأنه في مهمة لإفهام القارئ أو إقناعه، وفي مقطع آخر من الرواية يفاجئك بأنه مارس اختصاراً مخلاً وقدم سرداً سريعاً لأحداث كانت تستحق تمهيداً ومزيداً من الحكي.. أخذت الرواية الجزء الأكبر للتمهيد ولطبيعة العلاقة مع ترنيم، ودون الدخول في تلك التفاصيل فإن بطل الرواية ارتكب خطأ جسيماً برفضه الاعتراف لترنيم بحبه لها رغم أنها بادرت واعترفت بأنها تحبه، وقد تسببت ردة فعله وبروده بصدمة لها. انقطعت علاقتهما وتعرضت ترنيم لحادثة اعتداء فقدت حياتها إثره. حَملَ احمد حبه وبات يستجدي الزمن أن ينسيه حبيبته التي كانت أكثر شجاعة منه وعبرت عن حبها.

هنا، يقتنص المؤلف ردة فعل بطل الرواية ليرجعها لطبيعة التربية الصارمة والعادات والتقاليد، والجميل أنه فعل ذلك بعفوية بعيداً عن التقريرية والإقحام، وقد نجح في أن يعطينا صورة واضحة.. إلا أن نجاحه في هذا المواقف لم يستمر إذ نجده في عدة قصص متنوعة يفرض رأيه على القارئ ولا يترك له مساحة للاستنتاج. في محاولات بطل الرواية نسيان حب ترنيم وعقدة الذنب التي رافقته، وافق على الزواج بإيمان الفتاة التي اختارتها والدته، والتي كانت جميلة وتتمتع بكامل مواصفات المرأة، فهي طباخة ماهرة ومطيعة ومؤدبة وتجيد إدارة منزلها، وهي نظرة تقليدية يمررها الكاتب للقارئ كأنه يبلغ القارئ أن هذه هي وظيفة المرأة وأن هذه هي المواصفات العالية والمهمة في الزوجة!. هذا الزواج لم يداو جراح الفقد التي يعانيها احمد، حيث وقع مباشرة ومع أول ظهور لامرأة تشبه ترنيم، فتحول ذلك البطل الذي يتمتع بتربية قويمة وأدب خلاب وجميع الصفات النبيلة، التي منعته أن يبوح ويعترف لترنيم بحبه لها، اختفت جميعها في مشهد مطاردته للفتاة الثالثة ليلى، فقد طاردها بالسيارة وتسابق مع مجموعة من سيارات الشباب الآخرين، وقد تغلب عليهم وفاز بلفت أنظار ليلى لتبدأ علاقة بالبلاك بيري، ثم تحولت لمحادثات هاتفية، لكن ليلى لا تشبه ترنيم، هكذا اكتشف احمد قبل نهاية الرواية فقد فوجئ وصدم بأنها صاخبة ملفتة ولا تقيم وزنا لحبه.. جاءت هذه الأحداث على لسان البطل، وكأنه اعتراف، وهو بالتأكيد كان اعترافا عميقا، ذلك أن هذا القصة جاءت وهو ينام على السرير الأبيض في المستشفى إثر حادث مروري أفقده قدرة السير على قدميه مرة أخرى، ولم تقف معه إلا زوجته إيمان في بوح عميق عبر البطل عن اشتياقه لطفليه وخاصة ابنته التي اسماها ترنيم. تنتهي الرواية بأن البطل بات مشلولا وعلى كرسي متحرك، وغني عن القول إن المؤلف أراد أن يوضح بعداً إنسانياً يحدث دوما وهو أننا نغفل وننسى ما بين أيدينا من النعيم وأسباب السعادة، فقد ألقى البطل بنفسه بين يدي ليلى العابثة ونسي زوجته المحبة المتسامحة.

 

غياب التشويق

جانب آخر يعتري هذه الرواية وهو أنه على الرغم أن عنوان الرواية جاء متماهياً مع طبيعة حدثها الرئيسي، إلا أنه واجه معضلتين: الأولى أنه ساهم بطريقة أو أخرى في كشف ملامح النص وبالتالي فإن القارئ كان على علم وإدراك أن الرواية ستجمع ثلاث نساء وهذا لم يخدم الرواية وطبيعة التشويق، وأخشى أن هناك من سيقول وهو يتصفح أوراقها بأنها قصة أحد الشباب مع ثلاث نساء لا أكثر، أما المعضلة الأخرى التي اعترت العنوان، فتتعلق بأنه مطروح في أكثر من نص قصصي بل وفي عمل روائي مشابه وقريب، وهذا يثير لنا الكثير من التساؤلات حول نص روائي ثري ومفعم بالقضايا الاجتماعية والقيم والكثير من التفاصيل الحياتية ولم يجد مؤلفه من بين مئات الكلمات عنوانا أكثر ثراء وفائدة وتشويقاً وجذباً. يبقى أن مؤلف هذه الرواية - عبيد بو ملحة – قد نجح في الإعلان عن نفسه كروائي يسعى لهذه الغاية بهدوء وإدراك تام لمشروع التأليف والكتابة، وقد وظف مخزونه الفضي بل واستدعى جملاً تراثية معروفة وزج بها في نصه، وإن كانت تحسب له اليوم وفي هذا النص تحديدا فإن الاعتياد عليها قد يكون معضلة، فمن يعلم فقد يعتبرها البعض محل نقد لكونه مقتبسا لا مبتكرا..

في الصفحة الأخيرة من الرواية يقول بطلها احمد: «أدركت بأن حياتي كانت بين حب ثلاث نساء.. الأولى ترنيم التي انتهى حبها في المستشفى، وهي تموت. والثانية إيمان التي بدأ حبها في المستشفى بعد وقوع الحادث. والثالثة هي ليلى عندما أنهت حبها في المستشفى! هذا قدري». بقي أن نشير إلى الثلاث نساء ومماثلتهنّ للثالوث الشهير: الحب، الزواج، والخيانة، وبالفعل فإن كل واحدة منهن قد أخذت مكانها في هذا الثالوث الذي حكاه المؤلف بعفوية مع حذر يظهر ويختفي.

http://www.alittihad.ae/details.php?id=49914&y=2014&article=full

أنطولوجيّة "حسّو" في قصيدة النثر !!

rasheed alahmad(تعرّي أيّتها الحرّية

لأرى أعضائكِ عضواً عضواً

إن كنتِ فعلاً تستحقّين

أن ُيذبح من أجلكِ كلّ هذا الشّعب).

 وأنا أقرأ الشّاعر السّوريّ (إبراهيم حسّو) في صفحته الخاصّة على الفيس بوك عبر مقتطفات صغيرة معنونة أسفلها جملة باسمه (الذي مازال مقيماً في سوريا) راسماً تكهنات كثيرة- في عالمه الخاص والعام، تعززت صفة الغرابة والطّرافة المفعمة داخلي، علماً أنّي في كلّ المشوار الّذي اتبعته كان ذاتيّاً، لا يخرج عن أنّه يتكلّم بهجاء عن مفاتن الحبيبة الذي ينتظر منها أن يعطيه كلّ شيء، بينما تجده أحياناً ثورة في عين كلمة وضعها على هامش، وأخرى يقوم بعريّها من ثيابها، وثالثة تضع قدميها على الشّرفة لتتغزل بالمارّة، ألعاب لغويّة، وجرأة غير معتادة، وماركسيّة فكريّة تجعله لا يتهاون عن فعل المحظور لينقله للقارئ بجمل مختصرة، رقيقة راسماً الدّهشة في المشهد الذي يكتبه، تاركاً الخجل من فظاعة الكلمات وغرابتها بحثاً آخر بين القارئ ومدلولاته الحسيّة بما فيها المخيّلة التي يفرض عليها حسّو قوانينه في مجتمع لم يعتد على مثل هذه المحظورات .

 (العاشق هو الذي يعرف رقم حذائها، نمرة حمالة ثديها، قياس خصرها، قطر حلمتها، عدد أنفاسها، قطرات لهاثها، شكل بصاقها على الأرض، تاريخ دورتها الشهرية، عدد دقائق انتظارها، ماركة احمر شفاهها، حبيبها الاحتياطي الواقف على دكة الرّحيل).

يمتلك حسّو لغة فيها مفردات غير قابلة للاستعمال، يُوقظ بها قصيدة النثر من رتابتها، وخمولها، فهو يشتغل على المفردات كما على الصورة البيانيّة التي يجلبها بجملة لا تتجاوز عمرها عن سن المراهقة، وكأنّه يريد إشباع الغريزة بطريقة ثقافيّة فيها من الجنس الكثير، رابطاً إيّاها بالعلاقة الكاملة بين حبيبين يحقّ لهما ما لا يحقّ لغيرهما، يشغل جسد الأنثى، وروحها بلغة المشاعر في الكثير من نصوصه غير آبه بسلوك القارئ الخجول، وبيئته التي تجعله أن يضرب الأخماس بالأسداس قبل أن يفكّر بها، حسّو يحاول أن يُدخل مفهوماً جديداً على قصيدته، مختلفة عمّا كتبها في أعماله، هنا حالات تعبيريّة مونتاجيّة سريعة تديرها العين، ويراها القلب، وتشّم رائحتها الأذن، علماً أنّه الناضج الدقيق، ولكن يترك الرّقابة الفكريّة في قصيدته للقارئ كي يحكم عليها، آخذاً من المخاتلة أسلوباً يناقش بها قصيدة النثر، وجمهورها.

التّحرر لدى (حسّو) هي مجاوزة مقنّنة بقواعد تضفي على القصيدة سمة فنيّة جماليّة باعتباره تلقائي الرّؤيا، والبناء، قصيدته إشكالية فيها من المكوّن الدّراميّ، الإثارة، والصّراع، يعتمد على البصر أكثر من الخيال، استوحاه من الكبت العام، واختلاف المجتمع على البوح، والحقيقة التي لا يخاف من بوحها، ولكن يخجل الوقوف عليها، ليخرج النثر من عادة العاطفة، إلى أبعاد أخرى، ليست فيها أي شفرات بل إباحيّة، يترك للمتلقي أن يتعامل معها كفجوات، وفراغات ليعيد إنتاج النص، من خلال توظيف جديد للكلمة، بطريقة لا يحرمه الواقع من أشيائه الجميلة ربّما هي (الحرية، والانعتاق، والحلم) كما يحس، ويشتهي على طريقته.

 إبراهيم حسّو شاعر سوريّ كُرديّ الهوية، عربيّ اللغة، يكتب الشّعر منذ منتصف الثمانينات، له أعمال شعريّة منها (الضّباب بحذافيره – الهواء الذي أزرف - متحف الحب) والأخير كتاب قيد الصّدور والذي قال عنه : بسبب الحرب الدائرة والمتربعة في بلاديّ لم يرَ هذا الكتاب طريقه الى القارئ، سيظل حبيس الأدراج حتّى يتعقّل ساسة الحرب، وتعود المياه الى سواقيّ الشّعر، كذلك كاتب وناقد أدبي، له باع طويل في صحف عربيّة وعالميّة .

 

راشد الأحمد – كاتب وناقد سوريّ

رواية ساق البامبو .. إسكات، تمييز أم خوف من مجتمع هجين؟؟

alkabir aldasisiإطار متابعتنا لروايات الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) وبعد سلسلة مقالات حول الروايات الفائزة، والمرشحة ضمن اللائحة القصيرة نعود اليوم لرواية (ساق البامبو) للروائي الكويتي سعد السنعوسي المتوجة بالجائزة سنة 2013 وهي أول رواية كويتية تفوز بهذه الجائزة، وثاني رواية خليجية بعد رواية ترمي بشرر للروائي السعودي عبد الخال التي سبق لها الفوز سنة 2010، وقد لقيت رواية ساق البامبو حظوة عند قرائها مما يفسر كثرة الطبعات التي طبعت الرواية في سنة واحدة (12 طبعة ما بين ماي ودجنبر 2013)...

قراءة خارجية للرواية: صدرت الرواية عن الدار العربية للعلوم والناشرين ماي 2013 في 396 صفحة، موزعة على خمسة فصول متفاوتة الحجم، كل جزء مقسم إلى مشاهد مرقمة ابتداء من واحد وهذه الأجزاء هي:

• الجزء الأول: عيسى قبل الميلاد من الصفحة 15 إلى الصفحة 51 موزع على ثماني مشاهد

• الجزء الثاني: عيسى بعد الميلاد . من الصفحة 53 إلى الصفحة 128 موزع على 20 مشهدا

• الجزء الثالث عنوانه عيسى ...التيه الأول . من الصفحة 129 إلى الصفحة 181 وهو موزع على 11 مشهدا

• الجزء الرابع عنوانه: عيسى .. التيه الثاني من الصفحة 183 إلى الصفحة 290 موزع على 21 مشهدا

• الجزء الخامس عنوانه: عيسى .. على هامش الوطن من الصفحة 291 إلى الصفحة 389 موزع على 16 مشهدا

• الفصل الأخير عنوانه: أخيرا عيسى إلى الوراء يلتفت من الصفحة 393 إلى الصفحة 396

لعل أهم ما يثير متصفح هذه الرواية في غلافها الخارجي هو عنوانها الغريب، وهو عنوان يكتشف مدى الدقة في اختيار(العنوان المناسب) وينم عن حسن اختيار عنوان معبر أصدق ما يكون التعبير عن حالة بطل يشعر أن لا جذور له، ليكون (ساق البامبو) عتبة كاشفة للمتلقي كلَ ما يحتمل أن يتضمنه المتن الحكائي للرواية، وبذلك يبرز لماذا اهتمت الدراسات الحديثة بالعناوين وجعلت منها أحد أبرز مجالات اهتماماتها . ترى فيه مدخلا قرائيا قد يختزل مضمون التجربة برمتها،إلى درجة أن البعض جعل الاهتمام بالعنوان علما خاصا موضوعا ومنهجا وجهازا مفاهيميا (TITROLOGIE) . فجيرار جينيت يعتبر العنوان عتبة ذات سياقات ودلالات ووظائف لا تنفصل عن بنية العمل الفني . والعنوان كما يرى رولان بارت هو صاحب الدور الأول في إكساب المتلقي معرفة بالنص . فإذا كان العنوان العلامة التي تسمي الكتاب وتميزه ،و بطاقة هوية الكتاب (فلا كتاب بدون عنوان). فإن اختيار العنوان لا يخلو من قصدية قد تكلف المؤلف وقتا وجهدا كبيرين قبل إخراجه ليصبح بنية دلالية وسميائية وتوجيهية... وإشهارية عامة للنص .

تميزت رواية ساق البامبو بكون عناوينها مشحونة بالدلالات الرمزية، سواء تعلق الأمر بعنوان الرواية أو عناوين أجزائها: ف (ساق البامبو) النبات الذي ينبث دونما حاجة لجذور كان تعبيرا دقيقا لوصف هوية البطل الذي ظل طيلة مسار أحداث الرواية يشعر أن لا جذور له .. وقد ورد هذا العنوان ضمن الرواية في مناسبتين:

الأولى في الصفحة 94 عندما عبر هوزيه عن إحساسه في أمنيته في إحدى لحظات فقد الأمل بموطن أمه: (ولكن، حتى الجذور لا تعني شيئاً أحياناً لو كنت مثل شجرة البامبو .. لا انتماء لها.. نقتطع جزءاً من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض .. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة .. تنمو من جدي د.. في أرض جديدة .. بلا ماضٍ.. بلا ذاكرة .. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت .. أو بامبو في أماكن أخرى ...

والثانية: في الصفحة 383 يعبر عن نفس الإحساس بموطن أبيه يقول (شعرت فجأة أن هذا المكان ليس مكاني، وأنني كنت مخطئاً لا بد حين حسبت ساق البامبو يضرب جذوره في كل مكان)

عنوان الرواية إذن ورد مرتين مرتبطا بنفس الإحساس، وإن اختلفت الأمكنة الجغرافية ( الفليبين/ الكويت) والأمكنة القرائية داخل الرواية (بداية الرواية / نهاية الرواية)

وكذلك كانت العناوين بين دفتي الكتاب تبدو حبلى بالإيحاءات والدلالات: ويكفي أن يقرأ القارئ – مسلما كان أو غير مسلم - عناوين مثل (عيسى قبل الميلاد، وعيسى بعد الميلاد) ليتناسل أمامه ما يكفي من الدلالات الدينية الثقافية والتاريخية ونحن هنا في مقال قصير لا يستوعب الوقوف عند كل دلالات العناوين وإيحاءاتها...

وعند الغوص في تفاصيل متن الرواية يلاحظ أنها تتناول موضوعا هاما بالنسبة لدول الخليج يشكل وصمة عار لكل من يسمع عن مواطنين من الدرجة الثانية، أو مواطنين دون أن يكون لهم الحق في الانتساب لوطنهم.. بالإضافة إلى انفتاح الرواية على مركزية أخرى تحوم حول التيمة المركزية كتيمات الجنس الهوية، الثقافة،السياسة، النظر للآخر، الدين ....

إن الرواية جعلت من البحث عن الهوية تيميتها المركزية من خلال سيرة السارد عيسى الذي كان نتيجة زواج مختلط بين الكويتي راشد الطاروف والفيليبنية جوزافين بنت مندوزا .. مما طوح بالابن في مسار حياة يعج بالتناقضات: جغرافيا( بين الكويت والفيلبين) دينيا (بين المسيحية، البوذية والإسلام) فكريا (بين التحرر والمحافظة) اقتصاديا (بين الفقر والغنى)، اسما (بين عيسى، هوزيه) ... بأسلوب مبني على التقابل بين النقيضين، بعيد عن التعقيد والخيال، ينحو إلى تعميق البسيط، والنبش في المسكوت عنه في هوية الخليجي والكويتي خاصة..

اتخذ المبنى الحكائي لأحداث الرواية مبنى دائريا . إذ انتهت الرواية بعد مسار طويل إلى نقطة النهاية: انتهت بنفس فقرة البداية (اسمي jose هكذا يكتب، ننطقه في الفيليبين،كما في الإنجليزية هوزيه. وفي العربية يصبح،كما في الإسبانية خوسيه، وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه،أما هنا في الكويت فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو عيسى ...!)

بداية ونهاية متشابهتان، تجمع بينهما معاناة أسر وأشخاص مع الهوية في الكويت: فالرواية تختزل قصة شاب ولد من خادمة فليبينيّة (جوزافين) التحقت خادمة لدى عائلة كويتيّة تنحدر من أصول عريقة في البلد ؛ مكونة من أم (غنيمة) لها ثلاث بنات (عواطف نورية وهند) وابن وحيد هو المعول عليه في الاحتفاظ باسم العائلة واستمرار نسلها، أحب هذا الشاب فتاة كويتية جامعية، لكن أمه اعترضت ورفضت زواج ابنها الوحيد من الفتاة التي اختارها قلبه بدعوى أنها لا تناسب العائلة.. وأمام الفراغ العاطفي الذي وجد نفسه فيه وهو الإنسان المثقف، كانت كل الظروف مهيأة ليدخل في تجربة عاطفية مع الخادمة، انتهت بزواج عرفي موثق نتج عنه حمل، في محاولة لوضع الأم أمام الأمر الواقع، وعلى الرغم من كون الواقع لا يرتفع، فإن الأم (غنيمة) أصرت على إجهاض هذا الزواج، وأصرت على ضرورة تخلي الزوج عن زوجته وابنه، ومحاولة إسكات الأم بما تريد من المال، أو نسبة الابن لأحد الخدم من الرجال.وإغراء راشد بتحقيق كل طلباته بما فيها تزويجه بمن يحب قالت له الأم: (فتاة الجامعة .. تلك .. أخطبها لك .. يوم غذ لو أحببت..) ص 44 محاولة إقناعه بكون الاعتراف بالوليد يشكل وصمة عار للأسرة في مجتمع محافظ أبناؤه معروفون .. وأمام إصرار راشد على الاحتفاظ بزوجته وابنه ( لن تسافر وهي تحمل قطعة مني ..) اضطرت الأم (غنيمة ) إلى طردهما من البيت: (أخرج من بيتي.. خذ هذه السافلة .. وكتب المجانين التي أفسدت عقلك ..)

كان شهما، اكترى شقة صغيرة، وبقي إلى جانب زوجته إلى أن أنجبت عيسى، وساعدهما على العودة لوطنها الفلبين، ليعيش البطل "هوزيه" أو "عيسى" في مانيلا عاصمة الفلبين حياة فقيرة بين أفراد أسرة معظمها لقطاء على أمل أن يعود يوما إلى موطن أبيه الجنّة (الكويت) على حد وصف أمه فكانت حياته هناك مرحلة انتظار وبحث عن الذات والهوية فاختلطت عليه الأوراق ولم يعد يعرف لنفسه اسما واحدا. ولا ديانة واحدة ولا وطنا واحدا .. في أسرة شبه مفككة: الجد (مندوزا) لا يعرف أصله مهووس بمصارعة الديكة مستعد لصرف كل ما يملك من أجلها ولو دفع بناته للدعارة، أم سافرت للخليج من أجل تأمين مصاريف الحياة.. خالة من بائعات الهوى.. وحتى ميرلا ابنة خالته – التي لا تعرف أباها الأوروبي - والتي تعلق بها اكتشف أن الدين في الفيليبين يمنع زواجهما .. ويزداد حرصه على البحث عن جذوره الكويتية من خلال ترصد الكويتيين في الفليبين لينتهي به البحث إلى اكتشاف أن والده قد فارق الحياة بعد أسره في حرب الخليج عقب غزو العراق للكويت ... يتحقق حلمه وحلم أسرته الفيليبينية .. ويتمكن من العودة إلى الكويت بتدخل من غسان صديق والده .. ويجد نفسه في عالم مختلف تماما عما كان يحلم به،

وقد نجح السارد في جعل ظروف العودة مؤشرا على أن هذه العودة لن تكون وفق ما حلم به عيسى، فقد أعاده إلى الكويت يوم وفاة أمير البلاد .. وسجنه في شقة غسان ما يزيد عن الشهر .. ورغم شعور الجدة بقرب اندثار اسم الطاروف فإن ذلك لم يشفع لعيسى، وظلت الجدة على موقفها جاحدة رافضة انضمامه للعائلة وإن كانت تكنّ له في أعماقها حبا وهو الذي يذكرها بابنها الوحيد .. لذلك اختارت له منزلة بين المنزلتين: أعلى من مرتبة الإنكار ودون مرتبة الاعتراف ما دام للأعراف والتقاليد في الكويت سلطتها.. فرتبت له غرفة في ملحق البيت كالخدم .. بعد اختلاف عماته بين المؤيدة للاعتراف به (هند)، والداعية إلى إرجاعه إلى موطن أمه (نورية) والتي لا موقف لها (عواطف)، ويتم تغليب فكر الاحتفاظ به قريبا من الأسرة بعد اكتشاف أن له أختا من أبيه اسمها خولة، كان لها دورا إيجابيا في حياته استغلها السارد ف

 

رمزية اللغة في أدب الشاعرة مرشدة جاويش

reebar habonتكتب الشاعرة مرشدة جاويش بتماه مع الأشياء الجميلة المحيطة حولها، لسان حالها شكوى الطبيعة والروائح العبقة، ورحلة البحث في أدبها هي في إطار البحث عن الذات الساعية وراء حب الآخر الذي ينصهر في بوتقة الأحاسيس التي تتضوع في القصيدة التي لم تكتب بعد، فهي العقدة التي تلتف حولها الأحلام وتتسع لهول تلك الأحلام حدقات القلب، أدب الشاعرة مرشدة جاويش هو تنقيب جمالي مكثف باللغة، عميق في الإيغال بالحاضر سعياً إلى اكتشاف الأغاني العذبة، حتى لو كان الحلم متأخراً، بذلك فرؤية الشاعرة للكون والأنوثة والحب رؤية متماهية وواحدة تأبى التبعثر والتشظي وفعل الرؤية لديها قائم بكثافة الأشعة الضوئية التي تكسر في النهاية قيود العتمة، في مجموعتها هواجس الحنايا تسعى الشاعرة إلى استحضار الغياب وفق مكنونها الروحي الداخلي لتعبر عن مدى تماهيها بألوان البحر والسماء حيث تجمعهما الأنوثة المتسربلة بفوضى العاشقين عبر نمط من الموسيقى مختلفة ومؤتلفة وفق معيار التناقض الجميل لنتأمل هنا:ص5

كان ما يؤرق غرابتنا

صوتك وهو بصداه

يمسك ألوان قيامتي

ويرشقها

كان على الجدار المقابل لحنيني

نجم يتسربل بفوضى العاشقين

إنها تستخرج مفرداتها الحنينية من بين براثن القطيعة والغرابة، والغرابة تستشعرها الشاعرة من خلال المفاجأة التي تحملها الحياة إليها ,إن هذا التماهي مع الرجل ضمن اتصال كامل يأخذ أبعاداً تضج بألوان القيامة وفق هذا التشكيل المادي الروحي، تعتمد الشاعرة رصد البعد المكاني والعاطفي من خلال الشخصية التي توغل الشاعرة في تأملها وفق رؤية شفافة عميقة ومنسابة في التفاصيل المكانية –الجدار المقابل للحنين_هنا ألفة الإنسان مع المكان فالجدار يصل بنا للحنين وهذا تجسيد راقٍ وعميق لرمزية الجدار في وجدان الإنسان العاشق، لنتأمل هنا:ص7

هل ندمن الفراق ونبتكر له أعياداً

أم نشعل ألف شمعة لعودة النوارس

أراهن أن زمناً للازورد

سيرتكب ما غاب من اللغة عنّا

التساؤل لدى الشاعرة مبهم ومتصل برمزية الفراق وحلوله في ذات الإنسان المتوغل في الحرائق والأحاسيس المنتهكة، لقد اعتمدت الشاعرة مرشدة جاويش الرمز، ابتداع الغرابة، التكثيف التصويري ضمن وحدة النص المتعدد المناخات القائم بتآلفه، لتنسج نصاً عابقاً بمتانة اللغة في توغلها للأشياء وهنا ماذا نعني بالإيغال، يعني أن أدباً برمته يستخلص أزمات الإنسان ونفسه القلقة من خلال تنقيب الشاعرة عن ذلك هاجساً وروحاً وتأملاً، إنها تجتر الكآبات المتقطعة من أجل عودة النوارس، النوارس الجامحة بين الزرقة , زرقة السماء والبحر، إن الطبيعة متأصلة بقوة داخل كينونة الشاعرة وهذا ما يجعل القصيدة بين أناملها تتضوع بعبق اللغة وجمالية التساؤل، إنها تأخذنا لأبعاد وأماكن مجهولة ومستعصية على المرء اللجوج، لأننا هنا نتأمل الحالة التي تستجدي التأني، والتأمل للنص هو إحساس به، وتواصل مع إيماءاته وتماه مع حالته، إن فضاء المناجاة لدى الشاعرة مرشدة جاويش قصي ومليئ بالأحاجي والمفاجآت فهي هنا أنثى تقتات المستحيل لأجل رؤية بناء باسق ومتناسق لنتأمل هنا:ص23

أيا فسحة لذاك الذي يحمل المستحيل

هنيئاً لنا وأنت أتيت وردنا

باسقاً باسقاً

ثم نامت على عطرنا جوقة النار

أو جوقة الخصب

أو ما يسمى العناق الجليل

النص الشعري هنا يحمل طاقة من الحوار الذكي القائم مع المستحيل، هنا الرجل يحمل مزايا التفوق العاطفي الذي يحتوي الهناء المفعم بالراحة، وهذا تجسيد لمتطلبات داخلية لها اتصال بالمونولوج الأنثوي الذي يبعث على الغرابة والافتتان، إنها تأتي حيناً بصيغة الجماعة حين تقول:-أتيت وردنا- وما الورد سوى تعبير عن الجمال العميق الذي يتجلى بأبهى مفاتنه من خلال العطر، والطبيعة الحية في ذائقة الشاعرة مرشدة جاويش مدعاة لتأمل عنفوان الحالة العشقية في تصاعدها وتوترها نحو الذروة وتشظيها في كون يحمل يحمل جوقة الخصوبة، أدب الشاعرة جاويش منبعه من إيماءات الطبيعة الخارجية ومدى قدرتها على أن تكون انعكاساً للنفسية الاجتماعية التي تحمل هموم المجتمعات الساعية نحو وحدتها الروحية من خلال تعبير التوق الأخير المتجلي في العناق الجليل ,وجلالة العناق تعبير يحمل طاقة مضاعفة من التوحد بما يمكن أن نسميه بالوجود الواحد القائم على التوازن الجمالي والعمق الفلسفي الذي نستخلصه من أبعاد التفكير لدى الإنسان المتكامل

إن نصاً قائماً بفوضى الومض وتداعياته لجلي وجذاب يروق للنفسية الساعية إلى استنباط الدلالات الحية في تجربة الشاعرة مرشدة جاويش وقدرتها المفعمة على عقد تقابلات شتى بين الشخصية الباحثة والآخر الغائب والتفصيلات المنبثقة على الفضائين المكاني والزماني جعلا من النص الشعري غاية في التأصل والتألق بأزمات النفس الإنسانية التي تتوق للانعتاق من الاغتراب المزمن لنتأمل هنا طريقة الشاعرة في تجسيد فكرتها وتمريرها وفق هاجس ساحر متوغل في الرمز بتعبير شاف:

هو الحزن يا سيد العارفين

يؤرجح نخلي

و مازلت حتى هبوب النشيد

ورحلة ظني

أمسد جسم الكواكب فيك...

التعبير هنا مختلف يرصد إرهاصات مختلفة، يبرر عظمة الجرح من خلال الحزن الذي يزيل خيارات إيقاظ الأناشيد، فحيث يستدعي الحزن الظن يكمن الإصرار على خلق الجميل دائماً وهذه دلالة على جسامة الحزن وقدرته على أن يزيد الحياة ظنوناً وهواجساً ومشقة، رغم ذلك فالشاعرة تجد الحل لهذا التعقيد الذي يفتعله الحزن في طريقها إلى ذاك الرجل، الذي يتصف باليقين والمعرفة والفهم لما يعتري المسافة من مشقة ومطبات وبذلك فهي تؤسس لعشق خام ناضج ومتين

لننتقل إلى مجموعة الشاعرة وصايا الغيم سنستشعر فضاءاً آخراً، يتصف بتجاوزه الحالات المرهصة، تتآلف هذه المجموعة مع الروح المتكاملة الجوانب التي تتوج الأحاسيس المختلفة لأجل بناء آخر يتسع لكافة التشكيلات والرؤى وحيث أن الشعرية الحقة هو اتصال الرؤى بقيم الحياة، ضمن مزيج متآلف ينم عن اليقين والإدراك في الوجود، تعمد الشاعرة أخيراً إلى تحقيق ذروة شعريتها بنماذج جديدة تتسم بالجاذبية في تناولها للحالة والغرابة في تجسيدها للحدث الفني

والانزياح في جعل اللغة سريالية غريبة تبتدع داخل كينونتها اللغة الشعرية التي هي سليلة اللغة المحكية واللفظية ضمن اللغة التي توجد داخل اللغة القائمة، هذا ما يحققه التوتر الشعري بخاصة إذا كان درامياً يعكس التجريب، تجريب كافة الأطوار المختلفة للوصول إلى لغة خاصة وأثيرية

هذا التنوع الشعري القائم في مجموعة وصايا الغيم يكشف عن خطا تجربة جديدة لها العديد من الخصوصية على المستوى الفني والجمالي والفلسفي من خلال تنوع التشكيل اللغوي التكثيفي والرصد الطبيعي، حيث أن جمالية الخلق في الشعر هو غاية ما استخلصته التجربة المعاصرة، اعتمادها على اللغة والاستفادة من تقنيات الصعود، هذا كله شكل ما يسمى بالكينونة المعاصرة التي أكدتها الشاعرة في لفتة لها في غلاف مجموعتها وصايا الغيم، ما يلفت النظر هنا في هذه المجموعة ترتيب عناوين القصائد وفقاً لإيقاعيات شعرية متناسقة ومتراصة، فمن التجلي الذي يعكس البحث الخلاق عن لذات القرنفل، التجلي الذي يخط مساره إلى وصايا الغيم وإحدى وصاياه مجسدة في النشيد الذي ظل ينأى، حيث تعتمد الشاعرة في أسلوبها المؤثر السائر نحو اللغة الوسيطة بين الواضح والفاضح، تجنح أحياناً إلى التحليق بين النار لتصلي في محراب الدم، تنسج ألوان الفتنة في بساتين الغبار، وتعدو نحو ذاك الحبيب لتستشف فيه آيات الروح وتمحو أوهام السلام وما تلبث أن تصغي بهدوء لإيقاعان لأسطورة المطر، وهنا نتساءل هل المطر أسطورة، أسطورة قد تجسد حالات مختلفة عن التساقط والدخول لأيقونة السر الذي يوجز الحديث عن الخيانة وعن الوقت، والهيمان المعتم وأخيراً تنهي الشاعرة مجموعتها بالحصار ولعل الحصار هو احدى أهم المفاجآت التي تحيط طبائع البشر وطموحاتهم منذ بداية انطلاق التجمعات البشرية لننظر هنا:ص71

لديك..أنا..

وأنت هناك

هل ظلي يموت هنا

سألتك عن مدينتنا

وعن حلم تغرب بي

فأنزلت الطيور من الوضوح إلى الغموض

ودرت في الكلمات

ثنائية الأنا والأنت، إنها ثنائية لا تزال الشاعرة تجسدها في لحظات يكون فيها للموت الكلمة الفصل، والموت يمثل القفلة التي لا تحتمل التأخر والتأجيل، وبذلك فالمدينة التي تجسدها الشاعرة هنا هي عنوان للحظات مرت كالحلم الذي اغترب، وحديث الشاعرة هنا ذو شجون وحساسية، لقد أزالت الشاعرة قيود الرتابة هنا في نص يحمل طاقة الحوار والخطاب والتآلف مع النص بجمالية تدعو إلى مزيد من الخلق والتآلف، وإلى ذاك الإشراق المتوهج في نص يحمل الغرابة والنشوة معاً، وفق ثنائية الأنا والمخاطب، إشارة إلى المدينة التي تبدو للإنسان الهاجس الأكبر على مسرح الذاكرة والحياة والزمن الذي لا يتوقف, المدينة هي الأسرار التي تتمركز طويلاً في الداخل الإنساني

العشق في وصايا الغيم يأخذ أبعاداً ذو خفايا وشجون يكشف في البعيد الموغل في الجذور لغاية تحقيق التصاعد في إطلاق الطاقة الشعورية كما في قصائد في الأيقونة لنرى هنا:ص73

جسدي أنداء الروح

وروحي بشهيات النار

تقول: أحبك

هنا في هذه الومضة القصيرة جل الطاقة العاطفية المتوقدة تستعر في هضبات النار التي تتجسد في السحر الأنثوي والجسد الذي يعج بأسرار الجمال وخفايا الخصوبة ولوعة الإثارة، لذلك تخرج الشاعرة من غمار هذا الوصف المكثف لتجعل من كلمة أحبك الذروة المكملة لهذا الجمال ولتلك الإثارة حيث تقول في موضع آخر بقصيدة –وطنٌ أنا للزرع-:

هو لاذعٌ كالجمر أو كالخمر

كم نادى على عطري

وكم في شاطئي

تاهت رؤوس العشب في دمه

وكم يده الشفيفة غاصنت حلمي

وشعت في حريري

الوطن في نص الشاعر يحمل السؤال اللاذع فتارة يكون الوطن مؤنسناً بظل رجل، رجل تتماهى به الشاعرة بمنتهى الإيقاعية، تتداخل فيه عطراً وشاطئاً متماوجاً، الوطن لديها متجسد بالفتنة، الرجل الذي تحمل يده الشفيفة العديد من الآمال والأحلام، تجربة الشاعرة في خضم مجموعة وصايا الغيم العابقة الغائرة بالجرح بالذكرى بالفواجع والأحلام الشفيفة والأخيلات المفعمة بعناصر القوة والجمال والأنوثة المتوهجة المتجسدة بالطبيعة والبحر والسماء والغيوم، ولعل في تجربة الشاعرة مرشدة جاويش في مجموعتها ماء الضياء انقلاب شبه واضح وتجديد آخر يعتمد الإنجاز والبناء، دعوة لتحرير الانسان من قيود العتمة والاغتراب الداخلي، فمسيرة الشاعرة في ماء الضياء تتجلى بأبعاد جديدة وخلفيات فريدة فهي ترتدي النص الشعري من رأسه حتى أخمص قدميه وتبشر بولادات جديدة وخلفيات فريدة فهي ترسل احتجاجاتها وفق إيقاعيات متقطعة ففي أقانيم الوقت تتجلى الشاعرة من منحى آخر يبعث على السؤال عن الوقت عن حضور ذاك الإنسان المنفعل المتخبط في هواه القديم، المتشظي لحظة انبلاج الوقت فهي تقول:

كان مثل القصيدة

مثل دمي نافراً بالظلال

وكان بسيطاً ..

يخبئ في لحظة الانفعال

طيور السؤال

حضور الشاعرة في هذه المقطوعة دليل امتزاج في الرؤية التي تجمع الظلال النافرة بلحظة الانفعال، إنها في بعض من الحالات تكرر هيمانها وأحياناً تؤرخ تفاصيلاً لأماكن تقيم من خلالها رؤيتها المختلفة لنتأمل هنا أيضاً:ص19

أين الذي كان يداهمني

كنوارس النعاس

ويرتشفني جرعة جرعة

حين تدنو إلي السماء

هنا تتساءل الشاعرة عن شيء ذهب كالومض من حياتها وبذلك فتهويمات الشاعرة كانت بدافع هذيان شعري متناسق وممتع متأصل بالأشياء وغارق بالعديد من الرموز والفوضى المنتظمة، إنها تؤسس لحالة فنية راقية حين تقول:ص27

إنني والمجاز الذي لا يحد

إلى المحو يمضي

وما أدركته رياحي

أحاول أن أتهجى الذي يتحسس جسم صباحي

وفي لوعة يحتضنني

أحاول أن أسترد من الفقد ضوء جناحي

والعبرة تكمن في محاولة الشاعرة لإيجاد البديل عن ذلك الوجع الرابض والحيرة الصاخبة، فالموجود الشاعري موجود مسالم، تقوده الهواجس والأفكار حين تتحسس الصباح من خلال استحضار الذات المقابلة تلك التي تغوص في رياح المشاعر وتوغل في الضوء لكي تسترد شهوة التحليق فالشاعرة وفق ماء الضياء دائمة البوح عن ما يعتري مسيرة الأنثى في الحياة الزائلة التي تجسد الزيف والوقت المسرع، والصباح في عرف الشاعرة وطقوسها تمثل الرؤية الكامنة للحقيقة الشعرية الماثلة في محاكاة أطوار الإبداع وجمالية الخلق والابتكار وروعة الاكتشاف بعد تأن وطول إبحار

تجربة الشاعرة عموماً تنطلق من الرمزية المتعددة الأطوار والألوان التي يذهب فيض منها إلى الثقافة الدينية والقيم التراثية والرمز الذي نتناوله هنا ليس إشارة إلى القيم الأخرى بمقدار ما رأته الشاعرة تعبيراً كافياً عن شيء مبهم

وهنا ننتهي ببيان القول أن تجربة الشاعرة تطمح لتكوين لغة خاصة تؤسس لعالم لا معقول غريب ومألوف وواضح وضوح الغموض في إحجامه عن المعنى بعاديته وبذلك فخطا الشاعرة باتجاه رؤية حداثة يتناولها الرمز الذي يدخل في فلك الانزياح اللغوي لأجل صياغة العالم البديل عن العالم المعاش وفق أنموذج شعري حافل بالخيبات والمعاناة الانسانية بعيداً عن التجسيم لأن المعاناة هي برمتها معاناة الإنسان وليس المرأة فقط ونظرة الشاعرة للوجود برمته هو نظرة إلى سبل البحث عن طرائق وحلول تساعد الإنسان إلى التواصل مع الشبكات الاجتماعية التي يستقي الفرد منها عوالمه الشعورية والإدراكية ومن هنا فالشاعرة تتطرق إلى الحياة عموماً بروح تميل إلى الجنوح نحو الطبيعة والتصوير والخيال والابتكار الذي يوسع من مدركات الخيال وإلى نقل حصيلة التجارب الإنسانية بصورة واعية تتخطى قيود العقل المجرد ونعتقد كما يبدو لنا أن الرسالة قد وصلت....

 

تمثيل اللاجدوى .. قراءة في قصيدة "سحر البنفسج" للشاعرة سميرة عبيد

hayelali almotheabiإذا كان الشعر خاصة، والفن عامة وسيلة للتعبير الموحي، فمعنى هذا، أنه بذلك الإيحاء يعوض عن الواقع المفتقد، لبعده، أو لرفضه، أو نقصانه، فرسم عالماً آخر أفضل، به ينتقل الإنسان الشاعر إلى وطن جديد يسكنه، وقد صنعه بذاته .

كانت القصيدة عند عرب الجاهلية تفتتح بذكر المرأة، فالمكان المأنوس أو المهجور، أصبح ذلك تقليدا جرى عليه شعراء العربية حتى العصر الحديث، إلا من أخذ من المعاصرين والحداثيين بأسباب الحضارة الراهنة فمنهم من يبدأ بمناداة وردة ومناجاتها كما فعلت الشاعرة في قصيدتها .

مناجاة البنفسجة شيء لم يدر في البال، أو يجر في الواقع أن أحداً يستغيث بوردة ولا يقدم على مخاطبة وردة إلا المجانين، وهل العبقرية إلا نوع من الجنون ولكنه إلهي كما يقول أفلاطون؟

وجدت سميرة أن تمثيل اللاجدوى لا يتحقق إلا باللجوء إلى الكلام الذي هو صفة بشرية وعقل بشري، وإلى الطبيعة التي منها البنفسجة، وكلاهما حصيلة واقع حسي ملموس، أو مدرك، لكنهما مجتمعان لا يمكن أن يحصلا إلا في الذهن أو الخيال .

الفن غايته الجمال . الجمال غايته ذاته في دورانه حول نظامه، لكن له دورة نوعية في المطلق . والإنسان هو الذي يكتشفه، وبما أن الجمال جمع، وانسجام، فبمقدار مايلمّ الشاعر، ملاّح الوجود، وجوّاب آفاقه، مختلف العناصر، والمتفارقات، ليوحد بينها، بمقدار ما يكون فناناً، جمالياً، وموحداً للكون .

تنساق الشاعرة بعفوية في الظاهر مع بعض وجوه الطبيعة، والهادف الداخلي كان رؤية في الوجود، تضع بعض مقاييس التحول . حيث كل شيء يمكن أن يتحول إلى أي شيء .

لعبت الشاعرة بأشياء كثيرة من هذا الوجود، لا تربطها في الظواهر رابطة، عبّرت بها عن الحالة، منساقةً بدواعي من العقل الباطن .

ثمة مرحلتان الأولى كانت سميرة فيها هادفة، مهندسة رياضية في المرحلة الثانية غير بعيدة عن مثل ما فعله " مالارميه " ساعة استعان بالحروف والأرقام، بأوضاعها، بالتقديم والتأخير لدن تنظيمها في السطر، حتى التنقيط، فهو معبر لديه، وشيء آخر لم يقله مالارميه ولا يقوله الشعراء النابهون، لأنه للقارئ، لخياله المستوحي، والمبدع، منتقلا من القيم الداخلية، إلى القيم الموسيقية، عائداً إلى القيم الداخلية، ثم مستفيضاً بصوفية تغمر الأكوان .

الإيقاع مضمخ بعطر الموسيقى، الصور ترفع الحالة إلى درجة الوله، الألفاظ مقصوبة من مقلع الشمس، رخامي، ملون. الحبكة عليها أثر أنامل فنان أصيل، متمرس بنسج الطيالسة.

في القصيدة تخطٍ للحسيات إلى أفق الرؤيويات ومنها مخاطبة الأشياء بلغة القلب وكما تتصور في الذات، خلعت الشاعرة فيها ثوب ذاتها على الموجودات، خالقة بنفسها عالماً آخر للبصيرة سوى عالم المشاهدة وهذا درب من دروب الرومنطيقية .

شاعر الرومنطيقية يلغي عينيه ليرى ببصر من داخل نفسه، فالمسافات التي تتحدث عنها الشاعرة بعيدة جدا رحبة المدى، لا تستلين لمدى البصر، لكن الشاعرة لها عين أخرى داخلية، هي عين المحب الوله وعين المشتاق التي تخضع لها مسافات ما بين الأماكن والكواكب والمغيبات .

لقد أرادت الشاعرة أن تمتدح البنفسج لكنها لم تقل ماجاء على لسان الرومانطيقيين ومن هم على شاكلتهم بل أخذت تفصل في الممدوح وتفصل في المشبه به برسم ظروفه المختلفة بطريقة تامة، ثم يأتي المشبه ويفضله على المشبه به بطريقة مدهشة للغاية فالبنفسج مشبه ومشبه به مثلما هنا : " أخبريني يا بنفسج / يا ملاك الفتنة الجذلى / أي سحر / في أعاليك ترتل! / أي نجم لاح / في مرأى روابيك / ضم جزر الكحل الحائر فيها وتمجد! / كم فجر سافر من غياهبه / وفي جفنيك توسد! " .

لقد اجتمعت في القصيدة أغراض شعرية متعددة منها المديح والغزل والفخر، ولأن البنفسج كان رمزاً في القصيدة فكل تلك الأغراض قد تحرك المرمز له بالبنفسج، وقد قيل أن شعر المديح والهجاء لدى العرب كان محل التراجيديا والكوميديا في الشعر اليوناني، ليس عن مقابلة، بل عن ضرورة إزدواجية، شبه حتمية تنبع عن مواقف ذلك الشعب الاجتماعية، ونوازعه الأخلاقية .

والعربي مغالٍ في حبه للمديح، يهتز للكلم الجميل ويروقه، والخاطرة المتوهجة، والصورة الخضراء، فلا بدع إذا أنفق ماله، وضحى بوجوده، وأقام حرباً، وأبرم سلماً، في سبيل الاستجابة، لقافية مداحة من شاعر، أو لغزل شاعرة .

...............

 

سِحر البنفسج / سميرة عبيد

 

ياآآآآ ... بنفسج

خذيني لرحيقك

صوب ما يبهج،

دعيني في ضحكة روحك

أستطيب وأسرج،

يآآآآ ... بنفسج

امنحيني لون قلبك

أزدهي بضيائه

يا بنفسج،

يا وجع الروح

سنيني وإن طالت حكاياتها

ومالت على درج الجروح

بك تشهد،

مدن ضلوعي بأمانيك

تتباهى شجنا وتسجد

أخبريني يا بنفسج

يا ملاك الفتنة الجذلى

أي سحر

في أعاليك ترتل !

أي نجم لاح

في مرأى روابيك

ضم جزر الكحل الحائر فيها وتمجد !

كم فجر سافر من غياهبه

وفي جفنيك توسد !

يطوف بنحرك نهار ظامئ لنورك

قوافلي شدت إليك رحالها

قبلت غرورك الأوحد،

تتمايل خطواتك كمعزوفة أندلسية

على دروب الشغف تتمرد

أنثى أنا

يحفها زهو الزمرد

والزبرجد،

أنت بحر هائج

يثور فيه حاضري

اا آي من الوعد المؤكد،

تصرخ في جنباتك

أوتار الآمل المقيد

تقول في صمت

ليتني

كنت

الأمان المؤبد

ياآآآآآآبنفسج،

أناجيك

يهمس طيف قريب

قائلا : طيوف عطرك

تحملني حيث

زهو الدروب،

تملؤني عناقيد

من الفرح الحبيب،

وحدائق التوت التي نزل عليها

مطر حبك الأوحد

فكيف تسلقت باب قلبي

كيف أشعلت حنيني؟

كيف أسرجت

الحلم في مثوى جفوني؟

وأرحت الروح

من زيف الشجون؟

كيف جئت

رقصة في حرف دفاتري؟

وكتابي وطريقي

رسالات اشتياقي

كيف ظهرت في عتمة الروح

ومضة وله من بريقي؟

ها أنا ياآآآآ بنفسج

تذبحني الأسئلة

أقف على معبد الجرح

تهدهدني أسئلة الغياب

أرتلها بصمت موحش،

يا ترى هل ستكون

ملكي أنا ؟

ملكي أنا

أخبريني

ياآآآبنفسج "

 

صراع الإبداع والإتباع .. قراءة في قصيدة "سيرة الإرث" للشاعر طلال الطويرقي

hayelali almotheabiفي مطلع قصيدة الطويرقي "سيرة الإرث" يقول: "يا وله المسافر حين تكتمل العبارة / دونما ذكرى / ولذا سنترك كل شيء يافعا للماءِ / كيما يدرك الماضون وجهتنا، / وننسى كل ما تركوا لنا. " وهي دعوة إلى التحرر والتمرد على التقليد المتعارف عليه في الإتباع، والتمرد على ما خلفه الأسلاف ..

إن أعمق حاجات الإنسان هي أن يخلق ويبدع ويُصيّر، قال تعالى " فتبارك الله أحسن الخالقين " ..

وواضح أن أزمة الذهن العربي، عدا تقديس الأسلاف (atavism) وعبادة الماضي، واعتقاده بمقولة (لا جديد تحت الشمس) هي أنه فقد قدرته على الخلق، لا أعني فقط قدرته على خلق عالمه، وتصميم الدنيا التي يحيا فيها بل، وهو الأهم، قدرته على تصميم نفسه، على إعادة الصياغة، على أن يكون لديه جديد كل ليلة، الذهن الذي يحفظ أو ينقل أو يقلد يصاب بالشلل إن فقد ماهيته أن يخلق ويبدع ويصير، ولا غرو من أن كل ذهن فقد قدرته على تصميم نفسه سيقوم غيره بتصميمه ..

لم يكن دقيقاً ما قاله بورخيس عن الكتب، من أن الناس في حقيقة الأمر يظلّون يتوارثون كتاباً واحداً بعناوين مختلفة وأن نصاً واحداً كتب مرّة واحدة وبات يتكرر من دون توقف ..

ولكأني بزهير شاعر " الحكمة " يهمس في أُذن بورخيس حين قال منذ عصور:

ما أرانا نقول إلاّ معاراً     أو معاداً من قولنا مكرورا

ولكأني بأبي عثمان الجاحظ لم يبتغ شيئاً سوى الرد على أولئك جميعاً حين قال: " ما على الناس من شيء أضر من قولهم ما ترك الأول للآخر شيئاً.. " وكذلك قول أبو عثمان المازني " لا ينفع المتقدم تقدمه إذا قصّر كما لا يضر المتأخر تأخره إذا أجاد.."

منذ عصور سحيقة والعرب تحديداً ما برحوا يرسفون في أغلال التقليد والإتباع درجة أنهم فقدوا قدرتهم على الخلق والإبداع ..

وبالعودة إلى قصيدة طلال نجد أكثر من مجرد فكرة التمرد على الإتباع، يقول : " هاهم تزم ملامح الأيام ضحكتهم / وتوغل في براءتها الأنيقة / ثم نوغل في فصاحة الأحداق إذ دمعت / ونذكر كل ما تركوا لنا / تركوا لنا ترطيب ضحكتهم كما لم يفعلوا، / تركوا مقاعدهم تنز لم يتألموا، / تركوا دخان حطامهم يعلو، / ومروا مثلما قلنا لهم. / تركوا لنا ترويض رغبتهم ولم يتعثروا، / تركوا ركام ذهولهم بالكاد يرتشف الحقيقة مرةًْ، / ولغير ما كنا نواطئهم مضوا. / "

إن من تأخذهم هيبة البحث عن حقيقة معينة لا يستطيعون كشفها إذ أنهم حكموا على أنفسهم –سلفاً –بالعجز والفشل، والذين تمتلكهم هيبة العلماء السابقين يستحيل عليهم فهم أي شيء جديد، إذ أنهم لا يؤمنون بأي اكتشاف ذاتي يتوصلون إليه والأجيال التي تعبد جيلاً سابقا، وتعتقد أنه وصل إلى قمة العقل والمعرفة، تبقى هذه الأجيال – في أوحال الجهل لأنها تفقد الثقة بقدرتها على فهم أي شيء لم يفهمه ذلك الجيل السابق.

والتقليد قد يوجد – دون وجود علاقة عاطفية بين المقلدِّ والمقلدَّ بل بمجرد أن المقلدِّ ضعيف النفسية وغير مستعد للبحث بنفسه حول القضية أو الخلق والابتكار والابتداع فيتبع غيره في ذلك.

ولا نستغرب أن نجد على مستوى العقيدة أيضاً أن تكون حجة عبدة الأصنام والأوثان قديماً والآن وتعليلهم لعبادتهم بقولهم " هذا ماوجدنا عليه من سبقونا " أو " آباؤنا " وهذا ما أطلق عليه علماء الاجتماع بـ" البرهان الاجتماعي" .

إن الفكرة الجوهرية للقصيدة ومحورها الذي تدور في فلكه هو " التقليد " خصوصاً أنها تتحدث عن سيرة " الإرث " يقول طلال:

" تركوا لنا قبلا مبللةً / لنذكر أنهم بذروا الحياة لحزننا لم يبخلوا، / وتجشموا تعب المسير لوجدهم في السر لم يترددوا. / تركوا لنا الأحلام ننشرها / ونجهد في تتبع طيفها الظمآنِ

نكبر في تناسيها / وتصغر كلما اتسعت بنا الأيام كالذكرى. "

إن ثقافة التقليد عموماً وكمفهوم معاصر " Traditionalisation " هي ثقافة الجماعة والإجماع، ثقافة الأمة، ثقافة تعتبر نفسها (ومن ثمة الأمة التي هي تعبير عنها) نموذجاً ومثالاً، وتعتبر كل جديد بدعة وضلالاً وخروجاً عن إجماع الأمة ولعل هذا ما يريد الشاعر الطويرقي الانتباه له في قصيدته .

إنها ثقافة الصهر والانصهار المؤطرة لموقع الفرد ولدوره ولوعيه، لأحلامه ومتخيله حيث لا مجال لحرية أو لاستقلال الفرد .

ونحن في هذا العصر نشهد انتعاش ثقافة التقليد، ووعي التقليد بذاته، بل تسخيره للكثير من المعطيات التقنية والتنظيمية والثقافية للحداثة في صراعه ضد مظاهر التحديث.

افترض أن الثقافة التقليدية المنتعشة والمغتناة، بمكاسب الحداثة تطور وظيفتها في الصهر والضبط والمراقبة والعقاب وذلك من خلال العديد من الآليات منها الأمثلة (Idealization) والنمذجة للذات، ومقابلها شيطنة الآخر، منها الإجماع والتأكيد على وحدة الأمة التي هي كلية إنصهارية لا تجتمع على ضلال .فالضلال فردي والصواب جماعي، ومنها التخوين على المستوى السياسي والتكفير على المستوى العقدي، والاتهام بالعمالة الحضارية على المستوى الثقافي والفكري. ومنها رفض التجديد والإبداع واعتباره بدعة وابتداعاً، أي خروج عن الجادة وعن المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك ضال . وأيضاً تحديد سقف واطئ لحرية الضمير أو الوعي أو حرية الاعتقاد، إذ لا يحق لأيٍ كان المساءلة أو النقد .

هذه البنية العقدية هي نواة الثقافة العربية، بل إن هذه البنية تتحكم في كل البنيات الثقافية المشتقة وتوجهها، كمثال على ذلك نذكر بأن البنيات السياسية العصرية ذاتها، التي من المفترض أنها تنطلق من بنية فكرية مغايرة تقوم على مبدأ تعدد القيم والمرجعيات والرؤى، تعيد إلى درجة كبيرة إنتاج هذه البنية العقدية التقليدية حيث تفرض الأنظمة السياسية العصرية نوعاً من الإجماع الداخلي، ولا تسمح حتى بوجود تيارات رأي داخل صفوفها، بل إن البنية التنظيمية لهذه الأحزاب تكاد تكون بنية قدسية تراثية، وكثيراً ما تطغى اللغة الدينية متمثلة في مصطلحات الحلال والحرام في الخطاب السياسي الرسمي أو الحزبي، وهذا ديدن القصيدة وفلكها: " تركوا لنا تحديد وجهتهمْ، / جنائزهم بلا كفنٍ، / وقبرًا جاهزًا لعظامهمْ. / تركوا لنا أيضًا / رنينًا عاليًا برؤوسنا، / وصداع رأفتهم بنا. / تركوا جماجمهم تكز بقرب رجفتنا / دموعًا مرةً لغيابهمْ، / ولوحدهم راحوا يعزون الغياب نيابة عنا..)).

تبقى مسألة أخرى وهي حالة الصراع بين الخلق والتقليد والاتباع تنبهنا له قصيدة الطويرقي، وثمة من يؤكد من الأصوليين أن كلمة (إبداع) وكلمة (خلق) ليستا من صفة الإنسان بل من صفات الله فهو وحده (خالق) و(مبدع) وليس بإمكان الإنسان أن يصنع شيئاً من لا شيء . وقال أيضاً:إن مصطلح (الإبداع) لم يرد في الفكر الإسلامي الكلاسيكي فهو نتاج الحياة المعاصرة ومستورد من الغرب !!.

وهنا أعود إلى قصيدة طلال وأورد قوله:

" ولذا سنترك كل شيء يافعا للماءِ / كيما يدرك الماضون وجهتنا، / وننسى كل ما تركوا لنا. / الآن تندلق المسافة في يقين الصمت / والذكرى تحط على فضاء الروح / بالوله المصفى / دونما قيد / وندخل في سراديب المسافة مترفين. "

هنا أيضاً يستلب الإنسان من إمكاناته وقدراته ويهمّش، أي يغترب عن ذاته، بيد أن المعركة بين الجديد والقديم أو بين التقليد والخلق كانت دائماً قوة فاعلة في التاريخ، قد تحتدم في عصر أكثر من غيره ولكنها لا تتوقف كلياً .

وفي المجتمع العربي هناك قوى تبدع وتجدد وتغير، كما أن هناك قوى تتبع وتقلد وتحافظ مكررة الأمس، هذا ما نجده في مختلف المجالات الثقافية، كما نجده في السياسة وغيرها ..

ومن الواضح أن القوى التي تبدع غير ما عرفه الماضي ليست غريبة عن التراث العربي، وكانت في مختلف العصور في صراع مع القوى التقليدية المضادة..

لذلك نعتبر أن قوى التجديد كانت هي ونتاجها دائماً جزءاً لا يتجزأ من الثقافة العربية .. وبهذا المعنى الإبداع أصيل كما الإتباع، والعرب في مختلف أزمنتهم انقسموا بين مؤيدين للاتجاه التقليدي ومؤيدين للاتجاه التجديدي في إطار الصراع العام نتيجة للتناقضات الداخلية والخارجية .

بذلك نجد أن الثقافة العربية ليست جوهرياً (ثقافة تقليدية) بل هي ثقافة صراع بين القديم والجديد، ففي كل عصر من العصور العربية هناك نظام سائد يمثل مصالح وقيم طبقات وجماعات محرومة، بمعنى أن الثقافة العربية تتمحور حول الصراع بين قوى متناقضة وليس حول الماضي أو حول المستقبل أو حول طرف من أطراف الصراع..

قد يغلب منحى على آخر في زمن ما (وقد يكون منحى الإتباع أو الإبداع) ولكن الصراع هو المحور دائماً ..

وكما أن هناك من يقيسون الحاضر والمستقبل على الماضي، هناك من يأخذون بهاجس الحداثة الذي يقوم على إدانة التقليد أو المحاكاة، ورفض النسج على منوال الأقدمين والتوكيد على التفرد والسبق، وعلى الابتكار .

والثقافة العامة هي معتقدات هؤلاء وأولئك متصارعة، لذلك لا يجوز الكلام عن ذهنية عربية واحدة بل هناك ذهنيات عربية متناقضة وفي حالة مواجهه مما يدل على خطأ الاستنتاج بأن عبارات كالإبداع وإعادة النظر والحداثة لا تعني للمجتمع العربي إلا خروجاً على الأصل ولذلك أيضاً نعتبر الثقافة العربية ثقافة متحولة باستمرار والثابت فيها هو الصراع نفسه، وليس التقليد أو الإبداع والخلق بحد ذاته...

 

سيرة الإرث / طلال الطويرقي

 

الآن تتسع الغيوم لغينا،

والبحر للحدقاتِ،

يا وله المسافر حين تكتمل العبارة

دونما ذكرى

ولذا سنترك كل شيء يافعا للماءِ

كيما يدرك الماضون وجهتنا،

وننسى كل ما تركوا لنا.

الآن تندلق المسافة في يقين الصمت

والذكرى تحط على فضاء الروح

بالوله المصفى

دونما قيد

وندخل في سراديب المسافة مترفين.

هاهم تزم ملامح الأيام ضحكتهم

وتوغل في براءتها الأنيقة

ثم نوغل في فصاحة الأحداق إذ دمعت

ونذكر كل ما تركوا لنا

تركوا لنا ترطيب ضحكتهم كما لم يفعلوا،

تركوا مقاعدهم تنز لم يتألموا،

تركوا دخان حطامهم يعلو،

ومروا مثلما قلنا لهم.

تركوا لنا ترويض رغبتهم ولم يتعثروا،

تركوا ركام ذهولهم بالكاد يرتشف الحقيقة مرةًْ،

ولغير ما كنا نواطئهم مضوا.

 

*

مروا ولم نترك مكانا شاغرا لمرورهمْ،

سنوا لرغبتهم رماح وشاية نفذت بهمْ،

وتحلقوا لحضور أنتهم ولم يمضوا

بعيدا في تألقهم بها.

*

ينسون فوق ثيابهم عطرًا

به تزداد حصتهم ولا يبكونَ،

تأخذهم ملابسهمْ

لأبعد من مجرد زهوهم بجفافها.

*

تركوا لنا قبلا مبللةً

لنذكر أنهم بذروا الحياة لحزننا لم يبخلوا،

وتجشموا تعب المسير لوجدهم في السر لم يترددوا.

تركوا لنا الأحلام ننشرها

ونجهد في تتبع طيفها الظمآنِ

نكبر في تناسيها

وتصغر كلما اتسعت بنا الأيام كالذكرى.

*

قالوا لنا:

كنا بقرب دموعكم نطفوا ولم تتنبهوا،

كنا نمر بقرب موعدكم لدرء رصاصة كذبت،

وكان لنا المثول أمامها من دونكمْ.

قالوا لنا:

لم تتسع لمرور خيبتكم مقاعدنا ولم تتراجعوا،

ولذا تركنا الحزن يأخذكم لغيم دموعهِ

فرحًا بكمْ.

*

تركوا لنا تحديد وجهتهمْ،

جنائزهم بلا كفنٍ،

وقبرًا جاهزًا لعظامهمْ.

تركوا لنا أيضًا

رنينًا عاليًا برؤوسنا،

وصداع رأفتهم بنا.

تركوا جماجمهم تكز بقرب رجفتنا

دموعًا مرةً لغيابهمْ،

ولوحدهم راحوا يعزون الغياب نيابة عنا..

 

رماد الأسئلة .. بقايا الأجوبة

mothana khadomsadiqترفل مجموعة (رماد الأسئلة)(1) للشاعر المبدع (حبيب السامر) بوتريات وجدانية مربوطة بــ (كمنجة) الشعر، إذ يعمق في أحافير الذات المأزومة سمات قارة، ضمن تعالقاته الذاتية على وفق منظومة جمالية يتعالق فيها المعنوي مع المادي، بدءاً من العنوان الاستعاري في بنية علاقة المضايفة (رماد الأسئلة) فالرماد ما تبقى من النار أو طفلها الميت الذي لم يتغذَ، فالأسئلة كانت ناراً لم يكتب لها ديمومة التوهج، مما جعل النار حقيقة مستلبة من توهجها فاستحالت رماداً للأسئلة غير المجابة أو التي تلونت بالقتامة .. قتامة الرماد . ولعلنا نلمس حرص الشاعر على استبقاء ما تبقى من وطنه في قصيدة (مطر يبلل قاماتنا) إذ يقول: (الوعول تحرث مدني، سأدخر بعض تراب) ص 7 فالشاعر يمد عروق انتمائه إلى أكثر من مدينة، لذا فأي تراب منها يفي بهذا الإدخار بدلالة تنكير كلمة (تراب) ثم أن النص يفصح عن سرعة الإدخار بتوظيف (سين) الاستقبال ذات الزمن القصير، قبل تغيير الوعول لوجه الأرض، فلا يبقى منها قطعة أصل سوى عند الشاعر، ويشتغل الشاعر ضمن رؤية سريالية خاصة كانت لوحتها راحة يده (فوق راحتي انشطرت غيمة) ص 8 فثمة علاقة جدلية بين راحة الشاعر (السماء) وبين الغيمة المنشطرة (التجاعيد) ولعل الشاعر يريد أن يعكس المعنى، ليشير إلى أن راحته (أمنه وسكونه) لم يعد كما كان، بل أصبح مضطرباً ملبداً بالغيوم المنشطرة، كما يلجأ الشاعر إلى الانشطار الذاتي في نص صوفي، يفصح عن ثنائية النفس الواحدة التي تدور في حيز الانتظار (أنا أم أنا من ينتظر الآخر) جاء الضمير الذاتي (أنا) مفصحاً عن ذات غير متضخمة ذات صوفية مفعمة بالانتظار للآخر وقد يكون الآخر (هو) لتتواشج الذوات وتنصهر في ذات واحدة ضمن بوتقة الوجود أو الظهور إذ غالبا ما يعيش الشاعر وفي كينونته ذلك القلق المستديم المتواصل الذي يخرج بالبوح الصوفي عن نفسه الهائمة، التي هي بؤرة عينيه التي ترى ما لا يراه سواه، ويستجلى ذلك من خلال أدلته البرهانية فــ (السكين برهانه الجرح) ص 11 فلا برهان في الحياة من دون ألم، أما قصيدته (حارس آخر الليل) فإن التماس اليقظة للذات المتعبة الساهدة يجسدها الشاعر في لقطات نفسية مدهشة (والحارس لا يزال يقرص نعاسه بالدخان والسعال) ص 15 فالقرص فعل إنجازي للبقاء متنبهاً، لكي لا يغفل عمن تسول له نفسه بالسرقة إلا أن هذا القرص للنعاس لا يتم بما هو معروف (الأصابع) بل بالدخان والسعال، إذ إنهما يبقيانه متيقظاً فمساحة القرص تأخذ هنا امتداداً أعمق مما يأخذه القرص الحقيقي على مساحة ضيقة من الجلد، فتتسع بذلك الصورة المعنوية لذلك الحارس المفعم بالنعاس في آخر الليل، لكي يحول بينه وبين النوم من خلال انهماكه بالتدخين والسعال الذي هو منبه صوتي للعيون، وعلى وفق ذلك فإن الشاعر خلق دوراً مهماً بالمماحكة بين النوم وبين عدوه السعال، بعدم استقبال أحدهما للآخر بتدفق السعال عليه . إن استعمال الفعل الانجازي (أخلدوا) في قصيدة (المجنونة ثانية) قد أوحى بنفي النهار (أخلدوا للنوم المضجر / أيها المجانين / النهار لن يطلع غداً) ص 21 فالنص يشي بالاحتجاج على طرفين لا يقبلان الحياد هما (الليل / النهار) ولتصعيد النهار على الليل جعل النهار منتظراً منفياً بأداة النفي التأبيدية (لن) لكن مفردة (غداً) تجعلنا نتأمل أن يطلع النهار بعد غد !! حتى لو كان الليل طويلاً .. وجاء الاحتفاء بالرأس، ليمتاح من التناص القرآني (وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ) كما في قصيدة (أيها الرأس حتماً سيهنئك الغراب) إذ يخاطب الشاعر الرأس قائلاً (أيها الرأس بك انبهرت الدنيا / وأنت القابع، القانع فوق جسدي) ص 31 فالرأس مركز الحواس والتفكير وبه يتواصل الإنسان مع الآخر، فالرأس بنية لامة لمقومات الجسد وحواسه ومدركاته الحسية والمعنوية، وتأتي قصيدة (بلورات العمر) ليحشد فيها الشاعر طاقة استعارية لافتة (يدك تحاصرني / تغسل عيني بالظمأ / وبقايا خثرة القمر) ص 42 وهذه الطاقة تتأتى من غرابتها يقول الجاحظ (الشيء من غير معدنه أغرب، وكلما كان أغرب كان أبعد في الوهم، وكلما كان أبعد في الوهم كان أطرف، وكلما كان أطرف كان أعجب، وكلما كان أعجب كان أبدع) إن الاستعارة قد جمعت بين الشيء ونقيضه (غسل العين بالظمأ) ضمن سياق لغوي أخاذ يتضمن مفارقة مدهشة فضلاً عن استعماله (بقايا خثرة القمر) ليوحي ـ ربما ـ ببياض أصابعها، فهي إيحاءات قد أضاءت دواخل الشاعر التي خلقها بالتداخل والامتزاج .. إستطاع الشاعر أن يبني مجموعته بتقديم ظلال الكلمات على الكلمات فتولدت شعرية كهربت النصوص وأضاءتها.

 

(1) رماد الأسئلة / شعر / حبيب السامر / ط1 / 2013م من إصدارات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية .    

 

سحــــر العتبات .. قراءة في ديوان "على نوافذ صمتك" للشاعرة بهيجة البقالي القاسمي

alzahra hamodanوالعتبات أو النص الموازي، هي نصوص مرافقة للديوان ومتونه الشعرية،قد لا ينتظر منها، أن تشرح أو تفسر أو توضح، بقدر ما تشير وتلمح، وتضيء الطريق نحو استخلاص الدلالة الابداعية والفنية، شكلا ومضمونا. نترجل عندها طامحين الى تحقيق مقاربة الإشارات الجمالية انطلاقا من الغلاف ورموزه، مرورا بالعنوان وشعريته، التي سنستخلصها عبر تفكيك وحداته التركيبية. ثم نتوقف قليلا عند الإهداء الغائب/الحاضر، قبل أن نبحر نحو عناوين قصائد الديوان، كعتبات ثانية . ثم نلتفت قليلا إلى عتبات الديوان الهامشية.

الديوان يقع في خمسة وثمانين صفحة، تتوزع عبرها قصائد سبع. مغر بعتباته، فهي إشارات تعكس برهيف فني، أشكالا وألوانا وحروفا، ترشح بحمولة دلالية منطوقها الرمزي، لا يقل شعرية عن القول الشعري للقصائد. لهذا وجدت نفسي أنيخ أمامها، لعلني أظفر ببعض أسرارها. وهي أصناف ثلاث:

الصنف الأول: عتبات كبرى وتمثلها: واجهة غلاف الديوان ـ الدفة الأخيرة للغلاف ـ عنوان الديوان ـ الاهداء ، ذلك الغائب/الحاضر.

الصنف الثاني: عتبات صغرى، وتمثلها عناوين قصائد الديوان، وهي: كل العناوين لك – شلالات العيون – نبض على الشريان – سر بهاك – ألوان ليلتي – من قعر الكلام – كي تراني.

الصنف الثالث: عتبات هامشية، لكن حضورها ثابت وله دلالته السيميائية، بين ثنايا النص الموازي، الذي تشكله العتبات. وتتبدى عبر نص " الشاعرة في سطور "المنتصب كهامش على يمين باطن صورة الغلاف ـ الصورة الشخصية للشاعرة، في حجم صغير، مذيلة بعنوان الديوان ثم اسمهاـ كلمة تقديم الدكتورنجيب العوفي:" شاعرة تفتح نوافذ الصمت" ـ العناوين الثلاث المثبتة على هامش باطن خلفية الديوان.

و بعيدا عن صخب التسميات، والمفاهيم التي أثيرت حول " النص الموازي " أو العتبات ووظائفها، أستأنس بهذا الخصوص، بنص الشاعر المغربي محمد بنيس حيث يقول: " النص الموازي هو تلك العناصر الموجودة، على حدود النص، داخله وخارجه في النص تتصل به اتصالا يجعلها تتداخل معه إلى حد تبلغ فيه درجة من تعيين استقلاليته، وتنفصل عنه انفصالا يسمح للداخل النصي، كبنية وبناء، أن يشتغل وينتج دلالته. كما يعرفه جيرار جنيت، أحد رواد النقد الحديث، " النص الموازي هو ما يصنع به النص لنفسه كتابا. يقترح ذاته بهذه الصفة على قرائه، وعلى الجمهور عموما، أي ما يحيط بالكتاب من سياج أولي، وعتبات بصرية ولغوية."

و هكذا سنحاول تفكيك السياج الأولي، الذي به صنع ديوان " على نوافذ صمتك "، للشاعرة بهيجة البقالي القاسمي، هويته الشكلية ككتاب، من أجل التعرف على وحداته البصرية واللغوية، أو ما يسمى بعتباته.

 

العتبات الأولى، وتشمل:

1 ـ واجهة الغلاف

إنه بصفة عامة الفضاء البصري الذي يشكل الصفحة الأولى للغلاف. وباستقصائنا لوحداته، تواجهنا صورة الغلاف، البوابة الرئيسة، وعليها احتشدت عناصر الموكب الاحتفالي، توحدها علاقات شكلية وحسية، كالألوان والحروف والمسطحات، كالصورة الشخصية للشاعرة، التي غمرت أكبر مساحة من واجهة الغلاف. ومن خلالها انبنى حضور يشع بالحركة والفعل.

الحركة: تبديها الانحناءة الخفيفة لرأس الشاعرة، المنكب على الكتاب، في تركيز وتفاعل.

الفعل: تترجمه اليدان الممسكتان لدفتي الكتاب المفتوح، في استعداد لتصفحه . وهو فعل يوحي بالألفة والتجاوب. بوح متبادل بين الشاعرة والكتاب،و وعود متبادلة، تشي بها الجملة الصاعدة من الكتاب، منتظمة في حروف تشكلت عنوانا ثانيا موسوما ب: "ومضات شعرية ـ 1 ـ "، وهو عنوان له وظيفته الدلالية، إذ يحدد هوية الشاعرة الإنسانية كأنثى مشرقة الحضور، وهويتها الابداعية كشاعرة تسعى إلى إغناء التجربة الشعرية ببلادنا بأدواتها الذاتية من لغة وتخييل ورؤى جمالية وفكرية خاصة. العنوان الثاني خطف الأضواء من العنوان الرئيس،فهو يشي بإصدارات شعرية مستقبلية، يكثفها رقم "1"، الذي يثبت أنه ما زال هناك ومضات شعرية أخرى قادمة.و هذا فعلا ما سنجده عند العتبة المثبتة على هامش باطن الغلاف الأخير للديوان، حيث تعلن الشاعرة عن مشروعها الشعري المعنون ب " ثلاثية الومضات الشعرية ": أولها ديوان "على نوافذ صمتك "، الذي نحن بصدد قراءته . يليه عنوانان لا زالا تحت الطبع هما:" بين العين والنظر" و" أرواح في المدى ".

 

2 ـ خلفية الغلاف:

دلالة النضج والشموخ، التي يرمز إليها اللون القمحي، محفز خفي، جعل الشاعرة، تتركه ينساب ويهيمن على واجهتي الديوان، يؤكد هذا المنحى الدلالي، الغلاف الخلفي للديوان، وقصيدة: كما العشق "، لسان حال الشاعرة، الذي يعلن ذاتيتها المكتسبة/الناضجة والشامخة، انطلاقا من ضمير " أنا " الصريحة المتربعة على صدر البيت الأول من القصيدة " محظوظة أنا "، لتتوالى بعد ذلك ياء المتكلم ـ في باقي أبيات القصيدة ـ تمجد ميلاد " الأنثى الجديدة".

 

3 ـ العنــــــــــوان

يشغل العنوان الرئيس " على نوافذ صمتك " بصيغته وتركيبته الشكلية، المسافة الفاصلة بين صورة جسد الشاعرة والكتاب الذي بين يديها، في موقع هو أقرب فيه إليها من الكتاب، بصفته صادر عنها، حامل لخطابها . وهو من هذا الموقع، ينبئ عن رحلة سفر قطعها المتن الشعري للديوان، بين ذات الشاعرة، والكتاب المفتوح، في انتظار رحلة أخرى إلى حيث يوجد المتلقي . تكلل كل ذلك، حروف متراصة تؤلف اسم الشاعرة. تعلو هامتها، كإكليل نصر أنثوي، استحقته بعد فوزها باختراق الصمت،و تجاوز الإقصاء بكل تجلياته الاجتماعية والفكرية والثقافية .

إن لغة العنوان الشعرية ابتداء من المكون الحرفي الأول " على " الذي يفيد الاستعلاء، توحي لنا باختيار " الأنا" الشاعرة لموقعها، حيث تلتقط الشاعرة/الأنثى ـ مرة أخرى ـ درع الصمت، تلقي عليه صيغة المخاطب . تشرع له في متخيلها، نوافذ مفتوحة على احتمالات عدة كالإنصات والتواصل والانطلاق اتجاه " الآخر" بصفته طرف ثان يشاركها وجودها. كما يمكن أن نقرأ العنوان، كونه يختزل تمركز قصائد الديوان حول ذات الأنثى وجوانبها، من خلال ثنائية الصمت والنوافذ... الصمت الذي يوحي بالانغلاق والنوافذ وإشاراتها الدلالية، كالعبور مثلا من الصمت إلى حيث النوافذ المشرعة على كل أصوات الكون.

 

4 ـ الاهـــداء

إنها إحدى مكونات فضاء البدايات، التي ينبني عليها النص الموازي، ويعرفه الناقد المغربي بنعيسى بوحمالة أنه:" تقليد ثقافي ينم ـ بلا شك ـ عن لباقة أخلاقية، إن لم تكن واجبة، فهي ـ على الأقل ـ مستحبة"، والشاعرة لم تخنها اللباقة بقدر ما أسعفتها القصيدة . اتخذت من " كاف المخاطب"، متكأ لها في لعبتها الشعرية، واللبنة الذهبية في البناء الفني لديوانها، انطلاقا من العنوان " على نوافذ صمتك ". ألغت مسافة الإهداء المباشر، لتضعه على رأس متواليات القصائد، وبالعنوان الصريح:" كل العناوين لك"، إذ لا لبس ولا تمويه . إنه إهداء بصيغة الأنثى . إبداع مضعف، متميز ومدهش. يقول الدكتور عبد الرحيم جيران 3 " إن الخلق الفني، يتطلب حضور الوعي." والشاعرة بحذفها عتبة " الإهداء"، أعادت تشكيل فضاء عتباتها، بفنية ووعي ذاتيين، صاغت بهما " تحفة وجودها" بتعبير ميشيل فوكو. وبهذا أصبح الاهداء العتبة الغائبة/الحاضرة. غائبة بشكلها التقليدي، حاضرة في خلق فني حداثي، هيأته الشاعرة من أنفاس " الأنا " الشاعرة و" الأنت" المخاطب، فانصهرت قصيدة " كل العناوين لك"،إهداء مدبجا شعرا هادرا بأصوات تتراوح بين النبر والصراخ، والهمس، والنبض،و الشدو، ...قصيدة بكل أصوات الحياة، مما تقوله القصيدة بهذا الخصوص:

حقا في صراخه صراخي

* * *

همس عازف

تناغمت حروفه

رسمه النبض على الشريان

* * *

شدو ناعم

بنسيم هدوء ليلة

أسامره باشتياق وحنين

و من فطنة الشاعرة، أنها ولدت االمفارقة بين الصمت، والصوت المتعدد، كي تبرز تلك العلاقة المتوترة، بين ذات الأنثى، وموضوع صوت كينونتها المكبوت، وحقها في التعبير عن القبول والرفض، وفي الوجود الفعلي والكامل.

العتبات الثانية: وتمثلها عناوين القصائد، الموزعة بين دفتي الديوان، ويبدأ تراصها، بقصيدة:

1 ـ شلالات العيون

و فيها تتغنى الشاعرة، بصخب الصمت الناطق بالمقل بدل اللسان .و مما تقوله القصيدة، في هذا السياق الدلالي:

أي شهادة أكثر تعبيرا

عن صمت ينصت لشلالات العيون

وهي قصيدة مطولة تمجد الصمت في حضور المخاطب ذلك " الأنت" الصامت/الناطق. تقول الشاعرة:

كلما فتحت نوافذي ووجدت الصمت

أتساءل أين أنت؟

2 ـ نبض على الشريان

تستمر الشاعرة في لعبة الثنائيات والتضاد لتصنع عالمها الشعري .توظف اللغة العادية، لسبك صياغة شعرية، ترقى بها إلى الفنية.تقول في المقطع الثاني من قصيدة " نبض على الشريان":

نصف حياتي أقرؤك

و نصفها الثاني أكتبك

لا يهم أن أضعف أمامك

أراك الأقوى

ثم تضيف في مقطع آخر، يبدو أن العنوان يمتح منه، وفي نفس خط الثنائيات:

بين حب وعشق

أراك وحدك المدون على الشريان

3 ـ ســر بهـــاك

في قصيدة " سر بهاك " تسترسل الشاعرة في التغني بذاتيتها الأنثوية في علاقتها بالآخر، في تصالح واع وناضج،و متكافئ الحضور،و في نفس الخط الإبداعي الذي خصصته لقصائد ديوانها ، حيث الثنائيات والمفارقات،خامتها التخييلية واللغوية، تقول:

تزداد فرحتي كلما رأيت القمر نهارا

و كلمني ليلا

4 ـ ألــوان ليلتـــي

كلما توغلنا في قراءة أسرار العتبة الثانية، فتحت لنا القصائد أبوابها . ترفع عنا الحجب، وتكشف لنا تمفصلات العلائق النصية بين متوالياتها، أي ما يدعوه رولان بارث بالنسيج . ففي قصيدة " ألوان ليلتي " ، نجد الشاعرة، بعد استحضارها لمخاطب في قصيدة " سر بهاك"، تعود لتصوغ ذاتها في حضوره، تغرق في غنائية تنصت لذات الأنثى بصيغة " الأنا ". تقول:

قطفتها

لونتها

إنها لي

ضعها على قبري

***

كم أتمنى أن تتبدل الأدوار

تحل الشمس ليلا والقمر نهارا

بل أتمنى أكثر

أتذوقك يا قمري ليلا ونهارا

و بك أسكر

تكريس متحرر للحلم الأنثوي .. وانعتاق بوح الذات الأنثوية، من ربقة صمت الكبت.

 

5 ـ مـن قـعر الكـلام

بينما يتربع جنون الحلم، على تل الصور الشعرية، لدى الشاعرة بهيجة البقالي القاسمي، وبعدما رسمت لنا من كومته، خرائط تغير نمط الطبيعة، وفسحت للحلم، طموحات تجسد الأحاسيس والأبعاد الوجدانية الأنثوية الصرفة.نجدها في قصيدة " من قعر الكلام "، تقع تحت سحر الحكمة، وذائقة نضج التجربة المعرفية والإنسانية لديها. فهي رغم تمسكها بذلك المخاطب الحميم، حاضرا في القصيدة، كوتد رئيس لخيمة شعريتها، عمدت في هذه القصيدة، إلى تنويع إبداعي، من خلال التطرق إلى مواضيع المعرفة الإنسانية العامة، كالتنظير للكتابة، عندما تقول:

الإبداع لا يوجد في صنبور

متى أردنا المزيد نفتحه

و هي حالة توحد وصلح مع الذات، واندماج محقق ـ بفتح القاف الأولى ـ في حقل الفعل الانساني، وحق التعبير المكتسب، بعد نجاحها في " إنطاق " الصمت.

و النقد الاجتماعي، عندما تقول:

ما أقسى الكلمة الطائشة

كالرصاصة التائهة

و الحكمة في قولها:

متى كانت الألقاب تصنع الفنان؟

و الشواهد الانسان؟

القصيدة تنطق بالمواقف الخاصة للشاعرة، اتجاه بعض مظاهر الحياة، مما يؤكد توازنها الذاتي بين العقلي والوجداني، وهي ثنائية تبصم ذاتها الشاعرة، على مدى قصائد الديوان، بتفاوت شعري ملحوظ .

 

6 ـ كـي ترانــي

هي امتداد لقصيدة " قعر الكلام "، غير أنها ذات خصوصية أنثوية في علاقتها بالذات لما تشدو بالأنا قائلة:

أنا متعبة بصدقي

فلا تسألني عن الباقي

أومن بالسقوط

غير أني أرفض الانكسار

و بالآخر: الشريك الحميم، والأسرار الخفية التي تجمعهما، عندما تقول:

إذا ما انعدمت الغيرة

ابحث عن سبب لخلقها

فذاك سر الاستمرار

هي " القصائد السبع " للصمت،و ما عدد " سبعة " إلا حامل للمؤشر الرمزي والدلالي، لثنائية الرجل والمرأة، ـ حسب ما قادتنا اليه القصائد من نتائج محتملة الاستقراء ـ حيث يكون رقم " سبعة " عتبة خفية لعلاقة الصمت بالأعداد السبعة لألوان الضوء المرئي، التي استوحت منها الشاعرة، ألوان الحقائق المشتركة بين الرجل والمرأة . تلك الحقائق التي غيبها الصمت، وطوقها بأعراف وتقاليد ساهمت في توتر علاقة الأنثى بنصفها الآخر.يؤكد هذا ، وظيفة الثنائيات والتضاد الذي يعتبره النقاد عنصر أساس في عملية الانزياح، التي بها يصنع الشاعر لغته الشعرية، وكذلك تقنية انتقال الضمائر بين " الأنا" والأنت".

أسكنت الشاعرة موضوعة " الصمت "، منها الوريد. مارت أمواجه في شرايينها، أصداء لذات الأنثى المتمردة على كل أنواع الصمت، فنطق الشعر.

العتبة الثالثة:

هي عتبة هامشية، وظيفتها تقنية، وإن كانت لا تخلو من لمسة الشاعرة الجمالية، في اختيار الأحجام والألوان والأشكال، والمواقع بين دفتي الديوان لكل وحدة من وحداتها. حضورها جلي على حدود الديوان الداخلية . يساهم في شكله مضمونه.. تتبدى من خلال:

أ ـ النص الذي يعرف بالشاعرة المعنون ب: " الشاعرة في سطور "المنتصب كهامش على يمين باطن صورة الغلاف .

ب ـ الصورة الشخصية للشاعرة، في حجم صغير، مذيلة بعنوان الديوان ثم اسمها، قبل أن يتكرر وجودها عند كل قصيدة من قصائد الديوان .

ج ـ كلمة تقديم الدكتورنجيب العوفي:" شاعرة تفتح نوافذ الصمت" .

د ـ عنوان المشروع الشعري الحالي، للشاعرة ، متكاملا: " ثلاثية الومضات الشعرية "، وتفصيل عناوين دواوينه الثلاث: 1 ـ على نوافذ صمتك ـ، المثبتة على هامش باطن خلفية الديوان ـ 2 ـ بين العين والنظر ـ 3 ـ أرواح في المدى.

 

بقلم: الزهرة حمودان

.....................

1 ـ " على نوافذ صمتك ": ديوان للشاعرة بهيجة البقالي القاسمي: ط 1 فبراير 2014

2 ـ كتاب: " الشعر العربي الحديث، بنياته وإبدالاتها التقليدية"، للشاعر المغربي محمد بنيس

منشورات دار توبقال للنشر ـ الطبعة 1 سنة 1986، ص 76.

3 ـ كتاب " العتبات". الصادر سنة 1987، للناقد الفرنسي جيرار جنيت

4 ـ كتاب " سراب النظرية": الدكتور عبد الرحيم جيران، دار الكتاب الجديد المتحدة ـ ط 1: 2013



 

الرؤيا والجنون والتصوف .. قراءة في قصيدة "توجس" للشاعر عبدالله السالم

hayelali almotheabiفي كتابه المجنون يصف جبران خليل جبران كيف أصبح مجنوناً فيقول أنه بعد أن سُرقت براقعه ولفحته الشمس صار مجنوناً وفي قصيدة عبدالله السالم يصف الغرائب بأنها من فضحته والغرائب هنا تشبه حالة الشمس لدى جبران خليل جبران التي فضحت وجهه ولفحته والشمس رمز للمعرفة فبرومثيوس الذي تحدى زيوس كبير الآلهة وسرق جذوة النار من الشمس سرق المعرفة في الحقيقة وأصبح رمزاً للثورة ثم عاقبه زيوس بأن ربطه إلى صخرة كبيرة وسلط عليه نسراً جارحاً ينهش كبده أثناء النهار ويتركه في الليل ليعود كبده في النمو من جديد ودواليك عقاباً أبدياً، ويعبر نزار قباني عن ذلك في إحدى قصائده بقوله :" هل عندك شك أنكِ عمري وحياتي / وبأني من عينيكِ سرقت النار / وقمت بأخطر ثوراتي ؟ " وبالعودة إلى قصيدة السالم نجد أن السؤال الجوهري في القصيدة هو " أتوجسُ مم ؟ " ويتكرر ثلاث مرات فيها لتأتي الإجابات رمزية تعبر عن حالة مريعة من الحزن والشعور بالخذلان ويتجسد ذلك في أول مقطع حواري بعد أن يفصل الشاعر مايحصل له في سوق المدينة ومن صبية الحي وفعل العابرون فيقول لخالته التي هي رمز للحياة أن الدرب لايتسع لأثنين وهنا تظهر صورة خذلان الأصدقاء بجلاء وتظهر الخيانة من الأقربين فتحاول بدورها أن تهون عليه وتصف القبر فقط بأنه يفعل ذلك فيجيبها بحالة من اليأس مكرراً كلماتها حتى يصبيها الملل منه والتأفف لأنه لم يفهمها أو لأن وضعه الذهني لايسمح بذلك .. يقول : " أتوجسُ ممَ ؟

وهذي الغرائب تفضحني

حينما أتلبس صوفيتي،

أقصد سوق المدينة،

أفرش في باحة السوق وجهي

وأهذي وأهذي ..

يرجمني صبية الحيّ،

يبصقني العابرون،

تدوس العجائز أرغفتي، "

الجنون حالة فريدة من نوعها وهاجس يراود العظماء وكثير من القادة عادوا من ريادتهم مجانين والسبب في ذلك أنهم لاقوا من الأهوال ما لا يطاق، أو رأوا مالايحق لبشر بأي شكل من الأشكال أن يخترقه أو يراه .. وهنا أذكر ابن عربي وحديثه في كتاب " الفتوحات المكية " عن علم النظرة، فالشاعر يتحدث في بداية القصيدة أنه يلبس صوفيته، وفي عالم التصوف يصبح الجنون مختلفاً فالإنسان ينعتق على ذاته عقلاً وشعوراً وتتحد روحه بالروح العليا، تماما مثلما يحدث في نرفانية البوذيين، وسأتحدث قليلا عن الرؤيا وعلم النظرة في عالم المتصوفة حتى لايتجاوز حديثنا حمى القصيدة، وسأطرح سؤالاً قبل ذلك عن الفرق بين الصوفي والشاعر ..؟ .

الصوفي والشاعر يتأملان وكلاهما يستكشف، وربما استطاع الصوفي أن يعبر عن رؤيته أحياناً، ولكن في مراحلها الأولى، وعندما يوغل في الطريق يستعصي عليه أن يعبر عن تلك الرؤية . أما الشاعر فإنه يعبر بمجرد أن يرى بمعنى أن الرؤية وسيلته إلى التعبير والفرق الآخر أن موضوع الرؤية يظل واضحاً أمام الشاعر في كل لحظة في حين أنه يختفي في التجربة الصوفية ومع أن بعض الشعراء أحياناً كالسالم في قصيدته يمرون بتجارب شبه صوفية إلا أنها تظل متميزة عن التجربة الصوفية الصرف في أن موضوع الرؤية والتأمل يظل قائما وواضحا ومحدداً .

الرؤيا في دلالتها الأصلية هي وسيلة الكشف عن الغيب أو هي العلم بالغيب، والرؤيا لا تحدث إلاً في حالة الانفصال عن عالم المحسوسات، ويحدث الانفصال في حالة النوم فتسمى حينئذ حلماً، وقد يحدث في اليقظة لكن ترافقها آنذاك البرحاء، والبرحاء أيضا هي نوع من الانفصال عن العالم المحسوس، واستغراق في عالم الذات، ففي الرؤيا ينكشف الغيب للرائي فيتلقى المعرفة كأنما يتجسد له الغيب في شخص ينقل إليه المعرفة .

والرؤيا تتفاوت عمقاً وشمولاً بتفاوت الرائين، فمنهم ممن يكون في الدرجة العالية من السمو، من يرى الشيء على حقيقته، ومنهم من يراه ملتبساً، بحسب استعداده، فأحياناً يرى الرائي في حلمه وأحياناً في قلبه وبقدر ما يكون الرائي بقلبه مستعداً لاختراق عالم الحس أو حجاب الحس، تكون رؤياه صادقة، ومن هنا تفضلها الرؤيا في الحلم، لأن خيال النائم أقوى من خيال المستيقظ، أي أن النائم يخترق بطبيعته حجاب الحس، ولذلك فإن الرائي بقلبه يكون بفضل البرحاء نائما عما حوله مستغرقا في الرؤيا .. وابن عربي يشبه الرؤيا بالرحم، فكما أن الجنين يتكون في الرحم، يتكون المعنى كذلك في الرؤيا . والرؤيا بهذا نوع من الاتحاد بالغيب يخلق صورة جديدة للعالم، أو يخلق العالم من جديد، كما يتجدد العالم بالولادة . والرؤيا تعنى ببكارة العالم، كما يعنى الرائي بأن يظل العالم له جديداً، كأنه يخلق باستمرار . ومن هنا ضيقه بالعالم المحسوس لأنه عالم الكثافة، أي عالم الرتابة والعادة، وانشغاله بعالم الغيب الذي هو مكان التجدد المستمر من حيث أنه احتمال دائم .. ومن هنا يرفض الرائي عالم المنطق والعقل، فالرؤيا لا تجيء وفقا لمقولة السبب والنتيجة، ولكن بشكل خاطف مفاجئ بلا سبب أو تجيء إشراقاً، إنها ضربة تزيح كل حاجز أو هي نظرة تخترق الواقع إلى ما وراءه وهذا ما يسميه ابن عربي "علم النظرة " وهو يخطر في النفس كلمح البصر، وبما أنه يتم دون فكر ولا روية ودون تحليل أو استنباط، فإنه يجيء بالطبيعة كلياً، أي لا تفاصيل فيه . ومن هنا يجيء بالتالي غامضاً، فالغموض ملازم للكشف، سوى أنه غموض شفاف لا يتجلى للعقل أو لمنطق التحليل العلمي وإنما يتجلى بنوع آخر من الكشف، أي من استسلام القارئ له فيما يشبه الرؤيا ..

يقول السالم : " - خالتي خالتي : الدرب لا يسعُ اثنين

- الضيق في القبر يا ولدي

- خالتي خالتي : فالقبر لا يسع اثنين

- عمتَ زفتاً أيا ولدي "

والرؤيا من هذه الناحية تكشف عن علاقات بين أشياء تبدو للعقل أنها متناقضة ولا يربط بينها أي شكل من أشكال التقارب . وهكذا تبدو الرؤيا في منظار العقل متضاربة وغير منطقية . وربما بدت نوعاً من الجنون كما يفصل الشاعر في قصيدته ..

وينتهي السالم في قصيدته بقوله : " أتوجسُ ممَ ؟

دعيهم إذن يستبيحون عورة حزني

أأنبيك شيئا ؟

أنا لا أبالي بهم ))

يقول ابن خلدون صاحب المقدمة أن الرؤيا مطالعة النفس لمحة من صور الواقعات فتقتبس بها علم ما تتشوق إليه من الأمور المستقبلية ثم يقرن الرؤيا بالجنون وهو ذاته ما نجده في قصيدة السالم ، ويقول ابن خلدون عن المجانين في معرض حديثه عن أولئك الذين يُخبرون بالأحداث والكائنات قبل حدوثها بطبيعة خاصة فيهم يتميزون بها عن سائر الناس -كما يخبر الشاعر خالته في القصيدة - ولا يرجعون في ذلك إلى صناعة بل يتم ذلك بمقتضى الفطرة أي أنه يلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب فيخبرون بها .

ولطالما قُرن بين النبي والمجنون في التقليد الديني القديم .          

ويختتم السالم بقوله :" آلهة الحزن كانت تناول أطفالها لُعبَ الحزن عاريةً/ تتكشف مثلي "

لأقول أن كل فنان حزين، مهما أعطي من متع الدنيا، وجمالاتها وأمجادها، والحزن ملازم طبيعته فهو وحده أعطي أن يرى حقيقة العالم، متميزاً بشفافية تمنحه رؤية مرايا الكون فيدرك بؤس الحركة، وحقارة المادة، وهول المصير ..!!

 

توجس / عبدالله السالم

 

أتوجسُ ممَ؟

وهذي الغرائب تفضحني

حينما أتلبس صوفيتي،

أقصد سوق المدينة،

أفرش في باحة السوق وجهي

وأهذي وأهذي ..

يرجمني صبية الحيّ،

يبصقني العابرون،

تدوس العجائز أرغفتي،

- خالتي خالتي: الدرب لا يسعُ اثنين

- الضيق في القبر يا ولدي

- خالتي خالتي: فالقبر لا يسع اثنين

- عمتَ زفتاً أيا ولدي

 

أتوجسُ ممَ؟

وذي أنتِ في عهر سوق المدينة

تسّاقطين على مهلٍ

رطباً مرمرياً

وحزنا عتيقا أبوء به

وضياعا إلى أجل لا يسمّى

 

أتوجسُ ممَ؟

دعيهم إذن يستبيحون عورة حزني

أأنبيك شيئا؟

أنا لا أبالي بهم

آلهة الحزن كانت تناول أطفالها لُعبَ الحزن عاريةً

تتكشف مثلي)

 

 

هايل المذابي

قراءة في ديوان سفر الحرف بين النهد وبين السيف للشاعر نسيم عاطف الأسدي

naseem alasadiيهتمّ النقد الحديث وللدقة الحداثيّ بالنصوص المرافقة للنصّ الأصليّ، ويعتبر العنوان بشطرَيْه الخطّيّ والشكليّ أبرز هذه النصوص المرافقة، وذلك لأنّ الكاتب لا يضع عنوان منجزه اعتباطًا أو بالمصادفة، ناهيك عن مكانه في أعلى فضاء الغلاف عادة، ممّا يدلّ على أهمّيّته، فالعنوان هو أوّل نقد يمارسه المؤلف نفسه للكتاب بمُجمله، وهو آخر لقاء له معه قبل تحريره من ملكيّته الخاصّة، وفي الوقت نفسه هو أوّل لقاء مع القارئ يثير انطباعًا عامًّا ويستفزّ قدرات القارئ، فالعنوان هو عتبة النصّ الأولى ومفتاحه الدلاليّ، وكأنّه بمضمونه ومكانه عبارة عن لامبة خافتة أو قويّة الضوء، ولكنّها تشير تلميحًا إلى الحقل الدلاليّ للمضمون العامّ للكتاب وليس الى التفاصيل.

عنوان الديوان هو: (سفر الحرف بين النهد وبين السيف)، فالكلمات أو القصائد تتحرّك كبندول الساعة بين النهد وهو الدال ومدلوله الأنثى، والسيف وهو الدال ودلالته المذكر بتشبيه مادّيّ واضح. وبدون جهد فالعنوان يوحي بمضمون الديوان وهو الغزل اللاعذريّ والحبّ الحسّيّ الشبقيّ، وبالإمكان ملاحظة التأثّر المباشر بشعر نزار قبّاني. هذا بالنسبة للعنوان الخطّيّ، وأمّا الشطر الثاني من العنوان وهو العنوان الشكليّ الفنّيّ، فكان عبارة عن لوحة فنّيّة من نصف وجه للفتاة المعشوقة بخلفيّة حالمة، وفيها تتوحّد عناصر غير البشريّة لتحلّ محلّ عناصر الوجه البشريّ في فنية رائعة، ولها دلالات يضيق الوقت عن تحليلها حاليًّا، فالأنف فراشة والفم وردة والعين ورقة وردة حالمة غامضة، ويؤطّرها غصن ورد. هذه الدلالات تهمس لنا بأنّ قصائد الديوان ناهيك عن مضمونها الغزليّ العامّ، ستتميّز بالغنائيّة والدفء العاطفيّ والحلم الشفّاف. ولفت انتباهي اسم الشاعر: نسيم عاطف أسدي، ويا لروعة هذا التوجّه السيميائيّ الحديث بتفاصيله المتجدّدة:

فالاسم نسيم دلالة الشعر المنعش والندي والدافئ والجمال والخيال. والاسم: عاطف دلالة الشعر الطافح محبّة وعطفًا وحنُوًّا. والاسم أسدي: دلالة القوّة في بناء القصيدة نتيجة التمكّن اللغويّ والبلاغيّ والعروضيّ وباقي العناصر الجماليّة. وقراءة متبصّرة أكثر لسيميائيّة العنوان تقول لي: من الممكن أن يكون لمفردة السيف دلالتان، الأولى كما أشرنا للحبّ الحسّيّ، والثانية للقوّة والشجاعة، والسيف كان وسيبقى من صفات شجاعة العربيّ، وعليه فإنّي أتوقّع أن أقرأ قصائد وطنيّة في الديوان.

بالاعتماد على المقارنة بين اسم الديوان واسم المؤلف، وقفتُ على بعض المميّزات التي أتوقّع أن أجدها في الديوان، وبمزيد من التبصّر انتبهت إلى عنصر التثليث في الاسمين، فاسم الشاعر من ثلاث كلمات، واسم الديوان من ثلاثة وحدات قرائيّة. والتثليث من عناصر الفكر لدى الديانات الأرضيّة والسماويّة، فالديانة الاسلامية ( الدال وهو الله، والدليل وهو القرآن الكريم والمستدلّ به وهو النبيّ وأتباعه من المسلمين المؤمنين). وفي الديانة المسيحيّة (بسم الآب والابن والروح القدس، آمين). وفي الأدب الحديث يُعتبر من عناصر التشويق واستفزاز ثقافة القارئ، وعليه أتوقّع أن أجد عنصر التثليث في بناء أشعار الديوان. بعد قراءتي لنصوص قصائد الديوان، من الممكن أن أقول وبكلّ ثقة، لقد قرأت ديوان أكثره شعر غزليّ غنائيّ مادّيّ حسّيّ الصور، يعكس كذلك بعض القصائد الوطنيّة القويّة والحادّة كالسيف، وكذلك بعض القصائد التي تعالج قضايا اجتماعيّة: كالخيانة الزوجيّة، والزواج بالإكراه وغير المتكافئ. كما وأنّي وجدت عنصر التثليث بوضوح. سأقدم ملاحظاتي بالأسلوب البرقِيّ:

569-asadiالمدرسة النزاريّة: شاعرنا ما زال متأثّرًا ببعض صور نزار قبّاني، والتقليد للنماذج الكبيرة حقّا ليس مأخذا، وهكذا بدأ جميع الكبار، وعلى الشاعر أن يبدأ بالتحرّر من سجن القصيدة القبّانيّة نحو الاستقلاليّة.

- موقف الشاعر نرجسيّ وذكوريّ، وليس حضاريًّا يرى بالمرأة عنصرَ مُشارَكةٍ وبناءٍ وله استقلاليّته. (كلّ النساء وتنحني لشبابي ص13... أتركتِ بحرًا موجُه لا ينتهي ص34... هذه تناديني وتلك تودّني، ولصدرها أخرى تشدّ وثاقي ص58... لو أدفعُ العمر لهم ثمنا وأشتريكِ ص11.و... )

جمال في التعبير وروعة في الصورة، كثيرة هي التراكيب اللغويّة والصور الشعريّة التي أعجبتني، ومنها: (أسرق الشمس من السما وأطويها كتابا من حرير ص11... أجمع في سلال الورد أشلاء حلمي ص23... أرسلت سهم هواك ورديّ الشذى ص28... وأنا الزهور ملأت عمرك بالشذى ص58.. فوقي تنفتح الأحلام ويسافر لحن البرقوق ص60.. و... ).

- التفاؤل صفة أساسيّة في قصائده وخاصّة الوطنيّة: (يا شاعري ص67. ما بعد الانتصار ص72. الله أكبر يا مصر ص75).

التناص فالظاهرة قديمة ولكن التقعيد والقوننة حديثة، وهي تعكس ثقافة كل من الشاعر والقارئ، نجد الكثير من التناص مع شعر نزار قبّاني، ومع الأساطير عشتار ص 10.. وتناصّ مع قصّة النبيّة الكذابة سجاح ومسيلمة الكذاب، وكيفيّة إيمانها به ودخولها في الائتلاف معه، طلبت الوصل في وقت عصيب فكوني للذي تبغين كوني. ص10).

التثليث: وهو من عناصر التشويق والاستفزاز الثقافيّ والفكريّ، استفاد منه الشاعر كثيرًا: (الآن أخرج ويداك والكلام والنهد ص14.. دمي وريقي وكحولي ص15... خبز وماء وهواء ص15... يا حيرتي وتألمي وتوجّعي ص20... فيه الخيبة والحسرة والسهام ص23... وتألمي وتشققي وتكسري ص34... الماء والهواء والتراب ص50.. أن نجتمع ونشرب ونأكل ص50... بالكحل والبخور والحناء ص67 و... ).

تراسل الحواسّ، وهي من عناصر الجمال في القصيدة الحديثة، لم يستفِد منها الشاعر كثيرًا، ومن أمثلتها ( يهبُّ الشوق من عينيك برقا.. ويسطع جسمك الحرّاق نارا.. وأسمع ثورة الشيطان تحيا. ص9. تراسلت الحواسّ في الصورة من حاسّة البصر إلى الذوق واللمس وانتهت بالسمع).

وأخيرًا ..لقد نجحت يا نسيم في ديوانك هذا لسبب بسيط، أنّك تجاوزت فيه ديوانيْكَ السابقيْن بنسبة مقبولة، وهذا يكفيني. كما وأنّي أستشرف لك وبثقة كما استشرفت لآخرين، وما خيّبني استشرافي أبدا.. أستشرف لك مستقبلا سيكون لشعرك فيه المكان والمكانة، ولا أقول هذا من باب المجاملة أبدا، ولكن لأنّي أرى وأجد فيك ثالوث الإبداع الأدبيّ وهو: الموهبة والثقافة والتمكّن اللغويّ الجماليّ. أتمنى لك العمر العريض والمديد والعيش السعيد والمجيد، ودوام العطاء المفيد وهذا أكيد أكيد.. أمثالك يعتزّ شعبنا ويفتخر، لأنه بأمثالك تستمرّ راية الشعر الحقيقيّ خفّاقة.

 

محمد علي سعيد

.....................

(أُلقيت في أمسيّة تكريميّة للشاعر في قرية عبلّين)

وميض في الظلمة للشاعر "فرج الحطاب" في ديوانه "هواءُ .. قلق"

qasim madiالحروب

كم صاروخ أطلق

لأنير هذا الظلام

ص34

شاعر يدونُ خلجاته على الورق الأبيض، عبر مفردات تأخذك إلى ممرات ودهاليز مظلمة،وكأني في مشاهد وحشية من أفلام الرعب والخوف عند "هتشكوك" وقائع الظلم والإستبداد تتراءى أمام هذا الشاعر المبدع الذي ينبض حباً وصدقاً كما أبناء مدينته التي ولدُ فيها، وهو يغوص في البحار ليُخرجَ اللؤلؤ من داخل عمق البحر ويوزعه هدايا على أبناء شعبه الذي أضطهده الدكتاتور عبر حروبه التي لا تنتهي،

كأنه كيس نفايات قديم

قديم ونتن

أتمرغ في الألم

ويصر على غبائه

كأنه حمار

وكأني طفل ص6 قصيدة الديكتانور

والحطّاب " الهارب من الدكتاتورية في فترة التسعينيات ظل حاملاً قدراته على ظهره بعيداً عن وطنه، وهي قدرات درامية مأساوية وخير دليل عندما حوّلنا قصائده إلى عرض مسرحي أيام الحصار والخوف ,اسميناه " كوخ -الكائن - دمو " وقُدم في عمان وعلى مؤسسة شومان، وقصيدته الشعرية بوصفها موقفاً يعبرعن الجرأة والتضحية لتجسيد مبدأ الحقيقة والقناعة،الذي خطه عبر قصائده التي لا تموت، وهذا الأستنتاج كما يقول " اليوت " اللغة كائن حي " وكما أحسست ومن خلال قصائد الديوان الصادر عن " دار الواح " عام 1999،وهو من القطع الصغير ويقع في 66 صفحة، بصراعه مع نفسه التي أبحرت في عالمها الخاص وهو البحث عن حياة الانسان وكرامته،واللغة البصرية التي يستخدمها في هذا الديوان شاهدة ومعززة دورها في الادانة والشعور الداخلي لمعاناته التي سببت له هذا الداء، وكما يقول المترجم " ميّسر الخشّاب " بعد أن تعمقت ملامح القصيدة الحديثة، وصُعبَ نقلِ عواطفنا ورؤيتنا وهواجسنا بعفوية بسيطة في الشعر العمودي،

هذا الرصاص

الرصاص الذي يزأر

يبحث عن رؤوسنا

كي يقبلها ص43

شعرية معتمدة على التكثيف البصري، وهو بالتالي محاولاً أيجاد معانٍ أكثر انفلاتاً تخدم ما يصبو إليه، فالفكرة باقية التي من خلالها تكتب القصيدة، وكما يقال " الناس ظلال وأنماط باهتة زائلة " بالرغم من الحياة القاسية التي عاشها " الحطّاب " وكلنا نعلم أن قسوة الحياة، لا تفرق بين غباء مزمن، ووهج مشاعر مرهفة معبرة، وكذلك بين السخف والإبداع، جاعلاً من قصيدته التي يشتغل عليها لحظات مستمرة من التوتر، وهذا ما قلناه عنه في البداية، وهو يصنع لنا لقطة، بلقطة، وهو على نهج العديد من الشعراء الفاتحين للأجيال القادمة كوى من الحب والنور والحرية، وبهذا ينظر إلى عوالم جديدة بعيدة كل البعد عن الظلم والموت والقهر الذي أراده الطاغية،

نحن الخارجون من

التوابيت

ومن أكوام الرماد

نزيل غبار الأزمنة ص47

ويكمل، ليقول لنا وهو على قناعة تامة بإن هذه المأساة التي تحطينا، وتتلاعب بكل مقدراتنا كبشر خلقنا الله سواسية، ومن خلال الأدراك الذي يحمله في عقله وقلبه ظل يصارع نرجسيته، لأنه منطلق من جموع البشر التي أراد لها الله أن تكون واحدة،

لست يائساً

ها أنا أحلق كبالون

الوًح لسنيني العاطلة

بقي أن نذكر لأنه نفث أنفاسه الأولى في ميسان، ولأنه عاش في بغداد منذ سن السابعة، ولأنه أمضى أكثر من ثلاثين عاماً في العراق، كان لابد للشاعر " فرج الحطاب " أن يكون رجلاً شجاعاً وحذراً، وسبق أن صدر للشاعر " سيول آليفة " عام 1996، " لصوص " 1997، " الرؤيا الان " بيان شعري 1997، " الشعر العراقي الان " بغداد 1998، " القبور تهاجر " بغداد 1998 .

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

معلومات إضافية