قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

شعر شاكر ألعاشور للباحث جواد محسن سالم الباهلي

tawfiq shakhusanإذن ْ فافتح ْ أيا ليل َ الضنى والويل ِ

         كل َّ نوافذ ِ الأفق ِ

لتعلم  َ أن ّ جرحا  ً صاح َ في الدنيا

         ومات غريب ْ

      أيا وطني لو اعتصرت ْ

     جراح ُ الكون ِ كل ّ الناس ْ

سنُطعمـُها ذرى النخلات ِ والأنهار

            والأحجـار ْ

            ولن نيأس

 

شاكر ألعاشور شاعر من البصرة لم يغب ذكره عن الأنظار والشهرة، ولم تغفله أقلام الدارسين .. ولكنه لم يحظ بدراسة مستقلة .. وقد آن الأوان لأن تظهر هذه الرسالة لشاعر مختبئ بين قوافيه، متسلح بسلاح العواطف الإنسانية النبيلة والدفاع عن كرامة الإنسان وعن التراث العربي الأصيل .. فهو شاعر وناقد ومحقق .. ومن جسد ذابل ضعيف يتحمل أكثر من طاقته إلى روح تنحتها الأوجاع وتزحف فيها الآلام ..

 

عن دار تموز في دمشق صدر كتاب " شعر شاكر ألعاشور، دراسة موضوعية وفنية " للباحث جواد محسن سالم الباهلي".. وهو في الأصل رسالة ماجستير أجيزت من كلية التربية بجامعة البصرة وبإشراف الدكتور صدام فهد الأسدي ..

لقد اشتملت الدراسة على ثلاثة فصول، تناول في الفصل الأول موضوعاته الشعرية دارسا ً الظواهر الآتية :

(الشعر الاجتماعي – وصف البحر – وصف الريح – ظاهرة الغربة – موضوعة الحرب) .. وفي الفصل الثاني تناول الدلالات الشعرية (دلالة المكان – دلالة الزمان – التناص في شعره -  دلالتا الحزن والصمت – جدلية الموت – جدلية الحلم) .. أما الفصل الثالث تناول الدراسة الفنية وتضمنت (اللغة – الصورة الشعرية – الموسيقى – بناء القصيدة) ..

يقول الدكتور صدام فهد الأسدي " أن ألعاشور صاحب خبرة وحرفية  وناضج التجربة في عمله الشعري كله وقصائده تستحق التأمل والقراءة وماهي كما يكتب  البعض بخواطر تأتي على البال وإنما الشعر الخلاق يأتي من شاعر مبدع " ..

عندما يقترب ويتعمق القارئ أكثر في تجربته الشعرية يجد الرقة في شعره والدقة في اختيار الكلمات وكذلك قدرته على الإيحاء .. حيث نطق ألعاشور بكل ما هوصادق ومؤثر، متغلغلا ً في أعماق النفس الإنسانية .. ولقد أجمعت القراءات النقدية حوله على ما يتمتع به من ثقافة عالية ..  إذ دائما ً ما تراه ُ غائصا ً في أعماق مكتبته ولائذا ً بقوافي شعره .. ينتمي ألعاشور إلى جيل السبعينات كما يقول الناقد محمد صابر عبيد " وينتمي الشاعر شاكر ألعاشور إلى جيل السبعينات الذي عُدَّ مغايرا ً، سعى إلى الخروج من أسر تجربة الجيل الستيني ومقاربة الحداثة الغربية العالمية " ..

له خمس مجموعات شعرية جمعها مؤخرا ً تحت عنوان " تلاوته في ما قالته ريما للشمس " وهي :

المجموعة الأولى (أحببت الجارة يا أمي) البصرة – 1969، مطبعة حداد

المجموعة الثانية (تسعة أصوات) مجموعة شعرية بالاشتراك مع ثمانية من شعراء البصرة -1971، مطبعة حداد .

المجموعة الثالثة (الإنذار الأخير إلى أزهار الحدائق) البصرة -1972، مطبعة حداد .

المجموعة الرابعة (في حضرة المعشوق والعاشق) بغداد – 1975، دار الحرية للطباعة ..

المجموعة الخامسة (دم ُ البحر أزرق) بغداد-1979،دارالحرية للطباعة..

المجموعة السادسة والمعدة للطبع (مرثية لأول العمر) ..

نظر الشاعر شاكر ألعاشور إلى المرأة كونها تمثل لديه مجموعة من الصور وهي (الأم، المرأة الأولى، المرأة الحبيبة، المرأة القضية) ..

فالأم تأخذ في شعره مكانة كبيرة وتحتل المكان الأكبر والواسع الذي لا يفارق خياله صورتها .. فهو يفيض بذكر آلامه ومعاناته لها محاولا ً التنفيس عن تلك الآلام .. وافتقاده لأمه أثر فيه كثيرا ً فلا يسـد ّ وحشته ولا يعو ّض عن أمه سوى الليل الذي يذكره دائما ً في شعره ..

 

عل َّ من ْ في الركب

رق َّ لقلبه الصـّديان ْ

لعل َّ فؤاد َ والدة ٍ

لعل َّ الصحب َ والإخوان ْ

سـدى ً

ما لاح غير ُ الليل

يلمع، ثم ينطفئ

 

يعتبر الشاعر شاكر ألعاشور المرأة الحاملة لكل المعاني الإنسانية والتي تشارك الرجل في حياته وهي التي تنجب الأجيال وتغذيهم من الروح الإنسانية العالية وتربي ّ فيهم هدف الدفاع عن الأرض التي نشأ عليها ..

 

ألا إنها المرأة البكر ُ

.. تـُنجب أطفال َ جيل ٍ

وتـُّرضعُهم من عصير تراب الجبين  ِ

وتـُّطعمهم سعفات ِ النخيل ِ

وتـُّجلسهم تحت شمس النهارات ِ

كي تتسلقـَهم أرض ُ هذا الذي اسمه ُ

وطن ُ الأنبياء

وتـُطلقهم في مياه الخليج

 

يذكر ألعاشور المرأة في شعره بوصفها الحبيبة التي يرفض التخلي عنها ويقرن حبه بحرقة القلب الذي يعانيه العشاق وإنها تظل تدوي في أعماق نفسه .. لأنها تعيش معه في القلب حبيبة ً ووطنا ً..ويتعرض لجرحين هما جرح قلبه  وجرح وطنه ومما يخفـّف عنه هذين الجرحين عينا محبوبته ..

 

لا اعرف إلا أن ّ العينين ِ

معي كانت ْ حلوة ْ

صارت أحلى

وغدت في جرح القلب ِ

وجرح الوطن المغتصب ِ

الأحلى

 

تعامل ألعاشور مع المرأة بوصفها قضية مهمة كما يقول د. فهد محسن فرحان " عندما تتحول المرأة إلى قضية، يتـّسع الحب ليشمل الوطن كله "

فنراها تحمل بـُعدا ً رمزيا ً من أجل إيصال ما بداخله إلى المتلقي  ..

يحتل البحر لدى ألعاشور مكان يطرح فيه همومه ويتأمل ما يبغي ويمثل له أشياء متعددة .. وهذا ما يشير إلى نفسيته الصامدة أمام عواصف الزمان .. فهو لم يتغير شأنه في ذلك شأن البحر، الذي لا تغيره الدهور ..حيث يصنع المستحيلات في سبيل الدفاع عن كلمته وأرضه وشعبه وعن المحبين وكان ذلك بفعل ٍ من البحر الذي أعطاه كل تلك المعاني النبيلة .. ويؤنسن البحر جاعلا ً له خاصرة وقلبا ً .. أن عواطفه موزعة بين المرارة التي يعيشها من جراء الظروف القاسية والتي جعلته ساهرا ً إزاء ما يحدث أمامه وبين مرارة الحب الذي لم يدركه وهو يسعى جاهدا ً في سبيل الوصول إليه ..

 

انغرزَالسيف  ُ

في خاصرة ِ البحر ِ

فسافر َ عن مرفئه ِالساحل ُ

وانقد ّ القلب ْ

نصفين ْ

.. نصف ٌ يسهر ُ، مغصوبا ً في حفلة ِ شاي ٍ مُرّ ٍ

والنصف ُ الآخر ِلم يُدركـْهُ الحـُب ْ

لا يعرف ُ إلا ّ كيف َ يسير ُ من المنبع ِ

أو كيف َ يعود ُ إلى منبعه ِ الدم

 

نجد الشاعر شاكر ألعاشور يُفعـَّل جانبه الرومانسي متجها ً نحو الطبيعة متفاعلا ً مع كل ما فيه، وخاصة ً الريح التي يراها حاملة ً للمشاعر الإنسانية ومؤدية ً لغرضها الروحي .. ونجده يتفاعل مع الأمكنة تفاعلا ً عجيبا ً وكل ما يبعث في نفسه من مواطن حملت أفكاره وعواطفه وغذته بالحنان ..

فما غير ُ الرياح سيسمع الصّوتا

رياح ُ دون أمطار ٍ

تـُهوّمُ في دجى جيكور

تقلع للصدى بابا ً

 

تظهر ظاهرة الغربة لدى الشاعر شاكر ألعاشور تعبيرا ً عن نفسية تملؤها أحزان وأوجاع مستوحاة من وطنه الجريح .. حيث يرى الدكتور فايز الدّاية

(تمنح دلالة الغربة الحديثة إضاءة جديدة للصور القائمة على التشبيه، فهي غربة في الزمان والمكان وبين الناس تتعدد ولكنها تؤول إلى حالة لا تتغير)

فكثرة أسفار ألعاشور جعلته يعيش حالة من حالات الضياع النفسي، لأن فراقه لوطنه صعب عليه ..

 

أيا وطني ما عرفت ُ النوى

بقربك َ، لكنْ عرفت ُ ببعدك ْ

تحرّ قت ُ حتى حسبتُ الجوى

قريني، وأني صنوُ لسَهدك ْ

فخذني لزنديك، خل ّ النوى

فاني ظمئت ُ، ظمئت ُ لوردك ْ

وهات ِ اسقنيها

مياها ً بدجلة ْ

فكم ْ اشتهيها

وفي الروح ِ غـِلة

 

يرمز ألعاشور إلى الحياة وفضائها بوصفهما مكانا ً روحيا ً معنويا ً يستطيع من خلاله أن يصل إلى الحرية، والحياة هي مكان رحب وخاصة تلك التي يبحث عنها كل إنسان والمتمثلة بالراحة والسكون بعيدا ً عن مشاكل الحياة .. وعلى المكان أن يستوعب كل تفاصيل الحياة ويحمل معه المخلوقات جميعا ً بما فيها الإنسان الذي يكون من أكثرها صلة به مؤثرا ًومتأثرا ً به ..

 

ولكنني أتساءل ُ بين فضاء ِ الحياة ِ

وبين حياة ِ الفضاء ِ

كما كنت ِ

مَن ْ ذا الذي سوف يملأ كل َّ الفراغ

الفضاء

 

أن لكل مكان زمانا ً ولكن تأثير الزمان قد يكون أقوى من المكان لكن قسما ً من الشعراء العرب قد ابتعدوا عن الزمن الشعري إلى الموضوع الشعري كما بين الناقد طراد الكبيسي: (الذي نجده أن الشاعر العربي عبر المراحل التاريخية التي مر ّ بها قد استغرقته أشياء خارج نطاق الزمن أو استغرقته هموم غير زمنية، فالرثاء والمدح والهجاء والوصف والتكسب بالشعر والحماسة .. الخ هو ما عناه وشغله) فالشاعر شاكر ألعاشور قد جعل شعره مكرسا ً لخدمة المرأة من خلال الزمان الذي يشير إليه في تعامله معها وعلاقته بها .. ويـُقسمُ بأن حبه لزوجته ولأطفاله يعيش في قلبه ولا ينفك عنه ويـُراوده إحساس بأن تلك الأيام التي قضاها معها في الحلم، كل يوم منها يساوي دقيقة واحدة .. أي أن الزمن ينقضي بسرعة إذا كانت اللحظات

التي يعيش فيها الإنسان هي لحظات حب وهو السعادة نفسها لأنه لولاه لما استطاع أن يتحسس ذلك الحب ونجد هنا واقعية الشاعر وعدم مبالغته في وصف مشاعره، ويخطفه الزمان كخطف البرق ..

 

أحاولها:

الزمان ُ يمر ُّ خطف البرق ِ

والأحجار ُ أحجار ٌ

وعطر ُ البرتقال

من فجوة ٍ في الغصن يهرب ُ

 

لقد عـُني َ الشاعر شاكر ألعاشور عناية فائقة بالاعتماد على اللغة والغوص في أعماقها لأنها على حد تعبير الدكتور صدام فهد الأسدي "أساس العمل الشعري ودعامته الكبرى " وبدون ذلك الأساس لا نستطيع فهم الشعر فهما ً كاملا ً .. أما الرافد الذي أغنى لغة الشاعرونوّع المفردات في لغته   هو التراث العربي الذي مال فيه إلى الاعتماد على القرآن الكريم، والذهاب إلى الرموز الأسطورية  والدينية والاغتراف من رموز الطبيعة الواسعة التي يجد فيها راحته.. وأن أسلوب الشاعر وتركيبه اللغوي فيه من العمق والغموض ما يدعو الباحث إلى التأمل الطويل لمعرفة دلالات التراكيب والأساليب التي يستعين بها ..

لقد تعددت الصور الشعرية لدى الشاعر شاكر ألعاشور، ويتخذ من أعضاء جسد الإنسان صورا ً جميلة مثل (يداك ضفاف) كما يُشبّه الصدر َ بالشباك يقول :

 واجعل ْ من صدرك شباكا ً

وجعله من الصدر شباكا ً لأن فيه القلب ومنه ينطلق إلى العالم .. ونتيجة لتأثر الشاعر بالشعراء الرومانسيين وبالشاعر الاسباني (لوركا) كونه شاعرا ً ورساما ً، يتخيل من خلال الماء صورة وجه الحبيبة يقول :

على صفحة الماء

كان لوجهك ِ ظل َّ

فهذه العبارات مثل : الظل وانعكاساته في المياه من عبارات الرسامين، وقد لاحظناه في بعض قصائده يقول :

اتـّسعي مثلما جسدي فوق هذي المياه

يدافع عن زرقة البحر ِ

إن ّ دم َ البحر ِ أزرق ْ

إذ ينقل لنا صورة اتساع جسده فوق المياه ويطالب محبوبته بذلك .. كما يؤكد أن ذلك الجسد يدافع عن بقاء لون البحر الأزرق، إذ يقرن حبه لها بحب البحر .. وقد يلجأ الشاعر إلى الطبيعة ليعانقها بصورته الشعرية، مؤنسنا ً تلك الطبيعة وكأنها وحدها التي تسمعه، وذلك يدل ّ على ظروف نفسية جعلته يلجأ إليها :

 

عيناي في الرمل ِ، وخلف الليل والنهار ْ

حبي يغني : يا ظلال الغار ْ

تاجي من الصبار ْ

وفي فؤادي نار ْ

وأنت لا طيفا ً، ولا صبحا ً

ولا عند الضحى تأتين، والأشعار ْ

في داخلي تنأى،

وأخشى، بغتة ً، أنهار ْ

 

وفي كل ما تقدم كان الشاعر شاكر ألعاشور يعيش مع الإنسان في معاناته وألمه وغربته، وما ينتابه من شعور بالضياع والحرمان،وهو يحاول في شعره طرح قضايا المجتمع .. فهو في كل نص من نصوص شعره يطرح قضية ومشكلة ولكنه لم يجد حلا ً لها ليتخلص من العناء والألم ...  

 

أشكال الخيال الفني في قصص "عودة عرار" لمحمود الريماوي

saleh alrazukفي (عودة عرار - قصص عمان)، الصادرة عن وزارة الثقافة الأردنية في مطلع عام  2013، يكتب القاص والروائي محمود الريماوي سيرة نفسية لشخوصه الذين يشهدون على تحولات المدينة وانعكاس هذه التحولات عليهم. ولهذا  تجاوز  في العديد من قصص المجموعة الشروط التقليدية لفن القصة، ولكنه التزم  بما نسميه: حكمة الكتابة. وقد تبلور ذلك من خلال اهتمامه بالفضاء الداخلي للشخصيات وجوهر المجتمع والدائرة المصمتة للمدينة.

لقد كانت هذه المجموعة نوعا من تحويل الخيال الفني لدراما. ولذلك إنها تدعو لتطهير نفسها، وتعويم الشخصيات والإنفعالات بمتابعة مباشرة ودؤوبة لما يلفت الانتباه ويوقظ المشاعر، مهما كانت الأحداث والتطورات صغيرة .

وعليه يمكن اعتبار مجمل النصوص تفاعلاً  بين هموم الكتابة وهموم الواقع وليس العكس كما جرت العادة. لقد كان محمود الريماوي يبحث بين سطور قصصه عن حكايات مدفونة في سريرته. ولذلك غلبت المشهديات النفس - طبيعية.

وللتوضيح: إن المرئيات والبورتريهات والأحداث في " عودة عرار " هي تفاعلات ذات اقتربت من واقعها، وتنظر إليه بدهشة بالغة وبشيء غير قليل من الفكاهة، ودون أن تفقد سبل التواصل  والتفاعل معه. وهذا هو التعريف الموجز لمعنى الاغتراب النفسي. فالكاتب في كل لحظة يبحث عن أبطاله بين ركام الصور لطبيعة ميتة أو أنها تحتضر.

ومع أن العنوان الفرعي يؤكد على مركزية مدينة " عمّان " ، في الأحداث والانطباعات، فإن الرابط معها هو: مكان الكتابة وطقس المدينة وإيقاعها، وليس التفاصيل ولا الخصائص.

لقد صورت مجمل القصص مدينة متكررة ذات طبيعة نوعية. ورسمت  للوهلة الأولى مدينة ساكنة وصامتة، أبرز ما فيها أبواب الحديد المغلقة (انظر قصة حياة بلا سينما - ص 183). لكن بإمعان وتقليب النظر نرى كم هذه المدينة قريبة من القلب ومن مكامن الذكريات النشيطة التي توجه الأحداث، وكأن عمّان نسخة من عالم افتراضي  على شاكلة  " الخالدية " التي كتب عنها محمد البساطي أو " ماكوندو " التي اخترعها ماركيز. وعلى أية حال إن أهم شخصيات الريماوي من أمثال زياد بطل قصة (كرة غير مرئية) يعيش بقوة أسواقه وتمنياته وفوقهما خياله الخصيب (ص255). ولو ورد ذكر ملموس لأسماء الشوارع والأحياء فهو يأتي في سياق تعريف لما لا يعرّف. بعبارة أخرى إنه يوسع من الفراغ.  وحين يسرف بالتفاصيل والتضاريس كما فعل في القصة المتميزة " عطر اللويبدة الخفي" فهذا لا يزيد على أن يلعب دورا تمهيديا، يضع الماضي في المكان اللائق به من عاطفة وأشجان الشخوص. 

و قل نفس الشيء عن الأماكن الحقيقية التي يعشقها أبطال القصص وفي المقدمة البيوت القديمة ونقاط العلام، فهي موئل الذكريات (ص54) وكذلك الأشجار المعمّرة التي تآخى معها المسنون ومن شارف على خريف العمر (ص 56).

إن عمّان في هذه القصص أشبه بسحابة ثقيلة ،أو انفعالات جياشة، أو شريط ذكريات لا يتوقف عن الدوران. بالرغم من أن الكاتب أوقف الشخصيات والأحداث عند عتباتها للإشارة على حالتهم الاغترابية وعلى الاستلاب الذي يفسر أسباب الانحدار والتدهور على كافة المستويات. وكما ورد في قصة " غيض من فيض "، كانت هذه القصص مخصصة لوجوه بملامح بسيطة (ص46) ونفوس معقدة. وكما ورد في قصة (عودة عرار) كانت تعكس الظاهر الغامض الذي ينبئ عن أعماق متأهبة. وبعبارة مباشرة: إنها قصص تلعب بالوقت قبل ان تحل النهاية المأساوية السوداء (ص 240).

و بالمقارنة. لقد تعامل الريماوي مع عمّان من مدخل نفسي تصويري، بعكس نظيره عبدالرحمن منيف مؤلف " سيرة مدينة" والذي لم يغفل في كتابه شيئا.. من المقابر وحتى الأسواق. من داخل البيوت وحتى الشوارع. كانت عمان بقلمه ملونة وتسبح في بحر من الإضاءة وكأنها امرأة متبرجة. غير أنها عند الريماوي تغطيها ستارة من الضباب الشعري المقصود. وكان اهتمام منيف بالسيرة الذاتية والتوثيق يقابله عند الريماوي اهتمام بالتحولات الاجتماعية والحضارية. وأوضح دليل على ذلك قصة (عودة عرار) التي تنظر للمدينة بعيون رجل ميت عاد للحياة. وباختصار لقد كانت عمان لديه تابعة لمتبوع وهو الإنسان الإشكالي المنفصل عن ماضيه الضائع في تيه ليست له حدود ولا صفات. والذي كان يتصرف مع واقعه كمن يطرق على حديد بارد أو ميت (ص100).

والشيء بالشيء يذكر. أنت تجد مثل هذه الاستراتيجية في التباعد المتعمّد بين الشخصيات والمكان في أعمال نجيب محفوظ الأخيرة. فإذا كانت خماسيته عن القاهرة (من خان الخليلي وحتى بداية ونهاية) تصور موت الأحياء الشعبية واندحارها ورحيل فولكلور طبقة آلت للسقوط، فهو ابتداء من " اللص والكلاب " يصور عالما نفسيا ينبثق بشكل خفي من الطبقات الداخلية للمدينة أو من فضائها النفسي. ولذلك تحول المكان لديه من بطل له حبكة وحياة نفسية واجتماعية (كما في زقاق المدق) إلى فضاء مفتوح تنعكس عليه أفكاره وخلاصة تجاربه (انظر رائعته: ثرثرة فوق النيل).

و أغلب الظن هذا هو حال الريماوي، فهو متعدد وجهات النظر والأساليب، ولنا في أولى رواياته" من يؤنس السيدة " أسوة حسنة. إنها رواية تغطي المعنى الخاص للمدينة، ومن الصعب بمكان أن تجد فراغا يفصل بين حسيبة المرأة العجوز ومدينة الزرقاء، ولا سيما حين تسير الهوينى وتجتر أحزانها وهمومها. وقد أسقط ذلك على صورة سلحفاة بطيئة الفهم دميمة الهيئة تحمل درعها العظمي الثقيل على ظهرها. وأكاد أجد في بيت السلحفاة ما يشبه رمز حقائب المسافرين في أحلام فرويد. فكلاهما إشارة على الأخطاء والأوزار التي نحملها في رحلتنا في هذه الحياة.

 

القصة بين أدب البادية والمدينة

وبالنهاية فإن إنسان عمّان (خاصة نماذج الكهول) لا شخصية المدينة هو موضوع هذه المجموعة. وفي عموم القصص نوع من الهمّ المديني الذي يختلف بطبيعته وطريقة تصويره عن ما تتركه البادية أو الصحراء من انطباعات.

وقد انعكس ذلك حتى على الأسلوب والأداء.

فاللغة التي تنتجها ظروف البيئات الحارة المفتوحة تفرض اهتماما بالأثر النفسي والمحسوس للجفاف. ولذلك تكون الألوان مشرقة وساطعة. والتراكيب مباشرة ومفهومة. والمفردات تعني ما تقول. وبالاستطراد إن المجاز لا يجد هنا ملعبا مناسبا له. وبالمقابل من المحتمل أن تكون الشخصيات في حالة تثبيت طفولي. بمعنى أنها ليست معقدة نفسيا وإنما تستكمل الواقع بالفانتازيا. وهكذا يكون مسرح الأحداث جزءا لا يتجزأ من الشخصيات.

والمثال على ذلك معظم كتابات العجيلي الذي كانت البادية لديه هي امتداد لنشاط المخيلة، وليس لعلاقات الانتاج والتبادل السلعي بما في ذلك السلع المعرفية.

بينما المشاهدات في قصص " عودة عرار " المشاهدات قريبة الأجل، وتنظر للخلف، وتنمو في فضاء داخلي. ويغلب عليها الشك والتأمل. بمعنى أنه بدلاً من الحبكة  يفسح  في المجال للمتابعة والإبصار (وهو خير وريث لنازع التلصص الذي تحدث عنه فرويد أيضا، وربطه بوعي الطفل لقانون الأب ورضة الفطام).

ولذلك إنها قصص مفتوحة تُغري بالتأويل والتكهن. وتعتمد على مبدأ الأمكنة الحاضنة أو الدالة التي تغترب عن شخصياتها. وترتب على ذلك أن اللغة مجازية مع أعداد مرتفعة من الاستعارات والمفردات العامية التي تنتشر بين عامة الناس. ومنها "سنسفيل، عذر ماسخ، نسولف، على رواق، إخص، طراطيش" ، وهلم جرا...

وربما كانت هذه اللغة الميسرة واللهجة المحلية هي أقوى شارة على حضور عمان. لقد حضرت في القصص ألسنيا فقط وليس دلاليا.

وإنه في هذا النوع من الكتابة لم يتردد محمود الريماوي في تحديد ولاءاته، لقد اختار أن يكون بين الناس وأن يبتعد عن ذهنه النخبوي وثقافته العالمة. وتوسل لذلك بقانون الإفهام وبمفردات من فصحى العامية غير أنه لم يكتب بالعامية المكشوفة، كما هو حال سعيد الكفراوي ويوسف القعيد وآخرين من الصفوف الأولى لكتاب القصة في مصر.

أضف لذلك فكرة الصراع. فالتناقض في أدب الصحراء والبوادي يكون بين الطبيعة الظالمة والإنسان. وهو لا يدل على سوء ظن ولكنه يؤشر على طبيعة افتراسية وغابوية ترمز لسلطة ما هو فوق القانون على لاشعور الأفراد. ولكن في أدب المدينة يصبح التناحر بين الأفراد ومجتمعاتهم وبين العناصر المغتربة عن بعضها في الشخص الواحد.

إن قصص " عودة عرار " تقدم لنا أبطالا لا يعرفون أنفسهم. وكأنهم على شاكلة أبطال لويجي بيرانديلو. يبحثون عن مكان لهم في الحبكة المفروضة. مع الاحتفاظ بفرق التأويل للمعنى. فبيرانديللو يرسم شخصيات من درجة أولى ليس لها الحق في ابتكار نهاية لحياتها. ولذلك إنها تبحث عن أب أو إله (ورمزه المؤلف) ليقودها إلى المصير المحتوم. وشخصيات محمود الريماوي في حالة مأزق دائم، ولا تهتم بنقطة النهاية. وتستغرق في حصاد السنوات السابقة.

 

أشكال الخيال الفني في قصص " عودة عرار"

وبشكل أساسي تنقسم المجموعة إلى أربعة خطوط:

وجوه وملامح لبورتريهات من مسرح المدينة يستدعيها الكاتب. وتدخل في باب القصص المتحولة والتي لها علاقة بالصدفة وبعض الخصال الروحية. وهذا ليس بمستغرب في مسيرة محمود الريماوي. فقد كتب عن شخصيات وأنماط بأسلوب كلاسيكي ومضمون رومنسي. وأعزو مثل هذا الدمج بين الأضداد للطبيعة السياسية القلقة التي لا تزال تؤثر بمفهومنا عن الواقع منذ نهايات الحرب العالمية الثانية ولتاريخه. فالمفاجآت السياسية وحالة عدم الاستقرار ثم العسر الحضاري ترك أكثر من علامة على مقومات الإنسان الشرق أوسطي فما بالك لو أنه كاتب ومهاجر ويعمل على الخط الساخن، خط نكبة 1948. ويمكن أن تجد نماذج أخرى على ذلك في مجموعته الصغيرة (سحابة من عصافير) وأخص بالذكر قصة " حبات السبحة". وأعتقد أن أهم صفة في هذه القصص التوجه الذي يترنم بعذاب الذات وبعدم قدرتها على تجفيف منابع الشقاء والألم.

إن معظم شخصيات هذه القصص من النوع الغفل، العابر في المجتمع، أو الانتهازي، المغامر، والذي يقتات من مخاوفه ومن وهم ليس له مبرر ملموس. وكأنهم جزء من المنظومة الفكرية لأحلام الهيلة التي توسع فيها نجيب محفوظ في الهزيع الأخير من عمره حتى أصبح رمزا من رموزها في القرن العشرين. وأخشى أن تجربة الريماوي أوضح. فالمرارة يقف وراءها شعور بالفادح وبالمفارقات التي تأتي من تأثير أحزاننا الدفينة. وناهيك عن أن هذه الشخصيات رقيقة  مرهفة، وتحمل صفات وأعراض الشخصية المجزأة المغتربة عن نفسها وعما حولها . ولو كان لا بد من إثبات أضرب كمثال شخصية الدكتور من قصة " غيض من فيض" والذي يتعامل مع المبادئ بطريقة بهلوانية. ألم تكن تتنازع في داخله مواقفه القومية مع رغباته بالثروة والجاه (ص 47)، وألم تتداخل في حياته نزوات شخصية عابرة مع الدوافع والغرائز السياسية ؟؟..(ص 46).

الخط الثاني هو قصص المواقف الإنسانية. وهي غالبا ما تكون بأسلوب واقعي ومضمون وجودي. ولذلك إنها أقرب لرؤية الكاتب لمسلسل الخيبات والهزائم من حوله. وتتألف هذه القصص من تيار شعور يضيء لنا الموقف ومن صورة بانورامية يشترك فيها عدة أشخاص ومكان واحد وكأننا أمام مشهد من مسرحية على الخشبة. ومن السهل أن يرى فيها القارىء بوادر مونودراما نموذجية.

وربما يصح القول إن هذه القصص مركبة على التباين، بحيث أن المكان مضغوط والزمان منبسط. 

الخط الثالث وهو حكائيات. ولم أجد في كل تاريخ محمود الريماوي شبيها له. إنه نمط يتراوح بين الحكايات الشفاهية وما قبل القصة الفنية. ولذلك تجد الكثير من الحركة والوصف والأفعال التي تحمل عقدة واحدة وانعطافات متعددة (انظر قصة الوصول إلى المريخ والهبوط منه - ص 59). ولو كان لا بد لنا من تصنيفها أضعها في صف الديكاميرون. فهي لا تنتمي لجو ألف ليلة وليلة بسبب ابتعادها عن الخرافة واقترابها من المخيلة الشعبية. وبسبب إغفال دور الجنس في الحبكة واستبداله بأنواع من الصراعات التقليدية كنوازع الأخذ بالثأر أو الكيد أو التنافس وما شاكل ذلك.

الخط الرابع والأخير وهو القصص القصيرة النموذجية التي تبرهن على صدارة القصة بمفهومها الطبيعي لدى محمود الريماوي، وعلى تواصله الدائم مع أصول هذا الفن. حيث أن الحبكة تبدو واضحة والشخصيات ناضجة. ولكنه دائما يكسر مفهوم النهايات ويترك القارئ من غير نقطة تنوير. ولا يعني ذلك أن قصصه تتطور تحت جنح الإبهام، وإنما هناك نوع من إعادة ترتيب الأوراق وربما الأولويات. فنقطة التنوير تحل محل التمهيد. مثلا إنه لا يمهد للحبكة بمدخل يصور فيه مكان وزمان الأحداث، ولكنه يقدم لنا صورة لمشهد تتحرك فيه كل الشخصيات. وهي على الدوام شخصيات عامة وتحترق في الظل، ونستطيع أن نرى رماد احتراقها البطيء الذي يرمز لمعاناة جيل إن لم نقل معاناة مرحلة.

ومع أنه لا يميل للميلودراما والإفراط أو التنميق تقترب هذه القصص حثيثا من نموذج الحياة العائلية. ويتحول البيت إلى خميلة للمرأة والأولاد والمقهى إلى واحة للرجل. وعلى الأغلب يكون للعائلة تراتب هرمي، يقف رب الأسرة في أعلاه. فهو الآمر الناهي، كلي القدرة وصاحب القرار. ومع ذلك يكون له صوت مونولوجي غاضب يدلنا على نقاط الضعف وموضع الجروح. إن هذه القصص نافذة على ما نسميه بالخبيئة. وهو كل ما تنطوي عليه الصدور. وبإبدال فرويدي بسيط ومباشر هو لاشعور الإنسان الشرق أوسطي كرمز للمجتمع المصاب بعنة حضارية وخصاء تاريخي عمره مئات السنين.

وختاما إن (عودة عرار) مجموعة تكتسب أهميتها من التراث المضيء لمحمود الريماوي، والذي على ما يبدو، يلتمس ابوابا ومداخل متعددة للتجريب. وعلى ما أعتقد فقد وجده  ضالته في داخله وليس في الحكاية التقليدية، وفي علاقته ببني جلدته من البشر وليس بمحددات المكان ومواصفاته وعلاماته الفارقة.....

 

كانون الأول 2013

 

وهاب السيد تواصلٌ وتكّيٌف واغترابٌ في الوطن المغدور .. نموذجاً: مسرحية أصوات من نجوم بعيدة

qasim madiفي السبعينيات كنا مجموعةً نحمل هم المسرح العراقي من خلال المتابعة والعمل من أجل تقديم عروضٍ مسرحية فيها الكثير من الأبعاد الإنسانية التي تؤثر على الواقع الذي نعيشه،وكان الفنان "وهاب السيد"هو واحد من هذه المجموعة الرائعة التي قدمت العديد من العروض والتي سأذكرها لأحقاً وشكلت هذه العروض في الوسط الفني والأدبي الذي يتابعنا في تلك المدينة البائسة المكتظة بالفقر والظلم حيزا ً كبيرا في ذاكرتهم،وهم مجموعة لم يتملقوا لأي نظام ومهما كان هذا النظام، والدليل أنهم ظلوا وراء الكواليس ليس في إبداعاتهم وإنما بسلوكهم الرصين والمحب للعدالة والمتماشي بحب الآخرين دون تملق وهم ضحايا الأنظمة الفاسدة التي حكمت هذا البلد، وهؤلاء ظلوا النواة الحقيقة للإنسانية، والدليل بقوا كما هم من حيث المنصب والمسؤولية الفنية خارج السور، واليوم يحاربون هذا الفنان المبدع "وهاب السيد " صاحب صفحة فنون الشهيرة والمقًدم للعديد من العروض المسرحية والتي لا تزال حية في عقولنا،و لأنه لم يخضع لهؤلاء الطارئين الذين جاءت به الصدفة والذل والخنوع لأنهم بدون ضمائر وخسيسين واصواتهم نشاز في العملية الفنية أو خارج العملية الفنية لكنهم بالمماطلة يتولون شؤوننا الفنية، تباً لهذه النقابة الصارخة التي تقودها بنات الهوى من الجيل المنقرض الذي إنتشر في فضاءاتنا الميتة وها نحن لا حول ولاقوة أمام راقصات " يُحكمن السيطرة على مشهد النقابة الميت، لا تحزن نحن معك ونقف ضد هذا الطابورالذي تقف مجموعة من المغفلين والطارحين أنفسهم الان قيادات في سوق النخاسة المسرحية، وهم مجموعات شللية تحت غطاءات الفساد والجنس الرخيص الذي يشهرونه فيما بينهم،وهم يتشابهون مع سياسييهم الإجلاف الذين كانوا بالأمس القريب يرتدون عباءة " القائد الأوحد " اليوم يرتدون عباءة " نصار الربيعي " والمالكي " والنجيفي " هؤلاء اسّودت وجوههم نتيجة الأختلاس والقتل اليومي بفعل عصابات ترتدي أحزمة ناسفة تستخدمها في اي لحظة تحتاجها لقتل الإبداع الذي يحمله هذا المبدع الجميل الذي لم يطأطئ رأسه في يوم من الأيام، وما عليك دعنا نسترخي وأعيد ذكرياتك الجميلة في" مركز شباب بغداد الجديدة " في مسرحية هي من أخراجي ومن تأليف الكاتب " صباح عطوان " أسمها " أصوات من نجوم بعيدة " وكانت هذه المسرحية" مونودراما " وأنت تمثل هذه الشخصية هل تتذكرها كانت في منتصف السبعينيات وكان الجمهور يحيطك من كل جانب، أليس كذلك، لأتيأس، نعم نحن نعيش ما لم يحصَ من اللحظات الزمنية التي تبقى في ذاكرتنا التي أنهشتها الحروب الصدئة، ومع هذا فليس هناك إلا لحظة واحدة أيها الفنان المثابر تعمل على تفجير عالمنا الداخلي، كلما أستغرقتُ التأملَ بكيت يا صديقي، أتعرف لماذا، أتذكر كيف المقابر الجماعية أخذت الفنان " رعد شوحي " والعديد من الأسماء يتذكرها البعض من الذين يعرفوننا، تلك اللحظات التي وصفها "ستندال" إنها الزهرة المتفتحة في الأعماق " وها أنت تثبت بتجربتك الخاصة أنك سخّرتَ حياتك كاملة في وصف الرجال عبر أعمالهم وتجسيد بناهم الفكرية، دعني أقول لك أنا في مغتربي المحرك الأول للثقافة ونشاطي المسرحي، وهم يقرون بذلك، لكنهم يكرهونني بفعل مواقفي السياسية التي أنتقد خلالها أداءهم بقسوة، تعرف لماذا، لأنهم قتلة ياسيدي، وليس هذا فقط بل أنهم يسرقون أموال الأيتام وهناك مركزهم الثقافي في واشنطن هم يحركوه، أنا مختلف عن أولئك الذين يرتدون الأقنعة التي تتنشر في منفانا المريض فهم يتفوهون بشيء ويضمرون شيئا ً آخرَ، آه ٍ أيها الفنان لو ذكرتُ أسماءهم في هذه المقالة لوجدت من اللغط الكثير، لا عليك أنت تعرفهم، وهذه النقابة تشبه وزارتهم العفنة، الصبر ايها الصديق، ومازال َنفَسُك يصعد وينزل وأنت تصارعهم وقد أرتوينا بشتى ألوان الحب، لا عليك، حينما همستَ البارحة في أذني الوكيل المنافق ولم يفعل لك شيئا، صرخت، وها أنت وأنا نصرخ يومياً، ليس لشيء سوى قول الحقيقة، وهذه الحقيقة التي نبحث عنها يا صديقي الفنان والشاعر "وهاب السيد " إنها لحظة سحرية شبيهة بلحظة الإخصاب، خفية خفاءها، لا تُرى ولا ُتلمس ولا تُدرك كما يقولون، وليس هذا فقط إنها السر الذي لا يظهر الإمرة واحدة، ها أنت وأنا نعود إلى الكتاب الذي علمنا قيمة الكلمة وأنعشَ فينا هذا الهاجسَ المطرز بالحب والحياة والمسرح، ومع هذا أن هذه النقابة أشعرتَنا كما المركز الثقافي في واشنطن بأنها مسؤولة عن عملية الطمس الجبانه التي أتخذوها معنا، لا تهتم أيها الفنان ىالصابر لقد أمضيتَ حياتك وأنت ترسم صوراً وملامحَ بشرية وتنفض غبارَ القرون عن شخصيات عديدة وأبرزها أمام عيني جيلنا المعاصر في مسرحيتك الرائعة " الحاويات " لأنهم يا صديقي حاويات كما سياسييهم، أعتقد أنك ترفض مقالتي هذه، وتصرخ بي ايها الفنان الصامت الذي يشتغل مع هموم الناس البسطاء ويدافع عنهم، بسبب أنك تشعر بالإحباط، أليس كذلك، حسناً، وها أنت تقول هذا ضرب من العبودية، لا أقوى على تحمله ويثير لدي السخط الحنق والغضب، لا عليك، هم إلى مزبلة التاريخ، وأنت في فضاء هذه السماوات تنّور.

قاسم ماضي - ديترويت

 

مرائي الصحراء المسفوحة في مخيّلة القاص حامد فاضل

fadil abodaltamimiعن دار تمّوز في سوريّة صدر للقاص حامد فاضل كتابه الجديد: (ثقافة الأمكنة مرائي الصحراء المسفوحة) 2012، وهو بدلالة عنوانه ينفتح على الصحراء بوصفها مكانا متعيّنا في المنطقة الممتدة من جنوب غرب مدينة السماوة العراقيّة حتى شرقها، لافتا النظر إلى حيّز مكانيّ كان ولمّا يزل يشغل الذاكرة اليقظة بما فيها من أرث، وتحولات حضاريّة بطلها الإنسان، والطبيعة القاسية.

والصحراء التي تتبع أثرها (القاص: المؤلف) ليست مكانا خاليا من الحياة كما يتصوّر من كان بعيدا عن فضائها، وإنما هي حيّز ينضح بالحياة، والإشكالات، والإنجازات، وطرائق تقبّل الآخر، أو رفضه سواء أكان إنسانا، أم حيوانا، أم محض حكاية، أم سراب حلم مرّ عابرا في ذاكرة عطشى في سماء صيف قائض، فالصحراء في (الكتاب) مكان ضاجّ بالطبيعة، وكتب الجغرافية، والتاريخ، والمذكرات، والحكايات، والقصص التي تشكّل العمود الفقري لثقافة الإنسان الذي ينتسب إلى المكان أكثر من انتسابه إلى عالم البشريّة.

استهلّ المؤلف كتابه بـالجملة الآتية: (ليس عليك الذهاب بعيدا إذا أردت أن ترى الله فتعال إلى الصحراء) للتدليل على نقاء المكان، واقترابه من الطبيعة الإنسانيّة المنفتحة على البراءة الأولى التي صيغت منها فلسفة الحياة، واقترانه بالحيّز الجغرافي المكتسي أبدا بالرمل، والآبار، والألفة الحميمة التي تجمع بين الإنسان والحيوان، والموجودات الأخرى.

هذا الاستهلال يذكرني بمقولة بلزاك المهمّة: (الصحراء هي الله بلا بشر)، التي سبق للقاص محمد خضيّر أن استعارها في كتابه المكاني: (بصرياثا) (1)، فالمؤلف باعتمادها اقترب دلاليّا، ونفسيّا من مقولة الروائي الفرنسي مؤكّدا انتماءه الإنساني المنظّم إلى جغرافية المكان، وتهجّده عامدا قبالة مرآة الصحراء المسفوحة بالوله الإنساني المعمّد بالحكايات التي لا تفقد دلالاتها مهما رويت، فهو في طريقه إلى مكمن الفطرة التي أودعها الخالق في سرّ المخلوق لعلّه ينفذ من لحظة بوح العاشق، والمعشوق في مرآة الصحراء التي لا تعكس مرأى البصر الذي هو على حدّ تعبيره يزدحم برؤى البصيرة، وإنما تعكس أشياء تغور في النفس الإنسانيّة أيضا.

لا يبالغ المؤلف- وهو في قمّة اندماجه الروحي مع الصحراء- حين يؤكد أنّه يرى الله يتجلى في الأفق الفاصل بين زرقة السماء، وغبرة الأرض، ويحسّه في قشعريرة الخشوع التي تدبّ في أوصاله، وفي فيض النور الذي يغمر الآماد المفتوحة في الصحراء، في إشارات مغنية دالّة على انتمائه الروحي الذي تتوحد في مجسّاته الطبيعة الخلاقة للكون منظومة في قدرة الله الذي وهب الصحراء لتكون سجّادة صلاة متّصلة بأفق السماء لا تكشف أسرارها إلا لأنفاس روح مقدّسة، لها ما يمنح المكان سلطة التحوّل الجغرافيّ، والتأريخي معا.

والصحراء التي يعرفها المؤلف عن قرب لها رواتها، وحفظتها الذين يتلون متنها، ولها حكاتها الذين يمتلكون أسرار خزائنها وهي تضجّ بحكايات السمر المطعّمة بأفانين القول السابر لنزعات الحياة، والموت الراصدة لوجود الإنسان، ومشكلاته، والحيوان، ومتعه، ولها رجالاتها الذين ينتمون إلى زمكانها، فهي-الصحراء- كتاب لا يقرؤه من يجهل لغتها المنظومة في كلمات الريح، والليل، ولا يعرفه من لا يدري كيف تقلّب أصابع الريح أوراق الرمل، ولا يبصره من لا يبصر ما خطّ يراع الله على جبين الصحراء من وهدان، ووديان، وحجر وإنسان، فهي مكمن الصيرورة الأولى، متن مكتظّ بالمرئي واللامرئي، والغامض والمفتوح الذي يمارس حضوره اليومي في الذاكرة الجمعيّة لمجتمع الصحراء .

يتألف الكتاب من عشرة (مرائي)، كلّ مرأى بمنزلة الفصل للكتاب، وهي على التوالي: (آخر المستحمات في حمام زبيدة)، و(دلو في بئر بصيّة)، و(نقرة السلمان مرآة رمل مقعّرة)، و(لويحظ وادي الخوف والطمع)، و(الرحاب ماء العيون ونار القصور)، و(الوركاء دويلة الملوك والمعابد والآلهة)، و(أبقاربحيرة ساوة)، و(العفايف مملكة الذئاب)، و(الجذعاء عاصمة الضب)، و(ساعة الله مواقيت الصحراء) .

والمرأى في اللغة ما يظهر للإنسان فيراه بعينه فهو المشاهد، أوالرائي، وهو في الكتاب المؤلف الذي يصوّر بقلمه ما يتمرأى له من تشكيلات الصحراء تلك التي وجّهت له نداءات علنيّة للدخول إلى فضائها، والعيش مع إنسانها، وكائناتها الأخرى التي لا تقل أهميّة عن الإنسان المتباهي بحضارات ما بعد الحداثة، فالمرأى نافذة المؤلف التي يطل عبرها إلى المكان، وجمعه (مرائي) مجموعة من المشاهدات التي تتمظهر في عين (الرائي: السارد) لتشكّل مشهد الصحراء النابض بالحياة، وفيه يتفنّن (الرائي) في تشكيل نصوصه التي تأخذ من أبنية السرد جلّ معالمها، فالحوار يحضر، والشخصيّات تتجلى، والزمن ينبض بالحركة، والمكان يتّسع، والحدث يأخذ سمته من الأفق الممتد حتى مغيب الشمس، والحكاية تأخذ برقبة المتلقي إلى تخيّل الرائي السعيد.

تولى تقديم مادة الكتاب (سارد) عليم بالمكان الذي جاب تضاريسه، وقد حدّد مفاصل تاريخه، وجغرافيّته، وعلاقاته أيضا، فهو-السارد- كما تخبرنا أدبيّات السرد الجديد، ليس المؤلف نفسه، إنما هو شخصيّة مفترضة يصنعها المؤلف من ورق كتابته، وأحبار أقلامه لتكون مهمّته تقديم المتن مؤطّرا بهوامشهه، وإحالاته، وذيوله التي تتوخى الإخبار، والوصف، والتوضيح، والدقة التوثيقية التي تلمّ شمل بقعة من الأرض ليس من السهولة لمّها، أو جمع حكاياتها، والتغني بجمالياتها التي لا تظهر للعيان دفعة واحدة.

والسارد في الكتاب يهيمن عبر ضمير المتكلم-نا-على أجواء السرد، وتفاصيل صياغاته، وقد حدّد هويته الثقافيّة بوضوح: (هل يمكن لحضري مثلي عشق الصحراء أن يتلفّع دثارا مغزولا من ضوء قمر صحراوي ليتخفى بستار الزهد الفطري، ويكمن لاقتناص لحظة المرأى التي ربما تكون قريبة من عين المخيال؟) ص28، سؤال السارد بصيغته الصريحة يقود الى فكّ مغاليق النافذة المتّصلة بفضاء الصحراء، فهو ليس من أبنائها، بل من مدينة مجاورة لها تتماس مع مخيّلتها، وتنام على ترنيماتها، وتنظر إليها من ثقب المسافة الواصلة بين مكانين مختلفين: المدينة والصحراء، لكنّه-السارد- ظل طوال حياته يحلم بالكتابة عنها، فالصحراء حلمه الأثيرالذي ما غادر يوما مخيّلته النابضة بالسرد، والشعر، والعجائب المنمّقة التي كان قد ورثها عن أسلافه الحكّائين العظام.

وسارد مرائي (الكتاب) يقترب من شخصيّة المؤلف الحقيقي الذي كتب (المرائي)، وهو يخبر بضمير يُعدّ من أكثر الضمائر هيمنة في السرود الذاتية، ومن يقرأ الكتاب يجد ثمّة تطابقا تاما بين (أنا السارد)، و(أنا المؤلف)، بمعنى أنّ الذي جاب الصحراء على وجه الحقيقة هو (حامد) الرجل المتحضّر الذي يعمل مدرّسا في مدينة السماوة، وأنّ الذي سرد الأحداث هو (أنا حامد) بوصفه ساردا عليما بكلّ ما في الصحراء، وهذا ما ظهر واضحا في النصّ الذي ينادي فيه (المؤلف:السارد) حارس آثار أوروك: (أيها السومري الحارس للألواح، والرموز المقدّسة .. أنا حامد فاضل، كاتب عراقي مهتم بأمر دويلات المدن، أعكف الآن على كتابة مرأى عن الوركاء) ص178، وهو فضلا عن ذلك كما تخبرنا سيرته:كاتب، وراو، ورائيٌ، وحكّاءٌ، وشاعرٌ أيضا.

والسارد في كتاب (المرائي) في تقديمه للمادة المسرودة ينطلق من منهج اختطّه بدقة لكي يكون سرده متوافقا مع رغبته الدقيقة في إقامة علاقة تتناظر فيها المادة المسرودة، والمروي له، فقد نذر نفسه للصحراء، فهو عاشقها الذي يدسّ يراعه في بؤرة تاريخها وجغرافيتها، يدخل فضاءها غير المتناهي ليلا ليهتدي بالنجوم، وبالنهار يتّبع الأثر ص48، بمعنى أنّ نصف ملاحظاته التي سجلها في الكتاب مشاهدات عيانيّة، تتغذى بالبصر، وتستانس بملاحظات البدو، والطبيعة، والقراءة الدقيقة في المتون المعنيّة بالمكان، أمّا النصف الآخر فهو من بنات تخيّله.

والسارد كما يؤكد لمتلقيه لا يفهم في التضاريس المثبتة على الخرائط كفهمه لها وهو يعاين أحضان أمّه الأرض وهي تتمرأى للناظر والمتخيّل، فهزّة الوجد التي تنتابه نحو البراري تفعل فيه ماشاء لها من فعل نفسيّ يستجيب لنداء البساطة، والبراءة، والنقاء؛ولهذا فهو يدركها وهي مسفوحة أمام بصره الضارب في مرايا الرمل الممتدّة على مساحات تبدو متّصلة مع بعضها إلى ما لا نهاية لها.

وعلى الرغم من اعتماد السارد على المشاهدات المكانيّة إلا أنّ رغبته في التوثيق تدفعه لأن يلجأ إلى تدوين ملاحظات النظر في قراطيس اعدّها سلفا مع علمه أنّ أسرار الصحراء لا يمكن البوح بها، أو فضّ بكارة تنصيصاتها، والتوثيق نفسه يدفعه لأن يتّصل بمؤرخ عارف يترك له زمام ناقة الحكي، وهو يصغي اليه مستئنسا بمتونه الشفاهيّة التي لا يدانيها شكّ، ليمضي كالسائر في نومه مسحورا بما ينسج المؤرخ من قصص تتحدّث عن الإنسان في سالف أحواله.

وقد يستأذن السارد من الحكّاء العليم الذي يعلو برتبته السرديّة على قامة سرده لأن يسمح له بأن يدلي بدلوه في بئر الحكاية، أيّ حكاية تدخل في فضاء الصحراء، وهو المأخوذ بتراثها الثر فتراه لا يحمل جرابا كجراب ابن الصحراء المملوءة بسحر الخرافة، إنّما يحمل في رأسه قلما وقراطيس مخفيّة تحت لسان سلطة القول، يتّخذ منها مادّة تتشكّل تشكّلا سرديّا ينبئ عن معرفة تامّة بأجواء المكان، وهو الأعزل من أيّ سلاح سوى سلاح الحكاية ومتعها التي يوثق بها ثقافة البداة المهدّدة بالإنقراض في عالم يتجه بقوة نحو اقتصاد الموت .

والسارد على الرغم من اعتماده على مئات الحكايات المتوارثة، والمعلومات التي تفيض بها كتب التاريخ والجغرافية، وكتب المذكرات، والآثار إلا أنّه يلجأ إلى مخيّلته الخصبة ليشيد من آجرّها نصوصه الصحراويّة المطعّمة بنكهة التخيّل الذي هو عند كلّ فنان سلطة إبداعيّة منظّمة من دونها لا يمكن للنصّ أن يرتقي إلى فضاءات الإبداع المفارق لما هو اعتياديّ، وغارق في المباشرة، والسكون.

فالتخيّل في إجراءاته النسقيّة يعمل على كشف وظيفة (الخيال) في إنتاج الأدب بوساطة استرجاع المعاني، وإعادة تركيبها، وإنتاجها على وفق رؤية متقدّمة تتولى الجمع بين ما هو حسيّ، وعقليّ في مهمّة لا يقوى على توصيفها الأديب نفسه، فهو مرهون بحالة الأديب، واستعداده النفسيّ لأن ينتج أدباً عابراً حدود ما هو مألوف وساذج، بمعنى أنّه مجموعة من المهارات التي يستعملها المبدع بعيدا عن إرادته الإعتياديّة لغرض إنتاج نصّ أدبيّ ملوّن بحدود التجربة الحياتيّة، لكنّه خارج عن إطار قالبها الحقيقي في جملة من التفصيلات، والتشكيلات التي تتّخذ من السياقات اللغويّة حيّزا لها (2) .

مخيّلة السارد في: (ثقافة الأمكنة: مرائي الصحراء المسفوحة) تخفي وراء تضاريسها عمقا تشكيليّا موّارا بالمكوّنات الصوتيّة والبانوراميّة التي تصنعها لحظة اتّقاد الجمرات المبثوثة في مجسّات التذكّر المتّصلة دائما بعنصري الزمان والمكان: (أتخيل وأنا في محاولتي للكتابة...)، ماذا يتخيل؟، أنّ سيّدة بني العباس تفكّر بحمّامها في لحظة توجب الإغتسال، ص18، وأنّ قافلة من قاصدي الحجّ في درب زبيدة غبشا يبدؤون المسير من الكوفة ص 19.

فالمخيّلة مشبعة برائحة الماضي، فهي لا تخذله عند كتابة مرآى ص20، أو تصوّر حال، وهو لا يدري كيف، ومتى، وأين تكمن تلك المخيّلة لكي تقتنص لحظة الرؤيا ص38، لكنه يدري أنّ لحظة اعتلاء صهوة المخيال تجمح به بعيدا ثم تنقاد له وتمضي تخبّ نحو بئر، أو خيط أحمر على رأس عصى، فيسمع وقع حوافرالصحراء بكلّ مكوّناتها تدبّ على سطح مكتبه ص98، آخذة إيّاه إلى صحراء روحه المسفوحة تحت سماء التخيّل ص106، وحين تجيئ طيور الكتابة تنقر نافذته فيفرد جناحيه تخيّلا ليحلّق خلف أسرابها يطاردها حتى إذا ما تكلّ أجنحتها تتساقط كالغيث على مكتبه فيصطاد منها أدقّ العبارات ص 106، في إشارة إلى أنّ فعل التخيّل الإبداعي يأخذ به من مكان التخيّل إلى التخيّل نفسه لكي يكتب مرائيه التي تسفح حبرا على ورق الكتابة.

ويبدو فعل التخيّل واضحا في لغة (المرائي) التي تكشف عن انغمار المؤلف بفضاءات اللغة الشعريّة التي فرضت حضورها النصيّ على متن الكتاب ممثّلة في ظاهرتين بارزتين:

الأولى:وجود الاستعارة بشكلها الفنيّ القائم على تجسيد الطبيعة:

تأخذ الاستعارات حيّزا واضحا في متن: (ثقافة الأمكنة: مرائي الصحراء المسفوحة)، وهي كما هو معلوم مظهر بلاغي متّقد بالانزياح المولّد للشعريّة قائم على فكرة تناسي التشبيه نفسه التي تكشف عن قدرة إيحائيّة (تجسّد) (3) بإيقاع شعريّ جوهر الاستبدال بين المستعار له، والمستعار منه، فهي صورة، أو مجموعة من الصور التي ينتجها التخيّل الذي يقوم على استدعاء المعاني غير النمطيّة التي ترتبط مع غيرها في النصّ الأدبيّ لتشكّل منها نسقا شعريّا موّارا بالجمال والمفارقة.

لقد لاحظ النقاد قدرة الاستعارة على محاورة الأشياء الجامدة، وغير العاقلة، والمعاني التي لا تدرك إلا بالذهن عن طريق (الأنسنة) التي تلبس الأشياء صفات الكائن الحيّ، وسلوكه، بأجواء استعاريّة (لا تقوم على التشبيه، وإنّما تقوم على بثّ الحياة، والحركة في المشبه لغرض المبالغة ..) (4)، وإيجاد وسائل تعبيريّة تعمل على شدّ انتباه المتلقي لما فيها من مغايرة أسلوبيّة غير معهودة.

إنّ التجسيد تشكيلٌ جماليٌ، وفكريٌ يقود الصورة الأدبيّة إلى مزيد من الإبداع اللغوي- الجمالي في أطرٍ أسلوبيّة مغايرة موسومة بالإدهاش، والطرافة وبثّ الحياة في الجماد، والمعاني، والحيوات غير العاقلة، فضلا عن ذلك فهو مظهر من مظاهر شحذ العقل، وتأكيد إبداعه؛ولهذا شاع في الآداب العالميّة، أيضا، وعاد إلينا محمولا بعبارات النظريّة الجشتاليّة عند الناقدين الغربيين:لاكوف، وجونسون، اللذين تحدثا عن الاستعارة الاتفاقيّة في قسمها الثالث المسمى بـ (الاستعارة الإنطلوجيّة) التي تنحو منحى بلاغيّا يهدف إلى تجسيد المعاني المجردة وتعينها (5) .

استعارات (المرائي) قدّمت صورا حسيّة في نثر يكاد بسببها يقترب من الشعر، بمعنى أنّ الإستعارات كانت لها أنساقها الواصفة بمزايا بثّ الحياة في ما هو جامد، أو غير عاقل نحو: (الليل يمٌّ مليم يلقي عباءة أمواجه على جسدين ملتحمين، وهما يبحران في قارب تأرجحه يد العاصفة) ص17، الذي تجاور فيه التشبيه البليغ متجرّدا عن أداته ووجه شبهه مع الإستعارة في تشكيلة (نثريّة) تنبئ عن قدرة النثر، وهو يتخطى حدود مهمّته المعتادة إلى مهمّة شعريّة تتألّق فيها السياقات الواصفة، فالليل في العبارات السابقة يتجسّد في هيأة مؤنسنة لها ما يؤكّد فاعليتها.

وقد يتجاور التشبيه، والكناية، والاستعارة في نصّ من نصوص الكتاب ليحيل اللغة النثريّة إلى سياق تتفاعل فيه أكثر الأنساق البلاغيّة المشحونة بجوهر الشعريّة وهي تتسامى على مظاهر الطبيعة الجرداء: (صحراء السماوة سجادة منسوجة من الرمل/ الحصى/ الحجارة / الزواحف مفروشة في خيمة الله التي لا يعتلي أسكفها إلا جناح براق) ص45، فـ (صحراء السماوة سجّادة) ...تركيب ينتمي إلى حقل التشبيه البليغ، أمّا (خيمة الله) فكناية تريد أن تقف أمام جلال الخالق لتشير إلى نسق الكون المطبق على الأرض والمخلوق، فضلا عن أنّ: (جناح براق) تعبير يزخر ببعد استعاري واضح.

وتكاد أغلب الاستعارات في الكتاب تأخذ منحى يسعى إلى تجسيد الطبيعة، وإضفاء ملامح الإنسان على تشكّلات تضاريسها نحو: (الربيع ينشر ثيابه التي بلّلها ندى الصباح تحت شمس الظهيرة) ص19، فالربيع يظهر مجسّدا في صورة إنسان يمارس حياته الاعتياديّة، و(الصحراء تتنفس مع الصبح، وتعسعس مع الليل) ص36، فهي كائن حيّ يتنفس، ويمارس فعل العسس، و(يختزن [بئر لوذان] في داخله حزن غيوم البادية التي تجهش بالبكاء طيلة فصل الشتاء) ص54، فالبئر يختزن في داخله حزن غيوم البادية التي تبكي كما الإنسان، و(كان فصل الربيع قد خلع على الصحراء حلّة سندسيّة خضراء، وطرّزها بألوان الأزهار البريّة) ص61، فالربيع يخلع، ويطرّز، وكأنه إنسان، و(رفعت السماء نقاب السحاب، أسفرت عن وجهها الصافي المشعّ بضياء شامتها الشقراء) ص68، فالسماء ترفع نقاب السحاب، وتسفر عن وجهها وكأنها امرأة فاتنة، و(النهر الدائم الجريان الذي يرضع من أثداء سماء محمّلة بالسحاب الثقال) ص78، فالنهر يرضع مثل طفل، والسماء لها أثداء أمّ رؤوم حانية، و(السراب يضحك ملء شدقيه قدّامها، وهي ماضية) ص103، أي أنّ السراب يضحك كأنّه انسان، و(أناخت الشمس ناقتها، واستراحت وراء التلال) ص114، فالشمس تنوخ، وتستريح كأنّها ناقة، و(الوقت يركض مثل ذئب جائع ليفترس النهار) ص145.

إنّ تجسيد الطبيعة، والطبيعة الصحراويّة استعاريّا ما كان إلا بسبب هيمنة الطبيعة على وعي المؤلف نفسه بوصفها بطلا مؤنسنا لا مفرّ من الإندماج في أنساق أقانيمه، فهي-الصحراء- معادل المؤلف الموضوعي الذي تكفّل راضيا أن يدافع عنه، لكي يكون ثيمته الأثيرة في عالم بدأ يبتعد كثيرا عن مُثل الصحراء، وفضاء إنسانيّتها.

الأخرى: التناص مع لغة القرآن الكريم:

التناص مصطلحٌ نقديٌّ حديثٌ مؤدى دلالته يتمثل في : (أنّه ترحال للنصوص، وتداخل نصي، ففي فضاء نص معين تتقاطع، وتتنافى ملفوظات عديدة مقتطعة من نصوص أخرى) (6)، وقد بدت تلويناته النصيّة واضحة على مساحة غير قليلة من متن كتاب: (ثقافة الأمكنة مرائي الصحراء المسفوحة)، متعلقة بنصوص القرآن الكريم أكثر من غيره، فالتناص -هنا- همّه الإرتقاء بالأسلوب السردي، والإحالة على مرجعيّة النصّ الخارجيّ التي تتعلق بلغة القرآن الكريم، وهو-التناص- في الكتاب يمكن دراسته على وفق آليات التناص المستتر الذي يعمد فيه المؤلف إلى إذابة الأنساق القرآنيّة في سياقات (المرائي) بعد أن يضيف إليها شيئاً من لغته لتبدو الصورة السرديّة مزيجاً من لغتين مختلفتين تشتركان في إقامة نمط من التشكيل الحواري في مرائي الكتاب كما في قول المؤلف: (حتى إذا فاجأها المخاض انتبذت تحت سماء الجنوب الغربي خيمة اسيويّة) ص70، ففي هذا النص استدعى الشاعر من الآيتين: (16)، و(23) من سورة مريم استدعاءً جزئيّا ليشير إلى سلطة النص القرآني الذي مارس توجيها واضحا على مساحة الشكل التعبيري للمرأى، وجاء في مرأى آخر: (تظل عيون المضايف مفتوحة لعلّ الطريق تجود بسار آنس نارا) ص74، فنهاية الجملة فيه جاء بناؤها النصيّ قريباً من قوله تعالى في الآية (10) من سورة (طه)، أّمّا قوله: (وصلت إلى خيام البدو بياتا وهم نائمون) ص81 فيشير إلى ما في الآية (97) من سورة الأعراف، وكذا الحال في: (قطعان الغزلان المرعوبة التي ضاقت عليها الصحراء بما رحبت) ص85 الذي يحيل المتلقي على قوله تعالى في الآية (25) من سورة (التوبة)، وللمتلقي أن يعدّ قول المؤلف: (فراح يلهث خلف الأثر، وما هي إلا كلمح البصر فكان قريبا وخلف الجليب) ص89 تناصّا مستترا مع قوله تعالى في سورة (النحل) الآية (77)، أمّا: (والأرض تخطر في ثياب سندس خضر) ص فله جذره النصي الذي يتماس مع قوله تعالى في الآية (31) من سورة (الكهف)، وكان نصّ المؤلف: (وألقت الآلهة بالمفاتيح في غيابة جبّ المعبد) ص157يشير من بعيد إلى الدلالة القرآنيّة في الآية (10) من سورة يوسف، ويمكن أن نعدّ: (الكلاب الباسطة الاذرع بالوصيد) ص221 تناصّا خفيّا مع قوله تعالى في الآية (18) من سورة (الكهف)، ولعلّ قول المؤلف: (وكما زين السماء بنجم إذا ما ساروا بليل به يهتدون) ص242يشير نسقيّا إلى قوله تعالى في الآية (6) من سورة (الصافات) .

التناصّات السابقة التي أظهرتها لغة الكتاب قريبة من النص القرآني، بل تأخذ بمقدار من لغته الكريمة، لتعطي دليلا واضحا على فكرة استدعاء النصّ الخارجيّ الذي يحيل على خاصيّة الحضور النصيّ المستتر الذي يعمل على بلورة أسلوب نثريّ غنيّ الدلالة، فهو في تراكيبه، وأنساقه يقتبس من سياقات النصّ الأوّل ليشيع دلالاته.

وبعد: فهذا كتابٌ انهمّ في المكان فضاء، ورؤية، وتخيّلا، وقد استطاع مؤلفه القاص، والروائي حامد فاضل أن يلمّ موضوعاته بطريقة تنمّ عن معرفة دقيقة بالمكان الصحراوي الذي كان حيّزا للمشاهدة، والكتابة، فصارمهادا لقراءة دخلت بامتياز عالما مسوّرا بالحكايات، والقصص لتكشف عن مكنوناته، ودواخله التي ظلت بعيدة عن وعي المتلقي المعاصر.

 

د.فاضل عبود التميمي

 

....................

الهوامش:

1- نقلا عن بصرياثا:صورة مدينة: محمد خضير:102 : منشورات الأمد:ط1 بغداد 1939.

2- ينظر: قراءة أولى في قصص العدد الثاني: د. فاضل عبود التميمي: مجلة (امضاء) فصليّة تعنى بفن القص: ع2: تموز 2012:78.

3- للمزيد عن التجسيد ينظر: حضور النص: قراءات في الخطاب البلاغي النقدي عند العرب: د.فاضل عبود التميمي: 125: دار مجدلاوي.

4- البلاغة العربية تطوّر وتاريخ: د.شوقي ضيف:164 .

5- ينظر: تحليل الخطاب الشعري:استراتيجيّة التناص: د.محمد مفتاح:102 وما بعدها.

6- علم النص: جوليا كرستيفا: 21:ترجمة فريدة الزاهي: ط1.

 

التشكيلية التونسية أماني فاخت.. ترسم الأشياء داخل مادة "الرانتج" وفق أساليب وسياقات تتآلف فيها الألوان والخطوط والاشكال

34-amanifakitمنذ بضعة شهور تقيم الفنانة التشكيلية التونسية الشابة أماني فاخت في العاصمة الألمانية "برلين"، بعد أن كانت تقيم في العاصمة الفرنسية "باريس" لمدة عام، حرصت فيه على مواكبة الفعاليات الثقافية والفنية المتنوعة واقامة معارض فنية خاصة أضافة الى المشاركة في معارض مع آخرين من جنسيات مختلفة. تقول الفنانة "فاخت" الذي يعني أسمها "ظل القمر" أنها اكتسبت خلال العام في باريس كثيراً من الخبرة وطورت حرفتها وتعرفت على فنانين تشكليين مرموقين من مختلف الاتجاهات الفنية، بحيث ساعدها ذلك على الاستمرار في تنفيذ محاولاتها الفنية التجريبية.

ولدت الفنانة أماني فاخت في مدينة صغيرة تدعى "قفصة" تقع جنوب تونس، على حافة الصحراء بين الجزائر وليبيا وهي مدينة صغيرة تتميز بالمناظرالخلابة والواحات والنخيل.. وتنتمي الى عائلة محافظة بسيطة الدخل تسودها تقاليد اجتماعية قروية لم تتأثر ببيئة وعادات المدن الكبيرة. حلمت اماني منذ صغرها بالتعرف على عوالم أخرى تسمح باستنشاق طعم الحرية بعيداً عن القلق والكآبة على هذا ما كادت ان تنهي دراستها الثانوية العامة بتفوق، حتى نجحت في الذهاب إلى العاصمة تونس للدراسة.

34-amanifakitAفي تونس العاصمة، أصبحت قريبة من خالها الفنان التشكيلي المعروف منير لطيف الذي كان قد درس في وقت مبكر الفنون وأصبح من الفنانين التشكيليين التونسيين البارزين، وعاش في اسبانيا لاكثر من ثمان سنوات عاد بعدها ليستقر في تونس ويفتح رواقه "كاليري" الخاص في سيدي بو سعيد.: "عندما وصلت العاصمة - تقول الفنانة أماني- كان يلتهب في داخلي مشاعر مزدوجة، ستكون فاصلة، بين رغبتي في البحث عن مستقبل أفضل وتغيير مجرى حياتي بالكامل، وبين ملامات وجهتها لي عائلتي بسبب اصراري لترك البلدة ورغبتي في الدراسة بتونس العاصمة. قي البداية كنت أنوي دراسة أكاديمية تساعدني على العيش بأمان، لكن خالي اكتشف في هوايتي للرسم موهبتي وشجعني على دراسة الفن التشكيلي. وكان يتابع نصحي وارشادي خلال دراستي خصوصا في عملي التجريبي المُميِّز مع مادة الكهرمان "الرانتج" الذي يرجع اليه الفضل فيما توصلت إليه من خبرات فنية".. ومادة الكهرمان "الرانتج" تعرف بالكهرب، هي عبارة عن سائل كثيف لاصق يُنتج كيماوياً ويستعمل كمثبّت. ينتقل من حالة اللزوجة السائلة إلى الحالة البلاستيكية الصلبة نوعاً ما.

تعلمت الفنانة أماني فاخت على يد الفنان التشكيلي العراقي المعروف والمحاضر في المعهد العالي للفنون الجميلة في تونس الأستاذ علي رضا. واقامت بعد تخرجها عدة معارض في تونس وخارجها وايضا في مراكش التي مكثت فيها أكثر من عام، وتابعت المشاركة في معارض في القاهرة واسطنبول وباريس وفي غيرها من الدول العربية والأوروبية. وفي زيارة لكوبا اطلعت على مدارس وأساليب الفن التشكيلي. واقتنى كل من متحف العالم العربي والمتحف الأفريقي في "هافانا" لوحة من أعمالها. وفي "برلين" التي صرت أعشقها وأحس وكأني فيها كاليمامة أنطلق - تقول اماني- اكتشف ذاتي وأخبيء أسراري بين فضاءات أزقتها الرحبة. 

34-amanifakitBتمتلك الفنانة أماني فاخت التي تتمايل وتتألق في كل الاتجاهات، قدرة قوية في "ترجمة" افكارها الجميلة فنياً، ويبدو لي أنها شديدة الانفعال تتمسك بقناعاتها وهاجسها أن تجسد الجمال لتتجلى مظاهره في أعمالها باساليب مبتكرة تنمي طريقتها في الابداع والابتكار. فهي ترسم في المقام الأول لوحات تجريدية حديثة باساليب وأشكال متنوعة وفق "مفاهيم وتقنيات" تجهد ان تكون خاصة ومميزة. في أعمالها التجريبية الجديدة تتناثر الألوان بانسيابية فائقة وفق إيقاعات متجانسة داخل مادة "الرانتج"، تارة تثور وتارة تتلاشى ببطء. فيما يتعلق بالجانب الروحي، لا تتوانى في أن تجعل الالوان تتناسق والمشاهد تتجاذب والاكتشافات تتسع. وفي فن الرسم التجريبي الذي تشتغل عليه حالياً تستعمل مادة "الكهرمان" والالوان المائية وبعض المواد الاخرى كالقماش وقصاصات ورق الصحف.  

ترسم اماني في أعمالها "التجريدية" الأشياء من كل أعماقها، وتحول الوانها إلى حيث تريد وتحركها بايقاع من الحركة الداخلية باتجاه صيغ جديدة بحيث يتحول الشكل التجريدي الهندسي إلى تجريدي تعبيري وفق أساليب وسياقات تتآلف فيها الألوان والخطوط والاشكال الهندسية، وتخضع الى مرجعيات تصويرية تعبيرية، الشكل يتآلف مع الألوان، التناقضات والخطوط. وبصرف النظر عن الطريقة وعدد الأساليب والأشكال التي تستعملها، ألا أن التجريب الحديث التي تستعمل في كما هو واضح في مادة "الرانتج" والألوان المائية بشكل يلفت الانتباه يكشف عن موهبتها الفنية. فهي توزع الخطوط والألوان وكأنها متأثرة بالاسلوب التجريد التعبيري عند "كاندينسكي ـ فنان روسي 1866–1944" أو التجريد الهندسي عند "موندريان ـ فنان هولندي 1872–1944" لكن وفقاً لاسلوب تلقائي عفوي، وكأنها تريد من الالوان ان تتكلم ومن الصورة ان تنحرف عن اتجاهها الهندسي لتبدو لوحاتها تنتمي الى فضاء مفتوح دون علاقة واضحة بمكان محدد.

يشكل الرسم التجريدي جزءا مهما من الفن الحديث، ويُعد ظهوره تاريخيا على قدر كبير من الأهمية. فقد أعلن في عام 1911 عن أول الأعمال التجريدية المثيرة للجدل، بيد أن أول صورة مجردة رسمت في عام 1906. واستندت العديد من هذه الأعمال والرسومات التجريدية التقليدية الى مفاهيم نظرية جمالية ودراسات. وإذا كان للمرء أن يتحدث اليوم عن الفن الحديث، فان الرسم التجريدي اصبح في اتجاهاته العامة جزءا مهما من هذا الفن بشكل كبير..

الفنانة أماني فاخت مهوسة بالفن التشكيلي، لكنها مولعة روحياً بالرسم التجريدي. فهي لم تكن تتقيد باي انطباعات زائفة، إنما تنطلق من حساسية بصرية تقودها الى أهمية تجسيد البعد الرابع الذي يعني في الرسم "الزمن" إضافة إلى محاولة ايجاد ايقاع خاص للشكل واللون يقودها من جديد الى خلق "نغمات" لونية مختلفة تبدو وكأنها تتماوج: لون أصفر وأحمر صارخ يتواجدان برقة كما تختلج الألوان التي تعرف بالباردة كالأزرق والأخضر والبنفسجي لتضفي على رسومها سحراً غريباً تحمل الكثير من الدلالات الوجدانية. 

في لقائي واياها في دارها لمشاهدة أعمالها، اندهشت، ليس فقط من مستواها أو طريقة توزيعها للألوان بشكل منسجم وحسب، إنما من أسلوبها التشكيلي السردي، الذي لا يخلو من الفنطازيا والرموز، أيضاً اسلوبها غير النمطي في توزيع الضوء. وأستطيع القول أن سر ذلك يأتي من كونها لا تتمتع فقط بموهبة فنية أو براعة حرفية إنما لانها فنانة متميّزة هاجسها الأول البحث عن كل جديد، أيضاً عن الجمال في كل المرئيات التي تجسدها في لوحات جميلة أيضاً.

 

عصام الياسري

 

الشعر خارج منطقته .. ليس دفاعا عن الشاعر سعدي يوسف

قصيدة الشاعر سعدي يوسف:

طِلْعَت الشُمّيسهْ

على شَعَرْ عيشهْ

عبشه بنت الباشا

تِلْعَبْ بالخرْخاشةْ !

*

لَكأنّ عائشةَ الجميلةَ تستجيرُ . تقولُ لي: سعدي !

أوَلستَ مَن يهوى الجميلاتِ؟ الحرائرَ .. والصبايا؟

كيفَ تخذلُني، إذاً؟

أنتَ العليمُ بأنني، بنتٌ لتاسعةٍ، وأني كنتُ ألعبُ بالدُّمى.

لكنهم جاؤوا

وقالوا: ثَمَّ تطْريةٌ لوجهِكِ ..

(كان وجهي وجهَ طفلتكم، وليس من معنىً لتطريةٍ ..)

أجابوني:

النبيُّ أرادكِ !

*

طِلْعَت الشمّيسةْ

على شعَر عَيشة

عيشة بنت الياشا

تلعب ْ بالخرخاشة ْ

*

وعائشةُ، الحـُـمَيراءُ ...

الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ، والشَّعْرُ أحمرُ .

يا عطاَ الله !

كان محمّدٌ، ما بين رُكعته، وتالي رُكعةٍ، ينوي يُباشرُها

وأحياناً يرى ما بين ساقَيها، صلاةً ..

هكذا

ذاقتْ عُسَيلَتَهُ

وذاقَ محمدٌ، دبِقاً، عُسَيلَتَها ..

هيَ مَنْ هيَ: الـحَوّاءُ

عائشةُ الحـُمَيراءُ،

الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ ..

صنمُ النبي ّ !

*

طِلْعَت الشمّيسة

على شَعَر عيشة

عيشة بنت الباشا

تلعبْ بالخرخاشة ..

*

لكنّ عائشةَ الجميلةَ، سوفُ تُعْلي أن ناعمَ شَعرِها سيظلُّ أحمرَ

سوف تُعْلِنُ أنها، أبداً، محاربةٌ ..

لقد قهرتْ نبيّاً في السريرِ

وهاهي ذي، على جملٍ، تقاتلُ .

إنّ عائشةَ الـحُـميراءَ

النبيّةُ

بعدَ أن ذهبَ الذكورُ الأنبياءُ إلى الهباء ...

*

طِلعت الشمّيسة

على شعَر عَيشةْ

عيشة بنت الباشا

تِلْعَبْ بالخرخاشة !

لندن  16/11/2013

***

تثير فينا قصيدة سعدي يوسف مجموعة من الاسئلة، كما طرحت هذه القصيدة الاسئلة على محبيه ومبغضيه على السواء وخرجوا بنتائج كثيرة، منهم من قال انه يؤسس لشيوعية سنية، ومنهم من رأى انه سب وشتم السيدة عائشة، ومنهم من طالب بسحب جائزة نجيب محفوظ منه، ومنهم من عد القصيدة " سقطة " للشاعر، ومنهم من وصفه جاهلا، ومنهم ... ومنهم، ولو قرأ هؤلاء مراجع التاريخ الاسلامي، وبعض كتب الحديث النبوي بامعان وتروي لجاءت ردود افعالهم غير التي ظهرت.

في هذه السطور سنقرأ معا مراجع التاريخ الاسلامي، وكتب الحديث النبوي، لنرى ان ما طرحه الشاعر سعدي يوسف من حقائق قد ذكرتها مراجع ومصادر التاريخ الاسلامي وكتب الحديث النبوي، وهذا ليس دفاعا عن الشاعر، وانما لوضع الامور في نصابها .

اول ما نقرأ في القصيدة بعد المقطع التراثي الشعبي هذا البيت:

* (أنتَ العليمُ بأنني، بنتٌ لتاسعةٍ، وأني كنتُ ألعبُ بالدُّمى.

لكنهم جاؤوا

وقالوا: ثَمَّ تطْريةٌ لوجهِكِ ...

(كان وجهي وجهَ طفلتكم، وليس من معنىً لتطريةٍ ...)

أجابوني:

النبيُّ أرادكِ !).

تذكر مصادر التاريخ الاسلامي، وكتب الحديث، ان النبي قد دخل بالسيدة عائشة (تزوجها) وعمرها كان تسع سنوات، وكانت تلعب بالدمى.

   يذكر البخاري في الحديث 3605: (حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ تَزَوَّجَنِي النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ شَعَرِي فَوَفَى جُمَيْمَةً فَأَتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ وَإِنِّي لَفِي أُرْجُوحَةٍ وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي فَصَرَخَتْ بِي فَأَتَيْتُهَا لَا أَدْرِي مَا تُرِيدُ بِي فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أَوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ وَإِنِّي لَأُنْهِجُ حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي ثُمَّ أَخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَرَأْسِي ثُمَّ أَدْخَلَتْنِي الدَّارَ فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي الْبَيْتِ فَقُلْنَ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِنَّ فَأَصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضُحًى فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ).0

ولكي نتأكد من هذا القول، نستشهد باجابة (مركز الفتوى – موقع على الانترنيت) على سؤال عن عمر السيدة عائشة:

الاجابة: (فإن عائشة رضي الله عنها عقد عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت ست سنين، وقيل سبع، بإذن أبيها، ولكنه لم يدخل بها حتى كبرت وبلغت سن المحيض وشبت شبابا حسنا، وكانت عائشة تفخر بزواجه منها وهي بكر، وهذا يدل على أنه لم يدخل بها حتى أصبحت في مرحلة تطيق فيها الوطء فقد دخل بها وهي بنت تسع، وكان نساء قريش يبلغ بعضهن عند السنة التاسعة كما قال الإمام الشافعي، وقد هنأها النساء بهذا الزواج فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، ومثل هذا النكاح لم يطعن أحد به في ذلك العصر مع كثرة أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود والمشركين، فقد كان معروفاً في الجاهلية، وجاء الإسلام وأقره، وهو أن الصغيرة تخطب وتتزوج بإذن وليها، وقد كانت عائشة مخطوبة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن مطعم بن عدي، كما ذكر ذلك الطبري وابن كثير، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدخل بها إلا بعد أن أصبحت صالحة للجماع، وبنت تسع سنين صالحة للوطء وبالغة مبلغ النساء في كثير من البلدان، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والبيئات.

 قال النووي: قال الداودي: وكانت قد شبت شباباً حسناً رضي الله عنها. ولما كانت أعرف بنفسها وأنها بلغت مبلغ النساء قالت -كما روى عنها الترمذي-: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة.).

واجابة اخرى عن لعبها:

(فقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة عائشة بعد أن بلغت مبلغ النساء في تحمل أعباء الزواج، وكانت حينذاك بنت تسع سنين، وقد روت هي رضي الله عنها قصة ذلك فقالت: أتتني أمي أم رومان وإني لفي أرجوحة ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن: على الخير والبركة وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين. رواه البخاري ومسلم.

وهذا يدل على صغرها وأنها لم تبلغ الحلم؛ فقد كانت تلعب في أرجوحة لها مع صواحبها في اليوم الذي بُني عليها فيه، ومع ذلك فقد كانت بلغت مبلغ النساء من حيث صلاحها للزواج وتوابعه في هذه السن، ولذلك قالت رضي الله عنها: إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة. ذكره الترمذي في سننه. وهذا ليس معناه أنها قد بلغت المحيض وصارت مكلفة، وإنما معناه صلاحها للزواج في الغالب، فيكون لها حكم المرأة في هذه الأمور وما يتصل بها.

قال ابن قدامة في (المغني): المراد به حكمها حكم المرأة. اهـ.

وقال المباركفوري في (تحفة الأحوذي): كأن عائشة أرادت أن الجارية إذا بلغت تسع سنين فهي في حكم المرأة البالغة؛ لأنه يحصل لها حينئذ ما يعرف به نفعها وضررها من الشعور والتمييز. اهـ.

وقال الشيخ الدكتور عبد الكريم الخضير في (شرح الموطأ): المرأة في عرفهم لا يقتصر على المكلفة، بل إذا بلغت البنت تسعاً فهي امرأة. اهـ.

ولذلك فإن أهل العلم يستدلون بزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة، ودخوله بها في هذه السن، على مسألة نكاح الصغيرة.

قال المرداوي في (الإنصاف): البكر التي لها تسع سنين فأزيد، إلى ما قبل البلوغ: له تزويجها بغير إذنها، على الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب. اهـ.

قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): أخرج أبو داود، والنسائي من وجه آخر عن عائشة قالت: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو خيبر، فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي... ـ فذكر الحديث. وقال: ـ فهذا صريح في أن المراد باللعب غير الآدميات، قال الخطابي: .. إنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغ. انتهى. قلت: وفي الجزم به نظر لكنه محتمل؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتها أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا، فيترجح رواية من قال: "في خيبر" ويجمع بما قال الخطابي؛ لأن ذلك أولى من التعارض. اهـ.

وهذا الترجيح فيه جواب للسائل، فلم تكن السيدة عائشة قد بلغت آنذاك.

قال البيهقي في (السنن الكبرى): كانت صغيرة في الوقت الذي زفت فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعها اللعب ... وليس في شيء من الروايات أنها كانت بلغت مبلغ النساء بغير السن في وقت زفافها, فيحتمل إن كان انشغالها بلعبها وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم إياها على ذلك إلى وقت بلوغها, والله أعلم. وعلى هذا حمله أبو عبيد فقال: وليس وجه ذلك عندنا إلا من أجل أنها لهو للصبيان, فلو كان للكبار لكان مكروها. اهـ.

ولذلك بوَّب عليه ابن حبان في صحيحه فقال: باب "ذكر جواز لعب المرأة إذا كان لها زوج وهي غير مدركة باللعب". وبوب على حديث غزوة خيبر فقال: باب "ذكر الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب، وإن كان لها صور". وبوب أبو نعيم على حديث لعب عائشة بالبنات في مستخرجه على صحيح مسلم. باب: "تزويج الصغار". وكذلك فعل البغوي في (شرح السنة).).

فما هو الجديد الذي جاء به الشاعرفي هذا القول ؟

***

قال الشاعر سعدي يوسف:

*(وعائشةُ، الحـُـمَيراءُ ...)

هل هذه الصفة ادعاء كاذب من الشاعرالصقها بها، او سبة، او شتيمة اطلقها بحق السيدة عائشة ؟

لنقرأ ما كتبته مصادر التاريخ الاسلامي في ذلك:

(في رواية صحيح النسائي من طريق أبي سلمة عنها دخل الحبشة يلعبون فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم-: (يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم). إسناده صحيح ولم أر في حديث صحيح ذكر الحميراء إلا في هذا). (فتح الباري 2/444).

يكفي هذا الشاهد على ما ذكرته مصادر الحديث النبوي ان كان هذا الحديث صحيحا او موضوعا، فقد ذكرت هذه الكتب هذه الصفة للسيدة عائشة.

***

وقال الشاعر سعدي يوسف:

* (هكذا

ذاقتْ عُسَيلَتَهُ

وذاقَ محمدٌ، دبِقاً، عُسَيلَتَها ...).

اما ما ذكره الشاعر عن تذوقها للعسيلة فهذا مذكور في مصادر التاريخ الاسلامي، وكتب الحديث النبوي:

(وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عائشة قالت " جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبنت طلاقي، فتزوجني عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلا مثل هدبة الثوب، فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك؟" .

وأخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن جرير والبيهقي عن عائشة " أن رجلاً طلق امرأته ثلاثاً فتزوجت زوجاً وطلقها قبل أن يمسها، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم أتحل للأول؟ قال: لا حتى يذوق من عسيلتها كما ذاق الأول".).

***

ويقول الشاعر:

* (كان محمّدٌ، ما بين رُكعته، وتالي رُكعةٍ، ينوي يُباشرُها

وأحياناً يرى ما بين ساقَيها، صلاةً ...

هكذا)

ما الذي غلط به الشاعر؟ اليس هذا هو ما يحدث بين النبي والسيدة عائشة؟

يذكر البخاري في الصحيح:

(الحديث 483: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِاللَّهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِالرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ فَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ 0).

 من الاحايث التي تدعو للعجب فضلا عما طرح في متنها من سؤال كما رأت السيدة عائشة من عجيب امور النبي، هو الحديث الذي يذكره الزمخشري في تفسيره، كما يذكره البغوي في مصابيح السنة (1: 231)، اذ يقول: (عن ابن عمر: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله  "ص" فبكت وأطالت، ثم قالت: كل أمره عجيب، أتاني في ليلتي فدخل في لحافي حتى الصق جلده بجلدي، ثم قال: يا عائشة: هل لك أن تأذني لي الليلة في عبادة ربي . . .).

جاء في الادب المفرد للبخاري:530:( عن عائشه قال لي رسول الله "ص ": أدفئيني أدفئيني، فقلت له: أني حائض، فقال: وان اكشفي عن فخذيك، فكشفت فوضع خده ورأسه على فخذي حتى دفئ ).

وفي سنن ابي داود 1: 70 ( سألت عائشه: قالت: أخبرك بما صنع رسول الله "ص" : فقال ادني مني، فقلت: اني حائض، فقال "ص" : وان اكشفي عن فخذيك، فكشفت فخذي فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفئ ونام).

***

يقول الشاعر سعدي يوسف في قصيدته تلك:

* (عائشةُ الحـُمَيراءُ،

الجميلةُ مثل إيرلنديّةٍ ...

صنمُ النبي ّ !)

نتساءل: ماذا ترسم لنا الاحاديث الاتية؟

(يذكر مسلم في صحيحة الحديث 453 : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ فَيَشْرَبُ 0).

ويذكر الزمخري في الكشاف - 3: 552، هامش 2:

تقول عائشة: (ما كان رسول الله "ص" يفضّل بعضنا على بعض في القسم، وكان قلّ يوم إلاّ وهو يطيف بنا ويدنو من كلّ واحدة منا من غير مسيس، حتى ينتهي إلى التي هي يومها، فيبيت عندها، ولقد قالت له سودة بنت زمعة وقد أراد أن يفارقها: يومي منك ونصيبي لعائشة! فقبل ذلك منها) .

  و يذكر البخاري في الحديث 242: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنبي صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ0).

والكثير من الاحاديث التي وردت وهي ترسم صورة حية لحبه لها، وتميزها عن الاخريات. (راجع كتابنا " القول الصريح " – قراءة في احاديث السيدة عائشة – منشور على الشبكة العنكبوتية).

الم ترسم هذه الاحاديث صورة لصنم كان يراه محمدا لهذه السيدة ؟ ولولا الخشية من الناس،ولكونه نبيا مرسلا،لعبدها بديلا عن الله.

***

ويقول الشاعر سعدي يوسف في قصيدته تلك:

* (وهاهي ذي، على جملٍ، تقاتلُ .)

قصة معركة الجمل وقيادتها لهذه المعركة معروفة للجميع، ولا حاجة للتكرار .

***

اذن ما الذي جاء به الشاعر من خارج مصادر التاريخ الاسلامي، وكتب الحديث النبوي والصقة بالسيدة خديجة لنقول عنه انها نال منها او ذكرها بسوء؟

نظفوا – ان كنتم ترون في هذه الكتب وساخة – هذه الكتب مما ورد فيها من اخبار في عرفكم انها تسيء للسيدة عائشة وقد ردده الشاعر في قصيدته.

ويبقى الشعر هو الشعر يقول الحقيقة كما يراها الشاعر شئنا او ابينا، ولكن مخيلته لا تتخيل الاشياء فقط، إنما تعيد بناء هذه الأشياء وتقدمها لنا بطريقة لا تخلوا من تلك المخيلة وذلك الواقع.

الشاعر لا يسأل بصورة "منطقية" عما يكتبه، ولا عن الحقيقة التي ترد في تلك القصيدة، لا نسأله عنها أهي متطابقة عما عندنا من الحقيقة ام لا ؟Top of Form

الشعر بناية بعد ان يخرج منها العمال تصبح ملكا لمن يسكن فيها، اي ان القصيدة تصبح ملكا للمتلقي،فان سعدي يوسف غير مسؤول عن كيفية تلقي القراء لها،فمن المتلقين من يفهما على انها سب وشتم ونيل من السيدة عائشة، ومن المتلقين من ينظر لها على انها نقل للحقيقة، ومنهم من يرى فيها مدح، ... الخ، ولكنها تبقى شعرا، لها ما للشعر وعليها ما على الشعر.

وقالوا قديما)مَنْ يزرع الريحَ يَحْصد العاصفة (فلماذا ذكروا عن السيدة عائشة هذه المعلومات ان كانوا لا يريدون ان تحصل عاصفة هوجاء من ذكرها في عصرنا الحاضر؟

اما قضية التناص سأتركها الى وقت اخر، فهو تناص واع يتناص مع ما ذكرته المصادر التاريخية من حياة السيدة عائشة.

 

الحوارية الدرامية في "امرأة تخشى الحب" للروائي المغربي مصطفى لغتيري

najia  janna"امرأة تخشى الحب" رواية لمصطفى لغتيري من الحجم الصغير، صدرت سنة 2013 عن دار النايا للدراسات والنشر والتوزيع بسوريا، تضم عشرة أجزاء، يتطرق خلالها الروائي المغربي لعاهة تزداد تفاقما في العصر الحديث ألا وهي الطلاق وما يترتب عنه من تأزم نفسي ومشاكل اجتماعية، يتميز الخطاب السردي بالانفتاح والحرية والوضوح، تتخلله لغة بسيطة حوارية درامية تنسجم والأسلوب السهل ليعطيان إطارا واضحا للشخصية المتأزمة، بحيث يجعل المتلقي يكون صورة واضحة عنها وعن تحركاتها وعن حالتها السيكولوجية، وهذا ما أصبحت الرواية المغاربية تتميز به، فالشخوص أفراد من المجتمع والحوارات مباشرة إلى أقصى درجة كما نلاحظ في المكالمات الهاتفية، والحوار بين ماريا وشفيق، وبينها والأستاذة رقية.

 تميز الخطاب السردي للرواية بتنوعه، وذلك تبعا لتداعيات الشخصية الرئيسية وهواجسها، فهي تمر من عدة حالات نفسية أدت بها إلى سرد سيرتها الذاتية من خلال الحوارات الداخلية، والذكريات والأحلام، بالإضافة إلى علاقاتها القليلة وحواراتها البسيطة معهم، فماريا نذرت نفسها لتربية إخوانها في غياب الوالدين المتوفيين، في ص 6 " منذ أن اخترت الانفصال عن زوجي، الذي لم تجمعني به سوى سنتين كئيبتين، خلفتا في النفس مرارة لا يمكن للزمن أن يمحو آثرها قررت أن أكرس حياتي للبيت ولإخوتي .. على هذا المنوال استمرت حياتي .. خاتم الزواج لا يفارق إصبعي وكأنني امرأة متزوجة .. حقيقة لقد اكتفيت من الرجال .. إنهم متعبون ومكلفون وأنانيون، المرأة بالنسبة لهم مجرد آلة جنسية لتفريغ كبتهم. لا يمنحونها أي تقدير مهما ضحت وتنازلت، وداست شخصيتها بل وتخلت عنها . أبدا لن أكرر التجربة .. لذا حين تخلصت من ذلك الزوج، شعرت بالانعتاق .. " فعلاقة ماريا بالرجل تتميز بالتوتر والقلق، ولكن من خلال توظيف الحلم يتبين أن شخصيتها متذبذبة، تملك قيما مزدوجة وفي غالب الأحيان غامضة فهي كما يبدو مترددة وممزقة، دائمة الانتقاد لنفسها وسلوكياتها، تصدر أحكاما جاهزة على الغير، وأظن ذلك بسبب العزلة التي فرضتها على نفسها وفرضها عليها وضعها الاجتماعي .

 في ص13 " أرى نفسي أرتدي بياضا. شعري مسبل على كتفي، ومن الأفق هناك رجل يتطلع إلي من بعيد .. أمضي نحوه مجبرة بخطى ثابتة وجلة، وفرحة في الآن ذاته .. كلما دنوت منه ابتعد . يصهل قلبي حزينا، يراودني إحساس بأن لا فائدة من المحاولة، أقف، ألتفت من حولي باحثة عن أي شيء يعيد لي توازني .. ، فإذا بامرأة تشبهني تنبثق فجأة من عمق الوردة، تنظر إلي .. تلوح لي بيدها، .. يتملكني شوق عارم لمرافقة المرأة، أتحسر .. فجأة ينبثق الرجل، الذي رأيته سابق، يظهر من عدم .. يربت على كتفي . أندهش بحضوره، أمد يدي نحوه لأمسك به، وقد اعترتني ارتعاشة الرغبة .لكنني لا ألمس شيئا .. لا شيء .. لا شيء .. أشعر وكأنني أفقد نفسي، أضيع .. أندثر .. بيد أن طيف الرجل لم يفارقني .. هذا الحلم أو شبيهه يراودني كل ليلة تقريبا باختلاف بسيط .. " إن ماريا التي تصر على رفضها للرجل في حياتها اليومية تلبس قناعا فقط، أما الحقيقة اللاشعورية فيوضحها الحلم، وهذه المفارقة تجعل- كما قلت من قبل- منها شخصية مترددة لا تملك خيار نفسيتها وأحاسيسها، فهي مشوشة البال مضطربة النفس، لها رغبة أكيدة في الارتباط بالرجل، ولكن حاضرها محاصر بماضي مأساوي خلف ندوبا في نفسيتها، فهي تتوق للحياة الطبيعية وتعوضها باهتمامها بإخوتها - الأمومة المفتقدة- كما تحاول الخروج من قوقعتها من خلال علاقتها بالأستاذة رقية الكاتبة المسرحية التي استدعتها لحضور عرض لمسرحية تجريبية، فتنطلق ماريا مع ذكرياتها –فلاش باك-أيام دراستها الجامعية، لتتكلم عن المسرح وعن الفن التشكيلي وعن السينما وعن طموحاتها التي أقبرت في ص11 " قبل الزواج كانت أحلامي بشساعة البحار والمحيطات.كنت أظن العالم هدية لي، .. لم أعاند القدر في اختياره.

إن حالة الإحباط التي تعيشها ماريا جعلتها مشوشة الفكر والإحساس، حتى لما التقت بمخرج المسرحية الأستاذ شفيق الذي يحاول التقرب منها، ولكنها تظل مترددة خائفة في ص 45 " هواجس وانشغالات وهموم اكتسحتني لمدة أسبوع .. أفكر في الاتصال بالرجل، ثم سرعان ما أتعقل وأطرد الفكرة من رأسي .. " ولكنها لاشعوريا تظل تقارن حالها بوضعية المتزوجين في الصفحة 46 "أثار انتباهي رواد المطعم . كانوا في أغلبهم يتكونون من ثنائيات، رجل وامرأة، النساء مبتهجات، والرجال يسعون جاهدين لتلبية متطلباتهن، أحزنني ذلك قليلا، ذكرني بوضعي البائس، شعرت بحنين لا يطاق إلى لمسة رجل حانية .. "

يظل الحلم والحوار الداخلي يطغيان على أحداث الرواية ومن خلالهما نتعرف أكثر على الحالة النفسية للشخصية التي تصر على مواجهة مصيرها وتحدي ذاتها ومجتمعها، فتلتقي بشفيق وتلتقي برقية وتمتزج تصرفات وخيالات الشخصية فتصير استيهامات أوديبية تراجيدية، تؤدي بماريا إلى الإحساس بالذنب تارة، والإحساس بالأمان تارة أخرى، خصوصا لما تكتشف أن الأستاذة رقية لها ميول سحاقية اتجاهها، في الصفحة 44 تحاول أن تقنع نفسها بأنها أنثى جميلة وتحن لعلاقة عاطفية مع رجل " أعرف أنني جميلة، .. هذه المرة يبدو الأمر مختلفا، .. يبدو مختلفا عن الرجال الذين صادفتهم من قبل … " وفي الصفحة 73 تقول" هكذا يبدو أنني تجاوزت عقدة اللقاء الأول، لا أنكر أنه خلف في نفسي أحاسيس متناقضة لم تساعدني على حسم أمري .. " ولكن في علاقتها مع الأستاذة رقية تبدو أيضا مترددة، وكأنها تساير رغبتها المكبوتة، وكأن لها مشاعر شاذة مثلية، في ص 80 " تقول رقية : الرجال لا يأتي منهم سوى الهم والقلق، أبعديهم عن تفكيرك، فترتاحي." " قالت ذلك، وهي تمرر يدها على شعري، ثم ما لبثت أن تسللت يدها إلى عنقي، شعرت بقشعريرة تخترقني ,,,فرأيت الشهوة تلمع في عينيها .. " في ص 84 " تلك اللمسة التي انفلتت من يد الأستاذة رقية لتحط على نهدي، كانت لمسة غريبة، أشعر بها الآن وكأنها حدثت للتو، لقد فرضت نفسها علي، أحاول عبثا التخلص من تأثيرها " " تدريجيا أجد نفسي أبتعد عن الاستاذة رقية ولمستها الشهيرة، لأفكر في الأستاذ شفيق .. ما هذا الذي يحدث لي ؟ هل أكون سحاقية .. هذا الأمر جعلني أفكر بشكل مختلف في طلاقي، وعدم سعيي لإغواء أي رجل، .. تصبب جسدي عرق .. وكأنني أكتشف حقيقة مرعبة عن نفسي .. لم يقبل عقلي هذه الفرضية .. فيما كان جزء ما من قلبي ووجداني متعلق بها".

إن سلوك ماريا يعود بنا إلى نظرية فرويد في التحليل النفسي بحيث يقول " يمكن لمضمون لا شعوري أن ينتقل إلى ما قبل الشعور، ثم يصبح شعوريا وهو ما يحدث على نطاق واسع في حالات الأمراض الذهانية، وهذا يؤدي إلى القول بأن الاحتفاظ بقدر معين من المقاومات الداخلية، شرط لحالة السواء، وفي حالة النوم تقل هذه المقاومة ويندفع مضمون اللاشعوري فتكون الاحلام .. "1 وهذا ما حصل لماريا فهي تبدو مريضة نفسيا، وتفرغ شحنتها بالأحلام في ص 85-86 " فإذا بي أرى نفسي أمضي في أرض خلاء .. فجأة انبثقت من العدم شجرة ضخمة .. كان سيري لا إراديا .. انحلت شبكة الأفاعي .. رأيت اثنين منها تقصدني .. لا أدري كيف تحول رعبي إلى نشوة غير متوقعة .. نظرت إليهما عن قرب، كان لهما وجها شخصين أعرفهما جيدا .. حاولت التخلص منهما لم أقو على فعل ذلك، فاستسلمت لدغدغتهما .. تشابكتا في صراع حامي الوطيس، كل مهما تحاول القضاء على الأخرى .. اختفت الأفعى المنهزمة .. فإذا بالمنتصرة ترفع رأسها نحوي .. وجدت نفسي أنجر وراءها وأنا مسلوبة الإرادة .. وجدت نفسي داخل وكر غريب، فإذا بالأفعى التي لم أتبين جنسها ذكرا كانت أو أنثى تلتف من حولي ,,,أشعرني ذلك براحة غريبة .. بمرور الزمن أحسست بوطأة الأفعى على صدري .. كانت تهرصني بلذة .. بدأت أختنق .. "

إن ماريا تعيش صراعا نفسيا وجسديا جعلاها في حالة ذهنية مشوشة، وربما أصبح لديها نزعة نحو السحاق، فالخطة التقنية التي اتبعها الأستاذ لغتيري أي المناجاة الذاتية أعطى بها مساحة موضوعية مستقلة للشخصية " فالمناجاة : حديث النفس للنفس، واعتراف الذات للذات، لغة حميمية تندس ضمن اللغة العامة المشتركة بين السارد والشخصيات، وتمثل الحميمية والصدق والاعتراف والبوح .. وقد اغتدت المناجاة، في أي عمل يقوم على استخدام تقنيات السرد العالية، تنهض بوظيفة لغوية وسردية لا يمكن أن ينهض بها أي مشكل سردي آخر"2 فجاءت الرواية جلها عبارة عن مناجاة داخلية عرفت القارئ على شخصية ماريا وهواجسها ومكبوتاتها وتعقيداتها النفسية .

 

بقلم: الأستاذة نجية جنة

 .....

المراجع:

رواية امرأة تخشى الحب، عن دار النايا للدراسات والنشر والتوزيع بسوريا، سنة 2013

ص:6-11-13-45-46-73-80-84-85-86

1- في التحليل النفسي لسيكموند فرويد، مقال عن أكاديمية علم النفس

2- في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، ص 139 تأليف عبد المالك مرتاض

 

 

قراءة في رواية (صمت فضائحي) للكاتبة سارة شرف الدين

في روايتها (صمت فضائحي) الصادرة عن شركة مطابع السودان للعملة 2013، تحاول الروائية السودانية ساره شرف الدين معالجة الواقع الاجتماعي والدخول الى عوالم المسكوت عنه، من خلال أحداث درامية واقعية اختارت لها فضاء القرية السودانية وفق حبكة روائية وأبطال غاصوا في أعماق المجتمع بقوة.

ومما يُحمد للكاتبة أنها ثقفت نفسها في مجال الأمراض النفسية وطُرق العلاج النفسي كالتفريغ النفسي والتويم الإيحائي وقد أشارت الى ذلك عند تقديمها للرواية، وهذا ياتي دائما في صالح العمل الادبي، بالتركيز على النواحي غير السارة من الأحداث السابقة حيث أنها فيما يبدو تكون الجانب الممثل فعلاً للمرض * (1) وقد نجحت في توظيف هذه المعرفة والثقافة بشكل معقول في معالجة روائية ناجحة لأن القارئ يجد نفسه منساقاً في منطقية الرواية وأجوائها الميلودرامية وحبكتها الموفقة، يظهر ذلك من خلال السرد  "انها عملية التفريغ النفسي وقد يتم ذلك بحقنة فيفقد المريض بعض وعيه .. حالة مابين اليقظة والنوم " * (2)، وهذا مشابه لما فعله الكاتب الكويتي سعود السنعوسي الفائز بجائزة البوكر العربية حيث قام بالسفر والعيش لفترة في بنغلاديش وتوظيف التجربة في روايته ساق البامبو * (3) والرواية العربية الحديثة حسب رأي كثير من النقاد أصبحت تأخذ طرقاً وأساليب مختلفة خاصة في الجانب السردي، " ولعل أهم ما تتتميز به الرواية الجديدة عن التقليدية أنها تثور على كل القواعد وتتنكر لكل الأصول وترفض كل القيم والجماليات التي كانت سائدة في كتابة الرواية التي توصف بالتقليدية،فاذا لا الشخصية شخصية، ولا الحيز حيز، ولا الزمان زمان ) * (4) ، والمتأمل لأساليب السرد والقص في الرواية العربية يجد فعلا التحول الكبير في الأساليب الفنية "عندما نتأمل مشهد الرواية العربية المعاصرة نجد أن الاسلوب السينمائي قد أخذ يتسلل اليه عبر مجموعة من القنوات بنسب متفاوته لدى الكُتاب " * (5)

تدور أحداث الرواية في فضاء القرية الجغرافي وتنتنقل في بعض تفاصيلها الى مدينة الخرطوم، وتنبني على فكرة محورية هي محاربة الدجل والتخلف الاجتماعي والعادات الاجتماعية السيئة المسكوت عنها من خلال الأحداث التي تدور في القرية – قرية المجانين – " قرية معظم شبابها مشغولون بأكياس التبغ وسجائ البرنجي وأنواع أخرى يتعاطونها بعد أن تهبط العتمة جوار الترعة " * (6)، وبين أبطال وشخوص الرواية تدور معارك اجتماعية وفلسفية قوية، فالبطل عجيب يمثل الشخصية المستنيرة التي خرجت من رحم القرية نفسها، وتُشكل معه نهى الطبيبة المتخرجة حديثاً نوعا من التحالف المستنير بينما تربط بينهما علاقة عاطفية تكون سببا في هذا التحالف الحميم الذي يصب في صالح فكرة الرواية ومن جانب أخر فان نفيسة – شقيقة البطل - تقف أيضاً لصالح تلك الأفكار التي ينادي بها عجيب ونهى، ينجح هذا التحالف المستنير في نهاية الرواية في علاج المرضى النفسانيين - رماح، ليلى،الأمين كباشي - الذي يطلق عليهم مجتمع القرية المجانين ويتحرج من ذكر أخبار مرضهم وهذه عقدة الرواية وجوهرها وفي نظر علم النفس الاجتماعي نجد أن " السلوك في حد ذاته ليس منحرفاً أو غير منحرف ولكن التقييم الاجتماعي للسلوك أي النظرة اليه والحكم عليه من جانب من يتأثرون بهذا السلوك هي التي تحدد ما اذا كان منحرفاً أم لا " * (7).

يقول وليم جراهام سمنر رائد علم الاجتماع وصاحب الطريقة الجدلية اللاهوتية " هناك أربعة بواعث عظيمة لسلوك الانسان، تعمل عندما يدخل عدد من الكائنات البشرية في ظروف حياة واحدة وهي الجوع والانفعال الجنسي والزهو والخوف، والحياة تقوم على إشباع هذه البواعث " * (8) وتشير الرواية في بعض تفاصيلها الى الصراع الطبقي المستتر والمقارنة بين الشخصيات في القرية وعقدة اللون الأسود واقترانها بالقبح أيضاً أثار الاغتصاب الاجتماعية، " كان يراقبها مع نفيسة في اعجاب ويتبعها من حذائها اللامع حتى ضفائرها المتوهجة وتنزلق عينيهما تلقائياً نحو أقدامهما الحافية وسيقانهما الغبشاء المتشققة مرورا بملابسهما المبرقعة بمختلف الألوان نهاية بضفائر نفيسة المشعسة بسبب عراكها الدائم مع أبناء الحوش" (9)، وفي موقع آخر من الرواية " عندما تقد لهما والدتهما البلح تأخذ قطعة واحدة على عكسهما حينما يجدا إناء حلوى مشهورا أمامهما فيغرفا منه الى تضربهما أمهما على كتفهما وهي تزيحه وتقول أولاد طبعكم شين " (10)، ويظهر الصراع الطبقي واضحا من خلال السرد وحديث البطل مع نفسه وتمايز الشخصيات داخل الرواية "هم من أبناء الطبقة الكادحة .. نوع مثله تربيا على ثقة عالية بالنفس ودرجة رهيبة من التعفف فلم يشكل الفقر عقبة أما أحلامهم ولم يلبسا قناع ثراء زائف ولم يحتقرا بيئتهما " (11)،بينما يقف في الجانب الآخر من لم يستطع استيعاب واقعه وحاول أن يخرج من عبائته الاجتماعية كالامين الكباشي " لم يتفاجأ حين مرض الأمين فهو في عالمين، عالمه الذي شيده بأكاذيبه وملابسه التي يستعيرها من أقاربه الميسورين وسجائره الفاخر الذي يزيِّن جيبه دون أن يمسه يوماً فقط تظهر العلبة الفاخرة بالقداحة في جيب القميص و لكن هذا العالم ينغص عليه عالم آخر ولد فيه هو ومنه اليه أصله الحقيقي ... " (12)، فمشكلة الامين الحقيقية كانت في رفضه النفسي لهذا الواقع مما سبب له نوعا من الفصام النفسي بينه وواقعه " رفض الأمين لهذا الواقع ومحاولاته الجاهدة للالتصاق بأبناء الذوات جعله يدور حوله كدرويش .... كانت أكاذيبه تكبر كل يوم الى أن انفجرت في وجهه " (13)، وعندما يقرر البطل التشخيص " مرض الأمين دا حق مستشفيات مافقراء .. الامين ما معيون ولا لابسو جان الزول ده عندو انفصام ولازمو علاج " * (14) هنا تبرز مشكلة المجتمع في رفضه للاعتراف بالمرض و تعييره للأسر التي بها هذا النوع من المرض وعقدة الذهاب للمستشفيات النفسية أو العصابية وخوف الأب من العار الذي سيلتصق به وبالمريض " كدا ياعجيب يا ولدي أخرتا عايز تمرق أخوك مجنون تب .. لا ياولدي دي الناس تمسكا علي لي جنا جناه .. " (15) .

أما عقدة اللون والقبح فتظهر على لسان نفيسه عندما تقول " لو كنتي زيي كده خدورية ونخرتك قدر الكدوس كنتيرقصتي عشرة بلدي لما يجيك عريس مغترب .. كانت نفيسه داكنة البشره لها أنف ضخم يفصل بين شفتين مشاغبتين وعيون صغيرة بها أهداب كثيفة كانت خليط بين وجه أمها وأبوها، وجه الأم الداكن وعيونها الصغيرة وأنف الأب الضخم " * (16)، وتبلغ الرواية ذروتها عندما تكتشف نهى عقدة ليلى النفسية الحقيقية من خلال جلسات التفريغ النفسي " كتلني .. كان الحوش فاضي ومافي زول جرَّاني الديوان بكيت .. شرط فستاني ورماني في الواطة بعد داك قفل الباب والدم كبَّى ..و انا بكيت واستفرغتا وهو طالع قال لي قولي لي سفيان دي هدية مني ... " * (17) وفي المقابل أثر هذه الحادثة وردة فعل الاسرة والحبوبة المشهد الذي تسبب في العقدة النفسية فيما بعد لليلى " بكيت وحبوبتي جات من بره لقتني واقعة صرخت ولما كلمتها ضربتني وضربت روحها وشالت التراب كبتها في راسها " * (18) .

الرواية تلخص مشكلة المجتمع على لسان نهى عندما تقول بعد قراءتها لخطاب سمية "تعرف مشكلتنا أننا في مجتمع كل شيء عنده فضيحة " (19)، وبشكل عام هي رواية واقعية حاولت أن تغوص في أعماق المجتمع القروي البسيط وعالجت بشكل كبير جزءً من المشاكل المسكوت عنها، التابوهات الجنسية والنفسية، والكبت والعُصاب الذهني وضعف التنشئة الاجتماعية وآثار الاغتصاب على الفتيات وبفضل دراميتها العالية واسلوبها السينمائي وأحداثها الاجتماعية المثيرة والمفتوحة تستحق أن يلتفت اليها كُتاب السيناريو لبلورتها في عمل درامي سينمائي متميز .

وما يُعاب على الرواية هو بعض الأخطاء الطباعية الناتجة من عدم التنسيق، فنجد الفصل الخامس يفاجئنا مباشرة بعد الفصل الأول، كما أن التقريرية والمباشرة وبروز رأي الكاتب وتعليقه على الأحداث في بعض أجزائها كاد أن يُفسدها خاصة في استهلالية الرواية والحديث السردي الذي يصف جامعة الخرطوم إذ تقول الكاتبة : " جاء التخريج سريعا في كرنفالات تحييها جامعة الخرطوم سنويا في احتفالين منفصليين واحد يقيمه الطلاب ويجدون فيه حريتهم وآخر للجامعة وهو رسمي يتمخطر فيه الطلاب بروبات تميل للأخضر الفاتح .. فجامعة الخرطوم لاتعطيك شهادة أكاديمية فقط بل تصنع منك انسانا " * (20) ويستمر السرد في لغة أقرب الى التقريرية المباشرة في الصفحات التي تليها، وفي موقع أخر تعلق الكاتبة على الأحداث فتقول بتقريرية واضحة  " نحن مجتمع حُشري وطُفيلي ونمَّام وعاشق للمذابح " * (21)، بالرواية كذلك نوع من التعاطف الجندري ضد البطل عجيب في موقفه العاطفي ازاء تصرف حبيبته نهى التي لم تستطع البقاء معه الى النهاية واختارت الاغتراب وهنا نرى أن الكاتبة وقفت موقفاً غير محائد وضد الرجل المستبد في رأيها، لكن بالرغم كل ذلك فقد حققت الرواية هدفها وجاءت حافلة بالمتعة والاثارة .

 

.....................

(1) مرجع في علم النفس الاكلينيكي – د. مصطفى سويف – دار المعارف – القاهرة  1985

(2) رواية صمت فضائحي – ساره شرف الدين– شركة مطابع دار العملة  - صفحة 54

(3) مجلة العربي – عدد يونيو 2013 م – حوار منشور مع الفائز بالبوكر العربية

(4) في نظرية الرواية – بحث في تقنيات السرد – تأليف د. عبدالملك مرتاض – عالم المعرفة  1998 – ص 240

(5) أساليب السرد في الرواية العربية – د. صلاح فضل – دار سعاد الصباح 1992

(6) رواية صمت فضائحي – مصدر سابق ص 8

(7) علم النفس الاجتماعي – دكتور حامد عبدالسلام زهران – عالم الكتب – القاهرة ط 5 1984

(8) تاريخ الفكر الاجتماعي – غريب محمد سيد أحمد –دار المعرفة الجامعية – الاسكندرية 1990

(9) صمت فضائحي – مصدر سابق ص 15

(10) المصدر السابق ص 15

(11) المصدر نفسه ص 17

(12) المصدر نفسه ص 18

(13) المصدر نفسه ص 16

(14) المصدر نفسه ص 26

(15) المصدر نفسه ص 26

(16)المصدر نفسه ص 65

(17)المصدر نفسه ص 91

(18) المصدر نفسه ص 91

(19)المصدر نفسه ص 119

(20)المصدر نفسه ص 95

(21)المصدر نفسه ص 101

 

"سطر .. الشارع" .. ديوان الشاعر العراقي فلاح الشابندر

ahmad fadelالرمزية الشعرية حينما تكون واقعا سحريا

يحدثنا كتاب مناف جلال الموسوي "غواية التجريب: دراسة في التجريب الشعري عند جيل السبعينيات في العراق" عن هذا المفهوم الذي شهد تداخلا في ما بينه وبين مفاهيم نقدية وأدبية أخرى أو كما يقول: "مثلما تداخل مصطلح التجريب بمعناه العلمي مع مصطلح التجريب بمعناه الأدبي، فقد استمد التجريب الأدبي وجوده من التجريب العلمي لكن بشروط تحقيق الإضافة والتميز بما يكفل استقلالية المصطلحين" .

ولكي نفهم هذه المعادلة نعود إلى شطر آخر من كلام الموسوي: "ولم تتجسد ملامح التجريب إلا في نصوص شهدت في لغتها إنحرافات إمتدت لتشمل شكلها ورؤيتها إذ لم يحرص الشاعر على تفجير اللغة فحسب وإنما جعل من إشكالية هذه اللغة محورا رئيسا وموضوعا لنصوصه فأدخل مفردات جديدة من معجم الواقع إلى النص الشعري تارة وحاول تحقيق إضافة مخالفة يسجل بها النص الشعري وجوده تارة أخرى وكل ذلك يظهر رغبة حقيقية لتفكيك الجماليات السائدة في النصوص الأدبية وأعاد تشكيلها على وفق نظرة جمالية مختلفة " .

من هنا يطلعنا مؤلف الكتاب أن جيل السبعينيات أو الجيل الشاب كما يطلق عليه هم الذين انغمسوا بالاشتغال بالتجريب وبدا واضحا لدى مجموعة منهم كخزعل الماجدي وزاهر الجيزاني وسلام كاظم وهاشم شفيق ورعد عبد القادر وكمال سبتي وشاكر لعيبي، حيث كانت نصوصهم مادة طيعة لإغناء دراسته التي تضمنها كتابه .

هذه المقدمة كان لا بد منها للولوج إلى العوالم الشعرية للشاعر العراقي فلاح حسن الشابندر الذي يمكن أن يكون من ذاك الجيل الذي قصده الموسوي ولو أن ديوانه الأول " فحم وطباشير " كان قد صدر في العامين 2010 - 2011، فهو لايعترف بزمان معين وقد اسقط التاريخ عن أغلب قصائده لأن معاركه مع الدنيا أنسته تواريخها .

" سطر ... الشارع " إحتوى على 25 قصيدة نثرية حديثة جاءت مقدمته قطعة شعرية لاعنوان لها وهي لفتة حاذقة من الشاعر أراد بها أن يقول لنا: ما دمتم ستقرأون قصائدي فإليكم سطرها الأول أو كما قال:

في زرقة الليل الثلجي يرافقني الشارع مشيا

ثم مشيا .. مشيا .. مشيا

ويمضي إلى سبيله الشارع

في لقاء غير هذه الصدفة

في اتجاه غير هذا الدرب

ما وقوفك هنا؟

ما الانتظار؟

أما سمعت الصفير؟

لا صدى ..

نفسي منخورة ..

وأقفل المحضر ..

إن تصور الراهن الشعري لدى الشاعر في هذه المقدمة النثرية يأخذنا إلى كم هائل من المعاناة التي نلتقيها يوميا في حياتنا، بيوتنا، شوارعنا، أزماتنا المتعددة، منها ما هو سياسي، عقائدي، اقتصادي، وصولا إلى غرف نومنا، فالذي يراه الشاعر غير ما نراه يعكسها جميعا وفق حالة فنية يؤطر فيها تكويناته الشعرية كي يكون وفيا لطبولوجيته، ثقافته، وهويته على وجه الخصوص، وما دمنا نتلمس أفق الشاعر وهو يفتح لنا أحاسيسه وجوارحه في مقدمته النثرية المبتسرة نذهب مباشرة لقصيدته " سطر ... الشارع "، التي  علقها عنوانا على صدر ديوانه وقد احتلت صفحته ال27 والتي تشي بالكثير من معانيه الرمزية التي دأب الشابندر تجربته معها منذ ديوانه الأول، لكنه هنا يضع الواقع السحري لها نصا لا سردا كأنه يكرس لحرفة الشعر ابتكارا لا يخلو من إبداع لفظي أو خيال يتكرر في معظم قصائده :

كل يكتب سطره

زعمت الصدفة ..

أني ذو حظ عظيم .. وبأس شديد

ولما صدّقت الناس نفسي .. وصدّقت

كذبتني الصدفة ... !

هذا ما كان يكفيها ..

ويكفيني

زلة قدم في ضمير أنا وأنت

أنا وأنت ..

ولي من الندامات الكثير !!؟

هنا وبتبرم واضح يخوض الشاعر معتركه الحياتي اليومي منطلقا من زمكان قهره اختار لهما " السطر " وهو البداية في كل شيئ، فقد يكون الولادة والكتابة، المنعطف لسير طويل، واختار " الشارع " بكل ما فيه من بيوت وعمارات ودكاكين وأزقة وأقبية ومساجد وكنائس وحانات وماخورات تعمل في وضح النهار وليله، من هذا " السطر " وذاك " الشارع " تذكرني قصيدة للشاعر الإنكليزي الأمريكي ويستن هيو أودن (1907 - 1973)، كان قد ترجمها إلى العربية الشاعر الراحل سركون بولص (1944 - 2007)  يقول في خواتيمها :

لم تعد تأتي الأغاني : كان عليه أن يصنعها

بأية دقة كانت كل عبارة مرتبة !

لقد عانق أحزانه مثل قطعة أرض،

وسار في المدينة مثل سفاح،

وكان ينظر إلى البشر فلا يودهم

لكنه يرتعش إذا مر به أحدهم وهو عابس .

ولعلها صدفة أن يلتقي الشعراء ليقولوا ما يشجيهم بين سطور الشوارع، أو أنها هي روحهم الهائمة، المتوحدة، المتمعنة فيها .

الشابندر يمضي في قصائد ديوانه متنقلا بين شارع وشارع، متفحصا آثاره، رجاله، نساؤه وكل شيء فيه، ففي قصيدة " أبدعها بما توحي " نراه يتحدث عن امرأة أعطته زهرة في ذلك الوسط المزدحم اللاهي الغاضب، قال :

نساء نساء نساء في امرأة

حفيت امرأة

زرعت في كفي زهرة ..

ضممتها إلى حين ..

تتنامى ....

تتنامى على نحو صامت ..

زهرتي

لكن دقائقي دهرية ..

ومثلما لفافة تبغ تفكر،

ونافذة ..

نافذة تعرف التفاتة الريح ...

ومهر الريح للنافذة طير ...

أبدعها بما توحي

أبدعها امرأة

تفتتح على مرايا .

النص الشعري هنا ومع أنه مفعم بالرمزية، لكنه محاكاة استيحائية للواقعية السحرية الذي هو بالأساس مصطلح عام وفضفاض كما عبر عنه الشاعر والقاص فاضل العزاوي تختلف فيه الكثير من المدارس والاتجاهات  .

وبنفس الثيمة تبدأ القصيدة صعودها في ديوانه معبرة عن ذات المعنى كقصيدة " بيان هام " و " السكران الأخير " و " الشارد خيط " و " جزاررررررررررر" و " نواطير " و " طارئ الحب " التي نتوقف عندها لأنها لفتت انتباهنا كونها قصيدة من أبيات خمسة تذكرنا بالقصة القصيرة جدا يقول فيها :

أقبلُها مطرا ..

مطرا

على المجرد العاري

فعل الماء في الأشياء :

القُبل

أنظر كيف صور الشاعر القبلة على أنها سيل منهمر من المطر وحتى الماء نرتشفه كالقبل، وكذا قصيدة " منارة الحلم " و " لافتة " و "قف " و " ثقب بالاستعارة " بقسميها و " التانكو الأخير " و " نص فاشل " التي مهما كتب الشاعر عن هم الفعل، الرجل الذي يحمل صفة البطل لديه، لا يمكن بلوغ مآثره فهو بالتالي نص فاشل مهما بلغ التعبير به :

البطل الممسرح في تجلياته

يتودين ممسرح .....

ويتهضب

البطل .... الغمام

تشيع وتشيع فيه الريح

ضريحا

ضريحا مجروحا ..

غسق بلادي

ذاوية زهرة الشمس

حاضرنا الراحل

وأناب الحارس

وإذا ما دنا .... دنا يدنو

يسترق السمع

أبلغ ...

إلى أن يقول :

مضحكة

مضحكة ..

أسمال المهرج البطل

في مقولة جد مؤثرة للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة ( 1923 - 2007 ) وجدت من المناسب سوقها هنا لأنها يمكن أن تقترب من الحيثيات التي قامت عليها قصائد الشابندر في ديوانه الأخير، تقول : " قد يكون الشعر بالنسبة للإنسان السعيد ترفا ذهنيا محضا، غير أنه بالنسبة للمحزون وسيلة حياة "، فالقصائد " الطارئ "، " على مذبح الحقل "، " خربشات آخر الليل "، " أزيز "، " مفازات القبل "، " قصة طويلة جدا " التي تنتمي إلى ذات القصيدة القصيرة جدا والتي سبق أن مررنا هنا عليها، نقرأ أبياتها الستة التي يقول جورج أرويل في محضر وصفه لهذه التقنية : " لا تستخدم كلمة طويلة حين تفي كلمة قصيرة بالغرض " :

صمت يحدثني مرارا

كان يا ما كان !

وما سيكون

في

قديم

المنام!

تبقى أربعة قصائد من الديوان هن : " وارتكبت خريفا "، " من الآيات ... تفاحة "، " جدل أول "، " شغب وساوس "، وهي سطره الأخير  بل أقول :  لن ينتهي بها القصيد  طالما الشارع تملئه الوساوس :

" بعد اللا أحد برعشتين "

إذا ما فض الشغب ..

نم .. نم !

الحلم مداك

لم أزل أسعى

ويؤملني، طراوة الحلم مطرا

ولأن فعل الماء في الأشياء ..

رسمت مظلة ورسمتك افتراضا

****

عما قريب يرفع الستار،

ويرفع قبعته الاحتفال

تنادت :

إذا ما تركتني لسوف أغرق

ليست بالضرورة الهاوية إلى

...

أسفل !!

خلاصتنا ل " سطر .. الشارع " هو تكملة لما سار عليه الشابندر من تجريب لقصيدة النثر أضاف إليها بعدا آخرا هي الواقعية السحرية الشعرية، لأن " السطر والشارع " صنوان لايختلفان، فالبدء كان الكون والإنسان ..

جاء الديوان ب 72 صفحة وبطبعة جميلة شارك في جماله وألقه الفنان العراقي قاسم العزاوي بلوحته المعبرة التي حملها غلافه الخارجي، بينما تركت الناقدة والمترجمة الكبيرة الدكتورة إنعام الهاشمي (حرير وذهب) بصماتها عليه فلا غرو أن جعل الشاعر منها وفناننا العزاوي وشاعرنا المتجدد فائز الحداد يمشون معه على سطر الشارع، فهؤلاء هم رفقاؤه الأوفياء في هذا الدرب الطويل، فالوفاء أعلى مراحل الإنسانية كما يقول إيمانويل كانت .

 

أحمد فاضل

............

للاطلاع

سطر الشارع .. ديوان جديد للشاعر فلاح الشابندر عن مؤسسة المثقف

 

قراءة في: إكليل موسيقى على جثة بيانو .. تجليات التفاعل ضمن بنية النص الشعري

ayad khodairيتكئُ جواد الحطّاب في تجربته الشعرية الأثيرة في ديوان (أكليل موسيقى على جثة بيانو) على كمٍّ معرفيّ هائل وخزين رؤيوي خاص يمكنه من سبر أعماق قصية لإشكاليات وجودنا وجدليات صراعنا الأبدي ليضيء بعرفانية الشاعر وبرهانية العارف مساحات تحجبها حجب شفيفة لتصبح اللغة في ديوان الشاعر وسيلة للتواصل مع الماضي الثقافي والتفاعل مع الحاضر وكأنّ الحطّاب يجّسد المقولة التالية: (لماذا لا نغير الواقع حتّى لا يعيد التاريخ نفسه) وهنا يكون دور لغة القصيدة عند جواد حينما تعبر عن نتاج اجتماعي وحاملة لاستمرارية التواصل مع الآخرين وناتجة عن تراكمات الشاعر المعرفية من حيث التوليد والاستنتاج، فجواد الحطّاب لا يمتلك هذا الكمّ المعرفي ويعيد إنتاجه شعرياً بل يتشاكل معه ويتفاعل ليعيد صياغة رؤية خاصة من عندياته من خلال نصه الشعري ذات البناء المعماري الخاص به والذي ترتبط جذوره بزمكانية سابقة أثرت وأسهمت في تكوين وبلورة حاضره الآني وبدوره يشارك هذه الحركية بإنتاج آتٍ متشاكل مع الماضي والحاضر .

فجواد في منجزه الشعري ومن أولى قصائد الديوان يتداخل بنفيه الضمني المتمخض عن تمني ما يستحيل حصوله في المقطع الثاني من القصيدة المعنونة بعلامة سيميائية متوهجه ألا وهي (المتنبي) وما يحمل اسم هذا الشاعر من سيميائية غنية الإشارات وبتدفق موسيقى المتدارك النابضة :

شبّاكٌ مفتوحٌ في الليل على الذكرى

..............

لو كان ابن أبي طالب قد مدَّ يديه إلى العباس

لو أنّ الكوفة لم تتخاذل عن ابن عقيل

لو أنّ سليمان تجاهل أمر أبي هاشم (ص 9)

من هنا يتجلى وعي الشاعر العميق بأحداث التاريخ وانعكاساتها على واقعه فهناك معانٍ كامنة تدلل على أن الواقع حتماً سيكون مختلفاً لو تحقق عكس ذلك .

هنا جواد الحطاب يخلق رؤية خاصة وحكماً معرفياً ينبثق من هدرجة أحداث تاريخية ولا يكون ناقلاً لها بل مفسّراً عليماً فهو امتداد لفلاسفة الشعر وحكمائه الذين أخرجوا الشعر من بوتقة الطبع إلى فضاء المعرفة وتشكيل حكم نقدي من قراءة الشاعر الواعية للتاريخ وانعكاساته على الواقع فنجد التداخل بين المتنبي والشاعر والتوحد بتناصٍ وجودي وليس لغوي :

شبّاكٌ مفتوحٌ في الليل على الذكرى

.. قنديلُ يتأرجح وسط ضريح ولي

لو كنتُ مكان المتنبي

لوضعت الأمراء جميعاً في الحمّام

وسحبت (السيفون)

ط .. و .. ي .. لاً (ص 18)

 إنّ تجربة الشاعر في منجزه تستند على معادلة متماسكة العناصر (ثراء معرفي + رؤية برهانية = تجربة شعرية متعددة المستويات) لذا عند تناول منجزه المتعدد المستويات والهادر بفيوض الدلالات سيكون مستوعباً من حيث تجلياته الجمالية والمعرفية من زاوية (التفاعل النصي) والذي يعرف اصطلاحياً بـ (التناص) وهو يعني التواجد اللغوي لنصٍّ في نصٍّ مشتقٍّ متأثر به وهذا لا يعني المطابقة فقد يكون (التواجد اللغوي) على أشكال متعددّة بدءاً من المفردة وانتهاءً بالجملة بل وأحياناً التشاكل في المعنى فالشاعر في القصيدة الثالثة من ديوانه (مقبرة الغرباء) وهي قصيدة في رثاء الجواهري يشي لنا أنها قصيدة (تناص) مع الشاعر سعدي يوسف وهذا التفاعل النصي يمنح للنص الجديد قوة وأصالة مستمدة من إرث الشاعر المعرفي وثرائه الثقافي ويعكس امتداداً وتداخلاً إبداعي :

لم أربِّ من قبلُ حماماً

لا أشعلَ، لا أبيض، لا أصفر، لا رمادياً

من أجلك - أنت فقط – ذهبت لسوق الغزل

واشتريت مئة طير زاجل .. أطلقتها باتجاه مقبرة الغرباء (ص 26)

هنا من خلال هذا التناص يحلينا الشاعر لتذكّر رثاء حيدر ابن سعدي يوسف من قبل أبيه بتقنية (التشفيف) وهي عندما يغطي النص نصاً آخر فيكون النص الجديد المشتق ذات دلالات مزدوجة لهذا كانت قصيدة الشاعر جواد الحطاب (مقبرة الغرباء) قصيدة إبداعية متفردة من خلال كونها (فسيفساء شعرية) دمجت بتقنيات مختلفة وامتصت إشارات سيميائية منسجمة مع فضاء القصيدة مكثفة ومختزلة فسيميائية الرمز (دجلة) يحيلنا لتذكر بيت الجواهري:

حييتُ سفحك عن بعدٍ فحييني .. يا دجلة الخير يا أم البساتين

فلقد وظّف الحطاب التناص مع الجواهري من خلال بعض الإشارات المرجعية لقاموس الشاعر وبعضاً من مفرداته الأثيرة:

أبعيداً عن (دجلة الخير) تنمو

بأصابعك اللاسلاميات لها

عواسج الكلمات أيضاً (ص 27)

أو التناص مع لوحة قبر الجواهري والتداخل نصياً معها وتحويلها لصورة شعرية مختزلة ومكثفة لتمنح أبعاداً دلالية للمشهد الرثائي :

(.. دجلة

والفرات

محفوران – الآن – على قبرك

كأضلاع حصان ميت) (ص 28)

لقد جعل جواد الحطّاب من تجربته الشعرية في ديوان (أكليل موسيقى على جثة بيانو) ناتج إبداعي نابعة من تراكمات المعرفة في ذهنية الشاعر وخزينه الفكري الناجم عن ثقافة واسعة حتى ولو لم يتعمد الشاعر بظهور التواجد اللغوي في بعض قصائده من خلال تجليات نصه الشعري لكنّ التقاطع بين نصوص سابقة كان موجوداً من دون قصده لكون هذا يعود إلى مخزونه الأدبي في الذاكرة فنلاحظ في قصيدته (كومونة) تقاطع نصي واضح مع تجربة الشاعر الأولى في ديوانه الأول (سلاماً أيّها الفقراء) وتواجد هذا الموقف الإنساني للشاعر وتجلياته في القصيدة فلو أخذنا مقطعاً من ديوانه الأول لوجدنا التقاطع والتشابك اللغوي وكأن النص الجديد هو (تشفيف) إبداعي لنصوص قديمة للشاعر مما يؤكد عمق التجربة وثبات الموقف وليس القصيدة مجرد تجربة وقتية إنّما موقف وجودي أخلاقي مستمر ونجد تجليات أخرى في ديوان (يوم لإيواء الوقت) يقول جواد :

هؤلاءِ أهليَ الفقراء

يؤاخون نجم البراري

ويستأنسون الرمال

فالتناص هنا حتمية أراد الشاعر أم لم يرد لأن التناص هو استمرارية حتمية لتطوّر التجربة الشعرية وبقاء جيناتها الأصلية المكوّنة لها ماثلة في التجارب التالية ففي قصيدة (كومونة) نجد هذا التفاعل النصي في قول جواد:

معي أيّها الفقراء

لنهاجم الفردوس

سنطالب – أوّلاً –

بجرد أسماء جميع الأولياء

إنّ التقاطع النصي بين النص السابق والنص اللاحق لا يؤدي إلى طمس ملامح النصين وتشويه معماريتهما بل هو وظيفة مهمة لقراءة النص الجديد على مستويات عدّة وهذا التقاطع النصي هو ما يعرف بـ (الممارسة السيميائية) وهي تقاطع نصٍّ جديد مع بعض ملفوظات نصٍّ قديم كما يتجلى من خلال اللفظة أو الجملة أو السياق وهذه الوظيفة تمكننا من قراءة هذه الإشارات السيميائية على مختلف مستويات بناء النص فعلى الرغم من تجليات هذه الممارسة السيميائية نتلمّس انعكاساتها الدلالية الجلية في أكثر من قصيدة في الديوان وبوضوح في قصيدة (استغاثة الأعزل) وهي رثائية فلسفية عميقة للشهيدة المراسلة (أطوار بهجت) فكانت قصيدة حافلة بالترميز ضمن معمارية النص والعلامات السيميائية المتفجرة الدلالات:

لن تحصي سوى : الإنسان

في صحراء (سرَّ من رأى)

كان (السيّارةُ) على بعد (بئرٍ) من أطوار

ورغم إنّها بلا إخوة، ولم تقصص رؤياها على المرأة

إلا إنّها رأتْ أكثر من كوكبٍ يسجد

لكنّه (الغراب) هذه المرّة وليس (الذئب) (ص 120)

من هذا التداخل النصي بين نصّ الشاعر الرثائي وقصة النبي يوسف والتواجد اللغوي لقصة يوسف وقصة هابيل وقابيل ضمن تجليات النص الشعري لجواد الحطاب يجعل (الممارسة السيميائية) وظيفة متداخلة مع النص تمكّن من قراءتها على مستويات متعددة ضمن بناء النص الشعري وهذا التداخل يمنح النسيج الشعري توهجاً دلالياً وعمقاً معرفياً ويمنحه معطياتها التاريخية والاجتماعية وهذا ما ينطبق على توظيف الشاعر جواد الحطاب لسيميائية (أسماء الشخصيات التاريخية أو الحاضرة) من قدرة ترميزية عالية تختزل في ملفوظاتها الكثير من الفضاءات الدلالية كإشارات على حقب زمنية تتجسّد فيها الكثير من الأحداث ونجد هذا التوظيف الإبداعي يشمل عدّة قصائد في ديوان الشاعر الحطاب منها ما جاء من توظيف في قصيدة (الحيزبون):

ترقص الحيزبون على دمنا

ترقص الحيزبون...

٭أيعرفها سبي بابل...؟

٭ أم هي من أهل خيبر... ؟

خطيبة (ابن ملجم)

زوجة (الشمر)

مومس تيمورلنك

كلّ (سنتمر مربع) في كفّها

ظلماتٌ،وقتل

أسألوا دم لوركا (ص 56)

إن التفاعل النصي (التناص) لم يكن في ديوان جواد الحطاب ديكورياً شكلياً بل جاء وفق مقتضيات التطوّر المعرفي للشاعر والتراكم الثقافي المخزون في ذاكرته لهذا كان هذا التفاعل النصي المتداخل والمتشابك في قصائد الشاعر يؤدي وظيفة أسلوبية وكان متماهٍ في بنية نص القصيدة كفسيفساء متناغمة ومتشاكلة مع البنية النصية وفق آليات (التناص) التي حددت من خلال الدراسات النقدية والتي ظهرت تجلياتها في فضاءات قصيدة الشاعر جواد ذات الشكل المعماري المتفرد والذي يحمل بصمة الشاعر الإبداعية فكانت لآليتي التناص (التمطيط) و(الإيجاز) تجليات ظاهرة في بنية قصائده وهذا ما ينعكس من خلال وسائل (التمطيط) التي أعتمدها الشاعر وكانت على النحو التالي :

● الشرح: وهو من أهم وسائل (التمطيط) باستخدام البعد التفسيري للفكرة التي يحاول الشاعر شرحها من خلال (كلمة محورية أو تركيب) تدور حولهما القصيدة بالكامل وهذا ما نلمسه في بعض قصائد الديوان أبرزها (قصيدة المتنبي) باستخدام جملة (هل فاتَكَ {فعل} فاتِكُ {اسم} ) لعدة مرّات في القصيدة:

هل فاتَك ... فاتِك

أم أنّ الفتّاك جميعاً

كمنوا فيه..؟ ص 11/13/16(تكرّرت ثلاث مرّات)

●الاستعارة: من حيث نقل الشاعر(للمعاني المجرّدة) إلى (المحسوس) وهذا ما يبهرنا به جواد بقدرته على الإزاحة (تراسل الحواس) عن طريق المجاورة أو الشبه أو تشكيل المجرد بهيئة المحسوس:

أيها الأصدقاء:

ألم ننسَ في جزمة الحرب

أقدام أعمارنا ...؟ (ص 58)

أو:

الحدائقُ أصابتها التأتأة

وتوقف العطرُ عن الخفقان

.. طوال الليل

ظلّت تنزف الوردة (ص 123)

● التكرار: ويكون على مستويات متعددة كالأصوات والكلمات والصيغ وهنا لم يكن التكرار في ديوان الشاعر فائضاً أو مترهلاً بل جاء وفق ضرورة تعبيرية وعلى مستويات متعددة الدلالات ومضيئة لجوانب متشاكلة في بنية القصيدة ضمن مقتضيات البعد التفسيري للتكرار :

بلادي : بلادي

ليس لديها فرع آخر

كي أتركها للأمريكان

بلادي : بلادي

الدمعة في الشفتين : بلادي

الضحكة في العينين :بلادي

الرجفة في الرئتين : بلادي

والشهقة في الكفين : بلادي

بلادي : بلادي (ص 109)

أما آلية (الإيجاز) والتكثيف فللشاعر جواد الحطاب ومنذ بدايته قدرة متفرّدة على تكثيف واختزال اللغة وكان لمعمارية الشكل في قصيدته طابع خاص يتميز به عن غيره فهو قد كوّن معادلة معرفية مستندة لقاعدة أسلوبية تعتمد على ضغط الجملة الشعرية من حيث الحجم الشكلي وتحميل كتلتها الدلالية كمّاً هائلاً من المعاني ليجعل من نصّه الشعري متعدد المستويات من حيث البناء ومن خلال الإشارات والتلميحات الموجزة التي تؤدي إلى فضاءات رؤيوية متعدّدة كالإشارات التاريخية الدالة أو الواقعية الموحية أو المعرفية وقد كان للإيجاز في قصائد الديوان تمظهر واضح أسهم في توهج الجملة الشعرية وجعلها نابضة بكم دلالي هائل ومستويات قرائية متعددة بواسطة التواجد اللغوي لأسماء تعكس أحداثاً تاريخية مهمة ذات مغازٍ عميقة في الوجدان الجمعي :

يا يوسف

ألف ذئب من ذئاب أخوتك

ولا غراب واحد من غربان (ساء من رأى) (ص 120)

أو:

مليون طفل يمصّون أصابعهم خوف الجفاف

(... من قبلُ

أعطى الحسين، ولده علي الأكبر، لسانه

لعلّ قطعة الخشب تكون مندّاة ... !)

كم حسيناً يحتاج أطفال العراق الآن ... (ص 72)

لقد كان منجز جواد الحطّاب (إكليل موسيقى على جثة بيانو) وثيقة إبداعية ذات أبعاد إنسانية جسّدت بفسيفسائها الشعرية مواقف الشاعر الوجودية تجاه قضايا أمّته المصيرية واستمرارية الشاعر في المساهمة بمهمة تغيير الواقع من خلال تواصله الواعي والفاعل مع تاريخه وماضيه والتفاعل معه لاستخلاص رؤية جديدة تسهم في إثراء الواقع ومعالجة بعض إشكالياته ضمن منظومة معرفية يمتلكها الشاعر وتنبع من خزينه الثقافي الثر الذي يستمد وهجه من وعي عميق فكان هذا المنجز متعالق الجذور مع الماضي ومتناغم مع الحاضر .

ديوان (إكليل موسيقى على جثّة بيانو) يقع في جزأين الجزء الأول يتكون من 16 قصيدة أما الثاني من 19 قصيدة في 135 صفحة صدرت الطبعة الأولى منه عام 2008 عن دار الساقي في بيروت – لبنان.

 

أياد خضير الشمري

 

رذاذ الشمس وقلق البراكين المفجوعة .. قراءة في (متحف منتصف الليل) رواية باسم القطراني

abdulzahra lazemما الذي يستطيع الناقد أن يستخلص من تجربة القاص باسم القطراني عندما يتجلى لروايته الموسومة بالاسم الذي أختاره لها عبر متاهات الروح وخلجاتها وهي تعربد في أحلام اليقظة المضطربة مع القلق الذي يغلف أرواحنا عندما تخفي تلك الهموم وذاك الوجع في زوايا الذكريات التي ترقد فوق رفوف مكاتبنا !

(متحف منتصف الليل) أنموذج معاصر أكد فيه القاص الروائي باسم خروج الرواية من نمطية معظم الروايات التي قرأناها في السنين الماضية، والتي أخذ بها طريقاً على ما يبدو لي غير الطريق الذي سلكه قبله من كتاب الرواية والرواد منهم خصوصاً، والذي لا أحسب إني أطلعت على نتاجهم جميعاً، حيث أرى بنظري القاصر اندفاعه بالسلوك الذي سلكه في تصويب قوسه المتلهف لاصطياد فريسته التي أبت ألاَ تراوغ سريان سهمه الصائب لاصطيادها .

وبهذا أراه أخذ طفرة جديدة للرواية التي أراها حسب نظري تفند معظم الأصوات التي تهمس بمثل هذا الخصوص من الروايات المطروحة على الأرصفة .

تجربة متماسكة أحكمت بعناصرها قدرته على توليد المعاني الجديدة والدخول الخطابي إلى معترك تلك الآفاق الجمالية التي تحرك شجون القارئ المتلمس للأحداث التي ذهب القطراني إليها، وأخذ يحرك خيوطها أمام الجمهور ليظهر بالتالي جمالية مداعبة تلك الشخوص في إشكالية الصراع مع الذات فيما يختلج في بداهة الزمن الأجوف الذي يعيش ويعيش به شعبه المظلوم ضمن تلك الأحداث الأليمة التي رسمها الكاتب في روايته (متحف منتصف الليل) !

الملاحظ في هذا النموذج الذي أمامنا رغبة القاص على تحقيق الفعل الحضاري الذي يؤمه العالم في عصرنا الحالي كي يغير مسلك العصور الفانية التي مرَت به وشعبه وهو يلوك ذكرياتها بصعوبة ويرصف شوارد ذهنه، ويعبئ الكلمات فوق الكلمات ليبني عمارة أفكاره بين مدلولات غريبة حيث الشرود الذي أنتابه وهو يحرك خيوط مداعبة تماثيله فوق منصة أحلامه، وينزوي شارد الفكر نحو ما يدور في مكتبة صابر النائية التي ورثها عن خاله، متابعاً أصوات الضجة التي تنبعث من الغرفة المجاورة لغرفته، ألاً أنه بعد جهد ليس بالبسيط يرى أشكالاً غريبة تداعب نفسها وتصطدم مع بعضها لتفعل الضجة العارمة التي أربكته وجعلت منه جثة هامدة يحركها الجيران وزوجته حيث لا حراك سوى برودة جسده الهامد !

هذه المدلولات التي ينظمها القطراني في سمط مسبحته التي لا تفارق يده ما هي إلاً حوادث جمة تسطرت في صفحات كتب قديمة وحديثة أراد كتابها وشعرائها أن تنتظم في سطور وحوادث وحكايات غابرة مع السنين التي طوتها تلك الكتب في مدلولاتها التي بقيت خالدة إلى يومنا هذا !

يقول: (أعداد لا حصر لها على هيئة بشر وحيوانات تذوب في المجهول وتخلف هلعاً في دواخله) ص 12

وهذا فعلاً ما يحدث عند قراءة أي قصة أو رواية عندما يغط قارئها مع الأحداث، حيث يرى ما رآه صابر تلك الليلة وهو يستمع ويرى إلى هذه الأشكال وهي في صراعها الدائم في ملكوت نفسه !

أخيراً دس عينيه بين هياكل كتبه التي أخذت من شبابه وعمره السنين وراح يقلب صفحاتها علَه يجد شيئاً مما رآه فيها قبل لحظة، لكنه لم ير شيئاً يذكر، وهو يبحث عن عشبة الأبداع السحرية التي يطول بها رهط المبدعين في طريق ملكوت الكتابة المبدعة في زماننا الذي تشبع في حكايات وقصص المتقدمين ولا يزال يحبو نحو ما نسميه بالحداثة !

أراد القطراني بإزميله الذي ينقر به على الصخور الصلدة، أن يؤسس له طريقاً جديداً في كتابة القصة والرواية، وأن يعرض بضاعته وكنوزه على المتلهفين لشرائها .

بهذه التحولات الجميلة والهجرة في عوالم الوجود وربما الهروب من النهج الذي سلكه غيره من الكتَاب نحو جمالية النص أو فوبيا مثيرة للعجب نحو ربط أحداث الماضي بالحاضر والنزوع نحو الأشكال المتقدمة التي تؤجج المشاعر وتجعل المتتبع السفر في خلجات النص الروائي الذي يشكل عند القطراني كما أرى النزعة الجنوبية الحالمة نحو ما يحدث على ارض مدينته التي أكلتها الحروب اللاشرعية في زمن الدكتاتورية الباغية وزمن التسلط المرعب على أرضه وشعبه !

فراح يخط هذه النزعات بفكر شارد نحو ما هو معلوم في ذاكرة الأجيال من روايات وأحداث لا يستطيع المرء نسيانها مهما تكالبت عليه السنون ممثلاً تلك الأحداث بأشكالها البشرية الصغيرة وهي تحاوره ربما وتبعث فيه الروح الإنسانية حتَى لا يطغى عليها ِويؤثر في مزاجها وأشكالها فيقول: (نحن هنا ... حاذر أن تدوسنا بقدميك) ص 15

ويستمر في حديثه معهم قائلاً: (من أنتم؟) يسمع جواباً يقول: (نحن أبطال روايتك الهاربون)  ص 16

ويظل مخاطباً أشكال تلك الصور الصغيرة التي تشكل أنموذج روايته بروح متلهفة للوصول من خلالها إلى الهدف الذي بنى عليه تلك الهياكل الكونكريتية لبناء مدينته الجميلة في متحف منتصف الليل شارداً بروحه الضاجة نحو أحداث ملئت شوارع ومدن وطنه العراق، متذكراً بغاء وعنترية حكام زمانهم ومن سار في شوارد أفكارهم وطغيانهم اللامحدود على أرض السلالات والقيم الإنسانية !

 وعليه تفنن القطراني بعملية دمج الأحداث وربطها مع الحاضر المر الذي نعيشه، إذ ْ راح يتوغل برفع الجدار الجرثومي عن وطنية أزلام السلطة وهم يجوبون الأرض بنشر سمومهم على موارد الحياة في الوطن !

بشوارد فكره الحالم أسس للقارئ عملية ربط  بين هذه النوعيات من البشر وما تكتمه من بغض وحقد على الأمة، إذ ْ راح يبين عمليات الأجرام والقتل من لدن المتمرسين بها وغربلة اسرارهم وهم يخفون الجريمة بين طيات قلوبهم الخبيثة ضد شعبهم، ويمارسون أبشع أنواع القتل والخطف ومساومة ذويهم بالمال، ولم تمنعهم أخلاقهم القذرة على التلون بألوان عديدة لإخفاء ما يضمرونه عن الناس، كيف لا وهم حتى في موتهم يبدلون الأموات بالأحياء والأحياء بالأموات، وما عملية موت النقيب( فرهاد محمد خان) الذي ذكره الكاتب في روايته بالآخر المقبور (عافت عجيل ) الذي يشبهه خلقاً إلا َ مداهنة وإيهام الآخرين بموته ليتسنى له الانخراط بسلك الإرهاب وهذا ما خطط  له من قبل القاعدة، وهذا ما بينه القطراني : عندما ألتقى المجرم (حردان) بصاحبه (فرهاد) عند خطفه من قبل عصابة خطف وقتل مع أصحابه على طريق بغداد المتوجه إلى البصرة .

يقول: (أنت فرهاد محمد خان؟)  يرد عليه  (وأنت حردان أليس كذلك ؟ نعم حردان الذي دفنك بيديه قبل أكثر من خمسة وعشرين سنة) ص 77 .

ويستمر بقوله: (ولكن كيف عدت إلى الحياة وقد دفنتك بيدي هاتين؟) ص 89 .

وتستمر الرواية بالتفصيل: (لأن الذي دفنته أنت الملازم الأول عافت عجيل) ص 90 !!

هذه العملية التي ركب تفاصيلها المبدع باسم ما هي إلاَ ربط للأحداث الدامية التي ارتكبتها عصابة تسلطت على شعبنا وانتهكت حقوقه لسنين عديدة وما عادت أن تنجلي غمتها عن شعبنا بعد، إذ ْ ما زال عهدها موجوداً ولكن بجلد آخر ولون آخر، هذه المرة عصابات تدميرية وتفجير وقتل النساء والأطفال العزل، وما نشاهده يومياً على أرض الواقع !!

هذا ما أراد الكاتب تبينه للقارئ وهذا لعمري قمة الأبداع لأن التفنن في عملية بيان الأحداث وربطها بالماضي يؤكد حقيقة، إن ما حدث في الواقع القريب هو سليل عصر لقيط ما زالت سمومه تنتشر على مواقع الحياة !

وهكذا في جميع حواريات وأحداث هذه الرواية الجميلة، وفك ألغاز ما نقرأه في (متحف منتصف الليل) البهيم الذي يغط به شعبنا وما تمنحه هذه السطور من تجليات وبراهين تجعل القارئ الأقرب إلى كشف الأستار التي أسرج الكاتب فرسه الجموح نحو الهدف المطلوب!

فعبر هذا السفر التصويري كتب لنا الروائي مراثيه وما ينوء به فكره الشارد وراء الأحداث الدامية التي تحدث على أهله ووطنه حاملاً وجعه الخبيء بين ثنايا قلبه مستنجداً بقلمه على حمل ما لا يستطيع حمله وما يراه يومياً على أرض الواقع المر !

فالتمظهرات التي سكبها لنا القطراني بذاكرته المشوشة والتي تحولت بالتالي إلى فوبيا مثيرة للرعب حيث رأى بطل روايته ما في بطون الكتب التي قرأها تخرج بأبطالها الورقية إلى حيز الوجود وتعمل ضجة صاخبة على أرض غرفة المكتبة، وكلها تحولت إلى حيوانات وبشر بأحجام صغيرة وغريبة الطباع يكلم بعضها بعضاً مما شكل عنده حالة من الخوف والرعب، شكل بالتالي هذا البوح الذي أمامنا بمظهره الذي نقرأه في هذه السطور، ولعل سفر القطراني بهذه التمفصلات التي حوت عليها روايته (متحف منتصف الليل) يأخذنا بأنشداده إلى عالم مليء بالرعب والخوف والدمار، بحثاً عن الحلول الدالة على الخلاص الذي يتلمس مجسات الحياة الجديدة وغربلة الماضي الحزين وطمر الأمكنة الموبوءة التي تنبعث منها عفونة الخبث والتفرقة في وطننا الجريح !!

 

في البصـــــــ25/9/2013ـــــــــرة

 

سيموطيقا الذات وغربة الوطن .. قراءة فى ديوان: رجل لم يخلق بعد للعراقية رحاب حسين الصائغ

rehab alsyeqتساوق الشعرية الجديدة بين الذات وغربتها، وبين الوطن واغترابه، وهى عبر ذلك تراوح بين الذات والمجتمع، وبين الذات والعالم كذلك، كما تنزع إلى سموق كوني يخلّق التجربة ن ويقبض على جذوة الشعر ليعيد رتق شراع الحلم فتنكشف أسرار الكون والذات على عوالم في أغوار النفس أكثر إشراقا، وأبهى سموقا .

وفى ديوانها (رجل لم يخلق بعد) تمازج الشاعرة / رحاب الصائغ بين الوجع الشهي، والوطن المشتهى: بين الذات الهائمة فى محراب العشق والمتعطّشة لدفء يعيد رتق الوجع، وبين الوطن الذي تتوزّعه عذابات الفقد والحرمان والغياب ن وتجعلنا نتساءل في حيرة عن هذا الرجل الذي لم يخلق بعد !! هل هو الفارس المشتهى لقلبها المعشوشب بالجمال والحب؟ أم هو الفارس الذي سيعيد للوطن سموقه وقامته الباذخة ؟! .

ان شفرة العنوان تحيلنا الى ثنائية ملغزة قد تبدّت في الإهداء: (قبل مليون عام / ترتشف هذه القصائد من دمى / أخرجتها من جعبتي / في هذا الزمن / كي تعيش معي المحنة).

إنها إذن قصائد المقاومة، وهى قصائد أسطورية كتبت قبل مليون عام مشبعة بالدم، وهى هنا تخرجها لتأنس بها لتشاركها المحنة والنكبة التي عانتها العراق من جراء الظلم والاستعمار والقهر الامبريالي الأمريكى للذات والمجتمع، وكأنها - هنا – تتشبث بالأمل لتصبّر النفس على احتمال المرارة والألم .

وفى قصائدها نلمح العشق الممزوج بالحزن، والألم المتطلّع الى أمل يعيد للجسد المتهالك نضارته التى بدا عليها الذبول، تقول فى (قراءات زرقاء اليمامة):

آهات البياض جن ليلكها / ثمة موج انطفأ / أصبع، زند، كف، أصاب العراقيون غثيان / وشقّ أقصى الخريطة / خدوش أعور كنس المكان / من بني أزرق، اصفر، أسود / والجواري نائمون فى توابيتهم / ساهمون بسلطانهم / يسكنهم تناسل الأخطاء / يرممون خاصرتهم بالتمائم /يتمطّون بهزيع أعزل) .

أنها تصف النكبة، حيث تناسل الأخطاء والجواري النائمات فى التوابيت وحيث الغثيان أصاب كل العراقيين .

انها شعرية الألم، لا تفصح عنها الا بالرمز المغلق، ربما من فظاعة المشهد، ربما لهول الفاجعة على الشاعرة التى أرادت للقصيدة الهذيان والدخول فى غموض الرمز المستغلق، لأنها لا تريد كشف المستور، بل تدلل الى فظاعة الجرائم التي أركبت فى العراق، وهى بهذا الرمز تعيد إنتاجية المشهد الغرائبى، وربما المقذّذ أيضاً لبشاعة المحتل ومعاملته للنساء / الجواري .

وفى 0 احتفال اللؤلؤ 9 تشعر ببارقة أمل إلا أنه ينطفئ بسرعة، تقول:

ربما خلع وطني أنشوطته / السوداء ../ من ألم بها / لأيام شكلت من الفرح / ناسية أننى عراقية / ووجعي مرَصّع بتكهنات / ظلامها دائم التّربّع / فوق أى حنين / لبارقة بيضاء / يحمل براكين متفجرة / كلنا / أخله / داخله .

انها انكسارات الذات أمام فجيعة المشهد العراقي الذي امتلأ بالندوب من جرّاء الخوف والفزع، تقول:

من يدلني على رحم / أسكنه حلم / أريد له العيش / بعيداً عن سكاكين عراقيتي / الذي توهّج بندوبه / سطع بانقلاباته / ضجّ بتلاحم مشرّد / لفّته عباءات نرجسية /تلبّستنا بخوف عظيم .

ان الشّعرية – هنا تتبدّى من الجمل المفارقة الدالة على الإحزان الهائلة، والخوف الذي وصفته بالعظيم والفاجع، وهى عبر هذه الإيماءات الإجرامية تفضح العجز والوهن، وتشير الى التخاذل والانقلابات، بل وللنرجسية التي أثارت الخوف لديها فجعلتها تتمنى – عبر الحلم – الولوج إلى رحم تسكنه، أو كهف بعيد عن هذا التمزق للوطن وأهله، وذلك العجز الشديد والنابع من العجز العربي أيضاً .

وعبر هذه المأساة الهائلة تعود بنا الشاعرة الى أيام الطفولة، حيث العشق الممزوج بالحزن، وكأنها تتنبأ بما سيمرّ بالعراق، فنراها تطوى قلبها الحزين، وهى كالعاشقة العليمة بقلب فارسها، تحلم وتتشبّث بالحلم، وتطرق كل الأبواب وكأنها تلوذ بالحب لتتناسى الآلام، أو لعل الحب يضمّد جراح الوطن في قلبها، وهى لازالت تحاول، وهى تعرف أنها تطرق الزجاج، وأبواق السراب، تقول:

أمد للسراب بعداً جديداً

تنتعش بقايا روح

وتؤسس لعطشى أشجاراً

فروعها الخضراء تنطلق

وراء الغثّ من الحلم

أشعر بوحي الروح

يرفرف فى سماء النهار

فأقول:

ربما..

ربما..

ربما !! .

انها تؤسس جغرافيا جديدة للحب، الا أن الحب يهرب أيضاً، وهى المتعطّشة الصابرة تنتظر مجىء الحلم والفارس الذي لا يجيء .

هذا ونراها ملتاعة، تبحث عن حلم مفقود، أو رجل لم يخلق بعد، تتشهّاه وترسم صورته،إلا أن انكساراتها تلقيها الى سراب، أو صحراء ليس بها مطر لجسها الذي تيبّس من فرط الحرمان، ويتجلى ذلك في قصائدها: (نفق فى الفضاء، التواء الحنين، أريدك عنواني، نفد الرصيد، موت الأرجوان، عنق النهاية، قرص مرن لصوفي ... ألخ) .

وفى قصيدتها (آهات تكسّرت) نرى الوجع الشهي يصنع احتفالاً لعطش يتفجّر من جسدها الطافح بالحب والنّشوة، لكنها تفيق على وجع الآهة، وقطرات الدموع، تقول:

حفلة لينابيع تتفجر

في جسدي

والمصب لغة أرهقت ظلي

أزهار حمراء

فى شبق حدائقي انتشرت

وسهام أنجم في أقاصي الظلال

على عطرها تناثرت هواجسي

من الحب المقطر المجفف من خيوط البكاء

على حواف القلب تقطّعت

آه ..

أقولها ليس لمرّات .

ان الصورة – هنا – تصنع من الجسد مادة للخطاب الشعري الدافق بأثير امرأة تطفح عشقاً وشبقاً للذة حانية لا تجيء، لذا نراها:

يزمّ جسدها ألف آه ..وآه

وتلتقط ظل أنفاسها

من كعب عصفور جرح فى المنامٍ

ولثم حلمه المطوي

وراء الضياء .

إنها امرأة الحب الباذخ، تلك الحانية على الحب، تهدهد الحنان، وتتذرّع بالحلم، الا أنها تتوجّع، وتشكّل الصورة المطبوعة لديها أريجاً يخشّ القلب،ويندلق فى الروح، ويخضوضر في القلب الأرجواني، تقول:

يا امرأة تحتفل بينابيعها

فى أقاص موحشة

لم يسمع هجير احتفالها

غير بعض الحشرات

لا تعبث بعذابها

ولا توقد لمولدها عوداً

جافاً من أعواد المساء

والقمر فى الجهة الأخرى

يجر الغواية فوق العشب الباسق

كأمطار غزيرة يدفع هطولها

بمرارتي ألف آه .. وآه .

فأي جمال نراه لهذه الصور الشعرية الباذخة لامرأة تتعطش لارتواء بعد جفاف صحراء جسدها المقشعر، والتأئق لحنان يعيد لبستان العشب نضارته ودفقه الأثير، ولكنها مع ذلك تتقاسمها مرارة الغربة والدموع فى (موت الأرجوان) فنراها كصحراء يابسة تفتح صدرها لغنج الكثبان، بينما يذوب جليد صيرها من حرارة الأحزان، تقول:

قلبي أصبح جمجمة أكلها الطير

وترك هيكلي معلقاً

أصابه الانبهار من انهمارك

ضلوع قلبي

ولا يشبهه أي انهيار

تقطّع جليد الصبر

وذاب من حرارة الحزن .

أي حزن هذا الذي تكابده تلك المرأة ؟ وأية معاناة تحمّلتها وتجرّعتها من أجل حبيب لا يجىء، ومن أجل وطن ممزق تشوبه الغيوم، بل وتراه يسقط مثل أحلامها التى تلاشت كذلك وسقطت مع جليد الصبر بفعل حرارة الأحزان وصهدها .ان تجربة / رحاب الصائغ هى تجربة عاشقة تشرنقت بفعل الحرمان، رأيناها تجوب الصحارى والقفار، وتعبر الأنهار والبحار، وتلوذ بالذات، وتبحث عن الدفء لكنها لا تصل الى المرفأ، بل تتكسّر صخرة أحلامها على الواقع الفظيع الذي لا يعيرها التفاتاً، تقول فى (عنق النهاية):

(كم من الغابات زرعت جنتي / وكم من الأعشاب حلقت فوق تربتها / وكم من الأحزان تكالبت / كثعالب / كم من الحصى رميت / فى بحيرة الأمل / لا أحد غير / همهمات تنكبّ مثل ألمي / وتلمّ ثقلها لسكب / حرارة مرارتي كقافلة)

انها تنصهر ألماً واشتياقاً وحناناً، ومع هذا نراها متماسكة اذ لديها الأمل كذلك تصنع قصيدة الصورة / الميديا لتدخلنا عبر المشهد يات إلى غرف اللذة الباذخة، حيث الكون امرأة غطّت بالشهوة،واستطال فحيحها النوراني لتضخ العطر من جسد المساء، وحيث الرجل / الحلم مغيّباً طوال الوقت فنراها – عبر ايروتيكية غير مبتذلة –تعيد نفخ الرماد لتصوّر جوع المرأة الفيزيائي، عبر معيارية الصورة وجمالياتها الفائقة، وعبر زفرة الأنثى وشهيقها، وماء رغبتها الذي ينمّ عن عطش للحنان المفقود الذي يحيلها إلى أرض جرداء تتقشر ذراتها وتتوف لتكسر مياه الشوق فوق فسيفسائها المزركشة، أو تنورتها التي تهتكت وتاقت، تقول فى (قطران الندى):

ناغيته بحب سميك / شرعت أهدل الرغبة / على تمثال جسدي / فاح عطر أزقتي / حول شهواتي النارية / فتحت باقى النساء / شبابيك معابدها الملثمة / انتحرت بجوار الجسد / أبرياء نحن النساء من نشوتنا / هياكلنا الطازجة المجمدة / نارها تحرق التنور بأزيز الخوف / تنكمش على حوا فينا / ثناياه الملتهبة / بينما يداعبنا الجوع / لك ثم لك .. ثم لك / ناغيته بسلبية الخيال م ذكورة متأنية وأنوثة نائمة / على حوض التشييع / يغمس القمر منتحباً / يصب على قوارب جسدي / ربيعاً ثملت زهوره .. عندما / انحصر على خصري ألف عبارة / ليس البحر سحري / وقذف زبده ألوان الطيف / حين ضمني لاهثاً / يريد / إسكات انفلاتي من أغصانه / أحاطني حبل مسكه / طبع على قيثارة اللهب / ترياق لحن غجري / رغم سكون التضاريس / نالنا التعب .

انه اذن رجل ميت (على حوض التشييع) وهى التي تودعه بفحيحها، وتريد أن يغمرها بالترياق (رغم سكون التضاريس) إنها فجيعة الأنثى فى الذكر، مركز اللذة التى فقدتها، والحقد الذى تملّكها فلم تعد تأبه الا لأنوثتها الطاغية وحرمانها، لقد أرادت إذن إطفاء الشهوة مع الجسد الساكن، وهى فى هذه المشهدية التي يقشعر لها البدن نراها – بشفقة – تداعب الجوع الجسدي، وتريد الارتواء رغم سكون التضاريس لديه، أو فقده للفعل الذكوري، وهى التي شبهت الأمر بالقطران للندى، وليس العسل بالطبع، لذا فهى تنتقم لأنوثتها الطاغية الباسقة، بينما تغور تضاريسه المادية (الآلة المعطّلة عن الضّخ)، وفى عذا التصوير نراها تكسر التابو لتبوح عن مكنون الأنثى وعاطفتها، وشهوتها الجسدية والعاطفية تجاه الرجل الذى فقد ذكورته، أو الذي راودها (على حوض التّشييع)، وهى مع هذا فى (شذى بابلي) تفلسف الحب فتقول:

القلب ما ان يخفق / ينهار كل جدار / بين السماء والأرض .

انها فلسفة الحب تتجلى فى سحر صورها العذبة، وهى العاشقة الفيلسوفة، الطافحة بالمحبة، والمتعالية الى سموق الشهوة، تتطلع الى (آلهة النت) خارج حدود المكان:

عسى أن تشهق نخلة

وتأتى بالراعي إلى

برّ الهمسات !! .

انها تنادى الشمس لتزيل حواجز الثلج، ليغمر الدفء قلبها والعالم والكون والحياة .

ان الشاعرة / رحاب حسين الصائغ تفلسف الحب والذات، وتصنع للوطن عباءة من صوف المفردات، تتدفأ بحطب الحب المحترق كالوطن المحروق، لتلوذ بحضن آمن فى رحم بعيد طاهر، يعيد النضار للبستان، والدفء للأحضان التى لم تعد تحتضن غير السراب، وهى مع كل هذا الحرمان والألم لا تفقد الأمل، بل تبحث عن فارس يعيد رتق شراع السفين، أو عن (رجل لم يخلق بعد)، تصنعه من خيالها، وتدلق ذاتها عليه، أو ترميه كبذرة وتهطل عليه 0(على حد تعبير صديقي الشاعر / سعد جاسم فى ديوانه الرائع) .

انه الهطول الفيزيائي للذات الخائفة من المجهول، والتائق لحبيب لا يجيء، وهى مع هذه الانكسارات والحرمان العاطفي نراها تزرع صحراءها بالحب والنخيل، وتهرع الى الصبر ليكسوها حلّة باذخة ليقيها من حرمان الذات لتتطلع الى مستقبل حالم مع فارس أحلام قادم، أو رجل تصنعه من شهقة فمها العطري ككرز بابل، أو أحلام ميدوزا، أو أسطورة الحب فوق جسر دجلة والفرات.

وبعد: أترانا فككنا شفرتها ؟ واطّلعنا الى خبيئتها، وسمقنا الى تنورها المتوهج؟ أم ترانا مررنا كفراشة نور فوق مباسم حروفها محاولين تقديم بعض وميض يجلى الخبيىء من عسجد زمردها الشعري الباسق والرائع والمدهش والجميل أيضاَ ؟!! .

أقول: لقد عرّجنا فى هذه العجالة عبر براق النور الى بعض مفاتح الجمال والشعرية، عسى دراسة أخرى تكشف المخبوء من كنز اللغة، وجماليات الصورة، وسلاسة الخطاب، وتناغم الهارمونى الدافق للصور المتدفقة كشلال يملأ عتبات وحواشى القصائد المتوهجة ن ببوح أنثى دافئة عبر لغة تحاور الروح، وتخاطب العقل بهدوء فتأخذنا معها الى مروج العطر، وأريج الحدائق الشعرية الباسقة .

انها شاعرة تقبض على جمر المفردات لتشعل نيران قلوبنا بمحبة رهيفة، وبوح أنثى يطنّ طبلها كطنين النحل عبر صحراء العالم ليحيلنا الى جمال الصورة، وعفويتها، وصدقها لبتعبيرى الناجم عن لغة تكسوها بصدرها المتوهج بالحنان والدفء للكون والعالم والحياة.

 

حاتم عبد الهادي السيد

رئيس رابطة الأدباء العرب - مصر

 

حضور الفقدان في النص السردي النسوي .. القاصة رجاء الربيعي مثالاً

mothana khadomsadiqيرى باختين أن الأجناس الأدبية، ليست أشكالاً جمالية فحسب، بل هي أيضاً (أشكال عميقة من أشكال التفكير) ولما كان النص السردي جنساً أدبياً مهماً بدأ ـ ربما ـ يبز الشعر في الوقت الحاضر، فإذن تتمثل فيه بنية قارة من بنى التفكير، على أننا هنا نذكر أن السرد يحمل لواء الإبلاغ . ووصلاً بما سبق تتمثل في النص السردي الذي تبدعه القاصة رجاء الربيعي نمطية الاندماج بما هو جمالي، وما هو تفكيري وهذا لا يتأتى من الانغماس في المشاهد التخييلية فحسب، وإنما بوجود شاخص واقعي حياتي معاش ينم عن ثيمة الفراق، توظفه القاصة في نصها السردي، كما في قصة (الدنكش) حيث نسيج العبارة الوجداني (وهل بيته واسع مثل بيتنا) و(هل سحقت الدبابات الإسفلت هناك كما سحقته هنا، وكما الرؤوس تقطعت هنا) إذ برزت الجمل ذات الأفعال الكلامية التي صنعها الاستفهام التصديقي، ضمن بنية مقارنية بين جغرافيا الأمكنة المتباينة والمتفارقة التي جعلت التراجيدي، هو المهيمن في النص، فغالباً ما تأتي الأمكنة في نصها السردي ذات طابع شمولي يتسم بالسعة والرحاب (تركوني وحدي في هذا الكون الفسيح). في قصص رجاء الربيعي يظهر لنا البطل الضدي المأزوم نفسياً واجتماعياً، لأن القاصة لا تختار أبطالها من عالم المثال، بل من عالم الواقع المحلي المأزوم بشتى المشكلات(قتلوا أخي وأذاقوني مر العذاب) و(انفصلنا ومازلت أنعم بدفء لحظاته .. فأخفق) إذ تحضر ثيمة الفراق والموت بشدة في نصها السردي ذلك، لأن السرد ما هو إلا عملية تركيب مستمرة لتجربتنا المعاشة أو المشاهدة لسوانا، بمعنى أن النص المطروح يتجاذبه وعي متصل بالمحيط المعاش المؤلم، ولعل هذا ما يجعل العبارة ذات نسيج سردي / شعري (أمتأكد أنك لم تشتق لمسكة ورد تتمزق بين يديك) و(لا تسمح لي أن أكفكف دمعي بوجهك) و(سنابلك التي لن تنثني فاطوها الآن إليك ودعها تتوضأ بخيالك ومشاعرك) إذ تعمد القاصة إلى توظيف ثنائية ضمير الغائب / الحاضر، محاولة منها للدفاع عن ذاتها وذوات الآخرين وتعليل تصرفاتهم، ولاسيما الذين يقعون تحت وطأة الظروف القاهرة التي تستدعي من المتلقي التعاطف معها، ولعل هذا التعاطف يمتاح من الأنثوية الموجودة في نصها الأنثوية العراقية الباحثة عن الدفء والأمان، الأنثوية التي تقصدت فيها القاصة أن تضفي على جمالها جمالاً تشبيهياً واستعارياً (حين أغفو على راحتيك مثل أرنب ناعم أو مثل دمية دبت فيها الروح) إن التعامل مع المرأة تم على أساس أنها الكائن الذي يقع عليه فعل الفقد والفراق، كما في قصة حلم بطعم الحياة التي تبرز فيها نكوصية الحياة المفاجئة، فالمرأة السعيدة مع زوجها الذي أكله الانفجار ولفظه نثاراً فـ (لم تجد منه شيئاً إثر الانفجار الذي صادف تواجده في شارع مزدحم) إن البنية النصية تقع ضمن الجغرافية المألوفة التي أصبحت خبزاً يومياً نلوكه بمرارة، لكن المفقود / الزوج، لم يزل يكبر في داخلها (ويكبر ويتألق في مشاعره معها) إذ يتعلق النص بلغة موجهة هي بنية استمرار الحياة، على الرغم من ذلك وعدم اليأس للوصول إلى عملية توازن نفسي، وقد جاءت الورود ضمن سياق المناسبة المختلفة، فالزوج ذهب لشراء ورود لزوجته وإذا بهذه الورود قد (تناثرت فوق جسده المتفحم .. فقط بقيت الزهور هنا وبقي هو فيها، لأنها تحمل منه صبياً كان ينتظر وصوله بلهفة الأب الحنون) ويبدو أن القاصة رجاء الربيعي تنشد انشداداً قوياً نحو المحيط، وترتبط به ارتباطاً محكماً ولاسيما قضاياه الواقعية . إن ما عاشته المرأة المكلومة بزوجها جعلها تماهي بين الحلم والحياة، فقد قلبت القاصة العنوان في نهاية القصة، فالعنوان وسمته القاصة بـ (حلم بطعم الحياة) وجاءت خاتمتها (وستبقى تحلم لأن الحياة حلم) أي أنها متلاشية وأن هذا التماهي قد تشاطر مع التبدلات المضمونية للقصة، إذ إن نصف القصة حياة ونصفها موت، لكن الموت تحول إلى حياة عن طريق الحلم لكي لا تعطي القاصة صفة سالبة لهذا التبادل الحدي بين الحياة والموت ضمن مفهوم الحضور والغياب، الذي تمترست خلفه القاصة وزرعت خلفه الأمل ضمن متوالية الألم العراقي الأبدي .

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس: (فصل تطبيقي)

alhasan alkyriتوطئة: قبل أن نلج عالم الشخصيات، لا بأس أن نقدم إطلالة سريعة نتوخى من خلالها وصف شكل ومضمون هذا المتن الروائي الذي نشتغل عليه أي "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس.

كما هو معلوم فرواية "الحي اللاتيني" تتكون من ثلاثة أقسام. وكل قسم يطلعنا على جوانب محددة من المسار التعليمي والعاطفي للبطل، وعلى الصدمة النفسية التي أصيب بها وعمقت لديه الإحساس بهول المفارقة بين حياته الماضية وحياته الجديدة.

 

القسم الأول:

    لقد ركز السارد هنا على الخيبات المتتالية التي انتابت الشخصية الرئيسية إثر احتكاكها بالحياة الجديدة؛ فهي عجزت على عكس أصدقائها، عن إقامة علاقة مع فتاة غريبة تبادلها الإحساس نفسه، وتسعفها على استرجاع الثقة بنفسها ومسايرة إيقاع الحياة الجديدة. يعي هذا الطالب العربي بأن المدخل الحقيقي لفهم الواقع الباريسي والاستمتاع بمباهجه هو المرأة الغربية. وبما أنه فشل في مسعاه لمدة ثلاثة أسابيع، فقد ازداد حزنا وأسى وعزلة. ولما كان يشاهد أحد أصدقائه مرفقا بفتاة غريبة كانت الدنيا تظلم أمام عينيه، فيلوم ذاته على قلة جرأته وتجربته ويشعر بنقص "ورثه "لاوعيه" من غريزة راسية في أعماقه"1 ص (65). يدرك أنه يمر بمخاض عسير يمتحن إحساساته وقدراته ومداركه، وبأنه مدعو إلى اجتياز هذا الامتحان حتى يتمكن من الانخراط في الحياة الجديدة. وينتهي القسم الأول بتعرفه على فتاة فرنسية "جانين مونتيرو" معلقا عليها آمالا عراضا لإنقاذه من العزلة القاتلة، ونسيان إخفاقاته التي تجرعها من جراء علاقاته العاطفية العابرة بفتيات فرنسيات (الفتاة التي تعرف عليها في سينما البانتيون وليليان ومارغاريت).

 

القسم الثاني:

توطدت العلاقة بين الطرفين (جانين والشخصية الرئيسة) إلى حد أصبح كل واحد منهما يعتبر نفسه جزءا من الآخر. كانت جانين تلازم حبيبها في ارتياد المطاعم والمسارح وضفة نهر السين. ولما سمح لها بزيارة خالتها لقضاء عطلة الميلاد، شعر بثقل غيابها وبعزلة تحفه من كل جانب. ومع مرور الأيام، أثارت معه موضوع الزواج لمعرفة مصيرها معه، ولكونها، انطلاقا مما ترسخ في ذهنها من أفكار مسبقة، تتخوف من أن يتخلى عنها في آخر المطاف. لكنه تحت ضغط مواضعات اجتماعية وثقافية لم يعمل إلا على مداراتها ومخاتلتها تجنبا لإثارة غيظها وحنقها. لم تأت لتوديعه في محطة "ليون" لكونها لا تستسيغ أن ترى القطار يتحرك به نحو الشرق البعيد. وينتهي القسم الثاني بعودته إلى موطنه الأصلي لقضاء عطلة فصل الصيف مع أسرته.

 

القسم الثالث:

لما عاد إلى منزله شعر، للوهلة الأولى، أن غرفته أصبحت أكثر ضيقا مما كان يتوقعه، ولا تتسع لاستيعاب آماله وأحلامه الجديدة. قضى خمسة أسابيع متنقلا بين بيروت وضواحيها لعله يسترجع الطمأنينة وتوازنه. وبينما كان يستجم رفقة أخته هدى في مصيف جبلي، فوجئ بمخابرة هاتفية من أمه تدعوه إلى العودة فورا إلى بيروت. أطلعته على رسالة جانين التي تخبره فيها بحملها، وتطلب منه أن يساعدها على اتخاذ قرار حاسم. فإما تلد الجنين الذي هو ثمرة حبهما وإما أن تقدم على جميع التضحيات والمخاطر. وهي في كلتا الحالتين لا تنتظر منه إلا إشارة. "ولكني أنتظر منك إشارة لأنني لا أملك وحدي أن أتخذ قرارا ما. فماذا أفعل يا حبيبي؟ لماذا أنت بعيد عني هذا البعد كله" ص (214). لكنه تنصل من المسؤولية مدعيا أن حملها ناجم عن علاقتها غير الطاهرة مع أصدقاء آخرين. وبمجرد أن توصل برسالة من صديقه فؤاد يعاتبه على موقفه المتخاذل، قرر العودة إلى باريس. ظل لمدة طويلة، يبحث عن جانين التي اختفت عن الأنظار بعد إجهاضها الجنين. ولما التقى بها من جديد في كهف "بيرغولا" في حي "سان جرمان دي ديبريه" وهي في حالة يرثى لها، صارحها بالزواج، وطلب منها أن ترافقه إلى لبنان. لكنها تختفي عن أنظاره من جديد مؤثرة الانسحاب من حياته، ثم يعود إلى وطنه بعد أن حصل على شهادة دكتوراه الأدب في موضوع الشعر العربي الحديث، وبعدما أدرك أن المرأة الغربية أورثته جراحا لا يمكن أن تلتئم إلا بمعاودة مساءلة ذاته وإزاحة الأجوبة المفتعلة. ويمكن أن نختزل المتواليات الحكائية لهذه الرواية في البنية التالية:

 

تمهيد:

- إقلاع الباخرة التي أقلت الشاب العربي إلى باريس.

 

القسم الأول:

- الوصول إلى باريس.

- قضاء أول سهرة في  مقهى" ديبون".

- الاستجابة لدعوة كامل لحضور حفل ساهر في منزله.

- تعرفه على جانين بعد إخفاقات عاطفية متتالية.

 

القسم الثاني:

- توطد علاقته بجانب واستعادته الثقة بنفسه.

- شعوره بالفراغ المهول لما غادرته جانين لزيارة خالتها.

- ممارسته للقمار في البيت اللبناني.

- تعرض جانين للإرهاق نتيجة المواءمة بين العمل نهارا ومراجعة دروسها ليلا.

- عودة الشاب العربي إلى بيروت لقضاء فصل الصيف.

- اختلاؤه بناهدة ومداراة طلباتها تجنبا لإثارة غيظها وحنقها.

- توصله برسالة من جانين تخبره بحملها وتدعوه إلى مساعدتها على اتخاذ القرار المناسب.

- تنصله من المسؤولية بدعوى أن الجنين ثمرة لعلاقات غير طاهرة.

- رغبته في الهرب من أمه تفاديا لأوامرها.

- العودة إلى باريس بعد توصله برسالة من صديقه الحميم فؤاد يعاتبه فيها.

 

القسم الثالث:

- البحث عن جانين والعثور عليها في كهف "برغولا".

- معاينة الحالة المأساوية التي آلت إليها حياة جانين.

- حصوله على الدكتوراه واحتفاء أصدقائه به.

- اضطلاعه صحبة فؤاد بتكوين رابطة تجمع شمل الطلبة العرب في باريس وتحث على النضال القومي.

- مصارحة جانين بالزواج ومطالبتها بمرافقته إلى موطنه الأصلي.

- اختفاؤها عن الأنظار ثانية مؤثرة الانسحاب نهائيا من مسرح حياته.

 

الخاتمة:

- استقبال الأصدقاء والأقارب الشاب العربي العائد من باريس.

 

   تتجمع أحداث الرواية، رغم تشعبها واختلاف مواضيعها، على رهان أساسي يتمثل في تشخيص التباين الحضاري بين الشرق والغرب؛ ولذلك نجد السارد قد راهن على امتحان قدرة الشاب الشرقي الغر "وهو في الخامسة والعشرين من عمره" على استيعاب صدمة الحضارة الغربية والانسلاخ عن التقاليد الشرقية. فهل تم ذلك فعلا؟.

فإلى جانب أنه كرس حيزا من الزمن لإنجاز رسالته عن الشعر العربي الحديث فهو قضى أوقات طويلة يترصد المرأة الغربية بحثا عن التخلص من الحرمان والكبت؛ فبمجرد أن أقلعت الباخرة التي أقلته إلى فرنسا، انفلت من بين أصابعه المنديل الذي كان يودع به أصدقائه وأقاربه وبقدر ما كان يرى المنديل يضيع بين الأمواج الهوج، كان يشعر بأن ماضيه قد سقط عن كاهله ليعتريه النسيان إلى الأبد. كان يتوخى من قدومه إلى باريس أن ينسى حداثته وماضيه ويستلهم حياة جديدة. لقد كلفته هذه الحياة ماديا ومعنويا ولم تزده مع مر الأيام، إلا تشبثا بالتقاليد الشرقية وإن تحرر منها ظاهريا، ووعيا بهويته الحضارية وبضرورة الانخراط في النضال القومي. لقد عاش فترة من الزمن حائرا وضائعا. لكن بمجرد أن توطدت علاقته بفؤاد أصبح يبحث عن هويته من خلال استحضار صورة أمه ونصائحها وعقد مقارنات بين المرأة الشرقية والمرأة الغربية، واستشراف آفاق الصراع الذي سيعيشه في بلاده. وهذا ما جعله يداري جانين لما سألته عن مستقبلهما، فهو لا يرى فيها إلا متعة عابرة رغم مستواها التعليمي وسمو أخلاقها وذوقها الفني الرفيع؛ وإن حاول التخلص من التقاليد الشرقية فهو ظل أسيرا لها في تصرفاته ومواقفه من الوجود. ولا يمكن أن يفهم هذا الموقف إلا بموازاته مع تنامي المد القومي لدى الطلبة العرب في باريس. وهو ما نجم عنه تكوين رابطة توقظ النزعات الكامنة في أعماقهم وتشعرهم بمقوماتهم القومية التي تميزهم عن الغربيين.

1- جرد الشخصيات:

1- الشخصيات الآدمية:

  تعج رواية "الحي اللاتيني" بشخصيات عديدة، لكنها لا تتخذ كلها نفس الأهمية إذ تتفاوت في نسبة صياغتها للأحداث، ولا دخل لدرجة حضورها في ذلك. "ذلك أنه مقياس ليس كافيا دائما، فقد تقل درجة حضور شخصية ما، لكن نسبة ظهورها في النص مهما كانت قليلة تكون كافية لاعتبارها رئيسة من حيث دورها وأهميتها في تصعيد دينامية النص"(2 ). من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس نبدأ بجرد الشخصيات معتمدين على مقياس أثرها وفاعليتها.

 

أ- الشخصيات الرئيسة:

البطل: طالب عربي في الخامس والعشرين من عمره مجرد من الاسم. جاء إلى باريس لتحضير شهادة الدكتوراه في الأدب العربي. لم يكن جميلا لكن سمرته كانت تكسبه طابعا من الرجولة لا تقابله المرأة باللامبالاة. وبما أنه كان ينظم الشعر فإن أصدقاءه، من باب المجاملة والمزح، ينادونه بالشاعر. على أنه أيقن لما زار صحبة جانين مانترو متحف "رودان الدائم" أن الذوق الفني إنما يكتسب بالعلم والممارسة والصبر. ربط علاقة مع جانين مانترو التي تختلف جذريا عن الفتيات اللواتي سبق له أن تعرف عليهن لتميزها بصفات روحية ونقاء طويتها. ومن خلال سيرورة الأحداث يتبين أن أباه قد مات، وأن أسرته تتكون من الأم وأخوين كبيرين يمتلكان متجرا، وأخيه وأخته الأصغرين اللذين  يتابعان دراستهما ونجحا في الامتحان، وأخته الوسطى التي اقتربت خطبتها من شاب ينتمي إلى أسرة محترمة. يبئر السارد وجهة نظره على أخته هدى التي تصغره بأربع سنوات. رافقته إلى قرية "ميروبا" الجميلة بحثا عن الراحة بعد أن ضاقت به الدنيا "وأصبح غريبا لا يحس الأنس والقربى" ص 209. فهو يعتقد أنها تحبه وتفهمه، واضطر إلى مصارحتها بحبه لجانين لعلها تشفق على حاله وتقدم له النصح المناسب. عانت الأسرة الأمرين من إرسال الحوالات إليه بباريس حتى يتمكن من مواجهة تكاليف الحياة وصروفها. وخاصة بعد أن أصبح أخواه الكبيران يعانيان من ضيق مالي أثر على حياة الأسرة وتطلعاتها. "شعر ببعض الانقباض للتأخر الذي يصاب به متجر أخويه الكبيرين. قرأ على قسمات أمه الأسى لذلك، وسمعها تتحدث عن الضيق الذي يعانونه منذ أشهر، وتعبر عن حزنها من أنهم لم يتمكنوا هذا العام من ارتياد المصيف على مألوف عادتهم" ص (192).

جانين مانترو: فتاة باهرة وساحرة ورشيقة، لامعة ذكاء وحسنا وبصيرة وذات ثقافة فنية رفيعة تتابع دراستها في معهد الصحافة العالي. وبما أنها تنتمي إلى أسرة متواضعة فقد اضطرت إلى العمل بمخزن "البرانتان" وذلك لتوفير مصاريف الدراسة الباهظة وقد بان الإجهاد على جسدها لكنها أصرت على المواءمة بين عملها الشاق بالمخزن واستدراك ما فاتها من محاضرات المعهد حتى تحقق حلمها الذي يتمثل في الالتحاق بإحدى الصحف الأسبوعية في مطلع العام القادم. لكن نتيجة الصدمة التي تلقتها من حبيبها العربي انحط وجودها إلى الدرك الأسفل. لقد كان من الممكن أن يأتي في الموعد ليمسك بها قبل أن تسقط في الهاوية. ومن خلال مذكراتها يتضح أنها عاشت فترة عصيبة نتيجة مرضها ونحولها فاضطرت إلى بيع كتبها وساعتها وحليتها حتى تتمكن من سد رمقها. وبعد أن أصبحت فتاة ضائعة رغم أنفها لم تجد بدا من أن تستسلم لأي عابر يمد لها مبلغا لتقتات به. ورغم خصاصتها فهي لم ترغب في بيع تمثال الأعرابيين عربونا على حبها للحبيب العربي. لقد أخفقت في مشروع زواجها بهنري إلى أن تزعزعت ثقتها بالرجل. ورغم إلحاح هنري على إعادة المياه إلى مجاريها أصرت جانين على مجافاته. وكانت تأمل من خلال علاقتها بالرجل الشرقي أن تسترجع ثقتها بنفسها وتبادله الحب الصحيح وتكون أسيرة قيوده. لكن ثقتها العمياء والمطلقة به لم تجن منها إلا صدمة نفسية قلبت حياتها رأسا على عقب. وإن كانت تنعت أصدقاء حبيبها باللطف والمؤانسة فهي تسم كل واحد منهم بميسم خاص. لم تحب في صبحي طابع الاستهتار. وتحسب أن عدنان لا يخلو من عصبية دينية، أما ربيع فينقصه الاعتدال في آرائه المتطرفة. ولم تتسرع في الحكم على فؤاد لأن شخصيته تدعو إلى التأمل، ومع ذلك تعتقد بأنها شديدة الغنى بإمكاناتها.

صبحي: طالب سوري قدم إلى باريس لنيل دكتوراه في الحقوق. تعرفت عليه الشخصية الرئيسية على ظهر الباخرة، وتقاسما الغرفة نفسها في فندق "كلود برنار" قبل أن تراودهما فكرة الانفصال عن بعضهما البعض ليعيش كل واحد منهما حياته الجديدة على هواه. استقرا في فندقين متواضعين متجاورين لقربهما من السوربون وكلية الحقوق. اختارت الشخصية الرئيسة الاستقرار في غرفة من الطابق السادس لفندق "ليغران زوم"، في حين فضل صبحي أن يقطن في غرفة بالطابق الثالث لفندق "البانتيون". يطغى عليه طابع الاستهتار بالحياة، ويفتخر بكونه زير النساء الغربيات. له صديقة في معهد الحقوق، فتاة فارعة القامة، سوداء الشعر، مستطيلة الوجه، قسماتها تشع ذكاء وجمالا. اضطر إلى قضاء فترة الصيف في "الكوت دازور" بدلا من العودة إلى دمشق، وذلك لمراجعة المادة التي لم يفز بها.

عدنان: جاء بدوره إلى باريس لتهيئ دكتوراه في الحقوق. تعرفت عليه الشخصية الرئيسة أيضا في الباخرة التي أقلتهما إلى فرنسا، وأقام فترة من الزمن في فندق "كلود برنار". ثم اكترى غرفة في منزل يوجد بضاحية "فانسين" لكونه شعر للوهلة الأولى بصميميته. تبدو شخصية عدنان متناقضة لكونها تشرب الخمر وتتحفظ من شربه لاعتبارات صحية. وترافق زمرة من الأصدقاء الذين يدمنون الخمر وتدعي بأنها تقوم بالشعائر الدينية (الصوم والصلاة). ينعته أصدقاؤه بالشيخ. أما جانين فتنعته بالشخصية التي لا تخلو من عصبية دينية. وبعد أن نال عدنان تهنئة الممتحنين ذهب صحبة صبحي إلى "الكوت دازور" للاستجمام. دافع عدنان عن الانقلاب الأول الذي حصل في سوريا. ويرى بأنه ضروري في هذه الفترة التي تحتاج فيها الأمة العربية إلى "مستبد عادل" يصلح ما فسد.

فؤاد: طالب سوري يدرس بمعهد اللغات الشرقية. كان له تأثير كبير على الشخصية الرئيسة. فهو بالنسبة لها يعتبر المثل الأعلى. وترى بأنه معصوم من الوقوع في الحب نظرا للهالة التي أضفتها عليه. وهو الذي أوحى لها بعد الفراغ من مشاهدة تمثيلية "العادلون" بتكوين رابطة تلم شمل الطلبة العرب المقيمين في باريس. وكان له الفضل في صياغة دستور هاته الرابطة، وإرساء دعاماتها واستضافة المحاضرين لتأطير المنخرطين. وتتميز شخصية فؤاد بغناها الشديد وإمكاناتها المتنوعة ونبلها ورفعتها الإنسانية. ويتمتع بحس قومي مرهف، ويدعو الطلبة العرب، بعد عودتهم إلى بلدانهم إلى الانخراط في الحزب الذي يعبر عن نزعاتهم وأمانيهم القومية. تخلى عن صديقته فرنسواز بعد نزاع دار حول السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا. وفي هذا الصدد يؤثر الزواج بامرأة عربية تكون فعلا رفيقة حياته وتعينه على مواجهة القضايا القومية. عاد إلى موطنه إثر تلقيه برقية من أهل تنعي أباه وتطلب حضوره على الفور. قدم في معهد اللغات الشرقية شهادتين من شهادة الإجازة. نجح في شهادة الترجمة ولم يسعفه الحظ في شهادة فقه اللغة. ويظل أمامه عمل شاق للحصول على الشهادات الأخرى. ومع ذلك لن يكره باريس ولو قضى فيها عمره كله. ومع ذلك يلح على ضرورة الرجوع إلى الوطن للمشاركة في النضال القومي.

فرنسواز: أمينة إحدى المكتبات في باريس، فتاة على قدر كبير من جمال الوجه وجاذبية الجنس. صارحها فؤاد بأن علاقتهما لن تفضي إلى الزواج. وقد اضطرا للانفصال نظرا لدعمها سياسة القمع والإرهاب التي تنهجها الحكومة الفرنسية في شمال إفريقيا.

الأم: ذات وجه صغير، متجعد وهادئ، محنك ورصين، تلم باللغة الفرنسية وهذا ما أهلها للاضطلاع على البطاقات التي كانت ترسلها جانين إلى ابنها، فتنهاه عن الزواج بالفتاة الغربية لكونها مسيحية ومتحررة وتحثه على الزواج بناهدة. ولما علمت بحمل جانين صبت جام غضبها على ابنها. استغلت ضعفه أمامها وخوفه منها لتملي عليه القرار الذي ينبغي له أن يبلغه إلى جانين. ولكن بعد تفكير في الأمر بروية، فضل أن يهرب منها حتى يتحرر من عبوديته وانقياده لها. ولما جاءته رسالة فؤاد عمقت لديه الإحساس نفسه بحيث كانت بالنسبة له بمثابة صفعة السوط لضميره المستيقظ.

ناهدة: فتاة لبنانية حصلت على شهادة الباكلوريا، ومنعتها أسرتها من متابعة دراساتها العليا. ستكون عما قريب من نصيب "ابن الحلال" (البطل). استاءت أسرته وأسرة الفتاة لما علمتا بأنه سيمضي سنتين في باريس لإتمام رسالته. عاوده الحنين إليها مرات عديدة في قلب باريس. وهو يرى أن علاقته بها مبهمة وغامضة وإن كان يتلهف للقائها في دفء غامر. لم تصرفه حياته الجديدة عن طي صفحتها نهائيا. فهو لا يعتبر تجربته معها تافهة وإنما "بريئة ونقية". ولهذا ينعتها بالساذجة والمسكينة. ولما عاد إلى منبت نبعه، واختلى بها تبين له أنها تمثل صورة الفتاة الشرقية في أي مكان من أرجاء الوطن العربي الكبير. لم تكن هذه الصورة جديدة تتكشف له. إنه يعرفها منذ أن غادر وطنه إلى باريس. ولكنها الآن تبدو له في ذروة تكشفها وغاية انحسارها: "لقد رأى الفتاة الشرقية، الفتاة العربية، تتراجع أمام الشاب العربي، أي شاب، عربيا كان أم أجنبيا، أمام الرجل وعيناها طافحتان بالخوف منه، رواسب من الخوف تجمعت أجيالا في هذه الخطوة". ص (197). عاتبته على عدم مراسلتها فداراها في جوابه متذرعا بكثرة انشغالاته. تذكر أن أمه وعدتها بهدية منه، فاقترح عليها أن تأخذ كتابا من الكتب التي حملها معه. ونظرا لضيق الوقت فضلت أن تنسحب بعد أن ينتخب لها واحدا منها.

 

ب- الشخصيات الثانوية:

  ربيع التونسي: طالب تونسي متخصص في التاريخ. له علاقة مع سيمون. تعرفت عليه الشخصية الرئيسة لما استدعيت لأول حفل بمنزل كامل. لقد ساعدها على تجاوز الخجل لمراقصة زينة. ألقت الشرطة الفرنسية القبض عليه وأوسعته ضربا إثر مشاركته في المظاهرة التي قام بها طلاب إفريقيا الشمالية احتجاجا على سياسة التعسف التي تخضع بها فرنسا أوطانهم. وبعد أن أفرج عنه أعيد إلى تونس وظل محجوزا فيها، وحظر عليه الدخول إلى فرنسا.

أحمد العراقي: طالب عراقي يتابع دراساته في كلية الطب. غادرته صديقته الفرنسية لتربط علاقة مع زنجي. وفيما بعد وطد علاقة مع إفيت. أرشد أحمد الشخصية الرئيسة إلى كهف "برغولا" الذي أصبحت تتردد عليه جانين بعد اختفائها عن الأنظار. لما رأى الهراوات تنهال على صديقه التونسي من شرفة الفندق الذي يسكنه مع بعض رفاقه العراقيين، نزل السلم بسرعة مجنونة لإنقاذه: "ولولا أن لحق به أحد رفاقه وأمسكه دون الخروج لأصيب هو أيضا بهروات الشرطة، بل ولسيق إلى السجن" ص (206). نجح في امتحان السنة الخامسة بكلية الطب، ثم ذهب إلى إسبانيا لقضاء عطلته بها.

تيريزا: تعمل خادمة في فندق "ليغران زوم"، تبلغ من العمر ستا وأربعين سنة، أرملة فقدت زوجها في الحرب العالمية الثانية. تعيل أولادها الأربعة والذين لا يتجاوز أكبرهم الثانية عشر سنة. لم تتعلم في حياتها من الناس إلا اللطف من أجل أن ترده إليهم مضاعفا. ربط معها البطل علاقة ود ومجاملة، وأنس إليها، وكان يجد راحة في محادثتها واستفسارها عن انطباعاتها حول جانين. ولما اشتدت حاجته إلى المال اقترض منها مبلغا ماليا بعد تردد. سلمته له واعدة إياه بأن تعيره مثله في مطلع الأسبوع القادم. "ولكن لا تنس أنني عاتبة عليك. إنك لم تكن لطيفا أبدا حين احتجت إلى المساعدة وترددت في طلبها" ص (206).

عينة من الشباب العربي المتحرر: وندرج ضمنهم كامل وزهير وأسعد ونصري. فهم قد ألقوا الرصانة التي كانت ترهق أكتافهم في بيروت ليعيشوا في باريس حياة منطلقة لا يحد حريتها قيد؛ ونضيف إليهم سامي الذي جاء إلى باريس في زيارة خاطفة، فبادر إلى الاتصال بالشخصية الرئيسة التي كانت تلتقي به في مقهى "الروشة" ببيروت لتبادل وجهات نظرهما حول قصائدهما وانتقاد شعر الآخرين. وبعد أن عرف سامي صديقه على "ليليان" طلب منه أن يبرز براعته في اجتذابها إليه والظفر بها لما يعود إلى لبنان. فهذه الشخصيات على تباين مشاربها تعتبر قدوة للشخصية الرئيسة إن هي أرادت أن تنسجم مع الحياة الباريسية، وتتساوق مع جوها المفعم بالصخب والمرح.

عينة من الفتيات العابرات: تعرف البطل على فتاة في سينما "البانتيون" وتجرأ على ملامسة جسدها والاحتكاك بها ودس في يدها ورقة يوعدها فيها على اللقاء أمام السينما في الغد. لكنها لم تأت موجهة ضربة موجعة للشاب العربي الذي عانى من الحرمان والكبت. لما غادره سامي تركه مع صديقته "ليليان". وبذل البطل كل ما في وسعه لإرضائها وكسب مودتها ولما قادها إلى غرفته بفندق "كلود برناد" لم يفطن لحيلها وخداعها إلا بعد فوات الأوان. فهي انتحلت قصيدة "فطور الصباح" للشاعر الفرنسي "جاك بريفير" مدعية أنها شاعرة موهوبة. ثم سرقت مبلغا ماليا من محفظته. وفي هذا الصدد قال له صديقه صبحي: "على أية حال... إن من يسرق شعر رجل مثل جاك بريفير لن يتورع عن سرقة مال رجل مثلك" ص (59).

  التقى مع فتاة اسمها مارغريت في باحة الفندق مصادفة. واستقدمها إلى غرفته دون ممانعة. لكن لما أشبع رغبته بسرعة مفجرا مكبوتاته التي تراكمت مع مر "السنين، واجهته بهذه العابرة الصادمة" كلكم هكذا أنتم الرجال .. أنانية قذرة". وطلبت منه الابتعاد عنها دون أن يدرك مغزى مجافاتها له. "لم تكن مارغريت بائعة لذة بل طالبة لذة. وأغلب الظن أنها تخيلت أنها واجدة لدى الفتى الشرقي ما لم تجده لدى فتيان الغرب. ولكن في اللحظة التي خيل فيها إلى الفتى الشرقي أن "اللقاء الأعظم" قد تحقق وأنه قد وهبها زهرة رجولته، عندها رأى أنها "تسارع بالنهوض ثائرة الأعصاب متقلصة القسمات، تتمتم كلمات لا تبين، ولا تنم إلا عن غضب مكبوت".

عينة من المناضلين القوميين: عرف فؤاد صديقه الطالب اللبناني على فئة من مواطنيه الذين كانت لهم خدمات مشهودة في حقل التعليم. أتوا إلى العاصمة الفرنسية لاستكمال التخصص العالي في الفلسفة والأدب. وقد أسهمت هذه الفئة الواعية في رسم خطوط واضحة في التوجيه الوطني والقومي، وإلقاء محاضرات لتأطير المنخرطين في الرابطة وشحذ إرادتهم وهمهم. "فإذا هي محاضرات قومية واجتماعية تتناول قضاياهم الماسة وتعالجها في كثير من المنطق والعلم والإخلاص أيضا" ص (236).

 

2- الشخصيات غير الآدمية:

  كما أسلفنا الذكر، في الفصل النظري، فإن القوى الفاعلة في الخطاب الروائي لا تنحصر فقط في الكائنات الآدمية كما يوحي بذلك مصطلح "الشخصيات". بل إنها تشمل كل ذات منخرطة في الفعل داخل العمل السردي سواء أكانت هذه الذات آدمية أم غير آدمية، كأن تكون حيوانا أو جمادا أو أفكارا أو قيما... وعليه، فانطلاقا من هذا التصور، نجمل مختلف القوى الفاعلة غير الآدمية في رواية "الحي اللاتيني" وفق ما يلي:

*القيم والأفكار والمشاعر: الحرية – الحب – اللامبالاة – الإنسانية – الوجودية – الحرمان – الكآبة – القنوط – الكبت – القومية – التكافل – النضال.

*الجمادات: تمثال الأعرابيين- نهر السين- فندق "ليغران زوم"- الحي اللاتيني — بيروت.

*المؤسسات: السوربون- المسرح- المقاهي – المتحف.

*الوقائع: الانقلاب العسكري في سوريا- سياسية القمع الاستعمارية في شمال إفريقيا - نكبة فلسطين.

يلاحظ أن هذه القوى الفاعلة غير الآدمية قد لعبت هي الأخرى دورا كبيرا في الدفع بعجلة السرد وتغيير أو تعديل مواقف البطل في غير ما مرة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يعتبر كل من الحرمان والكبت والكآبة كمشاعر، محفزا ودافعا لانتقال البطل من الشرق المتزمت إلى الغرب (باريس) المتحرر. كما ساهمت فكرة القومية في جعل البطل وفؤاد ينتصران للشرق رغم تزمته ضد الغرب، رغم تفتحه.

 

2- ديناميتها ومنزلتها:

يستدعي استخلاص البنية العاملية للرواية برمتها إعادة توزيع الشخصيات كقوى فاعلة وفق العلاقات التالية.

 

أ- علاقة الرغبة:

  تربط هذه العلاقة بين من يرغب (الذات) وما هو مرغوب فيه (الموضوع القيمي). على المستوى السطحي يتضح أن الشخصية الرئيسة قد قدمت إلى باريس لمتابعة دراستها العليا. أما على المستوى العميق فيتبين أن هناك عوامل نفسية أقنعتها بمغادرة وطنها. "أنت على يقين أن هذه السنوات الأخيرة كانت في حياتك إخفاقا. إخفاق هو الذي أقنعك بأنه ينبغي لك أن تبلو حياتك وتجربها في أعمق مجالاتها" (ص 10). لا نجد في الرواية أي مؤشر يعلل هذا الإخفاق أو يكشف عن بواعثه. لكنه بالاحتكام إلى الجو العام للرواية يتضح أن له علاقة بالجانب العاطفي. وهذا ما حفز الشخصية الرئيسة على الرحيل إلى باريس بغية تحرير الذات مما راكمته من ضروب الحرمان والكبت، وتتنفس هواء جديدا مفعما بمعاني الحياة الجديدة ومباهجها.

 

ب- علاقة التواصل:

وتقتضي هذه العلاقة وجود مرسل ومرسل إليه. ولا يمكن للمرسل أن يتواصل مع المرسل إليه إلا إذا كلف الذات بإدراك الموضوع القيمي بمقتضى ميثاق يجمع بين الطريق. وفي تساوق مع علاقات الرغبة يتضح أن ما حفز الشخصية الرئيسة على الرحيل عن بيروت هو الإخفاق الذي تعرضت له خلال السنوات الأخيرة. ولهذا وجدت في الذهاب إلى باريس ذريعة لإتمام دراستها العليا من جهة، وتضميد جراحها الناجمة عن الإخفاق من جهة أخرى.

 

ج- علاقة الصراع:

    يمكن لهذه العلاقة أن تعيق العلاقتين السابقتين أي (علاقة الرغبة وعلاقة التواصل). وبقدر ما يوجد الطرف المعيق الذي يحول دون وصول الذات إلى الموضوع المبحوث عنه، يوجد طرف آخر مساعد يؤازرها ويساعدها على ذلك. فبمجرد أن أقلعت الباخرة التي تقل البطل إلى باريس، شعر بأن قوتين متعارضتين تتجاذبانه. قوة الشرق وقوة الغرب. ويرمز المنديل الذي تهاوى من بين أصابعه إلى قوة الشرق التي بدأت مساحتها تتراجع في قلبه لتكتسحها قوة الغرب بآمالها وأحلامها. حاول جاهدا  أن ينخرط في الحياة الجديدة بما أوتي من حماس واندفاع لكنه لم يستطع ولم يكن قرار الزواج الذي اتخذه في آخر المطاف صادرا عن وعي وقناعة، وإنما إشفاقا على الوضع الذي آلت إليه جانين من جرائه. وفي ضوء ما سبق تتشخص البنية العالمية للرواية كالتالي:

المرسل: الإخفاق الذريع- الرغبة في تحضير الدكتوراه.

الموضوع: - الانخراط في الحياة الجديدة - إنجاز رسالة عن الشعر العربي الحديث.

المرسل إليه: باريس (الحي اللاتيني).

المساعد: كل الأصدقاء الذين ساعدوا الشخصية الرئيسة على مسايرة إيقاع الحياة الجديدة ومنهم "جانين مانترو".

الذات: الشخصية الرئيسة.

المعيق: الأم التي تحرص على التشبث بالتقاليد الشرقية.

 من خلال هذه العلاقة يتبين الدور الذي نهضت به جانين مانترو لإدماج الشاب العربي في الحياة الجديدة. وهذا ما اقتضى منها أن تحبه كما تحب المرأة الرجل في الشرق. لكن اتضح لها فيما بعد أنه لم يكن في مستوى الآمال التي علقتها عليه. فبدلا من أن يمسك بيدها لينقذها من الأزمة التي حفتها من كل جانب، يدفعها إلى الهاوية إذ تتحطم حياتها، وتتلاشى آمالها ومطامحها وتجد نفسها "فتاة ضائعة"، تتقاذفها أمواج الحياة حيثما شاءت.

 

4- نفسية الشخصيات:

 تتسم الشخصيات التي ساهمت في صنع الأحداث في "الحي اللاتيني" بنفسية تغلب عليها العواطف والأحاسيس التالية:

أ- الشخصية الرئيسة:

الكآبة:

منذ أن التحق هذا الشاب بباريس، وهو يبحث عن المرأة التي يحلم بها وتملأ خياله. مر خلال الأسابيع الأولى من تجارب قاسية لأنه لم يفلح في إيجاد فتاة غربية تبادله الشعور نفسه؛ كما أن تلقى ضربات موجعة جعلته يتخيل نفسه في صحراء أكثر ألما من صحراء الشرق. فكل ما يحدق به يشعره بالحزن و القتامة ويحرضه على العودة إلى وطنه أو الابتعاد إلى مكان قصي ليريح نفسه، ويزيل غشاوة الكآبة التي أصبحت عالقة بعينيه. ولم يسترجع جذوة الأمل إلا بعد أن تعرف على جانين مانترو. إذ رأى فيها الصورة التي كانت تبحث عنها روحه منذ زمن بعيد. ومن خلال هاته العلاقة استعاد توازنه في الحياة، ونجح في هدم جدار التهيب والحيطة الذي كان بينه وبين الأنثى. ولم تتضح له مكانتها في قلبه إلا بعد أن غادرته أيام معدودة لزيارة خالتها في مقاطعة "هوت سافوي" إذ ضاقت به باريس فازداد إحساسه بالعزلة والوحدانية.

 

الحنين:

كان بين الفينة والأخرى يتذكر أفراد أسرته وناهدة. ما أشد حاجته الآن إلى أن يجلس إلى إخوته فيستمع إلى أخيه الأكبر يسخر بمشاريعه الخيالية، ويسأل أخته عن رأيها في آخر قصيدة له، ويعين أخاه الصغير في ضبط قراءاته العربية. وبقدر ما كانت رسائل أمه تنهاه عن إقامة علاقات بالفتيات الغربيات، كانت تجعله يعيش المفارقة بين ما كان عليه في لبنان وما أصبح عليه في باريس. كان في ما مضى يعيش في عالم ضيق يعرف قيمته فيه، ويشرف على حدوده. أما الآن، فهو يوجد في عالم رحب كورقة جافة تذروها الرياح. لقد باعدت حياة جديدة بينه وبين ناهدة، وأصبح ينعتها بـ "الساذجة والمسكينة"، ويرى أن علاقته بها اعتراها الغموض والإبهام.

 

الخشية والانقياد:

لما أنبأته جانين بحملها، وجد نفسه منقادا لأوامر أمه خشية عدم إيذائها وإضجارها، ومصغيا إلى عتابها كما لو كان صوتا ينبعث من أعماق نفسيته. وهذا ما جعله يتخيل حبيبته مطرودة وشبه مطلقة ومشردة. بينما كان يفكر في الهروب من أمه التي استغلت ضعفه، توصل برسالة من صديقه الحميم فؤاد الذي حثه على العودة فورا إلى باريس طالبا منه أن يتحمل تبعات ما قام به دون التنصل من المسؤولية ومؤاخذا عليه اتخاذ موقف متخاذل لا يستسيغه الوطن من عربي شريف.

 

مراجعة الذات:

ظل يبحث عن جانين – التي اختفت عن الأنظار بعد إقدامها على الإجهاض – إلى أن اهتدى إلى ترددها على كهف "برغولا". انبهر لما رآها في حالة يرثى لها (نحيلة، عيناها متعبتان ومجهدتان، تنتعل حذاء باليا). ولما دعاها للجلوس إلى طاولته، ظلا صامتين ومطرقين "كأن كلا منهما مجرم وضحية" ص 220. وحاول أن يكفر عن أخطائه بمصارحتها بالزواج رغم أنه يعلم أنها أصبحت فتاة ضائعة وملوثة. لكنها فضلت الانسحاب من حياته محتفظة بحرقة حبه في قلبها، ومعاتبة إياه على عدم إنقاذها من السقوط في الهاوية في الوقت المناسب، لقد ارتكب أخطاء وآثاما في حقها لاعتقاده أن الحرية بلا ثمن. ولما أراد التكفير عنها، وجد نفسه مدعوا للانخراط في النضال القومي، وخدمة القضايا المصيرية في العالم العربي. وهذا ما تعبر عنه العبارة الأخيرة في الرواية، حين تسأل الأم ابنها: "هل انتهينا يا بني" فيجيبها "بل الآن نبدأ يا أمي".  وكان فؤاد من بين الأصدقاء الذين جاؤوا لاستقباله. وهذا يبين أن الصديقين معا مصران على إحداث قطيعة مع وهم "الحياة الباريسية" وتكريس جهودهما لتوسيع دائرة النضال القومي في البلدان العربية جميعها.

 

بالنسبة لجنين مانترو:

الحب الصحيح:

تتميز بصفاء نفسها، ونقاء سريرتها، وهدوئها ووثوقها من نفسها. وقد وصفها فؤاد في الرسالة التي بعثها إلى صديقه بهذه العبارة: "وهي من تعرف حبا ونبلا وتفانيا". ص (277). حاولت أن تتقمص شخصية المرأة الشرقية التي لا تطلب مقابلا ولا تنتظر عروضا من زوجها. يكفيها أنها تخلص وتتفانى في حبها له. وهذا ما سارت عليه جنين من البداية إلى النهاية لاعتقادها أن حبيبها العربي زود حياتها بزاد من الحب لا يمكن أن ينضب يوما ما.

 

المأساة:

كانت جانين تأمل من علاقتها بالشاب العربي أن تتخلص نهائيا من خيبة أملها مع خطيبها السابق هنري، لكنها لم تجن منها إلا المأساة. لقد دفعها إلى موقف حرج حيث أصبحت، بعد أن خانتها قوتها الجسدية وخارت عزيمتها، تمنح جسدها لمن يضمن لها قوت يومها، وتسكن في غرفة ضيقة لا تتوفر على الحد الأدنى للعيش. "لم يكن فيها مغسلة، ولكن طست وإبريق في الركن الأيسر. ولم يكن فيها نافذة، ولكن فتحة مربعة في أعلى الجدار. ولم يكن سقفها مستقيما، وإنما هو منحرف هابط، كأنه امتداد السطح. غرفة خدم" ص (252). ورغم أنها توجد في قمة انهيارها ومأساتها، فهي فضلت عدم الزواج بالشاب العربي، وعيا منها بأن حياتها أصبحت تافهة، وبعدم قدرتها على مسايرة طموحاتها الجديدة. كما أنها لم تحقد عليه، بل ظلت وفية وممتنة له. وإن كان جسدها يقتات بخبز الناس، فإن قلبها لا يقتات إلا بحبه. "لا تذعرك هذه الكلمة أناديك بها، أنا الفتاة الضائعة التي تعرف. فإنها الكلمة الوحيدة التي تحتفظ في نفسي بالقداسة لأني لم أناد بها سواك أحدا. وعلى الرغم من الأوحال التي تلطخ وجودي، فإن في نفسي بعد موضعا لم يلحق به تلويث. ولئن كان جسدي مقصورا على أن يقتات بحب الناس، فإن قلبي لا يقتات إلا بحبك" ص (260).

 

بالنسبة لفؤاد:

الاتزان والجرأة:

يتسم فؤاد بالرصانة والاتزان، وبالجرأة في اتخاذ المواقف. وهو يحتكم إلى نزعته القومية في إبداء أي موقف سواء أتعلق بالأدب أو بالسياسة أو بأمور الحياة المعتادة. فهو يرى أن الأدباء العرب لم يتطرقوا إلى المشكلات الاجتماعية على نحو نظرائهم في الغرب (إثارة الخيانة الزوجية). ويدفع في اتجاه توحيد العرب وتحسيسهم بمقوماتهم الذاتية والتاريخية، ويؤاخذ على البطل عدم اتخاذ موقف يليق بنبل عواطف جانين وتفانيها في حبه. ويقرر التخلي عن حبيبته فرنسواز لمساندتها سياسة العنف التي كانت تنهجها فرنسا في شمال إفريقيا.

 

بالنسبة لسامي وكامل وصبحي ونصري:

الاستهتار:

   لا يرى هؤلاء الطلبة في الغرب إلا الجانب المتعلق بالجنس والتسلية. ويقرون بأن فضله عليهم كامن في كونه أسعفهم على تفجير مكبوتاتهم، وفتح لهم آفاقا رحبة للاستمتاع بمباهج الحياة الجديدة. وهكذا أصبح يقترن لديهم بالمرح والبهجة والتحرر والانطلاق والصخب. في حين أن حياتهم الماضية كانت كئيبة ورتيبة ة وموسومة بميسم العبودية والتأخر. ولم تكن هذه الشخصيات منشغلة بما تزخر به باريس من مسارح ودور السينما ومعارض تشكيلية وما تتمتع به من سمعة فنية وثقافية. وهذا ما حاولت الشخصية الرئيسة أن تنفذ إليه لفهم الأبعاد الأخرى لمدينة باريس. ولكنها كانت تجد نفسها أحيانا مضطرة إلى الاستهتار ومكرهة عليه تعويضا عما أصابها من غبن وانكسار.

 

بالنسبة للأم والفتاة الغربية:

الخوف من الآخر:

 تخاف فرنسواز، على نحو باقي الفتيات الغربيات من الشاب الشرقي لكون المجتمع الذي تعيش فيه قد رسخ في ذهنها صورة سلبية عنه. إنه إنسان صحراوي ومتخلف وتقليدي ومتوحش. وهذا ما جعل الفتاة الفرنسية تصدر حكما جاهزا بمجرد ما أن تناهت إلى سمعها ضحكة مجلجلة في مقهى الطلاب: "أي متوحش هذا، لا بد أنه عربي" ص (80). وبالمقابل تتوجس الأم من زواج ابنها بالفتيات الغربيات لكونهن مسيحيات متحررات وبنات الحرام. "أعود فأحذرك يا بني من نساء باريس. وقاك الله شر بنات الحرام". ص (72).

 

بالنسبة لعدنان:

الازدواجية:

تتميز شخصية عدنان بالازدواجية. فهو يتوخى إحداث قطيعة نفسية مع موطنه الأصلي من جهة، ولا تخلو تصرفاته من عصبية دينية من جهة أخرى. ولا يتباهى أمام زملائه بحفاظه على العادات والشعائر الدينية إلا لأنه يلتمس الفائدة الصحية. "لأن اللياقة تقتضي المسايرة". ص (169).

 

3- رؤيتها للعالم:

الرؤية القومية:

تسعى هذه الرؤية إلى مساعدة الطلبة العرب في باريس على إيجاد أنفسهم في عالم يقصيهم من حساباته وإشعارهم بمقوماتهم الحضارية واللغوية والدينية، وحفزهم على النضال القومي لتوحيد الأمة العربية والنهوض بها اجتماعيا وثقافيا. ولن يتحقق المبتغى إلا بعودة الطلبة إلى بلدانهم، والانخراط في الحزب الذي يتبنى المبادئ القومية. وقد عمل أصحاب هذه الرؤية (وفي مقدمتهم البطل وصديقه فؤاد) على تكوين رابطة الطلاب لجمع شمل الطلبة العرب في باريس وتأطيرهم بالمحاضرات الاجتماعية والقومية.

 

 الرؤية الاستعمارية:

تتعامل هذه الرؤية مع العرب كما لو كانوا متخلفين ومتوحشين. وترد على مطالبتهم باستقلال بلدانهم بالعنف والإرهاب. وتدعم فرنسواز سياسة بلادها في شمال إفرقيا. في حين تعارضها جانين بدعوى أنها لا تنسجم مع المبادئ التي رسخها التاريخ الفرنسي في عقول الناشئة: "ولم أشعر يا عزيزي بأي إحساس غريب يفصلني عن أصدقائي. إنني مثلهم أخجل مما تأتيه حكوماتنا من أعمال لا تقرها المبادئ التي تعلمناها من تاريخنا في الحرية والديمقراطية" ص (206). وتنظر الرؤية الاستعمارية إلى المهاجرين المغاربيين، الذين يعيشون وضعا اجتماعيا مزريا، كما لو كانوا مواطنين من الدرجة الثانية، لا يستحقون أن ينعموا بالحرية والاستقلال. "وقد بات معلوما... أن السلطات تشجع هذه الأحياء، وتدع لها طابع الحياة المستقلة لتقيم الدليل على أن هؤلاء المقيمين في باريس، لا يستحق مواطنوهم أن ينعموا بالحرية والاستقلال. إنه الاستعمار، أيتها الآنسة فرنسواز، يتوسل بكل وسيلة ليظل ثابت الأقدام في بلادنا" ص (168).

 

 رؤية المستبد العادل:

ويتبنى عدنان هذه الرؤية التي كانت قد طرحت كشعار في بعض البلدان العربية فيما بين الحربيين العالميتين، واستعملت في مواجهة الاختيار الحزبي والبرلماني وكانت دعوة إلى التماس  الحل في تركيز السلطة في قيادة "مستبدة عادلة" يكون على يديها خلاص الشعب ورقيه. ولهذا نجد عدنان يساند الانقلاب العسكري في سوريا مؤملا أن يفرز شخصية ملهمة وفذة تجد سندها في التراث العربي الإسلامي، وتذكر العرب بأمجادهم وبطولاتهم (وفي هذا الصدد تستحضر شخصية عمر بن الخطاب). وقد عرف العصر الأوروبي الحديث هذه الفكرة منذ القرن التاسع عشر تحت تسمية "المستبد المستنير". ويقصد بها إحداث التقدم من فوق عبر اختصار المراحل من طرف سلطان فردي قوي ولكنه راشد.

 

 الرؤية الوجودية:

وتزعم شريحة عريضة من الفتيان والفتيات الذين يترددون على كهف "برغولا" بأنهم من الوجوديين. وتعني الوجودية بالنسبة لهم أن يعيش الإنسان هكذا عيشة متحررة من كل شيء. وموازاة مع هذه الرؤيات الأربع التي تتفاعل في ما بينها داخل الرواية، نجد شريحة عريضة من الطلاب العرب يقضون أوقاتهم في التسلية وينساقون وراء أهوائهم.

 

 خلاصة عامة:

هكذا إذن، نستنتج أن الروائي سهيل إدريس قد وظف مجموعة من الشخصيات التي تتقابل فضائيا وحضوريا (الشرق # الغرب)، وجنسيا (الذكورة العربية # الأنوثة الغربية)، ولونيا (الأسمر العربي # الغربية الشقراء)، لرصد التفاوت الحضاري والاختلاف الوجودي بين البيئة العربية المكبلة بأغلال الحرمان والمنع والكبت والشذوذ والعقد والخلفيات المسبقة والعادات والتقاليد المحافظة الموبوءة والبيئة الغربية التي تتسم بالتحرر والانعتاق والعلم والإقبال على الحياة ولو في ثوبها المادي اللا أخلاقي. وإذا كانت مجموعة من الروايات العربية روايات فضاء ومكان مثل: روايات نجيب محفوظ (زقاق المدق) وعبد الرحمن الشرقاوي (الأرض).. الخ، فإن رواية سهيل إدريس على الرغم من عنوانها المكاني فهي رواية الشخصية لاسيما الشخصية النموذجية (بطل الحي اللاتيني) التي تعيش مصيرا وجوديا من خلال ثنائية الحرية والمسؤولية. الحرية في إثبات وجودها والارتواء من لذات الحياة والاستماع بمباهج الدنيا ومعاقرة الخمرة والإشباع الجنسي، والمسؤولية التي تكمن في الثورة على الحرمان والتقاليد البالية والعادات المستنبتة والرغبة في النضال القومي والوطني لتحرير الإنسان العربي من موروثات التخلف وقيود الكبت والإحجام والانطواء النفسي حتى تصبح الذات العربية قادرة على الإبداع والابتكار في مجتمع يقدس المرأة ويحررها إلى جانب الرجل، حتى تساهم في العطاء والبناء الحضاري على غرار المرأة الغربية. لقد خلق الكاتب شخصية مركزية وهي البطل واستتبعها بشخصيات ثانوية تابعة لها مثل صبحي وعدنان ربيع وفؤاد وأحمد. وتتسم هذه الشخصية بالفردية والتشبع بالفكر الوجودي الذي اكتسبته في جامعة السوربون، لا سيما أن هذه الفترة كانت فترة الفلسفة الوجودية التي دعا إليها كل من سارتر وسيمون دبوفوار وألبير كامي. إذ قال سارتر: إن الإنسان في هذه الحياة كممثل يؤدي دوره ثم ينتهي وجوديا، لذلك دعا إلى حياة العبث واللاجدوى تحت شعار: "افعل ما تشاء، حيث تشاء، ومتى تشاء: (حرية الفعل، حرية المكان، حرية الزمان). كما أن فلسفة سارتر تنبني على مرتكزين أساسيين: الحرية والمسؤولية.

ويبدو أن شخصية بطل "الحي اللاتيني" شخصية تعبر عن المؤلف إلى حد بعيد مما من شأنه أن يعطي لهذه الرواية بعدا سيرذاتيا، لأن الكاتب يرسم هذه الشخصية حسب قناعاته وأفكاره ومبادئه التي يؤمن بها حتى تتبدى لنا شخصية نموذجية ومثالية بالمقارنة مع شخصيات عدنان المتعصب دينيا وصبحي المستهتر أخلاقيا وربيع التونسي المتطرف في مواقفه تجاه فرنسا وبطشها الاستعماري. ويجمع فؤاد بين هموم المرأة الجنسية والهموم الثقافية الفكرية والنضالية. بينما يظل بطل "الحي اللاتيني" بطلا معتدلا في أفكاره ووطنيته ومواقفه تجاه الوطن والأمة والآخر، لا يتشنج ولا يتعصب كالآخرين، وفلسفته الوجودية متوازنة. وهذا ما يشير إليه كذلك الدكتور إبراهيم السعافين بقوله: "إن الشخصية المركزية هي الفكرة المثالية والشخصيات الأخرى إما عوامل كشف عن الشخصية المركزية وتعديل سلوكها وتسويغ له، وإما تبع لها تدور في فلكها، وتنطق باسمها، فوق أنها تلقي الضوء عليها، وتكشف عن أبعادها. وشخصية بطل "الحي اللاتيني" قد اختارت النوع الأول من الشخصيات الثانوية حيث تبدو شخصيته قائمة على الاعتدال، فهو معتدل في فكره ومعتقده، معتدل في نزواته، معتدل في وطنيته، وحتى يلقي المؤلف الضوء على هذه القضايا، لجأ إلى توظيف الشخصيات الثانوية التي تعد نماذج ابتدعها فكر المؤلف لتحدد نموذج الشخصية المركزية. وأما ما نسمعه على ألسنة جانين أو فرنسواز أو غيرهما فإنه محاولة لكشف بعد جديد من شخصية البطل، في الوقت الذي لا نحس فيه بوجود هذه الشخصيات في الواقع أو نكاد"( ). أضف إلى ذلك أنه حتى على مستوى الشخصيات النسوية نجد تقابلا بينها: فجانين مانترو عشيقة البطل هي شخصية نموذجية تدافع عن العرب وتقدر الحب والمسؤولية، وفيه وصادقة في عواطفها ومبادئها، تضحي بكل ما لديها من أجل الآخرين. أما فرنسواز حبيبة فؤاد فكانت مثقفة وواعية وذوقها الفني رفيع، يبد أنها كانت عنصرية تدافع عن فرنسا الاستعمارية. أما مارغاريت والأخريات كامرأة الرصيف، وفتاة السينما، فهي نماذج وجودية مستهترة وعبثية غير صادقة ووفية. فواحدة تدعي أنها شاعرة، والأخرى تسرق نقودا من البطل وأخرى تعد ولا تفي. أما ناهدة في الشرق فهي نموذج للمرأة العربية الخائفة على شرفها وعفتها وجسدها ترتعد من وجود الرجل وتعطي ألف حساب للمعتقدات والأنظمة الاجتماعية الموروثة حتى تحافظ على نفسها ووجودها بين أسرتها ومجتمعها.    

  هكذا و نحن ننفض أيدينا من هذا البحث المتواضع، والذي قاربنا من خلاله مفهوم "الشخصية" كمكون مركزي من مكونات الخطاب الروائي، نخرج بالخلاصات التالية:

- ما زال تدريس مادة المؤلفات في التعليم الثانوي المغربي يثير إشكاليات عويصة تتمثل في كيفية انتقاء المؤلفات واختيارها، والطرائق التي ينبغي تمثلها في العملية التعليمية- التعلمية، وكيف ينبغي تدريس العمل الإبداعي: هل بتحليله في كليته وشموليته؟ أم بتقسيمه إلى أجزاء تدرس بالتدريج؟ وكيف يمكن لنا تقويم عمل التلميذ تقويما موضوعيا أثناء التعامل مع مكون المؤلفات؟ وما هي المنهجية المتبعة في مقاربة المؤلفات الأدبية؟ هل سنعتمد على المقاربات الديداكتيكية والبيداغوجية أم المقاربات النقدية الأكاديمية؟ وهل طريقة العروض صالحة لتهيئة درس المؤلفات أم لا بد من التدرج في شرح المفاهيم والمصطلحات عن طريق التمارين الفصلية، مع تحفيز التلاميذ على تشريح العمل الإبداعي وتفكيكه خطوة خطوة؟!

- الشخصية الروائية مقولة نقدية مركزية تقاطعت حولها الدراسات والمقاربات النقدية والنظرية على امتداد فترات تاريخية دون أن تستطيع تقديم تعريف جامع ومانع لها.

- قام سهيل إدريس في روايته "الحي اللاتيني" بعقد مقارنة بين الشرق والغرب: الشرق بعاداته ودياناته ومعطياته الروحية، والغرب بمعطياته المادية والعلمية والتكنولوجية. وقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا. فكل مكون من مكونات روايته يتماشى والموضوع الذي يعالجه هذا الأخير. ولا عجب في ذلك إذا علمنا أن "كل شيء في الرواية له دلالة"( ). ويتضح ذلك، أكثر ما يتضح، على مستوى بنائه ورسمه للشخصيات: نفسيا واجتماعيا ودينيا ولونيا وفضائيا وفكريا، الخ؛ وهو الشيء الذي يجعل من روايته "رواية شخصية" إلى جانب كونها تندرج ضمن ما يعرف في التقاليد الأدبية بـ "الرواية الحضارية".

 

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

 

..............

1-  إدريس، سهيل: "الحي اللاتيني" الطبعة 13، بيروت، لبنان 2006. ص 26.

ملاحظة: كل الاستشهادات التي ستأتي في هذا الفصل التطبيقي مأخوذة من هذه الرواية.

2-  فري، محمد، وأحمد: "دليل التلميذ في درس المؤلفات" مطبعة بني يزناسن: 2000 ص 52

3-  إبراهيم السعافين: تطور الرواية الحديثة في بلاد الشام، دار المناهل، الطبعة 2، 1987، ص – ص- 463 -464

   Barthes, Roland : l’effet de réel, in littérature et réalité, éd. Seuil, point, 1982. p 833

 

تمثُّلاتُ الباطنِ القلقِ في رواية "ثقوب زرقاء" للخيّر شوار

455-tokoubيُنتجُ الروائيُّ معناهُ ويؤثث موضوعَ روايته بواسطة السرد، ومن خلالِ بناءِ الأحداث وتتابعها، وتعالق الشخصياتِ مع بعضها عبر مسار الحكيِ، وأيضا عبر نهايته؛ من خلالِ تقاطع مصائرها. هذا ما يجعل من الرواية بناءً متماسكا يعطي لهذا الجنسِ الأدبيّ قيمتَه الحقيقيّة حين يقدِّم رؤية للعالم تنطلق من الواقع لتنهل من تمظهراته المختلفة معانيَ الحياة، وتتجاوزه، لتخلق واقعا آخر، عالما مختلفا، هو أقرب إلى الحلم، لكنه مرآة تصححُ كثيرا من نكباتِ الواقع، وأحيانا تفضح مظاهره الكاذبة.

لهذا نجدُ الأعمال السردية تختلف بينها فيما يتعلّق بطريقة تعاطيها مع الواقع، فنجد رواياتٍ كثيرة تسقط في السرد المباشر والتصوير الذي لا يتعدَّى ما تقوم به عين الكاميرا. وعلى عكسِ هذا توجدُ رواياتٌ أخرى لا تكتب إلاّ لتؤثث مشاهد القادم، أو لتستكنه حقيقة الكائن والسائد، لتعبِّر عن القيَم الأكثر بقاءً في الإنسان، القيمِ التي تمنحه خصوصية وجوده واستمراره.

من هذه الرؤيةِ سنحاولُ النظرَ إلى رواية"ثقوب زرقاء" للخيِّر شوار، والتي صدرتْ هذه الأيام عن دار العينِ بالقاهرة، وقد عبَّرتْ، انطلاقا من عنوانها، عن إيغالٍ في غامضٍ تمثِّل الزرقة بوابته الأولى، وكأنَّما هي روايةٌ تحضِّر القارئ بشكلٍ ما إلى ابتداء رحلة قراءة مضنية، مصحوبةٍ بكثيرٍ من التركيزِ والانتباهِ الفائق، لأنّ العملَ اتخذَ شكلا مغايرا للسرد عبّر عنه عنوانه أولا وعناوين الفصول (واحد، اثنان، صفر) التي تصبح ذات معنى حين ترتبط بمتنها.

تبدأ الرواية من عنوانٍ صحفيٍّ يخبِر عن جريمة قتل بشعة وقعتْ في منطقة الطاحونتين بغربِ الجزائر، فيذهبُ صحفيٌّ مرافقا بالمصوِّر أمين إلى مسرح الجريمة حيث البناية العتيقةُ التي شهدتْ دماءً كثيرة، ليحقق في الأمر ويكتبَ روبورتاجا عن الموضوع. هذا الصحفيّ / الشخصية الذي لم تقدّمْ له الرواية اسما، أو تفاصيل دقيقة، عدا أنّه ينتمي إلى مهنة الصحافة. فيأخذ في التحقيق في هذا الموت البشع الذي تعرّض له متشرّدٌ مسكين، ذبح وطعن مراتٍ عديدة، قبل أنْ يثبت التحقيق النهائيّ بأن ما حدث عملية انتحار بشعة، تركتْ على جسد الضحية آثارا غائرة بعيدا، أكثرها إثارة للانتباه تلك الثقوب الزرقاء على وجهه التي أيقظتْ في ذهن الصحفيّ خيالات وهواجس كثيرة، يعبِّر عنها الفصل الأوّل من خلال نهايته التي أصيب فيها بحمّى شديدة أدخلتْه إلى دوّامةِ كوابيس رهيبة.

ولا يفوتنا هنا أنْ نشير إلى ذكاءِ الروائيّ الذي استطاع، من خلالِ اختيار مكان الجريمة وهو القصر المهجور الذي تحاك حوله الأساطير، أنْ يحضِّر القارئ لكثير من العجائبية التي ابتدأتْ بثقوب زرقاء على وجهِ الضحية، والتي أثارتْ في الصحفيّ كثيرا من الرعب وأخذتْه بعيدا إلى عالم مخيف، وستستمر-العجائبيّة-عبر مسار الحكاية وهي تؤثث لمشاهد عجيبة ذات طبيعة رمزية تفسِّر كثيرا من نفسية الإنسان الجزائريّ وواقعه وماضيه المتناقضيْن.

 

1.نهاية الحلم / بداية الرواية

ينتهي الفصل الأول بكابوسٍ رهيب تمثلتْ فيه صورة الضحية كرأس يطاردُ الصحفيَّ، وإذْ أفاقَ منه متصببا عرقا ومرتجفا كالخوف؛ يقرر أنْ يرويَ ما رآه، وتعبّر عن هذا آخر فقرة من هذا الفصل:"عندما نهضت في اليوم الموالي في ساعة مبكرة وجدت في ذاكرتي هذه التفاصيل، كأنها وليدة تلك الكوابيس، أو كأنّ شخصا سردها عليّ دون أنْ أذكره، فأحسستُ برغبة في تفريغ الحكاية بتفاصيلها قبل أنْ تأخذني إلى المجهول.".

بهذا الاعتراف الصادر عن الصحفي الذي أخذ على عاتقه أنْ يتحوّل إلى راوية لما رآه في كابوسه، يكونُ الروائي قد أعلن ضمنا بأنّ الرواية ابتدأتْ من نهايتها، أيْ من حيث انتهى الحلم إلى يقظة؛ افتتحتْ الرواية مسارها ليكون متنها عبارة عن حلم بقدر ما يحملُ من عجائبية وخيالٍ جامح يعبِّر بعمق عن كثير من تفاصيل الحياة الجزائرية وصعوبتها، ويصوِّر باطن الإنسان الجزائريّ القلق.

 

2. بداية الحلم: توقف الزمن / غموض مسار السرد

455-tokoubمن الفصل الثاني الذي حمل عنوان"اثنان"، تحوَّل السرد إلى الحديث عن ضمير غائبٍ يمثِّل بطل الحلم، ومفتاحَ أسرار هذه الرواية، لكن لابدَّ من الإشارة هنا إلى كون عنوان الفصل"اثنان"، لم يوضع عبثا، وإنّما يعبّر بشكلٍ رمزيّ عن الشخصيات التي لا تظهر إلا على شكل زوجينِ اثنين. فمن الصفحات الأولى يكونُ الإثنان هما:الضمير الغائب المتحدث عنه والوجه الفسفوري، ثم إذ نتقدّم في الحكيِ سنكتشف وجود اثنين آخرين هما:جمال وبوعلام، وكلاهما حين ينضافان إلى المتشرد القابع في القصر المهجور يصبحان رمزا للماضي أو عودة له والثاني هو المتشرّد، ويعود الرقم مجددا حين تظهر نسوة ينشدنَ، فيطلق المتشرّد على إحداهن اسم وسيلة، لنجد في حكايات بوعلام وسيلة أخرى، زوجته، فيتحصل لنا اثنان من اسم واحد، هو لامرأة واحدة تمثل بالنسبة للمتشرّد ماضيا لا يقدر أنْ يتعرّف إليه، وبالنسبة لبوعلام، وهو الذي انبثق من أعماق المتشرد في ليلة باردة ليمثل مع جمال عملية قتل قديمة، وليذكره بنفسه، وأنه هو نفسه القاتل القديم؛ تمثِّل بالنسبة له حاضرا يضيِّعه تحت قهر الظروف الخارجية والظروف النفسية الداخلية.

يحيلنا هذا إلى الحديث عن توقف الزمن واقتصاره على ذكريات بعينها حملها المتشرّد الفاقد لذاكرته، والتي ستكون له بمثابة مرآة تضيء بعضا من حياته السابقة الغامضة، والتي يزيدها تواجده بالمكان المهجور غرابة، حين يرى تمثلات حياته الماضية، كانجذابه للنسوة اللواتي ظهرنَ ينشدْنَ في القصر بلغة يجهلها، وافتتانه بواحدة منهنّ مقررا أن يطلق عليها اسم وسيلة، زوجة بوعلام، وزوجته في حياة سابقة. بل إنّ هناك أحداثا عديدة تمثِّل الرابط بين حالته من الجنون والتشرّد وبين ماضيه يوم كان هو بوعلام، وكانتْ حبيبته وسيلة التي أحبها، وآلمها تحت القهر النفسي والاجتماعي، ويحدث هذا الربط من خلال الكلاب التي اقترب صوتها من المتشرّد حين أتى الرجلان لدفن الجثة، وهي الكلاب نفسها التي استعان بها بوعلام ليدافع عن نفسه وعن زوجته يوم أسكنها في خرابة مشروع البناء المتوقف. لكنَّ الغموض الذي يخيّم على الأجواء العامة للرواية سيتطلّبُ من القارئ تركيزا أكبر ليكتشف هذه الشبكة من العلاقات التي تجعل كل الشخصيات المذكورة تحيا داخل شخصية واحدة فقط؛ شخصية كأنما هي مصابة بالانفصام، أو هي حقا مصابة به.

 

3. مرايا العنف في الشخصية الجزائرية

حفلتْ رواية"ثقوب زرقاء" بمشاهد الدّم التي عبَّرتْ من خلالها عن العنف المتأصل في شخصية الإنسان الجزائري الذي عايش عبر تاريخه القديم والمعاصر كثيرا من العنف والقسوة، مما جعلَه يتربَّى على تركيبة نفسية تضمر كثيرا من الجراحِ والألم. هذا ما تعبِّر عنه أحداث الرواية ابتداءً بعملية الانتحار البشعة، أو من خلالِ ممارسات بوعلام العنيفة على ابنه وزوجته، والتي أنتجتها اضطرابات نفسية يعيشها، ورسّختْها فيه مشاهد عنف من طفولته منها رؤيته لرأس مذبوح، وتطوّر ذلك إلى ممارسة العنف تجاه كل من يقترب من وسيلة، كالأستاذ الذي كاد أن يقتله ضربا، وانتهاءً إلى تعذيب ابنه بطريقة هستيرية، وبجريمة القتل التي أنهى بها حياة رجلٍ مجهول، وأنهى بها، لاحقا، حياته هو، حين ظنَّ نفسه يقتل صاحب الوجه الفوسفوري في حين أنه كان لا يقتلُ إلا نفسهُ.

إنَّ هذه المشاهد العنيفة التي تنتج عن بعضها تعبِّر عن فكرة عميقة، وصحيحة بسيكولوجيا، وهي أنّ العنف لا يولّد إلا العنف. وأنَّ ما عاشه الجزائريون من نكبات العشرية الدموية، وما يعيشونه، جعلَهم ضحايا لتلك القسوة التي حوّلتْ الدمَ الغالي إلى ماء يتدفّق في كل ناحية. ولعلَّ هذا الاحتقان هو ما عبّرتْ عنه الصورة المتخيلة للرؤوس التي أخذتْ تنفجر من تلقاء نفسها، وفي هذا معنى عميق يعبّر عن حقيقة الورطة التي يعانيها الأفرادُ داخل المجتمع من جراء المشاكل الكثيرة التي لا حلَّ لها.

 

4. سكيزوفرينيا الفرد / سكيزوفرينيا المجتمع

إذا افترضنا بأنَّ الرأس الفسفوريَّ الذي كان يطارد المتشرّد وكثيرا من الأشياء التي كان يراها أو يتخيّلها هي جميعا نوع من الانفصام الذهني الذي يتوهّم صاحبه وجود أشخاص أو أصوات أو رؤية أشياء لا وجود لها تماما، إذا سلمنا بهذا الافتراض، أوليسَ الصحفيّ أيضا مصاب بانفصام ذهنيّ؟ وهو الذي توهّم وجود حكاية لا وجود لها، بل وتخيَّل حدوث جريمة والتحقيق فيها ونشر روبورتاج حولها؟؟ هذا واردٌ، وهو في الحقيقة منسجم تماما مع الاضطراب والاحتقان اللذين تعبر عنهما الرواية، ومع مشاهد العنف التي جعلتْ من الجزائريّ سجين عقد كثيرة تحوِّله في أية لحظةٍ إلى قنبلة موقوتة.

 

5.خلاصة: تحسس رأسك .. تحسس رأسك

"ثقوب زرقاء" رواية ذات خصوصية جزائرية بامتياز، فهي تعبِّر بصدقٍ عن باطن الإنسان الجزائري العامر بالتناقضاتِ، والممتلئ بجراحات غائرة لا يمكن تجاوزها بسهولة، ولا تزال تتمظهر بشكلٍ أو بآخر في كثير من السلوكات. لكنّها عبَّرتْ عن هذا بكثير من الجمالية، خاصة على مستوى الشكل، إذْ جعلتْ بناء الرواية مختلفا، وابتعدتْ تماما عن الزمن البيولوجيّ المتتابع، لتتخذ من الزمن النفسي الداخلي عصا للسرد، الزمنِ النفسي المناسب لحالة الشخصيات المضطربة، ولحالة الناس المختنقين بظروف اجتماعية قاهرة، حتى راح الكاتب يتناصّ مع صلاح عبد الصبور في قصيدته "الظلّ والصليب"، حين وصف حال الناس وقد أخذتْ بعض الرؤوس تنفجر من تلقاء نفسها قائلا:"بدأ الكثير من الناس يتحسس رأسه والرعب يكادُ يقتله وهو يتوقع أنْ ينفجر في أية لحظة".

هكذا كانتْ رواية "ثقوب زرقاء" للخيّر شوار، ممتلئة، محتقنة، متعِبة جدا جدا، فتحسس رأسك أيها القارئ حتى لا ينفجر...

 

شاعر وناقد جزائري

 

قصيدتان في رثاء الحَيوان (2-2)

khalidjawad shbaylنحن في زمن الرثاء، ومازال الدم مطلولا،،، وأمامي قصيدةُ رثاء تختلف عن سابقتها في الحلقة الأولى راثيا ومرثيا، فالراثي هو الشاعر أبو بكر الحسنُ بنُ علي بن أحمدَ بن بشّار بن زياد، المعروف بابنِ العلاّف الضريرِ النَّهرَواني، الشاعر المشهور، كان من الشعراء المُجيدين (1) والمرثي هو هرٌّ له! شاعرنا ذو منزلة مرموقة بين عِلية القوم، وكان ينادم الخليفة المعتضد بالله "وهو الأكول المقدم في الاكل في مجالس الؤساء والملوك" كما يؤكد ذلك ابن خلكان.

روى الخطيب البغدادي عن أبي بكرالعلاّف أنه كان ضمن ندمان المعتضد في سهرة، فانفض عن مجلس السمار، وعزّ عليه النوم فأرسل خادمه بورقة فيها بيت شعر من نظم المعتضد وقد أرُرتِج عليه تمامه (من الطويل):

ولما انتهينا للخيالِ الذي سَرى *** إذا الدارُ قَفْرٌ والمزارُ بعيدُ

مُؤمِلاً من أجازه بما يوافق المعنى بجائزة، فأُرتِجَ على الجماعة، وكلهم شاعر فاضل فابتدر ابن العلاف (من الطويل):

فقلتُ لعيني عاودي النومَ واهجعي *** لعل خيالا طارقاً سيعودُ

فاستحسنه المعتضدُ وأمر له بجائزة (2). سُقنا هذا للدلالة على شاعرية ابن العلاف وسرعة بديهته الشعرية.

وقبل أن أتوغل في القصيدة، كنت قد قرأت مقالة للناقد الراحل الأستاذ رجاء النقاش بعنوان:"شاعر يرثي قطة" وجاء في هذه المقالة ماهو غير منتَظَر من ناقد مرموق، حيث فيها أخطاء كبيرة سأتوقف عند أهمها تعميما للفائدة، بَدءً من العنوان الذي قد يحسه القاريء مجرد سهو ثم يتكرر عدة مرات حتى إذا بلغ مطلع القصيدة عدل عن "القطة" لتستحيل هراً، عندها يقول متخيرأ ب "أو" العاطفة والتي تفيد الإختيار كما هو آت: "أما قصيدة القطة أو الهر كما اختار الشاعر ابن العلاف أن يسميها. فهي قصيرة وطريفة حقا..."(3) سنرى أنها من المطلع وأول كلمة فيه "ياهر" الى المختتم تتكلم بصيغة المذكر المخاطب تصريحا وبصيغة الغائب  تصريحا ولا توجد رائحة أنثى!

ولا أدري كيف تسمى قصيدة قوامها (65) خمسة وستون بيتا(4) قصيرة بدلا من أن تسمى مطولة؟!! سنتجاوز عن كونها " طريفة حقا". وننتقل الى قوله: " يعيش (الشاعر ابن العلاف) في العصر العباسي، كان ضعيف البصر أو أعمى، توفي930م ولم أعثر على تاريخ ميلاده". وحيث أن المقالة خالية من المصادر فقد جاء كلام الأستاذ الراحل مرسلا ولم يكلف نفسه عناء التثبت من المعلومات من مصادر وافية غطت ترجمة ابن العلاف، نذكر منها الحموي في معجم الشعراء، وابن خلكان في وفياته والخطيب البغدادي في تاريخ بغداده وابن العماد الحنبلي في شذراته وابن شاكر الكتبي في فوات وفياته والصفدي في الوافي في وفياته وابن الجوزي في منتظمه والزركلي في أعلامه...ولا أريد ان أستغرق أكثر دفعا للملل، فكلها تؤكد أنه توفي سنة ثلاثمائة وثماني عشرة وقيل تسعة عشرة وعمره مائة سنة فتكون سنة ميلاده 218 ه(832م).

وفي موضع آخر من مقالة الاستاذ الكبير النقاش يرجح فيها أنه صاحب موشحة "أيها الساقي أليك المشتكى" وهذا تخليط ما بعده تخليط فجميع المصادر المعتبرة تؤكد أن هذه الموشحة لابن زهر الإشبيلي الطبيب الذائع والشاعر المبدع نظمها حين كان في مجلس وطرِب في مجلس سقاته الغلمان المُرد وراقصاته الفتيات الجميلات ، وحيث كان الغزل بالغلمان شائعا عصرئذ فكتب ابن زهر رائعته متغزلا بأحدهم.(5) كما أن الموشحات الأندلسية ولدت في الأندلس أواخر القرن الرابع الهجري في الأندلس أي بعد نحو من ثمانية عقود على وفاة شاعرنا ابن العلاف. أما القول بأن الهرَّ كان ترميزا لابن المعتز (861م-909م،247ه-296ه)(6) كما زُعِم "القصيدة تتضمن نقدا وعتابا للخليفة ابنِ المعتز، فقد اندفع الى طلب الخلافة وهي في يد غيره، ونال الخلافة بما يُشبه الانقلاب العسكري ...الخ"(7) فهو قول مردود تماما لسببين مهمين، أولهما تأريخي، حيث تفنده المصادر التأريخية فقد جاء رؤساء الأجناد بعبد الله ابن المعتز ونصبوه خليفة ليوم وليلة حيث استطاع أنصار المقتدر بالله أى يرجعوه الى الخلافة وسُلّم ابن المعتز الى المقتدر الذي قتله (8) حدث ذلك في سنة 296ه. والسبب الثاني تدحضه القصيدة نفسُها التي تمثل صورة صادقة للهر وسلوكه بما لا ينطبق مع واقعة مقتل ابن المعتز، كما أن لابن العلاف قصيدة أخرى في الهر(9) ما يثبت أن للهرّ منزلة كبيرة عند الشاعر، وسبب كل هذا التخليط هو أحتمال ضئيل أشار اليه الخطيب البغدادي وتناقله الأخرون من دون أن يرجحوا هذا الزعم بل كان التقليل ب "قد" مذكورا عند أغلب من ذكر الزعم.

وعودة الى قصيدة الشاعر ابن العلاف، فهي قصيدة في هِرِّهِ الذي يبدو أنه كان "عتويا" (10) بحق، طالما لوّع الجيران حين يسطو على أبراج الحمام فيفتك ما شاء له الفتك بفراخ الحمام، وكثر ذلك منه، حتى كمن له الجيران ذات مرة وأردَوْه ذبحاً ، ولما كان الهرُّ مؤنسا ورفيقا يبددُ على الشاعر خلوته وينقذ الدار من الجُرَد والأفاعي  واصبح فردا من العائلة بل بمنزلة الولد  وقد وصف الشاعر ابن العلاف على خصال الهر وصفاته باسهاب وانسيابية وبلغة سهلة ليس بها من معميات اللغة وشواردها ويُلاحظ أن العاطفة والألم  والحزن أفرغها الشاعر في الاستهلال  بالبيتين الأولين والباقي يذكر فيها فضائل الهرّ وسجاياه فلا يترك شاردة وواردة عن الهر إلا وأتى على ذكرها ثم ينتبه الى إسهابه فيذكر الألم وتتكرر هذه الحركات بما يشبه السمفونية الشعرية في القصيدة، التي جاءت على بحر المنسرح.

وبحر المنسرح من البحور السهله ولعل تسميته جاءت لسهولته (مُنسَرِحٌ فيه يُضرَب المَثُل= مستفعلن مفعولاتُ مُستعِلُ) استخدم في الشعر الجاهلي من قبل امريء القيس، وعنترة، وعمر بن كلثوم وزهير وطرفة وآخرين)، وهو يقترب من الرجز (مَطِّي الشعراء) فابن رشيق عن الجوهري يقول: فإن كل بيت مركب من مستفعلن فهو عنده من الرجز طال أو قصر وكل بيت مركب من فاعلن فهو من البسيط طال او قصر.(11) فهذا البحر من الناحية الصوتية خافت رتيب، لذاجاءت القصيدة منسابة كأن أبياتها انتظمت انتظامَ حبات المسبحة حجما وانسجاما .. ولهذا جاءت القصيدة أقلَّ عاطفة من قصيدة أبي الفرج ، كما أن الحزن والألم وحرارة الوصف عالية على بحر حار وهو الكامل، مع أن التراكيب البلاغية أغنى عند ابن الغلاّف بينا أن المفردات أثرى عند أبي الفرج ناهيك عن تتابع الصور الشعرية لدى الأخير، وهذه المقارنة لا تقلل من شأن قصيدة أبن العلاف فلنسمع (من المنسرح):

يا هرُّ فارقْتَنا ولم تعُدِ *** وكنتَ عندي بمنزل الولدِ

فكيف نَنْفكُّ عن هواك وقد *** كنت لنا عُدَّةَ العُـدَدِ

تطرد عنّا الاذى وتَحرسنا *** بالغيب من حَيَّةِ ومن جُرَدِ(12)

وتُخرِجُ الفأرَمن مَكامنها *** ما بينَ مفتوحها الى السُّدَدِ

يَلقاكَ في البيت منهمُ مددٌ *** وأنت تلقاهمُ بلا مدَدِ

لا ترهب الصيف عند هاجرَةٍ *** ولا تهابُ الشتاءَ في الجمَدِ

حتى اعتقدتَ الأذى لجيرتنا *** ولم تكن للأذى بمُعـتقِدِ

وحُمت حولَ الردى بظلمِهمُ *** ومن يحُمْ حول حوضه يرِدِ

الى أن يقول بلوعة بائنة حول الخوف عليه من الغدر به وهذا ما حصل:

وكان قلبي عليك مُرتعِداً *** وأنت تنسابُ غير مُرتَعِدِ

تدخل بُرج الحَمام متئداً *** وتبلَعُ الفرخَ غير مرَّئدِ

وتطرح الريش في الطريق لهم *** وتبلعُ اللحم بلعَ مُزدَرِدِ

كادوك دهراً فما وقعت وكم *** أفلتَّ من كيدهم ولم تَكِدِ

صادوك غيظاً عليك وانتَقموا *** منك وزادوا ومن يَصِدْ يُصّدِ

ويستمر بالتجنيس البلاغي الذي برع به أيما براعة وكذلك باسلوب رَدِ العَجْز على الصَّدْر كما هو في الأبيات الأربعة التالية وفي البيت الخامس فيصور تصويرا شعريا دقيقا حين خنُق الهرُّ- ذبح بعد الخنق- ونظرة التوسل في عينيه مسترحما قاتله القاسي، ثم وهو يجود بنفسه وهو المحب للحياة، إنها لميتةٌ فريدةٌ ثم يلي ذلك وصفٌ محايد، فقد جنى الهرُّ على نفسه نتيجة صنيع أعماله فلنستمع الى روعة الإداء الشعري:

فلم تزل للحَمام مُرتَصِداً *** حتى سُقيتَ الحِمام بالرصَدِ

لم يرحَموا صوتك الضعيف كما *** لم ترثِ منها لصوتِها الغَرِدِ

أذاقـك الموتَ ربُّـهُـنَّ كما *** أذقت أفراخه يـدا بِيَـدِ

كأنَّ حبلا حوى بجَوْدتِهِ *** جِيدك للخَنْقِ كان من مَسَدِ

كأن عيني تراك مُضطرباً *** فيه وفي فيكَ رغوةُ الزَّبَدِ

وقد طلبْتَ الخلاصَ منه فلم *** تَـٌقدِرْ على حيلةٍ ولم تَجِـدِ

فجدتَ بالنفسِ والبخيلُ بها *** أنت ومن لم يجد بها يجدِ

فما سمِعنا بمثل موتك إذْ(13) *** مُتَّ ولا مثل عيشك النكَدِ

ثم ينتقل الشاعر الى لوم الهرّ على دناءة نفسه وجشعه الذي أوقعه في شراك الهلاك، ويسخط على الطعام الذي يودي بصاحبه الى التهلكه وكأني بالهر يسمع ويفهم خطاب صاحبه حيا وميتا، ولكنك لا تُسمع الموتى..ويلاحظ على الشاعر حسن التخلص وحسن الختام كما في الأبيات المُتَخيَّرةِ ...

يامن لذيذُ الفراخ أوقعَهُ *** ويحك هلاَّ قنعتَ بالغُدّدِ؟

أردتَ أنْ تأكلَ الفِراخَ ولا *** يأكلُكَ الدَّهرُ أكلَ مضطهَدِ

لا بارَكَ الله في الطعام إذا *** كان هلاك النفوس في المِعَدِ

كم دَخَلتْ لقمةٌ حشا شَرِهٍ *** فأَخرجت روحَهُ من الْجسدِ

قد كنت في نعمةٍ وفي دِعَةٍ *** من العزيز المهيمن الصمدِ

وكنتَ بددتَ شملَهم زمناٍ *** فاجتمعوا بعد ذلك البَـدَدِ

فلم يُبَّـقّوا لنا على سَبدٍ *** في جوف أبياتنا ولا لَبَدِ

وفتتوا الخبز في السِلال فكم*** تفتَتْ للعيال من كَبِدِ

ومزَّقوا من ثيابنا جُدُداً *** فكلَّنا في المصائب الجدد

من لم يمُتْ يومه يمت غده *** أو لا يمت في غدِ فبعدَ غدِ(14)

حاولنا ان نقتصرَ من هذه المطوَّلة ذاتِ الخمسةِ والستين بيتا زبدتها، فهي من عيون الشعر العربي ومادتها من نوادره...

 

.....................

الهوامش:

1- ابن خَلِّكان "وفات الأعيان"2/90 ت172 منشورات بيضون بيروت1998.

2- الخطيب البغدادي "تاريخ بغداد" 2/380 دار الفكر، ومكتبة الخانجي القاهرة، بدون تاريخ.

3- النقاش، رجاء "شاعر يرثي قطة" الأهرام 14/8/2005.

4- ابن خلكان/ مصدر سابق،2/91 .

5- القريشي، د. رضا محسن "الموشحات العراقية" ص44-45 دار الحرية بغداد 1981.

6- الحموي، ياقوت "معجم الأدباء" 4/1519-1526 تحقيق د. إحسان عباس، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1993.

7- النقاش، رجاء/ مصدر سابق.

8- الخطيب البغدادي/ مصدر سابق 2/380.

9- مطلعها (من السريع): ياهر بعتَ الحقَ بالباطلِ *** وصرت لا تُصغي الى عاذلِ

10- ابن منظور لسان العرب، أو المعجم الوسيط، جذر: عتا يعتو عتوا: أي تجبر، والعتوي أغلب الظن منسوب بالياء الى العتو، حين يعتو على فراخ الجيران.

11- راجع أي كتاب عروضي كميزان الذهب لأحمد الهاشمي أو فن التقطيع الشعري والقافية للدكتورصفاء خلوصي، وسلسلة المقالات الرصينة في العروض والقافية للأستاذ كريم مرزة الأسدي في عدة مواقع.

12- كناية عمّا جرد عنه الشعر أو الريش من الحيوان (راجع المعاجم).

13- ورد في الوفيات (إذا) وفات المحققين د. يوسف علي طويل، و د. مريم قاسم طويل، أن البيت يختل عروضياً، والصحيح هو كما ثبتُّه حيث يستقيم ليكون مطويَّ العَروض:

متفعلن/مَفعُلاتُ/ مستعِلن/ على التوالي: مخبونة/ مطوية/مطوية/. الوفيات 2/93 مصجر سابق.

ا14- البيت الأخير غير موجود في الوفيات حيث تخير الحموي ما شاء له أن يتخير من القصيدة (43) بيتا من اصل (65)بيتا.

 

الفن الاسود

khadom shamhodجاء في لسان العرب: اذا كثر البياض قل السواد. وهنا يأخذ الشئ مفهوما معنويا، فالبياض يقصد به اللبن والسواد هو التمر. والسودانية او السويدا: هو طائر من الطيور .. واللون الاسود لا وجود له في الطبيعة كما ان اللون الابيض هو لون حسب المفهوم الحسي لادراك الالوان وهو في الحقيقة مجموعة كافة الالوان في الطيف المرئي .

ويؤكد علماء الضوئيات والفيزياء ان الكرة الارضية وما عليها، في حركة مستمرة في التغير والتبديل من ناحية الالوان لخضوعها الى الضوء الشمسي . فلو وضعت قطعة ما امام ضوء الشمس لوجدت ان الالوان الساقطة على القطعة تتغير في كل لحظة . فترى القطعة مختلفة الالوان بين الحين والآخر .. وهذا ما التفت اليه الانطباعيون 1870 في رسومهم حيث كان مونيه يقضي معظم اوقاته في رسم البركة المائية ويكرر ذلك الرسم في اوقات مختلفة ..

 

في الادب:

هل هناك فن اسود؟؟ نعم يوجد فن اسود . في الفن والادب والتاريخ وغيرها .. ونقصد هنا بالاسود هو المفهوم المعنوي وحسب التأويل . مثلا في الادب انتشرت الرواية السوداء في نهاية القرن التاسع عشر. وبدأ فيها الكاتب الروائي الامريكي ادغار الآن بو -Adgar Allan Poe 1809 – ثم جاء من بعده Carrol John 1889  وSomuel Dashiell 1894 وغيرهم .. والرواية السوداء تعد نمطا من انماط روايات الجريمة وهي الروايات البوليسية كرواية - المخبر السري .. وفي عام 2010 اقيم في مدينة خيخون الاسبانية مهرجانا عالميا للرواية البوليسية او السوداء اشترك فيها اكثر من 143 كاتبا وروائيا متخصصا في هذا الصنف من الادب الغريب ..

كما يعد البعض ان المجموعة الشعرية - ازهار السوء – لبودلير 1841 هي من الاعمال السوداوية. وان افلام الافريد هتشكوك 1899 تعد من الافلام السوداوية حيث يسودها الرعب والخوف والقلق وعادة ما تدور حول تتبع خيوط الجريمة ..

 

في التشكيل:

اما في مجال الفن التشكيلي فيمكن اعتبار بعض اعمال بوش 1450 El Bosco اعمال سوداوية تشائمية حيث نراه يرسم المعذبين والمذنبين والشياطين بطريقة سريالية اذهلت العالم في ذلك الزمن واعدوه مجنونا او له صلة بالجن . واليوم ظهرت المدرسة السريالية من جديد على يد الفنان الاسباني سلبادور دالي امتدادا لذلك التاريخ ولكنها بثوب معاصر وتأثير علم النفس الحديث ..

 وكان غويا Goya 1746  الاسباني قد رسم مجموعة من اللوحات اطلق عليها اللوحات السوداء pintura negra  ويصل عددها الى 14 لوحة ويعتبرها البعض من عيون الفن التشكيلي الاوربي . وتعكس هذه الصور الوضع النفسي المظطرب الذي كان يعيشه غويا بعدما اصيب بالطرش. ثم مثوله اما م محاكم التفتيش بتهمة التهكم والسخرية من الكنيسة والتقاليد ..

260-khadom

 ومن اشهر هذه الاعمال هي اب يلتهم ابنه Saturno devora a su hijo  وهي اسطورة رومانية تقول ان الاب ساتورنو  تنبأ بان احد اولاده سيقتله لهذا فقد سبق الحدث واكل ابنه ..

في سنة 1799 نشر غويا مجموعة - النزوات –Los Caprichos، وهي اعمال استثنائية ليس لها سابقة في التراث الاسباني الفني . كما ليس لها مثيل في تاريخ الفن قاطبة  وهي عبارة عن مجموعة من الحفريات على المعادن (كرافيك) حفرت بطريقة الابرة والرسينة (نوع من الغبار اللاصق او البستكي) واستخدام الحامض الحارق ..،، انها عالم بأسره نظر اليه خلال منظار متشائم اسود. وكانت هذه الاعمال الحفرية قد اتخذت طابع الهزل والسخرية . وقد بدت فيها مخلوقات هي خليط من البشر والوحوش ومناظر تمثل ضراوات وخبائث وحماقات ذلك المخلوق الذي اسمه الانسان، والذي يبدأ حياته مفعما بالامل وينهيها وقد حطمته الرزايا والنكبات .. وقد هاجمت النزوات مظاهر الحياة الاجتماعية المتخلفة بقسوة وشدة .. استغلال الغني للفقير واستغلال الدين لاغراض شخصية وسلطوية – كما هو الحال في معظم بلداننا العربية مع الاسف ..

في التاريخ:

(فنحن منذ ان توفى الرسول

سائرون في جنازة ..

و نحن منذ مصرع الحسين

سائرون في جنازة ..

ونحن يوم تخاصمنا

على البلدان ..

و النسوان ..

و الغلمان ..

في غرناطة .

موتى ولكن ما لهم جنازة !!

لا تثقي بما يروي التاريخ يا صديقتي "

فنصفه هلوسة ...

و نصفه خطابة . / - نزار قباني – /

 

هل هناك تاريخ اسود؟؟؟ وهل ان المؤرخين العرب والمسلمين انصفوا في كتابة التاريخ؟؟؟؟ ووضعوا كل شئ في مكانه ؟؟ .. كالطبري وابن مسعود وابن كثير واليعقوبي وغيرهم .. نحن اليوم نعيش تاريخ اسود .. رويات ظلامية واحاديث هلوسية كتبها الاشرار وتطبق عندنا اليوم بالقوة .. كلنا يعلم بالعصور الوسطى الاوربية المظلمة وما جرى فيها من استغلال الكنيسة للدين . فكانت تبيع قطع في الجنة وتأخذ اموال الفقراء (صكوك الغفران) .. في صحيح البخاري حديث يقول ان الصحابي (...) اشترى الجنة مرتين مرة في حفر بئر الرومي واخرى في حملة العسرة .. كما جاء في الصحيح حديث (اطيعوا الحاكم ولو كان ظالما)- .. ويروي كتاب الاغاني لابو فرج الاصفهاني، ان سكينة بنت الحسين –ع- لها مجلس مع الشعراء وانها تتجمل وتجلس مع الندماء وان تسريحة شعرها اصبحت موضة في عصرها .. هذا هو تاريخنا الهلوسي . اما آن الاوان لمراجعة هذا التاريخ الاسود  المريض وتصحيحه لمصلحة وسلامة البشرية من الظلامية والتكفيرية؟ ام ان ذلك ليس من مصلحة الحكام واسيادهم ...؟؟

 

محمد أنقار رائـــد مشروع الصـــورة الروائية في الوطن العربي

jamil hamdaouiالمقدمة: يعد الباحث المغربي الدكتور محمد أنقار سباقا إلى رسم معالم الصورة الروائية أو بلاغة الصورة السردية أو البلاغة النوعية على المستوى العربي، والدليل على ذلك كتابه القيم  (صورة المغرب في الرواية الإسبانية)1، وقد أتبعه الدارس أيضا بكتاب آخر يندرج ضمن التصور البلاغي نفسه هو (ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية (نقطة النور) لبهاء طاهر)2 . وقد ساهم محمد أنقار، بكتاباته القيمة، وندواته النيرة، ودروسه الهادفة والبناءة، وإشرافه على كثير من الرسائل والأطروحات الجامعية، في تأسيس حلقة تطوان في مجال الصورة الروائية، وقد تبعه في ذلك مريده الدكتور محمد مشبال الذي يشرف، إلى يومنا هذا، على تأطير هذه الحلقة وتسييرها تكوينا وتوجيها وتدريسا. إذاً، ما أهم التصورات النظرية والتطبيقية التي يطرحها محمد أنقار في كتابه (صورة المغرب في الرواية الإسبانية)؟ وإلى أي مدى يعتبر معيار الصورة الروائية مشروعا نقديا عربيا جديدا؟ هذا ما سوف نرصده في النقط التالية:

 

التصــور النظـــري والمنهجــي:

يتأسس مشروع محمد أنقار النقدي على معيار الصورة الروائية الذي يتكئ، بطبيعة الحال، على عدة حقول معرفية، مثل: البلاغة، والنقد، والفلسفة، والتشكيل، والسينما، والفوتوغرافيا، والعمارة...بيد أن الصورة التي يتناولها محمد أنقار هي صورة سردية، وليست صورة شعرية أو أية صورة أخرى. بمعنى أن أنقار يؤسس دعائم البلاغة السردية أو البلاغة النوعية. ومن ثم، تصبح الصورة لديه موسعة تشمل ما تعارفت عليه البلاغة الكلاسيكية من صور مجازية ومحسنات، وما تنتجه النصوص السردية من صور داخلية خاصة بها،  انطلاقا من مكوناتها التجنيسية  الثابتة، وسماتها النوعية المتغيرة التي تحضر وتغيب. علاوة على هذا، فالصورة الروائية أو السردية التي قد تحضر في الرواية أو القصة القصيرة أو القصة القصيرة جدا أو الحكاية أو النادرة .. ليست صورة حسية فقط، بل هي صورة تخييلية إبداعية إنسانية، تتجاوز الواقع إلى عوالم خارقة محتملة وممكنة، تتشكل عبر التصوير والنسيج اللغوي والفني والجمالي والمتخيل الإنساني.

وعلى الرغم من ذلك، يمتلك محمد أنقار معرفة خلفية واسعة في مجال الصورة، حيث يحيل عليها مرات ومرات في دراساته النظرية وأبحاثه التطبيقية متنا وهامشا. ومن ثم،  فقد استوعب، بشكل جيد، ما كتب عن  الصورة في مجال الأدب والسينما والمسرح والتشكيل والفوتوغرافيا والأدب المقارن. وفي هذا النطاق، يقول محمد أنقار:" من الواضح أن «الصورة» منذ العهود البشرية الأولى إلى يومنا هذا كانت ولا تزال بمنزلة الأداة أو المبدأ أو المفهوم أو الوسيلة أو المعيار النقدي أو البلاغي أو حتى التواصلي، وأن هذا التاريخ الطويل الحافل يقتضي منطقيا أن يكون هناك تجديد على مستويات التصور والفهم والتناول. لذلك يمكننا أن نتحدث اليوم عن صيغ جمالية جديدة نتعامل بها مع مختلف أنماط الصور بما فيها الصور الأدبية. بيد أن هذه الجدة لا تعني على الإطلاق أية قطيعة مع طرائق التناول السالفة ومع الحساسيات الجمالية مختلف العصور. وفي بعض الأحيان، يخطر لي خاطر يقول لي إن الصورة ليست مجرد حلية بلاغية، وإنما هي وسيلة تواصلية إنسانية نسخرها يوميا في حياتنا المعيشة، ونستغلها في شؤون تفكيرنا،وكتاباتنا، وأحلامنا، وكوابسنا. وفي ضوء هذا الخاطر التداولي أحدس أن الصورة قد تنوب عن البلاغة برمتها، أو عن مجموع ألوان التوشية التعبيرية، أو أن تغدو بابا من أبواب البلاغة الرئيسية. إلا أنني سرعان ما أعود إلى تلك البديهية التي ترى أن التفكير الجمالي يجب أن ينصب أساسا ليس على التسميات والفروق (النقد، البلاغة، التحليل، الصورة...)، وإنما على ماهيات كل تلك المداخل. ومن هنا، يمكن أن نقف على بعض مظاهر الجدة.

إذن، من المحتمل أن تكون هناك حساسية جمالية جديدة في مجال معالجة الصور، إلا أن هذه الحساسية ليست جديدة بالمفهوم القطعي أو أنها مؤسسة على فراغ.3 "

هذا، ويستند تحليل الصورة السردية بصفة عامة، والصورة الروائية بصفة خاصة، إلى مجموعة من العناصر المنهجية التي تتمثل في السياق النصي، والمستوى الذهني، وقواعد الجنس، والطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية. ويستوجب هذا ربط الصورة السردية بسياقها النصي والذهني. فقد كانت البلاغة التقليدية تدرس الصور الشعرية بمعزل عن سياقها النصي والتداولي، فكانت تتعامل معها على أنها جمل وعبارات وأمثلة وأبيات شعرية لاتمت بصلة إلى إطارها النصي والإبداعي. بيد أن بلاغة الصورة السردية تتعامل مع الصور الروائية أو القصصية في سياقها النصي والذهني والكلي. علاوة على ذلك، فحضور المتلقي ضروري في تأويل الصورة والتفاعل معها؛ لأن الصورة تحتاج إلى من يملأ فراغاتها وبياضاتها. بله عن ربط الصورة بالجنس أو النوع الذي تنتمي إليه، واستجلاء طاقتها اللغوية والبلاغية. وفي هذا الصدد، يقول أستاذي محمد أنقار:" من الممكن مقاربة أبرز حدود الصورة الروائية ضمن ما يصطلح على تسميته بالتصوير اللغوي.والحقيقة أن كل تعبير لغوي هو في جوهره تصوير باللغة. والأديب إذ يعبر بالكتابة فإنه يخضع هذا الإطلاق العريض إلى قوانين تداولية يقتضيها الفن الأدبي.وحتى في هذه الوضعية لايختفي الإطلاق نهائيا، لأن الأدب، بحكم طبيعته الإنسانية ليس كتلا مشكلة في صيغ ثابتة.

وللتخفيف من غلواء هذا الإطلاق يصبح من اللازم إخراج الصورة اللغوية من مستواها النحوي إلى سياقها النصي. ولايمكن لهذه الخطوة أن تتحقق إلا بفعل القراءة، أو بوجود متلق قادر على الارتقاء بالصورة من خطها اللغوي إلى الحقل الذهني، بحيث يغدو من غير المنطق بتاتا قبول ادعاء "أولمان" (Ulmann) القائل بضرورة تجاوز الصورة الذهنية في مقام بلاغة التصوير.

ومتى تحققت هذه الخطوة، لزم النزول، نقديا درجة أخرى للتموضع في مستوى جنس أدبي بعينه، بهدف استنباط الشروط التقريبية المتحكمة في صيغ التعبير اللغوي. أي: الصيغ التصويرية. وفي حالة الرواية مثلا، تذعن العبارة اللغوية أولا لماهية الحكي أو السرد من حيث الانطلاق والتوالي والتسلسل والترابط والامتداد، ثم للمكونات النصية. ثانيا، بما فيها من توتر وإيقاع وتكثيف ودينامية، على أساس أن تدخل في وشيج مندغم- في مرحلة ثالثة – مع باقي مكونات الحكي من شخصيات ومشاهد ووقائع وفضاء وتشويق وحوافز.

والحقيقة أن الكشف عن هذا التآصر لايكفي وحده لتحديد ماهية التصوير اللغوي في الرواية، بل يستلزم في مرتبة رابعة استحضار جميع الوظائف التي يمكن أن تقوم بها اللغة من حيث هي لغة، من تنظيم وتجسيم وتشخيص وتلوين وتنغيم وتمثيل، قبل استدعاء الطاقات البلاغية التداولية، أو ما يعرف بالصور البلاغية.".4

ومنهجيا، تتميز البلاغة السردية عن الأسلوبية التي تدرس الصورة في ضوء بلاغة الشعر أو في ضوء معطيات اللسانيات والإحصاء وعلم النفس وعلم الاجتماع، فهي لا تدرس الصور السردية في ارتباطها بالنوع الأدبي أو ضمن سياقها النصي والذهني والجنسي، بل تدرس الصور، مهما كانت طبيعتها، بمقاييس الشعر، وهذا ما كانت تفعله الشعرية (Poétique) أيضا في دراستها للخطابات الأدبية والإبداعية مع رومان جاكبسون(R.Jakobson)، وميشال ريفاتير(M.Rifaterre)، وهنري ميشونيك (H.Meshonic)،  وجماعة مو )  µ  Groupe ) ....

ومن المعلوم، أن الاهتمام بالصورة الشعرية قد بدأ مع أرسطو، وامتد زمنيا عبر دراسات الفلاسفة والبلاغيين العرب والغربيين، ونشطت كذلك مع الأسلوبية في مختلف اتجاهاتها وتياراتها. بيد أن الصورة الشعرية مافتئت تحظى بمكانة كبرى في دراسة النصوص. في حين، أغفل النقد الأدبي والأسلوبية معا دراسة الصور في النصوص السردية، حتى وإن كانت تهتم بها، بشكل من الأشكال، فإنها تدرسها في ضوء مقاييس البلاغة الشعرية، ولم تتمثل في ذلك معايير البلاغة النوعية، من خلال استنطاق النصوص السردية داخليا، واستكشاف صورها التخييلية والجمالية، ورصد متخيلاتها الإنسانية. وهذا ما قام به - فعلا- الدكتور محمد أنقار في مشروعه النقدي الجديد. 

وثمة صعوبة ملحوظة في تعريف الصورة الروائية، إذ يمكن تعريفها على أنها نقيض لكل من الصورة الشعرية والصورة التشكيلية والصورة الفنية الدرامية والسينمائية. ومن ثم، فالصورة الروائية هي صورة لغوية تخييلية وإبداعية وإنسانية، تتشكل في رحم السرد، وتتفاعل مع مجموعة من المكونات التي تشكل الحبكة السردية. ومن ثم، يمكن الحديث عن صورة الموضوع، وصورة اللغة، وصورة الفضاء، وصورة الشخصية، وصورة الراوي، وصورة الإيقاع، وصورة الامتداد، وصورة التوتر، وغيرها من الصور السردية التي تستنبط من داخل النص السردي. وفي هذا السياق، يقول أنقار:" في الحقيقة، ليست الصورة تكوينا متحققا خارج بنية النص ومكوناته، بما فيه البنية الذهنية، بل هي وجود ممتزج عضويا بالفقرة والمشهد والمقطوعة والحوار والحوادث والفضاء والشخصية والموضوع، وكذا بالانطباعين الذهني والنفسي اللذين يثيرهما ذلك المجموع في المتلقي.

والصورة دينامية بطبعها، ومساهمة في ضمان دينامية النص الروائي.كما أنها توتر وامتداد وتفاعل بين مختلف أنماط الصور الكثيفة والمباشرة والجزئية والكلية. وهذا الطابع التكويني الداخلي لا يلغي قيام جدل وتعارض بين الصورة وماهو خارجي عنها، عندما تنخرط في لعبة تداولية غير متكافئة مع الخير والواقع والتاريخ.

كل هذه المعطيات تثبت أن الصورة الروائية ليست اعتباطية، بل خاضعة لمنطق يتحكم بدقة في مظاهر ترابط المكونات.وبذلك، تتشكل، مثلما تتشكل أية صورة فنية، في نسق يصبح هو كونها ونسغ وجودها، ويغدو أي نقل أو تحوير أو فحص للصورة، بعيدا عن نسق التشكل، هدرا لكنهها."5 

ومن ثم، تتحدد وظائف الصورة الروائية من خلال جنسها ونوعها الأدبي. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى ترابط الصورة الروائية بسياقها الجنسي والنوعي والذهني. ولايمكن بأي حال من الأحوال أن تكون الصورة الشعرية أفضل من الصورة الروائية، بدليل أن الصورة السردية جافة وتقريرية ومباشرة، فكل صورة لها جماليتها الخاصة، ولايمكن أن نفضل واحدة على الأخرى . وفي هذا النطاق، يقول أنقار:" توهم البعض أن "المباشرة" هي صفة سلبية ملازمة لطبيعة السرد. وأن اللفظة في التصوير السردي باردة جافة حائلة اللون لا تشدنا على غير المتوقع ولا تخطف الأبصار.ونرى أنه من المشكوك فيه احتمال صفة المباشرة في الأدب برمته مهما تباينت أجناسه.لأن كل مرتبة أدبية تقتضي تسخير درجة بلاغية ما. ونعتقد أن توهم دونية السرد وإسفافه التعبيري وواقعيته السطحية في مقابل فيض الشعر، هو الذي ساهم في عرقلة بروز الصورة الروائية من حيث هي إشكال نقدي.6 "

وبعد ذلك، ينتقل محمد أنقار إلى استعراض مجموعة من الصور الروائية، مثل: صورة الموضوع التي تتداخل، في كثير من الأحيان، مع الصورة الروائية. ويعني هذا أن الموضوع الدلالي قد يتخذ شكل صورة، كأن نقول صورة الشرقي في الرواية الغربية، أو صورة الإنسان العربي في الأدب الصهيوني، أو صورة المغربي في الرواية الإسبانية. وغالبا ما تتحول هذه الموضوعات إلى صور سردية، سيما في كتابات الأدب المقارن أو دراسات(الصورلوجيا).

ويمكن الحديث أيضا عن صورة التوتر  الناتجة عن الدرامية وشدة شحنة الصراع، وقد تترتب على الارتباطات السلبية بين الظواهر الأدبية والفنية والجمالية داخل النص التخييلي الإبداعي. كما يمكن الإشارة  إلى صورة الإيقاع التي تتشكل في النصوص السردية الشاعرية التي يتقاطع فيها السردي والشعري، وصورة التكثيف التي تحضر في السرود الشعرية أو النفسية الخالية من التتابع الزمني والترابط السببي والمنطقي. وهناك أيضا صورة الفضاء التي تتشكل من الزمان والمكان معا ضمن ما يسمى بالكرونوطوب (Chronotope) حسب ميخائيل باختين (M.Bakhtine)  .

 ومن جهة أخرى، يمكن استجلاء صورة الشخصية الإنسانية في ضوء سياقها النصي، بعيدا عن الإسقاطات المرجعية والإيديولوجية،  وترتبط هذه الصورة - جدليا- بصورة الفضاء والحدث. ويعني هذا ضرورة ربط الشخصية بصورة الإنسان.

علاوة على ذلك، تعرف الصورة الروائية امتدادا على مستوى الأحداث والتحبيك والتخطيب. وبالتالي، لا تتحقق جمالية الصورة الجزئية إلا في تفاعلها مع الصورة الكلية. وبذلك، قد تكون الرواية كلها استعارة أو كناية سردية كبرى. كما تخضع الصورة الروائية للتقويم، فقد تكون صورة متوازنة أو صورة مختلة،  والآتي، أن المتلقي هو الذي يمارس هذا التقويم حين تفاعله القرائي مع النص تلقيا وتقبلا وتأويلا. وغالبا ما تعج الروايات الاستعمارية بصور مختلة، حينما  تقدم الإنسان العربي في وضعيات مشينة وممقوتة، وتستعرضه في مشاهد كاريكاتورية ساخرة، كما هو شأن صورة الإنسان المغربي في الروايات الإسبانية في فترة الحماية على المغرب (1912-1956م). وفي هذا السياق، يقول محمد أنقار:" إن «الاختلال» الذي عالجته يخص بالدرجة الأولى النوع الروائي المعروف بـ "الرواية الاستعمارية". ففي هذا النوع يكون «الاختلال» سمة تكوينية في معظم نصوصه الروائية حيث يأبى الروائي إلا أن يضحي بأصول الفن، وجلال الحقيقة الإنسانية في سبيل تلبية نداء الأطروحة الاستعمارية. وبذلك يتجلى "الاختلال» لكل ناقد أو بلاغي محايد، ويغدو من الممكن إثبات ذلك «الاختلال" بالحجج الأسلوبية المتناقضة، أو الزائفة، أو المرتبكة جماليا.

أما فيما يخص الأنواع الروائية الأخرى غير الاستعمارية، فلا أرى أن «الاختلال» يجب أن يكون مقوما من مقوماتها. وبهذا المفهوم لا أظن أن معظم روايات بروست وتولستوي وكونديرا تتسم باختلال من هذا القبيل. صحيح أنه من الممكن أن نعثر لدى هؤلاء ولدى غيرهم من الروائيين على أخطاء أو هفوات جمالية، وعلى الرغم من ذلك يبقى الإقناع الجمالي حاضرا في إبداعهم بقوة مهيمنة. كل ذلك يعنى أن "الاختلال» الجمالي أو الأسلوبي هو حالة ملازمة لكل إبداع روائي، تتيح للروايات الاستعمارية (ويمكن أن نضيف إليها كثيرا من الروايات التاريخية والجنسية) فرصا عدة لمعاينة الاختلال بصورة ملموسة.

ثم لا تنس أني عنونت الباب الأخير [من الكتاب] بـ «نحو صورة متوازنة» من غير أن أقول «صورة متوازنة» مراعيا بذلك «طغيان «الخلل الجمالي» على معظم الروايات الاستعمارية المكتوبة عن المغرب. في حين، يظل «التوازن» أملا جماليا لم يتحقق للأسف في تلك الروايات المكتوبة باللغة الإسبانية7. "

وعلى العموم، يندرج عمل الباحث ضمن الأدب المقارن؛ لأنه يدرس صورة المغربي في الروايات الإسبانية في ضوء معيار الصورة الروائية الأدبية، ولا يدرس الصور المقارنة في ضوء الأبعاد السياسية والمرجعية والفلسفية والإيديولوجية، كما كان سائدا بكثرة في الأدب المقارن الكلاسيكي والحديث. ومن ثم، فهذا الكتاب فتح جديد في حقل الأدب المقارن؛ لأنه يزود الدارسين بمنهجية جديدة في دراسة الصورة، من خلال استبدال الصور المرجعية المقارنة بصور سردية  فنية وجمالية .

 

تأسيس حلقـــة تطــــوان:

أسس محمد أنقار حلقة أدبية ونقدية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة عبد الملك السعدي بمدينة تطوان، تسمى بحلقة الصورة الروائية. بمعنى أن هذه الصورة قد حلت محل البلاغة بالمفهوم التقليدي. كما وسع الباحث الصورة السردية لتشمل الصور الشعرية وغير الشعرية التي تحضر في النصوص الأدبية، خاصة الروائية والقصصية منها. ومن ثم، فالهدف من هذه البلاغة النوعية هو رصد مكونات النص التخييلي، وتحديد سماته الفنية والجمالية، وتقييم الصور من حيث توازنها واختلالها، وتصنيف الصور وتنميطها وتجنسيها حسب ثوابتها ومتغيراتها التجنيسية، مع تحليل الصور السردية أجناسيا ولغويا وبلاغيا وسياقيا وتلقيا.

هذا،  وقد أشرف محمد أنقار على عدة رسائل وأطروحات جامعية تصب جلها في مبحث الصورة السردية أو الصورة الروائية، كما هو حال (الصورة الروائية) لمصطفى الورياغلي، و(استبداد الصورة - شاعرية الرواية العربية) لعبد الرحيم الإدريسي، و(صورة المثقف في الرواية المغربية بين السبعينيات والتسعينيات) لإكرام بن يعيش، و(سمة التصوف في القصة المغربية القصيرة)  لخالد أقلعي، و(سمات التصوير الصوفي في كتاب (الإشارات الإلهية) لأبي حيان التوحيدي) لمحمد المسعودي، و(المناقب المغربية بين التصنيف والتجنيس) لمحمد العمري، و(تشغيل مصطلح الصورة في كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ) لمحمد العناز...

كما خلف محمد أنقار وراءه مجموعة من المريدين تتلمذوا على يديه مباشرة  أو غير مباشرة، وهم مازالوا يتمثلون معيار الصورة الروائية في أعمالهم النقدية ودراساتهم الأدبية، مثل: محمد مشبال، وشرف الدين ماجدولين، وجميل حمداوي، وشعيب حليفي، والبشير البقالي،...

 

جدة المشروع النقـدي:

بكل صراحة، يعد تنظير الدكتور محمد أنقار للصورة الروائية مشروعا نقديا جديدا في الوطن العربي، فقد ظهر هذا التصور المتميز في سنوات التسعين من القرن الماضي إن تنظيرا وإن تطبيقا. ومازالت شعلة هذا المشروع تتوهج تطورا ونموا ورقيا واستكمالا مع مجموعة من طلبة حلقة تطوان النابهين.

وتتمثل جدة هذا المشروع في تأسيس بلاغة جديدة تسمى بالصورة الروائية أو بلاغة الصورة السردية أو البلاغة النوعية، وقلما انتبه الدارسون العرب إلى هذه الصورة، حتى في الثقافة الغربية؛ لأن السائد في دراسة الصور في النصوص الإبداعية الشعرية أو السردية أو القصصية أو الروائية  هو تطبيق مقاييس الصورة الشعرية، كما يتبين لنا ذلك بوضوح في الدراسات البلاغية الكلاسيكية والدراسات الأسلوبية أو الدراسات الشعرية أو الدراسات السيميائية.

ومن جهة أخرى، فقد نبه محمد أنقار النقاد والدارسين، في مجال النقد الأدبي، إلى أهمية الصورة السردية في تحليل النصوص والخطابات الإبداعية والتخييلية، بعد أن قيد هؤلاء أنفسهم بمناهج مرجعية وإيديولوجية أو بمقاييس نقدية صارمة في إطار البنيوية أو السيميائيات. ويعني هذا أنه من الضروري أن ينصت النقاد إلى الصور السردية الثاوية في أعماق الكتابة السردية، فيحللونها في ضوء منهجية بلاغية متكاملة الأوصال، تعتمد على قراءة الصور الكلية والجزئية في تفاعل تام أفقيا وعموديا، اعتمادا على مجموعة من المفاهيم، مثل: قواعد الجنس، والطاقة اللغوية، والطاقة البلاغية، والسياق النصي، والسياق الذهني، بحثا عن مكونات النص الثابتة من جهة، وتبيان سماته المتغيرة التي تحضر وتغيب من جهة أخرى.

كما يعد مشروع محمد أنقار فتحا جديدا في الأدب المقارن الذي طغت عليه الدراسات التاريخية والنفسية والاجتماعية والفلسفية أثناء مقارنة صور المثاقفة أو صور علاقة الأنا بالآخر. بمعنى أن دراسة الصور في مجال الأدب المقارن كانت ذات طبيعة مرجعية وإيديولوجية، ولم تكن دراسة فنية وجمالية وأدبية بمعناها الحقيقي، تستقري الصور السردية في سياقها النصي والذهني والتداولي، بل كانت ترصد الصور في أبعادها الصورلوجية (imagologie)) ليس إلا.

 

الخاتمـــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن محمد أنقار رائد الصورة الروائية ومنظرها في الوطن العربي بلا منازع. كما يعد المؤسس الحقيقي لحلقة تطوان في مجال الصورة الروائية وبلاغة الصورة السردية. وما يزال مشروعه النقدي المتميز، على الصعيد العربي، يشع توهجا وانتشارا وامتدادا لافتا للانتباه، من خلال مجموعة من الدراسات والمقالات والندوات والرسائل والأطروحات الجامعية التي تتكاثر من سنة إلى أخرى.

ويكفي الدكتور محمد أنقار فخرا أنه جدد النقد العربي المعاصر على مستوى الآليات والمفاهيم والتصورات من جهة، وجدد منهجية الأدب المقارن في تعامله مع الصور من جهة أخرى، حينما أرسى دعائم مشروع نقدي جديد ومتميز هو مشروع الصورة الروائية، أو ما يسمى كذلك بنظرية البلاغة السردية التي أصبحت لها منهجيتها التطبيقية الخاصة بها، وتتفرد كذلك بأدواتها التحليلية والاصطلاحية التي تميزها عن باقي البلاغات المعروفة الأخرى.

 

...............

1 - د. محمد أنقار: صورة المغرب في الرواية الإسبانية، مكتبة الإدرسي بتطوان، الطبعة الأولى سنة 1994م.

2 - د. محمد أنقار: ظمأ الروح أو بلاغة السمات في رواية(نقطة النور) لبهاء طاهر، منشورات مرايا بطنجة، الطبعة الأولى سنة 2007م.

3-   (الأديب المغربي محمد أنقار)، حوار، جريدة بيان اليوم، المغرب، العدد، السنة

http://bayanealyaoume.press.ma

4 - د. محمد أنقار: صورة المغرب في الرواية الإسبانية، ص:16.

5 - د. محمد أنقار: نفسه، ص:16.

6- د. محمد أنقار: نفسه، ص:23.

7 - انظر: (الأديب المغربي محمد أنقار)، حوار، جريدة بيان اليوم، المغرب،  http://bayanealyaoume.press.ma

 

قصيدتا المقدسي والحديثي في الحسين والدلات المعمقة

abdulelah alsauqإشارة مهمة: الهم المركزي لهذه المقالة يتمحور حول الهاجس الوطني العراقي بحيث ان قضية الحسين استطاعت توحيد العراقيين على قضية دينية في ظاهرها وطنية في باطنها حضارية في شموليتها.

 

المقالة

 يقينا ان مأساة الحسين رغم ماقيل ويقال فيها وعنها تكوين قيمي مبدئي يمكن النظر اليها من زوايا التقاط متعددة ومختلفة بما يمثل وجهة نظر كل ملتقط ويؤثل مساحة وعيه وعمقها، ونحن اذ نتكلم عن قضية الحسين انما نتكلم عنها كقضية كونية قبل ان نتكلم عنها كقضية طقوسية شكلانية تخص طائفة محددة من اصحاب الحسين، فدائماً ثمة اتساعات في اية قضية تكون على حساب العمق، والعمق في الحسابات المبدئية يتفوق على سعة المساحة مهما بولغ فيها، ولقد تبارى المفكرون بمختلف انتماءاتهم في قراءة قضية الحسين عمقاً واتساعا، ولك ان تنظر الى مشارب واهواء من كتب عن الحسين الشهيد ع بحميمية عالية، فثمة مثلا قصيدة محمد مهدي الجواهري فداء لمثواك من مضجع كتبها متبتلا متفجعا رغم كونه علمانيا، وقصيدة الشاعر اليهودي العراقي التقدمي مير بصري آمنت بالحسين وقصيدة الشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد قدمت وعفوك عن مقدمي، وسنتوقف عند شاعرين معاصرين تربطني بهما وشائج متينة وهما الشاعر العراقي المسيحي خالد المقدسي والشاعر العراقي الانباري عمر الحديثي لان القصيدتين غير منشورتين وهما من ارشيفي .

 

خالد المقدسي

وكان الشاعر المسيحي الكبير المغفور له الاستاذ خالد المقدسي قد اعتاد تحية الحسين في شهر محرم بالنثر وبالشعر، وحين يستكثر الجاهلون عليه ذلك يجيب المقدسي ان الحسين شخصية كونية بعامة وقد تربينا في العراق على تمثل قيم المبدأ عند الحسين، اما بالنسبة لي فقضية الحسين قضية شخصية لانني اعتد الحسين نموذجي الراقي الذي افخر به وازهو،إ. هـ . ففي واحدة من قصائد خالد المقدسي التي طلب اليَّ ان احتفظ بها ضمن ارشيفه المشرف وعنوان قصيدته (لك ياحسين) ورؤية المقدسي كمسيحي قريبة الوشيج من الرؤية الخاصة لأنصار الحسين، وفيها تعابير مستخلصة من التراث الاسلامي الصميم، ولو لم تعلم ان الشاعر خالد المقدسي مسيحي لتعذر عليك القول ان الشاعر لم يكن مسلما او شيعيا، ولكن ابداع خالد المقدسي الروحي التقى بقضية الحسين فبات التماهي لغة بين الشاعر والنموذج، رحم الله الشاعر الكلداني خالد المقدسي حين قال وأوفى :

أمن تذكُّر ركبانٍ بذي حَسَمِ أهال دمعي اسقاماً على سقمي

أم مضَّني قرحُ الأجفان حاق بها من وحشة النفس طاغوتٌ من الألم

في فتية آمنوا بالحق ليس له من فديةٍ تفتديه دون بذْلِ دم

أسباطِ بيتِ رسولِ الله محتدهم فخرُ البرايا وصرح العز والعِظَم

العيس تمضي بهم نشوى بحوزتها خباً الى كربلاء الكرب والشجم

فما لروحي قد ضاقت بها كبدي حرى تهيم على الأفلاك والسُدُم

وما لقلبي قد اودى به شجني وهو العصيُّ على الأشجان والغمم

يا إبن بنت رسول الله ما نضبت بي الفصاحة او عزت على قلمي

ولا تلكأ حرفٌ أنت مطلبُه ولا بذكركَ أكدى بالقريض فمي

لكنَّ هول مصاب الطَّف صيَّرني أكادُ من خرسٍ اغتصُّ بالكلم

هي الشهادةُ ياسبط الرسول فمٌ يشق للدهرِفجرَالحقِّ في الظلم

حرٌ يدوِّي على الأرضين يُسمعُها صوتَ العقيدة يُصْلِي الظلمَ بالحمم

نام الذين علت بالغدر رايتُهُم قِرارَ عينٍ وعينُ الله لم تنم

حتى اذا جدَّ وعدٌ حان موعدُه وأنَّ يومَ قصاصٍ ساعر الضرم

تناثرت في الفلا اشلاؤهم جيفاً كما تناثر عهن الشاة بالجلم

يا إبْنَ بنتِ رسولِ الله قد تركت بنا الرزايا عقابيلاً من السَّقم

مازال شعبُ عراق الخير في نكد وأرضه نهبة للطامع النَّهِم

وأهله بين مسحوقٍ ومرتحل وهائمٍ في أقاصي الأرضِ والتخم

وواصبٍ لانصيبٌ في الدواء له وساغبٍ من طواه غصَّ باللقم

ينوء ما بين سندانٍ ومطرقةٍ وصرْحِ قهْرٍ بغيرِ السَّوْطِ لم يدم

له حصاران عبر البحر مجتلب وآخر من نتاج الدار والرحم

متى متى يا ابا الأحرار يغمرنا فجرُ المروءات بالخيرات والنعم

وينجلي ليلُ حقدٍ لا قرارَ له فيكفر الناس بالطاغوت والصنم

 

اضاءات بقلم خالد المقدسي

1/ رحم الله شرف الدين الصنهاجي البوصيري حين قال في بردته:

أمن تذكر جيران بذي سلم مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

وهضاب ذي حسم هي آخر محط للحسين ع قبل دخول كربلاء

2/ الشجم - الهلاك

3/ الغمم - جمع غمة وهي الحزن

4/ أغتصُ – أضيقُ، والطف - الموضع الذي استشهد فيه الحسين ع وذووه.

5/ العهن – الصوف، والجلم - مقص يقص به صوف الخراف .

الساغب – الجائع، والطوى - الجوع

خالد المقدسي

ديترويت امريكا كانون الثاني 2001

 

اضاءات وجيزة في قصيدة خالد المقدسي

1/ القصيدة اعتمدت فن المعارضة الذي يعتمد محاكاة الشاعر اللاحق للشاعر السابق في البحر والقافية وشيء من الغائية، وقصيدة البوصيري اشهر من قفا نبك كما يقال فعارضها شعراء مهمون معجبون كثيرون منهم الشاعر احمد شوقي في قصيدة مطلعها:

ريم على القاع بين البان والعلم أحلَّ سفكَ دمي في الأشهر الحرم،، ولعل آخر من عارض قصيدة البوصيري هو الشاعر خالد المقدسي المكنى ابو غادة، وفن المعارضة الذي استهوى جمهورا من الشعراء عريضاً فقد استهوى ايضا جمهوراً من القراء واسعا .

 

2/ / ايقاع القصيدة مقبوس من البحر البسيط :

امنتذك *كرركب *باننبذي *حسمي / أهالدم * عيأس* قامنعلى *سقمي

وللبسيط طاقة على البوح والمناجاة في ايقاع يشيب الحزن بحالة من الزهو، فإذا اضفنا اليه قافية الميم مكسورة او مشبعة، بما يقفل كل نغمات البيت بزم الشفتين اللينتين بما يسمح بتفشي صوت الحرف وهو صوت يكثف النغمات ويختزلها معا تعبيرا خفيا عن الرضا .

3/ تستثمر القصيدة مكنات سؤالات العارف التي تستفز المتلقي وتستحوذ على اصغائه ومن ثم تنهمر الدلالات وكأنها استجابة لسؤالات المتلقي قبل القصيدة والسؤالات اسلوب عربي يجمع بين الجمالي والدلالي مع قدرة على اجتراح الصور الفنية الحركية، والسؤالات دارت حول (أمن أم فما وما متى متى) .

4/ وبؤرة القصيدة تكمن في الشكوى الى الحسين الشهيد مما حاق بالعراقيين من حيف وظلم مصدراه الداخل والخارج على حد سواء .

 236-sayig

عمر الحديثي

http://www.al-nnas.com/ARTICLE/AalSaykh/28a.pdf

شاعر عراقي سليل اسرة دينية معروفة في الانبار معروف تعلقها بأهل البيت، وللشاعر الحديثي اسهامات شعرية تحاور نهضة الحسين ع وللمثال فقد قرأ الشاعر عمر الحديثي في عام 2010 بواشنطن قصيدة كان مطلعها :

أعرني صاحب الذكرى لسانا والهمني الفصاحة والبيانا

لعلّي استطيع بلوغ ومضٍ من النور الذي ملأ الزمانا

اقول به على ظمأٍ مقالاً بليغاً لايطال ولايدانى

وقد استولت على الاصغاء التام في احتفالية النصر الحسيني وكان عمر الحديثي قد اقام تلك الاحتفالية في القاعة الكبرى للمركز الثقافي العراقي بواشنطن، وكان المركز الثقافي قد وضع سيناريو للحفل يتمحور حول شخصيات لها دلالات متماهية مع جلل المناسبة تحدثت عن الحسين من منطلقاتها،وهم الأب فادي عبد الأحد كاهن كنيسة مار افرام للسريان الارثذوكس في فرجينيا والأستاذة زينب السويج رئيسة الكونكرس الاسلامي الامريكي والإمام الشيخ محمد علي الحلبي مدير المركز الاسلامي الامريكي في فلوريدا، وكانت قصيدة عمر الحديثي تبث المعاني الوطنية والروحانية والقيمية، واليوم الحادي عشر من نوفمبر 2013 ينجز الشاعر عمر الحديثي قصيدة جديدة في انتصار الحسين فرأيت من المناسب كتابة هامش على متنها:

1 / يا كربلاءُ ألا اشتدّي عنوان القصيدة المحيل على تناص تراثي معروف وهو ( إشتدي أزمة تنفرجي) والدلالة غير غائبة عن المتلقي فحين تشتد مفردات كربلاء فذلك يعني اشتداد مفردات العراق، وحين تنفرج تلك المفردات فذلك يعني بالقوة المنطقية انفراج ازمة الشعب العراقي الجريح بفعل طعنات تلقاها من اربع جهات، .

2/ واذا تركنا العنوان وفي نفسنا قول المزيد وجدنا قراءتنا للنص قبالة ثلاثة ايقاعات هي ايقاع البحر (البحر البسيط) وإيقاع القفل او الروي (لام مضمومة) وإيقاع الحروف (من المهموس الى المجهور ومن الشفاهي الى الرئوي) وهذه النغمات الجمالية تسعى الى ترحيل الصور الفنية باتجاه الخطرات الدلالية، واذا كانت القصيدة اللامية الحسينية قد اسست لشيء مغاير حقا فهو خلط دلالتي الزمني والمكاني ودلالتي الميلاد والشهادة وهي دلالة يعرفها فقهاء القضية الحسينية فإن القصيدة قد نضحت عبق تلك الدلالة الحسينية قارن :

وأن أدمُع خير الخلقِ من وَجَلٍ

في يومِ ميلادكَ الميمون تنهَملُ؟

3/ وما يهم الزاوية الوطنية الروحانية في طقوسية القصيدة هو توشيج العرى بين جنحي الاسلام وهما الجنح السني والجنح الشيعي، ومثل هذا النحو يعمق الوعي الوطني العراقي .

4/ وإن كنت انسى فلن انسى سؤالي للاستاذ الدكتور مالك الدليمي رئيس جامعة الكوفة وكالة وقد شاهدت ولده علي ابن الثلاث سنوات وقد طال شعر رأسه حتى لكأنه شعر بنت، قلت له دكتور مالك الا ترى الى شعر ولدك المحروس علي قد طال ازيد من المعتاد؟ فتأفف الدكتور مالك وقال اي والله انني منشغل جدا هذه الأيام،، فقلت له دع اخاك يأخذه الى الحلاق، فابتسم وقال هل تظن الحلاقة الاولى بهذه السهولة عندنا؟ فاستغربت وتساءلت عن الصعوبة في ذلك؟، فقال ان حلاقة الطفل الأولى (عندنا) تستوجب حمل الطفل الى قبر سيدنا العباس بن علي بن ابي طالب عليهما السلام، وتكون الحلاقة هناك لكي يتحصن الطفل ببركات سيدنا العباس، فقلت في نفسي كذلك نحن العراقيين ايها الطائفيون المتسخون، والحكاية الثانية التي اضعها على هامش قصيدة الشاعر عمر الحديثي هي إفطار الشاعر السيد سمير الصميدعي (وكان وقتها سفير العراق بواشنطن) إفطاره بين الجالية العراقية الكريمة في مشيغن وكان مدير الحفل وعريفه الاستاذ الاعلامي شريف الشامي وفجأة وخلال الحفل ودون استئذان وقف رجل اعشى وسأل الاستاذ الصميدعي (من هم عمومتك؟) ولعل السائل هدف الى اثارة عرق طائفي في سؤاله المستفز لأن الصميدعي من حديثة، فأصابني وجل من الموقف، وإذا بالأستاذ سمير الصميدعي يجيب السائل المستفز بتلقائية جميلة (انا من البيت الهاشمي صميدع اما عمومتي فهم أهل البيت) عندها تنفسنا نحن الحضور الصعداء، إن المسافة بين كربلاء النجف والأنبار هي ذات المسافة بين فلذة الكبد والكبد الم يأتك نبأ الشاعر فارس حرام ممثل مثقفي النجف والدكتور عادل العبيدي ممثل مثقفي الأنبار والوفدين الكبيرين المرافقين لكل منهما وكيف التقيا وسط الأتون الطائفي وكانت دموع الفرح باللقاء لغة الوطنية العراقية،، قارن:

http://www.altahreernews.com/inp/view.asp?ID=11557

ومن يبحث عن الأمثلة فهي عصية على الحصر، .

قضية الحسين قضية كونية ومن خطل الرأي التوهم بأن قضية الحسين شيعية، لأن مثل هذا الرأي يسيء الى الحسين قبل اي شيء،، وكما مر بنا فغاندي زعيم الهند التاريخي تحدث عنها، والشاعران العراقيان اليهوديان: مير بصري كتب (آمنت بالحسين) وانوار شاؤول كتب (إنه الحسين) والشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد كتب في الحسين (قدمت وعفوك من مقدمي) والشاعر العلماني محمد مهدي الجواهري كتب في الحسين (فداء لمثواك من مضجع)، وما وجه الغرابة في ذلك؟،، أذن نحن قبالة الشاعر عمر محمد سعيد الحديثي وقصيدة ياكربلاء الا اشتدي ففيها قراءات شتى دلالية وجمالية:

 

ياكربلاء الا اشتدي

 شعر عمر محمد سعيد الحديثي

حسبي من الشوقِ ما فاضت به المقلُ ومن لظى العشقِ هذا النازفُ الهَطِلُ

ومن معاني العُلا فَخرُ الجنانِ وقد فازَتْ بسيّدِ شُبانٍ لها انتُحِلوا

تمتازُ أنّ لها دونَ الوجودِ فتىً في جَهلنا، بعضُ من ماتوا ومن قُتلوا

ومن عصورٍ تلَت ذاك المقام إضاءاتٌ، لهن ظلام الكون يمتثلُ

ومن معاني الرجولات التي اختُزِلتْ بهِ، إذا قيلَ ذا فَحلٌ، وذا بَطَلُ

وذا همامٌ، وذا شهمٌ، وذا علَمٌ، وذا عَليمٌ، له الألباب لا تَصلُ

يابنَ السماءِ التي لم تٓخبُ أنجمها والنورُ لمّا يزَلْ في الآلِ ينتَقِلُ

والمملكاتُ التي من دونهِ بزَغتْ قد قُطِّعتْ وهو حتى الآن يتّصلُ

يابن العليّ الذي لم يبغِ منزِلةً إلّا تمنّت إلى أبوابهِ تَصِلُ

يا سبطَ سيدِ ساداتِ الخليقة يامجداً بأفئدة الأكوان يَعتَملُ

يابنَ البَتولِ، وهذا ما بحضرتهِ يُعيي التعابيرَ فيَّ العجزُ والخَجَلُ

يا كربلاءُ ألا اشتدّي ففيكِ فتىً ثقلُ الوجود زهى أنْ فيهِ يُختزَلُ

لو عادلوكِ وكُلُّ الأرضِ كفَّتُهُم أمال معيارَها، السبطُ البها كَفِلُ

هذا الُحُسينُ، دمُ الثّوار مُذ خُلِقت في ستِّ أيامها الأكوان يكتملُ

حتى إذا يومُ عاشوراء أدركها تفجّرت حِمماً لا أرضَ تَحتَمِلُ

أنبا بأنَّ مواعيدَ العُلا أزِفَتْ لا يعتري يومها وهنٌ ولا وَجَلُ

لِمْ لا وقد كُتِبَت في اللوح - يا سنَدي أن المعاليَ أنّى رُحتَ تَنتَقِلُ؟

وأن أدمُع خير الخلقِ من وَجَلٍ في يومِ ميلادكَ الميمون تنهَملُ؟

أعجزتني، لُغَتي يا سَيّدي تعِبَت ترقى إليكَ، وتقضي العُمر تَرتَحِلُ

لكنَّ حُبّكَ بي .. مستمكنٌ بدمي ونورُ وحيكَ لي يبقى هو الأمَلُ ..

عمر محمد سعيد الحديثي

 

11/11/ 2013 مشيغن

كاتب المقال عبد الاله الصائغ

السابع عشر من نوفمبر 2013 النجف مشيغن

 

ميادة ابو شنب ورسائلها في بريد السنونو .. قراءة نقدية

sardar mohamadنصوص مكثفة لا ترهل فيها والعنوان يصرخ بالمتلقي أولا ً وبعد قراءة ديوان "رسائل من بريد السنونو" للشاعرة المائزة ميادة أبو شنب يلحظ أن النصوص صرخة أنثى بوجه المجتمع الذي استفحلت الذكورة فيه وهيمنت على المجتمع الأمومي ولكنها كأنثى طبيعية وهي محض انسان تحب الحياة وتعشقها تتحدى الذكورة بجرأة.

ففي قصيدة لماذا السنونو؟ تقول:

لأني عشقت بها الإنطلاقا

وعشق الفضاء النقي الرحيب

وحب الحياة وروح التحدي

وجرأة قلب شجي الوجيب

والقصيدة موزونة وهي من بحر المتقارب الحزين.

 

باستبدال عنوان الديوان ليصبح: رسائل من قلب  أنثى أو رسائل من قلب ذكر أو رسائل من قلب مجتمع !! لا أرى فرقا ً

وإن كان الخطاب في الديوان عامة يجري على لسان أنثى تفخر وتعتز وتعتد بحقيقة الأنوثة التي لا يستغني عنها ذ َكر من غير اسفاف أو إيروسية متعمدة غايتها جلب أنظار الذكورة للنص وتحفيزها لدغدغة المشاعر البدائية:

خذ تفاحتي

تلذذ بطعمها

ولا تتردد

وهذا يذكّر بتفاحة حواء وثمرة عشتار التي طلبت من جلجامش التلذذ بها.

بعض الأحايين يجري الخطاب على لسان ذكر مثل:

حبيبتي سارقة بارعة

و

حبيبتي كالليل عميقة

و

أنا صمتك ....  إسمعيني

أنا سطور ماضيك .....أحرقيني

وفي الحالين تعبر عن وجه نظرها وما يعتمل في فكرها.

إن ما يجري على لسانها هو لسان حال النساء جميعا ً اللواتي قهرتهن وظلمتهن الذكورة طوال دهور، وإن أنكرت ذلك عبدات الذكورة فخشين قولة أحبك وأعشقك إذ سيوقعن أنفسهن تحت طائلة عقاب الذكوريين.

نصوصها رسائل من بريد محدد للسنونو الذي هو الذكر أو الأنثى مرسلة للمجتمع بصيغة مباشرة مرات وبصيغ غير مباشرة بشكل أسئلة لا تجيب عليها فتتركها لذهن المتلقي ليقع في حيرة من الأجوبة الكثيرة التي يمكن للمتلقي أن يتخيلها.

إذن هي تترك له الخيار بمقدار فهمه للنص وطريقة تفكيره.

تصدع ميادة بالأنوثة وتفخر بها فلا تغلف نصوصها باستعارات لفظية كما تفعل غيرها من الشواعر فهي تتحدث عن الحب والعشق بصراحة الأنثى الواثقة من أنوثتها التي فرضتها عليها الطبيعة فترى أن لاضير في التعبير عن مشاعرها ولا تعترف بمن يتذرع بالاخلاق والعفاف فنصوصها لا تخالف شرعا ً أو تتصدى لغير الحقيقة والحق الطبيعي لكائن يتمتع بالإنسانية فعندما تقول أحبك أو أعشقك لا تعتقد أن ضيراً سيصيبها أو أن منزلتها في الأعين ستقل ولقد اعتاد الذكر أن يبيح لنفسه ذلك ويحرمه حتى على أهل بيته بل أنه وهو المنادي بالحلال يخاف أن تفلت من لسان زوجته كلمة أحبك َأو تفلت من لسانه كلمة أحبك ِ.

نصوص ميادة ناتجة عن وعي بالتاريخ فلا يعقل أنه بعد آلاف من السنين من صدح عشتار بالحب يعترض الذكوريون والذكوريات على صدح ميادة:

تعال ياجلجامش وكن عريسي

وهبني ثمرتك أتمتع بها

وعندما تدخل بيتنا ستجد شذى الارز يعبق فيه

إذا بيتنا فستقبل قدميك العتبة والدكة

( راجع ملحمة جلجامش ترجمة طه باقر )

 

ولا يعقل أن تناقض ما صدحت به المرأة العربية

كقول ولادة بنت المستكفي:

لحاظكم تجرحنا في الحشا      ولحظنا يجرحكم في الخدود

جرح بجرح فاجعلوا ذا بذا   فما الذي أوجب جرح الصدود

 وحتى الجواري العربيات اللواتي كن يكتبن على خمرهن ومناديلهن أعذب أبيات الغرام والتوله.

كتبت جارية المارقي على قلونستها:

كتب الشوق في فؤادي كتابا ً  هو بالشوق والهوى مختوم

وكتبت جاريه ابن السلمي على كرزنها:

الشمس تطلع للمغيب ولا أرى     شوقي إليك على الزمان يغيب

وكتبت جارية على عصابتها:

من يكن صبا ً وفيا ً   فزمامي في يديه

خذ مليكي بعناني     لا أنازعك عليه

(راجع الموشى للوشاء)

 

سنونو ميادة يكشف قناعه بيسر دون الوقوع المباشر في الخطاب ولا يعترف بالواقع وزمانه لأن ما جرى للأنوثة على مر التاريخ لم يكن قد حده مكان أو زمان، مازجة بين الواقع وما تتخيله بلغة نفيسة والخاصيه الخطابية الخاصة على لسان حبيبها او لسانها تشمل الإناث والذكور عامة أي المجتمع الذي نعيشه وليس لسنونو بذاته وإذا تطرقت للمباشر فيما يفرضه النص فبدون تقريرية معتادة في أغلب نصوص الشواعر.

يكابد القارىء نصوص ميادة لكي يلج بنيتها فيحلل ويستنتج ثراءه في مكابدة لا تقل عن مكابدتها والنتيجة سد ثغرة في نصوصها دون السقوط في هوة النظرة الأحاديه المستندة على فلسفة مسبقة غير ناس التواصل بين مناهج الفن النقدي القديم والحديث.

موقف النقد الثابت في النظر إلى جيد النصوص من رداءتها وصوره البنيويه في التاكيد على البلاغة دون النظر إلى العوامل الخارجية والطبيعة الفردية معا ًوالتي تقلل من الغاية النقدية كما تقلل من فخامة وروعة النصوص.

(راجع آلة الكلام النقدية لمحمد الجزائري).

شعر ميادة يتوجه نحو سر الذات وآلامها، يتجاوز الوجهات الجاهزة والثابتة في أي شعر فلا تخشى صولة فكرها ورأيها  في التعبير بأي كلمة أو لفظة أو خطاب يمكن التعبير به في خدمة النص الشعري وإن كانت فكرته العامة مسبقة والتي هي محور مجموعة النصوص في ديوانها رسائل من بريد السنونو.

في ديوان ميادة يظن القارىء غير المتفرس أنه بوصوله إلى محور النصوص قد وصل إلى شرفة ميادة أو اكتشف محور مجرتها غير أن في أقطار هذه المجرة تدورحوله ألف ألف من الكواكب والنجوم والشهب.

في أحيان تبدو قاسية مع الذكورة والحقيقة أنها تعتد بأنوثتها:

مهما أجمعت كل النساء

أنك عاشق محترف

فلن تكون في ظلالي

إلا عاشقا ً مبتدئا ً

 

وقد تكون قسوتها ناتجة عن سطوة الأنثى وقوتها دون إذلال للذكورة.

لو كان العشق مسدسا ً

لأفرغت رصاصاته النحاسية

في قلبك

أو كان قوسا ًجاهليا ً

لمزقت بسهامه

صدرك

حتى تفهمني

حين أقول... أحبك

 

أو:

وإن أسأت لأنوثتي

تكون قد جنيت على لياليك

وعلى قلبك

وعلى كل الرجال

ولكنها لا تجعل من الأنثى صخرة قاسية،فهي تذوب في الذكر الجدير بحبها:

بانصهار قلبك بحبي

إمنحني كل أنانيتك

ومفردات استسلامك

وأترك محياك

جمرة بين راحتيّ

 

وتزيد فتبدو الأنوثة وقد انهارت أمام الذكورة:

نم ملء جفنيك عشقا ً

أو

إنتصارك معي

يسعدني

لكن تكراره

يثير وحشيتي

لأنني أنانية مثلك

ولا بد ان أتلذذ بخسارتك

أو

معك أكون بلون المطر

ومع صورتك ذات الكبرياء

أكون أجمل متغطرسة

ومع هجرك

أكون كربيع

ينتظر جفاف الشتاء

أو

بعد أن أحرقتني جمرة هواك

علمت مقياس أنوثتي

وباشرت البحث بين وريقات الشجر

خلف الساعات

وفوق كل خيال

عن رجولة أصغر مني

ميادة الشاعرة لا تجعل من الأنثى مثالية ولا من الذكر مثالي وهما متكاملان في المجتمع الإنساني ما للذكر ما للأنثى وليس أكثر ولا يفضل أحدهما الآخر إلا بصدق المشاعر والنيات.

فيك أحيا ربيعا ً آخر

تتوجني مليكة لكل الألوان

وتنصب عرشي على أعلى التلال

فأقسو على كل زهرة حمراء

لئلا تكون أكثر احمراراً من شفتي ّ

آمل أن تكون قراءتي لنصوص ميادة قد أصابت هدفها وآمل من ميادة أن لا يقل حماسها الأنثوي وتكون قوية كقوة سيمون دي بوفوار ونوال السعداوي وأحلام مستغانمي ولا تثنيها ذكورة عن التغني بالأنوثة وتعبر عن خلجاتها بحرية هدفها مجتمع لا تتناصف فيه الذكورة والأنوثة بل تتكامل.

في مسك الختام لنستمتع معا ً بهذا المقطع:

لا تدع سيولك اللعينة

تجرف تبرمشاعري

لهاوية العشق

لأنني مكتفية بالبقاء

على قممك َ.

 

أحذروا .. الـدواء القـاتــل

ezaldeen shalahحين يقتلون الطفولة والفرح، ويزرعون الألم والمعاناة، وينتهكون إنسانيتنا، ويصرون على أننا لست ببشر مثلهم، ويحولون بيوتنا الآمنة إلى مستشفيات، غير آبهين بحقنا في الحياة كبشر ...

دواء قاتل للعرب فقط، وربما القتل أهون من الحالة التي يصل إليها الطفل العربي، نتيجة للتطعيم الذي يمرر للأطفال العرب عن طريق منظمة الصحة العالمية، ومنظمة اليونسيف.

أحذروا الدواء القاتل عنوان لفيلم وثائقي مهم، حيث أن هذا الدواء منتشر على المستوى العربي فقط دون الغربي، وفيه يسجل المخرج الفلسطيني فريد شاهين أحداث للطفل عثمان شاهين خلال واحد وعشرون دقيقة ليكون صرخة لكل وزراء الصحة العرب وللأمهات والآباء للتصدي لما يمس فلذات أكبادنا.

بدأت مقدمة الفيلم بلوحة سوداء لفترة قصيرة كتب عليها أحذروا الدواء القاتل صاحبها موسيقى حزينة مؤثرة على مقام الصبا، يتلاشى السواد وتفتح عدسة الكاميرا على أم تحمل أبنها البالغ من العمر ستة سنوات والذي يزن قرابة الثلاثين كيلو جرام، تخطوا بأقدامها على درجات السلم متجهة من شقتها في الدور الثاني إلى الدور الأرضي، ليلخص لنا ربما المخرج من المشهد الأول حجم المعاناة التي انعكست على ذوي الطفل نتيجة الدواء القاتل، منبهاً من خلال التعليق بأننا أمام فاجعة يجب التوقف أمامها.

التعليق على الفيلم أعطى زخماً جميلاً، عبر نبرته القوية، والتي نسج من خلال انتقائه لمفردات الحكاية، كل الحكاية، ومزج معها كل معاني الإنسانية، حتى نكاد نشعر بأن المعلق وهو كاتب النص " معين شلوله" هو والد الطفل، أو ربما عاش وتعايش مع الحكاية، مع ألم الطفل ومعانات ذويه والخوف من غد قريب...

ما زلت الأم تحتضن ابنها، تتأرجح وهي تحمله بين ذراعيها أثر ثقل وزنه وهي تهبط إلى الدور الأرضي، ونسمع تعليقه في إشارة لقتل الطفل عثمان " وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ".

ينتقل المخرج بزاوية الكاميرا إلى ساحة المنزل وما زالت الأم تحمل طفلها عثمان، تدور الكاميرا في لقطة قصيرة لم تأخذ وقتها المناسب إلى شجرة خضراء، ربما ليربط المخرج بين طفل ذبل وسقطت كل أوراقه وبين تلك الشجرة، تضع الأم طفلها برفق على كرسي خاص بذوي الاحتياجات الخاصة، لينتقل بنا المشهد من طفل أشبه بجثة هامدة لا تملك سوا أنفاسها إلى ذات الطفل قبل تطعيمه بالدواء القاتل وهو يبكي ويتحرك ويضحك ويلعب في فرح، يحتضنه والده ويرفعه للأعلى ثم يسقط فيحتضنه من جديد، ونسمع أغنية الأطفال" يا رب يا ربنا يكبر ويبقى زينا"، يلاعبه أخاه الأكبر ونرى ونسمع ضحكات الطفل البريئة المتتالية... يقتحم تلك الضحكات صوت موسيقى تصويرية توحي بخطر ما، نشاهد إبرة التطعيم تدخل في جسد عثمان لتسجل له موت سريري، نهاية حياة، توقفت ضحكاته، وبكائه، أصيبت كل أجزاء جسده بارتخاء شديد... كم مؤلم أن نشاهد الطفل عثمان في تلك الحالتين حين وظفهما المخرج بلقطات متتالية، عزف خلالهما على أوتار مشاعرنا، فنشعر بالفاجعة وهول ما حدث للطفل.

حين بلغ عثمان الشهر السادس، حملته والدته لتطعيمه ضد مرض السعال الديكي الخلوي ( DPT )، وبدل من أن يحموه من المرض، قتلوه...

لم يسلم والد الطفل بما حدث لأبنه ويؤكد بان أبنه بعد يومين من التطعيم أصيب بارتخاء شديد في كل عضلات جسمه ونوبات تشنجيه عصبيه، نشاهده وهو يعتني بابنه، ويروي الحكاية، ونسمع التعليق: "من حسن وسوء حظ والد الطفل في آن أنه طبيب أطفال ومثل هذه الجرائم قد ترتكب ولا يلتفت إليها أحد، لكنه وبحكم مهنته كطبيب أدرك تماماً ما حدث لأبنه"، ويؤكد والده بأن هذه الحالات تموت وهي في الشهور الأولى بسبب الشردقة، حيث يتم بلع الطعام ودخوله إلى مجرى التنفس مما يسبب الاختناق، بالإضافة إلى ضعف المناعة والتهابات الصدر، ولكنه استطاع بحكم مهنته أن يراعى ابنه الذي أصبح عمرة ستة سنوات بعد أن حول بيته إلى مستشفى، فيه كل الأدوية والمحاليل والأجهزة التي تستدعي رعاية عثمان.

تنتقل الكاميرا لمشهد جميل ولكنه مصطنع، حيث نشاهد الطفلة أخت عثمان تدور حوله وتحاول إظهار تعاطفها معه، كما أننا نشاهد حمامة تقف على الكرسي المتحرك الخاص بعثمان في إشارة للحرية والحركة ولكن إقحام الحمامة كذلك عبر عن عدم الواقعية في المشهد.

وفي مشهد آخر حين يخرج والد الطفل من المنزل متجهاً للعمل، نشاهد في أحدى لقطات المشهد حامل الكاميرا.

تروي لنا الأم مسيرتها المؤلمة وهي تتابع الاعتناء بطفلها عثمان، وتأكد بأنها عادة ما تستيقظ على صوت حالة التشنج والصراخ الذي يصيبه، ويستيقظ معها أخوته من حوله، وأنها دائما ما  تكون بجانبه لأنه يحتاج إلى رعاية خاصة، حتى أنه أخذ كل وقتها ولم تعد تقوم بواجباتها اتجاه أخوته، وكم تمنت أن تلمحه عيونها وهو ذاهب إلى المدرسة كباقي أبناء جيله، تكفكف دموعها مع صوت لموسيقى العجز التي تأخذنا إلى حجم معاناتها.

تنتقل الموسيقى في مشهد جديد لتلفت انتباهنا إلى الكشف عن جوهر المشكلة، لقطة لعدد من التقارير، وللطفل ولوالده والذي بدأ البحث منذ اللحظة الأولى، بحكم مهنته كطبيب للكشف عن الحقيقة لتعرية من كان سبب في قتل طفله أمام عينيه، يتنقل بين الكتب والأبحاث ونسمع التعليق: " إن هذا الرجل لم يصمت كما أراد له الآخرون وهو يتجمع ويجمع أنفاسه ليهاجم أسباب الجريمة وشخوصها، حيث كشف منذ اليوم الأول أن أبنه تعرض لتطعيم لم يعد يستعمل في أوروبا أو إسرائيل أو كثير من الدول، ثم بحث فأكتشف كيف يصل هذا التطعيم إلى غزة وكيف يصيب الضحية، وأن هناك العديد من الجرائم يراد لها أن تمر وسط صمم الآذان وخرس الأفواه.

يبدأ والد الطفل عثمان بالشرح حول تطعيم السعال الديكي الخلوي ( DPT ) الذي يمكن له أن يتسبب في شلل لدى الأطفال ومشاكل في الدماغ، وكيف أن الأوروبيين بعد اكتشافهم لتلك المشاكل منذ عشرات السنين، عملوا على استبداله ليصبح تطعيم السعال الديكي اللاخلوي ( DaPT )، وأعتبر أنه حتى في التطعيم هناك تفرقة عنصرية ما بين العالم الغربي والعالم العربي، حيث أن منظمة الصحة العالمية تفرق في توزيعها للدواء، فمثلا: فلسطين وإسرائيل نفس المناخ والطبيعة، إلا أن إسرائيل تحصل على التطعيم الجيد وفلسطين والدول العربية تحصل على التطعيم المسبب للكثير من المشاكل، ويتساءل لماذا تسمح منظمة الصحة العالمية أساساً لمصنع سونافي للأدوية في فرنسا بتصنيع هذا التطعيم ؟

لقد قمنا بناء على الأبحاث والدراسات والحقائق العلمية بتوقيع عريضة لأكثر من مائة طبيب من الأخصائيين واستشاريي الأطفال وتم رفعها إلى وزير الصحة، للإيعاز لمنظمة الصحة العالمية واليونيسيف بعدم استيراد تطعيم السعال الديكي الخلوي ( DPT ).

بينما يرقد أبنه مطروح الفراش يجلس بجانبه ويطالب بتحويله إلى مركز متخصص حيث لا وجود لمركز متخصص في غزة أو حتى إسرائيل، ويحذر الأمهات بالانتباه إلى نوعية تطعيم السعال الديكي الخلوي في الشهر الثاني والرابع والسادس، حيث أن هناك عدد من الحالات التي أصيبت نتيجة هذا التطعيم ويؤكد على أن عدم أخذ جرعة التطعيم لن تسبب مشاكل للطفل وفي أسوء الحالات هناك علاج حال عدم التطعيم وحدوث بعض المشاكل، ويوجه نداء إلى وزراء الصحة العرب ومنظمات حقوق الإنسان أن يتحملوا مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية.

تستمر معاناة الأسرة مع عثمان الضحية، يحاولون لملمة جراحهم، " يدعون ربهم، يا رب أتمم عدلك بمحاسبة من تسبب له بكل هذا، وأن تهيئ له رحمة على قدره، وأتمم عدلك في أن تحرك كل ساكت وساكن في سياق الوقوف معه، فإن كانت العدالة غابت حين من الدهر فإنها في قضية عثمان لن تغيب، وسيأخذ القانون والاتصال والتحري والبحث مجراه حتى العدالة.

ينهي المخرج فريد شاهين فيلمه بمشهد لوالد الطفل وهو يقطف بعض الورود ويركب سيارته ويخرج من منزله، يختفي مع ظهور شاشة سوداء كتب عليها أحذروا الدواء القاتل، ربما في إشارة للخطر المحدق بالطفل، مع توظيفه لموسيقى انسجمت بشكل مؤثر للأحداث المتتالية، كما عبر التعليق بمفرداته عن الحكاية، وبالتالي وظف المخرج كل عناصر الفيلم بشكل جميل.

 

رابط فيلم أحذروا الدواء القاتل

http://www.youtube.com/watch?v=pRr1KhO8Dac

 

قراءة في مجموعة الشاعر احمد نصرة: توضأت بنبيذ

samar mahfod1في تلك المنطقة غير القابلة للوصف والتحديد والتي هي بين حدين، حد منطقي وآخر غير منطقي يمكنك أن تتابع مجموعة  الشاعر السوري أحمد نصرة (توضأت بنبيذ)، رؤى متشظيه، سرد مكهرب لا يملك الصبر بل ولا يملك الصلة بالآخر ليتخطى الرسالة الخاصة ويطبع الكلمات بنزيف مستمر يتوالد جوهرها بالجملة، وتتحفز بالوقت ذاته إلى كسر الازدواج داخلها كواقع منجز بلا تجميل أو إطراء: (عندما يتشارك اثنان العمادة بالدم، بماء النهر الخالد، كيف لنبع الحياة أن لا ينبجس؟!) . تحية لحلم أو لنوع من حياة حيث أنه لا مكان لتوهمات مجانية يقول لك إحلم ولا تجدف بالحلم ولا تقفل أبواب ذاكرتك على الحلم الذي يليه : (أشتاقك، هل من سبب آخر كي أغدو أجمل؟). يضعك على خط الزوال كتيه مدمر إلى أقصى رغبة هناك ثمة شيء لا يدرك حقاً، لكن هناك ثمة ما يتبدل ربما هي الأصوات تتفكك، وحدها الفكرة باقية كشمس أزلية :  (وفي فلسفة المكان والزمان، كنت الحاضر الوحيد وكان التوق ثالثك!).

واضح هنا أن الكتابة تفاعل سيمائي لتحويل وهم الزمن إلى معنى بل أحيانا بطولة اللغة الحقيقية هي بجعل الوهم ممكنا .. أحياناً يبدو الاتجاه العام لدى جيلنا نحو الإنتاج غير الموضوعي، لكن في المنجز الإبداعي لا مجال لأحكام أخلاقية. والفن ذاته لا يمكنه أن يغدو تصنيفا، هو قطعة من الحياة، والحياة لا تحتمل القولبة. لغة ونسيج مترع بالروح لأن الشعرية وحدها قادرة على الاحتفاء بالوجد والوجع معاً عند أحمد نصرة كشمس مباغتة صعقت روح البرد لا تنفصل عنه بل تتكامل وتتواشج حتى تصير واقعا يعاند ويهادن كحامل نبوءة وقلق وفتنة يملّح بها الوقت ويقيم منارات الكلام، ربما لأن الكتابة وحدها القادرة على الاحتفاء به ومواكبة أحلامه وآماله . وكلماته الممتلئة بوطن جميل يشبه الروح النازفة بفاتحة وجع يؤنسن الحروف: (هو الخواء يحتلك إذ تفيض الروح، فتصير بحقيقة ظلالك وهماً مرَّ ذات حزن .. وانطفأ).

الأدب عموما سفر إلى مدن الكتابة بكل أسمائها وعناوينها في لقاء الزمان والمكان الذي يكون حاضراً بقوة في تماهي الروح والجسد بجعله وعياً محققاً يحمل خصوصيته التعبيرية، بلغة خاصة تشي بتلك العلاقة الحميمية  مابين النسبي والمطلق وبذات الإبداع يكشف زيف الثنائيات حينما يشير إلى أنها في الأصل واحد كمحصلة لتراكمات ثقافية ليست بصدد البحث عن أي نماذج، بل مشغول بما يحتويه: (توق صوفي للرقص، توق ومضة الفجر الأول للقاء سر الخلق، آن ينتفض الجسد على إيقاع شهقة الروح).

مع أحمد نصرة ثمة غواية كبرى تلوح على حافة الكلمات وتنسرب كسر يمنح نفسه ويمتنع في مدى خاضع للإنجذاب والحوار والتبادل المنقوص والإجابة المعلقة بمعنى أنه لا ينتظر جواباً ولا يؤمل راحة يستهلك بها الموضوع كلغة تنطق بصخبها الخاص من رموز وعلاقات تسعى لتشكيل موقف ما يرفع درجة التوتر. بالطبع لن نجد ما يمكن الركون إليه من عتبات في نصوص المجموعة ومع ذلك يعاود السؤال تلو السؤال وبمقتضى ذلك هناك طور أخر ضمن النص يعمق ذاته تجاوباً وإلهابا لحس الفجيعة ضاحكا بدموع طعمها المرار ولونها الحريق: (لست للفرح، مثلما أنا لست للحزن. للريح أسلمت قيادي وغنيت). يستخدم لغة بسيطة أبداً تعني ولا تعني تقصد ولا تشير، صور تشبهنا في حقيقتنا وتسخر من ذاتها وما يحيط بها من ذوات إن كنا نحن المقصودين فهو لم يألُ جهداً في هتك ما نحسه خافيا فإذا بنا عراة تحت الانهماك الصامت لما يريده من قصد بعيداً عن أي حراسة لغوية.

 أحمد نصرة في مجموعته الأولى (توضأت بنبيذ) ُيعَد بعداً فاصلا ودمجا ايجابياً لمشهده الشعري بكل طاقاته الإيحائية لتولد المجموعة على شكل فعل حياة .. لا أنكر أني وفي كثير من مفاصل الكتابة عن المجموعة، وقفت عاجزة عن إدارة أدوات الكتابة لديه، ومفهوم الأسئلة والحوارات الداخلية الخفية والمعلنة المطلقة نحو الآخر والقادرة على خلق الكثير من التداعيات الإبداعية المحرضة على الرغبة في اقتراف الكتابة بكامل تصميمه: (عتيق كسنديانة، جموح كجواد، رقيق كوردة، سخي كسحاب، متورط، تائه، كما الحياة! هو ايضا، موحش، كصفصافة في صحراء.) كأن قهراً واحداً لا يكفي فيأتي الإيقاع ليصعِّد المشهد .. وكأن ما في اللهفة لا يكفي ولا يبدو أنه يخط معادلات الروح أو مقولاتها على امتداد كتلتين فراغيتين من عناصر مختلفة قاسمها تداعيات الخيبة بتوالٍ غير منتهٍ: ..(كتيس جبلي انفلت من القطيع، عابرا ضباب الوقت، جائعا. أتعمشق بالقمتين .. تلقفيني!) خشية التصريح بالفجيعة والفراغ الذي يجتاح حواسنا مقياساً لحجم الخراب التصاعدي المذهل قسراً عن الروح وتواطؤ مع العدم ..

451-samarيقول أحمد نصرة عبر نصوصه: كل الأشياء حولنا باردة محايدة صادمة إلا المرارة وحدها المتأججة تجتاحنا بثقلها الشهي المسترسل كلعنات مستترة فوق وفود الأحلام هو الغثيان ربما .. وهو انعدام الوزن بالجملة وانكسار فجائعي لفصل التجربة الفردية حيث الروح تخرج من جسدها لتلاقي الاختناق المترصد قاب شهقتها وتلاقي الموت الذي يلوح ولا يأتي .. ونحن نعيش في مسلخ حضاري مملوئين بالخوف والخراب هل باستطاعة النبض أن يتجاوز اليباس، ..؟ هي الكلمة بمتانتها المزيفة والمعذبة كجسر للتواصل فيما بيننا لأن التفاعل هنا فطري معرفي حر ضمن صياغة تخيلية تبدأ من الشاعر وتتصل بالمتلقي كمشارك أساسي للمادة الإبداعية،حيث يتبدى المشهد الإبداعي لدى أحمد نصرة حقائق تشبه الواقع لكنها ليست صورته الأمينة في شكل من التشظي الأكثر قدرة على تجسيد الحلم الذي يحصن الداخل ويقدم شكلاً مختلفا للواقع كما يراه: (سألبس الضباب ذاكرة غرفتي حتى إذا ماضل المعنى، يهتدي) مادّاً جسور التواصل لتحويل الدوافع المتشكلة من جملة معارفه وانطباعاته إلى منظومة من الصور الحركية تمثل الصورة المتخيلة، في انسجام للمتناقضات التي تحّمل التداعي بفكرتها دون مخاتلة الوعي بل تكثفه من أجل منتج أكثر حيوية بمحاكاة الحلم الشامل بحيث تتاح للمتابع فرصة الاستمتاع بالحرية الداخلية لأنه يشكل شخوصها دون البحث عن حلول نهائية لمدلولاتها. والتي قد لا تكون متعددة فقط، بل متناقضة أيضا.ً وسواء أخذنا التناقض نحو القلق أو الرفض فإن البحث يبقى حافزاً يدفع بنا للاندماج مع ذاتنا بحيث لا يمكن تجسيد إبداع دون هم مشترك يخلق استعدادا للدخول إلى مناطق وعرة يمزج أحمد داخلها التأثيرات المتنوعة في وعي جمعي يتضافر مع مسارات الإبداع وضمن إيقاعات بثها بشكل يمتلك تقانات تعبير مختلفة): (يصطاد الجنون الوعي، يغدو حالته المتقدمة!) .

 مع مجموعة ( توضأت بنبيذ) لا يتبع أحمد نصرة قاعدة ثابتة ضمن مفهوم التعاطي السائد بل يشكّل مسارات خاصة لتحقيق صيغ أكثر انتماء للاشتباك المأزقي الإبداعي والذي يراكم لفكرة التفاعل مع متلقٍ يستطيع أن يتواصل وأن يدافع عن حقه في كسر المفاهيم الآلية، وأن يّعد روحه بحالة إبداعية تمتلك المصداقية في الأسلوب والتعبير حيث الاختلاف خيار مطروح رغم إشكاليته- دون الانشغال بالتغريب- خارج السرب بالمعنى الإنساني فقط لأن المدجّن هو الأكثرية وبالتالي الأكثرية تفرض المعيار والقوانين والنظام فتبدو معتدلة وعاقلة والحقيقة هنا بلاغية تعمل على ربط المتخيل مع الواقعي دون إهمال المهارة في التعامل مع التفرد الذي لا يقل شغفاً وحنيناً. وعليه يجب أن تحمل الحالة الكثير من الصبر والتبصر لتصير التجربة خلاقة ومفهومة بعيداً عن العزلة .. مما يحسب للمجموعة أنها تجربة مشحونة بالشجن لا ترفض الآخر بل تؤسس لإعادة إنتاج ينسجم مع تطلعاتها دون أحكام قيمة تتبدل بتبدل المواقف والأهداف التذوقية فيخسر المبدع فرصته للتعريف بمادة قد تكون مهمة وضرورية لرفد الإبداع. لأنه يعيد صياغة المعطيات بالتداعي وليس بإملاءات التوافق وربما الاختلاف أيضاً. وهي بالتأكيد فسحة حرية شاسعة تربط الفكرة بحاملاتها من أدوات إبداع داخل مجالات مدركة وغير محددة لتكتشف ذاتها في تنويعات لا تنهي .. وحيث أن لا معيار ثابتاً للإبداع والمعايير هنا هي مجموعة مضطربة ومتغيرة يستحيل أن يقيم فيها أيما إله تقليدي ..بل هي أدوات تعبير خاصة تمثل نزوحا نحو رقعة من التناغم الذي لا يبحث في الصيغ.حيث أن من يعمل في مجالات تنتمي لخلق ما، ليس عليه أن ينشغل بنظام العمل الإبداعي بل بتقنياته وله أن يترك النظريات للنقاد ويختار لونه بوحي السليقة ثم المعرفة. - هذا النوع من التداعي هو المجال الذي لا يتبع قاعدة معينة ترسم خطاً بيانياً للتطور الإبداعي بل يقدمه في النهاية كشكل من تطور إبداعي ضمن مفاهيمه المتنوعة وتراكم معارفه المختلفة، وخاصة ما يتعلق بالشكل من حيث هو تركيب أو إعادة تركيب المفردات والأشكال وتسليط الإضاءة عليها لتشكل تناسباً ما مع داخلنا وهواجسنا وأحلامنا المختلفة. - في هذا النوع من التعبير لا يمكن التعامل مع الحالة بشكل تفصيلي بل كمجمل تكوين لخلق الإدهاش على ناصية الشغف. والذي بني على هاجس لهفة الاكتشاف عبر تقاطعات متعددة عنوانها البحث عبر المخيلة كحالة تحتمل التطوير من خلال كسر المتوقع، لا لنية الهدم لكن للخروج من إنتاج ذات الظروف. وهنا نحتاج لكثير من الدقة في التعريف. وليس علينا أن نكون انتقائيين في تناولنا الوجداني داخل العبثية الظاهرية للنص المتشظي بكل مستوياته عند احمد نصرة - بحيث يترك مساحة متاحة للخيال كي يرتجل الفضاء المعنوي دون أن تتشابه محصلات مضامينه: (حارس الضباب أنا- وأنا الضباب اليسافر في أزمنة الجبل- جبل اللحظة المهاجرة أنا- وأنا المهاجر الغريب، كنافذة بوجهين، لاحتمال الحياة، أو الحياة..) .. هذا الأرق الإبداعي المتمثل في الحصر والإيجاز وشدة التأثير ووحدة النص العضوية ينتج ذائقته بكثير من العلاجات مما تقتضيه آنيات اللحظة الشعرية. من المؤكد أن هاجس النص النثري هو البحث عن الحساسية التي تحتاج الكثير من الرهافة بعيدا عن تحكم الذائقة العامة التي لها دور خطير في التعاطي مع النص أو التيار بتقبل انحيازي أو رفضي مترهل وبالتالي إهمال ظاهرة ابداعية مهمة تتشكل على المستوى الشعري الجمعي، في مواجهة التعميم الذي يلغي التجريب والذاتية وحيث أن من أولى السمات الأساسية لمعنى الحداثة هو الإغراق في الفردية، في مستوى موازٍ للغة وطبيعة التعاطي معها كفعل إبداعي للغة في تمام انتصاب عيونها حيث الأخلاقية هنا هي في البحث عن حقيقة ذاتنا، والتي هي جميلة كلها. وعلينا قبولها دون نكران أي جزء ودون أحكام مسبقة تحت مسميات مختلفة...نحن أجزاء من نظام الكون وأدوات إبداعه الثابتة.

أحمد نصرة في كثير من نصوص المجموعة كان يعتمد ما يدعى بالإبداع اللحظي بمعنى ما أن الفكرة تتوارد إلى مخيلته لحظة الكتابة، إذ يدرك أن المخيلة تفتح مغاليق الروح في لحظة يقينية مترعة باستحضار الممكن، والاستحالة أيضاً. ليفرض التشكيل الذهني ذاته. ويضعنا في مداراته داخل إحداثيات الذاكرة المطلقة التي تستغرقنا دون أن نتمكن من التحكم بتجاذباتها ولا بتناقضاتها المحتدمة أو الخفيفة، تلك المتوزعة فينا، في استلهام مجسد لقيم الإبداع الناتج عن انهيار التوازن الهش بين الجاهزية، وإعادة ترتيب الرؤى، بما تحمل من الق وانكسار يحمل أحمد نصرة هواجسنا وأحلامه، وكثيراً من الدهشة لخلق حالة مبدعة، تمتلك الكثير من الاندماج والتماهي بالمجازفة لتجسيد فكرة ما بكل تفاصيلها وأبعادها، ليس من باب الترف، بل الحنين لهواجس في طور الحياة، بعيداً عن معادلة الرفض والقبول، في تواصل دائب مع ساحة وعينا ولاوعينا بكل مكاشفاته ليؤسس لحالة إبداعية، متوفرة كمادة تتدفق أو تقل حسب اللحظات والظواهر التي تحيط به مع الاحتفاظ بنكهته الذاتية في طواف يتجلى باستنباط مدجج بأكثر من أفق مقدماً بذلك خامات نصية عديدة تنتج إبداعات متخيلة تارة ومأخوذة من الواقع تارة أخرى. وهذه خصوصية ضرورية، للمزاوجة بين التجريب والتحديث، لتقديم شكل متوازن ذي نسيج يقود ذائقتنا للتأمل، ويّعدنا لنكون جزءا من تشكيله ضمن التسلسل اللا منطقي في تكوين موضوعي خاص يدل على نضج التجربة والتي هي عبارة عن ناتج لتطور أسلوب التعبير بمختلف تنوعاته وصولاً لولادة صيغ مكثفة لها طابعها الخاص. وهي ذات غنى تصوري أو تخيلي يشبه المسرح الذهني في حوارية إبداع الأشكال ضمن مسارات الصورة المتخيلة قادرة على تجاوز مألوف المتلقي لتعطي أشكالاً مختلفة الأبعاد والدلالات، تدعم الموقف الخلاق من خلال تجربة مميزة تستحق المتابعة متجاوزة التزيين والتجميل. ضمن تداعيات المبدع وهواجسه المنظّمة والعشوائية. حتى آخر قطرة حية نابضة بالحياة الجديرة بالإطلاع. - لا أحد منا يمكنه الجزم بأنه يملك حق تأطير المتخيل الحلمي المتشكل من خلال الجملة، في حدود تجارب لم تتحول إلى تقليد بحيث نحار كيف نفسر ذهولنا المتروك في وضع حركي يمتلك قدرة حقيقية على إيجاد طاقة تشغل الحيز أو الفراغ الموجود نظرياً دون أبعاد في المفهوم العام على الأقل.

مع مجموعة (توضأت بنبيذ) باتجاه النموذج أكثر تجريباً وتعويلاً على فاعلية النص من ناحية كونه الشكل الذي سيكون محل التجربة،سعى أحمد نصرة باتجاه تبني فلسفته الخاصة، بحيث يخلص النص في بنائه لمجموعة العلاقات التي تحكم علاقة العناصر بأداء وظيفتها اللغوية على اعتبار ان الشعر مشروع فردي..يعني الجميع فضاء مفتوحا ومتشابكا يعبر عن شمولية الرؤى..بالطبع العلاقة الإبداعية ضمن المجموعة (موضوع البحث) ليست جدلية إذ لا تقوم على تناقض، إنما هي علاقة إبداعية استثنائية، تقوم على الحلم والانطلاق الذي يؤكد صفة الدهشة، ويمنح الإيقاع هدوءه، وهو بذلك يزيل فعل الوقت والإحساس بثقله من حيث أن الشعر يعيد إلى الحياة توازنها بوجه القبح من أول ابتسامة حتى أخر غيمة . وجع مولِّد للخفقة أو للأحلام هي الغصة والضحكة معاً والحقيقة المعبرة عن كل منا كجسر للتواصل بين الذاتي والعام، بأحوال عفوية الشاعرية .تكثف العالم أو تصوغه من جديد، لعل هذه هي ميزة الكتابة كحالة شعور طاغٍ،لا ليكشف العالم بل ليصوغه بلغته .. هنا بين الذات والموضوع يعبّر أحمد عن رغبة داخلية عميقة بالانعتاق ضمن السياقات التقنية التي تعيّن بحسب صيروتها ومجرياتها الشعرية. عن قصد وبترقب هادئ يورطنا أحمد نصرة بانشغالاته النثرية وعلى امتداد (72 ص من القطع المتوسط) هي المجال الحيوي لفضاءاته الشاسعة كعمل يستحق المتابعة بجدية .

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (6): العلاقة بين الشخصيات داخل المتن الروائي

alhasan alkyriفي الواقع إذا ما تجاوزنا عملية الوظائف كما ظهرت عند فلادمير بروب، وجدنا غريماس يهتم بدراسة العلاقة بين الشخصيات في السرد. حيث نلاحظ أنها تتسم بالصراع. وقد اختزل هذه العلاقة في خطاطته المشهورة التي حدد فيها أنواع العوامل في السرد. ويدعى نموذج غريماس في التحليل بالنموذج العاملي schéma actantiel، الذي نمثل له كالتالي:

 (الذات / الموضوع).

(المرسل / المرسل إليه).

 (المعيق / المساعد).

  يقول غريماس في كتابه "عن المعنى": "إن الكلام عن موقع الشخصية داخل القصة يعني، بكلمة، الكلام عن شخص يعمل عملا ما. وبالتالي يتم النظر إلى هذا الشخص أو ذاك كوظيفة نحوية. فالفاعل النحوي على مستوى الجملة هو الذي يقوم بالفعل وهو ذاته الفاعل الفني على مستوى القصة"(1). وبناء على هذا القول، فالعوامل هي التي تصف وتصنف الشخصيات وفقا لما تفعل وهؤلاء العوامل يشاركون في 3 محاور دلالية هي:

1- محور الإبلاغ: ويتم بين المرسل والمرسل إليه.

2- محور الرغبة: ويتم بين الذات والموضوع.

3- محور الصراع: ويتم بين المساعد والمعارض.

   إن هذه المحاور تعبر عن الرغبة في حالة العلاقة بين الذات وموضوعها؛ ففي غياب موضوع مرغوب فيه لا مجال للحديث عن ذات أو رغبة؛ وعن الصراع في حالة العلاقة الرابطة بين المعيق والمساعد، فالرحلة التي لا تصادف ما يعيق استمرارها ولا من يساعدها على الوصول إلى الهدف لا يمكن أن تسمى رحلة؛ وعن التواصل في حالة العلاقة القائمة بين المرسل والمرسل إليه. و عليه فالتواصل ممكن لأن الرحلة تنطلق من رغبة لتصل إلى أهداف، وما بين الرغبة والأهداف هناك الدافع وهناك المستفيد.

  إن هذا النموذج بعلاقاته الثلاث يضعنا أمام العلاقات المشكلة لأي نشاط إنساني، كيفما كانت طبيعته، وبعبارة أخرى فإن هذا النموذج، بشكل من الأشكال، طريقة في تعريف الحياة ومنحها معنى.

 

1- الفئة العاملية ذات/ موضوع:

   تشكل الفئة العاملية ذات/ موضوع العمود الفقري داخل النموذج العاملي. إنها مصدر للفعل ونهاية له. مصدر للفعل لأنها تشكل في واقع الأمر نقطة الإرسال الأولى لمحفل يتوق إلى إلغاء حالة ما أو إثباتها أو خلق حالة جديدة. وتعد من جهة ثانية نهايته. لأن الحد الثاني داخل هذه الفئة يعتبر الحالة التي ستنتهي إليها الحكاية ويستقر عليها الفعل الصادر عن نقطة التوتر الأولى.

 

2- الفئة العاملية مرسل/ مرسل إليه:

  إن الزوج الثاني داخل النموذج العاملي، المحدد من خلال محور الإبلاغ يتكون من مرسل ومرسل إليه أي من باعث على الفعل ومن مستفيد منه. والأمر يتعلق بمحفلين لا يتحددان إلا من خلال موقعهما من حالتي البدء والنهاية كجزأين سرديين مؤطرين بمجموع التحولات المسجلة داخل النص السردي. وإذا كان هذا الزوج يتحدد من خلال علاقته بالذات لأنه هو الدافع على الفعل، وباعتبار الذات منفذة له، فإن هذه العلاقة رغم طابعها المباشر تتوسطها حلقة أخرى هي الرهان الأساس في أي إبلاغ: الموضوع. أي الموضوع باعتباره رحلة للبحث ومستودعا للقيم وغاية إبلاغية. ويمكن صياغة هذه العلاقة الثلاثية الرابطة بين المرسل والموضوع والذات على الشكل الآتي: يقوم المرسل بإلقاء موضوع للتداول وتقوم الذات بتبني هذا الموضوع والاقتناع به لتبدأ رحلة البحث وبعبارة أخرى نحن أمام مسار يقودنا من الإقناع إلى القبول، فإلى الفعل.

 

3- الفئة العاملية مساعد/ معيق

   إن الفئة الثالثة المكونة للنموذج العاملي تتكون من معيق ومساعد وهي فئة متضمنة داخل علاقة يحددها غريماس في مقولة الصراع. فوفق السير العادي لحكاية شعبية ما، فإن البطل يقوم برحلة البحث عن موضوع قيمة، وأثناء تلك الرحلة يصادف كائنات (أشخاص أو حيوانات أو عفاريت) تقوم بمساعدته للوصول إلى هدفه النهائي. وليس من العسير أن نجد مرادفا لهذه الصورة البسيطة في الحياة العادية لكل يوم، فداخل المجتمع هناك صورة للمعيق وأخرى للمساعد بدءا من حالة الطقس وانتهاء بالقوى الاجتماعية وضروب الصراع بين مكوناتها. وإذا كانت هذه الصورة المبسطة عنصرا أساسا في تكون الحكايات الشعبية، فإنها تبدو وبمظهر أكثر تعقيدا، في النصوص المعاصرة، ولهذا المظهر أثر كبير على طبيعة هذين المحفلين. كما أن له تأثيرا على نمط اشتغال موقع كل محفل على حدة. فمن الواضح أن المعيق لم يعد صورة خارجية معطاة بشكل ضمني أو صريح في العلاقات الاجتماعية فحسب، بل أصبح أيضا صورة داخلية، فقد يكون البطل من خلال مجموع الصور المرافقة لتشكله معيقا لنفسه. فإلى أي حد يصدق كل ما قلناها نظريا حول الشخصية الرواية، على شخصيات رواية "الحي اللاتيني" للدكتور سهيل إدريس؟. على أية حال، هذا ما سنحاول استكشافه بمساءلة الرواية فيما سيأتي من محاور داخل الفصل التطبيقي.

 

*كاتب و باحث في الترجمة و التواصل / المغرب.

..............

[1] Greimas, Algirdas Julien : Du sens: Essais sémiotiques, ed. Seuil, coll. Poétique, paris, 1970

 

قصيدتان في رثاء الحيوان (1-2)

khalidjawad shbayl"الى ذلك الشاب الملتاع الذي طوّح الإرهابُ بحماره: لقد أبكيتَني وكنتُ أحسَبُني عصيَّ الدمع!"

طالما تتلاشى المشاهد الدموية وتـنصل صورُها لتتجدد بعد حين بمشاهدَ أخرى .. وهكذا تستمر لعبة الدخان والدم من  دون أن تتوقف، إلا ذلك المشهد الذي بقي ينبض في الوجدان والذاكرة معا: كان الشاب يبكي بحرقة، ويذرف دموعاً حرّى، تتخللها صرخاتٌ موجعة تنبعث من أعماق الجوارح، ويخطر على ذهن الرائي، أن يكون قد فقد عزيزاً أو مُعيلا .. ويصدق النبأ حين يلوح في المشهد حمارٌ دامٍ فَتَك به الإرهاب وطوّح به جثةً هامدة، فقد فقَدَ الشابُ معيلَه!ِّ ولو قُدِّر لهذا الشاب أن يرثيَ حمارَه لبَزّ أبا النور السجستاني(1)، ذلك الشيخ النحيل الذي وقف على  رسم حمارِه يذرف الدموع مدرارا وينقر الدف مُنشِدا(من الطويل):

عزيزٌ علينا أن يغيّـبَك القبرُ*** وليس لنا إلاّ البكاءُ أو الصبرُ

تموت وما كحّلّـتَ عينيكَ بالمنى***وما نلتَ حُبّاً من أتانٍ هي البدرُ

أقولُ وفي نفسي الكسيرةِ كربةٌ***"كذا فليجلِ الخَطبُ وليفدَحِ الأمرُ"(2)

ولو صحَّ أن تُفدى فديتُـك طائعاً***وقلت فداك المالُ والنِعمُ الحُمرُ(3)

لعب الحيوان دورا مهما في حياة العرب على مرّ العصور، ففي الصحراء يكون الحيوانُ سفينةً تارةً، وحارساً ، ووسيلة ركوب في السلم والحرب، وحامل أسفار وأنيسا بصوت فرح أو حزين ومصدر غذاء لذيذ، ومكمن جمال يضفي حسنا وحيوية في صحراء قاحلة تمتد على مرمى البصر تارات أُخَرَ، أياً كان هذا الحيوان ناقةً أو جواداً أو كلباً أو حماراً أو طائراً مغرداً أو ناعبا! فلا غرو ولا غرابة أن يحتل الحيوانُ مكانةً في حياة العرب، فكم من حرب نشبت بسبب الحيوان؟! ومن يتصفحْ أْشعارَ العرب وآدابهم بل قرآنهم الكريم، سيَجدْ له مكانةً هامة في النصوص الشعرية والنثرية، فقد خصَّ الدَّميري الحَيَوانَ بكتاب شهير وقبله الجاحظ بكتاب أشهر يحمل أيضا اسم "الحَيَوان". ولا أدلّ على ذلك من تلك الابيات النادرة للشريف أبي جعفر البياضي (4)، يُشير بها الى الرفق بالإبل عند السُّري، أسوق بعضا منها لروعتها وفَرادتِها (من الكامل):

رفقاً بهنَّ فما خُلِقنَ حَديدا***أوما تراها أعظُماً وَجُلُودا

يُفلينَ ناصيةَ الفلا بِمَناسِمٍ***وَسَمَ الوَجا بدمائهنَّ البيدا(5)

فكأنهنَّ نثرن دُرّاً بالخُطى***ونظمن مِنهُ بِسَيْرهنَّ عُقودا

***

أما القصيدة الأولى فهي في رثاء ديك والراثي هو علي بن الحسين بن محمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان بن عبد الله بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، الذي طبقت شهرته الآفاق والمعروف بأبي الفرج الأصبهاني (284-356هـ)، وتثبيت نسبه مقصود لدلالة مهمة تكشف عن شخصية هذا العلاّمة النسّابة "الأخباري الحُفَظَة الجامع بين سعة الرواية والحذق في الدراية، ولا أعلم لأحد أحسن من تصانيفه في فنها  وحسن استيعاب ما يتصدى لجمعه، وكان مع ذلك شاعرا مُجيدا"(6). وأبو الفرج الأصبهاني شخصية فريدة يكتنفها الكثير من المفارقات، فمسقط رأسه هو أصفهان ( نظرا لقرب الباء من الفاء يحدث الإقلاب فتسمى أيضا أصبهان) من بلاد فارس ولها انتسب في حين هو عربي الأرومة من بني أمية ينتهي نسبه الى مروان بن الحكم، وهو عالم بالعربية التي كتب بها روائعه، ولا يُعرَف عنه أنه كتب بالفارسية! ورغم أنه أموي المحتِد إلا أنه  من المتشيعين وفقا للتنوخي، وهو ظاهر التشيع كما أكد ذلك ابنُ شاكر الكتبي في عيون تواريخه، بينا وصفه ابن الجوزي الحنبلي المُتشدِّد في منتظمه: أنه كان متشيعاً ومثله لا يوثق بروايته! (7) وصفه ابن النديم في الفهرست: كان بحرا في نقل الآداب، "حدّث عنه الدارقطني، وإبراهيم بن أحمد الطبري، وأبو الفتح بن أبي الفوارس، وعلي بن أحمد بن داوود الرزّاز، وآخرون، كان بصيرا بالإنسان وأيام العرب، جيد الشعر" وعودة الى أبي علي التنوخي حيث يقول: "كان أبو الفرج يحفظ من الشعر والأخبار والاغاني والمسندات والنسب ما لم أر قط من يحفظ مثله، ويحفظ اللغة والنحوَ والمغازي وله تصانيف عديدة"(8) أسوق هذا لأدلل على تطرف ابن الجوزي صاحب المنتظم، وتجنيه على الأصبهاني. ألف "الأغاني" (9) ولم يبلغ الثلاثين من عمره، فإذا ما بلغها وجاوزها بعام بادر الى إنجاز كتابه الخالد"مقاتل الطالبيين" (10) الذي جلب له وصمة التشيع!كان صديقا حميما للوزير المهلبي (291-352هـ)، الذي وقف له مسنادا وكان له خير عون في أيامه الحالكة وما أكثر أيام الأصفهاني الحالكة! حتى إذا ما أزيح الوزير لوشاية واش أو حسد حاسد ليشغل الوزارة "اين البُريدي" انبرى له أبو الفرج هاجيا (من الخفيف):

يا سماءُ اطبقي (11) ويا أرض ميدي***قد تولَّى الوزارة ابنُ البريدي

جلَّ خطبٌ وحلَّ أمرٌ عُضالٌ***وبلاءٌ أشاب رأسَ الولــــــيدِ(12)

فُجِع أبو الفرج الأصفباني بعزيز، رثاه بأصدق العواطف، وأنبلها وبكاه بكاءً حقيقيا، حتى ليدهش القارىء لناحيتين هما المونولوج الداخلي حين يواسي نفسه، والوصف الدقيق للمرثي وهو ديكه الذي حسبه فردا من العائلة، فلا يتركنّ شاردة وواردة من خصال الديك إلا وأتى عليها من عُرفه الى ألوان ريشه، الى خفقه لجناحه قبل الصياح الى فحولته وتسيده للدجاج، الى صفاء عينيه صفاءَ العقيق.. ومما يُدمي الشاعرَ المفجوعَ هو تذكره ديكه كلما صاح ديكٌ في بيت جاره ما يدلُّ على رقي إنساني ورقةِ قلب مكلوم، فلنسمع (من الكامل):

خطبٌ طرقت به أمرّ طروقِ***فظُّ الحلول عليَّ غيرُ شفيقِ

فكأنما نُوَبَ الزمان محيطةٌ*** بي راصداتٌ لي بكل طريقِ

ذهبت بكل مصاحبٍ ومناسبٍ***وموافقِ ومرافقٍ وصديقِ

حتى بديكٍ كنت آلفُ قربَهُ***حسَنٌ إليَّ من الذيوك رشيقِ

القى عليَّ الدهرُ منه كلاكلاً***يفني الورى ويشتثكلَّ فريقِ

الى أن يقول في مطولته هذه:

لهفي عليك أبا النذير لو انه***دفع المنايا عنك لهف شفيقِ

وعلى شمائلكَ اللواتي ما سمت***حتى ذوت من بعد حسن سموقِ

وتكاملت جمل الجمال بأسرها***متلألئا ذا رونق وبريقِ

من حمرة في صفرة في خضرة***تخيلها يُغني عن التحقيقِ

عرضٌ يجل عن القياس وجوهرٌ*** لطفت معانيه عن التدقيقِ

وخطرت ملتحفا ببرد حبرت***منه بديع الوشي كف أنيق

كالجُلّنارة أو صفاء عقيقه***أو لمع نار أو وميض بروقِ

أو قهوة تختال في بلورة***بتألــق الترويــق والتصفيــقِ

وكأن سالفتيك تبر سائل***وعلى المفارق منك تاج عقيقِ(13)

وكأن مجرى الصوت منك إذا نبت***وجفت عن الاسماع بحّ حلوق

نايٌ دقيق ناعمٌ قرنت به*** نغم مؤلفة من الموسيقي

يزقو ويصفق بالجناح كمنتشٍ***وصلت يداه النقر بالتصفيق(14)

ويميس ممتطياً لسبع دجائجٍ***مثل المهارى أحدقت بفنيق

فيميرنا منهن بَيْضاً دائماً***رزقا هنيئاً ليس بالمحووق

فبياضُها ورَقٌ وتِبرٌ مَحّها***في حقّ عاجٍ بُطنت بدبيقِ

يعدو علينا من طهاهُ بعجَةٍ***ويروح بالمشوي والمسلوقِ

أبكي إذا أبصرت رَبعَك موحِشاً***بِتَحنُنٍ وتأسفٍ وشهيقِ

ويزيدني جزعا لفقدك صادِحٌ****في منزل دانٍ إليَّ لصيقِ

قرع الفؤاد وقد زقا فكأنه***نادى ببين أو نعيّ شقيــق

فتأسفي أبدا عليك مواصل***بسواد ليل أو بياض شروق

وإذا أفاق ذوو المصائب سلوة***وتصيدوا أمسيت غيرمفيقِ

صبراً لفقدك لا قِلىً لك بل كما***صبر الأسيرُ لِشدةٍ ومضيقِ

لا تبعدنَّ وإن نأت بك نِيّةٌّ***في منزلٍ ناءِ المحلِ سحيقِ

لله درُّك أبا الفرج على هذه الخريدة التي تكفيك لوحدها أن تضعك بين الطبقة الأولى من فحول الشعر.

هوامش:

1- د. قميحة،جابر:رابطة أدباء الشام، مقالة مقتضبة عن رثاء الحيوان لا تخلو من أخطاء.

2- أبو تمام، حبيب بن أوس الطائي:راجع ديوانه لعدة طبعات مختلفة، من مطلع قصيدة في رثاء الفتى العلوي محمد (من الطويل):

كذا فليجلِ الخَطبُ وليَفدَحِ الأمرُ***فليس لعين لم يفِضْ ماؤها عُذرُ

3- فاندي، سعيد سالم،رثاء الحيوان في الشعر العربي،103 دار صنين 1969،بيروت.

4- ابن حَجَّة الحموي، خزانة الأدب، تحقيق د. صلاح الدين الهواري1/22 المكتبة العصرية بيروت.

5- يفلين:يثلمن، المناسم: جمع المنسم وهو للإبل بمثابة القدم للإنسان، الوجا: وجِيَ البعير وجا: رق خفُّه من كثرة المشي، راجع:ابن منظور في لسان العرب، جروس برس/طرابلس لبنان، و المعجم الوسيط،، عن مجمع اللغة العربية، القاهرة ط3 لسنة 1985.

6- ياقوت الحموي، معجم الأدباء، تحقيق الدكتور إحسان عباس4/746 دار الغرب، بيروت.

7- الأمين،محسن، أعيان الشيعة8/198 من مقالة للأستاذ حسين مروة: ابو الفرج الأصفهاني، طبعة طهران.

8- الذهبي، سير أعلام النبلاء،10/451 تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط1 دار الكتب العلمية2004، بيروت.

9- أبو الفرج الاصبهاني، الأغاني، تحقيق لجنة من الادباء، دار الثقافة، بيروت.

10- أبو الفرج الاصبهاني، مقاتل الطالبيين، تحقيق أحمد صقر، دار المعرفة بيروت. وراجع ايضا تحقيق كاظم المظفر 1965.

11- ورد في  معجم الأدباء (مصدر سابق) اسقطي، وصحيحها اطبقي، حيث يكون الإنسجام البلاغي القرآني أروع ، حيث تُطبق السماء على الأرض التي تميد..

12- ياقوت الحموي (مصدر سابق).

13- السالفتان: الزائدتان اللحميتان المتدليتان من أعلى الرأس على جانبيها (الرأس)، و تاج عقيق، هو تشبيه بلاغي للعرف.

14- زقا الطائرأو الديك زقواً أي صاح، المعجم الوسيط، ولسان العرب، مصدران سابقان.

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس(5): أنواع الشخصيات الروائية

alhasan alkyriلقد كانت مسألة إيجاد نمذجة لأصناف الشخصيات الروائية من بين الاهتمامات التي شغلت المنظرين مدة طويلة. وأولى هذه النمذجات الشكلية وأبسطها تلك التي تركز على أهمية الدور المسند لكل شخصية في النص؛ مما مكن المنظرين من استخلاص أول تصنيف يقوم على مقابلة الشخصيات الرئيسة بالثانوية. فحسب أهمية الدور الذي تقوم به في المحكي، يمكن للشخصيات أن تكون إما رئيسة "البطل وخصومه"، أو ثانوية، تكتفي بوظيفة ثانوية. وهما ليس سوى طرفي نقيض، وتوجد بينهما طبعا حالات وسطية عديدة. هذا وقد حاول البعض تجاوز المستوى الكمي السطحي لهذا التصنيف، فانتقل إلى ما هو أعمق، كالحديث  عن نوعية الوظائف الموكولة لكل واحد من هذين الصنفين. وهكذا أسندوا مثلا وظائف ذات طابع تزييني "décoratif "  محض للشخصيات الثانوية مشبهين إياها في ذلك بالإطار، أو المنظر الخلفي المؤطر للصورة الرئيسة، ويمثلها هنا البطل أو البطلة باعتبارهما شخصيتين محوريتين.

أما التصنيف الشكلي الثاني، فيقسم الشخصيات إلى ثابتة مسطحة وأخرى نامية ودينامية على سبيل المعيار للتفريق بين الشخصيات التي تبقى غير متغيرة على طول المحكي وتلك التي تتغير. وهو ما دفع إدوين موير للقول، مميزا بين هذين الصنفين من الشخصيات الروائية في كتابه "بناء الرواية": "الشخصية المسطحة تجسيد للعادة في المقام الأول... أما الشخصية الدرامية فنقيض الشخصية أسيرة العادة. إنها الاستثناء الدائم، إنها تحطم العادة، أو تتحطم من أجلها العادة، إنها تكشف حقيقة ذاتها، أو هي بعبارة أخرى تنمو. إنها تحيل طبيعتها الحقيقية إلى دراما بينما لا تفعل الشخصية المسطحة ذلك إلا بطبيعتها المفتعلة أو على أحسن وجه بشيء كان حقيقيا ثم لم يعد كذلك، ولهذا فإن كلام الشخصية الدرامية حقيقي فعلا، وكلام الشخصية المسطحة مظهري أو رمزي"(1).

  ويبدو أن أول من اصطنع مصطلح الشخصية المدورة والشخصية المسطحة هو الناقد الإنجليزي فورستر في كتابه "Aspects of the Novel". وقد ترجم هذا المصطلح ميشيل زرافا إلى الفرنسية تحت عبارة (personnages ronds  et personnages plats). بينما ترجمه تودوروف وديكرو تحت مصطلح (Epais وPlats) ويشرح هذان الأخيران نقلا عن فورستر، دلالة كل مصطلح. فيذهبان إلى أن المعيار الذي بواسطته نحكم بأن شخصية ما مدورة يكمن في موقف هذه الشخصية. فأما إن فاجأتنا مقنعة إيانا فهي مدورة، وأما إن لم تفاجئنا فهي مسطحة. وهو تمييز يبدو أنه غامض في واقع الأمر. ذلك أن فورستر لم يستطع أن يعطينا أية قاعدة صارمة بواسطتها نستطيع التمييز بين صنفين اثنين مختلفين من الشخصية. إن مسألة الإقناع تحتاج هي نفسها إلى إقناعنا. إنهما ذكرا المصطلحين الذين ذكرهما فورستر نفسه، منذ زمن طويل دون تحديد. إذ كل من الناس سيقتنع أو لا يقتنع بطريقته الخاصة، وبناء على اقتناعه، أو عدم اقتناعه، سيتحدد موقفه من تعيين صنف الشخصية التي يتعامل معها. ومثل هذا السلوك لا يحمل الصرامة العلمية التي يجب أن يحدد بها المصطلح. وقد لاحظ ذلك تودروف نفسه حين ذهب إلى أن هذا التعريف لا ينبغي أن يعني شيئا ذا بال. وهو تعريف يمكن أن يسري على القارئ العادي، وأما القارئ المحترف فإنه لا يسمح لمثل هذه الشخصية بأن تفاجئه بسهولة.

ويزعم ميشيل زرافا بأن فورستر يميز تمييزا لطيفا بين هذين النوعين من الشخصيات، إذ الشخصيات المدورة يشكل كل منها عالما كليا ومعقدا في المكان الذي تضطرب فيه الحكاية المتراكبة وتشيع بمظاهر، كثيرا ما تتسم بالتناقض. بينما الشخصيات المسطحة تشبه مساحة محدودة بخط فاصل. ومع ذلك فإن هذا الوضع لا يحظر عليها، في بعض الأطوار أن تنهض بدور حاسم في العالم السردي.

  ونعتقد أن تدوير الشخصية واضح الدلالة من المعنى الذي تمنحه اللغة. وعليه فالشخصية المدورة هي تلك الشخصية المركبة والمعقدة التي لا تستقر على حال ولا تصطلي لها نار، ولا يستطيع القارئ أن يعرف مسبقا ماذا سيؤول له أمرها، لأنها متغيرة الأحوال ومتبدلة الأطوار، فهي في كل موقف على شأن. فعنصر المفاجأة لا يكفي لتحديد نوع الشخصية، ولكن غنى الحركة التي تكون عليها داخل العمل السردي وقدرتها العالية على تقبل العلاقات مع الشخصيات الأخرى والتأثير فيها، فإذا هي تملأ الحياة بوجودها، وإذا هي لا تستبعد أي بعيد ولا تستصعب أي صعب، ولا تستمر أي مر.. إنها الشخصية المغامرة والشجاعة المعقدة، بكل الدلالات التي يوحي بها لفظ العقدة والتي تكره وتحب وتصعد وتهبط وتؤمن وتكفر، وتفعل الخير كما تفعل الشر وتؤثر في سواها تأثيرا واسعا.

وأما الشخصية المسطحة فهي تلك الشخصية البسيطة التي تمضي على حال لا تكاد تتغير ولا تتبدل في عواطفها ومواقفها وأطوار حياتها بعامة. ومثل هذا التعريف متفق عليه في النقد العالمي شرقه وغربه. ولكن مصطلح الروائي والناقد فورستر وارد تحت طائفة من المصطلحات الأخرى. فالشخصية المدورة مثلا هي معادل مفهوماتي للشخصية النامية. بينما الشخصية المسطحة هي مرادف للشخصية الثابتة، التي لا تكاد تختلف عن الشخصية المسطحة في اصطلاح فورستر. في حين أن الشخصية الإيجابية كما يفهم ذلك من بعض هذا المصطلح غير الأدبي، هي تلك التي تستطيع أن تكون واسطة أو محور اهتمام، لجملة من الشخصيات الأخرى عبر العمل الروائي، فتكون ذات قدرة على التأثير، كما تكون ذات قابلية للتأثر أيضا. في حين أن الشخصية السلبية يعرفها اسمها، ويحددها مصطلحها، فهي تلك التي لا تستطيع أن تؤثر، كما لا تستطيع أن تتأثر. بيد أن الشخصيات السلبية أو المسطحة أو الثابتة (وهذه المصطلحات الثلاثة تكاد تعني شيئا واحداً منها)، لا يمكن أن ترد في العمل الروائي من دون غناء بل كثيرا ما تتوهج الشخصية المدورة أو ما يعادلها في الاصطلاح (النامية/ الإيجابية) بفضل هذا الضرب من الشخصيات. كما لا يمكن أن تكون الشخصية المركزية في العمل الروائي إلا بفضل الشخصيات الثانوية التي ما كان لها لتكون هي أيضا لولا الشخصيات العديمة الاعتبار. فكما أن الفقراء هم الذين يصنعون مجد الأغنياء فكأن الأمر نفسه ها هنا.

 

ذ. لحسن الكيري

كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

 

................

 1-  موير: إيدوين: "بناء الرواية"، ترجمة إبراهيم الصيرفي، الدار المصرية للتأليف والترجمة، طبعة يونيو 1965، ص 139

 

(خارجٌ عن القانون) قصة قصيرة جدا للأديبة العراقية: وفاء عبد الرزاق

wafaa abdulrazaghمستبعد عن القانون، البطل الخائف على الرحمة من انتهاك عذريتها. خارج عن القانون، المفتاح الصدئ بيد الأعور حين اعتقد الأبواب تصرخ خوفا منه. مستبعدون عن القانون .. المفاتيح والأبواب المنتظرة زائرا يزيح الصدأ. جمع المستبعَد كل ما لديه من ثياب في حقيبة صغيرة ورحل أسوة بالعشب الذي يبس وأكلت بقاياه الحيوانات. في صباح اليوم الثاني من رحيله سمع في نشرة الأخبار:

 - الشياطين تهرب دائما في الصفحة الأولى من الكتابة عن الغفران.

إنهم يغادرون بنصف الحلم ونصف المبدأ الذي جُز شعر رأسه .

..................

 

تعليق نقدي:

القصة القصيرة جدا من حيث الماهية والبناء فن نثري قوامه أو أساسه تكوين حكائي سردي هندسي جمالي معرفي، يفضي بالذات الإبداعية إلى مناخات وفضاءات غير محدودة، مؤطرة بنزعة غرائبية موغلة في الذاتية والنزوع التجريدي، لكنها مع ذلك قائمة على عنصري المفاجأة والومضة السريعة أو ما يُسمى الاقتضاب السردي، والانتقال عبر الصورة المركبة . ولهذه الأسباب يمكن القول بأن القصة القصيرة جدا جنس أدبي قائم بذاته ذو إمكانات تعبيرية خاصة، لكنه يحفل بالكثير من الصعوبات المتكئة على الاختزال والتكثيف، أو ما يُسميه بعض النقاد "الاقتصاد اللغوي". وقصة الأديبة وفاء عبدالرزاق (خارج عن القانون) تحققت فيها أغلب العناصر والمكوّنات التي ينبغي أن تتوفر في فن القصة القصيرة جدا، لاسيما المفاجأة، وغرائبية نزوع الذات الصانعة للحدث في قصتها، وكذلك الاقتصاد اللغوي، واستحالة تنبؤ القارئ بالخاتمة، التي يُعتقد أنها أغرب جزئية في البناء السردي لفن القصة القصيرة جدا . كما أن أحداث هذا الفن تقضي بأن يلمّح ولا يصرّح، ويُشعّ ومضةً لا تكفي للرؤية، لكنها تسمح بفتح آفاق التخييل والشروع في مهارة التفكيك وإعادة البناء. وهذه أيضا متحققة بصورة أو أخرى في قصة وفاء عبدالرزاق القصيرة جدا المذكورة .

وبالتالي فهي قمينة بالجائزة وبالترتيب المتقدّم .

 

د. إبراهيم النويري

 

قراءة في أرملة العنكبوت قصّة قصيرة للأديبة هيام الفرشيشي

ridah aziz"أرملة العنكبوت" قصّة قصيرة للأديبة هيام الفرشيشي رسمت خيوطها المتشعّبة أوتارا تعزف نغمة حائرة بين خيال ينطلق إلى غياهب الأسطورة وواقع يشدّ الإنسان لأرض ترتاح تحت ظلال المبهم..

العنكبوت أرملة بإرادتها فهي تبسط فراش العشق لذكر تقوده الشهوة نحو حتفه فيرتمي في أحظان مخلب ليشبع نزوة قاتلة ينتهي بعدها جثّة هامدة بلا ذكرولا تأبين.

هي أنثى آسرة تلفظ خيوطها من أعماق الروح المتمكّنة لتلتهم الأرواح التّائقة إلى الإنعتاق .. خيوطها تتراوح بين الحرير والأسلاك فهي {شباك لاتختلف عن ألياف الحرير التي تنتجها دودة القزّ .. ولكنها حيكت بروحها الآسرة} وهي فكرة تعملقت في أذهان القرويين فكبّلت خيالهم وحدّدت ممرّات النّور فيه إلى نهايات محدّدة وحرّرته في مسافات معدّة مسبقا بقوانين لا يجوز تجاوزها لأنّها الطّهارة وما عداها دنس{عنكبوت دنس تضخّم شكلها وهي تواصل أسر الأرواح المدنّسة{

والطّهارة العنكبوتية أراحت القرويين من عناء البحث عن آفاق أخرى قد توقعها في دنس محتمل

هم أدرى النّاس بعواقبه الوخيمة لعلمهم بأنّ ضحايا العنكبوت {مسخوا لأنّهم كفروا بالنعمة} والإستقرار نعمة ولو كان في المستنقعات والوحل والكفر إثم لا يجوز وفاعله تحلّ به النقمة فكل من قال {تبّا للعنكبوت} أضحى جثّة هامدة تسافر به أمواج مياه النهر المتواطئة...لذلك إختارت النسوة {جز صوف الغنم ألاّ تحلّ عليهم النقمة)

العنكبوت أنثى وو غازلة الصّوف أنثى وكأنّ رحم الإعمار إستحال رحما للموت.و سطوة العنكبوت تغزلها النسوة في خلوة الخرافة..{كلّ واحدة بيدها المغزل لفتل ألياف الصّوف مع بعضها لتشكّل خيطا من خيوط حكاية العنكبوت المسخ} وهن بارعات في نسج الصّوف الحكاية حتى لا ينسلخ خيط عن المسار الدقيق، الثّابت. واضح معالم فخيط الصّوف وخيط الحكاية متصلان ومرتبطان بحرفيّة توحّد المصير {تربط الخط لأول في السدية كما تربط العنكبوت الخطّ الأول من شبكتها بورقة توت أو زيتون...} والخرافة إستثمار تحميه السّنون وتؤجّحه مواطن العتمة و{وطن بلا ملامح} لذلك وجب توريط الأطفال في الحبكة بالإستماع والإتعاظ

{ليدركوا مصير هؤلاء الغرباء في حكايات النسوة}

و كل قرية في الخرافة تعيش من غربائها إما الضّحايا أو المجرمين فأرملة العنكبوت ابنة القرية التي فرّت منها إلى أعالي الهضبة لتتحوّل من فتاة تهواها العين وتريده القلوب إلى عنكبوت مسخ مرعب ومخيف {مسخت عنكبوتا في ذلك البيت المهجور} بعد أن تحوّلت قبل ذلك إلى قنّاصة للعابرين {إمرأة شبقة تعاشر الغرباء}

وحتّى رفيق دربها لقي حتفه على سرير اللذّة تماما كذكر العنكبوت يسير إلى حتفه بقلب عاشق .. ولمزيد العتمة وإيغالا في تعقيد الخرافة وعملقة الرعب يكون ضحايا الأرملة دائما من الغرباء ولقطع حبل الخيال عن الواقع واليأس من إعمال العقل لفكّ الرموز كان لابد من من إتلاف الشّواهد فكان أن تتفسّخ ملامح وجوه الضّحايا فتتحلّل في مياه النهر أو تحرق بنار الإتلاف والإعدام الضروري لخلود الخرافة .. والخرافة أسيرة لخيوط العنكبوت التي هي صناعة فريدة فهي {طبيعية، قويّة، صلبة} وهي{رقيقة، شفّافة، رهيفة، ليّنة} تكوّن {روحا ملتفّة يصعب تمزيقها)}

ظلا الرّعب والعتمة لم يمنع القاصّة من إجتثاث الأمل من رحم العدم فالبيت المهجور حوّلته هيام الفرشيشي إلى أولمب للأمل تحجّ إليه العصافير كل صباح

لتعود مثقلة {بألحان تنساب في الرّوح تحاكي لغتها المنغّمة)

تحكّمت هيام الفرشيشي في ألياف القصّة فتحوّلت {عنكبوتا} رائعا يتجوّل بانامل راقية بين ظلام الخرافة ونور العصافير المنشدة لألحان الأمل..

 

بقلم الفنان المسرحي  الاستاذ رضا عزيز

 

الترتيب في القرآن الكريم لرفاه عزيز العارضي

443-khrafahعن دار تموز في دمشق الصابرة صدر مؤخراً كتاب جديد عنوانه "الترتيب في القرآن الكريم" لرفاه عزيز العارضي التي تشير في مقدّمة كتابها إلى أنّ ما أثار لديها فكرة هذا البحث هو اشنغالها بقضية "الترتيب" التي طرق عليها "عبد القاهر الجرجاني" في كتابه "دلائل الإعجاز" والتي هي إحدى أهم ركائز "نظرية النظم" التي نضجت على يده وأتت أكلها، وأنها قد تعلقت طويلا بقوله: "وإن الكلم تترتب في النطق بسبب ترتّب معانيها في النفس، وإنها لو خلت من معانيها حتى تتجرد اصواتاً وأصداء حروف، لما وقع في ضمير ولا هجس في خاطر، أنّ يجبّ فيها ترتيب ونظم، وأن يجعل لها أمكنة ومنازل، وأن يجب النطق بهذه قبل النطق بتلك "، ولعل الجرجاني هو الذي هتف بآذان الكثير من البيانيين والمفسرين أن "أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط" .

ولهذا وقع اختيار الباحثة على هذا الموضوع الذي يُعنى – كما تقول – بترتيب الألفاظ والجمل القرآنية المتوالية أو المتتابعة على نحو خطّي (نسقي) معيّن، وليس لها رتبة نحوية محفوظة في التركيب – تقدمت أو تأخرت - . وقد ثبت للباحثة أن هذه الأشياء المرتّبة ترتيباً خطّياً لا يخرج ترتيبها عن أحد طريقين ليس لهما ثالث، هما عطف النسق، وتعدد الخبر والحال والنعت .

443-khrafahوترى الباحثة أن كثيرين من الباحثين السابقين غفلوا هذا الموضع أو تغافلوه، غير منتبهين لأسراره ومزاياه ... وضمّه آخرون – تذييلاً – إلى موضوع (التقديم والتأخير) أي مايقع تحت طائلة الرتبة النحوية، وليس الأمر على ما قدّروا لأن ذلك يقتضي أصلاً وفرعاً وليس ثمة أصل مطلقاً .

وقد جاء الكتاب (343 صفحة من القطع الكبير) في أربعة فصول ضم الأول منها ثلاثة مباحث تمهيدية (بحث في مفهوم الترتيب في اللغة والإصطلاح، وتحديد مجال الدراسة، وتحديد وسائل الترتيب: عطف النسق وتعدد الخبر والحال والنعت)، وتناول الثاني: أسس الترتيب وبواعته في القرآن، أما الثالث فقد خصصته الباحثة لموضوعة اختلاف ترتيب المسميات والصفات، وتناولت في الرابع اختلاف ترتيب (الأحداث والأفعال) و(الجزاءات والملكات) . ثم خاتمة لخصّت فيها الباحثة نتائج بحثها القيّم .    

 

 

مكون الشخصية في رواية "الحي اللاتيني" لسهيل إدريس (4): بناء الشخصية الروائية

alhasan alkyriفي الواقع، يختلف الروائيون في ما يتعلق بمسألة بناء أو رسم شخصياتهم/ Les personnages؛ فمنهم من يعبر عن عواطفها وجل أفكارها وميولاتها مع تحليل تصرفاتها. ومن ثمة فإنه يوظف نفسه مسؤولا عن عامليتها ووظائفها في كل حركة. في حين نجد بعض الروائيين يعطي الحرية المطلقة لشخصياته لكي تعبر عن نفسها من خلال وظائفها داخل المتن الحكائي. إن الروائي بهذا الوصف كالرسام يحتاج إلى المهارة الفائقة في تعامله مع الألوان واللوحة. وذلك لكي يشرك معه القارئ المتوهم ويقنعه من جهة أخرى بنقل الشخصية الروائية من الواقع الحقيقي الكائن إلى ما هو ممكن ومتوهم. ومن الفضاءات المحدودة بالزمان والمكان إلى فضاءات رحبة، شاعرية في مجملها. وهكذا فإن مسألة اختيار الشخصية ليست بالأمر الهين، لأنها تحتاج إلى كثير من التريث والدقة وليس بالأمر العجيب أن تكون الكيفية التي يختار بها الكاتب شخصياته هي القول الفصل والكلمة الحاسمة التي تجعل المتلقي يصفق لهذا الكاتب ويدير ظهره للآخر، لا لشيء إلا لأن الأول أصاب والثاني تعثر فاضطرب إزميله فاختلت معاييره.

وعموما فالكاتب ينتزع شخصياته من أرضية الواقع. إذ ينتزعها من بينها ربما، ويزرعها بكل مهارة وحذاقة في عالم أحداثه وأفكاره ثم يعمل على أقلمتها داخل تلك الطقوس. وهذه العملية يمكن عكسها، إذ يمكن أن يخرج لنا شخصياته من الكتاب ثم يجلسها بيننا. إذ كثيرا ما نقرأ عن شخصيات تكون طبق الأصل لبعض النماذج التي نعاشرها في حياتنا. وهذا ما جعل الشخصيات، حين يستحضرها الكاتب داخل الرواية، تصل مشحونة بروح التمرد لأنها تمتلك المتوازيات الكثيرة مع أناس مثلنا.

وعليه، فخلق/بناء الشخصيات الوهمية هو لب الكتابة الروائية، وإمكانات هذا الخلق لا تنضب؛ بحيث لا يمكن أن تكون حرية الكاتب مقيدة ولا مشروطة إلا بالفكرة الأساسية التي تحركه وتدفعه نحو الكتابة. أما فيما عدا هذا فهو حر وحريته شبه لا متناهية. حيث يمكن أن يجعل شخصياته في بداية الرواية إنسانا ثم تتحول إلى حيوان كما نجد عند كافكا في رواية "المسخ". فالبطل غريغوري يتحول من إنسان موظف ومتزن إلى خنفساء. وقد سئل الأستاذ عبد الكريم غلاب ذات يوم من قبل إحدى الصحف الفرنسية حول كيفية اختيار الشخصيات، فكان من جملة ما قاله ما يلي: ".. تطل علي من خلال الإنسان الذي أعايشه، وكأنه كلامهم يقتحم خلوتي ليفاجئني. كلمة تفاجئ عيني مفرغتين على الورقة البيضاء وأرفع رأسي لأراها تصدر عن شخص يلبس بذلة زرقاء، ملطخة بالسواد، أو جلباب فلاح تطل منه ركبتاه أو سروالا ممزقا وبين أصبعيه عقب دخينة واليد الأخرى ممدودة تطلب العطاء. أو سيدة ترفع قامتها فلا تستقيم، فقد ظل ظهرها منحنيا تمسح الأرض في مغنى عائلة مترفة. وليس من الضروري أن يكون البطل عاشقا، له فتاة أحلام، وأن تكون لحمة الرواية عقدة جنسية"(1).

وإذا كنا قد أسهبنا في الحديث عن الشخصية فلأنها أول شيء يطالعنا في الأعمال السردية على الإطلاق، ولا تتوارى، إلا إذا انشغل الكاتب بتوصيف الفضاء مثلا. ورغم انشغاله هذا فهو دائما يقدم الإطار الذي يلائم الشخصية ويساعد على القيام بأدوارها. لذا فإنها تمتد على طول النص الروائي ناشرة دلالتها. إذ لا وجود لشخصية بدون وظيفة أو عمل أو فعل؛ فهي لا تنتهي ولا تختفي إلا بانتهاء فعل القراءة. لذا قيل، إن نهاية الحكاية هي البؤرة الإستراتيجية لتطابق كينونة ومظاهر الشخصيات. لكن ورغم هذا، فقد ظهرت أعمال روائية لا حدث فيها ولا شخصيات كما نجد عند ناطالي صاروت في مؤلفها" فاكهة الذهب".

 

ذ. لحسن الكيري

كاتب و باحث في الترجمة و التواصل/ المغرب.

.................

1-  غلاب، عبد الكريم: في حوار له منشور بجريدة "العلم" المغربية، العدد 9024، بتاريخ 05/09/1975.

 

الموضوعات التقليدية في قصص المصيفي الركابي

qasim madiمنذ الأمس لم يستطع كتابة أي شيء، ولا التعليق على مانشر أصدقاؤه أيضاً، أمراته طلبت منه جمع الأوراق المبعثرة بجانبه، التي مزقها كانت تضم ُ رسماً لنجمة وهلالٍ معقوف، همَ بالخروج من بيته، وجد كرات الثلج المتساقطة فوق كل ما يحيط به، أدرك أن لكل الأشياء مواسم، غير أنه لم يجد موسمه الذي يدون فيه نثار أشيائه " من قصة قصيرة جدا، أوراق ممزقُة "

أعتدت منذ دخولي الى مدينة العرب "ديربورن" أن أتابع الصحف العربية ومن هذه الصحف " صدى الوطن " التي تهتم قليلاً بالثقافة،وهي جريدة تمول من الأعلان وتصدر اسبوعيا في هذه المدينة وغيرها من المدن المحيطة بها،وتولى القسم الثقافي العديد من الأسماء العربية وخاصة الذين يُجيدون اللغة العربية بقواعدها وآخر الأسماء الشاعر العراقي "كمال العبدلي" وهو المشرف اللغوي والثقافي في هذه الجريدة، والشيء الذي تبادر الى ذهني وفي كل عدد تقريباً أجد مجموعة من هذه القصص منشورة في هذه الجريدة ومن عادتي أتابع كل فعل ثقافي يخدم الجالية وخاصة نحن الذين نعيش التصحر في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها الجالية وخاصة في المجال الثقافي والقسم الأعظم من المثقفين العراقيين الذين ليس لهم مأوى أو مكان ثقافي يجمعهم، بعكس رجالات الدين والأحزاب المنتشرة الذين يسيطرون على هذه المدينة من حيث الأمكنة المتعددة وكل منهم لديه مفتاح، وهذه الأمكنة التي يشترونها بأسعار مرعبة، وهم يعيشون ظروفا أقتصادية صعبة، لأن الولايات المتحدة تعتمد على الضريبة وتفضل الذين يدفعون الضريبة " التاكس " فمهنة الثقافة لا تشبع ولا تغني إزاء متطلبات الحياة، وأنما جميع المهن الأخرى هي التي تقدم الى صاحبها الريع المادي، ولا داعي لذكر أسماء المثقفين والفنانين الذين يعيشون في حالة الكفاف والعوز وخاصة في ظل  هذه الأزمة  والتي يطلق عليها " الأزمة الأقتصادية ، ومن هنا أحببت أن أتطرق الى القاص العراقي الذي تجاوز عمره الستين أو أكثر وهو المساهم في كل محفل بحضوره وطلته البهية،ولدي مجموعة من التساؤلات المهمة ومنها هل القصة القصيرة جدا هي موعظة  ! ولا تتصل بالأحداث المتجددة !أو أنها تحافظ على وجود مقبول للبنى الرئيسية المشكلة للخطاب السردي، أي الشخصية والمكان والحدث السردي وكذلك الزمان،ودارسي القصة والمشتغلين عليها هم الآن من أدخل علينا هذا النمط القصصي أو ما يسمى بالقصة القصيرة جدا ً، أو كما يعرف بالقصة " الومضة  " وعند متابعتي لهذا القاص " المصيفي الركابي " وعن طريق موقع الحوار المتمدن " أجد أنه يميل إلى المعاني الواضحة التي لا تًكد الذهن للكشف عن المقصود، ولم تكن بالعمق الذي ينتظره القارئ كي يتفاعل مع هذه القصص القصيرة جداً،وأنا لا أريد التجني عليه بل هو هذا الواقع وذلك من خلال متابعتي لما ينشره لوجود في معظم قصصه أفكار بسيطة، وهو بالتالي يميل الى السلاسة في طريقة أسلوبه من حيث تناول العبارات والتراكيب وأستخدام الجُمل المستوية الخالية من التعقيد، القارئ المتابع لما ينشره يجد "المصيفي" أنه يتحاشى أستخدام الألفاظ الموغلة في الغموض وهذه غاية في نفس يعقوب، وكذلك  يلمس  انه لا يلجأ إلى الأقتباس والتضمين  كما يفعل الكثير من كتاب القصة القصيرة جدا،خذ مثلا ً هذه القصة " أبتسامة "

كان مرحا طيب القلب، خفيف الظل، دعا أصحابه الوليمة أسماها الأبتسامة، طلب من المدعوين، أن يبتسموا، ضجوا بالضحك، تنفسوا الصعداء، ضحكوا كثيرا، صاح الديك طلع الفجر، وهناك العديد من هذه القصص على شاكلة هكذا مواضيع ومنها "براعم" المرأة، هي وأخوها، دعاء، ولو رجعنا إلى الوراء نجد تقريب القصة من واقع الحياة ثم تطورت فكانت هي قصص القضايا الاجتماعية والسياسية التي تتماشى مع  واقعنا الحالي المزري وعلى " المصيفي " الذي يبتعد عن أحلامنا بقصصه القصيرة جدا أن يقترب من  واقعنا ولو قليلاً لكي يرخي العنان لقلمه في مداعبة أبناءنا الذين يتلظون بالقهر والضيم وموت الوطن وهو من الذين أكتوى بنيران هذا الوطن الذي حاصره واصبح مبعداً

في قصته "دعاء" دعا الرب في إعانته على إتمام دينه، أن يوفُقهُ لأختيار أحسنهن خلقاً وخلقة، تلا عليهم الشيخ مراسيم عقد القران، هرم ولم يستفيق ُ عبقها .

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

معلومات إضافية