المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

جــودت هوشيار: الأدب العالمي.. مفهومه وقضاياه

jawdat hoshyarتوطئة: ما هو الأدب العالمي؟ وهل ثمة مضمون حقيقي لهذا المفهوم؟ . قد يتصور البعض ان النتاج الأدبي الرائج في بلد ما، والذي يترجم بعد فترة وجيزة الى عدد من اللغات الأجنبية يدخل على الفور الى الرصيد الذهبي للأدب العالمي، وهذا وهم وقع فيه كثير من المبدعين والنقاد في بلادنا . المسألة ليست بهذه البساطة، بل أعقد من ذلك بكثير، وهي مثار جدل بين الباحثين الغربيين منذ عشرات السنين ولم تحسم حتى يومنا هذا .

ورد مصطلح "الأدب العالمي" لأول مرة على لسان غوتة، الذي قال خلال حديث مع صديقه ايكرمان في العام 1827: " أنا مقتنع بأن أدباً عالمياً أخذ يتشكل، وأن جميع الأمم تميل الى هذا .. اننا ندخل الآن عصر الأدب العالمي. وعلينا جميعاً الأسهام في تسريع ظهور هذا العصر".  وفيما بعد عاد غوتة أكثر من مرة الى تناول هذه المسألة . 

ولكن ولادة هذا المصطلح لم يأت من فراغ، فقد كان دانتي قد أشار في دراسة له بعنوان «حول الملكية» الى وجود حركة ثقافية عالمية، كما تحدث العديد من المفكرين والفلاسفة والأدباء الألمان والفرنسيين عن التجربة الأنسانية المشتركة . تحدث شيللر عن مفهوم "التأريخ العالمي" وهيجل عن مفهوم "الروح العالمية "

 نظر شيلر الى عصره (القرن الثامن عشر) كبداية لتمازج الأمم المختلفة في مجتمع انساني واحد واعتبر نفسه مواطناً عالمياً .وقد أثرى ممثلو الرومانسية (بايرون، شيلي، وكيتس، وورد  زورث)  مفهوم "الأدب العالمي" . وتعزز هذا المفهوم وتعمق في القرن العشرين، عندما توسعت الأتصالات الأدبية بين الأمم، وبدا واضحاً وقائع التأثير المتبادل، والتماثل الطوبولوجي في العملية الثقافية على مستوى العالم .

على مدى زمن طويل، كان ثمة محيط خاص ولغة خاصة للأدب العالمي. أما الآداب المدونة باللغات القومية فقد كانت تحتل مواقع هامشية . وكانت اللغة اللاتينية وريثة شرعية لجدة أغنى هي اللغة اليونانية، التي كانت بدورها وعبر عهود طويلة تقوم بدور اللغة الأدبية العالمية . وكان مفهوم الأدب العالمي بالنسبة الى اللغتين اليونانية واللاتينية يعني المظاهر الروحية ذاتها التي ينطوي عليها مصطلح "الأدب العالمي" اليوم 

 

مفهوم الأدب العالمي:

مصطلح الأدب العالمي، يتسم بالغموض، وليس له تعريف محدد أو مفهوم واضح متفق عليه بين الباحثين.. ولو راجعنا الموسوعات العالمية بحثا عن مفهوم هذا المصطلح، لوجدنا إختلافا كبيراً بين موسوعة وأخرى. ومع ذلك يمكن القول ان ثمة اربعة تفسيرات اساسية لهذا المفهوم وهي :

الأول: المحصلة الكمية للآداب القومية لكافة الشعوب طوال التأريخ البشري، بصرف النظر عن المستوى الفني والجمالي لنتاجاتها . بيد أن هذا التعريف يجعل من الأدب العالمي شيئاً غامضاً وفضفاضاً، لا يمكن حصره ويصعب دراسته .

الثاني: جماع النماذج الأبداعية المختارة، التي ابتدعتها البشرية بأسرها. وبهذا المعنى فأن مفهوم الأدب العالمي لا يشمل النتاجات متوسطة القيمة أو الظواهر السطحية الشائعة في الآداب القومية، وإنما يقتصر على الآثار الإبداعية ذات القيمة الفنية والجمالية العالية . ولكن ها هنا تنهض مسألة أخرى: هل يمكن القول ان الأعمال الأدبية الرفيعة لكافة شعوب الأرض تنتمي الى الأدب العالمي . يرى بعض الباحثين الأوروبيين، ان الأدب الأوروبي الكلاسيكي والمعاصر هو الذي يمثل الأدب العالمي . وأنصار هذا الرأي لا يتحدثون عن أوروبا كمفهوم جغرافي، بل يتصورونها كمفهوم روحي . وهذا يعني بالضرورة ان الأدب العالمي هو الأدب المشبّع ب" الروح الأوروبية " وان هذا الأدب لا يمكن تمثله الا من خلال منظور الثقافة الأوروبية . وهذه وجهة نظر أوروبية ضيقة . ويرى هؤلاء، ان آداب الشعوب الشرقية تقع خارج نطاق الأدب العالمي، لأن نتاجاتها لم تصبح بعد في متناول أيدي البشرية بأسرها . ويرى البعض الآخر منهم إن الآداب (الهمجية) الغريبة لا تنتمي الى الأدب العالمي. ويدعو الى نبذ الفلكلور وطرحه خارج نطاق روائع الأدب العالمي. ولا شك أن مثل هذه المزاعم مرفوضة تماماً . صحيح ان الفلكلور لا يدخل  في الأدب العالمي على نحو مباشر، ولكن مما لا ريب فيه ان شعراء مثل هايني وبيرنس ويسينين  قد ترعرعوا فوق تربة الفولكلور وان نتاجاتهم جزء من الأدب العالمي .

الثالث: عملية التأثير والإثراء المتبادل للآداب القومية، والتي تظهر في مرحلة متقدمة من التطور الحضاري للبشرية . وهذا ما نلمسه بوضوح في اشارة غوتة الى الدور الذي يلعبه  الأدب العالمي في توطيد أواصر العلاقات المتبادلة بين الشعوب . يقول غوتة : " اننا نود أن نعيد الى الأذهان من جديد ان مسألة توحيد العقليات الشعرية امر مستحيل . فالحديث هنا يدور حول تعريف الشعوب بعضها ببعض، وليس عن أي أمر سواه . وحتى اذا اخفقت الشعوب في اقامة علاقات محبة متبادلة فيما بينها، فإنها ستتعلم في الأقل كيف تتحمل بعضها بعضاً

ان التقدم التكنولوجي، وخاصة في مجال الأتصالات ووسائل الأعلام الحديثة قد ساعد في تقريب ثقافات الشعوب المختلفة وآدابها وفي النضج السياسي والتكامل الروحي على نحو متسارع بمضي الزمن،.ولا نعني بذلك زوال الحدود الجغرافية أو ابتذال القيم  وضياعها، بل التفاعل الهارموني لكافة القيم .إن الشخص الذي لا يرى في الأدب العالمي سوى سلسلة من المؤلفات الشامخة، سيدهش للفكرة التي مؤداها إن أدب كل شعب ينبغي أن يجد مكانه ضمن الأدب العالمي

الرابع: الصفات العامة التي يتسم بها تطور آداب مختلف الشعوب والمناطق في جميع العصور : كان مكسيم غوركي أول من أشار الى وجود مثل هذه الصفات حين كتب يقول " انه لا يوجد ادب عالمي لأنه لا توجد لحد الآن لغة مشتركة بين جميع شعوب الأرض، ولكن الأعمال الأدبية لجميع الكتاب "مشبعة بوحدة المشاعر والأفكار والآراء  الإنسانية العامة . وبوحدة الآمال لأمكانية تحقيق حياة أفضل . ولعل هذا التفسير هو الأقرب إلى الفهم الحديث للمصطلح. ونحن ندرك اليوم بجلاء ان القيم الشعبية والقومية الحقيقية هي في الوقت ذاته قيم انسانية شاملة.

 

الأدب بين القومية والعالمية:

إن النماذج الأبداعية تصب في شرليين منظومة الأدب العالمي بطرق ووسائل شتى . النتاجات التي تتميز بسماتها الفكرية والفنية العالية،  تتجاوز الحدود الفاصلة بين الشعوب وتصل الى حمهور القراء في البلدان الأخرى، الذين لم يسبق لهم قراءتها، والأمثلة على ذلك كثيرة للغاية . الباحثون الألمان ادركوا عظمة شكسبير وشرعوا في الترويج لها على نحو أكثر توفيقاً من زملائهم الأنجليز .ولم يقرأ الناس شعر عمر الخيام - الذي أدهش العالم - الا بعد ظهور ترجمة فيتزجيرالد .

 إن معظم الأعمال الأدبية تصل الى القراء عن طريق الترجمة، وثمة علاقة واضحة بين الأتصالات الأدبية الدولية النشيطة في أيامنا هذه وبين الأهتمام الساخن بالقضايا النظرية للترجمة الفنية . ولا شك ان النتاجات الأصيلة قد تفقد شيئاً من بريقها بعد ترجمتها، بيد أن هذا الخطر يظل قائماً في الحالات التي تقرأ فيها من قبل قراء لا يتقنون اللغة التي كتبت بها . ولا شك ان مبدعي الأدب في كل بلد هم الكتاب والمترجمون على حد سواء .

ثمة نتاجات تصبح جزءأ من الأدب العالمي بعد مضي فترة وجيزة من نشرها، ونتاجات أخرى لا تصبح كذلك، الا فيما بعد، وأحياناً في زمن متأخر للغاية، والبعض منها ينتظر دوره في الوصول الى المجد العالمي، ولكن دون جدوى، لأن الوصول الى العالمية يتوقف على أمور كثيرة . ويكاد يكون من المستحيل التنبؤ باللحظة التي يصبح فيها هذا الأثر الأدبي أو ذاك جزءا من الأدب العالمي . ومن السذاجة ربط هذه اللحظة ببعض الحقائق، كظهور ترجمة لعمل أدبي ما  في خارج البلاد أو الإشارة الى الكاتب في هذه المناسبة أو تلك خارج بلاده . وهذه تفصيلات قد تتفاعل وتشكل بداية لولوج الكاتب ساحة الأدب العالمي حين تكون نقطة  انطلاق لعملية عضوية حية ولا تظل مجرد حقائق عرضية. في هذه اللحظة فقط يمكن اعتبار العمل الأدبي جزءاً من الأدب العالمي .

ان الوصول الى العالمية لا يعني البقاء فيها الى الأبد .فعلى سبيل المثال نرى أن اناتول فرانس دخل الأدب العالمي منذ البدء، بينما نراه في العقود الأخيرة يلفظ خارجاً ليحتل المرتبة الثانية . وكذلك  جورج ويلز، الذي لم يلق في بداية الأمر صعوبة في دخول الأدب العالمي، ولكن أين موقعه اليوم؟ أنه في الواقع خارج إطار هذا الأدب . وعلى هذا النحو نرى ان مدى الإعتراف بكاتب ما قد يتعزز أو يتراخى، بل وقد ينقطع لفترة قصيرة أو الى الأبد . الكاتب الذي يظل حياً في الأذهان هو الذي تصمد أعماله الأبداعية أمام الزمن وتعاقب الآراء والأجيال واجماعها على قوة هذه الأعمال وفرادتها .

ومما لا ريب فيه ان عزلة الأدب القومي عن الآداب الأخرى  يؤدي الى تأخره، والنجاحات التي حققتها الآداب القومية عبر التأريخ كانت بفضل اعتمادها على الإقتباس من الخارج واستيعاب وهضم وتمثل هذا الإٌقتباس من اجل تحقيق أكبر قدر من التعبير الذاتي بمعونة الآداب الأخرى أو في الصراع ضدها .

ان مكانة الدولة في العالم ونفوذها السياسي والأقتصادي وعدد سكانها ومدى انتشار لغتها، تلعب دوراً كبيراً في الأعتراف العالمي بكتابها الذين يعكسون حياتها الروحية في نتاجاتهم. أما آداب الشعوب الصغيرة واللغات قليلة الإنتشار، فإنها تحتل مواقع أسوأ بكثير نسبياً من آداب الشعوب الكبيرة، واللغات واسعة الإنتشار من حيث الأعتراف العالمي بها .

ليست ثمة آداب عالمية متعددة، بل أدب عالمي واحد على الرغم من ذيوع رأي خاطيء يقول بوجود هوة بين ما يسمى " الروح الأوروبية " من جهة وبين " الروح الآسيوية " أو " الروح الأفريقية " من جهة أخرى . ان الذين يعتنقون هذا الرأي يعالجون وضعاً تأريخياً معيناً ويتناولونه كوضع ثابت لا يتغير بمضي الزمن .وبالطبع فان هذا لا يعني ان الأدب العالمي وحدة يسودها الأنسجام، فثمة أمر واضح هو تشابه آداب مجموعة من البلدان من حيث التعبيرعن العالم الروحي اشعوبها . فعلى سبيل المثال نجد ان آداب بلدان أوروبا الشرقية أكثر تشابهاً فيما بينها من الآداب الأخرى . والآداب الأوروبية الغربية أو الأميركية الشمالية أو الأسترالية، هي اليوم أكثر قربا بعضها من بعض من آداب المناطق الأخرى. وكذلك آداب بلدان أمريكا الجنوبية  المدونة باللغة الأسبانية، فإنها تتأثر كثيراً ببعضها البعض, وهذا التأثير أعمق من القشرة اللغوية . بيد أن تباين ظروف الحياة يؤثر أيضاً وعلى نحو شديد في نحت ملامح كل أدب من هذه الآداب، وتحديد السمات التي يتصف بها .

ان اهتمام الجماهير في شتى أرجاء العالم بنتاجات اتجاه أدبي معين -  كالواقعية السحرية مثلاً - أو بظاهرة سياسية ما - كالإسلاموفوبيا في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية –يمارس تأثيراً قوياً في عالمية الأدب، ونعني بذلك، الدور الملهم للنجاح في التعبير الفني القوي عن روح العصر

 

احمد الشيخاوي: عوالم سامي العامري.. الجرعة زائدة والشّذرة بنْت الاغتراب

ahmad alshekhawiإن شاعرا إشكاليا مثل سامي العامري تضطرّه أوتوماتيكية الآني وروتينه إلى صناعة عوالم موازية للحلم .على الدوام ثمّة سقف الرؤيا المستأثر بحصة الأسد من المنجز لديه، يجري الاشتغال عليه لتوجيه المعنى في خطّ ال ـــ ما لانهائي من خطاب بياض يعرّي الذات إلى دغدغة كامنة تلدغ بسخريتها العالم.

إنها فلسفة الكامن كمعادل للوطن في تبئير الظاهرة على دهشة إقحام ثيمة الحرية لتأثيث فضاءات شذرية مقتصدة اللغة و باذخة التصوير الفني وأغوى انتصافا للحسّ المرهف المغلّف بجراحات الاغتراب.

طاقة إبداعية هائلة تتوزّع بين هموم الشعر والقصّ والنقد. صاحب بضع مجاميع متمخّضة عن اختمار تجربة الموت الوشيك يفسح لأناشيد حيوات تتيحها قراءة الماضي في مرآة الراهن لتحصيل صياغة جديدة وإنتاج مغاير للمعطى الوجودي والإنساني ضمن ما يحقنه في الذاكرة تاريخ الهزائم و تزعزع الثقة به لحظة هي أشبه بمقاضاة أعوام تداول الوهم.

كأن يقول:

" ولقد خبرتُ الوهم حتى صرتُ من طلاّبهِ 

واليأسَ حتى صرتُ من أحبابهِ 

لكن أجمِّلهُ 

أسمّيه انعتاقْ .' "

فسقف الحرية حسب تصورات شاعرنا، ليس يعلو عليه عدا معنى الإنسانية باعتبارها نواة بناء القصيدة من الداخل وملحها الذي لا نكهة من دونه لموائد الكلام.

كما وقفزة الحرف من الحلق تفضحها فلكلورية التعتيم وعدم الإقناع ما لم تنمّ وتفصح عن سندبادية تضمن لها تجليات الهجرة الروحية كغاية أسمى من الممارسة الإبداعية لدى صوت مهجري رصين ونوعي جداّ برغم كونه مكثارا في القول الشعري المتماهي مع الإيقاعات العروضية والتفعيلية على نحو خاص.

وطبعا، غير المطعون  بمأساته، ذبيح هويته، لا يأنس كثيرا بالبحر كمكون طبيعي مفتوح، هاهنا، على بكائية المشهد، والعجز الذاتي، و شقلبة قواعد اللعب مع الآخر كمتهّم،تجري على لسان أدبيات المقارنة والمفارقة بين نظامين شرق/ غرب،  مقارعته كآخر غير منفصل عن الذات ومحاججة ما يلوك ــ بنعرة غجري ـــ حتى لا أقول عقلية شرقي، من زيف أيديولوجيات طائفية تفتيتية تلتهم الأخضر واليابس و تصيب الوطن في مقتل.

هكذا، ومن شرفة الغياب، يبدو الوطن على هيأته الطفولية البريئة، لتطالعنا الشّذرة متعثرة بنكهة الحنين، حنين قصيدة أيضا، للوطن وخبزه . هذا ما ترفل به الذات المغتربة في استسلامها الأبدي لنوبات جنون إدمان كتابة صادقة وجريئة تحوم حول جماليات شبحية طافية تلوّن أعين التلقّي وتغزو الأفئدة قبل العقول.

من ثمّ قوله:

" وأصيحُ بنوارسك:

ثقّبي قاربي بمناقيرك يا مناجل البحر

فيغترف السّمك/ موجا يُخلّفه قوامك

ونحن وخبز الوطن

مناديل مشرعة على الحنين.' "

هو تهيّب شراك زمن دوّار النواعير بما لا تشتهي الذات العيية من تبعات مصير الانكسار، مما يعلّل حسّ الرّفض عن وعي  ويحيل على خربشات  ضرب من الصعلكة الإبداعية في تتنفس ملامح البديل،عبر رئات المتخيل المحاكي لواقع  الاكتظاظ العبثي والمنافسة المتوحشة في العادي والمألوف .

وهو صلب ما يرقى فوقه شاعرنا روحا وفكرة ورؤية. ليرسّخ في أذهاننا شعرية أنسنة الكائن الورقي، وشحنها بنعوت البشر، كرهان على البناء السريالي للقصيدة لكن بنكهة التقاط أدق تفاصيل الواقع وضخّ نبض اليومي وفتات الهامشي في صلصال ما تجود به قرائحنا وإن في الحدود الدنيا لتعرية جوانية مسوّقة للمعاناة.

" نواعيرُ مدّتْ بكلِّ الثغورِ

رئات

فعادتْ شِراكًا

لأنّ هوائي طريدُ.' "

..............

" أُجيّشُ الجيوشْ

أزرعُ ألغاماً وأنغاماً

ومن ثدْيَيَّ أُرضعُ الوحوشْ "

التحام أنوي مطبق بسياقات غرائبية تشي بوجوم مبرّر وانقلاب على سماسرة تحويل الأوطان واختزالها في مجرّد بقرة حلوب حلفها وتكاليف إسطبل رعايتها من جيوب الشعوب ونبيذ جلودهم، أما ثمرة ضرعها للحشد المبجّل وهمه، بلغة أنا الدولة، ولصنّاع إيديولوجية ما لله لقيصر.

" ما لي ولِلحشدِ المُبَجَّلِ وهمه/عمري سؤال مثل سجن رحبِ

تعساءُ رُوحهم فجسومهم/ والأفُق أضيقُ من حفائرِ الضّبِّ

أمّا معاصرهم فهل أعطى لنا/ صُنبورُها إلاّ عصير الذّئبِ "

............

" وإنّما جوعٌ أنا،

جوعُ الحياةِ إلى الحياةِ،

نشيدُها، "

...........

هذيانات تعانق روح التجربة " السيابية " فتلتقي معها في جوع وضياع وعطش فعل الاغتراب وجدانا وجغرافية وذاكرة،وربما تزيد عليها شذرات العامري في تشكيل المعنى وتلوين الفكرة عبر نقلها إلى مستوى أعمق من حيث التعاطي مع أزمة الهوية والكينونة المفتوحة على أسئلة وجودية جمّة.

 

أحمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

قُصي الشيخ عسكر: قصيدة ماجد الغرباوي: تسمّر الضوء.. قراءة نقدية

qusay askarحين طالعت قصيدة الأديب ماجد الغرباوي اكثر من مرة راودتني فكرتان دفعتنا بي الى تامل نفسي وتأمل القصيدة فتساءلت:

هل يحق للناقد ان يراهن على كلمة في النص؟

أقول نعم اذا كانت الكلمة تستحق الرهان، وقد راهنت منذ البدء على كلمة النار :

النار مصدر النور، في الفلسفة الطبيعية اليونانية  فليس الماء - وفق رأي اصحاب ذلك المذهب - ولا التراب ولا الهواء أصل النار بل هي نار خفية لطيفة لا تدرك بالحواس لكن يعتريها وهن فتصير محسوسة  ويبدو ان الوهن الذي يعتري النار يمكن ان يكون الوشاية:

ويستعيد مزمارًا

سرقته نار الوشاية

ويبدو ان النار المقصودة قد مرت بمرحلة وهن سابقة فاعترتها الوشاية التي أميل الى تعني في هذه اللقطة الشك  لتصير محسوسة. لقد بدأت من اخر النص وها انا اعود الى بداية المقطع اي انني قرأت النص بالمقلوب لاروض النار يقول الشاعر:

في مراياهم المقعرة

ذوت مصابيح الحانة

هي المرحلة الاولى من علامات الوهن والضعف اذن هي الحانة والمصابيح وهناك الحرف - شكل الكلمة البصري الذي يحولها من صوت الى بصر- الذي يتخذ شكلا مقعرا اي يمتد الى الداخل فيعني الماضي اذ يمكن ان نجعل القعر ماضيا والمحدد مستقبلا اما الذي كان مقعرا فقد تجسد صوتا داخل تلك المرايا لنبصر  النبي داوود يرتقي   الى الفجر بالمزمار نفسه:

استيقظي ايتها الرباب والعود

انا استيقظ قبيل الفجر

أحمدك بين الشعوب يارب ( المزمور ١٨٠)

ان نار الشاعر الغرباوي هي نور اعتراه ضعف التامل فأصبح يشيع البهجة والسكينة ولا يحرق ، ضعف هو مكمن القوة الإيجابية التي تحول القلق الى سكينة . كم هو قوي النبي داوود الذي لان له الحديد (والنا له الحديد) "سبا/١٠" لكنه  امام النور النار والمزمار يبدو ضعيفا مسالما رقيقا .ان نص الغرباوي يدفعنا للمراهنة مع اكثر من نص قديم وحديث في مقارنات وموازنات ياتي شاخصا في جوهرها موضوع المعاناة من خلال  السلام ونعومة العالم التي تكاد تضيع في خشونة صاخبة تستهلكنا كل يوم ، ولَك ان تتخيل ذلك مادمت في مرحلة المغامرة حيث جاءت مباشرة تتلو الرهان:

مــا جدوى ضفائر الليلِ!!

خيوط شمسٍ

ألليل حيث القتام والظلمة تكون الشمس ضفائره التناقض من خلال النعومة المتولدة عن الفجر يحل اشكالية وجوده بنفسه، الم يكن الوضع قبل ذلك وفق الشكل الذي نبه اليه حامل الآلام النبي أيوب:

يكشف الغمائم من الظلام ويخرج ظل الموت الى النور (سفر أيوب ١٢/٢٣)

ثم بعد المراهنة سالت نفسي هل يمكن ان أغامر على كلمة اخرى تعادل بمدلولها النارفاكدت لي التجربة امكان ذلك لأنني بدأت من النهاية الوقفة النقطية جعلتني استعرض النص لتقع رؤياي على اخره فانطلق منه قد تكون الخاتمة هي البداية في كثير من الأحيان حين ندخل في الرهان نرى ان المغامرة في النص تتطلب الا ننطلق من النهاية بل من اية نقطة كانت ماعدا الختام فتصدت لنا كلمة الضوء:

آلهةُ المعابدِ الرُخامية

تركوا البابَ موارباً

فتسمّرَ الضوءُ!!!!

يعانقُ أوهامَ الحقيقةِ ..

ونبوءة المرمى الأخير

تُمزّقُ  اكفانَهُ البالية

ماذا يجد قاريء النص هنا بعد ان راهن فدخل النص من الختام يجد المعاني التالية:

الزمنكان في آلهة المعابد تلك التماثيل الجامدة هي التي تركت الباب مفتوحا ولعله باب الماضي الذي يدخله كل بطريقته الخاصة: الشاعر العربي القديم وجده في الاطلال التي هي من اثار الزمن وفعله السلبي فينا فوقف واستوقف وبكى وحن، والشاعر المعاصر مثل نزار قباني الباحث عن جذوره وجد آلهة المعبد التي تركت الباب مفتوحا وجدهم في  غرناطة :

ما اغرب التاريخ حين أعادني

لحفيده سمراء من أحفادي

اما نحن المغتربين فقد وجدناه في حضارة لخصت الزمان بتماثيل في الشوارع وحدائق في المقابر، والتراث الاوروبي الجميل الذي ينطق بالحاضر ثم اعود اسأل نفسي أليس الاولى ان نعود الى أسطورة خلق العالم الإسكندنافية التي جسدت عملية الخلق بتحرك الجنوب الدافيء  المنير نحو  الشمال البارد المظلم فكانت الحياة من انصهارهما  فيستمر الصراع ويتحطمً العالم فينبثق من جديد وفق خاتمته  وهكذا نظل مادام هناك ظلام نور!

ان الضوء نفسه يتسمر مع كل مشهد نقف  عنده لنتأمل ، فهو واقعنا الظاهر وعالمنا الخفي او الباطن الذي يبصر ما لا تبصره عيوننا.

إذن نحن بين أمرين مراهنة ومغامرة استخرجنا من خلالها النور من الظلام والماضي الى الحاضر والحياة من السكون لذلك كان لابد لي ان أبدا من نهاية قصيدة النثر تلك التي بدأت بسطر موزون:

شاهقا كان المدى

فاعلات فأعلن

ليتوزع بعد ذلك إيقاع البداية الى موسيقى داخلية هادئة تشبه تحول النار الى فجر وخروج النور من الظلمة وهدوء مزمار داوود ذلك النبي الذي يخرج من الظلمة ليلاحق الفجر وهو يتحول من نار الى مظاهر  متباينة تهب الحياة وتبحث عن سر تألقها.

حقا ان النهايات في بعض الأحيان تدلنا على البدايات مثلما راينا في قصيدة " تسمر الضوء" شرط ان نراهن ونغامر من دون ان نضل طريقنا.

 

د. قُصي الشيخ عسكر

..................................

 

تسمّرَ الضوءُ / ماجد الغرباوي

شاهقا كان المدى

يتوسّدُ ناصية َالسماءِ

غارقا في هَذيانهِ

يَتَصَفحُ  جُرحاً

تقرَّحتْ زَفَراتُهُ العاتية

****

أي ذهولٍ ينتابُ شجرةَ الغِوايةِ ..؟

.

.

سرابا ارتدى

حُلْمُ المتاهاتِ القصيةِ

راح يتلو سورةَ الماءِ

وشيئاً من آياتِ الحطامِ

يستعيدُ بقايا موبقاتٍ

وثرثرات

****

مــا جدوى ضفائر الليلِ!!

خيوط شمسٍ

تَلعَقُ تَمتَماتٍ وَلهى

وأُخرى .. تستعرُ ناراً حاميةً

****

يــــالدهشة السؤال!!

.

.

آلهةُ المعابدِ الرُخامية

تركوا البابَ موارباً

فتسمّرَ الضوءُ!!!!

يعانقُ أوهامَ الحقيقةِ ..

ونبوءة المرمى الأخير

تُمزّقُ أكفانَهُ البالية

****

في مراياهم المُقَعَّرَةِ

ذَوَتْ مصابيحُ الحانةِ

فتلعثمَ الحرفُ

يشكو انبهار خيبته

وراحَ صفيرُ العاديات

يستبيحُ مأوى القداسةِ

ويستعيدُ مزماراً

سَرَقَتهُ نارُ الوشاية

 

...................

للاطلاع على نص: تسمّر الضوء لماجد الغرباوي

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2014/83033.html

 

علاء هاشم مناف: دراسة نقدية في قصائد الحديقة العامة لسعدي يوسف.. المكان من التناهي إلى الصمت

في قصائد الحديقة العامة لسعدي يوسف تتشكل فاعلية سيكولوجية للصورة الشعرية، حيث يبرز النمو الداخلي للصورة باتجاه درجة بالكثافة، والإضاءة للومضة، وسعدي يوسف في هذه القصائد يتحرك وفق البنية المتشابكة في آثارها الكلية ثم ينفتح على بؤر الذكريات والحدود القصوى للمكان ليضيء أبعادها، وفي الوقت نفسه يقوم برفض حدود السياقات الدلالية داخل بنوية هذه القصائد ويستعير أهميتها من النسق الموصل إلى المعنى والمتواصل مع الصيرورة الشعرية كونها عنصراً دلالياً ويرفض في الوقت نفسه التصور كون الصور الشعرية تقوم بتحقيق فاعليات دلالية على مستوى المعنى، وعنده الصورة الشعرية هي أداة التوصيل للمعنى، والدور النسقي الذي قام به سعدي يوسف في هذه القصائد، هو التوصيل الحكائي المباشر ولكن بضوابط إيمائية غير مباشرة. من هنا كان سعدي في قصائد الحديقة العامة يتفاعل على المستوى الدلالي كون الصورة الشعرية هي التي تقوم بعملية التفعيل في هذه القصائد وفي أداء دورها عن طريق إحداث المعنى ذي البعد الواحد ومهمتها هو كشف الترابط بين المحور السيكولوجي، والمحور الدلالي ولتصبح الصورة الشعرية، هي الكشف عن الأنساق المتركبّة سيكولوجياً ودلالياً.

          مَنْزهُ الأنهار الثلاثةِ

The Three Rivers park

أشرعةً بيضُ

بجعٌ ابيضُ

غيماتُ خريف بيض...

ثمّتَ ما يجعلُ  جلدي مرتجفاً

أ هوَ المشهدُ في لون براءتهِ؟

أمْ هوَ ما أستمعُ؟

كان هديرٌ يخترقُ الجِِلْدَ

أ طائرةٌ

أمْ شاحنةُ ؟

أمْ هجّة قتلى يقتتلون؟

إن المسانيد الحقبية سيكولوجياً تتصف بالخاصة عند سعدي يوسف، فهو يُصْهر فرضية الذات التصوّرية أمام تلك الحجج المفترضة، ولشخص الإحالات البصرية بالفعل التعريفي في اكثر تلك التواردات الدلالية، فاللفظ عنده يعتمد التحديد في إجماله للمعّرف، لقد شخص سعدي يوسف المعنى اللفظي المتطابق بعمق الفرضية " أشرعةٌ بيضُ، بجعُ أبيض، غيماتُ خريفٍ بيض...." هناك افتراض اعتباطي للحدس اللفظي بطبيعته الثنائية " كان هديرٌ يخترقُ الجلدََ، أ طائرةٌ، أمْ شاحنةٌ ؟ أمْ ضجة قتلى يقتتلونََ؟"  هناك إستمرار لفظي يجمع المعايير المختلفة

الشمسُ تُسخّنُ في المرْج مراياها مراياها

والاشجار

كانّ ضحى الجنّةِ يفتحُ بوابتهُ.

إن معيار الإضافة يعطينا سمة التفاصيل الكتلية في اللّغة، رغم الاستعدادات القبلية لذلك المعنى الاعتباطي في الجملة الشعرية  " الشمسُ تُسخّنُ في المرْج مراياها والاشجار" فالمنعطف الذي يأتي بالصورة الشعرية عبارة عن تفاصيل للاشياء بما هي أشياء كتلية باللّغة رغم الاسترسال في توصيف المعنى، وكان المقطع الشعري كائن حي يسيرُ باتجاه قناة شديدة الإحالة ويسعى سعدي يوسف إلى تحديد ذلك التنوع الأطلاقي للصورة الشعرية.

هل أ دخلُ؟

نورسُ بحر من عَدَنٍ

ضلَّ ....

وها هو ذا يهبط مرتبكاً

بين البجع الأبيض

والاشرعةِ البيض

هناك تفاصيل لأشياء مجردة لها مجس لفظي سيكولوجي، فالمعنى يتعلق بالأشياء المعرّفة بالمكان، باعتبارها كلا سيكولوجياً محدداً بإسترجاعات تعريفية مرجعها حدود المعنى المراد توصيله، والصورة الشعرية تشكلت بالإحالة لأداة التعريف التي تحمل معناها المرجعي" هل أدخلُ؟ نورسُ بحر من عَدَنٍ" وهو الشيء المنطلق من المكان والقابل للتشخيص والتأويل لينتج النفي والانتقال إلى الفعل القبلي من الناحية السيكولوجية المباشرة لأنه تقصّى ذلك الفعل للنورس الذي تحددت تنويعاته الإحالية " بين البجع الأبيض والاشرعة البيض" من هنا تأتي وظيفة التوصيل الدلالية للصورة والمستوى الدلالي لبياض الأشرعة والبجع الأبيض وغيمّات الخريف البيض، فالتقابل للّون الأبيض يأتي من الشيء الذي يتمثل اختلافه في التطابق للّون الأبيض

العاشقتانِ تحت المظلّة

ربّما ارتوتا قبل أن تأتيا جنّة النار

          تحت المظلّة

أو ربمّا سوف ترتويان

إذا ما تمشّى النبيذُ الفرنسيّ كالبُرْء في الدم

والخدِّ

والراحتين

إن تشكيل هذه الصورة يشير إلى خاصية في التغاير، وهي تضمينات تتعلق بالمظلّة وبالارتواء الجمالي والحسي، قد يأتي متناسقاً في حالة الارتواء بالنبيذ الفرنسي، لأن الارتواء يخبر عن شيء حدث بالمعنى الجمالي لهذا المركب وهو يسير "كالبُرْء في الدم " و " الخدَّ، والراحتين،..." فالصورة في الحالة الأولى، هو وجودهن تحت المظلّة وقد أحستا بالإرتواء، وفي الصورة الثانية بعدما" تمشّى النبيذ" وهو الشعور الذي تضّمن عند الشاعر في مركب اللاوعي، لأنه أراد أن يقول: أن النبيذ هو السبب في إرتواء العاشقتان، وهذه الصورة حققت المعنى الوجودي للشاعر وهو المستوى السيكولوجي للصورة

المظلّة

أمْ هي تلك المحطة ذات الوصول؟

سلاماً .....

أقول لعاشقتين تمرَّغتا في هواء المظلّةِ .....

كان الشاعر سعيد يوسف يركز في قصائد الحديقة العامة على الخصائص الحسية للاشياء ويستخرج من تلك الأشياء عوالم من الاسترسال المرجعي داخل عمليات تخضع إلى الجوانب التعريفية، فالحدود التعريفية تضرب جذورها باللاوعي الإمكاني لتشكل ضرباً من الإسترسال، حدوده الاحتمالات، لأن العاشقتان قد تمرغتا " في هواء المظلّة ...."  وهو يصف هذه النهاية بغيوم خريفية

" كانت غيوم خريفية تعْبرُ الأفقََ"

 " والشمسُ دانية"

ويركز الشاعر على الجانب اللّوني في الورق الأحمر " في المماشي" هذا الوصف هو تعبير عن إنعكاسات على ذات الشاعر لإبراز الحس الجمالي ليصبح الشعر خلقاً وإعادة صياغة للوجود الإنساني إضافة إلى الخصائص الواقعية التي لا تنفصل عن الواقع الموضوعي ومكونات الحس السيكولوجي الذي يؤشر نقيضه في البعد الموضوعي، وسعدي يوسف يعيد الصياغات والبؤر السيكولوجية بطراوة وهشاشة تناقض واقع الغربة، وهي تجربة جديدة تحمل إنعكاساتها في البحث عن الأشياء داخل الأمكنة والأزمنة الأوربية المختلفة، والاسترسال المكاني في شعر سعدي يوسف يكاد يكون هو الطابع الذي يحدد مفهوم التجربة الشعرية في لندن بشكل خاص وهو مفهوم جامع لتلك التعيينات، وينتقل هذا الاختلاف تلميحا في قصيدة مقام عراقي وبستة

كان بليلي من شمائل دجلةٍ

والمياه تدورُ تقلّب حال

وفي دجلةٍ من طبْع ليلى أناقة

ونُضرْةُ وجهٍ مُتْرفِ وسرورُ

والشاعر يضطلع بالاشارة إلى دجلة التي يجمعها الشاعر ليس للذكرى فقط بل بالادراك المستمر فينومينولوجياً، وبغداد ودجلة عند سعدي يوسف كالوجود لأنه يتستحّضر البعد الفكري ي تشكيل المعنى، وهي اشارة إلى جوهر المعنى الفلسفي للمكان المقدس بالمعنى الفينومينولوجي، وكان المساق عند سعدي هو الاكتفاء بالتاسيس الانطولوجي للصورة الشعرية وبالتحليل المتعالي لبنية الوعي الذاتي الممتد موضوعياً في مهمة غير متناهية لأنه ينطلق دائماً من الطابع الاستكشافي للحس وأتخاذه مساراً للبنية الزمكانية التي تتمتع بالتجربة الواعية للمكان لأنه الهم

وَصلنا اليومَ، بعد الهّم، دجلة

: وقال الربْعُ

: ماءُ الهّم دجلة

سيوف الاجنبْي، دارت عليّهْ

إن القراءة الفعلية للمكان يعطينا مكمن العبارة الفعلية التي تشكلت بالهاجس الإداركي والتعرف على الإختيارات في تصنيف الأنماط التعريفية للمكان، فكانت دجلة هي الإكتفاء في الوضوح ولا شيء يمنعه من تمثيل الشيء في معنى النهر الكبير الذي أصبح الرمز للمكان في عراق ما بعد الاحتلال، فكان الشاعر يترجم هذا الوعي بالعشق إلى البستة العراقية " وشلون عيني وشلونْ، هذا الأمل ينساهُم؟" هذا المسند اللّغوي ينطبق على معادلة إقتضائية وحسية وذهنية في إمكانية بينية تأخذ موقعاً في أستعمال ذلك التقابل المكاني وتحركه بالأسناد التعييني والأنتقال ذهنياً إلى الإسناد الانتقائي الذي معناه، أن المكان تشكل بالزمان الانتقائي لأنه قابل للوصف وقابل لأستحصال ذلك التنوع المخصوص في القراءة الإقتضائية والعلاقة الإقتضائية لأنها تقتضي تلك الخصائص المركبّة التي يتضّمنها المركّب المتعالي الذي يدل على قوة الفعل داخل الصورة الشعرية، لأن نهر دجلة شكل المرجعية التكوينية للشاعر. كانت المقاربة السيكولوجية تكشف عن تأسيس للفعل اللغوي في تشكيل الرمز، بحيث أصبح الرمز عند الشاعر هو حدود المقارنة والدال المزدوج سيكولوجيا، وأصبح مدلوله منحولاً بسبب ذلك المعنى الذي سبقه الشاعر باللامعنى، وقد تكاثفت العلامة حتى أصبحت حجة في التعالي الميتافيزيقي، حيث تكون العلامة السيكولوجية الاستعادة للعلامة وهي جزء من الكشف لذلك الفعل المتعالي.

وقصيدة "ليس من تلاعُبٍ" قد أكتسبت حدة الإنفصال السيكولوجي داخل ملكة الإنفصال نفسها، وعن فعل ذلك التشكيل، لأن التشكيل المكتوب متزامناً مع ما نقول في تزامنه مع الحاضر المسكون بالخيبة

                   ليس من تَلاعُبٍ

لمن أكتب الآنَ؟

لا شأنَ لي بالعراق، ولا بالعواصم

لا شأن لي بالصداقات فاترة

أو بالنساء اللواتي تخلَّيْن عني

ولا شأن لي بالبنادق والطائراتِ المُغيرةِ،

ولا شأنَ لي بنوادي الرياضة

لأ شأن لي بانتخاب الرئيس

ولا بالمصارفِ،

ولا شأن لي بالعناوين  في صُحُفِِ اليوم

لا شأن لي بالطعام الذي أ تناول ُ

أو بالقميص الذي كنتُ التبُسُه أمس

ولا شأنَ لي بالبريد

ولا بالحديد الذي قد يفلَّ الحديدَ

ولا شأن لي بالكتابِ

وأهل الكتاب...

على المستوى السيكولوجي، في هذه القصيدة هناك نمط من الحياة المتفاعلة داخل بنية الصورة، ويظهر ذلك من خلال هذا التفاعل الذي تجلوه حالة سيكولوجية يصعب إظهارها عبر هذا التفاعل المفرط في النفي لتفاصيل المكان، والعلاقات، والصداقات، والنساء.

وإن كل هذه الومضات جاءت بسبب الضغوطات الذاتية والموضوعية وهي جزء من لذة في الرفض ولذة في الحرمان الذي ركزه سعدي في هذا التعدد في عملية النفي، وقد جاء كامناً في عمق الوعي، ولكن فيه نقلة إرتحال إلى مواطن الغربة، والوحشة، والفتنة بالأشياء الغريبة كذلك الغواية بالكلمات، وسعدي يوسف أنا أحسه إفلاطونياً في هذه القصيدة لأنه صاحب فكر وصاحب موقف، وبأنه يقر أسبقية المعقول بكل استشكالاته المتباينة ووفق الضرورة كان مصراً على الإقرار بهذه الحالة السيكولوجية وبشفافية ذلك الوجود المتلابس وإمكانية ذلك الإدراك الحضوري الذي ينبع من الفعل الخلاق للوجود، وهذا النفي في " اللاشأنَ لي" جاء في إطار القراءة الإقتضائية سيكولوجياً لا إخبارياً عن كنه الاشياء لأن الموضوع يتعلق بالتعبير المركّب لتعيين الإسناد وفق شروع إنتقائية اختارها الشاعر في ذلك التعميم الاقتضائي . إن وجود هذا التعمم وجوداً فعلياً ومقدراً وفق المسند اللّغوي من حيث الإختيار في تشخيصه للحدث" ولا شأن لي بالبنادق والطائرات المُغيرةِ،" إن هذه المساند في الجملة الشعرية تعطينا مزامنات للحاضر الساكن والآسن والذي نطلق عليه بتزامينة اللّغة ومساندها المدموجة في سكونية تلك اللّغة، وهذا ما يجعل من اللّغة ومساندها علامات حيّة بدلاً من الفعل التشكيلي العشوائي الاحتمالي، وسعدي يوسف ينتقل إلى فعل المعنى " ولا بالحديد الذي قد يفلُّ الحديد.." وحالة التجذير داخل مشهد لغة " الزبور"  أي أن حتى الإقتراب الهرمينوطيقي للغة في الكتاب "ولا شأن لي بالكتاب وأهل الكتاب"  أي حتى الإقتراب من كينونة هذه اللّغة التي إنتشرت بشكل حلزوني على هيولي الوعي، فهو يلخص الشك المتنقّل من الشيء إلى الشيء نفسه أي منذ " الكوجينو الديكارتي"  إلى الشك حتى بالوعي النسبي، وهذه هي في تقديري الصلابة الابستميولوجية في بعدها الواقعي الجديد وتمثلاتها النصية وعلاقاتها الحوارية داخل بنية الصورة، ثم ينهي سعدي يوسف قصيدته " لمن أكتب الآن؟ " ويجيب على هذا السؤال "أكتب كي لا أموت وحيداً!" .

وقد حدد سعدي غاية الإبتداء في مساند اللّغة التجريبية، في هذه القصيدة، هناك مقوّم تاريخي لمحايث تطبيقي يشكله سعدي داخل "لوغوس" محسوس وبنبرة متعالية للفهم الفينومينولوجي وهو المفهوم الكلي المقاوم لتلك الإعتلالات في التجربة الحسية وهي الجهة التي ينعقد لها ذلك الإدراك وعند سعدي يوسف هو المفْصل الذي يتدحرج تحت طائلة ذلك الإدراك لأنه استباقاً لمفهوم الوعي التاريخي، وهي ذاكرة  عمّقها سعدي بعد أن ترسبت بقاع الوعي الإنساني. في قصيدة " سماءٌ مُوزية، إلى جليل حيدر" ينطلق سعدي من وفرة في الجمل الشعرية التي تحمل حركية الحس الاعتقادي بالآخر وهذا يعود إلى حكم الوعي المعرفي بالمعطيات، ونحن نعرف القراءة التعيينية والتشخيصية في " صنوف الاشجار" و" إنطباق الشفة" و" خطوط القميص " و" سترة باريس تلك التي لا تزال تحنُ إليها"  أن حصر النمطية الشخصانية الحاصلة من شدة التعقيد الحياتي عند جليل حيدر لهي قاعدة لم تكترث للوهم بل تجعل من الومضة في تطبيق تلك التصنيفات لهو خير تعبير عن المعنى الشخصي ومحاورة تلك البنية المزاجية التي تتوسط هذه النهايات والمحتوى الواقعي لأداة التعريف الحدسي وتقاطعاته إلى اقصى تقدير داخل شخصية جليل حيدر . هناك تحليل للزمكان وإسترسال يقود إلى نقاط عديدة وعلاقات تسمح بتقريب صنف تلك المواقع والمشاهد والمرجعيات الإستقصائية، ويركز سعدي يوسف على الشمولية لهذه الومضات، وهو يفترض إمتداداتها باسترسال من  التفصيل والإنتقاء العشوائي لإستقصاء الحدث ونفي الإنتقاء العشوائي " والشرفات التي لا تزال فرنسية بعد حربين، تلك خطوط الستائر" وسعدي يفصح عن الأشياء باقتراب توزيعي إستقصائي وبعمليات إستعراض مركزة بحيث تستحيل إلى تشخيص إسترجاعي مبني على أشياء تقديرية . في قصيدته " الشمسُ التي لا تأتي" هناك شد غير طبيعي إلى المكان وإلى اللّغة ومعانيها التي تمكنت من القبض على إدراكات سعدي والقبض كذلك على البنية الشعرية والنسق الشعري وكان التوصل إلى تلك الشفافية المؤلمة هو التوصل إلى التأويلية الحاذقة وإلى جميع معاني الغربة داخل المكان إنها " قصائد من فَورتيْسّا " السويد، إن المعنى العام للّفظ هي  كلمة " إشتقت والاشتياق أخذ معناه الحقيقي في الغربة، لأنه تطابق مع حقيقة التعريف، وقد أصبح إتصالاً وأسانيد يمكن فهمها  بشكل ضبابي ولكن سعدي يحدد أسانيده الأسمى في الاشتياق وطبيعته التقديرية التي تنتهي إلى حوار مع النفس " حتى في ظلِّ النخلُ بغير ظلال"  هذا الوصف الاسنادي يحتوي على خواص ذاتية قاهرة، هناك الزمن المفترض مسّبقاً، كان الحرص على الإمتداد، وتجنب الفضيحة، والتحرر من الإرتباط والبعد الأتصالي يلّحُ على سعدي لينزع عنه كل الصفات السرية وليستعيد سعدي مقاومته" في هذا الأحدِ المقرور اشتقت إلى بلدي " " وهن العظم ورأسي مشتعلٌ شيباً." من العسير أن نسترجع أزمنة الماضي المركّب، والمكان يعود إلى ذاكرة سعدي لمسند يضّم هذا المنعرج الزمكاني حتى يتقصّى كل إمكانيات اللاوجود بالنسبة إلى الشاعر لأنه وافق أن يمتد إلى داخل هذا المنعرج، وقد تقصّى إمكانية اللاوجود واللاجدوى، لكنه واقع في كل الحلول، وهكذا كان الزج في منعرج العراق وهو الخطاب الذي يجتهد فيه سعدي، والعراق عند سعدي يوسف من الألفاظ الدالة في معانيها، والكلمة تغري بالمنهجية التي استنفرها سعدي في تشكيل منعطف حسي يجمل هذا النص الذي إعتنى بالإشتياق إلى بلده من حيث مرتبة عليا في تقوّيم الوجود من خلال الذات والوعي الروحي، وقد بلغ سعدي في هذه اللحظة تجربة من التجرد في تشكيل العبارة، والملامسة القصوى للغربة التي إستحضرها سعدي في هذه القصيدة التي التبست في الميدان داخل تجربة حسية من إنتظامات الوجود " أني، المسكين، بلا بلد! " في قصيدته " في يوم السبت أكتملتْ في يوم الأحد" كان الاستحضار للأشياء صور وكائنات في المكان، هناك المكان البارز بالقصيدة بشكل مطلق وإرتحال الطير ومجيء الغيم، وقد إرتدى سعدي قوقعة المكان المطلق، فكان البيت والمطر، حديقة السنجاب، وأن وجود كل هذه الأشياء لخبرنا سعدي إنه يتنفسها من خلال العراق" بُحيراتٌ ترقرقُ  بغتة، وترقَّ . يوقظني بها الأوزُ العراقيّ المهاجر" ومن نسيج هذه الصور يكون سعدي قد وصف قوة الحدث الشعري وليس الصور الكلامية داخل الجملة الشعرية، فكان الحدث يعطينا المرونة المتبادلة بين الشاعر والمكان، وبين الشاعر ووجه التناسق بين الضيفة الآتية من المجهول، ويكاد سعدي أن يجعل المكان بين الأثنين . والمثير للدهشة أن سعدي يوسف كان قد غمر المكان بالسمك العائد إلى النهر والمكان قد غمره الضوء، وهنا  آثار سعدي موضوع السمك الذي يستدعي التكاثر المستديم لزائر المكان، لكن العراق بعيد " وكذلك الأنهار" وهكذا ينقلنا سعدي إلى الأحساس المتناهي بالاشياء " ساحة المبنى مغلقةٌ، هواءٌ ثابتُ . قدماي  ثابتتان، لكني أطيرُ الضوءُ ملتبسٌ" فهو يمتلك المأوى لكنه غائب داخل المكان، وإذا اردنا أن نبحث عن تفاصيل الحدث الشعري نجده داخل دينامينات متنقلة وصور مستمدة من الأشياء، وحركات الحيوانات.

" " أقول : حديقة السنجاب، والآيل إستحالت منزلاً لي... "

وحركة الحيوانات إستحالت إلى مكان، وهي محفورة سيكولوجياً وإن هذا الإنجاز في المكان عند سعدي  في هذه القصيدة يعطينا عمقاً في المأوى وتعزيزاً لصورة المكان في الغربة عن البلاد، لقد أراد سعدي من زائرته أن تضفي دلالة غير اعتيادية على المكان وقد أرادها أن تكون كاملة أولاً لأنها تحب اللّون الأسود وهي علاقة غريزية، وقد استعار سعدي الفراشة وشبه الزائرة بالفراشة، والفراشة هي احدى العجائب الحياتية الحيوانية وأقول لضيفتي أتكئي عليَّ، أنا الضعيف لتلبس جسد الفراشة، أيّما إمراةٍ تجيء هنا، تصير فراشة" وسعدي يثير الصور داخل المكان، فعندما يتلابس الجسدان "في الليل نستهدي بشمع النحل . عند الصبح نستعدي بجذع النخل" وهنا تنتهي المطاردة الجنونية للحدث داخل هذا الحلم، وسعدي كالطفل يحب الأحلام التي تهبط على  المناطق العالية، وصورة الحب في الشعر هي تعبير عن الصورة الطفولية، وصورة الفراشة عندما تهبط على غصن شجرة طري تتلابس به وهي صورة تعبر عن سمات إنسانية كبيرة داخل المكان. وقصيدة " نهارُ أحدٍ ملتبس " بها ينتصف الليل " بين الريح والمطر المُقعقع والسريع وبين دائرةٍ مهفهفةٍ باحلامي وأخرى"  فقد أختفت الزائرة المسائية، لكن اختفاءها الجنسي ربما كان أكثر صلاحية لها، لأن سعدي حدد ظلال ذلك الوجود في الصورة بعد أن أصبح نهار الأحد ملتبساً، لقد رحلت الجارة "وتجنب العصفور نافذتي"  وتجنب العصفور المكان إلى أقصى حدوده، لكن سعدي يوسف بقي ينتظر عودة الزائرة المسائية وظل يعتقد أنه يمتلك " عشبة ايفان جول المعطّرة"  لكن المكان أصبح مهجوراً ولكن بقي حياً وهو الذي يقود سعدي إلى فينومينولوجيا المكان الحقيقي لأنه يعيش في المحيط الطبيعي ليصبح هو مركز الكون . وينهي سعدي يوسف مجموعته الشعرية " قصائد الحديقة العامة" وهي الحديقة التي عانت الخيبة والقلق في العثور على المكان الحقيقي بعد رحلة من التجوال وبعد فوات الأوان. 

 

بقلم: د. علاء هاشم مناف

 

ميمون حرش: الطفل ميمو بيدرا في الفيلم: جوق العَمْيين

maymon harash"جوق العميين" فيلم مغربي  لمؤلفه ومخرجه محمد مفتكـر.. من إنتاج "شامة فيلم"، و"أفالونش إنتاج"، شارك في بطولته نخبةٌ من ألمع  نجوم السينما المغربية:

محمد بسطاوي، ( يرحمه الله)،

يونس مكري،

ماجدولين ادريسي،

إلياس جيهاني (الطفل ميمو بيدرا)،

منى فتو،

فهد بن شمسي،

محمد اللوز،

سليمة بن مومن،

وسعاد النجار،

علية عمامرة،

محمد الشوبي،

فدوى الطالب،

عبد الغني الصناك،

/.../

وأخرون..وأخريات..

الفيلم " جوق العميين" لمخرجه محمد  مفتكرحصد جوائزَ عدة أهمهما الجائزة الكبرى( الوهر الذهبي) للطبعة الثامنة لمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي ، كما توج بجائزة الإخراج في الدورة الـ16 لمهرجان الفيلم الوطني بطنجة، وعادت له أيضاً جائزة أحسن موسيقى أصلية لمقطوعة من توقيع "ديديي لوكوود"/ Didier Lockwood.

يحكي الفيلم عن السنوات الأولى لحكم  الحسن الثاني من خلال فرقة موسيقية مغربية ، تعيش في بيت واحد، لكن أهواء أفرادها شتى، وما يجمعهم هو العمل  في فرقة سموها " جوق العميين "، يتظاهر الذكور منهم، ولا أقول الرجال (بعضهم على الأقل)،  بالعمى طمعاً في دخول بيوت أسر محافظة ،لا تؤمن بالاختلاط لأحياء سهرات  تدر عليهم أرباحاً مهمة.

الراوي في الفيلم هو الطفل ميمو بيدرا (إلياس جيهاني) الذي أدى دوره ببراعة ، وإتقان ، تنكشف لنا أحداث الفيلم المؤرخة لسنوات السبعينات  من خلال روايته التي تقف كثيراً عند سهرات الفرقة التي يشرف عليها الحسين بيدرا والد ميمو (أدى الدورَ النجم يونس ميكري)؛ والفرقة تتكون من ثلاثة عازفين، واحد مهم يعمل  مفتش شرطة (أدى الدور النجم محمد بسطاوي يرحمه الله)، وهو الذي سيحل كثيراً من مشاكل الفرقة مستغلاً منصبه، أخطرها على الإطلاق يوم اكتشفت أسرة محافظة مُستقبِلة أنهم ليسوا عميين، إضافة إلى راقص، وراقصتيْن، ومغنية (أدت الدور ببراعة سليمة بن مومن)..إضافة إلى أم ميمو (أدت الدورَ النجمةُ منى فتو )، وجدة ميمو بيدرا (أدت الدورَ النجمة فاطمة الركراكي شفاها الله)، وعمه عبد الله ( أدى الدورَ النجمُ فهد بن شمسي)، الذي سيتأثر به  ميمو كثيراً ؛ وعبد الله مناضل ، ذو توجه يساري وماركسي، يعمل على توزيع مناشير سرية تنتقد النظام، وتدعو إلى الديمقراطية، و إنصاف الفقراء، والمعوزين من الشعب  ضد ناهبي الوطن، وسارقي خيراته.

بعد اختفاء عبد الله (اعتقاله غالباً جزاء عمله السياسي السري) لم يستطع مصطفى(محمد بسطاوي) إنقاذه رغم منصبه الحساس في الشرطة.. وسيواصل دربَه الطفلُ ميمو بيدرا اقتناعاً وإصراراً على تتمة ما بدأه عمه كما توحي نهاية الفيلم.

فيلم " جوق العميين" شاهدته في الرباط في سينما الفن السابع يوم 10.8.2015، استمتعتُ بالعرض، وبأحداث الفيلم، وأحببت أن أنقل لكم مشهداً من الفيلم يجمع بين رئيس الفرقة وملحنها الحسين بيدرا، وابنه ميمو في "حانة ".. عفواً هل قلتُ "حانة"؟ ..

نعم ، في حانة..

والأب حريص على تفوق ابنه ميمو في الدراسة، يتباهى به أمام زملائه،ويعقد عليه آمالا كثيرة، كان يريد أن يرى فيه الرجل الذي (ليس ما هو عليه الآن) ..أنْ يحقق ميمو ما عجز عنه هو..

لكن الابن ميمو سيخذل أباه؛ لأنه لم يكن يحصد سوى رتب متأخرة في الفصل (21و 25) والتي كان يُزور نتيجتها لتصبح رتباً أولى.. هذا التزوير شارك فيه عمه عبد الله حباً في ميمو وخوفاً عليه من بطش أبيه إذا علم بالأمر .

أنقل لكم المشهد:

يقول الحسين بيدرا / الأب مخاطباً ابنه وهو يكرع كأساً من الروج :

- آ.. صحيح ،لم أسألك حتى الآن، ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟

- " ملك" ، يجيب الطفل ببراءة..

" يريد ميمو أن يصبح "ملكاً"، وهي أمنية في السبعينات ، صداها فقط  كفيل بأن يردي الفيل في مقتل،أما والده الذي ستطاله تهمة " لم تحسن تربية ابنك"، فمصيره سجن ألكتراس/Alcatraz، ولا أقول تزمامارت؛ لأنهم كانوا ينكرون وجوده أصلاً ".

يتلعثم الأب المُحب للملك الحسن الثاني، ينظر إلى مرافقه الذي يشاركه الشراب، يحدق النظر في ابنه ثم يقول له:

- تقصد أن تصبح وزيراً مثلاً أو رجل دولة مُهماً، أو...

يسكت هنيهة ثم يردف:

- ومع ذلك سأقترح عليك عرضاَ مَلكياً..أنفحك كل يوم دراهمَ معدوداتٍ، ثم تحضر معي  سهرات فرقة " جوق العميين".. مقابل كل هذا شرط واحد أن تهتم بدراستك، ولعلمك لن أقبل بعد هذا الاتفاق سوى بالرتب الأولى ..

ويبدأ الأب عرضه في حينه، بحيث ألقى بعض الدراهم على الطاولة، تلقفها ميمو،أما السهرات فلقد حرص الأب أن يحضرها ميمو جميعها رغم اعتراض أمه (منى فتو) ، و دور الطفل "ميمو" الذي لم يتجاوز عمره سبع سنوات في هذه السهرات هو الفرجة ، ومراقبة كيف يتملى أعضاء الفرقة  المتظاهرون بالعمى مؤخرات المدعوات ، وكان يعود محمولاً على الأكتاف من أثر السهر، والنوم، مثقلاً بضجيج وعجيج العيطة،في ذهنه الصغير صورٌ داعرة، وفي جيبه الكثير من الحلويات المسروقة لحبيبته شامة( أدتِ الدورَ علية عمامرة).

" طبعاً " ميمو بيدرا سيخسَر الرهان، ولم يحقق في دراسته ما عاهد والدَه عليه؛ يحصد علامات متدنية، ورتباً متأخرة، لم يكن نجيباً في دراسته، هو من جهة يقلد أفراد الفرقة في "عشقياتهم" ، ويحب "شامة" التي يجلب لها الحلويات خلسة من الأعراس التي يحضرها رفقة الجوق، ويهتم بكتب الجنس،وما يُقال للحبيبة من أقوال، وأشعار حفظ منها الكثير، والتي كان يردد أجزاء منها ببغائياً على مسامع " شامة " حبيبته التي تكبره سناً..

والسؤال الذي حيرني هو : " كيف يحرص الأب الحسين بيدرا على أن يحضر ميمو معه سهرات الفرقة، ويسهر معهم الليالي البيضاء وسط زخم العيطة، والرقص الداعر، والغمز واللمز.. (لقطات كثيرة في الفيلم يظهر فيها الطفل ميمو وهو يضبط ممارسات جنسية تتم خفية لأعضاء فرقة "جوق العميين"، منها خيانة أبيه لأمه مع راقصة في الفرقة (أدتْ دورَ الراقصة النجمةُ ماجدولين إدريسي)؛ و"جوق العميين" اسم مثير حقاً للفرقة ، كل عضو فيها هو كاميرا رقمية بامتياز بلغة اليوم..)  كيف يحصل هذا ، و مع ذلك ينتظر الأب من ابنه أن يحقق نتائج جدية في تحصيله الدراسي؟..

أليس الحسين بيدرا فناناً، كيف غاب عنه هذا الأمر،ألاَ يعلم مثلاً بأن "النور" لا تعوضه الإنارة الكهربائية  أبداً مهما كانت كاشفة للعتمة؟..

ويوم اكتشفت أم ميمو خيانة زوجها مع راقصة في الفرقة،وبعد أن علم الأب بنتائج ابنه المزورة ، وبعد أن اختفى المناضل اليساري عبد الله... سينهار الحسين بيدرا تماماً.. منذ لحظتها بدأ يصعد الهاوية التي نزل منها بسرعة فائقة بسبب إصابته بسعال حاد دائم (هو السل غالباً)..

الطفل ميمو لم يكن نجيباً في دراسته ، لكنه ذكي جداً، وسيعلم هول ما صنع حين كان يُـزَور نتائجَه.. تكشّف له الأمر حين تغيرت طباع أبيه تماماً بعد "فضيحة التزوير" ،كأنه أمام رجل لا يعرفه.. وكما كان يحفظ كلام العشق، والجنس من أعضاء الفرقة ، كانت زوادته تمتلئ بأفكار عمه عبد الله بيدرا عن الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية.. وزوادته هذه ستلفظ مع الوقت كلام الغرام والعشق ، وتحتفظ بجوهر ما كان يدعو إليه عمه عبد الله.. سيلقي بالفَضلة ، ويحتفظ بالعمدة مما تعلّمه..

وهكذا  ففي الوقت الذي كان أبوه في صراع ماراتوني مع مرضه القاتل كان ميمو في سباق مع الزمن ليثبت لأبيه أنه الرجل الذي تمناه..

والأب سيفرح كثيراً حين يعلم بنتيجة ابنه بعد التغيير (الرتبة الخامسة) دون تزوير هذه المرة،بل عن جدارة..

كان طلبه الأخير من ابنه  قبل أن يلفظ أنفاسه هو ألا يقرب السياسة، لم يعده ميمو هذه المرة بشيء، بل كان جوابه حاسماً ودالاً على الرجل الذي سيكونه : ما كان يدعو إليه عمي عبد الله لم يكن عيباً مادام يناصر الفقراء، ويدافع عنهم ..

سيموت الحسين بيدرا مبتسماً، وهو يتابع حركات ابنه ميمو وهو يقلد عمه عبد الله في دور شارلي شابلن.

 

مادونا عسكر: أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة (3): ميتافيزيك ودين (2)

madona askarلعلّ الخطأ الكامن في بعض ما نقرأه من لاهوت وفكر وفلسفة يندرج في إطار التّوعية والإرشاد والنّصح، بدل الغوص في النّفس الإنسانيّة لاستفزاز مكنوناتها بغية الوصول إلى المشكلة الأساسيّة. التّوعية الاستباقيّة جيّدة، والنّصح والإرشاد عملان يدعمان الخبرة الإنسانيّة النّظريّة. وأمّا العمل على تفكيك الخطوات الإنسانيّة المؤديّة إلى المشكلة فهو الأهمّ، وبالتّالي تنكشف الذّات أمام الإنسان وتتّضح الرّؤية ويسهل العلاج. وحتّى لو لم نصل إلى نتيجة إيجابيّة حتميّة، نكون على الأقلّ قد تلمّسنا الدّافع لفعل الشّر أو ما يسمّى بالخطيئة. والمفكّر المبدع هو ذاك الّذي ينبثق منه الفكر كالنّور فيدخل الأعماق الإنسانيّة ليكشف خباياها، فتعلن ثورة على جانبها المظلم لترفع من شأن إنسانيّتها العظيمة.

وإذ نحن بصدد قراءة وكتابة أنسي الحاج، تتّضح لنا قدرته على سبر الأغوار الإنسانيّة الّتي قد نغفل عنها أو نخشى الولوج فيها. وإذ نحاكي الفكر الأنسيّ نعيد قراءة ذواتنا، وفكرنا، وخبراتنا، بل حتّى ماهيّة إيماننا على ضوء هذه الثّورة الفعّالة.

يقرأ أنسي الحاج الكتاب المقدّس على ضوء إنسانيّته وخبراته ما يمنحنا آفاقاً واسعة تساعدنا على تفكيك عناصرنا الإنسانيّة وتذهب بنا إلى أهمّيّة الحضور الإنسانيّ في الكتاب، والانطلاق منه لفهم تعاملنا مع الله والعكس صحيح. والومضات الفلسفيّة الكائنة في النّصوص تعمل كمحرّك للعقل والنّفس بغية إيقاظها من ثبات الفكر الموروث والتّقليدي كي تتمكّن من الانطلاق والتّحرّر. كأن نقرأ لأنسي في كتاب "كان هذا سهواً" الفقرة التّالية: "هنالك بعض الرّغبة الشّريرة في كلّ ارتماء وكلّ تجديد، لعلّها تشبه ما كان يعتمل في النّفس أثناء عبور حوّاء وآدم من الباب الشّرقي في الجنّة إلى أسفل الصّخرة، في السّهل المنخفض، حيث قادهما الملاك المرافق إلى هناك بداية المنفى، واختفى". (1)

لقد قرأ اللّاهوتيّون في سلوك حوّاء وآدم عدم طاعة لله سبَّب دخول الخطيئة والموت إلى الإنسانيّة. لكنّ أنسي الحاج قرأ في سلوكهما رغبة ما في التّجديد. وهنا الحديث على المستوى الإنسانيّ العام، لأنّ كلّ تجديد أو كسر للمألوف هو بمثابة ثورة تفترض التّحرّر من التّقليدي، أو  الموروث، أو نزعة إلى تحقيق الذّات بالذّات بعيداً عن الله. وهنا أصل الفكرة، ومبدأ الحركة الإنسانيّة، والرغبة في الجديد حتّى ولو كلّف الأمر الخروج من الجنّة. لعل "الجنّة" ترمز هنا إلى حالة الرّكود، والاستسلام، والقبول اللّا إرادي، و"أسفل الصّخرة" مبدأ التّجديد والخروج عن المألوف، و"الملاك الّذي رافق واختفى" يرمز إلى احترام الحرّيّة الإنسانيّة الباحثة عن نفسها.

ويكمل أنسي ليتوغّل أكثر ويثور أكثر فيقول: "لو قهر قايين قهره من تفضيل الله هديّة أخيه هابيل على هديّته، لحوّل غيرته إلى اعتمال داخلي، ولعلّه كان شيئاً فشيئاً سيتعالى في نظر الله، وربّما سيلجئه إلى مراجعة الذّات كما حصل مع أيّوب." (2)

تصرّف قايين بعفويّة دون أن يخفي قهره وغيرته فأتى تصرّفه عنيفاً قاسياً. تحامل على الله وعلى أخيه. إلّا أنّه بحسب أنسي الحاج لو أذلّ هذا القهر لتبدّل الأمر وراجع نفسه وعدل عن فعله الشّرّير. وفي هاتين الفقرتين يركّز أنسي الحاج على السّلوك الإنساني الانفعاليّ الّذي أدى إلى الخطيئة بحسب النّصوص الكتابيّة. ولو أنّهم أخفوا هذا الانفعال وخرجوا عن طبيعتهم الإنسانيّة أو بمعنى أصحّ عن حرّيّة التعبير الانفعالي، بمعنى آخر أظهروا عكس ما يضمرون لاختلف الوضع كلّه. "كان ينقص روّاد الخطيئة والمحمّلين مسؤوليّة تأسيس موتنا (آدم وحوّاء، قايين...) مهارة في التّمثيل تلجم عفويّتهم ولا تفضحهم أمام الخالق..." (3)

والفكرة العميقة المتجليّة في الفكر الأنسي تكمن في الإيعاز إلى روّاد الخطيئة الحقيقيّين في العصور الحديثة، الّذين يبرعون بالتّمثيل، ويظهرون عكس ما يضمرون، ويخفون انفعالاتهم بمكر وخداع. ما يحيلنا إلى قراءة أخرى لسلوك آدم وحوّاء وقايين، قراءة إنسانيّة تظهر الفرق الشّاسع بين السّلوك الانفعالي والسّلوك الماكر أمام الله. فالأوّل بحسب أنسي أخفّ وطأة من الثّاني. السّلوك الانفعالي حالة آنية ومؤقّتة وينتج ما ينتج عنها من سلبيّات وشرّ، لكن يليها الشّعور بالنّدم والأسف. وأمّا السّلوك الماكر الّذي يضمر في داخله الشّرّ في حين أنّه يظهر التّقوى والورع يخطّط لموت شامل وتام على المدى البعيد. "ما كانت الواقعة لتقع بهذه السّهولة لو تعامل الله في بدء الخليقة مع باطنيّي العصور الحديثة". (4). وتبدو هنا ثورة أنسي الحاج باتّجاه الله الّذي برأيه تعامل مع سلوك انفعالي، ما لا يمكن أن يحصل اليوم في ظلّ القدرة العالية  في أداء البعض،  وبراعتهم في إخفاء ما في نفوسهم من حقد وضغينة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

.........................

(1) (2) (3) (4)- كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 19

 

 

 

رضوان الرقبي: قوانين التأويل عند الإمام الشاطبي

ridowan alrokbiاعتمادا على العقليات القطعية والنقلية المعقولة والمواصفات الملائمة للعقل، اجتهد أبو إسحاق الشاطبي في أن يقدم بعض المبادئ والقواعد والضوابط التأويلية الخاصة بالتأويل العربي الإسلامي، ولعل المبدأ العام الذي ينطلق منه الشاطبي، هو ما يمكن أن نسميه بمراعاة المجال التداولي للنص المؤول، وبناء على هذا المبدأ العام الذي يؤطر العملية التأويلية العربية، يمكن أن نفرعه إلى عدة قواعد تكون بمثابة ضوابط لهذه العملية التأويلية، حتى لا تخرج عن جادة الصواب.وهي على الشكل التالي:

 

1- قاعدة الخطاب المؤول:

إن النص المؤول في الثقافة الإسلامية ليس على مستوى واحد، وإنما هو ثلاثة أصناف حسب ما ذهب إليه الطبري قائلا: " وأن تأويل جميع القرآن على أوجه ثلاثة:

-   الوجه الاول: لا سبيل إلى الوصول إليه، وهو الذي استأثر الله في كتابه أنها كائنة مثل وقت قيام الساعة، ووقت نزول عيسى بن مريم ووقت طلوع الشمس من مغربها، والنفخ في الصور وما أشبه ذلك.

-   والوجه الثاني: ما خص الله بعلم تأويله نبيه صلى الله عليه وسلم دون سائر أمته، وهو ما فيه مما بعباده إلى علم تأويله الحاجة، فلا سبيل لهم إلى علم ذلك إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم تأويله.

-   الوجه الثالث منها: ما كان علمه عند أهل اللسان الذي نزل به القرآن، وذلك علم تأويل عربيته وإعرابه، لا توصل إلى علم ذلك إلا من قبلهم.44

ويقسم ابن عباس رضي الله عنهما التفسير إلى أربعة أوجه: " وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله ".45 وهو في ذلك يستند إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه: " أنزل القرآن على أربعة أوجه: حلال وحرام؛ لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير تفسره العرب وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله فهو كاذب."46

فالنص المؤول إذن ليس على مستوى واحد، وإنما هو مستويات حسب طبيعة هذا النص. وإذا شئنا أن نحصر أوجه تأويل النص في الثقافة الإسلامية، فإنها لن تخرج عن أربعة أوجه كما ذهب إلى ذلك ابن عباس.

ما يجب تأويله.

ما لا يجب تأويله.

ما يميل إلى جانب عدم التأويل.

ما يميل إلي جانب وجوب التأويل.

فما لا يجب تأويله هي النصوص المتواترة التي لا تحتمل التأويل،47 وكذلك المتشابه الحقيقي الذي هو غير لازم تأويله.48 وأن ما يجب تأويله؛ فما لا يقبل معناه الحرفي كالأساليب التشبيهية والاستعارية، على أن هناك مرتبة وسطا بين هذين الطرفين وهي: ما يلزم تأويله إذا تعين الدليل عليه، مثل المتشابه الإضافي. وما يميل إلى جانب عدم التأويل، أي ما لا يلزم تأويله مثل المحكم الإضافي.

 

2- قاعدة وضع المؤول:

إن وضع المؤول – حسب الشاطبي -هو أن يكون من السلف، وممن يسير على سنن السلف من الراسخين في العلم وخواص العلماء، لا أن يكون من غير الراسخين في العلم ومن غير خواص العلماء كالظاهرية والباطنية ... وعلى هذا الأساس فإن الراسخين في العلم لدى الشاطبي هم من اتبع سلف الأمة واقتدى بهم في أفعاله وأقواله، لأنه بمثابة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا بلغ الإنسان مبلغا، فهم عن الشارع فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة، وفي كل باب من أبوابها فقد حصل له وصف هو السبب في تنزيله منزلة الخليفة للنبي صلى الله عليه وسلم  في التعليم والفتيا، والحكم بما أراد الله."49

فالصفة الحقيقية " التي تؤهل صاحبها لأن ينوب عن غيره ويتكلم باسمه هي أن يكون عارفا خبيرا بمقاصده، على الجملة والتفصيل، وأما ما عدا ذلك فأمور مساعدة، فالمجتهد الذي يحكم ويفتي باسم الشارع، لا بد أن يكون عالما تمام العلم بمقاصده العامة، وأن يكون عالما بمقاصده في المسألة التي يجتهد فيها ويحكم عليها."50

ويعيب الشاطبي على من يرون أنفسهم أهلا للاجتهاد في الدين، فيتجؤون على أحكامه وشريعته حتى لتجد أحدهم " آخذا ببعض جزئياتها في هدم كلياتها، حتى يصير منها إلى ما ظهر له ببادئ رأيه من غير إحاطة بمعانيها، ولا راجع رجوع الافتقار إليها... ويعين على هذا الجهل بمقاصد الشريعة وتوهمه مرتبة الاجتهاد."51

3قاعدة مراعاة المؤول لمقتضيات الأحوال ومجاري عادات العرب:

لقد خص الشاطبي هذه القاعدة بعناية خاصة، ووضع لها بعض الضوابط التي ينبغي أن يتخذها المؤول الراسخ هادية له، وهي عبارة عن عدة معارف:

1-:معرفة لسان العرب: مفردات وتراكيب ومعاني: فهذه " الشريعة المباركة عربية لا مدخل فيها للألسن الأعجمية. "52 فالشاطبي لا يريد بهذا التطرق إلى مسألة ما إذا كان في القرآن ألفاظا ذات أصول أعجمية، وإنما " البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة ... فمن أراد تفهمه فمن جهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة."53

من هنا يجب أن ينظر إلي العملية التأويلية في ضوء اللغة العربية، باعتبارها بابا أساسا لولوج عالم النص وفهم أغواره، وسبر مدلولاته، وعلى ضوء المعهود من أساليب العرب، ومن ذلك أن العرب " في ما فطرت عليه من لسانها تخاطب بالعام يراد به ظاهره وبالعام يراد به العام في وجه والخاص في وجه، وبالعام يراد به الخاص والظاهر يراد به غير الظاهر، وكل ذلك يعرف من أول الكلام أو وسطه أو آخره، وتتكلم بالكلام ينبئ أوله عن آخره، وآخره عن أوله، وتتكلم بالشيء يعرف بالمعنى كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بأسماء كثيرة، والأشياء الكثيرة باسم الواحد، وكل ذلك معروف عندها لا ترتاب في شيء منه هي ولا من تعلق بعلم كلامها، فإن كان كذلك فالقرآن في معانيه وأساليبه على هذا الترتيب."54

فالأصوليون يكثرون من التأكيد على أهمية احترام والتزام حدود قواعد اللغة العربية؛ في فهم مقاصد النصوص، ويتعرضون لهذه الفكرة كلما وجدوا لذلك مناسبة لأن " لسان العرب هو المترجم عن مقاصد الشرع." 55 ومن هنا فالشريعة لا يفهمها حق الفهم إلا " من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط، ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم  العربية، فهو مبتدئ في فهم الشريعة أو متوسطا فمتوسط في فهم الشريعة ." 56

وهكذا كلما كان المجتهد أمكن في اللغة العربية، كان أقدر على إدراك مقاصد الشرع إدراكا سليما، فإذا كان كذلك صح له أن ينظر في القرآن ويستخرج معانيه ومقاصده على أن يسلك في " الاستنباط والاستدلال به مسلك كلام العرب في تقرير معانيها ومنازعها، في أنواع مخاطباتها خاصة. فإن كثيرا من الناس يأخذون أدلة القرآن بحسب ما يعطيه العقل منها، لا بحسب ما يفهم من طريق الوضع، وفي ذلك فساد كبير وخروج عن مقصد الشارع."57

2-   معرفة أسباب التنزيل ومقتضيات الأحوال.

3- معرفة علم القراءات والناسخ والمنسوخ وقواعد أصول الفقه، التي تتحدث عن المبين والمؤول والمقيد والمتشابه والظاهر والعام والمطلق ...

 

4- قاعدة تماسك النص واتساقه وانسجامه.

بناء على هذه القاعدة يرى الإمام الشاطبي أن الخطاب القرآني متعالق الأجزاء، مترابطها يدور حول محاور محددة، فإذا أوهمت بعض الآيات بالتعارض أو التقابل أو بالتناقض، فإن ما أوهمت به ليس بالتعارض ولا بالتناقض، إذ يمكن ترجيح الأدلة العامة على الخاصة، أو أحد النقيضين على الآخر، فمدار الغلط وسوء فهم الشريعة إنما هو ناتج عن " الجهل بمقاصد الشرع وعدم ضم أطرافه بعضها ببعض، فان مآخذ الأدلة عن الأئمة الراسخين، إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة، بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها وعامها المترتب على خاصها، أو مطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها إلى ما سوى ذلك من مناحيها، فإذا حصل للناظر من جملتها حكم من الأحكام، فذلك الذي نظمت به حين استنبطت."58

ويشبه أبو إسحاق الشاطبي انسجام الخطاب القرآني بالإنسان الصحيح السوي قائلا: " فكأن الإنسان لا يكون إنسانا حتى يستنطق، فلا ينطق باليد وحدها ولا بالرجل وحدها ولا بالرأس وحده ولا باللسان وحده، بل بجملته التي سمي لها إنسانا، كذلك الشريعة لا يطلب منها الحكم على حقيقة الاستنباط إلا بجملتها،لا من دليل منها أي دليل كان، وإن ظهر لبادي الرأي نطق ذلك الدليل، فإنما هو توهمي لا حقيقي، كاليد إذا استنطقت فإنما تنطق توهما لا حقيقة، من حيث علمت أنها يد إنسان لا من حيث هي إنسان لأنه محال."59

فالمؤول الراسخ شأنه تصور الشريعة صورة واحدة،  يخدم بعضها بعضا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، "وشأن متبعي المتشابهات أخذ دليل ما أي دليل كان عفوا وأخذا أوليا وإن كان ثم ما يعارضه من كلي أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطي في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا فمتبعه متبع متشابه".60

إن المتأمل في كتابي الشاطبي الموافقات والاعتصام، يلاحظ أن الرجل يستعين ويوظف كذلك قواعد تاويلية كونية -كما سنلاحظ عن ابن رشد فيما سيلي - مبنية على أسس منطقية واستدلالية، وقواعد تأويل عربية، على أن تلك المبادئ والقواعد التي صاغها الشاطبي لا تعتبر قطعية وجامعة ومانعة، وإنما هي مبادئ تأطيرية، تضبط العملية التأويلية وتمنعها من الزيغ والانحراف.

وعلى هذا الأساس قسم الشاطبي التأويل باعتباره عملية اجتهادية استدلالية في استنباط الأحكام إلى قسمين: تأويل صحيح، وتأويل فاسد. فأما الصحيح فما كان منضبطا للقوانين العربية غير مخالف لما عليه السلف، لأنه إن كان كذلك فهو الضلال بعينه.61 مثل تأويل النصوص تأويلا بعيدا أو باطلا. وأما الفاسد فهو كل تأويل مخالف لما عليه سلف الأمة، وغير منضبط للقوانين المحددة سلفا.

هكذا اجتهد الإمام الشاطبي في أن يدافع عن اتساق النصوص القرآنية وانسجامها، وفي أن يقدم مبادئ وقواعد للتأويل، وفي أن يتحدث عما يؤول منها وما لا يؤول، وعمن يقوم بالتأويل وعمن يجوز له أن يطلع على التأويل وعمن لا يجوز له، وكل هذا المجهود الذي بدله أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات والاعتصام يهدف الى "تعزيز وحدة الأمة ".62

وإذا كان الشاطبي من الراسخين في العلم وخواص العلماء، فانه يأخذ بقسط وافر من الفلسفة ويوظف التأويل، فقد وظف المنطق لبناء أحكام شرعية، ووظف التأويل لأنه يقرر بأن في القرآن ظاهرا وباطنا، أي ما يجب أن ينظر إلى ظاهره وما يجب أن يؤول حتى تدرك معانيه. يقول " لأن من فهم باطن ما خوطب به لم يحتل على أحكام الله حتى ينال منها بالتبديل والتغيير، ومن وقع مع مجرد الظاهر غير ملتفت إلى المعنى المقصود اقتحم هذه المتاهات البعيدة... وعلى الجملة فكل من زاغ ومال عن الصراط المستقيم، فبمقدار ما فاته من باطن القرآن فهما وعلما، وكل من أصاب الحق وصادف الصواب، فعلى مقدار ما حصل له من فهم باطنه."63

 

...................

44 - تفسير الطبري: 1/41

45 - نفسه 1/34

46 - نفسه

47 - الموافقات. 2/49. الشاطبي

48 - نفسه. 3/98

49 - نفسه: 4/106-107

50 - نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي: ص 331 احمد الريسوني الطبعة الأولى 1991 دار الأمان الرباط. تحدث ابن السبكي عن العلوم التي تلزم المجتهد ثم نقل عن أبيه تعريف المجتهد " وقال الشيخ الإمام هو من هذه العلوم ملكة له، وأحاط بمعظم قواعد الشرع؛ ومارسها بحيث اكتسب قوة يفهم بها مقصود الشارع " جمع الجوامع 2/383.

51 - الموافقات: 4/174 -175 الشاطبي

52 - الموافقات: 2/65

53 - نفسه: 2/66

54 - نفسه: 2/65/66

55 - الموافقات 4/324

 - 56نفسه 4/304

57 - نفسه: 1/77

58 - الاعتصام 1/166. الشاطبي. تحقيق خالد عبد الفتاح. الطبعة الأولى 1996 مؤسسة الكتب الثقافية. بيروت

59 - الاعتصام 1/166. الشاطبي

60 - نفسه.

61 - الموافقات 3/73 الشاطبي

62 - التلقي والتأويل. 138 محمد مفتاح.

63 - الموافقات: 3/390

 

يوسف هداي ميس: اشكالية الروائي وكاتب السيناريو في مسلسل ساق البامبو

yousif hadayما الفرق بين الرواية المكتوبة والفلم المأخوذ عن الرواية؟ وأيهما أكثر جمالية؟ وهل بالضرورة أن تكون الرواية الجيدة فلما سينمائيا ناجحا؟ وما الجدوى من تحويل مؤلفات كتبت بأساليب أدبية راعى خلالها مؤلفوها جمال كلماتهم ورشاقة العبارة على الورق إلى أفلام متعتها الحقيقية تكمن في الصورة والحركة. جملة من التساؤلات طرحت حول تحويل الروايات الى أعمال سينمائية. فدخل الفن في جدلية الصراع بين الصورة والكلمة، ويبدو أن أنصار "الغزو السينمائي" هم الذين رجحت كفتهم فاستولوا على أهم الأعمال الروائية وصيروها أفلاما تعرض في صالات السينما. لم يكتفوا بذلك فأنتجوا مسلسلات تلفزيونية أخذت قصصها من الروايات أيضا. أبدع فيها كتاب السيناريو في إضافات أثرتها وزادتها جمالية. حتى دخلنا في ثنائية أخرى تتمثل في كاتب الرواية وكاتب السيناريو، أيهما أجاد العمل أكثر، الكاتب الروائي بثقله وثقافته وخبرته أم كاتب السيناريو بفهمه للنص الروائي وقدرته على التعاطي معه؟. سؤال كثرما تردد على  أفواه متابعي مسلسل "ساق البامبو". فهل نجح السيناريست رامي عبدالرزاق في المهمة الموكلة إليه؟.

 لعمري إن كاتب السيناريو لم يبلغ شأو مبدعها الحقيقي سعود السنعوسي في طرح الفكرة ولا حتى في جعل الحدث مشوقا أيضا. فقد طبر في الرواية وانتهك جمالية فصولها بطريقة فجة، والأنكى من ذلك أقحمها بشخصية "نور" التي قامت بدورها الممثلة الكويتية "شجون". حتى إنه أخفق منذ البداية في اختيار الاسم المناسب لها إذ جاءها باسم يتشابه مع اسم خالتها نورية، ولأنها صغيرة فالكل يناديها باسم "نوير" وهكذا نجد أنفسنا تائهين بين نور ونورية ونوير!.

 جاءت شخصية نور بشكل هزيل ومسطح، لم تضف للعمل شيئا سوى الصراخ بكلمة"هيييه" قبل كل جملة تتفوه بها. بالإضافة لصفة "ثولة" التي لازمتها على طول حلقات المسلسل حيث أننا لو عددنا المرات التي سمعنا بها هذا الوصف سواء ممن يحاورونها أو على لسان نور نفسها لكان العدد هائلا حتما، وكأن السيناريست يسعى حثيثا في تذكرينا بأن نور ثولة، بدلا من الاستعانة بالوصف التمثيلي حيث يعرف المشاهد صفات الشخصية من خلال تصرفاتها وليس بهذه الطريقة الفجة. وهكذا تبدو شخصية نور المتطفلة على ساق البامبو تحتل المساحة الكبرى في المسلسل دون أن تضيف له شيئا ذا قيمة سوى متلازمة:"هيه...ثولة". ولعل طبيعة الرواية ذات الأحداث القليلة هي التي أوقعت السيناريست في ورطة فأوجد شخصية "نور" بغية أن تعطي للعمل نوعا من الحركة والكوميديا وليته لم يفعل فلا كانت الكوميديا مضحكة أبدا ولم يكن العمل بشكل درامي صحيح، فالحلقات تشبه بعضها، وتسير بتثاقل، والأحداث لا تكاد تتطور بل تتراوح في مكانها. ولأنها رواية فكرة، وخلاصتها تأتي عبر منولوج داخلي للبطل عيسى الطاورف أو هوزيه، فكان من الأجدى أن تأتي أحاديثه مع نفسه بلغة عربية فصيحة ومفهومة للجميع. لأن ما يقوله هو ثيمة الرواية وأساسها، إلا أن النفس الدرامي لدى كاتب السيناريو طغى على روح الرواية مثلما طغت "نور" على أحداث المسلسل.

  لست بالضد أن تتحول رواية مهمة مثل ساق البامبو إلى مسلسل، ولكني ضد أن تعطى لكاتب سيناريو لا يرقى لمستواها ولا لمستوى كاتبها الروائي سعود السنعوسي. 

 

يوسف هداي ميس    

 

علاء هاشم مناف: عبد الوهاب البياتي واشكالية الزمكان.. دراسة نقدية

ان التحديث الذي حصل (للزمكان)عند الشاعر البياتي ..قد وضع.. منطقه الشعري .. في بذرة الحلم المتطابقة، مع السمة المتناهية في اصغر انتقالة (للنواة) لفينومينولوجيا الشعر تفصح عن المجرد من الموضوعات … وهو الاسلوب الشعري الذي يعالج … الصوت والظاهرة في (الزمكان) وهو يشكل العبارة كما فهمها (هوسرل)  بالبحث المنطقي عن (الزمكان) وهو الاسلوب الذي طرحه البياتي لبلوغ اعلى غايات النموذج في التماثل الافلاطوني … وصهر التأمل الابداعي … بخواص الشعرية الحديثة والمشاهدة الدقيقة من خلال حقيقة (الزمكان) التي تمثل العبارة، والتوقف (للاحساس، بالايقاع) وهو يتداخل بمستويات الشعور (الزمكاني) الواعي وهو الذي يشد الاشياء الى نسبية متناهية … باحثاً عن البداية في عملية (التفكير) من خلال (اشكالية المعنى – والزمكان)  في، الجديد من التحليل والرصد … في الرؤيا … والمنهج الشعري باتجاه، معرفة التحديث .

فالبياتي … اختصر كل المسافات (وحدد الزمكان) والولوج الى منعطف القصيدة … وهو او ما يستهدف في ذلك، باستشفاف الرمز – و(الزمكان – والمعنى – والصوت – والظاهرة – والتأويل – والتمرد على الاشياء)  وحين ادرك ان (الحرية - والحب) هما مفتاح ومفتتح (الشعرية) بدأ ايقاع (الزمكان) ثم الانتقال الى العمق (بسحرية شعرية) تتميز بالتنازل، والعمق – والشمولية، لمجموعة من المفاهيم … وهي تقع في صيرورة اللحظة نحو المثل العليا … وكان المستوى الفكري … وهو الذي اثر في العمق الفني … وبالحركة … التجديدية للشعر الحديث .

ونحن نقيس، ونحس (بالنموذج الشعري للبياتي) وهو يوضّح، الشمولية في المفاهيم الشعرية … وهو الاختيار الدقيق في التفرد في نظام المشمولات … والوسائل الدقيقة في الايجاز للنص الشعري .

فالتاريخ عنده عبارة تجسيد حقيقية للوقائع … وهو يقول في كتابه (تجربتي الشعرية) (التاريخ كتجربة انسانية واسعة ومتعددة الجهات)([1]) .

ومهما كان التأويل الوجودي للنص الشعري عند البياتي … واحالة البياتي الى تفكيك (زمكاني) وحرره بالقوة التدميرية في صيغة البحث عن عمليات الاختلاف … وهذا واضح في مرحلة الانتماء في اباريق مهشمة (في العام1954)

سأكون لا جدوى، سابقى دائماً لا مكان

لا وجه لا تاريخ لي، من لا مكان

الضوء يصدمني، وضوضاء المدينة من بعيد

نفس الحياة بعيدة رصف طريقها سأم جديد

في هذا الموقف … قد عمق البياتي النظرة الاحادية للماضي … فهو يقف مع الذات للمواجه من اجل المواجهة للموت … فهو الحضور لذاته وهو الوجود بعينه .. وهو الثورة على، منطق الحضور الفلسفي للنص الشعري .

فالبياتي، يؤسس حقيقة منطقية (بالموت والحب) من اجل البقاء، بمنطق (راديكالي) وسحر يبدأ تأثيره في الماهية الشعرية … والقول بالشمول والوسيلة لاختيار الايقاع المتفرد … وهذا ما اكده البياتي في (فلسفته للقناع الذي يدعو الى الثورة) في (بستان عائشة) وحاول البياتي تأسيس مدلول شعري في المعنى عبر القناع والتفرد فيه حتى صدور ديوانه (الكتابة على الطين) في العام 1970 كما يقول (محي الدين صبحي)([2]) ولكن في ديوانه الذي يأتي ولا يأتي في العام –(1966) كذلك في ديوانه (الموت في الحياة) في العام 1968 تفرد البياتي في فلسفة القناع في (بستان عائشة)

بستان عائشة على الخابور

كان مدينة مسحورة

عرب الشمال

يتطلعون الى حصونها

ويواصلون البحث عن أبوابها

ويقدمون خيمة للنهر في فصل الربيع

لعل أبواب المدينة

تستجيب لهم

فتفتح / كلما داروا

إختفى البستان

واختفت الحصون

فأذا خبا نجم الصباح

عادوا الى حلب، ينتظروا

ويبكوا الف عام

فلعلهم في رحلة أخرى الى الخابور

يفتتحونها

ولعلهم لايفلحون

فالموت عراف المدينة

هادم اللذات

يعرف وحده

أين اختفى بستان عائشة

وفي أي العصور

لقد عرفنا التفرد في (قناع البياتي) لأنة أشتمل على الصيرورة والضرورة التي نقلت المحتوى في النص الشعري .. الى مزيد من الإيضاح والإبهام .. فهو أيقاع يؤكد الكيفية في القراءة الواعية كنظام من الاختلاف في الأنا (يهز الفيزيقية) في الشعر ..

بستان عائشة هي (محاكاة وتجذير للماضي والحاضر) ([3])

وهي رمز أسطوري تاريخي وضعه البياتي .. تخصيصاً للبنية الشعرية والقناع في القصيدة .. له أثراً كبيراً في فلسفة الحضور الشعري وهو التجدد .. ويعد الرمز .. والقناع عند البياتي حالة يدركها، الإحساس وبشكل متسارع ..

ليعج بالدلالة .. والأيقاع في عملية من التجلي – والخفاء في رمز لارا .. او عائشة او عشتار او خزامى والبياتي في شعره و شاعريته .. يحمل (جدل الأختلاف والحضور) في نظام من الوعي، الذهني .. وهو يعكس تداعيات (الموت والحياة والحرية – والحب) والجديد في نظام الوعي .. وصيغته الدلالية، لبنية يكون أساسها الاختلاف في وحداتها الشعرية  في (مثيولوجيا الشعر الحديث) والبياتي ظل على اتصال بالعالم السفلي – بمحصلات أعتقادية تبين، الخواص الشعرية عن طريق (الرمز أو القناع) .

ففي ضوء المحتوى المتعين .. كان الأختيار للبياتي في لا مكانيات الموضوع أو الهاجس الذي يحيل الأمكانيه (في صيغة الموضوعات وعلاماتها –  ومحتواها .. واسلوبها، والحاجة المتاحة للمعنى في (صيغة النفي  والمنفى) .. وهو يبحث عن رائحة الشرق النفاذة في (الذي يأتي، ولايأتي) وهو الدخول في القوانين المعيارية والقواعد والقوانين التي تظهر عند الوجوب .. حيث السفر بلا حقائب .

ويعود الوعي العاجز .. وهو يدور في نفس المكان .

و الارض مازالت، وما زال الرجال

يلهو بهم عبث الظلال

وتعود عملية النفي لتحيل المدلولات الشعرية .. الى صورية عقد البياتي .. ويصبح العمل الفردي توضيحياً جدلياً لمقولات لانهائية الهدف منها .. (بلورة النص الشعري) و التحول الى مفهوم من الوصف المنطقي ليجعل هذه المفاهيم الراكدة تدب فيها الحياة والحركة:

في قصيدة اباريق مهشمة .. نلاحظ طريقة لوصف المواضيع المتشابكة في وعيها لتحقيق نص يعيّن الوصف الشعري من خلال تشابك العلامات في معنى (موضوع الشعرية) عند البياتي .. فهو الاحساس بالامل، الآتي .. ولا بد من قهر الظلام .. ولكن باحساس متناقض - ومتشابك .. ليجعل الوصف والمعاني تتناقض داخل مستوى، التقديم وفي معين من الشعرية والتحديد في حضور من المعاني والعلامات- والمقولات .

 

لا بد للخفاش

من ليل وان طلع الصباح

والشاة تنس وجه راعيها العجوز

وعلى ابيه الابن، والخبز المبلل بالدموع

طعم الرماد له، وعين من زجاج

في رأس قزم، تنكر الضوء الطليق

هذا الاحساس بالانتماء الى الاكثرية .. هو الذي منح الشاة صفة تحديد .. وتلاقي العمليات (الاختلافية) في(مركزية الاختلاف) ذاتها .. والصراع الذي يحيل الكلمة الى مفارقة ناضجة وإقتحام لمفهوم السبات .. والانطلاق نحو الصيرورة بقوة – واختيار- للوجود الاختلافي .. وبالطموح الازلي .. الذي ينشده الشاعر باستمرارية (مثيولوجية)  هذا الاحساس عند البياتي تحول الى مواجهة تحمل عدة من الألوان الزاهية .

والمزية التي يتمتع بها البياتي في شعرية نصه .. في البناء التكنيكي ليعي عملية الغموض – والاختلاف .. في ان الشعرية تحمل ايقاع في المعنى – ودقة في المضمون وبساطة في التركيب الشعري المتحرك .. الذي يسير في المقدمة .. وهي حالة من صيغ التعبير، تنتقل بشكل مطلق من مرحلة الى مرحلة، فالذين .. (قتلوا عائشة) كان وراء عملية القتل هذه، دوافع سياسية – واجتماعية .. يتحملها العصر المتراجع الذي تراجعت فيه كل المقاييس الفكرية – والاجتماعية – وماتت فيه الروح .. فبقي العشق في شعرية البياتي يعبر عن .. اشكالية (الزمكان) .

ويبقون العشاق منفيون يحملون قدرهم ليدفنوا موتاهم .. وبقي العشق في شعر البياتي .. هو الايجاز – والانجاز الفكري للحرية في عصر .. انحطت فيه الشعرية – والشاعرية وشوُّهت فيه الحرية .. وشاعت فيه الكلمة الجوفاء .. والرجال الجوف .. ولكن ايوب بقي في البرية .. يحرض على الثورة .. وتحول الى كهف .. يحتضن الفقراء .. فأيوب، كان البداية – والنهاية

يقول البياتي:

لتكُنْ المقلاع والحجرْ

لتكنٍ الانسان في صراعه الدامي مع القدر

لتكن المبدع والنار وصوتَ الريح والبشرْ

فأنتَ سيدُ الينابيع

وانت سيدُ المطر

لكنك، الآن، حبيسُ

تنقرُ القضبانَ في القفص[4]

ولكن ما الذي بقي في هذه القرية (ان هذه المدن لم يبقى منها –سوى الريح التي مرت – كما يقول برخت) وما زلت تنعى قضبان السجن لتخرج ابطال الاساطير .. من اوكارها الانسانية وهم الذين يخرجون من اوكار الاساطير.. وهم الذين يحققون المعجزة في الوجود الانساني .. وهناك الاختيار الذي حدد شعرية البياتي في موضوع (القفص) ودوره في بعث الحياة من جديد من خلال ارتباطه بحالة الموت لبعث الحياة (في ناقر القضبان) .

وطائر: اللقلق.. كما يقول البياتي في احد لقاءاته في مجلة كل العرب في الثمانينيات: (فاللقالق تقوم بمعجزة لانها تقدم امثولة لبطولة .. ويستعرض من خلال دورة حياتها قصة السحر ودوره في بعث الحياة) .

يقول البياتي:

تحطُ الرحال باعلى الكنائسِ

اعلى المساجدِ

فوقَ القبابْ

تجمعُ عيدانَ اعشاشها

من هنا او هناكْ

تبيضُ/ تُفرّخُ/ تُفردُ في الريحِ اجنحةً

تزقُ الفراخ

كأن ضوأتْ نجمةَ القطبِ فوقَ المدنيةْ

ذرافةً نورها في العراء  [5]

نما ريشها

واستطالت قوادمها في الهواء

تطيرُ اللقالقَ عائدةً

لبلاد الضباب

مخلفة صرخةٌ في اعالي السماء[6]

كذلك الحالة .. بالنسبة الى المكان أو المدينة .. والزمان هو الحال المنتظره .. والمدينة التي ضاعت هي القوة الكبيرة في بيان شعرية البياتي .. (والزمكان) هو المحور الذي اطلقه البياتي والقوة في اظهار قوة الخيال .. وهو المحتوى الدقيق الذي يتضح في القدرة .. على تصوير الالم .. والاحساس بالواقع – الى مثالية – مثيولوجية .. تحلق بالبياتي في عالم من الاحلام والاستنامة الى عودة اللقالق في ترتيب دورة الحياة .. وسحر اصواتها .. في هذه الحالة يضع البياتي شعريته في حالة درامية .. لا تحقق التأمل المطلوب في صيغته الشعرية: فالبياتي يخلق منعطف مثالي يتراخى .. ينحني ويستسلم الى (دورة فيزيقية في الحياة) .. هذا يذكرنا بمقاطع لا ليوت في حكمته التجريدية:

(يقول اليوت)

نتطلع وراءنا وامامنا

ونكتئب حسرة على ما لم يكن

وأصدق ضحكتنا

مفعمة بالحزن

واعذب اغانينا هي تلك التي تتحدث عن أشد افكارنا حزناً

فالبياتي استخدم الاقنعة لعمليات استنتاجية جزئية .. وللتميز في الخواص الشعرية، في مرحلة تاريخية بعينها .. لأن القدرة على عملية التأمل في الخواص النظرية لا يمكن ان تفصله عن خواص .. (الشاعر - والنص) كون الشاعر يميل دائماً الى تحقيق منعطف في موضوع (الزمكان) .. هذا الموضوع يقودنا .. الى تحديد المسارات الشعرية التي انطلق منها البياتي .. وهي خواص تتعلق (بالمنطق – والمنطق الفكري لهذا الشاعر) والبياتي حاول في بداية انطلاقته الشعرية ان يقوم بتأويل منطق النص الشعري .. وكان يهدف الى بناء نص شعري ليستكين الى الرمز من خلال (فساد الزمكان) .. والبياتي طور هذا الرمز الموضوعي: وعبر عدة من المحاور (المثيولوجية) في اعادة ترتيب الحياة .. وفق قوانين رمزية حددها الشاعر في (ناقر القضبان) – واللقالق .. من خلال (فساد المدنية) واعادة بناءها ثانية .. وهذا يأتي عبر (موت الازمنه – وفساد المدن) ومن ثم التحول الذي يحدث في نظر البياتي .. وهي العودة ثانية في دورة حياتة جديدة .. وهي نتيجة متوقعة لفعل .. سواء فيزيقي أو انساني يعيد هذا الامل في استيعاب دقيق لعملية العصر المهددة بالتلاشي بسبب فساد .. (الزمكان) حيث يجعل شعريته جلّ ابطالها  هم فاعلين في (الزمكان) ومغيّرين فيه .. وهو بأي بواقعية متميزة .. كان قد استوعبها الشاعر بشكل خفي .. ليجعل الوقائع كاملة وآنية لا ريب .. فهو يخلق حالة درامية (لزمكان قادم) وهو يحمل الخلاص .. في هذه الحالة يكون البياتي .. قد قام بعملية الكشف والتداخل بين (الوصف-والحدث) بالطريقة (المثيولوجية) .

فالبياتي ينفذ الى ما هو تحت (الزمكان الفاسد) ليجعل المنعطف وهو التعبير عن الموقف الشعري – والشاعري- والشعوري) في حضور دائم ومنتظر على بوابات مفتوحة على المستقبل كما يقول البياتي في احد لقاءاته الصحفية .. البياتي يحقق انطباعاً مؤجلاً عن الحياة .. وهو مشغول دائماً بفساد (الزمكان) والعجز الحاصل في الرغبة المتجسدة في النزوع نحو عالم .. ترتفع فيه المثل الانسانية عالياً وينتصر الحق .

يقول البياتي:

يتوجع العشاق في صحراء وحدتهم

يجوبون المساءات الكئيبة

حاملين جحيمهم

متوحدين مهمشين

لبثوا بفعل تواصل الأزمان

في ملكوتهم لا يكبرون

شابت نواصي الارض

دبّ الموت، في الغابات

فانقرضت

وهم ينفتحون ويزهرون ويثمرون

وبسحرهم قهروا التعاسة

واصّلوا الإبداع

فالبياتي يتفق مع اليوت في اشكالية (الزمكان) ذلك التصور المفعم بالاحباط، والرغبة العارمة .. والادراك .. والحساسية الشديدة لخصائص الحياة التي تتجاوز التعثر والاحباط .. والبياتي يوكد – قيمة الربط لخواص (الزمكان المستكين) هذه الخصائص المشروعة التي تعبر عن تصور دقيق لما آلت اليه (المدنية الفاسدة) والرغبة العارمة – والجامحة في الانطلاق المحمومة نحو الانعطافة  .. الشيء – الذي يميز البياتي في طاقته الشعرية .. هي طاقته الفعلية .. وهو يرى الاشياء ..وفق حقيقة منقطعة النظير .. وغير منفصلة عن طرفها الموصول .. وطرقها الوعرة .. والتي تعود بالمرء الى خواصه (المثيولوجية) وهي تتعدى كل ضروبه الفكرية .. والتركيز على حالة التغير باتجاه . الانعطافة .. عند ذلك يكون البياتي .. قد حقق الصفات الاساسية والمتعلقة (بالزمكان) اللا محدود .

فالبياتي استخدم اصطلاح تفكيري .. لتوضيح عدة من المفارقات وهي توضح عدة من حالات التأمل شعرياً .. وهي التجربة التي بلغت من الحساسية حد الموت –من أجل الحياة: في اجمل تصيور .. صورة اليوت لاحراز السبق – والقيام بالمبادرة – الاولى .. وترك الانتظار والمباشرة بالفعل لتحقيق الانجاز في السبق الانساني .

يقول اليوت: يخطون الخطى في اثرك واحداً بعد واحد، فاذا –

تخاذلت أو عرّجت على لقم الطريق وحدت عن الجدد

تدافعو جارين كالتيار المتغلغل

وخلفوك وراءهم نائياً

أو تصبح وكأنك الجواد الشهم الذي أعيا في الطليعة

فسقط هنالك موطئاً لكل سكيت الرهان

مجدلاً تخبطه الأرجل وتدوسه ثم يكون ما يؤدونه

في الحاضر[7]

فالبياتي يستعمل ذات العبارات الاختلافية – الشعرية .. ذات التأملات الفلسفية .. والتي تصور الانتقال الى مرحله متقدمة .. مرهونه بالانسان الذي يغير ما في (الزمكان) وتطهير الحياة من الادران .. حتى بالموت وهو الانعطافة في كينونة الحياة .. وهو المنظور والتأمل الفلسفي الشعري وان الفساد الذي (دبّ)في الامكنة – سوف ينجلي- وان رمز .. الموت .. ما هو الاّ شاهداً على الكثير من الانهيارات التي حدثت للمدن القديمة .. وللموروث .. هذا الانحسار والعجز وحسابات التقلب الذي تشهده الحضارة – والعصور ما هي الاّ انتقالة مؤكدة في شعر البياتي .. وبحالته القلقة الى سلّم جديد من التطور يتلمسه ويشهده البياتي .. وهو سر العراقة في الموروث الفلسفي للبياتي

يقول البياتي: في ديوان قصائد حب على بوابات العالم السبع

كان الفراق الموت

يأتي مع الفجر ليستخرج من صندوق هذا الحبد الجواهر

والامل المسافر

وشعلة الحياة

يأتي مع الجلاد

يحمل ميراث عصور احرقت طغاتها صواعق الميلاد

وقاهر الطبيعة الانسان

فلتحملي أماه

نعشي على فراشة البرق الى الحقول والغابات

و تنثريني في الضحى رماد

في مدن الجوع وفي أزمنة العذاب والثورات

ألدُ – من خلال هذا العالم الواعد بالطوفان

من جديد مع الملايين التي عذبها انتظارها الطويل

من اجل ان تنهض فوق هذه المدينة الشهيدة

كومونةُ جديدة [8].

ورغم  ان الابتداء في المكان – والعودة الى المكان، ولكن بزمان مختلف ومتغير، والرجوع الى مركزية (الموروث وهو الانسان – والموت يصبح اكثر سمواً من خلال الحياة، والانتقال الى (الزمكان الجديد) يأتي بانطلاقة .. وهي اكثر عراقة نحو الموروث – والحقيقة ذلك السعي الذي طرحه البياتي في منهجه الشعري الى الحدود الاكثر فلسفة .. وقد بين البياتي من خلال هذه الشعرية التنوع والحدة وهي الدرجة التي وصل اليها البياتي .. في نظم قصائده ونتاجه الشعري .. وهو كشف الاهتمام كان قد بينه البياتي في خواص (الزمكان) و 00 المثيولوجيا) وهو انموذج للصورة الشعرية التي تكونت في الخلاص الابدي .. هذا الخلاص يصاحبه (النفي والمنفى) في القصور البربرية .. ومحاولة التصدي لهذا المخاض عبر التفكير الجدي في عملية التغيير في محنة الوجود .. وكان هذا عبر … (طرفه بن العبد – وابو نؤاس – والمعري – والمتنبي)) في صيغة من التمرد .. وفرّها البياتي عبر هذه الرموز  رغم انها بعض الاحيان تكون مكرورة … لكنها مختلفة وتعتمد – الاختلاف المتبادل – والتأثير … ويتم التركيز على المدينة – (الميتة) والفساد الذي يعم (الزمكان) ومركبات الحياة الاجتماعية – الخاوية .. وموضوع المدينة الميتة عند البياتي يتحول الى حلم من العشق في بستان عائشة .. والفرات ودمشق بهذا الاتجاه (الفيزيقي) يبقى البياتي الشاعر الحالم .. في قناع الشخصية:

هذه هي اشراقة البياتي في مزجه المنطق الجمعي بالتفكير الوجودي – والحقيقة – والتعدد في تمتين الموقف الدلالي وجعل الاداة تبدأ (بفساد الامكنة) كما هو الحال عند اليوت – وانتهاء - - بالتفكير الجمعي الوجودي .. بطرفه – والحلاج – وديك الجن .

جاءت الاقنعة لتضيف التجريد والايغال في الذاتية بواسطة موضوع القناع للتعبير عن محنة (الزمكان) الاجتماعي – والوجود – والحقيقة عبر لمسة جانبية لجمال يختفي وراء هذه القناع .

يقول البياتي في قصيدة صورة جانبية لعائشة:

تختفي وراء قناعاها وجه الملاك

وملامح الانثى

التي نضجت على نار القصائد

أيقضت شهواتها ريح الشمال

فتجوهرت تفاحة / خمراً

رغيفاً ساخناً

في معبد الحب المقدس

أدمنت طيب العتاق

ظهرت باحلامي، فقلت: فراشة

رفت بصيف طفولتي

قبل الاوان

وتقمصت كل الوجوه

وسافرت / بدمي تنام

قدسية تنسل في جوف الظلام

لتعانق الصنم المحطم

تُنشب الاظافر في الحجر / الحطام

ياقوتة /  فمها / تشع طريةً

نارُ الحقول /

ضفائر معقودة /

عينان تضطرمان من فرط الحنان ْ

وجهٌ وراء قناعهُ يُخفي، مدائنَ صالح، وحدائق الليمون في اعلى الفرات ْ

أمضيت صيف طفولتي

فيها، وأدركني الشتاء

وحلمت في منفايَّ بعد رحيلها

ذهب القصائد والرماد

ويمضي البياتي: في بناء تشكيلاته الفنية في القناع او في تقمص الشخصيات في قناعه .. فهو يبقي التعبير عبر عملية الصراع – بين البطولة التي يمثلها الابداع – والمبدع والسلطة الفردية – والمدينة الفاسدة التي لوثها الطغاة) في زمن افلج .. حيث غدروا باهلها .. فالبياتي يبني دوره، عبر الصراع التاريخي .. ودورة الحياة الابدية … والبياتي قد تمثل بالمطّهر في شخصية ورمز المتنبي –والمعري – وجلال الدين الرومي – وديك الجن .. هذه التقنية .. هي الصورة التي وحدت رؤية الباتي للحياة: ربما كانت المستويات التي احدثها اليوت على رموزه وهي، تمثل قيمة معينة في شخصية (كور يولانس) لكنها ليست بمستوى قيمة (هملت عند شكسبير) ولكننا ندرك ان هذه المسرحية – لها ايقاع خاص (عند اليوت) ونموذج البطل في (الارض اليباب) يظهر في التأملات لدى الشاعر في (هزيم الرعد)

يقول اليوت

قد سمعتُ صوت المفتاح

يدور في الباب مرة ولا يدور الا مرة

نحن نفكر في المفتاح، كل منا لا يتشبث

من سجنه الا عند حلول الليل، وتنعش

للشائعات الاثيرة لحظة (كوريولانس) كسيرا .[9]

هكذا وازن اليوت بين رموزه في الماضي – والحاضر وبين المدينة الفاسدة التي علاها الصدأ .. واصبحت تعاني الوحشة .. هي نفس المدينة الموحشة فــي (بستان عائشة) عند البياتي – وهي المدينة التي اندثرت طبعاً مع الفارق في تأكيد اليوت على (تحطيم الذات الارستقراطية في القصور الحديثة – وهي نفس الذات المحطمة عند فلوبير .. وهي نفس الحالة التي تنعــى (كوريولانس) رغم القوة النسبية – والمواهب التي يتمتع بها .. وهي خلاف التعاليم اللاهوتية عند (دانتي) ..

ويتكرر هذا المشهد في قصيدة (مسيرة النصر لأليون) ولكن لم يبرز (كوريولانس) بأعتباره البطل ولكن يذكرنا بمقاطع لبيتهوفن لتحمل ألاسم نفسه 100 وهي نفس الموا زنة عند البياتي في حدود الرمز التراثي 00 ولكن عند البياتي00 يجب ان يكون القناع أو الرمز هو الثوري وهو الذي يعيب على ادونيس في استخدامه قناع . . (عبد الرحمن الداخل) المعروف – بصقر قريش – ويتهمه أي يقيم البياتي أدونيس: بانه استخدم (الحلقة الفردية – في بناء قناعه التراثي) وذلك لان عبد الرحمن الداخل يمثل (رأس المدنية الفاسدة – والزمن الأفلج)2 .

والبياتي يثبت بالرمز – ويمثله – حتى يكاد يتشربه أحياناً – ليصبح نصاً فلسفياً – يدعو الى شعرية متزمتة – ويكون قناعه (هو الثوري) وهو التعبير الفلسفي المطلق في الصوفية مع لمسة فيزيقية تؤكد وجودها عبر منطق مـــــن (الحرية) صنعه البياتي ليحيا به كقناع – ورمز كما هو الحال مع (ديك الجن) ويقول البياتي:

رأيت ديك الجن في الحديقة السرية

يضاجع الجنية

يغمرها بالقبل الندية

لكنها تفر قبل ذروة العناق

تموت في جرائر المرجان

هاهي  ذي في القاع

تزحف فوق وجهها جحافل الديدان

رأيت ديك الجن في القاع بلا اجفان

على جواد عصره المهزوم

يقاتل الاقزام

مهاجراً في داخل المدينة

هاهي ذي الجنية

تعود بعد موتها حية

جارية رومية

رأيت ديك الجن من فردوسه مطرود

يصطاد في قفار ليل موته الاسود

والكلمات السود

ملطخاً بالحبر والغبار

وعرق الاسفار

ويتكرر الابتداء في التفكير النظري .. حول رؤيته الى القناع باعتباره يأخذ استقلالية، ويتمتع بالانطلاقة من الموروث .. حتى يصبح (حدثاً شعرياً) بصيغته البلاغية .. وممارساته التطبيقية .. على مستوى الدلالة – والمعيار الفكري في أكثر من بحث عن الميول الدقيقة والتماسك في بناء النص  الذي يفصّـــل (الحدث الشعري)  كما هو الحال عند (أمبرامس  MHABRAMS) المصنف لنظريات (فن الشعر) الذي يراعي التسجيل .. وهو الذي يتبنى العناصر الاربعة في المسألة الادبية والشعرية – بشكل خاص (الادب – القارئ – العمل الادبي – السكون)  .

البياتي: يهتم بالعناصر – والرموز التي تسلط الضوء علــى (الجانب الايمائي) (MMETIOUES) الذي يؤكد على (النص – والقارئ) ولكن البياتي نجــــح في هذا التطابق الفكري المتناسب مع التطور الذي يحصل في (الزمكان) وهو الذي عرفه المنهج الشعري عند البياتي [10] .

والمنهج الشعري يتخذ اشكاليات متعددة من المعاني  والحوار … وهي صور تضفي على النص قدر من الموضوعيـــة (لمنهج البياتي الشعري) الذي زواج به بين (الزمكان) كما هو الحال في قصيدة (موت الاسكندر المقدوني)

يقول البياتي:

يحمله الجنود في محفة الموتى على الرماح

هاهو ذا المنتصر المهزوم

يعود من اسفاره وليس للاسفار نهاية

هو الحالم: في صوفية موضوعية -  سيكولوجية – ونمط يتطابق – طردياً مع هندسة النص – وبنسب متفاوتة بين: الاشكاليات المتعلقة (بفلسفة النص) وحاجة القناع كانطلاقة للتجسيد – وظاهرة الثماثل في المنهج الشعري في التصوف .. ومحاولة الكشف عن باطن النص عبر جزئية – تنطلق باتجاه التجربة الكلية للمنهج الصوفي وما شكله من صيغ دلالية – بفقدان  (الزمكان) وغياب المدينة في – مخاض الحضارات في (نيسابور) و (بابل) والانطلاقة من الذات المعذبة ويزداد ايقاع البياتي – ليأخذ مداه في المكان بشكل مباشر فــي (الحانة والغربة)

وانت في الغربة لا تحيا ولا تموت

نار المجوس أنطفأت

فأوقد الفانوس

*******

في سنوات والغربة والترحال

كبرت يا خيام

وكبرت من حولك الغابة والاشجار [11]

في اطار تحليل النص، واشكالية المكان المتناهي في الجزئية .. وعلى مستوى النواظم والحجوم المعكوسة في النص الشعري – وما يشكله (الزمكان) عن قيمة فلسفية – وقراءة تصنف النصوص، بادوات تبلور الموقف الشعري وتدفعه نحو عملية التغاير في موضوعات (الزمكان) .

والخطاب موجه الى (الزمكان) بنص معطي – في جوانبه اللسانية – والشعرية … وهذا يذكرنا بقصيدة (اغنيــة القاهرة)

يقول صلاح عبد الصبور

لقاك يا مدينتي يخلع قلبي ضاغطاً ثقيلاً

كأنه الشهوة والرهبةُ والجوع

لقاء يا مدينتي يُفضُي

لقاك يا مدينتي دموعُ

أهواك   يا مدينتي الهوى الذي يُشرق بالبكاءْ

إذا ارتوت برؤية المحبوب عيناهُ[12]

ان الموعظة لدى صلاح عبد الصبور في تشكيل المكان، من الناحية الفلسفية، تبدو الصورة هي المهيمنة على منطق الحدث الشعري – هي نفسها تتردد في رؤيا فلسفية المكان لدى البياتي – من خلال التطلع الى مستويات تتاكد في نسيج النص الشعري .. وهي المدخل الرئيسي في القصيدة .. وتكاد المدينة تضيف شيئاً فشيئاً حتى يتحاصر الانسان في أزقة وغرف من الاسمنت – وكل شيء يتحول الى برونز – وتختفي معالم العشاق – وتظهر (الكلاب – ويظهر الذباب) لقتل (العشـق – والحب) والبياتي يتحول من الرمز التراثي – والحضاري في بابل – ونيسابور الى " الورم الاجتماعي " .. واصنام البرونز – والاصفاد – والحديد – الذي يطوق أيادي العاشقين .  . والذباب الهائج  - والكلاب السائبة التي تعوي، وهنا يلتقي البياتي مع " اليوت " في انحطاط المدن، بعد ان داهمها الطاعون – ويلتقي البياتي مع (بيرجان برويو – في عصر البرونز) .

ويقول البياتي:

فلتغسل السحابة

ادران هذي الارض هذي الغابة

ولينهض الموتى من القبور

ولتحرق الصاعقة الجسور

والجثث المنفوخة البطون

فحول رأس القيصر النسور

تحوم و الامطار [13]

فالرمز عند البياتي .. هي تلافيف الواقع  المر .. داخل هذه المدن الذبيحة – فعالم البياتي يدرك الحضور – والعلاقة التي تتعلق بقضية الانسان المعاصر .. وهو يتعرض الى ابشع صنوف الارهاب – والفاشية والعنصرية داخل جدران من الاسمنت – فالبياتي يحاول خرق التقاليد والرمـــــــوز (الزمكانية) التي تحجـرت عند بعض الشعراء  – ليقول ان (الزمكان) اصبح مطوق بالحديد والنار .

يقول البياتي

أرى بعين الفيب نيسابور

تحوم حول رأسها النسور

يسلخ جلدها وتشوى حية في النار [14]

والفكر النافذ في صورته يتعمق عبر عمق في الشعور … وان الحقيقة في رموز المكان في شعر البياتي ما هي الا كشف لحقيقة الرأي – والمباينة – والوقوف مـع الجمع، في مواجهة الزحف المتواصل – للذباب – والكلاب وهي تدخل المدينة .

يقول البياتي

فالعقم والصيف الذي لا ينتهي والصمت والتراب

والحزن والطاعون

طعام هذه المدن المنفوخة البطون

العاقرة الهلوك

من الف الف وهي في أسمالها تضاجع الملوك

تمنح بالمجان

قبلتها: اللص والقواد والخائن والجبان

 

بين فلسفة الحضور الشعري

(والزمكاني)

بين فلسفة الحضور .. يعد البياتي من بين الشعراء الذين مارسوا الحضــــور (الاختلافي) في فلسفة الشعر .. ليس فقط بجانبه (المنطقي – والوجودي) بل بجانب التحكم في عملية الصياغة للمعنى، من خلال مغامرة في – (الستراتيجية الفكرية) وعبر منهج اجتماعي تحكمه شعرية النـــــص – (بانطولوجيا) برهانية تسعى للبرهنة على حقيقة المقدمات وامتلاكها الجديد للحقائق – والمدلولات .. وهو المشروع الشعري (لتفكيك النص) والبياتي يظهر لحظة الغياب بوجود اختلافي يتجه به الحضور المتواصل، لتوضيح مفهوم (الدال والمدلول) من ناحية اصوله الفلسفية … ويظهر هذا في ثنائيات البياتي المتميزة وهي ثنائية تتميز بالطابع المرجعي الذي يركن الى محنة الانسان في هذا الكون وهي الاشكالية الاولية في عملية الاختلاف الحضوري .

والبياتي يتمحور حول هذه – الثنائية (الحب – الحرية) وهي – الثنائية التي تميز تجربة البياتي من خلال (الزمكان) .. واستمرار الحياة عبر الموت .. في اولوية مرجعية تؤكد دليل عملية الاختلاف – والحضور – هذه السلطة الحقيقية للنص الشعري باطار من التفكير – (الزمكاني) عبر الثنائيـة في (الحضور والغياب) وفي (الوقت – والثورة) ان منطق (الحرية – والحب) وهو مفهوم اختلافي يعمل على تفكيك حدة – الذات – وحجب منطق الوجود (كما يقول ها يدغر).

فالبياتي يحدد دلالة الثنائية في (الحب والحرية) .. وهي الصورة المركزية لاشكالية (الزمكان) في (المعبودة – وههو القناع – والصوت – والصدى) في قصيدته (سأنصب لك خيمة في الحدائق الطاغورية) في ديوانه (كتاب البحر)

 

ويقول البياتي:

وخلق سور الليل صفصافة

يغسل عينها ندى الفجــر

تنشر في الليل مناديلها

وتغمس الاوراق في النهر

تاوى العصافير اليها، وفي

غيابها تنام في قلبي

حاملة بذور احلامنا

وصبوات النور والزهر

وكلمات لم نقلها ولم

تبح بها غزالة البحر

اغتصب العالم فيها وفي

حروفها اموت في الاسر

مرتدياً اكفان كينونتي

وغسق الميلاد في القبر

وحاملاً للنور قيثارتي

وصاعداً اليك من بئرِ

ثغرٌ ومن تيميّة النهد

ومسها النور باقداسه

وباح للعشاق بالسر

وصاح فوق الطور مستنجداً

غزالة عدت الى البحر

ونجمة في قاع نهرٍ الى

بلادها تعود في الفجر

تاركةً بذور كينونتي

وجسد الميت في الارض

ممزقاً محترقاً دامياً

تحت سياط الجوع والخوف

ويمضي البياتي في نتاجه الشعري – الذي مثل الحدة في الوعي – والتطور المتسارع في الادوات التي تكّون اللحظة الحاسمة، وهذا هو الرسم البياني الذي يتميز به البياتي في هندسة المسلك المكاني المألوف، في حالات التطور.. لان الفضيلة القابلة لتكوين الحشد المتسارع في تجربة شعرية حية  عانت الغربة والاغتراب والحرية والحب والنفي وهو شيء تكون في منهج شعري سعى الى المطابقة والتأمل في خصوبة حية ورغبة متنوعة في (العلامة والمعنى) والشهوة والمغامرة – وبين هذا وذاك .. تلابست القطعة الشعرية فبرّزت احتشاد التجربة التي مثلت قيمة فنية .. والبياتي كا قد هيأ ادوات هذه القيمة وعبر معاناة متميزة، هذا الاكتمال كان هو الوحدة لا في الحضور الاختلافي وهو يتمثل القوة المتعلقة بالابداع بل بتفسير كنه الحياة . .

 

بقلم:  د. علاء هاشم مناف

.........................

1.الرؤيا في شعر البياتي، محي الدين صبحي ن ص 35 .

2.نفس المصدر السابق .

3.ت – س اليوت .. الشاعر الناقد ماثيسن، ص 175 .

4.بستان عائشة، دار الشروق، القاهرة .

5.نفس المصدر السابق .

6.نفس المصدر السابق .

7.ت – س اليوت .. الشاعر الناقد ماثيسن، ص 149.

8.نفس المصدر السابق.

9.قصائد حب على بوابات العالم السبع، ص 120 – 121.

10.نفس المصدر السابق .

11.نفس المصدر السابق .

12.لغة الشعر، د. رجاء عيد، ص 343 .

13.مجلة البحرين الثقافية، العدد 82، ابريل 2002 .

14.تجربتي الشعرية، ج2، ص 17 – 18 .

15.احلام الفارس القديم، صلاح عبد الصبور، منشورات دار الاداب، بيروت .

16.الاعمال الشعرية، ج2، ص 212 – 213 .

17.نفس المصدر السابق .

.

عبد القادر كعبان: رواية عيون البنفسج لعلاء الديب اعترافات شاب بين الوحدة والتيه

abdulkadir kabanتبدأ الرواية الموسومة "عيون البنفسج" للمصري علاء الديب بمقدمة، تشير إلى أنها اعترافات من سيرة بطل القصة تامر فكار ابن أستاذ الجامعة السابق منير فكار والسيدة سناء فرج، أضاف إليها الكاتب بعض الأشياء من خياله الخصب.

منذ البدء يدخل هذا النص الروائي في إعلان هويته المتعلقة بجملة من الذكريات للشاعر تامر منير فكار، إذ ينهض ضمير المتكلم بصوغ المحكي كما نقرأ فيما يلي: "لو أن لي من العمر ألف سنة لما تحركت ثقيلا هكذا، فاقدا للحماس، هل هي آثار الليلة الماضية، والكيوف المختلطة والدخان الذي لا ينقطع، أم هو الثقل المعتاد والإرهاق الذي لا مبرر له الذي أشعر به كثيرا فوق قلبي." (ص 205).

إن السرد بضمير المتكلم في "عيون البنفسج" يوهم بواقعية التجربة وحقيقة الشخصيات عموما، والسارد لا يكتفي بنقل الأحداث بل يشارك في صنعها، وهذه الصيغة أتاحت للبطل تامر إمكانية البوح بأحاسيسه واستحضار ماضيه وعلاقته بالحاضر، كما جاء في المثال الموالي: "جئت إلى هذا المقهى مرة وأنا صغير مع أبي وشربت مشروبا أحمر باردا في كوب كبير، كان مكانا جميلا مفتوحا والشمس تسقط على البلاط النظيف.. ابتسم الجرسون العجوز يومها في ود وحرارة. إلى نفس هذا المقهى، رجعت طوال عمري، عندما صرت وحيدا في هذه المدينة المرعبة، رجعت إليه دائما كما تهرش في جرح قديم." (ص 206).

تعود بنا شخصية تامر فكار إلى عالم طفولته البريئة، حيث يستوقفنا مرضه وعلاقته بزملائه في المدرسة، التي لم تكن تروق له في كثير من الأحيان، كما جاء ذلك على لسان السارد: "كانوا يسخرون من لهجتي ومن نطقي لكلمات 'الدجاج' و'السيارة' ومن عدم معرفتي بألعابهم ومصطلحاتهم التي كنت أكتشفها بفرح حقيقي واهتمام. لم يسمحوا لي بمكان بينهم وأنا لم أكن أريد. سادت أيامي الأولى هنا معهم عدوانية وإعجابا بشروري الصغيرة." (ص 209).

تبدو سيمات الوحدة والتيه في حياة تامر فكار واضحة الملامح منذ الصفحات الأولى للرواية، التي تحفز بدورها القارئ الفضولي لمواصلة رحلة القراءة لتتبع مسار هذه القصة، كما هو شأن حديث البطل عن صديق والده الكاتب والرسام السيد شوقي عامر وعن شقته التي جمعته برفيقة دربه وحبيبته الكاثوليكية كارين: "في الأيام الأولى والحب مازال مترددا كطائر يتقدم ويفر هاربا.. كان كل شيء يبدو مستحيلا جاءت من بولندا تزور ثلاثة أو أربعة بلاد في المنطقة، تعد رسالة في الجامعة بعنوان 'الفنان يعمل' تكتب وتصور الكتاب والفنانين وهم يعملون، تكبرني بست سنوات، تعرف أشياء كثيرة، حضورها سحري آسر، وجودها معي بلا ثقل كأنها موجودة منذ القدم." (ص 212).

يقوم الكاتب بتحليل نفسي لشخصية البطل، كما جاء في وصفه لحالة تامر الطالب الجامعي المستهتر، حيث نقرأ ذلك على لسان السارد كالآتي: "طالب في الجامعة ولست طالبا. أشرفهم بزيارتي يوما وأنسى أمرهم لشهور. حتى الامتحانات هناك أعذار وشهادات مرضية. ليس ورائي أحد. من يعرفون أبي من الأساتذة القدامى اقتصرت علاقتنا على ابتسامات باهتة نتبادلها عن بعد وسط الزحام." (ص 216). 

وحده الشعر ما كان يواسي البطل في وحدته، وكذا علاقة الصداقة التي جمعته بطالب الحقوق حسين كاظم والتي كانت متنفسا لتوتره وأرقه المتواصل: "أسترد أوراق القصيدة في هدوء وأنا أقول الكلمات التي تقال عادة في هذه المواقف ووقع علينا صمت مريب زاد من كآبة المقهى ومن ثقل تلك الساعات الثقيلة التي تسبق العصر وتعقبه." (ص 207).

تمركزت ذات البطل تامر داخل الذاكرة، لتستعيد ذكريات ذلك الصدر الحنون، مربيته نجية التي اختفت بعدما تفككت أسرة فكار، ليعود ويجدها من جديد مثلما ورد في قول السارد: "وجدتها في بيت داخل حواري 'بحري'. بيت رفيع أبيض محشور بين عمارات صغيرة بذيئة. كأن البيت بني عليها باليد وهي بداخله. تسكن في غرفة مسروقة بين الطوابق. لها نافذة واحدة طويلة، يدخل منها ضوء بنفسجي رقيق تستقبل دوما نسيم البحر." (ص 222).

هناك انسجام واضح بين البطل تامر ومدينة الإسكندرية التي لطالما تذكره بحبيبته كارين، وهناك تسكن والدته كذلك مع زوجها هاني قبطان المليونير الذي توفي بعد زمن من جرعة هروين زائدة: "الإسكندرية في حياتي كأنها 'كارين' حبيبتي، عيون البنفسج، لها نفس اللون والضوء المستحيل. تنعش كياني ولا أشعر بثقل لها." (ص 221).

يتذكر تامر أخته لمياء بحسرة وهي تقع في نفس حماقة أمه، أين تزوجت مع التاجر الفاحش الثراء ابن الباجوري، وهي لا تزال طالبة في كلية التجارة ولم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها وكل ذلك ناتج عن فعلة هاني قبطان، مثلما يشير إلى ذلك المقطع السردي التالي: "وافقت الغبية الحمقاء. طمعت وسالت إفرازاتها الأنثوية. سحبها ابن الباجوري إلى الجحيم الجديد المكيف الهواء. عندما وجدت وقتا لكي تسألني رأيي قلت: أنت حرة.. اسألي بريد الأهرام!." (ص 224).

تسهم دقة علاء الديب في نقل ذكريات بطله وتفكيره، ليشارك القارئ في واقع يعيشه العديد من شبابنا المثقف اليوم، حيث تنقلنا شخصية تامر للحديث عن وفاة والده المفاجئ وزواجه من امرأة أخرى وما خلفته هذه الحادثة من أثر في نفسه: "أخذت أبي إلى داخلي كي أنفرد به. لم أكن أريد أن أحكم عليه أو أحاكمه. كنت أريد أن أجده. أن أتعرف عليه. أفتقده أحيانا كثيرة. وأغضب منه وعليه ثم أعود فأراه وحيدا مطرودا يسير في شارع موحش بلا نهاية." (ص 228).

يلاحظ أن الكاتب وظف تقنية المنولوج الداخلي لاسترجاع أيام من طفولة البطل وكذا مخاطبة النفس كما نقرأ ذلك في الصفحة 240، حينما يحدثنا البطل عن علاقته بابن الخادم حلمي الذي كان مريضا بداء الصرع: "عودته من النوبة كانت شيئا جميلا، كأنه الصباح يعود من جديد. حياة حلمي حية واسعة مليئة. كأن يعيش في خلية نحل أو في مدينة بناها النمل تحت الأرض. بادلنا أنا وهو حياتي بحياته، أحب حياته جدا، ويومه المزدحم، أحب -أيضا- أن يبقى معي طوال الوقت يحكي ويتفرج على الصور. عندما أكون مريضا ويبقى هو معي في الغرفة كنت أشعر بدفء وضوء غريبين يملآن المكان، وعندما يذهب كانت الغرفة تعود باردة كأنها قبر من رخام.".

تود الرواية أن تكشف مجملا عن حالة شاب يعترف للآخر -القارئ-  عن جملة من ذكرياته بين الوحدة والتيه بمتعة لا تخلو من الأسى، جاءت بلغة بسيطة وسلسة، كشفت عن ذات ربطتها الحياة بشخصيات ايجابية وأخرى سلبية تركت بصمتها في يوميات بطل المبدع علاء الديب بامتياز. 

 

بقلم: عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.............

(1) علاء الديب: عيون البنفسج، دار الشروق،1999.

 

علاء هاشم مناف: دراسة نقدية في رواية: عزازيل ليوسف عز الدين.. فكرة التأمل الثنائي في تشظي الدال

إن ما يسترجعه "عزازيل" في رواية يوسف زيدان عنوانها "عزازيل" الصادرة عن  دار الشروق طبعة خامسة 2009 هو تأكيد على علاقة هذا الإنسان بالعالم لكنه يمر عبر زمكانية من الاحالة وداخل بنية سردية تتشكل باعادة تلك التصورات وفق منطق زمكاني يتحدد  بطريقة فعلية وصياغة تاريخية للاحتفاظ بالمنطق السيكولوجي "الجشطالتي" وما يعني الصياغة السيكولوجية، للوعي الجوهري للتحليل الظاهراتي.

ولكي تبلغ المشكلة السردية في الرواية غايتها في إعادة تصوير الزمن السردي في خاتمته حين يكون داخل المقاصد. والأحالة المرجعية التي تُبرز النسيج السردي الروائي عبر السرد الهرمينوطيقي المحسوس وهو ما يعنيه المقصد المرجعي السيكولوجي "الجشطالتي" الذي لا يتضح إلا من خلال الأبعاد الاستعارية للاسطورة وهي الاستعارة الحية التي انبنت من قبل الروائي على الاستعارة التعالقية بين "هيبا" البطل الذي يجمع بين تعالق الإنسان بالعالم الآخر.

ورواية "عزازيل" هي عبارة عن تحليل للزمنية النصية اي إلى عالم النص التفكيري الذي يمليه القارئ بدلالته التفكيرية. فالسرد الروائي هو فعل بنوي يقدم لنا حبكة بنوية من المعاني تنكشف بالقوة الانتقالية التفكيرية والصياغات التصورية للأحداث عبر السرد التاريخي السسيولوجي الهرمينوطيقي الذي يتشكل به الفعل النصي وتعالقه مع حياة الإنسان من الناحية الموضوعية وما يخبره من تجربة في العناء وفي التعبير المزدودج بين "نظائر  الخطيئة والاثم" وما يتعلق بالمنطق السردي والحبكة التجريبية التي تأتي في أحيان كثيرة مع خلاصات التعبير السردي وما تمثل من فرضيات أساسية في الفعالية السردية للرواية وبين الطبيعة الزمكانية للتجربة الانسانية، فالتعالق يأتي في هذه الرواية ليس تعارضاً عرضياً بل هو يمثل شكلاً من إشكال الحس الديني الذي يخضع لمتاهات الوعي اللاهوتي للديانة المسيحية حيث يصير الزمن هو التعبير عن حقيقة الإنسان اللاهوتي المسيحي، ليصاغ بطريقة سردية، ويشكل السرد عمودها الفعلي حتى يصبح شرطاً وجودياً زمكانياً يقع في مهام الإرتباط الهرمينوطيقي والصيرورة البنوية.

ورواية "عزازيل" ليوسف زيدان تؤرخ حقيقة الفعل الاجرائي اللاهوتي المسيحي وعلاقته بالفعل والعناء والخطيئة وتعيين الاستثناء الهرمينوطيقي في هذه الرواية، فهي المعنية بالاجراء التجريبي عبر العملية التاريخية وعلاقتها بالكشف عن المصادر التاريخية وحركة الزمكان السردي، والمصير المتصور الذي يعد زمناً على مستوى التصور القبلي الذي تحقق بالفعل الإنساني في سياقه التاريخي الديني وغير الديني، والرواية تحاكي المستوى الفعلي الذي يؤدي ابطال الرواية فعلهم وتحركاتهم داخل المستوى الظاهراتي من فعل الرواية.

وفصول الرواية تقسّم على عدد "الرقوق" " التي هي متفاوتة الحجم، وقد أعطيت للرقوق عناوين تسهيلاً للقارئ، وقد أستعملت الأسماء المعاصرة للمدن التي ذكرها الراهب هيبا".(1)

وكان عدد الرقوق "ثلاثون رقاً" والتاريخ يظهر في هذه الرواية وهو نسقاً ذاتياً في قمة التاريخ الدنيوي والتاريخ المقدس والأول مارسه هيبا من منطق إنجيلي، والأنجيل كما قال يوحنا في تعريفه للانجيل، قال يوحنا: ذهبيُّ الفم، كذلك معنى كلمة القديس : وتعني الاخبار المفرحة، والتاريخ الدنيوي. هو التاريخ الحدثي وهو الأقرب إلى النمطية المثالية فهو التعبير عمّا يحدث، أما التاريخ القدسي:فهو يستخلص الأحداث.

إنه يدمجها في المشروع اللاهوتي السماوي، ويتم الحكم على نتائجها أعتباراً من التعاليم الكنسية، وهو الذي يميز بين الأحداث ذات الدلالة الشاملة، لأنها تظهر اللامرئي في المرئي، والمقدس في اليومي ورواية "عزازيل" هي من هذه الدلالة النمطية للتاريخ المحرك لتقسيم التاريخ إلى دنيوي ومقدس.(2)

وأن الظروف المحيطة بالخطاب الروائي تبين  ما تناولته التداولية في الخطاب الروائي ومن شأن لبنية الجملة التي يتم تحقيقها على يد رجال الدين اللاهوت الذين يتقدمون التاريخ المرئي في الرواية وهم:

1. هيبا الذي يمثل التاريخ الدنيوي بلمسة قدسية مبطنة لكنها متركبة في شخصية "عزازيل" وهو الإبليس الأرضي الذي تركبّ في شخصية "هيبا".

2. نسطور وهو المشرف الكنسي والمسؤول عن تقديم الخدمة لتيودور وهو القس، والرواية تبدأ بالراوي وهو هيبا الذي يروي الأحداث ويسجلها على تلك الرقوق وهو يروي المجيء إلى اورشليم، ويعلن هيبا عن وجوده المتعين في الزمان الدنيوي المرئي وهو تعيين  مشروط بالبقاء دائما داخل منحى وجودي في الزمان المرئي، وحاله الدائم هو الرحيل بعد ما قتل ابيه بمؤامرة من والدته لتتزوج شخصاً آخر، فكانت رحلته داخل صومعة هذا الأدراك الحسي الذي أصبح هو المتصّور الحقيقي لوجوده داخل زمنية مرئية تطل على رؤية صوفية متشددة يقطعها الوعي الدنيوي الذي يخضع إلى اهواء النفس البشرية.

وهيبا كان يخضع إلى اهواء نفسه إضافة إلى أنه كان  يعاني أزمة سيكولوجية جنسية كانت مرتبطة بصيرورة هذا الزمان المرئي الذي يداخله دائماً بالزمان غير المرئي. وهيبا هو المتعين الزمني الذي يرتبط بالوجود في شخصية "عزازيل" ومع هذا الوجود العيني المتصاعد تبرز الأشياء الأخرى من اهتمامات هيبا باعتباره رجل دين مسيحي، وعنده اللغة الارامية قبل السُّريانية.

يقول هيبا" بل نقول السُّريانية، ليتميز زمانها المسيحي المبارك عن زمانها الأول، الوثني واليهودي" [ص36] وخنوم الإله "الذي كان القدماء يعتقدون أنه يصنع الشر من طين الصَّلصال، ثم ينفخ فيهم آمون ليهبهم الحياة" [ص40]، وكان "معبد الإله خنوم الذي يستقبل جريان النيل، عند الطرف الجنوبي من جزيرة الفنتين الواقعة جنوب مصر، بالقرب من أسوان" [ص41] .

كانت اللعبة المثالية اللاهوتية عند هيبا قد قلبت حياته، هذه السيكولوجية الاهوائية الجنسية اللّعوب هي التي قذفت به في مهاوي الاقدار بعد مقتل ابيه على ايدي متطرفين مسيحيين ومجيئه إلى الاسكندرية وتعرّفه على "اوكتافيا الجميلة خادمة السيد الصقلّي وهي مثل إبنته رباها وقد مرت بعين  المشكلة التي مر بها هيبا هو مقتل زوجها على أيدي متطرفين مسيحيين، لكننا نستدل من شخصية هيبا بأنه شخصية مهتزة سيكولوجياً وانه خسر أوكتافيا بعد أن عرفت أنه رجل دين متطرف وأنها وثنية كما يطلق عليها هيبا دائماً.

واوكتافيا امرأة وثنية "تعتقد في خرافات الالهة اليونانية الحمقاء. الإلهة الذين يخادعون بعضهم، ويحاربون البشر، ويتزوجون كثيراً، ويخونون زوجاتهم! أيُّ خيالٍ مريض أنجب آلهة اليونان" [ص98] وقد عرضت أوكتافيا على هيبا أن تسميه "ثيوزوروس بوسيدونيوس!" ومعناه في اليونانية " الهدية الإلهية من بوسيدون" [ص99] وخُير هيبا إذا لم يعجبه الإسم فسوف تعطيه إسماً آخر بدلاً عنه هو"ثيوفراستوس" والذي يعني الكلام الإلهي" [ص99]

وقد اعترض "هيبا على هذين الإسمين وقال كلها اسماء يونانية، وأنا لي أسم مصري." [ص99] وكان في كل هذا السرد يعترف بالكتابة. لكن إبليس يذكرّه، وكان إشكالاً قد حدث من خلال الهواجس عند هيبا هو شكه في هذا الرجل "الصقلي" الغني. لماذا لم تكن له علاقة مشبوهة مع "اوكتافيا" قال لها "هل يضاجعك سيدك الصقلّي" [ص105] وفي كل هذا الاعتراف كان "عزازيل" يتابعه عن كثب وهو ضميره الحسي لهيبا، وهو "الكوموفلاج" الذي يظهر ويختفي عند  الرواي"السلم والواصل بين  سطح البيت وطابقه الأعلى، كانت درجاته عشرة" [ص100] من هنا يتم الربط الاسطوري بين "الدرجات العشرة والعقول السماوية التي تصل بين الله والعالم بحسب أفلوطين الحزين" [ص100].

وبعد عملية  جنسية كاملة مع أوكتافيا أثناء النزول إلى باحة البيت سألها هيبا"لماذا أسموك اوكتافيا؟ "[ص101] اجابت "ابي تزوج مرتين، وأنجب كثيراً، وكنتُ الثامنة بين أبنائه وبناته العشرة. إذن سوف أسمَّيك يتماشموني، فهي تعني المصرية الثامنة، مثلما تعني اوكتافيا باليونانية " [ص103] .

كانت اوكتافيا تروي مقتل زوجها الاول هو أنه" خرج ذات صباح ليضع النحور في المعبد الصغير الذي كان قائماً بشرق الميناء، فحوصر هناك، تقصد حاصره أهل ديانتنا. وأجهشت وهي تقول: قتله المجرمون وقادتهم من الرهبان، وهم يدمرون المعبد" [ص122]

"رهبان الاسكندرية يفعلون باسم ربهم العجيب، وببركات الاسقف ثيوفيلوس المهووس وخليفته كيرُلس الأشد هوساً" [ص122]

 

في صميم الرواية

الرواية تأخذ المنحى السردي اللاهوتي أي أن هناك علاقة جدلية بين الوعي الديني في إطار الزمان اللامرئي والزمان المرئي الإنساني وهذه الرواية تذكرنا برواية "جويس صورة الفنان في شبابه" "وتذكرنا كذلك برواية لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسه وبطلها يوسف، وهي جزء من المنظومة الأصولية المسيحية، وفي شاهد الرواية هناك مشاهد شكسبيرية، ومشاهد دينية في ظهور شبح الخضر الذي يظهر من خلال الأمواج البحرية.

والرواية تتحدث عن جزء من الوعي الاسطوري "الديني" "المسيحي الإسلامي" ويوسف زيدان ينقلنا في هذه الرواية السردية التي يسجل فيها على "الرقوق" تلك الاحداث وهي إشارة دقيقة إلى الوعي الاسطوري الذي يتم إزاحته وإبداله بالوعي السردي الاسطوري في الادب العربي مثل سرديات الف ليلة وليلة، وهي إشارة إلى التقنيات السردية في الأدب العربي.

بعد طرده من بيت الصقلّي على يد أوكتافيا بعد أن عرفت أنه رجل دين وبعد أن اعترف لها بذلك عاوده التعيين الوجودي للزمان من الناحية التجريبية الباطنية وتصوراته للوجود العيني عبر الوعي الديني الذي يلف تفكيره وما يتضمنه من توسط بين الذات المرئية والذات اللامرئية وهي فكرة موجودة دائماً عند هيبا حتى يلزمه الحدس بشكله الباطني من خلال الذات اللامرئية وهي المفتاح لموضوعاته الخارجية اللامرئية في  الزمان والحال والموضوعات الخارجية التي تكون لزوماً تكوينياً لتجربة صوفية باطنية تخرج من متوسط هذه التجربة لهيبا.

كان حواره مع نسطور أي مع نسطور القسِّ " عفواً يا أبتِ المبحَّل: ولكن فيثاغورس كان روحاً طيبة مع أنه عاش زمناً وثنياً" [ص47] "ويوحنا المعمدان، الصوت الصارخ في البرية" [ص47]

سألت نسطور

"يا سيدي، هل تعتقد ان يسوع هو الله، أم أنه رسول الإله؟ المسيح يا هيبا مولود من بشرٍ، والبشر لا يلد الآلهة" كيف نقول إن السيدة العذراء ولدت ربّأً" [ص47] من هنا نقول: كان هيبا متطرف في مفاهيمه وشكاك حتى في زمانه اللامرئي، وكان يريد أن يعرف من نسطور حقيقة " أمر أريوس" وافكاره، قال نسطور : " إنني أدرك ياهيبا، معنى دراستك اللاهوت في الاسكندرية وأعرف كل ما علّموك إياه هناك وكلّ ما علموك به من أمر "اريوس" وآرائه التي يعدّونها هرطقة.

ولكنني أرى الامر من زاوية أخرى، زاوية إنطاكية إن شئت وصفها بذلك. فأجد أن "اريوس" كان  رجلاً مفعماً بالمحبة والصدق والبركة . إن وقائع حياته وتبتُّله وزهده كلها تؤكد ذلك أما أقواله، فلستُ أرى فيها  إلا محاولة لتخليص ديانتنا من إعتقادات المصريين القدماء في آلهتهم." [ص53]

"فهل نعيد بعث الديانة القديمة؟" [ص54]

من هنا " لقد خرج آريوس عن إجماع أهل زمانه، وتم اغتياله بالسم"[ص54] لقد ارتاح وابتهج الاسقف إسكندر مع الامبراطور قسنطنطين لموت آريوس.

 

مقتل هيباتيا

"استاذة الزمان، النقية، القديسة، الربة التي عاشت آلام الشهيد، وضاقت بعذابها كل عذاب" [ص158].

إن هيبا يتوافق مع الحس التجريبي في الانحراف والخيانة خاصة في تعيين المنطق الزماني الذاتي المرئي الذي يرى نفسه فيه وإدراكه للتحليل في شخصيته من خلال التبدل في علاقته بالآخرين، وهيبا كان ينظر إلى هيباتيا نظرة جنسية إلى حسها المرئي وإمتلاكه لموضوعاته الجوهرية الذاتية حسب الاستفادة من التجربة، فكان يتمنى لو ضاجعها ولو مرة واحدة، فبقي يحلم بها لأيام ولاسابيع لكن دون فائدة. فقد اطبق الحس الباطني على الحصار الذي كان يعيشه داخل جدران اللامرائي الصوفي وإحساسه الديني الذي فوض هذا التصور بوصفه حدساً تحت مفهوم الجوهر الاصولي اللاهوتي الخارجي وهو شرط ضروري ألزم به.

وهكذا هي حالة هيبا السيكولوجية،  فهو تعيين زمني وتعيين حسي باطني في "الأنا" لأنها حسه الحقيقي لأنه أساساً غير مؤمن بفكرة الدين وحتى بالمسيح وهي لازمة للجنس عنده.

وعند مقتل هيباتيا "صارت عارية تماماً ومتكوّمة حول عريها تماماً، ويائسة من الخلاص تماماً ومهانة تماماً، الذئاب انتزعوا الحبل من يد بطرس وهم يصايحون، وجروا هيباتيا بعدما صارت قطعة بل قطعاً من اللحم الأحمر المتهرئى عند بوابة المعبد المهجور" [ص159]

وهنا يتأكد الجبن الذي لف شخصية "هيبا" وهو يرى بام عينيه كيف تهتك جسد "هيباتيا" أمامه بعد أن طلبت نجدته عندما وقف يتفرج على موقف التمثيل بالجسد. ويوم قتل ابيه وهو صغير لأنه كان لا يستطيع عمل شيء. "فلماذا خنعت عن إغاثة هيباتيا وقد مدت ذراعها نحوي؟" [ص160]

بعد حادثة هيباتيا الممزقة جسدياً، حاول هيبا أن يسيطر على  حالته السيكولوجية، لكنه لم يستطيع،فبدأ بعملية التمرّد اللاهوتي الديني،وقام بقطع الصليب المعلق بعنقه، حين انتزع الصليب أحس بشيء من  الراحة السيكولوجية بعد أن قطع هذا القيد الديني واللاهوتي الذي طوّقه سنين طويلة، وحوّله إلى إنسان جبان ومتراجع، فإذا كان الدين لا يحمي الناس عنما  يستغيثون برجاله وهم لا يستطيعون مساعدة الناس وإغاثتهم كما حصل لهيباتيا  عندما إستغاثت به ومدت يدها إليه، لكنه جبن أمام القتلة من رجال الدين الذين قتلوا هيباتيا وهي إشارة إلى الرجال المتطرفين أنفسهم الذين قتلوا زوج اوكتافيا التي احبته.

 

هروب هيبا من الاسكندرية وعبوره صحراء سيناء

من اجل التعرف أكثر على إنهزامية هيبا وإدعاءاته البراقة التي وسّع بها مداركه المهزومة داخل الحدود التجريبية لجأ إلى الصيغ الجافة التي تتضمن مبدأ المطالبة في الهروب إلى مكان  آخر لأنه يعيش أزمة سيكولوجية حادة بسبب فشله وإفلاسه على الرغم من المزاعم العقلية التي كان يطلقها،حيث كان يصوّرلنفسه المريضة بأنه ربما يكون المسيح المنتظر،وربما يصوّر لنفسه حسب الاناجيل الأربعة أن النساء اللائي لحقن بيسوع من الجليل سوف يلحقن به أثناءالصلب، وحضرن دفنه، وبما أنه يعيش حالة هذيان،كان يتصور أن مريم المجدلانية هي رفيقة معروفة ليسوع، وهي سوف ترافقه اين ذهب" لم اجد يأساً في المرور بالدير قبل دخول صحراء سينا"[ص169] "قضيت في  الدير الثاني ثلاثة ايام،  خرجت بعدها إلى سيناء" [ص169] .

وكان يعني "فنتيرا للفيلسوف الاغريقي " سيلسيوس"  (Celsas) حيث روى في كتاب ضد المسيحية عنوانه "حول العقيدة الصحيحة" جرت كتابته في  حوالي 178 م بأن مريم "كانت قد أصبحت حاملة من قبل جندي روماني اسمه" فانثيرا"  "Panthera" وأنها طردت من قبل زوجها كزانية(3) .

كان هذا التفكير يراوده،ولذلك كان يشك في "أوكتافيا" وعندما سألها يوماً" هل يضاجعك سيدك الصقلي" [ص105] كان هذا السؤال يتضمن بالنسبة له مشروعية قيمة ودينية لأن في نظره أن المزاعم العقلية الدينية لا يمكن أن تسطع بهذا البريق إلا بالربط بين هذه الفلسفة التجريبية الحياتية، لأن مبدأ الشك يراوده، وهيبا ليس رجل دين ولا قس إنما رجل دنيوي، بدليل كان شكه "بمرتا الطفلة الجميلة التي احبته،  وهي الشبيهة "بلوليتا نابكوف" وكان هيبا يشك بمرتا لأنه كان يشك بسلوك مرتا رغم هذا فقد تعلّق بها" هل ذهبت يا مرتا لخيمة هذا الرجل ليلة غنيت له؟" [ص303] كانت هذه الأفكار من الشك تراوده دائماً لأنه غير مستقر سيكولوجياً، ورجل الدين عندما لا يستقر سيكولوجيا، ويراوده الشك دائماً هو ليس برجل دين بل أنه  رجل دنيا.

"ارجوك يا هيبا  لا تظلمني، فالظلم قاسٍ وقد عانيت في حياتي، الكثير من قسوته" [303]، وهكذا انتقلت  عملية الشك حتى مع الرعشة الجنسية، فالرعشة الجنسية التي عاناها هيبا مع "اوكتافيا" قبل عشرين عاماً في قبو النبيذ عندما جامعها وقوفاً والارتجافة الحالية مع "مرتا" عندما جامعها الآن يقول: "إرتجافة مرتا كانت أحلى وأدل على  الارتواء" [ص310] .

كانت مرتا تغني أغاني "القوقيون" وهي أغنيات وقورة، الغريب في الأمر أن "عزازيل" لم  يفارق هيبا"كان يستعطفني بنداء باطني عميق : لا  تفقد مرتا، مثلما فقدت أوكتافيا قبل عشرين عاماً" [ص334] .

هذا يعني أن هيبا كان أكثر شيطنة من  شيطانه"عزازيل" فهو يشك في كل النساء وقد ذهبت مرتا إلى حلب لتغني "اي اضطرار حدا بها للرحيل، والحمّى تفتك بي؟" [ص365] وكان لوصايا "السَّقاء الاعرج" وقع مهم بالنسبة إلى هيبا وهو يعبر صحراء سيناء:

 

الوصايا:

1. لا تدع البحر يغيب عن عينيك.

2. لا تدخل جوف سيناء لأي سبب وإلا فلن تخرج منه أبداً.

3. وابحث عن حمارٍ تركبه، فهذه الصحراء لا يمكن عبورها مشيا[ص169].

كان مقتل هيباتيا في الاسكندرية، وكيف سحل الاستاذة بطرس ومن كان معه من المتطرفين المسيحيين، بعد أن جروُّرها، وقد تقشّر جلدها عن  لحمها حتى اضرموافيها النار عند اطلال المدرسة العلمية.

كان هذا المشهد المروّع بقي عالق في ذهن هيبا مثلما علقت الرعشة الجنسية مع "اوكتافيا قبل عشرين عاماً ومرتا لكنه كان  يقارن بين الرعشتين الجنسيتين عند الأثنين " اوكتافيا ومرتا" كان يقول" إرتجافة مرتا كانت أحلى وأدل على الارتواء" [ص310] كان هيبا لا يهجر العالم ولا يغيب ولا يرتاح، فهو قلق دائماً فكان هيبا معجب "بخريطون" وهو رجل دين يحب نفسه مثل هيبا، وكان نسطور يقول إلى هيبا " نحن نؤمن بقلوبنا ونقرّ بالمعجزة الربانية ثم نعمل عقولنا لنرتقي بالإنسان إلى حيث أراد الرب. ونحن نؤمن بأن المعجزة لا تكون معجزة إلا وقعت على سبيل الندرة، وإلا فإن تكرارها وتواليها سوف يخرجها من باب المعجزات"[ص183] .

كان حزيطون وهو راهب معتكف في أحد الكهوف في صحراء سيناء وعند لقاء هيبا به كان قد تأثر به، وكان حزيطون يقلد المعجزات في يسوع المسيح وليس هو معجزة وكان نسطور يرد على أسئلة هيبا: "لقد تجسّد الرب مرّةً في يسوع المسيح ليرسم الطريق للإنسانية من بعد ذلك للابد . فلا ينبغي لنا العيش في المعجزة ذاتها، وإنما في الطريق الذي رسمته وإلا فقدت معناها" [ص183] فكان هيبا يجد غرضاً إعتباطياً في تفسير سلوك خريطون الذي لا يمت للمسيحية بصلة وهيبا متأثر به لأنه يناغي حالته الذاتية الشكيّة الدنيوية وفي النهاية يخضع  هيبا إلى القانون الإلهي بعد أن  " غاب عزازيل بداخلي وسكت فغمرتني رائحة شعرتُ بعدها بالفراغ  يلُّغني ..بعد حين توسدت فراغي، ونمتُ في نومي" [ص366].

إن التطور التأملي في رواية "عزازيل" والذي يثير الفهم الجذري للسرد من خلال التأمل للمفهوم المحض للدين وقضية اللاهوت وصلته بقضية الحدس المحض عند البطل هيبا  كما في الشروط التجريبية الممكنة فيما يحصل داخل المعترك السردي، وما يترشح من إستنتاجات تبين كيف ما يحصل من مفاهيم تجريبية في السرد تعود إلى المعرفة الاطلاقية التي تحدد موضوعها بالصرامة النموذجية في البناء الأسلوبي الذي يشبه في تراتبيته موضوعة السرد ومفهوم المبنى السردي في حكاية هيبا وعلاقته الملتبسة مع عزازيل.

وقد يتحدد من  خلال هذا التماثل السردي هو تحقيق شكل من أشكال التحصيل الحاصل من خصوصية ما صار الاعتماد على المنطق الاستعمالي للسرد لأنه أكثر تحديداً من خواص المعنى في هذه الرواية، فكان الروائي يتأمل المنطق السردي في علاقته بالزمكان ويُقرن هذه القضية بفكرة الصوت السردي الآخر الذي يغيب فيه النص الروائي ويتلاشى داخل ملحمة اللاهوت أو الدراما الذاتية اللاهوتية التي تخصصت بالمروى من الأحداث.

وجوهر الموضوع السردي في هذه الرواية هو الاشتراع اللاهوتي والشخصية التي تروي الحدث وهذا ينقلنا إلى السرد الشفهي في معنى الخواص في منطق الرواية، ولولا هذا السرد "الرقمي" الذي أضاف الحميمية واللّذة لمتابعة شخصيات هذه الرواية وفي مقدمها هيبا عزازيل.

إن عزازيل مرافق أبدي لرجال الدين، وإلا ما معنى وجود عزازيل"في حياتي منذ هروبي من قرية أبي حتى رحيلي عن هنا"[ص367] " وها هو الرَّق الاخير، مايزال معظمه خالياً من الكتابة ولسوف أترك هذه المساحة ليضاء، فربما يأتي بعدي من يملؤها."[ص368]

 

بقلم: علاء هاشم مناف

................

( 1) الرواية، ص11.

(2 ) كريستوف بوميان، نظام الزمان، ترجمة:أ.د. بدر الدين عرودكي، مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة أولى، بيروت، 2009، ص59

(3 ) جيمس، د. طابور، سلالة يسوع، ترجمة: أ.د. سهيل زكار، دار قتيبة ، دمشق، طبعة أولى، 2008، ص85.

 

هاتف بشبوش: يحيى السماوي حين يرتدي ثوبَهُ المائي (2)

hatif bashbooshيعطينا الشاعر يحيى الكثير من شواهده على إحترامه للمرأة وحبه وهيامه بها، أنه المدافع عنها في أحلك الظروف، أنه يحبها على غرار الشاعر نزار قباني حين يقول (لم أحبكِ كشخص فقط، بل أحببتكِ كوطن لاأريد الإنتماء لغيره)، لا كما نسمع عنه في بعض البلدان التي تحتقر المرأة وتجعلها في المستويات المتدنية، حيث نقرأ في كتاب مملكة غرف النوم لمحمد الباز والذي يتطرق الى الإنحراف الجنسي والديني في بلاد العرب وبالأخص في السعودية، وماهي نظرتهم للمرأة فيقول:

(طريق المرأة الى الجنة وأنهارها وعسلها وفاكهتها الدانية، يمر بالسرير وينتهي بالسرير) .

(المرأة خطيئة تمشي على قدمين في السعودية .. من كتاب مملكة غرف النوم لمحمد الباز).

وهناك الروائية السعودية الرائعة وردة عبد الملك التي تنقل لنا عن الأساليب التي يتم من خلالها إستغلال المرأة وتخويفها كي تظل مطيعة في كل أوقاتها حتى لو كان الأمرر على حسابها ومستقبل حياتها، حيث تتطرق الروائية الى (سارة) بطلة روايتها وفي جانب من الحوارات حيث سارة تزهق من حياتها وزوجها الذي لايحترمها، فتأتيها أحدهنّ فتقول لها إحترام الرجل بكل أفعاله السيئة هو الطريق الى الجنة،(فمن يحتمل النار ياسارة) .. وبهذا تذعن سارة لهذه الأقاويل التي تشكل لها رعبا رهيبا لايطاق .

أين نحن من ذاك فيما لو قرأنا للشاعر يحيى السماوي ومدى تبجيله للحب وللمرأة، حتى يصف لنا صبره وإحتماله للملمات بهذا الصدد فيقول:

يـا مُـبْـطِلاً حتى وُضُـوئي: كُـنْ لِـحَـصْـدي مـوسِــمـا

فـأعـادَ وضـعَ نِــقــابـهِ كـيـداً... وقـالَ مُــتــمْــتِــمـا:

صـبـراً عـلى عـطشِ الـهـوى إنْ كـنـتَ حـقـاً مُـغـرَمـا

فـالـمـاءُ أعـذبُ مـا يـكـونُ: إذا اسـتـبَـدَّ بـكَ الـظـمـا!

 

أنا أتذكر في ايام القادسية المغبرة، كنا في احلك ظروفها لانرى غير انفسنا والآخرين من العساكر الذين لايتغيرون على مر سنوات طويلة،أشهر نقضيها بدون رؤيا اي عباءة أنثى كي نشم عطرها، أشهرونحن مع التكثيف الجنسي بأمتياز، احيانا مشاهد النوم تحت البطانيات تثير السخرية .. جنود نائمون وماهم بنائمون .. بل تتحرك ايديهم وهي تقبض على ذلك اللايكل المسكين الذي لم ير غير مقابض الايدي المتسخة من رمال الصحراء والثكنات، في خضم كل هذه المأساوية المعتمة .. كان لي صديق مهندس من الحلة كنا نسميه (حسن بلميطة) ..تسمية جنسية خالصة تتعلق بخيارته . كان يقول من شدة ضمأه الى زوجته ..حين يحصل على مكرمة الإجازة، يقول أطرق الباب وأنا فاتحُّ أزرار بنطلوني الخاكي، تظهر زوجتي، أقبلها وتقبلني، ومن الباب الى خدرها، حيث يتم ارواء عطشي، هكذا هو صبر العراقي، وهكذا هو الإرواء ولكن اي صبر، إنه الجنون أو الخبل الذي يختلف عن الآخرين، (عراقي هواه وميزة فينا الهوى خبلُ/ يدب العشق فينا في المهود/ وتبدأُ الرسلُ) ورغم ذلك، قالوا ... انّ بحور الصبر بعيدة المنال .

يحيى السماوي لايمكن أن يبعده شئ عن الوطن سوى الحبيبة او الأم أو البنت والاخت، أنهنّ الحب والغزل الصادح في أوراقه، كما بينا أعلاه، انهنّ المنار والفنار في حياة الشاعر، أنهنّ الطريق المؤدي الى أروقة الوطن العزيز عبىر قلب الشاعر مهما إرتحل، انهن المستوطنات هناك في وطنه الأم، أنهن الفكرة التي لايمكن لها أن تزال من رأسه مهما تلقى من عقاب أو مضايقة او مداهمة من قبل أجهزة الأمن أو البوليس السري، لنشهد على شاعرنا ومايقوله بصدد ذلك:

سـعـادة الـرَّقـيـب:

أنـت تـمـتـلـكُ الـمـقـصَّ الـقـادرَ عـلـى قـصِّ الـورقـةِ مـن كـتـابـي ...

ولـكـن: مـن أيـن لـك بـالـمـقـصِّ الـقـادر عـلـى قـصِّ الـفـكـرة مـن رأسـي؟

 

حين يمطر شاعرنا مطرا كونيا، يمتد الى خرائط العالم، الى السماء التي تلف تحتها هذه الأرض المترامية، يمطر علينا فسلفة ما أوتي بها الاّ القلائل والذين نالوا من الشهرة جعلتهم حتى اليوم منارا ونبراسا يهتدي بها البشر على مر الأزمنة. الشاعر يحيى يقترب هنا مع ماقاله الشهير العظيم الشاعر التشيكي (فرانس كافكا) في مقولته (لاأحد يحمل فكرتك في رأسك سواك أنت)، وهناك نصب تذكاري رأيته في براغ يجسد هذه المقولة الرائعة، حيث يزوره ملايين السواح كل عام، حيث نرى في النصب كيف أن الرأس فارغُّ، ويحملُ شخصا بأكمله . هذه المقولة التي كتبها الشاعر فرانس كافكا هي عبارة عن سطرٍ جعلت منه شاعرا مخلدا في سماء العبقرية والعظمة . وها أني أرى ماقاله الشاعر يحيى بهذه الكلمات القصيرة الكثيفة التي لو انفجرت لتناثرت في الأصقاع حبا وثورية وحماسا وتفكيرا ينشطر الى مالانهاية، كلمات مضغوطة تحمل الكثير من المعاني السامية التي يجب أن تؤطر في أرشيفنا العربي والعراقي .

كل مايكتبه الشاعر هو بمثابة أسفين يُدق في أرض هذا الوطن الجريح، لنقرأ ماقاله الشاعر في شذرته الرائعة (مسمار):

عـلـى مـاذا يـتـقـاتـلُ الأبـاطـرةُ الـصـغـار؟

حـيـتـانُ الـمُـحـتـلِّ لـم تـتـركْ مـن سـمـكـةِ الـوطـن إلآ الـزعـانـف ...

وديـنـاصـوراتـه لـم تـتـرك مـن الـحـقـل إلآ الـتِّـبـن !

ــــــــــــــــــــــــــــــ

هي حرب بين عجوزين أصلعين من أجل مشط،  أما المحتل فهو كحال البرجوازي القذر في تلك الأيام إذا ماكان له جارا فقيرا،  يأكل السمكة جميعها ثم يدق الباب على جاره المسكين لأعتبارات (عليكم بسابع جار) أو الجار ثم الجار ثم الجار، فيعطيه عظام السمكة للمصمصة، وهذا المسكين ليس لديه سوى أن يقول (حمدا لله)، وهذه الأساليب إنسانية في قشورها لكنها تساهم في إذلال الإنسان أيما إذلال، ولذلك حينما وصلنا الى بلدان التحضر وجدنا أنفسنا نعيش على المساعدات التي نأخذها من بنك الحائط، وهذه في حد ذاتها وجدوها لحفظ كرامة الأنسان . أما الديناصورات يحتاج لهم ضباطا أحرار مثلما فعلها عبد الناصر (وهذه تحتسب له من الأعمال المجيدة) الضباط الأحرار قاموا بتقنين ممتلكات كل الأثرياء وإتباعها الى الدولة،  و مثلما حصل في روسيا وحسب ما قرأناه في الرواية الخالدة (الدون الهادئ لشولوخوف) وكيف كان يتصرف البلشفيون في مصادرة مايعطيه البيدر وتوزيعه عادلاً بين الإقطاعي والفلاح. لابد وأن يأتي هذا اليوم .

مازال الشاعر يحيى رمزنا العالي بروحه الطيبة الوفية الصادقة، المسامحة، المجاملة، الصداحة، الرقيقة، المقدامة، المصالحة، البعيدة عن التوتر، البعيدة عن المناكفة، البعيدة عن الشجار، انه المسالم، انه المناضل، الرونق والأنيق، ما احلاه في منفاه، ما أجمله وهو يقرأ لسلام عادل وحسن سريع في السماوة، ما أروعه حين ينشر الروح الصداقية الخالدة فيما بين الأحبة، هاوهو يكتب نصا إعتذاريا الى أصدقائه عقب حصول سوء فهم في مجريات الأدب والشعر ومايتعلّق بحرية الرأي، والإفصاح الذي يختلف من شاعرٍ الى آخر حول بعض الشخصيات العراقية التي صنفها البعض بكونها مجرمة بينما صنفها البعض الآخر غير ذلك، لنقرأ بتمعن ماقاله الشاعر ذو القلب الفسيح بهذا المنظور العميق:

(إعـتـذار مـتـاخّـر)...

" الى الصديق الشاعر هاتف بشبوش: درءاً لشهقة دخان، والى الصديق الشاعر الفنان ماجد مطرود لتقصيري غير المتعمد في تأخري عن تهنئته بنجاح العملية الجراحية في الفقرات ـ سائلا الله أن ينسج له بيد لطفه ثوب عافية لا يبلى، والى كلّ صديق قد أقصّر معه يوما بحسن نية !

 

ثقيلةُّ حقيبتي ..

لا قدرة ُّ لظهري على حملهـا

عساني أخففُ من ثقلها باعتذاري ..

***

أعتذرُ:

للشهداء الذين لم أشارك في تشييعهم ...

//

للجهاد من أدعيائه ...

//

للمرضى الذين لم أدعُ لهم بالشفاء...

//

للبستان الذي سرقتُ من نخلتهِ رطبـاً ولم أكـن جـائـعـاً

//

للرصيف الذي اتسخ بأعقاب سجائري ...

//

لأيدي الجلادين التي تـَورَّمَـتْ من صفعي ...

 //

للغد من مشاركتي بانتخاب القادة الإماء والساسة اللصوص ...

//

للعاشقِ الذي استهنتُ بـدموعه ...

//

وأعتذر أيضا:

لحقيبة عمري التي أثقلتها بحماقات الأمس !

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

يرد الشاعر (هاتف بشبوش) كاتب هذا المقال فيقول:

 في روايات أفلام الويسترن (الكاوبوي الأمريكي)، أغلب ألأحيان نرى الروائي يميل أن يكون البطل في غاية النبل، في رواية جميلة كتبها صديق الشاعر الأمريكي الشهير (والت وايتمان) يحضرني اسمه الآن، هذه الرواية مثلت الى فيلم في غاية الأثارة أيام كنا صغار ونلهو بالمسدسات التي نصنعها من عظام فك الشاة، وحينما نرمي مثلما وصفها الروائي (زيد الشهيد) نطلق صوت من أفواهنا (كيو، كيو، كيو)، هذا الفيلم مثلهُ عمالقة السينما أنذاك (كيرك دوغلاص الذي اشتهر برائعة سبارتكوس، وأنتوني كوين الذي اشتهر برائعة زوربا اليوناني)، الإثنان أصدقاء بل تربطهم الحميمية المطلقة التي لايشوبها شائبة، أجبرتهم الظروف على أن يتبارزا وجها لوجه،  أحدهم شهير برميته السديدة في الجبهة والآخر شهير برميته السديدة في القلب وكلا الطرفين رميتهما واحدة لاتثنى فتلقي الطرف الآخر صريعا لامحال (مثل قوس إبن الكُسعي)، وكنت اتذكر أنني دخلت الفيلم أكثر من مرة لكي أرى ذلك المشهد البطولي والتضحية التي لاتوصف في سبيل الصداقة والأخوة، يخرج الإثنان صباحا في الوقت المحدد والمكان المحدد وبقية الناس تنظر اليهم من خلف نوافذ بيوتهم، ربما هي العادات أنذاك تساق هكذا (ولهذا نحن في الصغر إذا ما اردنا أن نتشاجر مع أحد نقول له، إذا انت شجاع إنتظرني خلف سكة القطار) . المهم خرج البطلان وتقابلا وجها لوجه، وبعد النظر بين الطرفين والتحديق لكليهما، والأصرار في المضي قدما للقتل وقلوبنا تخفق نحن المشاهدين الى هكذا مشهدٍ مثيرٍ أنذاك، وعلى حين غفلةٍ ينطلق الرصاص من كليهما، وقع الأثنان فتصورنا أنهما ماتا وينتهي الفلم، لكن تبين أن أحدهم حشى مسدسه بطلقٍ خلّب كي يعطي الفرصة لصديقه أن يقتله، والآخر تعمد في رميته الى مافوق جبهة صديقه بكثير، وهكذا بقي البطلان على نبضيهما.رواية تصف لنا التضحية في اللحظات الحرجة والمواقف النبيلة التي يسجلها التأريخ في سبيل إعلاء كلمة السلام والمحبة بين الأخوة .

بينما في روائع الألياذة والأوديسة هي كثيرة مثل هكذا تضحيات، ومنها رواية(المجالد) التي تكلم عنها المبدع الناقد (حسين سرمك)، مبارزة تتم بين سجين بطلٍ وملكٍ من ملوك الأمبراطورية الرومانية، الملك يطعن السجين بخنجرٍ وهو في السجن قبل المبارزة بساعة كي يظهر ضعيفا أمام الناس المحتشدين فيستطيع التغلب عليه، وتبدأ المبارزة وتنتهي بفوز البطل السجين وموت الملك دون أن تعرف الحشود بفعلة الملك الجبانة . أو المثال الأقرب لنا هو الكونت مونت كريستو وصديقه الذي غدر به (مونديغو) من أجل قلب الجميلة مرسيدس . أو بوشكين حين مات مبارزا من أجل حبيبته، ثم يستمر الشاعر(هاتف بشبوش) مخاطبا يحيى السماوي صديقه الأعز ورمزه الأكبر في سماء الأخلاق والشعر والنضال فيقول:

ياصديقي

لا أنا ولا أنت

تستطيعُ زهورُعبّادنا

أنْ تستديرَ نحو الظلام

أنها مجبولةُّ من الشمس

لا أنا ولا أنت

من ملوكِ الألياذةِ والأوديسة

بل كلانا

هو السجينُ المطعونُ بخنجرِ الخونة

لا أنا ولا نت

من يتصارعُ من أجلِ حسناءْ

بل

أنا وأنت

نتبادلُ الأدوارَ بين دوغلاص وأنتوني

بل

أنا وأنت بوشكين

الذي ماتَ حباَ وفداء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ماقلناه أعلاه يستدرجنا الى موضوعة في غاية الأهمية، هو أن الشاعر يحيى تنطبق عليه مقولة أنطون تشيخوف(كلما زاد نقاء المرء، زادت تعاسته)، و لكثرة تجاربه في الحياة جعلته يقول في إحدى محاوراته التي رواها لي، أنّ له قلب حمار (حاشاه طبعا) لكثرة تحمله للمرض الذي رافقه كثيراً في مسيرة حياته الحافلة بالعطاء، واحيانا يكون جليس الفراش دون أن يعطي خبرا لأصدقاءه كي يكونوا عُودهُ، لكي يبقَ مع الأنين وحده، وحتى لايتألم أصدقاؤه معه أثناء المواساة . أنه الشاعر الذي أصبح صديقا الى اللوعات والشطحات التي تأتي من هنا وهناك، أو تأتي من أناس غدروا به دون أن يفكر يوما أنه سيلقى منهم كل هذا الغدر والخيانة، أنهم كانوا أصدقاء حميميون، ولكن سبق السيف العذل، ولذلك الشاعر أوصى لنفسه أن تكون حذرة ولو بعض الشئ، فالحذر هو من صفات الشجاع، ولذلك بيّن لنا الشاعر يحيى بخصوص ذلك في ديوانه الأخير (ثوب من الماء، لجسدٍ من الجمر) في هذه الشذرة الرائعة:

بعضُ الخرافِ

أشرّ من بعض الضباع

فليس عجبا

أنّ عصفوراً يخبئ تحت برقعِ ريشهِ

ظفراً وناب

ــــــــــــــــ 

لاغبار على الشاعر حين أطلق الحذر، فهو التلميذ وهو المعلم، وهو(الذي لم يعد في قلبه مكان لرصاصة جديدة ....محمود درويش) . فلايسعني في نهاية دراستي هذه أن أقول طوبى لروحك التي إرتدت ثوبها المائي كي تطفئ مافي النفوس من لظى أشرارها، ثم راحت تفتش عن كونفوسيوش العظيم وهو يقول (لازلتُ لاأفهمُ شيئا من الحياة).

 

هاتف بشبوش/ دنمارك/4/7/2016

 

عبد القادر كعبان: مسرحية: الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور لغارسيه لوركا: صراع نفسي بين العقل والعاطفة

abdulkadir kabanيعتبر الموقف الدرامي ركيزة أساسية عند مؤلف المسرحية، كما هو شأن الاسباني غارسيه لوركا الذي استطاع ببراعة اختيار نقطة الانطلاق الدرامية في مسرحيته "الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور"، أين تتأزم مشكلة في حياة البطلة -روزيتا- ويحتدم الصراع النفسي لهذه الشخصية برحيل ابن عمها الذي كان قد وعدها بالزواج.

لقد أنهى لوركا كتابة مسرحية "الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور" في جوان من سنة 1935، وقام بعرضها على المسرح في الثالث عشر ديسمبر من نفس السنة في برشلونة الاسبانية.

من يقرأ هذه المسرحية سيتأثر حتما لحالة اليأس التي تعاني منها الآنسة روزيتا العانس، والتي كانت قد اتفقت مع ابن عمها على الزواج، فهي ظلت وفية لحبه بل كانت واثقة من حبها له ثقة عمياء، أما هو فرغم حبه الكبير لها، يخلف وعده ويتزوج من امرأة أخرى، ولكن مهما حاولنا البحث عن السبب فالنتيجة واحدة وهي أن حبه لها يختلف عن حبها الصادق النقي له.

من هنا تبنى المفارقة الدرامية التي يقوم على أساسها الصراع الدرامي للأحداث التي تحركها جملة من الشخصيات الرئيسية والثانوية.

لقد جاءت الحبكة في هذه المسرحية متسلسلة، لا تخلو من عنصر التشويق والدهشة، أين قدم لنا لوركا مشهدا افتتاحيا يكشف عن المكان والزمان وعلاقتهما بالشخصيات الرئيسية (العم، العمة، المدبرة، روزيتا، ابن العم)، وفكرة الموضوع المعالج (العنوسة) والخلفية الاجتماعية التي تدور حولها الأحداث بشكل عام.

ينقلنا لوركا بعد ذلك إلى نقطة الانطلاق أو كما يسميها النقاد بالوضعية، أين تبدأ تلك الأحداث بالتصادم فور رحيل ابن العم المفاجئ، وهذا ما سوف يؤدي إلى ذلك الصراع النفسي الذي ستعيشه البطلة بين عقل يرفض واقعها وعاطفة اشتياقها لحبيب خائن.

وأخيرا نصل مع كاتب المسرحية إلى الأزمة (ارتهان عم روزيتا لمنزل العائلة)، وهنا يشتد الصراع إلى درجة يحتدم فيها الوصول إلى حل حاسم ونهائي.

تنقسم مسرحية "الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور" إلى ثلاثة فصول، أين نكتشف كقراء قصة درامية مأساوية لفتاة تتوقف حياتها على حب ابن عمها الذي يعدها بالزواج، لكنه يسافر إلى أمريكا الجنوبية فجأة، ليلتحق بوالده هناك من أجل مساعدته في أعماله.

من هذا المنطلق تبدأ معاناة تلك الوردة المتغيرة -روزيتا- كما يصفها لوركا، لتصبح هي الأخرى ضحية من ضحايا العنوسة التي أصبحت ظاهرة في هذا العصر للأسف الشديد.

تسير أحداث المسرحية في الفصل الأول وفق خط درامي طبيعي هادئ، أين يتعرف القارئ على الشخصيات الرئيسية لغارسيه لوركا، كالعم الذي يمضي جل وقته في الاهتمام بالنباتات والورود في مستنبته الزجاجي الذي أقامه في منزله كما نقرأ ذلك فيما يلي: "العم : (يدخل) انها وردة لم ترى ابدا مثيلا لها. مفاجأة ادخرتها لك لأن الوردة المائلة. ذات البراعم المتدلية والساق الخالي من الشوك شيء لا يصدق. يا لها من أعجوبة، هه؟ ولا شوكة واحدة. والاس الذي يجلب من بلجيكا، والكبريتيه التي تضيء في الظلمة. ولكن هذه تفوتها جميعا في الغرابة. ويسميها علماء النبات 'روزا موتابيلي' أي الزهرة المتغيرة وقد ورد في هذا الكتاب وصفها ورسمها، انظري (يفتح الكتاب) انها تكون حمراء في الصباح وتستحيل بيضاء عند الاصيل، ثم تتساقط أوراقها في الليل." (ص 35).

نتعرف أيضا على عمة روزيتا التي تقوم بالأعمال المنزلية بمساعدة مدبرة، وهذه الأخيرة ثرثارة بطبعها لا تكف على التعليق في كل شاردة وواردة: "العمة: أعتقد أن الخطيب مشغول اليوم.

المدبرة: انني لا ادري من يعجبني أكثر من الآخر، هي أم الخطيب. (تجلس العمة لتطرز) انهما ابناء عم يجب حفظهما في عواء للسكر. وحين يموتان حفظهما الله نحنطهما ونضعهما في مشكاة من الزجاج ومن الثلج. أيهما تحبين أكثر (تنهمك في أعمال التنظيف)." (ص 38).

يدخل ابن الأخ على عمته في غفلة من أمرها، ليخبرها بشأن رحيله بعد خروج روزيتا مع بنات آل مانولو، وهو ما يزعج العمة التي كانت ترفض هذه العلاقة منذ البداية، وهذا ما نقرأه في المشهد الموالي: "العمة: (تقرأ) طبعا هذا شيء طبيعي. لهذا كنت أعارض علاقتك بروزيتا. كنت اعلم أنه سيتعين عليك ان عاجلا أو آجلا أن ترحل مع أبيك. وإلى أين؟ إن الذهاب إلى توكومان . يحتاج إلى اربعين يوما. لو كنت رجلا وفي شبابي لشوهت وجهك.

ابن الأخ: ليس خطئ اننى احببت ابنة عمي. هل تظنين أننى أرحل عن طيب خاطر ان ما أريده حقا هو أن أبقى هنا. ولهذا جئت إليك." (ص 40).

تعود روزيتا بعد ذلك رفقة المانولات الثلاث، وهن فتيات يحلمن كغيرهن بالزواج حيث تصفهن البطلة كما يلي: "في غرناطه، شارع البيره

حيث تعيش المانولات

اللاتي يذهبن إلى قصر الحمراء

الثلاث والأربع وحيدات

احداهن ترتدي الثوب الأخضر.

وأخرى لونا حبيزيا

والثالثة تنورة اسكتلندية

مزينه شرائط تصل إلى الذيل

الاثنتان الاوليان، قطتان

والثالثة الأخيرة، حمامه

ويفتحن وعبر الممرات.

أنسجة رقيقة غامضة." (ص 44)

وفي الفصل الثاني يمر الزمن بسرعة البرق، حيث تتغير ملامح البطلة بعد مرور خمسة عشرة سنة على رحيل ابن عمها ليبرز تقدمها في السن، ورغم كل ذلك تظل وفية لهذا الحب القاتل لشبابها رويدا رويدا، حيث كانت تنتظر رسائله بلهفة كبيرة: "العمة: فاسكتى إذن.

المدبرة: وهل تعتقدين أن من المناسب أن يرسل رجل لمدة خمسة عشر عاما ويترك وراءه امرأة هي خلاصة الزهور؟ لا بد لها أن تتزوج. لقد أصاب يدي التعب من فرط حفظ ملاءات الدانتلا المارسيليه. وأطقم الفراش المطرزة بالجبير ومفارش المائدة وأغطية السرير من النسيج المطرز بالزهور المجسمة. انها لا بد أن تستعمل كل ذلك وتستهلكه. ولكنها لا تلتفت إلى مرور الزمن لسوف يبيض شعرها ولما تزل تخيط شرائط من الحرير اللامع في ثنايا قميص عرسها." (ص 57).

هذا المشهد السابق يرجع إلى زيارة السيد س -أستاذ الاقتصاد- إلى عائلة روزيتا، وسؤاله عنها وإحضاره لهدية لها: "العم: وأنا أيضا. لما كان اليوم عيد قديسها. فلا بد أنها ذهبت لتصلي في الكنيسة.

السيد س: أرجوك أن تقدم لها هذه القلاده بالنيابة عنى انها على برج ايفل من اللؤلؤ على حمامتين تحملان عجلة الصناعة بين منقاريهما." (ص 55).

تقوم العوانس الثلاث وأمهن بزيارة عائلة روزيتا، ولا تحبذ المدبرة هذه الزيارة، فهن يبالغن في ارتداء الملابس الفاخرة على عكس والدتهن التي تفضل ارتداء الأسود في جل ملابسها، وكأنها حزينة على حال بناتها اللواتي يبالغن في السؤال عن علاقة روزيتا بإبن عمها المهاجر، وهي تجيب بنبرة لا تخلو من الحزن والأمل في آن واحد: "العانس الأولى: (إلى روزيتا) هل لديك أخبار؟

روزيتا: لقد وعدني بأخبار جديدة في آخر خطاب له. سنرى ماذا سيكون؟

روزيتا: من زمن. لقد صنعت طاقما آخر يمثل فراشة تشرب المياه.

العانس الثالثة: هل انتهيت من طاقم الدانتلا البلنسي؟

روزيتا: من زمن! لقد صنعت طاقما آخر يمثل فراشة تشرب المياه.

العانس الثانية: لسوف تحملين أفضل جهاز عرس في العالم يوم زفافك." (ص 70).

يظل موضوع زفاف الآنسة روزيتا حديث كل من يدخل بيتها، وهذا حال بنات المصور دي أيولا العانستان، كما يشير إلى ذلك لوركا في المشهد الموالي: "أيولا الأولى: كم أتمنى أن تتزوج روزيتا.

روزيتا: أرجوك.

أيولا الثانية: دعك من هذا الهراء، وأنا أيضا أتمنى ذلك.

روزيتا: لماذا؟

أيولا الأولى: لكي أحضر حفلة عرس. لسوف أتزوج بدوري حالما أحضر حفلة عرس.

العمة: يا فتاة.

أيولا الأولى: بأي شخص، ولكن لا أريد أن أبقى عانسا.

أيولا الثانية: وأنا أيضا من نفس الرأي." (ص 74).

جاء الفصل الثالث ينبأ المتلقي بمرور عشر سنوات على رحيل فارس أحلام روزيتا العانس، أين يبدأ الحوار بين المدبرة والعمة التي توفي زوجها منذ ستة أعوام وهي لا تزال حزينة، وهو نفس حال مدبرة المنزل التي يحزنها بشدة حال فراشتها روزيتا البائسة: "العمة: اسكتي، لا تكملي؟

المدبرة: ليس لدي من أعصاب تمكنني من تحمل هذه الأشياء دون أن تجري الدماء في عروقي. كما لو كانت كلبا مطاردا. حين دفنت زوجي أسفت عليه كثيرا. ولكن كان يقبع في داخلي فرح كبير. ليس فرحا بل دقات تذكرني بأنني لست المتوفاة. وحين دفنت ابنتي، هل تفهمين؟ حين دفنت ابنتي كان الأمر كما لو أنهم سحقوا أحشائي. ولكن الموتى قد ماتوا. انهم ماتوا، ونبكي وينغلق الباب، ونحيا. ولكن ما حدث لروزيتا هو أسوأ الأمور. أنه الحب دون العثور على الجسد. انه البكاء دون أن نعلم على من نبكي. انه التنهد من أجل شخص نعلم أنه لا يستحق التنهدات. انه جرح مفتوح يسيل منه على الدوام خيط رفيع من الدماء وليس هناك من أحد ليس هناك أحد في الدنيا يحمل لها قطع القطن والضمادات ولا قطعة ثمينة من الثلج تسد بها الجرح." (ص 89).   

نواصل مشاهدة هذه الأحداث كقراء كما لو كنا في مسرح حقيقي، إلى أن نصل إلى بؤرة التعقيد أين تواجهنا أزمة هذا النص الأكثر من رائع، حينما تستعد العمة وروزيتا والمدبرة للرحيل من بيت ستظل تسكنه الذكريات الحزينة: "مارتين: ومتى سيكون الرحيل؟

العمة: اليوم.

مارتين: لله الأمر.

العمة: المنزل الجديد. لا يماثل هذا البيت روعة. ولكنه يطل على مناظر جميلة. وبه فناء صغير به شجرتان يمكن ان تزهرا." (ص 90-91).

يظهر جوهر هذا النص الدرامي في صراع نفسي تعيشه البطلة بين العقل والعاطفة، فنقطة ضعفها تمثلت في استسلامها لحب ابن عمها، وهذا الحب يقودها إلى الوقوع في شباك العنوسة التي لا ترحم أي فتاة، وهي المحرك الأساسي لأحداث المسرحية نحو صراع درامي يظهر في العموم داخليا بين روزيتا وضميرها ونفسها البائسة: "العمة: أحيانا يتعين علي أن أتكلم بصوت عال. اخرجي من وسط جدرانك الأربعة يا بنتي. لا تتعودي على الشقاء.

روزيتا: (جاثية أمامها) لقد اعتدت أن أعيش سنوات طويلة غريبة عن نفسي، أفكر في أمور بعيدة جدا. والآن إذ لم تعد توجد هذه الأمور فاني سادرة في تقليبها وتقليبها علني أجد مخرجا لن أعثر عليه مطلقا. كنت أعرف كل شيء، أعرف أنه قد تزوج ولقد تكفلت روح حانيه أن تقول لي ذلك. وكنت أتسلم خطاباته بأمل ملئ بالبكاء كان يدهشني أنا نفسي الدهشة إلى الآن. لو لم يتحدث الناس ولو لم تعرفا انتما، ولو لم يعرف أحد بذلك عداي، لكانت خطاباته وأكاذيبه كفيلة بتغذية أملي كأول سنة من غيابه. ولكن الكل كان يعرف ووجدت نفسي والاصابع تشير نحوى بطريقة تسخر من تواضعي باعتباري خطيبة وتحيل منظر مروحة عنوستي فظيعا. كان كل عام يمر علي كأنه ثوب من ثيابي الحمية ينزعونه عن جسدي..." (ص 100-101).

ما يمكن قوله في الختام، هو أن العالمي غارسيه لوركا وظف الزمن كشخصية لها الدور الأساسي في أحداث هذه المسرحية، وهذه هي قمة التفوق لأنها ركزت على مشكلة عويصة -العنوسة- أصبحت تمر بها كل فتاة حينما لا تجد الرجل المناسب ليتزوجها، لتجد نفسها تعاني صراعا نفسيا من ألم الوحدة والخيانة إن وجد في حياتها حب كذلك الذي كان في حياة البطلة روزيتا لابن عمها، صاحب العواطف الباردة التي لا تخلو من أنانية البشر.

 

بقلم: عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.............................

 (1) فديريكو غارسيه لوركا: الآنسة روزيتا العانس أو لغة الزهور، ترجمة ماهر البطوطي، وزارة الاعلام الكويت،1983.

 

 

سمير الخليل: قراءة في ديوان رحيم الساعدي: هل الذات تسترق السمع إلى نفسها؟

raheem alsaidiديوان (استرق السمع لكي اسمعني) للشاعر رحيم الساعدي الصادر عن دار ميزوبوتوبيا_ بغداد 2015   بالقطع الصغير، والمتضمن أربع وعشرين قصيدة من التفعيلة وقصيدة النثر وعلى الرغم من حجم الديوان المتواضع غير انه زاخر بالدلالات، لاسيما تلك التي تحتاج إلى حفر عميق داخل ذلك الجسد اللغوي المتصف بالغموض، ومن الأساليب التي بدت مهيمنة في الديوان توظيف تقنية (التجريد) أو المخارجة أي جعل الذات ذاتاً أخرى وفي أبسط تعريفاته: ان يولد من الشيء شيء مثله بأسلوب تجريدي وهذا اللون أصطبغ به الديوان بشكل كبير حتى بات ظاهرة مميزة فيه (1).

وربما تعمد الساعدي أن يبتدئ تجريده من العنوان، إذ جعل من نفسه مسترقا للسمع على ذاته ومتحدثا في آن واحد عن أفكاره بصوت عالٍ، وهذا التجريد منح النص مزيدا من العمق، وله المقدرة على تكثيف المعاني بدرجة كبيرة، فكأن الشاعر أراد أن يقول : إنني وحدي، لا أحد يشاركني بما أنا فيه من صخب الذات وصمت العالم، لهذا يتمحور الخطاب حول ذات الشاعر مستبطنا أعماقه، كما نستطيع القول إن ثمة قابلية كبيرة في النص تتيح له تقبّل الكثير من الاحتمالات الدلالية المنفتحة، تلك القابلية التي ربما لا يمنحها أي أسلوب آخر غير أسلوب التجريد، وهي بذلك تغري تعدد الدلالات التي يمكن إيرادها في النص، هذا فضلا عن انه _ أي التجريد _ يعطي الشعر قدرة عالية على الإيحاء، وهي التفاتة ذكية من الشاعر، استطاع من خلالها أن يبث الكثير من المعاني  في القليل من الألفاظ، ولعل هذا الذي حاول ان يؤكده في أسلوب (الحذف)، إذ عمد الساعدي إليه بشكل كبير جدا، فلا تكاد تخلو منه قصيدة في الديوان، والحذف ظاهرة أسلوبية لغوية متميزة تتوجه نحو توليد الإيحاء وتوسيع الظاهرة الدلالية، وهو _ غالبا _ ما يريد منه الشاعر أن  يترك مساحة في نصه الشعري تكون نصيبا للمتلقي، له أن يملأها بما يظنه مناسبا وطيعا للانسجام مع الدلالة الكلية للنص، وهو بهذا المنظور عطاء تعبيري تتعدد زواياه بأختلاف القارئين وما يحملونه من تجارب متباينة ومرجعيات مختلفة، ان الحذف بشكل عام يستمد أهميته من حيث لا يورد المنتظر من الألفاظ ومن ثم يفجر في ذهن المتلقي شحنة فكرية توقظ ذهنه وتجعله يتخيل ما هو مقصود، ويبدو أن رحيم الساعدي اختار التمليح على التقرير للسبب الانف الذكر فضلا عن رغبته في الكتمان على التصريح إلا بنسبة محددة، كما ان هناك الكثير من الموضوعات تمثل هماً مشتركا بين الشاعر والمتلقي وهي الأخرى لا تحتاج إلى تفصيل،وإنما باتت من الأمور التي تغذي عواطف الناس بالحزن والألم على حد سواء . ان مداخلة الصمت للكلام وإدراج علامات الحذف في القصائد وسط سطور ملأى بالكلمات أضفى على القصائد تشكيلا جديدا جعلها أشبه باللوحات التي تتصرف بالأشكال والألوان والمساحات .    ان الشاعر في مجمل نصوصه بدا مختلفا عن الآخرين في كثير من همومه، ومن الظواهر التي أنماز بها (عاطفة الحزن)، فمن حيث النوع فأن عواطفه تتدفق حزنا قد لا يشبه حزن عامة الناس بل حتى أقرانه من الشعراء، بحيث لا يستطيع أي قارئ لشعره الانفكاك مما هو فيه من المحاولة في التعرف على بواعث الحزن التي أوصلت الذات الشعرية إلى هذا الإحساس المرهف، والمقدرة على إقحام المتلقي في خضم ذلك الحزن من حيث يشعر أو لا يشعر بمجرد الإمساك بمستهل النص الشعري، واما من حيث الكم فإننا أمام سيل عارم من الألفاظ الحزينة المتوسمة بالألم والحرقة المصاغة في عبارات طافحة باللوعة وكأنه رومانسي أخطأه الزمن، لذا لاحظنا ذلك الحزن منتشرا في ثنايا نصوص الديوان من خلال ألفاظه التي أخذت حيزها في اغلب القصائد، حتى باتت ملتحفة فيها .ان ظاهرة الحزن في الشعر تتمتع بأهمية خاصة تنبع من قيمتها الإنسانية، فالشاعر من خلالها يصور جانبا مهما من جوانب النفس الإنسانية، فربما يكشف عن نقاط ضعفها، أو ربما يلامس بها بعض مشكلات الوجود الإنساني وقضاياه الكبرى، ففي قصيدته التي جعلها عنواناً لديوانه يطفح الحزن والوجع وآلام الذات، يقول:

أنا آسف

حد انطفائي في ظلام تصوري

حد ارتماسي

في بقايا ما قطفت من المدى

الحزن .. لا يكفي لأشرح لحظتي

الوقت ….لا يكفي لأرسم الوجع المخطط في خيالي

 

أنا آسف

حجم انتظارك …

قدر الطيور النائمات ببابك

قدر الفراشات التي تجتاح صمتا …..نورك

محدودب الأحيان …..أرسم ضحكتي

استرق السمع …لكي اسمعني

لكنني لا أستطيع

لأنني كالقمر الغريب لا احد ….يدرك حجم غربته

البرد يأكل لونه …. وينوح كالصفصاف …كالطفل اليضيع دميته

الليل سجن ابدي حوله

وينام كالعصفور يقلقه البكاء ….أو الضجيج ..أو انتظار الصبح

كي يحلم من صبح أخير …لن يجيء

لأنني مثل الأيائل

ترنو إلى الماء ولا تشربه

فتنوح كالأيتام في بلد غريب

لاشيء يورق في يدي غير اعتذاري (2)

يمثل العنوان العتبة الأولى التي لها وظائف متعددة، تسهم بشكل كبير في معرفة أسرار النص الأدبي بوصفه ظاهرة أدبية وجمالية لا تقل أهمية عن متن ذلك النص وبما أن العنوان علامة سيميائية تشير بشكل أو بآخر إلى مكنونات النص، وقد ذكرنا سابقا ان العنوان حمل دلالات كثيرات من خلال أسلوب التجريد الذي يعد الأبرز فيه، وإن واحدة من دلالات التجريد  (المفارقة )، وهي من أهم ما يلاحظ على عنوان القصيدة، إذ جمع فيها بين المعقول واللامعقول، ولعل ذلك ليس خافيا على النظرة العجلى، فالذات هي السامع والمسموع في الوقت نفسه، وهي إذن جملة صرحت بمعنى استراق السمع  كما صرحت بمن أُسترق منه السمع، إلا ان الجمع بينهما في ذات واحدة  اخرج الجملة من حدودها اللغوية البسيطة إلى مفارقة تحكمت بهذا العنوان والى أداة من أدوات الشاعر الخاصة لخلق نصه، فيتمثل لنا صراع عميق بين الشاعر وذاته جسّد المفارقة وصنع المخالفة فأوحى بالغرابة في ثنائية تكون فيها الأنا والآخر واحدة، وربما طابع الحزن والألم الذي يعاني منه الشاعر هو الذي جعله يلتف على ذاته ويسترق السمع إليها ويقيم معها في دائرة واحدة لا يكاد يمسك منها طرفاً إلاّ ووضع الطرف الآخر بين يديه. لقد استقامت نغمة الحزن في القصيدة حتى صارت ظاهرة تلفت النظر، بل يمكن ان يقال إن الحزن قد صار المحور الأساسي في البناء العام للقصيدة، وقد استفاضت هذه النغمة حتى أثارت كثيرا من الألفاظ تلونت وتنوعت حسب الإطار العام للنص وربما تكمن علة هذه الظاهرة في طبيعة الحياة التي عاشها الساعدي، وفي ظروف العصر المرتهن بالفواجع الإنسانية، حتى خرجت في إطار الاعتذار، فبالقدر الذي قدّم (فيه العقل) للبشرية من عطاءات وخدمات تفوق الوصف، ظل الوجه الآخر يغور عميقا ممزقا أوتار القلب وراسما قتامته على أفق الحياة، فلا تجد الروح برزخها الآمن، حينئذ تلوذ بوجعها المكتوب بجمر الكلمات. يريد الشاعر لمعاني كلماته ان تضطلع بمهمة تقديم الوجه الآخر للحياة، إذ تحمل كلماته المتكلم ومسترق الكلام في آن واحد _ وهو ما اصطلح عليه التجريد أو التخارج _ ليختزل المسافة الممتدة عميقا بين الذات والآخر، وذلك لتمزيق القشرة الخارجية لما هو سائد ومألوف من خلال ما تنث حروف قصيدته من طاقات دلالية تحملها الاعتذارات المثقلة بالمعنى،والتي تحملها الأبيات من مقطع لآخر. ومن اللافت للنظر أيضا ظاهرة الحذف التي شاعت بشكل كبير في القصيدة، وقد لاحظنا ان الشاعر يوزع مواطن الحذف في العبارات بشكل غير متساوٍ، فمرة نجد الحذف في وسط العبارة  ومرة  نجده في نهايتها، وأخرى في بدايتها، ومرة نجده وقد أخذ حيزا يتساوى فيه مع العبارات الأخرى في الوقت الذي لاحظنا حيزه الذي قد لا يتجاوز مساحة الكلمة الواحدة، وربما هذا يدل على ان الساعدي بلغ فيه الحزن انه عكف على نفسه مرة تلو الأخرى ليكتم بعض أسراره ويترك مساحة كبيرة للتأويل والتخمين .

من الملاحظ ان القصيدة مقسمة إلى عدة أقسام، والشاعر في كل قسم يقدم لنا مزيجا من الألفاظ وصورا ذات طابع مختلف عن الأقسام الأخرى، نجد ان الصور المبرزة كانت تتراوح ما بين  المجردة والمحسوسة، ومابين القليل والكثير، والصغير والكبير، ومن ثم يضع بين أيدينا مجموعة من الاختيارات:

وينام كالعصفور يقلقه البكاء …أو الضجيج ..أو انتظار الصبح .

ربما ليمنحنا فرصة ترجيح دلالة على دلالة أخرى .

ثمة ألوان كثيرة تحت سواد الحزن الذي توشحت به القصيدة، قد تحتاج إلى مقام أرحب، ودراسة موسعة ليس من وكدها التعريف بالشاعر وميزات شعره الفنية وتسليط الضوء على بعض ملامح تجربته الشعرية الناضجة في كتابة النص الشعري المنغم مرّة والخالي مرّة أخرى إلاّ من إيقاع آخر أشدّ عمقاً .

 

د. سمير الخليل

...................

الهوامش

ينظر: استرق السمع لكي أسمعني، شعر رحيم الساعدي، دار ميزوبوتاميا، بغداد، 17:2015 : 11، 12،18، 20، 21، 22، 27،  29،  32،  37 .

 

احمد عواد الخزاعي : قراءة الواقع والنبوءة في رواية: موت الأب لأحمد خلف

ahmad alkhozaiترددت كثيرا وأنا أحاول كتابة قراءتي النقدية هذه عن منجز أدبي لقامة كبيرة من قامات الأدب العراقي المعاصر، لكن الذي شجعني على ذلك، القيمة التاريخية الكبيرة التي حملتها الرواية، وشخصية الروائي احمد خلف المتواضعة إلى حد كبير حين التقيته في لقاء عابر في شارع المتنبي.

ليس مصادفة أن يضعنا الروائي والقاص احمد خلف أمام أحداث روائية تحمل مقاربات كبيرة وحميمية مع واقعنا السياسي والاجتماعي العراقي، كان الزمن كفيل بإتاحة الفرصة لنا في معايشتها، في رواية (موت الأب) التي صدرت عن دار الشؤون الثقافية في العراق عام 2002 استطاع الروائي فيها من قراءة الواقع العراقي بطريقة تنم عن امتلاكه لسعة أفق كبيرة، وإخضاعه البنية الاجتماعية العراقية في زمن الحروب والحصار الاقتصادي وتداعي مفهوم الدولة إلى مشرطه الفكري والمعرفي، وقيامه بعملية تشريح دقيقة للكم الهائل من المشاكل السياسية والاجتماعية والنفسية التي نخرت المجتمع العراقي كنتاج طبيعي للحروب والأزمات التي لازمت تاريخ العراق الحديث، وقيامه باستشراف المستقبل عبر نبوءة سياسية خطيرة كان تحتاج للبوح بها إلى شجاعة كبيرة من قبل الروائي، وكان من الصعب لهذه الرواية أن ترى النور في العراق واجتيازها للبوابات السوداء التي كان يضعها النظام السابق  بوجه أي منتج أدبي ومعرفي، ما لم يتلاءم مع المنظومة الفكرية له، إلا إن استخدام الروائي لأسلوبي الرمز والتورية كوسيلتين لإيصال رسالته الفكرية والإنسانية إلى المتلقي، مكنتها من ذلك.

تميز الإطار العام للرواية بالعمق والتعقيد عبر انتقالات سريعة ومفاجئة في السرد، باستخدام الروائي تكنيكا جديدا على الرواية العراقية، تتداخل فيها الأحداث وتتشعب، ويتعدد الرواة داخل النص الأدبي، بطريقة تحتاج إلى قراءة دقيقة وبتمعن،  لكنه استطاع تسخير كل هذا لخدمة الثيمة الرئيسية التي ارتكزت عليها الرواية،  وذلك بتناوله لمجموعة من الأشخاص يتحركون ضمن حيز اجتماعي بسيط ذات طابع سلطوي يهيمن عليه الأب (القائد الأوحد) الذي كان رمزا واضحا للرئيس آنذاك، مكنته شخصيته الجامحة والغير منضبطة من التحكم بمصير عائلته الصغيرة (الأم، الابن إسماعيل، الابن الصغير) لتتعدى هذه السطوة لتشمل أخيه نوح وبعض سكان النزل الذي كان يمتلكه، والوصول بالبعض منهم إلى نهايات مأساوية ، دفع ثمنها هو لاحقا.

تبدأ الرواية بتقنية سردية غاية في الحرفة والجمال، باستخدامه الوصف الدقيق والتفصيلي لعنصر المكان، ليدخل القارئ عنوة في الجو العام لها، وللتمهيد للانفعالات النفسية والإشارات الدلالية للحوار اللتان سترافقان حركة الأبطال داخل النص الروائي، ينتقل بعدها لإبراز العنصر المهم في النص بوصفه لتمثال الذئب البرونزي الرابض أمام منزل الابن والمقاتل الروماني الذي يصوب إليه الرمح، ليفتح مخيلة القارئ أمام أفق واسع في تصور دلالات هذا المشهد، الذئب الذي يعيش في حالة خطر داهم وهو ينتحل صفة حماية الدار، ليفصح عن ذلك على لسان الصديق الذي اندهش لرؤية هذه البانوراما الغرائبية (متى كانت الذئاب حامية للديار) لينسحب هذا الصراع بين الذئب والمحارب الروماني على حقيقة الحرب التي عاشها مجتمعنا وماسيها ..(غير أن الحرب هي الحرب في كل مقاساتها، لا يهمها غير الطعن والمناوشة، الكر والفر، الهزيمة والانتصار، الفوز بركام الدمار والخراب والجوع، سواء بالسيف أو المنجنيق يدك البيوت ويهدم سقوف الجدران ، ليترك ورائه عويلا لا ينتهي وصراخا ينداح في البرية لعشرات السنين).

كان لهذا المدخل الفلسفي والإيحائي للرواية، أن يجعل من القارئ معرفة أي نصا أدبيا قد ولج وعليه أن يكون حذرا في تعاطيه مع أحداثه الدراماتيكية التي ستبدأ بلقاء بين الصديق الصحفي والابن الذي تعمد الروائي عدم الإفصاح عن اسمه إلا في إشارة خاطفة قد تحمل بعدا دينيا حين نادته طفلة صغيرة في لحظة عابرة باسم (يوسف)، والإشارات الدينية نجدها قد تكررت في النص في مواضع عدة من خلال بعض الآيات القرآنية التي رافقت السرد، ورمزية المسجد في قصة الكنز التي رواها لهم العم نوح، وهذا أمر طبيعي، كون لا يمكن تجريد الكاتب من محيطه البيئي والديني الذي يفرض نفسه عليه.

هذان الصديقان اللذان تربطهما علاقة طارئة حين التقيا عند في مرسم صديقهما المشترك (عادل بيكاسو) تلك الشخصية المستفزة والمتمردة على واقعها الاجتماعي نتيجة كم هائل من خيبات الأمل التي عاشها منذ صباه بسبب الفقر، والذي جعلته محبطا يعاني من الفشل العاطفي والانزواء الاجتماعي،  لتتحول حواراتهما القادمة إلى نافذة يطل منها القارئ على سير أحداث الرواية، حين يطلب الابن من صديقه كتابة قصة حياته منطلقا من عقدة أبوية سلطوية طغت على المشهد العام للنص، الأب الذي عبر عنه الابن (الأب الجاني والأب الماكر والأب الذي لا نحسد عليه)، الأب الذي كان يتلصص عليه حين كان صغيرا وهو يمارس الرذيلة مع سارة الحفافة إحدى نزيلات بيتهم القديم، ويسكر حد الثمالة ويتبول على جدران المنزل ويعامل الجميع بحدية وانتقاص، هذه العقدة التي انطلق منها الابن الذي كبر وأصبح تاجر تحف ثمينة فيما بعد ليروي قصته إلى صديقه، التي تمثل قصة شعب بأسره عاش تحت وطأة الطغيان والاستبداد، على ركام هذا الواقع المرير أسس الروائي احمد خلف نبوءته التي أفصح عنها في نهاية روايته.

في أحداث مضطربة كانت تمثل القاعدة الرئيسية  في العلائق الاجتماعية التي ربطت أفراد أسرته ، الأم الصامتة في اغلب الأحيان المغلوبة على أمرها، إسماعيل الابن الأكبر الفتى الوسيم الذي أراد أن ينتحل صفة الأب، العم نوح ذلك الضيف الثقيل على الأب، الذي عاش معه في صراع  ناتج عن تنافس غير معلن على محبة الأم والأبناء، ليصل هذا التداعي إلى ذروته حين يختفي الابن إسماعيل مع سارة الحفافة إلى الأبد ويقرر الأب بعدها الزواج من ساهرة المرأة التي تتفجر أنوثة ، رمز السطوة الأنثوية على الذكر، لتغادر الأم المنزل وتنفصل عن الأب وتتزوج من العم نوح فيما بعد، لكن الابن الراوي في خضم كل هذه الأحداث يبقى الطرف الأضعف في المعادلة، بعد أن يقرر الأب الاحتفاظ به ليعيش حالة من الحياد، التي أكد عليها الروائي في أكثر من موضع في الرواية، (الحياد) الذي رافق الأغلبية الصامتة من الشعب العراقي في ظل النظام السابق طلبا للسلامة، (كانت نظرتي فيما مضى إلى البيت نظرة محايدة).. وفي إشارة أخرى نجد في رواية الصحفي الغير مكتملة التي كتبها داخل النص الروائي عن الواقع الاجتماعي السيئ الذي كان يعيشه العراق في ظل الحصار الاقتصادي، في محاولة من الروائي احمد خلف في الإفصاح عن ذلك بصورة غير مباشرة باستخدامه تقنية تداخل النصوص السردية ضمن متن النص الروائي،  وفي حوارية بين هاجر الطالبة الجامعية ابنة خالة الصحفي امجد توضح خطورة الانحطاط الفكري والسلوكي لبعض أبناء المجتمع العراقي نتيجة هذه التجربة الصعبة التي عاشوها، حين تروي له قصتها مع صديقتها وتحولها إلى بائعة هوى (ومن الممكن أن تكون قد خطت خطوتها تلك لكي تعرف فيما إذا كنت أحبها أم إني انظر إليها بحياد)، كان يرافقهم في هذا المشهد صبية يتنازعون على الكرة واحدهم جالس ينظر إلى الجميع نظرة حياد،

وفي عودة للنص الروائي الرئيسي يروي الابن لصديقه الصحفي النهايات الدراماتيكية التي وصل إليها أفراد أسرته في ظل سطوة الأب، العم نوح انتهى به المطاف مقتولا على يد أخيه (الأب) في مشهد يحمل أبعادا منها مثيولوجيا،  قتل الأخ لأخيه والطائر الشاهد الوحيد على أول جريمة في التاريخ الإنساني، (ركض أبي ناحية حجر كبير ورفعه نحو الأعلى، كان عمي ينظر إليه وطيف ابتسامة نادرة تعلو محياه) وفي إشارة إلى الطائر(التفت نصف التفاتة نحو أخيه، كان عمي لا يبدي حراكا، عض أبي على شفته وامسك بذراعي وهرول بي لما رأى الطائر الكبير مرة أخرى يحوم في الفضاء المهجور من حولنا)، وقد تكون دلالة الطائر هنا تشير إلى نذر الحرب التي كانت تلوح في أفق العراق وبداية النهاية للرئيس، والعم نوح إشارة إلى القوى الناعمة التي سحقها النظام ، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إن هذه الرواية كتبت بين عامي (1995-2000) كان فيها العراق على شفا حرب مدمرة وحصول تداعي كبير في البنية الاجتماعية والسياسية له، حتى أطلق الروائي على هذه الفترة بزمن الحيوانات، في حوار بين الابن وصديقه (لقد عشت معه زمن يليق بالحيوانات)،  وفي موضع آخر ( ستكون شاهدا على زمن الحيوانات)، إشارة إلى حالة التدجين القسري التي مورست على الشعب العراقي آنذاك.

يسجن الأب خمسة عشر عام على جريمته هذه،  يخرج بعدها وقد تلاشت سطوته وجبروته بين طيات المرض والتجربة الصعبة والمريرة التي عاشها، وفي جلسة حوار روتينية بين الصديق والابن في منزله الفخم، يدرك الصديق أن اليد النحيلة البيضاء التي كانت تمتد إليهما لتناولهما الشاي والقهوة وقطع البسكويت كانت يد زوجة الأب (ساهرة)، وان رجلا يقبع في إحدى غرف المنزل المنزوية بين أثاث شبه مستهلك كان الأب (تنفست هواء الغرفة الرطب البارد إلى حد ملموس، فوجئت بسعة المكان، كان الجسد يلتئم على سرير نظيف الفراش وسط مجموعة من الثريات والتحف القديمة الشبه مستهلكة)، ليتشبث الأب (الرئيس) برمز سلطته الآفل (الكرسي) حين ينهض من سرير تحت مراقبة عيني ابنه وصديقه ويرتمي على الكرسي الذي بجوار سريره (ودون أن يفتح فمه، القي بجسده على اقرب كرسي، اخذ نفسا طويلا من سجارته وقد تأملني مليا)، نهاية مثلت نبوءة لكاتب عراقي امتلك القدرة على قراءة الواقع العراقي قراءة موضوعية إبداعية، الموت الذي أشار إليه الروائي في عنوان روايته، كان موتا افتراضيا رمزيا، حين يتحول الأب (الرئيس) إلى جسد متهالك بين ركام أثاث عفا عليه الزمن.

رواية موت الأب للروائي احمد خلف هي تجربة أدبية أسست لمدرسة جديدة في الرواية العراقية حريا بنا أن نفتخر بها ونسلط عليها الضوء، لتتحول إلى ركيزة ثابتة يستند عليها جيل الروائيين الشباب.

 

احمد عواد الخزاعي  

 

مادونا عسكر: أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة (2): ميتافيزيك ودين (1)

madona askarلعلّ الّذي كان سهواً ليست خواتم أنسي الحاج وما ورد في كتاب "كان هذا سهواً" من فكر وفلسفة واختبار حياتيّ... وإنّما ما غفل عنه البعض أو الأغلبيّة في التّعمّق في الفكر الدّيني الإلهيّ. لقد دخل أنسي الحاج مواطن الفكر العميق وأبحر فيه انطلاقاً من الإنسان لا انطلاقاً من الله. فحاور ذاته وحاور الله لكن بطريقة غير تلك الّتي عهدناها. عالج إشكاليّات الله / الإنسان، الحياة / الموت، القدر / الإيمان، العدم / الوجود، بطرح تأمّلاته الشّخصيّة ولكن المعبّرة عن الآخر في ذات الوقت. لقد وعى أنسي الحاج حاجة الإنسان لمناقشة هذه الإشكاليّات، فلم يناقش تقليديّاً، وإنّما ناقش أسباب الفكر وترامى إلى أصل الفكرة. عالج الأصل أكثر من النتيجة.

"قد تكون هذه ثقيلة ولكنّها ليست "مزحة" ثقيلة!

فكرة أن يكون وراء إنكار ما لوجود الله نيّة عميقة لتبرئته". (1)

بالذّهاب إلى أعمق مكان في الإنسان الّذي ينكر وجود الله، استخرج أنسي الحاج النّيّة الأصيلة في نكران هذا الوجود الإلهي. فاتّجه إلى الجذور الإنسانيّة الفكريّة، حيث نشأت الفكرة، وتراكمت الاختبارات الإنسانيّة. لا يريد أنسي بهذا القول تأكيد إيمان الملحد أو نفيه، بل يسعى إلى طرح الإشكاليّة وتبيان أصولها وظروفها ونتائجها. بالذّهاب إلى هذا العمق قبض أنسي الحاج بفكره وروحه على إنسانيّة الإنسان.

بالمقابل نقرأ أنسي الحاج في عمقه اللّاهوتيّ حينما يقول: "بعض مهمّات الله (كاختيار من يموت، متى، كيف، من يفدي من، إلخ...) تُرينا صعوبتها أنّ الألوهة ليست امتيازاً بل عبء أُعفي الإنسان المحبوب من حِمله" (2). بين نيّة تبرئة الله وإعفاء الإنسان من عبء الألوهة تتجلّى الفكرة الأنسيّة في المحبّة القائمة بين الله والإنسان، وبين الإنسان والله. ثمّة علاقة حبّ قائمة ربّما بالفطرة بين الوجود الإلهيّ والوجود الإنسانيّ على الرّغم من كلّ الشّوائب الّتي تسود هذه العلاقة.

"كيف استطاع نوح، بعد ما اختير وحده وعائلته للنّجاة من الطّوفان، أن لا يشعر بالذّنب؟

وتشارع الله، وفي حرصك على الحقّ، رغم موتك، تتردّد وتحار، تقلق أن لا تظلمه.

وأنت الّذي يُصلب لا تعرف لمَ، تخاف على شعور تاركك، تخاف عليه من حرف جارح.

ويحملك الشّعور بجميل ذاتك على الظّن أنّك خير الكائنات، وإلّا لما كنت مؤرّقاً بهاجس الحقّ وأنت في زوبعة الشّدّة." (3)

قد ينتاب البعض هاجس الدّراسات، وتعتريه الانتفاضة على أنسي، ويصيبه القلق في خطورة مواجهة النّصّ الكتابي أو مواجهة الله ذاته. إلّا أنّ أنسي يحمل الهمّ الإنساني بكلّ هواجسه وهمومه وقلقه المعرفيّ تحديداً في ما يخصّ الله. إنّه يعرض بوضوح هذا الصّراع الإيمانيّ الإلحاديّ في كلّ إنسان، ويبيّن النّزاع الإنسانيّ الدّاخليّ الّذي غالباً ما يحجبه الإنسان، فإمّا يتّجه إلى الثّورة العبثيّة، وإمّا يخاف وينغلق على نفسه، وإمّا يتحوّل إلى مهووس بالإله السّيّد يرجو طاعته وإن أهلكته هذه السّياديّة.

كأنّي بأنسي يكتب ذاته على ضوء ذاته، ويكتب الآخر على ضوء المراحل الإنسانيّة الاختباريّة بكلّ ما تحمل من شكوك وإيمان، محبّة وبغض، قبول ورفض. يكتب بشريّة الإنسان ويدعونا إلى اختبار هذه البشريّة والغوص فيها حتّى نبلغ معرفة الحقيقة الإنسانيّة الوجوديّة. 

 

مادونا عسكر

............................

(1) كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص18

(2) كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 17

(3) كان هذا سهواً- ميتافيزيك ودين- أنسي الحاج- ص 21

 

عبد الواحد مفتاح: نخب القصيدة لدى وفاء العمراني

abdulwahid miftahصدفة حارة تلك التي جمعتني بالشاعرة وفاء العمراني، بمقر جامعة المبدعين المغاربة ..رغم أني كنت أحد المُعدين للقاء والساهرين على الإستعداد له، إلا أني دائما أعتبر اللقاء بوفاء العمراني لحظة حارة، ما هي إلا صدفة نادرة تجود بها علي الحياة، وسط أرطال يومياتها المتشابهة، هذه الشاعرة التي كان للحرب وعواملها سبب عودتها بعد غياب عن الساحة الثقافية المغربية، مدة لا بأس بها، جراء مسؤولياتها بالسفارة المغربية بسوريا. لكن صوتها ظل وقادا ومتفردا كأحد الشواعر المغاربة القلائل الذين عرف صوتهم مشرقيا كما في المغرب، رفقة محمد بنيس عبد الله زريقة وأخرين قليلين.

لقائي الأول بوفاء كان بمقر بيت الشعر، ومن تم تعدد إلى ندوات وأمسيات، أذكر حينها كنت في الثاني باكلوريا أحضر الملتقيات الشعرية أكثر من حصص أستاذ الرياضيات، الذي كان لتواطئه مع شغفي بإتجاهات أخرى ..وساعاته الإضافية المكدسة أخر السنة .. التي تبدو رحيمة بمنظور الآن، أن تسعفني على ميزة لابأس به التي لم أكن بحاجة لغيرها، لأدخل الجامعة وأدرس خرافة حقيقية اسمها السوسيولوجيا، ..سنوات مَرت كان لتقلص مساحة العمل الثقافي داخل البلد، وقلة النقد المتخصص، والمنابر الإعلامية الفاعلة، أن  يؤسس لمرحلة غائمة داخل هذا الفضاء، الذي أخد يعرف إبدالات في النسق العام، متماهية مع المنطبع والسائد في تقليدانية حاضرة في أغلب ما يَحكم وضعيته.

التعرف لقصيدة وفاء العمراني في مرحلة مبكرة مهد لي الانتباه لصوت شعري كان لمنجزه دافئية لامعة أسهمت في تحقيق مآئزية له.

وفاء صوت خاص ومتفرد، لا على مستوى الأصوات النسائية بل على المستوى الشعري عموما (لا خلاف على الكفاءة المفهومية لهذا التعبير، في ضل عدم استحكام ذلك بشكل بَيِّن لشاعرات كثيرات).  كشاعرة إفتضَّت بياض قصيدتها، بوارفية حانية ضلالها ..الدافئية / الرؤية / الفحولة / الجمال / النبوة / الكشف / الفاتنية وغير قليل غيرها، مفاهيم بها أرفع الرؤيا لقصيدتها، التي يصير لها انسجام مع فاعل الشعر الذي لا يُقيدُه زمن، مُطعمَة بحمولات فكرية وروحية تتشابك وغنى تصوراتها، بإجرائية إغراءات الكتابة العاشقة .. تلك التي تقع وفاء بكُليتها في شركها الرؤوم

ليست الكلمة الشعرية عند هذه الشاعرة متأتية عن هجرة أو انفصال أسلوبي، وإنما انخراط فيه وتجاوز له في آن، لأن التغيير يعتبر هاجس في كتابتها، التي تَبَّنت ما يمكن أن نتواضع عليه عبر محدد الشطح البكر بالكشف أو خطاب الذات بالرؤية.

إن تشغيل هذه الشاعرة للشطح، في محاولة لإغناء السند الأيقوني لقصيدتها ..لا يمكن الجزم أنها استخدمت الخطاب الصوفي، وإن تبدت أنفاسه خلفية لبياضها، أو السريالية الفرنسية، مع اختلاف الشرائط المعرفية التي وَجَّهت التجربتين، إلا أن التمرد ونُشدان الحرية الذي يضل شاغلهما عن سيادة الظاهر، تجد له أنساقا ومذاقا في قصيدة هذه الشاعرة المُتَخصبة عن تحرير المعنى، وتجريد الرؤيا، فتحا لها على التعدد بإعتمال ينثر تماهيا مع الخطاب الصوفي برفضه، لأن بياضها ساد حوله وأصبح بديلا عنه.

قراءات بإمكانيات متعددة، تحتال بحيل للتأويل، يمكن الأخذ بها لتأريخ الأمكنة النظرية، التي تصدر عنها الإضاءة المضاعفة التي تكتسي خلفيتها سلطة على كامل عمود القصيدة لدى هذه الشاعرة، إلا أن ما يَستلذ لي أمام اتساع مفهوميتي للشعر مع كل قراء جديدة لأعمالها، هو اقتران كلمتها بدفء الرؤيا، بوصفها حلما وجنوحا للاختراق، ينهض بفاعلية البحت عما يستوعب فضائه، بعيدا عن الجاهز فليست اللغة في كتابة وفاء وصفا شعريا أو تعبيرا عنه، أو انعكاسا لحديت رومانسي وإنما هو تغيير لها بتغيير النظرة. لتتهدم اللغة في انبِناء عبر الكشف: ككيانية صداحة في شجرة الأنساق الشعرية، وهو ما يَمدني بتصور يتطور عن إعادة كشف مفهوم الذات ودرجات الواقع، عن برزخية قصيدة أتحدت. وهي تفك الإرتباط بالتقدم والتطور وتنفك عن الحداثة، بما هي زمنية أو تبشير(ب) في ارتطام الشاعرة بأسئلة الحب الحياة الموت.

فبحت الذات عبر الإختلاف، في مغامرة هذه الشاعرة، يستمد بضعه من اللانهائي، من هنا يَركب السفر السعيد قلقه، عبر الإنشقاق والنقصان، في خطابها الشاعر: هذا النادرة فاتِنيته بشكل لا نتوفر إزاءه  على جهاز نظري لقياس ارتجاجه الجمالي، غير تقصي ما هيأه لنا من سردية مضاءة.

يرجع الامتطاء السريالي الذي تعتليه نبرة هذه الشاعرة، قفزا على استغلاق الظاهر، إلى معان لا تتبدى داخل القصيدة لحداقَتها جراء الإصطدام باللغة ومحدوديتها، فمع تَبين أن المعرفة لا تتم بالعبارة كما يوضح لنا النفري (هذا الصوفي الذي يصير شيئا فشيئا صديقنا المشترك جميعا) لأن العبارة حرف، ولا حكم لعرف بل الحرف حجاب وهو حسب ما يذهب إليه يعجز أن يخبر عن نفسه فكيف يخبر عني ..وفاء من المنتبهين باكرا أن الكلمة محض حدود، ورمز لما سبق إدماجه كليا في العالم، وصورة وتقييد للانهائي ..لهذا تجد كلمتها الموسومة باللمعان داخل فضائها الشعري لا تنفد معرفتها فهي كثيرة تشير عن الذات وتعبرها، دون أن تقولها، تتماهى معها في كشف.. تتسامى وإياها فهي كلمة الاحتمالات والظلال الوارفة   

 

احمد الشيخاوي: ديوان: بين العشق والألم للشاعر إسلام علقم.. جدائل قصيدة الحنين إلى الجذر

ahmad alshekhawiبشعرية نافرة وموسيقى خفيضة تدغدغ الروح، يطالعنا،عبر ديوانه الصادر حديثا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ــ لبنان، الشاعر الفلسطيني الأردني إسلام علقم كأحد أبرز الأصوات  بين مجايليه في عزفهم على وتر إيثار الهموم الوطنية وسيناريوهات الاحتماء والانتشاء بألوان خلطة خليلي ــ تفعيلي، حتى لتتأتى له بذلك وتنرسم آفاقا بلاغية تمتح من معجم فصيح هامس، ضمن حدود الانفتاح الواعي على جغرافية تجريب الأجناس.

مطرقة الألم وسندان العشق  في لحظة افتقاد ما يؤهّل الروح للانسكاب في بؤرة اتزان يقود إلى أرضية قد تتيح فرص تصالح جدّي مع المعطيات الوجودية للبينية المتجذرة فينا .

سليقة ليس تستقيم بسوى استنبات بذور لثورة مهادنة تنطلق من الذات وعلى امتداد ذبذبات وجدانية وتداخلات إيقاعية تقتضيها أغراض القول الشعري الموزون وصاع الحاجة إلى بحر العمود المحقق لتناغم الدّال والمدلول ومن ثمّ التلقّي السلس لزخم الرسائل المتدفّقة عبر شريان الجسد النصي الثري برمزية اتكاءه على الحس الوطني والإشكاليات الإنسانية العميقة والكبرى.

" هل الصفحاتُ أتعبها اليراعُ / وهل يا ريح أتعبكِ الشّراعُ

أتبكي صفحةٌ من بوح حزنٍ /ويخدشُ سطوة الريح الضّياعُ

يسيرُ بنا الزمانُ بلا رجوعٍ / وأسرارٌ تموتُ ولا تُـــشاعُ

وتنهالُ الوجوهُ على المرايا / ويكسبُ جولة َ الحسمِ القناعُ

وإن يا حبُّ قد أطربتَ قلبي/ فإنّ الروح يؤلمها السّماعُ "

.............

" تفيض الرّوح من وجع الليالي/ وتُلقي حزنها في رحم بحري

ومن فرح ستقطُر كالزّلالِ / ليعزف وقعها مع نبض صدري"

تنقلات مخاتلة تخطف خطو الهوية الجندرية لتذيب فوارق الانتماء وأوهام الحدود وتستنطق إنسانيتنا وتفجّر إيديولوجية التكامل والتعايش وكونية الكينونة بمنأى عن العرق أو اللون أو المعتقد.

" لا تعتبي

إذا ألقيتُ أيامي

إلى الحتف

لا تنظري

إذا أسدلتُ أحلامي

لأمشي فاقدا ظلي

إلى الخلف "

إذ السجال الخاسر يكمن في قمع أحلامنا المشروعة إن عرضا أو بشكل مقصود . ما قيمة أن نكتب ؟ما لم ننتصر لمواطن النبل والجمال فينا، وتهبّ توليفة ما تمتزج به دماؤنا من انطباعات وأفكار وأحاسيس، ضدا على ما يسوّق عن فخفخة كمّا مهولا من المفاهيم  الزائفة لتناطح المنظومة الأخلاقية التي قد تقلّص فينا ــ حدّ التلاشي ــ أقنعة البهيمية وشهوة الفتك وسلطة الأنانية وإقصاء الآخر سواء في تجليات الأنوثة أو بقية عناصر ماهيتنا ووجودنا إجمالا.

" وتسألني الحبيبةُ: أين أنتَ؟ / أفي الأعياد تنطفئُ الليالي

يبوح حنينها للوصل حزنا/ ألا ليتها تدري بحالي "

تدرّج يغطّي فضاء الحكاية ويقبض على ثغرات الزمن الموبوء. من عوالم مبُهجة طقوس الذبح.. ذبح سنبلات القلب وتقطيع أوصال الشّد إلى الأوطان كما يشتهيها قريننا في فضح المكبوت ونفض الأوجاع التي ما ينفكّ يشحننا بها الراهن بكل أقنعته وتناقضاته ومفارقاته وبربريته واستذءابه أيضا بكيفية نحن أبرع ما نكون عليها في خلع وإسقاط ساديتنا وشلالات مثالبنا عليه وهو الراهن المتّهم والمدان على الدوام.

"إلى قصائد الاستشهاد والغرابة والعطش ومدن الذاكرة.

إلى الرياض التي تذكي الحنين إلى الجذر.

" أنت آخر هبّات الهوى

وختامُ النهر

في بحر النّوى

وركوع النجم للشرق المهيبِ "

...........

" فإذا تراقص صدركِ

وابتلّ ثغركِ بالندى

لا تفزعي

 قد حلّ دفء في القلوب"

............

" وبوحي اليوم ليس له وجود /وبوح الأمس من شوق رماني

سأحكي ما مضى منّي فإني/ لديّ من الحوادث ما رواني "

.................

" يا قبلة الحرف الشغوف تقرّبي/ فالروح تخشعُ إن أتى الأحبابُ "

...............

" بغربِ القدس أطلالٌ وذكرى / وأرواحٌ تهيمُ على المدادِ

تجول حزينة من طرق خطوٍ / يعاقبُ سمعها دون ابتعادِ

مساجدها تكذّب ما تراهُ / كنائسها تدقّ بلا عبادِ

و "مالحة" أراها في منامي/ توشّحت الزهور على السوادِ "

لذا تبقى الكلمة مهما بسقت وتسامت أقصر قامة عن أن تحتوي وجع فلسطين المغتصبة باعتباره وجعنا جميعا وبدون منازع.

وإذن هما ثيمتان مؤطّرتان لتساوق المعنى ضمن حقول دلالية تلتحم ثارة وتنفصل أخرى لتغذي الذائقة بإفرازات قيمة الحب كنواة للاتزان الشخصي والطبيعي ومجموع ما ترتكز عليه أوتار النبض ومكونات حياتية شتى.

لكن يسبق العشق الألم وكأنما هي تقنية لاستغراق عملية التلقّي بظلال خيار الحياة والتحرر من منطقة المنغصات وسائر عقد الارتهان بتعاليم عولمة متغوّلة تطعن في خصوصيات الذات وتُبهرج خطابات الانفصام الروحي.

 

احمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

عبد الواحد مفتاح: عن قصيدة محمد بنميلود

abdulwahid miftahالشعر أو فانوس الدهشة عند بنميلود، ليس تبيانا لحالة بقدر ما هو منجنيق التمرد، نص بمسلكيات غير معتادة. مجاريه البلاغية هي انفلات محض من إجماعات كثيرة، على أن قصيدة النثر المغربية في أزمة كبيرة، وأنها لم تنجب تجارب مهمة، وهي إجماعات غائمة عموما من هنا يَتَبيّن شيء عن ذلك.

فالنص هنا المنحول عن الذات لا اللغة، والذي أستطيع أن أقول أنه نص كبير في بساطة يسيل منها كل شيء- لكن لنلعب اللعبة -  سأدعي ككل قُراء يوم الأحد أنني ماهر- مع أني أقطر أخطاء إملائية ما يكفي لتقف اللغة طويلا أمام قبري لتتبول عليه -

سأجرب أن أنظر إلى الكتابة التصويرية في النص، كنوع لغوي تشكيلي أستطيع أن أصطلح عليه تفردا بالرشم، رشم القصيدة. الرشم هنا كتعبير عن تداخل: التصوير-الكتابة- مؤثرات كسر الإيقاع – الرسم- كوحدة عضوية غير أذاتية في النص، بل هي نفسه، في عملية تأخذ برقاب بعضها البعض، تَنكتبُ بلغة الأشياء لا عنها، في التقاط وجداني هي كل بلاغة النص وكثافة دواله، وهو على ما فيه-النص- يرتهن لمقادير واسعة من طيش كاتبه، هذا الذي يكتب بصدقية بارعة داخل مرسمه اللغوي، يرتب الكلمات ويفضح أسرارهن قبل أن يفكوا أزراره ويصير عاريا .

إن التراكيب الاصطناعية لأي إنشائية، لا تليق هنا للرؤية إلى نص يرتب أجزاءه بالتفات وعناية كبيرين، أما لغته فنحيلة كضوء، تتماوج في ماء تلويناتها الداخلية، ما يهب سنابل الشعر غاية في التنوع، في صفاء نوعي وعلاقات مدهشة للجمالي وطازجة مع الموجودات/السؤال/الذات..

مثل جنرال بجمجمة ماكرة، يقتنص بنميلود اللحظة البارقة ذات الكيان المفتوح على الدلالة المجردة، بواو عطف على الخيالي الرحيم، لا يرضى أن ينوب عنه صف الكلمات التي رصها في نصه، بل يحضر ذاتا كمسودة لمتنه، الطافح عن حرارة اللغة /الحواس، متن تزدحم داخله جماليات غفيرة، لا تُعَمّدُ ليونتها بمُحسنات بديعية – مدرسية محفوظة على ظهر تكرار مر، فالنص هنا فتنة خاصة لا تبتغي أن تُعري /ترى إلى نفسها إلا مترقرقة في عينيك.

 ينطلق فعل الكتابة عند محمد بنميلود، من الخط الأقرب من ماء الشعر وغَلواء سياقياته مع العادي والأكثر فطرية، في متن اللغة والذات معا، كشاعر يرفع اللغة أعلى منصة الإفصاح، ولا يدع حرفا من حروفها إلا عمّده بحبر القلب ودفئه، لا يُنقِّب عن الأحافير الرمزية للمجاز، ليشحذ بريقها ويبريه ويعرضه كماركة مدرسية ومعلبة وهذا كل شيء.. بقدر ما يتورط في استعادة المنفلت والهارب، يطفئ البلاغة داخل اللغة ويشعلها خارج القصيدة، لهذا تجد أن نصه يانع يتدلى كزهرة أثقلتها السماء بالندى،

فالإلتصاق العضوي بقصيدة النثر، والحفر عميقا داخلها إلى جانب اعتماد التجريب، كنسق معرفي /أسلوب به تُجدِد الكتابة لمعانها: عوارض إلى جوانب أخرى هي السطور العريضة لهذه التجربة، التي ينظر لها كثيرون اليوم بانتباه كامل.

ما يشدني في التحدث عن هذا الشاعر، هي تلك الرؤية الصافية، والقدرة الرائعة على التحكم باللغة التعبيرية دون الحاجة إلى ذلك المجاز المستهلك سلفا، في تناغم بين المدلول والإيقاع بكيمياء ترابطية غير مكرسة، ناهيك على أنها كتابة مصابة بدلال فادح، لا يشبع لمعانها أي صيغة من صيغ البلاغة الجاهزة، والعجيب داخله أنه مُصمِم دائما على أن يِصيبك بعدوى بياضه الدافئ كقبلة .

إنني هنا أكتب دون أن يحالفني أي حظ في رسم بورتريه كاملة أو حتى نصف كاملة، لرجل أحدت أثرا واضحا إلى جانب عبدا الرحيم الصايل والخصار وجلال الأحمدي، في قصيدة النثر، كأنه قادم من بلاد الأخيلة، محمد بنميلود هو مهندس اللحظة الحارقة، في مشهدية عالية تؤثثها لغة طَيّعَة حد المهارة، وهي لغة/أسلوب زجاجي ، عَليَّ أن أبَعثر كلمات كثيرة لعلي أعثر على توصيف ملائم له، استحضر رولان بارت ، لأرى إلى الأسلوب “كاللغة الغزيرة النابعة من الأحشاء والملتحمة بحميمنا السري” وهو هنا به من السخرية والبريق ما يضيء تَحْتِيات المعنى في تشاكلاته الشعرية والمعرفية، مربك لكل ما هو معروف ومقنن في ماركات نقدية ما بعدية أو ما ورائية – أصدقائي في الطفولة من كانوا يجدون تعريـــفات لكل شيء بسرعة.

فهو نص يعيش في خيانة غير مُتهمَة، لكل ما هو معجمي ومحدود، طليق كهوية كتابية منفصلة عن دائرية النسقي وتوجيهاته، لذلك تجده لا يلملم تسمياته إلا داخل الكتابة، في هروب من الأشكال وسخرية من الأصفاد، ليتأتى لنا النص الكتابة، هذا النص الذي يجردك من كل أسلحة القراءة الأدواتية، فهو عاهل باللغة غير المستعملة، ويمكن تسميتها بالأسلوب المقابل لمصطلح الأثر في الحقل التشكيلي.

هذا الأسلوب الأثر الذي يطبع كل تجربة مثقف لذائذي ومتوازن، هو حاضر مُتغاير في متن بنميلود كتمرين على الصعود إلى الجمالي بكتابة لا تملك أي مجد أو تصفيق تقليدي، لأنها ببساطة لا تحاكيه.

القارئ هنا عليه أن يقرأ النص ويلاحق امتداداته، لأنه نص يشتغل على فِلاحة العَالَم لا المعنى كلوحة داخله.

صحيح أن أي نص هو توليد مبتكر، يتَعيّنُ مرة واحدة وترف القراءة أن تتعدد، لكنه هنا لا يَركب الكلام أتيا من موجة عالية وموجهة، وأيضا ليس مُرجَئا كرسالة في قنينة مرمية في البحر، بقدر ما هو كتابة تعترض ما يُهددنا، مشحونة بما يعتمل في المشترك والجميع، فاللغة بكليتها تتعاقب وسط ذلك الدفق الإنساني التي تخونه براهين عديدة، يكفي أن نقول أنها عربية لينفتح القول..

نص بنميلود تقرأه بكامل جسدك، رموزه البسيطة التي ترافق جولتك الرؤيوية داخل الكلمات، لتصير أمام مشهد بصري محكم ومحبوك بعلاقات غاية في الدقة، في غمرة لا أحتاج أن أُسلط المديد من الضوء للوصول إليها، وهي فتنة لا تبتغي تحقق استماع جيد بل تَتبعا.

إن العناصر المتفاعلة التي أعطت أن أتكلم عن هذا.. هي الخصيصة الشعرية ذاتها عنده والتي مع تداخلاتها التكوينية تبقى نحيلة للتعبير عن أخر نقطة في برج ما تصبو إليه. نزعته المُزدَنيَة بجمالية الولع بكسر أفق انتظار القارئ دائما. كلماته التي يصير لها أن لا تَقنع بما قالت.. ثرثارة المعنى كلعبة طفل، إني وأنا أحاول الاستعارة عنه لأكتب منه يستوقفني بياضه غير المخدوع بتقنيات بصرية أو مفاهيمية في التصاق وتمسك بمعيار جمالي يَنْساب خارج مربع الإمتاع إلى الإبداع .. كل هذا في محاولة دائبة لذى بنميلود لاستعادة طفولته داخل النص،

 فهو يكتب بأدواتها كمحترف تحضر "جدته" داخله وخارجها – ليس كتيمة أو رمز – في انغماس إنساني تشحذ الجملة طاقتها وطاقة أخواتها للتعبير عنه واستعادة تلك البراءة الأولى التي أعقبها ذلك المصطلح الثاني الذي سميَ فوقها ب(الشعر) فهو هنا يسوق طفولته كما يسوق الخطيب خطبته، في نص ممتع ومناور بشكل شقي جدا ومتحرك وهو أسلوب/تيمات قليلة إلى نادرة في الكتابة المعاصرة.. مائز بالنظر إلى موضوعاته مثل شمس تسيل من الشفتين وتخبر عن أحوالها الحرائقية لا العالية.

 الطفولة مهرجان شعري متكامل واستعارة تقنيات سينمائي لتركيب أجزائها في نص هو خيانة للغة المُصطلَحة، كلغة لازمة في التجريب الشعري المعاصر الذي صار يجعل من القارئ فأر تجارب لتقلباته التي لا تنتهي -القبل أو المابعد مدرسية -  في إعلاء من قيمة كل ما هو غامض وغائي.. بعيد ووحيد.. وهذا أكبر منزلقات التجريب كفعل معرفي أساسي في منظومة الكتابة الحديثة والحية.

 من كلام الناس العادي والحديث اليومي يأخذ الشاعر هنا مادته الغُفل التي يشكلها على مرآى من ذاكرته في شعرية مفتوحة تكون فيها اللغة خالقة، لا مرتبة أو مصنوعة لنقف أمام مرجع توليدي وفهمي للكلام عن حياة اللغة، وهو قلب الشاعر في هذه التجربة لا التوليف الذهني البارد.

 وهو هو.. شاعر لا يتكلف، لا يشبه الروائيين في طقوسهم، قدرته على تفجير خطاب الطفولة.. ليس غير مسودة واضحة وفاضحة للقصيدة. وبترتيب مرابط التحليل يَتبيَن أن استنطاق العناصر الصغرى في هذه التجربة وصياغتها تركيبا لمستويات الرؤية كموقف جديد من العالم والأشياء، وبحث عن الصفاء حيث الطفولة ونضارة هذه الطفولة، تشرف على اللغة من مسافة قريبة.

كل هذا هو مناورة حية لذلك الحفر الصعب للكتابة وهي تقلم جُماعَها في اختبار لعلاقة الذات بما يعبر عنها، وإعلان القول الشعري لأحقيته في الكلام باسم حقيقة أخرى للإنسان والأشياء. فما لا يلاحظه كثيرون في نص بنميلود أن الشعري يوازي النص الروائي في تشريح وفهم حركة الواقع وصيرورة التاريخ، أكثر من عديد الأبحات الثقيلة والمملة. فرؤية الشعرِي تبدي حقيقة البشري في أكثر من مستوى. أما فاعلية متن النص ففي طرح بنية السؤال دون الحاجة لتلك المكملات البديعية الملحقة بأي ممارسة نصية، لا تبري أدواتها. من هنا أقول لقد جَرُأ هذا النص على فعل هذا.. وهو ما تستطيع استقراءه في العلاقات المتكتمَة/تقنيات كتابية/ أو الصريحة داخله.

إن المحيط المتأزم للثقافي والعربي، لا يمكن إغفاله في التأمل التحليلي والنظري للنص، إلا إن حاولنا تلمس تعدد المركب فيه، في تجزيئٌ قد يجد أعذاره، فالنقاد الذين تَجدهم يتحولقُون كهنود حمر حول كل ما هو رسمي ومؤسساتي، والتجمعات الثقافية الممولة التي صارت تشبه بيوت الكهنة، بالإضافة إلى الفقر المعنوي الذي بات مجتمعنا بارعا في إنتاجه .. أشياء إلى جانب أخرى تجعل المشهد الثقافي المغربي معتما، هذه العتمة نفسها التي تجعل أي تجربة حقيقية وقوية تظهر صداحة ولماعة وسط هذا الغمام.

فنص بنميلود الذي استطاع أن ينفذ إلى تجديد مهم سواء في الشعر أو القصة القصيرة، وكل ما يحاوله وسط المنعرجات المتوثبة للممكن. فهذا الممكن هنا قوي وليس بحاجة لأي سلطة للتقليد، يسوق المهارة ومؤنث العبارة في قصيدةٍ، هي ذريعة قصوى للحياة وضدها الغامض معا.

إني هنا لا أنفرد بالتعميم الذي يسلب القراءة صرامتها، بقدر ما أنصت لندوب التجريب وإنجازاته، وهي ندوب ومنجز سيكون من مكرور القول أننا بحاجة للقليل من الفرح بهما، نكاية بهذه المهرجانات من الرداءة ووجوه القصدير الذين يملئون الملاحق الثقافية الرخيصة ومزارع الفيسبوك، فهو منجز يتقدم بمفهوم محوري: هو قصيدة النثر العصية على الاختزال والإنكتاب، دون الإهْتبال لذلك الوجع/التمدد المعرفي في نص، بأضلاع لا نهائية لا يمكن استعمال-النص الواصف- كاصطباغ تعريفي لأداة تكون كله.

وهنا لا أحمل غير أن أتذكر محمد خير الدين حين قال “أنا ابن سلالة منسية لكني أحمل نارهم ” وهنا أجد تماس رائع وخانق بين هذا القول وما تبتغيه حركة الحساسية الجديدة في القصيدة العربية المعاصرة .

صحيح أنه من فم الشاعر تولد اللغة، ومن اللغة تولد كل الأشياء، ورؤيوية هذه اللغة وصفائها ما يثير الانتباه في تجربة محمد بنميلود، لكن هل قدر الشــاعر العربي أن يجد دائما عزاءً مناسبا؟ أو هذا ديدنه؟

سؤالي نمطي أو ربما خطئي.. الهارب وغير النهائي في العالم وظيفة الشعر، أما العربي هذا مترامي الأوجاع والذي يوصف كلا بالكثرة لا بالتعدد، فأسئلته ووجوده أكبر من أن يكون غرضا أو حتى ثلاثة للشعر بدوره الذي لم يعد قادرا وحده أن يكون ديوان العرب، أما المثقف فهو الذي يحاول أن يفهم ليغير الأشياء، فإلى جانب صلاح بوسريف وسعيد منتسب وأسماء أخرى عمل بنميلود عبر عديد مقالاته الإبداعية، ترسيخ نمط الكتابة في مواجهة السواد، وهي نوع من الكتابة المقالية الجمالية أو التحليلية، التي تروم تشريح الواقع ورصد نقط الخلل بلغة طيّعة وسلسة. وهذا ما نادى به نقاد مهمون أمثال صبحي حديدي وشربل داغر أن: المثقف عليه أن ينزل من نخبوية لغته وتصوراته إلى الناس، كي لا تظل الساحة حكرا على التقليدانية وأخواتها، فغلبة الطابع التجريدي على ما يُنتجه المثقفون العرب يجعل جسور التواصل جد مرتبكة بينهم وبين أيها الناس..

كأحد أسماء الحساسية الجديدة في المشهد الثقافي العربي خط بنميلود لنفسه مسارا ينهض من الحفر حثيثا بإزميل التجريب والتمرغ عميقا في أصالة بحثه ونصه. فالقصيدة كهجرة سرية إلى الأبدية هي هنا تُلامس أطراف الأشياء وقوتها، في حضور تبتغيه تلك اللمسة السريالية اللطيفة، التي تبسط قبضتها على المسافة اللغوية كامل النص،  كما أن الصور التأملية في علاقتها الوطيدة مع البلاغة الذكية، لا تحضر هنا عبر وسيط اللغة الفلسفية مصبوغة على البياض، بقدر ما هي اختراق – لا بد الانتباه إليه - لأفق الانتظار من النص/اللغة غير المحكية نفسها، وهذا ما يظهر لنا شاعر يكتب قصيدته بالتفات كامل، وهو التفات متحرك لا يأبه لطواف كثيرين، حول أنساق تعوي حنينا لغنائية ما قبل حمورابي - لا أعلم لماذا أذكر كل هذا الآن- لكن كثيرين يستفزوننا بالرداءة يكتبون ليملؤوا مربعات مستفعلن فعولن، أو يقلدوا قصيدة عارية بأدوات بناء يعمل طبقا للنموذج، وإن حاورت تجاربهم يدُجّوا بك في صقيع أن الغموض تعدد وأن أي قصيدة كيفما كانت لا تستطيع أن تلعب دور عربة تجر وطنا مثقوبا أبعد من الهاوية. وهو نفسه منطق ذوي الاحتياجات الخاصة من أصحاب البراهين الجوفاء أن لا رؤيوي أو معرفي غير الفلسفي تاريخيا، والسياسي راهنيا، وهذا راجع أن مشروع الثقافة العربية في محاولة تجدده وتأصيل هذا التجدد مليء بالمربعات الفارغة، التي تتسرب إليها سلطة التقليد، وكثرة التجريب الذي لا يطور مهاراته بقدر ما يبدلها بأخرى إلى لا نهاية ولا غاية .

أما الشعر مَعْقِد الأهوال عند العرب، ومدى قدرته على مواجهة الواقعي، ضمنيا هو تفتيت له في هذه التجربة التي أنا بصددها، وبناء عليه عبر وسيط سؤال وجواب الذات كرابط بين مرتهنه والحياة.

تماما كما كتب العزيز شربل داغر أنظر إلى بنميلود:

“هذا ما أكتبه عن الكتابة. هذا ما أتمنّاه لي معها. وهو أن تكون في متناولي، في عهدتي، بتصرّفي، تصرّف القادر والواثق والذي يُحسن “العفو عن المقدرة”. هذا ما أحلم به معها وهو أن تكون لي أمينة وعلى أهبة، مثل عدّاء قبل الصفارة الأخيرة، وأن تكون لي معها الخفّة التي لبهلوان فوق خيطه الدقيق بين بنايتين شاهقتين وبعيدتين”.

إنه بيان أستعير جذوة قوله، للارتياح قليلا والنظر إلى هذه التجربة الشعرية المَمهُورة بإمضاء يُجاور بين أصالة البحث والنحت داخله والكتابة المنفلتة التي تصفي البلاغة الحسية من خارج الغابات التي شاخ شجرها، وهو إمضاء بعبارات شعرية شفافة كالماء وبيضاء كالغيوم، تحرضك على فعل التأمل والحب وتظهر سلطة الشعر على مدى غوايته للذوق العام والمعرفة.

فمحمد بنميلود يتجاوز مرتكن الشعر المبهر، ولا يتخلى عن شساعة هذا البريق المفتوح، إلى فعل الذات تتكلم عبر رصد شفاف للحواس وامتداداتها في الداخل الإنساني، بتداخل واستبدال للثنائية المعروفة بالشكل والمضمون، وهو شكل تٌشكله في الغالب، تيمات بسيطة لا ينتبه لها كثيرون في الكتابة. تضيء هنا الجوانب المتشابكة لرأس سلم الأولويات عنده، وهذا يستعيد تلك الحدائق المهملة التي بها أخد الشعر تسمياته الأولى، وطراوة ما يُتحَولقُ حوله الآن.

 إن عين الصقر التي يتحلى بها وعلوه، والقدرة على السيطرة على تلافيف الاشتغال بلغة باردة أدهشت مُجايّليه من الشعراء، والصقل المبرح لنصه، مبتعدا عن التهويل والضجيج والادعاءات الكبيرة.. كلها أشياء تجعلك تنظر إلى شاعر يخفي في جيبة بوصلة اللغة ولا يترفق بها، يضع يده بيد الريح ولا يتلاشى، كتاباته تشبه جبنة القرية لا خاصية تجزيئية في النظر إليها.. لم أستطع أن ألاحق كل موضوعاتها أو تقنياتها أو حتى أضع نموذجا لأساءله نيابةً.. فهو نص مَليح كراقصة شعبية.

تعودت دائما على الحذر من عتبات النصوص، أما عند بنميلود فأغلبها بلا عتبات أو عناوين، لا شيء أحذر منه إذن، غير أن النص ذاته عتبة لنفسه، خفيف كلهجة محكية وذو إيقاع هادئ حد السكينة، لا يلقي بأثقاله حيث وصلت رحلته، أما المعنى فهو تلك العلاقة الديناميكية بين سلسلة دلالاته لا يأبه لأي تصفيف ميكانيكي، أو زرع موتيفات/بهارات، فالمهم هي الكتابة دائما، كما يقول "ساراماغو" هذه الطريقة التي تصبح بها الكلمات والجمل أهم من الحكاية، شيئا خالص يمنحك الإحساس بجَمال مجرد هو نفسه الإحساس /البديل الجمالي الذي يعمل هذا الشاعر على إبداعه كشيء لا كدعاية لشيء، إن ملكات محمد بنميلود التي تستطيع اكتشافها بنظرة واحدة مهما كانت درجة مبالاتها، ليست غير تلك القدرة الفذة على جر اللغة أبعد من مسافتها، أو تلك السخرية الثاقبة التي تهب النص حسن التلقي السريع، إنها في صفاء روحه واشراقتها على اللغة، وهو شيء قلما أجده لأعمد إلى رفع لغتي و القول: انظروا لدينا هنا شاعر رائع

 

 

ميمون حرش: نون النسوة والدهشة المترفة في "ربما غداً" للقاصة السعودية شيمة الشمري

maymon harashكما جلجامش في الأسطورة، المسافر المتعب، الذي ضرب في الأرض غرباً وشرقاً، وغوراً ونجداً من أجل نبتة الخلود، ناضل حملة الأقلام من أجل نبتة من نوع آخر، حرصوا ألا تضيع منهم كما في الأسطورة.. تلك هي نبتة الحرية، والسلام والديمقراطية، وإشاعة الجمال في السلوك اليومي المعيش، والكتابة باستمرار إنما مقصودة من أجل تكريس هذه القيم الجميلة، والعمل على غرسها في الأرواح، نهاراً عبر فتح كوات ينفذ منها نسيم عليل في واقع ملوث، وليلا عبر ضوء يكون كاشفاً، حتى يمنح الرؤية للبصير والأعمى معاً..

هل أحتاج لهذه الديباجة لأقول لكم بأن المبدعة السعودية شيمة الشمري من هؤلاء.. آثرت الكتابة الكاشفة عن ارتفاع الضغط في الواقع العربي عبر جنس القصة القصيرة جدا؟..

"ربما غدا" أشبه بمسدس كاتم الصوت تضغط فيه الأديبة شيمة الشمري على الزناد، فتخرج طلقات ليست من نار، بل من كلمات، كل واحدة بحجم رصاصة، لا تردي الآخر/ القارئ قتيلا، بل تسعفه على ولوج عوالم شتى مانحة إياه الحياة عبر غرس نبتة المتعة، معها المعرفة طبعاً، للعيش ضمن كوكتيل من الروعة، والدهشة.. إنها تمنح القارئ القدرة على اقتحام الحياة مع تأشيرة الدخول لجنة من الكلمات الأثيرية لا يجف جوانبها أبداً؛ لأن الاخضرار هو ديدنها. هناك تتعرش ألفاظ تنتقيها القاصة لتهبنا عالماً مُبهراً مدهشاً يمر من القلب، فيستقر في العقل، وفي النفس سؤال: "أي سحر هذا"؟!..

الكلمات في مجموعة "ربما غدا" تلبس زي "شرطية" محترفة تعمل على إشاعة النظام بين تراكيب من نوع خاص تستمد تربتها من خيال خصب، أما سمادها فموضوعات جريئة لا تعترف بكلمة "قف" أبداً، ليس خرقاً للقانون، إنما أمام كل ما هو شاذ مستفز في المجتمع.. تطرحه شيمة الشمري طرحاً صحيحاً بومضات موحية دالة، وقوية.. والخصوبة التي تمنحها الومضات في"ربما غداً" تملأ نفس القارئ بأساً، وتمده بطاقة هو في حاجة إليها في واقع، كل ما فيه مستفز حتى النخاع.

أول ما لاحظته و أنا أستمتع بـ "ربما غدا" هو ذلك الارتباط الوثيق بين واقع تنتمي إليه، وبين واقع متخيل من خلال طرحها الجميل لما يجب أن يكون، هي لا تصرح أبداً بالحلول لقضايا وقفت عندها وقفات متفحصة، مطروحة بشكل أخاذ، وبلغة مخملية.. إنما تكتفي شيمة بتعرية الواقع، وفضحه بأسلوب فانتازي، إنها بمثل ذلك الطرح السحري تخلص لواقع عربي محض.. لا تتنكر له، إنما تعترف بانتمائها إليه، وهنا وجعها، ولذلك تملأ حقيبتها "ربما غداً" حفناتٍ من تراب الأرض التي نقف عليها معلنة التشبث بالجذور في مجتمع عربي، كل التناقضات أعمدته، ومؤسس على أخلاق زائفة وبإحكام، ولا يحدث فقط أن تنتشر فيه أفكار خردة في زمن الإعلام والتكنولوجيا بشكل مبالغ، بل ويُنظر إليها كبدَهيات لا كنشاز،تُكرس بشهية عجيبة من الماء إلى الماء!

حرصت المبدعة في كتاباتها كافة على اقتحام عوالم كانت موصدة تنتقي منها الهامش، البسيط، والمستهلك العادي، فتحوله بلغة رشيقة إلى أجزاء مألوفة لكن عجيبة، يقف عندها المرء وقفات متأنية بعد أن كان يدير لها ظهره ويمر بها سريعاً غير مكترث.. إنه الإبداع الذي يحول المردود المرفوض إلى مرغوب فيه، عبر قناة السهل الممتنع.

ولنا في المجمتع العربي ظواهر شتى، ينتبه لها شهود كثيرون، فما أكثر كتابنا الذين اقتحموا المسكوت عنه، وناضلوا بالقلم لفضح أساليب القهر، والظلم، والاستبداد!!

في "ربما غدا" طرحت الكاتبة ثيمات ذكية طرحت فيها صراع الإنسان مع الإنسان، أو مع الذات عبر استقرائها، وفي النصوص ترتفع جذوة الإيقاع فيها وتتوزع قفلاتها في سيمفونية بديعة تُدخل القارئ في رفق وإثارة إلى جو السرد البديع في أرقى المعاني حول ما يشغلنا، ورغم إيمان شيمة الشمري بالقضية التي تكتب عنها، فهي لا تقترح حلولا لمشاكل الإنسان في صراعه الدائم، إنما تحرص على القص الجميل بُغية لفت القارئ إلى الأشياء من حوله، تغمره بالحماس، وتجعله يطرح أسئلة كثيرة، الجواب عنها متروك للقراء حتى ينتصروا للحق، والجمال، والحرية...

والحق أن متن قصص "ربما غداً" تفاجئنا لا بالطرح الجديد فقط، بل من خلال نهايات تترك القارئ يضمر ملاحظة: ياه.. كيف لم أفكر في هذا من قبل!...؛ وحتى لو فكرنا مع شيمة الشمري ــ معها لا عنها ــ فإن حرصها على الومضة/ الدهشة تستثيرنا، وتولد لدينا أسئلة مع كل نص، وهذا ما تراهن عليه عبر طرح جميل لموضوعات عالجتها بحبكة محترف لها صلة بواقع عربي مهزوز، نحو الطفولة، والرجل الخنوع والمخادع، والحب، والطبيعة، والجمال، والزواج، والشرف العربي، والفراغ القاتل في مدن عربية حافية، والخوف من النهاية، وكذا الكبر، والطفولة المغتصبة، والطلاق، وأزمة القراءة، وغربة المثقف (...)،هي موضوعات متنوعة اشتغلت عليها الكاتبة وحرصت على إضفاء عنصر الدهشة في نهايات كل قصة بدون استثناء، وتركيزها على "المرأة" تحديداً داخل وخارج البيت، ففيهما تميط شيمة اللثام عن أسرار كثيرة؛ وبوجع مغلف بسخرية تقتنص عن قصد، وهي تنقد ابتسامةً عريضةً رغم الدراما التي تسيج قصصها.. وفي كل نهاية دهشة "مُترفة" نحس معها بانسياب داخلي يغسلنا من الداخل ولو للحظات.. في قصة "صراخ" من المجموعة مثلا نقرأ:

"تعالى صراخ الطفلة وهي تلعب مع قريناتها.. والدتها ترقبها بسعادة.. طلبت منها إحدى صديقاتها أن تهدئ صغيرتها، فقد بح صوتها من كثرة الصراخ.. تبسمت الأم وهي تقول: (دعيها تتعود على الصراخ، غدا تصبح زوجة!!)"..

كيف لا نبتسم مع وقع هذه القفلة على النفس.. كررت فيها الأديبة شيمة الشمري كلمة (الصراخ) في النص ثلاث مرات، وهو تكرير مقصود، لقد بح الصوت من الصراخ فهل من سامع؟ وفي قصة "عرق"تستفزنا بطرح ثيمة أخرى:

"منعوها من الزواج به لأنه أسود البشرة! لم يغفر له بياض قلبه وعشقه لها..تنظر إليهم وتتعجب من هذا السواد الذي يسكنهم وهم لا يشعرون!"

إيه كم من أنهار ومحيطات نحتاج لغسل هذا السواد الذي يزداد ككرة ثلج حين يعلق بالقلوب.

تتسلح المرأة، هنا، بجرأة لتقول رأيها في المثقف الحقيقي..

"بعد انتهاء الأمسية سألتني بحماسة: ما رأيك به؟ أجبت: لم يستحوذ على انتباه الجمهور.. كان مملا، تقليديا، متعجرفا..

ردت بحدة: كيف؟ لقد كان في أوج تألقه، وسيما، أنيقا، طوله و... قاطعتها: بأسى: يبدو أنني لست مثقفة بعد!!"..

وهذه القوة نلمسها في نصوص كثيرة مثل "بينهما" و"ما زالت" و"من جديد" و"سياط" والمرأة في كل الأحوال كما تقول شيمة في نص "ما زالت" : "على ثقة بأن هناك عالماً أفضلَ، حيث تعيد ترميم ما بقي منها، فتستبدل تلك الأوجاع بأغنية فرح بيضاء...".

المبدعة شيمة الشمري لم يُثرها في المجتمع العربي شيء أكثر من شيوع أفكار بالية ما زالت تكرس، لقد تناولت هذا الطرح في نصوص مثل: ثرثرة النون - ليكن ــ حسرة ــ عقدة ــ مفاتيح آدمية ــ سواد ــ سياط ــ الدش ــ اختناق.. وفي نص "حسرة" تطرح شيمة، بشكل بديع وساخر، قصة امرأة خرجت للسوق صحبة صغيرها، وحين بحثت عن وسيلة نقل: "كانت السيارات كثيرة"، والإشارة إلى كثرتها هنا مقصودة لأن أصحابها الذين يتكلمون لغتها، ولديهم صغارهم أيضاً تعاملوا معها كما البقرة الحلوب، كانت امرأة، وكانوا رجالا (الرجولة هنا بمفهوم الذكورة لا الأريحية والشهامة المنعدمتين).. كانت وحيدة، وكانوا كثراً، كانت في حاجة لسيارة تقلها، وكانوا هم أصحاب هذه الحاجة فركبوا رؤوسهم الثقيلة بما فيها من أفكار بالية..

"حسرة" تبين كيف أن رؤوس بعض الرجال مثل النباتات في القوارير، كما يقول الروائي السوري حنا مينة، لا تنبت إلا بالحجم الذي يسمح لها، هناك تتقزم حتى تذبل.. وتأسيساً على ما سبق فإن حضور المرأة في كل نصوص "ربما غدا" لافت، لا يختلف حوله اثنان لأن الحيز الكبير الذي تحصده غير خاف. ويمكن حصر الثيمات الخاصة بالأنثى في "ربما غداً" والتي جردنا بعضها في التالي:

- المرأة و علاقتها بالآخر/ الذكر،

-  والمرأة وعلاقتها بالآخر/ الأنثى،

- المرأة واستقراء الذات.

إن القارئ حين يمتح من عيون هذه الومضات، تنال منه بعض القفلات العجيبة، ترميه بضوء كاشف لتزيل عن عيونه ما يعلق بها من شوائب، والرؤية الضبابية للأشياء، إيماناً من شيمة بأن معالجتها إنما تحتاج لما يترك أثراً كما الحريق تماماً عبر نثر الصدمة من كلمات قوية، والطلقة/ الكلمة التي لا تردينا قتلى تعمل على تكريس فعل الأمر فينا، وهو "تأملوا". تقول شيمة في نص مخملي بعنوان "هلاك": "طال انتظاره.. توكأ على الرغبة وسار باتجاه الشمس، أحس بالدفء.. بدأ بالانصهار.. حاول التراجع، لم يستطع: فقد تلاشت أطرافه.."

إنها القدرة على الدفع بنا نحن أيضاً نحو الشمس، إنها دعوة من شيمة للبحث عن شمس تأخر شروقها في بلداننا العربية، وفي حال غياب هذه الشمس طويلا، علينا أن نختار أين ننضج جيداً ــ كما قال الرسام والشاعر الفرنسي هنري ميشو:

" في غياب الشمس تعلم أن تنضج في الجليد..

أو في جريدة..

أو... "

وننضج نحن في"ربما غداً"، وفي كل إبداع أصيل يراهن على بناء الإنسان لا هدمه..

نقرأ "ربما غداً" ونتأمل وتبدو لنا الأشياء على حقيقتها، ولكي يتبدى لنا الواقع كما هو فعلا، على ما نراه عليه حقيقة، لا ما يريدون هم، من صلف مجاني، أن نتعود على التأقلم معه.. لا بد أن نعيش في الدنيا ليس كمستأجرين إنما كما لو كانت دار أبينا ــ حسب رأي الشاعر ناظم حكمت.. طبعا هذا إذا شئنا أن نعي الأشياء بشكل جيد..

وماذا في "ربما غداً" غير الكلمات..؟

كلمات تنثرها الكاتبة عبر ومضات تخزنا، تنال منا، توقظنا، وإذا أصررنا على سباتنا تمد لنا لسانها ساخرة بنصوص تتهكم فيها من تخلفنا، وسكوتنا.. والكلمات التي لا تخزنا كما الإبر، لا تشكل سوى عبء ننوء بسببها...

الكاتب فرانز كافكا آمن بقوة الكلمات، واعتبرها إبراً، إن لم تقم بفعل الوخز فهي موات، وإذا لم نتفاعل مع قوتها وهيمنتها.. فما نكون سوى جثث محنطة لا ينقصنا سوى الإعلان عن وفاتنا ــ كما قال الراحل نزار قباني! وقد تساءل الروائي الكبير عبد الرحمن منيف بلسان أحد أبطاله في رائعته "الآن.. هنا أو شرق المتوسط مرة أخرى" قائلا: «هل الكلمة يمكن أن تواجه الرصاصة؟ وهل تستطيع الأوراق الهشة أن تحرر سجينا واحداً أو أن تفتح كوة في أصغر سجن من هذه السجون العربية؟"..

إن الكلمة الصادقة قد لا تظهر نتائجها بسرعة، ولكن حين تستعير قوة الكلاشينكوف مثلا فلا بد أن تتحول إلى قوة، وتكون قادرة على فعل ما لا تقدر عليه الألغام المزروعة، وإذا كانت هذه تصنع العاهات، فإن الكلمات تصنع الإرادة في أبهى صورها، وتعمل على التصدي لفيروس الخوف الذي يعشعش في العقول.

شيمة الشمري تعي قوة الكلمات في منح أشياء كثيرة يعدمها المرء، لذلك آثرت نثر بذور الأمل فينا انتظاراً لفجر جديد، إن لم يكن اليوم، فربما غداً. وسيلتها في ذلك هذا القص الجميل الذي يسعفنا ويوقظ الحس الوجداني فينا، فنتحرر بسببه، ثم يكبر شيء ما في دواخلنا، نعم، إن لغة شيمة تفعل ذلك فينا، إن الإبداع لا عنوان محددا له، إنما حاديه هذه الكلمات الجميلة التي تقول أشياء كثيرة في أبهى صورة.. ملايين الرصاصات التي ملأت الدنيا ضجيجاً وعجيجاً انتهت إلى الصمت المطبق، وملايين الأسلحة الفتاكة صنعت العاهات صحيح، وتركت أثرها السيئ نعم، لكن وقع طلقات الكلمات حين تكون صادقة تصبح أقوى من كل الأسلحة مجتمعة، تغدو ترياقاً لكل سموم الفوهات في كل زمان، وفي كل مكان.. وأنا أستمتع بقصص شيمة الشمري استحضرت كل هذه المعاني السامية للكلمات، ولا سيما التي تركز على إيقاظ الحس فينا، كلماتها ليست إبراً فقط، بل طلقات كما أحب أن أسميها.. قصص شيمة الشمري هادئة، نضجت على نار هادئة؛ لذلك هي صاحبة سكون صاخب، لا تصرخ، ولا ترفع صوتها عالياً من انفعال مجاني.. وهي حين تتحرر وجدانياً، وتحس بالراحة تتقد، وتنضج في القصة القصيرة جداً، وإذا أبدعت فلا تكتب عندئذ إلا لتقول أموراً ذكية، لافتة.. وتهبنا، في النهاية، درراً كما في "ربما غداً".

وشيمة مع ذلك تخدعنا بهذا الهدوء؛ لأن ما تتمخض عنه قصصها من تعرية لواقعنا العربي المعيش هو في الأصل له صوت الرصاص، يلعلع ويوقظ حتى "الموات".

والقارئ لقصص"ربما غداً" لن يخرج سوى بنتيجة واحدة، وهي أن شيمة الشمري تحمل هما حقيقياً، له صلة بجذورها العربية خاصة، إنه هم يثقل كاهلها، وتريد عبر قصصها أن تشركنا معها.

تقول الشمري في نص "أمنية":

«كان أعمى..عندما قابلها انبثق ضوء منها متغلغلا في عتمة قلبه؛ فأضاءت حياته.. لم يعد أعمى..»

ننتظر إذاً..

حتماً سينبثق هذا الضوء ــ عمرنا طبعاً ــ

وحتماً سنعانق الأجمل،إن لم يكن اليوم فـ"ربما غداً"..

 

حامد عبد الحسين حميدي: مسلسل سمرقند يضيئ شخصية حسن الصبّاح: الإرهاب والمعارضة في رؤية تاريخية

hamid abdulhusanhomaydiرمضان 2016 وما يحمله من دراما متنوعة في أكثر مسلسلاته التي شهدناها طيلة فترة الشهر الفضيل، نقف اليوم أمام مسلسل درامي كبير، سخرت أحداثه الدرامية لمناظرة أحداث العصرنة التي نعيشها، ليكون مرآة تعكس ما يمر به وطننا العربي، بكل تفصيلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية واليومية، أحداث تمثل أقطاباً مختلفة من القوى: ما بين حبّ السلطة ومحاولة التمسك بها أو الوصول إليها بشتى الطرائق، وبين الزهد والرضا بما هو مقسوم حياتياً .. وبين التأرجح بين هذه وتلك، الغطاء الذي ترتديه كل هذه القوى المتصارعة هو اللباس الديني، وتسيسه حسب الرؤى التي تدعيه كل واحدة منها ومدى قناعتها بما تعرضه من حجج وأدلة .

(سمرقند) مسلسل أردني تأريخي من إخراج أياد الخزور، وتأليف محمد البطوش وهو مسلسل مستوحى من رواية تحمل الاسم ذاته للكاتب اللبناني (أمين معلوف) أحداث مشوقة قالبها مثلما قلنا: تأريخي يحمل بين طياته حكايات عن السلاطين وعلاقاتهم بالجواري والخدم وحياة البذخ والترف والإسراف، ويقابله شظف العيش الذي يمثله عامة الناس، وهم يتجرعون البؤس والذل والهوان واستنزاف مقدرات الشعوب، التي غصّت بظلم الدكتاتورية المقيتة، وهي تجثم على صدر شعوبها، لتحولهم إلى أدوات رخصية، تتلاعب بها كيفما تشاء .

 

شخصيات مركبة

المتابع لإحداث المسلسل، يجد أن هناك شخصيات مركبة لعبت دوراً مهما فيه كونها تشكل أدوار البطولة التي جسدت الأحداث بكل دقة متناهية، بحيث أكسبته طابعاً من الإقناع المباشر / الايصالية، لدى كل من يشاهده، إقناع بأحداث شكلت في اغلبها حياتنا اليومية المعاصرة، وكأن المسلسل صبّ في قالبٍ يستوعب الطرح الموجه إليه مسبقاً من قبل المؤلف والمخرج وبراعة الممثلين حسب أدوارهم.

تسليط الضوء على شخصية (حسن الصبّاح)، والتي أدى دورها ببراعة الممثل السوري (عابد فهد)، وما شكله من قوة تركيبية في شدّنا إلى تتبع ما يقوم به من أحداث متشابكة ومتأزمة، ما بين خصوصيته وخصومه، التي جعلت منه مثار جدل، هذه الشخصية واقعاً تأريخاً، وحسب ما ورد في كتب التأريخ من خلال قيامنا بتتبعها، هي: (عاش الصباح في فترة سادت فيها الحروب بين مختلف الطوائف، السلاجقة، العباسيون،الأيوبيون، الصليبيون وغيرهم من الطوائف، إلا أن كلها أجمعت على أن الصباح كان قوي الشكيمة، ودائم حضور الذهن، ويقاتل كل من يحاول الاقتراب من دولته بغض النظر عن طائفته وان تابعيه أو فدائيه يتمتعون بالحرص الشديد والطاعة والمقدرة على تنفيذ المهمات الموكلة لهم. واختلفت على كيفية ذلك، وفيما يلي بعض الآراء عنه:

الغرب هم الذين أطلقوا اسم الحشاشون (بالإنكليزية: Hashshashin) على هذه الطائفة ومنها أتت الكلمة بالفرنسية (Assassin قاتل) وخصوصاً ما كتبه الرحالة الإيطالي ماركو بولو الذي ادعى زيارة قلعة الموت. والقصص والروايات عن هذه الطائفة كثيرة عند الغرب حيث وصفت كيفية سيطرة الصباح على أتباعه باستخدام الحشيش وترغيبهم بجوائز وغنام لتنفيذ عملياتهم والى آخره.

العباسيون والأيوبيون اعتبروا الصباح عدواً وقاتلاً، حيث تذكر المصادر أنهم حاولوا اغتيال الناصر صلاح الدين الأيوبي أكثر من مرة وكذلك الخليفة العباسي المسترشد بالله .

السلاجقة أيضاً اعتبروا الصباح ألد أعدائهم خصوصاً بعد اغتيال نظام الملك وزير السلطان ملكشاه، وفخر الملك ابنه، وزير السلطان سنجر.

الإسماعيليون: الصباح قائد وإمام وان انصياع أتباعه التام وطاعتهم العمياء لأوامر رؤسائهم ما كان إلا من تبادل الثقة بين الرئيس والمرؤوس والإيمان القوي المطلق بعقيدتهم المثلى وبإمامهم الذي يبذلون أرواحهم رخيصة في سبيله لأنهم يعتبرون أنفسهم جزءاً من النفس الكلية.) .

إذن / شخصية حسن الصباح في المسلسل تكاد تكون مشوبة بالإجرام والاغتيال والقتل والدمار والإرهاب هذه المفردة التي هيّئت من اجلها توجيه دفّة مسلسل (سمرقند) متناسين أن هذه الشخصية هي: (كلمة الحشاشين: Assassin دخلت بأشكال مختلفة في الاستخدام الأوربي بمعنى: القتل خلسة أو غدراً أو بمعنى: القاتل المحترف المأجور .أسسها حسن الصباح وكان زميلاً بالأزهر لكل من شاعر الرباعيات عمر الخيام ونظام الملك الذي صار وزيراً مرموقاً فيما بعد، وكان الثلاثة أصدقاء ورفقاء سكن بمنطقة المجاورين بالقاهرة وذلك بالإضافة لزمالة الدراسة لنشر تعاليم العقيدة الإسماعيلية الشيعية، و اخذ يركز دعوته في الشمال الفارسي وبالتحديد على الهضبة المعروفة بقلعة ألموت بإقليم الديلم، وتبعد حوالي 100كم عن العاصمة طهران . وقد تميّزت هذه الطائفة باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية متعصبة، حيث اعتمد حسن الصباح وعصابته في تمويل جماعتهم على السرقات والقتل وقطع الطرق . أستطاع حسن الصباح من دخول قلعة ألموت سراً قبل أن يسيطر عليها واخرج مالكها القديم . وبذلك أصبح سيداً لقلعة الموت، ولم يغادرها طيلة 35 عاماً حتى وفاته، وكانوا بهذه الفترة يمثلون امتداداً للدولة الفاطمية في القاهرة قبل حدوث الانشقاق.) (وقد حاول الحشاشون اغتيال السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي أكثر من مرة، مثلما حاولوا اغتيال الخليفة العباسي المسترشد بالله . وفى أيام هولاكو دخلت الجماعة في طاعته وإذعانه واستسلمت قلعة ألموت في ديسمبر 1256.. وصدرت أوامر هولاكو بالتخلص نهائياً من الحشاشين، فتم قتل أعداد كبيرة منهم، ولم ينج إلا من اعتصم بجبال فارس . وقام بعدها قائد المماليك الظاهر بيبرس عام 1270 م بتدمير آخر معاقلهم في الشام . ومازال لهم أتباع إلى الآن في إيران، وسوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، ونجران، والهند، وفي أجزاء من أواسط الاتحاد السوفيتي .كانت وسيلتهم الاغتيال المنظم، وذلك من طريق تدريب الأطفال على السمع و الطاعة العمياء والإيمان بكل ما يلقى إليهم، وعندما يشتد ساعدهم يدربونهم على الأسلحة المعروفة ولاسيما الخناجر، ويعلمونهم الاختفاء والسرية وأن يقتل الفدائي نفسه في النهاية قبل أن يبوح بكلمة واحدة من أسرارهم . وبذلك أعدوا طائفة الفدائيين التي أفزعوا بها العالم الإسلامي كله آنذاك .وكان الصباح قد أستطاع ابتكار خطة وأسلوب جديد للسيطرة على أتباعه، فقد أدرك العيوب في الطريقة التقليدية للطائفة الإسماعيلية، فليس كافيا قطع وعد للناس بالجنة والسعادة الأبدية، فقرر خلق تلك الجنة لهم وتقريبهم من مشاعر السعادة التي يوعدون بها. فأنشأ جنته في واد جميل يقع بين جبلين شاهقين، شيد بداخلهما حدائق مليئة بالفواكه اللذيذة والقصور المزينة بالذهب والجواهر المزيفة، وأنشأ قنوات مليئة بالعسل واللبن والخمر. كما جلب بداخلها جواري فاتنات ومحترفات في العزف والغناء والرقص، ودربن على أغاني الغزل والسعادة، وكان لا يسمح لهن بالخروج من تلك القصور أبدا. وأبتكر هندسة ذكية للمكان لإخفاء تلك الجنة عن العيون فلا يمكن لأحد دخولها إلا عبر ممر سري .

 

ولع بالنساء

و كان حسن الصباح وجماعته شديدي الولع بالنساء والغلمان وتعاطى الحشيش والأفيون، مما انعكس على أفعالهم وطاعتهم العمياء لأوامره وإيمانهم بقدرته الكاملة على النفع والضرر لهم فكان يجتذب فتيان ما بين الثانية عشر والعشرين من العمر، وخاصة من القرى وضواحي المدن حيث يختار كل من رأى فيه قابلية لان يكون مجرما وقاتلا، وعبر المجلس الذي يعقده كل يوم كان يتحدث عن مباهج الجنة، و يوضع مخدر في شراب الفتيان الذين يحلمون في نصف وعيهم بجنته الاصطناعية، وحين يفيقون يجدون أنفسهم بكل حواسهم في الجنة وبكل التفاصيل التي ذكرها حسن الصباح .. فيتعلقون بذلك المكان ولا يتخيلون أنفسهم بعيدين عنه، وبعد مرور بضع أيام، يتم تخديرهم ونقلهم إلى نفس المكان الذي حملوا منه أول مرة، فيتحدثون أمام الحاضرين الجدد عن ما شهدوه في الجنة، وعن رؤيتهم الصالحين الذين يبشرون بحسن الصباح في الجنة !!)

(لذلك يعتبر حسن الصباح المنظر الفعلي لمفهوم الإرهاب، بمفهومه التنظيمي ومصطلحاته وأيديولوجيته.. لقد كان أول من أسس مفهوم الانتحاري الموجه وأطلق عليه اسم الفدائي الباحث عن الجنة .فكان بذلك حسن الصباح أول من أسس شكل للخلايا الإرهابية والتي عادت للظهور على السطح في أماكن وأزمنة مختلفة وحتى حافظت على إستراتجية حسن التنظيمية، من خلال تشكيله لخلايا فدائية يتزعم كل منها شخص مستقل يدعى أمير الجماعة، واهتم بشكل المكلفين بالاستقطاب حيث كان يعتمد الدقة فيهم، وفراستهم في الإلمام بسيكولوجية الأخريين). * هذه الشخصية في اعتقادي هي ما سلطت عليها الأضواء، بل قد يكون المسلسل أو الرواية التي كتبت، هي من اجل إبراز هذه بالذات ليس إلا، ولاعتبارات سياسية ومذهبية وطائفية، كونها تحمل طابعاً يتسم بالتشيع، ومحاولة جرّها في بودتقة الإرهاب الحديث، وربطها بما عرف تأريخياً (فرق الموت) لكي يكون رمزاً موازياً لما تعيشه الساحة العربية من أحداث وتكالبات دموية متمثلة بـ (داعش) وكأن هناك معادلة إيمائية للطرف الأخر، أن التأريخ يعيد نفسه لكن حسب رؤية أخرى، تحمل السمات الإرهابية والقتل والتدمير والانتحار والسرقة وبثّ طابع الكراهية والبغضاء والفوضى وضياع النظام .شخصية (حسن الصباح) أو ما يردّ حسب النص الدرامي (خادم الإمام) وجعل هذا التركيب مبهماً / غامضاً أمام ذهنية المشاهد العربي حصراً، لأنه هو المعني بالأمر لا غيره، ولأنه المادة الخام التي تنعكس عليه أحداث المسلسل – سلباً أو إيجاباً –، التقصي وراء الحوادث التأريخي يجعلنا نقف كثيراً، وأمام نقطة مهمة، هل المشاهد العربي بحاجة إلى هذه الرؤية ومحاولة تكبيله وجرّه إلى مداخلات تعبوية، لإحداث قد يقال أنها: (أكل الدهر عليها وشرب)، أم أن الأمر يختفي من ورائه تأسيسات سياسية وأجندة خفية، نتاجها إثارة النعرات الطائفية والاقتتال ما بين العربي وأخيه وبأسلوب مقابلة الشيء بالشيء نفسه، كان حريّاً أن تكون هناك فضاءات أوسع من هذه، فتأريخنا حافل ومملوء برجالات أسسوا وبنوا حضارة وأمة، ناهيك / أن (شخصية الصباح) بمفهومنا المعاصر يشكل (معارضة) لسياسة خاطئة، وجدها تعيث في الأرض فساداً، وهي التي تمثلت بالسلاجقة وسلطانها(ملكشاه)، وضعف الدولة العباسية آنذاك وعدم استطاعتها من مواجهة خصومها وأعدائها .

 

خبرة سياسية

الرجل (الصبّاح) حسب التأريخ: يمتلك يتسمّ بخبرة سياسية وحنكة قتالية، ودراية بالأدب والشعر والعلوم والفلك والسحر، أنه قائد تعبوي يواجه أعدائه بكل جرأة، وقوة مؤثراً على خصومه، إذن / هو معارضة، لا يمكن الاستهانة بها ولا يمكن ان يكون طفيلياً مثل إرهاب (داعش) لقيط السياسات الدموية، التي حاولت نهش جسد الأمة العربية من خلال دعمه لوجستياً بالأسلحة والأموال، لتشويه صورة (الإسلام الحنيف) من خلاله .إضافة إلى أن شخصية (حسن الصبّاح) كان لها علاقة طيبة – دراسياً – مع أقوى شخصيتين آنذاك هما: (نظام الملك) الذي أصبح وزيراً لدى ملكشاه، والشاعر(عمر الخيام) والتي لم نرَ لها أي تسليط ضوء حتى ولو كان بسيطاً، حسبما ذكرته آنفاً: (أسسها حسن الصباح وكان زميلاً بالأزهر لكل من شاعر الرباعيات عمر الخيام ونظام الملك الذي صار وزيراً مرموقاً فيما بعد، وكان الثلاثة أصدقاء ورفقاء سكن بمنطقة المجاورين بالقاهرة، وذلك بالإضافة لزمالة الدراسة) فأحداث المسلسل موجهة لمشاهد لا يمتلك أيّ خلفية تأريخية عن شخصياته، وعندئذ يمكن بل يسهل اختراق عقليته لدسّ الأفكار التي من اجلها تمّ إنتاج المسلسل ..ولا ننسى أن مصطلح (الحشاشين) الذي الصق على هذه الشخصية ومن معها، هو مصطلح أوربي غربي تمّ تصديره وتقبله من الأدباء والكتاب العرب، وبذا يكون (الصبّاح) رجلاً معارضاً من الطراز الأول، حاول البعض تشويهه وتغيير الرؤية التأريخية له .شاهدت المسلسل هذا، واستمتعت بأداء ممثليه النخبة من نجوم الدراما الأردنية والعربية ومدى قدرتهم التوصلية ببراعة أدائية: (حسن الصباح/ عابد فهد، عمر الخيام/ يوسف الخال، الملك شاه / رشيد ملحس، الملكة تركان / ميساء مغربي، الملكة زبيدة / يارا صبري، نظام الملك / عاكف نجم، الجارية نرمين / أمل بوشوشة، والآخرين).

لكنني، لا اتفق مع مؤلفه ومخرجه كون العمل الدرامي موجهاً سياسياً وهو يحمل في باطنه لعبة جديدة في زجّ المشاهد العربي إلى ربط ما يحدث الآن بما حدث (لحاجة في نفس يعقوب) حتى وان كان المبرّر بتصرف .

 

حامد عبد الحسين حميدي / ناقد عراقي

....................

المصادر

*ماركو بولو كتاب The Book of Ser Marco Polo، volume 1 / الحشاشون، فرقة ثورية في تاريخ الإسلام، تأليف: برنارد لويس) / (مشكاة الأنوار: يحيى بن حمزة العلوي).

 

 

عبد القادر كعبان: رواية: هدوء القتلة لطارق إمام بين رؤية فلسفية وفانتازية للقتل

abdulkadir kabanتنطلق رواية "هدوء القتلة" (2008) للكاتب المصري طارق إمام من أولى عتباتها النصية -العنوان- إلى انبثاق نصي عجائبي وغرائبي لا يخلو من الواقعية السحرية من أرضية لغوية واحدة، تحمل عموما دلالة الغموض وعدم المألوفية لدى المتلقي.

ما نعرفه أن هذا النوع من الأدب قد برز بشكل واسع في الرواية الغربية، ليمتد بعد ذلك إلى الأدب الاسباني وأدب أمريكا اللاتينية كما نجده عند الكولومبي غارسيا ماركيز، الأرجنتيني خوليو كورتاثار، المكسيكي كارلوس فوينتس والبيروفي فارغاس يوسا  في العديد من مؤلفاتهم الأدبية العالمية أين يتشابك فيها الواقع والفانتازيا إلى حد تشكيل عالم فريد من نوعه.

بطل "هدوء القتلة" يدعى سالم وهو مجرد موظف بسيط في الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يستهويه القتل وكتابة الشعر في آن واحد، كما أنه يعشق لذة التوحد مع ضحياه أثناء قتلهم بهدوء مفتعل كما نقرأ ذلك على لسان السارد: (بيدي اليمنى أصافح أعدائي، وأمنح التحية لكل من أكرههم، وأقتل من لا أعرفهم. يد تحمل آثار ملايين الأشخاص في راحتها: خليط روائح ولزوجة عرق وعطور ودماء.. بخلاف اليسرى، النقية: يدي التي لا تحمل سوى رائحتها ولا تصافح سوى الهواء الملاصق لمدارها.) ص 17.

لقد عرض طارق إمام بنية شخصياتية شغلت مسرح الرواية ببراعة، أين تتمركز حول بطل القصة سالم وضحاياه كحبيبته سلمى، هناء الصحفية، الاسكافي ليل، جابر عبد السلام، الجارة سوسن، إضافة إلى شخصيات أخرى قد شغلت أجزاء من المسحة الروائية الأساسية.

ما يمكن أن يلاحظه القارئ هو التوصيف الكمي لظاهر شخصية سالم، التي ستدفعه حتما إلى استنتاج سمة الواقعية والغموض لملامح هذه الشخصية، من حيث تكوينها الخارجي وردود أفعالها: (فبامتداد صدري وبطني وذراعي، والحال نفسه مع ظهري، كانت تحيا الأيقونات وسطور الشعر التي توالت في أزمنة عديدة، ليحتل كل منها مكانه الأبدي، كأنها ندوب، في خريطة نصفي الأعلى. أحببت دائما أن يكون جسدي مثل ورقة مكتوبة بحبر باهت. ذلك يجعلني راضيا بشكل ما، رغم أنني أضطر لارتداء قمصان مقفولة ذات أكمام على الدوام، وداكنة، كي لا تنجح عين فضولية في اختراقها لمشاهدة ما تخفيه.) ص 27.

الهدف الرئيسي للبطل هو كتابة ديوان شعري ليهدي بدوره كل قصيدة منه لقتلته، وهي فكرة عجائبية في الأساس كما نقرأ ذلك فيما يلي:

 (ستجد الشرطة أسماء القتلى في صفحة الإهداء وكذلك بامتداد القصائد كل قتيل يحيا في قصيدة، وسيصلون إلي بسهولة وهذا بالضبط ما أريده. ستكون مهمتي في هذا العالم قد انتهت بخروج الديوان للوجود. ستموت يدي اليسرى واليمنى التي قتلت.) ص 20. هنا في هذا المشهد يتداخل ما هو طبيعي بما هو غير طبيعي فجاءت الشخصية أشبه بخليط من التكوين الإنسي وغير الإنسي المفتعل لجريمة القتل.

أول ضحية تقع فريسة لمطواة سالم هي صاحب محل التصوير، والذي يدور بينهما حوار طويل في أول لقاء، ثم يعود سالم مرة أخرى لزيارته بعد أيام معدودة، لينتهي ذلك بموت المصور الفوتوغرافي: (ثوان معدودة قضيتها بعد أن ارتاحت جثته على الأرض. بعدها خرجت وأغلقت باب الغرفة بهدوء. عبرت الغرفة الخارجية إلى الشارع، وكان هدير الشاحنات لا يزال يطن في أذني.) ص 34.

يواصل سالم رحلة التربص بضحاياه لقتلهم، ومن بينهم تلك الصحفية هناء القاتلة هي الأخرى، وذلك نزولا عند رغبة ذلك الناسك الذي دون كل ذلك في مخطوطة قديمة، وكأنها كتاب مقدس يجب أن يرضخ البطل لكلام صاحبها: (يكاد الفضول يقتلها لأطلعها على المخطوط، لأحكي لها حكاية الناسك، أو لتقرأها هي لتعرف من ستكون ضحيتي القادمة. لا تصدق أن مخطوطا مهترئا يحدد حياتي، أن حفنة حكايات في مجلد مصفر قادرة على أن تجعلني أحمل مطواتي وأقتل شخصا وحيدا في كل مرة لأخلص قطعة جديدة من روحي.. لأكتب قصيدة جديدة في ديواني.) ص 105.

يستمر بطل "هدوء القتلة" في رحلته العجيبة لاصطياد فرائسه، بكل ما فيها من أحداث غريبة، كما حدث مع تلك البائعة الفقيرة في محل الورود حيث منعته من التدخين: (منحتني باقة الورد وهي تهش بيديها على أنفها، لا أعرف هل بسبب سحابة الدخان التي تحمل أنفاسي في سماء المكعب الزجاجي أم بسبب عطر هو جو النفاذ الذي يغرق جسدي مدعوما بمزيل عرق آكس على جسدي الموشوم وبجيل بالمر الثقيل على شعري الغزير الثقيل الناعم؟) ص 54.

يتواصل هذا المشهد الواقعي الذي بات يشاهده المتلقي في دولنا العربية كثيرا، أين يتشاجر سالم مع تلك البائعة بخصوص ورقة نقدية، وما نلاحظه أن طارق إمام يستعين في روايته إجمالا بتقنية الحوار بنوعيه الداخلي والخارجي كما جاء في هذا المثال: (كام؟

اتنين وتلاتين جنيه إن شاء الله.

مددت يدي بأربعين جنيها، ورقة بعشرين وورقتين ب "عشرة"

- ما فيش فكة؟

قالتها وهي ممسكة بورقة ب "عشرة" بعد أن وضعت الجنيهات الثلاثين في درج المكتب.

لا والله.

- خلاص يبقالي.

ومدت يدها بها لي.

تمنيت في هذه اللحظة أن أقول لها: طيب هاتي الجديدة وخدي القديمة.

الفتاة بخبث شديد – وربما أيضا دون أن تقصد وضعت الورقة الجديدة الملساء في درج المكتب، وأعادت إلى الأخرى، القديمة المهترئة، التي دسستها بين الورقتين كي لا ترفضها أو تنتبه لها.) ص 54-55.

يحيط الفضول دائما بسالم ليكتشف شخصية ضحاياه قبل قتلهم، كما هو شأن جابر الذي حاول أن يريحه من عذاباته كما جاء على لسان السارد: (دسست مطواتي أولا في ساقه الوهمية فصرخ وانتفض جسده. عندما وجهت طعنتي الثانية إلى ساقه اليمنى، المعذبة، وسالت الدماء غزيرة منها، أغلق عينيه متوحدا. فكرت أن أعطيه المطواة وأقول له هيا.. جرب يا جابر الآن.. كفكف دماءك ووجه طعنة ليدي اليسرى ثم أخرى لليمنى. أريد أن أعرف أيهما ستؤلمني أكثر.) ص 19.

لقد وظف إمام المنولوج كتقنية أساسية في سرد حيثيات قصة البطل وشخصيات "هدوء القتلة" بالانتقال من عالمهم الخارجي إلى عالمهم الداخلي، ويظهر ذلك في الاستشهاد التالي: (سأكون أنا القتيل تقتلني اليمنى وتكتب اليسرى بدمي. اتفاق ممتاز. بدلا من الشجار اليومي. لعلهما ستشعران ذات يوم أنني أب يفرق بين ابنتيه. وأن الحل كان أمامهما طيلة ثلاثين عاما وأدارتا وجهيهما عنه بنبل غير مبرر.) ص 74.

هناك سمة أخرى سيستغرب القارئ حتما وجودها في شخصية سالم القاتل، ألا وهي الخوف ويمكن ملاحظة ذلك من خلال المقطع السردي التالي، أين يتخوف البطل من الضاحية التي يقطن بها كونه يتوه بولوجها: (طالما أخافتني هذه الضاحية رقعة شطرنج هائلة.. شوارعها مستقيمة ومتقاطعة، بلا أسماء. كل شارع تم اختصاره في رقم مكتوب بوضوح على لافتة زرقاء. تقطع الشوارع صفوف أشجار مهذبة متساوية القامات في منتصف كل شارع. آلاف التوائم من الكائنات الناحلة تؤكد التيه.) ص 41.

يعود بنا البطل لمشهد قتله لسلمى حبيبته زوجة ضابط المباحث، حتى أنه يشارك المتلقي بعضا من ملامح هذه الشخصية، وهذا ما يظهره حديث سالم عنها: (سلمى تموت من الرعب بينما تجلس في سريرها عارية، ليس لأنها تعرف أن طعنتي ستنفذ في قلبها بعد قليل. ولكن خوفا من دخول غريب: لص ممن يؤرقون هدوء الحي الراقي كل فترة ويكون ضحاياهم في أغلب الأحيان – سيدات في منتصف العمر. تخاف سلمى أن يقتلها عابر ضد إرادتها، دون أن تكون اختارته.) ص 67.

يباغث الموت سالم حتى في أحلامه، حيث شاهد جارته سوسن وهي تموت في غرفته، تلك المرأة التي دوما تتجاهله كلما لمحها في البلكونة، وهذا ما نقرأه من خلال المقطع السردي الآتي: (رغم ذلك لم يوقظني الألم، بل حلم غامض رأيت فيه سوسن، جارتي، المرأة الوحيدة الطاعنة، تلقي بنفسها من شرفتها.. ولكن الهواء.. وبدلا من أن يسقط بجسدها إلى الإسفلت حملها باتجاه شرفتي حيث حطمت النوافذ لتموت على سريري. استيقظت متبردا.. لأكتشف أن زجاج النوافذ مهشم غير أن هناء لم تكن على سريري.) ص 73.

جاء الحوار مطولا بين البطل وشخصية ليل التي تعتبر ضحية أخرى من ضحاياه، كما نقرأ في هذا المقطع: (ستسألني من جديد يا ليل لماذا تقتلني؟.. لا أعرف على وجه الدقة ولا أريد أن أعرف.. ولكنني على يقين أنك لا بد أن تقتل كي أخلص قطعة جديدة من روحي.. قطعة تمتلكها أنت، تحيا بين يديك هاتين. لأنك تعرف جانبا من السر. لأن الناسك قال إنك لا بد أن تذهب. سأخلص روحي وأخلصك.) ص 75.

كما يمكن إضافة مشهد آخر كتبه طارق إمام زيادة في وتيرة التعجيب، حيث جعل سالم يتساءل بينه وبين نفسه عن نهاية تلك المانكينات التي كان يشاهدها على الدوام قابعة خلف زجاج الباترينات: (الأهم أن أفكر في المصير المجهول الذي تواجهه تلك الكائنات البلاستيكية عند موتها.. حين يجيء موعد إزاحتها ليحتل مكانها جيل جديد، بابتسامات أكثر إتقانا وعيون حرص صانعوها على أن يمنحوها لمحة حياة تبدو حقيقية. إلى أي مقابر تتجه حينها؟..) ص 43.

في الختام، يمكن القول أن رواية "هدوء القتلة" عبارة عن مشروع أدبي كتبه المصري طارق إمام بجملة من المثيرات السينمائية التي توظف لصالح التكنيك العجائبي، تعرض ببراعة خلال العملية السردية كل ما له علاقة بمفارقة الواقع، كما تجعل القارئ يعيش أحداث الرواية وفق خلفية فلسفية وفانتازية لعالم يقوم على فكرة القتل.

 

عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

....................

 (1) طارق إمام: هدوء القتلة، دار ميريت، 2008.

 

مادونا عسكر: أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة (1)

madona askarإذا كان لكلّ أمّة أن تفخر بعباقرتها ومبدعيها، وتعتبرهم أعمدة حضارتها وقوام معرفتها وثقافتها، وتعتزّ بالوطن الّذي ينتمي إليهم، فحريّ بالأمّة العربيّة ولبنان خاصّة، أن يتباهيا بمرجع أدبيّ ومذهب إنسانيّ، أنسي الحاج.

وإذا كان لا بدّ أن نرتقي إلى مستوى أنسي الحاج اللّغة وجب أن نلج عالماً نسجه أنسي بخبراته، وحبّه، وعذابه، وإنسانيّته. ولوج هذا العالم أشبه بولوج "فينيقيا" المنفتحة على العالم، المبشّرة بالحرف. فأنسي الحاج، بشعره المجبول بالثّورة على الذّات، يبشّر بالمعرفة والحبّ والجمال، خلاص الأجيال الآتية من نير التديّن، والبغض، داعياً إلى التّوغّل في العمق الإنساني حتّى يكتشف بذور الجمال، قوّة الحبّ.

"أنسي هو، بيننا، الأنقى."، هكذا يعرّف عنه أدونيس، وهكذا تنكشف لنا نقاوة أنسي الحاج الّتي ترجمتها النّصوص والشّعر. ولئن أردنا الولوج في أنسي اللّغة، والتّفاعل معها، يلزمنا لا أن نكتب عن أنسي الحاج، بل أن نكتب أنسي الحاج. فالكتابة عنه قد تجنح إلى التّقليل من رفعة النّصّ الأنسي، وأمّا كتابتُه، فهي أشبه بشراكة بين العالم الأرضي حيث نحن، والعالم السّماوي أو "العدم المحرّر" كما يسمّيه أنسي، "مكان تُسمع فيه الرّوح أكثر"، حيث هو. إنّها الشّراكة الكتابيّة ورفقة أنسي القيمة الّتي لا تموت، واللّغة الّتي لا تفنى، والحلم الّذي يرفرف فوق ربى لبنان، وينثر الفكر الّذي لا تقوى عليه رياح الفناء.

"كان هذا سهواً"، بدايات النّهاية، ولادة أنسي من رحم الرّحيل،  حيث سكب أنسي الحاج كلّ ذاته، لتخلد كلمته بسرّها، وتنتزع من العدم قدرته على إفنائها. إنّه، كما يكتب الشّاعر والنّاقد اللّبناني عبدو وازن،"آخر الخواتم، خواتم الخواتم الّتي لا خواتم لها على خلاف ما توحي به ظاهراً".  خواتم كيانيّة، بين الميتافيزيك والدّين، والّذات، والسّلوك، والأدب، والحبّ. وعزف فكريّ وروحيّ على أوتار غيوم تعلّم فرح الزّوال.  

 

عبير خالد يحيي: قراءة في تجربة أديب الأطفال.. الهيكلية الجمالية في نصوص الأديب العراقي جاسم محمد صالح

الأديب والمؤرخ العراقي جاسم محمد صالح في سطور:

من مواليد: بغداد / الفضل / محلة العـــزة 1949م .

 - تخرج من كلية التربية / قسم اللغة العربية عــام 1972.

 - عمل مدرساً في المدارس الإعدادية ومشرفاً علمياً فـــي

 وزارة التربية العراقية في مجال تأليف المناهج وتنقيحها

 لعدة سنوات وحالياً (اختصاصي تربوي لمادة اللغة العربية).

 -  أسس (الملتقى الأدبي الشبابي) في بغداد وانتخب رئيساً له عام 1990م

- عمل في الصحافة والإذاعة والتلفزيون ... وحرر كثيراً من صفحات المجلات والجرائد و ساهم في إعداد وكتابة/ البرامج الثقافية والأدبية وبرامج الأطفال لإذاعة بغداد وعمل مدير تحرير جريدة المواطن العراقي ومدير تحرير جريدة نبض العراق ومدير تحرير جريدة الحماية وبعض الصحف العراقية الأخرى

- كتب الأعمدة الصحفية المقروءة في كبريات الصحف العراقية .

- عد من الأدباء المتخصصين في أدب الأطفال:

(قصة، مسرحية، سيناريو، رواية، دراسة، مسرح دمى)

- نشر الدراسات والبحوث في مجالات التعليم والذكاء وفلسفة التربية والتعليم الإلكتروني وستصدر في كتاب بعنوان: (آراء ومفاهيم في التربية والتعليم)

- حصل على كتابي شكر وتقدير من السيد وزير التربية الدكتور سامي المظفر للجهود العلمية المتميزة في مجال البحث والتأليف عام 2005م.

- ساهم في ألقاء المحاضرات والدراسات والبحوث في كثير من الندوات والتجمعات الفكرية والتربوية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني.

- له مؤلفات كثيرة في مختلف فنون الأدب والثقافة والتاريخ والحضارة من أهمها:

 1- طقوس في مدن النساء (مجموعة قصصية) بغداد 1975.

 2- سقوط الملك شهريار (مسرحية) بغداد 1977.

3- وجوه تغني للفرح (مجموعة قصصية) -  بغداد 1978.

4- الشجرة الطيبة    (مجموعة قصص قصيرة للأطفال) - بغداد 1978.

5- حميــد البلام    (رواية تاريخيــــة مصورة للأطفال) - بغداد 1982.

6- الحصــــار    (ثلاث قصص عن أبطال ثورة العشرين) - بغداد 1982.

 7- عروس البســـتان (مجموعة قصص قصيرة للأطفال) - بغداد 2006  

 - مثلت له مسرحيات كثيرة للأطفال من أهمها:

أ . أصدقاء الشمس

  ب . الأصدقاء الطيبـــون

 ج . بيت للجميع

 - كتب للفتيان القصص والروايات التاريخية التي تناولت حياة أبطال العراق في ثورة العشرين وما قبلها على شكل سيناريوهات مصورة نشرت تباعا في مجلات: (المسيرة) و (المزمار) و (مجلتي) ...وغيرها من أهمها:

أ- رواية الخاتم - التي فازت بالجائزة الأولى في أدب الطفل في الملتقى الثقافي العراقي الأول عام 2005م

ب-  رواية الليرات العشر

ج- رواية الحصار

د- رواية الصفعة

هـ- رواية السيف

و- رواية الفأس

ز- رواية صالح الخراشي

ح- رواية ملكة الشمس

ط- منقذ اليعربي

المرجع مركز النور

 

كان لي شرف لقائه بالإسكندرية في 2016/5/1 على هامش زيارة له إلى مصر تلبية لدعوة لحضور المهرجان العربي لمسرح الطفل بمصر والذي نظّمه معهد الدراسات العليا للطفولة قسم الإعلام وثقافة الأطفال جامعة عين شمس...

وقد كان الأستاذ جاسم محمد صالح رئيس الوفد العربي ..

كما تم تكريمه بتسليمه درع المهرجان ...

وقد شرّفنا بزيارة دار النشر خاصتنا (دار النوارس للدعاية والنشر) ..

 

مفهوم أدب الأطفال

يمكن تعريف أدب الأطفال بأنه: "خبرة لغوية في شكل فني، يبدعه الفنان، وبخاصة للأطفال فيما بين الثانية والثانية عشرة أو أكثر قليلاً، يعيشونه ويتفاعلون معه، فيمنحهم المتعة والتسلية، ويدخل على قلوبهم البهجة والمرح، وينمي فيهم الإحساس بالجمال وتذوقه، ويقوي تقديرهم للخير ومحبته، ويطلق العنان لخيالاتهم وطاقاتهم الإبداعية، ويبني فيهم الإنسان.

 كما يعرف أدب الأطفال بأنه شكل من أشكال التعبير الأدبي، له قواعده ومناهجه، سواء منها ما يتصل بلغته وتوافقها مع قاموس الطفل، ومع الحصيلة الأسلوبية للسن التي يؤلف لها، أو ما يتصل بمضمونه ومناسبته لكل مرحلة من مراحل الطفولة، أو يتصل بقضايا الذوق وطرائق التكنيك في صوغ القصة، أو في فن الحكاية للقصة المسموعة

ويعرف أدب الأطفال بأنه في مجموعه هو: "الآثار الفنية التي تصور أفكاراً وأحاسيس وأخيلة تتفق ومدارك الأطفال وتتخذ أشكال القصة والمسرحية والمقالة والأغنية"

ومن هذا التعريف الأخير تحديداً

سأدخل لاحقاً في التجربة الرائدة للأديب الأستاذ التربوي العراقي جاسم محمد صالح .

ويعتقد البعض أن الكتابة للأطفال أكثر مشقة من الكتابة للكبار، بسبب الاشتراطات التربوية والثقافية التي يلتزم بها كاتب الأطفال، وبسبب مراعاته للمستوى العقلي والنفسي للمتلقين.

ويمكن القول إن أدب الأطفال قد يكون كل عمل أدبي يكتب ابتداءً وخصيصاً للأطفال، وقد يكون كذلك كل عملٍ أدبي يكتب ثم يقرأه الأطفال فيستسيغونه، ويجدونه مادة أدبية مشوقة ومحببة لهم حتى ولو لم يقصد مؤلف ذلك العمل توجيهه أصلاً للأطفال.

تشغل القصة المكان الأول في أدب الأطفال، على اعتبار أنها قريبة من الحكاية التي يحكيها لهم الأجداد والآباء بسبب قرب عهدهم بها بحكم العمر، فعن طريقها تمَّ نقل الكثير من تراث الشعوب من القديم إلى الحاضر، بالإضافة إلى أنها نوعاً ما وسيلة بديلة للخروج من الواقع بكل إزعاجاته وأزماته، تعود بالأطفال إلى استرجاع بطولات الأجداد كنوع من أنواع التعزيز النفسي والمعنوي، وإيجاد القدوة والمثل الأعلى في محاولة لربط الجيل بتاريخه وأعلامه ...

أديبنا المبدع كان له إيديولوجية ممنهجة في سوق القصة إلى عقول الأطفال سنتابعها معاً فقرة فقرة، آخذين مجموعة من مجموعاته القصصية، وقد اخترت مجموعته الأخيرة (البطة البيضاء)، أما القيم الوطنية فسأختارها من مجموعته (العصافير تقاتل)

نستعرض خصائص أدب الأطفال بشكل عام،في محاولة لفهم منهجية أديبنا وأسلوبه وتميزه وتفرّده في مجاله..ولا بد من الإشارة إلى أن أديبنا يعتبر من الرواد البارزين على المستوى العربي في نطاق مسرح الأطفال .

 

 خصائص أدب الأطفال:

 يأتي أدب الأطفال في مقدِّمة مجالات الاهتمام بشخصيَّة الطفل وإعدَاده، وهو من أهمِّ الأجناس الأدبيَّة التي تهتم بعقل الطفل وتجعله مؤهَّلا لتحمُّل مسؤوليَّة بناء الوطن بوعي واقتدار، يتميز أدب الطفل عن أدب الكبار بخصائص تتناسب وعقل الطفل بعيدًا عن الحشو والتلقين، إنه جنس يُساهم في تنميَّة المهارات اللغويَّة عن طريق استخدام لغة سهلة بسيطة ليس فيها إطنابٌّ ولا تقعر، تعابير واضحة لاتحمل أكثر من معنى، فرموز أدب الطفل لا ينبغي أن ترهق القدرة العقلية للطفل وتكلفه جهدًا يفوق إمكاناته المتواضعة، نراعي خصائص النمو الجسمي وقدرات العقل على التفكير والتحليل مع وجود المقوِّمات النفسيَّة الجذابة كالحوار البسيط والحدث والحبكة السَّهلة في القصة، وأن يشمل على خصائص فكريَّة تتعلق بالخيال وأن يبتعد عن التجريد وينشد المحسوس ويتناول الصوَّر ذات الصلة بالحياة.

يمتاز أدب الأطفال بالخصائص التالية:

1- يشكل فعالية الأطفال إبداعية قائمة بذاتها.

2- يتطلب موهبة حقيقية، شأن أي إبداع أصيل، فهو جنس جديد في الساحة العربية، إن صح التعبير.

3- يتبع من صلب العمل التربوي، الذي يهدف إلى تنمية معارف الأطفال، وتقوية محاكماتهم العقلية، وإغناء حسهم الجمالي والوجداني.

4- يعتمد على اللغة الخاصة بالأطفال، سواء أكانت كلاماً أم كتابة أم صورة أم موسيقا أم تمثيلاً.

5- يشمل جميع الجوانب المتعلقة بالأطفال، من الأشياء الملموسة والمحسوسة، إلى القيم والمفاهيم المجردة.

وتشير هذه الخصائص إلى الأهمية البارزة لأدب الأطفال، التي جعلت منه موضوعاً شغل العديد من الكتّاب والأدباء في العالم، وقد أخذ على عاتقه مسايرة الركب الحضاري والتطور الأدبي بأشكاله وألوانه المختلفة، فقد آمن عدد كبير من الكتَّاب والأدباء والمفكرين بأدب الأطفال، وضرورة التركيز عليه، وإظهاره بشكله ومميزاته، حتى يقف إلى جانب أدب الكبار، وحتى يسهم في خدمة الجيل الصاعد، الذين هم أطفال اليوم ورجال الغد المرتقب، فهم بناة المستقبل المأمول ورجاله.

ولأديبنا بصمة واضحة في هذا المجال، فنراه يتوجَّه إلى الأطفال بكليّته، يخاطب فيهم الروح والخيال والعقل، يتمتع بقدر كبير من الإصرار على إيصال الفكرة بأطر مترادفة، قصة، شعر، مسرح، وحتى دراسات اجتماعية .

جدّيته في هذا المجال تلفت النظر كثيرًا، فهو مثال حي للمثقف الجاد الذي يبقى مشغولاً بكل قضايا المجتمع، ومصير الأمة، يبدأ من النواة الصغيرة في دائرة مجتمعية تتسع مداراتها حتى تشمل البشرية جمعاء ..

يؤكد ذلك لقاء قال فيه: " بدأت أديباً وانتهيت مؤرخًا، وأتمنى أن أكون أديباً مؤرخاً أوظف قدراتي الأدبية في فهم صورة الأحداث التاريخية وتقديمها بشكل أكثر رونقًا وبهاء ".

 

أنواع أدب الطفل:

وهيَّ القصَّة والشِّعر، والمسرح المدرسيُّ ومسرح الطفل، ومسرح العرائس، ووسائل الإعلام ومختلف الوسائط، التلفاز والإذاعة والمجلة والسرد المباشر.

وحدّث ولا حرج عن اقتحام الأديب جاسم محمد صالح لكل هذه الساحات وتسجيله انتصارات كبيرة فيها.

 

معايير أدب الطفل:

 لكل كاتب أهداف يرسمها ووسائل يستعملها لبلوغ الغايات التي يرومها، فنحن نكتب من أجل بناء جِيل قارئ يتذوَّق ما يقرأ، ويوظف ما يكتسب، وأدب الطفل يساهم في تحرير الطفل من العنف والقمع والوصاية ويساعده في تفتق مالديه من كوامن ويعمل على تمهير مواهبه، يرسخ في ذهنه القيَّم الإنسانيَّة وينمِّي فيه الوعي بالخصوصيَّات الثقافيّة والتراث ويُحَبب إليه البيْئة، فيكتشف ذاته ومحيطه ويقبل الحق في الاختلاف ويرضى برأي الآخر، ويُسهم في إذكاء روح البحث وحب الاطلاع ويتحقق ذلك عن طريق.

1- التشويق:

أن يكون كتاب الطفل جذاباً شكلاً ومضموناً، يشد إليه الطفل ويغريه بالإقبال عليه، والقارئ الجيد هو المستمع الجيد لما هو جيد.

 2- الشخصيَّة:

 أن يُساهم في بناء شخصيّة الطفل فأدب الأطفال يأتي في مقدِّمة مجالات الاهتمام بشخصيّة الطفل وإعداده.

3 التدرج:

 لابد أن يكون الكتاب مناسباً يتدرج بالمعلومات حسب الفئات العمريّة.

 4- التبسيط:

 وهو فن تسهيل القراءة وتبسيط مهاراتها باعتبار أن القراءة هي (المعرفة المفهومة)والطفل يسعد بقراءة مايفهم، وينفر من النصوص الجامدة.

5- التنويع:

الطفل يكره الرتابة ويملُّ التكرار، وله ذوق قرائي واختيار.

6- التخطيط والترتيب:

 نضع أهدافاً مرتبة نرومها ونرسم سُبلاً للوصول إليها .

 7- التلوين:

 الطفل يُحب التلوين وله ذوق وولع بالصور ذات الألوان الزاهية

 

وقد اطلعت شخصياً على مطبوعات الأديب جاسم محمد صالح من قصص قصيرة ومسرحيات ورقية مطبوعة، وأعجبت كثيراً بتصميمها وترتيبها، ألوانها، تصنيفها بتدرج عمر الطفل، تنوّع موضوعاتها، وبساطة التراكيب والألفاظ، جنّد شخصيات محببة للأطفال ليجري أحداث القصة على ألسنتهم، من حيوانات وعناصر الطبيعة .

في قصته (الأرض التي توقفت عن الدوران) نرى أن الكاتب أوصل معلومة كروية الأرض ودورانها حول الشمس وحول نفسها ودوران القمر حول الأرض، وتعاقب الليل والنهار عن طريق حوارية جميلة بين الشمس والقمر والأرض والناس لتنتهي بجملة نطقها البشر:

"أيتها الأرض تحركي حتى يتولّد الليل والنهار وتتعاقب الفصول الأربعة ."

في (قطرة المطر) تتحاور بركة الماء مع السماء والغيمة، لتصل للقارئ كيف تمطر الغيوم وتلتقي السماء بالأرض عبر المطر

في (قفزة الضفدعة)

فكرة النسبية تصل بسلاسة إلى عقل الطفل عبر حوار وتجربة الأبطال ضفدعة وغزالة وحلزون.

 

اللغة والأسلوب في أدب الأطفال

يمكن القول أن غالبية الأدباء والباحثين الذين تطرقوا لقضية اللغة والأسلوب في أدب الأطفال، يجمعون على ضرورة مراعاة لغة الطفل وقاموسه حسب مراحل العمر والنمو، مع محاولة الارتقاء التدريجي لهذه اللغة، وهذا بدوره ينعكس في الأمور التالية:

"على صعيد الألفاظ والتراكيب اللغوية – الدعوة لاستخدام الألفاظ والتراكيب السهلة، وتجنب الغريبة غير المألوفة منها، والإقلال من المفردات والتراكيب المجازية إلا ما جاء منها عفو الخاطر، واللجوء إلى التكرار في الألفاظ والتعابير.

وعلى صعيد الجملة، تركيبها ونحوها – استخدام الجمل القصيرة أو المتوسطة الطول، وتجنب الجمل الطويلة المعقدة. استخدام الجمل والألفاظ الدالة على المعاني الحسية وتجنب المجرد المعنوي.

وعلى صعيد الأساليب – تحري الوضوح والجمال والدقة وتجنب الإسراف في الزركشة والزخرف والثراء اللغوي المتكلف، وتجنب أسلوب التلميح والمجازات الغامضة الصعبة، والاقتراب من خصائص "لغة الكلام" والاستفادة من أسلوب الراوي في الحكاية الشعبية الشفهية"

والأسلوب في تعريفه: هو شكل ومضمون، ودراسة الأسلوب مستحيلة دون الفهم لقطبي الأسلوب (الشكل والمضمون) كوحدة

وأول المبادئ لدراسة أدبية للغة لأي عمل أدبي فني، هو الإدراك الحقيقي والعميق لمتلازمة اللغة والفكرة ..

واستشفاف فلسفة الكاتب وأيديولوجيته اتجاه الإنسان والمجتمع في ألفاظه وكلامه، أي في هيكلية البناء الفني للنص .

وينبغي أن تبدأ دراسة نصوص الكاتب ابتداء من تفرَّد الكاتب بأسلوب يطبعه بذاته، باعتبار أسلوبه انعكاساً لتفاعل يحدث بينه وبين المجالات الفكرية،

بالنسبة لأسلوب الأديب المبدع جاسم محمد صالح يمكن إجماله بأنه لا يخرج عن إطار الموضوعية على الرغم من تنوع المواضيع،، المبدئية واضحة جداً يبتعد عن الإسفاف، قد يتنوّع بالطرق التي يسوق بها أفكاره وفلسفته الذاتية، لكنه لم يقع في فخ المزاجية، هدفه وغايته إنسانية بحتة، يسعى فيها إلى بناء الأسس والدعائم الجمالية والأخلاقية،لتكون رواسخ في عقول الأطفال، بناء الوعي الإنساني كأساس لبناء المجتمع السليم المسلّح بالثقافة والمدعّم بالتربية الأخلاقية والوطنية .

والحقيقة التي لا غبار عليها أن نصوص الأستاذ جاسم تتجلى فيها أهداف يمكن إجمالها بالآتي:

- التأسيس لمجتمع مستقبلي مسلّح بالثقافة

- ترسيخ التراث العربي الإسلامي

- الثقافة وسيلة لإطلاق طاقات النمو عند الأطفال

- ترسيخ وتحصين الثقافة العربية ضد أي غزو ثقافي غربي.

ابتعد الكاتب عن بلوغ أهدافه بطريقة مباشرة، حيث القصة عنده تكاد تخلو من من المباشرة، فالنصائح والإرشادات والمعلومات تأتي من خلال الأحداث والمواقف والشخصيات بدس خفي للمعاني الوطنية والقيم الأخلاقية، بطريقة ذكية لبقة .

 

القيم التربوية والمفاهيم الوطنية:

يشارك في عملية تنشئة الطفل عدة أطراف أو وسطاء:

الجيران، جماعة الأقران، المدرسة، أماكن العبادة ووسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة.

ويحتل الأدب مكانة بارزة في عملية تنشئة الأطفال، فهو يستطيع: " أن يلبي احتياجاتهم النفسية، ويسهم في إشباع اهتماماتهم العقلية، ويربي أذواقهم، ويصقل مشاعرهم وإحساساتهم، ويمكنهم من التصدي للحياة ومتغيراتها بإيجابية ووعي".

وهناك من يغالي في أهمية أدب الأطفال ودوره في تكوين شخصية الطفل وبلورة اتجاهاته السوية، ويستشهد بعبارة الشاعر البلغاري (ران بوسيليك)الذي قال في هذا الصدد: " الأدب للأطفال كحليب الأم والهواء النقي اللذين لا بد من توافرهما ".

وعن أهمية كتّاب الأطفال، قال الكاتب الفرنسي فرنسيس فيدال : " إن كتّاب الأطفال يمكن أن يغيّروا ذوق العالم – بل العالم نفسه". ويتضاعف تأثير الأدب في الأطفال بسبب حساسيتهم وقابليتهم الشديدة، ولأن الأدب الجيد يعتمد على الأسلوب غير المباشر وعلى الإيحاء. فعن طريق النموذج والقدوة والتقليد، وعن طريق التوحد والتماهي، يُذوق الأطفال القيم ويمتصونها، بحيث تسهم في تكوين شخصياتهم واتجاهاتهم في المستقبل.

 

تصنيف القيم في أدب الأطفال:

تتنوع وتتعدد المضامين والقيم في أدب الأطفال، وهي لا تقتصر على النص/ الكلمات، بل يمكن أن تظهر كذلك في الرسومات والصور والألوان.

ونستطيع أن نصنف القيم في خمس مجموعات:

- مجموعة القيم الذاتية

- مجموعة القيم الاجتماعية

- مجموعة القيم الوطنية / القومية

- مجموعة القيم الإنسانية

- مجموعة القيم المعرفية / النظرية

ويلاحظ أن هذه القيم تندرج من الخاص إلى العام، أو من الدائرة الذاتية الشخصية، إلى الدائرة الإنسانية العامة.

ومن الجدير بالذكر أن القيم قد تكون متقاربة ومتداخلة، فيصعب تمييز القيم الاجتماعية من الإنسانية.

يؤكد الكاتب جاسم محمد صالح أن العلاقة بين الإنسان والوطن هي علاقة مصيرية وليست عابرة، فالوطن هو بمثابة رحم الأم الدافئ الذي يشعر فيه الإنسان بالطمأنينة،

في قصة (أماه ... أين وطني) تدرج الكاتب في إيصال فكرة الوطن، جعل سامح يبحث عنه، يسأل الحمامة والفراشة والسمكة عن بيوتهم، ليجد السؤال يتناوله: أين بيته هو ؟ يسأل أمه: أين بيتي ؟ لتضمه الأم إلى صدره وتخبره أن بيته هو وطنه ..

وهو محتل .. احتله اليهود

وطنه فلسطين ..

  يا ولدي (سامح) بيتك هو وطنك .. هناك في فلسطين، وطنك الذي سرقه اليهود منك بعد أن قتلوا أباك وأخواتك الثلاثة ... ستتعلم يا ولدي وستكون رجلاً قوياً تحمل السلاح لأطرد من احتل وطنك .. ولتقتل من قتل أباك وأخوتك الثلاثة.."

 يجعل الشخصية الرئيسية قالباً لكل القيم الوطنية، والتي هي أساساً تأملاته وأحاسيسه الشخصية، بينما يوظّف باقي الشخصيات الثانوية روافد للشخصية الرئيسية، تدور في فلكها وتدعمها ...وقد تجلى ذلك في كل القصص التي جعل فيها (يعرب) بطلاً صنديداً.

يتحدّث عن المعتدي والمحتل الأمريكي ويصوّره بشكل حيوان ضاري بشع لا يتوانى عن ارتكاب أقبح الجرائم في حق الإنسانية والطفولة تحديداً

في قصته (الطفلة المجنونة)

يروي قصة الطفلة (أسيل) ذات التسع سنوات التي قتل الجنود الأمريكان أهلها جميعا في حي النزال في مدينة الفلوجة، تكدست جثث أهلها فوق جسدها الغض، وغادر الجنود الأمريكان وهم يضحكون بعد أن مارسوا هواياتهم في قتل العراقيين .. وانتهت الطفلة مجنونة تجوب شوارع البلدة .

وكذلك قصة (الكابوس)

وهي قصة واقعية أخرى واجهت فيها الطفلة حنان الجندي الأمريكي وصرخت بوجهه: أكرهك قتلت أبي وصديقاتي، دهسهم جندي مخمور بدبابته الثقيلة .

 

لا تخلو نصوصه من الأعمدة الرمزية والدلالات السيميائية

نتلمّسها في قصة (الأشجار) الطفل يعرب دلالة على العرب، الأفعى الرقطاء التي فتحت فمها وتحركت نحو يعرب تريد أن تلدغه بأسنانها، والكلاب والخنازير، وكفاح يعرب ووقوفه في وجهها، ودحره لكل الغرباء منهم الذين عاثوا فساداً في قريته الوادعة، سرقوا خيراتها ثم ولّوا هاربين ليصرخ يعرب: "الآن تحررت قريتي من احتلالكم أيها اللصوص .. لعنة الله عليكم أيها المحتلون .."

أسلوبه الشيّق يجعل الطفل يقرأ القصة وهي سليمة من الناحية الفنية، مبتعداً فيها عن الوعظ والإرشاد المباشر، علاقة سليمة بين العنوان والنص، فالعنوان هو المسند إليه أو هو الموضوع العام بلفظ أو أكثر ...

بث القيم الأخلاقية والوطنية والإنسانية والجمالية يتم من خلال أبطال القصة، حيث تتبلور بتماهٍ مع تسارع الأحداث التي تصل إلى العقدة إلى درجة يتوحّد فيها القارئ مع الشخصية الفاعلة في الرواية، يجعل القارئ من نفسه بطلاً كبطل القصة التي يقرؤها...

مما سبق نجد أن الأديب جاسم محمد صالح عمل على السمو بالقيم لدى الأطفال، ونجح بتمرير القيم الوطنية من خلال مرحل ثلاث:

أولاً: استشفاف القيم من خلال القراءة.

ثانياً: بناء القيم في نفس الطفل من خلال المحفزات والنماذج الأمثولة التي يطرحها النص .

ثالثاً: الالتحام وتمثّل السلوك القيمي من خلال التفاعل مع الشخصية الفاعلة (البطل)

 

البساطة في السرد عن طريق راوٍ مشهود له بالمعرفة التامة

بالمجمل طرح الكاتب في قصصه مجموعة من القيم تمثّلت بالقيم الإسلامية، المساعدة والعطاء، المحبة والتعاون، بر الوالدين،احترام العمل وإتقانه، حسن الخلق، معرفة حقوق الآخرين ...

وكذلك مجموعة من القيم الوطنية

ومجموعة من القيم العملية اليومية التي يمارسها الطفل في حياته الاعتيادية في محيط عائلته وجيرانه وأقربائه وأقرانه ...ولا أجد المجال سانحاً أمامي للاستشهاد بكل قصصه الثّرّة ...

وبذلك أغنى عالم الطفل بثروة معرفية وثقافية كبيرة .. هدفه السامي بناء جيل متخم بالقيم الإنسانية والوطنية .. يقبل الآخر ولو اختلف ... دون أي خطر من غزو ثقافي غريب ..

أتمنى أن أكون قد وُفّقت بالإحاطة المحدودة بأدب هذا الأديب الكبير ... واعتذر عن التقصير ...

تحياتي إلى الأديب العراقي جاسم محمد صالح ...إلى إبداعاته وعظيم إنجازاته

 

الناقدة السورية الدكتورة عبير خالد يحيي

.......................

المراجع

- موقع مركز النور

- المثقف في مدارات الحضور الإبداعي، تأليف الدكتور سعد مطر عبود

- أدب الطفل - خصائصه- مدونة تعلم .

 

عامر الفرحان: إشكالية القدر.. كشف النقاب وإضفاء الرؤية الفنية الواعية

amir alfarhanإن مؤلّف (إشكالية القدر في النص والعرض المسرحي دراسة أصول القدر فنياً وعقدياً اوديب ملكاً لسوفوكلس أنموذجاً) الصادر عن دار الإبداع للطباعة والنشر-العراق/صلاح الدين 2016 للمخرج كاظم صفصاف العاني، ما هو إلا شاهد إنساني غار في الأعماق نتج عن عقل حصيف والتفاتة مسرعة عن العالم المحيط وبشهادة صادقة متوثبة بدراية عن الصراع الدائر حول مهمة تفكيك رموز هذه الإشكالية باستخدام حواس المؤلف الفنية والمهنية في الإخراج التلفزيوني بورع نامي لفتح آفاق جديدة بدعم علمي ورؤيا متحررة من قيود المجتمع المصاب بالإجهاض والصدود في زمن الطوفان..وهي دون شك تندمج مع ظروف الحياة حسب رأي ايزنشتاين (الذي ينظر إلى مادة الحياة باعتبارها حجة في الدفاع عن الفكرة وترجمة المفاهيم الى لغة الفن رغم إن المفاهيم مجردة من التحديد المرن لأنه بحث عن معادلاتها المرئية من ظواهر ووقائع الحياة وخلق صوراً لها معان كثيرة)

وينعطف ذلك تماماً مع قول توفيق الحكيم (الدنيا رواية، وما نحن سوى ممثلون لأدوار كتبها لنا "القدر"على خشبة مسرح الدنيا وما أن ينتهى دورك فى المسرحية تخلع ثوب عملك وتنسى ذللك الدور وتبحث عن غيره)..

 وبناء على ذات الموضوع سالف الذكر فإن (القدر) على رأي الإمام أبي حامد الغزالي: هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة، بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص..

وإن تناول مؤلّف (إشكالية القدر في العرض والنص المسرحي دراسة أصول القدر فنياً وعقدياً) للمخرج التلفزيوني كاظم صفصاف العاني فيه شيء من التكلف لما فيه من أبواب كثيرة ومناقشات جادة لحداثة الموضوع ولدقته وتداخل النتائج والأسباب فيما بينها (وأعني الحاجة الى التخصص الدقيق) ..

, وبشكل مختصر نتمكن من القول أن الحياة مسرح ونحن أبطالها فلا يقع عارض معين فوق الأرض إلا وله قدر معلوم "زمان –مكان – شخوص" وان إعادة مسرحتها يعني تبويب فني وأرشفة لنسق الأحداث عبر سلسلة من المرشحات بشكل "قدري" آخر لإسقاطها على موضوعات المجتمع لصنعه من جديد بغية التأثر والتأثير (اعطني مسرحاً أعطيك شعباً مثقفا) أفلاطون..

ان دراسة الإشكالية جاءت خطوة جريئة وفلسفة فنية اذ تمكن المؤلف كالصياد الماهر الذي مد شباكه في البحر ولمَّ أطرافها وقبض جواهر فنه الثمينة وقدمها إلينا دون مقابل...كما انه قد جمع بين علوم عدة (فيزياء- أدب- إعلام- مسرح- اجتماع- دين- علم نفس) لخدمة الموضوع ويدل ذلك تتبع خطوات الإحاطة باشكاليته ودراستها وفتح شفرتها وتحليلها موضوعياً بلغة "اني أعلم ماذا اصنع"

 وعلى قول الأديب المسرحي الراحل – جبار صبري العطية – مؤسس جماعة المسرح المعاصر (الفقراء والضعفاء والمظلومين في أعمالي المسرحية تصعد صرختهم إلى السماء وتنزل على القوي الظالم أقوى مما تنزل الصاعقة) وفي قول آخر الإنسان يحيا مرتين الأولى في الحياة الطبيعية، والثانية في المسرح غير أن الفرق بينهما كبير، الأولى (واقعية ) والثانية (صورة فنية) مقطرة ومنقاة، وعليه أن تكون أجمل وأمتع من سابقتها، وإلا صارت فوتوغرافية نسخة ثانية منها، وبها يفقد المسرح مشروعيته ومبررات وجوده..

كاظم صفصاف زاهد- مبدع بدأ بمفرده تحت قبة ثقافته الخاصة التي يفهمها دون غيره تنفس نسيم القرية البسيطة التي تحكمها عقول تعتكف أعرافها الصارمة، تحرر منها والتفتت إليه أنظار الأهل والجار من أبواب خشبية وجدران من الطين وسقوف من الخشب والقصب والبردي، تمكن أن يصنع شيء آخر بظروف قاهرة غير الذي قيل فيه، اذ تشبث في القرآن وكتب السنة النبوية المطهرة والأدب والسياسة والروايات، فصار الكتاب والمذياع رفيقاه منذ مطلع السبعينيات، قرأ وكتب الكثير شعراً ونثراً وقصة ونقداً في العمل التلفزيوني والأدبي، اقو ل ان (القدر) لم يمنحه فرصته الفعلية في الحياة..

 نبارك لزميلنا باكورة مؤلفاته، وان أول الغيث قطرة سائلين المولى القدير ان يمنحه الصحة والسلامة والعمر المديد..

 

عبد الواحد مفتاح: قراءة في ديوان: التلجنار

abdulwahid miftahشهوة الشعر.. هي عَتبَة لفِتنَة فاتكة.. كأول ما يَلتَفُك وأنت تُطالع ديوان "الثلجنار"، هذا العمل القادم من لغة دائِخَة بِلَذة الشعر. وهو يَتعامَل والامْسَاك بقُدرة التوازن والتَكامل بين وظيفتِه كَكِتاب نَسجَتْه بعِناية وافِرة ومُرَكبَة تَجربتيْن شعريتين، لكل منهما ما يُميزُها ويَهَبها أفق الاشتعال. وبين ما تَداغَم بِجِذْعِه من فِتنة زائدة حد التَماهي مع الخُطاطة السِّرية لتلك الجمالية الشَفيفة، التي نَحتاج دائما لنُظيف لاسمِها نَفيا غير مُعرَف هو "اللا مكتمل". هذا الذي يحضر هنا بكامل عُدة بهائه.

فالأسلوب الشَذري الذي يَشغَل كامل جسد هذا الديوان، يَبدو أداة فَعَّالة لتَلميع هذه الجمالية. كيف لا.. وهو العَدو اللّدود للخِطابة ومُقَوِماتها. فالشذرية، هنا، كتابة تَشْحذ يَنابيعَها لِتَنْفُت بَريقَها في مَلمَح من الانفصال والتَعَدد. هذا الملمح الرَّزين، تُحِّس أنه انفَلَت للتو من كومة عظيمة من الكلام والضجيج.

تَستَنِد الكتابة الشذرية (l’écriture fragmentaire) داخل الديوان على التَّفكيك، على مُستوى الكتابة المَقطعِية، وهو ما يُعطي الانْطباع أن كل نص هو اِلْتِياعٌ فريد فوق الورقَة، ذا مُعطَى شعري أَنِيق ونَفَس صُوفي رَقيق. لكن بِقليل من الانتباه نَستطيع تَبيُّن أن هناك وحدة عُضوِية داخل الديوان مُسْتَعْطِيَة عبر انسِجام وتَلاحم رُؤيوي خلاق. هو السِّمة النَيِّرة التي تَطبع هذا العمل.

النَص الشعري داخل "الثلجنار" بِضِفتَيْه "تلوين الثلج" ل"عبد الرزاق بوكبة" و "كتاب النار" ل"عادل لطفي"، هو نص طَليق يَعتَمِلُ وحُريَة التَداخُل باتِجاه تأكيد حَميميَة الشعر. حتى وهو يَرفَعُ مِعول مُغايَرة الثَّوابِت في تجربة لافتَة، لا مَرامَ من أنها قادِرة على استِدعاء اِلتِفاتات نقدية وازنة، لِما لها من خُصوصية فَذة، واجْتِراحات بَالغة الأثَر على مستوى كتابة القصيدة الزجلية. التي أجِد أنها،هنا، ما بَعد حَداثية، استَطاعَت أن تُحقِق شرط الكتابة العالِمَة، بِلُغَة اليومي والمُتَداوَل. وهذا أمرٌ مُهم يَدعو للاطمئنان على مستقبل هذا النوع الشعري، الأكثر قُربا من الذائِقة العامة للناس. فهي زجلية مُكَثفَة في اقتِصَاد يَطبَعُه التجريب، ويَسِمُهُ التجريد، بانزياح صوفي تتَخَلّلُه شعرية تُبَالغ في تَشذيب نَهدَيها باستمرار.

إشكالات ابستمولوجية عَديدة تَتَرصدُني وتُرْبِك الحديث عن الزَجَل وآليات كتابته المعرفيَة، فالانتقال من البُنَى الشفاهية إلى الجَسدية النصية، أي من الصوت الحر إلى الاكْراهَات العَلامِيَة، أمر يَعرف تَقصيرا واضحا من جانب الدرس الأكاديمي العربي. لكن، هنا، عند أول صِدام لي بالديوان، بدى لي محكوما بالحياة والشعر.. مُشْتغَلا بِدِرْبَة حداثية قَطَعت أشواطا كبير بقصيدة الزجل، لتَلتَحِق بِدَرْبِ نثرية اللا-أجناسية.. فهو عمل لم يَتَدرب على أيدي غنائية القصيدة الكلاسيكية... كِتابة تَعيش في خِيانة واضحة لِتَراتُبِيَات اللغة والتَّصَوُرات النقدية، بانْفِصال عن الحُمولة اليومية عن الكلمة، هذه الحمولة التي طالما سَيَّجَتها واستنزفت طاقتها الجمالية.

لكن المُثير داخل هذا العمل، أنك تُحِسّ –بشكل غير مُفتعَل- أن الديوان مَكتوب بيَد واحدة، لدرجة أجد صُعوبة بالغَة في تَوصِيف مُعجَمين شِعريَين داخله... هناك تَواطُؤ لا يخلو من حَيوية ساحرة، بين عبدالرزاق بوكبة وعادل لطفي. وهما يُقدمان داخل هذا العمل تَلاحما حميما بشكل جدير بالقراءة وإعادتها بين دفتي الثلج والنار.

عَبثا حاولت أن أقرأ نصين داخل الديوان، لكن مُحاولاتي كلها باءت بالشعر... الشعر فقط ما يُميّز هذا العمل، وهو ما يُحددُه... جَربتُ أن أَنتقل إلى لعبة الثيمات، سيكون الأمر سهلا، أن أمسك بِطَرفَي حِوار داخله..

لكن حتى لعبة الثيمات، داخل هذا العَمل سُرعان ما يَتَبَدى أمرُها.. إنها لعبة مُخادعَة، وماكرة. أقول بِفَشَل هو ما استَطَعَت أن أَتَوصَل إليه، إن الأمر قد دُبِّر بشعر.. شَهوة باهرة هي ما تَستطيع أن تَقِف على أرضها باطمِئْنان هنا.

 أما عن القصيدة المُطرّزَة بِتلك التّرميزية الأنيقة، المَليئَة بدَهشة المعنى البِكْر، فهي قصيدة دلالية.. أو هكذا أُسَميها، لكَونها تستَعِيضُ عن المُحرك الصوتي بالمعنى الدَلالِي. وهذا ما يَجعل الإرْغامَات التأوِيلية التي تَفرضُها على قُراءها المتتاليين، تتصالح وأفق ما اسْتَكان عندهم من كَونية الطرح وفصاحته الجمالية في القصيدة الحديثة بشكل عام. وهو ما يَهبها أُفُق التشارك الكامل بامتلاك نثرية التسمية.

تَبرُز تَجربة عبد الرزاق بوكبة وعادل لطفي كوَحدة تشكيلية داخل هذا العمل، تَتَعالق بَعضها مع البعض الآخر، حسب رُؤية تَنْظيمية مُفعَمَة بانْفِتاحِيَة جِريئَة على التَجريب، في مُغامرة باذِخة راهنَة حتى حدودها القُصوى على الشعري، مُتَحرِرَة من شَظايَا الوَصايا عَبر التَّمَرد على السائد، الذي عَرفَت هذه المغامرة مُحاولة ترسيخِه في اعتماد على خلفية عالِمَة، ومَقصِديَة تَقوم على وَعي حَصيف بِشرطها الإبْداعي، وبالتالي سَيْطرتِها على نَاصيَة ما اِعْتَمَلَت تَسطيره، بشكل غير ميكانيكي.

 أما مَدرج الديوان الأول "تلوين الثلج" لعبد الرزاق بوكبة فقد جاء مُعتمِدا على الأداء القِرائي والبصري ولَبِناته الخطية، البياض، الترقيم، السطر، الانفصال بين "الغرافيمات" المُكوِنة للكلمة الواحدة، في تَعامل بِمُرونة مع مفهوم الوحدة الخَطية، واستبدال أحيانا لمبدأ التَلاصُق بين الحروف، في مفهوم الكتابة عموما، وهو تَقطيع يَمْتح من التشظي بالمفهوم الذاتي كامل بُرِهانِيَاته.

أما على مُستوى النص، فالمُعطيات الدَلاليَة التي يَكشِف عنها مُتَخِذا من الثّلج، مجازا للكتابة، كمَوضوعيَة للمَعنى، قائمة على أساس فَرض قِراءات مُمكِنة للبَياض الهارِب منه، هذا البياض الذي نحن، دائما، بِحاجتِه لنَطمئِن على أننا مازلنا على قَيد الشعر. لهذا لا يستطيع القارئ لضِفَة عبد الرزاق بوكبة داخل هذا المَتن إلا أن يَجِد نَفسه داخل انتِشار بياض الثلج وتأويله. صَحيح أن تَقاليدنا الشعرية عَوَّدَتنا أن لا نَرى في الرَمز إلا مَجموعة من العَلامات والأدَوات، أي باعتباره مُجرد حَامل لفِكرة مكثفة لذاتها. لكن "تلوين الثلج" هنا، المُتَسَتِر في تَلابيب المعنى الظاهر هو أفق اِلْبَاسي للكتابة. لا يَتَشبّه بأدوات الكلاسيكيين. أفق مُحُايِثٌ للشعر. غير مُنبَثق عن مَدرسيَاتِه. إنه وَليد ما تُصَفيه التَّجربة في الحياة والكتابة معا.

في لغَة هذا الشاعر تَمةَ احتِفاء بصري خاص بالكلمات، وهي لغة، على ما تَنْضَوي عليه من شَطْب وتَمزيق وصَقل للصياغة، تَقْتَني شَذَرية عالية كفن للتَّفَرد بامتِيَاز، خارج أي هَم نَسقي. تماما مثل اكتِنَاز دُرَر المعنى في وَمْضة أو لَمْحة، مَلفوفَة في ابتسامة بيضاء. ابتسامة "حَاتْلَة مْنْ قَاعْ الخَابْيَة " وصافية.

فقصيدة عبد الرزاق بوكبة لا تُدير خُطْوَتها لغَير المعنى، تَتَمَلكُها نَظرة كلْيانِيَة موحَدة لا أسْرار مِهنية لها. قصيدة لا أجِد تَوصيفا لها، غير أنَها اِلتقَاطَات مُثْمِرة ومُلغَزة. بَين الشعري والصوفي شاغِلُهُما اشتعال.

أما على مُستَوى الضِفَة الثانية من الديوان "كتاب النار" لعادل لطفي، هذا الشاعر الذي يُعْلي لَهيبُه من سلطة حضوره. فقد جاءت مُتَواطِئة بشكل كامل مع "تلوين الثلج لعبد الرزاق بوكبة": تَمة تَمَاهٍ في الأمر حَدّ التَلف داخل العمل، وَوَحدة الخطوط الرئيسية للكتابة اللغوية والثيمية والتَّكامل المَرجِعي المُؤَسِس للمَتْن في نَظرتِه الكاملة.

على مُستوى اللغة، لا يَحيدُ عادل لطفي عن استراتيجية العمل كَكل، وهي الكتابة الشَذرية، سَليلة الحَذف المُضاعف، وجَاذبِية الانْزيَاح، فهو يَكتُب مِثل فيزيائي خَطير وماكر يُريد أن يَكتشِف منبع الشمس، ليُداعِب كلماته في مكان اختباءها عند المَغيب، فَفعل الكتابة عند هذا الشاعر يَنطلِق من لحظة عُري تام، وهو عري يَغرس جُدوره في صدى النص، ما يَهب هذا الأخير شيفْرات دلالية وجمالية ذات تَماثل تَكويني يَستَقِي ارسالياته من العفوي والطبيعي، لتَغدو اللغة عنده المُتَحصَّل عليها بِتَظَافُر مُستويات: مادة التعبير ومادة المُحْتوى، كوضعيات شارِطة لفعل الادراك-بالنسبة لقراءتي على الأقل-مُشَذَبة بصِيَغ وعبارات جديدة على مستوى الكتابة الزجلية. لها شاعريتها الفذة. فهي لغة عَميقة وانتقائية تُضْفي لَمْسَة خاصة، تُسَلط ضَوؤها على كامل جسد هذا العمل.

تَحضر النار داخله كمُضاعفَة لفعل لذة (plaisir) الشعر، وبهذا لا تَجذ هذا الأخير يَعُوم في سَديم العواطف، بقدر ما ينخرط في أفق تقاطعه مع الفلسفي والجمالي بصفة عامة.

قصيدة عادل لطفي الزجلية هي إنجاز ابداعي مُتَقدم، خُطوتها هي انفِتَاح نَحو الحَداثة الشّعرية والعُمق الكوني، وهذا ما تَفْتَلِحُه هذه الكتابة الزجلية في غَفْلَة عن المَدارِس النَقْدية التي لم تَستطِع بَعد تَجديد مُدونَتِها، للنَظر إلى الزَّجَل كَشِعر اسْتَطَاعَ أن يُثْبِت انتباهً مَائِزا بِجمَاليَتِه العَالِمة. هذه الجمالية التي لم يَستَطِع إلا القَليلون الاقْتِراب مِن عُلو شَرطِها. وها هو عادل لطفي إلى جانب عبد الرزاق بوكبة، في مُشتَرَكِهما هذا، يُدَلِلان على الطاقة التجديدية الهائلة التي اِبْتَلَغَت قصيدة الزجل إنجازَه.

وهو انْجَاز مَدين لهذه التجربة-ومَثِيلاتها- والتي باسْتِجْلاء خَصائِصها الفَنّية واللُغَوية والجَمالية، بأَدَوَات نَقدية حَصيفَة، نَستَطيع تَقديم تَصَور كامل للشكل المُستَقبلي للقصيدة الزجلية الحديثة، وهو ما بِحاجة لعَديد دراسات، لا جَرم أن الورقة الأنيقة التي قَدّم بها الشاعر أحمد المسيح هذا العمل تَصلح لتكون مُقدمة افتتاحية لهَكَذا شكل من الدراسات.

فَشَهوة تَخْريب الأسلوبية المُتداول عليها، هو جِذع بِنية هذا العمل، الذي يَشْتَغل شَاعِرَيْه معا على اللغة ليس كَصورة للأشياء كما عِند مَفهوم الزجل الكلاسيكي أو حَكي عن الأشياء، بل كاصطلاحية مُرتبِطة بصورة ذِهنية، لا للشيء في الخارج. وهذا تَحرير للكَلمة من الشَيء كدال عنه، إلى مَدلولا مُتعددة في تَجديل جديد لعناصر هذه اللغة المَحكية.

استطاعَ الشاعران، على حد سواء، غَسل هذه الكلمات في حِواريَتِهما من أثار القديم داخلها، والمُستهلَك في طَبْعِها، في اجْتِثاث لعادَة التواصل المباشر الذي بُصِمت لأجله. إلى أداة مِفتاحية لتواصلية أعلى، من أجل تَطمين قلق النفس البشرية وافْتِعال تَساؤلياتِها في غير محاكاة، وإنما في إبداعية لها أفق ما تَدَعيه.

 

خيرة مباركي: بين شعريّة الحلم وانفعال الرّؤيا في قصيدة: اهجع يا صغير للشاعر العراقي رياض الدليمي

khaira mobarakiمنذ الإطلالة الأولى لهذا الكيان النصّي يطالعنا خطابا متميّزا متفرّدا بما ينطوي عليه من خصوصيّات حددت شعريّته  وأدرجته ضمن سياق إنشائي مختلف. ولعل منطلقنا لدراسة هذه الشّعريّة  جملة الثنائيات التي أقيم عليها النسيج النصي: أولها ثنائية العنوان والمتن .. فأمّا العنوان فقد ورد جملتين الأولى جملة أمر والثانية جملة نداء لتتحدد من خلال التّركيب طبيعة الخطاب الذي يقوم على جملة من الأركان أولها المخاطب المتكلم الذي يتراءى فيه صوت الأم ثم المخاطب المتلقي للخطاب وهو الطفل الصغير .. أما موضوعه  فهو ما يخبر عنه المتن الشّعري بكل ما حضر فيه من أساليب وأفانين مثلت جماعا فنّيا للتعبير عن مقاصد الشاعر .. وقد أقيم بدوره على ثنائية أخرى تتحدد بالأصوات الناطقة في المتن فينطلق صوت ال"أنا" متوسّلا بالسّرد آلية للخطاب وهو سرد مجمل استرجاعي تطرح من خلاله الذّاكرة مخزونها تنبع من الماضي في شكل ومضات تتصل بلحظة من لحظات الطّفولة البعيدة وما يتصل فيها بالمهد والولادة .. لعلّه اختيار واع لهذه اللحظة حين ينقل الزمن الواقعي إلى نمط آخر مجهول يعود إليه الحدث بعد جولة تيه. وكأننا به  يعود إلى السيرة الأولى يستحضرها منصهرة في تاريخ الأمومة والمهد ،  موسومة بالحركية والرغبة في الانعتاق كأنّها أصداء رجع ناي بعيد .. فيخترق بذلك التّخييلي المادّة الواقعيّة وتتمازج المكوّنات حتى لا حدود لهما ، فتتشكّل صورة الماضي من هواجس الحاضر وخيالاته  وهذا ما ندركه في بقية النسيج النّصّي  .. بهذا نقف إزاء الصّوت الثاني وهو صوت الأم الذي يتحول معه الخطاب من الإخبار إلى الإنشاء ومن التّقرير إلى الانفعال.. وهو ما يضعنا إزاء خطاب تأثيري مباشر قام أساسا على جملة من الأساليب الإنشائية التي أحدثت نغما فنّيّا حمّل السّياق الشعري سمات الأغنية . ولكنّها ليست ككلّ أغنية هي ترنيمة مختلفة تحمل عمقا فنّيّا وتعبيريّا موسوما بنزعة عقليّة تعليميّة تلوّنه بتلاوين الحجج والإقناع .. وهذا جعل من هذه الرّسالة أثرا فنّيّا وشّاها بشعريّة لطيفة رغم ما تنطوي عليه من انفعال .. لعلّنا بذلك نقف إزاء ثنائيّة أخرى : إنّها ثنائيّة الواقع والمتخيّل وثنائيّة الحلم والرّؤيا .. فيستحيل صوت الأم صوتا آخر ندركه في أعماقنا .. إنّه صوت الضمير الحيّ والمصلحة العليا أو لنقل صوت "الأنا الأعلى" القيمي الذي يستيقظ من سباته العميق .. ويتحول معه المنطوق بتلك القيم التي يفتقدها الشاعر في واقع يتوضأ بالدم وتراق على جوانبه الفتن .. هذا الواقع الذي تتجسد بعض ملامحه من خلال صورة المخاطب الذي يظهر غالبا في صورة الطفل :

       إنّك تتعبني أيّها الوليد السّاهر

       يا طفلي الذي لم يستكن

       كل شيء فيك ثائر ..

   وهنا تتراءى لنا  صورة مخصوصة للطفولة .. تجاوزت كونها رمزا لبداية العالم .. والفردوس المفقود الذي يرنو إليه الرّومنطيقي .. إلى معنى  مخالف تماما يصبح فيه رمزا للقلق الوجودي والثورة ..  تبرز في أعماقه  صورة نيتشويّة بملامح الثورة والفعل والرغبة في النّهوض .. أو لعلّه القلق الوجودي والعبث الذي يجافي المنطق ويضارع الرّيح في طغيانها وانطلاقتها :

     إنّك تصفع الكرى بالصّراخ

     وتركع النّهار لغفوتك

  ولكنّه يعود به إلى ملحمة الخلق الأولى و سرّ الوجود .. فيؤكد على وضاعة المنشأ وهو بهذا يذكّرنا بوعّاظ الزهديات .. رغبة منه في إنشاء سقف من المثل والقيم يدعو إليها على لسان الأم:

     ألم تكن من صلصال وطين؟

     أنا نفحات روحك

     وشهدي عجينك ..

     اهجع يا صغير

     كي أسقيك من ظمأ

  بهذا يستحيل الخطاب حجة تاريخية ومنطقية في الآن نفسه يؤكد على متانة الصّلة بين عملية الخلق وأصل القيم .. ولعله ضرب من التّأمل يقيمه الشاعر في هذا الوجود ليؤكد من خلاله تبرّمه من حقيقة ما يجري ويحدث  .. وذلك إنّما هو بسبب علّيّة منطقيّة مردها أصل الانسان الذي جبل على الوضاعة .. وهنا دعوة ضمنيّة إلى التّواضع .. ثم يتحول الخطاب في نسق  تصاعدي لتتحوّل معه علاقة المخاطب (بفتح الطاء) نحو آفاق ميتافيزيقيّة:

     أتراك ترضع أحلاما ؟

     تتنهّد رؤى

  لتتبدّى فيه علاقة الصّبيّ بالأحلام والرؤى ..و لعل الصّبي هنا صورة للشّاعر باعتباره حلقة الوصل بين الذات والعالم .. وقد اقترنت هذه الصّورة باستفهام إنكاري تبطن نظرة مغايرة للشاعر كما عهدناها عند الرّومنطيقيّين .. إنّها دعوة صريحة إلى ضرورة تحمّل الرّسالة مسؤوليّته في هذا الواقع .. من هنا ندرك انفتاح المعنى  على معاناة الواقع حين يحاصر الوطن .. إنّها ثنائيّة جديدة بين أعطاف الخطاب هي ثنائيّة الظاهر والباطن .. فالظاهر خطاب ولكنّ الباطن لوعة وشجن .. فما تظهره الأم أكثر من نصح وإرشاد وأكثر من حبّ .. إنّه حبّ يستوعب الذّات والميتافيزيقا .. يتابع الوجود الفردي في مختلف علاقاته الاجتماعيّة والفرديّة والماورائيّة .. إنّه خطاب إنشائيّ انفعاليّ يستوعب النّغمة الثّائرة في صوت الأم التي تتجاوز صورتها الظاهرة : صورة الحب والأمومة والنصّح والإرشاد إلى صورة مخالفة رامزة . فتغدو بذلك رمزا للثورة والحلوليّة .. لعلها صورة الوطن إذا ما سلّمنا بالعلاقة الجدلية بين الأم والأرض : الأم الحالّة في الأرض بما تتسم به من فعل إخصاب وتجدّد والأرض الحالّة في الأم باعتبارها متطبّعة بطبائعها .. وتتسع حركة ال" أنت " لتقترن برموز اسطوريّة مهمة ألفناها في الشعر الحديث ولكن يتحاوز بها الصورة الكلاسيكيّة إلى صورة ينشئها إنشاء ليخلق من الأسطورة أساطير ومن المدلول رموزا ..

     ما بالك أيّها الصّغير ؟

    تصرخ وكأنّك تقاتل جلجامش

    تصرخ لتلين عشتاروت

   وتخضعها لجبروتك

   تقدّم نحو انكيدو وترميه في الفرات

  ليستحمّ من غبار الحروب

   بهذه الرّموز الأسطوريّة تتحوّل وجهة الصّراع .. لم تعد عشتار وجلجامش وانكيدو رموز خير وحب وجمال بل أصبحوا أطراف صراع وعنف وموت .. وكأننا بالشّاعر يقيم صورة جديدة للأسطورة فعشتار قد نزلت إلى العالم السّفلي لإنقاذ عشيقها تموز فتدخل الأرض التي تحكمها أختها " أرسخيكال" إلهة الظلام والكآبة والموت .. لعل الشاعر قد عدل عن صورة عشتار ويستعيرها صورة للمخاطب  وهو من يحارب الجمال والحب ... بذلك يعدل عن المألوف في طريقة تطويع الأسطورة وتوظيفها .. وهنا تتراءى لنا صورة الإنسان المذنب ولكنّها تعبّر عن التوق الأثير لدى الإنسان في تحقيق فكرة المساواة .. بهذا فالخطاب يمارس فعل البعث والإحياء .  وهو في الأساس من خصائص عشتار .. لقد أولى الشاعر أهمية كبرى لهندسة القصيدة التي أقامها على أساس جملة من الثنائيّات بنى من خلالها عالما شعريّا أثّثه من التّراث تارة ومن الحديث طورا جمع فيه بين الرمز والأسطورة .. وبين الحلم والرّؤيا حاول من خلاله أن يولّف من مكونات النّص عالما ماضيا يمتدّ بدلالاته المتنوّعة إلى الحاضر الذي أقام في سياقه الخطاب .. بهذا فقد أقيم النّص على  بعدين متحقّقين في ذات الوقت : بعد الماضي الذي يتحرك فيه النّسيج الكلّي المكوّن للنص والبعد الدلالي للزمن الحاضر الذي يختزل معاناة الشاعر ..

 

 النص:

كنت طفلا مشاكسا في المهد

اركل الأحزمة والأغطية

أتشبث بالوسادة

لاستجمع قواي

أمي تبحلق بي

بدهشة

ما هذا الطفل الذي لا ينام؟

لم اعدْ اعرف منامه وإفاقته

انك تتعبني أيها الوليد الساهر

يا طفلي الذي لم يستكن

كل شي فيك ثائر..

انك تصفع الكرى بالصراخ

وتُركع النهار لغفوتك

الم تكن من صلصال وطين؟

أنا نفحات روحكَ

وشهدي عجينك ..

اهجعْ يا صغير

كي أسقيك من  ظمأ

أتترك جيدي؟

وتمسكُ تلابيب الليل

أتُراكَ ترضعُ أحلاماً؟

.. تتنهدُ رؤى

ما بالك أيها الصغير؟

تصرخ وكأنك تقاتل جلجامش

تصرخ لتلين عشتاروت

وتخضعها لجبروتك ..

تُقدمُ نحو انكيدو وترميه في الفرات

ليستحم من غبار الحروب

.. تنفض عنه شقاق السنين

.. تحرس مملكتك كجندي مقهور

ألا يقترب من جيدي أحد

.. ترسم حدودها بأنفاسك..

أنا أعلنتُ الحدَّ على ضفائري

ألا يلمسها جان

أو قائد مكسور في حرب..

اعتقني من جنونك أيها الولد

كفاك

 لا تقترب من النهر المقدس

تعال

 أعلمك المشي على النهر

والزحف على الشواطئ

نيران  ثوراتك بلا حد..

اخمد أيها اللهب

تعال تفيّء في بساتين العنب

واشرب من حليب التين

 غادر المهد..

 استرح ... ياااا ... بشر ؟

فك اسر تلابيبي

حل جيدي من مَسكَ

لا تعبث بضفائري ... هي ذخائر عفتي

وبياض أيامي ..

أَمنْ عشبة  تشبع صيامك ؟

الجم أحلام المهد

.. امضِ لغابات الأرز

.. أشعلْ النيران فيها

.. اطرد جانك

.. سامر جيوشك

تعلم يا طفلي فن الحرب

من لم يستطع أن يدير رحاها

داسته الجيّاد

ولن يذوق كاس رمادي

وبات بلا مجد .

 

خيرة مباركي - ناقدة وتشكيلية تونسية

 

عبد القادر كعبان: كتاب: شكلها باظت لعمر طاهر: جيل بين رفض الواقع ورغبة في التمرد

abdulkadir kabanلقد استطاع الكاتب المصري عمر طاهر أن يتميز في مؤلفاته بأسلوبه الساخر ليترجم حاجة روحية للمجتمع المصري يعيشها الجميع، وبما فيهم فئة الشباب الذي لا يمكن عزله بحال من الأحوال عن الحياة السياسية التي أصبحت محركا للبيئة الفكرية في وطننا العربي بشكل غير مباشر.

تعبر الكتابات الساخرة للمبدع طاهر عموما على فلسفة متميزة، ورؤى نابعة من روحه ونظرته الخاصة لمجتمعه المصري كما يبدو ذلك واضحا بشكل مباشر في كتابه الموسوم "شكلها باظت" -ألبوم اجتماعي ساخر- (2005)، أين تختلط ملامح السخرية بالمزاج في حديثه عن تلك المتناقضات التي يعيشها ويعايشها المصري في يومياته، ويضاف إلى هذا نزوع شاسع إلى المغامرة في عملية الإبداع الساخر.

إذا تأملنا تأملا عميقا خلال قراءة "شكلها باظت"، سنلاحظ أن عمر طاهر يحاول جذب انتباه جيل الشباب العربي عموما والمصري تحديدا نحو فرصة جديدة للاغتراف من بحور المعرفة المتنوعة والمتشعبة، التي تستلزم إعمال العقل المطعم بالعلم والعقل والصبر والأمل من أجل تحقيق الهدف المنشود، وذلك من خلال طرح الأسئلة والبحث المستمر عن أجوبة عنها.

لقد وجد عمر طاهر ضالته في عالم الكتابة الساخرة يتلاءم ومعطيات الحاضر الذي تشوبه التناقضات في مختلف المجالات، بغرض تدوينه وتوثيقه في قالب لا يخلو من النقد والاعتراض.

وقد نرى أن الأسلوب الذي استخدمه طاهر في "شكلها باظت" لا يخلو من اللكنة العامية المتداولة بين المصريين عامة أدرجها في شكل نقاط تندرج هي الأخرى تحت عنوان فرعي ركز على العديد من المواضيع، وهنا نذكر على سبيل المثال: عظيمة يا مصر، الوظيفة في مصر، الثقافة الجنسية للمصريين، مسألة الزواج في مصر، التدخين في عيون المصري، وزارات مصر، اختبارات كشف الجيل المصري...

ولا يمكن المرور دون التوقف عند كل سؤال يطرحه المبدع عمر طاهر بطريقة لا تخلو من التهكم أحيانا، حيث تمنحنا صورا واضحة عن كل قضية يعالجها كتاب "شكلها باظت"، كموضوع الوظيفة التي أصبحت الشغل الشاغل لكل شاب عربي متخرج من الجامعة وجاء السؤال كالآتي: - لماذا أصبح المصريون يكرهون الوظيفة؟! حتى أن الكاتب يرى أن الكثير من أهل بلده يفضل السجن على الوظيفة حيث يقول: (• يمكنك الالتحاق بالسجن في أي وقت بإرادتك وبمجهودك الشخصي.

• بينما الالتحاق بالوظيفة يحتاج إلى "واسطة" بالأساس.

• في السجن.. إذا كنت ملتزما تتم مكافأتك بتقليل المدة التي تقضيها..

• في الوظيفة إذا كنت ملتزما تتم مكافأتك بالمزيد من العمل، مما يعني المزيد من الوقت.) ص 45.

أما في ما يخص التربية وسط الجو العائلي فجاء سؤال طاهر كما يلي:

- إزاي تعرف إنك اتربيت في بيت مصري؟

وهنا يذكر الكاتب مجموعة من الجمل المتداولة في الأسرة المصرية أصبحت مستهلكة في نظره مثل: (• كفاية رغي في التليفونات.

• ما تقعدش قدام المروحة وأنت مستحمى.

• المسلسل مش هينفعك.. قوم.

• وانت فاكر احنا مستنيين منك حاجة؟!) ص 82.

هذا الكتاب لا يخلو من تلك الأفكار الأيديولوجية الجاهزة سلفا في واقع المصري وبصفة خاصة الشباب، وكأنها وجدت في حقل اختبار لمعرفة صلابتها وقوتها في مواجهة الأسئلة التي سيطرحها حتما كل شاب مصري أو عربي كذلك، وهذا ما جاء مثلا في سؤال المبدع عمر طاهر في مجال السينما: - إزاي تعرف إنك بتتفرج على فيلم مصري؟

وقد ضرب لنا أمثلة من ما تعودنا على مشاهدته في العديد من الأفلام التي يرى أنها قد أصبحت موضة بالية غارقة في الاستسهال والسذاجة:

(• عندما تجد الحارة كلها تصر على نبذ المذنب ومعاملته بقسوة على الرغم من إعلانه لتوبته.. الأمر الذي يبرر بمرور الوقت عودته إلى الجريمة.

• عندما تكون النهاية سعيدة دوما.. وعندما ينتصر الخير بضراوة على الشر الذي ظل مسيطرا على الأحداث حتى الدقائق الأخيرة من الفيلم.

• عندما يبرر الوصول إلى المجرم دوما بعبارة يقولها الضابط بسذاجة.. "ما فيش جريمة كاملة".

• عندما يصب البطل من زجاجة المشروبات الكحولية في كوب زجاجي طويل فيمتلئ عن آخره وكأنه يصب عصير قصب) ص 32.

ربما يحاول عمر طاهر أن يبرهن على أن نقد الآخر شرط لوعي الذات بنفسها كما جاء في سؤاله: - إزاي تعرف الزوجين اللي قدامك متجوزين جواز صالونات ولا عن حب؟

هنا يرى أن الناس تحكم دوما على الزوجين، ولكن لكل نوع من الزواج عيوبه ومميزاته في نظر الكاتب:

(• زوج الصالونات ترعبه كلمة خيانة وتوتره.. المتزوج عن حب تضحكه كلمة خيانة.

• زوج الصالونات تسمع منه دوما جملة "حماتي عندنا" المتزوج عن حب تسمع منه غالبا جملة "أنا عندي حماتي".

• أزواج الصالونات ملتزمون بالمواعيد.. المتزوجون عن حب يصلون دوما متأخرين.) ص 115.

وما يمكن استخلاصه من هذا الباب، هو أن وعي الذات في نظر الكاتب هو نفسه شرط لاكتساب القدرة على التعامل النقدي الواعي مع الغير.

إن للغرب ثقافة جنسية تختلف عن ثقافتنا الجنسية كعرب ومسلمين، حيث يشير إلى ذلك المبدع طاهر من خلال متابعة المصريين لثقافة الجنس عبر الصحف تحت ظلال لون واحد ألا وهو "الأحمر الفاقع" الذي قد يعيد إلى أذهاننا كليب اللبنانية نانسي عجرم الأخير "ما تيجي هنا" الذي لا يخلو من السوقية والابتذال في رأي النقاد، أين حاولت عجرم تقليد اللبنانية "هيفا وهبي" وهذا كما عبر عنه الفيسبوكيون: "الجميع يربط بين هيفا ونانسي، ولكن لكل واحدة ستايل معين؟ لربما تريد نانسي أن تخوض مستقبلا تجربة التمثيل كهيفا في فيلم دكان شحاتة؟!"

هنا نلاحظ أن شباب هذا الجيل له وعي خارق للعادة، فقد لاحظوا تشابه بين الفستان الأحمر الذي ارتدته هيفا في الفيلم -فستان أحمر فاقع اللون- والذي ارتدته نانسي هي الأخرى في الكليب الذي أخرجه المثير للجدل جو بوعيد، ولكن السخرية تمثلت في سؤال أحد المارة في كليب "ما تيجي هنا" للنجمة عجرم إذا كانت هي نانسي لكنها نفت ذلك.

هذا يعيد طاهر في هذا الباب للتحدث عن تجربة مشاهدة الفيلم الجنسي الأول بكل ما تحمله من صدمات دمرت معظم أبناء هذا الجيل حيث يقول: (أخطر ما في الموضوع أن يتم التعرض لهذه الصدمة بشكل جماعي وفي مكان عام، فقد انتشرت في تلك الفترة المقاهي الجنسية التي تغلق أبوابها على الرواد من الداخل لعرض أحد هذه الأفلام في "الفيديو بتاع المعلم" مقابل جنيه يتم تحصيله من كل زبون... وما أن ينتهي عرض الفيلم ويتم رفع الأبواب الصاج للقهوة حتى تجد بوكس الشرطة واقف ومدى ضهره للقهوة حتى تصعد إليه مباشرة وفي القسم يتصلوا بأبوك علشان يجي يضمنك، وهو نفس ما يحدث معك عندما تدخل سينما على بابا لمشاهدة فيلم لبناني قديم.) ص 101-102.

قد يصطدم الشاب بظاهرة غير سوية لكنها في نظر الكثير من الناس مباحة كما جاء في عنوان "نعم للتدخين" باللغة الانجليزية حتى يصبح الدخان والسيجارة في ما جاء به هذا الكتاب من اكسسوارات الشاب المصري وحتى الشاب العربي أيضا: (خذ بالك.. لا تستهين بجزئية إشعال السيجارة.. "رجاله بشنبات" انهارت أعصابهم بعد منتصف الليل وهم جالسين أمام علبة سجائر "بقفلتها" يحلمون ولو 'بحجر من سجيل' لإشعال سيجارة واحدة بعد أن نفذ الكبريت وفضيت الولاعة!) ص 157.

حتى هناك أسماء ذكرها المبدع طاهر تعلق بها الشباب المصري عبر الشاشة السينمائية والتلفزيونية حتى أصبحت موديلا للتقليد الأعمى في التدخين كرشدي أباظة، أحمد زكي، عمرو دياب، أحمد السقا...

مما يبعث على الدهشة هو الباب الذي يشير إلى الأقنعة التي يتوارى خلفها المصريون في عيون الشباب، وكأن الجميع أصبح يحترف التمثيل في مصر المحروسة حتى أن الكاتب يشير إلى ذلك في قوله: (ينزل المواطن "من دول" إلى الشارع-أيا كانت مهنته أو شخصيته أو وضعه المادي. وهو جاهز لأداء دوره في أي مسرحية تفرضها عليه الظروف، يستخدم الماسك المناسب لدوره والذي يحقق هدفه الأوحد وهو أن تصدقه الجماهير وتتأثر به وتصفق له.. والجمهور عندنا حساس جدا وبيحترم اللي "يثبته" جدا جدا.) ص 177.

في الختام، استطاع المبدع عمر طاهر أن يعبر عن مفارقات في المجتمع المصري أصبحت مرفوضة من جيل الشباب، بل باتت تحرضه بشكل غير مباشر على التمرد وجاءت بلكنة عامية في العموم، لا تخلو من السخرية الممزوجة باليأس والأمل في غد أفضل. 

 

بقلم: عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.........................

 (1) عمر طاهر: شكلها باظت، أطلس للنشر والإنتاج الإعلامي، 2005.

 

 

هايل المذابي: هاجس العودة و الانتقال الزمكاني.. قراءة في قصيدة للشاعرة انتصار مشراح

hayelali almotheabiتقول الشاعرة انتصار حسن مشراح في بيتين من الشعر و هما الفائزين بجائزة كتارا تويتر للشعر الفصيح للعام 2015 :

أيا عمر عد بقديمٍ ذهب

أعد لي دُماي و خيل الخشب

شرائط شعري أعدها إليَّ

أعد للضفائر لون الذهب

الشعر يقتضي تفجر مشاعر و اندياح خيال و من الجميل أن يتخيل الشاعر نفسه ملكاً كل شيء امتداد لذاته حتى الزمن يصبح عجينة يصنع منها ما شاء له و لعل فعل الأمر في صدر البيت الأول من هذين البيتين " عد" يؤكد هذا بل و الأكثر منه التعبير عن الرفض و التمرد على العمر الذي لا يتوقف أو يعيد لنا ما تسلبه السنون من لحظات جميلة و مواقف فرحة، إنها حالة تشبه البكاء على الاطلال في الشعر القديم..

إن العمر و الصحة هما الشيئان اللذان يستحيل تعويضهما أو استردادهما من يد الزمن إذا سرقتهما، إنها قشة الغريق التي يتناجى بها و يواسي نفسه بها في أزمنة الغرق و مدن الغرق، هي حالة رثاء للذات و لعل الكثير مما يطلبه الشاعر أو قليله لا يغير في الأمر شيء لأن المجموع يساوي المستحيل كقول العرب " حتى يؤوب الضب " أو حتى يشيب الغراب أو حتى يشرب الضب دلالة على المستحيل و اللا ممكن..

إن الهوس الذي أصيب به العالم الحديث في ظل الطفرة العظيمة للتكنولوجيا جعلت الأثرياء يبحثون عن أكسير الحياة الذي قد يزيد منه إن لم يكن الخلود هو الهاجس الذي يسكن رأس كل صاحب مال و ترف و لعل صبغات الشعر لمن نالهم الشيب و مظاهر الشباب و الحلم بعودته في عوالم الماكياج لها دلالة عظيمة على ذلك و لا أنسَ الأفلام السينمائية التي تروج لذلك الحلم، حلم الحصول على الاكسير و طول العمر..

ولعل السينما هي أكثر لون فني تناول هذا الموضوع فمثلما انشغل الإنسان بفكرة الطيران كان هاجس اعادة الزمان للوراء حلما لم يراود النساء الراغبات من خلال الماكياج بنظارة أطول فقط و إنما البشر جميعا و قد غازلت السينما فضاء الزمان في اكثر من فيلم استدعت فكرة «آلة الزمن» المستقبلية أو بالعودة للخلف والماضي ثم الانتقال للحاضر، أو حتى بالانتقال الزمكاني كما تجسد مثلاً في فيلم الأوحد the one  و فيلم الشاطئ THE BEACH أو فيلم فورست غامب و مسلسل fring و حتى نظريات العلماء كانت في بعض أطيافها تطمح لذلك فنظرية النسبية لإينشتاين تنبأت بالثقوب الدودية و الإنتقال الزمكاني و الأكوان المتعددة مستلهمة من كتاب للإطفال لأحد الكتاب و يدعى دود جسون و سميت النظرية باسمه و قد قال أحد العلماء أن السحر علم المستقبل و عودة الزمن و الانتقال الزمكاني هو ضربٌ من السحر كما يراه العالم لكن سيصبح في المستقبل علماً و قد ألف كتاب عرب روايات و قصص تعبر عن هذا الشغف و اعتبروا ذلك نبوءة بالمستقبل و ما سيؤول إليه و منهم سناء الشعلان في روايتها "أعشقني".

و كنموذج لذلك أيضاً نجد فيلم " الحالة الغريبة لبنجامين بوتن " الذي تجسد من رواية لمؤلفها: سكوت فيتسجيرالد F. Scott Fitzgerald إلى فيلم سينمائي يعلم الكثير من الدروس الفلسفية والوجودية و بخاصة تقبل الحياة بدون الاحساس بالوقت فيها ناهيك عن انه مدرسة حتى في الإكسسورات التي لا نعطيها حقها في العالم العربي عامة بمعنى اننا غالبا ما نكتفي بالحديث عن الزمن ولا نراعي ما حاوله ومشتقاته كالملابس والأزياء التي تذكرها الشاعرة في البيتين بل إنها إحالة عظيمة يمكن أن نعتبرها رابطاً يجعلنا نتخيل مشهداً بأكمله بل حياة بأكملها.

إنها حالة رفض تعيد ترتيب الزمان و المكان وفقاً لما نحب أن تكون عليه حياتنا تشبه الحديث عن الحياة الثانية التي يروج لها فضاء الانترنت بما فيه من عوالم افتراضية..

  

بقلم / هايل المذابي 

 

عبد القادر كعبان: قراءة في قصة: الزوجان في الصورة لمحمد بونيل

abdulkadir kabanينطلق المبدع الجزائري محمد بونيل في نسج قصصه من منطلق تجربته الخاصة في مجال الفن الثامن أو كما يعرفه الجميع بالتصوير الفوتوغرافي، حيث نقرأ له قصة جديدة تحت عنوان "الزوجان في الصورة" جاءت متبوعة بعنوان فرعي "نظرة، فإبتسامة، فموعد، فلقاء"، حيث اختبأ بحنكة خلف شخصية ذلك الشاب الوسيم الذي تستهويه الصورة الفوتوغرافية ليسرد لنا لقاءه الغير المنتظر بذلك الرجل السبعيني الذي ترك بلده الجزائر لظروف قاهرة ليجد نفسه في فرنسا، وكيف التقى فارسة أحلامه كما يقول الكاتب التي تعشق الفن التشكيلي بدورها، حيث نقرأ على لسان السارد ما يلي: (...تعرف عليها من خلال أول معرض جماعي لها شاركت فيه، حيث أقيم في مدينتها المتواجدة بجوار العاصمة، إذ كانت تقطن فيها رفقة والديها في مرحلة عزوبيتها، كما تملك لها حاليا منزلا فيها، إندرجت مشاركتها ضمن فعاليات ونشاطات ثقافية إذ حدث ذلك منذ ما يزيد عن الأربعين سنة التي خلت...).

جمع الحب ولا يزال كذلك بين الرجل السبعيني وزوجته حيث رزقا بأبناء وبأحفاد أيضا، وهي حالة نادرة في مجتمعنا العربي اليوم لكثرة الطلاق وظاهرة الخلع للأسف الشديد، ذلك لأن الحب منبع الحياة الذي يخلق الانسجام والترابط الأسري: (...منذ اللقاء الأول بها أصابت سهام الحب قلب كل منا، فتكلل ذلك بلقاء ثاني، وها نحن اليوم -زوجان- رزقنا بأبناء هؤولاء بدورهم تزوجوا وأنجبوا لنا أحفادا وحفيدات بعضهم من يشتغل في أوروبا، تحديدا في فرنسا وبريطانيا وفيه من هو مهاجر مقيم بأمريكا...).

يشير القاص محمد بونيل فيما سبق على أن تلك العلاقة الزوجية الحميمة استمرت رغم مرور تلك السنوات، وذلك راجع على ما يبدو للتعامل الهادئ بينهما، والمشاعر الحنونة كما كان يفعلها رسولنا صلى الله عليه وسلم في تدليل زوجاته أمهات المؤمنين ومغازلتهن، كان يمارس أروع طرق الرومانسية الناضجة، التي كم نحن بحاجة إليها في عصر السرعة اليوم. 

يتتبع القاص سرد قصة ذلك المصور الفوتوغرافي ولقاءه بذلك الرجل السبعيني الذي يقرر فجأة أن يصبح صديقا له، ولذلك طلب رقم هاتفه قبل مغادرته ذلك المقهى الذي جمعهما صدفة كما نقرأ ذلك في المشهد السردي الموالي: (...فأشار إليه الرجل السبعيني أن يتمهل لبعض الشيء كي يعطيه أرقام هاتفه، المحلي ثم الدولي هناك بفرنسا، فكان له ذلك و من جانبه أعطاه الشاب المصور الفوتوغرافي رقم هاتف جواله فدونه عنده...).

وكأن هذا اللقاء بؤرة مركزية استعان بها بونيل كي تجتمع فيها خيوط سرد حكاية مستقبل بطلنا الوسيم بعد تعرفه على ذلك الرجل المغترب.

يتنامى الحدث القصصي بعد تلك المكالمة الهاتفية المفاجأة التي يتلقاها ذلك الشاب المصور الفوتوغرافي لتستثير ذهن القارئ كي يواصل القراءة ليكتشف خباياها حتى النهاية.

ولقد رصد لنا القاص لحظة زيارة الشاب المصور الفوتوغرافي للمعرض الذي أقامته الفنانة التشكيلية -زوجة الرجل السبعيني- وهذه المرة ليقوم بتغطية فوتوغرافية كما عرض عليه ذلك، لكن كان شرطه الوحيد أن لا يتقاضى أجرا مقابل ما سيفعله: (...بعد دردشة إستمرت لبضع الوقت إستسمحها المصور الشاب كي يبدأ في العمل و تغطيته الفوتوغرافية لموضوع المعرض المقام على شرف الفنانة التشكيلية، فكان من حين لآخر يلتقط لهما أو لوحدها صورا مع مجمل لوحاتها التشكيلية، الموزعة بتسلسل و إنتظام على جدران بهو الفضاء الفني و أحيانا أخرى مع معجبي و محبي هذا الفن...).

ينتقل السارد بعد ذلك المشهد ليصف لنا أجواء المعرض بكل تفاصيله الصغيرة وبلوحاته التشكيلية، ليتخيل القارئ نفسه زائرا هو الآخر يقف شاخصا بنظره إليها: (...تطرقت إلى المرأة و الرجل في لوحة بعنوان – اتفاق الزوجان - الورود الحمراء التي تعبر في عالم الرومانسية عن الحب، العشق و الغيرة على الآخر مجسدة هي الآخرى من خلال لوحة فنية تعكس مشهدا جميلا لباقة من الورود تكتسي ألوانا مثل الأصفر و اللون الوردي الذي يعبر عن الإحساس بالغيرة ليس "منه بل عليه" هذا في مفهموم الفنانة التشكيلية...).

في الختام، لقد استعان محمد بونيل بفضاء مكاني يرتاده الكثيرون كالمقهى وكذا أجواء المعرض وسط أجواء مدينة الجزائر العاصمة، ليعكس فضاء نفسيا لأهل الفن عموما وبخاصة الفوتوغرافي والتشكيلي، امتلكه السارد ببراعة بل وجعله تحت تصرف شخصيات هذه القصة مفجرا أحاسيسه الفنية دون منازع.

 

بقلم عبد القادر كعبان