المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

استطيقا الامتصاص والتحويل في الرواية العربية .. اللص والكلاب لنجيب محفوظ نموذجا

مقدمة: إن الإبداع الأدبي بصوره التَّعَاقُدِية ليس تَرِكَة لمبدعه، بل هو من مُمْتلكات التاريخ الأدبي بنصوصه وأعلامه، فالأديب ليس مبدعا بالمعنى الصناعي لأن الإبداع، بما هو إنشاء أدبي على غير مثال أدبي سابق، لا يتحقق إلا بالقوة، في حين أن وجوده بالفعل يبقى مرجأ إلى سجلات المستقبل، وبهذا لا تكون الإبداعية خصيصة الأدب لأن منتجه يُوَّلد منتوجه الأدبي بآليتين، تتجلى إحداهما في الامتصاص بما هو استبطان النص – الحاضر للنص – الغائب باعتباره المستودع الذي يحتضن الأفكار والأساليب التي تخترق أجواز المجالين الزماني والمكاني، وتتمثل الأخرى في التحويل بما هو تنضيد لهذا الإرث الأدبي وترصيص لجواهره في ديباجة جديدة، وبهذا تكون التوليدية خصيصة الأدب، فالإبداع في المجال الأدبي لا يعدو أن يكون، في رأي بارت، وَهْما لأن الفعل الأدبي فعل توليدي يتداخل في إنجازه فاعلان؛ أحدهما متوارِ وهو الذاكرة القرائية بعامة والإرث الأدبي بمعانيه وأساليبه بخاصة، والآخر بارز وهو الأديب الذي يُؤلِّف بين ألوان هذا الإرث لتَتَمَشْهد في صورة جديدة، ويُنشط ذاكرته القرائية التي تتداعى تراكماتها الكمية والكيفية في مسطوره الأدبي لتتمظهر في مولود إبداعي متعدد الأنساب والجذور الأدبية.

تنشغل هذه السطور برواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ التي صدرت في ستينات القرن الماضي، ويمثل هذا الكائن الروائي، بإجماع النقاد، المرحلة الثالثة من التجربة الروائية المحفوظية التي توارد على التوالي المرحلتين التاريخية والواقعية، وقد اصطلح على هذه المرحلة بمرحلة الواقعية الرمزية. وتعتبر هذه المرحلة في التِّرحال الروائي عبر العوالم السردية المحفوظية امتدادا للمرحلة الواقعية في اختزان المَنْسُوج الروائي لهموم الفرد والجماعة وطموحاتهما المستقبلية، وفي احتضانه للهامش بأزماته المادية وتناقضاته النفسية، لكن النَّجيب في هذه المرحلة قد شكل هذه التيمات في بنية سردية تقوم على تعدد الأصوات وتداخل الأزمنة وتفاعل الأحداث، كما صاغ عوالم المهمشين ومأساة المعذبين بلغة رمزية تقوم على التكثيف والإيحاء والغموض.

ولا تنشغل هذه السطور على " اللص والكلاب" بغاية استكناه وظائفه واستيعاب خطابه في إطار المقاربة البنيوية لهذا المنحوت الروائي لأن هناك تراكما كميا في هذا الإطار، بل تتغيا هذه السطور استكناه النصوص الغائبة واستكشاف الأرواح الأدبية التي تتوارى في البنية العميقة لهذا المكتوب الروائي لأن للنص الأدبي بعامة وللنص الروائي بخاصة ذاكرة أدبية. إن هذه المقاربة لَحَفْرٌ في ذاكرة "اللص والكلاب" لاستظهار ما يمتصه هذا المصنوع الروائي من مواد فكرية وأدبية، وما يستبطنه من كينونات إبداعية قديمة وحديثة، وما يستعيده من أرواح وأنساب إبداعية في إطار تفاعل اللاَّحق الروائي بالسَّابق الإبداعي.

 

غرامشي في الحارة: المثقف العضوي المثقف المدجن

لا ينكتم على العقل القرائي في الجغرافيا العربية أن التوجه التعليمي للنَّجيب ارتبط بالمجال الفلسفي غير أن موهبته لم تنكتب إلا في المجال الروائي، وقد احتار النَّجيب في الاختيار بين لذة التفكير الفلسفي ومتعة التخييل الروائي، وتتمظهر هذه الحيرة في قوله " كنت أمسك بيد كتابا في الفلسفة وفي اليد الأخرى قصة طويلة من قصص توفيق الحكيم أو يحي حقي أو طه حسين، وكانت المذاهب الفلسفية تقتحم ذهني، في نفس الوقت الذي يدخل فيها أبطال القصص من الجانب الآخر، ووجدت نفسي في صراع رهيب بين الأدب والفلسفة"، ويكتشف المتأمل في هذا الأثر النصي أن النَّجيب قد تعمق في تاريخ الفلسفة باستكناه مفاهيم هذا الحقل واستبطان مذاهبه واختبار أدواته ومعايشة أعلامه وتلقي مصنَّفاته. إن للنَّجيب ذاكرة فلسفية تختزن المقروء الفلسفي، وما من شك في أن هذا المنبع اليانع لا بد أن يروي أدبه بأن تتداعى مكوناته في المسطور الروائي من خلال اتخاذ كواليسه حيزا للاشتغال والتوجيه دون أن تنبجس على الركح الروائي.

تستعيد "اللص والكلاب" المنتوج الفلسفي لأنطونيو غرامشي بعامة وأطروحته في الثقافة والمثقف بخاصة. والحق أن هذا الإبداع الروائي ما هو إلا صياغة روائية، بما هي فن الفعل والحركة، لدفاتر السجن لأنطونيو غرامشي بما هو إبداع نصي يتواشج في متنه الفلسفي بالأدبي والألم بالأمل والكائن، بما هو بؤرة للاستبداد والاستغلال والطبقية، بالممكن بما هو بؤرة للعدالة والحرية والمساواة.

تقدم السرديات الحديثة تَوصِيفَين للرواية، فإذا كان الإبداع الروائي يتمحور حول الحدث فإن هذا الإبداع يوصف برواية الحدث، أما إذا كان المنتوج الروائي يتمحور حول الشخصية فإن هذا المنتوج يوصف برواية الشخصية. إن قراءة عالمة للنص الروائي المحفوظي، موضوع المقاربة، لتؤكد أن هذا النص لا ينسحب عليه هذين التوصيفين مما يدل على أن هذا المبدع قد افترع جمالية جديدة في الكتابة الروائية تنزاح عن المعهود الجمالي والتقليد الأسلوبي في الإبداع الروائي، ولعل ذلك مِمَّا يحفز على استحداث توصيف جديد يميز هذا العمل الروائي عن غيره من الأعمال الروائية الأخرى. وقد يكون التَّوصيف السردي الذي يستوعب جمالية هذا النص الروائي وتميَّزه الأسلوبي وجِدَّة اتجاهه الروائي هو الرواية الأطروحة لأن هذا العمل الروائي يتمحور حول أطروحة التغيير بما هو إحياء للإنسان الذي يتضوع منه الموت وبعث للمجتمع الذي يتضرج عذابا، فهذا المنتوج الروائي مناظرة فكرية حول ممكنات التغيير وآلياته غير أنه مناظرة جديدة تنبني على الفعل والفعل المضاد وليست مناظرة تقليدية تتأسس على الموقف والموقف المضاد.

يقدم النَّجيب في هذا المنتوج الروائي نموذجين للمثقف، يتجلى أحدهما في المثقف المُدَجَّن بما هو مثقف عَدَّل إِحْدَاِثيَّته الفكرية وغيَّر انتماءه الطبقي والمذهبي، ويتمثل الآخر في المثقف العضوي بما هو مثقف مخلص لتربيته الفكرية ومثقف وَفِيٌّ لمذهبه الإيديولوجي. ويمثل النموذج الأول في هذا المتن الحكائي رؤوف علوان الذي تَمَشْهَدَ في صورتين متناقضتين فكريا وعقائديا واجتماعيا، فقد كان رؤوف علوان صوت المظلومين ولسان الحقيقة وضمير الإنسانية، كما اضطلع بدوره كمثقف في المجتمع، ويتضح ذلك في ثلاثة مستويات، يتجلى المستوى الأول في إنتاج الفكر من خلال بلورة تصور جديد يعتبر السرقة فعلا مشروعا وعملا نضاليا، وقد قَيَّد ذلك بقيدين؛ أولهما أن يستهدف هذا الفعل الكُتلة المُهَيمِنة، وثانيهما أن توزع غنائمه على الكتلة المُضْطَهَدة. ويتمثل المستوى الثاني في الميل إلى الجماهير الشعبية من خلال استنبات الوعي الصحيح واجتثاث الوعي الزائف، فقد علَّم رؤوف علوان سعيد مهران مبادئ الاشتراكية وأصول الكفاح وسبل المُمَانعة، كما غرس في تلميذه هاجس التغيير باعتباره حاجة مجتمعية مستعجلة. ويتجلى المستوى الثالث في الاحتجاج العقلاني على الكتلة المهيمِنة، ويظهر ذلك في تحفيزه سعيد مهران على الإغارة على هذه الكتلة بما هي جَسُّ للحصون ومنورات استشرافية لثورة عبيد الحقبة الحديثة. ويرسم هذا التوصيف السردي صورة لرؤوف علوان الذي يرأف على أبناء طبقته المضطهدة ليعلو بالإنسان المعذب من دركات المعاناة والشقاء إلى درجات الكرامة والمساوة " رؤوف علوان... الطالب الثائر. الثورة في شكل طالب... عن الأمراء والباشوات تتكلم. وبقوة السحر استحال السادة لصوصا. وصورتك لا تنسى وأنت تمشي وسط أقرانك في المديرية بالجلابيب الفضفاضة وتمصون القصب... وكان الزمان ممن يسمعون لك. الشعب.. السرقة.. النار المقدسة.. الثروة.. الجوع.. العدالة المذهلة " (1).

إن القارئ الفِتِيشِي لهذا العمل الروائي لا بد وأن يتوقع أن هذه الشخصية قد تنشغل بالآخر المُغيَّب وبمشروع التغيير المجتمعي حتى تتحقق العدالة الاجتماعية وتتوفر عوامل الحياة الكريمة للأفراد، لكن أفقه القرائي ينخرق باكتشافه أن رؤوف علوان قد تزيا بأخلاق جديدة ومبادئ هجينة، فقد أصبح، بتعبير غرامشي، موظفا لدى الكتلة المهيمِنة وخبيرا في إضفاء الشرعية على ممارسات الإقطاعيين الجدد مما مكنه من تحقيق مكتسبات مادية (قصر وسيارة فارهة) ومعنوية (الشهرة والنجاح الاجتماعيين). ويعكس هذا التوصيف السردي صورة رؤوف علوان الذي خان ذاته وطبقته " هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب. أما الآخر فقد مضى كأمس أو كأول يوم في التاريخ... ترى أتقر بالخيانة ولو بينك وبين نفسك أم خدعتها كما تحاول خداع الآخرين؟، ألا يستيقظ ضميرك ولو في الظلام؟، أود أن أنفذ إلى ذاتك كما نفذت التحف والمرايا إلى بيتك، ولكنني لن أجد إلا الخيانة" (2). والحاصل أن رؤوف علوان قد تمكنت الكتلة المهيمِنة من تدجينه بأن أصبح، بتعبير بول نيزان، كلبا يحرس مملكة الإقطاعيين الجدد بما هي بؤرة للثروة والسلطة والاستغلال.

ويعتبر سعيد مهران في هذا العمل الروائي نموذجا للمثقف العضوي " أنا مثقف، وتلميذ قديم لك، قرأت تلالا من الكتب" (3). ويتضح ذلك في ثلاثة مستويات، يتجلى المستوى الأول في أن هذه الشخصية تنتصر للطبقة الاجتماعية الدنيا، والدليل على ذلك خوضه حروبا ضد الكتلة المهيمِنة لعيون الكتلة المضطهَدة بالإضافة إلى توزيع غنائمه على مكونات هذه الكتلة، فالسرقة، من منظوره، فعل نضالي يعيد عن طريقه توزيع الثروات بشكل عادل على أفراد المجتمع " هل امتدت يدك إلى السرقة؟ برافو، كي يتخفف المغتصبون من بعض ذنبهم، إنه عمل مشروع يا سعيد، لا تشك في ذلك. وشهد هذا الخلاء مهاراتك (4). ويتمثل المستوى الثاني في انخراط هذه الشخصية في قضايا المجتمع من خلال العمل على تغيير الواقع الاجتماعي، فسعيد مهران يحمل رؤية إصلاحية تمكن من بلوغ العدالة الاجتماعية وتحقيق الإقلاع الحضاري، وتتأسس هذه الرؤية على أدبيات الفكر الاشتراكي "وذات مساء سألك: سعيد ماذا يحتاج المرء في هذا الوطن... إلى المسدس والكتاب، المسدس يتكفل بالماضي والكتاب بالمستقبل" (5). ويتضح المستوى الثالث في دفاع هذه الشخصية على النسق القيمي الكوني كالكرامة والعدالة والوفاء، ومحاربته للنسق القيمي البراغماتي كالانتهازية والخيانة والاستلاب " وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا، آن للغضب أن ينفجر ويحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها القديمة " (6). إن سعيد مهران في هذا العمل الروائي لصوت المظلومين في زمن عزَّ فيه العدل الاجتماعي ولَمُفجِّر الثورة في زمن عزَّ فيه الثوار ولضمير الإنسانية في زمن عزَّ فيه الإنسِيُّون.

إن النَّجيب في هذا العمل الروائي قد اختبر التصور الغرامشِيِّ في الثقافة والمثقف بنقله من الميدان الفلسفي بما هو فضاء للموقف والموقف المضاد إلى المجال الروائي بما هو فضاء للفعل والفعل المضاد، وقد حقق بذلك النَّجيب لهذا التصور الآنية والمعايشة، كما جعله، بهذه الصيغة الروائية، يخترق مجالات جديدة مما يبرهن على أنه تصور كوني. ويؤكد، كذلك، النجيب بهذا المنتوج الروائي أن المعطى الفلسفي لا يؤطر العلوم فحسب، بل يمكنه أن يؤطر، كذلك، الفنون الإبداعية من شعر ومسرح ورواية.

 

شهريار في الحارة: الخيانة الانتقام التطهير

إن قصة "ألف ليلة وليلة" نموذج للمسرود القديم، وقد اغتربت هذه التُّحفة الحكائية في الجغرافيا العربية لردح طويل من الزمن لانكتاب أحكام انطباعية حول هذا الكتاب غير المُعَلَّم، فقد وصفه ابن النديم في الفهرست بأنه "كتاب غث، بارد الحديث" مما عرَّضَه للحِصَار الأدبي والهَجْر القِرَائي، ولم تستكنه قيمته الفنية إلا في جغرافيا الآخر الذي انشغل بهذا الأثر الأدبي من خلال استثمار مخزونه التعبيري وطاقاته الفنية في المكتوب الأدبي بشقيه الشعري والروائي، فقد استحال منبعا يانعا للإلهام الفني لرموز الأدب الغربي كجيمس جويس ومارسيل بروست وخورخي لويس بورخيس. إن هذا التِّرحال إلى عوالم الآخر قد سَلَّط الاهتمام على اللَّيالي في الجغرافيا العربية، فقد رسم هذا الكتاب أفقا جديدا للأدب العربي الحديث بتحوله إلى ينبوع للوحي الفني لرموز هذا الأدب كتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم كثير.

تستعيد "اللص والكلاب" روح الليالي (ألف ليلة وليلة)، فالليالي تُؤَطِّر من حيث النواة الروائية هذا المنتوج المحفوظي الذي يأخذ مسارات سردية ويشهد إبدالات حكائية لا تصدع هذه النواة، ليكون بذلك نجيب محفوظ قد بعث الليالي بنص روائي يحتذي في بنيته الروائية النموذج الحكائي القديم. والحق أن هذا العمل الروائي لمُعَارَضَة روائية لكينونة اللَّيالي، وقد نسخ النَّجيب هذه الروح لتخترق أجواز انوجداها الزماني والمكاني.

ويعتبر سعيد مهران شهريار هذا الصوغ الروائي، فقد تعرض، كما شهريار، للخيانة الزوجية بما هي إخلال بِصَكِّ عشق قديم، وبما هي، كذلك، انكتاب لعقد حب جديد. فزوجته (نبوية) لم تخنه إلا مع خادمه (عليش) الذي كان يلبي باسمه في استعادة لمشهد الخيانة في بلاط شهريار" وسيقف عما قريب أمام الجميع متحديا. آن للغضب أن ينفجر وأن يحرق، وللخونة أن ييأسوا حتى الموت، وللخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة. نبوية عليش، كيف انقلب الاسمان اسما واحدا"(7). لتكون، بذلك، الخيانة قدرا في لوح شهريار، وبما أن سعيد مهران يستنسخ روحه، بإرادة من النَّجيب، فإن الخيانة لا تعدو أن تكون من نتائج التاريخ الذي يعيد نفسه. ويَتَمَشْهَدُ التناسخ، بما هو حياة سعيد مهران لحياة شهريار، على مستوى الاستجابة للمثير السلوكي (الخيانة)، فقد استجاب سعيد مهران لهذا المثير استجابة شَهْرَيَاِريَّةً من خلال الانتقام من النماذج الإنسانية التي تَدِينُ بِدينِ الخيانة كنبوية وعليش ورؤوف علوان "قمة النَّجاح أن يقتلا معا، نبوية وعليش. وما فوق ذلك يصفي الحساب مع رؤوف علوان"(8). وتعد نور شهرزاد هذا الكائن الروائي، وتحاول، كما شهرزاد، أَسْلَمَةَ سعيد شهريار بما هو كبح لرغبة الانتقام المتقدة وتعطيل لفعالية القتل المتوهجة في هذا الهُو. وانزاحت نور عن التقليد الشَّهْرَزَادِيِّ في هذا المشروع الإِنْسِيِّ، فقد آثرت الحب على الحكي لتبيد غريزة حب القتل في سعيد شهريار "فقالت ضاحكة (نور) وكأنها وثقت من امتلاكه إلى الأبد: أحطُّك في عيني واكحل عليك" (9)، غير أن هذا السبيل لم تتمظهر أهدافه النبيلة على صعيد السلوك المَهْرانِيِّ، فسعيد مهران واصل مخططه الانتقامي حتى استسلامه "وواصل إطلاق النَّار في جميع الجهات... وأخيرا لم يجد بدا من الاستسلام، فاستسلم بلا مبالاة" (10)، بخلاف شهرزاد التي طَهَّرت شهريار من رغبة القتل وغريزة الانتقام، فقد تطَبَّعَ على السلم والأمن، كما تبدَّلت نظرته للمرأة التي لم تعد معادلا موضوعيا للخيانة بل أصبحت، بإرادة شهرزاد، معادلا موضوعيا للحب والمودة.

إن النَّجيب بعث في هذا العمل الروائي روح الليالي بأبعادها الثلاثة، ويتجلى أولهما في الخيانة بما هي تلويث للعلاقة الزوجية، ويتمثل ثانيهما في الانتقام بما هو استجابة سلوكية للمثير الخيانة، ويتجسد الآخر في التطهير بما هو تبطيل لفعالية القتل في الذات شهريار) التي تولد من جديد. إن المشهد الاستهلالي لليالي مشهد تراجيدي غير أن المشهد الختامي قد تزيا بألوان السعادة، وقد استنسخ النَّجيب المشهد الافتتاحي في مفاصله الكبرى الخيانة الانتقام التطهير)، ولا ريب أن القارئ قد رسم، وهو يمسح هذا النص الروائي ببصره، نهاية سعيدة، على غرار نهاية الليالي، لأحداث هذا العمل الروائي غير أن أفقه القرائي ينخرق لأن النَّجيب ابتدع مشهدا مأسويا ليكون قفلا لهذا المتن الحكائي، ليكون بذلك النَّجيب قد برهن على أن اللَّيالي روح يانعة تستطيع أن تتمظهر في أجناس جديدة تحيا بها مما يعطي لهذا الكتاب غير المُعلَّم حيوات متعددة.

 

اتجاه أَمْ اتجاهات

إن رواية اللص والكلاب رواية تسجيلية بتصوير هذا النص الروائي، بالعبارة الحمَّالة للأوجه الدلالية، التفاصيل الدقيقة من الحياة المصرية في أبعادها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية باعتبارها عَلَماً على الحيوات العربية في مجالات أخرى. ويُحَاول هذا المنتوج الروائي الأعمال الروائية الواقعية باختزانه للهامش بوصفه بؤرة للفقر والأمية والاضطهاد في صراعه التاريخي مع القُطر بوصفه بؤرة للسلطة والثروة والاستغلال، لكن هذا العمل الروائي ينْماز عن شَبَهِه في الاشتغال الروائي بمَشْهَدَةِ الصراع الاجتماعي بين الكتلة المُستَغِلَّة والكتلة المُسْتَغَلَّة في شكل روائي ينبني على الإيجاز والإشارة والرمز في تمرد معلن على أدبيات الكتابة الروائية الواقعية التي تتأسس على التفصيل والتدقيق والتصريح. وقد استطاع النَّجيب بهذا الاشتغال الروائي افتراع جمالية جديدة في الرواية الواقعية تستلهم من الواقعية التسجيلية وتؤسس للواقعية الرمزية. ولم يضطلع النَّجيب في هذا النص الروائي بوظيفة المسجل بما هي نقل أمين للواقع الاجتماعي في تمَوُّجاته فحسب، بل اضطلع، كذلك، بوظيفة الناقد بما هي احتجاج عقلاني على هذا الواقع الذي يستعيد الأُولِيغَارشِيَة البائدة، وبهذا يكون هذا المنتوج الروائي نموذجا للرواية النقدية الاحتجاجية. ولا ريب أن هذا العمل الروائي نشاط غَائِيٌّ يسعى من خلاله النَّجيب إلى تغيير واقعه الاجتماعي المهترئ، ويحمل سعيد مهران، باعتباره صوت النَّجيب في هذا النص الروائي، رؤية إصلاحية لأزمات المجتمع المصري باعتباره جزءا أريد به الكُلُّ العربي، ولا ينكتم على القارئ الفِتِيشِيِّ أن هذه الرؤية الإصلاحية ترتكز على المرجعية الاشتراكية بما هي قوة فاعلة لبلوغ العدالة الاجتماعية وتحقيق الحياة الكريمة، وبهذا يكون هذا العمل الروائي نموذجا للرواية الاشتراكية.

إن النَّجيب قارئ خبير بالفلسفة في أصولها وامتداداتها، وهذا التراكم الكمي لا بد وأن تنعكس ظلاله على مدونته الروائية، ويتمظهر هذا الانعكاس في روايته "اللص والكلاب" التي تستعيد بالفعل والحركة أطروحة غرامشي في الثقافة والمثقف، فدفاتر السجن لأنطونيو غرامشي نص مرجعي يؤطر هذا العمل الروائي. وقد أضفى النَّجيب على هذه الأطروحة بعدا دراميا باختلاق وقائع وشخصيات تنزل الفكرة الفلسفية منزلة الواقعة اليومية. والحق أن هذا المنتوج الروائي لنموذج للرواية الفلسفية باختزانها لفكر غرامشي واختباره روائيا. ويحاور النَّجيب، كذلك، في هذا العمل الروائي المدونة السردية العربية القديمة بعامة واللَّيالي بخاصة من خلال استعادة كينونة الليالي ومفاصلها الكبرى (الخيانة الانتقام التَّطهير) في شكل روائي حَيَّن اللَّيالي وبعث هذا الكتاب المرجعي في السرديات التراثية، وبرهن النَّجيب من خلال هذا الاشتغال الروائي أن التراث السردي ينبوع خصب يمكنه أن يروي الأدب العربي بأجناسه الجديدة في رحلته الشاقة نحو تأصيله.

والحصيلة أن "اللص والكلاب" صوغ روائي يتواشج في متنه المنجز السردي القديم والمنجز الفلسفي الحديث، ويتراص في داخله الواقع والحلم والكائن والممكن. وينشغل هذا الكائن الروائي بالتصوير من خلال التقاط مشاهد من الحياة الواقعية تلخص أزمات المجتمع وتناقضاته، وبالنقد من خلال الاحتجاج العقلاني على الكائن المجتمعي الذي يزدان بألوان العذاب والمأساة كخطوة ضرورية لاستشراف ممكن مجتمعي مشرق.

 

خاتمة

إن " للص والكلاب" بنيتان؛ إحداهما سطحية تختزن آلام الفرد وآماله في بنية اجتماعية متلونة طبقيا وأخلاقيا، والأخرى عميقة تحتضن نصوصا غائبة من مشارب متنوعة مَجَالِياً وزمنيا، وما البينة السطحية لهذا الصوغ الروائي إلا تحويل للبنية العميقة التي تختزن ما امتصه النّجيب في احتكاكه الطويل بالتراث السردي، وتقبله العَالِم للمنجز الفلسفي، وتأمله النقدي للواقع الاجتماعي، وأمله الراسخ في ممكن مشرق. ولا أظن، والتوصيف لجابر عصفور، أن أديبا عربيا في العصر الحاضر شغل عقلنا الأدبي مثلما شغله نجيب محفوظ، فعالمه الروائي، بمستوياته المتعددة وعلاقته المعقدة ورموزه المراوغة، يثير جدلا لا ينتهي، ويطرح مشكلات لا تحد، ويغذي جهدا نقديا لا يتوقف في الكشف عن عناصر هذا العالم.

 

محمد الساهل

.......................

(1) اللص والكلاب، نجيب محفوظ، دار الشروق القاهرة 2006، ص 98 99

(2) م. ن ص 37

(3) م. ن ص 31

(4) م. ن ص 48

(5) م. ن ص 142 143

(6) م. ن ص 1

(7) م. ن ص 1

(8) م. ن ص 59

(9) م. ن ص 75

 

كمال الحرّية شرط لكمال الحبّ وكمال الإنسان

madona askarقراءة في قصيدة (بكامل حريتي- جيهان الببلاوي- مصر)

- النّص:

بكامل حرّيتي... أحببتك

بكامل حرّيتي... اخترتك

وبكامل حرّيتي... ابتعدت ...

مثل حصان جامح لم يعد محتاجاً إلى سيّده

تمرّدت...

مثل البحر الهائج فى أوج الشّتاء

أو عواصف الرّمال فى الصّحراء الجرداء

نسيتك...

أو تناسيتك...

تماماً مثل بطرس وأنت تنظر فى عينيه

أهنتك...عيّرتك... حتّى إنّى قد صلبتك...

ومثل بطرس وبكامل حرّيتي... ندمت

ارتميت فى حضنك...

بكامل حرّيتي...صرخت... اغفر لي

بكامل حرّيتي... غمرتني... سامحتني

بكامل حرّيتي... أريدك أن تسبيني بحبك

بكامل حرّيتي...أريد أن أكون حبيسة حبك

بكامل حرّيتي...أنت سيدي وأنا أمتك

بكامل حرّيتي... أنا سجينة محبّتك

بكامل حرّيتي... تفك أسري... تطلق قيودي

بكامل حرّيتي... أنت حرّيتي...

 

- القراءة:

1) بكامل حرّيتي...

هذا العنوان واللّازمة المتواترة هو المكوّن الدّلاليّ والإيقاعيّ المحوريّ لهذا النّص الابتهاليّ. وهو، أي العنوان، محدّد للموضوع، مدار التّجربة والإرادة والبحث، الّذي في سبيله جعلت المتكلّمة حياتها، تاريخها، مختزلاً في هذه الحركة، أي حركة السّعي إلى بلوغ المرام بالتّماهي بينها وبين المخاطب الإلهيّ. لذلك نجد أنّ الحرّيّة هي القيمة المركزيّة في هذا الخطاب، وهي الغاية والصّنو المثاليّ والأمثل للرّبّ، وهي التّحقّق المفهوميّ له في العالم (أنت حرّيتي..).

وهي أيضاً الحال الّتي لا بدّ منها ليكون المرء قادراً على بلوغ هذه الرّتبة، والشّرط الأوّلي والمبدئيّ للانخراط والخروج في مسيرة طويلة شاقة تفضي، أو لا تفضي، إلى التماهي مع المحبوب الإلهيّ.

لذلك تقترن هذه القيمة مقوليّاً (ثنائيّاً) بسلسلة من القيم والمعاني الأخرى، منها ما هو عرضيّ ومنها ما هو جوهريّ. من ذلك:

• مقولة الحرّية والعبوديّة (وهي أمّ المقولات والثنائيّات المنتجة للدلّالة في الخطاب..)

• مقولة الحرّية والحبّ (انطلاقاً من مبدإ كن حرّا لتحبّ..)

• مقولة الحرّية والاختيار (تجربة الحبّ الإلهي تجربة ذاتية لا تجربة ثقافيّة أخلاقيّة تربويّة..)

• مقولة الحرّية والتّمرّد (تجربة المعصية والإثم شرط للتّطهّر والتّهيّؤ للّقاء العظيم..)

• مقولة الحرّية والكفر (النسيان للوعي بالحضور شرطاَ للوجود الحقّ..)

• مقولة الحرّية والنّدم (تجربة الألم تحرّراً من الكبرياء والصّلف..)

• تجربة الحرّية والسّجن (من سجن العالم إلى سجن الرّب الحبّ..)

• مقولة الحريّة والحرّيّة (التّحرر من الضّدّيّة والتفكير الثّنائيّ في كنف التماهي بالقيمة المطلقة أو قيمة القيم: الله الحبّ.).

 

2) الحرية، بين نظام قيم الذّات وقيم العالم.

ينبني الخطاب على وجهة نظر قلبيّة إيمانيّة قيميّة فريدة متميّزة في ذاتيّتها وخصوصيّتها

وهي وجهة نظر مؤلّفة بين جملة من القيم الّتي تبدو متباعدة ومقتطفة من مجالات وجود منفصلة، إلاّ أنّ رؤية المتكلّمة جمعت بينها وصهرتها في سياق فكريّ روحي متجانس المكوّنات.

لذلك يبدو في الخطاب صوت للحريّة مقابل صوت للعبوديّة، يحاوره وينازله وينفيه ليكون بدلاً عنه، في تشكيل صورة الإنسان كما ينبغي أن تكون ويكون..

والكينونة الإنسانيّة بهذا المعنى تتحدّد حرّيّة من حيث شرط الوجود والفعل. وتطلب المتكلّمة في ذلك مطلق الحرّيّة وكمالها. وهذا وجه من وجوه الحوار والتّفاعل من أجل تنزيل وجهة نظر الذات المتكلّمة منزلتها من العالم. فإن كانت الحرّيّة هي أن يكون الإنسان علّة مطلقة لأعماله، نافية لما عداها من العلل والسلطات الخارجيّة، فإنّ هذه العلّيّة الذّاتيّة مطلوبة باعتبارها مبدأ مطلقاً كاملاً بلا نقص ولا نسبيّة، أي نفياً كاملاً لنقيضها، وهو العبوديّة، باعتبارها خضوعاً لإكراهات وقوى خارجيّة قاهرة محدّدة للسّلوك والمصير، كما حدّدت الوجود والنّشأة والكينونة.

بهذا المعنى تقابل المتكلّمة بين الحرّيّة والعبوديّة، لتخرج من تلك الثنائيّة الكلاسيكيّة الّتي تحكم العالم بمنطق النسبيّة والمعقوليّة، لأنّها تأبى الحرّيّة حين تكون وجهاً مقنّعاً للعبوديّة (الحرّيّة المحدودة مقابل العبوديّة المقبولة ثمناً لذلك.) وتخرج من سياق العبوديّة حين تكون انتفاء للحرّيّة وتكريساً لسلطة الآخر كائناً من كان، حين تكون تلك السلطة القاهرة وضعاً جبريّاً بأسماء توهم بالحرّيّة (الحرية الفردية والمدنيّة، حرية الوعي والتعبير والعمل في نطاق "احترام" القوانين.).. وحين تغادر الذّات المتكلّمة المنطق الثنائيّ التّقابليّ، تكون في دائرة الحرّيّة في كمالها وذروة تجلّيها، بالانتفاء المطلق لما ينزل بها ولو درجة واحدة عن ذروة المطلق، حيث لا حرية تقابل العبوديّة، بل حيث الحرّيّة فقط، حين تعانق الحبيب الإلهيّ، المعبّر عنه استعاريّاً في العالم بعبارة "الحرّيّة" :

أنت حريتي .

بهذا التّوجّه تجعل المتكلّمة قولها خطاباً تأسيسيّا فيه إعادة تحديد للمفاهيم وللإنسان حاملاً لتلك المفاهيم ومتحدّداً بها.

3) الذّات المتكلّمة، حرّيّة الحبّ، حبّ الحرّيّة، حبّ الله.

جعلت المتكلّمة من خطابها قصّة. قصّة حبّ كونيّة، وخاصّة بينها وبين المخاطب الإلهيّ الحبيب المتعالي والحاضر حضور الخطاب، وحضوره ضميراً محوريّاً، منه وله كلّ المعاني والقيم والعواطف. وبذلك أرادت لصوتها أن يكون صوتها الفرديّ في خصوصيّته وإنّيّته وسياق وجوده المستقلّ، كما أرادته صوتاً للإنسان وللإنسانيّة في تاريخيّة العلاقة بينها وبينه، وبين الله، حبيباً لكلّ محبّ..

وإجلاء لهذه الخصوصيّة وهذه التّاريخيّة، برز في الخطاب (وهو خطابات) خطاب سرديّ اختزل العلاقة منذ نشأتها، وفي مختلف تقلّباتها وتحوّلاتها، انتهاء إلى مآلها واستقرارها. وجاءت، القصّة محكيّة بضمير المتكلّم، محوّلة الحدث حالاً وقيمة وفكرة وموقفاً كونيّاً:

أحببتك

اخترتك

ابتعدت

تمردت

نسيت/تناسيت

أهنت/عيّرت/صلبتك

ندمت

ارتميت

صرخت

غمرتني

سامحتني...

 

وليس خفيّاً ما تتّسم به هذه السّرديّة الاعترافيّة من تاريخيّة ونفحة يسوعيّة، قائمة على مبدئي الاتّصال والانفصال، والقرب والبعد، والإثم والغفران، والنّدم والتّطهّر. ولعلّ الأهمّ من كلّ ذلك هو ردّ هذه القصّة الكونيّة، أي قصّة الحبّ بين الإنسان والله، إلى مبدإ وحيد، هو مبدأ الحرّيّة، مهما كان الفعل، وإن كان إثماً. إذ الإثم هو السبيل إلى مطلق الطّهر، ومن لم يأثم لم يطهر، ولم يندم، ولم يبك ولم يألم، ولم يدع ولم يصلّ، ولم يحظ بصدر الحبيب يغمره ويغفر له، ويعلم أنّه عائد إليه بعد إباق وتمرّد ومروق، ليكون له وفيه ومنه أبدا، مثلما كان أزلاً..

 

4) قصيدة حبّ. قصيدة إيمان.

هكذا تكون المتكلّمة قد كتبت قصيدة في الحبّ المطلق تختاره بمطلق الحرّيّة، لأنّه متعلّق بالمطلق الإلهيّ المتعالي عن النّاقص والنّسبيّ، فلا يجدر به إلا أكمل الحبّ.

وكان لها في ذلك تمجيد للحبيب الإلهيّ، وللإنسان عاشقاً بالغاً في عشقه كمال رتبته في الكون، مستعيداً أصل كينونته العلويّة الجوهريّة. وبذلك تعلّم الشّاعرة الإنسانيّة أن لا سبيل إلى استعادة تلك المنزلة السنيّة إلا بالحبّ. بكامل الحرّيّة...

القاصة فاديا قراجة وحركية تروس ماكينة النص الأدبي

sardar mohamadأزعم أن الحركة الداخلية للنصوص الأدبية نثرا ً وشعرا ًواحدة من أسرار تقنياتالنص الأدبي الفخم ومن خفايا الإبداع وجعل المتلقي في متابعة مستمرة ومهما حفلالنص بصور متعددة وجميلة فإنها تمر على حواسه مرورا ً دون أن يعلق شيئا منهافي الذهن وهذا ما عرفه الشعر الغني بصور الوصف ليس إلا فتكون أسيرة الجمودمهما كانت جميلة زاخرة بالوصف والتشبيه والتمثيل ولعل الإستعارة هي جزء مهم فيه نوع من التحريك وتكون ذات وقع عليه إذا اشتملت على حركة تتأتى من استعمال الصور المتعاقبة إذا وافاهتها الحركة

ولنا في ذلك شواهد كثيرة ففي الشعرمثلا ًلنقرأ النص الآتي للمتنبي:

بأبي الشموس الجانحات غواربا   اللابسات من الحرير جلاببا

الناعمات القاتلات المحييــــــــــات المبديات من الدلال غرائبا

حاولن تفديتي وخفن مراقبا       فوضعن أيديهن فوق ترائبا

الحركات المتتابعة تتجسد في :

القتل – الإحياء – المراقبة – التنسم – الذوبان .

ولكن الجميل في تلك الحركات هو تعاكس اتجاهات الحركة

الموت (القتل) مؤداه إلى أسفل (تراب / قبر ... إلخ)

الإحياء مؤداه إلى أعلى (فضاء / شمس / هواء)

إذا ً القاتلات حركة باتجاه الأسفل والمحييات حركة باتجاه الأعلى

بعبارة أخرى أن المتنبي العظيم يحركنا أسفل / أعلى وهي حركتان متعاكستان

مثال آخر :

ومما شجاني أنها يوم أعرضت     تولت وماء العين في الجفن حائر

ولما أعادت من بعيد بنظرة         إلي التفاتا ً أسلمته المحاجر

هنا نجد فقرة ممسرحة عن لحظات الفراق ولكن الحركة المتعاكسة بينةفعند الفراق كان وجه المودع – الحبيب – يواجه قفا الموَدعة أي باتجاه معينثم انعكس الإتجاه بقول الشاعر – ولما أعادت إلي التفاتا – وهنا قابل الوجه الوجهأي أن الحركة بالإلتفات انعكست 180 درجة .

هنا أجد نفسي بحاجة إلى تبرير سبب البدء بالشعر لاسيما وأنا أتحدث عن قصصالساردة فاديا فأقول : إن الشعر العربي وهو شعر لا يضاهى في سائر الأمموهو ديوان العرب لم توازيه الرواية فهي لم تتواجد عند العرب إلا في العصر الحديث غير أن القصة كانت جميلة كما وردت في القرآن الكريم أما فيطيات كتب الأدب فساذجة وأفكارها دينية ولذلك وجب علي ّ أن أتطرق للقصالقرآني مؤكدا الحركة والحركات المتعاكسة التي بدأت بها دراستي وربما أكونقد أسهبت قبل ولوج نصوص فاديا ولكني أجد ذلك مهما لعدم التركيز على الحركة في مجالات النقد وأزعم أنها أهملت ولم يفطن لها. ولنتابع القصص القرانية لملاحظة الحركات المتعاكسة أولا:

ففي يونس

التقمه الحوت (الصافات 142) اتجاه

فنبذناه في العراء (الصافات 145) اتجاه معاكس

في نوح

سآوي الى جبل يعصمني من الماء (هود 43) اتجاه نحو الاعلى

فكان من المغرقين (الآية نفسها) اتجاه معاكس إلى الاسفل

في بلقيس

ألقي إلي كتاب كريم (النمل 29 ) اتجاه نحو الأسفل

وكشفت عن ساقيها (النمل 44) اتجاه معاكس إلى الأعلى

مريم

وهزي اليك بجذع النخلة (مريم 25) الإهتزاز حركة متتابعة

يمين - يسار أو أعلى - أسفل

في يوسف

ولقدهمت به وهم بها (يوسف 24) وجه لوجه حركة ذات اتجاه معين

واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر(يوسف 25) وجه لظهر حركة باتجاه معاكس

والآن لإشرح مجمل الإستلهامات في القص القرآني

لا أقول أن فاديا تستلهم النص القرآني مباشرة ولكن أقول أنها توظف العبارة القرآنية حيث تجدها في مكانها المناسب لا سيما إذا كانت حركية ففي (فقد أزف الآزف) قصة وليمة لشهرزاد ,هذا استلهام لقوله تعالى (أزفت الآزفة)النجم / 57

(فالزيت يستخرج من شجرة مباركة) القصة نفسها استلهام لقوله تعالى :(يوقد من شجرة مباركة) النور / 35

(استلقيت فعانقتني قبة السماء) هنا الحركات المتعاكسة ......

ولنقرأ الفقرة الآتية لتبيان تكرار الحركة والحركة المتعاكسة :

(أيقظتني من شرودي وبيدها كأس عصير,ثم أحضرت كأس ماء محلى بالعسل ,فجدتها كانت تسقيها هذا المحلول لمعالجة السعال ,والزكام,والأرق ..الخ ...أخرجتْ فراشاً اسفنجياً وطلبت مني الاستلقاء عليه ريثما تسخّن زيت الزيتون..استلقيت ,فعانقتني قبة السماء الوردية ,لاحقت أسراب الحمام التي تحلق بتشكيلات مذهلة ..داعبتْ وجهي نسمات المغيب ط داعبتْ وجهي نسمات المغيب طرية ،منعشة ,أثقلت حركتي ,خدرتني, يخفت وقع أقدام صديقتي ,يتلاشى,تتفكك جملها ,أنوس على مداعبات ساحرة,يستعر داخلي برغبات حارة, أطير , أنتشي...........

وفي قصةشرفة الشاي الأسود نلاحظ

(يتصاعد الدخان من زهرة لوز)

و (فيهطل شوقها ثلجا ً أبيض)

 

وفي القصة الأخيرة نرى :

(شدها إلى صدره) حركة باتجاه

(فانفتح على بهو طويل) حركة معاكسة

وفي متى ستهدأ الأجراس :

عبارة قرآنية (فرعها في السماء وأصلها في الأرض) .

هنا استلهام لقوله تعالى (كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء)ابراهيم / 24

و (شرب من عرق اصابعك) الشرب حركة للأسفل

(سمع تضور جوعك)السماع حركة للأعلى

وفي رشة عطر

(سحبت زجاجة العطر) اتجاه معين

(سكبت الملوخية ..) اتجاه معاكس

وفي مزار ورجل وامرأة

(وقفت كما أرادها الرجل يتصاعد البخار الأبيض من ظهرها الأبيض ومن تجويف سرتها ويهب من فخذيها الصلبين) اتجاه إلى الأعلى

(جلست أمامه فجثى على ركبتيه) اتجاه نحو الأسفل

وفي أبو صالح وحيدا ً

(تسرب إلى الخارج)

(دلف إلى الحديقة)

لابد من القول أن فاديا توظف الرموز الترائية العالمية فهي من جهة تدلعلى سعة اطلاعها على الأدب العالمي والتاريخ الإنساني ومن جهة حسن التوظيف في مواقعه المطلوبة وهذا أيضا ً ما عرفته في روايات المبدعةأحلام مستغانمي ففي العشق يليق بك :

(فسيف العشق كسيف الساموراي من قوانينه اقتسام الضربة القاتلة بين السياف والقتيل)

وفي عابر سرير

(كنا مساء اللهفة الأولى عاشقين في ضيافة المطر رتبت لهما المصادفةموعدا ً خارج المدن العربية للخوف نسينا لليلة أن نكون على حذر ظنا منا أن باريس تمتهن حراسة العشاق)

 

فما هي رموز فاديا :

(هل تعلمون لماذا خانت الأمبراطورة جوزفين زوجها نابليون)

قصة أبو عبدو النسونجي

و في مشيئة فراس

(تاهت في تقاطع المكان والزمان ..موسكو دفعة واحدة)

و(أما الأرميتاج فلم يعد يملك أكثر من اسمه)

وفي الجمعة

(سندريلا يا ابنة الريح والطريق لقد قرعت أجراس الليل ....)

وفي رحلة علاج :

(ترنم صوت المضيفة ثانية : نحن الآن فوق الأجواء الفرنسية ....

بعد دقائق سنحط في مطار شارل ديغول ..)

وقبيل الختام سأكون قاسيا ً قليلا ً مع المبدعة المرموقة فاديا فأقول :

بسبب عفويتها في الكتابة وسرعة تزاحم الأفكار في رأسها فإنها تقع فيبعض الهفوات اللغوية البسيطة أو الكلمات التي لها معنى دون آخرمثل :

(فأوزع الطعام في أطباق ...) وأظن أنها تقصد وزع فأوزع على وزن أولعوغالب المعنى هو الألهام ومنها قوله تعالى قال ربي أوزعني

و(خضتها بيدي عدة خضات) والصحيح هو خضضت من خاض يخوض وليس من خض يخض

لا اعتقد أن هذا يزعج فادية القاصة الرصينة فأتوقف بذكر هذين المثالين فقط

فما عليها قليل لايعني شيئا ً بما لديها وما عندها

آمل أن أكون قد وفقت متمنيا لها دوام الإبداع وازدهاره .

سردار محمد سعيد

 

لعنة الشعراء .. خيالات متراخية .. قراءة نقدية

hamid abdulhusanhomaydi(لست انا بل انا الاخر هذا الذي يسكنني، وربما يزورني بين سطوري حزن عميق، وهمّ سطرته هنا ...) ص 7، هكذا كانت " تقدمة " الدكتورة الشاعرة (هناء البواب) لمجموعتها الشعرية، وهي تعنونها بـ (لعنة الشعراء) الصادرة عن دار الرابطة للنشر والتوزيع / الامارات العربية الطبعة الاولى 2014 .

هي .. شاعرة تمتلك قدرة تعبيرية رائعة جداً، لما فيها من سحر الاوزان والتفعيلات والقوافي، انها تقف في صومعتها (لعنة الشعراء) بل (لعبة الشعراء) لترى بعينها الباصرة ما يختفي وراء ذلك الكم الهائل من القريض، الكم الذي وضعت فيه دلالات ايحائية، اشبعتها بملكتها، حيث تضج بالأحاسيس، وطيوف الافق الذي يتلصص منها ما يلتذّ به من جمالية المفردة والتركيب، فالقصائد لديها " حزن وفرح / اعاصير وهدوء رياح / ضوء وظلمة / راحة وتعب / غروب واشراقات باسمة)، قصائد ديوانها توزّعت ما بين الشعر العمودي وشعر التفعيلة .. حيث بلغت القصائد العمودية (6) قصائد هي: (اوراقي / جدتي / احلام مؤجلة) من البحر البسيط، و(عام الافراح) من بحر الخبب او المتدارك، أما (قبلة الاهداب / دموعي خريطة للطريق) من البحر الكامل .. في حين حظي الديوان بشعر التفعيلة وبلغت (25) قصيدة هي: (على سبيل البصيرة / وعينيه / الذاكرة المفقودة / طيوف البقايا / العتق / على صفحة الذكرى / وحدي / لعنة الشعراء / تموت لأنك / شتاء صيفي / يؤجلني الوداع / اجبني سميح / همسة قبل رحيلك / انين الذكريات / اعتراف / حشية القش / الموت / جدلية / عقارب الساعة / الساري / ادراك الحقيقة / احداقك جارحة / الحب لا يفنى / جذورك تمتد بي) اتسمت الشاعرة في قصائدها: بنفس طويل، مالت فيه الى استخدام صيغة سردية طبعت بأسلوب يجنح الى الروائية احياناً، وكأنها تعرض حوادث انسانية سجلتها بحضورها ضمن انفعالات خاصّة ..

نقرأ لها:

وعدت أنا،

وعاد أناي لي من بعد فقدان،

بهذا الكون ..

سعيك موصد العينين لا ينفع،

تأمل فسحة الاكوان، واسجد راغبا. (على سبيل البصيرة / ص 14)

ايّة " أنا " هي تلك التي تمردت على ما حولها .. لتنساب بعد ذلك على جسور البصيرة الممتدة عبر فضاءات كونية، وهي تلفظ ايمانها بالخالق، حيث تعود من جديد من بين ركام الاتربة التي غشيتها، لتتأمل نفسها وذاتها، لتجد ان هناك فسحة تكورّت، فشعّت، وأضاءت، وهي تقترب من الحقيقة التي طالما سعت اليها ..

ثم نقرأ:-

لا انت تدرك ما اعتراك

ولست تملك من طبيعتك الاحاطة

بالظروف

وكأن هذا الوهم لغزٌ

حول كعبته يطوف

وكأنك السرّ المشوش

يشتهيك فراغ هذا العقل

يهضمك الخسوف

واراك وحدك تائهاً

في الدروب توشك تنفجر .. (الذاكرة المفقودة 21 - 22)

بهذه الانسيابية الرائعة تتحول لغة الخطابية لدى الشاعرة الدكتورة (هناء البواب)الى مناجاة بل همس في خيالات متراخية، انها مرسلات ايقاعية، فهي تميل الى التدرج الفعلي المتناسق في (تدرك / اعتراك / تملك / يشتهيك / يهضمك / اراك / توشك / تنفجر) لتضع للآخر تزامنية متواصلة معها، لأنها تدرك جلياً انه له التأثير النفسي في بثّ و تحريك ما في دواخلها، فهي لا تكاد تخفي هذا إلا وانفجارات روحية متضخمة، تنهي هذه الحيرة التي اصبحت سمة واضحة لدينا .

ثم نقرأ لها:

لأنك عشقي

ورقّي

وعتقي

لأنك في رحلة الصمت نطقي

تهجدت فيك

تهجدت فيك مدى العمر صدقي .. (العتق / ص 29)

بهذه المفردات والتراكيب تفصح الشاعرة عن مديات ذاتية شكسبيرية،عندما وصف حب الانسان: (ويبدأ في حب الحياة منذ ان تبصر عيناه الضوء)، فشعورها الانساني كبير جداً .. يتسع لتهجدات ورحلة صمت، عناقها النطق، ولم يبق لديها إلا ان تضع الصمت جانباً لتعلن عن بوحها المتخم بالعمر الذي تراكمت عليه تلك الاجندة اللغوية وهي تعبئ ارهاصتها بقوة الاسلوب ومتانة اللفظ، وانسجامات موسيقية لها وقعها المميز عند النطق بها، فلا مغادرة منها وهي تسقط زيف كل الاقنعة التي لا تحمل بين طياتها رمزاً للوفاء والصدق .

ثم نقرا لها:

أنا والشعر .. والأحلام

قافية

سيبقى لونه اطلالة بيضاء

لان الشعر لغز صغته وطنا من الكلمات

انثره .. قصيداً كان لي ارضا

وكنت سماء

ويبقى الصوت بي يرتد

انّ الشعر يعني

لعنة الشعراء .. (لعنة الشعراء / ص 51)

الثلاثية التي استخدمتها الشاعرة (أنا / والشعر / والأحلام) ما هي إلا هرمية استطاعت من خلالها تطويع مفرداتها وتراكيبها لايصالية ذات ابعاد ناطقة / فاعلة .. رغبة انها جميعاً تتكور في خانة (قافية)، فالشعر له دلالته اللونية الذي تهيم به الشاعرة نقاء وصفاء وانبساطات لراحة نفسية متكاملة، انه هدوء (د. هناء البواب) .. وهي تمتد ما بين الارض والسماء لوحة فنية تبهر الابصار، إلا ان للوحة مشاكسة إلا وهي انها (لعنة الشعراء) تلك اللعنة التي لها طعم ولون يختلف عما نراه عند الاخرين .

ثم نقرأ لها:

وان العدالة في القيد تبكي

ويجلدها بالسياط القضاة

تموت لأنك تجهل مملكة الليل

تجهل ان القناديل تعدم فيها

وان الزمان الجميل انتهى .. (تموت لأنك.. / ص 55)

حينما تنحرف الحياة عما وضعت لها من طقوس ومبادئ، ويعم الاختلال والفوضى، وتظهر سطوة الجلاد، وتصادر الحريات، وتندرس المعالم الحقيقة للإنسان، الانسان ذلك الكائن الذي نحتفي به كثقافة عامة تعطي وتهب وتمنح، عندئذ نشعر بـ (ظلامية الجهل) وهي تسودنا وتطبق على انفاسنا، هنا تقف الدكتورة (هناء البواب) لتعلن عن رفضها المطلق لكل الممارسات القمعية التي تخنق (الثقافة) وتنحرها على دكة السياف، وهي تنزف عبقاً يفيض بألق الشعر وهو يتوهج من متن (لعنة الشعراء) .

 

حامد عبدالحسين حميدي / ناقد عراقي

 

الأغتراب وتشرذم الذات في رواية "قشور بحجم الوطن" للروائي العراقي ميثم سلمان

699-muthemلدى كلّ قارئ توّقع ما في داخله حينما يشرع في قراءة عمل أدبي. ويتراوح هذا التوقع بين المتعة الجمالية والفكرية او المشاركة في تجربة الكاتب الحياتية المبثوثة عبر النص. ويمكن قياس هذا التوقع لدى كل قاريء، الى حد ما، عبر قدرته على اكمال العمل الادبي حتى النهاية او القائه جانبا متذمرا منه. ورغم ان الامر يبقى في كل ابعاده خاضع لطبيعة القاريء ومستواه المعرفي وزاوية نظره وهدف تذوقه وغيرها من المؤثرات الاخرى، لكن يمكن القول، أن القاريء يتمنى ان يحصل على اقصى ما يمكنه مقارنة بما يقضية من الوقت الذي يقتضيه العمل الادبي المعني.

يمكن لنا من هذه المقاربة إخضاع رواية " قشور بحجم الوطن" للروائي ميثم سلمان التي صدرت عن دار فضاءات في عمان عام 2011، لمعرفة المدى الذي استطاعت فيه الرواية من الاستجابة الى توقعات القاريء.

 

ثيمة الرواية ونسيج السرد:

699-muthemيشير الفيسلوف الالماني آرثر شوبنهاور(1860-1788) في واحدة من مقالاته عن التأليف ":المؤلفون نوعان: نوع يكتب من اجل الموضوع الذي يتناوله ونوع يسوّد الورق من اجل الكتابة ذاتها. وأولئك الذين يكتبون من اجل الموضوع تكون قد عنت لهم ضروب من الفكر، او مروا باشكال من التجربة، يجدونها جديرة أن يلم بها الآخرون بها. أما الذين يتخذون من الكتابة حرفة (....) الفكر لديهم، جزء من صنعة الكتابة ذاتها.(...) والفكرة التي تمر باذهانهم، في اطول سرد ممكن" ثم يضيف " ولا يطول الامر بهم قبل ان يكشفوا عن زيفهم، فلا يلبث القاريء الفطن ان يتبين انهم لا يستهدفون في حقيقة الامر، الا تسويد الورق، وإراقة المداد".(1).يمكن القول أن رواية ميثم سلمان هي من النوع الاول الذي اشار اليه شوبنهاور. فهي رواية قصيرة لا يتجاوز عدد صفحاتها 84 صفحة، كتبت بعناية فائقة وبلغة سردية موجزة .

تشتغل الرواية على ثيمة الهوية والاغتراب الذاتي، وهو اغتراب ناتج عن قمع اجتماعي وسياسي، يضاف اليه وجه آخر، الغربة عن الوطن ومواجهة الآخر الذي يعمق هذا الاغتراب عبر استعادات ماضوية ومقارنات متعددة في السلوك الحياتي والثقافي والمعيشي مع الاخر بعد الانتقال الى المنفى. وحول هذا السؤال تتمحور موضوعات اخرى اهمها فكرة الحرمان، الحرمان من الحرية، من الجنس، من التمتع بحياة الطفولة، المحرمات الاجتماعية، الخوف من الآخر وغيرها. وهي بهذا تلمس جوانب انسانية عديدة؛ السايكولوجي والسيوسولوجي والسياسي والثقافي، او ما يسمى في الدراسات الثقافية مفهوم "الاتصال الثقافي المتعدد" الذي ظهر بعد الستينات.

تُفتتح الرواية باللوحة الاولى "يقظة " حينما تتوسط الشمس في المسافة بين اغترابها وشروقها يستيقظ الوجع كمارد قد غط في قيلولة، فاتحا حدقتي على الخواء وسؤال الهوية"ص7. هنا يقدم لنا الكاتب، منذ البدء، حياة قلقة بين حالتي غروب وشروق، تعاني من وجع كامن فيها، وهو وجع يفتح بصره ليطل على الخواء وسؤال الهوية،المتسربل بمعنى الاغتراب والشك بالوجود! انها يقظة منقوصة، يشوبها شيء من التشويه والالم والقلق الذاتي.

الرواية تعرض لنا تشظي هوية "محمد" منذ ان كان مقيما في العراق. ففي الوطن كانت حياته مليئة بالممنوعات ص.63" فروض وقوانين ونظم وفرمانات وواجبات كلها تكبح حريتي وتحيلني الى آلة لتطبيق ما يشتهي الآخر وليس ما أرغبه حتى صرت غريبا عن نفسي، وغدا وجهي يعكس تلك السلوكيات والنظم والاسماء الجديدة التي لا تمثل كينونتي" ص.64

بعدها هروبه من العراق عبر دول مختلفة حتى وصوله الى كندا كلاجيء والاقامة فيها، و ما يواجهه من إشكالات ذات طابع جديد تعمق بصورة اكبر شروخ الذات لديه، كما يعبر عن ذلك بلوعة " لم اكن اصدق ان كندا ستضاعف من تلكؤ مسيرتي" ص.8. هذه المواجهة الجديدة مع الذات تقوده الى طريق مسدود فلا يرى مخرجا سوى الموت كسبيل وحيد للخلاص من الوجود العبثي لحياة متعثرة ضاعت بين وطن يعيش في ظل الارهاب والحروب والاحتلال، ووجود جديد في بلاد غريبة عنه في ناسها وسلوكهم ومشاعرهم ولغتهم. يتراكم هذا الاغتراب والشعور بالوحدة والانفصام الذاتي حتى ينتهي به الى انتحار فاشل، حيث يجد نفسه في المستشفى ويتم انقاذه من موت محتوم. مساعي الانتحار الذي يرافقه على مدار الرواية هي اشارات تنفيس، او محاولات لتجنب هذا الضغط الهائل للخسارات، وليس اختيارا فكريا وجوديا، فهو يعترف بنفسه بذلك" لحظات المواجهة الحقيقية مع ذاتي مخيفة حتى انّي أحيانا أعمد الى غسل رأسي بالماء البارد كي اطرد رغبة حزّه بالسكين" ص.8

في نهاية الرواية يسافر الى العراق في محاولة جديدة للبحث عن هويته المتمثلة في نبش قبر اخيه "حسين" المدفون في غرفة نومه السابقة، الا انه يتفاجأ بالبيت مُدمرا بصاروخ " مجهول المصدر، ربّما من السماء او الضفة الاخرى أو ربّما الجيران. فلا أحد يعرف مصدر النيران هذه الايام".ص.84

مما له اهمية ان الرواية تُختتم بلوحة تحت عنوان" يقظة-ص.81-84"، مثلما تم افتتحها بنفس العنوان، كما لو أن الكاتب يشير ثانية على استمرارية حالة اغتراب بطله وتوزعه الذاتي رغم مرور سنوات طويلة عليه ومعايشته لاحداث وتغييرات قصفت بحياته دون ان تترك اثرا حميدا يذكر عليه.

 

تقنيات السرد:

تم بناء الرواية على شكل لوحات- مشاهد، كل لوحة تسرد لنا فصلا من فصول حياة الرائي الذي يحمل أسمين (محمد- حسين). انها استعادات واستذكارات لماض شاخص بصورة حادة في وعيه. الاستذكار، هنا، هو نوع من الترميم الذاتي وواحدة من اهدافه سد الرمق" من جوع مزمن وجفاف دائم وفشل متراكم وضياع ابدي" ص.7

تضم الرواية 29 لوحة بتقنية محسوبة بدقة. فالنصوص- اللوحات يمكن ترتيبها او تغيير أماكنها دون ان تصيب شكل الرواية او مضمونها بأذى أو تضعف ديناميكية الحكي او ترابط الافكار الرئيسية فيها، فقد تمكن الروائي ان يكشف بموهبة عن عرض الاحداث المتراكمة والموضوعات التي تشكل نسيج نص الرواية دون الحاجة الى وجود فواصل متدرجة بين اللوحات .

منح الكاتب هذه اللوحات عناوينا مختلفة تشبه عناوين القصائد الشعرية "يقظة، هجرة، مفردات، شتائم، عاهرة، صداقة، تابع، نساء، ضياع، حيرة، اقنعة، لقاء، مهنة، أبوة، غزو،، حرب، بلاد، موت، تاريخ، دين، جوهر، فتوحات، غريب، نهاية، فرار، واقع، سيرة، يقظة". يذكرنا اسلوب الكتابة وتوزيعه على اللوحات كمن يزور معرضا للرسم، حيث تمثل كلّ لوحة عالما خاصا بها، متضمنة صراعات وافكارا وقيما تنبع من تفاصيلها هي، لكنها من الجانب الآخر تشكل حلقات متكاملة للّوحات الموجودة في المعرض، وترتبط بخيط داخلي موضوعا واسلوبا، لتكوّن مع باقي اللوحات عالم الفنان. من هنا يمكن القول ان الروائي استخدم فن اللوحة او المشهد المسرحي لكي يعرض لنا الاحداث والموضوعات، وكل لوحة تمثل بحد ذاتها كيانا مستقلا، دون ان يضحي باللحمة الداخلية للاحداث، وبهذا يكون الروائي قد استغنى عن البنية التقليدية للرواية التي تقوم على عقدة رئيسية تعتمد التشويق الفني، الذي يهدف الى شد القاريء وابقائه في مجال النص، عبر تصعيد درامي للاحداث وتحولات الشخصيات، يتوقع عبرها القاريء الوصول الى خاتمة محددة تمثل ذروة الرواية.

ولهذا فان قاريء رواية ميثم سلمان لا يمكنه وهو يتنقل من لوحة الى لوحة أن يتوقع او يخّمن مسبقا ما ستحمله الاحداث بصورة منهجية تراتبية. اللوحات هي باختصار، دليل يقودنا الى هدفنا دون حاجة الروائي لاعلان عن خارطة طريق مسبقة لاقناعنا بدقة وجهة مسيرة الاحداث.

بؤرة هذه اللوحات، التي تشكل بمجموعها، موضوعات الرواية وخيوطها الداخلية، تتجمع، كما اشرت، حول أسئلة الهوية والاغتراب، ؛ من انا؟ والى اين امضي ؟ وكيف انتهيت الى هنا؟ ولماذا كل هذا العذاب؟. الروائي لم يقدم أجوبة، بل اكتفى باثارتها، بصورة غير مباشرة، من خلال سرد مشاهد احداث عاشتها شخصية الرواية الرئيسية. فهي تعيش في عالم مجزأ متشرذم، تحاول فيه أن تعيد لملمة أجزاءه، لعلها تنجح في الحفاظ على وحدة الأنا المتصدعة. وهذا التصدع في الذات يتضح شيئا فشيئا عبر إشكالات الاغتراب كاللغة، أو مواجهات انسانية ؛ كعلاقته المضطربة مع صديقه حميد، او التباسها مع السائق اللبناني، او اللقاء مع مواطنين كنديين،او من خلال الاحساس الجديد بالحرية الجنسية، والبحث عن علاقة حب مع أمرأة يكتشف انها معوقة بسبب شلل اصابها.

 

السخرية والتهكم اللاذع..!

السمة الاخرى التي تميزت بها الرواية هو استخدام السخرية والتهكم اللاذع في بنيتها. فقليلة هي الروايات التي جعلت من السخرية كتقنيات سردية تساعد في أضاءة الثيمة الرئيسية، خاصة حين تشتغل الرواية على موضوعات ذات طابع مأساوي وعنيف. الا ان الخيال الواسع للروائي ميثم سلمان، عبر التقاطات نبيهة ص10-11، ص.15، ص.28-29،ص.56-57، للمشاهد الساخرة، ساعد في نقل القاريء قريبا الى الواقع دون ان تفقد الرواية بُنيتها التّخيلية للافكار والاحداث، كما لو ان الكاتب اراد بذلك إتاحة فرصة استراحة للقاريء، ليمكّنه من إسترداد انفاسه وهو يعيش حالات فزع ورعب وآلام مرّ بها خلال احداث الرواية، فلا يضيع تماما في تفاصيلها، فيكتشف بذلك الجانب الآخر من العملة، ايّ، التمزق الذي اصاب هوية الرائي وحالات الاغتراب التي كانت تتعمق في مسار حياته.

لقد ادرك الفيلسوف الدانماركي الوجودي سورن كيركگورد، منذ اكثر من مئتي عام، اهمية التهكم والسخرية كأدوات مهمة للتعبير والاتصال مع القاريء، ولكشف المعاناة والآلآم الانسانية. وهو ما عالجه في اطروحته "مفهوم التهكم طبقا لسقراط" عام 1841. وقد اطلق على اسلوبه الذي استعاره من سقراط "ديالكتيك القص او الإتصال". وقد رأى كيرككورد ان هدف و مقاصد الكاتب مخفية بصورة او اخرى، وهو يعبر عنها بصورة غير مباشرة عبر السخرية والتهكم أو استخدام الأسماء المستعارة او المتناقضات وغيرها. (2) وشدد على ان "ديالكتيك الإتصال" يمنح فرصة مستقلة وفعالة للقاريء لما يطرحه الكاتب، في إطار المعضلات والمفارقات الوجودية التي تواجهه في الحياة. وقد بقي كيرككورد أمينا لاسلوبه في معظم نصوصه الادبية واعماله الفكرية والفلسفية.

 

لغة السرد :

يبدو الاعتناء باللغة السردية والموضوع واضحا بدءا من عنوان الرواية" قشور بحجم الوطن". فعنوان النص له اهمية كبيرة في الاحالة على محتوياته ومضمونه. ويمكنه أن يدل القاريء منذ البدء على مضمون العمل الادبي او يخلق عنده بعض التصورات عن هذا العمل. فالقشور هي المحن والخسارات التي يواجهها الرائي (محمد- حسين)، الأنا التي يتجسد فيها، في آن واحد، صوت الشخصية الرئيسية وصوت الروائي، باسلوب يزاوج بين التخييل والسيرة الذاتية بصورة لا يمكن معها فصل الواقع عن الخيال، والحادثة عن التصور. هذه القشور هي " الغربة في الوطن، الغربة في المنفى، لا يوجد اي من عائلتي او اصدقائي القدامى او اقاربي، لا أحمل حتى اسمي الحقيقي، طبقات من القشور" ص.42، انها نوع من الاقنعة المختارة ذاتيا او المركبة عنوة التي يصارع ويحلم، كما يقول الراوي " بالخلاص من كل الاقنعة" ص21. ولغته تمتاز بالايجاز، موشاة احيانا بتعابير فلسفية، وذات تكثيف عال يصل حد الشعرية ص33،ص.57، ص.59،ص.70، الا انها، و في حالات قليلة، تقع في شرك الخطابة السياسية او تنحو الى اسلوب المقالة، ص30، ص38، ص43، ص45.

 

الأغتراب والتشرذم الذاتي بين ثنائية الداخل والخارج:

يستخدم الكاتب لتعميق فكرة التشرذم والاغتراب الذاتي تقنية التعارضات السايكولوجية - السوسيولوجية، التي يلتزمها على طول الرواية، بين الذات ومحيطها، الداخل والخارج، سواء عبر العلاقة باللغة، الاشياء، المكان، او البشر.

فاللغة، حيث " الاشياء تغدو كلمات جاهزة" ص.9، تضعه امام محنة جديدة، وتولد فيه قلقا دائما وشكا وخوفا مستمرا حول هويته " اللغة باب إن فتحته على مصراعيه وذابت مع الآخر ساكون غريبا عن ذاتي، وإن أغلقته سأكون أجنبيا وغريبا تماما لدة الآخر" ص.8 . ومثلما حياته معلقة بين الغروب والشروق، فهي تقف هنا في منتصف الطريق ايضا، ويضيف الى عجزه السابق عجزا اكثر تعقيدا وصعوبة، الكبت الجنسي، الفحولة المعطلة " ليس هناك في العالم ما يعوض حرماني" انه ذات معطوبة. والاغتراب يبدو واضحا في المكان، كما في "لوحة حيرة- ص19"، حيث الشعور الدائم بانه مواطن لقيط .انه يشعر دائما انه غريب ومطارد وموجود في المكان الخطأ. لقد فقد بوصلته، مكان ولادته ووطنه الذي كان فيه اصلا مغتربا حيث يتذكر قسوة ابيه ومعلم مدرسة اكثر قسوة وحياة معيشية فقيرة. ويتعمق هذا الاغتراب في العلاقات مع الآخرين؛ فصديقه حميد الذي ساعده بامور كثيره، كان يعيش شيزوفرينيا ثقافية دينية، حيث لاحظ "نزاع حاد بين غريزته وايمانه الحاد" ص.13. حميد الذي فر مع آلاف العراقيين من العراق، ومن ثم أسكنوهم في صحراء رفحه في السعودية بعد انتفاضة عام 1991، عاش هو الآخر قسوة الصحراء والتعذيب والكبت. وهو نفسه الذي قاد "محمد-حسين" الى بائعات الهوى ص.14. حميد يتحول الى صورة آخرى مخفية، وإن كانت غير كاملة، تذّكره بذاته المثلومة واحزانه واغترابه ص.13-14،بحيث يشعر بلحظة ضياع حين يقرر الانفصال عنه بسبب سلوكه المتناقض. وهذا الفشل يقوده للتفكير بالبحث عن علاقة ثابتة مع امرأة املا في الاستقرار. يلتقي بامرأة عن طريق الانترنت ويتواصل بالحديث معها، حتى تدعوه الى زيارتها في مدينتها التي تبعد عنه مسافة طويلة، فيصعد الباص، في رحلة مداها ثمان ساعات، وحين يصل محطة المسافرين، التي تنتظره فيها مع ابنها الصغير، وهي تجلس في كرسي متحرك للمعوقين، يصطدم بالمشهد، فيحاول تجنب لقائها لانه شعر بانها خدعته: "لماذا لم تأبه لمشاعري؟ لماذا لم تكن حقيقية وصادقة معي ؟" ص.17. يضاعف هذا المشهد حالة الاغتراب عنده بصورة اكبر والخوف من الآخر وكذب العالم،ويغالبه شعور بالجزع، وهو يسرع بالابتعاد عنها باتجاه البوابة الخارجية للمحطة، وتجنب اللقاء بها "لا تعذب انسانا آخر، فانت مشلول ايضا" ص.18. وقد عبر عن هذا الخوف من الآخر في مكان آخر ايضا، في " لوحة حيرة"، فإن "تزوج كندية ستتبخر ثقافته وإن تزوج عراقية فسيواجه احفاده مشكلة الانتماء الى الارض" ص.20-21. وحتى حين فكّر بحل ما، كالعودة الى الوطن مثلا، والتخلص من هذا الخوف من الآخر، لم يكون الامر محسوما لديه، فهذا الانشطار الذاتي، هذا الاحساس الدائم بالثنائية وهو يفكر بموضوع العودة، يجعله يطرح السؤال الاكبر والاكثر رعبا:" بأيّ اسم سأعود، المزيف أم الحقيقي؟ "ص. 21، او كما يطرح سؤالا في "لوحة حيرة" :ما عمق جذوري في العراق ؟" ص.19، بحيث يتحول هذا التاريخ الى سؤال محنة ومعاينة ومقارنة دائمة عن الذات وحقيقتها واصالتها. وتتعمق هذه النظرة الشكّاكة الى الذات حين يقارن نفسه بالشرطي الكندي من اصل صيني، الذي يقوم باعتقال احد المواطنيين الاصليين في كندا، اي الهنود، فهو لا يختلف عن هذا الشرطي الذي يطبق النظام على المواطن الاصلي، ص.19، ثم زميله سائق التاكسي اللبناني الذي دعاه الى بيته فتسبب بانفصاله عن صديقته بسبب مفاجأة غير محسوبة منه. في "لوحة غزو" ص.36-39"،يزاوج وهو يراقب حالة ولادة امرأة اضطرارية في سيارته التاكسي، في الوقت الذي كان يستمع فيه من الراديو الى سقوط صدام، هذه الولادة بالموت، وهو يقول " الا ان أذني كانت مشدودتين لصوت المذياع. سمعت إعلان تهشم تمثال القمع وسط بغداد وأنا اتوقف مشدوها اراقب الجنين وهو يتنفس الهواء اخيرا" ص.36. لم تكن الولادة- صناعة الحياة- تشغله عن الموت القادم الى بلاده، لانها كانت ايضا ولادة غير طبيعية، كان يمكن أن تؤدي الى الموت..شعر بانها ولادة كانت ملطخة ومشبعة بالدم، تبعت سقوط الصنم والنظام واحتلال العراق. وهما صورتان مشبعتان برمزية ذكية. فالروائي احس بالدم، دم احتلال العراق قريبا منه، الى درجة انه شم رائحته واحس بفضائعه، وهو يحاول بعد ذلك غسله من السيارة، رغم ابتعاده عن وطنه العراق الذي يعيش مصيرا آخرا مجهولا يختلف تماما عن وضعه. شعر بالم كبير وهو يسمع دخول الاميركان الى بغداد، عاد الى بيته ليغسل دماء الولادة التي اصابته، وكانت به رغبة ان يذهب الى جارته كاندي الكندية، لكي يشرح لها اسباب إزالة هذه الكمية من الدماء ؟ قائلا لها بلهجة خاسرة:" لقد حتلوا وطني !" ص.36، حيث لم يتبق معه في تلك الليلة سوى " الوحدة والقهر والخسارة " ص.37

وهكذا يتجدد انشطار الذات مرة اخرى، كان يعيش همّ ثنائية الموت -الاحتلال في العراق " والولادة في كندا. !، وهي اشارة لوصف حالة القلق بين الموت والولادة والاغتراب بينهما. وبين هذين الوضعين كانت حياته معلقة وهويته مثلومة"، ثمة اغتراب مضاعف؛ غريب يحتل الوطن، ومولود غريب يأتي الى العالم في سيارته التاكسي.

تنتهي حياته، كسائق تاكسي، بقدم بلاستيكية ومعونة شهرية شحيحة للمرضى والمعوقين" ص.61، نتيجة مشاجرة مع احد الركاب التي جعلته يجري على الجليد لساعات هربا من جريمة ارتكبها احد الركّاب في سيارته، اذ قام بقتل صديقته، ادى الى بتر قدمة واصبعين في الاخرى . ص61. وهكذا تتسبب علاقته بالآخر بثلم هويته الفيزيولوجية، وتترك لديه شعورا نفسيا بالتشرذم.

وهكذا فقد ساعدت كل تلك التعارضات والاتصالات والمواجهات برسم صورة اوضح لذات الرائي المتشرذمة وحالات اغترابه المستمرة.

 

الخاتمة                                                                        

رواية ميثم سلمان، هي الرواية التي يبكي ويضحك فيها القاريء في آن واحد. انها رواية كتبت بحرص عالم نفس يغور في اعماق شخصياته، دون ان يلصق بها من المفاهيم الثقافية والعبارات المفتعلة لاقناعنا بصدقها، بل يذهب الى التجربة ذاتها، لكي يكشفها لنا كما هي بحذاقة الرائي المبدع، بسردية شعرية موجزة ومكثفة الى اقصى حد، وهي سردية تتركز على محور واحد الانسان؛ في غربته وتحولاته الصعبة والمتناقضة في محنة الاغتراب الوجودية، من خلال مشاهد و اسئلة مصاغة بدقة وبحرقة وسخرية لاذعة، يختتمها بشهادة موحية عن بلاد احبها تتعرض للتخريب والدمار، وضعته في محنة امام السؤال الصعب الذي ما زال يتكرر:" انعطافة الاحداث في هذا المنحنى اربكت قناعتي وجعلتني احاكم نفسي، هل أؤيد مقارعة المحتل واقف بجانب هؤلاء الذين يقاتلونه للعودة الى سلطانهم الضائع متواطئين مع المتعطشين لدماء غالبية الشعب؟ أم اقف مع باقي الشعب الرافض للاحتلال سلميا بتشبثه بعملية سياسية هشة يقودها مرتش أو قائد مليشيات او متطرف او سائس للدسائس؟ ام ارضخ لليأس المطبق من اي امل بالتغيير، وقتل الاهتمام بما يدور، والتنصل حتى من الانتماء للوطن؟ ص.40 من هنا فانها رواية تستحق اهتمام القاريء بها وتلبي توقه الى متعة جمالية وفكرية وحياتية من قراءتها.

 

..................

المصادر:

1) الاستشهادات التي اشرت اليها داخل المقالة وارقام الصفحات مأخوذة من رواية : ميثم سلمان: قشور بحجم الوطن، عمان : دار فضاءات، 2011

2) بيلي سوندرز: فن الادب- مختارات من شوبنهاور، ترجمة وتعليق شفيق المقار، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012، ص47

3) Jean Amery: At the mind's of Limits- Contemplations by a Survivor on Auschwitz and its realities, tr. by Sidney Rosenfeld and Stella P. Rosenfeld, Bloomington: Indiana University Press, 1980, p.28

4) Birgit Bertung : Kierkegaard - begreber, ordbog for Kierkegaard+ læsere, Vinge: Forlag 1, 2010, p.58-59

  

 

         

قراءة ورأي في نص " قل ما شئتَ" للشاعرة ياسمينة حسيبي

yasamyna hasybiكلام لا بدّ منه: نحن من نقرأ النصّ ونحن من يحدد إتجاهاته، معتمدين على ذاتنا وتجربتنا واحاسيسنا المختلفة، فالقارئ هو الناقد العفوي للنصّ، وهو المكتشف له ولدواخله،عن طريق حصيلته الثقافية، ذائقته، فكره، وعشقه للادب، بل عشق نفسه النرجسي الثقافي، ها هنا -أيضا - لا أدّعي النقدَ ألبتّة، ولن، بلْ اقرأ ما يختفي عن الآخر أو يراه ايضا، وهو يقرأ ما يختفي عني او أراه -

هكذا النصّ ياخذ شكل المرآة تعكس صورة الواقف أمامها تحديدا . (القرّاء، يحققون، اتجاهاتهم اللاواعية بواسطة العمل الادبي، ويُسقطون عليه صراعاتهم بما في ذلك حلولها، ومن هنا مصدر الشعور بالاستمتاع) -جان ديف تادييه- (النقد الادبي في القرن العشرين) .

نحتفل بالشعر دائما، لأنّه الوجه الذي يحمل ملامحنا الداخلية الصامتة فينا - أرواحنا -، كلّنا نشترك في هذه الملامح بين التطابق الكلّي والجزئي وبين الشعور واللاشعور، وحتى الشعر القديم رغم غربته الزمانية وشعر الأمم الاخرى المترجم رغم غربته الحضارية والمكانية، ولأنهما ينبعثان من أرواح تشبه هذه الدواخل الغامضة في سكناتها وحركاتها وعاطفتها وانثيالاتها، تشبهنا تماما كأنّ هناك حبلا سرّيّا يجمعنا في نقطة كبيرة هو الوجود بين أزله وأبده، من هنا نحن نرفض، نقبل او نتعاطف مع النص، لأننا بارواحنا وما تمخض عنها من معنوي ومحسوس نتج نصّنا من النصّ الاصلي ومنّا .    

فالروح هي الجزء الحيوي من مخلوقات الله وإبداعه في الوجود المتكامل فينا نحن البشر.

الحيوي: لأنّها تمتلك طاقة القدرة على التفاعل مع تفاصيله (لوجود) من ناحية والمتحركة فيه والفاعلة من ناحية اخرى، محاولة لتتفهّمه بطريقتها الخاصة، تتكئ على فكر العصر وأبجدياته، وأولويّاته، ثم إن الوجود هو في كل الاحوال يتحرك حركة ثابتة شاملة والارواح تتحسس به وتتأثّر فيكون ردّ فعلها هو السلوك الانساني قيما واخلاقا ولغة، شعرا وفنونا اخرى لتعكس الزمان والمكان والاقتصاد وما تمخض عنه من افعال الانسان ليدافع بها عن وجوده، هو وسط حيوي عظيم والروح الجزء الحسّاس منه، المتألق به .

الشاعرة القديرة ياسمينة حسيبي،هي روح شاعرة واعية، تنسج من الحرف حريرا فاخرا كردّ فعل إزاء الوجود وجزئه الظاهري:

الواقع الملموس المتشكّل عبر مقدمات كثيرة فاعلة، هي تتفاعل بحرارة عالية معه فتذوب فيه حروفا فكلمات فصور شعرية حافلة بهمس المعاني وهدوء المجاز الشعري رغم اتّساعه، قصائدها تنقل لنا ملامح تجربتها الانسانية الثريّة المتواصلة مع الطفولة كمنطقة تمثّل أعلى قمم المصداقية هي تلتقي بها كما تلتقي - كاثي بهيثكلف في قمم وذرنك - في رواية إميلي برونتي .        

في هذا النصّ: يبدو واضحا ركونها من حيث لا ندري، الى فواصل حرف رويّها اذا جاز لنا التعبير، فالالف الممدودة (المساء،النساء، بسخاء، البكاء، الكيمياء) جاءت بها الشاعرة لتمدّ لنا بساط البوح الغامض في النفس وتوضيحه، الفاصل: يعني استراحة مقصودة للتجلّي واسترخاء لمذاكرة الماضي، ثم في الفواصل خلق لإيقاع، ينسجم تماما مع إيقاعيْ روحها وقصيدتها الأ نثويين امتيازا وأصالةً، في العربية أسماء الانثى طالما تنتهي بهذه الالف المتغنّجة (سمراء، نجلاء، هيفاء، خضراء الخ)، فالغموض التلقائي يتّضح اكثر في هذه الإشارات اللاواعية داخل نص أنثوي ليفصح عن تقاربات روحية مع الكوامن المعرفية في اللغة فخرج النصّ لنا نتيجة لوشائج تشابكتْ ببعضها وتفاعلت عبر زمن سيرورة القصيدة، التي تتنفس قليلا قليلا لترمي قصديتها المهمة عبر المقاطع التي تعلّقت أحدها بالآخر تعلّقا معنويا جميلا فاتحا امامنا القصيدة كمشروع عاطفي لا يبارحه الفكر بين الحين والآخر .

 

أحبّ أنْ أُكنى باسمكَ هذا المساء ْ:

استهلال يتناسق مع الحب وتفاصيله (أحبّ) مع أولويّات المعاني والحروف التي تعني الحب -- أحب ... غنج عميق لمعشوقة، تقف على مساء دلالها الانثوي، يبدو أن القصيدة تستجيب استجابة رائعة لألق الروح بعد أن تصطدم في الحدث - ابن جني - في كتابه الخصائص، يعطي معنى الاصطدام بين جسمين متحركين، هكذا التصادم بين كوامن البوح والحدث العالق في الروح خلق هذا الالق - الكلمة - أحبّ، تأتي مقدمة لقصيدة تعنى بالحب وشجونه، وحزنه وفرحه - أحبّ: هو خط الشروع للقصيدة، يفتح أسرارها لنا، في كتاب التحليل النفسي والفن - د.أي شنايدر،هناك إشارة نحن بحاجة ماسّة إليها لنمضيَ مع النص: (ان اجراء التحليل النفسي، ينطلق من منطقة تهتم بدراسة الفعل المتبادل بين الانسان والعمل الإبداعي، وإدراك وحدتهما وما تثيره من بواعث لا واعية، وهناك حضور قوي للطفولة)، فمن عادة العرب القدامى ان يُكنّون أولادهم صغارا تحبّبا واحتراما، ثم هذا التفاؤل بان يكونوا عند حسن ظنّ أهلهم مستقبلا، الكُنية: مهابة، فخر واعتزاز وغنج عند المرأة ليبقى إسمها طي الكتمان هو فقط للعاشق أو للزوج والاهل ايضا، وفي النصّ أخالها تجيئ مع الترف العشقي وانثيال الروح وتألقها به وهو بعيد - أكنّى بك: معادل موضوعي لحضوره على الاقل حروفا، استحضاره في المقدمة يخلّصها من ارتباك الهجر ها هو معها -- أكنّى بك،وكما الصغار يأخذهم التباهي تيها وشعورا أمام اقرانهم - هي تريده حجرا كريما -- مازال بنا دافع الصبا الكبير، فقد شبّت على الطوق في جملة واحدة وصورة شعرية واحدة (كحجر كريم ، تعشقه النساء ) الحجر الكريم تتنافس الناس من اجل امتلاكه فهو تعويذة وهيبة لمن يملكه، وهو ايضا - لم تكن الغيرة بعيدة ولا الخوف عليه هو الحجر الكريم: تعشقه النساء، ولانّها امرأة ومعشوقة تريده طوع بنانها: في كفّي -- الدلال تفضحه الصورة هي تريده هكذا، الطفولة والانوثة سبيلان متوحدان في المعشوقة بعمق، سبيلان يلهث بهما العاشق حتى أواخر النبض .

يا انتَ: مناداة الضمير ليست شائعة عند العرب رغم وجودها في قصائد معدودة، ولكن في المسرح لها دور مركزي في الحوار، إلتفاتة جميلة في النصّ في خضمّ الفراق والابتعاد الذي حتّمه الواقع - يا انتَ تأتي به من الهجر، وتضعه في مكان قريب منها - ثم مناداة الضمير تعني ما تعني في الواقع الذي جاء النص ليظهره لنا، الضمير هو الانسان بما فيه من جمال والق واخطاء وبكاء وابتسامات، هي جمعت كل هذه الصفات فصرخت: يا انتَ !!  

فجعلتنا نراه في النص كأن نراه أمامنا في المساء المعتّق بالعتاب والتجلّي، يجيبها. هي تقترب منه رغم حرصها الشديد على المسافة بين العاشق والمعشوق، غيابي حضور (كامل الاوصاف) تضاد في المعنى، تضاد في اللغة انتج لنا ضوءاً نسلطه عليها هي كما صاغت نفسها في النص معشوقة: غيابها عنه حضور كامل الاوصاف - هنا تحيلنا الى اغنية عبد الحليم حافظ، كامل الاوصاف قتلني، تأكيد جديد على مركزيتها في المعادلة والجملة استجابة رائعة لمقدمات النص وتواصل معنوي وفني مع القصدية التي أسست عليها القصيدة، وفي الذاكرة العربية: عبد الحليم دائما هو العاشق الولهان حدّ الجنون -- تُرى - هل اللاوعي أسس نشيده في الوعي لتكون الجملة اعلانا آخر عنها كمعشوقة وهل يستمر هذا الشعور الى النهاية حتى إكمال النصّ؟؟

قل ما شئت: في - فعل الامر، قلْ تتعمق في النصّ فكرة المجيئ به جسدا وروحا ولَها، فقل هي المواجهة بين طرفين - في قوله تعالى: قل هو الله احد ، كان الملك جبريل -ع وجها لوجه مع النبي العظيم -ص- ولولا المواجهة لما نزلت الآية الكريمة في هذا الشكل - مع ملاحظة للاخوة والاخوات: جئنا في الآية مثالا لغويّا لبرهنة رأينا في معنى (قل) في النص، ففي كثير من لغة العرب تأتي (ما) للتعبير عن المجهول -- هي تفتح الباب على وضعها النفسي، على خوفها رغم هذا التمسك الشديد بقناعة المعشوقة، بمعنى هي تعطي احتمالات كثيرة لقوله ذلك الغائب الحاضر.

في هذه الهمسة الواثقة (قلْ ما شئتَ) - بعد ان سبرنا غورها التأويلي بتواضع - هناك بُعد ظاهري لها في سياق النصّ لا يوافقنا تأويلَنا، دائما في النصوص - حسب رأيي المتواضع جدا - نرى نوايا الصورة الشعرية او الجملة عموما، تمثّل البعد الظاهري في النصّ، وخفايا تتخذ من المعيار اللغوي وحتى النحوي مأوىً لها وهي تمثّل البعد الباطني - مع ملاحظة عدم قصدي الرمزية أو السوريالية، فهاتان وامثالهما لهما تأثيرات خاصة على توجهات النص وهي غير النوايا الباطنية الآتية من تحليل اللغة وحروفها ونحوها -

نعم في البعد الظاهري نجدها أكثر ثقة بذاتها المعشوقة بدليل: ( لكن لا تسرف في النظر إلى المرآة، لن تتعرف على نفسك بعد أن عرفتني .. انت العاشق) هكذا ذابتْ بنرجسيتها، وجعلت هالتها حولها، ثم وقفتْ امرأةً ممشوقة الثقة والبوح، ألغته تماما من حيث لا يدري بعد ان جمعتْ ملامحَه الكلّية في سلّة عشقها - هو غاب - عندها - ولم يعد ولن يعود، لا أحد يعرفه هو كما كان- من قبل العشق - كائنا مستقلّا بروحه وجسده، يتموضع في النص بملامح آخر: (يميّزونك ) استخدام يجيئ جماله من جمال مناسبته للمعنى بدقّة فنية، أصبح العشق صفته الاولى والاخيرة، كيف يميّزونه سيّدتي ؟ (أن رائحة الدخان المنبعثة من دواخلك) وبعد ؟ يقولون: إنّ ضلوعك تحترق بسخاء ..!

هل رأينا كيف أمسكتْهُ بأجنحة عشقه لها وحلّقتْ به من مكانه إلى حيث ينفعل مساؤها بالهوى العميق، ثم جلست، اتخذتْ متّكأً تُفصّل له عشقه، لا عشقها .

وبعد ايّتها المعشوقة ؟ أخبروني ...

ما اخبروكِ ؟ (أنّك مأخوذ بأمومة عطري)، هكذ إذاً: (ضلوعك تحترق بسخاء): مجاز رائع ومتألق كما هي النار في الاحتراق، جعلت منه موقدا للحب دائم الاشتعال بها - خلقته موقدًا كريمًا - العرب الكرماء عرفناهم في التأريخ لا تنطفئ نارهم ولهم في ذلك فخر شريف في (يقولون ، وأخبروني ) إلتفاتة لغوية أصابت الشاعرة بذكاء هدفها - في الجمل القولية والخبرية خصوصا هناك وسط ناقل للحدث، لقد آشركت آخرين (شهود عيان) وهي تجلس على كرسي الملكات وتأتيها الاخبار كما ترغب، (يقولون، اخبروني)، يصدران عن قوة هائلة في تخيّل المعشوقة وهو يُحسب للشاعرة القديرة ايضا، ومن خلالهما نفهم ان هناك اكثر من مصدر لحكايته معها، القول يختلف عن الخبر في اللغة والمجتمع معا، فاللغة أمَّارة بالمعنى من حيث يعلم أو لا يعلم الناصّ المكافح في حرفه .

ثم (ماخوذ بأمومة عطري) مجاز متداخل فيه العاطفي الضعيف - الأم لابنها - والعاطفي الضعيف أيضا العاشق للمعشوقة وهما يأتيان للمحة نفسية تضيف العطري الحسّي إليه والمعنوي فتخرج الصورة الشعرية مركبة تركيبا فنّيا مثيرا هائلا من خلاله نستقرئ مديات الدلال، التي أحاطت المرأة الطفلة المعشوقة في النصّ.

في المنهج النقدي الاجتماعي هناك قول جميل يواجهنا ونحن نحاول قراءة النصّ بتمهّل حيادي مستعينين بما يمكن من الادوات: (الأدب ظاهرة اجتماعية، وهو الإدراك الحسّي للحقيقة عبر الصورة الخلّاقة)

(أخشى عليكَ منكَ أيّها الواقف عند مفترق نبضي كقاطع طريق) الخوف الذي ظهر توّا هو ما قصدناه سابقا من أن البعد الباطني أحيانا يتغلب في النص على النوايا - البعد الظاهري، رغم أنها تخشى عليه ظاهريا ولكنها تخاف هروبه باطنيا، كيف ؟

(ايّها الواقف عند مفترق نبضي) يبدو لنا انه اثبتنا حقيقة البعد اللغوي - مفترق - حالة نزاع وصراع في الاختيار، في البقاء، في الرحيل .

مفترق: طرق عديدة ولكن عليه ان يمتهن واحدا منها -- ثم أيّها الواقف، لوم وعتب شديدان ويُبكيانها بصمت، لماذا الوقوف وانت العاشق ؟

- ثم كقاطع طريق: هي الاهم في هذا المشهد التراجيدي - بدأت تعلن صرختها صافية تناسق البعدان الظاهري والباطني، الحسي والمعنوي المرئي واللامرئي - قاطع طريق: الكثير من المراوحة في مرحلة العشق وقوفا كما أشار النصّ، الكثير منها يقطع الطريق على الاثنين معا من تحقيق الرغبة أولا،و خسارة الكثير من العاشقين المُخلَصين والمُخلصين ثانيا،كم هو جدير هذا المجاز الشعري بالنظر إليه بعمق وانصهاره مع البعد اللغوي ليوصلني أنا - على الاقل - الى روحية النصّ الجميل . مفترق نبضي، هواجس جعلتها تخشى عليه منه، الشعر عندي: ما أوقعني بغرامه .

في مسائها الرقراق المحفوف بالحوار لا بدّ لها من توازن نفسي ولغوي وشعري، معادل تركن إليه بعد ان اكتشفته وكشفته يقبع في مفترق النبض، فعثرت عليه (لهذا سأجلس في الركن القصي من روحك ) هو إعلان صريح عن عشق مقابل عشق ورفض مقابل رفض وهروب مقابل هروب، مفترق نبضي = الركن القصي من روحك، النبض والروح ملاذان آمنان للحبيب، ألقتْ بأحضانه أغنية لإديث بياف:

(الحبّ شيء لا يُفهم، شيء هكذا يأتي من مكان ما ويخطفك)، استسلام جميل لمعنى الحب - فهو أكبر من أن نحصره أو نحاصره - هو القادر على أن يحملنا الى حيث يريد، الحب في الاغنية نشيد عالمي وعالم أوسع من عالمنا المحسوس وأعمق، (لعلك، ولعلّي) مناصفة عادلة جدا - (زهو الخسارات، ومجرد حلم) هما الفراق الذي بدا أكيدًا وعميقًا رغم بقاء العشق الذي تجلّى حروفا ترتدي من الجمال ما ترغب وتريد، لتوسع القارئ فتنة الكَلم وبهاءهُ .

العشق يبقى وما يدّعيه الفراق هو افتراء على الحقيقة وأهلها .

هكذا رأيت النص من زاوية انظر منها، زاوية مجردة عن المكان وعن الزمان، وربما سأقرأه بشكل آخر في زمن آخر ومكان آخر.

مع فائق التقدير للمبدعة القديرة: ياسمينه حسيبي ولجميع الاخوة والاخوات .

قل ما شئتَ !

أحب ان أُكنّى بإسمكَ هذا المساء ..

كحجر كريم يلمع في كفي ..

فتعشقه كل النساء .

يا أنتَ، غيابي حضور "كامل الأوصاف "

وإسمي ظاهره الندى وباطنه الحريق !

قُلْ ما شئتَ ..

لكن لا تُسْرفْ في النظر إلى المرآة،

لن تتعرّف على نفسكَ بعد أن عرفْتَني !

فأنت العاشق ..

يميزونكَ من رائحة الدخان المنبعثة من دواخلك،

يقولون: ضلوعكَ تحترق بسخاء !

أخبروني أيضا ..

أنك مأخوذ بأمومةِ عطري،

ومأهولٌ بي حدّ البكاءْ !

أتريد حقا أن تنتمي إلـيّ جملة وتفصيلا ؟

فارفع يدكَ اليمنى عن قلبك لأرى نهاية المصبّ ..

الحب حكيم حين نطلق سراحه

يغير كلّ المعادلات المتعارف عليها في الكيمياء ..

لكني اخشى عليكَ منكَ ..

أيها الواقف عند مفترق نبضي كقاطع طريق !

فبعض الحب يضيق به الصدر حتى لا يكفي لمرور تنهيدة !

وربما نام فـيكَ دون أن يغمض له جفن.

سأجلس في الركن القصيّ من روحك ..

أردّد على مسامعِكَ أغنية لإديث بياف:

"الحب شيّء لا يفهم

شيء هكذا

يأتي من مكان ما

ويخطفك في لحظة غفلة ".

لَعلّي أمنحكَ زهوّ الخسارات

أو لعلّكَ تقتنع بأني مجرّد حلم !

 

الاديب والشاعر حكيم الصّباغ

قراءة مستفيضة لثلاث قصائد من مجموعة (غيوم تكركر)

saad aldugman- دَاخَل الشاعر ومزج بين الديني والعددي ليخرج قصائده بما يشبه الملحمة

- استحضر فرات الماضي بدقة وعكس صورة الألم الذي استطال بالعراق

المجموعة الشعرية التي صدرت للشاعر البصري فرات صالح مؤخراً عن دار العالم ببغداد، حملت عنوان (غيوم تكركر)، تقع في 123 صفحة من القطع المتوسط، وحملت أسم إحدى قصائده التي تضمنتها المجموعة التي احتوت على ثمانية عشر عنواناً منها: بيض شياهك ودمي أخضر، الطريق الى الكوفة، نظارات جدتي، أحزان الموالي، أيوب البصري، مهما حاولت، وغيرها. لوحة الغلاف رسمها رينيه ماغريت، بينما صمم غلاف المجموعة صدام الجميلي، المجموعة هي الثالثة لفرات بعد مجموعتين إحداهما شعرية "وصايا الطباشير" والمجموعة الثانية قصصية "عربة تحرسها الأجنحة".

سنتناول مجموعة فرات الأخيرة (غيوم تكركر) على تتابع بين الحين والحين، لنقف على تفاصيلها وما ضمنها فرات صالح مما أجادت به قريحته الشعرية، حيث أراد فرات أن يوحي عبر عنوان المجموعة للقارئ بشكل ضمني،لكنه جاء واضحاً مفهوماً (ربما بقصد من الشاعر) بأن الأقدار تحركنا كيفما شاءت دون أن تحسب لما نعانيه أي حساب، لذلك وبعد أن نحشر في زاوية بعينها، فأن الأقدار ذاتها (المجهول) الذي استعاض عنه فرات بالغيوم، تضحك منا، وتضحك حتى تتعالى ضحكاتها الى مستوى أن (تكركر)، لذلك أفرد الشاعر لمجموعته هذا العنوان (غيوم تكركر).

تراءى لي لو أن فرات نعت مجموعته باسم (ظهيرة الألم) وهي مفردة تضمنتها إحدى قصائد المجموعة، بدلاً عن (غيوم تكركر) رغم غرابة العنوان ونجاحه بشد القارىء، رغم ذلك لو استعاض ب (ظهيرة الألم) لكان المعنى أجزل وأوفى، ولكن دائماً ما يكون المعنى في قلب الشاعر.

انتقينا ثلاث قصائد من مجموعة فرات الأخيرة، لنقف على محتواها وما يريد الشاعر إيصاله عبرها لقرائه، علنا نوفق بتحليلها.

الكم الهائل من المفردات التي استخدمها فرات صالح في قصائده التي احتوتها مجموعته الشعرية (غيوم تكركر)، جاءت جزيلة المعنى وافية، حددت مساحات الألم التي يعانيها جيل بحاله، ولم تكن تعبيراً عن معاناة فردية عاشها الشاعر، رغم إن كل قصائده احتوت ذلك المعنى ورسمت حروفه صوراً مقروءة ضمنها أبياته. حاول فرات ونجح في أن يلون معانيه وبشكل ضمني بزخرفات الماضي، وأستعاد عبر ذلك ذكريات كثيرة عكسها على الواقع الأليم لحياة حافلة بالألم واللوعة، لكن صورة استعادة الماضي والولوج منها الى الحاضر جاءت لتحاكي تجارب شعراء كبار، كان لهم السبق في ذلك المسار، كما في قصيدته " بيض شياهك.. ودمي أخضر"

كنت طفلاً

وكانت لي جدة تحتفي بي

وبالبرسيم الذي تقضمه بقراتها

كل صباح

وكان لي في بيتها سدرة

كالتي في بيت جدك

وكان الطريق إليها سالكاً

بأبوذيات جدي و زهيرياته

وبقصائدك

التي أينعت في جيوب أبي

كنت غضاً

لكنك تركت لي نقرة السلمان

ويلج فرات من بين أبياته التي تحاكي الماضي بوضوح، قاصداً منها مخاطبة القارىء ودغدغة مشاعره بزمن جميل غابر شكل هاجساً يومي في ذكريات الناس، مقارنة بواقع مأساوي ثقيل الوطأة ليعرض عذابات من عانوا من أشكال التعسف والتنكيل على يد أنظمة تعاملت بالقسوة مع معارضيها، حتى باتت مفردة (نقرة السلمان) تشكل رمزاً للتعسف و الاضطهاد في ذاكرة جمعية لشعب أو لأجيال اختلفت في تصوراتها، لكنها أجمعت على توافق هذا الرمز المخيف والذي يشكل إيحاءً للتغييب والقسر.

استخدم فرات صالح في مجموعته الأخيرة (غيوم تكركر) الإيحاء بشكل مفرط، حتى يخال للقارئ إن قصائده كانت تؤكد على تفرده في هذا الأسلوب، أو حصره لشعره في هذا المعنى، - والذي إن صح- فانه يدخل في باب الوجداني أكثر مما ينعت بالوصفي، والشعر الوجداني باب واسع وقديم قيل فيه الكثير ونظم منه أكثر، وبات منافساً لصنوف الشعر الأخرى، وله شعراءه الأفذاذ منذ العصر الجاهلي حتى عصرنا الحاضر.

مازج بين الغيب والوصف، بين الغائب والحاضر، بين ضمير المتكلم والغائب، بين المنفي والمبني للمعلوم، بين الملموس والموصوف، حتى باتت قصيدته جامعة، كما انه مزج بين المتناقضات، كما في :

كشياه بيض

ترفع عن ظهر الأرض

حشيش الغبار

وتمنع حنجرة الزهرة

تاتأة العطر

استخدم فرات التشبيه في أكثر من مكان ليوصل المعنى وإن كان ضمنياً، لكنه جاء بوضوح تام ليجسد المعنى المكاني للتشبيه والدلالة، فكانت أبياته جلية في تحديداتها عبر استخدام المتضادات اللغوية.

أتبعها الى المقاهي

في جبهة النهر

ضحك النادل الكلداني

من قهوتي المرة

وهو لا يرى دمي يزحف اخضر

تحت الطاولة

عمد فرات لتضمنين آبياته بتشبيهات متناقضة، جمعت بين الرمز الديني والدنيوي، حتى أضفت على القصيدة (المبهم) الذي قد يساء فهمه ما لم يكن في سياق فهم القصيدة بصورة عامة، فخلط بين ماهو زائل (توني بلير) وماهو خالد عظيم (باسمه العظيم الأعظم)، وإن كان يقصد (بلير)، إلا إن سرعان ما يقفز الى ذهن القارىء الجانب الديني من المعنى عبر هذا الإيحاء، وجاءت صيغة الكلام بالمنادى عبر حرف (الكاف) الذي يعود على بلير الزائل، ومن جهة أخرى منح خطابه بعداً قومياً عبر تباعد المسافات وتقارب الموصوف بنواح عديدة تشي بتقارب الحس مابين صنعاء وبيروت، دافعاً ببعده حتى (أخر الدنيا)، ليوحي للقارئ عبر تلك المقاربة إن ما يجمع بين تلك المسافات إحساس جميل يربطه خيط من أسى لكنه جميل أيضا.

وبصيغة المخاطب يدفع فرات صالح بأبياته ليشي بحقيقة إحساسه تجاه ما يجري في عالمنا، الذي مهما أتسع إلا انه بات أكثر ضيقاً مما تصورنا، مستبعداً أي أمل بالآتي بل يكرس وجعاً ينقله بتشاؤم مفرداته في جواب الاستفهام ب (قد) في البيت السابق، ليذهب لوصف المدى بصيغة المطلق (أضيق)، وهي من باب (أفعل) بمعنى أكثر ضيقاً.

ليعود الى صيغة المجهول ثم الأمر المصحوب بالوصف، ومن ثم التناقض الحركي الوصفي، كما في (الأوبرا، الرضوانية)، مستخدماً مفردات محلية (الشر وكي) في وصف الحالة، - لدلالتها- وهي تقريب جيد لاستيعاب الحدث عبر شعره، ليعود بعدها ويختم قصيدته (بيض شياهك ... ودمي أخضر) بوصف هذا الشر وكي عبر محلية التسمية كما ذكرنا، بأنه لا يعرف عن دنياه أبعد من حياته اليومية، التي امتزجت بطيبة هذا الوصف، ومحدودية الإطلاع، حتى انه لا يعرف شيئاً (عن الطائرات)، وهو رمز استخدمه فرات لاتساع العالم وترامي أطرافه، ورغم هذا الأتساع لا يعرف الشر وكي عنها أي الطائرات (غير قنابلها) التي ترمى، وهي ضمنية معبرة لما مر به العراق طيلة عقود من مآسي ونكبات استمرت حتى يومنا هذا، ومن (الأرض) غير المواضع وهي في ذات السياق الوصفي لما جرى ويجري، وتحمل أهل الجنوب مثل باقي العراقيين وزر وتبعات هذا الألم.

أجاد فرات صالح في (بيض شياهك .. ودمي أخضر) لكنه أبدع في المقاربات التي ضمنها قصيدته، مابين تنقله من صيغة المخاطب الى المجهول، ومن الوصف الى التناقض، حتى يخال للقارئ إن ما ضمنه فرات تلك القصيدة هو عبارة عن قصائد عدة صقلت لتشكل في بوتقة واحدة مجموعة من الأحاسيس المتناقضة في سياقها، قدمت من الماضي عبر حكايات الجدات، مروراً بجيل الآباء والشعور بالتمسك بالأرض انتقالاً الى المأساة، ثم تداخل الأديان، والغيبيات وصولاً للشعور القومي الذي يجمع امة متباعدة الأطراف مختلفة التوجهات، حتى يضع رحال أبياته ليختم قصيدته بمعاناة أقرانه مستخدماً وصفاً محلياً بحتاً، وليضفي على قصيدته صبغة محببة، وتصوير جميل لمعاناة طالت وكرست همومها مراحل تاريخية، لم يكن من نصيب الإنسان فيها سوى ضيق المتدارك، وأضيق الأفق.

أخي..يا من تحملني من صنعاء

الى بيروت

الى آخر الدنيا

خيطا من أسىً شفيف

قد يكون المتدارك ضيقاً

لكن المدى أضيق

دع الموج

وأصغ الى الجوق

يعزف الدزنتري

على طبولٍ من صفيح

في دار الأوبرا في الرضوانية

اسمع المقيم على تخوم المقبرة

اسمع الشروكي بمحض إرادته

الذي لم يعرف عن الطائرات

غير قنابلها

ومن الأرض غير المواضع

وفي طريقه الى الكوفة جمع فرات الزمن بكل تفاصيله مشبهاً إياه بالسيف، بما يحمله من معان عدة تفرضها القسوة حيناً، والعدل أحيان كثيرة، والجدوى من طريق السير هذه بقداستها نحو المقصود، وهنا داخل فرات مابين العاطفي والديني ومنه يطرق باب التأثير على القارىء بذكاء حين اختار عنوان القصيدة (الطريق الى الكوفة)، وهذه بحد ذاتها استخدام موفق عبر الإيحاء المباشر لذهن القارىء بأن هناك شيء ما لابد أن يجذبك في آبيات القصيدة (الكوفة)، مقر الخلافة والحكم ودار الإمارة، وهذه الرمزية الخالدة عند المسلمين تستحق هذا العناء، والسير نحو التبرك بإرث الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ومكانه المقدس، داخل فرات الوصف ليحكم السرد التاريخي لتلم المآثر وللمسير مستخدماً تأثيرات وتقلبات اللغة وحالاتها بإتقان مابين المفرد والجمع، ولإضفاء مزيد من الهيبة على آبياته أولاً عبر التوظيف التاريخي في السر، يضاف إليه ما لتلك المسيرة الروحية من هيبة أيضا، مستحضرا التاريخ بنجاح استخدامه لتلك التقلبات مابين اللغة وتأثير التاريخ برمته الديني والسردي.

(منذ قرون ولا نصل) وهذه بحد ذاتها مقاربة أراد فرات صالح من خلالها تكريس معنيين الأول ملموس ببعد مسافة السير، والتعب والإجهاد المرافق لتلك المسيرة التطوعية وما يرافقها من تبعات كانت في حينها تعد من الذنوب التي لا تغتفر، والثاني محسوس ويمثله الجانب الروحي من الموضوع، وعلاقة الإنسان بالدين والمكانة الشريفة السامية لصاحب المكان المقصود بالمسير (الإمام علي)، مهما سرنا وابتعدت بنا مسافات المسير، فذلك مؤكد إننا لا نصل ولن نصل لتلك المكانة السامية الشريفة، لذلك كان فرات ذكياً لأبعد الحدود في المزج مابين الملموس والمحسوس وتوظيفه باسلوب وصفي ممتع يقفز مابين القرون التي تأخذ الناس بمسيرها نحو الكوفة ولاتصل.

كان في الطريق كحد السيف

وكنا حفاة

في مجاميع نسير

وفرادى

منذ قرون نسير

ولا نصل

استعمل الشاعر التنوع في أبياته مابين العددي والشكلي، فيما وظف التخيل مرات عدة، ليظهر صورته الشعرية برموزها وكأنها لوحة تدفع بناظرها الى التعمق في أجزاءها، والخوض بتفاصيلها للخروج بمحصلة الفكرة،لكنه ترك القارىء أو الباحث عن غموض اللوحة الشعرية يواجه نوعاً من التحدي عبر هذا الغموض الذي لف فرات قصائده به، سرعان ما يكتشفه المتتبع سر ذلك الغموض الذي أجهد نفسه عناء البحث عنه بان طلاسمه كانت أمام عينيه لكنه لم يراها، وان الشاعر قدمه له بيسر ودون عناء وبحبكة عالية، وهنا نقول لفرات صالح أبدعت في تكوين حبكة النص التي تنقلت بها من الغامض والمبهم الى الوضوح المباشر، باستخدامك أسلوب السهل الممتنع لترتقي بنصك الى حيث جمالية الشكل وشمولية التعبير الحسي والفني.

كان الطريق كحد السيف

وكنا حفاة

في مجاميع نسير

وفرادى

منذ قرون نسير

ولا نصل

حتى كأن الكوفة غابت

إلاٌ عن الخرائط

كان فينا عاطلون عن المرايا

وعن الحياة

وكان سنّة ومسيحيون وصابئة

وموظفو دولة وغجر

كنا جمعاً وقلوبنا لم تكن شتى

الدمج مابين الوصفي والعددي والغموض، ثم إتقان الحبكة وإحكامها بجلاء المبهم في قصيدة فرات (الطريق الى الكوفة)، قادته في الجزء الثاني منها للتركيز على الإيحاء الديني وبصورة تركيز على الموروث، ليبدأ (يا كوفة يحكى أنه)، وهنا يعود الشاعر ليوظف الآرث الجمعي لشريحة واسعة من المجتمع عبر الحكاية وهي بحد ذاتها فن، مثلها مثل القصة لها أطرها وأبعادها وتوصيفاتها، ويعود فرات مستخدماً تداخل هذا الآرث ليضمنه أبياته، وليخرج بألق وزهو المنتصر حين يشي للقارئ بما هو معلوم لديه، لكنه مدعاة للدهشة والاعتزاز حين تسمعه أو تقراه عند غيرك وبشكل دائم، ليدخل بتأثير تلك الحكاية الى حيز اللاوعي لدى القارىء، ويأخذه الى مساحات من التصور والخيال.

ونغني :

“يا كوفة يحكى أنه

يبرئ الأكمه والأبرص

وبيديه العاريتين

يشفي القلوب المحزوزة

فتأتلق الأرواح على بابه “

وكان النشيد غيمةً

فوق رؤوسنا المغبرة

يقودنا كمزمار مسحور

الى الكوفة

الكوفة التي لم تتسنّ لنا

مُذ خالفت عليّاً

والطريق إليها

كان كحد السكين

وعبر ما تمثله الكوفة في الماضي من أثر بقي صامداً مخلداً وسيبقى للأبد، يلج فرات من باب الحضارات ويحدد السومرية منها ليترك أثراً لدى القارىء بان جذور منطقة الأهوار ترجع الى حضارة عريقة لم تضمحل، بل توارثها بل توارثها سكان المنطقة (المعدان) ليشكلوا استمراريتها، إلا انه يعود في السياق لمزج التعبير القرآني ولو بالمعنى الضمني (قيل ابلعيهم، تلقف ما يأفكون) إشارة للآيات الكريمة (يا أرض ابلعي ماءك)، (وأرمي عصاك)، ويستمر ليدخل مشهداً من الحاضر القريب عبر السرد الذي يطغى عليه الجانب الروحي بالإيحاء المبطن لحوادث سياسية حدثت في ثمانينيات القرن المنصرم، وتركت أثرها على الشارع العراقي، ما يفسر التدرج بأبيات الشاعر نحو تناول الحدث بمستويات مختلفة ومنها النقد السياسي، وهذه تحتسب لفرات .

دخل السومريون من باب الأهوار

-ويسمى باب المعدان أيضا-

جفّت ألواحهم وأسماكهم

وثقبت الشمس قدورهم وقواربهم

حتى استعملوها بيوتاً للراحة

قيل ابلعيهم أيتها الأرض

فغصت بجواميسهم

وتجشأت أحلامهم

لكن أمهاتهم كنّ يفتحن

عباءاتهن سراً لهواء عليل

يهب من الأعالي

أو يهب من الكوفة

ليختتم المشهد برمته بان الطريق الى الكوفة كان يعج بتداخلات كثيرة، ليس أقلها الموت الذي يلف المسير بعباءته التي تفضي الى (تنور) إشارة الى فورة الغضب وقسوة السلطة،إلا إن هذا التنور بتصاعد سعيره يفضي الى ثلاثة أقمار تصطبغ بلون الدم لتمنح الحياة نبضها الجديد.

الطريق الى الكوفة اشببها بملحمة جمعت بين السرد الوصفي والرمزي، واحتوت السيرة وعبق التاريخ والمفاخرة، ثم ذهبت أبياتها بعيداً لتدخل من باب الشعر السياسي، والذي يشكل بحد ذاته ثورة على الواقع، ثم لم يغفل الشاعر إن كل ثورة لابد لها من رمز تستأثر به، فكانت الكوفة برمزيتها المعروفة، وكانت (يا سيدنا) الذي جاء على ذكره فرات رمزاً مكملاً لصيرورة الديني، وعبر ربط ما ذكرناه تكتمل الصورة الشعرية لملحمة الطريق الذي أصر فرات صالح على نعت السائرين عليه منذ قرون بأنهم لم يصلوا.

” يا كوفة يحكى أنه أقام الجمعات

وان كلماته تلقف ما يأفكون

بلا أفعى وبلا سحرَة “

يا سيدنا

نحن محبوك ومريدوك

الساعون الى الكوفة

ظللنا بغمامك في هذا الهجير

وأمطرنا حٌباً وعافية

فنحن سيفك

ونحن كتابك الذي فيه تقرأ “

لكن الطريق الى الكوفة

كان كحلق التنور

وعلى بوابتها

ثلاثة أقمار بلون الدم

تنبض بشدة.

وعن جدته أختار فرات نظاراتها (نظارات جدتي)، ولأنها ترى العالم بأسره عبرها، فقد منح فرات صالح تلك الجدة بعداً خالداً من خلال عدساتها التي أفنت عمراً مديداً تبحث عنها، لتضع نهاية لحكايتها التي لفها الشجن والآسي بفقدان من تحب، مثلها مثل كل أمهاتنا وجداتنا اللاتي عكفن على تتبع أخبار الأحبة في المنافي، أو لازلن يترقبن خبراً من غائب قد لا ترجعه السنين، وحمل نعتاً ثقيل الوطأة (مفقود).

أربعون عاماً

وجدتي

تبحث عن نظاراتها

لتصوغ نهايةً

للحكاية الفاغرة

ليعود أبناؤها

من الأرض الحرام

وأحفادها من الشتات

أربعون عاماً

والحكاية معلقة بالسقف

كقنديل مطفأ

تنزّ دماً كلما حركتها الريح

وكلما ذهبت جدتي

لتغفو..

التقارب الذي ذهب إليه الشاعر في (نظارات جدتي) كرس بلا حدود حالة أللاستقرار السياسي التي عاشها العراق حتى اليوم، فأشار الى الشتات أو (المهجر) وهو أدب يحمل على الآسي واللوعة والحنين للبعد عن الوطن. حاول فرات توظيفه في هذا الباب عبر حنين جدته ولوعتها التي ترتسم على تجاعيد وجهها بأثر فقد من تحب، ليدخل منه الى مستهل قصيدته التي أتسمت بالمجهول (لتصوغ نهاية)، (أرض الحرام)، (المنافي) ن (محض طوابع).

جدتي ملكة الحكايات

تعجز عن نهاية لحكايتها

لتجمعنا من المنافي

محض طوابع

ومن الأرض الحرام

أقراصا وسلاسل ..

لم تمهل الأرض جدي

ليكون سفيرها الى الشمس

ابقي فرات صالح قصيدته مفتوحة على تساؤلات عديدة لفها بالماضي، واستخدم الصفة والموصوف، وادخل النعت في طياتها، حتى تزاحمت آبياته بسيل من التركيبات والصور التي رسمتها آبياته ولم يفسر للقارئ سر تلك الأبواب التي لازالت مفتوحة على المجهول، حتى بعد إن اكتملت القصيدة. ذهب فرات ولم يسدل الستار على حكاية جدته التي لم تجد عينيها، لكنه استوقفنا على مبهم أخر حين قال: "البرابرة وصلوا".

لكنها أمهلت جدتي

أربعين عاماً

لتبحث عن عينيها

كي تغلق الحكاية

قبل وصول البرابرة

ثلاث قصائد لفرات صالح من مجموعة (غيوم تكركر) ذهب فيهن الى الوصف السردي، وحملها من الشجن ما يكفي دواوين، ربما خرج فرات بأبياته من تجربة البلد المريرة والتي لازالت تكرس المأساة، لكنه أجاد رغم أن الكثير من صوره الشعرية تكررت في أكثر من مشهد، وجاءت تداخلاته بمزج الديني والدنيوي، المجهول والمعلوم، السيد والتابع، الماضي والحاضر، لتضفي عبر دقة استخدامها وتوظيفها الصحيح ليؤسس لمخرج محكم للحبكة التي امتازت بها القصيدة عند فرات، إلا أن الذي يؤخذ على مجمل القصائد التي انتقيناها إنها تدخل في حيز المأساة لا الملهاة، وهي بكل تأكيد ناتجة عن صيرورة الحدث الذي عايشته طيلة سنين عجاف، فخرجت من إرهاصاته بتلك الصورة التي رسمها فرات من رحم تلك المعاناة، إلا إنها كانت تمثل تعبيراً صادقاً لواقع ملتبس ومعاش.

تجربة أسمهان خلايلة القصصية

shaker faredhasanأسمهان علي خلايلة قاصة وكاتبة اجتماعية تنتمي إلى فئة الكتاب الذين يلتزمون عن وعي قضايا الناس والمجتمع، وتتوزع اهتماماتها وتتنوع على القصة والرواية والخاطرة الاجتماعية النقدية .

عرفتها المنابر الصحافية والملاحق الأدبية والثقافية في هذه الديار منذ قرابة الـ 3 عقود ونيف، واستطاعت أن تشق طريقها المليء بالأشواك والألغام، وحققت حضورها ووجودها في النسيج القصصي والفضاء الأدبي المحلي، بالرغم من أن النقد لم ينصفها .

وما يميز أسمهان عن عيرها من الكاتبات والمبدعات أنها لم تضع هالة حول نفسها، ولم تصب بعدوى النرجسية وعشق الذات المنتفخة وأخفقت في كسب ود المتأدبين والنقاد وأشباههم، وكونت لنفسها هوية خاصة . وهي لا تكتب للنقاد بل تكتب للناس وعامة الشعب والقراء، وكتاباتها تنطوي على فائدة اجتماعية ونفسية وأخلاقية بهدف الإصلاح والتغيير، وتطور المجتمع في سلم التقدم والحضارة، وهي تتصف بالجرأة والاستقلالية والرأي الحر الواضح والصريح ولا تتنفس من رئة غيرها .

ولأسمهان خلايلة مجموعتان قصصيتان هما "الحصاد الأخير " و"مروة والعيد " وقصة طويلة "نوفيلا" بعنوان "آخر النفق "، وكتاب "لا حامض ولا حلو " الذي يشتمل على مقالات ومعالجات انتقادية اجتماعية وسياسية .

أسمهان خلايلة تعيش وتحيى الهم الفلسطيني والقومي والاجتماعي وحالة القهر والتشظي والتردي، وكتباتها ترصد الواقع الاجتماعي والفكري والسياسي والنفسي والأخلاقي، وتطرح العديد من الهموم والقضايا التي تواجه الإنسان العربي والفلسطيني، وتحرك في صدورنا أشياء كثيرة دفينة، ولوحاتها الاجتماعية هي لقطات حية من صميم واقعنا وتعي ما يدور في مجتمعنا، القروي والمدني على حد سواء، من وجهة نظر خاصة، وبأسلوب نقدي واقعي يمور بالمرارة والألم، وكل لوحة تعرض صورة أو مشهداً من مشاهد الواقع الاجتماعي المعيش .

ومن خلال طرح ومعالجة هذه القضايا تبغي وتريد إصلاح وتقدم ورخاء المجتمع، فتكتب عن المظاهر السلبية والعلل الاجتماعية الحادة السائدة، كالرياء والنفاق وشيزوفرينيا التفكير واعنف المستشري والذوق الفني والجنسي المشوه والتعري الفاضح واللباس المكشوف والأغنية العربية الحديثة المبتذلة، وغيرها من القضايا والمسائل الاجتماعية والواقعية .

ويشدنا أسلوب أسمهان خلايلة الشائق والممتع، ولغتها السهلة الواضحة الشفافة والمنسجمة التراكيب، وجودة الوصف، ودقة الملاحظة، وتنوع وثراء وعمق المضمون والرؤية الفنية المتقدمة .

أسمهان خلايلة تتأجج مثل النار في الهشيم، تحلق في فضاء النص وتشرع النوافذ للجديد، وتكشف في معالجاتها هموم المجتمع ومشاكله وقضاياه المعاصرة بكل حدة وجرأة . أما قصصها فهي ذات محتوى ومرتكز إنساني وأبعاد فنية ودلالات فكرية تكمن في النفسيات وخلق الشخوص بدقة متناهية .

ومجمل القول، أن كتابات أسمهان خلايلة نموذج للكتابة الواقعية الهادفة، وكسر للطابو الاجتماعي، وثورة على القشور والشكليات لأجل الإصلاح والنهضة، ومن حقها أن تتبوأ مكانة لائقة في ساحتنا الأدبية ومشهدنا الثقافي الإبداعي .

جماليات السينما في الشعر الحديث .. قصيدة السيناريو نموذجاً

bushra albustaniلم يعد خافياً اليوم أن انفجار زمنية العصر الحديث وسرعة إيقاعها، والإرباك الذي لحق الحياة جراء ذلك أثّر تأثيراً مباشراً على الإنسان المعاصر، كما اثر على طرائق عيشه وعلى الفلسفة والفن والعلم والرؤى التي يفكر بها ويعيش من خلالها، وقد تسلل ذلك الانفجار والشعور بسرعة زوال الأشياء والظواهر التي كان التغيير يداهمها إلى كل شيء، ولاسيما في المجالين الاقتصادي والاجتماعي حتى إذا ما وصلنا للجانب الثقافي وجدنا كل شيء يعدو بفعل التطور الهائل للمعلوماتية ووسائل الاتصال والميديا، مما جعل هذه العوامل تنتزع من الناس ذلك الشعور بالديمومة الذي كان يميز الفترات التي اتصفت بالاطمئنان وبطء التغيير، فقد تحطمت التشكيلات القديمة في جميع مجالات الحياة، حتى صارت الاندفاعة التي أعقبت الثبات النسبي للماضي تفرز أشكالا جديدة تتبلور بسرعة، ولكنها لا تلبث أن تذوب مرة أخرى في التيار (1) وعلى مستوى الأدب، وفي عصر متغير كهذا لابد من انبثاق بنىً فنية – شعرية جديدة مغايرة لما هو سائد، ومن طبيعة السياق التاريخي الذي يعمل به الشعر يمكن ملاحظة كيف كان الوزن والقافية هما مركز المغايرة الشعرية لقصيدة الرواد، وكيف كانت اللغة وتشكلاتها هما مركز المغايرة الشعرية لقصيدة الستينيات، وكيف كان الوقوف الجريء بمواجهة الوزن هو مركز المغايرة الشعرية في المدى اللاحق ولاسيما بعد ان هزت قوانين حركة التغيير قوانين عمل القصيدة فأدخلت الشعر في مواضعة شعرية جديدة، وكان جيل الستينيات أكثر توازناً في التجريب الشعري الذي طال أنظمة التفعيلة واللغة والشكل كما كان اقل اندفاعاً في المغامرة بهذا الميدان (2). على أن اشتغال الأجيال المثابرة في مشروع التنقيب ومحاولات التطوير نتج عنه تعدد الأشكال البنائية للقصيدة العربية الحديثة وتنوعها وثراء النصوص الجيدة منها، وقد عمل شعر التفعيلة في النصف الثاني من القرن العشرين على ارتياد آفاق تجريبية هدفها إغناء وعي التجديد وإثراء مداه الذي بدأته نازك الملائكة، وعدم الوقوف في منعطفات السكونية الخطرة، فكان الالتفات الى ذلك بصيغ متعددة منها الحد من جهرية الموسيقى الذي يقابله تنمية الإيقاع داخل اللغة، وتفجير بنية اللغة مقابلاً لتبديد أنظمة الدلالة، وتجاوز وحدة التفعيلة تنويعاً لمستويات الأداء، وتوسيع حقل الرؤية بإطلاق فضاء الرؤيا (3) ، والاشتغال على تطوير تشكيلات الصورة الشعرية ، وقد آزر ذلك انفتاح الشعر على الأجناس الأدبية والفنية الأخرى، وفي طليعتها السرد والدراما والفنون التشكيلية واليات فن السينما، وما افرزه ذلك التداخل الاجناسي من ظواهر فنية في الشعر خاصة.

إن نظرية الأجناس الأدبية والفنية في فروعها المختلفة، قد بدأت تتزعزع نتيجة اهتزاز الأساس الفلسفي الذي انبنت عليه، وهو النظر العقلي والمعيار المنطقي الذي كان من نتائجه تفتيت الموقف الإنساني تجاه الأشياء، لكن هذا المعيار ما لبث ان انتهى على يد ( كانت ) الذي جعل من الرؤيا الإنسانية مركزاً للوجود ومفسراً له، وأصبحت المعرفة هي هذه الرؤيا الإنسانية التي تتمثل نتيجة للوعي الإنساني بالأشياء (4). على أن حركة أخرى عملت على اهتزاز نظرية الأجناس في أصولها الأولى متمثلة في هجرة مفهوم ( الشعرية ) من التشكيل اللغوي إلى مختلف الفنون الإبداعية الأخرى، ولعل ذلك يعود إلى محاولة المبدع أنسنة الأشياء والجمادات المحيطة به، وذلك بمنحها البعد الإنساني الذي ينتشلها من جمود المادة وجفائها إلى حيوية الحياة وإشراق الوعي الإنساني فيها، ومن هنا سرت الروح الشعرية في مختلف الفنون، وصار الحوار الجدلي بين الشعر وسائر الميادين أمرا يعمل على تكثيف الفن في الميدانين : الفن الضيف والآخر المُضيّف ، وأصبح الشعر حريصاً على الإفادة من التداخلات الأسلوبية والفنية التي تهدف الى الكشف عن أبعاد الرؤيا بشموليتها وعمق مدياتها، فمسألة التراسل بين الفنون إذاً إنما هي محاولة للوصول إلى عمل إبداعي مفتوح يستثمر عناصر شتى تزيده ثراءً وعمقاً وأمانة مع التجربة (5).

لقد امتلك الشعر العراقي خصوصيته في التجربة الشعرية العربية في الربع الأخير من القرن العشرين، وذلك لعنف السياق الخارجي الذي هز حياة الإنسان العراقي في ثلاثة حروب ضارية، وشمولية ذلك العنف الذي طال بنى الحياة جميعها مما اخضع كل شيء لتحولات كبرى، وكان من الطبيعي ان يكون الفن والشعر في طليعتها حيث راح الشاعر يبحث عن ذلك الشكل الشعري القادر على استيعاب تجربة العذاب الكبرى التي يخوضها ضد قوى عاتية تشتغل على أهداف محددة ومرسومة، مهمتها المركزية تخريب البؤر الأساسية في الفكر العربي بغية استسلامه لصالح تنفيذ برامجها فكان على القصيدة الجيدة أن تتسلح بطاقاتها الإبداعية كلها من اجل التعبير عن الداخل في مواجهة الخارج، لذلك وجدناها وقد تفاعل فيها اليومي بالذهني، والبصري بالسمعي، والتشكيلي بالشعري، والسردي بالمشهدي، والنثري بالوزني (6) بحيث تمكنت من النهوض بتلك التجربة العنيفة القائمة على أسطرة التداخل المدهش بين تناقضات المشاعر الإنسانية واشتباكاتها التي استوعبت تداخلات الحياة في مرحلة مأزومة ، حزنا وفرحا ويأسا وأملا وتشبثا مبدعا بالحياة وسط ركام الصواريخ وأمشاج الدم.

من هنا فقد انفتح النص الشعري على الأساليب والأنواع والفنون ، وبالرغم من كون الأدب سابقا للسينما بآلاف السنين إلا أنهما أصبحا فنين متجاورين، فهما من نتاج الفكر الإنساني المبدع، تجمع بينهما سمات وتفرق بينهما أخرى،لكن علاقة حميمة ما تنفك تجمع بين الفنين،تلك هي الكلمة المكتوبة (7) ويؤكد دارسو هذا الفن أن للسينما مدى تعبيريا غير اعتيادي فهي تشترك مع الفنون التشكيلية في حقيقة كونها تشكيلا مرئيا يسقط على سطح ذي بعدين، ومع الرقص في قدرتها على معالجة الحركة المنسقة ومع المسرح في قدرتها على خلق كثافة درامية للأحداث، ومع الموسيقى في قدرتها على التأليف في إطار الإيقاع والجمل الزمنية، ومع الشعر في قدرتها على وضع الصور إلى جانب بعضها، ومع الأدب في قدرتها على الإحاطة بالتجريد المعروف في اللغة عموما عن طريق الشريط الصوتي (8).

ان مجموع التقنيات السينمائية التي أثرت في الشعر العربي الحديث دعت الشاعر إلى ضرورة أن يكون مخرجا جيدا لنصه وإذا كان الإخراج واحدا من أهم الفنون السينمائية في القرن العشرين فانه سيكون احد المعالم الرئيسة لفنون القرن الحادي والعشرين حيث ستمتزج هذه الفنون بعضها ببعض وتختفي الحواجز الفاصلة فيما بينها أو تكاد، لتكون في مجموعها فنا شاملا تشترك فيه اللوحة والكلمة والموسيقى والحركة،وهي في كل ذلك تحتاج إلى يد المخرج الماهر لتضع اللمسات الأخيرة على ذلك التناغم المبدع (9).

ويتفق الشاعر والمخرج على تحقيق هدف واحد هو العمل على إثارة المتلقي قصد الانفعال بالعمل الفني من خلال الصور التي يشكلها كلا الفنين ومحاولة استكناه تلك الصور جماليا ودلاليا. ان تقنيات الآلة الحديثة ومنجزها الفني في السينما استطاع ان يؤثر على الشعر الحديث من خلال أبعاد واضحة يمكن تلخيصها ببعض الإشارات، منها الإفادة من تقنية الكاميرا وما يتبع ذلك من مونتاج حيث توظف تقنيتا القطع والوصل معا من اجل تشييد صورة معينة، وتعد القصائد المشهدية خير مثال على ذلك وهي القصائد التي تتكون من مجموعة مقاطع مرقمة او معلمة، وعند الشعراء الذين وعوا هندسة القصيدة في ضوء الفن السينمائي وكتبوها بمقصدية مؤشرة نجد فنونا أخرى تدخل حيز الشعر كالسيناريو والديكور، ومثال ذلك قصيدة الشاعر كاظم الحجاج بعنوان (مساء داخلي..) مثبتا إزاء العنوان وبالمستوى الطباعي ذاته " قصيدة سيناريو " ويعرف السيناريو بأنه قصة تروى بالصور ، والصور المتحركة هي وسط مرئي ينقل على نحو درامي الأحداث الرئيسة في قصة ما، وبغض النظر عن نوع القصة لابد أن يكون للسيناريو بداية ووسط ونهاية (10) ويعمل السيناريو على وصف الأحوال والإشارات، وهو الذي يعطي الإشارات والإيعازات لتقطيع المنظر وحركية الكاميرا والأصوات واستخدام الموسيقى وتفاصيل فنية اخرى (11) فالسيناريو إذن نظام يتكون من بدايات ونهايات ومواضع حبكة ولقطات ومؤثرات ومشاهد وتتابعات بحيث تكون عناصر القصة مرتبة بطريقة تتكشف بصريا وتخلق وحدة كاملة تقدم قصة تروى بمجموعة من الصور تتبدى لنا من خلال عنصرين مهمين هما : المشاهد والتتابع، فالمشهد هو العنصر الأكثر أهمية في النص لأنه الوحدة المحددة للفعل، وهو المكان الذي تروى فيه القصة، والمكان أنواع : داخلي وخارجي وبيني، أما التتابع فهو العمود الفقري للنص لأنه جامع أجزائه كلها، فهو السلسلة التي تربط المشاهد ببعضها عبر فكرة واحدة (12) فمشاهد القصيدة السيناريوية تتشكل من مشاهد متتابعة ومتباينة، وتعتمد على اللقطة التي ترتبط بخيط دلالي مع اللقطة السابقة لها واللاحقة بها، وهذا الخيط الدلالي الذي يربط مشاهد القصيدة ولقطاتها جميعا هو عنوان وحدتها العضوية التي صارت مع انفراط منظومات الدلالة – تتشكل بطرائق جديدة أكثر خفاء واشد إيغالا في النص مما كانت عليه، بحيث تنتهي المشاهد إلى شريط شعري يتفاعل مع الشريط السينمائي ويندمج به.

وللتشكيل المشهدي في شعر التفعيلة أهمية خاصة لما ينطوي عليه المشهد الجيد من قدرة على الاختصار والتكثيف، ويتحدد في السيناريو نمطان من السرد :سرد ذاتي وسرد موضوعي، وفي السرد الذاتي نتتبع القصة في السيناريو من خلال عدسة آلة التصوير، فهي الراوي الذي يرى من خلال وجهة نظر محددة (13) وهذا الراوي هو الذي يلتقط الصور التي يتشكل منها المشهد، وهو الذي يعمل على ضبط التحولات في الزمان والمكان عبر تحول الحدث في المشاهد المتتابعة في القصيدة، وفضلا عن اهتمامه ذاك بالصور البصرية وعمليات التوليف والقطع، فانه يهتم بتنمية المستويات السردية والحوارية داخل الخطاب الشعري، على ان القصيدة الحديثة لا تسلك في ذلك طريقا أحاديا او سلبيا من خلال التماهي مع الخطاب السينمائي ومحاكاته، بل هي تمارس تأثيرا ايجابيا على لغة ذلك الخطاب التي صارت تشفُّ عن طاقات شعرية خصبة مكتسبة من ذلك التفاعل الدائم بالمعطى الشعري (14)

يوحي عنوان قصيدة الحجاج (15) في شطره الأول (مساء داخلي) بأن المشاهد المصورة من قبل الكاميرا الشعرية التقطت مساء وان الأحداث تجري في فضاء ضبابي اقرب الى الليل، فمنذ اللقطة الأولى وحتى النهاية تتكشف صور ذلك المساء (الداخلي) إشارة إلى أن المشاهد التقطت داخل بيت او غرفة او صالة، وان تجاوزت الكاميرا ذلك الداخل لترصد الهلال وسط السماء فان تأطير المشهد الخارجي بفتح النافذة حسب يؤكد ان اللقطة نفذت من الداخل، اما الشرط الثاني من العنوان (قصيدة سيناريو) فهو إشارة الى مقصدية النص في اعتماد تقنية معينة بوعي يطرح الحدث من خلال مشاهد تترى في شريط شعري.

إن عنوان هذا النص قابل للانضواء في مشروع القراءة الذي يمكن ان يذهب في اتجاهين على الأقل، الأول.. مساءٌ للتواصل ويدخل في احتمال تناغمي مع ليل هادي وديع وحبيب حاضر، والثاني مساء انفصال يدخل في كابوس الظلمة والقطيعة وما يتبع ذلك من عوامل سلب، حينما يوحي بمساء روح داخلة في الظلام، أو نفس إنسانية داخلة في الوحشة، وقراءة المشاهد المتتابعة في النص هي التي ستكشف لنا عن حقيقة توجه العنوان:

         

مساء داخلي – قصيدة سيناريو

1

ساعة في الجدار

تشير الى الواحدة

وبعض الزمان..

 

2

زجاجةُ خمر على حافة المائدة

قدحٌ يمتلي نصفه بالنبيذ

وتفاحة- نصف تفاحة-

..وكتاب

 

3

هلالٌ بعيد

كالطباشير داخل سبورة من ظلام

..تؤطره النافذة

 

4

رمادُ السجائر تذروه مروحةٌ

-باستدارتها-

عن وعاء الرماد

 

5

حفيفُ ثياب الستائر

يكشف عريَ المساءْ

 

6

فجاة خنجر البرق يثقبُ بطن الغيوم

يتفجر خزانها

ويبتل (ثور السماء!)

فيطلق حنجرة الرعد ثورُ السماء !.

 

7

نفسها الساعة ال (في الجدار..)

تشير الى الواحدة

ونصفٍ.. وبعض الظلام

 

8

فارغٌ قدح المائدة..

والزجاجةُ مقلوبة في الفراغ

مثلما الجرحُ ينزف منها النبيذ

 

9

رمادُ السجائر تذروه مروحةٌ

-حينما تستدير..-

 

10

على رجل ساقطٍ

اسفلَ المائدة

 

11

يده هامدة..

 

12

العقارب تنأى عن الثانية

وخمس دقائق.. فوق الكتاب

 

13

صوت قلب رتيبٍ

يدق الزمان

على صورة الساعة.. الجامدة..

 

فالمشهد الأول يتكون من لقطتين: الأولى تظهر فيها الساعة معلقة على الجدار، وهي لقطة عن بعد، أما الثانية فهي لقطة قريبة إذ تتجه العدسة الى داخل الساعة لتشير الى الوقت محددة إياه بالواحدة وبعض الزمان..

في المشهد الثاني تهبط الكاميرا الشعرية من الجدار متجهة نحو محتويات الفضاء الداخلي عبر لقطات متتابعة ومتباينة، فالمشهد السيناريوي يوحي بسهرة، لكنها سهرة تفتقد اهم مقوماتها الذي هو الإنسان. إن حضور أنصاف الأشياء على المائدة (نصف قدح، نصف تفاحة )قابل للتفسير باتجاهين كذلك : الإقبال على الموجود من جهة، والشعور بالانفصال في غياب المفقود من جهة أخرى،على أن المشهد يؤكد حالة عدم الاكتمال من خلال الاستدراك المباشر في السطر الثالث من المشهد، لكن الاكتمال سيتحقق في (الكتاب) وما يمثله الرمز من عامل إيجاب جامع..

في المشهد الثالث تتجه عدسة الكاميرا من الداخل نحو الخارج حيث ترصد هلالا بعيدا في السماء (كالطباشير داخل سبورة من ظلام) عبر لوحة تشكيلية ينهض فيها لون الأسود أرضية لها في حين يشكل الأبيض صورة للهلال الذي يشع نورا، ولا ينسى التداخل الاجناسي مع الرسم هنا ان يضع للوحته الشعرية-التشكيلية إطارا هو فضاء النافذة المفتوحة وحدودها، لكن المفارقة التي يبثها المشهد تكمن في التساؤل عن هلال يطلع بعد الساعة الواحدة ليلا.. في أي شهر قمري وكيف ولماذا وما هي مقصدية النص..؟

المشهد الرابع يؤكد أن الموسم صيف فالمروحة تشتغل، وهي باستدارتها تذرو رماد التبغ عن وعائه،وهو مشهد آخر يؤكد وجود إنسان غائب فيزيائيا، لكنه حاضر بأثره المتواجد عبر الاشياء المادية.

المشهد الخامس يوحي بحركة ريح في الخارج، ريح تحرك ستائر النافذة كاشفة (عري المساء..) وفي الاستعارة المكنية هنا نعيٌ ممضٌ آخر للإنسان المفقود، ولزمنه العاري من حضوره، والموحش بغيابه، وما يشيعه هذا الغياب من تساؤلات مسكوت عنها عن سبب تغييبه وإلغاء حركيته وفاعلية الوقائع التي تنهض بوجوده.

وفجأة يعلو الحس الدرامي في المشهد السادس، وتحتشد الأفعال المضارعة التي اتسم ثلاثة منها بالعنف (يثقب،يتفجر، يطلق) والمفارقة الشعرية تتكرس، فالموسم صيف، لكن المشهد يكرس حالة شتاء: برق، ورعد، ومطر، مما يجعل المتلقي يتساءل بدهشة عن أي الفصول تتحدث القصيدة وفي أي الفصول يشتغل النص.

في المشهد السابع الذي يشكل منتصف النص تماما تعاود عدسة الكاميرا الشعرية التقاطها لساعة الجدار ذاتها، وقد مضى نصف ساعة على الحركة التصويرية وهي ترصد مشاهدها الستة زمانا ومكانا، وبطء حركة الزمن يؤشر هذا التحول التعبيري في نهاية المشهد من (وبعض الزمان..) إلى (وبعض الظلام..) مما يشير إلى أن الزمان يتحول من طابعه الأفقي إلى بعد نفسي حيث تبدأ الوحشة بالهيمنة، مؤكدا كون الزمن أهم معطيات الوعي المباشر، وهو أكثر حساسية وحضورا من المكان الذي كثيرا ما يحضر في الشعر (مزمّنا) ذلك أن الشاعر لا يكتفي بالعيش في زمنه الخالص حسب، بل هو يتأمل التاريخ في توهجه وشحوبه وفي مكابدة بؤره المأساوية، وإذ يتحول الزمان إلى ظلام فذلك يعني قمة المعاناة في السؤال الوجودي وهواجسه الأبدية.. لماذا..؟ إن مفرده (بعض..) لا نحس في حضورها تخفيفا لحدة الحالة، بل فيها سخرية ويأس من الحلول المحتملة، ولذلك تبدأ حالة السلب بالتراكم عبر المشاهد المتبقية كلها حتى نهاية النص.

إن المشهد الثامن يوحي بالإثم والخطايا التي أشاعت الإرباك والفوضى في الفضاء المقصود، ومفردتا (الجرح) و(ينزف) تؤكد حالة الأذى الذي اقترفته يد مجهولة، ورماد السجائر تذروه مروحة حينما تستدير، إشارة على غياب القرار الجدير بإيقاف الفوضى المحدقة بحياة الإنسان المعاصر..

ويأتي المشهدان العاشر والحادي عشر ليؤكدا التوجس والخوف اللذين هيأ لهما النص، حيث مهدا لنتيجة مهمة هي قصدية إلحاق الضرر بالإنسان من خلال التنكيل به وتغييب فاعليته، ومحاولة تصفيته جسديا بكل الوسائل التي ألمحت اليها المشاهد:

على رجل ساقط

أسفل المائدة

وتأتي جملة (يده هامدة..) في مشهد كامل من خلال صورة مكبرة تقترب فيها عدسة الكاميرا الشعرية لتصور بشاعة ما يجري في المشهد رمزا لجريمة عصر كامل تجري خارج النص، ويعمل النص بكل ما أوتي من طاقة على تعرية تلك الجريمة انطلاقا من كون فضيحة المجرم هي بداية هزيمتة، فاسم الفاعل (ساقط) هنا أريدَ به اسم المفعول لان الرجل لم يسقط بإرادته وإنما هو ضحية عدوان غاشم سقط عليه ليتركه هامداً.

في المشهدين الأخيرين تتحول الفاعلية من الآلة الجامدة (الساعة) الى الزمان والكتاب معا. حيث تنضوي الآلة تحت هيمنة الزمن المتحول والمحوِّل معا، وفي سطوة الوثيقة الشاملة التي من شانها ان تدون منظومة قيم الإنسان توهجا وانطفاء، والتي تدين خطايا وعدوان مستلبيه وسارقي أيامه، ويمكن تسجيل الملاحظات الآتية على قراءة النص:

   1.تطغى على المشاهد سكونية من نوع ما، سكونية تكشفها سيطرة الجمل الاسمية على البناء التركيبي للنص، وقلة الأفعال التي من شانها ان تحرك جريان التشكيل لتذهب بالسرد نحو نهايته، ان النص الذي تشكل من ثلاثة عشر مشهداً لم يرد فيه غير خمسة عشر فعلاً، كلها أفعال مضارعة، مما يربط الحدث بالحاضر حصراً، مؤكداً ان هندسة زمنية خاصة تسود القصيدة "، هندسة تعي برنامجها المخطط رؤية وتشكيلاً.

   2.توحي المشاهد بغياب إنساني فادح من خلال اللقطات التي كانت تؤكد على الديكور وعلى تأثيث الفضاء الداخلي لسهرة مسائية، واذ يغيب الإنسان بحيويته وفعله الحركي فان عوامل السلب التي تؤكد قهره و استلابه هي التي ظلت حاضرةً في النص.

   3.تتداخل المفارقات بحدة عبر المشاهد، فالوقت ليلاً، لكن النور موجود، ولا يشير النص إلى مصدر الضوء الذي يكشف عن أشياء دقيقة في فضاء التصوير، والجو شديد الحرارة بدلالة سرعة المروحة التي تبعثر الرماد من إنائه، لكن المطر يهطل، ويشتد البرق والرعد اللذان يمثلان علامة شتاء، والمفارقة الأخرى تنكشف من خلال التداخل الموسمي ما بين صيف وشتاء يتواشجان في النص خلال ساعة واحدة وخمس دقائق تؤشرها ساعة الجدار.

   4.إن تداخل الحدث لا ينكشف عبر التداخل المناخي حسب بل يمتد ليشمل تأثيث الفضاء الذي يتحرك كل شيء في داخله نحو السلب:

   قدح المائدة رمز المتعة …… فارغ

   زجاجة الخمر رمز السمر والندامى ، أو التغييب…… مقلوبة في الفراغ.

   مثلما الجرح ينزف منها النبيذ ……التشبيه يؤكد تحول الجلسة من انس وسمر الى حالة مأساوية.

   5.يتحرك الزمن الشعري متوجساً نحو الانطفاء حتى يخلد الى المأساة مجسدة في رماد تذروه المروحة على رجل ساقط أسفل المائدة، يده هامدة ، إن المشاهد السبعة تمهيد لإعلان كارثة العصر المتمثلة في مفردتي: (ساقط، وأسفل) وفي جملة (يده هامدة) تعبيراً عن شلل الفاعلية الإنسانية وضمور المقاومة في ظل حضارة مادية لا إنسانية فارقت القيم وجرت العلم لمناطق الخطر التي أرهقت الإنسان وأراقت دمه ، وملأت حياته بفوضى التقنيات وارتباك إعلامها المؤدلج..

إن حضور علامات فعل القهر الإنساني وغياب الآليات التي حدث بها، زاد من تفعيل التلقي في إطلاق المتخيل واليات التأويل بحثاً عن الفاعل وعن الأسباب والمسببات وعن طرائق الفعل، وكأنّ النص يحرض على رد فعل إنساني على ما حدث ان عاجلاً او بعد حين.

   6.إن تحول عقارب الساعة من الساعة – الآلة (فوق الجدار) الى (الكتاب) دليل على حضور الوثيقة التي ما تنفك تسجل مجريات قتل الإنسان، وتشير بسيميائية عالية الى أهمية معرفة قاتليه ومجرحي زمنه، وتبقى جملة (صوت قلب رتيب) التي غاب فيها المبتدأ جملة معلقة، مغيبة الفاعل، فقلب من هذا الذي يبعث صوتاً رتيباً، اهو قلب الرجل الساقط أسفل المائدة رمزاً لإنسانية مغتالة، اهو قلب الحلم الذي كان مأمولاً ان يؤثث بالفرح سهرة المساء الداخلي؟! ومن الفاعل الذي اخمد ذلك القلب الرتيب..؟!

إن الساعة – الآلة حينما تتحول الى ( صورة ساعة.. ) وتؤكد هذه الصورية مفردة ( الجامدة ) وصفاً لها، فان الزمن المهيمن لا يصمت بجمود الساعة، إنما يواصل سطوته في الجريان معلناً حضوره المستمر بحرف الجر ( على ) الذي يفيد الاستعلاء على الساعة – الآلة، والجملة الفعلية ( يدق الزمان.. ) بفعلها المضارع المستمر تشير الى رصد ما يجري وأهمية ذلك الرصد نهاية النص، ولذلك فان ثمة وقائع مهمة يمكن ان تجري رداً على عمليات استلاب الإنسان وتخريب حلمه ومسراته المشروعة.

على أننا لانعدم الإشارات التي تفتح في النص كوى على ذلك الحلم، لعل في مقدمتها ( الهلال ) الذي سيظل مشروع اكتمال مادام الزمان يتواصل ويعلن دقاته، و( الكتاب ) الذي سيظل مدونة الغد.

إن الزمن الذي يؤول بالناس والأشياء إلى الانطفاء والزوال دوماً، هو نفسه الذي يؤجج إحساس الشعر به، فالشعر لا يتوهج إلا بحسه الزمني الذي يحاول تلمس الخلود، والزمن الذي كان يرعب الشاعر الجاهلي بالفناء صار اليوم واحداً من عناصر مأمله، فالشعر يطلع من مكامن عذابه ومن اضطهاد الآخر له وأمله كبير بان دورة الزمن الأبدية جديرة بتغيير كل صفحات الظلم مهما طال أمدها ، فليس بعد الظلم إلا اندحاره ، ولذلك يمكن ان يتحول الزمن في الحس الثوري والوعي النضالي الى عنصر خلاص إنساني تؤازره الإرادة والوعي الإبداعي الخلاق ، فالزمن الذي يشقينا ويرهبنا بالفقدان ، هو نفسه الذي يفاجئنا بما لم يكن يخطر على بال من لحظات فرح مدهش.

   7.ان النص بتشكيله المدروس خرج على السائد الذي يعوّل على الاهتمام بالشخصية التي تطور حركتها الأحداث والواقع، متخذا من الديكور الشعري وبعض تفاصيل الفضاء أداة للإفصاح عن حالة إنسانية تود الكشف عن خطر يهددها، ويكاد يحيق بها من خلال نقل مستوى الأداء من سرد الحدث إلى الوصف البنائي لمشاهد معينة في تقنية شعرية – سينمائية واشجت (بفنية اعتمدت إيجاز القصر) بين لغة الخطابين الشعري والسينمائي ومن حيث نحو اللغة ومجازها وإيقاعها، وبين قواعد الفلم الفنية في القطع والتوليف والإخراج الدقيق ،تلك القواعد التي يتم من خلالها تتابع اللقطات في تشكيل مشاهد النص.

   8.ان القصيدة تدخل في تناص واضح من حيث تأثيث النص وفي جانب من مضمونه مع قصيدة يوسف الصائغ القصيرة وعنوانها (باختصار) (16):

الليلة كان الكابوس

مختصرا جدا

مائدة..

وزجاجة خمر

وثلاث كؤوس

وثلاثة أشخاص

من دون رؤوس

لكن الحفر الأعمق في النص يتجاوز مرجعيته السريالية ليجد أن كابوس الصائغ المرسوم في الثمانينات يتناص هو الآخر بسرية وخفاء مع قصيدة الشاعر التركي ناظم حكمت (17) وعنوانها (أربعة أشخاص وأربع زجاجات) المكتوبة سنة 1930 منها:

مائدة مدورة

وأربع زجاجات فارغة

وأربعة أشخاص

وأربعة كؤوس خمر

إن هذه النصوص لا تعمل على تغييب العقل والوعي الإنساني بفعل هيمنة الخمر وحضور مستلزماته، حسب لكن الصائغ و الحجاج يركزان على قضية اغتيال الإنسان المسالم واضطهاده وإقصائه وإلحاق الضرر الفادح بحياته حتى التصفية والإبادة.

   إن الشاعر إذ يلجأ إلى مثل هذه التداخلات الاجناسية فان هدفه الرئيس يكمن في اتجاهين مشتبكين ، الأول هو التركيز على تطوير فنية شعره وتوسيع رؤاه والذهاب بأدواته الشعرية إلى مداها الأبعد من حيث الكفاءة التعبيرية تحقيقاً لجماليات نصية جديدة يريد لها التحقق من خلال الاستعانة بآليات الفنون الأخرى، ويرى الشعر جديراً بالتواشج معها والإفادة من جوهر معطياتها التشكيلية.

10. والاتجاه الثاني يكمن في الاتجاه الأول ذاته الذي نتج عما تفتقت عنه المعارف العامة والثقافات الجديدة ورؤى الحرية وحقوق الانسان التي لم تعد قادرة على الانفصال عن بعضها في زمن ما بعد الحداثة حيث هيمنت التداخلات على كل شيء ، وتهاوت الحدود بين المعارف والفنون والعلوم حين صار بعضها يتراسل مع بعض ، وصار الفن يستضيف فنونا أخرى لا ليتعايش معها حسب ، بل وليشكل من خلال التعايش جماليات جديدة تثري الفنين كليهما ، مما يؤكد أن الإنسان قادر على صنع الانسجامات في فضاء الحرية والحوارية وثقافة الاختلاف والتقبل من أجل العيش بألفة ومحبة وانسجام.

 

أ.د. بشرى البستاني

......................

[1].الزمن والرواية، أ. أ مندلاو، ترجمة : بكر عباس، 10- 11، دار صادر – بيروت، ط1، 1997.

[2].الكتابة بأفق آخر، مقاربات ميتا – نقدية، عباس عبد جاسم، 9، منشورات الغسق، بابل، ط1، 2000.

[3].المصدر نفسه، 11.

[4].الكتابة خارج الاقواس, دراسات في الشعر والقصة، سعيد مصلح السريحي، 67، دار العلم للطباعة والنشر، جدة، ط1، 1986.

[5].المصدر نفسه، 67- 69.

[6].هجرة النص، عنف التجربة وجماليات النهج الشعري، د. محمد صابر عبيد، مجلة الاقلام، 6/2001،7

[7].الادب والسينما، ملف الاقلام، مجلة الاقلام، 2/2001، 49.

[8].فهم السينما، لوي دي جانيتي، ترجمة: جعفر علي، 11، دار الرشيد للنشر، بغداد 1981.

[9].فن الإخراج، ريغموند هيز، ترجمة : د. محمد هناء متولي، ملحق مجلة الثقافة الاجنبية، 1980، 124.

[10].السيناريو، سدفيلد، ترجمة : سامي محمد، 23، دار المامون للترجمة والنشر، 1989.

[11].حول صنعة كتابة السيناريو، كورت هانكو تبورد، ترجمة : اقبال ايوب، دراسة منشورة ضمن كتاب : فن كتابة السيناريو، 13، دار الشؤون الثقافية العامة، كتاب الثقافة الاجنبية، 1986.

[12].السيناريو، مصدر سابق، 103-104.

[13].سردية السيناريو بين السرديات الادبية والسرديات الصورية، د. طه حسن الهاشمي، مجلة الاقلام، 2/2001، 62.

[14].بين الخطاب السينمائي والخطاب الشعري، القصيدة وتقنيات السيناريو: فاضل ثامر، مجلة الادب المعاصر، 46/1994، 14.

[15].غزالة الصبا، كاظم الحجاج،43، دار الينابيع، عمان، 1999.

[16]. المعلم، يوسف الصائغ، 167،دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1986.

[17].اثر الرسم في الشعر العراقي الحر، احمد جار الله، 133، اطروحة دكتوراه مقدمة الى آداب الموصل 2001. وينظر الناظرون الى النجوم، ناظم حكمت، ترجمة : ثابت عزاوي، 183، دار الجماهير، د.ت.

أثر الاحتلال الأمريكي في الشعر العراقي المعاصر "قراءة نقدية"

rasha ghanimحمل الشعراء الهمَ الوطني في ضمائرهم وعايشوه من خلال انصهارهم في بوتقة المجتمع الأبي الرافضِ للظلم والطغيان، فالشاعر يلقي بنفسه في دائرة النار، حيث لاتطاوعه نفسُهُ على الصمت، فيدخلُ المعتركَ السياسي متسلحًا بقصائده وهذه القصائد تكون مشحونة بقوة عالية من التحريض، والتنكيل بتعرية واقع الطغاة الموحش؛ فالشاعر الذي نحتاج إليه لتوجيه التغيير المنشود يقوم ناهضًا لإخراج الأمة من الفوضى والانهيار والتسيب والتشتت والقهر السياسي والفقر والحرمان، فهذه العوامل مجتمعة تمثل العوائق الحقيقية للتقدم وهي المستهدفة بعملية التغيير .

فالتاريخ العراقي الحديث والمعاصر على وجه الخصوص كان دائم الحضور في الذاكرة الشعرية التي حفلت بالكثير من الأحداث والثورات التي غيرت خارطة البلد السياسية وخارطة العالم العربي عموما، وانعكس صداها واضحا في مجمل النتاج الشعري .

الشاعر العراقي كان كالمرآة لمسرح دامٍ تجري عليه أفظع أنواع الممارسات اللاأخلاقية من سلب وقتل واقتلاعمن جراء ما قام به الغزو الأمريكي للعراق عام 2003م حتى خروجه منها عام 2011م، فلم يكتف المستعمرالغاصب باستلاب خيراتها لأن مخططه الاستعماري كان أخطرَ من ذلك بكثير، فمنذ بدايةُ الاحتلال الأمريكي للعراق عمل على إثارة الطائفية والعرقية، وإنماء الانتهازية والنفاق في نفوس من لا ضمير لهم، الذين يبيعون وطنهم بثمن بخس مقابل دولارات قليلة، كما ركز المستعمر على تردي الوضع السياسي أكثر عندما أتى بحكام لا يفهمون في السياسة أو إدارة الدولة بقدر ما يتفننون في أساليب الغش والنهب واستغلال السلطة لمصالحهم الخاصة، وعلى الوضع الآخر ارتكبت العصابات الإرهابية المنظمة "داعش وغيرها"، وميلشيات الأحزاب، ورجال الأمن والشرطة أبشعَ الجرائم في حق المواطن العراقي، فنجد أن ملايين العراقيين ممن قصمهم القتل والإرهاب والعنفُ والموت هم ضحايا الحكومة والمعارضة والاحتلال على حد سواء، فكل منهم بطريقته يتفنن في الإذلال والقسوة والتدمير لهم حيث نجد كثرة الانتهاكات المشينة لحق الحياة تجري تحت سمع وبصر الجميع وبمباركتهم.

تتراءى لنا في تلك النماذج الشعرية المنتقاة لشعراء وشواعر العراق في تلك الفترة المعنية للبحث مهمة الذات الشاعرة التي تكشف عن خباياها من الخوف والقلق والضياع والصراعات الكثيرة التي تجتاحها من جراء القهر والدمار وكل أدوات الموت التي يصنعها الآخرون من أجل استلاب الإنسانية ومن أجل إهدار الكرامة العربية، ومن أجل القضاء على كل هوية عربية.

احتوت تلك النماذج الشعرية على مضامين كثيرة منها:

1- الهوية:

الهوية العربية هوية مهترئة تباغت عليها كل أشكال العدوان لإراقتها ولكن سيظل كل عربي ينتمي لعروبته ولأرومته العربية.

تقول بشرى البستاني: (1)

هل رأى حمورابي ما فعلته الدبابات الأمريكية بأسوار بابل..؟

ثار العالم ثورة دونكيشوتية على عشرات الآلاف من القطع الأثرية

النفيسة التي سرقت من متاحف العراق

وناشد المختصون منظمة اليونسكو ومراكز حماية الآثار الحضارية

لكن الدبابات الأمريكية ظلت تخرب أسواربابل

وتهدم شرف قصورها المفتوحة على الأفق،

وظلت الحرية والديمقراطية الأمريكية وقوانين انتهاك حقوق الإنسان

سارية المفعول

تبدأ القصيدة ببنية متوترة تتفاعل فيها الذات الشاعرة مع الحدث وتكسر أفق التوقع فتذهب إلى الماضي تستدعيه و وتستغيث به لأنه كان ماضيا مزهرا بعبق الحضارة وعبرت أداة الاستفهام في البيت الأول "هل" لتؤكد الفاجعة التي حلّت ببلدها الحبيبلقد وظف النص أسلوب الاستفهام بما يحمله من روح درامية مما يدل على انه اشتغل على التوجس والانتظار والحيرة والخوف، وتناوبت الأفعال الماضية رأى- ثار- ناشد ظلت لتثبت حقيقة وقوع الدمار على متاحف العراق وجاء الفعل للمجهول"سُرقت"ليعمق حجم الشعور بطمس الحضارة وبه تطمس الهوية "إذ لا تكف الذات الشاعرة عن فضح الأنظمة التي سارت وتسير في ركاب العدوان والتي تضع حدودا وقيودا ضد إطلاق نداءات الأمة في مواجهة أعدائها.

 

2- الاغتراب:

ثمة علاقة وثيقة بين الغربة والحنين للوطن" فالألم يستدعى اللذة، والغربة تستدعي الحنين، والحاضر يستدعى الماضي.

وأضحى الشعراء "يعبرون عن تبرمهم وضيقهم بالحياة الجديدة التي لم يجدوا فيها عوضًا عن حياتهم التي عاشوها في وطنهم الأصلي، ولذلك نجد نبرة الشجى والحزن بين سطور أشعارهن فتبدأ الذات الشاعرة متوترة من كل ما حولها لأن بلادها في محنة عظيمة فبالرغم من اغترابها عنها لسنوات طويلة ولكنها ما زالت نبضها، وتزداد إثارة للحنين لقومها عندما تجد عدوا غاصبا يقذف بأسلحته الفاتكة على أرضها، وتتصاعد البنية الدلالية لتتوازى مع ماهية المكان فبالرغم من بعده لكنه قابعا في قلبها، حتى مظاهر الحضارة حولها لا تشعر بها في ظل أناس تكتنفهم البرودة في كل شىء .

قالت لميعة عباس من قصيدة إلى أمريكي (2)

حتى الأغاني أخرست لم تنجو من قتلي

وأمرُّها أني سأدفع حق كل قذيفة سقطت على أرضي

قومي وإن غضبت واغتربت عندي خيرة الأقوام

زرهم ولو كان بهم خصاصة تجدهم الكرام

الجار عندهم أخ، وجاركم يبخل بالسلام

يشكو إلى الشرطة لو أزعج في يوم من الأيام

وتقول أيضا في نفس القصيدة: (3)

أريقت دمانا فهل سلم الشرف العربي الرفيع

يا ذكرياتي في العمارة أسمع الصاروخ ينسف ذكرياتي

ماأحلى ذكريات الصبا والشباب فكأنها تجتر ذكرياتها وتتتشبث بماضيها، الذي يصبح نهبا لأحلام اليقظة لديها، فالعمارة مثلت مكانا يصخب بأشياء كثيرة تم فقدانها فهل ستعوض

الذات الشاعرة ما فات، والآن أضحى حاضرا دمويا تتناقض فيه كل صفات الماضي الأصيل ويأتي الفعل"ينسف "ليؤكد على حجم المأساة التي تعيشها العراق فذكريات الشاعرة تتوازى بين جمال الماضي وقبح الحاضر وهي بينهما تتوق بأحلام كثيرة..

عبد الرازق عبد الواحد يقول: (4)

اللهَ يا دَمَ أهلي .. كيفَ أ نصِفه مِن عَثرَتي بَعدَ أن أصبَحتُ مُغترِبا؟!

يبكي الشاعر دماء الوطن ويحس بالعجز والقهر الشديد نتيجة لاغترابه عن هذا الوطن المهان، فكان خطابا مغتربا ممزوجا بالأسى والحسرة واللوم على هذا الدم المسال دون سبب، ويأتي الاستفهام بالأداة "كيف"للتعجب والدهشة من كل ما يعوق الشاعر في البعد عن وطنه.فما أغلى الوطن، وما أحلى الذكريات على أرضه.

عبد الرازق عبد الواحد يقول: (5)

سبعون عاما وها أنت مرتحل ولستَ تدري لأيِّ الأرض ترتحِلُ !

يا نائيَ الدّار.. كلُّ الأرض موحشة إنْ جئتها لاجئا ضاقتْ بهِ الحِيَلُ ! وكنتَ تملكُ في بغدادَ مَملكة وَدارَ عزٍّ عليها تلتقي المُقلُ وَاليَومَ ها أنتَ ..لا زَهوٌ، ولا رَفلُ وَلا طموحٌ، وَلا شعرٌ، وَلا زَجَلُ تتجلى عداوة الدهر المستمرة للإنسان، فالدهر دائمًا بالمرصاد "يذل بعد العزة، يذهب بالشباب، يبعد عن المكان، يفرق بين الأحباب، وعندما يجتمع الدهر مع الاغتراب يكون الإحساس كالغصة تملىء الحلق وتتكرر أداة النفي"لا"معلنة عن فقد كل أسباب الحياة.فلا طموح ولا زهو ولا شعر ولا زجل فكل ما يطرب النفس وتشتاق لسماعه الآذان لا مكان له على أرض العراق التي أضحت مأتم متواصل ومرثية لا ينقطع نحيبها.

 

3- طفل الحرب

تقول بشرى البستاني من قصيدة لها بعنوان: قال الطفل ماما أكره أمريكا (6)

يا أيها الطفل الذي جاء بلا يد

ولا قدم

ولكن في وجهه قندليين أخضريين

يبتسم

ويسأل القابلة السمراء

عن سر دمعها

عن وجه أمه الذي يشيح عنه نحو طائرة

يتراءى أمامنا مشهدا حزينا لطفل مبتور اليد والقدم ولكنه أوتي من الجمال والفطنة والذكاء الكثير والكثير ونجده يتساءل عن سر انشغال أمه عنه بالطائرة وهو لا يدرك حجم المأساة التي يئن منها الشعب العراقي من استلاب الحرية والكرامة الإنسانية له، ومن هذا العالم المتمدن القاهر بوحشيته، يحاول الطفل جاهدا أن يلجأ إلى أمه لعلها تكون ملاذا ولكن الأم تعزي ولدها من عصر يغتال الإنسانية ويحول كل ملامح الحياة إلى موت، فالقابلة التي يرتبط حضورها بالأنثى وطقوس الولادة وما بها من دلالات الحياة تكون في مواجهة الموت الذي تحيل إليه أمريكا .

تقول بشرى البستاني: (7)

قامت قيامة الصواريخ واختلط اللحم العراقي البرئ

بجحيم الحضارة الأمريكية الغارقة بالدرن ..

اختلطت جثث خمسة وعشرين مليوناً وتسعمائة ألف شهيدة

وشهيد، أطفالاً وصبياناً وفتيانا

وشيوخاً من النساء والرجال

وسالت أعراف الحروب وقوانينها عن مشروعية ضرب

الملاجئ،

لكن أحداً في زمن الحرية لم يستطع أن يجيب ..!

ويستشهد على الأرصفة بائعو خبز الفقراء ..

ابحث عمن ينخر السفينة ليعبر بها الى الطرف الأخر

لكن الصمت يراود مقل الكلام وتهوي الصواريخ

عصفها في أعماق الليل يدوي:

اقتلعوا أسس بابل

امسكوا أطفالها واضربوا بهم الصخرة

طفلة تعدو، تلاحقها الشظية،

يدخل السرد الأثيم

والأرض " نيدابا " الغلال

يبلور النص الشعري آلام الأطفال بصورة مكثفة عند الحديث عن الطفل فهو أمل الحياة فجر حياتها الصادق، دوحها المثمر، وفي ظل ذلك تشعر الذات الشاعرة بأنها في مجتمع يجعل المرأة بحاجة لكل شيء...الحب والحماية والأمان ..ولا تجد من هذا شيء ..فتلعن النفط والبلاد التي لا تعرف استغلال ثرواتالوطن وتترك أبناؤه متألما يشكو الفقر والعوز واللاأمان ويزيد في إمعانه وتجبره بقتل الطفولة البريئة الذين انتهكت حقوقهم واغتيلت براءتهم، وجاء الفعل اقتلعوا ليؤكد على انتزاع البراءة من كل مكان،

 

تقول وفاء عبد الرازق: (8)

لا تغلقوا أبوابكم شجيّ ٌصوتي في خيباتِ القلب وجميلٌ وجهي في عيونِ أولاد الحارة الذين رأيتهم بما ليسوا بحاجةٍ إليه سيصبحون مجرّد دويّ . حقولها دلتا "العراق"

تثور الذات الشاعرة وتعلو نبرة صوتها، التي تحمل جسد أنثى وعطفة أم بما ينال الطفولة البريئة وجاء لفظ"أولاد الحارة"ليؤكد ما عاناه الأطفال من فقر مدقع في ظل جحيم الاحتلال.

تقول بشرى البستاني: (9)

امرأة مبتورة الساعد تعدو ..

تبحث عن طفلها بين الانقاض

يحاولون ايقاف نزفها فتصرخ:

لا أريد يدي، بل أريد ولدي

 

تقوم الذات الشاعرة بتكثيف الوعي الأنثوي الذي يتأثر بكل ما يحيطه ويعبر عنه بالكتابة ؛لأنه في وسط هذه الأجواء القاتمة تسكن الأنثى وتراقب بحذر كل ما يجول حولها فالحديث عن قصة إنسانية لأمراة مبتورة تشعر بالضياع لفقدانها ولدها، وعكاذها في الحياةفجاء التعبير بالنفي"لا أريد يدي"مشبعا لكل ما تحتقنه أنفسنا من جراء ما يحدث من انتهاكات للطفولة البريئة.

تقول بشرى البستاني: (10)

يفتح الطفل ذو السنوات الأربع عينيه ذعرا

وبكبرياء الطفولة يموت

انهضي أيتها الارض

كي يتسنى لهذه الرعشة أن تقرع أعمدة الوجود

انهضي………

واستلقي بين سواعد امرأة ورجل يقتصان من القتلة

وبحكمة الأصابع يعيدان تشكيل الكون ..

انهضي

 

 

وعندما نتأمل الأحداث المشينة التي عاشها الأطفال في العراق ندرك أن المحتل لم تكن بغيته البحث عن أسلحة الدمار الشامل أو الاستيلاء على النفط بقدر ما يقتلع البلد من جذوره ولا يتسنى له ذلك إلا بالقضاء على الأطفال وقتلهم وهو لا يعرف لماذا يموت فالقابعون على الأرض لا حراك لهم فهل ستقوم الأرض بهذا الدوي والحراك المنتظر، فجاء فعل الأمر"انهضي"لتلتحم وتعانق كل الموجودات والعناصر المحيطة بها.

عبد الرازق عبد الواحد (11)

ولم تزَلْ كلُّ أثوابِ الصِّغارِ بها شيءٌ يقطرُ دم الأردان مُنسرِبا؟ أكلُّ شيءٍ لدى الأطفال فيهِ دَمٌ وفيهِ جرحٌ لِحَدِّ الآن ما قطبا؟

تصدر الذات الشاعرة خطابا احتجاجيا في زمن تنتهك فيه الطفولة لأن هدف المحتل الأول هو قتل الطفولة وجاء الفعل المضارع"يقطر"ا يوحي بملازمة الدم لكل مكان على أرض العراق ويأتي الاستفهام ليقرر حالة الأطفال البائسين الذين يسلبون أرواحهم دون أي مبرر.

بشرى البستاني من قصيدة"هذا العصر لا يتسع لحبي" (12)

أغمض عينيّ فأبصر الأطفال مكدسين على الأرصفة ِ وتحت الأنقاضْ.. جثثا من ورود بيضاءَ….بنفسجية ْ…. مفتحةً عيونهم ومفردي السواعدْ… لا نعوشَ تحملهمْ… لا قبورَ تواريهم ْ… وتحت أنقاض البيوت حجرٌ يصرخ ْ تحت أنقاض البيوت أنينٌ يتدلي وعلى أجنحة الريح عالقٌ دمع ُالنساء بتراب الأماني

تتأزم الأحداث أكثر وأكثر عند الذات الشاعرة التي تركن إلى تكرار البنى التركيبية ذات الجوهر والمعنى الواحد ولكن بتشكيلات لفظية متعددة ويأتى التكرر للنفي مؤكدا بشاعة الموت الذي تفوح رائحته في كل مكان، ورائحة العفن التي تزكم الأنوف، فالموت لا يفرق بين أحد، جثث هنا وهناك، ودموع النساء تعالق تراب الأماني فليس هناك شىء على الأرض إلا ودنسه المستعمر الغاصب.

 

4- الفوضى السياسية:

شعر خزعل الماجدي وقصيدة" كلما ظهر بطل (13)

هذه هي الحصيلة:

المجرمون في الشوارع

الأبرياء في السجون

والعلماء في المنفى

هذه هي بغداد.

يزخم النص الشعري بتكثيف عوامل الفوضى التي جلبها المستعمر عندما حلّ على الأرض فقد أضحت بغداد لا بغداد، لا مدينة، لا دولة، لا رجال، لا نساء، لا أطفال، فالعلماء في المنفى، والأبرياء في السجون والمنافقون في الشواع يتناثرون في الأرض لأجل بيع بلادهم وبني وطنهم بثمن بخس وتكرار اسم الإشارة "هذا"جسد ولازم الحدث الامتناهي .

يقول عبد الرازق عبد الواحد (14)

فكيف تجرؤ با أهلي بنادقكم على بنيكم ولا تندى لكم مقل؟

وكيف تسفح يا أهلي خناجركم دما بنيكم ولا ينتابها شلل؟

وكيف يا أهلنا نالوا مروءتكم فأوقعوا بينكم من بعد وما اتخذلوا؟

يا أهلنا ليس في حرب العِدا خلل بل قتلكم بعضكم بعضا هو الخلل

وتتآذر البنى الاستفهامية وتكرارها لتؤكد على الفتن التي اشتعلت بين العراقيين بعضهم بعضا فقد أضاء المحتل الغاصب فتيلة الفتنة وخرج، فهل من حل للخروج من هذه الإشكالية التي تتوافق مع ما يريده المستعمر للبلاد.

تقول بشرى البستاني: (15) خذي يا سماء الجريمة ما تبقى،

خذيه، افتحي أفواههم

وصبي فيها أطنان النفط والكبريت والزئبق والذهب

وصهاريج العذاب الذي لن تنطفئ ابداً

فقد أخطات السماء اذ وضعت كل هذه الكنوز في ارض العرب،

أخطأت

 

الذات الشاعرة لا تجد ملجأ إلا بمناجاة السماء ولكن ليست كأي سماء فهي السماء الشاهدة على جرائم المستعمر الغاصب فهل يقنع بكل ثروات ومدخرات العراق التي أخطأت الأرض بوضعها لديها، فأتى الفعل أخطأت لتكثيف كل أنواع المعاناة التي عايشها الفرد العراقي.

 

5- الخوف

تقول بشرى البستاني: (16)

في الخارج يقف جنرالات ٌحاملون بنادق ْ على أوجههم أقنعةٌ سوداءُ وصفراء ْ في أحزمتهم تتكدس صفوف الرصاصِ ِ ورمانات العلقم ْ.. أتلقت مذعورة فلا أجد غير الرجال ِ مدججين بخرائط الحروب ِ ..

تترقب الذات الشاعرة الموقف الخارجي وما يحدث من جرائم بالشارع العراقي تنتهك كل معاني الإنسانية وتأتي لقظة"مذعورة"ببث الخوف والرهبة في كل مكان من خلال بنى متوترة تتآذر مع كل معطيات التشكيل التركيبي للخطاب الشعري المكثف بأوجاع وآلام العراقيين.

شعر خزعل الماجدي من ديوانه فيلم طويل جدا (17)

لماذا تقفُ وحيدا باتجاه الجسر؟

لماذا لا تعبر نحو الكرخ؟

المقاهي أغلقت أبوابَها

والمكتباتُ فارغةٌ

والباعةُ منشغلون عنك

لماذا لا تعبر الجسرَ وتهرب؟

أحضرتُ جواز سفركَ

وأحضرتُ حقيبة السفر

اهرب قبل فوات الأوان

سيبيحون دمَك بعد كتابكَ الأخير

اهربْ.

نجد زخما ثريا بكثير من المشاهد كأنها فيلم وثائقي ولكن بطريقة شعرية فمنذ دخول الإنجَليز إلى بغداد تبدأ قصة الفيلم حتى ظهور التصدعات الكارثية في البلاد لتنتهي بالحروب والدمار والحصار والخراب ثم "بعد العرض" تظهر نصوص الإنذار والوعيد، وهي أمور تشير إلى أن الفيلم بدأ مجددا داخل صالة العرض بين المتفرجين بعد أن نزل أبطال الفيلم إلى الصالة .. وكأن الفلم بدأ بداية جديدة تتحسر على ما لحق بالعراق من دمار شامل لم يكن ماديا فقط، بل معنويا أيضا ويتصدر النص الشعري" بأداة الاستفهام"لماذا "ليوقظ فينا الحياة بعد أن أضحى كل شىء عندنا موات، وتتجلى البنية التكرارية في الفعل "اهرب"لتسند إليها بنى متوترة من القلق والخوف .

 

6- الموت والضياع والاستسلام والخنوع:

تقول بشرى البستاني: (18)

إنهم قتلة الحضارة يا سيدتي …

لا جيش، لا شرطة، لا أمن، ولا مؤسسات

إستراتيجية الاحتلال حلت الجيش والشرطة والأمن والمؤسسات،

إستراتيجية الاحتلال فككت وجود الدولة

حطمت أعمدتها ..

ملايين الرجال في الشوارع عاطلون، لا رواتب، لا تقاعد، لا ضمان

كل شيء يتهاوى.

تكشف الذات الشاعرة عن المعاناةا لتي عاشها أهل العراق من جراء الاحتلال وكانت أكثر تضررا المرأة التي اختزلت كل مشاعر القلق على مجتمعها الذي ينهار، وأسرتها اتي قتلت أو شردت فقد أفسد العدو كل شىء قي الحياة فلم يبق إلا التشتت والضياع وتتكرر أداة النفي "لا" لتجسد حجم الإحساس بالفقدان، والتناثر فكل شىء تحول إلى أشلاء مبعثرة، فقد آلت كل مؤسسات الدولة للسقوط، وأيقن الجميع أن مصيرهم إلى الهاوية. وتأتي الأفعال الماضية "حطمت- وفككت"لتؤول إلى نفس المصير في ظل منظومة فاسدة رسمت ملامح الموت في كل شىء.

تقول بشرى البستاني (19)

دبابات السلب تدور في حجرات المشفى يقتنصُ الامريكيُّ غطاء الموتى يعدو في الردهات وعبر النار المرضى تنهض في مفترق الطرق الليلية أشباحُ القتلى .. نُهبت في غبش الفجر مقابرهم وارتجت تحت عويل الريح جروحٌ ما زالت تنزف في أحشاء الليل

تتحول كل البنى الدلالية في النص لتتآذر مع خطاب الموت الذي لم يرحم الموتى بعد موتهم بل تمادى في إمعانه بالظلم وجبروته وكأنه سيوصلهم الجحيم بيده وكأن دعوة إكرام الميت دفنه أصبحت أمنية في زمن المذبحة لأنه ترخص فيه كل شىء حتى الموتى بعد استلاب أرواحهم، وتأتي الأفعال المضارعة"يقتنص- يعدو- تنهض"لتوحي بحاضر قاتم ينزف دما في ظل أنظمة مهترئة فاسدة.

تقول بشرى البستاني (20)

دبابات الغزو تدور تسائلني الأسلحة العزلاء عن السرّ وأسألها عن نبض الفجر

تبني الشاعرة أفق الحوار مع أسلحة لا حراك فيها كأنها تستنطقها محاولة إضفاء الحياة عليها واختراق الصمت الجاثم وتحدي الموت و السكون وجاءت الأفعال المضارعة (تسائلني- وأسألها) لملازمة هذا الحدث الإجرامي من الغزو والاقتلاع كأن آلة الموت تدور في كل مناحي المكان.

 

مظفر النواب يقول[21)

...إيه الأساطيل لا ترهبوها

قفوا لو عراة كما لو خلقتم

وسدوا المنافذ في وجهها

والقرى والسواحل والأرصفة

انسفوا ما استطعتم إليه الوصول

من الأجنبي المجازف واستبشروا العاصفة

مرحبا أيها العاصفة..

مرحبا...مرحبا...مرحبا أيها العاصفة

مرحبا أيها العاصفة...

ارقوا أطقم القمع من خلفكم

فالأساطيل والقمع شيء يكمل شيئا

كما يتنامى الكساد على عملة تالفة

بالدبابيس والصمغ هذي الدمى الوطنية واقفة

قربا النار منها

لا تخدعوا إنها تتغير

لا يتغير منها سوى الأغلفة

في ظل بنية دلالية مشحونة بالإرادة والتحدي تتبارى ذات الشاعر معلنة التصدي لكل عدو غاشم وتكثر الصور الاستعارية "مرحبا أيتها العاصفة- ارقوا أطقم القمعحيثالاستعارة هي اللغة الطبيعية للحالات المتوترة وللاثارة، لأنّها تمكن الإنسان بعنف مركز من التعبير عن الارتفاع في مستوى الموقف العنيف الذي يثيره هذا المشهد العظيم بإرساء سفن العدو وسيطرتها على كل شىء ويساعدها الكثير من الخونة على مزيد من البغي ولكن ستظل إرادة الإنسان تأبى الضيم وستنتصر يوما لإنسانيتها وجاءت أفعال الأمر"قفوا- سدوا- انسفوا لتهيئة الرغبة لإعادة هيكلة الحياة من جديد دون خنوع واستسلام.ويعلو صوت الشاعر في تكرار كلمة" مرحبا للتأكيد على كل ما سبق .

خزعل الماجدي (22)

يقول:

سأبكي بلاداً نُهبت بساتينُها وقراها

سأبكي شوارعَها وساكنيها

سأبكي على رفِّ مكياجها الفارغِ

سأبكي على كحلةٍ شاحبة

سأبكي على رملِ أنبذةٍ ودخانٍ

سأبكي على شهوةٍ عاطلة

سأبكي على لسانٍ مثقوبٍ

سأبكي، على الكون، متشحاً بسوادِ الهزائمِ

سأبكي لكي أفتنَ الزهورَ

سأبكي لكي أشتهي الموتَ

لا ينفعُ هذا العصر سوى البكاء.

تبكي الذات الشاعرة بحرارة وحرقة وتكرر القعل "سأبكي " فما لها غير البكاء؛ لأن العراق تنزف دما، العراق تحتضر، العراق وآه وآه يا جنة من غير بستان كم تشتهي الأنفس التنزه ببساتينك، وشوارعك، والسمر مع محبيك، ويأتي استعمال ضمير المتكلم في قوله" سأبكي" هنا يشيع فاعلية في النص كونه الضمير الأكثر حميمية وحرارة فضلاً عن أن الشاعر لا يتحدث عن نفسه فقط ولا يحيا لها أو ينقل إحساساتها فحسب وإنما ينقل مع معاناته معاناة الآخرين ويصور بقلمه كل ما يمكن أن يخطرفي النفس البشرية من أحاسيس وصراعات تنشد الموت بدليلا عن الحياة .

خزعل الماجدي وقصيدته شباك النار (23)

مات مؤرخوكِ يا بغداد ونشفت دموعك،

أنتِ هائمة مثل أرملةٍ عاشقةٍ. عشاقك انتحروا

ومسّهم سحرٌ وسقطوا في شباك النار.

وتظل المعاناة والمأساة تجثم على ذات الشاعر عندما تتحول بلاده إلى رماد من الجثث التي لا حصر لها، فقد طال الموت كل شىء في الحياة حتى الأحياء منهم فقد مسهم السحر واالفعل"مسهم" يوحي بالتخبط، وقتامة الموقف، ولكن في ظل حديث الموت يقاوم الشاعر الموت بالحب في أنسنة بغداد كامرأة عاشقة معبرا ببنية دلالية يتصدرها ضمير المخاطب"أنت لبث روح التفاؤل والأمل فالناس يرحلون والأماكن تظل باقية .

1- برهن البحث أن الشعر في هذه الفترة كان مرآة لكل الأحداث الجارية حيث عبّرت فيه الذات الشاعرة عن قلق المرحلة وتداعيتها، فاستطاعت بوعي دقيق أن تفرد لنا مواطن الداء وتشخص عوامل القهر القامعة من قتل وتشريد وتعذيب .

2- عبّر القصيد عن الواقع المعاش وعن اللحظة الراهنة فكان معبرا عن المرحلة.

3- حمل الشاعر العراقي هموم وطنه ومحنته الغائرة فكان شعره كسمفونية حزينة عزفت على أوتارالقلوب.

 

..................

(1) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص11.

(2) لميعة عباس من قصيدة إلى أمريكي ألقتها ضمن أمسية شعرية، 2010.

(3) لميعة عباس من قصيدة إلى أمريكي ألقتها ضمن أمسية شعرية، 2010.

(4) عبد الرازق عبد الواحد، قصيدة قالت لي الارض كتبت 2008.

(5) عبد الرازق عبد الواحد، قصيدة يا نائي الدار كتبت 2004.

(6) بشرى البستاني، ديوان مواجع باء –عين، عمان، مجدلاوي للنشر والتوزيع، ط1، 2011، ص 11.

(7) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص35.

(8) وفاء عبد الرازق، من ديوان مذكرات طفل الحرب، 2008.

(9) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص32.

(10) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص34.

(11) عبد الرازق عبد الواحدمن قصيدة قالت لي الارض، كتبت 2008.

 

(12) بشرى البستاني، من قصيدة هذا العصر لا يتسع لحبي ضمن الأعمال الشعرية 2010، ص 322.

(13) خزعل الماجدي وقصيدته، كلما ظهر بطل، 2008.

(14) عبد الرازق عبد الواحد، قصيدة يا نائي الدار كتبت 2004.

(15) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003، ص22.

(16) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003.

(17) خزعل الماجدي، ديوانه فيلم طويل جدا لعام 2008 .

(18) بشرى البستاني، ديوان الحب، بغداد، الدار العربية للنشر، ط1، 2003.

(19) بشرى البستاني:أندلسيات لجروح العراق 2003.

(20) بشرى البستاني:أندلسيات لجروح العراق 2003.

(21) مظفر النواب، الأعمال الشعرية الكاملة، لندن، دار قنبر، ط1، 1996وقصيدة الأساطيل، ط .د.ت، ص23

(22) خزعل الماجدي، ديوانه فيلم طويل جدا لعام 2008 .

(23) خزعل الماجدي وقصيدته بركان النار، 2008.

 

ذات شريدة في سجن الوحدة والحضور الواهم .. قراءة في قصيدة ذاتي الشّريدة للشّاعرة فاطمة نزال

madona askarورحلت

دون حتى سلام

واكتفيت بالصمت رسولا

كيف لي أن أغتال ذاكرتي

حتى لا تحبل بألم جديد

وحتى لا تلد سرابا آخر

وكيف لكلمات

ما زال رجع صداها يقرع الأجراس

في رأسي المثقلة

كيف لها

أن لا تؤجج

آلاف الأسئلة بين حنايا روحي ؟!!!

****

تائهة مضيت

ألملم خيبتي

أعانق ذاتي الشريدة

أتحسس كفك تربت على كتفي

فتصفعني برودتها

وتتركني رهينة محبسين

وحدتي ... وسراب وجودك

 

النّصوص العظيمة هي تلك الّتي تسمع فيها صوت الشّاعر الهامس في كلماته الإبداعيّة. يتهيّأ لك أنّك تقرأ قصيدته، في حين أنّك جليسه، تصغي لبوحه وتتفاعل مع شخصه، وتحسّه يتوجّه إليكَ شخصيّاً، داعياً إيّاك للدّخول إلى عالمه الجميل اللّطيف لتستمتع معه بومضاته الشّعريّة. وفي هذا النّصّ، تحملنا الشّاعرة معها إلى عالمها الخاص، وتدعونا إلى الالتفاف حول ذاتها الشّريدة. وكأنّي بها تريد أن نتوغّل معها في صميم دواخلها حتّى ندرك وجعها.

تحاكي الشّاعرة القارئ بحميميّة، ( ورحلت دون حتّى سلام)، وكأنّه على علم بالحدث السّابق للقصيدة. ولا بدّ أنّ هذا الحدث أرهق شاعرتنا فرحلت دون أن تلقي سلاماً، أو لعلّها خافت أن تفعل كي لا تعيد النّظر في قرارها. فالعبارة التّالية من القصيدة توحي بأّنها ترجو من الآخر استبقاءها، ( واكتفيت بالصّمت رسولا). الصّمت لغة، وليس كالسّكوت الّذي يحمل في طيّاته الكثير من الجفاف. الصّمت غزير المعاني والمشاعر، وأمّا السّكوت فهو حالة من حالات الموت.

هذا الصّمت الّذي يرتقي إلى رتبة الرّسوليّة، أرادت به الشّاعرة أن يبلّغ المرسل إليه مدى الألم الّذي تسبّب به. فالرّسول يمثّل رسميّاً من أرسله، وبالتّالي فوكأنها وهي الرّاحلة، تترك جزءاً منها يعرّفُ الآخر ألمها. ويتجلّى المعنى بصدق التّعبير عن الألم والوجع الّذي نُقش في ذاكرتها بل في وجدانها، بل في كلّها. (كيف لي أن أغتال ذاكرتي حتى لا تحبل بألم جديد

وحتى لا تلد سرابا آخر). الذّاكرة حافظة للخبرة الإنسانيّة بكلّ ما تحمل من أحداث ومشاعر واختبارات إيجابيّة وسلبيّة. وذاكرة الشّاعرة تعتصر أسى وتأوّهاً يرسمان لها طريق الرّحيل من جهة، ومن جهة أخرى يخطّان في عمقها درساً يمنعها من خوض غمار الوهم مرّة ثانية.

وكيف لكلمات

ما زال رجع صداها يقرع الأجراس

في رأسي المثقلة

كيف لها

أن لا تؤجج

آلاف الأسئلة بين حنايا روحي ؟!!!

إنّ قرع الأجرس هو بمثابة إعلان. والحدث الّذي تعاني منه شاعرتنا يتردّد في نفسها كطنين الأجراس. يعلن لها باستمرار قسوة كلمات حارقة، تضرم في روحها تساؤلات موجعة، مخلّفة حيرة وارتباكاً لشدّة قسوتها. إلّا أنّها لم تلقَ إيجابات على أسئلتها، ممّا زاد من حزنها، بل جعلها تائهة وخائبة ومثقلة بالوحدة. (أعانق ذاتي الشريدة). إنّ ما تحمله هذه الكلمات من أسى وألم يعكس فظاعة جرح الشّاعرة. فرحيلها يخطو تائهاً بروح منكسرة وحيدة، لم تجد من يعزّيها سوى انكسارها ووحدتها.

تحاول الشّاعرة أن تبحث في وجدانها عمّن تظنّه المعزّي فلا تلمح منه إلّا سراباً، (أتحسس كفك تربت على كتفي فتصفعني برودتها). إلّا أنّها تصطدم بالخيبة والإحباط لتصحوَ على حقيقة واقعها. فتلك الكفّ الّتي ترمز إلى الآخر والآمال المعلّقة عليه لم تعد ترسل نفحات الحنان والعزاء والدّفء. كما أنّها فقدت قيمتها الودّيّة الباعثة للطّمأنينة والرّاحة. وعلى الرّغم من الرّحيل واتّخاذ القرار بالتّحرّر من الوهم، إلّا أنّ مرارة الحدث سجنتها في وحدة وحضور ما برح يلحّ عليها بوهمه. (وتتركني رهينة محبسين وحدتي … وسراب وجودك).

صرخة احتجاج في رواية (ارض الزعفران) للكاتب حميد الحريزي

goma abdulahلاشك عند قراءة الرواية القصيرة (ارض الزعفران) للكاتب حميد الحريزي تتبادر الى الذهن جملة من التساؤلات، التي تثير زوبعة من الاستفسارات، عن غاية الرواية وهدفها وعمقها الرمزي، في ضجيج الواقع الملموس، وما احتوت من ايحاءات تعبيرية ورمزية في توجيه مقاصد واضحة، من خلال محتويات مضامين فصولها الخمسة للرواية القصيرة، التي اكتنزت بالديمومة والحيوية الفاعلة في موضع الحدث التي دلفت وانساقت اليه، بالدرجة العالية من الاثارة والتشويق، بحيث شدت القارى منذ بداية اسطرها الاولى، في حيويتها الديناميكية مشوقة، التي ظلت ملازمة لها ببراعة حتى اخر سطورها، وهذا بالضبط ما اشار الية الكاتب جاك لندن بان (القصة يجب ان تكون ملموسة ومباشرة ومليئة بالحيوية والحياة وممتعة ومنعشة ومفعمة) حتى تتكامل ادوات التعبيرية بالحبكة المتماسكة، وتصل الى الذروة المنشودة، في تراكيب ادواتها للوصول الى هدفها المطلوب. والرواية سلكت طريق التكثيف والاختزال بمهارة، في سبيل توضيح وانضاج الايحاء الرمزي، بشكل مباشرة، دون الوقوع في منزلقات الاطناب والحشو الزائد، الذي هو في غنى عنها، ومن خلال الاسلوب ومقومات خصائص فن الرواية القصيرة اوفن القصة القصيرة الحديثة، تكاملت فيها ادوات الحدث والموضوع التعبيري، برسم الشخوص عبر السرد الراوي وكذلك استخدام المنولوج الداخلي يتخلله الحوار المكثف، في ابراز العقدة او الصراع الذي شكل جسم العمود الفقري للرواية القصيرة . لقد اختارت الرواية المزج بين الخيال والواقع الغرائبي بالسريالية، ويأخذ نا بشوق الى سحر عالم الحكايات الشعبية، والحكايات الخرافية، التي تعود بنا الى اجواء حكايات الف ليلة وليلة، وحكاية (علاء الدين والمصباح السحري) اضافة الى استخدام السرد الراوي للاحداث، وفي اثارة عناصر الرواية المؤثرة في الشخوص والاحداث، ان تتحرك على رقعة الرواية، بفعالية ديناميكية حية ونابضة من خلال فصول الرواية الخمسة، التي هي كالاتي (الولادة / الصندوق / الغريب / الزفاف والازدهار / الاندثار)، ومن القراءة التحليلية لمقومات الرواية وتشريحها في القراءة المتأنية، يمكن حصرها في النقاط التالية:

1 - موجز موضوع الرواية

2 - الدلالة الرمزية لمعاني الشخوص في الرواية

3 - الايحاء الرمزي للرواية

1 - موجز موضوع الرواية: تبدأ الرواية مباشرة، بحادث المولود الجديد، الذي يتمثل بولادة (ضوية) في ارض الزعفران (ارض الرز والتين والرمان)، وبهذه الولادة تسجل انعطافة حياتية جديدة لاهل الزعفران، حيث كان يوم الولادة (في يوم ممطر غائم، انقشعت غيومه واشرقت شمسه وغردت اطياره، وانطلقت زغرودة الفرح بمباركة الخير الذي حلَ في بيت (فرحان) الاب .

- ألا تلاحظ يا (فرحان) ان ابنتنا اخذت تفهم معنى الكلام، وهي لم تبلغ يومها السابع ؟؟!!

- والله يا (نورهان) ان امر هذه الطفلة لعجيب يبدو انها مباركة

واخذ عود (ضوية) ينمو ويكبر، وتشتد عزيمتة وغرابتة في نفس الوقت، فحينما بلغت عامها السابع، اصبحت علامة فارقة وحديث اهل الزعفران في قدراتها العجيبة والغريبة، فصارت تاريخ رسمي لاهل القرية في توثيق وروزنامة لارض الزعفران من تسجيل الاحداث، وولادات ووفيات، فيقال كذا يوم او شهر اوسنة، قبل اوبعد ولادة (ضوية) فقد اصبحت قبلة ومحطة انظار، يتبارك الجميع من بركاتها وخيرها، وحين استقبلت هدية من ابيها، صندوق يحتوي عبارة عن خزامة ووردة وخلخال، وقابلته بهدية منها، بان قادت رجال القرية الى الصندوق العجيب المدفون تحت التراب القرية، وحينما حفروا المكان بمعاولهم، شاهدوا الصندوق المرصع غطاءه وجوانبه ببلورات لها بريق، كأنها نجوم متلألئة في سماء صافية، ولكن رجال القرية عجزوا عن رفعه واخراجه من الحفرة، سوى (ضوية) رفعته في يد واحدة، وسط دهشة وغرابة وفضول رجال القرية، ووضع الصندوق في غرفتها لانه عائد لها ومن ممتلكاتها الخاصة. واصبحت (ضوية) مزار يومي، وحاجة اساسية لاهل الزعفران (اصبحت اليد التي لا تخيب، في تسهيل وضع النساء معسرات الولادة في قريتهم وما حولها، حتى ذاع صيتها شرقا وغربا، وفي الشمال والجنوب . ما من زواج يتم إلا بمباركتها، فمن تقره يصبح نافذاً، ولا تقره يصبح باطلاً، وكانت موضع اسرار فتيات القرية ورغباتهن) وعندما حل الغريب الشيخ (ادريس) بشكل فجائي وغرائبي في بيت (فرحان) طلب يد (ضوية)، ففوض ابيها اهل القرية في الموافقة على الزواج، وكانوا اهل ارض الزعفران، ينظرون الى (ادريس) نظرات غرابة وحيرة، رغم انه صرح بان موطنه ارض الله الواسعة، وهو من نسب آدم وحواء، وكان غزير في العلم والمعرفة والحكمة والتبصر، ويقرأ بما يجول في الصدور، اضافة الى طلعته البهية، التي تدل على انه من علية القوم والجاه والنسب . فوافقوا على عقد الزواج مقابل شرط، ايجاد بيت يأويه مع عروسته (ضوية) ووعدهم في الصباح الباكر، سيجدون بلاط ضخم تحيطه الاشجار والفواكه جاهز على الارض اهل الزعفران ، ومؤثث باثاث الملوك والسلاطين (هنا ندخل في الخيال الخرافي، الذي يذكرنا بقصة علاء الدين والمصباح السحري، في قامة بلاط ضخم من الهندسة العجيبة والغربية وبالاثاث الملوك، يتم كل هذا في يوم واحد، كقصر للزواج)، اضافة الى حمل صناديق المملوءة بالطيب والحلي والديباج والحرير والجواهر النفيسة، وتوزيع الملابس والهديا على كل اهل ارض الزعفران) وتهب رياح السعادة والبهجة وكرنفالات الفرح على القرية، ويدوم الحال بهذا الخير الوفير، حتى حلول موعد الفاجعة والخراب ويتهدم كل شيء، ويختفي الفرح والبركة من ارض الزعفران، حينما داهمتهم الاغراب من كل الاجناس، ومزقت وشائج التعايش والسلام والمحبة، وحلت طباع هجينة واخلاق وحشية، وتكاثرت السرقات والخيانة والغدر، وتحولت ارض الزعفران الى قرية الاقفال، مما اغضب (ادريس) واحتج على هذا الغضب الذي اصاب القرية، واختفى عن الوجود مع (ضوية) .

2 - الايحاءات الرمزية لشخوص الرواية : ويمكن تلخيصها كالاتي .

أ - ارض الزعفران : هي ارض الرز والتين والرمان، ارض الانس والجان، دخلت في حلة جديدة من حياتها مع ولادة (ضوية) حيث (طفح نهر الخيزران الذي يشطر ارض الزعفران الى شطرين، وضاقت ضفافه ب (الدهلة الحميرة) واعطت السنبلة الواحدة، سبعة اضعافها وناء النخيل يحمل عذوقه من انواع التمور، وقد اثمرت من كانت لا تثمر، ملأت النهر اطيب انواع الاسماك، وغص الهور بانواع الطيور) وعاشت ارض الزعفران في بحبوحة العيش وسعادته الغامرة، واصبحت انشودة للتعايش والسلام والمحبة، وفي تطور اخلاق الناس في عمقها الانساني . ويوحي لنا الكاتب من خلال هذه الاثمار الحياتية المتوفرة، بان هذه الخيرات والبركات تتواجد بوجود العلم والمعرفة، والعقل والحكمة والتبصر في عادات واخلاق الناس، ويغمرها نور المعرفة والحكمة والبصر والبصيرة، بان البعد الانساني الحضاري اهمية بارزة في وجود هذه الخصائل، وبالضد يحل الخراب والطبائع والاخلاق الهجينة والوحشية، وينهزم الانسان كما انهزمت ارض الزعفران .

ب - ضوية : تمثل اطلالة الزمن السعيد، الذي يساعد على توسيع مدارك الانسان بالمعرفة والحكمة والعمل، في استثمارها، لجلب الخير والبركة، التي تجلب الامان والسلام والصفاء، لذلك يعتبر ولادة (ضوية) ولادة شروق المعرفة والحكمة، التي تخدم الانسان وتبعدوه عن العدوانية والكراهية، هذا الايحاء باسم (ضوية) الضياء الذي يشع في جوهرته الانسانية (بجمالها وكمالها وطيبتها وحكمتها، وغزارة علمها) .

ج - الصندوق العجيب : حين حددت (ضوية) مكان الصندوق المدفون تحت التراب، ولما عثروا عليه، لم يستطع رجال القرية اخراجه، وحين رفعته (ضوية) في يد واحدة، هي اشارة صريحة بان الصندوق هو عائد الى ممتلكات (ضوية)، وحين داهمت الغرابة والدهشة والحيرة برجال القرية، اجابتهم (ضوية) (كفوا عن اسئلتكم واستفسارتكم، فما يضمه الصندوق، لا يمكن فهمه ولا ادراكه من قبلكم، عصي على الفهم على امثالكم، قد يصاب البعض بمس من الجنون، لو اطلع على مافيه، فيغير ثوابته ويلعن ماضيه وحاضره) بمعنى ان ذخيرة الافكار التي تناصر الانسان، لايفهمها إلا الانسان الواعي والناضج، ويتفهم بادراك عميق، جدوى المعاني الانسانية وقيمها، وهذا ثقيل وصعب التحقيق، عند الذين يعتاشون على الماضي العتيق، والموروثات التي تفرق بين الانسان واخيه الانسان، ويكون الانسان مسير من قوى خفية تقوده الى التشبث والتزمت والتطرف والعدوانية، وتقيده باصفاد ثقيلة تمنعه ان يكون انسان حر التصرف، اوخلية صغيرة تعمل لصالح الخير للواقع الحياتي وليس عنصر لدمار الواقع وتخريبه، ولا يمكن التحرر من هذه الموروثات الثقيلية، إلا بالوعي الناضج والادراك العميق   .

د - ادريس: الغريب الذي حل بغرابة في ارض الزعفران، الذي خلب عقول اهل القرية، بما يحمل من افكار تنير الطريق وتهزم الظلام، الافكار التي تجلب الثمر الى الحياة، في روائعة العقل المنفتح على الحكمة والتبصر والعلم والمعرفة، بان هذه الافكار قادرة على حل اعقد المشاكل والخلافات، وعكس ذلك تكون عسيرة الحل، ان تطابق بالوعي والفكر والعقل والحكمة بين ضوية وادريس، يمثل نشوء الحضارة الانسانية وازدهارها . هذا هو البعد الايحائي لشخصية ادريس .

3 - الايحاء الرمزي للرواية: تكمن في خضم الصراع الشرس بين قوى الخير والشر، هذا الصراع الازلي يستمر طالما وجد الانسان على ارض الله الواسعة، وهو موجود منذ وجود الخليقة الادمية . وفي الاستمرار على التزاحم والمنافسة على السيطرة على المجتمع والحياة . واذا كانت رواية (اولاد حارتنا) للكاتب نجيب محفوظ، التي اثارت ضجة كبرى . بدعوة بانها تطعن في الاديان السماوية، وانها تتحدث عن الظلم الالهي، بطرد آدم من الجنة، لانها اشارت الى صراع الناشب على السيطرة على المجتمع والحياة العامة في تتبع الاديان السماوية له، وبانحياز الرواية الصريح الى العلم والمعرفة، الذي يخرج منتصراً من حصيلة هذا الصراع، وفي ارض الزعفران كانت المعادلة معكوسة تماماً، بان الطباع والافكار والاخلاق الهجينة والوحشية، هي التي انتصرت بخرابها المدمر على ارض الزعفران وانهزامت المعرفة و العقل والحكمة والتبصر، امام دخول افكار تنشد الخراب الانساني والحياة،هذا هو منطق الايحاء الرمزي للرواية ارض الزعفران، من خلال اختيارها موروث الحكاية الشعبية والحكاية الخرافية في عالمها السريالي الغرائبي، اي ان الكاتب يريد ان يوجه رسالة احتجاج على الواقع المزري .

ملاحظة صغيرة : اعتقد بان هناك امكانية لاطالة صفحات حجم الرواية القصيرة، ولكن ليس بطريقة الحشو والحشر الثقيل والممل، وانما في اطالة الاحداث والشخوص بالتكنيك بالحبكة المتماسكة، لكن هذه الملاحظة الصغيرة، لاتنقص من روعة الابداع الروائي، الذي استند على التكثيف والاختزال، ليصل الى هدفة كالرصاصة المنطلقة الى هدفها مباشرة

 

جمعة عبدالله

 

الاغتراب في شعر صدام فهد الاسدي

يعد الاغتراب ظاهرة إنسانية (يمكن تتبعها منذُ ظهور المجتمع البدائي ترجع الى اسباب كثيرة تنتج عنها حالات الاغتراب)(1) وقد تكون الاسباب (مكانية الانتقال من بلد الى بلد او من مكان الى مكان، او سبب زماني وهو سبب اضطراب الاحوال السياسية والاجتماعية والثقافية... الخ او بسبب ديني حين يشعر الشاعر بغربتهِ في هذا الوجود كالزهاد والمتصوفة الذين يتحدثون عن غربتهم في هذهِ الدُنيا)(2).

ولم يرد في معاجم اللغة العربية الا كلمة (غَرُب) حيث تدل (على البعد عن الوطن يُقال: غريب الدار، ومن هذا الباب غروب الشمس)(3).

اما الاغتراب فلم يرد في معاجم اللغة العربية فيمُكن القول إنه مصطلح حديث فنعْتي بهِ عندما يكون الانسان في وطنه ولم يخرج منهُ، وهذهِ الظاهرة لها اسباب (سياسية دينية، زمانية، روحية... الخ) ونجد هذه الظاهرة (ظاهرة الاغتراب) عند الشاعر الأسدي.

 

أولاً:- ماهية الأغتراب

تتحدد دلالة الاغتراب فيما يأتي:-

الأغتراب في اللغة:-

وردت كلمة (غَرُبُ) لتدل على معنى الذهاب والتنحي عن الناس)(4) وقيل الغربة البُعد عن الوطن يُقال غريب الدار ومن هذا الباب غروب الشمس)(5).

الاغتراب في الاصطلاح:-

كثر الباحثون الذين درسوا ظاهرة الاغتراب اذ تعددت مجالاته والعلوم التي اختضنتهُ. وقد اختلفت معانيه حتى وصل الى حدّ التناقض (وقيل كُل مُتباعد غريب وعلى هذا قول الرسول (صلى الله عليهِ وآله وسلم): (بدأ الاسلام غريباً وسيعود غريباً) وقيل العُلماء غُرباء لقلتهم قيما بين الجهّال)(6).

كما ان الازمات الاجتماعية تعمد الى زيادة حدّة الاغتراب عن المجتمع (فالأزمات التي يمر بها المجتمع قد تُريد الضغوط الحياتية للفرد مما يؤثر ذلك على بعض اهدافهِ الحياتية التي خطط لها في وقت مضى اذ يصعب عليه بلوغها مما يُعرضه لأحباط وعدم الرضا عن حياتهِ كما ان غياب مصادر الاسناد الاجتماعي، اثناء تلك الازمات من المُمكن ان يبعث على الاغتراب ولعل من الاسباب الاخرى الباعثة على الاغتراب ضعف الإندماج بين الفئات على مراكز القوة والسلطة في المجتمع)(7).        وهُناك ابعاد كثيرة للغربة، وهي الغربة النفسية والاجتماعية والفكرية والمكانية، ويمكن تحديد مفهوم الاغتراب إجزائياً ... (بأنه اضطراب نفسي ينشأ من نبرات الشاعر التي يمرّ بها مع نفسه ومع الأخرين ولا تتصف بالتواصل والرضا ويُصاحبها العزلة والاحساس بالتمرد والرفض والتشاؤم الامر الذي يؤدي بهِ الى الاستسلام، والابتعاد عن الاهل والأوطان)(8).

 

ثانياً: مظاهر الاغتراب في الشعر العربي – قديماً وحديثاً –

1- عروه بن الورد:

شاعر جاهلي (عاش الغربة النفسية حين فضّل والده اخيه الكبير عليه فضلاً عن نظرة الناس الدونيه له وصراعه مع نفسه من جهة نسبهِ لامهِ واخواله وكذلك زوجته اللائمة على كرمهِ ومساعدتهِ للفقراء وامتهان الصعلكة لمساعدتهم وليس من اجل الحاجة للمال)(9).

فقال:- وما بي من عارٍ إخالُ علمتهُ    سوى ان اخوالي – اذا نسبوا – نهد

 

وهكذا عاش الشاعر عروة بن الورد (الاغتراب الذاتي عن التمركز حول الذات والنظرة الشاتمة للحياة)(10).

 

2- كعب بن زهير:-

شاعر اسلامي في بداية الاسلام (بقي على الشرك وأخذ يهجو اخاه والرسول ويشيّب بشاعر المُسلمين، فأهدر النبي دمه فضاقت عليه الارض(11) فعاش الشاعر إغتراباً نفسياً لخوفه من القتل وعدم التمسك بتعاليم الدين الاسلامي فهو جديد العهد بالدين ومبادئه)(12).      فضاقت عليه الارض فعزم ان يستأمن الى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فأنشد على على الرسول قصيدته اللامية المشهورة المُسماه بـ(البردة) وعبّر من خلالها عن غربته النفسية والروحية والتي قال فيها:-

يا ويحها من خلة لو انها صدقت                ما وعدت اولو ان النصح مقبولُ

لكنها خلة قد بسطت من دمعها          فجحٌ وولـــــعُ واخـــــلاقُ وتبــــــديل

فلا يغزنــــــك ما منت وما وعدت               إن الامانـــــــــــي والاحلام تضليلُ

وهناك نجد الشاعر كعب بن زُهير تعرض للاغتراب من عقائده الروحية وعانى من الانفصال عن القيم الروحية والاخلاقية التي يخلقها التفاعل مع الناس ومع الذات(13).

 

3- المُتنبي:-

شاعر عبّاسي (شعر الاغتراب منذ ولادته اذ مات والداه وهو صغير السن مما سبب اغترابه النفسي)(14) وعندما كبر وشب شعر بالغربة الزمانية اذ ذاق مرارة الوحشة والغربة والجوع بعصره الألم بعد ما رأى نفسه وهو صاحب الهمّة والعبقرية فيرى مهانة بين أُناس ساقتهم حظوظهم الى اعتلاء المناصب والتحكم في رقاب الناس)(15).

فنعرض الى اغتراب نفسي وفكري انعكس جلياً في شعره)(16)

اذ قال:-   ما مقامي بأرض نخلة إلا            كمقام المســـــــــــــيح بين اليهودِ

..............

أنا في أمّة تداركها اللّــــ                   ـــــــه غريبٌ كصالح في ثمودِ(17)

فهو يُشبّه غربته في قوم لا تجانس بينه وبينهم بغربة صالح (ع) الذي كان يعيش بين قوم لا يرون رأيه وهم ثمود(18).

 

4- ابن حمديس الصقلّي:-

شاعر اندلسي كان الموت والخوف من المجهول يهددان حياته ويجعلانها الماً وعذاباً، فرحل كثير من الاندلس من اوطانهم وتركوا ديارهم وفارقوا اهلهم واحباءهم الى غير رجعة)(19) وكان ابن حمديس احدهم، فالتجربة الفاشلة للشعراء في غربتهم والمعاناة التي لا قوها جعل غيرهم يصمّون أذانهم عن دعوات الرحيل ولا يعيرونها اهتماماً، فالذين تغرّبوا ودربوا الحياة داخل الوطن هم الذين يحذرونهم من هذا الرحيل على نحو ما نجدهُ في شعر ابن حمديس)(20) محذراً من الغربة:

إيّاك يوماً ان تُجرب غربةً               فلن يستجيز العقل تجربة السمِّ

وقال في شعر الشوق الى صقلية:-

ذكـــــــــــــــــرتُ صـــــقليِّـــة والاســـــــــى            يُهيــــــــج للنفس تــــذكــــارهـــــا

ومنزلـــــــةً للتصـــــــــــابي خلـــــــــــــــت             وكان بنو الظـــــــــرف عُمّارُها

................

ولــــــولا ملوحـــــــــــــــة مـــــاء البكـــــــا              حســـــــــــبت دموعي انهارها

ضحكت ابن عشرون من صَــــبوةٍ              بكيت ابن ســــــتين أوزارها(21)

5- الجواهري:

يعد الجواهري احد شعراء العصر الحديث (غرقت حياته بعدم الاستقرار وكثرت التنقلات من مكان لأخر داخل بلاده وخارجها كان يعيش حالات التمرد والثورة والاحتجاج على الواقع المؤلم ساعياً للتخلص من مظاهر التخلف والخضوع داعياً الى الحرية والمشاركة الإجتماعية لهموم الناس وتطلعاتهم والتضحية من اجلهم بغية النهوض بواقعهم نحو الافضل وقد اختار البحر الطويل ليستوعب بها كُل تلك المشاعر والاحاسيس التي جسدها في ابياته)(22) ومنها قصيدته بعنوان (شكوى وآمال)(23):-

اعاتب فيك الدهر لو كان يسمع                   واشكو الليالي لو لشكواي تســمع

اكلُّ زمانـــــــي قبـــــلُ هـــــــــمُّ ولوعـــة                وكل نصــــيبي مــــنك قلـــــــب مروَّع

ولي زفرة لا يوســـــعُ القلب ردّها               وكيف ندرٍ ما يخفي الفؤاد المُلّوعَ

وعليه يتجلى الاغتراب النفسي والفكري لدى الجواهري (الذي كان بحياته قوة ردّ فعل يجمع بين التمرد والثورة وهو وسيلة دفاعية للتخلص من الشعور بالإحباط والعزلة التي كانت بينه وبين المجتمع)(24)

ومن خلال عرضنا لهذا الموجز للغربة والاغتراب في العصور الادبية المختلفة يتبين لنا ان الاغتراب او الغربة ظاهرة إنسانية ذات جذور تأريخية وتمثل الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية والاقتصادية... الخ، التي مرّ بها الشاعر خلال تجاربه في الحياة، ومازالت موجودة سواء في الشعر او تتمثل في حياة الانسان غير الشاعر.

ولكن الشاعر يعبر عن الاغتراب في شعرهِ ومن بين الشعراء الذي أحسوا بالاغتراب في بلادهم شاعرنا صدام فهد الاسدي وستكون الدراسة خاصّة في شعرهِ.

 

الاغتراب في شعر صدام فهد الاسدي

يشكل الاغتراب في شعر الاسدي اثراً عميقاً في ذاته فعكسها في شعره اذ ان الاغتراب عندهُ اغتراب نفسي وليس مكاني (بعيد عن الوطن) بل الاغتراب صادر من نفس الشاعر حيث جسد اغترابه الروحي في قولهِ:-

يا غربة الروح بل يا غربة البدن          كيف الخلاص لنا من محنة الزمن؟

صبرتُ خمسين عاماً حاملاً كفني         والروح ما مرة مرت على سكني(25)

إذاً فالأسدي ما اغترب بعيداً عن وطنهِ بل داخل وطنه عاش اكثر معاناة وغربة وهذهِ المعاني جسدها في قصيدتهِ السابقة حيث وصف في البيتين اغترابه النفسي وذكر مُدّة هذا الاغتراب خمسين عاماً. وان استقراء المصادر اللغوية المتعلقة بمعنى الغربة توضح ارتباطها بمفهوم البُعد عن الوطن كما رأينا ذلك في المبحث الاول. ويظهر بأنها تختلف عن الاغتراب، فالغربة تكون خارج الوطن للشاعر (النوى والبُعد والعدّة و(اغتراب) نزح عن الوطن)(26).        اما الاغتراب فهو داخل الوطن وهو (الظاهرة الاجتماعية الأكثر قسوة في حياة الانسان والمجتمع وهي ظاهرة معقدة لا تقتصر على البُعد الاقتصادي او الاجتماعي او النفسي، إنما هي حصيلة تفاعل هذهِ الجوانب في إطار غياب العدالة، وسطوة كل ما هو مادي وغير إنساني)(27).

والاغتراب ظاهرة واضحة في شعر الاسدي وهذا الاغتراب هو اغتراب نفسي داخل الشاعر، وسنرى ذلك من خلال تقسيم هذا المبحث الى:- (اغتراب الشاعر مع اسمه، واغتراب الشاعر في السجن، والاغتراب الزماني، والاغتراب النفسي).

 

أولاً:- اغتراب الشاعر مع اسمه

فاسم الشاعر كما نعلم هو (صدام) وقد عانى بسببه شاعرنا لأنه يشابه لأسم (صدام حسين) الرئيس العراقي الذي عانى منهُ كُل مواطن عراقي والأسديّ احدهم حُرِم من ان يُشارك في المربد والمهرجانات الشعرية التي تُقام سواء في داخل او خارج العراق، فقد ذكر الدكتور قصي الشيخ عسكر في كتابه (من تنومتي يطلع القمر) فقال:- (لابُدَ ان أذكر للقارئ الكريم عن العلاقة الاخوية والثقافية القديمة التي كانت بيني وبين الدكتور (الاسدي) ... ويومها لم يكن الاسم بُسبب اي إشكال، أن صدام ولد عام 1953 اي قبل معرفة الناس بحزب البعث وصدام حسين وقبل صعود ذلك الحزب الى السلطة بسنوات طويلة ولابُد ان اذكر ذلك لأن قضية الاسم تُذكرني بحادثتين طريفتين: الاولى انني تكلمت مع احد المراكز الثقافية في اوربا لكي يستدعوا صديقي (أبا آعيان) وهذه كنيته وهم اي اصحاب المركز الثقافي معجبون بشعرهِ وابحاثهِ ولكنهم قالوا لي بصراحة ان الاسم يُحرجهم، والحادثة الثانية يوم سألتني أكاديمية معروفة ان كنتُ اذكر استاذاً لكي يستدعوه فوقفت قضية الاسم حائلاً في الموضوع)(28).

وكذلك شاعرنا يمدح الامام الحسين (ع) في شعره ولهُ قصائد في رثائهِ ويذكر فضائل اهل البيت (عليهم السلام) في شعرهِ وكان يُحاربه النظام البائد بشتى الطرق وحتى السجن في بعض الأحيان وإصدار الاوامر بنقلهِ من مكان عملهِ الى مكان اخر فما كان من شاعرنا إلا ان يذكر بعض القصائد التي يقول فيها ان اختيار أبيه لأسمه هو جريمة بخد ذاتها فيقول في (المقطع الرابع) من قصيدتهِ (بعيداً عن حرائق النفاق)(29):-

جريمتي انّ أبي يختار اسمي هكذا في مطلع الخمسين.

صدام سماني ابي وكم أُعاني اليوم منهُ ادخل الستين.

في وقت صدام أُعاني من معاثر الظلاّم.

كم شطبوا اسمي من المربد والاعلام.

فمن خلال هذا المقطع من القصيدة ترى ان الشاعر يرى ان اسمه صدام هو جريمة لأن ابيه اختار هذا الاسم لهُ. وكم عانى منهُ في وقت النظام البائد من معاثر الظلام الذين يرتقبون كُل خطوة يخطوها او اي كلمة يقولها، وكم شطبوا اسمه إذا إراد ان يُشارك في المربد او في الاعلام. ولهذا السبب فعند الشاعر اغتراب نفسي.

ويذكر الشاعر معاناته بسبب اسمه في قصيدة أُخرى وهي (موسيقى بائسة جداً)(30) المقطع الثالث حيث يقول فيها:-

الحُلم روحي بين الخوف وبين الصحو / وبين الصمت من الايام

اكبرُ جرم/ قدمتُ الى عائلتي/ اسمي محذوف من صحف الاوهام

ويقول الشاعر في المقطع الرابع من نفس القصيدة:

أنت البائس يا حظي / من سّماك بهذا الاسم / رويداً كيف عبرت من السجل المدني عام الخميس

زمن القحط / وجوع الناس / ووحدك ترفل في ثوب الارقام

فنلحظ ان الشاعر يندب حظهُ لأنهُ (سُميّ بهذا الاسم)، ويسأل كيف عبر اسمه من السجل المدتي. ومن خلال هذهِ الابيات والقصائد نرى ان الشاعر عبّر عن المعاناة التي عاناها في الزمن البائد وظُلم بسبب اسمه على الرغم من ان اسمه سابق لأسم صدام حسين، ولكن شاعرنا يبقى شامخاً كالجبال ولا يؤثر اسمهُ في عقل الانسان العاقل العالم الذي يُفرق بين الجاهل والمُثقف.

 

ثانياً:- اغتراب الشاعر في السجن

السجن في حياة الشاعر المغترب وجه أخر عن الانسان العادي فشاعرنا عانى الاغتراب في كُل شيء حتى وهو في العراق فقد سجنه النظام البائد لأنهُ كان يقول القصائد في مدح رثاء اهل البيت (عليهم السلام) فكما هو معروف فهو شاعر اهل البيت (عليهم السلام) (ومن مُعاناته انهُ حُرم من التقديم للدراسات العُليا (الماجستير) في بادئ الامر على الرغم انهُ كان الاول على دُفعته فقد حصل على شهادة البكالوريوس كُلية التربية في 1/1984م. وحُرم من التقديم بها لِمدّة 12 سنة لأنهُ كما يقول ليس بعثياً)(31).

وقد قام بالتدريس في المدارس المتوسطة ومع هذا لم يتركه النظام البائد بحالهِ بل قام بإصدار اوامر بنقله من القرنة الى شط العرب ثم الى معهد المُعلمين في البصرة ومع هذا فقد تعرف على الكثير من اساتذة هُناك.

(ومع ذلك فقد كافح للوصول الى الدراسات العليا وفي سنة 2001م اكمل دراسة الدكتوراه وحصل على الشهادة في كلية الأداب جامعة الكوفة، وحصل على شهادته مُساعد في سنة 2005م، وحصل على الاستاذية واستاذ سنة 2013(32).

ويذكر الشاعر السجن في شعره فهو يقول في قصيتدِ (الشوك المُدمى)(33) المقطع الخامس.

ما اطيب العيش الذي اشعل فيه شمعتي

ولن اخاف السجن والحذر؟؟

يا ليتني حجر؟

تمر فيه الريح والبروق والخطر؟

احتطب الوقد الذي يلبسني حرارة الشجر؟

مازال غابي تائهاً..

مازالت بعد ثورة أُصافح الغجر؟

الظلم مات بائساً؟؟

والخوف بات تائهاً وحلمي انكسر؟

الوعي ظل غائباً وجهلنا انتشر؟

الحال صار زورقاً يسحبه التتر؟

تبقى هُنا الماضي على إسقاطهِ

سقط متاع ليس يُعتبر؟

فالشاعر هُنا يصور حالهُ انهُ لن يخاف السجن ويتمنى لو انهُ حجر الذي يمرّ فيه الريح والبرق والمطر ولكن لا يؤثر فيه شيء. (والسجن يُزيد من مرارة الاغتراب وقسوة الزمن والشعور بالضعة والمهانة ويعاني السجين من عزلة المكان وقسوة السجّان والتطلع الى الانطلاق والغربة)(34).

ففي قصيدة اخرى نرى الشاعر يُعبر عن متعهِ من التعبير عمّا في نفسهِ فيقول في قصيدة (غربة الشاعر)(35):

ولستُ أعُبر حد النطق في شـــفتي               لو كنتُ انطق فالسّـجان يمنعنـــــــي

ما قلتُ كــــــلا لأن الفقر يذبحنــــــــي          لو هبت الريح هذا الثوب يفضحني

السجن داري فأين اليوم اجنحتي؟              إن طرتُ شــــــبراً فتلك الدار تسجنني

ففي هذهِ القصيدة يُعبر الشاعر عن قيود السجن والسجّان لهُ من ان ينطق ولو كلمة واحدة وحرف واحد ويُعبر عن فقره ويقول بأنه قال للنظام البائد (كلا) ليس لأن الفقر يذبحه بل لأن المال ليس مُقدر لهُ وهو كما يقول في البيت (يكرهني). ويُعبر عن الاغتراب النفسي فيقول بأنه حتى لو طار فالسجن سيبقى دارهُ اي مهما يكن فهو داخل الوطن مغترب وهذا الاغتراب نفسي وفي وقت لا يعطيه الناس ولو قليلاً من حقه عليهم وهو انه منهم ومن حقهِ عليهم ان يساعدوه ولو قليلاً حتى لو بالكلام على الاقل. (وقد سُجن اكثر من مرّة ففي سنة 1972 سجنهُ البكر في التنومة وفي سنة 1979 في سجن ابو غريب وفي سنة 1984 سُجن بأمر من صدام حسين في البصرة وفي سنة 1991 سُجن في البصرة وهذا كُله لأنهُ يقول القصائد في حق اهل البيت (عليهم السلام) وأخر مرّة سجنهُ احد الرفاق ورماه بعد ذلك امام تمثال عدنان خيرالله)(36). والسبب في سجنهِ اخر مرّة لانهُ قرأ قصيدة عن الإمام الكاظم (ع) في (25) رجب ذكرى استشهاد سيدنا ومولانا الامام الكاظم (ع) (أبان الحرب على العراق عام 1998م هيمنت الطائرات الامريكية على بغداد وكان المهرجان الشعري في جامعة البصرة، اشترك فيه تسعة شعراء القوا قصائدهم التي جاملوا بها السلطة آنذاك وبحضور احد اعضاء القيادة في البصرة، وعندما القى الشاعر صدام فهد الاسدي قصيدته بعنوان يا كاظم الغيظ قررت الحماية نزوله من المنصة ولم ينزل وصارت عاصفة من التصفيق (كما يقول) يشهد لها اهل البصرة، وقد علق الشاعر فائق الخالدي في اذاعة البصرة عندما نقل مقطع من القصيدة (لقد فجر الاسدي قنبلة كاظمية اليوم)(37) وقد قرأها في مهرجان الجامعة (كلية القانون).

(وفي مدخل القصيدة، يقول: (كانت عيونكم خائفة على بغداد وانا عيوني خائفة على الكاظم (ع) من القصف الجوي وللكاظم ربُّ يحميه، وستظل حمامات الكاظم ترفرف بسلام، قال الامام علي (ع) واصفاً مشاهد القيامة: (ويأتي المختمون) قالوا (يا أبا الحسن ومن المختمون؟ قال: من قبّلوا باب حفيدي الكاظم (ع) بقبلة على بابه البسهم الله خاتماً يوم القيامة) وإذا نسيت البصرة جميع مواقفي هل تنسى هذه القصيدة؟؟؟ لقد قرأتها امام (400) من الحضور وتناقلها الكثيرون واليوم أُسجلها لمحبي أهل البيت (عليهم السلام)، وقال في مطلع قصيدة يا كاظم الغيظ)(38):-

وقصــــــفت بغداد بقصـــــــفك ناقماً            لكــــــن محالاً ان تمس الكاظـــــما

فاذا رميت ضريحــــه برصاصـــــــة           ردّ الرصاص الى عروشك هادما

قبل الأُناس تجمعــــت فـــــي بابـــهِ              من كثرة التقبيل صـــــــارت خاتما

كـــــم هدفّ الطـــــيار رام ضريحــــه          فيراه بحراً فــــــي التجـــــــرد عائما

هل تقدر الايام تمســــــح شــــــــــارة           او تقدر الاجيال تذبـــــــح حاتما

حصر الهدى في دار عزلا سيدي                فأمتد في عين المكارم اســـــهما

 

ومن خلال هذهِ الابيات وبسببها سُجن الاسدي اخر مرّة سنة 1989 وعانى من الظلم والاستبداد ما عاناه. فالسجين يُعاني قسوة الحياة خلف الاسوار الحديدية وتحت وطأة القيد والسوط ولا يملك من نفسه سوى الكلمة التي يُعبر عن ازمنة الاغتراب وانكساره الذاتي)(39). وحينما يدرك الانسان نهايته عبارة عن واقع مرير ضاقت بهِ سُبل التفكير الضائعة ترحم النفس بهواجس الهموم الثقيلة وتستسلم للحرمان الحقيقي في حياة السجين البائسة، فحياته جزء من حالة الجفاء والجدب الذي يُحيط بالوجود وليحطمه)(40).

ففي قصيدته (عندما يبكي الخطر)(41) في المقطع الثاني:-

لا ثرثرة في حي الفقراء غير البوح بلون الخبز والبحث عن الماء المالح

................

وتدلت دمعة طفل حاف في سوق الايتام

وذبلت وردة جوري في بستان قرب النهرين

النهران بعيدان يصولان يجولان في الارض التركية من سورية

حتى القرنة لكن يلتقيان والمالح

من خمسة الاف من السنوات لا يُمحى من تلك البصمات

لكن الحلاج يخاف يجمع الجثث الشيعية كي يبني بيتاً من اضلاع الفقراء

من صلوا وقالوا في الاذان علياً آه ما اقسى الانسان لما يُمسك

سوط الجلادين يراه خفيفاً ولما يضرب فيه يراه ثقيلاً

وآه ما اطول ليل المسجونين بلا ذنب في زمن الحرية.

ففي هذه القصيدة يصور الشاعر حال الناس الفقراء في ذلك الوقت الذي لا يتكلمون الا بلقمة العيش وهي الخبز والبحث عن الماء واي ماء انه الماء المالح، وهذا يدل على الفقر الذي يعيشون فيه ثم يصور الطفل اليتيم الحافي القدمين الذي تكون الدمعة دائماً على خدهِ، ثم يصور النهرين هما (دجلة والفرات) كيف يجريان من تركيا الى سوريا ثم يلتقيان في القرنة والماء المالح يبقى اثرهُ فيهما وفيه اشارة الى شدة الحياة ومصاعبها. وبعدها يصور الشاعر الحلاج (النظام) فيقول ان سبب سجنه لأنه شيعي وان كُل من يذكر في الصلاة الامام عليّ (ع) ايما يقول: (أشهد ان علياً ولي الله) فمصيره في زمن الجلادين الجلد بالسوط وهذا السوط عندما يحملهُ الجلاد خفيفاً ولكن بإستمرار الضرب فيه يراه ثقيلاً فكيف حال من يُجلد بهِ، ثم يتحسر ويقول: ما اطول ليل المسجونين وهم بلا ذنب في زمن ينبغي ان تكون الحرية فيه موجودة.        وإذا كانت ابوب السجن هي الخطوة الاولى للتحرر من القيود القاسية فإنما تُخفي خلفها مصيراً مجهولاً بتطلع الشاعر ان يدرك مغزاه وحقيقته)(42)، فقال في قصيدته (أحلام الرجم بالغيب)(43)، المقطع الرابع:-

الحرية ليست بالدم كانت في سبعينيات القرن الحادي والعشرين

كان الموت طريقاً امام الناس المسجونين

وكانت كلمات الشاعر تذبح بالسكين

وماتت الآف الشبان بلا ذنب من اجل خلود الطاغين

وظلت حواء بلا زوج تبحث في اعقاب الطين

يقول الشاعر بأن الحرية ليست بالقتال والدم والموت، بل كانت في قرن الواحد والعشرين كلمات الشاعر هي التي تُعبر عن الحرية وتطالب بها، وما كان من الطغاة إلا ان يُحاربوا الشبان الذين يُطالبون بالحرية، والطغاة يقتلون هؤلاء الشبان من اجلِ خلود وبقاء الطاغين، ومن نتائج المطالبة بالحرية هو ان تكون المرأة ارملة بلا زوج يعيلها ويهتم بها فيسيطر الفقر عليها. وفي القصيدة نفسها (المقطع الخامس)(44) يقول:-

احترق الان واحترق الامس واحترق المستقبل ابحث عن كهف يؤويني من تلك الازمان

هل من احد ينقذني من سيف الجلاد؟؟؟ ويرفع عن قلمي القيد من السكرات

خمسون مرت اكتبُ شعراً ما جدوى صوتي وتموت الاصوات

أحسبُ في ذاكرتي الامس السياب وابا فرات

احسب سعدياً كيف يُغادر وطني والان يعيش على الحسرات

فالشاعر يشكو ان لا وجود لحرية الاقلام ولا وجود لحرية الصوت ويشكو الاغتراب في الماضي والحاضر وحتى المستقبل بحيث انه يبحث حتى لو عن كهف يأويه من هذه الازمان – ويسأل هل من احد ينقذه من سيف الظلام ويرفع القيد من قلمه ويجعله يكتُب شعره بحريه. ويقول مرّ خمسون عاماً من عمرهِ وهو يكتب الشعر ولا جدوى تُذكر وحتى اصوات الشعراء المُغتربين (السيّاب والجواهري، وسعدي يوسف (شاعر بصري) ماتت أصواتهم وعاشوا مُغتربين خارج الوطن وحتى الذين داخل الوطن عاشوا اغتراباً نفسياً والذين غادروا الوطن (العراق) يعيشون على الحسرات لأنهم يعنّون لهُ.

وفي نهاية المطاف اي نهاية ايام السجن بسبب القضاء على الطاغية يقول في قصيدة (الف حجر على جبهة الماء)(45) المقطع الثالث:-

لعــنتُ السياسة في موطني، كرهتُ انتمائي لهذا النزيف

ولكني حين سمعتُ نهاية هذا البليد الحقود

تحزمت بالصبرُ حدّ العروق

 

حيث ترى الشاعر يكره السياسة ويلعنها، ويكره انتمائه للذي يحصل في العراق، ولكن حينما سمع نهاية الطاغية عاد صبره وتحزم بهِ بواسطة الشعر، فالشعر وسيلهُ الوحيدة للتعبير عمّا في داخله. وبهذا يعد السجن من العوامل المُهمة في ولادة ظاهرة الحرمان والاغتراب في شعر الاسدي (فالألم الذي يقبع في وجدان الشاعر المُغترب هو الألم الذي يسكن اعماق الشاعر المُغترب)(46). ولقد كان شعر الاسدي صورة الالم الذي تُعانيه النفس بين حاله الخضوع والبؤس تارة والسخط والتمرد تارة أُخرى ومشاعره في السجن من الم وضجر والابواب مُغلقة وقسوة الحراس بحيث وصل في خلاصة الامر الى البؤس والحزن.

ثالثاً:- اغتراب الشاعر مع الزمان

ان شاعرنا عانى الاغتراب في زمان لا يُقدر الانسان المثقف الذي يطمع ان يكون شيء افضل مما هو عليه (فهو يُفضل الموت في وطنه على مغادرته)(47).

والاغتراب الزماني غالباً ما يكون داخل الوطن ونتج عن هذا الاغتراب (ضياع مكانة الشاعر او المُثقف بشكل عام، فالغربة الحقيقية ليست في البعد عن الأوطان، وانما ان تكون غريباً في وطنك بين اهلك، واسرتك، حين لا تجد من هو شبيه لك وتحاور من يُماثلك)(48). فترى الشاعر في قصيدة (الشوك المُدمى) المقطع الثاني يقول:-

أيام كان الحُبّ سيفاً من دمِ

أيام كان العشق مثل العندمِ...؟

ففي هذه القصيدة يرمز الشاعر للقانون في زمن النظام البائد، ويشبههُ بالعضلام: نبات احمر عندما يسحقهُ الانسان تصبح رجلهُ مبتله من قطرات هذا النبات.     ويريد الشاعر ترك المأساة والحنين للوطن من خلال مخاطبته للزمن يطلب منهُ الصبر كما في قوله في قصيدة (محاجر الغسق)(49).

قفْ يا صديقي شامخاً

هل ندفن الماضي بلا انين

ونترك المأساة والحنين

ونرضع الصبر من السنين

فنجد الشاعر يحن للماضي الجميل (وهذا العالم الماضي الجميل نحنُ إليه دائماً لأنه يُمثل العصر الذهبي والنقاء والطهر وهي صورة نقية موروثة في نفس الانسان نجدها حتى عن فكرة الانسان حول المُقدس فكان الشاعر في هذه القصيدة يُعارض اغتراب الحاضر بنقاء الماضي)(50). (وقد فُسر الزمان اساس الوجود وصار الوجود احد المفاهيم الاساسية للزمان، والشعر ولادة رؤيا فنية يكون الانسان (الشاعر) خالقها وبما ان الشاعر (المُتميز الاحساس) موجود زماني يحي الزمان ويعيش فيه.

ويقول الشاعر في قصيدة (تدعيات الرمح)(51) المقطع الثاني:-

هذا زمان مثل كل الازمنة

السيف فيه ساكت

الحق فيه غاضب

حيث يصور الشاعر الزمان ويقول بأنهُ لا يتغير بل يبقى مثل كل الازمنة التي مضت فالسيف لا يتحرك لُيدافع عن المظلومين والحق بالرغم من انهُ غاضب ولكن لا يتحقق في هذا الزمان. كما ان العذاب والشقاء اخذ من الشاعر مأخذه، فيقول في قصيدة (مُكابدات ايوب العراقي)(52)

وخمسون مرَّت اعلك الصبر مُجبراً      أُضاعف في هذا العذاب شرائي

أُفصل من صبري لأيوب ضحكةً         وحسبي هُنا مني استقرَّ شقائي

فأستقر في هذهِ القصيدة في خلد الاسدي (ان الحياة لم تُنصفهُ يوماً بعد مرور خمسين سنة من عمرهِ، وهو يُصارع الدهر بالصّبر على الفقر والمُعاناة، وهذا الصبر الطويل جسّد حالة النقاء الروحي لدى الشاعر، فهو يشري نفسه ولا يذلها امام عالم ماديّ، لأن الصبر إذا اقترن بالذلّ لا يخرج المُعاناة عن طابعها الحقيقي)(53). والشاعر (يكشف تصدع الزمان كخط اتصالي تتابع داخل آنات الزمان وابعاده، الماضي والحاضر والمستقبل ويؤسس بالمُقابل لزمن إبداعي حرّ يكشف عن قيم حيوية)(54).

ويقول في قصيدة (اطلقت حصاني لتلك الريح)(55):-

آه من دورات الريح...؟

الزمن...؟

الزمن...؟

لا يُرحم ويهزّ

بأجراس النسيان

فيذكر الاسدي هُنا الزمن دلالة على تقلبات الايام الى نكبات فيندم الشاعر الزمن ويتحسر منه ويقول انهُ لا يرحم، ويقول في قصيدة (فرس من ضباب)(56):-

ايظل الزمن التنين يقتطع افكارُنا؟

هل تغرى كهوف الصمت بالضجيج؟؟

هل تتحقق المعجزة ويتفتح البنفسج من جديد؟

وتنطلق المحبة من سجن النسيان؟

 

فهنا يصف الشاعر الزمن بالتنين (إشارة الى الاسطورة بفرس الزمان الانسان)(57) ويتساءل هل يأتي يوم وتتفتح ورود البنفسج من جديد كناية عن الامل في نفس الشاعر.

ويقول في نفس القصيدة (المقطع التاسع)(58):-

هذا الزمن ضباب

نحنُ مازلنا نسير لكهف العلم

من حقك ان تعلم

لكن ما من حقك ان تعلم بالآمال؟

ما من حقك ان تلفظ كلمة حق

في وجه الدجال

تلك خيوط رداء الزمن

بادت وافتر التمثال

فهُنا يستعمل الشاعر الخيال ويصور الزمن بأنه ضباب وهذا دليل عدم الرؤية الواضحة. (الشاعر حين يستخدم خياله لا يهرب من الحقيقة بل يلتمس الحقيقة كذلك في خياله والواقع كلاهُما وسيلة لنقل ذلك الصراع الداخلي الذي يُعاني منه)(59). فأزمة الشاعر في اغترابه الزماني تتمثل في الاهمال لمكانته وفضائله من قبل مجتمعه وابناء زمانه، وحزنه على عدم إدراك الزمان لخصاله ودفنه بهِ حياً فأن عزاءه في ان الفضائل والخصال الحميدة ستخلد مع الزمان وقد يأتي الوقت الذي تُذكر فيه خصاله وفضائله رُبما بعد موته)(60). ومن خلال اغترابهِ الزماني لاحظنا ان لغتهُ الشعرية تتصل بحياته الواقعية التي يعيشها وتقترب من ذاته الشعرية وترتبط بالماضي.

 

رابعاً: الاغتراب النفسي عند الشاعر

وهذا الاغتراب نجدهُ عند الاسديّ واضحاً ليس فقط في شعرهِ فعند سؤاله: اين نجد الغربه؟ فيقول: (أنها مُتجسدة ليس فقط في شعري بل انا غريب عن نفسي وكأني غير موجود في هذا الزمان الذي انا فيه الآن)(61)، (والتركز حول الذات وضعف الاندماج الاجتماعي والسخط والاحباط والرفض هذهِ حميعاً تُشكل سمة من سمات الشخصية المُغتربة لدى الشاعر اذ لا يأتي الاغتراب من العدم او منقطع الجذور بل لابُد من اسباب موحية تكون وراء ظهورهِ)(62).

وقد جسد الشاعر اغترابه النفسي في قصيدةِ (غربة الشاعر)(63) فقال في مطلعها:

يا غربـــــــــة الروح بل يا غربة البدن     كيف الخلاص لنا من محنــــــة الزمنِ؟

صيرتُ خمســـين عاماً حاملاً كفني     والروح ما مرة مرت على ســــــــــــــــــكني

قفزتُ للغيمـــــة العلياء أســـــــــــــألها     بعض الامان وجدتُ الخوف فــي علنِ

 

فقد (افصحت الابيات السابقة عن حالة الاغتراب النفسي لدى الشاعر، وهي حالة عدم انسجام مع الواقع الذي يعيشه)(64) (وهذا الاغتراب اقرب الى المُعاناة والانفعال)(65)، فأقسى أنواع الاغتراب (عندما يكون الانسان مغترباً داخل وطنه وبين اهله)(66). (ويختلف الشاعر في احساسه بالكون وما حوله اختلافاً مبعثه العمق والحدة والادراك والنفوذ الى يواطنه ويواطن ما يصوره)(67)، والدليل على ان حياة الشاعر (مملوءة بالحزن والاسى والحرمان يقول في قصيدة (صرخة في عنق الزجاجة)(68):-

رفقاً بقلبٍ يشــــــــــب الثلج في ناري  وامسح بدمعي من الاحزان آثاري

دعني غريباً وئدتُ الصبر من شفةٍ     عادت رمـــــاداً ومل العزف قيثاري

خذني كئيباً تركتُ العشــق في زمنٍ    حتى التراب يملُّ اليــــــــوم اخباري

حيث ان (قلب الشاعر الغض لم يعد بوسعه ان يتحمل النار التي يشتعل فيها الثلج لشدتها، فما كان منه إلا ان يلوذ بالبكاء ترويحاً عن نفسه المتعبة بالأحزان، ثم يصمت لأن القيثارة ملت من العزف والاحتراق والذوبان، فيبدو كئيباً وليس بائساً حتى لا يستسلم نهائياً ويبقى بينهُ وبين الامل خيط)(69). قال في قصيدته (لا فتة الشعر تقول)(70):-

يأكلني الخوف وحيداً، افتح قلب الكلمات

اقنص طير العلم من الخطب البائدة في عصر الطبالين

اسمعُ ناقوس الموت يرن على الطُرقات

يخطف هذا الطفل ويقتل هذا الشيخ لماذا لا ندري

 

فالشاعر يُعبر عن اغترابه على انه وحيد وكأنما الخوف يأكلهُ وحيداً وقال: عصر الطبالين، إشارة الى الفوضى وذكر الكلمات، (هُنا رمزي كناية عن الداخل اي المعنى الداخلي للكلمات، والناقوس اشارة الى جرس المسيح (ع) في الكنيسة)(71) وفيه اشارة للموت.

ويُعبر الشاعر عن جراحاته ويقول الحقيقة في هذا الزمان الصعب في قصيدته (لامية الاسدي)(72):-

ســــــــــــــأترك لغواً كثيراً يُقال                  وعندي من الصــــــبر بقيا سؤال

لماذا قد اعشوشبت غايتي                وغطوا مـــــــدى نظرتــــــي بالرمال

لماذا الحرام مشـــى منعماً                وجفّ على الارض سور الحلال

لماذا القوي مشـــــى قاهراً               وفينا الفقيــــــر يشــــــــمّ الظــــــــلال

في القصيدة السابقة يُعبر الشاعر عن الظلم والألم الذي لحق بهِ ويقول: لماذا الحرام صار لهُ المجال الفسيح من اجل ان ينتشر ولماذا صار الحلال غير موجود في الأرض؟ ولماذا القوي دائماً يُسيطر على الفقراء والفقراء دائماً يعيشون في الظلام. فهذهِ التساؤلات تُعبر عمّا في نفس الشاعر من الم وحسرة ويُريد اجوبة لها، (انهُ يحاول الهروب من (حاله) احساسه الحاد بالواقع (واقعة النفسي) الذي يموج بالوان الصراع، وهذا ادنى الى التخلص منهُ الى الهروباً.

فقال في قصيدته (سواعد الأجراس المتهكة)(73):-

كيف لي افتحُ باباً – غلقوا – لي الف بابا!!!

اشتري الوحدة عمراً لا قريب وصديق

فيُعبر عن اغترابه ويقول بأنهُ وحيد وليس لديه لا صديق ولا قريب. ويقول في قصيدته (تأملات في زوايا الفراغ)(74)، المقطع الرابع:-

وان الليالي التي حلبت عمرنا

ختمت في ضلوع الزوايا

وكم كنتُ وحدي عسيراً اذا

حليتي خطوب الرجال

وشاعرنا اكثر ما يحس في اغترابه النفسي في الليل كما في قصيدته (خيط الدخان)(75) حيث يقول:-

يا ليلتي لا تقصري وتطولي             سيان عندي دمعتي ومثولي

ادركتها سرقت حلاوة فرحتيوتكابرت في عشقها المعلولِ

فالشاعر في هذه القصيدة يُنادي الليل ويقول: لا فرق عندي سواء اطال الليل ام قصر فدمعه دائماً يسيل على خده دليل على الحزن في قلبه. ومن اغترابه النفسي يرى ان المطر ممكن ان يغسل اي شيء (البيوت والابواب والشعر) لكنه مهما يبقى يسقط لا يغسل البشر كما قال في قصيدته (وشاح الثلج على كتف الوطن)(76):-

لو يسقط المطر

فيغسل البيوت والابواب والشعر

لكنهُ مهما يظل ساقطاً لا يغسل البشر

فيصف الشاعر هذا المطر وكيف تغدو الطبيعة من اشجار وازهار وبيوت نظيفة وجميلة بعد سقوط المطر ولكنه اخبرنا باشتراك جميل ان دوام سقوط المطر لا يغسل امراضي اوهام البشر النفسية والاجتماعية(77).

وشاعرنا عبّر عن اغترابه النفسي في قصيدته (مواويل مخترقة بالمطر)(78)، فقال:-

دعني أُنا غيك من قلبِ بكى قَهراً

وعانق الســــــــهر حتى ازعــــج القمرا

 

قفلت بابك حتى الصبر في تبضي

لكنـــــهُ الباب مل الريــــــح فأنكســــــــرا

(يُناغي الشاعر وطنه العراق بقلب باكٍ بعنصر من القهر حتى أرق وازعج القمر من السهر وهو يتطلع إليه، ثم يتمنى الشاعر من حبيبه العراق ان يبوح له بما اصابه من الم وجراح ومن جمالية النص هي انسنته القمر، اي جعل له مشاعر الانزعاج)(79) وفي قصيدة أُخرى (جروح الطين)(80) يقول:-

خذيه من شفتي فالقول يحترقُ

وحيرتي انها ضاقت منا الطرقُ

فالشاعر يقول:- (الصوت يحترق، أن الاخرين يسمعونك ولا يسمعونك، معنى ذلك احترق صوتك، أي المعاناة التي يجدها قائل القول حين يتكلم ولا احد يسمعه قط)(81). ومن خلال ذلك نجد ان نتاج الاغتراب النفسي نتيجة للعوامل السابقة للأغتراب التي ذكرناها سابقاً وهي اغتراب الشاعر (مع اسمه، واغتراب الشاعر في السجن والاغتراب الزماني).

هذا ما إستطعنا الوقوف عنده من قصائد، وبقيت قصائد كثيرة(82)، لم يتبين للباحث الوقوف عليه.

 

علياء وصفي طاهر

..................

الهوامش:

(1)     يُنظر: مجلة ابحاث البصرة (العلوم الانسانية) بحث عن طبيعة الاغتراب لبعض النصوص (قديماً وحديثاً)، العدد(3)، 2011، 103.

(2)     يُنظر: الغربة في الشعر الاندلسي (عقب سقوط الخلافة): د. اشرف علي دعدور: 7-8.

(3)     معجم مقاييس اللغة، ابو الحسن احمد بن فارس زكريا: 4/421.

(4)     ينظر: لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت للطباعة والنشر، 1956: 10/38-39.

(5)     معجم مقاييس اللغة، ابو الحسن احمد بن فارس زكريا، تحقيق وضبط عبدالسلام هارون، 1404هـ: 4/421.

(6)     مفردات غريب القرآن للراغب الاصفهاني، ت 502: 357، د. ت.

(7)     مجلة ابحاث البصرة، المصدر السابق، 105.

(8)     المصدر نفسه، 106.

(9)     يُنظر: تأريخ الادب العربي، د. شةقي ضيف، العصر الجاهلي، ط: 18، القاهرة، دار المعارف، 2008: 382-385.

(10)  مجلة ابحاث البصرة: 109.

(11)  موسوعة الادب والأُدباء العرب في روائعهم، العمر الاسدي والاموي، إعداد اميل بديع يغقوب، ط1، 2006، 4/393.

(12)  يُنظر مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق، 109.

(13)  يديوان كعب بن زهير، د. محمد يوسف نجم، ط1، دار صادر، بيروت، 1995.

(14)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق، 110.

(15)  الادب العربي، العصر العّباسي، د. ناظم رشيد، منشورات وزارة الثقافة، 226-227.

(16)  الادب العربي، مصدر سابق، 279.

(17)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق، 111.

(18)  شرح ديوان المتنبي، وضغ=عه عبدالرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، 2007: 1/276-279.

(19)  الادب العربي، مصدر سابق: 228.

(20)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 111.

(21)  ابن حمديس: الديوان، تحقيق، د. احسان عباس، بيروت، 1960.

(22)  موسوعة الادب والادباء العرب، مصدر سابق، 9/72-91.

(23)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 112.

(24)  ديوان الجواهري: صححه د. مرشد جعفر الداكي، 1/24-25.

(25)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 113.

(26)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، محاجر الغسق، غربة الشاعر: 62.

(27)  المعجم الوسيط، ابراهيم مصطفى، حسن احمد الزيات، صاحب عبدالقادر، محمد علي النجار: 2/653.

(28)  ظاهرة الأُغتراب، في ضوء المرتكزات الفكرية للأقتصاد الاسلامي، د. فاضل عباس الحسب، بغداد، 2002، ط1، بيت الحكمة عراق، بغداد، الباب المعظم، 5.

(29)  من تنومتي يطلع القمر، للأستاذ الدكتور، قصي الشيخ عسكر، دراسة في شعر الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي، ط1، 2013، بيروت، لبنان: 45.

(30)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، لا شيء غير الكلام: 273.

(31)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، ترهلات غيمة ذابلة: 489.

(32)  لقاء الباحثة مع الشاعر صدام فهد الاسدي، في مكتبهِ، 11/1/2014.

(33)  لقاء الباحثة مع الشاعر صدام فهد الاسدي، في مكتبهِ، 11/1/2014.

(34)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، محاجر الغسق: 28.

(35)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 117.

(36)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، محاجر الغسق: 63.

(37)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتبهِ، 11/1/2014.

(38)  موقع انكيدو – 41 – حكاية خاتم الكاظم (ع) شعر صدام فهد الاسدي، البصرة – يوم زيارة الموقع 24/10/2013.

(39)  موقع انكيدوا، مصدر سابق.

(40)  مجلة ابحاث مصدر سابق: 116.

(41)  الغربة في الشعر الاسلامي (من الرسالة المُحمدية الى نهاية الخلافة الراشدية)، رسالة ماجستير لـ(زينب كامل عبدالحسن) بإشراف د. مظفر عبدالستار، 2006، رقم الرسالة، 124: 68.

(42)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، غيمة بلا غبار: 255-256.

(43)  الغربة في الشعر الاسلامي، مصدر سابق: 86.

(44)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، لا شيء غير الكلام: 383.

(45)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، لا شيء غير الكلام: 314.

(46)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، غيمة بلا غبار: 259.

(47)  الغربة في الشعر الاسلامي، رسالة ماجستير، مصدر سابق: 75.

(48)  الغربة في الشعر الاندلسي (عقب سقوط الخلافة)، مصدر سابق: 103.

(49)  المصدر نفسه: 118، 119.

(50)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، محاجر الغسق: 26.

(51)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 35-42.

(52)  من تنومتي يطلع القمر: 103.

(53)  الزمان والمكان في شعر العصر العباسي الاول، اطروحة لـ(غني صكبان سلمان)، 2001م، بإشراف د. عباس مصطفى الصالحي: 52.

(54)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 48.

(55)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 110.

(56)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، إعداد الطالب صادق داغر سعود العلاق، رسالة ماجستير، بإشراف الاستاذ الدكتور سلمان حسيكي، لبنان، خلده، 2013م – 1434هـ: 46..

(57)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 229.

(58)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتَبهِ، 2/2/2014م.

(59)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 233.

(60)  التفسير النفسي للأدب، عز الدين اسماعيل، دار العودة، بيروت، 1962: 44.

(61)  الغربة في الشعر الاسلامي، رسالة ماجستير، مصدر سابق: 168.

(62)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتبهِ، 18/12/2013.

(63)  يُنظر: مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 108.

(64)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 62.

(65)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 104.

(66)  من تنومتي يطلع القمر، مصدر سابق: 68.

(67)  يُنظر الغربة في الشعر الاندلسي، مصدر سابق: 173.

(68)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 28.

(69)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 43.

(70)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 28.

(71)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 184.

(72)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتبهِ، 2/2/2014م.

(73)  التفسير النفسي للأدب، مصدر سابق: 45.

(74)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، ترهلات غيمة ذابلة: 482.

(75)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، انهار ضمأن: 631.

(76)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 71.

(77)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 146.

(78)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 25.

(79)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، لا شيء غير الكلام: 351.

(80)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، رسالة ماجستير: 28.

(81)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 19.

(82)  من تنومتي يطلع القمر، مصدر سابق: 99.

(83)  يُنظر: للأطلاع: (163، 159، 436، 466، 492، 497، 508، 619، 58 – 59 – 61 – 110 – 113، 502 – 515، 520، 229، 233، 245،...)

 

مسرحية "غاشي وماشي" للفنان ناجي مندلق .. محاولة لإصلاح الواقع عبر الكوميديا

qasim madiبعد أن عرفته في مدينة "ديربورن" وفي ولاية ميشغن الامريكية، ومن خلال عروضه المختلفة التي قدمها، والتي شكلت في مخيلتي صورا ً فريدة لشخصية الفرد العربي، محاولاً بذلك ترسيخ قدمه على الأرض الجديدة بثبات، معلناً بذلك إنه جزء من هذا الوطن الجديد الذي حط رحاله فيه، وهو ليس مجرد زائر عابر على أمريكا التي إنطلق منها ليشكّل أول فرقة مسرحية عربية والتي أسماها فرقة "أجيال" والتي قدمت العديد من العروض المسرحية المهمة، التي ساهمت في الترويح عن النفوس العربية المتعبة، نتيجة العمل الطويل والملل وأخبار ومشكلات الأوطان التي ولدوا فيها، والتي غادروها رغماً عنهم أو بإرادتهم، أو لظروف إقتصادية، ومنها ضنك العيش أو لغرض التجارة،ومن العروض التي قدمتها الفرقة، منها مسرحية "قصتنا قصة حكايتنا جرصة" عام 1989، ومسرحية " تلاميذ آخر الزمان" عام 1990، ومسرحية " حاميها حراميها " 1991، وهذه المسرحية تذكرني بالفنان والمخرج العراقي "عبد علي كعيد" زميل الدراسة في كلية الفنون الجميلة،وهو الذي قدم إحدى مسرحياته الكوميدية بهذا الإسم على مسارح بغداد، ومسرحية " إبتسم أنت في ديربورن " عام 1993، ومسرحية " تأمركنا يا سندي " عام 1996، ومسرحية " تاع تفرج، تاع شوف " عام 1998، ومسرحية " هبي باردي " عام 2000، ومسرحية " انا

مش إرهابية " عام 2002، ومسرحية " عربي وراسي مرفوع " عام 2005، ومسرحية " شوفو الواوا وين " عام 2009، ومسرحية " سهرة اليوبيل " عام 2014، وأخيرا مسرحية " غاشي وماشي " التي نحن بصدد الحديث عنها الان، لعام 2015، وهي من تأليف " ناجي مندلق " وتمثيله، واخراج الفنان اللبناني " عزيز شراباتي " وفي هذه المسرحية ثمة تشابه بين عنونتها وعناوين النصوص السابقة التي قدمها " مندلق " بعد مضايقة العرب والصاق تهمة الارهاب بهم هنا في أمريكا كجزء من تداعيات أحداث سبتمر 2001، ومن خلال ما يحدث في الشرق الأوسط والنزاعات الدائرة بين الأخوة، فأحتج الفنان " مندلق " ليسلط الضوء على الشخصية العربية وتاريخها الإنساني، ويوصل فكرة الحب والسلام، عبر آليات إشتغال عديدة ومنها، اشتغاله على شخصية مركزية " أم حسين " التي من خلالها عرف الجمهور هذه الشخصية التي تسكن في ديربورن، وهي الشخصية التي ابتدعها الفنان الكوميدي " مندلق " عبر عروضه الاخيرة " عربي ورأسي مرفوع " انا مش ارهابية " وغيرها من العروض، يقول المؤلف " مندلق " وحاول مندلق ان ينمّط هذه الشخصية العربية وفق رؤيته الخاصة بوصفها شخصية ايجابية في المغترب عبر ما قدمته من نجاحات، في كلمته من خلال " ا البروشور " من امثالنا الشعبية مثل يقول " إنقر لا تناقر، وأحمق لا تجاكر " لأن اسوأ أجناس الناس هم الحمقى، ولأن مُجاكرة الأحمق تزيده حمقا ً، هذا ما حاولت أن ألقي الضوء عليه في مسرحية "غاشي وماشي" من خلال شخصيات أحبها الجمهور وتابعها، "فأبو حسين" مدرك بكافة أمور الحياة، ويعتبر الجميع حمقى، وهو كما تصفه أم حسين " بيفهم بالطب أكثر من طبيب، وبالسياسة ما تقولي إلا خريج اكسفورد، وبالمال والاقتصاد والدين والفن والعلم والرياضة بيفهم، كلو بيفهم فيه وهوي اذا طلع برات ديربورن بيضيع وما بيعرف يقرا الساينات "

قصة ومشكلة جديدة تواجهها أم حسين وعائلتها في هذا العمل المسرحي الجديد " وهو بالتالي ينطق وعلى لسان الشخصية الرئيسية التي لعبها " مندلق " كشاهد على ما يحدث في مغتربنا الإمريكي على زمانه الذي أدخله في " تشظيات " عديدة،مبررا بذلك من خلال اعتماده على ذاكرتنا الثقافية الجمعية التي نقلناها إلى منافينا، وتقوم بتفعيل موجهاتها وأعني الشخصية الرئيسية " أم حسين " لتحريك الساكن منه باستخدام هذه الشخصية التي إختارها من الماضي على وفق معطيات الحاضر، ولهذا تتلاعب شخوصه من خلال " ام الياس " ابو الياس " ابو حسين " في طرح الحاضر المتصل بالأمس البعيد عن طريق الدمج الفني أو التماهي بين شخصيات الماضي والحاضر عبر لعبة العرض المسرحي التي أوهمتنا أن بعض ما حدث في العرض المسرحي إنما هو إلا الحقيقة مجسدة بفعل الالتقاطات التي عبر عنها عبرمواقف تجسدت بآلية الكوميديا، وبالرغم من أنني من هواة التجريب في العرض المسرحي، وغير ميال إلى المسرح الواقعي، الا أنني أجد معالجة المخرج العرض عير اعتماد الايقاع السريع وبث الفوضى المحسوبة التي خلقها " مندلق " مع فريقه المسرحي على الخشبة هي أنعكاس مدروس لما نشهده الان من تداعيات وتصدعات وانهيارات في القيم الاخلاقية وهي تعبير مقصود عما يسود واقعنا الراهن محاولا ً تصوير ظواهر سلبية باتت تغزوا مجتمع بكثرة مثل احتيالات " ابو حسين " على القوانيين التي وضعتها الدولة التي نعيش فيها، وهو بالتالي ومن خلال ديماغويته أدار اللعبة بطريقته الخاصة محاولاً إيهام الجميع أن ما يجري هو الواقع ولا شيء سواه،وهو يتطلع إلى الفرد العربي الذي يعيش في الولايات المتحدة الامريكية بإن يكون فاعلاً ويأخذ الأشياء التي يستفيد منها، ولا يتحايل على القوانين التي وجدت من أجل راحته هو و أسرته، وهو بالتالي يريد من الفرد العربي ان يكون على بينة من حقيقة المجريات التي تتحكم بحياته وخاصة في مشهد الرسائل التي تصل من خلال البريد وموعد " قدوم المفتشة " وهي الموظفة في " مكتب الإعانات الاجتماعية " ليستطلع الأمور وتلتقي بالحاجة " أم عبدالله " التي توفيت قبل أربع سنوات، وظلت العائلة تستلم " المعونة" المقدمة لها، دون إخبار العائلة لهذه المؤسسة، وهنا ندخل في مشهد كوميدي جميل بين " أم حسين " وابو حسين " ام الياس " وابو الياس " وشحصية الإبن " حسين " في المواجهة مع " المفتشة " لتخدع العائلة بعد حديثها باللغة الانكليزية، وهم يتحدثون العربية بينها ويتحايلون عليها، وأخيراً تُظهر نفسها أنها عربية، وتتصاعد وتيرة الكوميديا في هذا المشهد وبقية المشاهد، وهو بالتالي أراد توصيل فكرة التعامل بالصدق مع قوانين هذه الدولة التي تتحكم بنا كجالية عربية لها وخاضع لآلياتها من حيث يدري أو لا يدري، والسؤال الذي يطرحه المؤلف مع المخرج هو كيف نتحايل على هذه القوانين ! وأن هناك الفرص الكثيرة في هذه البلاد ! بعد أن طردتنا بلداننا نتيجة الفساد الإداري والقمع ومصادرة الآراء من قبل حكام هذه البلاد التي تلاعبت بمصائرنا ومصائر أجيالنا ! ومن خلال الفصل الأول، والفصل الثاني تتضح حقيقة ما يتطلع اليه " المخرج + المؤلف " وهو وضع مخطط خاص لحياة العرب هنا وحثهم على عكس صورة راقية لهم من خلال إحترام القوانين والمضي قدما ً في مسيرة نجاحهم المهني والعلمي وإظهار النوايا الحسنة و يتم الولوج إلى الماضي بدافع استمراره في الحاضر،فكانت المشاهد في اللغة العامية الدارجة اللبنانية واللغة الانكليزية التي شجعت التواصل على مشاهدة العرض بسبب وجود جيل من الشباب ولدوا هنا في المنافي وجيل قديم من اللبنانين لهم التأثير الواضح على المظاهر العربية في مدينة " ديربورن " وضواحيها، اتخذت بيئة العرض الصيغة الواقعية عبر مفردات الديكور والاكسسوار من خلال اثاث البيت + الإضاءة الفيضية + الموسيقى " فضلا ً عن أداء الممثلين وتفاعلت جميع العناصر العرض لتعزيز ما يصبو إليه العمل وإحداث التأثير المطلوب على عقلية المتفرج، والتي سعت هذه التفاصيل السريعة وراء بيان مركزية الحدث هو الجالية العربية من خلال " ابو حسين " " أم حسين " أم الياس " ابو الياس " منطلقاٌ من " الكوميديا السوداء " وكوميديا الموقف التي تحمل أسئلتها الكبيرة بأسلوب ساخر ومن خلال عكس الواقع المأساوي العربي في صوره السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية " ولفت إنتباهي ان المخرج كان قد إقتبس شيئا ً مما كتبته عن إحدى العروض إعتزازا ً منه برأي النقدي عن عرضهم المسرحي السابق وجاء على إحدى صفحات البروشور " وفي الوقت الذي اقدم فيه شكري لكادر فرقة مسرح أجيال أشد على أيديهم في تقديم المزيد من العروض التي تخدم جاليتنا وتسهم في تفعيل وتنشيط المشهد المسرحي والثقافي الاغترابي وتطرح همومنا المشتركة في قوالب فنية مختلفة .

 

قاسم ماضي – ديترويت

هرمونات التخييل في ديوان: وشم بالشوكولا للشاعرة أمينة الصيباري

تقديم: يتضمن هذا الديوان لفيفا من النصوص الشعرية، إضافة غلى استهلال "عتبة القول" والذي ينجز وظيفته التمهيدية لجغرافية القصائد وإحداثياتها. ومن بين المعالم التي تنطلق منها هذه العتبة: معلم الإحساس والذي يتنوع إلى كيفيات: كيف تحس الشاعرة بالعالم؟ وإلى نوعيات: ما هي أنواع الأحاسيس التي تشخصها الشاعرة من خلال تعبيراتها المجازية؟

إن الإحساس بالوجود تذوق له؛ فقد تحس بحلاوته أو بمرارته أو ببرودته أو بسخونته .. كما قد تحس بألوانه أو بقساوته أو بعذوبته .. وذلك استنادا إلى طبيعة تفاعل الذات الشاعرة بعناصر الوجود وأشيائه، وبعلاقاته وعناصره، وبمتخيله وواقعه ..

لقد بَأّر هذا الاستهلال بعض العلامات الدالة مثل: رائحة الأرض، المرارة، السكر، الشوكولا، قارورة العطر .. إن هذه العلامات تحمل آثارا دلالية تؤول إلى محتد الإحساس كمنطلق للكتابة الشعرية في هذا العمل، وكأفق للتفاعل عند القارئ مع عوالم الديوان .

إن النصوص تعبر عن نوعية المذاق أو الطَعْم الذي تم تصويره أو تمثيله شعريا: فبأس إحساس انكتبت النصوص؟ وبأي نكهة تتذوق الشاعرة الوجود؟ وأي اشتهاء خلقته عند القارئ؟

 

من العنوان إلى النص:

يشكل العنوان جزءا أساسيا من بنية النص الكبرى. ينجز وظائفه بالفصل والوصل، فهو يصل القارئ بالنص وعوالمه عبر الإغراء والفتنة وركوب مغامرة القراءة. كما أنه يفصل النص عن غيره من النصوص والآثار الفنية من خلال تسميته وتصنيفه. إن العنوان طُعْم وطَعْم، فهو طعم (بالضم) وضع بقصد الغواية والإغراء وللإيقاع بالقارئ في أحابيل المعنى ووهج الدلالة. كما أنه طعم ( بالفتح) من خلال تأثيره فيه وتذوقه له يخلق لديه طعما وذوقا خاصا. ربما يكون بداية لتذوق باقي النكهات /النصوص الأخرى.

 

يتركب عنوان الديوان من مكونين:

وشم: أو وسم وهو العلامة أو ما تجعله المرأة على ذراعها بالإبرة التي تحشوها بالنؤور وهو دخان الشحم . ومن بين دلالات هذا العنصر: الظهور أو البروز: أوشمت المرأة بدأ ثديها ينتأ . وكذلك النظر: وشم في الأمر نظر ويعني أيضا: الكلمة حيث قال علي ابن أبي طالب: ما كتمت وشمة أي كلمة حكاها .. إن الوشم طيف من الدلالات فهو كتابة أو رسم على الجسد أو غيره وهو الكلام أو الخطاب، كما أنه التأمل والنظر دون أن نغفل علاقته بالأنثوي وعالم المرأة والطبيعة .. فهل هذه المدارات الدلالية هي ما تتأسس عليه جغرافية المعنى في قصائد الديوان؟

شوكولا: مادة غذائية صلبة مصنوعة من الكاكاو. له صيغته الكيميائية المميزة له كباقي المواد الغذائية، ويتنوع إلى شوكولا سوداء أو بيضاء أو بالسكر أو بالحليب .. كما أنه مادة لا تتحمل درجة حرارة مرتفعة ويتطلب أن يظل بعيدا عن الروائح التي تفسد طبيعته وخصوصيته. وهو يقترن بمعان ودلالات تولدها سياقات الاستعمال أو مقامات التوظيف: يقترن الشوكولا بالخصوبة وبالمناسبات والاحتفالات، كما أنه يوحي بالترف والبذخ وبالمتعة واللذة، إضافة إلى الاستغفال والاستغلال ...فما هي الآثار التي يجذرها هذا المكون في المنجز الشعري؟

يفيد التركيب الذي طبع العنوان هنا (وشم بالشوكولا) أن الشوكولا مادة أساسية في عملية الوشم وانطلاقا من تضايف دلالات مكوني العنوان يمكن لنا أن نفترض بعض الاحتمالات أو التوقعات التالية:

- الكتابة الشعرية في الديوان وشم بالشوكولا .

- الشوكولا إحالة على الذوق والطعم المميز: المالح والحلو والمر ..

- الوشم بالشوكولا رؤية للوجود والحياة، لكنها رؤية وتأمل تحمل في ذاتها التناقض والتكامل:

- التناقض: الوشم يقترن بالدوام والخلود، بينما الشوكولا فبالذوبان والمحو .

- التكامل: الوشم علامة خالدة والشوكولا طعم خالد بدوره -

الوشم والشوكولا يحيلان معا على الأنثوي كمجموعة من القيم والخصائص التي تميز المرأة كأنثى في الوجود الإنساني وكطرف محوري في العلاقات الإنسانية ...

الوشم بالشوكولا كتابة شعرية تتخذ شكل أكلات أو حلويات أعدت لمناسبات ولضيوف، لكنها أكلات بالمجاز وبالتمثيل والتخييل .

 

هرمونات التخييل عند الشاعرة: القهوة – الشوكولا – العطر

يكشف القارئ لنصوص الديوان أن الشاعرة تعرض تشكيلة من الأطعمة أو أنواعا من الوجبات، حيث كل طعام أو وجبة تحمل في تركيبته طعما (بالفتح) خاصا أو ذوقا مميزا . والذات الشاعرة إنما تهدف من ذلك إلى تقديم تجربتها في صناعة وجبة شعرية بطعم الشوكولا. فهل هي مارة أ حلوة؟ هل هي مالحة أم بون ملح؟ وبالتالي فبأي نكهة أعدت لنا الشاعرة ذلك؟

يكشف نص " نزيف " 1 عن رؤية الشاعرة للكتابة الشعرية، واعترافها بقهر الفعل الشعري . إنه نزيف من الأحاسيس وسيل من المشاعر وفيض من الأفكار . إن القصيدة بالنسبة للشاعرة مولود يولد بمعاناة وألم، ولا يأتي إلى الوجود حبا وطواعية . ورغم حدة المعاناة فهو مولود مليء بأحاسيس تتراوح بين المتعة والألم، بين السعادة والشقاء، بين الراحة والتعب، بين اليأس والأمل، والشاعرة في هذا تشبه الخزفي الذي يشتغل على مادة الطين، والحلواني الذي يشتغل على مادة العجين والرسام الذي يشتغل على مادة اللون .. جميعهم يبحثون عن شكل أو قالب ليضعوا فيه المعنى .. ولعل الطريقة التي اعتمدتها الشاعرة، أنها أعدت لنا تشكيلات شعرية تشبه الأطعمة أو الأكلات أو الحلويات بنكهات مختلة وبقوالب متباينة ..

 

النكهة المزدوجة: الحلاوة / المرارة:

يبنى النص الشعري عبر آلية المجاز والتمثيل أو التخييل الذي يفيد الإمكان والاحتمال، ويحقق الإمتاع والافتنان . ويدرك القارئ لنصوص الديوان أن كثيرا من مقاطعه كان الطّعْم أو المذاق أساسه وأفقه:

في قصيدة " تيه " 2 تنظر الشاعرة إلى كون القهوة: ليل صغير في الفنجان ... وكأنها اختزلت الليل بحجمه وكثافته في فنجان، وبالتالي عندما نشرب أو نحتسي من الفنجان فنحن نرشف الليل الذي تحول إلى مشروب، قد يكون بنكهة القهوة أو غيرها من المشروبات الأخرى التي يكون الفنجان إطارا لها . وفي نفس القصيدة تقول الشاعرة:

الشوكولا العاشقة السمراء،

بها تكتمل نكهة الحب،

فالشوكولا غذت عاشقة ومتيمة، وحضورها تكملة لنكهة الحب، مما يفيد أنها تندرج ضمن طقوس العشق، وكأن الشاعرة بهذا التصوير تجعل الحب أكلة أو وجبة أو طعاما يقدم لضيف عزيز، بنكهة راقية وبمذاق باذخ، تقديرا واعتبارا له . الشوكولا عنصر أساسي في صنع نكهة الحب من خلال حضورها هدية أو مادة، فتبقى ذكرى ورمزا يؤرخ للحظة ويحفظها من المحو .

وفي قصيدة " حروف الشوق " 3 تستهل الشاعرة قصيدتها ب:

بيني وبين الصباح وعد فنجان

هل ستأتي به القهوة

أم قطعة السكر؟

فالقهوة وسيط بين الذات وحلمها أو أملها، حيث يصور المقطع طقسا يوميا تزاوله الذات، فبينها وبين كل صباح وعد، والوعد يتطلب الوفاء، فهي تنتظر الآتي وترجو أن يحمله إليها الصباح تقديرا أو تحقيقا، ولو تعذر الحقيقي اكتفت بالخيالي والحلمي، والسؤال يدل على وضعية الحيرة والانتظار . القهوة بنكهتها وطعمها وطقوس شرابها تحمل في ذلك أسرارا وتحتفظ بذكريات وتختزن ضمن متخيلها زمنا ولحظات، تحتفظ بمن كنا نحب ومن كنا نكره، بمن يفي بوعده ومن كان رفيق الخيانة ....

وفي قصيدة " هدي " 4 تستمر القهوة كمشروب في الحضور، وكطقس يومي يشهد على كرنفال الأحاسيس والمشاعر، يبشر بميلاد الفرح وينذر بعواصف عاطفية، تقول الشاعرة:

روت لي حبات الرمان

قصتي وأنا أرشف القهوة ...

وفي سياق ميلاد المشاعر وموتها، حضورها وغيابها، انبعاثها وموتها، تكون القهوة أكثر الشهود على ذلك . ولتقوية شهادتها وإبعادها عن الكذب تستعين بالورد والعطر حيث هما من أكثر الأشياء حضورا ورمزية في صناعة مشاعر الحب وصيانتها من التلف والفتور، كما انهما من أكثر الآثار التي تحفظ ذكريات الحب وتوثق لحظات العشق لقاء أو فراقا . بداية أو نهاية:

لم تهدني وردة ولا عطرا ...

وتتأكد هذه القيمة للعطر عندما تقول:

ويمحو غفران أسرك العطر ....

فربما من سلبيات تجربة العشق أسر المعشوق لعاشقه، ويتضاعف الأسر من خلال الأشياء التي كان لها حضور قوي في تلك التجربة مثل العطر والورد والكلام ...أي كل ما من شأنه أن يقوي العلاقة ويؤرخها . وبعد الانفصال قد يتحرر العاشق من أسر معشوقه، لكنه يستمر أسيرا له من خلال هذه الأشياء والذكريات .

و ارتباطا بطقس القهوة، تستمر الشاعرة في بناء تمثلات وعوالم خيالية، يكون للقهوة تأثير قوي في بنائها . جاء في قصيدة " صدى ": 5

الصباح شمس في فنجان

رشفات النور تشعل خيال المرارة

تروي قصة الشمس والسكر ...

فالصباح شمس بديل عن القهوة أو العكس، فهما متشاكلان أطلقت الشاعرة لفظ أحدهما على الآخر لكثرة اشتراكهما، فشرب القهوة بداية كل شروق رفقة شمسه يبعث صورا ويحيي ذكريات نكهتها المرارة، ويفتح نافذة المآسي ويكتب حكاية التناقض أو التنافر بين مذاقي الحلاوة والمرارة .

و في قصيدة " بوح " 6 تتابع الشاعرة بناء متخيل المرارة والحلاوة من خلال إيحاءات وترميزات الحلو والمر:

في قعر الفنجان

سكر تفتت

من فرط الحلاوة

قهوة مرة

مرة كأنها عصارة حزن ...

لقد أصبح الفنجان وطقوس القهوة صباحا أو مساء، في البيت أو المقهى، علامة مميزة لوضعيات مفارقة تعيشها الذات، تنصت إلى أفكارها وتهمس إلى أحلامها . إنه طقس من المشاعر والعواطف، مسرح من الذكريات والوقائع، وليمة من النكهات والأذواق، فحسب حالة الذات النفسية والوجدانية تشرب قهوتها بإحساس المر أو الحلو .

و يتسع مدار الحلاوة في الديوان، من خلال مصادرها، أو عبر موادها مثل ما جاء في المقطع التالي 7:

مشمشة خجولة

يعبرها الدود طولا وعرضا

بهدوء المنتصرين

يرتع في الرحيق

و ينتشي بالعسل

بعض الحلاوة لعنة ....

فالمشمش فاكهة موحية بالحلاوة، لكن في نفس الوقت موحية بالفساد، ويتجلى ذلك عندما صورت الشاعرة الدود كجيش يعبر هذه المشمشة بهدوء المنتصرين، راتعا في الرحيق منتشيا بالعسل . لكن لم يعلم أن في ذلك حتفه وهزيمته، وبهذا تتضح العلاقة بين الحلاوة والمرارة: الانتصار حلاوة والانهزام مرارة . الطراوة والطزاجة حلاوة والفساد والتعفن مرارة .

و في قصيدة " كينونة الروح " 8 تتابع الشاعرة الاحتفاء برمزية القهوة قائلة:

القهوة لا تنتظر أحدا

يخبر عنها الدخان

تشيعها الرائحة

إذا لم ترشف ساخنة

يجفل فيها المعنى ...

القهوة تفرض ذاتها، وتخبر عن وجودها، من خلال الدخان المنبعث منها أن خلال رائحتها، والإحساس بها أو الاستمتاع برشفها استجابة لندائها وقراءة لرسائلها وتمثل لوحيها . إنها رسالة مليئة بالمعاني وقلم من يفك شفراتها فينتحر فيها المعنى وتختنق فيها الدلالة إذا لم نكن في الموعد معها .

و في قصيدة:" كفر ماكر "9، تخالف القهوة موعدها مع الذات من خلال تمثيل مظهر من مظاهر الكفر أو القلب، تقول الشاعرة:

و تمكرني قهوة عينيك

تهرق فينتشي الفنجان ....

فالمرارة كناية عن الخيانة، واستعارة للمكر، يصدران من عين المرء، وخاصة من عين المحبوب أو المعشوق، فيلجأ العاشق إلى الفنجان بقلبه وهرق ما فيه من قهوة لقراءة ما كتب في الغيب ولمعرفة سر الكفر والنكران ...

و في قصيدة " مراودة "10   تتابع الشاعرة تمثلات المرارة:

أعلم فقط أني أعشق

ملوحة البحر من شفتيك

و أسكب من عينيك

فنجان قهوة الصباح ....

تكتفي الشاعرة بالاعتراف بعشقها وتقتصر على ذلك فقط، وكأنها في طقس البوح والمراجعة مع الذات . فهي تراود نفسها على الاعتراف والاكتفاء بالعشق فقط، وبما يكفيها من معشوقها .

وفي قصيدة " وشم بالشوكولا " 11 تتابع الشاعرة تمثيل بعض تفاصيل طقسها الأثير:

سأعد للصباح قهوة أخرى

وللقهوة نكهة أخرى

وللنكهة دهشة أخرى ...

إنها تعلن تحولها عما كانت تقوم به سابقا، تتطهر من ذنوب ماض ولى وانقضى، وتبدأ حياة جديدة بطقس جديد .

من خلال هذا المقطع وغيره ن يكتشف القارئ للديوان ارتهان الشاعرة إلى الصباح كيوم تال موال، رمز لبداية جديدة ...لكن لما كان هذا الصباح لا يحمل جديدا ومتعب في انتظاره تحول إلى لحظة للمحنة والابتلاء، فكان الخروج والعصيان محاولة لرأب تصدعات الذات وإعادة التوازن بعد اختلالات كثيرة، وخاصة ما يتعرض له الوجدان من هزات تكاد تقض أساسه وتجعل الهشاشة صفته .

على سبيل الختم:

لقد تشكل متخيل الحلاوة / المرارة من خلال ترميزاته، ولا سيما ما يحيل عليهما أو يوحي بهما تحقيقا أو تقديرا . حقيقة أو مجازا. وقد شكلت القهوة أهم رمز استحضرت من خلاله الشاعرة الإحساس بالمرارة، كما نوعت في تلك التمثلات من خلال استحضار ذكريات أو تجارب كانت ذات بصمة واضحة في تركيب وبناء متخيل الديوان ككل . ومن جهة ثانية شكلت الشوكولا أهم رمز أو كثفت من خلاله الشاعرة أيضا دلالة الحلاوة، بالإضافة إلى بعض العناصر التي تقترن بالحلاوة في التجربة الإنسانية مثل: السكر والتفاح والمشمش والرمان ...

من جهة ثانية حاولت الشاعرة في هذا الديوان الكتابة بالذوق والتخييل بالنكهة، حيث لم تبتعد النصوص الشعرية عن عالم المذاق والنكهة . وبالتالي عن الإحساس بالمرارة والحلاوة . وأغلب النصوص كانت تصويرا وتمثيلا لهذين المذاقين، إما منفصلين أو متصلين ممزوجين . ويجد القارئ مذاقا ثالثا هو الملوحة في بعض المقاطع الشعرية. وارتباطا بعالم الأنثى، يحفل الديوان بعنصر آخر هو العطر الذي يحمل من خلال نوعيته أو خاصيته أو تركيبته، ثم من خلال آثاره الدلالية التي لا تبتعد كثيرا أو قليلا عن متخيل الحلاوة / المرارة .

 

إنجاز الدكتور المصطفى سلام

.....................

1 - أمينة الصيباري: وشم بالشوكولا .مطبعة سليكي أخوين – طنجة . ط 1 . يناير 2015. ص:   8 .

2 - الديوان: ص 6 .

3 - الديوان: ص 11 .

4 - الديوان: ص: 63 .

5 - الديوان: ص 35 .

6 - الديوان: ص 43 .

7- الديوان: ص 44 .

8 - الديوان: ص 52.

9 - الديوان: ص 56.

10 - الديوان: ص 61.

11 - الديوان: ص 80.

من حكايات العشق ابن زيدون وولادة

rasha ghanimإنّ قصّة حب ولادة وابن زيدون واحدة من أجمل قصص الحب في تاريخ الأندلس وفي تاريخ الأدب العربي بصفة عامة، ولولا هذا الحب ما وصل إلينا هذا الشعر الجميل لابن زيدون.

فقد ذاق ابن زيدون القرطبي ت:463هـ   ولهْ الحب وآهات الشوق ولوعة الفراق وألم الجوى والحرقة من محبوبته الأميرة ولادة بنت المستكفي بالله آخر الخلفاء الأمويين في القرن الحادي عشر الميلادي ،فنجده يرسل لها معبرا عن تباريح الهوى بقصيدته النونية التي يقول فيها :

أضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا             وَنَابَ عَنْ طِيْبِ لُقْيَانَا تَجَافِيْنَا

ألا وقد حانَ صُبح البَيْنِ صَبَّحنا           حِينٌ فقام بنا للحِين ناعِينا

مَن مُبلغ المُبْلِسينا بانتزاحِهم               حُزنًا مع الدهر لا يَبلى ويُبلينا

أن الزمان الذي ما زال يُضحكنا           أنسًا بقربهم قد عاد يُبكينا

غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا         بأن نَغُصَّ فقال الدهر آمينا

فانحلَّ ما كان معقودًا بأنفسنا             وانبتَّ ما كان موصولاً بأيدينا

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاءَ لكم                    رأيًا ولم نتقلد غيرَه دينا

 

وما زالت الآلام لا تسكن كأنها أنفاس حارة ملتهبة تبرز شوق الشاعر ولهفه وهيامه وموته حبا ووجدا في محبوبته يقول أيضا:

حالت لفقدكم أيامنا، فغدت             سوداً وكانت ـ بكم ـ بيضا لياليناً

لا تحبسوا نأيكم عنّا يغيّرنا               إن طالما غيّر النأيُ المحبينا

وقد يقول قائل لماذا كل هذا العناء من الشاعر ،وقد نجح في تحقيق مكانة كبيرة على المستوى العملي والإبداعي ، فكان وزيرا شاعرا مفلقا في عصره ، ولكن هذه المكانة العظيمة لم تجعله يهمل حبه الذي أذاب به كل ألفاظ العشق ، والذي كان ملجأ لإثارة الغيرة والحقد على القلبين المتحابين سواء من الوزير ابن عبدوس الذي أحب ولادة وسعى للتفريق بينها وبين ابن زيدون ،أو لفورة كثير من الإضرابات السياسية في عصر الشاعر ،نجده لم ينس حبه الذي اكتوى بنيرانه وتنفس لهيب زفراته، وراح ابن زيدون يئن ويتعذّب، ويكتب الكثير من القصائد الخالدة عن حبه .

يقول:

أَغائِبَةً عَنّي وَحاضِرَةً مَعي       أُناديكِ لَمّا عيلَ صَبرِيَ فَاسمَعي

أَفي الحَقِّ أَن أَشقى بِحُبِّكِ أَو أُرى       حَريقاً بِأَنفاسي غَريقاً بِأَدمُعي

أَلا عَطفَةٌ تَحيا بِها نَفسُ عاشِقٍ       جَعَلتِ الرَدى مِنهُ بِمَرأىً وَمَسمَعِ

صِلينِيَ بَعضَ الوَصلِ حَتّى تَبَيَّني       حَقيقَةَ حالي ثُمَّ ماشِئتِ فَاصنَعي

 

قيثارة حبه كسمفونية عظيمة شدت بأعذب الألحان نجده يقول مناجيا لها :

لَعَمري لَئِن قَلَّت إِلَيكَ رَسائِلي       لَأَنتَ الَّذي نَفسي عَلَيهِ تَذوبُ

فَلا تَحسَبوا أَنّي تَبَدَّلتُ غَيرَكُم       وَلا أَنَّ قَلبي مِن هَواكَ يَتوبُ

أما ولادة بنت المستكفي ت: 480هـ، فهي أميرة أندلسية، أديبة وصاحبة مجلس أدبي، اشتهرت بثقافتها واتصالها بذوي الأدب، ومعظم ما يذكره المؤرخون عنها يتصل بمجلسها الأدبي الذي كان يحضره الكثيرون من أهل الأدب ووجهاء القوم بقرطبة يجتمع فيه أشهر المثقفين والشعراء والأدباء؛ ليتحدثوا في شؤون الشعر والأدب بعد زوال الخلافة الأموية في الأندلس.

وكان ابن زيدون من أولئك الأدباء الذين ارتادوا مجالسها الأدبية وكان آنذاك في مَيْعة الشباب ورونقه.

ارتبطت سيرة ولادة بالشاعر الأندلسي ابن زيدون، في قصة من أشهر قصص الحب والمعاناة والهجر في الأدب العربي. وقد حكت أشعار ابن زيدون مأساته مع ولادة. .

ولادة مبدأ حياة ابن زيدون، هام بِها، وقال فيها قصائده الجميلة وأعذب أشعاره وأرقها التي تعبر عن حبه لها. وكانت ولادة ليست كأي واحدة من النساء فكانت تتمتع بالجمال، وبالإضافة لجمالها كانت تتمتع بثقافة عالية.

فنجد أن أحسن وضع للمرأة عند العرب في العصور الوسطى كانت تحظى به المرأة العربية في الأندلس، حيث تمتعت المرأة بمكانة عالية في المجتمع. فكانت انطلاقتها في المجتمع الأندلسي أوسع مما كانت عليه في البلدان العربية والإسلامية الأخرى. وإننا نلاحظ من خلال المصادر الأدبية والتاريخية المتعلقة بالأندلس أنّ المرأة في الأندلس احتلت مكانة عظيمة في المجتمع. ولقد قدّر الرجل الأندلسي المرأة الأندلسية، وبالغ في تبجيلها. ومن القصائد والمقطوعات التي قالها الأندلسيون في المرأة تظهر هذه المكانة العظيمة في قلوبِهم.

ولقد تميزت المرأة العربية في الأندلس بحكم طبيعة المجتمع بنشاطها الذي ساعد فيه براعتها في شتى النواحي العامة في الحياة ، ولو تأملنا واقعهن في الحياة للمسنا العناية الواضحة التي كان يوليها المجتمع للمرأة من حيث توفير فرصة التعليم لها، فضلا عن الرعاية التي خصصها الأمراء والخلفاء لهن، وتشجيعهن من خلال إغداق الأموال عليهن، وتحفيز العلماء لتعليمهن ، فكانت المرأة الأندلسية أكثر قدرة على الحركة تتعلم وتتفقه في الدين وتدرس الأدب وتنظم الشعر وتشارك في الحياة العامة ،وتبوأت مكانة في مجالات الحياة المختلفة وتمتعت بحرية واسعة فأصبح لها شخصيتها المستقلة.

في حدائق مدينة قرطبة الأندلسية بدأ اللقاء الأول بين ابن زيدون وولادة. وفي أجواء مشبعة بالأريج والشذى،. وتقول بحنين مفرط إلى لياليها السالفة مع ابن زيدون:

يا أخا البدر سناء وسنى                         حفظ الله زمانا أطلعك

إن يطل بعدك ليلي فلكم                       بت أشكو قصر الليل معك

وتقول بحنين مفرط إلى لياليها السالفة مع ابن زيدون:

ودّع الصبرَ محبّ ودّعك                     ذائع مِن سرّه ما اِستودَعك

يقرع السن على أن لم يكن                 زاد في تلك الخطى إذ شيّعك

يا أخا البدر سناء وسنى                         حفظ الله زمانا أطلعك

إن يطل بعدك ليلي فلكم                       بت أشكو قصر الليل معك

وتقول عن الفراق ولوعة المشتاق:

أَلا هَل لنا من بعد هذا التفرّق       سبيلٌ فيشكو كلّ صبّ بما لقي

وَقد كنت أوقات التزاورِ في الشتا       أبيتُ على جمرٍ من الشوق محرقِ

فَكيفَ وقد أمسيت في حال قطعة       لَقد عجّل المقدور ما كنت أتّقي

تمرُّ الليالي لا أرى البين ينقضي       وَلا الصبر من رقّ التشوّق معتقي

سَقى اللَه أرضاً قد غدت لك منزلاً       بكلّ سكوب هاطل الوبل مغدقِ

 فما أجمل الحب الذي يجعل الإنسان نبضًا يشعر ويحس ويتألم ويضحك ويبكي ،فتكون للحياة معنى،فهيا نحيا بالحب ونلقنه دروسًا للأجيال القادمة ونزود عنهم البغضاء والكراهية،فالحب حياة الشعوب، وميسم شفائها.

فهيا نحيا بالحب ونتغنى به في كل علاقاتنا الإنسانية التي تتشكل بها الحياة فلا نشعر برتابة ولا بملل وإنما نرى كل الوجود جميلا .

 

د.رشا غانم- مدرس النقد الأدبي –الجامعة الأمريكية -مصر

 

 

الشاعر قيس مجيد المولى .. هذهِ قنينتي ولتسقط الحروب

qsaim mohamadmaheedتتوافق مجموعة (تأتيك بحكاية باردة وبمسرح للأساطير ) للشاعر قيس مجيد المولى مع فكرة جاكوب والتي تتلخص ان كل شيء ممكن استخدامه ( كعنصر شاعري ) ذكريات المطالعات ولغة المحادثات العامة والانطلاقات المفاجئة وجو الحلم والنهايات اللامتوقعة واتحاد الكلمات والأفكار ) *

وفي لغة شعرية جذابة حاولت ان تنأى بنا المجموعة الى العالم حيث البراءة والبساطة بعيدا عن عالم يصطرع بمتناقضاته حد الاحتراب وجلب لنا ألبؤس والخوف وازدحمت مفكراتنا بأخر إخبارها

( كل تلك الأزمات ’ إمامي ,كجنود المراسيم ) ولأنه لايريد إن يعيد خطاب فوكو حتى وان قدم اعتذاره او منح هيليوس نوره الساطع .. لكن النصوص لاتريد ان تكون استعرض متحمس ليملآ باقي الفجوات من أسئلة مضخمة وحسابات مريرة فالاحداث الكبرى التي عاشها الشاعر قيس المولى تجد ملامحها شاخصة هنا

( بدأ ان السماء أدارت قبلتها

وان التراب باق فوق وجه بغداد

عند الحدود نظر ليديه

ما فائدة الحقيبة

والقاها في الخابور

ولدمعته

وألقاها في الخابور)

ورغم محاولة مزاوجة التشاؤمية بالتفاؤلية الا ان الحزن كبير و مشوب بالسخرية لتنطلق منه ضحكة غير متوقعة

(حين هبطت بلاد الإغريق

سألني البعض من صحبة الطائرة

أين تتجه .... ؟

لكل منا اتجاهاته

لن اركب الا الباص الذي يحمل الرقم 21

لاني سأتجه لبيريه كي اذهب بالباخرة لترافيا

وأجس عقل ديونسيوس)

ان النصوص تمر عبر موشور خاص وتحرز قوة شهادة العيان وتوقظ المخيلة لدى القاري

حين انهمك المولى في رسم الصور الشعرية .. ويبعث الإثارة الشعرية حد انه يفتح الباب الواسع على المناظر والذكريات بأسلوب تتدفق فيه المفردة ليفك مغاليق سجلات الدهشة وبسؤال أبقاه مفتوحا على اتساع الوجع يختصره تمرده على قوى غامضة وأساطير ساحره

(يسأل عن البؤس وعن الموت وعن الفاسد والنبيل

والموعد المؤقت على قيامة دون قيامة

أخرون :

نريد ان نلمع أسفل السماء

وآخرون

نريد من يودعننا)

لقد اقتربت النصوص في ان تكون تشكيلا لغويا في كل الالوان التي يعتمدها الرسام في رسم لوحاته ... وتشابه ايضا رسائل بصرية تراجيدية

( لازالت الشجرة في عينيه لاتموت

لازال طيف فاطمة

يرف حوله من المستنصرية)

ولانه ابن بيئة مازومة وصراعاتها تستعر كل حين اراد ان يبعث في نفسه رسالة اطمئنان مزيفة رغم قراءته في اللوح (في وجوه الماره ,وفي أعين السيارات) منتظرا ان تبرق السماء ويظهر قوس قزح

لقد ألقى الشاعر قيس مجيد المولى على تخوم تلك المدن الأسطورية ألقى في برك المياه أخر وهمه وغنى هناك برفقة الضجر ووقف مخمورا" أعلى الدرج

(يكفي

يكفي لا احدا يخلو

من حزنه العميق

وقفت مخمورا اعلى الدرج

هذه قنينتي

ولتسقط الحروب)

ولانه يحمل حزنه السرمدي فقد وصل للميناء الأخير في العالم القديم ملوحا بأخر هلوساته إلى ساعي البريد

(ساعي البريد

عاد بالرسائل

الدخان لم يصل مع القطار

المحطات لم تعد صالحة)

من الجدير بالذكر ان مجموعة (تأتيك بحكاية باردة وبمسرح للأساطير) هي الثالثة عشر للشاعر قيس مجيد المولى وصدرت عن دار الينابيع في سوريا

 

توائم سيامية قصائد - أنقذ ْتِـني مني - للشاعر يحيى السماوي

hasan albasamأنقذتني مني ..المجموعة الشعرية الرابعة والعشرون – 122 صفحة - للشاعر الكبير يحيى السماوي الصادرة عن دار تموز للطباعة والنشر / دمشق 2014 ..وقد إحتوت سلة الديوان على سبع وعشرين قصيدة من قطاف ورود الشعر .

أي كائن هذا الذي كان يترصده ليفترسه أو ليصادر وجوده وقد أسهمت يدها بإنقاذه منه ؟أي طريق أشارت إليه أن يسلكه ؟ وبأي سلاح دافعت عنه ؟ وهل رافقته في رحلته أنيساً أم رفيقاً أم روحاً ؟

أي تهديد هذا الذي كان يداهم الذات ؟ هل هو صراع الروح مع الجسد أم الحقيقة مع الخيال أم الواقع مع الإفتراض أم الماضي مع المستقبل أم الحياة مع الموت ؟

يحيلنا هذا العنوان الى أن الخير هو الذي نراه في آخر المطاف حين يكون بذارنا حبوب محبة وشتلات أمل ..

أنقذتني مني ..إنه خطاب الشكر والإمتنان ..يحمل لها حرير الكلمات والمشاعرعلى ظهور نياق المحبة والعرفان .

صور متعددة متماسكة جعلتني أستحضر في خيالي وادي عبقر ..

36-samawi

حاولي – أرجوك – كي أعرف

هل أبقى على قيد جنوني؟

أيظل الحقل نفس الحقل؟

والتفاح يبقى أبيض الزهر؟

ويبقى العشق

قنديلي الذي يشرح صدري؟

صور شعرية مترابطة النهايات حوتها قصائد المجموعة وتميزت بتواليها وتشكيلاتها اللونية في إطار اللوحة الشعرية الواحدة،وكأني أرى تداخل لوحات في لوحة واحدة، عدة توائم سيامية متلاصقة لا يمكن فصلها، تعيش بقلب واحد ..ديوان سيامي القصائد..ماقرأت قصيدة إلا وملامح الشاعر يحيى السماوي مشرقة فيها،تحثني من أجل أن أتواصل لمعرفة المزيد الذي ينتظرني ..وإنه مازال منتظراً في القصيدة التالية ... حتى وإن لم يثبّت إسمه .. رأيت إن عدم ذكر إسمه على المجموعة لايغير شيئاً من نسبها فهي سليلة الاصالة والرفعة وشرف الكلمة ..

تزداد الحياة صراعاً مع القلوب الرهيفة ..كلما ازدادت الروح سمواً إزداد الجسد تضاؤلا أو تحول الى إناء للتفاعل الساخن .. أيتها الفسحة المحدودة التي رسمها الله لنا كي نعيش فيها دون تجاوز خطوط نهاياتها ..إستطاع الشاعر أن يتجاوزك بروحه وهي تحلق إلى أغصان الجمال ..ماعادت قيودك أيتها الحياة فاعلة لقلوب إمتهنت العشق وارتدت البياض أجنحة ..أنت سجينة مخيلتك المريضة فقد إحتويت الجسد وحده ..الجسد الذي يعيق الشعراء في رحلاتهم الهيولية ..

كيف تستطيعين أن تضعي لروح الشاعر يحيى السماوي مصائد الزمن الحادة؟

هذا الماهر يرسم شمساً في أفق معتم .. يمد خيوط أمل لليأس فينقذه..

أية صور تلك التي تقنعني أنا القارئ الذي تراكم ثلج الأيام على قمة رأسه وتصلب .. أنني مازلت في عنفوان قلبي محتدماً متدافعاً تنضح روحي وجسدي لذاذات العشق والتماهي والإضمحلال وجـْداً وتمنحني القدرة أن أذوّب ذاتي في قارورة أنثى أتذوق فيها بإشتهاء ريق اللذة ...!!!

لقد رأيت الشوك والصبير والعاقول مورق وكدت أحتضنه لهفة وانقياداً لجاذبيته ..أية براعة وأية مكنة وأية مشاعر مرهفة وروح سامية تلك التي تحاكي فراغاتنا وتملأها بأسطر المتعة؟

أيتها السنوات العجاف لقد رأيتك عاجزة أن تنالي من شموخ العشق وجبروته .

الشاعر يحيى السماوي وعبر مسيرته الطويلة وهو ينحت من صخر اللغة ليفجر طاقاتها حروفاً عذبة تمكن بتفرد أن تكون له لغة سماوية لاتشبه لغات الشعراء إلا برسم الحروف ولكن ملامحها إقتبست من دواخله ألوانها البهيجة ..بل من فرط تركيزي على هذا الجانب كأني أرى بعض الحروف ماسكة سيكارة تدخن بتأمل ..وأرى مقدمةرؤوس بعض الحروف خفيفة الشعر ..لكني مارأيت المشيب قد غزا حرفاً واحداً ..

أيها الطاعن في العشق ...

الشريد السومري...

الحاسر القلب

كفى أنك بت اليوم روحاً وتراتيل يقين

بعدما كنت كؤوساً وسريراً

وجسدْ

بل رأيت كيف يضفر الحروف جدائلاً سارحاً على أكتاف العشق والمودة والتسامح والمحبة والسلام ..أحيانا يحاول أن يغطي مساحات الشوك بعباءة الرضا ..لكن سرعان مايطغي الصدق وحده :

حال كحالك:

لم يخني النهر

لكن

خانني نذل بفردوسي

وبستاني الظليل

قرأت الإهداء الذي أكرمني به على أنه إحدى قصائد الديوان :

(صديقي الحميم الشاعر والقاص المبدع حسن البصام

أهديك صدى ترانيمي في محراب العشق المخضب بحناء نبضي،

آملا أن يليق برضا فراشة قلبك ياصديقي)

وهذا سبب سموالكبار بلمسات تواضعهم وصدقها.. لا بعجرفة من إمتلك حصاناً مريضاً واحداً وراح يجلده وهو ممتطيه ليظل فوق إنوف الآخرين مبارزاً الهواء ..

أمس قبل الفجر

أو قبل أذان الظهر

لاأعرف بالضبط – التقينا ..

اين؟

لاأذكر شيئا !

ربما في الارض

في الفردوس

أو في زحل !

إشارات وإيماءات الى أن المخاطـَب هو ذلك التحدي العنيد لإذابة الخنوع لقسوة الزمن ومبضعه المؤلم .. إنها وحدها التي أحدثت ترميماً في طيات الوقت وثناياه ..ألهبت القلب دفقاً وسيقان العمر يفاعة وعنفواناً .

لرغيف

لن ترى من بعده جوعاً وقحطاً !

فاخلع الأحزان

أنت الآن في فردوس أفراح الزمان

المقبل ..

كن كما شئت

تنسك

أو تشيطن

فأنا كلي لك الآن ...

وأنت الكل لي ..

الرغيف الذي يمسد على رأس الجوع ..رغيف يسجر في تنور القلب ..ينضج على هسيس جمر الشوق ..هو الذي يمنح الطاقة الخلاقة في قادم الرحلة ويغير سحنة الروح من مكفهرة إلى منبسطة فرحة مستبشرة غير آبهة بتغيرات الحال ..

تنمحي كل ملامح العالم ..وتختلط دقائق طينهما ليكون صلصال عشق متماسك متداخل .

وطني: العشق !

وأنثاي التي صارت تسمى نبض نبضي : منزلي !

ربنا ان قرب الحتف

فاكرمني بأن التحف الرمل الفراتي

وأن يصبح عشقاً مقتلي

ببراعة وحذاقة وحكمة ودراية تتجه سارية القلب لترسو على موانئ عشق خالدة في ضمير كل واحد منا .. سخنت المنافي والغربة والوجع الدائم توق الشاعر ولهفته ..رمل الفرات بات التغلب عليه ومقاومة إغرائه أمنية مستعصية.

سأبيع كلي

بالقليل !

من يشتري قلبي بمنديل

يليق بجرح ’حلاج ’ جديد

ناسك الآثام ...

أغواه السراب

رآه في حمى التهجد

سلسبيل؟

إنه يبحث عن عشبة لشفاء جرحه الذي أضناه ..جرح مغمس بالسراب كلما توغل فيه تاه في بياضه الذي يغوي لهاثه ..

أنت الذي أبدلت بالسبع الطباق الكهف !

والأشواك بالأزهار!

أنت عدو نفسك

تستقي للفل والريحان قيحاً

نابذاً قطر الندى

والزنجبيل !

يقرع نفسه ويؤنبها ويعاتبها ولكن بمرارة وكأنه الشامت بها رغم إن أنينه إمتد إطاراً يغلف السراب .

فاكتب وصيتك الأخيرة

ليس غير الصدق مفتاحاً

لقفل المستحيل !

ثمة علاقة وشيجة بين السراب والمستحيل هما من نسيج واحد ولكن مايميز السراب هو إمتداد يده التي لا تتمكن من ملامستها وإن قربت منها قرب الجفن من العين ..وألوانه الزاهية التي تسر الناظر ..وهذا مايفعله الشاعر متكأ على ثراء لغته وشفافيتها ليأسرنا بقصيدة ناضجة بدلالاتها الثرية .

روح الشاعر تسرج القمر حصاناً والبحر دروباً ..والشاعر بكامل بهائه وبياض قلبه وياسمين روحه تلامس كواكب أفقه لتتوهج حلماً في ذاكرة العمر وممراته المظلمة ... العمر الذي يوقف طغيانه إلا الحلم ..فهو يحاول أن يكبح جماح سطوته ويقطع خيوط قيوده ويدحر جبروته ..هو تحدي وليس توسلاً او خداعاً ..عنفوان عشاق تسري في عروقهم دماء ساخنة لاتبرد ..تتحرك فيها دفقات الإشتهاء لإحتضان الحبيب والذوبان في إرتعاشة قلبه .

شاخ الزمان

ولم نزل طفلين!

نبتكر الوسيلة والدمى في لهونا ...

حيناً أكر عليك بالقبلات ...

أحيانا أشدك للضلوع

ويصرخ منادياً في منتهى الإندفاع كشجرة سامقة في قلب غابة قاسية تطعن الفضاء الأصم باستقامتها حين يكشف عن غاياته،عن هويته الحقيقية ،فقد طفح الكيل وما عاد التستر على الإسم مجدياً ..

ولغاية - في نفس يحياك -

المضرج بالتبتل

والصبابة

والهيام

أستل حنجرتي بلا سبب

لأفتعل الملامة

والخصام

انه الحب الذي ليس له عمر ولا دين ..وهو يشبه الإرهاب في أحزمته الناسفة ومفخخاته ..

أين الهروب ؟

جميع بواب النجاة من انفجاري

مقفلة !

فخخت بالقبلات ثغري ...

وارتديت حزام شوقي ...

يالتي

أضحت لبستاني الربيع السومري

وجدوله

وصنعتُ من عطشي لمائك

قنبلة !

قلبه أشبه بالجدول العذب، يتدفق بهدوء ونقاء .. يحلم بغد يليق بأن يعيشه الإنسان بحجم جمال الخالق في خلقه...

إنك الأعمى

إذا لم تبصر البيدر في سنبلة اليوم

وإن كنت مضاء الحدقة

إن كبا فوق رصيف العمر واستسلم للدرب

فإن العيب في المخلوق

لا مـَن خلقه

 

حسن البصام

 

نقد النقد الأسلوبي

anwar ghaniلا ريب أنّ الادب انجاز انساني رفيع، افتتن به الانسان منذ قديم الازمان، وبدأ يتحرك نحو سره الكبيرة، واسباب الابهار والدهشة المتحققة به ، فكان النقد باشكاله المختلفة وطرقه المتعددة متصديا لذلك . وكثيرا ما كان يصيب نقاطا من الحقيقة حتى بالرؤية الانطباعية والذوقية العامة .

لقد اجاب النقد الادبي حتى في صوره البدائية عن تساؤلات مهمّة تخص الادب وجمالياته، وكان للبلاغة العربية وعلمي البديع والبيان بناءات شاهقة عملاقة في هذا الشأن، نجد غيرها عاجزا عن بلوغ تلك المباني . ورغم تطور الفهم الانساني للغة وعوالم الدلالة، الا انّ نظرية النقد بقيت غير مستقرة، حتى ظهر اتجاهان متطرفان حديثان : الاول ادبية النقد الادبي بان يكون النقد نصّا جماليا فوق النص مليء بالعبارات الشاعرية والفنية لا يقيم ولا يصف حتى وفي تسمية هذا الشكل نقدا اشكال عريض . والاتجاه الثانية تذويب النقد في علم اللغة، هذا العلم الذي يتفاخر البعض انّه اول من سبر غوره وواكتشف عوالمه الا انّ الكثيرين لا يعلمون انّ المشتغلين في علم اصول الفقه لديهم ابحاث دقيقة وعميقة في علم اللغة والدلالة والاشارات والتفريق بين مستوى الفكر والوضع للغة ومستوى الاستعمال والكلام يمتد الى مآت السنين . انّ في ابحاث الاصوليين المسلمين كمّا هائلا وعظيما من التحليل الدقيق جدا لمستويات القول والكلام واللغة يفوق كل تصوّر حتى تصورات الالسنيين انفسهم، فهناك بحث مطول جدا عن الوضع واقسام الوضع ونشأة اللغة وتصور الموضوع له، والاصول اللفظية التي لا نجد لها اثرا اصلا عند الالسنية المعاصرة والنقد المتكئ على علم اللعة .

انّ تعكّز النقد الحديث على علم اللغة الوصفي والالسنية الحديثة ارتكب خطأ فادحا حينما اختزل الظاهر الادبية في مفهومين ضيقين هما الخطاب والخرق، فما عاد الادب الا اعتداء على القاعدة اللغوية، واستعمال خارق للمعروف بين النوع، ووضعت تحت عنوان فضفاض اسمه الاسلوبية .

ان النقد الاسلوبي وان كان يحقّق وصفا جيدا لجانب مهم من عملية الابداع، الا انّه ينظر اليها من زاوية ضيقة بل وميتة، كما انّه يختزل العمل الابداعي في هذا الجانب غير متعرض، بل ولا فاهم لجوانب جمالية كثيرة وكبيرة في لغة الابداع واساليبه، بمعنى ان الاسلوبية لم تكن وفية لاسمها ايضا اذا اقتصرت على جانب من الاسلوب وادعت انها تدرس الاسلوب كله . ومع ان الاسلوبية تنقل النقد الادبي الى مكانه الصحيح بتخليصه من الابحاث الخارجية كالنفسية والاجتماعية، الا اننا نرى انّ تلك النقلة مهزوزة وغير واثقة لذلك نجد احيانا عودة الى الغرق في الابحاث الخارجية وخلط فضيع بين البحث الجمالي ومرتكزات الاسلوب ومبادئه العامة من ظروف واحوال نفسية وتاريخية واجتماعية .

لو جئنا الى تحليل عميق للنقد الاسلوبي فانا نجده وبوضح يهتم بالتوظيف الفني، ولانّه يرتكز على قواعد ومسائل علم اللغة العام والالسنية والتخاطب، فانه لا يستطيع ان يرى ذلك التوظيف الا من جهة الاسلوب الخارق للقاعدة، بينما الواقع ليس كذلك، جماليات اللغة غير محصورة باسلوب الخرق، بل احيانا يكون في توظيف راقي للمعهود والمعروف، وربما تكون تلك النتائج ناتجة عن تاثيرات الحداثة على النقد الاسلوبي .

التوظيف الفني الذي هو احد عوامل الابهار اوسع بكثير من اسلوبية النقد الاسلوبي كما ان المدقق يجد ان الاسلوبية ليست في واقعها تتبع حر لمظاهر الابداع الاسلوبية كلها وانما يختصر بحثه على جزء صغير من المظاهر الاسلوبية والتي يمكن تلمسها عن طريق علم الاشارات والعلامات والدلالة، واما غير ذلك من الاسلوبيات اللغوية فخارجة عن دائرة النقد الاسلوبي واداوته وهذه هي المعضلة والمشكلة الاهم التي توجه النقد الاسلوبي لذلك ظهرت دعوات الى التحرر من مستوى النص الى ما بعد النص، وفي الحقيقة هذه الحركة ايضا قاصرة لانّها محدودة في هذا الفضاء الضيق .

لا ريب انّ الابداع هو شيء من الفرادة والاسلوب الخاص، وتتبعه وتفسيره وقراءته تحتاج الى ادوات واسعة بسعة التجربة الانسانية، لذلك يجب ان ينتقل النقد الاسلوبي من الاسلوبية الالسنية السائدة الى الاسلوبية الانسانية الكبيرة وتوظيفات اللغة الواسعة المنبثقة واللصيقة بالتجربة الانسانية، في نقد جمالي يقدم تفسيرا واقعيا لظاهرة الابداع الادبي يميز بين فنية الفن واعناصر جماليتها ومظاهر الابداع الرسالية، في عنى وثراء واضح تقف الالسنية والاسلوبية بصورتها الحالية مدهوشة ومبهورة تجاه عظمته .

بحث المرأة العربية عن اليوتوبيا خلف الجفون من خلال رواية وراء الفردوس

alkabir aldasisiمنذ الإعلان عنتأسيس الجائزة العالية للرواية العربية (البوكر) سنة 2007 لم يصل إلى اللائحة القصيرة من النساء إلا أربعة أسماء هن: العراقية أنعام كجاجي في مناسبتين سنة2009 من خلال رواية (الحفيدة الأمريكية) وسنة 2014 برواية طشاري، والكاتبة السعودية رجاء سالم صاحبة رواية (طوق الحمامة) سنة 2011 و اللبناينة مي منسي برواية (أنتعل الغبار وأمشي) سنة 2008 وأخيرا المصرية منصورة عز الدين صاحبة رواية (وراء الفردوس) سنة 2010 وهو عدد جد قليل إذا ما وضع ضمن لائحة الذين تأهلوا للائحة القصيرة (48 رواية ) لتقف المرأة في حدود حوالي 10%. لذلك كان لزاما علينا دعم هذه الثلة الملتهبة من النساء العربيات، على الأقل من خلال التعريف بأعمالهن، وتقديمها للقارئ العربي، و نقدم اليوم لقرائنا واحدة من هؤلاء الروائيات بعدما - قدمنا غيرها- ونقصد المصرية منصورة عز الدين وروايتها (وراء الفردوس) . فماذا تقدم هذه الرواية؟ وما ذا يوجد وراء ذلك الفردوس؟ وكيف بنت منصورة عالمها الروائي؟

ومنصورة عز الدين كاتبة روائية وصحافية مصرية من مواليد 1976 أصدرت ثلاثة أعمال سردية هي مجموعة قصصية بعنوان (ضوء مهتز) وروايتها الأولى (متاهة مريم) قبل رواية (وراء الفردوس) التي صدرت سنة 2009 عن دار العين، وتمكنت من التأهل للائحة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2010 مما جعلها تحقق رواجا كبيرا وطبعت عدة طبعات في نفس السنة وسنعتمد الطبعة الرابعة في إحالات هذا المقال..

تبتدئ أحداث رواية (وراء الفردوس) بمشهد مشوق تظهر فيه شخصية سلمى رشيد بطلة الرواية ( كنمرة هائجة) وهي تنزل درجات سلم بيت عائلتها الذي عادت إليه بعد غياب (يتبعها خادم يرزح تحت ثقل الصندوق الخشبي) وهي تهم بإحراق ما بداخل هذا الصندوق من وثائق تؤرخ لعائلتها في جو حار قائظ و فضاء مكاني تؤثثه عناصر ( ثعبان أطل برأسه من كومة القش،، وحرباء مشاكس بين أوراق العنب المتدلية عناقيده،،وفأر رمادي...) وبتأملها لما في الصندوق تستحضر سلمى حياتها وعلاقتها بكل أفراد عائلتها، وزاد في هذا التشويق أن ربطت عودتها بحلم تؤكد فيه أنها قتلت صديقتها جميلة دون أن تترك خلفها آثرا لجريمتها ... قارئ هذا المشهد المثير يجعله يتطلع لرواية يطبعها تشويق البحث عن خيوط الجريمة، ومدى التداخل بين الحلم والواقع... لكن سرعان ما يخيب أفق انتظار القارئ إذ لا يجد شيئا من ذلك في المتن الروائي، وتتيه به الأحداث في علاقات عائلة متعددة الأفراد: الجدة رحمة التي تزوجت بالجد عثمان بعد أن توفت زوجته (أختها) لتهتم بترية ابن أختها سميح، وكيف عملت رحمة رغم صغر سنها على تكوين أسرة مستقلة أنجبت جابرا ورشيدا، يكبر الأبناء الثلاثة ويتزوجون: ( سميح تزوج خديجة) فيما تزوج جابر من ابنة خالته حكمت وأنجبت له أولاد أهمهم في الرواية هشام، وستطلب منه الطلاق بعدما تزوج من بشرى زوجة خادمه الذي وفاته المنية بالمعمل مطحونا داخل خلاط الأتربة، لتحل بشرى وابنتها جميلة بالبيت فيما بعد .. فيما تزوج رشيد من ثريا وأنسلها هيام،خالد و سلمى بطلة الرواية، تحكي الرواية عن علاقة سلمى بكل هذه الشخصيات وخاصة أخوالها (لولا مصطفى و أنوار) أعمامها (جابر وسميح) وأبنائهم والجيران من المسلمين واليهود والمسيحيين لدرجة قد يجد القارئ – أول الأمر - صعوبة في ضبط العلاقات التي تربط بين كل تلك الشخصيات، تذكرها وتتبع تحركاتها، خاصة وأن الأحداث غير متسلسلة، تنتقل بالقارئ بين براءة الزمن الطفولي، وأوهام وأحلام المراهقة، وكوابيس الكهولة، وما يتخلل ذلك من صراع بين أفراد عائلة مترامية الأطراف، تسعى إلى تطوير مشاريعها الاقتصادية من خلال تحويل اهتمام الناس من الفلاحة إلى الصناعة ببناء معامل الطوب التي تحول الأتربة الخصبة طوبا للبناء، وإلى جانب ذلك قد يستعصى على بعض القراء إيجاد علاقة بين العنوان ومضمون ما تحكيه الرواية : فالكلمة الأساسية في العنوان (فردوس) لم ترد في المتن سوى مرتين في الصفحة 82 وفي الصفحة 218 وقد ارتبطت الكلمة في الموقعين معا بإغماض سلمى لعينيها : كتبت تقول عن مللها وشعورها بالغربة والوحدة ومعاناة رتابة الحياة (أغمض عيني فأرى عوالم أخرى، أبصر عالما متوهجا... هو فردوس ملون كما أسميه أهرب إليه فأخرج من ذاتي وخيباتي)1 وذكرت بعض مرادفات الفردوس، كالجنة واليوتوبيا في نفس الإطار (صارت تغمض عينيها كثيرا فتغرق في فردوسها الملون ... تصبح الجنة بالنسبة لها هي بستان خوخ وقت إزهاره ... تفكر سلمى في أن الصينيين حكماء جدا وإلا كيف اختاروا لليوتوبيا .. اسم أرض أزهار الخوخ )2 وذكرت الجنة في سياق آخر عندما اعتبرت (الرائحة والمذاق هما المدخل لجنة الحواس)

وإذا كان الفردوس مطمع المؤمن الذي يصعب عليه الوصول إليه، فإن فردوس منصورة عز الدين في الرواية داخلي، وسهل ولوجه، فكلما ضاق بها الحال تهرب إليه من جحيم واقع جاثم على صدر سلمى جعلها كما تقول: (أسير في الشوارع المكدسة فلا أرى شيئا ...أشعر انني أعيش يوما يتكرر بلا نهاية، أنا في حالة " déjà vu" دائمة .. كل ما يحدث حولي يبدو كنسخة تتكرر بشكل أبدي لحدث وحيد عشته في طفولتي)3 إن شدة تدمرها، وقسوة ما تعيش من معاناة وصراع داخلي جعلهاتقول (أنا وحدي أشعر بهذا الجنون الأليف الذي ينمو بداخلي يبدو كسرطان كامن يأكلني من الداخل، بالأحرى جنوني ليس هو السرطان الذي يتغذى علي، إنما أنا ذلك السرطان الذي يتوغل في ذاته، أنا خلية سرطانية نشطة في جسد ضعيف هو جسدي)4، بذلك تكون البطلة تعيش جحيما : جحيم الحاضر وجحيم ثقل الماضي، فتصور الماضي ثقيلا يجب التخلص منه بإحراق محتويات الصندوق الشاهدة على مأساوية التاريخ، كما تصور الواقع رتيبا يشعر بالملل ويحول الساردة إلى خلية سرطانية تأكل جسدها، لتبقى لحظة إغماض العين هي الفردوس الذي يتلاشى بمجرد فتح العين، لكن إذا كانت إغماضة العينين فردوسا فماذا يوجد وراء هذا الفردوس؟

يبدو من خلال النص أن وراء إغماض العيون عوالم الهدوء، السكينة والتحرر من كل مآسي الواقع من جهة، وعوالم تتداخل فيها الألوان والروائح تسعد الجسد والروح، وتسبح بهما في فضاءات لا متناهية، وكأننا بمنصور عز الدين تعمل ضمن مشروع واحد بدأته بمجموعتها القصصية (ضوء مهتز) الصادرة سنة 2001، وطورته في أولى روايتها (متاهة مريم) التي قتلت فيها البطلة صديقتها لتنهي هذا الصرح بروايتها هذه ( وراء الفردوس) والتي ابتدأتها بنفس فكرة روايتها الأولى (تتخيل سلمى أنها قتلت صديقتها وغريمتها جميلة)، محاولة أقناع القارئ بأن الفردوس، وإن كان مستحيلا على أرض واقعنا المأزوم، فإنه موجود خلف جفوننا، وكل ما نحتاجه لنتمتع بمنافعه هو خلوة مع الذات، والتخلص من بعض الموروثات البالية التي تكبلنا بها مآسي الواقع، و قيود الماضي والحاضر، لذلك استهدفت الساردة بداية حياة جديدة بإحراق محتويات الصندوق : (كانت تراقب الصندوق وهو يتآكل كأن حياتها هى معلقة بفنائه وتآكله.. يتآكل أمامها رشيد، سميح، جابر، رحمة، ثريا، جميلة، هشام، ولولا ويحترقون. تحترق هى معهم كى تبدأ من جديد بروح شابة وذكريات أقل ألما)5

وعلى الرغم من الطابع الذاتي الوجداني للرواية فقد انفتحت على عدة قضايا فقدمت المرأة في صورة لا تختلف عن الصورة التي قدمت بها في معظم الروايات العربية المعاصرة بنون النسوة، إذ لم تبتعد الرواية عن صورة المرأة الرافضة لأن تعيش في جلباب الرجل وفق ما يلائم العقلية الذكورية، هكذا حاولت كل واحدة من بطلات الرواية إيجاد وسيلة للهروب وتكسير القيود: فهربت نظلة من الزواج ورأت في قبول الزواج شعورا (يشبه ذلك الذي ينتاب المحكوم عليه بالإعدام أو السجن مدى الحياة)6، وهربت حكمت من جابر بعدما قرر الارتباط بثريا أرملة خادمه صابر وتصور الرواية كيف أصرت (حكمت على عدم العودة إليه طالما ظل متزوجا من الخادمة كما اعتادت أن تصف بشرى...)7 وتمردت أخريات على سطوة الواقع الذكوري فتحدت الجدة رحمة كل ما هو موروث وحولت الزوج خاتما في أصبعها تحركه كالدمية، ونجحت في إدارة مشاريع الأسرة رغم صغر سنها غير مبالية بنظرات وكلام الرجال في مجتمع مؤمن بمقولة (اكسر للبنت ضلع يطلع لها اربعة وعشرون)8، وكذلك تمردت جميلة على صورة الأب وسلمت جسدها لهشام متحدية طيف والدها الذي كان تتراءى لها كل ليلة واختفى من الظهور مباشرة بعد أن افتض هشام بكارتها، وفضلت لولا خالة سلمى الانتحار والهروب إلى الحياة الأخرى بشرب الزرنيح بعدما ظهر بطنها رافضة ذكر سم عشيقها المسؤول عن الجنين الذي في بطنها، وحتى بدر الهبلة (التي لا عقل لها) اختارت الهروب من الأسرة وأصفاد أبيها فاستغلت غياب الرجال لتختار الهروب ( كان إخوتها لم يرجعوا بعد من عملهم في مصنع جابر، صحا والدها من ووالدتها من نوم القيلولة ليجدها قد فكت الجنزير كالعادة وهربت به..)9 . وتبقى سلمى خير من جسد الهروب، هروب من الأسرة، وهروب من الحاضر ومن الماضي، فسارت على خطى نظلة في الهروب من الزواج وإنهاء علاقتها بضيا بعد أن استحال استمرار زواجهما (ما عجل بنهاية علاقتهما هو عدوانيتها، رفضها لأي كلمة يقولها تمسكها بأوهامها ..) ومبالغتها في الشك واتهامه بالخيانة (كان من الطبيعي بالنسبة لها أن تحاسبه حتى على أحلامها إذا حلمت بأنه يخونها تقضي الصباح في استجوابه والتشكيك في إخلاصه لها ) 10: هاربة من كل شيء ومن كل الأمكنة مكتفية أن تطبق جفونها لتسبح في فردوسها اللا-محدود بروائحه وألوانه القزحية، فردوس لا يكلفها الاستمتاع به شيئا سوى إطباق جفن على آخر والتخلص من كل ما يحيط بها..

ومثلما فعلت كاتبات معظم الروايات النسوية، تطرقت الرواية لقضايا تتعلق بواقع المرأة في العالم العربي كنظرة المجتمع للمرأة المطلقة، من خلال شخصية ثريا فرغم المصاب الذي ألم بها إثر فقد زوجها وموته بطريقة دراماتيكية، فقد (قاطعتها معظم نساء القرية خوفا على أزواجهم الذين عاينوا حلاوة جسدها حين شقت ملابسها يوم مصرع زوجها)11، كما قاربت الرواية قلة تجربة المرأة الشرقية جنسيا، وعدم معرفتها بحاجياتها الجنسية، وفشلها في مسايرة رغبات شريكها، فكانت سلمى (امرأة في الثلاثين بجسد مثير عامر بالمنحنيات والاستدارات، إلا أن وعيها به كان وعي طفلة صغيرة بجسدها الغض بدت دائما كأنما جسدها نما ونضج في غفلة منها ومن إحساسها)12 إضافة إلى ذلك عرجت الرواية على قضية تزويج القاصرات كما في تجربة رحمة التي (كانت الخامسة عشرة من عمرها حين تزوجت عثمان زوج شقيقتها الكبرى التي توفيت على يد القابلة وهي تلد طفلها الثاني الذي ولد ميتا هو الآخر تركت خلفها ابنها سميح ذا الثلاث سنوات وكي لا يتربى حفيده مع زوجة أب غريبة وافق والد رحمة على تزويجها من عثمان كي تعتني بابن أختها... اقتلعت الصبية من أسرتها وجاءت كقطعة من جهاز العرس إلى عائلة أخرى لتكون زوجة لرجل يكبرها بأكثر من عشر سنوات )13 فاغتصِبت طفولتها، وانخرطت في مسؤولية البيت وتربية الأبناء حتى نسيت اسمها تقود الساردة عن رحمة بعد موتها: (منذ زمن بعيد فقدت رحمة اسمها للأبد ... الجارات كن ينادينها بأم جابر .. وهي نفسها كانت تشعر أن اسمها غريب عنها، وحين يحدث ويناديها زوجها به تظل فترة قبل تدرك بأنها المرأة المقصودة) 14

ولم تشذ (وراء الفردوس) عن عدد من الروايات النسوية حين تناولت نظرة المسلمين للأقليات الدينية في الوطن العربي، وهي تيمة عالجتها روايات كثيرة، وجعلتها أخرى تيمتها الأساسة سواء تعلق الأمر بالمسحيين كما في رواية طشاري لأنعام كجاجي من العراق، أو اليهود كما تجلى في رواية (في نفسي أنثى عبرية) لخولة حمدي من تونس (التي ستكون محور مقالنا القادم) والأمثلة كثيرة على ذلك، وتتجلى معالجة (رواء الفردوس) لهذه القضية من خلال عائلة رزق حرّيق المعمل ونظرة أهل القرية لأسرته وتقديمه كشخص يعاني ضعفا جنسيا، وعلى الرغم من أسكانه وعائلته في "نوالة" فإن الجدة رحمة (في داخلها كانت تعتقد أن وجودهم في نوالتها يمثل اعتداء صارخا يصل حد التدنيس )15 وأكثر من ذلك كان سكان القرية يقاطعون أكل عايدة زوجة رزق،فقد ورد في الرواية قول الساردة: (فحين وضعت عايدة كوبي الشاي أمامها ادعت رحمة أنها لا تشربه على الإطلاق ومسايرة لحماتها قالت ثريا أنها شربت ما يكفيها منه اليوم تذكرت عايدة أن لا أحد من القرية شرب أو أكل أي شيء عندها منذ جاءت إليها مع زوجها وطفليها...)16، ينضاف إلى ذلك فإن مجرد رؤية الصليب يجعل دماء المسلمين تغلي (جالت رحمة بعينيها في المكان، تعلق بصرها بصورة العذراء تحمل وليدها وبالصليب الخشبي المعلق في مواجهتها بجوار صورة المسيح .. غلى الدم في عروقها ..)17 وأكثر من ذلك يكفي أن تتخيل أن الصليب معلق في مكانه لتثور ثائرتها، (اعتادت رحمة أن تسأل سلمى التي تتردد كثيرا على النوالة عن الصورة هل ما تزال موجودة هي والصليب الخشبي أم لا؟ وحين تخبرها أنها موجودة تخبط وركها الممتلئ بكفيها وتزم شفتيها بغضب متمتمة " عشنا وشوفنا الله يخرب المصانع ع اللي كان شار علينا بها" تصمت لبرهة ثم تواصل " كما يبنوا لهم كنيسة") 18

أما من الناحية الشكلية فرواية وراء الفردوس تسير في إطار الرواية الجديدة التي لا تولى كبير اهتمام للأحداث، فجاء الرواية على شكل استطرادات وتداعيات لمراحل من حياة سلمى دون أن يراعى في السرد أي تسلسل زمني أو منطقي، في تداخل بين الحلم والواقع وهذيان مريضة بين ما تصرح به وما تخفيه عن طبيبتها، هكذا شكل الحلم جزءا هاما في المتن الحكائي، فقد ابتدأت الرواية بحلم سلمى وهي تقتل صديقتها جميلة، وانتهت بهذيانها أمام طبيبتها النفسية وبين المقدمة والخاتمة حكت ألرواية أحلاما كثيرة .. وفي كل مرة كانت ترجع إلى كتاب تفسير الأحلام أو إلى العمة نظلة لتفسير ما بدا لها بالحلم، ولم تقتصر الأحلام على سلمى بل وجدنا السارد يحكي أحلام شخصيات كحلم حكمت بزوجها جابر يقدمها باقة نرجس ويسلم لبشرى باقة آس ويكون تفسير نظلة أن ( النرجس يذوي قبل الآس لأنه أقصر عمرا منه،وكون جابر أعطاها هي نرجسا في حين أعطى بشرى آسا يعني أنه سيطلقها ويحتفظ ببشرى)19 .. لكن الغريب هو أن كل هذه الأحلام لم تكن تحمل دلالات موجبة، لذلك كان إغماض العين عن قصد هو البديل، فأحلام النوم كوابيس، وطباق الجفون دخول إلى فردوس لا يتطلب الاستمتاع بعه إي جهد،فيكفي سلمى إغماض عينيها وها هي ترفل في الفردوس والنعيم ناسية متناسية كل الهموم والمآسي ...

 

...............................

1 - ص – 82

2 - ص – 218

3 - ص – 81 – 82

4 - ص – 80

5 - ص – 8

6- ص – 23

7 - ص – 60

8 - ص – 79

9 - ص – 69

10 - ص – 196

11 - ص – 56

12 - ص – 193

13 - ص – 96

14 - ص – 96 ش

15 - ص – 141

16 - ص – 142

17 - ص – 142

18 - ص – 143

19 - ص – 59

الحبّ الموعود بين القلّة والكثرة أو بين الأمد والأبد .. قراءة في نصّ سأحبّك أكثر لمادونا عسكر

سأحبّك أكثر...

قالَ يا نجمتي الحبيبة

ماذا سنكون بعد سنين جارفة من الحبِّ؟

قلتُ لا أعرف،

لكنّني سأحبّكَ أكثر...

- سيذوب الشّعرُ

وتبهت الألوانُ

ويعظم المعنى ويخفت زيت القمرْ...

- عندئذٍ سيكون حبّي أكبر

وسأحبّكَ أكثر...

- سترتحل الطّيورُ

ويسكن الرّبيع، ويعبر إلى ضفاف وارفة الظّلالْ...

- وهل بعد عينيك ربيع يزهر، أم ظلال تبشّر الشّجرْ؟

له أن يبلغ خواتمه ولي أن أحبّكَ أكثر...

- للبحر ذراعان ترسمان خطوط الشّفقِ

وللبيادر عينان ترنوان إلى آخر سنبلة تزهو...

- لي ذراعان تمتدّان وسع الكونِ

وعينان تعاينان ما بعد السّماءْ

وسأحبّكَ أكثر...

- للأنبياء زمن يحلّ وينتهي

والإيمان يوماً سيبتهل بحلول المنتهى

والرّجاء سيغنّي سكنى الختامْ...

- لي محبّة من قلبكَ تنهل الهوى

وشوق غزير أنت وعده ونجواهْ...

سيكبر القمرْ

وتشيخ الشّمس ويسكت الأثيرْ...

سيندثر الوقت وينتحب الصّدى

وأنا... السّاكنة في سويداء قلبك الحبيبْ

سأكبرُ وأحبّكَ أكثر...

 

القراءة :

1) العنوان/العلامة..باب الخطاب.. مطلق الحبّ

سأحبك أكثر..

لا يمكن تبيّن كمال المعنى في هذا المقطع الخطابيّ /العنوان إلاّ بتنزيله ضمن السياق الوجدانيّ الرّوحيّ الفكريّ التّواصليّ الذي أنتج فيه..وهو سياق بوحيّ (déclaratif) حواريّ، يتفاعل فيه أكثر من صوت وأكثر من " وجهة نظر "..ولذلك يبدو لنا في حوار والصيغة الاعترافيّة / البوحيّة التّالية :

..."أحبّك.."

وهي صيغة جامعة بين بعد "إخباريّ" من طراز مخصوص يتعلّق بمخاطب هو المقصود بالعلم أو الخبر، وبعد تعبيريّ يرتدّ إلى الذّات البائحة ومدى حاجتها إلى هذا الضّرب من الأقوال "الخاصّة"..ولعلّ من أهمّ ما يميّز هذا القول زمانيّته، من حيث هو قول آنيّ يتزامن فيه التّلفّظ والمحتوى القضويّ المخبر به أو المعلن عنه، باعتباره حالا وجدانيّة تسم علاقة بين الذّات المعرّفة حبّا، والمخاطب موضوعا للحبّ ..فنكون أمام صيغتين بينها حوار مبين عن فارق أو فوارق، هي المقصودة بالإجلاء في النص/الخطاب..

فالأولى (أحبّك) وصفيّة بوحيّة آنيّة متعلقة بتحقّق الحال في الحال(الحاضر)..وهي أربعة عناصر مشكّلة لها :

أ (حاضر)حبّ (أنا)ك (أنت)

أمّا الثّانية (سأحبّك أكثر) فهي متجاوزة للآنيّة (زمن تلفّظ) لتكون وعدا بما هو راهن، ليكون في صورة أخرى (الكمّ..) فنكون أمام ستّة عناصر :

س (استقبال)أ(حاضر) حبّ (أنا)ك(أنت)

وبهذا تتشكّل المقولات التي ستتحرّك في الخطاب وتتفاعل في نطاق هذه الحواريّة البارزة والمبرزة لجملة من الثّنائيّات والأصوات والمراتب الزمانيّة والحاليّة والكمّيّة..

فالمتكلّمة تتماهى حبّا مفتوحا على ازدياد وصعود في سلّم الكمّ (أكثر) في المستقبل، وتتمايز عن حبّ مفتوح على انتقاص ونزول في سلّم الكمّ (أقلّ) في المستقبل..ليكون خطابها في الحبّ وخلافه أو ضدّه، وإن تسمّى باسمه والتبس به، فتنطلق من الحبّ قيمة مشتركة شائعة حالا ولفظا، وتبني أو تعيد بناء بناء القيمة ذاتها بما يجعلها قيمتها هي لا قيمة الآخرين..

ولعلّ هذا المدخل الكمّي التّقديريّ هو من المفاتيح الدلاليّة الجوهريّة للوصول إلى جوهر هذا الخطاب العشقيّ الخاصّ..فعلى محور الكمّ في اتّجاهيه: أقلّ وأكثر، يتحرّك الخطاب الشّعريّ الوجدانيّ ليردّ على حقيقة واقعة سائدة زمانيّة :

سأحبّك أقلّ...

وهذا "الحبّ أقلّ" ينطلق من حبّ أكثر، هو الذروة التي ما فوقها ذروة، وإن توهّم المتكلّم أنّه سيحبّ أكثر، فقالها، بيد أنّ الزّمان لا يحقّقها، فيرتدّ الحبّ ويتناقص ويذبل حتى يتلاشى ويضمحلّ ويؤول إلى اللّاحبّ أو إلى الكراهية، أي إلى ما ليس هو، وليس ضرورة ضدّه، أو هو منقلب إلى ضدّه..وخطاب الشّاعرة واقع في نطاق هذه المقولة الضدّيّة في بعديها الكمّي والوجدانيّ، ومتّجه وموجّه إلى المحور في بعده الإيجابيّ (+) التّصاعديّ، لتفهم الكثرة تكاثرا، أي كمّا (استعاريّا) مفتوحا على ازدياد لا حدّ له، لتكون الكثرة "لا قلّة" في جانب، و"لا كثرة" حين ينفصل الخطاب، وتنفصل الحال عن منطق الكمّ، ليكون الحبّ خارج التّقدير والموازنة والمقارنة..

وبين الأقلّ فالأقل، تناقصا حتّى الفناء (قيم العالم)، والأكثر فالأكثر (قيم المتكلمة في العالم وخارجه/خروجا منه وعليه..) يتجلّى هذا الخطاب/النّشيد في الوعد اليقيني بمطلق الحبّ نفيا للنسبيّ منه والبشريّ مقابل الإنسانيّ/الإلهيّ /الإنسان العاشق كما لم يعشق، ولا يمكن أن يعشق أحد، وإن بلغ في الحبّ مبلغا بدا عظيما..

 

2) انتشار الخطاب..من الأنا إلى كونيّة الحبّ

ينتشر خطاب التغنّي بمطلق الحبّ في ستّ مخاطبات، في بنية حواريّة يتناسب فيها الصوتان حضورا، ويتكاملان وظيفة (قول على قول أو رد على قول...) توضع القيمة موضوع التغنّي على محكّ التّجربة الزّمانيّة (الحبّ والزمان في المخاطبة الأولى..) فالتّجربة الإبداعيّة (الحبّ والفنّ في المخاطة الثانية..) فالتّجربة الوجوديّة (الحبّ والوجود في المخاطبة الثالثة..) فالتّجربة الكونيّة (الحبّ في الكون في المخاطبة الرابعة..) فالتّجربة الإيمانيّة (الحب والإيمان في المخاطبة الخامسة..) وينغلق الخطاب بوصل تجربة الحبّ بالأبديّة، نفيا لكلّ نسبيّة، وتحقّقا في مطلق الحبّ (في المخاطبة السّادسة..)...

 

3) حواريّة القيم .. نزوعا إلى المطلق

تواجه الشّاعرة في هذا الخطاب الوجدانيّ القيميّ الإيمانيّ نظاما للقيم محكوما بالزّمانيّة وقانون الصّيرورة و"استهلاك" العواطف وخضوعها لمنطق "التّجدّد" والسّعي المحموم للتّنوّع نشدانا لما يملأ النّفس، ويبدّد حيرة الحائر وخوفه :

 

ماذا سنكون بعد سنين جارفة من الحبِّ؟..

وفي منطق الزّمان والواقع سيكون الفناء والعدم، إلاّ أنّ صوت المتكلّمة يرتفع نقضا للعدميّة وانتصارا للحبّ سبيلا إلى الأبديّة، وتغلّبا على قوانين الحياة والواقع والمادّة والجسد...

وهكذا يكون الحوار حوار قيم و"وجهات نظر" بإزاء معضلات الوجود الإنسانيّ، وأكبرها ما تعلّق بالمعنى والمابعد :

وهل بعد عينيك ربيع يزهر، أم ظلال تبشّر الشّجرْ؟

...........................

وعينان تعاينان ما بعد السّماءْ...

والشّاعرة المتكلّمة، إذ تحاور المخاطب، تجيب عن سؤال الحيرة وسؤال المعنى وسؤال الغاية وسؤال المستقبل وسؤال الغيب..كلّ ذلك في سؤال الحبّ، بين النّسبيّ والمطلق، والعابر والدّائم، والزمنيّ والأبديّ، والمنحدر والصّاعد، والقليل والكثير، والفقير والغنيّ، والمنتهي أبدا والمبتدئ أبدا، والبشريّ والإلهيّ..لتكون صوت الحبّ /صوت الرّبّ يعلّم الإنسان كيف يحبّ وكيف يجد السّبيل إلى الحبّ الأكمل..

 

4) الحواريّة..بين الانفصال والاتّصال..

من أبرز وجوه تعدّد الأصوات في هذا النّصّ/الخطاب، قيامه على حواريّة صريحة مباشرة، يؤطّرها تلفّظا، صوت المتكلّمة/الشّاعرة حاكية ناقلة، وطرفا رئيسيّا في بناء هذا الكون العشقيّ الموعود..ولا يمكن وصف صوتها منفصلا عن صوت المخاطب، لأنّه يشاركها موقع المتكلّم بما تحكيه عنه، لتكون مخاطبة، في هذا التّبادل الكلاميّ المتعدّد الأبعاد..وفي هذا التّداول على الموقعين ما يعكس العلاقة المتغيّرة بينهما، فهو إذ يسأل ويصف ويستبق، يستفزّ ذهنها ووجدانها، فتجيب بما ينفي ما هو مدار الحيرة والخشية..ولذلك فهي المعلّمة المُعْلمة العليمة المطمئنّة إلى نظام قيمها وإلى القيمة المركزيّة فيها (الحبّ) وإلى قدرتها على الحبّ في الدّرجة المنتظرة أو المشروطة، لتكون في تمام العشق..أمّا المخاطب، فهو موضوع العشق، وطالب مطلق الحبّ، والمستفزّ لخطاب هذا الإطلاق..ولم لا نعدّ الصّوتين صوتا مقوليّا واحدا فيه هذا التّردّد بين النّزعة والنّزعة، وإن غلبت إحداهما.؟ ولم لا نعتبر الحواريّة أسلوبا فنّيّا لعرض المواقف ووجهات النّظر بشكل دراميّ أقرب إلى صدق الحقيقة الواقعة؟...خصوصا وأنّ في هذين الصّوتين (المخاطب أساسا)ما يتّسع للقيم العامّة/الجماعيّة، وهي تحاور القيم الفرديّة الخاصّة...

 

5) الاستقبال..اليقين..الأبد

هذا الخطاب مؤطّر زمانيّا بالحاضر زمانا للتّلفّظ، وبالمستقبل القريب والبعيد فالأبعد، حتّى منتهى البعد..ويمثّل هذا الزمن المفتوح غيبا للكشف وسرّا منغلقا مستعصيا تسافر إليه النّفوس لتراه، أو تطلب من يراه، فتتساءل وتسأل:

ماذا سنكون...؟

ويقترن هذا الاستفهام (المستقبليّ) في سلسلة "الأحداث" المستبقة، بيقين ووثوق ممّا سيحدث ولا ردّ له، لأنّه من المعارف خبرة وقياسا على الماضي، وكلّ حاضر ماض، وكل مستقبل ماض بالقوّة، وإن لم يحلّ..وهكذا يختزل الصّوت، صوت المخاطب، منطق الصّيرورة والانقضاء، فتتراكم الصّور "الاستعاريّة" المتضافرة تكثيفا لمعنى الفناء في الطبيعة والفنّ والتّاريخ والرّسالات :

سيذوب الشّعرُ

سترتحل الطّيورُ

سيبتهل بحلول المنتهى

والرّجاء سيغنّي سكنى الختامْ...

سيكبر القمرْ

سيندثر الوقت وينتحب الصّدى...

ومقابل هذه "السّين" العدميّة النّاظرة إلى وجوه الانقضاء والقلّة والفناء، تبرز"سين" مبشّرة بمطلق الحبّ، قيمة لاغية لكل القيم، حالّة محلّها، نافية قوانين الطبيعة والتاريخ والأشياء، في صيغة متواترة، عنوانا ولازمة، باعثة الشعور باليقين والحاجة إلى تجديد المفاهيم وتبنّي وجهة نظر عشقيّة شاملة، منقذة من ضلالات الزّمان، ومن تيه البحث عن المعنى :

وسأحبّكَ أكثر...

 

6) الذّات المتكلّمة..الإيمان بالحبّ..الحبّ الإيمانيّ..

تبرز الذّات المتكلّمة في تماه مطلق والمتلفّظة، صوتا جوهريّا بارزا من خلال حضور مهيمن لضمير المتكلّم (أنا) يصوغ خطاب الواثق المخبر عمّا وقع ويقع وسيقع، في نبرة بادئة بادية وكأنّها اللاّعلم :

لا أعرف...

وهذا عمل النّفي الوحيد في الخطاب، وهو نفي غير حقيقيّ ، لأنّه لا يتعلّق بجوهر الموضوع بل بصورته وهيأته، ف"الحبّ أكثر" أمر ثابت يقينيّ في المستقبل، لكنّ الذّات العاشقة لا تدركه فعلا، بل تؤمن به حالا حاصلة في المستقبل لا محالة..فينتفي اللاّعلم ليحلّ محلّه علم اليقين..وهو علم مأتاه كفاءة روحيّة عالية، وروح عاشقة وبالغة في العشق مقاما رفيعا متساميا عن آثار الزّمان وتقلّبات المزاج والهوى وما يطرأ على النّفس من النّزعات والنّزوات...

لذلك أتي الخطاب في صيغ إخباريّة محكومة بمنطق التّحقّق في المستقبل، ممّا يعكس رؤية استباقيّة يقينيّة، ليست النبوءة بقدر ما هي الإيمان العشقيّ أو العشق الإيمانيّ المنغرس في صميم الكيان انغراسا تكوينيّا متمكّنا...

 ولا معنى لهذا الخطاب من وجهة نظر المتكلّمة إلاّ من خلال منزلة المخاطب والعلاقة القائمة والقادمة بينها وبينه..فكلّ العمليّات الخطابيّة موجّهة إليه، مركّزة عليه..فهو المدشّن للحوار، والدّافع لحركته، والمتيح للمتكلّمة أن تبني وجهة نظرها القيميّة العشقيّة، وهو المقصود بالنّجوى والعشق..ولا يظهر إلا ضميرا مخاطبا أو متكلّما، ليس فيه من الملامح ما يتيح تحديد كيانه وهويّته..ونحتاج إلى خطاب المتكلّمة /الشّاعرة لنعلم أنّه المحبوب الأجدر بمطلق الحبّ، مجرّد هو من سمات البشريّة، أقرب إلى سمات الرّبوبيّة..وكلّ هذا من آثار الكفاءة الموسوعيّة والثّقافيّة والإيديولوجيّة للشّاعرة، تلك الكفاءة التي بلغت بها هذه المماهاة بين الله والحبّ...

ومن خلال كلّ ذلك هي قاصدة إخراجنا من حال النّقص والحاجة والفقر والضّحالة، إلى حال الكمال والامتلاء والغنى والمعنى..

عشق وحلم قراءة في ديوان ليلى حتى الرمق الأخير للشاعرة اللبنانية سوزان عون

rasha ghanimيجسد ديوان "ليلى حتى الرمق الأخير"المحطة الثانية للشاعرة اللبنانية سوزان عون في مشوارها الإبداعي بعد إصدار ديوانها الأول"إليك الرحيل فاذكرني".

يتكون هذا الديوان من إحدى وأربعين قصيدة، تشع منهن طاقة نورانية من الحب تبثها الشاعرة في ثنايا قصائدها ؛ لنشعر بعبق الحياة وطلاوتها في ظل هذا الكائن العجائبي، الذي تتوق له كل نفس، ويهفو إليه كل قلب، حيث تستند إليه الشاعرة كحلقة وصل تربطها بالعالم من حولها.

وتفيض الذكريات في قصائد الديوان، وتنبئ عن نفسها من خلال محورين رئيسين هما:الأول، ملحمة العشق الخالدة التي ما زالت تنبض بين جوانحها، وقد تصدَّر هذا المحور أغلب قصائد الديوان مثل ما نجده في القصيدة التي تحمل عنوان الديوان "أنا ليلى حتى الرمق الأخير"وقد ترجمت هذه القصيدة للغة الإنجليزية وضمت إلى الديوان.وقد بدأت بضمير المتكلم المنفصل "أنا" لرصد واقع الذات الشاعرة وتمثلها للأنا بصورة معمقة لكل مشاعر النفس الإنسانية.تقول من القصيدة ذاتها:

سأهدمُ كلَّ الجدرانِ التي هزمتْ هجماتِ ليليَ الأسودِ. / فأنا والنّجومُ أحبّةٌ ومن أعلنتِ الحربَ عليكَ في البداية / وها هي الخطوبُ تتسارعُ كنيزكٍ / فرّ رجماً لمحنةٍ، ولأعلنكَ بعدها ملكاً لأوجاعي. / لا تلحقني وانظرْ خلفكَ. / هطلَتْ من اسمي أيقوناتٌ، طرنَ كليلٍ حالمٍ سِكّير / وبعدها تسألُني من أنا؟ / عدْ لمهدكَ الترابي وانهلْ منه حتى تشبع.

تريد الشاعرة أن تطلق لنفسها العنان، حتى تتحرر من قيودها وأغلالها التي تمنعها أن تحلق كطائر أسكرته نشوة الحب؛ لأنها ليلى الحالمة كأنها تستدعي كل حكايات العشق التي بطلتها ليلى، وأشهرها ليلى وقيس بن الملوح الذي اشتهر بمجنون ليلى، والذي ترك لنا أشعار حب كثيرة لمعشوقته ليلى، نتغنى بها إلى وقتنا هذا فهي ستهرب من تلك الجدران التي تحيط بها لترنو مع النجوم في ليل حالم ؛، تاركة ستترك خلفها سرابيل من أوجاع دثرها لها رجل، لم يكترث أنها جسد وروح معًا، فالمرأة كائن رقيق تريد من يتفهمها، لا من يقمعها ويشعرها بأنها كائن بلا قيمة..

وأيضا تعمّق في قصائد أخرى منها قصيدة قرابين العشق تقول: لن أحزن!! / ولستُ حاقدةً على تاريخي / ولا على أشواقي. / فقلبي لا يرتادُ دهاليزَ مظلمة، ولا يرتوي من بحارٍ مالحة / ولا يراودُ الحياة عن نفسها، فأنا من تربة سقاها حلم الصباح. / خَطّ َعلى جبينها اسمي / فتكحلتْ كعروسِ الفرات الخصيب / ... اسمع أيها الآدمي. / أنا شوكةٌ داميةٌ في خاصرة الحصاد، / أبرعُ كما نسائم الساكنين على رمشك. / متوردةٌ أنا في حشاشة الصّبا، / يقتبسُ مني كلّ المجادلين في أزليّة الحب. / فيخفقون، / وأنتصرُ أنا / وأنتصرُ أنا. / وينهزم العدم، / فخذْ من حرفي حتى ترقى.

نتنسم من القصيدة نبضات حالمة لكل ما تتوق إليه الشاعرة من الحظوة بالحب، وجاءت الألفاظ"أشواقي، قلبي، تكحلت / كعروس، متوردة، الصبا" تؤكد أنها ستعيش للحب مهما صادفت من آلام مبرحة تعوق مسيرتها إليه، وستنتصر وسيخفق كل من يخالف دربها، وجاء أسلوب التكرار " وأنتصرُ أنا / وأنتصرُ أنا؛ ليكثف المعنى ويعمق الدلالة ؛لأن التكرار يعطى دفقة شعورية تستجلي أحاسيس الشاعرة وما تحس به من زهوة الانتصار الذي ترويه من نبع قصائدها السامقة.

وأيضا في قصيدة "غريبة بين الوجوه " تقول: لا يعلمونَ بأنْ الجسدَ ارتفعَ والروحُ / لا زالتْ حولنا تحوم. / يرحلونَ ويزرعونَ دروبنا اشتياقاً / وذكرياتٍ ودموعاً في عبر. / تومض صورهم كنجوم في ليل طويل. / تجتاحنا أشياؤهم / ألوانهم / أصواتهم / صورهم / كلماتهم. / نتألمُ أكثر حين نحتاجُ صِدقهم وحديثهم. / فما أصعب إفراغ الذاكرة منهم. / رحلوا وتركوا بصماتهم حيّة تنبض فينا / ما أوجعها.

تستحضر الشاعرة الفراق بكل عذابه وشجونه، فما أقسى فراق الأحبة! فحرقة الأكباد من سقم الحب،، وألم الوجد تجتاحهما مشاعر الفراق المضنية التي تجعل الإنسان يتذكر كل شىء لمن يحب، فهل سننجح في إفراغ الذاكرة منهم؟، فالذكريات هنا تصبح كالبصمة التي تطبع في نفس كل موجع أضناه الحب .

وأيضا قصيدة"ليوسف" تقول:إن تشبّهتُ بيعقوبَ الملك، / ستأتي سنون الخصبِ سريعاً، / وستسمنُ البقراتُ العجافُ ثانيةً / بعدها سأحملُ معي / كلَّ القمحِ الذي حفظتُه في سنابله. / وأدسُّه في أروقةٍ محايدةٍ / ما قبل السفرِ لِيختمر. / وأقدّسُ المكانَ ككعبةِ الوجدِ عِندَ زليخةَ الطاهرة، فأتحررُ. / يا يوسف، / لا جدوى من شمسٍ إنْ لم تهبكَ احتراقاً. / وتطغى سُمرتُها على القصائدِ عزّاً واقتراباً.

ترتوي الشاعرة هنا من نبع فياض ثمثله قصة يوسف في القرآن الكريم التي تناصت معها شكل ومضمون القصيدة فالعنوان "ليوسف"تختزل فيه قصة يوسف بروعتها وسلاستها، وقربها إلى النفوس لما تحمله من قدسية وطهارة، وجاءت العبارات"يعقوب الملك، سنون الخصب، كل القمح الذي حفظته في سنابله، كعبة الوجد، زليخة الطاهرة، يا يوسف...تكثف المعنى وتعمق لكل قيم التضحية والصبر والتفاني والطهر التي تغتسل منها كل أدران النفس الإنسانية.

وتستجلي تلك المشاعر الفياضة أكثر في قصيدة"المسرح باهت" تقول: أهٍ ما أوجَعَها، / وألفُ آهٍ ما أجَمَلكَ. / وآهٍ تخرجُ مَعَها زفراتُ الروحِ شوقاً / لضمةٍ وعناقٍ ما التمستِ الروح قدسيّةً مِثلهُما.... / حاربني بِكلِ ما أوتيتَ من قوةٍ. / صارعني، اهزمني / فالهزيمةُ بين يديكَ علوٌ وانتصارٌ... / سأغرزُ إغرائيَ فيكَ بكلِّ ما أوتيتُ من أنوثةٍ. / وأتقلّبُ بينَ ناظريكَ كهاربةٍ مجرّدةٍ من أوراقي.

تمتلك على الذات الشاعرة هواجس كثيرة فلا تجد متنفسًا لها غير نبضات كلماتها تبث فيها ما تشعر به من هواجس، وسط جو من التوتر والقلق وأشياء كثيرة تحاول أن تعبر عنها، وتتكرر الآهات " أهٍ ما أوجَعَها، / وألفُ آهٍ ما أجَمَلكَ. / وآهٍ تخرجُ ...، لتكثف من آلامها وعطشها لحب جارف يصرع مشاعرها ولما لا وهي أنثى تمتلك كل أسلحة الأنوثة القادرة على إغواء الرجل؛ لأنه في عينها وطن بكل ما تحمله الكلمة، وبوح كائن في أعماقها تسطره لنا بخطاب مشحون بأحاسيس عمرها . فكان خطابًا مفعما بكل ما تكنه من آلام ومعاناة تنبض بداخلها.

تستكمل هذا المعنى في قصيدة "استقّلت الفجر يراعا" تقول: أنتَ في عينيّ وطنٌ / تَبَتّْلْتُ في مِحرابِه فاستوى بعدها صوتيَ المغرم / كنْ لبوحي حبراً أزلياً / لحينَ موتي / لا يلينُ ولا يُعدم / ... سردي هذا خطابٌ مثقلٌ بالشجن، / أهَمّهُ الرحيلُ، فاعتكفَ كمريم.

ودلالة لفظة"مريم"هنا تستحضر القديسة مريم بكل ما تمثله من طهرها وعفافها واعتكافها في محراب الذكر الإلهي، ولكن ذكر الشاعرة هنا هو سردها النابض بانفعالات عمرها، وأشواقها المكتوبة في لحظة انكشاف، وبوح لرغباتها الدفينة المتحررة من الخوف .

أما المحور الثاني: هو "الاغتراب" فالشاعرة هنا لم تكن تقليدية مشغولة بمحور ذاتها فقط بل حداثية قد عايشت مرحلة الاغتراب المعاصرة، ومعاينة الأسئلة والهواجس الكبرى التي تؤرقها وتشعرها بالاغتراب عن الذات، والآخر، والاغتراب عن المكان، فنجد لها القدرة على التعبير عن خصوصية هذه التجارب الإبداعية وعلاقتها الواعية بالوطن. وهذا الوطن واقعه ما زال يئن من جراء أحداث كثيرة وما أقسى أن يكتوي المغترب بأنات وطنه وهو بعيد عنه.

يكثف الاغتراب حضوره في قصيدة "كأنني كنت هنا" تقول: منْ يعرفُ زوايا الاغتراب، / وعجنَ الرحيلُ ذاكرتها مثلي. / كأنني كنتُ هنا / أو كأنني ولدتُ هنا / لا، هناك. / وتاهتْ خلفي خطواتي / وتاهَ دربي الذي تأرجحَ بين دروب العمرِ / وما عادَ يزعجني. / ... أزّفُ روحي للحريةِ كلّ مساء / وأرقبُ أسرابَ المغادرين والعائدين. / لا يقلقني الغد / ولا الموت ولا تلك المسافات الفارهة / التي بيني وبين المستقر. / لا أضجر ولا أيأس / ففانوس الحلم في يدي / وسندباد رحلتي لم يقلع بقاربي بعد.

فالشاعرة المقيمة في استراليا بعيدة عن نسمات وطنها الحبيب، تحلم به في كل زفرة من أنفاسها، أضحت لا تأبه الموت، ولا يغتالها الضجر أو اليأس، فما زالت ترقب أسراب من الناس تذهب عنه وتأتي إليه، وجاءت لفظة "أسراب "لتعبر عن محنة الوطن وما يموج به من قلق واضطراب وأحداث دامية، يقبع فيها إلى الآن، ولكن ما زال الأمل معقودا طالما الحلم موجود لغد أفضل إشراقا لوطننا الجريح. من قصيدة " ترنيمتي إليك تقول: أحلمُ بأجراسِ مدينتي تقرعُ في ليالي اللقاء، / ترفعُ الغربةَ عن الصدرِ المتعطشِ لحضنِ الوطن. / تُصدِرُ أصواتاً كأنّها أغرودات المشتاقات لحبيبٍ تأخر. / هذا نحنُ يا وطني، لا زلنا تلكَ السفن التي تحنُّ لمرافئك يوماً ما. / نحلمُ بسمائكَ الزرقاء خالية من غيوم سوداء. / نرنو لحقولكَ المترعة بمواسمِ الحصاد، / ونبتسمُ لزهرات متورداتٍ حانيات. / هذا نحن يا وطني. / تُسَيّرُني النُجُوم إليكَ، / لأبلُغَ مَدَارَك المزروعَ بالنور. / فعلّمني قراءةَ خواطرِك. / تُسامرُني النغماتُ لأكونَ لحناً جميلاً / في ترنيمتي إليكَ.

وما زال الحلم ديدن الشاعرة تريد وطنًا تزهو حقوله لاستقبال المتنزهين، وتبسم زهراته في أعين المارين، فالوطن حضن لأبنائه وبلسم لمن عزَّ شفاؤه، يتداوى به كل صدر متعطش لحضن الوطن الدافئ.

؛من قصيدة "بالله عليك قل لي" تقول: متى ستجتاحك عاصفة الأمان والسكينة يا وطني؟ / متى يلّف مطر الحب / قلوب أهل بلدي؟ / متى ترتفع في سمائك مظلات / الفرح والحنان؟ / متى تقف سفن الراحلين عن مغادرة أرضكَ وتُنْزلُ أشرعة الفراق؟ / قل لي بالله عليك متى يا وطني؟!.

ونختم بلسان حال كل شاعر يلهج بذكر وطنه والدعاء له، وتشاركهم الشاعرة داعية أن يمن الله بالأمان والسكينة على وطنها الغالي، ويضحى وطنا بلا حروب، بلا ضغائن، تمطر عليه سماء الحب، وتنتشر زغاريد الفرح والسرور، وكل مفارق يعود، وتأتي التيمة الدلالية الخاتمة للقصيدة" قل لي بالله عليك متى يا وطني؟!"؛لتعمق المعنى وتكثف الدلالة، وتختزل كل ما يجيش بخواطرنا، وتنشغل به أذهاننا بكل ما يحفظ كرامة هذا الوطن الحبيب.

تعتمد القصيدة النثرية ذات الشعرية المسرودة هنا على حكي موسوم بفيض من المشاعر العطشى للحب، قصيدة النثر هنا سيمفونية، تعزف على أوتار الحب؛ لترصد لنا أنشودة مفعمة بالحيوية والنشاط والدهشة، نسجتها الشاعرة بحرفية متقنة في كل شبكات القصيد، ونقول للشاعرة ما زال إبداعك لم ينضب بعد!

 

د.رشا غانم

مدرس النقد الأدبي- الجامعة الأمريكية-مصر.

 

ضوء على رواية شاكر الأنباري"أنا ونامق سبنسر"

jasim alhalwaniفي قراءة الكاتب زهدي الداوودي لرواية "منازل الوحشة" للكاتبة دنى غالي، وعند إشارته إلى انشداده لأجواء الرواية وأهمية ذلك، استشهد بقول الناقد الألماني مارسيل رايش – رانيسكي في كتابه "من يكتب، يستفز" والذي جاء فيه: "إن الروائي مسموح له كل شيء على الإطلاق، وعلى سبيل المثال، يمكنه أن يقوم بمخالفات ضد المنطق أو ضد الذوق السليم. فقط شيء واحد غير مسموح له مهما كانت الأعذار: هو أن يبعث الملل في نفس القارئ".

إنني أشهد بأن رواية الكاتب شاكر الأنباري "أنا ونامق سبنسر"، التي لم تخل كلياً من أمور غير منطقية، وأخرى تخدش الحياء العام، لم تبعث في نفسي الملل ، بل وأمتعتني كذلك. وربما أن أحد أسباب ذلك هو أن لديّ معرفة وعلاقة حميمية بالأماكن التي يرد اسمها في الرواية. فقد أقمت في جميع المدن والعديد من المناطق التي مر بها بطل الرواية بما في ذلك كردستان وسوق قاسم رش على الحدود العراقية - الإيرانية وكرج وكوجه مروي في إيران، هذا فضلا عن طهران ودمشق. وقبل هذا وذاك، بغداد عاصمة وطني الأول، و كوبنهاكن عاصمة وطني الثاني. والمدينة الوحيدة التي لم أقم فيها هي ساو باولو في البرازيل. ولكن السبب الأهم لاستمتاعي بالرواية، هو أن الرواية تتناول شأناً وظاهرة سياسية وإنسانية عامة تجلت بقوة في العراق. وهذا ما شجعني على الإدلاء بدلوي في إلقاء الضوء عليها.

أنا على قناعة بأن الرواية الناجحة، إضافة إلى كونها لا تبعث الملل عند القارئ، فهي تلك التي تتضمن موضوعاً رئيسياً وتبعث برسالة. وسأتوقف عند هذا الأمر لقربه من ميدان اهتمامي كناشط سياسي، علماً بأنني لست بناقد أدبي وإنما قارئ عادي يتذوق الرواية أكثر من أي لون آخر من ألوان الأدب.

أعتقد بأن رواية الروائي شاكر الأنباري تتضمن موضوعاً سياسياً وإنسانياً مهماً، ألا وهو الأمن والاستقرار وأهميتهما الحيوية بالنسبة لحياة الإنسان والشعوب. ويشير الكاتب في سياق الرواية بأن هذين العاملين المذكورين لا يكتسبان طعمهما الحقيقي إلا عندما يتوفران في الوطن الذي ولد الإنسان فيه وترعرع في كنفه. وهذه الفكرة هي رسالة الرواية، على ما أعتقد، وكما سنرى لاحقاً.

إن بطل الرواية الذي أنهى دراسته الجامعية وصديقه نامق مدرس التاريخ، يهربان من بغداد ويصلان إلى إحدى قواعد الأنصار، وذلك لكي لا يتحولا إلى وقود لحرب عبثية هي الحرب العراقية - الإيرانية. ويترك الصديقان قاعدة الأنصار، قبل أن ينخرطا في الحركة الأنصارية، ويخرجا من العراق، ويصلان إلى الدنمارك عبر طهران ودمشق، مجتازين صعوبات جمة، وينضم إليهما نادر الذي يصادفوه ويصادقوه في مخيم كرج في إيران.

يلاحظ أن بطل الرواية الرئيسي تتنازعه نزعتان الأولى: "كوزموبوليتية، "أي نزعة إنسان لم يعد ينتمي إلى مكان بعينه.... إنساناً كونياً" ص 22. وهذه النزعة تجد تعبيرها أيضاً في البيتين من الشعر التي تتصدر الرواية وهي للشاعر الصوفي محي الدين بن عربي المتوفي في عام 1240 ميلادية والتي تقول:

رأى البرْقَ شرقيّاً، فحنّ له     ولو لاحَ غربيَّاً لحنَّ إلى الغربِ

فإنّ غَرامي بالبُرَيْقِ ولمحِهِ   وليسَ غرَامي بالأماكِنِ والتُّرْبِ

ويؤكد الراوي هذه النزعة الكزوموبوليتية بتقييمه الإيجابي للهجرة واللجوء، والإيحاء إلى عالم يجمع، من خلال الظاهرة المذكورة، مختلف الأقوام والأعراق والديانات. فيذكر البطل ما يلي:" أعتقد أن رؤية مثل هذه، وبوجود عشرات الملايين من المهاجرين من القارات هي ما يصنع الحضارة الكونية الجديدة، أي الحضارة المتعددة الأسماء، والأديان، والأطعمة، والألوان واللغات... والهجرة أصبحت عنواناً لحضارتنا الحديثة...الخ" ص 26 و 13.

يتحدث الراوي وكأن الهجرة ظاهرة جديدة، وهي ليست كذلك. فإذا ضربنا صفحاً عن الهجرات لبناء عالم جديد في أمريكا واستراليا ونيوزيلانده، وعرجنا على الهجرات بسبب الحروب والثورات والقمع في العصر الحديث، فسنلاحظ الكثير من الهجرات خلال القرنين الماضيين. وقد حدثت هذه الهجرات منذ أواسط القرن التاسع عشر حيث اندلعت الثورات في العديد من الدول في وسط أوربا وهاجر في حينها الكثيرون، ثم كومونة باريس 1871 فالثورة الروسية الفاشلة في عام 1905 لتأتي بعدها الحربين العالميتين الأولى والثاني. لقد خلفت كل هذه الأحداث الكثير من موجات الهجرة واللجوء واندمج الكثير من المهاجرين مع مرور الوقت، وتعاقب الأجيال، بمجتمعات دول اللجوء. إن أحد أحدث مظاهر الهجرة هي هجرة العراقيين الكثيفة في العقود الأخيرة، وهذا ما يشير إليه الكاتب أيضاً.

أما النزعة الثانية التي تتقاذف بطل الرواية، فهي الحنين إلى أجواء الوطن، حيث بقي العراق همه الذي لم يتمكن التخلص منه ص 57. فهو يعيش في بلد يوفر له الاستقرار والأمان والعيش الكريم مع ضمان اجتماعي وصحي، ومع ذلك يطلق زوجته ويترك طفلتين لا يتجاوز عمرهما الثلاث سنوات، وهما بأمس الحاجة إلى حنان أبيهما. ويتوجه بطل الرواية إلى البيئة المشابهة والقريبة جداً من الوطن (سوريا)، قبل سقوط النظام الدكتاتوري، ثم يقيم في الوطن بعد سقوط النظام، ويعمل مترجماً من الانكليزية في إحدى الصحف.

ويعود بطل الرواية من جديد إلى الدنمارك بعد عقد من الزمن. وهنا يلتقي بصديقه نامق الذي يعاني من اليأس وفقدان الاهتمام بشؤون العراق، وقلقه من مرض ابنته المصابة باللوكيميا، حيث تؤكد الفحوصات أن لا شفاء لها. أما صديقه الآخر نادر، والذي أقام عنده الراوي، فقد طلق زوجته البولونية المدمنة على الكحول والسهرات. وفي هذا البيت تربت أبنته كارين التي انحرفت هي الأخرى عن الطريق القويم وأخذت ترافق المنحرفات. وظل نادر يفتش في المزابل على أجهزة وسلع تركها أصحابها لسقوط موديلاتها أو لقدمها (تلفون، مسجل، سجادة، كومبيوتر و..الخ) ليبيعها في بولونيا. وهكذا يصاب البطل بخيبة أمل، وتتعمق خيبة أمله بعد تسريحه من عمله فيقول: "شعرت أنني غريب تماماً. هذه مدينة ليست مدينتي، لم أعش طفولتي فيها، ولا أعرف أصدقاء المدرسة فيها. هذه مدينة تعتقد أنني مختلف، ولا أنتمي إليها" ص 121. فأخذ بطل الرواية يفكر بالعودة إلى العراق.... إلى أرض العنف والدمار. إن الحافز الكبير لعودته جاء نتيجة لتنكر ابنته الكبرى نجمة أبوته من خلال قصة كتبتها وأرسلتها على بريده الإلكتروني. وقد أبدع الكاتب في تأليفها أيما إبداع، ومما جاء فيها: "...لكنك لست أبي، لأنني لا أعرفك. لم تقل لي تصبحين على خير حين أنام في السرير، ولم تشتر لي هدايا رأس السنة، كل الآباء هنا يفعلون ذلك. كما لم تعلمني الحساب واللغة، ولم توصلني يوما إلى مدرستي، لذلك لا أصدق أنك أبي ... لماذا لم تشتق لي، وكأنني لم أكن موجودة في حياتك! ... لا أحتاج إليك. عد من حيث أتيت، لا أريد أن أراك مرة أخرى".

وقد تحمس بطل الرواية للعودة إلى العراق، عندما كلف بكتابة ملف عن العنف لجريدة الأخبار التي تصدر باللغة العربية في الدنمارك ويرأس تحريرها مراد قامشلي. وذهب ليعيش في بغداد وسط الانفجارات والبارات! ويقيم علاقة حب مع سُرى وهي امرأة متزوجة و في نفس الوقت موظفة وعشيقة صديقه سامر الذي آواه وساعده. وعندما تنكشف العلاقة يطرده سامر وتقطع الحبيبة علاقتها به. وتتوقف الجريدة في الدنمارك عن الصدور فتنقطع عنه المنحة. ويتفضل عليه صديق قديم في الإقامة في أحد البيوت وحيداً في حر تموز وينتظر حوالة من أخته ليعود إلى الدنمارك. وهو في تلك الحالة في بغداد يشعر بالغربة والضياع.

وهنا تتجلى قمة مصداقية الكاتب، حيث يتعرى تماما متحدياً كل من يلومه في هذا الكون عندما يقول: "في الحقيقة أنني لم أعد بقادر على الاستقرار في بغداد فقط، بل في كل مدن العالم. خمسة وعشرون سنة من الفراق حولتني إلى مواطن يكره بلده. فحين تجد أن بلدك لم يعد ممكناً العيش فيه، ألا تكرهه في النهاية؟ ألا تمتلك الحق بكرهه؟ إن لم نقل تكره العالم كله. وتكره الحياة، وترغب في مغادرتها سريعا؟" ص139.

ما وصل إليه بطل الرواية من يأس وجزع وقبله بطلّي الرواية الآخرين نامق ونادر، يؤكد أن استقرار وأمن البلد، الأمن من جميع النواحي، هما الضمان لعدم تشتت أبناء البلد وضياعهم من جهة، وحبهم لوطنهم وتشبثهم به والدفاع عنه من جهة أخرى. وهذه هي رسالة الرواية الرئيسية، وهي ليست رسالة وطنية فحسب، بل وإنها عالمية أيضاً. وهناك إلى جانب الموضوع الرئيسي، هناك مواضيع و رسائل وعبر أخرى غير قليلة في الرواية، فعلى سبيل المثال : الحب، الخيانة، الوفاء، العنف، الموقف من العمل،الهجرة، والأبوة، فهنيئاً لمؤلفها على هذا المنجز. وهنيئاً لقراء العربية لحصولهم على رواية أخرى جديرة بالقراءة.

الموتُ حياةٌ قراءة في ديوان "الموتى يقفزون من النافذة" للشاعر المصري فتحي عبد السميع

rasha ghanimالموت يرتبط ارتباطًا وثيقًا باكتشاف معنى الحياة؛ لأن إشكالية الفناء في الفكر المصري القديم تكمن في ثقافة الموت التي أوجدتها الثقافة المصرية التي تمثل أسلوب حياة، وفي ديوان "الموتى يقفزون من النافذة" للشاعر المصري فتحي عبد السميع نجد فى جدلية الموت خيطين متشابكين في آن واحد نسجهما الشاعر بحرفية متقنة، الخيط االأول، يحمله معنى الديوان الذي يمثل فورة من فورات البهجة والانبساط، وخفة الظل، كأن الموت أضحى غير مزعج لنا نستقبله بكل ارتياح، وندنو منه دون خوف، ونسرع إليه دون بطء، أما الخيط الثاني، فيجعلنا ندرك أن الموتَ حياةُ كل مهمشٍ يعيش على أرض هذا الوطن، فعندما نتأمل التيمة الدلالية لكل مفردة تدل على الموت من خلال الديوان نعي أن ثمة أشياء أخرى تُسرع في موتها قبل أوانه الفعلي، حيث تتراءى لنا من خلال النماذج الشعرية للديوان مهمة الذات الشاعرة التي تكشف عن خباياها من الخوف والقلق والضياع للهُوية التي أضحت مهترئة من جراء كل أدوات الموت التي يصنعها الآخرون، وقد أصبحنا نئن من واقع مأزوم يضمُ كلَ أساليب القسوة والإهمال، والاغتراب والتمزق، والتهميش، فالموت حياة لكل إنسان لا يتفاعل مع مجتمعه، ولا يشعر بمكانة فيه، فتتشابه لديه كل السبل والموت واحد.

ضم الديوان قصيدتين إحداهما جاءت في الإهداء، والأخرى في الختام بالإضافة إلى ست وعشرين قصيدة أخرى، وزعت على ستة عناوين رئيسية هي: طُعم لاصطياد الروح، ليلة في عروق أخرى، رفرفةُ العصافير، رموز في سلة الخضار، جنازةٌ هادئة، ، وكأي ميت"

يقول الشاعر من قصيدة عيد الحب:

في عيدِ الحُب / لم ألتقِ إلا بقاتلٍ / يَفُكُّ بندقيتَه / ويَغسلُها بالزيتِ والقَسوَة / يُطهِّرُ الفوَّهَةَ مِنَ الصرخات / والزنادَ مِن تَطَفُّلِ الندم / لا يَنسَى أبدا / فَراشةً غافلته في ليلةٍ كهذِه / ونامتْ في فِراشِ طَلقَة / كادَ يَخسَرُ صِيتَه / حين ضَغَطَ على الزِّنَادِ / فانْطَلَقتْ فَرَاشة / ابتَسَمَ القتيلُ / لرفرفةٍ قبًّلتْهُ في الظلام / وعَبَرَ الكَمينَ بقلبٍ سَليم.

الموت هنا حمل كل معاني القسوة في معاناة الإنسان الضعيف، من تجبر القوي الذي انعدمت لديه كل قيم الإنسانية، وعيد الحب الذي نعرفه يكون عيدا ملونا باللون الأحمر، لون الزهور التي نعهدها في مثل هذا اليوم، ولكنه أضحى عند القاتل استعدادا لضحية جديدة التي نجت من براثن بندقيته هذه المرة، بفضل فراشة نامت مكان طلقته، وبكل حب قبَّلت الضحية، وكأنها رحيمة به عوضا عن رحمة هذا الإنسان المتجبر على الأرض

يقول الشاعر: من قصيدة نُقَّارة في يد المجذوب.

فَمُكَ مَعَنَا / عيناكَ مَعَنَا / لكنَّكَ مع ساقِكَ المبتورةِ / وهي تَنامُ وحيدةً مع غُرَباءَ / جاءوا بكاملِ أعضائِهم / هل تَحسدُها لأنها سَبَقَتْكَ إلى رؤيةِ الملائكة ؟ / أَمْ تَخشى نداءَها على أشقَّائِها ؟ / ماذا سَتَفعَلُ الآنَ / بالفَرَاغِ الذي / بَتَروا ساقَكَ اليُمْنَى / وتَركوه يَنبضُ / مثلَ نقَّارةٍ في يَدِ المَجذوب؟.

يد الإهمال تطول كل شىء في مجتمع يشعر فيه المواطن بالفقر والخوف والقلق وعدم الاستقرار، مما يجعله كيانا مشتت الأوصال، مضطرب الفكر، شارد الذهن، والعقل، فهذا البرئ الذي بترت ساقه، هذا العضو الذي أضحى ذابلا لا يقوى على أي حركة بعد أن كان نابضا بالحياة وبالذكريات الجميلة، نجده يحمل كل معاني الألم والحزن من جراء القسوة التي طالته وكأنها مثلَ نقَّارةٍ في يَدِ المَجذوب، وبكل هذه الألفاظ المعبرة عن االأسى نجدها تحمل ومضة أمل جميلة عندما ينعم هذا العضو المبتور برؤية الملائكة دون الأعضاء الأخرى، وكأن الإنسان مهما واجه من صعوبات فعليه أن يحيا بالأمل.

من نص "الموتَى يقفِزون من النافذة"يقول الشاعر:

أريدُ أن أُحدِّثَ أصدقائي / عن شيخوخةٍ لا تَصنعُهَا السنوات / أريدُ أن أُحدِّثَهم عن وقْعِ أقدامٍ عسكريةٍ / أسمَعُهَا كلما انتهيتُ مِن ضحكةٍ / أوْ مِن ارتشافِ كوبٍ مِنَ الماء / أريدُ أن أحكي لأي مخلوق / عن موْتَى يقفِزونَ مِنَ النافذة / ويشبكونَ سواعِدَهم وسيقانَهم حوْلَ جسدي / لا شَكَّ أنهم استيقَظوا / بعْدَ أحلامٍ جميلةٍ / لم يَتذكَّروا مِنها سِوَى أكوابٍ مهشَّمَة / ومستشفيات / وسُرادقات.

في إطار حكائي يحمل سردا ثريا، يغلب عليه المشاهدة وكأننا أمام شاشة عرض سينمائي، لا ننتظر من الشاعر أن يحكي لنا مثلما كانت تحكي شهرزاد، واستلابها للب شهريار من زخم حكائي ممتع، ولكن حكاية الشاعر تسلب حواسنا كلها من جانب آخر، هو لب المأساة التي يحياها الأنسان المهمش في مجتمعه من خلال مرآة الذات، حين تتجادل مع نفسها، لنبصر تداعيات الموت في كل مكان، فهو يتوغل في كل شىء ليؤثر على الأحياء سواء بالسلب أو الإيجاب أو الامبالاة أو الانتظار وترقب الموت.فالمفارقة هنا بين الموت والحياة أحياها الشاعر بكل علائقها، ظهرت في تقنيات الصورة الحديثة التي لا تقف عند حد النمطية القديمة التي اتسمت بالتجزئ ولكنها تحمل صورا بلوحات كاملة تشع بالصوت والحركة كــ، موْتَى يقفِزونَ مِنَ النافذة / ويشبكونَ سواعِدَهم وسيقانَهم حوْلَ جسدي /

وصور كثيرة تجعل الأشياء هي التي ترصد الملامح الإنسانية وهذا عمق ما بعد الحداثة، لأنه يحيلنا إلى نص يحمل سمات ما بعد الحداثة، والتي تحمل معظم نصوص الديوان هذه السمة. كما تظهر بعض قصائد الديوان بعض ما تتسم به البيئة الصعيدية التي ينتسب إليها الشاعر والتي طبعت هذه القصائد بميسمها الخاص من عادات وتقاليد خاصة بطبيعتها كـ عادات وطقوس دفن الموتى، يقول في قصيدة معهم وراء النعش:

هلْ نَستَأْجِرُ غُرَباءَ / ليُسبِّلوا تحتَ نعْشِنا ؟

وأوضح الشاعر بهامش واحد في الديوان كله معنى / ليُسبِّلوا: التسبيل ـ تريد عبارة "سبيل الله يا فلان" أثناء تشييع جثمانه.

وقد استخدام الشاعر اللغة التي اقترنت الفصحى فيها مع العامية في قماشة شعرية متماسكة جمعت بين صورة الموت المهيبة وما توحيه من الجدِّ والتآزر وبين عبثية الحياة، نجد هذه المفارقة مثلا في قصيدة "قلة الأب" نجد فيها لغة مكثفة تليق بزخم الأحداث الموجودة فيها، في الوقت الذي يتأهب الأبناء لدفن أبيهم يتحاورون في قُلته وكيف يكون مصيرها بعد وفاته.

يقول الشاعر:قال الطبيبُ : لا فائدة / واربَتُ وجهيَ عن عيْنِ أبي / فاستقَرَّ على قلّةٍ فوْقَ المِنْضَدة / كيفَ سَنحتَفِظُ بِهَا بعْدَ وفاتِه ؟، ثم يفاجئنا الشاعر بقوله: قامَ مِن رقْدَتِهِ مُتَعافِيَا / اشترَى قُلَّةً جديدة / وغسَلَهَا بِلِيفَةٍ جديدة / تَرَكَهَا في الهواءِ ساعةً / ثم تَحَسَّسَ عُنُقَهَا الطويل.

فهذه هي الحياة بكل ما تحمله من مفارقات وبكل ما تكتنفه من عبث بكل الكائنات والأشياء التي حولنا . فجمع الشاعر بين قُلة بسيطة، وموت معقد، في رداء لغوي يجمع بين البساطة والعمق في آن واحد عزف فيه الشاعر سيمفونية الموت على أوتار هادئة غير صاخبة تميزت بها معظم قصائد الديوان.

قراءة في (إكليل موسيقى على جثة بيانو) .. تجليات التفاعل ضمن بنية النص الشعري

ayad khodairيتكئُ جواد الحطّاب في تجربته الشعرية الأثيرة في ديوان (أكليل موسيقى على جثة بيانو) على كمٍّ معرفيّ هائل وخزين رؤيوي خاص يمكنه من سبر أعماق قصية لإشكاليات وجودنا وجدليات صراعنا الأبدي ليضيء بعرفانية الشاعر وبرهانية العارف مساحات تحجبها حجب شفيفة لتصبح اللغة في ديوان الشاعر وسيلة للتواصل مع الماضي الثقافي والتفاعل مع الحاضر وكأنّ الحطّاب يجّسد المقولة التالية: (لماذا لا نغير الواقع حتّى لا يعيد التاريخ نفسه) وهنا يكون دور لغة القصيدة عند جواد حينما تعبر عن نتاج اجتماعي وحاملة لاستمرارية التواصل مع الآخرين وناتجة عن تراكمات الشاعر المعرفية من حيث التوليد والاستنتاج ، فجواد الحطّاب لا يمتلك هذا الكمّ المعرفي ويعيد إنتاجه شعرياً بل يتشاكل معه ويتفاعل ليعيد صياغة رؤية خاصة من عندياته من خلال نصه الشعري ذات البناء المعماري الخاص به والذي ترتبط جذوره بزمكانية سابقة أثرت وأسهمت في تكوين وبلورة حاضره الآني وبدوره يشارك هذه الحركية بإنتاج آتٍ متشاكل مع الماضي والحاضر .

فجواد في منجزه الشعري ومن أولى قصائد الديوان يتداخل بنفيه الضمني المتمخض عن تمني ما يستحيل حصوله في المقطع الثاني من القصيدة المعنونة بعلامة سيميائية متوهجه ألا وهي (المتنبي) وما يحمل اسم هذا الشاعر من سيميائية غنية الإشارات وبتدفق موسيقى المتدارك النابضة:

شبّاكٌ مفتوحٌ في الليل على الذكرى

..............

لو كان ابن أبي طالب قد مدَّ يديه إلى العباس

لو أنّ الكوفة لم تتخاذل عن ابن عقيل

لو أنّ سليمان تجاهل أمر أبي هاشم (ص 9)

من هنا يتجلى وعي الشاعر العميق بأحداث التاريخ وانعكاساتها على واقعه فهناك معانٍ كامنة تدلل على أن الواقع حتماً سيكون مختلفاً لو تحقق عكس ذلك .

هنا جواد الحطاب يخلق رؤية خاصة وحكماً معرفياً ينبثق من هدرجة أحداث تاريخية ولا يكون ناقلاً لها بل مفسّراً عليماً فهو امتداد لفلاسفة الشعر وحكمائه الذين أخرجوا الشعر من بوتقة الطبع إلى فضاء المعرفة وتشكيل حكم نقدي من قراءة الشاعر الواعية للتاريخ وانعكاساته على الواقع فنجد التداخل بين المتنبي والشاعر والتوحد بتناصٍ وجودي وليس لغوي:

شبّاكٌ مفتوحٌ في الليل على الذكرى

.. قنديلُ يتأرجح وسط ضريح ولي

لو كنتُ مكان المتنبي

لوضعت الأمراء جميعاً في الحمّام

وسحبت (السيفون)

ط .. و .. ي .. لاً (ص 18)

إنّ تجربة الشاعر في منجزه تستند على معادلة متماسكة العناصر (ثراء معرفي + رؤية برهانية = تجربة شعرية متعددة المستويات) لذا عند تناول منجزه المتعدد المستويات والهادر بفيوض الدلالات سيكون مستوعباً من حيث تجلياته الجمالية والمعرفية من زاوية (التفاعل النصي) والذي يعرف اصطلاحياً بـ (التناص) وهو يعني التواجد اللغوي لنصٍّ في نصٍّ مشتقٍّ متأثر به وهذا لا يعني المطابقة فقد يكون (التواجد اللغوي) على أشكال متعددّة بدءاً من المفردة وانتهاءً بالجملة بل وأحياناً التشاكل في المعنى فالشاعر في القصيدة الثالثة من ديوانه (مقبرة الغرباء) وهي قصيدة في رثاء الجواهري يشي لنا أنها قصيدة (تناص) مع الشاعر سعدي يوسف وهذا التفاعل النصي يمنح للنص الجديد قوة وأصالة مستمدة من إرث الشاعر المعرفي وثرائه الثقافي ويعكس امتداداً وتداخلاً إبداعي:

لم أربِّ من قبلُ حماماً

لا أشعلَ ، لا أبيض , لا أصفر , لا رمادياً

من أجلك - أنت فقط – ذهبت لسوق الغزل

واشتريت مئة طير زاجل ... أطلقتها باتجاه مقبرة الغرباء (ص 26)

هنا من خلال هذا التناص يحلينا الشاعر لتذكّر رثاء حيدر ابن سعدي يوسف من قبل أبيه بتقنية (التشفيف) وهي عندما يغطي النص نصاً آخر فيكون النص الجديد المشتق ذات دلالات مزدوجة لهذا كانت قصيدة الشاعر جواد الحطاب (مقبرة الغرباء) قصيدة إبداعية متفردة من خلال كونها (فسيفساء شعرية) دمجت بتقنيات مختلفة وامتصت إشارات سيميائية منسجمة مع فضاء القصيدة مكثفة ومختزلة فسيميائية الرمز (دجلة) يحيلنا لتذكر بيت الجواهري:

حييتُ سفحك عن بعدٍ فحييني ... يا دجلة الخير يا أم البساتين

فلقد وظّف الحطاب التناص مع الجواهري من خلال بعض الإشارات المرجعية لقاموس الشاعر وبعضاً من مفرداته الأثيرة:

أبعيداً عن (دجلة الخير) تنمو

بأصابعك اللاسلاميات لها

عواسج الكلمات أيضاً (ص 27)

أو التناص مع لوحة قبر الجواهري والتداخل نصياً معها وتحويلها لصورة شعرية مختزلة ومكثفة لتمنح أبعاداً دلالية للمشهد الرثائي:

(... دجلة

والفرات

محفوران – الآن – على قبرك

كأضلاع حصان ميت) (ص 28 )

لقد جعل جواد الحطّاب من تجربته الشعرية في ديوان (أكليل موسيقى على جثة بيانو) ناتج إبداعي نابعة من تراكمات المعرفة في ذهنية الشاعر وخزينه الفكري الناجم عن ثقافة واسعة حتى ولو لم يتعمد الشاعر بظهور التواجد اللغوي في بعض قصائده من خلال تجليات نصه الشعري لكنّ التقاطع بين نصوص سابقة كان موجوداً من دون قصده لكون هذا يعود إلى مخزونه الأدبي في الذاكرة فنلاحظ في قصيدته (كومونة) تقاطع نصي واضح مع تجربة الشاعر الأولى في ديوانه الأول (سلاماً أيّها الفقراء) وتواجد هذا الموقف الإنساني للشاعر وتجلياته في القصيدة فلو أخذنا مقطعاً من ديوانه الأول لوجدنا التقاطع والتشابك اللغوي وكأن النص الجديد هو (تشفيف) إبداعي لنصوص قديمة للشاعر مما يؤكد عمق التجربة وثبات الموقف وليس القصيدة مجرد تجربة وقتية إنّما موقف وجودي أخلاقي مستمر ونجد تجليات أخرى في ديوان (يوم لإيواء الوقت)   يقول جواد:

هؤلاءِ أهليَ الفقراء

يؤاخون نجم البراري

ويستأنسون الرمال

فالتناص هنا حتمية أراد الشاعر أم لم يرد لأن التناص هو استمرارية حتمية لتطوّر التجربة الشعرية وبقاء جيناتها الأصلية المكوّنة لها ماثلة في التجارب التالية ففي قصيدة (كومونة) نجد هذا التفاعل النصي في قول جواد:

معي أيّها الفقراء

لنهاجم الفردوس

سنطالب – أوّلاً –

بجرد أسماء جميع الأولياء

إنّ التقاطع النصي بين النص السابق والنص اللاحق لا يؤدي إلى طمس ملامح النصين وتشويه معماريتهما بل هو وظيفة مهمة لقراءة النص الجديد على مستويات عدّة وهذا التقاطع النصي هو ما يعرف بـ (الممارسة السيميائية) وهي تقاطع نصٍّ جديد مع بعض ملفوظات نصٍّ قديم كما يتجلى من خلال اللفظة أو الجملة أو السياق وهذه الوظيفة تمكننا من قراءة هذه الإشارات السيميائية على مختلف مستويات بناء النص فعلى الرغم من تجليات هذه الممارسة السيميائية نتلمّس انعكاساتها الدلالية الجلية في أكثر من قصيدة في الديوان وبوضوح في قصيدة (استغاثة الأعزل) وهي رثائية فلسفية عميقة للشهيدة المراسلة (أطوار بهجت) فكانت قصيدة حافلة بالترميز ضمن معمارية النص والعلامات السيميائية المتفجرة الدلالات:

لن تحصي سوى: الإنسان

في صحراء (سرَّ من رأى)

كان (السيّارةُ) على بعد (بئرٍ) من أطوار

ورغم إنّها بلا إخوة , ولم تقصص رؤياها على المرأة

إلا إنّها رأتْ أكثر من كوكبٍ يسجد

لكنّه (الغراب) هذه المرّة وليس (الذئب) (ص 120)

من هذا التداخل النصي بين نصّ الشاعر الرثائي وقصة النبي يوسف والتواجد اللغوي لقصة يوسف وقصة هابيل وقابيل ضمن تجليات النص الشعري لجواد الحطاب يجعل (الممارسة السيميائية) وظيفة متداخلة مع النص تمكّن من قراءتها على مستويات متعددة ضمن بناء النص الشعري وهذا التداخل يمنح النسيج الشعري توهجاً دلالياً وعمقاً معرفياً ويمنحه معطياتها التاريخية والاجتماعية وهذا ما ينطبق على توظيف الشاعر جواد الحطاب لسيميائية (أسماء الشخصيات التاريخية أو الحاضرة) من قدرة ترميزية عالية تختزل في ملفوظاتها الكثير من الفضاءات الدلالية كإشارات على حقب زمنية تتجسّد فيها الكثير من الأحداث ونجد هذا التوظيف الإبداعي يشمل عدّة قصائد في ديوان الشاعر الحطاب منها ما جاء من توظيف في قصيدة (الحيزبون):

ترقص الحيزبون على دمنا

ترقص الحيزبون...

٭أيعرفها سبي بابل...؟

٭ أم هي من أهل خيبر... ؟

خطيبة (ابن ملجم)

زوجة (الشمر)

مومس تيمورلنك

كلّ (سنتمر مربع) في كفّها

ظلماتٌ ,وقتل

أسألوا دم لوركا (ص 56)

إن التفاعل النصي (التناص) لم يكن في ديوان جواد الحطاب ديكورياً شكلياً بل جاء وفق مقتضيات التطوّر المعرفي للشاعر والتراكم الثقافي المخزون في ذاكرته لهذا كان هذا التفاعل النصي المتداخل والمتشابك في قصائد الشاعر يؤدي وظيفة أسلوبية وكان متماهٍ في بنية نص القصيدة كفسيفساء متناغمة ومتشاكلة مع البنية النصية وفق آليات (التناص) التي حددت من خلال الدراسات النقدية والتي ظهرت تجلياتها في فضاءات قصيدة الشاعر جواد ذات الشكل المعماري المتفرد والذي يحمل بصمة الشاعر الإبداعية فكانت لآليتي التناص (التمطيط) و(الإيجاز) تجليات ظاهرة في بنية قصائده وهذا ما ينعكس من خلال وسائل (التمطيط) التي أعتمدها الشاعر وكانت على النحو التالي:

● الشرح: وهو من أهم وسائل (التمطيط) باستخدام البعد التفسيري للفكرة التي يحاول الشاعر شرحها من خلال (كلمة محورية أو تركيب) تدور حولهما القصيدة بالكامل وهذا ما نلمسه في بعض قصائد الديوان أبرزها (قصيدة المتنبي) باستخدام جملة (هل فاتَكَ {فعل} فاتِكُ {اسم} ) لعدة مرّات في القصيدة:

هل فاتَك ... فاتِك

أم أنّ الفتّاك جميعاً

كمنوا فيه...؟ ص 11/13/16(تكرّرت ثلاث مرّات)

●الاستعارة: من حيث نقل الشاعر(للمعاني المجرّدة) إلى (المحسوس) وهذا ما يبهرنا به جواد بقدرته على الإزاحة (تراسل الحواس) عن طريق المجاورة أو الشبه أو تشكيل المجرد بهيئة المحسوس:

أيها الأصدقاء:

ألم ننسَ في جزمة الحرب

أقدام أعمارنا ...؟ (ص 58)

أو:

الحدائقُ أصابتها التأتأة

وتوقف العطرُ عن الخفقان

.. طوال الليل

ظلّت تنزف الوردة (ص 123)

● التكرار: ويكون على مستويات متعددة كالأصوات والكلمات والصيغ وهنا لم يكن التكرار في ديوان الشاعر فائضاً أو مترهلاً بل جاء وفق ضرورة تعبيرية وعلى مستويات متعددة الدلالات ومضيئة لجوانب متشاكلة في بنية القصيدة ضمن مقتضيات البعد التفسيري للتكرار:

بلادي: بلادي

ليس لديها فرع آخر

كي أتركها للأمريكان

بلادي: بلادي

الدمعة في الشفتين: بلادي

الضحكة في العينين:بلادي

الرجفة في الرئتين: بلادي

والشهقة في الكفين: بلادي

بلادي: بلادي (ص 109)

أما آلية (الإيجاز) والتكثيف فللشاعر جواد الحطاب ومنذ بدايته قدرة متفرّدة على تكثيف واختزال اللغة وكان لمعمارية الشكل في قصيدته طابع خاص يتميز به عن غيره فهو قد كوّن معادلة معرفية مستندة لقاعدة أسلوبية تعتمد على ضغط الجملة الشعرية من حيث الحجم الشكلي وتحميل كتلتها الدلالية كمّاً هائلاً من المعاني ليجعل من نصّه الشعري متعدد المستويات من حيث البناء ومن خلال الإشارات والتلميحات الموجزة التي تؤدي إلى فضاءات رؤيوية متعدّدة كالإشارات التاريخية الدالة أو الواقعية الموحية أو المعرفية وقد كان للإيجاز في قصائد الديوان تمظهر واضح أسهم في توهج الجملة الشعرية وجعلها نابضة بكم دلالي هائل ومستويات قرائية متعددة بواسطة التواجد اللغوي لأسماء تعكس أحداثاً تاريخية مهمة ذات مغازٍ عميقة في الوجدان الجمعي:

يا يوسف

ألف ذئب من ذئاب أخوتك

ولا غراب واحد من غربان (ساء من رأى) (ص 120)

أو:

مليون طفل يمصّون أصابعهم خوف الجفاف

(... من قبلُ

أعطى الحسين , ولده علي الأكبر , لسانه

لعلّ قطعة الخشب تكون مندّاة ... !)

كم حسيناً يحتاج أطفال العراق الآن ... (ص 72)

لقد كان منجز جواد الحطّاب (إكليل موسيقى على جثة بيانو) وثيقة إبداعية ذات أبعاد إنسانية جسّدت بفسيفسائها الشعرية مواقف الشاعر الوجودية تجاه قضايا أمّته المصيرية واستمرارية الشاعر في المساهمة بمهمة تغيير الواقع من خلال تواصله الواعي والفاعل مع تاريخه وماضيه والتفاعل معه لاستخلاص رؤية جديدة تسهم في إثراء الواقع ومعالجة بعض إشكالياته ضمن منظومة معرفية يمتلكها الشاعر وتنبع من خزينه الثقافي الثر الذي يستمد وهجه من وعي عميق فكان هذا المنجز متعالق الجذور مع الماضي ومتناغم مع الحاضر .

ديوان (إكليل موسيقى على جثّة بيانو) يقع في جزأين الجزء الأول يتكون من 16 قصيدة أما الثاني من 19 قصيدة في 135 صفحة صدرت الطبعة الأولى منه عام 2008 عن دار الساقي في بيروت – لبنان.

 

أياد خضير الشمري

شعرية المكان في المجموعة القصصية "شجرة القهر" للروائي والقاص المغربي محمد كروم

يتخذ المكان في المجموعة القصصية "شجرة القهر" للروائي والقاص المغربي محمد كروم بعدا رمزيا يطفح بكل معاني الفقر والبؤس، يقول السارد: "فهو وحده في هذه النقطة المنسية... جلس كما لا يجلس عادة على صخرة مستطيلة، يجلس عليها معلم القرية"[1]. فالقاص يجعل من نسخ الواقع المتقلب، والمكان المتغير، جسرا لكشف خيبة الإنسان. غير أن النسخ هنا يقوم على بلاغية إبداعية، ولهذا "يبدو النسخ عملية تبعث على الارتياح، بل له مصدر للذة"[2].

العالم متعدد الأماكن، غير أن تعدده خادع، ماكر، ظاهره غير باطنه. إن المكان في حاجة لمن ينقله، يعبر عنه، يكسر وحدته. وهذا ما فعله القاص محمد كروم، فالبادية، القرية، الحقول، المدينة، كلها أمكنة تتوزع داخل هذه المجوعة القصصية. فإذا كانت القرية / البادية تتسم في بعدها الرمزي بالقهر، فالمدينة أيضا باعتبارها وجها للحضارة، فإنها لا تخلو من زيف وانكسار، "وأخيرا غادر مدينة البيضاء مخلفا وراءه شلوا من سنوات المذلة والانكسار"[3].

وتتناغم شخصيات "شجرة القهر" مع المكان، الذي يضفي عليها المسخ، قال السارد " ومضت الأيام وبوعزة كالنملة يقضي سحابة يومه في ترميم بقايا البيت المتهالك" [4]. غير أن المتتبع لأحداث المجموعة يرى أن الشخصيات الحيوانية أصابها أيضا المسخ والتشوه، إنه تشوه يلف الزمان المكان، والإنسان والحيوان، "حمار هزيل غائر العينين يلوك بعصبية بردعته، بغل أعرج يحاول جاهدا أن يفك قيده ليشارك الحمار وليمته"[5].

البادية مكان تجتمع فيه كل صنوف القهر والمعاناة، البادية مقبرة الأحياء، "جيف أغنام الماعز مترامية في الحفر. هياكل عظمية متناثرة في كل الجهات"[6]. إن البادية "شكلت إمكانية البحث في تصور العالم الممكن"[7]. أي أن هذا الكائن (الحزن، البؤس، القهر...)، قد يتحول إلى عالم ممكن، عالم يسود فيه الأمل، الحب، الحياة. إنه باختصار شديد عالم اللاقهر.

يبدو أن المكان (البادية، القرية، المدينة...)، واقع يعيشه السارد، يعيش تفاصيله، ويكتوي بناره. إنه اللامعنى أو القبح، إنه "القول الذي يرى أن القبح يولد الجمال"[8]. جمال يولد من جحيم المعاناة، جحيم لم يمنع شخصيات المجموعة القصصية من الضحك، "ضحك الاثنان كما لم يضحكا منذ زمن بعيد"[9]. غير أن الضحك لم يستمر، فالمكان ثقيل، والجرح أعمق، "لكنهما تذكرا معا فاتورة الكهرباء فانطفأت الأسلاك، واختفت الرغبة"[10].

إن شعرية المكان في "شجرة القهر"، تجعل القارئ يدخل في تفاعل مع النص، تجعله يتخيل عوالم المكان "بشكل يولد لديه المتعة، "ولهذا غالبا ما يكون لدينا انطباع ونحن نقرأ، بأننا نعيش حياة أخرى"[11].

هكذا يشعرنا المكان بغرابته وفداحته. المكان متاهة عنيدة، وشيء مغري، يخدعك ظاهره ويصفعك باطنه. شعرية المكان في "شجرة القهر" للروائي والقاص المغربي محمد كروم، لعمري هي المركب، وتأويله مجاذيف، والقارئ قائده.

 

الكاتب والقاص: عبد العزيز بلفقير

بتاريخ: 24 مارس 2015

.....................

[1]: شجرة القهر، مطبعة. ،الطبعة الأولى،سنة 2008، ص. (7) must imprimerie papeterie troudantمحمد كروم.

[2]عبد الفتاح كيليطو: أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية، ترجمة عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، ط 1، سنة 2013، ص (25).

[3]شجرة القهر، نفسه. ص، (9).

[4]نفسه، ص (9).

[5].نفسه، ص، (12)

[6]نفسه، ص، (12).

[7]عبد الفتاح الحجمري: الكحل والمرود (الوصف في الرواية العربية)، دار الحرف للنشر والتوزيع، ط 1، سنة 2007، ص، (112).

[8]ط 2، سنة 1980، ص، (108).يمنى العيد: في معرفة النص، دراسات في النقد الأدبي، منشورات دار الأفاق الجديدة، بيروت،

[9]محمد كروم: شجرة القهر، ص، (44).

[10]نفسه، ص (44).

[11]فولفغانغ إيزر: فعل القراءة، نظرية جمالية التجاوب في الأدب، ترجمة حميد لحميداني والجلالي الكدية، منشورات مكتبة المناهل، سنة 1994، دون ط، ص، (80).

كاظم الحجاج .. نضوج التجربة الشعرية ووهج الواقع الملتبس

saad aldugman- جمع الحجاج بين العقلانية والواقع، فألتمعت بين سطوره فكرة الإبداع

ثبت بالدم عراقيتك، ثم كن ما تكون:

أغسل عينا بدجلة، وعينا بالفرات

جَـدِّد عينك دوما، وانظر بعين من نهرين

 

تحمل قصائده ألماً وتضمر وجع في دواخلها، لكنها لا تتهم بل تؤشر واقعاً وتحاكي أزمان بصورها ومآسيها على بلد قصدت الأقدار أن يكون مكاناً للوجع والألم.

يجذب القارىء إليه رغماً عنه، فكلماته تنادي بصوت مسموع ليقرأها الناظر بألم وحرقة يقصدها (الحجاج) ليعبر من خلالها الى آهات السنين التي حملت همها نفوس شعب لا يملك غير الأنين تعبيراً حتى عن الفرح، توصف كلماته بأنها عفوية تنبع من رحم المعاناة، لذلك تأتي صادقة يلمس فيها القارىء لشعر كاظم الحجاج صدق انتمائه إليه وللوطن، هادئ جداً لكن مرجلاً يغلي في داخله كفورة غضب على واقع لا يملك من تغييره إلا الكلمات ليوجهها وبصوته الخفيض رصاصة لمن لا يرحم ولا يريد للعراق وأهله الراحة والسلام.

يقدم الحجاج الحرص في انتقاء الحرف، ليبادله السامع بحرص أخر يتحول مع مسار القصيدة وتحولاتها الى دهشة لا يخفيها شاعرنا في طيات أبياته، حتى يكاد المتلقي أن يتحين سطوره باحثاً عن مسارات الدهشة تلك ليقف مشدوداً أمام تنسيق الأبيات وانسيابها كماء شط العرب الذي ينشر رطوبته مثل أجواء البصرة على قصائد كاظم الحجاج، فالناظر لشط العرب يقف مشدوهاً أما سحر مياهه، ومأخوذاً بعبير نسائمه وقت الشمال، ولا ينفر من رطوبة ما يحيط به هواء الجنوب الذي يعرفه أهل الجنوب (الشرجي).

عرف كاظم الحجاج بصراحة تعاطيه مع قضايا كبرى ومهمة، رسم عبر تناولها شيئاً من خوف ورهبة وحذر، فكانت صراحته هادرة واضحة حين تناول موضع الصلاة ن قائلاً:

أنا لا أصلي

أنا أتوضأ، دون صلاةٍ، وهذي شماليْ

أعف وأطهر ممن يصلي نهاراً، ويسرق في الليل خبز عيالي

أنا لا أزكي

فمن أين ليْ

وحتى لحافي.. قصير على أرجلي

هي صورة لفظية عبر من خلالها الحجاج عن حنقه على واقع مزري مخزي تمارسه فئة بأسم الدين الذي عماده الصلاة، ومنها نستشف ما يذهب إليه الحجاج في صوره السوداء ليصف واقعاً أكثر سوداوية مما هو عليه بدون كلمات الحجاج.

يختزل الحجاج كثيراً من المشاهد بثنائية، هي جميلة دائماً وأبدا ومعبرة حد التخمة في الفهم، ليرسل إشاراته عبرها للقارئ ويترك مفردات مقارنته تتحكم بالتفسير الذي يبغيه من حروف القصيدة، وليس المعنى كما عند غيره (في قلب الشاعر)، بل معاني كثيرة يحملها كاظم الحجاج ويطرحها للمتلقي على طبق الدهشة والاستغراب بأسلوب الفهم المبسط دون حاجة لتعقيد، كما ذكرنا في الآبيات السابقة، وهي تحمل فرق شاسع بين اليمين والشمال، كاصطلاحات قرآنية لها رمزيتها ودلالتها اللفظية والمعنوية، لذلك تعمد الحجاج أن تكون (شماله) نظيفة،فيما يمين من يصلي مشكوك فيها، ولا نعمم بل لتوصيف الحالة ليس إلا.

وجاء في وصف الأستاذ محمد صالح عبد الرضا، للحجاج على قصيدته "أنظر بعين من نهرين " (في وقت يدفن بعض الأدباء رؤوسهم في الرمال و اللهو بأوهام طائشة تلهينا عن الواقع الحقيقي، و الزمن الحقيقي يضع الشعراء الحقيقيون أنفسهم في وهج التجربة بنضوج فيصرخون في دوامة الواقع وفجائعه بحيث لا تحتاج قصائدهم الى تفسير أو شرح، ولكي لا نضع المجاملة فوق الشعر فان الألم من الواقع الملتبس حقيقة من حقائق الحياة التي لا قرار لها، وبعيدا عن النثرية والإطالة والتقرير لا تمنح أي كتابة فرصة لاعتبارها شعرا إذا كانت المسألة مسألة وزن وتفعيلة أو قافية لتكون لها علاقة بالشعر).

والقصيدة المربدية التي نتناولها هنا هي قصيدة الشاعر كاظم الحجاج التي عنوانها (أنظر بعين من نهرين) وفيها يجيب بطريقة إجمالية يجيز لنفسه الجواز الذي صار سليقة شعرية فاستطاع ان يصيب عصفورين بحجر واحد هما الجو المحموم والقصيدة المنتفضة، إن أدوات لتغبير في مدار صياغة القصيدة هو تعبير عن الحساسية والحالة والوضع جميعا ومحاولة ربطها في وعي حضاري حديث، وبهذا المعنى يكون الإبداع نوعا من التفرد بالصياغة والأداء التعبيري بما يكفل للشعر حضوره على محك النقد الموضوعي للواقع، فوجوب الابتكار في الصياغة والرؤى هو من شرائط الشاعر المتمكن،فهذه لقصيدة ذات نبرة مثيرة يرتفع فيها الصوت عاليا لكي لا يضيع الإنسان في زحمة التدهور فقد ائتلق فيها الحس الشعري في لحظة رؤيته وبيقظة في روح الجرح:

أغسل عينا بدجلة، وعينا بالفرات

جَـدِّد عينك دوما، وانظر بعين من نهرين

فســّر (لنهريك) ما يبصران

عَـرِّ جلدك لشمس العراق

فلا جنسية لك إلا بالسُمرة

جدّد سومريتكَ وبابليتكَ، وجدّد (بغـداد)

خذ بصيرتك من (البصـرة)..

مـَسِّ (ميسان) بالخير ـ خير الأهـوار ـ

جمع الحجاج بين العقلانية والواقع، فألتمعت بين سطوره فكرة الإبداع، وهنا استحالت كلماته كصوت جرس يرن عالياً، في عالم تشوبه التناقضات في كل أوجهه، ليخلق مقارنة بين ما هو معاش وماهو مفترض أو صحيح، وهذه جدلية قد تتشابه بمضمونها بين ( جدلية الخير والشر) المعروفة، والتي ولج الحجاج أبوابها عبر آبياته ليرسم لنا صورة ذلك التناقض بحروف تشبه الصرخة بوجه ما يمثله تناقض الشر حين يحاول فرض إرادته على الخير، وتلك مخالفة لنواميس الكون .

الحجاج أراد أن تكون قصائده تلك الصرخة التي يحملها ضمير الشاعر ليجسد ما في دواخل الناس كثورة على الواقع المتناقض، ونجح في تكوين مملكة الرفض لمتناقضات أريد لها أن تكون عكس الواقع الصحي للمجتمع، فرفع صوته ليسجل خلوداً ينفرد به على ساحة الشعر في العراق بأسلوبه الرافض، والذي إن عددنا رواده سوف نجدهم قلة يتقدمهم أحمد مطر، وسعدي يوسف، ومظفر النواب، وكاظم الحجاج، وهي مدرسة ربما أسس لها الجواهري رحمه الله، وتنوعت فصولها فكانت بثورتها تتمثل بالبياتي ن ومن قبله الرصافي والكرخي والعديد من رواد مدرسة الشعر الناقد أو الشعر الثوري إن جاز لنا تسميته.

(تقول الجريدة):

تسرقُ العشائر النفط الذي يمر بها والشيوخ يتلقون ثمن الحراسة

و(الحراسة) ليست بين قوسين في الجريدة..

سـمِّ (العماليق) وسـمِّ (الأقـزام)

جـَدِّد أجدادك إن استطعت.

(تقول الجريدة)

ونقول: هي بداية مثمرة لمشروع (تقليم الجنوب !)

ثبت على رأسك عقالك

ومسّد بإصبعين شاربك !

بنى الحجاج شعره على تأملات الواقع ن فجاءت قصائده بسيطة لكنها ليست جامدة، بل استطاع أن يبث فيها الروح من فرط ما حملها من تفاعلات خص بها حياة الناس ن بل خرجت من معاناتهم، وتلك ميزة تحسب للحجاج وتفرد له مساحة من القبول في الوسط الثقافي، وعند المتلقي الذي ينتظر كلمات الحجاج بانسجام تام وكأنها تنبع من دجلة والفرات أو شط العرب عند تقاطع النهرين ومصبهما ن بمنظر لا يعرفه غلا من تفاعل مع اللحظة وعاشها، وهو ما يعبر عن مكنون الحجاج ابن تلك البيئة التي غفت وعاشت بين ثنايا ذلك التقاطع والمصب الذي يولد من خلالهما (شط العرب) بفيضه وعطاءه، ومثله الشاعر المبدع كاظم الحجاج.

مـدد رجليك عروقا الى الطين

وكن أنت نخلتك، تكن نخلتنا

اسمع نشيد موطني أولا،

وانظر هل تبكي مثلي أو لا تبكي

تأكد من عراقيتك بالدمع.. . !

ليس عراقيا من لم يبكه (الحسين)

من لم يبكه الحر الرياحي ـ لحظة الاختيار ـ

من لم يبكه (وهب النصراني) و أمه من لم يبكه (موطني) !

ثبت بالدم عراقيتك، ثم كن ما تكون:

أعتمد كاظم الحجاج صيغة التعبير الحسي والحركي، فرسم صوره الشعرية وكأنها ناطقة من خلال المزح المعنوي بين مابين الإحساس وتفسير العاطفة، فجاءت حروفه منسجمة مابين النطق بها والإحساس الصادق الذي سجلته اللحظة، فبرزت فكرتها تحمل قوة التخيل للواقع المعاش والمنظور الحسي.

تفاءل (بعدنان) ـ لأنه في القاموس (عدن)

و(عدن) في القاموس (الجنة)

وتشاءم من (قحطان):

(قحطان) في القاموس مثنى (للقحط)

 

التحويل الذي يعتمده الحجاج في لغته الشعرية يحمل دلالات المعاني عبر ألفاظه التي ينتقيها بعناية، ليشكل تناقضات المفردة ويوصل من خلالها معنى ما يريد، وهي عملية إيحاء مرسلة بمهارة فائقة لتدل على المعنى .

كان زغبُ خديّها

مثل بُخار يتطاير

من ضوءٍ مسلوق

وفي موضع أخر يقول الحجاج :

إني رجل خاض الحرب

أذكّر أني- وأنا أتقدم أو أتراجع

في الأرض الأخرى-

قد دستُ وروداً.

وقطعت لأجل التمويه، غصوناً

لا أدري كم كانت

ورأيتُ النخل يقُصّ

ولم أحتجّ ولم أذرف دمعاً

كاظم الحجاج شاعر عراقي من مواليد البصرة 1942، ينحدر من (مدينة الهوير) في البصرة جنوب العراق. يحمل الحجاج بكالوريوس شريعة وآداب من كلية الشريعة جامعة بغداد 1976، تقاعد بعد ممارسة التدريس لثمانية وعشرين عاما. وله عدة مؤلفات شعرية منها: مجموعته الشعرية الأولى (أخيرا تحدث شهريار) والتي صدرت ببغداد 1973 . ثم لحقتها مجموعته الشعرية الثانية (إيقاعات بصرية) بغداد 1987. فيما صدرت مجموعة شعرية الثالثة (غزالة الصبا) عمان 1999 . وله أيضا دراسة أنثربولوجية في كتاب بعنوان (المرأة والجنس بين الأساطير والأديان) صدر في بيروت 2002 . ومن بعدها صدرت مجموعته الشعرية الرابعة (مالا يشبه الأشياء) في بغداد 2005 . والخامسة (جداريه النهرين) دمشق 2011 .

كتب للمسرح أربع مسرحيات، عرضت منها ثلاثا، وفازت اثنتان منها بجوائز، يكتب عمودا صحفيا أسبوعيا في صحيفة (الأخبار) البصرية منذ صدورها في آب 2003 عنوانه (بهارات).

 

سعد الدغمان

 

جمالية اللغة في "سفر .. عراءات" للكاتب والقاص المغربي بشير إركي

690-badal"حين كنا صغارا .. لم نكن نملك سوى كرة قدم

محشوة بقماش.. وحلم.. وجرح" (ص 10)

بهذه اللغة الطافحة بمعاني الغربة والحزن والأمل تكلم القاص بشير إركي، ليكشف عن واقع متناقض، واقع القسوة والحب والشوق والجرح والحلم. إن جمالية اللغة في "سفر" تكمن في بلاغة اللغة التي تدخلك من الباب وتخرجك من النافذة.

لقد حاول القاص بشير إركي استنطاق الذاكرة الموشومة من خلال لغة بليغة تشد القارئ، فمثلا الطفولة باعتبارها تيمة حاضرة بقوة في النص/ الكتاب، جعل منها الكاتب بؤرة الكشف عن جروح الذات، واستكناه أغوارها، يقول الكاتب: "رائحة الصمغ.. والصلصال، ورطوبة حصائر السمار.. تفوح في أرجاء المكان" (ص 11).

كما اعتمد الكاتب / القاص بشير اركي على تيمة الزمن، سواء الزمن الماضي أو الزمن الحاضر أو زمن المستقبل، "منذ كنت طفلا وأنا أبحث عن معنى حقيقي لمشهدنا المغربي" (ص 14). يبدو لي أن القاص هنا يتخذ من الزمن أسلوبا للتعبير عن آهات الواقع وجرح الذات، ذات يجهض حلمها وتنطفئ الشمعة، "كنت أحلم بشمعة .. ومضة .. تضيف ألوانا أخرى .. لحلاق درب الفقراء.. تحافظ على زرقة شواطئنا التي ضاعت.. تعيد لنا طفولتنا المغتصبة" (ص 14).

690-badalالشمعة دلالة على النور، على الخلاص، وحينما لا يجد السارد الشمعة يطالب بومضة فقط للحياة، علَّها تكون بلسما للجراح، ودواء لكل نفس حيرى. وبما أن الكتابة "تجاوز للذات" كما قال عبد الفتاح كيليطو، فإن لغة القاص بشير إركي هي أيضا تجاوز للذات، وتمرد على واقع معيش أنشب مخالبه في الذاكرة التي لا تموت، بل تحلم وتحلم، " كان لا بد لهذا الغد أن يحضر ويجيئ ولو في ذاكرتي فقط" (ص 19).

يظهر للقارئ أن "سفر عراءات" تجترح جماليتها من تيمة التذكر، فالتذكر هنا هو الذي يساعد الذات على أن تحيا، ورغم أن الحلم / الأمل معلق بين الأرض والسماء، فإنه يشعر الذات بأنها ما زالت تقوى على العيش، "الحلم هناك سرمي لا يذبل" (21).

إن استحضار تيمة الحلم في "سفر عراءات" يوقظ لدى القارئ _غير الكسول_ لذة القراءة وجمالية الأسلوب، لنتأمل قول الكاتب / السارد: "كنا نحلم سويا بزرقة صافية من أرنبة الأنف حتى الشفق البعيد.. منذ عام .. منذ عامين.. منذ عمر ونيف" (ص 23).

- هل ما زال السارد يحلم؟ ولماذا يحلم بزرقة صافية؟ هل أصبح العالم بلا لون؟

السارد لا يتوقف عن الحلم/ الأمل، السارد يؤمن بأن هناك شعاع خلف العتمة، لا بد للزرقة (الصفاء) أن تأتي، فالحلم بداية الاقتحام، بداية التغيير. وهذا ما يجعل من لغة "سفر عراءات" لغة بلاغية مفعمة بالأمل.

 

الكاتب عبد العزيز بلفقير

بلاغـــة الصـــورة السردية في القصة القصيرة جدا مجموعة (ندوب) لميمون حرش نموذجا

jamil hamdaouiالمقدمة: يعد ميمون حرش من أهم كتاب المغرب المتميزين في القصة القصيرة جدا، إلى جانب كل من: جمال الدين الخضيري، ومصطفى لغتيري، وحسن برطال، وعبد الرحيم التدلاوي، والسعدية باحدة، وعبد الحميد الغرباوي، وآخرين...

ومن ثم، فقد تميز هذا المبدع بالكتابة التجريبية التي تجمع بين التأصيل التراثي الذي يتمثل في توظيف لغة معتقة، وتراكيب مسكوكة، وعبارات رصينة، وإحالات تناصية موحية ، مع الانفتاح على التقنيات السردية الغربية على مستوى التحبيك السردي استلهاما وتمثلا وأداء.

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التوقف عند بلاغة الصورة السردية في مجموعة (ندوب)[1]، بالتركيز على البنية، والدلالة، والوظيفة.

 

Œالصـــورة السردية الموسعة:

تحتل الصورة البلاغية مكانة هامة في الدراسات الأدبية والنقدية واللغوية؛ لأن الصورة هي جوهر الأدب، وبؤرته الفنية والجمالية. كما أن الأدب فن تصويري يسخر الصورة للتبليغ والتوصيل من جهة، والتأثير في المتلقي سلبا أو إيجابا من جهة أخرى. لكن الأدب ليس هو الفن الوحيد الذي يستثمر الصورة في التعبير والتشكيل والبناء، بل تشاركه في ذلك مجموعة من الأجناس الأدبية والفنية كالرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والقصة الشذرية، والمسرح، والسينما، والتشكيل...ويعني هذا أن الصورة لم تعد حكرا على الأدب، بل لها نطاق رحب وواسع. ولم تعد تحتكم إلى مقاييس البلاغة التقليدية فحسب، سواء أكانت عربية أم غربية، بل تطورت هذه الصورة البلاغية ، وتوسعت مفاهيمها ، وتنوعت آلياتها الفنية والجمالية، وتعددت معاييرها الإنتاجية والجمالية والوصفية. ولم يتحقق ذلك إلا مع تطور العلوم والمعارف ، بما فيها الفلسفة، وعلم الجمال، والبلاغة، واللسانيات، والسيميوطيقا، والشعرية، والمنطق، والتداوليات...ومن ثم، فقد أضحت الصورة قاسما مشتركا بين هذه الحقول المعرفية والعلمية؛ إذ كل تخصص يدرس الصورة في ضوء رؤية معينة، يفرضها منطق التخصص المعرفي، وتستوجبه آلياته المنهجية والتحليلية في الفهم والتوصيف والتفسير[2].

 

أنـــــواع الصور السردية:

وظف ميمون حرش مجموعة من الصور السردية في مجموعته الجديدة (ندوب) ، ويمكن حصرها في الصور التالية:

 

صــــورة التــــوازي:

نعني بصورة التوازي تلك الصورة البلاغية القائمة على التعادل والتوازن والسيميترية الإيقاعية والصرفية والتركيية والدلالية، وهدفها خلق هارمونيا سردية جاذبة للمتلقي، والتعبير عن توتر درامي ، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (قبل البوح):

" قبل البوح..

حيارى، مرضى..

بيوتهم مشروخة،

قلوبهم مكلومة..

تتعرش الندوب في جلودهم عُليقات..

لكل نَدْبة قصة قصيرة جداً..

ونشهد أنهم هنا ليحكوا..[3]"

يلاحظ التوازي الصرفي بين كلمتي (حيارى / مرضى)، والتوازي التركيبي بين العبارتين (بيوتهم مشروخة/ قلوبهم مكلومة). ومن ثم، يتخذ هذا التوازي طابعا شاعريا مأساويا، قوامه الأسى والحيرة والمرض والألم المتراكب.

 

صـــورة السخرية:

تمتاز القصة القصيرة جدا بمكون السخرية الناتج عن نقد الواقع السلبي، وتعرية انبطاحه وفظاظته وبشاعته ، ورصد تناقضاته الجدلية كما وكيفا ، بالجمع بين المتضادات المتنافرة التي تترك انطباعا حادا وساخرا في نفوس القراء. ومن هنا، تطفح قصيصة (مبارك) بالسخرية السياسية التي يتقاطع فيها الكرسي بالثورة، والتسلطن بالحق:

" فار تنور الثورة، و أفرغت الحناجر أثقالها، وتقيأت النفس كل صغيرة وكبيرة ، وحكت ما للضعفاء وما لها ؛ فرعون، أيضاً، في المنام يزور ميدان التحرير، يشحذ لسانه ، ويُسر في أذن خَلفه المبارك ناصحاً:

"لا تركب رأسك ،خذ الحكمة عنـــي...كنتُ مثلك، عاندت، فسقطت على رأسي..

وأنا الآن أجلف.. وها أنا ، بما آليتُ إليه،أعيرك رأسي، فأسي، نفسي.."

مُبارك متحسساً الرأس والكرسي:

" وهل هناك في مصر الآن أحسن مني فـــى الجن أو الإنس،

أموت، ليس مشكلاً ، لكن فوق الكرســـــي.."

فرعون يدير الظهر راجعاً وهو يهمس:

تَعساً... هذه حال الفراعنة منذ الأمــــــــــــس..[4]"

يستخدم ميمون حرش المقتبسات الدينية والتراثية والتاريخية لتقوية فعل السخرية، وتعضيده نبريا وإيقاعيا ودلاليا وتداوليا.

وتكثر هذه الصورة في القصيصات السياسية التي تجسد صراع الرعية المغلوبة على أمرها مع الراعي المستبد، كما في قصيصة (كي أعيش!):

" يشرب الشعب من النيل دماً..

ثم يسقط صريعاً..

الرئيس من شرفتهيراقبهم،و يتجشأ نياشينه ،

يشير لمن يردد " ارحل"، ويصيح في زبانيته:

" امنعوا عنهم " العِيش"،

و اِضربوا الجيش بالجيش..

كـي أعيش...     [5]"

تجسد هذه الصورة الثورة المصرية في صراعها مع الطاغية الذي لايهمه سوى الظفر بسلطته ، ولو باستعمال القوة والبطش والعنف غير المبرر؛ لأن الغاية تبرر الوسيلة ، كما يقول ميكيافيلي في كتابه المعروف(الأمير).

 

صـــورة المقابلـــة:

تستند صورة المقابلة إلى الجمع بين المتضادات على مستوى العبارة واللفظ والمعنى، والتقابل بينها إيجابا وإثباتا ، والعكس صحيح أيضا. وقد قال أبو هلال العسكري:" المقابلة إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة.[6]" ويتضح هذا جليا في قصيصة (الحكاية الأخرى):

" وهن العــظم منه ، يتكئ على عصاه، يترنح بها..

يمر بقادِرين[7] يتهامسون:

" طعامنا يسوء..هذا الحطب لا يجدي.."

الشيخ يلقي بعصاه وسطنارهم،

وينضم إليهم..

لا يأكل طعامهم، هم يأكلون..

يحكي لهم حكايتهم، ولا يسمعون..[8]"

يستعمل الكاتب صورة المقابلة إثباتا وإيجابا بطريقة معاكسة (لايأكل طعامهم، هم يأكلون، ويحكي لهم حكايتهم، ولايسمعون). ومن ثم، تعبر هذه المقابلة عن جدلية التنافر بين حكيم ناصح وقوم لايفقهون. وتتخذ هذه المقابلة طابعا ذهنيا (الحكاية) من جهة، وطابعا ماديا (الأكل) من جهة أخرى.

 

صـــورة الميتوس:

تتميز صورة الميتوس أو صورة الأسطورة بنسج حكاية أو حكايات قد تكون خرافية أو حقيقية حول رمز من الرموز البشرية أو الحيوانية أو الخارقة. وتحمل تلك المحكيات معاني إنسانية ثرة ، كما في قصيصة (المنجل):

" تسقط الأمطار بغزارة..

يحل الحصاد مبكراً هذا العام..

تحمل "نونجا" منجلها ..

تبدأ من نفسها...

وتصدها أوحال الأزمنة الغابرة..[9]"

يلاحظ أن ( نونجا) رمز أسطوري في الثقافة الأمازيغية، وهي امرأة جميلة حسناء، ورمز للذكاء والحكمة وصواب الرأي، على عكس (ثامزا/ الغولة) التي هي رمز الشر والحقد والعدوان. ويبدو أن نونجا ، في هذه القصيصة ، رمز للتغيير والممارسة الفعلية، إذ تبدأ مهمتها بتغيير نفسها أولا، قبل أن تنتقل إلى تغيير الواقع المهترىء بالترسبات الصدئة.

 

صـــورة المشابهـــة:

تستند صورة المشابهة إلى التشبيه، والتشخيص، والاستعارة بنوعيها: التصريحية والمكنية. والغرض من ذلك هو الأنسنة والإحيائية، وخلق الدينامية الحيوية في المستعار له ، بنقله من حالة السكون إلى حالة الحركة والنماء والتدفق، كما يبدو ذلك بينا في قصيصة (مطلقة):

" يترنح حزنها في ثوب حدادها..

يفرخ كربها ،

وتلملم بعض الذكرى المترسبة في العمق،

تجمعها برفق،

وكطفل صغير شكلت منها قلباً من ورق..

ثم رمته من نافذة لم ُتفتح منذ سنين..[10]"

تنبني صورة المشابهة، في هذه القصيصة، على التشخيص (يترنح الحزن) ، والاستعارة ( يفرخ- تلملم- تجمع- رمته)، والتشبيه (كطفل صغير)، من أجل خلق صورة مأساوية للمطلقة التي كان ينخرها الحزن والكرب والذكريات البئيسة؛ بسبب غياب الحب النابض بالحركة والحياة والدفء الشاعري.

 

صـــورة التــدرج:

يقصد بصورة التدرج (Graduation) التعداد الزائد أو الناقص، وقد يدل على الترتيب في مختلف توجهاته ومناحيه. ومن ثم، تحمل الصورة طابعا كميا دالا ، كما يتبين ذلك جليا في قصيصة (كؤوس عربية):

" البراد متوج كأمير هندي وسط كؤوس البلار..

الجدة محاطة ببناتها السبع تصب الشاي..

الكأس الأولى، المذاق حلو،

الثانيـــــــة،     مُـــــر،

الثالثــــــة،   بدون سكر..،

والرابعة، و...   ،   ...

البنات بصوت واحد:

" يا للعجب!.. كؤوسنا من بطن واحدة.. و شاينا مختلف "..

وتحكي لهن الجدة حكاية الكأس العربية...

والفم الكبير المسطور على بقاياها منذ تسعة قرون..[11]"

تعتمد هذه الصورة القصصية على التدرج الكمي والعددي (الكأس الأولى، الثانية، الثالثة، والرابعة، بصوت واحد، البنات السبع، تسعة قرون) ، بغية التعبير عن ثنائية الوحدة والفرقة، وتشخيص واقع الأمة العربية في انقسامها وتشذرها وتمزقها، وتجسيد مأساة ذلك الشرخ وعواقبه الأليمة.

وتظهر صورة التدرج بوضوح أكثر في قصيصة (حياة) :

" حلف بالمحرجات الثلاث ألا يعودإليها..

صبر لليومالسابع..

في الثامن اضطرمت شهوته،

وقَـرِمتلهاتُه،

وفي العاشر طرقتْ بابَه أخـــرى..

خرج إليها عارياً ، فلبستهللأبد[12].."

تمثل هذه الصورة التدرج الصاعد الذي يكشف عن تصاعد الليبيدو الشبقي لدى الشخصية المرصودة ، وانسياقها المتلهف وراء نزواتها اللاواعية، وانقيادها الطائش بشهواتها الغريزية التي تعبر عن رغبات مقموعة أو مكبوتة حسب التصور الفرويدي(Freudien).

 

صـــورة المفارقــة:

تنبني صورة المفارقة على انفصال النظرية عن الواقع، وتطابق المتضادات، وتداخل المتنافرات إلى حد السخرية والغرابة والاندهاش، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (الخريطة):

" الكتاب مفتوح.. ولا يقرؤه أحد..

في التقديم ،

" كل العرب ،كما نعرفهم، فَكِه مُنافث .

يطربون ما لا تطرب المثالث.."

وفي كل الصفحات،

"   إسرائيل تفلي الحديد، وترسم الخريطة..[13] "

تقدم هذه القصيصة صورتين متناقضتين ومفارقتين على مستوى الفعل والإحساس والشعور: صورة كاريكاتورية بشعة للإنسان العربي المنغمس في جهله وشهواته وانبطاحه الوجودي والكينوني، وصورة واقعية إيجابية لإسرائيل، وهي تملك زمام القوة والسلطة والغلبة لرسم خريطتها على أرض الواقع العربي.

 

الصـــورة المضمـــرة:

تتأسس الصورة المضمرة على خاصية الحذف والصمت، والمنع من البوح والفضح والتصريح. ومن ثم، فالمضمر تعبير عن رغبات مكبوتة ومقموعة، لايمكن أن تتجلى أو تظهر على سطح الأنا، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (رعب):

" في (...) أتوسد همي،

أحترق بنار أهلي ،

بين الموتى لا أعثر على جثتي..

ما همني غير طفل بجانبي،

رضاعته في فمه لا تزال..

أحضنه ونغرق في حمم..[14]"

تترنح هذه الصورة المضمرة بالمأساة والعنف والعدوان البشري، ويختلط رعبها بالزمان والمكان. وتتخضب الإنسانية والطفولة بمرارة الموت، وقرحة الفجيعة، وندوب الجروح الغائرة.

 

صورة الامتــــداد:

تستند صورة الامتداد إلى تشابك الأحداث وتعقدها وامتدادها في الزمان والمكان، وتوسعها على مستوى التحبيك والتمطيط السردي والخطابي، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (دم بارد):

" هـناك ،

الدم أحمر..

وهـنا،

لا لـون له..

العنف يقتحم شاشات البيوت..

الناس يشربون الشاي، يأكلون الفستق،...

و يشاهدون قيامة غزة ، وضحايا الإرهاب و الكيماوي..

في الصباح يتأنقون...

ينتشرون في الأرض..

ويمارسون الحياة..

يعـــودون مساء..على خبر عاجل:

" اللعنة عليكم جميعاً ".."[15]

تمتد هذه الصورة السردية الموسعة في الزمان والمكان، كما تتأرجح بين القرب والبعد، بين الموت والحياة، مكونة بذلك صورة اللامبالاة أوصورة المفارقة بين النظرية والتطبيق.

 

الصـــورة الإحاليـــة:

نعني بالصورة الإحالية تلك الصورة القائمة على التضمين، والاقتباس، والتناص، واستثمار المعرفة الخلفية، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (جاران):

"(عبد الغني) ثري ، وابن جلا..

يدعـو إلى مأدبته الجفلى..

وجاره منبوذ لا نصيب له منها،

رث الثياب، عاصب البطن..

في زاوية، بانكسار، يتأمل الحشود الوافدة،

يتملى سياراتهم الفارهة، ويحسبُــها كطفل..

لا يدخل بيته، إنما يظل الليل ساهراً،

يحرسها مجاناً..[16]"

تحبل هذه القصيصة بصور الإحالة ، مثل: صورة " ابن جلا" المأخوذة من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايــــــا         متى أضع العمامة تعرفوني

صليب العود من سلفي نـــزار       كنصل السيف وضاح الجبين

 

وصورة " يدعو إلى مأدبته الجفلى" التي تحيلنا على بيت الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:

 

نحن في المشتاة ندعو الجفلى     لاترى الآداب فينا ينتقر

 

وصورة " عاصب البطن" التي تحيلنا على بيت الحطيئة:

وَطاو ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ

         

ببيداءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى تمكن ميمون حرش من أدواته الثقافية، وغنى معرفته الخلفية، وتنوع خطاطاته ومدوناته وسيناريوهاته الإحالية، وثراء جعبته التراثية، ولاسيما الأدبية منها.

 

الصــــورة النقيضـــة:

تستند الصورة النقيضة إلى مجموعة من الدوال المتناقضة والمتطابقة التي تعبر عن اختلاف الدلالات والرؤى والتصورات بين الأصوات المتجاذبة داخل النص، كما يظهر ذلك واضحا في قصيصة (زوجان):

" أحبُّ الليل ،

وتحب النهار..

الشمس تمارس طقسها غير مبالية بنا،

تشرق وتغرب ...

في المساء،

في سرير واحد نتعرى، وننتن من كثرة النوم،

بلذة الجنس ندمر عشنا بسبب الضجر..

وفي الصباح،

نستر عوراتنا،

نتأنق ،

وننشغل بحماس بإعادة بناء زواجنا من جديد..[17]"

 

تطفح هذه القصيصة بمجموعة من المتناقضات المتنافرة التي تعبر عن جدلية الصراع بين الزوجين، على الرغم من التساكن المؤقت الذي يغلب عليه الضجر الوجودي.ومن أمثلة الصورة النقيضة نذكر( أحب الليل، وتحب النهار- تشرق وتغرب- المساء والصباح- ندمر ونبني).

 

الصـــورة الوصفيـــة:

تعتمد الصورة الوصفية على ذكر النعوت والصفات والأحوال، إلا أن الوصف، في القصة القصيرة جدا، يتسم بالانتقاء والتركيز والاقتضاب، بدل الإسهاب والتفصيل والإطناب، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (قناص):

" بحزم ليل شتوي طويل، ينزوي في ركن قصي بوجه مقنع،

لا تظهر من رأسه المُلتاع سوى عينيْن جريحتين، و من كوة في الحائط يرصد "ضحاياه "، يمسح فوهة مسدسه بيد لا تخطيء..يرنو داخله، يضع يده على قلبه قبل الطلق..

نبض رقيب كان يشاهده يتسارع، وعلى فمه يجف سؤال:

" متى يسدد؟!"

(...)

طلقة ، طلقتان..

لا صراخ.. فقط أرواح.."

صاح أحدهم من كوة أخرى : "لن يموت أحد..مادمتَ مُتوارياً أيها المأفون ..[18]"

تتضمن هذه الصورة الوصفية مجموعة من النعوت التي أسبغت على القناص الذي يرصد الضحايا والأرواح بدقة حادة، مثل: ليل شتوي طويل، وفي ركن قصي، بوجه مقنع، عينين جريحتين.

إذاً، ينتقي ميمون حرش أوصافا هادفة ومعبرة ، دون التطويل أو التشعيب أو التفصيل، مراعيا قواعد الجنس القصصي القصير جدا.

 

الصورة الميتاسردية:

تقوم الصورة الميتاسردية على فضح الكتابة السردية، وتبيان آلياتها الإبداعية والنقدية، وتصوير سياقات الخلق والابتكار ، ورصد طرائق التخييل وعوالمه المرجعية والخارقة، كما يتضح ذلك بينا في قصيصة (اغترار):

" فاز بمسابقة القصة القصيرة جداً ،

اغـــتر..

فأحرق الروايات الطويلة..[19]"

تشير هذه القصيصة إلى جدلية الصراع بين الأجناس الأدبية، ولاسيما الصراع الموجود - الآن- بين القصة القصيرة جدا التي تبوأت مكانة متميزة في الساحة الثقافية ، وباقي الأجناس السردية الأخرى، كالقصة القصيرة ، والأقصوصة، والرواية. بيد أن الكاتب يدعو إلى نوع من الانفتاح الأجناسي، بغية تطوير الكتابة السردية لتتخذ طابع التهجين البوليفوني.

 

الصــورة المدمجـــة:

 

يقصد بالصورة المدمجة إدماج أعمال سردية مختلفة في نص دامج واحد، كما في قصيصة (خطبة):

" "ريف " الحسناء ما زالت مؤمنة بأن المرأة التي لم تتزوج أكثر من رجل واحد لم تتذوق حلاوة الحياة..

تتذكر هذا الآن ويد الأخرس بن صمام ممدودة...

ساءتها الإعاقة في الرجل الذي يطلب يدها...

لكن أرضها التي حرثتها لعنة الأزواج من جفاف ومَحل تناديها..

الجَمال الأخضر موكبُ حُبّــها الآن..

لن ترفض ..

سيتم الزواج قريباً..

وخير التاريخ ما كان غداً..

(ذلك التاريخ الذي يصنعه أزواجُها، وابن صمام واحد منهم.. )[20]"

أدمجت هذه القصيصة عملين سرديين في نص واحد تأليفا وتركيبا وتناصا وحوارا، حيث أدمج المبدع مجموعته (ريف الحسناء) ومجموعة ( حدثني الأخرس بن صمام) لجمال الدين الخضيري في قصيصة واحدة ، بغية خلق صورة سردية مركبة ومهجنة، تعبر عن تهافت الأزواج والخطاب لنيل ود ريف الحسناء.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، لقد استعمل ميمون حرش، في قصصه القصيرة جدا، مجموعة من الصور السردية التي تندرج ضمن البلاغة الرحبة. وبالتالي، لم نعمد ، في بحثنا هذا، إلى استقصاء كل الصور التي تتضمنها مجموعته، فهي كثيرة ومتنوعة ومتميزة، وتحتاج إلى صبر وتأن وجلد من أجل سبر أغوارها، وإبراز بناها، واستجلاء دلالاتها ، واستكشاف وظائفها.

وعليه، تندرج كتابة ميمون حرش ضمن الكتابة السردية المهجنة التي تجمع بين التجريب والتأصيل. ومن ثم، تتميز لغته بالعتاقة ، والرصانة التراثية، والتهجين الإحالي، والأسلبة البوليفونية، علاوة على سمات أخرى تتميز بها صوره المنثورة هنا وهناك، مثل: السخرية، والمفارقة، والنقيضة، و الكاريكاتورية، والحوارية، والروح النقدية...

وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن ميمون حرش ميال إلى الإيحاء، والترميز، والأسطرة، وتوظيف التناص، وتشغيل المعرفة الخلفية، واستعمال الكتابة التراثية بناء وتجنيسا وصياغة ورؤية، دون الانغماس في التراث إلى أخمص قدميه، إذ كان منفتحا، من حين لآخر، على الواقع الراهن بكل تناقضاته الجدلية، مع التوسل بكتابة معاصرة لينة ومهذبة ومنقحة وسلسلة فصاحة وبلاغة وتداولا.

 

د. جميل حمداوي

.....................

[1]- ميمون حرش: ندوب، قصص قصيرة جدا، رباط نيت، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2015م.

[2]- د.جميل حمداوي: بلاغة الصورة السردية في القصة القصيرة، منشورات الزمن، العدد: 41، الرباط، المغرب،الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:29.

[3]- ميمون حرش: ندوب، ص:20.

- [4] ميمون حرش: نفسه، ص:21.

[5]- ميمون حرش: نفسه، ص:37.

[6]- أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، تحقيق محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مصر، طبعة 1952م، ص:337.

 

[8]- ميمون حرش: نفسه، ص:22.

[9]- ميمون حرش: نفسه، ص:23.

[10]- ميمون حرش: نفسه، ص:24.

[11]- ميمون حرش: نفسه، ص:29.

[12]- ميمون حرش: نفسه، ص:33.

[13]- ميمون حرش: نفسه، ص:30.

[14]- ميمون حرش: نفسه، ص: 36.

[15]- ميمون حرش: نفسه، ص:39.

[16]- ميمون حرش: نفسه، ص: 40.

[17]- ميمون حرش: نفسه، ص:125.

[18]- ميمون حرش: نفسه، ص: 134.

[19]- ميمون حرش: نفسه، ص: 117.

[20]- ميمون حرش: نفسه، ص:111.

في جلباب الحزن .. وفاء عبد الرزاق

wafaa abdulrazaq3تضع الشاعرة وفاء عبدالرزاق بصمتها في يوم الأم بحزن عميق تقدمه بنص بين يدي أمها التي ما تزال حية حاضرة في ذاتها ،تجسد في النص معاناتها الحقة إذ تقول:

 

جديلتها السماء

(أشعرُ بحزنٍ عميقٍ يا أمي

كل شيء يصبح أعمى

إن لم يرَ جديلتك السماء

كيف أرتقي الوشم

ويدكِ على كلِ النوافذِ

حزمة ضوء؟.

أشعر بعمق حزن المطر

لأنه ابن دمعكِ

أشعرُ باللا شيء حولي

لأنك هناك

هل " هناك" أعز مني فأطلتِ البقاء؟

أشعر بعمر يلدغ قلبي

فالدقائق أفاعٍ

أفاعٍ يا أمًّي.

والساعاتُ الفأس تحطبني

في غيابك؟)

 697-wafa

إن الحزن بوابة السواد ومدعاة للعمى، حين يستحضر القلب من يحب في الـ (هنا)، يصعب عليه تقبل البعد، فيقبع في عالم السكون لتأسره الذكريات، فيصبح محطا تأتي وتغدو فيه الأفكار.

هكذا تشعر (وفاء عبدالرزاق) بالحزن والضيق الغريب حين ترى أمها بالرؤيا الشعرية وتستحضر زمنا لا يغيب عنها ،على الرغم من أن الكل حولها، فلا مجال للتعويض عن الأم وعاطفتها عن تلك النبتة التي تعطي ببذخ فادح دون مقابل .

لا.. أقول سوى كان الله في عونك كيف انقضت عليك هذه الليلة الغريبة المثقلة بالوجع، وأنت تسطرين وجعك كتابة وشعرا، كيف كانت ليلتك وأنت تعيشين اللحظة تلو الأخرى باحضانها المبعدة .

إذ في القصيدة كل شيء يتأرجح بين الحضور والغياب الـ (هنا وهناك) وعلى الرغم من ان المسافة تطول بينهما، لينتهي الأمر بالغياب في الخاتمة بـ (في غيابك) . لكن تبقى حقيقة الاتصال موجودة اتصالا ذاتيا روحيا يخلد البقاء، ويعطي فرصة للـ(هنا) تنفس الأمل وجلب المحب على عجل.

فالمشاعر التي أثقلت الشاعرة، وجثمت على صدرها تترجمها بمفردات تقف في عالم الغياب بقولها : ( حزن عميق/ كل شيء يصبح أعمى/ لم تر / الوشم / بعمق حزن المطر/ ابن دمعك / اللاشيء حولي / يلدغ قلبي / الدقائق أفاع / الساعات الفأس تحطبني).

وكل هذا يدور ويحدث لأن المخاطبة (الأم) تسكن عالمها الأبدي في الـ (هناك) بقولها: (لأنك هناك/ في غيابك)، فلا شفيع للغياب مهما كان حتى وإن تلبس بالرحيل لعالم آخر .

يأتي السؤال بشقين متباعدين يدوران كذلك في مدار - مكان الـ (هنا وهناك) لتتعمق مرارة الحيرة وتكتمل دائرة الحزن بقولها: (كيف أرتقي الوشم/ ويدك على كل النوافذ/ حزمة ضوء؟) و(هل هناك أعز مني فأطلت البقاء؟) في السؤال الأول نرى الأم ترتبط بالمعين على اختراق الصعاب ومواجهتها بهيبة العطاء والبذخ. وفي الثاني نرى المقابل الأبناء في مواجهة فيضها الحبي الحنيني في تجني وغيرة بالسؤال عن الأعز؟ وكأن السؤالين يترجمان واقع الحال ما بين الأثنين الشخصيتين والعالمين المتناقضين .

الشاعرة ترى وشم يد أمها كحزمة ضوء على النوافذ، فكيف الإرتقاء إليه كي تصله أو تكون مثله ؟ وتقول عن ذلك الشاعرة في حوار معها: (هو حزن ضوء على كل النوافذ، فلا استطيع الارتقاء اليه، لأصبح مثله لذلك اتساءل كيف؟)

تسيطر على الذات عوالم مخيفة واحساس بالزمان قاتل ومميت يعصرها شيئا فشيئا، إذ يصبح الزمان عدوا للذات في غياب (الأم) كما في قولها: (بعمر يلدغ قلبي/ الدقائق أفاع / والساعات الفأس تحطبني)، فكيف بالعمر يلدغ القلب ويتحول إلى أفعى تقتص من الذات، والدقائق كذلك في هذا التحول، لتكون الساعات فأسا تكتظ على الذات تنهي امالها .

هكذا ينسج الغياب فعله على الذات، فيمنعها من الراحة، ويقلق سكينتها في الحاضر التي ما زالت تذكره بما أحدثه من وجع وشرخ أدمى قلبها .

وإذ اسعفت الشاعرة هذا النص بصورة شخصية لها، فهي تحاول الجمع بين العالم الكتابي والتصويري، للتترجم هذا الحزن أصدق تعبير بصورتها الشخصية، وهي راسية بحزنها مستغرقة فيه، وصورتها تمثل الذات والآخر معا أي ذاتها وأمها، لأنها جزء من الأم دالة عليها في كل شيء ،ولا سيما في السمة الجوهرية المشتركة بينهما (الشعر) منفذ الحوار، ولقاء الاتصال وقتما صعب ذلك، وابتعد الاتنان كل في عالمه يصارع الحياة .

فالصورة الشخصية للشاعرة كان اختيارها ينم عن حزن عميق عن قلب ألقى استراحته والتقى بالعيون للحوار كي تواصل مدها البصري الرؤيوي نحو جهة البعيد المجهول .. فهل تقتنص المستقبل ببعدها؟ أم تنظر إلى الماضي تسترجعه شريطا حيا متحركا يمر أمامها وهي في ذهول؟ تجوبين بعيدا أيتها الشاعرة فأنت بجسدك هنا لكنك بروحك هناك تعيشين، تهت في عالمك بين هنا وهناك، فمتى يكتب لك أن ترتاحي مما يثقلك؟!