المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

أبو الشمقمق بين المنصور وشعراء عصره وأعرابيه(2) .. أبو الشمقمق بتمامه بين وجودية فقره وخلود ذكره

4karem merza - شعره .. وديوانه: شعره يمتاز بالجزالة والقوة، والسلاسة والضعف، والسليم والملحون، والقصائد المطولة، والأبيات المنثورة، والمقطوعات والنتف،حافظ على عمود الشعر العربي، وأغراضه أغراضه من مديح وهجاء وحكم، ولكن برع في الوصف، وبلغ القمة حتى عد مجددا في محادثته لسنوره، ووصفه لبيته، وقد صدرنا الحديث عنه بما لذ وطاب من شعره بعذبه والعذاب !!

يذكر لنا الدكتور واضح محمد الصمد في معرض جمعه وتحقيقه لديوان أبي الشمقمق: له ديوان مرتب على الحروف، فيه /57/ مقطوعة، تضم /216 / بيتاً، جمعها المستشرق النمساوي (جوستاف فون جرو نباوم)،، ثم قام الدكتور محمد يوسف نجم بترجمة الدراسات، وأضاف من خلال تحقيقه ست قطع تتألف من /35/ بيتاً، وزاد الدكتور واضح نفسه أربع قطع،وثلاثة أبيات، وحذف بيتاً واحداً، ورتب القوافي بتقديم المكسور، فالمفتوح، فالمضموم، فالساكن . (5)

ينقل الخطيب في (تاريخ بغداده) عن أبي العباس المبرد قوله: " كان ربما لحن ويهزل كثيرا ويجد فيكثر صوابه ." (6)

 

5 - شهرته...جرأته... بداهته:

لم يحفل به في مجالس الخاصة من خلفاء ووزراء وكتاب وقادة وززعماء وأعيان، لبساطته وشعبيته وهزله، وعدم مبالاته، أو قل لعدم قدرته على الرياء والتملق، والسلوك الدبلوماسي بلغة عصرنا، فأجبرته الحياة على أن يرى الناس جحيماً، فنبذهم وعاش الوجود كالموجود فراشه الأرض، سقفه السماء أو قطع السحاب، وأصدقاؤه السنور والفأر والعناكب والحشرات، فنقل لنا حياة الفقراء والكادحين والمستضعفين من الشعب في عصر ينعت بالذهبي، لرقي حضارته، واستقراطية نبلائه، وجمال جواريه الحسان، والتمتع بالمخانيث من الغلمان، ولم يكن الرجل مغموراً - كما يقال -، ولكنه عاجز عن مجاراة ومنادمة الكبار، ويسخر من المتهافتين عليهم بالدجل والرياء: !! أنقل إليك هذه المشاهد الشمقمقية:

 

6 - أبو الشمقمق بين يدي المنصور وخالد بن يزيد الشيباني

أ - ما بين أبي الشمقمق والمنصور:

يروي لنا ابن المعتز في (طبقات شعرائه)، وهو ينفرد في جعل وفاة أبو الشمقمق 180 هـ، وهو غير صحيح، وستتفق معي، ويذهل ابن المعتز نفسه، مما سنلزمه عليه، المهم سننقل هذه الروايتين من (طبقات شعراء) معتزنا ، إحداهما في شرخ شباب الشمقمق ، والأخرى في نهاية حياته:

عن " إسحاق بن إبراهيم الموصلي يقول: ماتت ابنة عم للمنصور، فحضر المنصور دفنها، فلما صار على شفير القبر إذا هو بأبي الشمقمق. فقال له: ما أعددت لهذا الموضع؟ قال: ابنة عم أمير المؤمنين. فضحك المنصور في ذلك الموضع، على أنه قليل الهزل، وقد روى بعض الناس أن هذا الكلام لأبي دلامة مع المنصور . " (7)

بادئ ذي بدء، ابن المعتز هو ابن خليفة عباسي، وهو نفسه أصبح خليفة لليلة وخلع وقتل (297 هـ)، يسند روايته عن إسحاق الموصلي، وهو النديم الأول لجده المعتصم، ومن عائلة لصيقة جداً ببيت الخلافة العباسية، إذ يعتبر بطل المشهد أبا الشمقمق ، ويسرد ابن المعتز عابراً دون أي سند، وإنما لبعض الناس أنّ بطلها أبو دلامة فلا أتردد من قبول صحة نسبتها لأبي الشمقمق، وما أبو دلامة إلا بطلاً مزعوماً، اكتسب البطولة لشهرته، وعلاقته الحميمية مع المنصور، فعلى أغلب الظن نسبة الرواية لأبي دلامة غير صحيحة، وأكرر ابن المعتز ابن بيت الخلافة، وقريب لعصر الرواية، وسنده إسحاق الموصلي، وما أدراك من هوهو هذا الإسحاق !! .

هذا يعني لنا أن أبا الشمقمق كان جريئاً جداً، حاد الذكاء، وذا سرعة بديهة لا تجارى، وشخصية معروفة، وهو في شرخ شبابه .

 

ب - ما بينه وبين خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني:

وهاك الرواية الثانية:

" ولما ولي المأمون خالد بن يزيد بن مزيد الموصل خرج معه أبو الشمقمق، فلما كان وقت دخوله البلد اندق اللواء، فتطير خالد لذلك، واغتم غما شديدا، فقال أبو الشمقمق فيه:

ما كان مندق اللواء لريبة *** تخشى ولا سبب يكون مزيلا

لكن رأى صغر الولاية فانثني *** متقصدا لما استقل الموصلا

وكتب أصحاب الأخبار بذلك إلى المأمون، فولى خالدا ديار ربيعة كلها، وكتب إليه: هذا الاستقلال لوائك ولاية الموصل. وأحسن إلى أبي الشمقمق، ووصله بعشرة آلاف درهم. وتوفي أبو الشمقمق في حدود الثمانين ومائة "، (8) وابن الأبار في (حلته السيراء)، يؤكد الرواية، وينقلها بأبياتها، ويزيد " فسر خالد بما صدر منه في الحين وسرى عنه وأحسن إليه " (9)

وهذا يعني أيضاً أن الرجل استمر على شهرته بالرغم من فقره المقذع، وإن كان بين الحين والحين البعيد يقنص جائزة أو عطية أو مكرمة من ذوي المقدرة والجاهة والسلطان، ولكن وقع ابن المعتز في تناقض غريب عجيب في ذكر خبر وفاته (180 هـ)، وذكره لرواية تولية المأمون لخالد بن يزيد ولاية الموصل، ومرافقة أبي الشمقمق له، ولا ريب أن هذه الولاية لم تتم قبل 185 هـ وهي سنة وفاة يزيد بن مزيد والد الخالد، ثم أن المأمون ولادة 170 هـ،لا يعقل أن يوليه أبوه الرشيد الرشيد منصباً رفيعاً حساساً خطيراً، ولم يتجاوز العشر سنوات، وابن المعتز ينفرد في هذا التاريخ لوفاة الشمقمق،إذن تاريخنا الذي دوّناه لوفاته هو الصحيح .

 

7 - ما بينه وبين شعراء عصره:

كان للرجل علاقات مشوبة بالارتزاق والحقد عليهم وعلى عصره الذي أهمله وسحقه، مما جعله يهبط للعامة، فيتأثر بلحنهم وسوقيتهم وابتذالهم، ينقل الخطيب البغدادي في (تاريخه) خبراً

مسنداً عن ابن عائشة، إذ يقول: يعجبني من شعر أبي الشمقمق في وصف بغداد:

ليس فيها مروءة لشريف *** غير هذا القناع بالطيلسان

وبقينا في عصبة من قريش *** يشتهون المديح بالمجان (10)

كما ترى أن البيتين رائعين، وكان الرجل صادقاً مع نفسه، ومع مجتمعه، ومع شعراء عصره، فإليك أخباره مع بعضهم:

 

أ - ما بينه وبين أبي العتاهية:

وفي رواية ينقلها الأصفهاني في (أغانيه) تبين موقف أبي الشمقمق من الشعراء الكبار ممن لديهم حظوة كبيرة في مجالس الخلفاء والوزراء وعلية القوم وأعيانهم مثل أبي العتاهية الذي كان يساير المغنثين، مما يثير حقد وضغائن شمقمقنا الفقير المعدم الوجودي، وبالتالي كان يتهيبه أبو العتاهية ، ويخشى لقاءه في مجلس واحد، ففي مرّة اعترضه الشمقمق قائلاً: أمثلك من يضع نفسه هذا الموضع مع سنك وشعرك وقدرك ،فقال له أبو العتاهية: أريد أن أتعلم كيادهم وأتحفظ كلامهم .(11)، إليك رواية الأصفهاني:

" اجتمع أبو نواس وأبو الشمقمق في بيت ابن أذين وكان بين أبي العتاهية وبين أبي الشمقمق شر فخبأوه من أبي العتاهية في بيت.

ودخل أبو العتاهية فنظر إلى غلام عندهم فيه تأنيث فظن أنه جارية فقال لابن أذين متى استطرفت هذه الجارية فقال قريبا يا أبا إسحاق فقال قل فيها ما حضر فمد أبو العتاهية يده إليه وقال:

مددتُ كَفّي نحوَكم سائلاً *** ماذا تَرُدُّون على السائِلِ

فلم يلبث أبو الشمقمق حتى ناداه من البيت:

نَرُدّ في كفِّك ذا فَيْشَةٍ *** يَشْفِي جوىً في اسْتِك من داخلِ

فقال أبو العتاهية شمقمق والله وقام مغضبا (12)

 

لا تعليق لي، تركت أمره لأبي العتاهية !!!

 

ب - ما بينه وبين بشار بن برد:

ويروي صاحب الأغاني عن دعبل بن علي الخزاعي قال:

كان بشار يعطي أبا الشمقمق في كل سنة مائتي درهم فأتاه أبو الشمقمق في بعض تلك السنين فقال له هلم الجزية يا أبا معاذ فقال ويحك أجزية هي قال هو ما تسمع فقال له بشار يمازحه أنت أفصح مني قال لا قال فأعلم مني بمثالب الناس قال لا قال فأشعر مني قال لا قال فلم أعطيك قال لئلا أهجوك فقال له إن هجوتني هجوتك فقال له أبو الشمقمق هكذا هو قال نعم فقل ما بدا لك فقال أبو الشمقمق:

إني إذا ما شاعِرٌ هجَانِيَهْ *** وَلَجّ في القول له لِسَانِيَهْ

أدخلتُه في استِ أمهِ عَلاَنِيَهْ *** بشّــــــارُ يا بشّــــارُ...

وأراد أن يقول يابن الزانيه فوثب بشار فأمسك فاه وقال أراد والله أن يشتمني ثم دفع إليه مائتي درهم ثم قال له لا يسمعن هذا منك الصبيان يا أبا الشمقمق

وفي خبر يسنده الأصفهاني للأصمعي قال:

أمر عقبة بن سلم الهنائي لبشار بعشرة آلاف درهم فأخبر أبو الشمقمق بذلك فوافى بشار فقال له يا أبا معاذ إني مررت بصبيان فسمعتهم ينشدون

هَلِّلِينَهْ هَلِّلِينَهْ ********** عْنَ قِثَّاةٍ لتِينَهْ

إنّ بشّارَ بنَ بردٍ *** تَيسٌ اعْمَى في سَفِينَهْ

فأخرج إليه بشار مائتي درهم فقال خذ هذه ولا تكن راوية الصبيان يا أبا الشمقمق (11)

 

ج - ما بينه وبين سلم الخاسر:

إن كان أبو العتاهية يهرب منه ويخشاه، وبشار الأعمى يسترضيه بمائتي درهم لكي يتخلص من شرّه، فتسعيرة سلم الخاسر خمسة دنانير في كلً هبّة من هبوبه، يروي صاحب الأغاني بسند عن زكريا بن مهران قال:

طالب أبو الشمقمق سلما الخاسر بأن يهب له شيئا، وقد خرجت لسلم جائزة فلم يفعل، فقال أبو الشمقمق يهجوه:

يا أم سلم هداك الله زورينا *** ..............

ما إن ذكرتك إلا هاج لي شبق *** ومثل ذكراك أم السلم يشجينا

قال فجاءه سلم فأعطاه خمسة دنانير وقال أحب أن تعفيني من استتزارتك أمي وتأخذ هذه الدنانير فتنفقها(14)

ويذكر الأصفهاني في مكان آخر خبراً ثانياً عن هجاء أبي الشمقمق لسلمه الخاسربسند عن الجماز قائلاً: إن أبا الشمقمق جاء إلى سلم الخاسر يستميحه فمنعه ، فقال له اسمع إذا ما قلته وأنشده:

حدثوني أن سلما *** يشتكي جارة أيره

فهو لا يحسد شيئا *** ....................

وإذا سرك يوما **** يا خليلي نيل خيره

قم فمر راهبك الأصلع *** يقرع باب ديره

فضحك سلم وأعطاه خمسة دنانير، وقال له أحب جعلت فداك أن تصرف راهبك الأصلع عن باب ديرنا (15)

 

د- ما بينه وبين الأعرابي الهجاء المتهتك:

من عجائب وغرائب أبي شمقمقنا أن يشتري الهجاء عليه بثمن، هو أحوج ما يكون إليه، يروي ابن المعتز خبراً مسنوداً عن ابن العلاف قائلاً: مر أعرابي بأبي الشمقمق الشاعر فقال له: يا أعرابي. قال: ما تشاء؟ قال: أتقول الشعر؟ قال: بعضه، قال: خذ هذا الدرهم واهجني. قال: فأطرق الأعرابي هنيهة ثم قال: ما رأيت أحدا يشتري الهجو بالثمن غيرك قال: وما أخذ. قال الأعرابي:

مررت بـ... بغل مسبطر *** فويق الباع كالحبل المطوقْ

فما إن زلت أعركه بكفي *** إلى أن صار كالسهم المفوقْ

فلما أن طغى وربا وأندى * ضربت به حر أم أبي الشمقمقْ

أزيدك، أم كفاك؟ وذاك أني *** رأيتك في التجارة لم توفق

فقال أبو الشمقمق: أعوذ بالله من الشقاء، ما كان أغناني عن هذه التجار . (16)

يا أبا الشمقمق أرى تعويذتك غير صادقة، وكنت تتمنى أن يكون الهجاء أقسى وأمر ، ليتداول الناس خبرك، ويشتهر ذكرك، وتشفي غليلك من مجتمع تراه لا يستأهل إلا هذا الهجاء العار، يكفينا هذا !!

 

....................

هوامش الحلقة الأولى والثانية

(1) العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي - 2 / 474 - الموسوعة الشاملة - الوراق .

(2) (تراجم شعراء الموسوعة الشعرية): 1 / 190 - الموسوعة الشاملة .

(3) معجم البلدان: ياقوت بن عبد الله الحموي أبو عبد الله - 1 / 365 - الناشر دار الفكر - بيروت.

(4) العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي م . س .

(5) ديوان أبي الشمقمق: جمعه وحققه الدكتور واضح محمد الصمد - دار الكتب العلمية - بيروت - 1995 م - الطبعة الأولى.

(6) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي ج 15 ص 186 - رقم الترجمة 7080 - المكتبة الشاملة .

(7) طبقات الشعراء: ابن المعتز - 1 / 35 - 36 - الموسوعة الشاملة - الوراق .

(8) م. ن.

(9) الحلة السيراء ابن الأبار 1 / 105 - الموسوعة الشاملة - الوراق.

(10) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي م. س . .

(11) الأغاني : أبو الفرج الأصفهاني: - ج 4 - ص 3 ...- دار الفكر - بيروت - ط2 - تحقيق سمير جابر .

(12) م . ن . ج 4 - ص 90 .

(13) الأغاني: ج3 ص 190 - م. س .

(14) الأغاني: ج 19 ص291 م . س .

(15) م . ن . 298

(16) طبقات الشعراء: ابن المعتز م . س .

 

رواية "صخرة هيلدا" وحوارات زمن القدّاح والعوسج

amir hushamتبقى الكاتبةُ هدية حسين واحدة من الكاتبات الروائيات العراقيات اللواتي بقين مواظبات على نتاج سردي متواصل خلال سنوات حياتهن الأبداعية، حيث تباين هذا النتاج بين جنس قصةٍ قصيرة أو رواية. ولعل ترشيح أحدى رواياتها الجديدة وهي رواية " ريام وكفى" كأحدى الروايات المفضلة على القائمة الطويلة لجائزة الرواية العربية العالمية لعام ٢٠١٥ لدليل مهم على النوعية المتطورة في النتاج السردي الروائي لهدية حسين وهي العراقية المغتربة التي تعيش حاليا في كندا وهي زوجة الروائي والقاص العراقي الراحل عبد الستار ناصر.

ولعل لمن يقرأ روايات الكتّاب العراقيين في المنفى أو دار الأغتراب لابد له من الأستنتاج أن هناك صفة تتصف بها نتاجات الرواية العراقية في أرض الغربة وتلك هي صفة أسترجاع الماضي وأجترار الذكريات وتخليد لحظات زمنية يختلف وصفها عبر سرد قصصي حكائي، قد يهدف ضمن ما يهدف أليه الى تأطير الحدث الماضي بأطار الذاكرة وحسب، أو قد يهدف الى التفسير الشخصي والمحاكمة الفردية القائمة للحدث مما لم يكن متاحا في زمن صعب مضى. وهكذا تجد أن كلمة "بغداد" مثلا راحت تتكرر بمناسبة أو بدونها ضمن العتبات النصيّة لعدد لا يستهان به من سرديات الكتّاب العراقيين المغتربين دلالة سيميائية على مدينة عانت في ماضيها البعيد والقريب وما زالت تعاني، ودلالة على إحياء ذاكرة المدينة في الخاطر الروائي العراقي، مما يوفر للكاتب المقصود رؤية سردية لا تبعده عن معاناته الشخصية هو في ظل مدينة أبتعد عنها وأبتعدت عنه في المكان وليس في القلب والبال والخاطر.

رواية "صخرة هيلدا" وذاكرة الحب

على أن رواية "صخرة هيلدا" الصادرة عام ٢٠١٣ عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر للكاتبة العراقية هدية حسين أنما هي رواية حب في ظلّ الأغتراب والمنافي، ولكنه الحب الذي في الذاكرة تلك التي هي جزء من ماضي الحياة وماضي الأحاسيس، وهو الحب الذي مضى عبر تقنية الأسترجاع السردي. كما أن الرواية التي جاءت على ما يقرب من ٢٨٠ صفحة من القطع المتوسط أنما هي رواية معاناة الغريبة العراقية "نورهان" والتي أختارت مدينة "هاملتون" في جنوب كندا لتكون مستقرها ومقامها بعد أن طالت التفجيرات مدينتها الأولى وأصبحت سماؤها في زمن ما وكأنها تمطر جثثاً.. فمَنْ يلوم نورهان وقد تقلّبت بها الأيام وقلّبتها بعد أن فقدت أمها مذبوحة في توصيفها لحالة عنف فظيع، وهي تقرر الهجرة من بغداد الى مدينة تبعد عنها آلاف الأميال ؟. وها هي الهجرة التي تريدها دائمية بأصرار بدلالة تعرّف نورهان على عراقي مغترب في نفس المدينة ونفس المكان ولكنها تملّصت من كونها عراقية وادَّعت للتعريف أنها من كولومبيا ف" لو قلت له نعم أنا من العراق لفتح صنبوراً من المآسي لا يتوقف، وحينها سأرى الدماء تتدفق والرؤوس تتدحرج والأنين يتعالى ..".

ومع هذا لا تريد الروائية وهي تستعمل ضمير المتكلم في حوار داخلي مع النفس (تقنية المونولوج) أن تثبط من عزيمة قرائها ورغبة مَنْ يسمع حكاياتها ( حيث تظل تذكّر القاريء بأنها تدور حول الحكايات المعتقة في منطقة الشك ولا تبلغ اليقين)..فتذهب الى أحاسيس القلب ذكرى، والى الحبيب الأول عنوانا، حيث تتساءل " لماذا بقيتَ جميلا في ذاكرتي برغم مرور الشيخوخة على جسدي".. وهنا يعرف القاريء أن "نورهان" الأنثى المغتربة أنما تتذكر حباً دام لخمس سنوات وصارفي فترة ما حب طرف واحد، فالشاب شاهين صارت له واجباته العسكرية في حروب الوطن، تلك التي جمع فيها نياشين على صدره وكتب عنها قصائد حتى قالت عنه أمها يوما " لن يعود، رجل ركبه شيطان الحرب"..

الحب والبوح الصامت

وقد أرادت الساردة أن تحكي الى "صخرة هيلدا" حيث لا سامع للبوح عن حكاياتها وحبيبها وحكايات صديقتها سارة وحبيبها الذي أرتبطت به علاقةً زوجية فتركها، ثم قيل أنها أنتحرت في بغداد أو كما ذكرت لها الصديقة سمر التي تحجّبت وهاجرت الى كندا لتلتقيها يوماً في سوق المدينة، من أن سارة في حقيقة الأمر قد قُتلت على يد أخيها الذي أخرج الجريمة بشكل أنتحار ليهرب المجرم من فعلته. وقد أتبعّت المؤلفة تقنية إشغال القاريء بتوقع حدث ما دون أن يأتي هذا الحدث فتظل الساردة (نورهان) تعاني من سماع صوت..."يستمد بقاءه من أضطراري لسماعه طوال الوقت، هنا قرب (صخرة هيلدا)..". فتعلن أمام الملأ القرّاء " موت الماضي وأخرج الى الحياة أمرأة بلا متعلقات.." ويأتي كل ذلك بعد أن راحت الساردة تقول "أريد ذاكرة بيضاء أخطّ عليها شوارع نظيفة، ووجوها سريعة المرور لا تحبذ المكوث طويلا..". ولكنها يا ترى هل أستطاعت تحقيق ذلك؟.. وهل زيارتها للطبيب النفسي بسبب سماعها للصوت الذي لا يكف ولا ثانية قد حققت لها ما تريده.. ؟ أم أنها سمعت نصيحة طبيبها (الوسيم) " لذا فأن نصيحتي لك هي أن تتعايشي مع المرض وتتجاهلينه.." فهل أستطاعت "نورهان" أن تتعايش مع المرض؟ أم هل سيستطيع الشعبُ بأكمله أن يتعايش مع واقعه المريض..؟. كل ذلك البوح في خاتمة السرد سيجعل من المتلقي /القاريء متعاطفا مع شخصية الرواية الرئيسة متفاعلا معها، حتى عندما تفقد وعيها بعد أن تجاوز ضغط الدم عندها معدلاته الطبيعية يكون القاريء قد قطع الأنفاس وهو عنده أن نورهان /الشعب يجب أن تعيش .. معادلا موضوعيا لتحقق الشفاء في مستقبل يتمناه الأنسان لمن يحب.. حيث تترد كلمة الصدى لمرتين في الصفحة الأخيرة من الرواية "فيذهب الصوت الذي يضرب بقوة ويشوه الوجوه " ليصير " رنينا خفيفا لصدى الصوت الذي رافقني لسنين طويلة.. لا أدري اذا ما سيسكت الى الأبد أم سيعود؟..". ثم أنه " لم يعد للحكايات سوى صدى خافت..".

مدينة المنفى وذاكرة السرد

على أن للروائية لغتها الشاعرية وصفا وهي تبحر في أجواء ومجاهيل النفس، وهي لغة رشيقة غير معقدة، تسير في زمن خطي مع أسترجاع الذاكرة على الأغلب فتتواصل الساردة مع نفسها وهي تعيش فضاء مدينة لم تكن تحلم أن تهاجر أليها يوما وتكون لها مستقرا ومقاما..فتتساءل في البداية "كم تبعد هاملتون عن بغداد.،؟". وتروح تقارن بين أسواق مدينتها الجديدة وسوق بغداد وبابها الشرقي .. ثم ها هي تجلس " على مصطبة، الأشجار من حولي وورائي أشجار قيقب وسرو وسنديان، وأمامي كون أزرق من ماء البحيرة كما لو أن السماء نزلت أليها وعانقتها..". ثم أنه فصل الخريف الكندي " فالأخضر يتبقّع بالأصفر والأحمر الأرجواني والوردي الغامق، ويمكن أن ترى شجرة وارفة الظلال بلونين أو ثلاثة، وأخرى يسرع أخضرارها للرحيل فتصبح الأوراق بنفسجية أو بنية تميل الى الأحمرار..". وهنا لا تخرج الروائية هدية حسين عن أطار رواية المنفى والكاتب المهاجر المغترب، تلك التي قال عنها الناقد د. عبد الله أبراهيم " في أدب المنفى رغبات الأشتياق والحنين والقلق، مسكون بفكرة أعادة كشف موقع الفرد في وطنه وفي منفاه..". وأكثر من ذلك، بل أن رواية "صخرة هيلدا" من وجهة نظر الطب النفسي (وبطلتها قد أستعانت بطبيب نفسي على كل حال) تعتبر نموذجا كتابيا للمريضة التي تعاني من متلازمة القلق بعد الشدة أو

Post traumatic stress disorder

تلك المتلازمة التي كُتبت عنها الكثير من البحوث والدراسات والتي كان آخرها بحثا أشار الى أنها نشأت وشُخصّت أولا وقبل كل شيء في وادي الرافدين بعد حروب التاريخ الأولى.

 

اهمية الشعر المعاصر

falih alhijyaالشعر العربي منذ ان وجد على الارض العربية وقاله الشعراء وتغنوا به شق له طريقا واسعا من الريادة وكانت له الاولوية في تمثيل الحياة العربية في جزيرة العرب او في كل البلدان التي تكلمت اللغة العربية في ظل الاسلام بعد انتشاره على ايدى المسلمين الذين يعتبرون العرب نواة الحركة الاسلامية في تطورها وشموخها .

فللشعر كان دوره البارز والكبير في حياة الامة العربية وإن لم تبق له تلك المساحة التي كان يحتلها في عصوره المتقدمة وذلك لأن العرب بتطور حياتهم تخلّوا عن الشعر أو أن الشعر لم يعد ممتعا لهم كما كان في العهود الماضية وذلك بسبب تغيير ظروف الحياة وما الت اليه وتطوراتها ومدياتها وسبل ايجاد متعة افضل منه للنفوس العربية الا بعض منهم وهم الشعراء ومستسيغوا الشعر والكلمة الفاضلة حيث دخلت إلى حياتنا أمور كثيرة قللت من اهمية الشعر وضيقت مساحته على ساحة الحياة الواسعة والتي قلصت مساحتها كثيرا .

كان العرب في الجاهلية يقضون اوقاتهم في السعي في طلب الرزق ورعي انعامهم وابلهم نهارا اما في الليل فيتجمعون للتسامر والتحدث والاستماع للشعر باعتباره الفن الوحيد الذي كان سائدا في بلادهم تقريبا لذا فقد كان العرب يعلّمون أولادهم الشعر وحفظه وقولهم له اضافة الى تعليمهم الأنساب لاعتزاز العرب بانسابهم وهي الامة الوحيدة من بين الامم العالمية التي لا زالت تحتفظ بانسابها لحد الان وتحفظها لاولادها حتى هذا اليوم وتعتز بها وكذلك أخبارالقبائل العربية .

اما عند مجيئ الإسلام فقد أصبحوا يعلمونهم ايات القرآن الكريم والأحاديث النبوية وحفظها فكان العرب في مجالسهم يحفظون ايات القران الكريم ويتلونها ويتداولون في معانيها وتفسيرها وكذلك الاحاديث النبوية . لذا عزفوا عن الشعر .

اما في العصر الاموي وما بعده من العصور فقد اهتم العرب باللغة العربية واسسها . وعندما راوا ان العجمة بدات تتسرب اليها فأخذوا يتعلمون و يعلمون اولادهم : النحو والصرف والبلاغة والبيان والشعر وفنونه التي كثرت وتنوعت والعروض وبعض العلوم المستحدثة كالريا ضيات والفلسفة والطب وغيرها .

اما في الوقت الحاضر فنتعلم كل العلوم التي ترتاح اليها نفسية أي منا سواء كانت علمية بحتة او فنية كالشعر او الموسيقى ونعلم ابناءنا كل العلوم الفنية والتطبيقية والعلمية البحتة مثل الكيمياء والفيزياء والمراسلات والحاسوب والضرب على الحاسوب والبث والنشر او الاستقبال من خلاله او نعلمهم العلوم التي يرغبون تعلمها وتقوي مركزهم في المجتمع.

بعد انهاء المراحل الدراسية الاولية وقد تظهر طفرات نوعية في الحياة الثقافية وتجديد ها تبعا لتطورالحياة مع مرور الزمن وما يخبؤه هذا الزمن المستحدث من علوم وفنون ربما لم نرها او نسمع بها لحد الان ولا نعرف ماذا يخبئ لنا المستقبل من تقدم لكل هذه العلوم والابحاث وقد تصبح الاجيال القادمة غير قانعة بما نحن رضينا به من الفنون والعلوم وشموليتها وتشعبها الواسع وما استحدث منها ويستحدث مع مرور الزمن الاتي .

ومن المعلوم أن الشعر لم يعد الفن الوحيد الذي يستمتع به الناس في الوقت الحاضر فهناك الكثير من الفنون المختلفة والعلوم الكثيرة مثل السينما والمسرح و التلفزيون وكذلك المطالعة مثل القصص والروايات والخاطرة والمقالة وكل هذه الامور تدخل في اضعاف اهمية الاقبال على الشعر وتوزيع مساحة المتعة بين الناس بحيث اصبحت فرص التمتع والمؤانسة كثيرة حيث لم يبق للشعر الحصة الواسعة التي كان يحتلها في الماضي . وهذه الامور طبيعية فاذا تشعبت وكثرت روافد المتعة النفسية في عدة امور فالناس تتوزع عليها كل حسبما يشعر به ازاء هذه الحالة او الفن و كل حسب رغبته وما ترتاح اليه هذه النفوس او تلك .

واستطيع القول ا ن الشعر بحد ذاته قد تطور و اصبح اشكالا عدة في العالم العربي فاذا كان الشعر العمودي هو الاساس والمرجع الاول فقد واستحدث الشعر الحر وهو شعر موزون حر سمي شعر التفعيلة تحرر من القافية حيث ينظم على بحور ثابتة في تفعيلة معينة وقد حددت هذه البحور بسبعة بحور هي البحور الحر ة والمتكونة من تفعيلة واحدة مكررة في السطر الواحد عدة مرات وسمي هذا النوع من الشعر حرا لكون تفعليته حرة اصلية او لكونه تحرر من القافية فاصبح حرا .

و كذلك وجد الشعر المنثور او وجدت قصيدة النثر وهذه القصيدة تكون مفتوحة من دون تقييد من الوزن او القافية او بمعنى اخر ان موسيقاها تكاد تكون تضرب في كل الاتجاهات الفنية بحيث ا صبح كل من يكتب كلمات مرتبة تحت بعضها ربما يقول أنه كتب شعرا نثريا فقد ضاعت كل مقاييس الشعر حيث ان للشعر مقاييس خاصة حسب تذوق الشاعر أو المتلقي الا ان هذه القصائد – قصائد النثر - لا تخلو من مقطوعات غاية في الروعة والفنية والجمالية وفقا لثقافة الشاعر وقوة شاعريته . فالقصيدة الشعرية سواء كانت عمودية تقلدية (تقييدية ) او قصيدة تفعيلة او قصيدة نثر فقد تبقى حاضرة ومهمة ومفضلة لجماليتها ولرقتها او لقربها من قلب المتلقي او الشاعر .

شعراء العصر الحديث او الشعراء المعاصرون انشدوا للحياة العربية في كل عناصرها واحتياجاتهم مرورا بالشعر الوطني او السياسي الذي انشد للوطنية وما يعتمل في نفسية الشاعر او نفسية المتلقي وغرس روح المواطنة وتفعيل القضية العربية وتحرير الاجزاء التي لا زالت تحت ظلم الاستعمار الاجنبي او الحكام المستبدين وبعث القضية العربية في النفوس والافئدة وشحذ الهمم في هذه القضية وكثير هم الشعراء الذين كتبوا او انشدوا في هذه الامور تطغى على قصائدهم الثورية والوطنية وتحتل المكانة الاولى في الشعر العربي في الوقت الحاضر او المعاصر وفي المستقبل . وهناك من هذه الامو ر يتفرع شعر النكبة . والمقال بها الشعر الذي قيل في نكبة فلسطين منذ بداية القرن العشرين وحتى الان واستطيع القول ان كل الشعراء العرب قالوا في هذه القضية لقربها من كل القلوب والنفوس العربية المناهضة للا ستعمار من ا لغزاة والطامعين .

ولا نخرج عن الموضوع ان قلنا ان الشعر يمثل الحياة الانسانية في هذا الوقت افضل تمثيل وما يقوله الشعراء هو ما ينفعل في نفوسهم و قلوبهم فيفيض شعرا رائعا وقلوب المتلقين لهذا الشعر بمختلف فنونه فيتاثرون بما يقرأون منه بما في ذلك الغزل او شعرالحب وهو الاغلب وياتي من بعده الشعرالسياسي او شعر الاحداث اليومية ولو اطلع احدنا على الصحف او المجلات او شاشات التلفاز او الانترنيت عبر النت او الفيسبك لشاهد آلافا من القصائد العمودية التي تعد اساسا للشعر العربي وقصائد في الشعر الحر التي استحدثت في منتصف القرن الماضي وقصائد في النثر او ما يسمى - الشعر المنثور - والتي وجدت في نهاية القرن العشرين وبالتحديد في الثمانينات من القرن العشرين والتي انتشرت انتشارا واسعا في الوقت الحاضر لسهولة نظم القصيدة بسبب تخلصها من الوزن والقافية او البحر والموسيقى الشعرية في السنوات الاخيرة بين الشعراء الشباب واخذ يكتب فيها كل من هب ود ب ويسمي نفسه شاعرا وخاصة بعد ظهور وسائل الاعلام المرئية ووسائل النشر السريعة وكثرتها .

ومن هنا يتضح اهمية الشعرالمعاصر من انه شغل مسافات واسعة ومستحدثة من اهتمامات الشباب سواء الكتاب او المتلقين ومن بين هذه النتاجات وجدت نتاجات ذات قيمة ادبية عالية لشعراء هم قمة في الانتاج الشعري كمثل الشاعر بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبو ر وامل دنقل في الشعر الحر و نزار قباني ومحمود دورويش وفالح الحجية وسعاد الصباح وغيرهم من الذين جمعوا بين الحداثة والمعاصرة وجملة من شعراء المعاصرة اذكر منهم : محمد الحافظ ووفاء عبد الرزاق واكرام الجنابي وكريم مرزة الاسدي وعلاء الاديب من العراق وميمي قدري و سمير حماية واحمد الشيخ من مصر وفوزية العلوي ومنى بعزاوي من تونس وعزيزة البشراوي وعبد العاطي وفوزية امين وفاطمة المنصوري من المغرب واسماء صقر القاسمي من الامارات و سميح القاسم ولطفي الياسيني من فلسطين ومصطفى القرنة من الاردن و غيرهم كثير في كل الاقطار العربية ممن برزت ادواتهم الفنية ظاهرة بينة وتأثروا بما حولهم وربما بالثقافا ت الاجنبية وتأثر بعضهم ببعض ثقافيا وادبيا وحضاريا. ممن تجد في شعرهم مسحة من الجمال والخيال ورسم الصور الشعرية الر ائعة التي هي أهم عناصر القصيدة الشعرية مهما كان نوعها وهذا هو الشعر الذي يحمل في طياته أكثر المضامين الإنسانية روعة وجمالا وائتلاقا .

امير البيــــــــــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلدروز

رسالةٌ ملغومةٌ في فيلم "التاكسي"

abduljabar noriصاحب التاكسي المخرج الأيراني السينمائي "جعفر نباهي" الذي يعتبر من أبرز المخرجين الأيرانيين والذي يعاني دائماً من محاولات قمعهِ بشتى الطرق من قبل السلطات الأيرانية حتى أنهُ منعتهُ من مزاولة مهنتهِ وتصوير أي أفلام سينمائية، لكنهُ تمرد على الوضع وتحدى القيود التي وضعتها حكومة بلادهِ و منعتهُ من السفرأيضاً ألى أي دولة أُخرى خوفاً من تصوير أفلامهِ بالخارج، ولكن " نباهي" لم يستسلم لتلك المعوّقات ليعطي درساً قاسياً للسلطات الأيرانية بأنهُ لا يستطيع أحد مصادرة حق /الناعمة/ الكامرا في التعبير عن المجتمع والذي صوّرهُ في تاكسي TAXI ورغم كل ذلك أستطاع (نباهي) المنافسة علي جائزة الدب الذهبي والفوز بها بمهرجان برلين السينمائي ال65 الحالية – أحد ثلاثة مهرجانات سينمائية في العالم إلى جانب مهرجاني كان والبندقية - بفيلمهِ (تاكسي) بعيداُ عن أنظار الحكومة، ويجسّد دور سائق تاكسي يركب معهً العديد من الغرباء وكلٌ منهم يعبر عن رأيهِ في الأوضاع السياسية والأجتماعية في طهران ليكشف الكثير من تردي أوضاع الحريات في أيران، وسائق التاكسي هو المخرج {جعفر نباهي} نفسهُ الذي يؤكد أنّهُ رغم كل المضايقات التي يتعرّضْ لها ألا أنّهُ لا يؤمن شيئاً سوى تصوير الأفلام السينمائية التي يحيا بها، وحصل نباهي على جائزة الكامرا الذهبية لمهرجان كان/ فرنسا عام 1995 الفيلم (البالون الأبيض)، وحصل على جائزة النمر الذهبي في مهرجان لوكارنو / سويسرا عام1997 الفيلم (المرأة)، وواقع الحال تعتبر الحكومة الأيرانية (باهي) شخصاً مثيراً للبلبلة، لأنّ أفلامهُ تتضمن دائماً سخرية أجتماعية لاذعة وهو ما لايعجب الحكومة الأيرانية، وتَمّ منعهُ من التصوير بعدما حاول بالكاميرا توثيق المظاهرات التي أندلعتْ في أيران أعتراضاً على أعادة أنتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد 2009و 2011وصدر ضدهُ حكماً بالسجن 20 عاماً ومنعه من التصوير أو كتابة الأفلام أو السفر، ثُمّ تمّ أخلاء سبيلهُ بكفالة على أن يحق للسلطات أعتقالهُ متى شاء ت.

وحقاً أنهُ عمل أبداعي متقن الأخراج والتكنيك بالرغم من غياب أدوات صنع مثل هذا الفيلم الذي يقوم مقام تظاهرة أحتجاجية مليونية مؤثرة تزعزع مركز الحكومة وهو مع صديقهِ الوحيد " الكامرا" وتم تهريب الفيلم خارج أيران بطريقة لم يوضحها مدير المهرجان وحقاً هي قوّة الأرادة والشعور والوعي الجاد في التغيير عند الشعوب التوّاقة للحرية والأنعتاق. حين لا يمنعها حاجزالتسلط والأستعباد حتى وأنْ وصلت مداها القمع المفرط بالحديد والنار،لأنّ هناك ثمة كوابيس وأشباح دائمه تقضُ مضاجع المتغطرسين من الحكام المستبدين وهي تعاني حتماً من فوبيا الأنفجار الشعبي وطوفان سونامي الغيض في أي لحظة تغيريّة من وحي حتمية التأريخ حتى وأن كانت الشعوب المقهورة مشدودة الأيدي ومعصوبة العينين ومكممة الأفواه، فلم تجدي نفعاً جميع أسلحة " الأسلمة السياسية " والتي لايستهان بخطرها لكونها مغطاة بعباءة الدين .

وعُرض فيلم التاكسي في أطار فعاليات المهرجان وأهتمت العديد من الصحف العالمية بالفيلم والمخرج، حيث أشارتْ صحيفة (لوليوتراد) وهي من الصحف العالمية التي أشارت إلى عناصر الفيلم سواء من حيث أختيار الشخصيات أو الجمل الحوارية، ونجح نباهي في أنتقاد النظام الأيراني بالتصوير ليصل رسالة سياسيّة وأجتماعية إلى الجمهور بحرفية عالية ويصوّرْ تفاهات القمع الأيراني   في سلوكياتهِ الملتوية في خنق الحريات وألغاء دوره الريادي في تحقيق آدمية الفرد، كما أهتمتْ مجلة (فارايتي) بعرض الفيلم بالمهرجان، ونشرتْ مقالاً حول خروج المخرج الأيراني المبدع "جعفر نباهي" إلى شوارع طهران لتصوير فيلمه تاكسي أكد الكاتب الناقد الشهير (سكوت فونداس): أنّ الفيلم يطرح تساؤلات حول هل بأمكان الحكومات أنْ تمنع مبدعيها بعد التجربة الثالثة للسينما الجادة والواقعية للمخرج الفدائي والمقتحم والمضحي (جعفر نباهي) لفك قيود أبناء جلدتهِ ؟ وأكد الناقد على أنّ فيلم تاكسي تحفة سينمائية رائعة وأنّهُ ينقل معاناة الشارع الأيراني بشكلٍ بسيط وسهلْ، وقال المخرج السينمائي الأمريكي (دارين آرنوفيسكي): رئيس لجنة التحكيم أثناء تسليم الجائزة { لقد صاغ رسالة غرام للسينما العالمية وجعل قبلة العشق للفن والمجتمع وبلدهِ ومشاهديه}

السويد/ 17-2-2015

المرأة الستينية المطلقة بين ربيع وخريف العمر من خلال رواية (أوهام) لنازك سابا يارد

alkabir aldasisiنتابع في سلسلة الرواية المعاصرة بنون النسوة ـ بعد عدة روايات لكاتبات من الخليج، المغرب ومصرـ نقدم اليوم لقرائنا رواية من لبنان، يتعلق الأمر برواية (أوهام) للروائية اللبنانية نازك سابا يارد وهي رواية صادرة -بعد روايتها (الأقنعة) - عن دار الساقي في طبعتها الأولى سنة 2012، في 223 صفحة من الحجم المتوسط موزعة على 22 فصلا مرقما ترقيما تراتبيا، فماذا تحكي هذه الرواية ؟؟ وما يفردها عن غيرها من الأعمال الروائية المعاصرة بنون النسوة؟ وكيف تقدم لنا عوالم المرأة العربية الستينية المطلقة في مجتمعنا الشرقي ؟؟

تحكي رواية (أوهام) قصة سلوى المرأة الستينية المحامية المكلفة بالمسائل القانونية لأحد المصارف في بيروت، وجدت نفسها بعد وفاة والديها، وتنكر أولادها، وخيانة الزوج لها .. تعيش وحيدة ؛ تتذكر كيف تزوجت بأديب الصحفي الانتهازي وكيف اكتشفت خيانته لها مع زوجة صديقه ..

ولإخراجها من وحدتها اقترح عليها أخوها فؤاد زيارته بالولايات المتحدة الأمريكية ومن تمة زيارة أختهما سعاد بكندا .. وفي بوسطن تتعرف على أحد أصدقاء أخيها: الشاب عزيز اللبناني الذي يصغرها سنا، وباقتراح من فؤاد يخرجان في جولات استكشافية لمدينة بوسطن، لتكتشف اتفاقها وعزيز في المواقف والميولات والأذواق وحب نفس الأفلام والموسيقى .. فتتعلق به وتعيش وهم الحب معتقدة أن تشابه الأذواق كاف لإشعار نار الحب بينهما، دون أن تتأكد إن كان عزيز يبادلها نفس الشعور، ويزداد تعلقها به بعد العودة إلى بيروت وخروجهما وسهرهما سويا .. لكن حمل ابنتها نبهها إلى أنها أصبحت جدة فاقتنعت باستحالة اسمرار علاقتها بعزيز لتنتهي الرواية دون أن تتوصل إلى معرفة حقيقة مشاعره نحوها ..

الرواية من خلال هذه القصة البسيطة تفتح عيونا على جراح المجتمع اللبناني، ومن هذه القصة المركزية تتناسل قصص هامشية، وتتفاعل شخصيات لتقدم للقارئ نصا روائيا مشوقا، يتوغل إلى أعماق النفس الإنسانية والشرقية بالخصوص، الذي تبيح للرجل مهما كبر في السنإمكانية الزواج من شابة مهما صغر سنها وإن كانت في سن ابنته أو أصغر، فكان زواج أديب من مهى صديقة ابنته مقبولا اجتماعيا فيما لم تتجرأ سلوى على البوح بأحاسيسها تجاه عزيز لأي كان، وظلت تعيش حالة خوف (أن يكتشف أصدقاؤها علاقتها فيسخروا منها) بل إنها تسخر من نفسها كلما تأملت حالها تقول الساردة (وسخرت من نفسها:"جدة مغرمة بشاب أصغر منها سنا)[1]، وبذلك تكون رواية أوهام قد سلطت الضوء على نقطة هامة قلما وقفت عندها الرواية العربية المعاصرة، وهي إحساس المرأة الستينية الوحيدة، وما يجول بخاطرها من صراع بين الرغبة في عيش حياتها كما تحب، وقيود المجتمع التي تمنعها من التعبير عن أحاسيسها ورغباتها، وتزداد مأساة هذه المرأة إذا كانت مطلقة،هكذا عاشت سلوى حياة عصيبة وصراعا نفسيا حادا، وفراغا عاطفيا مهولا، وازداد شعورها بالوحدة والفراغ بعد تخلي أصدقاء العائلة عنها فأصبحت تعتقد أنهم (يعتبرون حريتها ستمنحها حرية إغراء الرجال، و "خطف" الأزواج من زوجاتهم)[2] إحساسها ذلك جعلها تكره صفة مطلقة تقول وقد ترددت في كتابة حالتها العائلية في طلب الفيزا إلى أمريكا: (عزباء؟ لا. متزوجة؟ مترددة .. كانت متزوجة . والآن ؟ مطلقة كم تكره كلمة مطلقة، لا لأنها تكره وضعها كمطلقة، بل بسبب نظرة الناس إليها كمطلقة)[3]

وعلى هامش هذه القضية قاربت الرواية عدة قضايا كتوالي الحروب على لبنان وتأثير ذلك على مختلف مناحي الحياة:

فنيا اجتماعيا سياسيا واقتصاديا، فتم تخريب المسارح المراكز الثقافية والمعاهد الفنية تقول واصفة تخريب المعهد الموسيقي (لن أنس كيف هوجم المسكن في أول الحرب الأهلية،إذ لم يجد المهاجمون فيه ما يشفي غليلهم سوى البيانوات . أخذوا يحملونها ويرمونها من الشبابيك إسهاما منهم في النضال، النضال ضد الموسيقى الكلاسيكية فلعلهم اعتبروها من المسؤولين في الجهة التي يحاربونها)[4]، كما تم تدمير الكنائس والمساجد والعبث بمحتوياتها تقول ( كاتدرائية القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس .. من أجمل الكنائس .. كانت فيها لوحات جميلة ومجموعة ثمينة من الأدوات الدينية سرقت في الحرب)[5]، الحرب في لبنان دمرت الأسواق التقليدية، واغتالت الرموز الفكرية وفي الرواية إشارات كثيرة لذلك منها ما أشارت إليه الساردة عند وقوفها أمام كاتدرائية القديس جاورجيوس: (أتذكر حادثين مؤلمتين جدا مقترنين بها: جنازة المفكر سمير قصير الضخمة التي حضرناها .. وبعد ستة أشهر جنازة الصحفي جبران التويني .. )[6] لم يقتصر تأثير الحرب على الاقتصاد والثقافة والعمران .. وإنما ساهمت في تغيير مورفولوجية المدينة وتوزيع السكان بها وكانت الحرب سببا في نشاط الهجرة سواء على المستوى داخل لبنان مما أدى إلى إعادة تقسيم أحياء بيروت فغدا لكل حي دينه ( إحدى مآسي حروبنا الكثيرة انقسام المدينة وانقسام سكانها ) فبعدما كانت بيروت مدينة واحدة يعيش المسيحيون وسط المسلمين والعكس صحيح .. أصبح (اليوم لا يعرف العديد من سكان الأشرفية أحياء بيروت الإسلامية، (ولايعرف) مسلمو أحياء بيروت الإسلامية، أحياء بيروت المسيحية وغني عن القول إن قليلين جدا منا وأنا منهم دخلوا ضاحية بيروت الجنوبية بغالبيتها الشيعية ولا أهل الضاحية يخرجون إلى بيروت إلا إذا اضطرتهم اشغالهم .. )[7] .. أو على مستوى الهجرة الخارجية إذ انتشر عدد من اللبنانيين في مختلف بقاع العالم وما يطرحه ذلك من صعوبة اندماجهم في المجتمعات التي تستقبلهم، وفي تجربتي عزيز وسعاد خير مثال: فيبرر عزيز لسلوى عدم بقائه بأمريكا بقوله: ( لم أجد شيئا يربطني بزملائي، كانوا يتكلمون عن ماضيهم في المدرسة أو الجامعة، عن أناس يعرفونهم، عن مباريات البيسبول عن أبطال هذه الرياضة .. وهذه كلها لا تعني لي شيئا   .. فكنت أستمع و أزداد أحساسا بالغربة .. والغريب المختلف يحس بالوحدة .. كنت أخجل من وحدتي .. أول ما بدأت عمي بالشركة كرهنوني لأنني غريب )[8] وحتى عندما أحب فتاة وأراد الزواج منها يقول ( حين عرضت عليها ذلك سألتني أين سنعيش .. ومع أنني لم أكن قد فكرت من قبل في إمكانية عودتي إلى لبنان، قلت لها بحزم: في لبنان .. وسألتني: "رغم اضطراب الأوضاع السياسية " .. فأكدت على الرغم من كل شيء فلبنان بلدي .. فردت بعصبية "لكني لست منهم " فحملت حقيبتها وتركتني من غير وداع أو سلام)[9]

وتكاد تكون سعاد عاشت نفس المعاناة، إذ تؤكد أن في هجرتها من لبنان تخل على جانب هام من الذاكرة فتقول لأختها سلوى (أغبط رفاقي حين أسمعهم يسترجعون ذكريات لهم معا، وكثيرا ما تكون ذكريات طفولة قضوها معا أناس يعيشون في البلد الذي ولدوا ودرسوا وتزوجوا ويعملون فيه .. )[10] وأكدت لها تقريبا ما قاله عزيز حول الغربة والوحدة وصعوبة الاندماج تقول سعاد (صعب علي ذلك في أول الأمر، فالمواطن الأصلي يتحفظ من المهاجر لأنه مختلف،يتجنبه إجمالا ربما لأنه يخافه كما يخاف المرء كل ما هو مجهول ) ورغم كل ذلك لا تفكر سعاد في العودة إلى وطنها .. لأن كندا تتيح لها ما يتاح لها بلبنان من حرية ومساواة فعندما رأتا حاكم كيبيك وممثل الملكة إليزابيت واقفا وسط الجماهير يتابع حفلا موسيقيا قالت لها سلوى (لو ترين ما يحدث عندنا أقل نائب لا يتحرك من غير فرقة حرس مسلحة وشرطة تنحي السيارات في طريقه يكل وقاحة وعنف .. لا تأسفي على تركك ذلك وكل السيئات الأخرى التي تنخر مجتمعنا في لبنان وعلى رأسها التعصب الطائفي الأعمى)[11]

هذه المتغيرات وغيرها التي عرفها المجتمع اللبناني كرست فيه قيم الأنانية،والاحتيال والمصلحية .. فرأينا كيف تزوجت مهى بأديب .زواج مصلحة واستمرت علاقتها بحبيبها زياد ضاربة كل القيم عرض الحائط .. ولم يسلم الساسة من هذا الفساد الذي ينخر لبنان وغيره من البلدان العربية ؛كما تتجلى في شخصية جهاد دلو المرشح لمديرية وزارة وهو المعروف بفساده وظلمه وجعل مصلحته الشخصية فوق كل اعتبار حتى ولو كانت على حساب أقرب الناس إليه كاغتصابه لأخته لولو تخطيطه لإدخالها مصحة أمراض عقلية ودفع الأطباء إلى تزوير التقارير من أجل الاستيلاء على أرضها .. واختطاف وتهديد كل من يساعدها، إذ اختطف رجاله زينة صديقة سلوى للضغط عليها ودفعها للتخلي عن مساندة أخته ..

إلى جانب هذه المناحي المشحونة بدلالات سالبة، كانت الرواية جولة سياحية في كل من بوسطن وبيروت، وشكلت سلوى مرشدة سياحية بامتياز عرفت عزيز على مختلف أثار بوسطن، كما عرفت جوليا صديقة عزيز - ومن خلالهما القارئ العربي- على كل مظاهر بيروت السياحية وآثارها التاريخية مقدمة في جولات بانورامية لعدد من المآثر الحضارية والثقافية للمدينة مذكرة بتاريخها، والأنشطة التي شهدتها، والأعلام الذين مروا منها ..

وبما أن كاتبة الرواية، ساردتها وبطلتها امرأة فقد كانت للمرأة لمستها في النص الروائي، كما كان في الرواية انحياز للمرأة، إذ تميزت معظم نساء "أوهام" بنفس إيجابي، فقُدّْمت البطلة (سلوى) امرأة مثقفة زينة عاقلة تعرف ما تريد، لم يسمح لها بتجاوز حدود الثقافة الشرقية، لم تقدم جسدها للشاب عزيز رغم حبها الشديد له، كما أنها قبلت وضعها وتعاملت بحكمة العقلاء مع مراهقة ابنتها، وعندما رأت زوجها مع عشيقته، ولم تتسرع ولم تصارحه بمعرفتها لخيانة مقدمة له مؤشرات ليعرف خطأه (مرت الشهور، ثم السنون، وسلوى تراقب تصرفات زوجها خفية)[12]، لا تتسرع في اتخاذ المواقف مقتنعة أنه في كثير من المرات ( يقدم الزمن حلا يريح الإنسان من اتخاذه بنفسه)[13] كما كانت دائما كلما اختلف الأصدقاء حول نقطة ما تتخذ الموقف الذي تجتمع حوله الآراء، امرأة الحوار لا يخطر ببالها العنف أبدا وكلما شعرت بتأزيم وضعها تلجأ للفنون للرويح عن النفس فتخرج للسينما، أو تستمع للموسيقى الكلاسيكية أو تختار السفر أو تغوص في كتاب تغترف منه ما يشفي غليلها وينسيها بعض ما ألم بها .. وكذلك كانت أمها، وأختها سعاد وصديقتها زينة كلهن نساء إيجابيات لهم ثقافة واسعة وإلمام بالفنون، فكانت زينة امرأة جمعوية تواجه الفساد واستطاعت تحدي جهاد دلو لم يزحزحها الاختطاف عن مواقفها ..

مقابل ذلك وسمت الرواية الرجال بسمات سالبة، فكان أديب صحفيا انتهازيا خائنا خان زوجته مع زوجة صديقة، طلق زوجته وتزوج صديقة ابنته .. لا يناقش القضايا الهامة يحابي أصحاب السلطة والجاه، وكذلك كان أصدقاؤه سليم روند، وجهاد دلو رموزا للفساد والزبونبة والوصولية همهم ترقي المراتب والحفاظ على وجاهتهم، وظهر فؤاد أخ البطلة، وزياد زوج ابنتها وزهير زوج صديقتها زينة شخصيات سالبة لا مواقف جريئة لها ولا أفعال مؤثر لها على مسار الأحداث وكأن توظيفهم في الرواية مجرد ديكور لتوهيم القارئ بواقعية الأحداث، وأكثر من ذلك تكاد تجمع بطلات الرواية على أن الرجال أصبحوا نادرين في لبنان تقول نجلا لابنتها سلوى (بسبب الحرب والهجرة لم يعد في لبنان شبّان كثيرون متعلّمون من بيئتنا) وهو ما تؤكده سلوى إذ ترد على أمها قائلة:( صحيح أنّ الشبّان المتعلّمين قلّة في لبنان هذه الأيّام) مقابل ذلك تعرف البلاد وفرة في النساء المتعلمات بل إن الشابات في سنّ الزواج كما تقول نجلا: (أكثر من الهمّ على القلب)

لقد بني توزيع الشخصيات في الرواية عموما على التقابل في ثنائيات بين نساء إيجابيات ورجال سالبين: سلوى/ أديب، نجلا/ سليم، زهير/ زينة، سهى/ نبيل، فؤاد/ سوزان، لولو/ أخوها جهاد، مهى / أديب، مهى / زياد ..   وفي كل هذه الثنائيات كانت الزوجة الفاعلة، وصاحبة القرار تفرض رأيها أكثر مما يفعل الرجل، وكان حضورها في الرواية أقوى من حضور الرجل، ورغم استقامتها وجديتها فإن الرواية قدمتها بصورة ضحية الرجل فكانت سلوى ضحية خيانة أديب، وكانت لولو ضحية أخيها السياسي صاحب النفوذ يغتصبها ويستولي على أرضها وبسببه رميت في مستشفى الأمراض العقلية، كما كانت المرأة ضحية مجتمع لديه مواقف مسبقة من المرأة فانتهت معظم النساء إلى الفشل أو البقاء وحيدة: فشلت نجلا وماتت وحيدة بعد موت زوجها وتفرق أبنائها عنها، فشلت سلوى في حياتها الزوجية، وفشلت زينة في تحقيق العدالة والدفاع عن لولو واضطرت إلى الخضوع لتهديدات وجبروت السياسي، لتنتهي الرواية على إيقاع فشل المرأة الوحيدة، وكأننا بالكاتبة تريد إبلاغ القارئ أن لا مستقبل للمرأة دون الرجل في مجتمع يعتبر الزواج المرأة سترة والسترة (واجب) بعد ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع اللبناني، كما تعكس الرواية حيرة النساء في علاقتهن بالرجال، وكيفية الظفر بالزوج المناسب فلا زواج العقل نفع، ولا زواج الحب أسعد،، ولا زواج المصلحة نجح ولا زواج تشابه الأذواق والميولات تحقق ..

يستنتج من خلال رواية أوهام أنها تلقي الضوء على الحياة الخاصة للمرأة الستينية المطلقة الباحثة عن استعادة ربيع عمرها، وبعث عنفوان جسد يدب فيه الترهل، وعندما يضنيها البحث تهرع إلى الفنون (السينما، الأدب، الموسيقى) أو السفر تقضم منه جرعات عساها تنسيها ما تسبح فيه من وهم. كما تعكس الرواية نوعا من التماهي بين البطلة وبيروت الفضاء الذي تتمسرح فيه أغلب أحداث الرواية

فإذا كانت البطلة سلوى، ومثلها الكثير من نساء المجتمع الشرقي، اللائي يجعلن الزواج هدفهن الأول في الحياة، و يسعين إليه بكل الوسائل وقد يضحين بشبابهن ومتاعهن وكل ما أوتين من قوة ومال من أجل تكوين أسرة وتربية الأبناء خوفا من العنوسة ليجدن أنفسهن يصطلين بنار الخيانة، وأن لا باب أمامهن إلى طلب الطلاق ليجدن أنفسهن مهشمات يعانين الغربة والوحدة والعيش على الذكريات، الأوهام والحنين أيام جميلة مضت .. فإنها في ذلك شبيهة ببيروت المدينة التي ما فتئت البطلة على طول الرواية تقارن بين ماضيها التليد وواقعها المسخ المشوه .. فكما توالت الحروب على بيروت ودمرت فيها كل ما هو جميل بما فيه ( وسط المدينة الذي كانت الحرب قد دمرته تماما) كذلك توالت الأزمات على سلوى وقتلت قلبها وحرمته من الحب، فلا غرو إن وجدنا سلوى تعتبر المدينة كل شيء بالنسبة لها تقول لجوليا (ماضي المدينة، ماض لا يعني لك شيئا، فيما هو كل شيء بالنسبة لي ولأمثالي، فنحن نشعر بألم فقدان ما أعطى بيروت طابعها الخاص) [14]، وكما عاشت بيروت (حياة حروب واضطرابات منذ سنة 1975 أي منذ حوالي أربعين سنة) لا تعرف (معنى الاستقرار والسلم معنى الطمأنينة والثقة بمستقبل معروف ..)[15] قضت سلوى حياتها مع أديب في صراع في الصراع والاختلاف وتجرع مرارة الخيانة، وتنكر الأقارب لها في صورة لا تختلف عما تعانيه بيروت من صراعات وتنكر أبنائها والعرب لها، وهروب أبنائها عنها متفرقين في مختلف أصقاع العالم ..

 

............................

[1] - ص – 205

[2] - ص – 76

[3] - ص – 75

[4] - ص – 166 – 167

[5] - ص – 169

[6] - ص – 170

[7] - ص – 178

[8] - ص – 95

[9] - ص – 96

[10] - ص – 108

[11] - ص – 111

[12] - ص – 40

[13] - ص – 39

[14] - ص – 172

[15]- ص – 176

القصة القصيرة وقصيدة التفعيلة إلى انقراض

faysalsalem altalawyمثلما تنشأ في الطبيعة أجناس ويتطور بعضها، وتتغير هيآتها وأعضاؤها طولا وقصرا، أو نموا مفرطا وضآلة، تبعا للحاجة الملحة وضرورة التكيف، بينما تنقرض أجناس أخرى على مدى الزمن. يحدث كل ذلك تبعا لتغير الظروف المناخية والبيئية وعوامل أخرى متعددة، فإن نفس نظرية النشوء والارتقاء والتطور، التي تنطبق على الكائنات الحية، يمكن أن تنطبق على أنواع العلوم والآداب والفنون، التي يزدهر بعضها ويقفز قفزات واسعة في زمن من الأزمان، بينما يضمحل غيره ويتلاشى أمام تأثير عوامل التدافع والتنافس، بتبدل أذواق ومفاهيم واحتياجات متابعي هذه العلوم والآداب والفنون في كل عصر.

بعد هذه المقدمة نرى لزاما علينا أن نسجل رصدنا، لما نراه رأي العين من ملامح انقراض فنيين أدبيين، يتناقص أعداد مبدعيهما وعدد الإصدارات في كليهما، ويَقِلُ إقبال القراء عليهما، وانصرافهم عنهما إلى ألوان أدبية أخرى، وأقصد بهذين الفنيين (القصة القصيرة) و(قصيدة التفعيلة).

أما القصة القصيرة: هذا الفن الأدبي الحديث نسبيا الذي لا يتجاوز عمره القرنين من الزمان عالميا، وأقل من قرن واحد عربيا، فهي في أبسط تعريفها: تلك القصة التي يمكن قراءتها في جلسة واحدة، ولا تتجاوز بضع صفحات، وتجتمع فيها وحدات الزمان والمكان والحدث، وتتناول في العادة حادثة واحدة أو شخصية واحدة، أو موقفا معينا. ويعد الكاتب الروسي غوغول أب القصة القصيرة، لكنها تطورت بعده، وترسخت على يد ثلاثة كتاب عظام هم: الكاتب الأمريكي إدغار ألن بو، والفرنسي جي دي موباسان، والروسي أنطوان تشيكوف، وذلك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

هؤلاء هم الآباء الثلاثة لفن القصة القصيرة، وإن اختلف أسلوب كل منهم، فبينما عمد إدغار ألن بو للاستفادة من الرموز والخيالات، وجاءت قصصه بعضها تحليلي والآخر خيالي، فإن جي دي موباسان هو أول من اختار أن تكون القصة القصيرة معبرة عن لحظة محددة، وغايتها اكتشاف الحقائق من الأمور الصغيرة، أما أنطوان تشيكوف فقد كانت قصصه ناقدة للحياة الاجتماعية والسياسية في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر، وجاءت قصصه قريبة من الأجواء الأسرية وتتسم بالدفء والحنو.

وبعد هؤلاء الرواد ذاع صيت القصة القصيرة، وتعدد كتابها في كافة أنحاء العالم. أما في عالمنا العربي فقد ظهرت بواكير القصة القصيرة في أوائل القرن العشرين، على يد محمود تيمور، حيث كانت قصته (في القطار) البداية المكتملة لقصة قصيرة، وبعد ذلك ازدهر هذا الفن وكثر كتابه ومريدوه، وبلغ أوجَهُ في منتصف القرن العشرين، وبرز من أعلامه يوسف إدريس ويحيى حقي وزكريا تامر وفؤاد التكرلي وغسان كنفاني وعشرات غيرهم، وامتلأت المكتبات بالمجموعات القصصية، كما أوسعت الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات الأدبية صدر صفحاتها لكتاب القصة القصيرة، ووصل هذا الفن إلى أوج قمته وتألقه في عقدي الستينات والسبعينات من القرن الماضي.

لكن الراصد للساحة الأدبية لا يغيب عن ناظريه، أن نجم هذا الفن قد بدأ يأفل، فلم يعد في أحسن حالاته كسابق عهده، بل إن أضواء الشهرة التي واكبته في النصف الثاني من القرن العشرين، قد بدأت تخبو لصالح فن قصصي آخر هو (الرواية) التي أخذت تنتشر سريعا، ويقبل على كتابتها أعداد لا حصر لها من الكتاب، فبعد أن كانت مقتصرة على أسماء يمكن تعدادها، كنجيب محفوظ وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وعبد الرحمن منيف وحنا مينا وجبرا ابراهيم جبرا والطيب الصالح وغيرهم. انتشرت اليوم انتشارا واسعا يعجز المتتبع عن حصر كتابها، وصارت قوائم الروايات التي تتقدم للمنافسة لنيل جائزة البوكر للرواية العربية، أو لجائزة كتارا للرواية العربية تعد بالمئات ، حتى تبدل القول القديم (الشعر ديوان العرب) إلى قول جديد (الرواية ديوان العرب)، ولا ضير في ذلك فهو تنافس إبداعي جميل.

لكن المؤسف أن موسم الهجرة إلى الرواية، قد جاء على حساب القصة القصيرة، فكأنما هجر كتاب القصة القصيرة فنَّهم ليلتحقوا بالفن الجديد، حتى من أمضى منهم عمرا بطوله متفرغا لكتابة القصة القصيرة والقصيرة جدا مثل محمود شقير، الذي نجده قد تحول أخيرا إلى كتابة الرواية، فأصدر حديثا روايتيه (فرس العائلة) و(مديح لنساء العائلة) بعد أن كان إبداعه مقتصرا على القصة القصيرة قرابة نصف قرن، ويندر أن تجد بين كتاب القصة القصيرة من يتمسك بموقعه فلا يبرحه، ولا يغادره إلى ميدان الرواية، وأبرز هؤلاء الصامدين في مواقعهم القاص زكريا تامر، الذي عبر عن موقفه بقوله: (لم أكتب إلا قصة قصيرة ولا أنوي كتابة غير قصة قصيرة، وعندما يسألني أحدهم: لماذا لا تكتب رواية؟ أدهش وأراه كمن يسأل صانع الخبز: لماذا لا تزرع وردا؟ ومن المؤكد أن استمرار ي في كتابة القصة القصيرة لا يعني موقفا معاديا من الأجناس الأدبية الأخرى، بل لأن القصة القصيرة لا تزال بالنسبة لي شكلا فنيا قادرا على التعبير عما أريد).

لكن بعض الكتاب يكتب القصة القصيرة مدة، كأنما ليتدرب على فن الكتابة، فإذا وثق من أدواته هجر القصة القصيرة إلى الرواية، وكأن القصة القصيرة سُلّم للصعود إلى الرواية، أو ميدان تدريب ليس إلا، مع أن مجال الفنيين مختلف تماما، فبينما تصلح القصة القصيرة لغالبية الناس، حيث قراءتها لا تستغرق أكثر من جلسة واحدة، أو جزء من الساعة، فقد تقرأها في لحظات انتظار، أو في حال ركوب وسيلة المواصلات، أما الرواية فتحتاج أن تتفرغ لها عدة أيام ، ولا يقوى على التفرغ لها سوى المثقفين المتفرغين للشأن الأدبي، وبينما تقتصر القصة القصيرة على حدث معين أو شخص بعينه أو تسليط ضوء على ظاهرة بعينها، فإن الرواية عالم قائم بذاته، تتعدد فيه الأحداث والأشخاص وتتشابك الوقائع، ويحتاج تتبعها لتركيز ومتابعة وإعمال ذهن، والمنطقي والحالة هذه أن يكون قراء القصة القصيرة أكثر عددا وكتابها كذلك. لكن الدراسات والإحصاءات الحديثة تشير إلى عكس ذلك.

أما الفن الأدبي الآخر الذي يبدو انقراضه واضحا للعيان، فهو الشعر الحر أو المرسل، أو ما اصطلح على اختزاله ب (قصيدة التفعيلة)، تلك الموجة التجديدية المتحررة، المتأثرة بما يماثلها من تجديد في الشعر الإنجليزي والفرنسي، والتي برزت في منتصف القرن العشرين أو قبل ذلك بقليل، وإن سبقتها إرهاصات متعددة، لكنها لم تكن بمثل اندفاعتها وقوتها، والتي تمحورت حول ثلاثة رواد من الشعراء العراقيين: هم بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، ثم تبعهم بعد ذلك بلند الحيدري وصلاح عبد الصبور ومحمد الفيتوري ونزار قباني وغيرهم كثير، ثم جاءت موجة شعراء المقاومة: محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد ورفاقهم.

و لقيت هذه الاندفاعة التجديدية المتمردة على قيود القافية الواحدة، والنسق المتماثل في عدد التفعيلات في شطر كل بيت شعري رواجا كبيرا، لكنها ظلت ملتزمة بالوزن الشعري وبالتفعيلة أساسا، وإن تنوعت أعداداها في كل بيت، لا يوقفها سوى توقف الاندفاعة الشعرية المتدفقة لدى الشاعر، فقد يتكون البيت من تفعيلة واحدة أواثنتان أو ثلاث أو أربع تفعيلات مع تنوع القوافي، لكن رونق الشعر ونغمته وموسيقاه ظلت باقية، وإن صار عصيِّا على الحفظ مثلما كان الشعر العمودي القديم، بل صار شعرا يُقرأ ويُتَمعن في صوره وأخيلته وابتكاراته، وجِدَته في اجتراح دلالات جديدة للألفاظ تخرج عن سابق عهدها، والغوص في رموزه التراثية وإيماءاته الأسطورية.

لقد لقي هذا اللون الشعري الجديد قبولا واستحسانا، وتتابع الشعراء ينسجون على منواله قرابة نصف قرن، حتى غلب على الشعر العمودي، وحاز على قصب السبق، وتدافع مئات الشعراء للخوض في هذا الميدان، وطبعت مئات الدواوين الشعرية من شعر التفعيلة، وبدا كأن المستقبل كله له، حتى غشيته موجة عاتية مما يسمى بقصيدة النثر التي أبدع الشاعر عز الدين المناصرة عندما سماها (القصيدة الخنثى).

عندما تدفق هذا السيل العَرِم من النثر، الذي يكتب في سطور مقطعة على هيئة قصيدة التفعيلة وما هو منها، وهو بالنسبة للقارئ العادي الذي لا يمتلك أذنا موسيقية، تميز الشعر من النثر كمثل السراب يحسبه الظمآن ماءً، ينخدع بهيئته التي تماثل قصيدة التفعيلة في طريقة عرضها، فلا يمكنه التمييز بينهما، ويحسب أنهما لون واحد. ومن يتتبع الصحف والمجلات الأدبية الورقية منها والإلكترونية، فربما وجد من بين كل عشر قصائد تنشر على صفحاتها، واحدة من شعر التفعيلة يقابلها تسع من النصوص النثرية، التي يُصِّرُ أصحابها على تسميتها قصيدة النثر، ولست أدري أي ضَير يلحق بهذه النصوص البديعة لفظا ومعنى وصورا مبتكرة، لو بقيت ضمن حقلها الطبيعي، الذي هو النثر البديع، فسميت خاطرة أو نثيرة أو جنسا ثالثا أو نصا إبداعيا، أو أي اسم آخر يتفق عليه إلا الشعر. وصرفت كل جهدها الإبداعي نحو تفجير طاقة النثر، وتركت تفجير طاقة الشعر لقصيدة التفعيلة.

لقد انفض شعراء قصيدة التفعيلة عن قصيدتهم الرائدة، لما أيقنوا عجزهم عن مجابهة هذا السيل الجارف من النثر، الذي ينافسهم ويُصر على أن يسمي نفسه قصيدة النثر، ويعرض بضاعته أمام القراء على نفس هيئة قصيدة التفعيلة، مما يستحيل معه التفريق بين اللونين على القارئ العادي. وأمام عجزهم عن تمييز أنفسهم، واستحالة إيجاد طريقة لفرز اللونين المتشابهين شكلا، والأخذ بيد القراء للتفريق بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وعجز شعراء التفعيلة عن التصدي لمن سماهم محمود درويش يوما مليشيات قصيدة النثر، الذين يتصدرون المشهد الأدبي برمته. إزاء ذلك فقد توقف معظم شعراء التفعيلة عن إنتاج الجديد، أو قلَّ جديدهم عما سبق، ولم يعد يلج هذا الباب سوى قلة من الشعراء الجدد، ما دام باب قصيدة النثر على سهولة صنعها مفتوحا للجميع على مصاريعه. بل إن كثيرا من مبدعي الشعر العمودي وشعر التفعيلة، قد ركبوا موجة قصيدة النثر، إما لأنهم لم يستطيعوا الوقوف في وجه هذا التيار الجارف، أو رغبة في إثبات قدرتهم وتفوقهم في شتى المجالات، والنماذج على ذلك كثيرة، فهذا الشاعر عز الدين المناصرة الذي سماها في البداية ساخرا (القصيدة الخنثى) قد عاد ليكتب بها، ومثله محمود درويش الذي وصف أصحابها بالمليشيات التي لا تقاوم، قد كتب قصيدة نثر، وشاعر آخر مبدع متألق في ميداني الشعر العمودي وشعر التفعيلة هو يحيى السماوي، لم يدخر جهدا في خوض غمار قصيدة النثر.

من كل ما سبق يتضح لنا أن قصيدة التفعيلة في طريقها إلى الانقراض، بفعل جناية قصيدة النثر عليها، وفي ذلك جناية على الشعر العربي الحديث كله، فقد انقطعت السبل تقريبا أمام العودة للشعر العمودي المُقفّى، ولم يعد يطرق بابه إلا القليل من الشعراء، وفي موضوعات الحماسة والوطنية، التي تستلزم نبرة خطابية، أو في موضوع الرثاء فقط. وكان المؤمل أن تكون موجة شعر التفعيلة هي التجديد الحقيقي للشعر العربي في العصر الحديث، وقد قطعت شوطا بعيدا في هذا المضمار، لولا أن داهمتها هذه الموجة العاتية من قصائد النثر فطمرتها تحت رمالها، ومهدت السبيل لانفضاض الناس عنها وانقراضها تدريجيا.

أما القصة القصيرة فإن سبب نفور الكتاب والقراء عنها، وتلاشي دورها بشكل متسارع يعد أمرا مبهما وغير مفهوم، فالرواية فن آخر مستقل لا يتماهى معها لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون، فلكل منهما مجاله الرحب وميدانه الفسيح، والمفترض أن يكون لكل منهما قراؤه المختلفون، والمنطق يقضي أن يكون قراء القصة القصيرة أكثر عددا. وتبعا لذلك فإن ازدهار الرواية ورواجها لا يتحمل وزر انقراض فن القصة القصيرة. فإذا كان خصم قصيدة التفعيلة والجاني عليها محدد وجَليّ وهو قصيدة النثر، فإن خصم القصة القصيرة غير معروف، وأمر تراجعها وانحسارها غير مفهوم ولا مبرر.

 

11/2/2015

معمارية هاشم عبود الموسوي .. في النهايات القصصية والشعور بالغربة

670-abudفي المجموعة القصصية (عندما رحل القطار) للقاص د.هاشم عبود الموسوي التي صدرت مؤخرا عن دار حوران - سوريا، التي تحمل عنوان القصة الاولى وتبعتها قصص: حلم ضائع في خريف العمر، رجوع الشيخ الى صباه، النظر للارض من مبنى عال، ما كنت يونانيا.. ولا اظن بأنني ثقيل الدم، عام من المسرة محفورا على جدار العمر، طالب خبيث.. ومدرس ممسوس، ريتا و حضارة وادي الرافدين.

لم يكن بغريب على الدكتور هاشم الموسوي أن يصدر مجموعته القصصية التي سبقها بسنوات، بعدد من الدواوين الشعرية، فضلا عن الكتب المتعددة بالعمارة والهندسة والثقافة، فالرجل منقوع بالخبرة الميدانية في تعامله مع النص باختلاف المنهج والطريقة والتوجه، وخير ما يساق في هذا الباب، مجموعته القصصية التي بين ايدينا، فالتنويعات وانثناء الحدث، وبنية الشخصيات بطابعها المميز، بلورت صورة لبنية قصصية وقد تبدأ القصة من اي نقطة يشاؤها القاص، اما النهاية فهي استخلاص وتقطير وتتبع للاحداث، وبالتالي فان النهاية وان كانت خاتمة تختم توقف القص، الا انها اعلان في الوقت ذاته، لفهم واستيعاب المعنى والاحاطة به، ولاحقا سيتم التطرق لاربع من قصصه الثماني:

670-abudففي قصة (عندما يرحل القطار) الذي كان فيها البطل شابا مقبلا على الحياة وفي بداية زواجه، وفجأة وبضربة كادت ان تقصم حياته، يجد نفسه وحيدا، في عالم لا يعرف فيه شيئا، فما ان ترجل من القطار ليتزود بالماء حتى يتحرك القطار ويتركه بدون مال وأوراق ثبوتية، والاهم دون زوجته، التي تزوجها حديثا، مما يعرضه للانهيار، في بلد اجنبي لا يجيد لغة قومه. واذا كانت الرحلة تبدأ بالعطش والحاجة للتزود بالماء، واذ بالقاص يحولها الى حاجة للعاطفية الانسانية، والبحث عن معنى وجوده، والى الحياة ومشاكستها التي وضعته بلحظة تيه استمرت لساعتين، لكنها بشعور البطل، استطالت وشكلت حفرا لولبيا في ذاته، لقد تراكبت الازمنة، واستحالت اللحظة التي يحياها البطل، وكأنها ازمنة متدحرجة فما من ماض او حاضر او مستقبل، فالزمن لعبة المشاعر المشتبكة والمتأرجحة، ليتخلق الشعور العميق بالازمة الروحية للبطل، وتوحده مع ذاته ازاء الوجود، الذي يشكل جحيم باربوس، وتأتي النهاية، متمثلة بلحظة اللقاء التي تحولت من ذات البطل الى ذات جمعية.ان لقاء البطل بزوجته بعد اللحاق بالقطار، وتوقفه في المحطة التي تسابق فيها مع الزمن مدة ساعتين لبلوغها بسيارة اجرة وهو لا يملك المال ليعطيه للسائق ان لم يبلغ القطار، لكن ما ان بلغ المحطة ووجد القطار يتوقف اما عينيه، واذا بالمسافرين الاجانب الذين اضحوا مشاركين بالحدث يصيحون ويشيرون ويهللون لقدوم الزوج الذي فاته القطار. ان هذه اللحظة، ما هي الى اعادة البطل للعالم من جديد، وانفتاحه للاندماج بالانسانية بعد ان اهتزت ثقته وقناعاته، لقد عاد التوازن الى الحياة بعد ان نشزت نوتة الحياة لبرهة، لكنها عودة الغريب الى ذاته، وشعوره المستديم بالغربة التي يشاطر زوجته فيها. اما قصة (حلم ضائع في خريف العمر) فالبطل كهل او يشعر بانه كهل، الا ان فتاة جميلة توقظ الحياة في جنباته المتيبسة، وما ان يستيقظ من النوم ويذهب للحمام حتى يرن جرس البيت فيفتحه، منتظرا صديقه الدكتور نزار، فخرج مسرعا دون النظر اليه، وهو لم يزل يكمل ارتداؤه لملابسه، مستمرا بالكلام، مرحبا ومحييا صديقه من غير ان يلتفت اليه، مشغولا بالفتاة الساحرة التي استباحات كهولته، انها (نيزك) الملاك الجميل الذي سطا على كيانه، وجذوة الحياة التي هبت مثل ريح لتقتلع الخمول، والتكسر والانكسار، وصارت صورتها في خياله، تنشر الفرحة المغيبة في نفس تعاني القهر، يستمر البطل بمونولوجة الطويل مبررا حالته وفرحته، منتشيا بذكر (نيزك) التي شكلت رمزا لقوة الحياة وحركيتها، دون ان يتلقى اجابة من صديقه، ينتبه واذا به يجد نفسه وحيدا، فلم يرن جرس البيت، ولم يكن يستحم، ولم يات صديقه، وانما كان وحده يهذي، عاد البطل الى قهره وتقهقره، منكفئا على ذاته، معلنا عن سرقة عمره وفرحته فما من نيزك بقي في مسيرة حياته، لقد جاءت النهاية كصفعة مدوية لتقزيم محاولة البطل للانفلات من رحم الغربة، التي ابت الا ان تتمركز وتتغلغل في نفسه المستجدية للحياة. اما نهاية قصة (ما كنت يونانيا.. ولا اظن بانني ثقيل الدم)، لا تختلف عن القصتين السابقتين، وشعور الوحدة المهيمن على البطل، الذي قرر السفر من اليونان بالباخرة منتظرا صديقا له، متجهين الى بيروت، ولم يأت الصديق، فيضطر للجلوس على مصطبة بانتظار تمضية الوقت حتى قدوم الباخرة، والمفاجأة ان يشاطره المصطبة رجل وامرأة يمضيان شهر العسل، ويبدأ حوارهما عن ليلة الامس الزوجية، ولم يعرفا انه عراقي مثلهما، ولم يعلن البطل عن ذلك، وقال: اصبحت ارى واسمع فيلما جنسيا بكل لقطاته المثيرة، كأنني شاهدتهما عاريين امامي (ص48)، كان البطل يتحاشى ان يعرفا بانه يفهم ما يقولانه تماما، لكنه كمن تورط، وانتابته الخشية ان ينهض، فيعدانه قد فهم حوارهما، بقي البطل مكانه يتشاغل الا ان الحوار قد تطور بين الزوجين الى شجار بينهما، فاحدهما يتهم الآخر بالخبرة الجنسية السابقة للزواج وبعد صمت وجيز...

هدأ الزوجان اخيرا، وغيرا موضوع الحوار بينهما واول ما نطقت به العروس: (ما أثقل دم هذا اليوناني الجالس جنبنا) (ص49).

ان عزلة البطل مفروضة عليه، وان لم يتكلم ولم يظهر فهمه لما دار بين العروسين، الا انها عزلة ملزمة، شاء ام أبى، اسوة بالبداية، كونه يحيا في المانيا ومن اجل تحمل جليد الحياة هناك، يسافر سنويا الى بيروت او سوريا، فالغربة ديدنه، والاغتراب عالمه، وان كان يحاول خرقه، فالآخر لا يقبله سواء اكان نظاما تعليميا أم سياسيا، أم اجتماعيا، ففي ظل سكوته وابتلاعه لحوار العروسين، لم يتخلص من رفض العروس لوجوده لا لشيء الا لكونه جالسا لم ينبس بكلمة، وتلك ضربة موجة للبطل الذي ينشد الاندماج والتوحد مع الآخر، لكنه يرتطم بجدار من الرفض.

اما القصة الاخرى (ريتا وحضارة وادي الرافدين) التي انتهت باللقاء الحميمي بين ريتا والبطل، الا ان الغربة بقيت، وابقت على المسافة المعلقة بينهما. وتبدأ الاحداث من حانة وصاحبتها (ريتا) التي ألفت اصدقاء جمعت الظروف بينهم في المانيا، واصبحت هي الاخرى صديقتهم، الا ان الالفة والتواصل الاجتماعي ودفء الحوار بينهم، قربهم وجعل منهم اصدقاء يسعون الى اللقاء يوميا، وكان البطل العراقي يسعى جاهدا ان يمضي ساعة من الوقت حول الطاولة المحجوزة لهم، وتشاركهم (ريتا) الجلسة، وذات يوم لم يأت احد من شلة الاصدقاء الا البطل فشاطرته (ريتا) الجلسة، بحديث دافىء، الا ان صديقها الالماني المقرب (هانس) قوي البنية، الذي يشعر بالامتعاض من البطل بوصفه الاقرب الى (ريتا) ثم يدفعه لافتعال شجار بينهما، بعد اهانته البطل، مما استدعاه لمنازلة غير متوقعة، يتغلب فيها البطل باستخدام الباب الزجاجي المروحي، فما ان يدخل (هانس) حتى تغلق الباب بقوة فتصدمه ويتساقط الزجاج على جسده الذي خر ساقطا، وما ان يحاول من جديد حتى يعيد البطل لعبة الباب الزجاجي من جديد، فيسقط (هانس) ثانية، ويهجم عليه وقد بلغ اشده، فانهال عليه البطل ضربا مبرحا وهزم غريمه (هانس) لقد انتهت القصة بمرافقة البطل لـ(ريتا) الى شقتها وامضيا ليلة هانئة، الا انها طلبت ان يعود لزيارتها من جديد ليحدثها عن تاريخ العراق وحضارته القديمة.

ان النهاية كانت استجابة لحالة الغربة التي يعيشها البطل، وحاجته للقاء داخل الحانة باصدقائه، الا انا هناك من يعلن رفضه لحالة الالتحام والتأقلم، ونزوع في العمق لكشف البطل لماهيته، واذا كانت (ريتا) شكلا من اشكال الانجذاب، والتآلف الظاهري، الا ان جوهرها يكشف عن نقطية ثاوية في الاعماق، وإن طارحته الفراش، الا ان ذلك لا يعني انها تفهمته او قبلته، او غاصت في اعماقه لقد كانت جملتها الاخيرة مفعمة بالانفصال غير المعلن، وهي تشدد حاجتها للحديث عن تاريخ العراق القديم وكأنها تقول: اني لم افهمك بعد ومازلت غريبا عني. في ضوء ما تقدم، فان النهايات للقصص الاربع، كشفت حالة السخط لبلوى البطل من الغربة والشعور بالمنفى وعدم امكانية خرق جدران مدن المنافي، فالبطل يجتهد محاولا، الا ان شروط الغربة تقصيه وتدفعه وتحيله الى: ضائع، حالم، مقصي، او غير مفهوم، لا من الشخصيات الاجنبية التي ظهرت حسب، وانما من ابناء جلدته من العراقيين ايضا وبالمستوى نفسه، ان ذلك يدفعه للنكوص وزيادة ثقل الغربة في بنية البطل الداخلية، وان تحلى بمحاولة للنفاذ واختراق غربته، ان ميزة هذه النهايات للقاص، كمن يفتح عدسة كاميرا ليجعل من الخبيء ظاهرا للعيان، ليعيد تركيز الحدث من جديد.

 

د. منصور نعمان

الجنس بنون النسوة في الرواية العربية المعاصرة من خلال رواية سلالم النهار (3)

alkabir aldasisiإذا كان الجنس تيمة أساسية في الأعمال السردية منذ القديم، إذ يجود إشارات له في الأساطير والملاحم القديمة مرورا بالنصوص المقدسة والرواية الكلاسيكية والطبيعية وانتهاء الجديدة والمعاصرة، وكأن بالجنس يشكل ملح القصص والروايات، حتى لنكاد لا نجد نص سرديا دون تلميحات جنسية، وليس مجالنا هنا تتبع تلك الإشارات في مختلف الأعمال لأنه سيطول شرحه ... وإنما همنا هنا الجنس في رواية سلالم النهار، ومن خلالها كيفية معالجة المرأة العربية لتيمة الجنس في عمل سردي؟؟

بعد المقالين السابقين الذين قدمنا فيهما الرواية ووقفنا على موضوع الجوع العربي نختم هذه السلسلة حول رواية سلالم النهار بالوقوف على تيمة الجنس في الرواية، وهي تيمة تكاد تشترك فيها الرواية مع غيرها من المؤلفات التي عالجت إشكالية الجنس تصريحا أو تلميحا وخاصة الجنس عبر إشكالية شرق غرب ما دامت أحداث الرواية تمسرحت بين الكويت وباريس، كما تشترك مع عدد من الروايات في كون أبطالها العرب رغم ثقافتهم الفكرية الواسعة يجدون أنفسهم بالغرب يعانون فراغا عاطفيا مهولا، فيحاولون تعويض هذا الفراغ العاطفي بالانغماس في تجارب جنسية غرائبية لا يوفرها لهم بلدهم الأصلي لكن الجديد الذي ميز روايتها (سلالم النهار) وإن ركزت على الجنس كسابقاتها، كون البطلين (المرأة والرجل) عربيين معا، عاشا تجربة جنسية لا يمكنهما الاستمتاع بها في بلدهم الخليجي ويزداد التفرد عندما نجد الكاتبة والساردة /البطلة امرأة عربية تحكي عن تجربتها الجنسية في الغرب متمردة على كل القوالب والحدود التي تنمط المرأة في صور مسكوكة محكي عنها،وإن ظلت الصورة الحاضرة في العلاقة الجنسية تقليدية غير متكافئة بين طرف فاعل مبادر (دائما هو الرجل "ضاري") وطرف مفعول به مأمور منفذ (هو المرأة "فهدة")

فرغم الاختلاف بين فهدة (من البدون) وضاري (من ذوي الدماء الصافية )، وبما أن المرأة تشعر بأنها أدنى من الرجل في الرواية في الأصل والمستوى الاجتماعي والثقافي فقد حاولت مسايرته في أهوائه، فكيفت حواسها و كل "خواتمها" (خاتم الشفاه المكتنزة،خاتما فتحتي الأذن، خاتما فتحتي الأنف، خاتم الصرة، خاتم الدبر وخاتم الأختام كلها الفرج مصب الأحاسيس كلها) لإرضائه، فقضت معه لحظة عاشا فيها أبيقوريين من أجل اللذة والشهوة، وكأن همهما اكتشاف الجنس في مختلف تجلياته، هكذا أخذها لمتحف اللوريتزم المتخصص في المعروضات الجنسية، تقول: (ليريني الحياة الجنسية منذ بدء خليقتها ومن اللحظة الأولى ... المبنى الغريب خصصت كل طوابقه المثيرة للعرض الجنسي كل ما فيه مرصود لتثبيت العلاقة الجنسية منذ فجر البدائية )[1] لتكتشف أن الرجل العربي (والنموذج ضاري في الرواية) كل شيء عنده مرتبط بالجنس و(لكل شيء معنى للإيروتيكية: قبضة الملاكم، خرطوم الفيل، رأس الحية، كعب عالي، مقدمة سيارة قديمة، فتاحة علب، مسدس،يد التليفون القديم،الحبال، السلاسل صبابة البنزين، والتراث العربي أيضا حصة ونصيب كبير فيه .. حرف الألف مثلا وكل مستقيم واقف وكل عصا ... هل الحياة في حقيقتها ليس لها أي معنى خارج الفعل الجنسي ؟ نظرية والدي أيضا تثبت هذا المعنى)[2]، إن الحياة في الفكر الذكوري العربي هي تلك اللحظة التي (يتم فيها قنص شهوة الذروة) و(جسد المرأة هو مركز النداء لكل النشاطات القائمة .. وقضيب الرجل هو المفاعل والمحرك لها)، وبما أن العربي (امرأة أو رجل) يشعر بالحرمان، فإن هذا الحرمان الذي يعانيه في بلده يدفعه عندما تتوفر له الحرية إلى الحدود القصوى، لنجد ضاري يأخذ فهدة (زوجته) لجلسات الجنس المثلي الجماعي تقول :( ضاري قادني إلى طبيعتي، كشفها لي بكل وقاحة .. حب السحاقيات يدهشني ينقلني إلى عالم لم يكن لي علم به ... يختلف تماما عن الشكل والطريقة القائمة بيننا)[3]   ويدفعها إلى ممارسة الجنس مع سحاقية أمام عينيه : ( يعيد الطلب بوضوح اكثر، ورجاء أكبر ملفوف بنوع من التوسل الطارئ تركت مكاني واتجهت إليها، لم يكن واردا عندي حب السحاقيات ولم أجد في نفسي أي ميل إليهن ... اقتربت مني والتصقت بي ومن تم أحاطتني بذراعيها وأخذت أصابعها تتخلل خصلات شعري..)[4]

لم يكن دفعها لممارسة الجنس مع السحاقيات أمامه، التجربة الوحيدة التي دفعها إليها ضاري، بل لقد حاول تجريب كل ما كان يخطر بباله تقول (لم تكن هذه التجربة الوحيدة، كانت هناك دائما محطات تجارب .. محطات اختبار للشهوات واكتشاف لمنابع لذة جديدة، كنت أتبعه وأنساق وراءه في اللعبة مثل روبوت آلي يسيره في يده يلبي كل طلباته بطواعية وفرح العبد المعجب برب نعمته وتاج رأسه وسيده)[5] ولأنهما قادمان من بلد (يحارب الحب ولا يعترف به ويقيم الحدود ضده،الحب المسروق أو المخطوف له طعم آخر ومختلف هو مزيج من التحدي والخوف والفرح )[6]، فقد حاولا تجريب كل ممنوع في بلديهما مقتنعين أن (الحب هنا (باريس) ناضج وواضح ومكشوف محسوم باختيارات واعية وحدث ما بين الروح والعاطفة والجسد الحب هنا مصير واع بأهدافه وحاجاته، لا يشبه في أي شكل من الأشكال الحب ..)

لذلك تنوعت مظاهر تجربتهما الجنسية مما يجعل القارئ يتساءل لماذا يجهر العربي بهكذا تجارب في مجتمع يحرم اللقاء بين الفتاة والولد ما لم يكن التنفيس عن ذات مكلومة مكبوتة .. ومن هذه التجارب الغريبة ترويها فهدة

تجريب الشذوذ، وممارسة الجنس وسط الشواذ (كنا نتسلل ليلا إلى غابة بولونيا مثلنا مثل حال الشواذ ومتعاطي المخذرات والمتشردين في الشوارع نعبر في أحراشها،لنمارس الجنس حالنا من حالهم، الخوف منهم هو الجزء الهام والأساسي في قواعد اللعبة)[7] والسعي إلى ركوب المغامرة، وتجريب الحب وسط لحظات العنف والتهور المنتظر على حافة انزلاق ما واعتبار الخوف والإثارة من أهم طقوس اللعبة (أحيانا يكون لدور الخوف وحده كل الأهميةن وأحيانا يكون الدور للإثارة والأحلى ان يجتمع الإثنان . والأفضل على الإطلاق هو ما اجتمع فيه الخوف والإثارة والمغامرة والمقامرة معا)[8] وأحيانا تخطر له أفكار جنسية غريبة ويريد تجريبها، هكذا دفع زوجته لتجريب حياة العاهرات فعدما تتجاوز الساعة منتصف الليل تقول البطلة: (عندها أذهب للحمام لأرتدي الباروكة الشقراء أو الحمراء، أو أي لون آخر بشعر قصير أو طويل أو متوسط بحسب ما يطلبه دور الشخصية المرسومة وأضع احمر الشفاه .. أخرج .. بينما يقف يراقبني من بعيد وأنا أسير في الشارع بتسكع مثير، أنفخ دخان سيجارتي العابرة للهواء) وعندما توقع بزبون تستأذنه لإحضار حقيبتها، فتهرب لضاري من الباب الآخر للفندق، مكتفيان بلذة الإيقاع بالضحية ... إن العربي المحروم أما مغريات الواقع يحاول تجربة ما يشاهدانه في حدائق فرنسا وتجاوزه، فبعدما حكت لضاري رؤيتها لشاب لعق الأيس كريم من على رقبة حبيبته الذي سال عليها، حاول التجريب ما هو أبعد من ذلك، تقول الساردة ما أن حكيت له ذلك و(في قفزة واحدة كان عندي بقنينة نبيد مفتوحة وشهية .. أخذ يسكبها على صدري وصرتي وخواتمي الحساسة .. يصب ويلعق حتى تخر منابع العنب وتنضج شروشه وتعبق الخمر من مسمي)[9]، وأصبحت المسألة عادة فغدا (يحلو له طلاء جسدي بمشتهيات يستطيب مذاقها مثل مربى البرتقال الحلو،المرن أو الشكولاتة السوداء بتركيز 90 %   كاكاو أو أيس كريم فروت بالكراميا المر والحلو .. يعشق نبيذ البوردو الفرنسي وهو سابح على جسدي ومتدفق على خواتمي عشرات القناني سالت علي وشرب من أماكني الحساسة)[10] .. أن ضاري تقدمه الرواية رجلا عربيا شبقيا حريص على تصوير لقطات حميمية تجمعه بزوجته وخلق أجواء للتصوير: (يطفئ النور الرئيسي للغرفة، يلف قاعدة السبوت لايت يحول مجرى الضوء لينساب على السرير، يفتح المروحة ويسلط الهواء الهارب باتجاه شعري يلف الشال الأحمر على وركي ويعقده على خصري، يدير الكاسيت ..يضيء الفلاش يضغط على زر الكاميرا آكشن ...)[11] أن الرواية تقدم لنا جلسات حميمية يختلط فيها الجنس بالخمر والتدخين بين الأزواج وكأننا بالكاتبة تتغيى تكسير الصور النمطية عن الأزواج العرب، وأبراز أن المتعة الجنسية لا تتحقق إلا بمثل هذه الوسائل وهذه الطرق، والمبالغة فيها تصعد بالعشيقين أعلى درجات النشوة : ( كل ما فيه يفور ويرتعش، بفضل مشتهياته وقنينة النبيد الرابعة وكأسي شيفاز ريغال وعلبتي مارلبورو وكم أصبع سيجار هافاني ثمين وأشياء أخرى مجهولة تمنحه نشوة خالية من سكرها ... يسقيني الكأس الرابعة والخامسة لأصعد معها سلم الرغبة ...)[12]

 

لم يكن ضاري الحالة الوحيدة في الرواية التي يحركها الجنس في حيتها، بل أبرزت (سلالم النهار) أن الجنس همُّ كل الرجال وكل الآباء، وفي سبيله قد يضحون بأبنائهن فأب فهدة لا يهتم بأولاده، لا يجالسهم ولا يستمع لهمومهم، وكل مل يدفعه لزيارة زوجته هو إطفاء نار شبقه، لذلك تقول إنها لا تعرف تفاصيل وجه أبيها، وليست لها ذكريات تجمعها به لأن ( لياليه المقسومة بالتناوب على نسائه ليس لنا حظ فيها، وغالبا البنات ليس لوجودهن أية أهمية على خريطة الوالد الحظوة –لو وجدت- فهي من حظ الذكور فقط)[13]

بعد أبراز بعض المظاهر الجنسية التي قدمتها رواية سلالم النهار من خلال تجربة ضاري وزوجنه فهدة بباريس يستنتج أن كاتبات الرواية العربية المعاصرة بدأن يقتحمن عالما ظل حكرا على الرجال، وبعدما كن في البداية يلامسن الموضوع بحذر ولا يعالجنه إلا تلميحا .. فإن رواية سلالم النهار ومثلها عدد من الروايات بنون النسوة عرضت الموضوع بجرأة قل نظيرها وقدمت رؤية في موضوع يعد من الطابوهات في المجتمع العربي والخليجي منه خاصة .. وإن اشتركت مع عدد من الروايات في التركيز على فحولة الرجل العربي وعدم الرقي بالجنس إلى مستوى الرمز وظلت المعالجة مقتصرة على حصر الجنس في العلاقة المباشرة بين الرجل والمرأة

 

ذ.الكبير الداديسي

......................

[1] - ص – 114

[2] - ص – 115

[3] - ص – 118

[4] - ص – 119

[5] - ص – 121

[6] - ص – 141

[7] - ص – 121

[8] - ص – 122

[9] - ص – 129

[10] - ص – 130

[11] - ص – 133

[12] - ص – 136 – 137

[13] - ص – 132

نوح إبراهيم هو صاحب قصيدة: دبرها يا مستر دل

faroq mawasiأثار الكاتب محمد علي طه في عدد الاتحاد 25 /1/2015 سؤالاً مهمًا، في مقالته "من هو صاحب القصيدة؟ وذلك بعد قراءته مقال الكاتب اللبنانيّ إلياس سحّاب في مجلّة "دُبيّ الثّقافيّة" عدد 68 ، وهو عن الفنّان اللبنانيّ فيلمون وهبي، حيث أن الكاتب سحاب يذكر أنّ فيلمون وهبي "استقرّ في فلسطين منذ بداياته الفنيّة الأولى في أواخر عقد الثّلاثينيات من القرن العشرين عندما كانت فلسطين تشتعل بالثّورة الشّعبيّة 1936 – 1939، وكان فيلمون وهبي يمارس في فلسطين الغناء على مختلف مسارحها" .

يقول الأستاذ سحّاب: "كتب فيلمون وهبي تفاعلا مع القضيّة الفلسطينيّة أغنية وطنيّة يخاطب فيها أحد كبار مسؤولي الانتداب البريطانيّ في فلسطين قائلا:

يا حضرة المستر دلْ   لا تظن الأمّه بتخلْ

لكن انت سايرها         يمكن عن يدك بتحلْ

ويضيف الأستاذ سحّاب معتمدا على ذاكرة وهبي:

" وبعد أن لحّن فيلمون وهبي هذه الأغنية أنشدها المطرب الفلسطينيّ المعروف في تلك الأيّام نوح إبراهيم" .

...

• وقد استغرب الصديق محمد علي طه هذا القول، وله الحق في ذلك.

.....

• وجدت القصيدة مثبتة في كتاب نمر حجاب "الشاعر الشعبي الشهيد نوح إبراهيم". عمان: اليازوري- 2006، ص   227.

وثمة مصادر أخرى تثبت أن النص لنوح إبراهيم، فقد وردت القصيدة في كتاب أبي سلمى: "كفاح عرب فلسطين"، ونقل عنه خالد عوض في كتابه "نوح إبراهيم". الناصرة: فينوس- 1990، ص 27، وكتب عن القصيدة وعن الشاعر توفيق زياد دراسة مميزة في عدد الجديد أيار 1971، ص 4-6، كما كتب عنه عبد العزيز أبو هدبا: "الشاعر نوح إبراهيم، بالكلمة المنغمة أرخ للثورة الفلسطينية، 1935- 1938"، مجلة الزاوية، العدد3- 4، شتاء- ربيع 2003.

...

في كتاب نمر حجاب الذي جمع قصائد نوح وكتب دراسة عنه- يكتب المؤلف في حاشية النص:

" كان دل قد عين حديثًا قائدًا للجيش البريطاني في فلسطين، وقد عهدت إليه بريطانيا إخماد الثورة الفلسطينية، وقد سمع القصيدة وكان اسمه يتردد فيها، فسأل عن الشاعر الذي كتبها وينشدها، فقيل له: "إنه نوح إبراهيم"، وقد كان نوح وقتها في سجن المزرعة، فطلب دل أن يجتمع بالشاعر الذي نظم القصيدة، فاجتمع به، وأعجب بذكاء نوح، وأوعز بإطلاق سراحه.

.....

إليكم النص الذي يحسه الفلسطيني في أعماقه:

*******

يا حضرة القائد "دل" = لا تظن الأمة بتمل

لكن انت سايرها = بلكي على يدك بتحل

‏   دبرها يا مستر دل!

.....

إن كنت عاوز يا جنرال= بالقوة تغيّر هالحال

لازم تعتقد أكيد= طلبك صعب من المحال

‏   دبرها يا مستر دل!

.......

لكن خذها بالحكمة= واعطينا الثمن يا خال

و نفذ شرط الأمة= من حرية و استقلال

‏   دبرها يا مستر دل!

......

جيت فلسطين الحرة= حتى تقمع الثورة

و لما درست الحالة= لقيت المسألة خطرة

دبرها يا مستر دل!

.....................

بدنا تفهّم بريطانيا= حتى تكفينا شرها

و تصافي الأمة العربية= بمنع البيع و الهجرة

دبرها يا مستر دل!

...........

ما دمت صاحب السلطة= حل هالمشكلة و هالورطة

و نفذ وعود الشرف= حتى تمحي هالغلطة

دبقرها يا مستر دل!

 

ونفذ وعود الشرف= حتى نمحي هالغلطة

للدولة هذا شرف=و احسن مشروع و خطة

 

دبرها يا مستر دل!

******

وجدت هذين البيتين أدناه زيادة في كتاب خالد عوض ص 27 - وهما إضافة لما ذكر:

...

ما دمت رجل خطير= وقائد عسكري كبير

و قضيتنا كلها فهمتها= ما بلزم إلك تفسير

دبرها يا مستر دل!

...

فهّم لندن باللي صار= و اللي بعده راح يصير

العرب أمة إصرار= صداقتها لازمتكو كتير

دبرها يا مستر دل!

دبرها يا مستر "دل"= يمكن على يدك بتحل

‏ .......

ولد نوح إبراهيم في حيفا سنة 1911 في وادي النسناس. كان عضوًا في كشافة تدعى"عز الدين القسام"، وقد شارك في ثورة سنة 1936.

فأجأه الإنجليز مع فرسان آخرين سنة 1938 بالقرب من طمرة الجليلية (مكان اسمه صنيبعة)، وقد ألقى الإنجليز جثثهم في بئر ماء، حتى انتشلهم أهالي طمرة ودفنوهم في المكان الذي سقطوا فيه.

أقامت لجنة مبادرة مع المجلس المحلي في طمرة نصبًا تذكاريًا للشاعر الشهيد.

إحياء فن الحكواتي في كتاب"لا تخبر زوجتي"

mohamad talat"وكل درب جديد وليد من رحم جذورك يا عتيقة.. كم مات الرجال (الرجال الرجال) على عتباتك وأنت تنظرين بحنان وبشموخ بغير قسوة.. فأنت الأم العشيقة.." بهذه الاستهلالية المفعمة في محبة الوطن يقدم المبدع محمد سيف كتابه الجديد "لا تخبر زوجتي" 2015م، عن دار الأدهم للنشر.

يهدي محمد سيف الكتاب إلى سيدته الحبيبة الطيبة المقدسة "مصر" بلوحة نثرية متزنة واعية لما تقوله، وما تبثه في فضاءات مصر المشحونة بالألم والفقد. وهو كتاب في حد ذاته مبتكرا وعصيا على التصنيف، فهو ليس بالقصص ولا بالمقالات ولا بما يعرف من استنطاع واستغفال القراء بـ" أدب الفيس بوك"، ولعل ساقطة الناشر في تصنيف الكتاب وإصراره على وشم صدر الغلاف بـ" أدب ساخر"، لم يكن إلا نوعا من الاستسهال لخداع القاريء واستغلال الموجة المزاجية السائدة بين أواسط جمهور القراء التي تميل لنوعية هذا الساخر.!

ما يقدمه سيف يمكن تصنيفه ضمن حكايات الفضفضة أو النثر المتداخل الذي يقترب بشكل ما إلى الفن العالمي المعروف بـ " Stand-up comedy" وهو يقدم في كل حكاية موقفا ما بشكل ارتجالي مباشر، حيث تتوالد الجمل والفقرات بشكل متداعي تلقائي بصفة توليدية، بل تلتحم حكايات الكتاب الاثنتا عشرة مع الفن الإعلامي المعروف بـ"التوك الشو الموجه" حالة من الثرثرة بهدف الاستحواذ على ذهنية المتابع بعض الوقت لصب غرض ما فيه، لكن المؤلف السارد هنا ابتعد لحد ما عن كينونة الممثل والمذيع، ليرتقي بفنه إلى ساحة النص الأدبي، وهو هنا يبعث فنا حكاواتيا من فنون الأدب العربي القريبة إلى فن التأليف لجمع شوارد وطرائف وعظات الحكايات القديمة (مثل كتاب الكشكول للبهاء ﺍﻟﻌﺎﻣﻠﻲ وحكايات الجاحظ في البخلاء، وغيرهم) في ثوب جديد، والذي يمكن وصفه كما أسميه في ثوبه الحديث بـ"أدب المقاهي"، فضلا على وصول وانتشار هذا النوع بين المتابعين لسهولته وتلقائيته، وكي يستقيم حال هذه الثرثرة لتصبح حالة إبداعية أدبية خالصة، فعلى مبدعها أن يدرك قيمة الإمتاع والعمق، وعدم فرط حبل الثرثرة فيما لا يفيد.

وعلى عكس ما هو سائد من مناخ الفقر الإبداعي المنشور بالمشاركة بين ناشرين "السبوبة" و أشباه الكُتاب، يأتي سيف ليبدد هذه الغيمة الثقيلة من سطحية فن الحكاية، فهو "حَكَّاءُ مصري" من طراز أصيل مشبع بالقدرة على توليد الحكايات والخوض معها في عوالم جديدة، مما يعود للأذهان السامر الشعبي أو شاعر الربابة. لذلك جاءت حكايات" لا تخبر زوجتي" كأقصوصات من نوعية الفن النثري، وهو فن ذو إرث عظيم في التراث العربي، الذي اهتدى المؤلف إليه مع إلمامه الناجع بتفاصيل هذا التراث بشخصياته ومواقفها وحيواتها مع الاطلاع على التراث غير العربي وتضفير كل هذا في عجينة خبز تستوى على نار هدوء قاريء معين يصطبر على السامر الحكاء الذي يعلو ويهبط ويتسطح ويتوغل في ثرثرة مفيدة أحيانا ومضطربة بل مضرة في بعض الأحايين الأخرى. لكن الشفاعة هنا أنه اقتحم ميدانا ثريا وغرف منه بجرأة يحسد عليها، حيث قام بتوليد دلالات الحكاية ورمزياتها سواء الفنية أو الاستعارية لإسقاطاته على الواقع، لخلق نوعا من الصدمة بين الواقع وغفلة لحظته الراهنة، وبين تراثه في نقاط مصابيحه المعتمة.

ويدعم سيف لوحته النثرية بأسلوب الحكاء المفاجيء الذي يشير لك بنقطة ما ويأخذك إلى مكان آخر، ويتجلي ذلك في "الجاكوش" ص10، قائلا لصديقه:"لكني أريد أن نتحدث سويا حيث يأخذنا الحديث، دون قولبة أو نمطية ما.." ص14، بهذا المفهوم الذي يعطيه سيف للقاريء المستمع له عن حكاية الطبيب النفسي ثم يأخذ الراوي المستمع إلى عوالم وشخصيات وبلاد ويطوف به. وعند بداية كل طواف يطرق سيف جاكوشه في رأس المستمع له بحكاية أخرى غير تلك الحكاية الأم، وبهذا النهج يصول سيف في "ريلاكس"ص16، ليقدم نقدا للمجتمع الدولي عبر شخصيات أدبية وفنية؛ ليؤكد ثمة عالم من المجانين وبشر أجن تسعى للحروب من أجل الرفاهية. وفي "لا تخبر زوجتى"ص21 يختلق صديقا ويتحدث معه مباشرة عن بعض الحكايات: عن مهن الصحابة والسلف والقادة.. وفي "عمي شارل مارك إبراهيم" ص27، وهي لوحة نقدية تأخذ بالقاريء إلى حقيقة مفداها أن صفحات الكتب لا تستوعب كل الناس.. وعن قيمة ترك الكلمة التي تعبر المحيطات والقارات.. وعن الانتقاد لفرض اللقب المهني على الاسم البشري ، فهذه الفئة البشرية يحزنها أن تناديها بأسمائها مجردة دون أن تضع قبلها المهنة. ليصعد ويهبط في ثمة اختلاق حكايات طويلة تدور حول نفس النقطة. وفي الحكايات التالية يدخل المطبخ في مغزى أبعد من الطبخ، فيقص بعض القطع النثرية ذات الأصوات المتداخلة ما بين الماضى والحاضر ما بين العربي والأعجمي تحت لافتة التطفل من المهمشين في التراث العربي في "حكايات الطبلجية"ص101، ليدخل بنا إلى عالم الفجعنة في " الملوك إذا فجعوا" ص131، ومرة أخرى يتغلغل في طباع الناس في الأكل بمختلف بقاع الأرض، ويصطحب القاريء إلى "الخرزة الزرقاء" وبعد أن غاص في لب حكايات الأكيلة يقدم أيقونة حكاياته موجزة في " إن كثرة النصيحة، وحتى الحكمة، قد تضيق الصدر وتجعل الإنسان العادي في ضجر ما..وإن الروح لكارهة للثقلاء والمثقلين عليها.. وبالمفاكهة والأنس يزيد الإنسان خفة."ص173. ثم بدأب يواصل هدفه من رسالة الحكايات الطويلة في "ومن الماعز ما يحدث الناس" ص179، ليصل إلى"حادي بادي"ص194، ليضع النهاية التي ظن السارد أنها مدهشة بينما جاءت مباشرة صادمة للمتابع؛ مما أفسد نهاية الحكاية في قوله:" خلاصة ما أريد قوله لك الآن.. تخلص وفورا من كل الثوابت.. فليس هناك ثابت.... ثق في نفسك وقدراتك"ص199، فسر الحكاية لا يلقى هكذا بشكل مباشر خطابي وإلا أين مساحة الحرية الذهنية للمتابع ليفك بنفسه طلسم الحكاية؟ ومن ثم تراوحت القطع النثرية ما بين الإمتاع الفني والمباشرة الخطابية.

وعلى الرغم من اكتمال عناصر التشويق في بعض الحكايات إلا أن ظاهرة الاستطراد والثرثرة المفرطة السلبية أخلت باللوحة السردية ككل للحكاية. ومع نجاح الكاتب وكتابه في إحياء هذا النوع من الكتابة إلا أن الكتاب يشوب بعض الملل والإفراط في الحكي والتضمين واختلاق الحكاية داخل حكاية دون إمتاع حقيقي، ولعل هذه الهفوة التي كان يجب على سيف الانتباه إليها ومراجعة كتابه بدقة، وإعمال مشرط الحذف والتدقيق فيما يقدمه وما يحجبه، فليس بكثرة الحكايات المتداخلة وأصواتها تمنح البهجة بل أحيانا كثيرة تقدم الشتات وفقدان خيط الحدث من يد القاريء. بلا شك أن سيف يقدم إغراء كبيرا للقاريء الذي يجذبه مثل هذه النوعية من الكتابات، لكن كان يتوجب عليه أن يقدم كبسولته بشكل مختصر ومكثف شريطة الإثراء والمتعة والاكتفاء بتلميح دون الإفراط في سرد حدث الحكاية وتوليدها بحكايات أخري مثل حكاية "الشيف سيف" التي تولدت منها باقي حكايات الكتاب حول الطبخ وسير الأكيلة والمفجوعين، وغيرهم.

تتبع السارد بين حكايات "لا تخبر زوجتي" مقلدا تيمة اختلاق شخصية ما يحاكيها ويتحدث معها مباشرة ويبثها همومه وأطروحاته، متبعا في ذلك أسلوب الأقدمين في خلق كائن ما يتحدث إليه ويفضي له بالأسرار "وقد لا أجد حرجا أن أسر إليك ببعض أسراري" ص20، بل يأخذ رأيه في بعض المواقف ويتشاجر معه، ويستند على كتفه في بعض الأحايين لخلق مساحة من الود والإيثار لجذب مستمعه أو هذا الصديق المتخيل، في لازمة متكررة على طول الحدث الدرامي من البداية والنهاية ووسط الحكاية، وهي لفتة ذكية. لكنها لا تخلو من بعض المباشرة التي جاءت في غير محلها في إقحام هذا الصديق والإصرار علي مشاركته في التنقل بين بعض الفقرات بشكل قد يبدو فجا.

وفي نفس السياق وقع سيف ضحية عنونة الحكايات الداخلية التي حملت سلاحا ذا حدين، واحد يحسب له لشد الانتباه؛ حيث يفاجئ القاريء بعنوان غريب مغري، ثم يقدم له حكايات متداخلة لا تمت بصلة لهذا العنوان، والثاني يحسب ضده حيث لا يعبر العنوان في الأصل عن متن الحكاية وثرائها، وهذه السقطة المعنونة في الأغلب جاءت نتيجة التسرع وعدم تحري الدقة والمراجعة في تزيين العمل الختامي قبل الزج به إلى المطبعة. فضلا على ثمة غرابة غير حميدة في عنونة بعض الحكايات، مثل "لن آخذك لهذا الرجل الذي يحمل الجاكوش/ ومن الماعز ما يحدث الناس"، فطول العنوان إن لم يكن له رمزية ما فيكون مرده سلبيا وعائقا لسردية الحكاية، ثم لا يصلح بأية حال أن يكون مثل هذا عنوانا لحكاية داخلية.

وعلى أية حال هي نوعية جديدة ومبتكرة من الكتابات أجاد فيها محمد سيف، وفرض موهبته الذكية في الاسترسال والحكي مقلدا أجداده من عظماء الأدب العربي في عصره الذهبي، فنجح الكاتب في حكايته وأسلوبه وسقط الناشر في تصنيف هذه الحكايات.

 

الأديب بدل رفو صقراً لا يستقر في مكان ما

badal raffowمهما أبتعدنا عن الوطن يبقى الوطن في القلب

أن تعدد الصراعات الفكرية المرئية واللامرئية إن كان يدل على سبيل ما فأنه يدل على أن التخطيط الواقعي للحياة ليس موجهاً بصورة صحيحة أيجابية يخدم الناس ويرقي الوطن،وأذا السفينة على قيادتها أكثر من قائد فأنها ستضطرب وتغرق،هذا ما ينجلي عندما تكون القرارات صادرة من عدة جهات،كل جهة متمسكة بقرارها حتى لو كان ضعيفاً ضبابياً مدهماً لايخدم الناس ولا الوطن، المهم أن يبقى وجودها فهي في واد والشعب في واد،هذا ينعكس سلبياً على كيان الناس والوطن في نفس الوقت،فالناس يبقون كما هم لاحول لهم ولا قوة والوطن يبقى غير مستقر مضطرب نتيجة هذه القرارات اللا مسؤولة اللا مدروسة بشكل وبآخر وتقتصد على الذاتية والمحورية الضيقة، أمام المجتمع، ويكون غير مقبول سياسياً وأقتصادياً،ويبقى بنيان الوطن يتهاوى شيئاً فشيئاً ويتراجع الى الوراء،هذه الاطر الفكرية أصبحت واضحة للعيان بسبب وآخر،انتشار النت والقنوات الاعلامية المؤيدة والرافضة والسخط الذي يغلي في أعماق الناس رغم سكوتهم وتحملهم وصبرهم وأملهم أن يتغير الوضع الى الأفضل،لاشك مثل هذا الواقع المؤلم باختلاف الصور الحياتية والتناقضات الفكرية يتاثر بها الأديب والمفكر والعالم والأنسان البسيط بصورة عامة الذي ينهض صباحاً ويسمع دوي الأنفجارات والقتل في الأزقة والطرقات وأغلاق الطرق بالحواجز الكونكريتية والأسلاك الشائكة التي كانت توضع نفسها لحماية حدود الوطن وغلق الشوارع الرئيسية والطرق المؤدية الى أرزاق الناس،كل هذه الصور وغيرها مثيلاتها تجسد ضعف صورة الوطن الذي ابتلى بالجهل الفكري فمعسكرة المدينة ليست صورة زاهية بل صورة مأساوية أمام كرامة الأنسان التي أوجدها الله من فوق سبع سموات فكيف بالأنسان أن يهين بجهله كرامة الأنسان على الأرض ؟حماية الوطن لاتأتي من حمايته من الداخل فقط بل الأساس الأولي حماية حدود الوطن فكيف تحمي داخل الوطن وحدود الوطن مفتوحة لمن هب ودب ؟ شيء لا يقبله العقل ففي فرنسا يمنع الظهور العسكري إلا للضرورات الملحة في داخل المدينة خشية من أن يتأثر المواطن، والدول الاوربية تعامل بالمثل لجارتها الاوربية فأين نحن منهم ؟ هذا الأستهلال الواقعي على الأرض يدنينا من قصائد الشاعر الرحال المغترب بدل رفو لنفتح أبواب أمبراطوريته المغتربة الذي يحمل قضية الوطن والأنسان في كل قصائدة وترحاله،

(لا بلاد كبيرة تحتضن فؤاد مدمى

لا طبيعة تضاهي جبال وشلالات

بلاده المسافرة في دمه

لا وطن يتنازل عن ريحه

للشاعر المهاجر)

مهما ابتعدنا عن الوطن يبقى الوطن في قلب كل واحد منا رغم الغربة القاسية يبقى الوطن نور لا ينطفىء في ارواحنا ونبض في قلوبنا أينما ارتحل الجسد والقلب والروح،الأديب المغترب بدل رفو يحمل هموم الوطن في غربته وترحاله وفي نفس الوقت يتجلى قوة الحب والتسامح في قلبه،يسمع صوت روحه ويكتب بأحساسه المرهف بحب جميل يظهر الحقائق التي لا يمكن نكرانها ويستعيض بمدلولات تجسد الفكر المتقد ورموز تعني أيحاءات روحية تفرض صحة الأشياء الموجودة على الأرض بمبادىء الانسانية والعدل المكنونة في القلوب، إن تعرية الواقع بما فيه من تناقضات بلغة تصل للأعماق بصورة شعرية حسية مكانية سلسة تلعب دوراً رئيسياً مهماً في الفكر، مهما كان الأديب معزول أجتماعياً بحاجة الى دوماً الى المعيشة بجوار أبناء جلدته،لكنه يتمكن من التفكير والكتابة والتغيير لوحده،

(ظل الشاعر والشعر

الجبال الأوجاع

رفاق سفر وأزمنة

في درب الغربة

والنقطة ووطن بديل

وطن من دون وجع وغدر

ومزايدات كاذبة

شوق لبلاد وحلم لم يولد بعد

من رحم الأغتراب)

عندما يكون مفهوم الوطن والغربة والأحساس زائفاً فأنه حتماً ينهار ويتجزء الى خوف وقلق وينكسر الأبداع ويتهاوى مفهوم الأنسانية والتألق، أما الأديب بدل رفو فله مفهوم الأمبراطورية المغتربة الفكرية الأنسانية التي رسم ملامحها بدقة وتأني جعلت تتجلى كأمبراطورية بدلية لكن هذه الأمبراطورية البدلية ليس لها حراس وجنود وحواجز وقيود حدودها كل الناس كل الوطن كل العالم،بحثه الأدبي والفكري لا ينتهي لأن في الامبراطورية البدلية لو أنتهى البحث تجمد مفهوم الأبداع والتجديد والبقاء،ليس في شعره وادبه فئة الجنس المتفوق وفئة الجنس الأدنى فالشعر يضم كليهما يدخل في عوالم التفوق والأدنى، الغني والفقير كلاهما في عوالم الأنسانية والطبيعية يتجلى الصدق في أدبه والصدق مرتبط مع الحقيقة المبنية على الخبرة والتجربة الأدبية وهذه لن تترك المفاهيم مجرد قوالب وصور فارغة بل مؤثرة وفاعلة مهما كان المضمون الأدبي أنساناً حجراً حيواناً مكاناً،كرمز ودلالة تثير الأحساس العميق وتوقضه من غفوته الطويلة ، مع أندماج الفكر الغربي بالفكر العربي يسمو بالادب ويخصه أفاق الغرابة الصورية الشعرية الجميلة والتميز والأبداع ،يقول ارسطو (أن المعرفة الأدبية هي معرفة بكنة الأشياء وحقيقتها وليست مجرد أنفعالات هوجاء ..) سواء هذه المعرفة حلماً ام كابوساً يتعين علينا أجلاءها بكامل الوعي الفكري وايجاد حلول لها بعيداَ عن الخطر النرجسي الذي يهدد الأديب،الخطر المتصل اتصالاً بمفهوم النص الأدبي والفني وبالضلالات والاوهام التي يقع الاديب في حبائلها الواهنة التي تكون سبباً لأنكساره، أما الاديب المبدع بدل رفو من الأدباء الأقوياء صاحب فكر وأصرار وحلم أمبراطوري لايفارقه تمكن من أجتياز جحيم حياته الروتينية والأقتصادية البسيطة والعاطفية التي بدا متمكناً منها داخلياً وخارجياً رغم كل الأقصاءات التي من داخل الوطن وخارج الوطن والتي يجسده في مضامين رؤاه الأدبية المختلفة .

(ترحل بك سنوات العمر

تفاجئك تجاعيد الفقر

تسافر بك قطارات الماضي المؤلم

ومواويل أزمنة

لم ترشح رعشة حب

صرير عجلات زمن مذبوح)

 

وهكذا تتراءى الصور الشعرية بين تجلي المكنون الحسي والعذاب المغترب تائهة على أوجاع الواقع المؤلم والحلم البعيد الذي لم يولد بعد ويستحيل الشوق شهداً على عتبات السفر والترحال من مدن هاربة الى مدن حالمة بأمل يتجدد كل يوم ورغم كل هذا الطوفان من الترحال تبقى الروح منفردة تبحث عن وطن يحميه وحنين يدفيه وحبيب يسأل عنه...

(هرمت وأنا أركض وراء العسل

وتظل الروح مفردة

فجراً .. نهراً ..)

الاديب المبدع بدل رفو يبقى قمراً مشرقاً في سماء الأدب وصقراً لا يستقر في مكان ما، باحثاً عن كل حلم يراوده خلسة، عن كل أمل يجدد به الروح، عن كل نبضة تشحن قلبه بالحياة،عن كل مكان يترك أثار أمبراطوريته البدليه عليه فزدنا أيها الصقر الرحال في سماء العالم بكل ماهو جديد على الأرض .

 

.....................

الأديب بدل رفو

* الاسم الحقيقي: بدل محمد طاهر يونس

* مواليد 1/8/1960/ الشيخان/ قرية الشيخ حسن/ كوردستان العراق

* أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مدينة الموصل

* تخرج بقسم اللغة الروسية، كلية الآداب جامعة بغداد عام 1985

* بدأ بالنشر نهاية السبعينيات باللغة العربية بجريدة الحدباء الموصل.

* من خلال دراسته في بغداد، واكب صحافة العاصمة ونشر نتاجاته الأدبية والصحفية باللغتين العربية والكوردية في صحافة

ودوريات العاصمة ومنها (الأقلام، الطليعة الأدبية، بيان، هاوكاري، روشه نبيري نوى، الثقافة، العراق، باشكوى عيراق، ..إلخ)

*عمل مراسلا صحفيا من مدينة الموصل لصحيفة بزاف وهاوكاري ومجلة ره نكين منتصف الثمانينيات.

* يعمل بمجال الشعر والترجمة والصحافة وادب الرحلات.

* يعيش بدولة النمسا منذ عام 1991 .

* عضو عامل في نقابة صحفيي كوردستان والنمسا.

* عضو اتحاد ادباء كوردستان والنمسا.

*عضو جمعية المترجميين العراقيين، المركز العام، بغداد

*عضو في الاتحاد العالمي للسينمائيين العرب.

* شارك في الكثير من المهرجانات السينمائية ضمن الطاقم الصحفي للمهرجان ومنها مهرجانات أفلام الجبال ومهرجان الفيلم النمساوي.

* شارك ومن خلال مسيرته الثقافية في كثير من المهرجانات الشعرية في العراق والنمسا وكازاخستان والمغرب.

* اقيمت له امسيات شعرية وثقافية في العراق وكوردستان والعالم باللغات الكوردية والعربية والالمانية.

* لقد كتب الكثير من الأدباء والنقاد حول تجربته الشعرية ومنهم زهير كاظم عبود، إبراهيم اليوسف، عبد الخالق سلطان،

د.خالد يونس خالد،فتح الله الحسيني،د.توفيق التونجي،د.هدية الايوبي،جلال زنكابادي،، الناقد مسعود عكو، الشاعرة فدوى كيلاني،

عبد الإله اليوسف، ئارام باله ته يي،قيس قرداغي،د.هوار بلو، الروائي والشاعر اسعد الجبوري،

القاص والناقد حسب الله يحيى،الشاعرة سوزان سامي جميل،عبد الغني علي يحيى، د. مؤيد عبد الستار، حكيم نديم الداوودي،

الناقد جوتيار تمر، نجيب بالايي، الشاعر المغربي إبراهيم القهوايجي،عبدالوهاب طالباني وآخرون …

* نشر نتاجا كثيرا في الصحافة العراقية ومنها الثقافة الأجنبية والأديب والتآخي والصوت الآخر

والاتحاد والاداب العالمية والجوبة السعودية وصدى المهجر الامريكية وسردم العربي ورامان والسفير اللبنانية والصباح الجديد

وطريق الشعب والمؤتمر والمنارة ونشرت قصائده في أنطولوجيات عربية وألمانية.

* اقيم له مهرجان تكريمي في دهوك\كوردستان العراق يوم 7\10\2010 والذي يعد او ل مهرجان في تاريخ العراق يكرم فيه الشعب احد ادبائه.

* حاز على شهادات تقديرية في كثير من الدول على دوره في نشر الادب الكوردي والنمساوي في العالم.

* يجيد عدة لغات ( الكوردية والعربية والالمانية والانكليزية والروسية).

* ترجمت قصائده الى العربية والانكليزية والالمانية والفرنسية والايطالية.

** صدر للشاعر:

* ومضات جبلية من الشعر الكوردي المعاصر عن وزارة الثقافة والإعلام في العراق عام 1989

* أغنية الباز ـ قصائد كوردية مترجمة ـ دهوك 2001

* رسول حمزاتوف وطالما تدور الأرض بمشاركة الأستاذ خيري هزار مزوري ـ دهوك 2001

* أنطولوجيا شعراء النمسا باللغة العربية، ترجمة عن الألمانية ـ دار الزمان السورية ـ دمشق 2008

* أنطولوجيا شعراء النمسا باللغة الكوردية ـ مؤسسة سبيريز للطبع والنشرـ دهوك ـ كوردستان العراق 2008

* وطن اسمه آفيفان ـ قصائد كوردية مترجمة ـ سندباد للنشر 2009

* آفيفان ـ قصائد للشاعر الكوردي عبدالرحمن مزوري ـ ترجمة ـ دار سردم للنشر في السليمانية\ كوردستان العراق 2009

* قصائد حب نمساوية باللغة العربية،ترجمة عن الالمانية ـ دار الزمان السورية ـ دمشق 2010

* دم الصنوبر .قصائد للشاعر بدرخان السندي .ترجمة .عن منشورات اتحاد الادباء الكورد ـــ فرع دهوك\كوردستان العراق.2010

* قصائد حب كوردية .ترجمة عن الكوردية،على هامش المهرجان التكريمي في دهوك .مطبعة خاني 2010 دهوك \ كوردستان العراق.

* الوطن الابيض (قصائد من النمسا) ترجمة عن الالمانية،باللغة الكوردية\دهوك ـ كوردستان العراق 2011.

* مواويل الشتاء..اصوات شعرية من كوردستان ـ ترجمة عن الكوردية،باللغة العربية \دهوك ـ اصدارات جمعية الشعراء الشباب في دهوك 2011.

* الشهد والثلج،ترجمة عن الكوردية،باللغة العربية\عن دار الثقافة والنشر الكوردية بغداد،العراق 2013.

* النسر وشعراء من وطن الثلج والنار،باللغة العربية\عن دار الشؤون الثقافية في بغداد،العراق 2013.

* وطن جديد(قصائد من النمسا) ترجمة عن الالمانية،باللغة العربية\دهوك ـ كوردستان العراق 2014.

* بدل رفو صقر من كوردستان باللغة الالمانية بقلم الروائية انغيبورك ماريا اورتنر \النمساـ مطبعة فايس هاوبت 2013.

* له مجموعة كتب حاضرة للطبع.

     

في ملامسة الحقيقة الإنسانيّة

madona askarقراءة في قصيدة "هو هادئ وأنا كذلك" (*) للشّاعر محمود درويش

يجسّد الشّاعر الكبير محمود درويش في هذه القصيدة البديعة منحوتة فلسفيّة تضاهي شتّى النّظريّات الفلسفيّة والاجتماعيّة والنّفسيّة الّتي تحدّثت عن الإنسان وعلاقته بالآخر. وهي "منحوتة"؛ لأنّ الشّعراء يحفرون فكرهم بقلوبهم وينقشون كلماتهم في النّفوس فيحرّكونها ويوقظون في داخلها وعي المحبّة الخالصة. وأمّا الفلاسفة، ومع كلّ الاحترام لفكرهم النيّر وعقولهم المستنيرة، إلّا إنّهم يبثّون بعض الجفاف ولا يحرّكون النّفوس. فهم يكتفون فقط بطرح الجدليّة ومناقشتها ويستدرجون العقول لإقناعها. ومحمود درويش من الكبار الّذين لمسوا النّفوس وأشعلوا فيها نيران المعرفة والحبّ والحرّيّة واليقين، وتحوّلوا بعد رحيلهم إلى لغة تحاكي الإنسان وتتفاعل معه.

"هو"، ضمير للغائب يعود إلى الإنسان وتحديداً إنسانيّة الإنسان. ونرى هذا الـ "هو" في القصيدة مشابهاً للشّاعر تماماً ولا يفرّق بينهما إلّا أمر واحد. فللوهلة الأولى نفهم أنّ الشّاعر يتحدّث عن نفسه أو كأنّه أمام مرآة تعكس ظاهره وداخله العميق. ثمّ ما نلبث أن نصطدم في الفرق ونتلمّس حضور شخصين في القصيدة، فنحتار ونعاود القراءة مرّات ومرّات حتّى يتراءى لنا الحضور الفعليّ للآخر.

 

- الهدوء والاطمئنان

وكأنّي بالشّاعر يريد تسليط الضّوء على أنّ حضور الآخر لا يشكّل هاجساً ولا يستدعي الخوف والاضّطراب، (هُوَ هادِئٌ، وأنا كذلكَ). إنّه حضور ضروريّ ومهم في الحياة الإنسانيّة. ولا يحدّد لنا درويش هويّة هذا الآخر، لأنّه يريد به كلّ آخر، أي كلّ شخص في هذا العالم. هذا الحضور الأساسي والّذي من المفترض أن يكون مطمئناً، يشرّع أبواب الانفتاح والالتقاء ويمهّد للتّواصل الإنساني النّابع من الهدوء والسّكون ليحقّق لاحقاً المحبّة والسلام.

 

- اختلاف مشروع:

(يَحْتَسي شاياً بليمونٍ، وأَشربُ قهوةً)، عباراتان تبيّنان الاختلاف المشروع بين البشر، وتأتي عبارة (هذا هو الشّيء المغاير بيننا) لتؤكّد على ما ورد سابقاً، وهو أنّ الاختلاف لا يلغي ذاك اللّقاء الإنساني ولا يؤثّر في إرساء الطّمأنينة والهدوء، بل لعلّه يعزّز العلاقات الإنسانيّة ويمنحها رونقاً وجمالاً حتّى تغدو سامية. فهو اختلاف ظاهريّ أو لنقل بدهيّ وليس اختلافاً في الجوهر الإنساني، ولا نقرأ فيه تنازعاً أو تباينا،ً وإنّما المعنى ما زال يحتفظ بالهدوء والأمان.

لا ننكر أنّ الاختلاف الإنساني يبرز في التّفاوت المعرفي والاجتماعي والعلائقي والعقدي، وإنّما شتّى الاختلافات والاعتقادات الشّخصيّة لا تهدّد الجوهر الإنساني ولا تنزع عنه صفته السّامية المرتكزة على القيمة. فالإنسان قيمة بحدّ ذاته بغضّ النّظر عن معتقداته أو عاداته وتقاليده وموروثاته الاجتماعيّة والدّينيّة. ما يحدّد قيمته هي إنسانيّته، وكلّ ما يعرّف عنه فكريّاً واجتماعيّاً وعقائديّاً لا يزيد أو ينقّص من هذه القيمة وإنّما يسعى بها إلى الاكتمال الإنساني، خاصّة إذا عرف الإنسان كيف يتشارك مع الآخر من خلال اللّقاء المنفتح والمحبّ.

 

- الخوف والاحتراس:

أولى الخطوات نحو النّزاعات والصّراعات تكمن في ما تظهره هذه العبارات من خوف وحذر مخفيّين من الآخر(هو لا يراني حين أنظرُ خِلْسَةً، أنا لا أراه حين ينظرُ خلسةً). فالخوف هو العقبة الوحيدة الّتي تمنع الإنسان من التقدّم والانفتاح، فيرغب في الانعزال ويجنح إلى الانطوائيّة والتّقوقع على نفسه. ما يجعله رافضاً لكلّ جديد ومتطوّر، ويبقى غارقاً في تقوقعه حتّى يتفجّر كبته حقداً وغضباً على الآخر. لو أعدنا النّظر في كلّ النّزاعات البشريّة وجدنا أنّ سببها الأساسيّ هو رفض الآخر وعدم قبوله كما هو. إلّا أنّ محمود درويش ذهب إلى ما هو أعمق من ذلك، ألا وهو الحذر الاستباقي وغير المبرّر، أيّ التكهّنات الّتي يفرضها إمّا المحيط الاجتماعي والدّيني والثّقافي وإمّا سطوة الإعلام والسّياسة والتّربية الصّارمة والمنغلقة. هذا لا ينفي الواقع المرير الّذي تحياه الإنسانيّة من نزاعات وصراعات، تكمن أسبابها في السّلطة والتّحكّم والسّيطرة وتحقيق المصالح والمآرب. لكنّ هذه النّزاعات مستمدّة من الخبث الإنساني بمعنى آخر من الظّاهر الهادئ الّذي يخفي في طيّاته حذراً وخوفاً وريبة.

يعيد الشّاعر رسم جوّ الطّمأنينة والهدوء في القسم الثّاني، ولكن هذه المرّة نقرأ تباعداً بيّناً نتيجة الحذر (هو هادئٌ، وأنا كذِلكَ. يسألُ الجرسونَ شيئاً، أسألُ الجرسونَ شيئاً...). الحركات المشتركة بين الشّخصين لا تنفي ولادة السّلبيّة في نفسيهما، فالخوف يطرح أفكاراً سلبيّة شتّى في النّفس الإنسانيّة وقد تصحّ أو لا. لكنّها في جميع الأحوال تؤدّي إلى نتائج غير سليمة لأنّ النّظرة اختلفت، وبدأت النّفس تحترز وتتأنّى وتبني شيئاً فشيئاً جدار العزلة تحضيراً للنّزاع أو أقلّه لحتميّة عدم التّواصل والالتقاء. تبادل التصرّفات وتشابهها لا يعني بالضّرورة الاتّفاق عليها. فمتى حلّ الخوف أحدث خللاً في النّفس الإنسانيّة حتّى ولو لم يمسّ الجوهر الإنسانيّ.

في هذا المقطع يظهر جليّاً انتقال الحالة الإنسانيّة من الإيجابيّة إلى السّلبيّة. ففي حين أنّ الأبيات الأولى حافظت على إيجابيّة التّصرّف (يسألُ الجرسونَ شيئاً، أسألُ الجرسونَ شيئاً...)، إلّا أنّ الأبيات اللّاحقة جنحت إلى السّلبيّة مع استخدام الشّاعر لحرف النّفي (لا)، (أنا لا أقول لَهُ: السماءُ اليومَ صافيةٌ وأكثرُ زرقةً. هو لا يقول لي: السماءُ اليومَ صافيةٌ) والسّماء الّتي تمثّل صفاء العلاقة بدأت تتلبّد شيئاً فشيئاً وتترجم اضطراباً داخلياً يمهّد لاضطراب واقعيّ. والأبيات (قطَّةٌ سوداءُ تعبُرُ بَيْنَنَا، فأجسّ فروةَ ليلها ويجسُّ فَرْوَةَ ليلها...) أحدثت انفصالاً معيّناً بين الشّخصين من ناحية النّمط العلائقي لذا نرى الشّاعر يستخدم حرف النّفي (لا) بدل أن يبقي على إيجابيّة العبارة.

 

- الإنسان مرآة الإنسان

رغم هذا الانفصال الضّمنيّ بين الشّخصين إلّا أنّ درويش يدرك في العمق أنّ شتّى العوامل المؤثّرة في النّفس الإنسانيّة والمسبّبة للابتعاد عن الآخر لا تنفي كونه مرآة، (هل هو المرآةُ أبصر فيه نفسي؟). الآخر مثلي ولا يختلف عنّي، هو أنا وأنا هو، والإنسان لا يدرك ذاته إلّا من خلال الآخر بل ولا يحقّقها إلّا من خلاله وبالاشتراك معه والانفتاح عليه. ويقولها المفكّر العراقي "عبد الرّازق جبران" بعبارة أجمل: "الإنسان كأس الإنسان". وهذه الفكرة لا تتبدّل ولا تتغيّر، فالإنسان هو الإنسان مذ وجد وسيظلّ حافظاً للقيمة الإنسانيّة في ذاته حتّى آخر شخص في التّاريخ. هي الظّروف الّتي تتبدّل والنّمط التفكيري والاجتماعي والتّربوي. فهو منذ البدء يحمل في ذاتيّته الخصال الإنسانيّة ذاتها ولكن ثمّة من يبحثون عن الآخر وثمّة من يستبعدونه ويرفضوه بل ويقتلونه.

 

- انعدام الرّؤية

(ثم أَنظر نحو عينيه، ولكن لا أراهُ...). هنا تكمن المواجهة، ويتجلّى أهمّ عامل للخوف وهو عدم رؤية الآخر على الرّغم من حضوره الحقيقيّ. ونسأل، هل من يقتلون لأسباب عنصريّة وعقائديّة وسياسيّة...، يرون ضحيّتهم وإن نظروا إليها؟ هل يدركون حقيقةً أنّها قيمة إنسانيّة؟ بالطّبع لا، فلو رأوا لما أقدموا على هذا الفعل.

الخوف يعمي البصر والبصيرة ويعطّل العقل ويدمّر الرّوح فيمسي الإنسان آلة تتحرّك بوجب أمر خارجيّ. كما أنّ الخوف وسيلة مهمّة في يد من أراد استخدام البشر في تنفيذ مصالحه الشّخصيّة. فهو يتيح له استنفار قواهم ضد الآخر فيستخرج كل طاقاتهم السّلبيّة ويوجّهها نحوه ليستبعده.

تظنّ أنّك تخاف فتبتعد (أتركُ المقهى على عَجَلٍ)، ويتهيّأ لك أنّه ينبغي عليك أن تهيّئ نفسك للدّفاع (أفكّر: رُبَّما هو قاتلٌ). ولكنّ درويش يذهب إلى العمق أكثر مرّة أخرى ليغوص أكثر في الدّاخل الإنساني، ليفهمنا أنّ الخوف كامن في نفس كلّ واحد منّا، وكلّنا على استعداد لنبذ الآخر ما لم نسعَ جاهدين لاحترام القيمة الإنسانيّة (أو رُبّما هو عابرٌ قد ظنَّ أني قاتلٌ... هو خائِفٌ، وأنا كذلكْ!).

الخوف قاتل القيمة الإنسانيّة، فكلّ قاتل خاف من ضحيّته فقتلها خوفاً. إمّا خوفاً على السّلطة أو على المكانة الاجتماعيّة أو خوفاً من فقدان الاستمراريّة والذّوبان في الآخر، أو خوفاً من إظهار خوفه، يقول نيلسون مانديلا: "الجبناء يموتون مرّات عديدة قبل موتهم، والشّجاع لا يذوق الموت إلّا مرّة واحدة"، فالجبان يقتل نفسه عدّة مرّات وهو يتجرّأ على رفض الآخر واستبعاده ونفيه. ثمّ يقتل نفسه عندما يقتله ظنّاً منه أنّه انتصر وحافظ على وجوده. وأمّا الشّجاع فهو من يتخطّى خوفه على جميع المستويات ويتحرّر منه وينطلق بانفتاح عقليّ ونفسيّ وروحيّ نحو الآخر مدركاً أنّ به ومعه يتحقّق اكتمال الإنسانيّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

.....................

(*) ديوان: لا تعتذر عما فعلت، ص ٨٧- ٨٨، دار رياض الريس لندن طبعة ١ سنة ٢٠٠٤

"أوراق من يوميات حوذي" قصص لرحمن خضير عباس

khalidjawad shbaylأحسب أنها باكورة أعماله القصصية، ذلك أن الأستاذ رحمن يحارب على أكثر من جبهة بالقلم مقاليا بارزاً، وقاصا خبر القصة منذ نهاية الستينات حين نشر الطالب الجامعي رحمن خضير عباس في كلية الآداب عدة قصص في الصحافة الأدبية والثقافية، حين كان للقصة القصيرة قصاصون متمرسون، وحين كانت القصة تزين الصفحات الثقافية والملاحق الادبية فأفرزت أسماء لامعة؛ إذ طالما تجد يومذاك قصة أو أكثر في كل صفحة ثم أعقبتها موجة القصص القصيرة جداً، بل زاد قصرها ليصبح في غاية الاقتصاد، سطراً أو بضعة أسطرMicro-short Story ؛ بينما كان الشعر هو الآخر صعب المركب،، فموجة "قصائد النثر" كانت ما زالت في الطريق ولم تتحول بعد الى سيل جارف يكتسح الصحف والمواقع الإلكترونية!

وقاصنا رحمن محارب أيضاً بالريشة فقد بدأ يقترب منها وقبل أن تجد لها مكاناً بين أنامله مارس الكتابة عن فن ساخر هادف وأعني به الكاريكاتير، ثم ولج عالمه رسّاماً، فهو كاركتيري متمرس لاذع؛ وأراه قليل النشر وأحسبه يقول: لقد أمسى واقعنا كاركاتيراً! وتلك حكاية لاذعة أخرى..

هي إضمامة قوامها ثماني قصص قصيرة وإحداها " أوراق من يوميات حوذي" جعلها القاص الأستاذ رحمن خضير عباس عنواناً لهذه الإضمامة التي صدرت عن دار شمس في القاهرة في الربع الأخير من العام الفارط 2014. والقاص امتهن التدريس في العراق، ثم هاجر كواحد من أبناء الدائرة الذكية عام 1978 ليحط الرحال في أكثر من قطر مغاربي، ما عمق تجربته، وأكسبها مذاقا وجدانيا وعاطفيا وأخلاقيا رفيعا؛ ومن يقرأ قصصه سيجد للمكان ومجتمعه حضورا قوياً في سوريا وليبيا والجزائر والمغرب لينتهي به المطاف في كندا حيث يقيم الآن.

والمكان في جميع حالاته مركب من بلد القاص الأصلي الذي يحمله في جوانحه وبين المكان الذي يحل فيه، فالأماكن بجغرافياتها وتواريخها ومجتمعاتها بل ونماذجها الإنسانية تتبادل المواقع في تفاعل حي أفرز عالمه القصصي وشخوصه بل وأثر في الحبكة الفنية التي يتفاعل فيها الزمان والمكان بشكل تداعيات وانفلاتات متداخلة آنا ومنفصلة في آن آخر ما يتطلب متابعة فطنة من قبل المتلقي لمعايشة الحدث وسريانه بتلقائية؛ وأزعم أن القارىء الواعي سيبقى منشغلاً في موحيات هذا الضرب الواقعي النقدي بعد قراءته، خاصة في الخاتمات السائبات المنفتحات على التأمل والتأويل..

ولقد سكب القاص من روحه وفكره وتأملاته الفلسفية والوجدانية الشيء الكثير الذي يستمد موحياته من اليومي الراهن المعاش، ومما عاشه في بلدته العراقية الجنوبية التي يشطرها الغرّاف شطرين، حيث ترك الأم التي انسل من عناقها ذات يوم ولم يرها بعد ذلك وظلت تردد اسمه بشفتين يابستين حتى لفظت أنفاسها، ولأجلها حملت المجموعة القصصية أهداءها...لذا يرى القارىء تجسيد هذا المشهد ومشاهد العراق في صورتيه صورة الطفولة والشباب في الشطرة وبغداد قبل الحرب ثم صورة العراق ومشاهد الحرب والدمار التي لم تنفك تترى أخباراً مرئية تفعل فعلها لدى العراقي المغترب.. بهذا التفاعل يتجسد الاغتراب لا بمفهومه الجغرافي ولا الثقافي بل بمفهومه الأعمق الشامل، النفسي - وأوجَعُه الحنين- والاجتماعي الذي رافق محنة الإنسان منذ أن انقسم المجتمع البشري الى مضطهِد (بكسر الهاء) ومضطهّد (بفتحها) حتى يبلغ مدى السيرورة التاريخية الى الاستلابAlienation بمعناه المركب.

"أسوار" هي أولى القصص، وأكثرها اكتنازا بالحدث المختصر، وبتصوير المعاناة الداخلية التي تعكس تجربة القاص الذي وجد نفسه بعد أن القى بعصا الترحال الطويل في العاصمة المغربية، يستلم كتاب التعيين مدرسا في مدينة نائية في الجنوب المغربي، تختلط المشاعر والخواطر والتداعيات لشاب يعرف أين تسير به الحافلة الهرمة، وهي تقطع سهولاً ووهاداً وجبالاً، تقترب من البحر فيشم رائحته التي يحملها نسيم رطب، وتبتعد تارة اخرى الى اراضٍ جرداءَ فيها قلاعٌ وآثار وهواء جاف وواحات تمنى لو حكت عن السعديين والمرابطين والموحدين! هو يعرف أنه ذاهب الى مدينة لا يكاد يعرف عنها شيئاً ولا يعرف أين يسير به الزمن..لاحت له أسوار مدينة تارودانت ذات البوابات الخمس من منطقة سوس..

والمدينة أمازيغية، السكان لهم لغتهم وزيهم، أناس بسطاء يكدحون في الزراعة والتجارة يبدو الوافد غريبا ويحصل على اسم عرف به " العراقي أو سي العراقي" ما يشي بأنه الوحيد العراقي..يزيد هذا اللقب الأستاذ قلقاً وحذراً ويحمله مسؤولية أخلاقية لبلد عريق الحضارة طيب السمعة محبوب جداً لدى المغاربة، أستاذ مكبوت موجوع بشتى الأوجاع النفسية ويحمل أخلاقية جنوبية محافظة، يعيش صراع مع تلك السمراء التى كلمته برقة وابتسام، يدعوها لقهوة في الدار فترحب، السوق مزدحم والعيون شاخصة يسمع بائعاً : "بناتنا بحال خبز السوق.. ما ياكله غير البراني"! والعائلات المغربية تخبز بنفسها أما خبز السوق فيأكله الغريب فقط! ياله من توصيف بليغ! زاد العراقي حساسية وجعله أكثر حذراً وقلقا..

زارته وشاركته الفراش وهو يفكر بما سمعه من البائع ومن زميله الفقيه التيجاني:"أردناها مدينة العلم ولبة الألباب، فأبت إلا أن تكون مدينة الذباب وال..اب"..يلتجىء الى البار لعله يهدّىء من روعه، الذي غدا يترسخ في يقظته ورقاده..

مطر ينهمر فيستبشر الناس خيراً، ثم ينهمر هَطلُه ليومين ويصبح سيلاً جارفأ مخيفاً والناس يخرجون ويهجرون المدينة والسيل يأكل الأسوار فيصبح الماء بنيّ اللون، هي إذن لعنة الرذيلة؛ يلحقه الناس بالحجارة مستنكرين بقاءه.. فاطمة معهم لكنها لم تُلق عليه حجراً؛ أما التيجاني: " إذهب أيها البراني بعيداً عن أسوار مدينتنا..لقد جلبت لنا الدمار، ولكننا أبقيناك حيّا طليقا".

تشكل "اللوحة" نمطا مغايراً في الشكل والمحتوى رغم الخيوط التي تشدّها الى "أسوار" مع اختلاف المكان حيث أوتاوا، والمحنة هي ذاتها في اغتراب العراقي الفنان الذي يخرج باعجوبة من العراق في زمن الحصار والحرمان، ليجد نفس في العالم الجديد ممنيا نفسه بما يعوض الكبت والحرمان، بشقراء جميلة تعجب به كإنسان وفنان، سيجوب معها شوارع أوتاوا يدا بيد وسيزدهر فنه المستمد من حضارة ما بين النهرين العريقة، وسيلمع اسمه ويرفع اسم بلده وهو الأهم ..تتبخر الأحلام وسيكون ضائعاً في بلد يكون فيه غريب الوجه واليد واللسان..اللوحات التي تبيعها المعارض وتحقق ربحا هي ليست فناً إنما هي نمط تجاري مكرر لكنه هو الرائج، ما يرسمه فناننا إبداع حقيقي لا يأتي بطائل.. الخمرة ستكون هي الملاذ، يخرج من الحانة كآخر زبون يجوب المدينة ليلاً يذهب الى دار الفنون نهاراً وحيداً، يرجع ليلأ ليكمل سكره، يحاول أن يرسم صورة الفتاة التي يحلم بها بنت الثلج ، يجد نفسه يرسم وجهاً عراقيا بسمرته وحمرته وخصلات شعره فتكتمل الصورة " أحس بأن الكآبة تغادره، وإن فرحا طفولياً يجتاحه، عبّ من كأس نبيذه وهو يتأملها عن بُعد.. امرأة سامقة الطول، عيناها بحيرتان هائلتان تستحم بهما مئات النوارس الفضية، تتطاير على أفق مزدان بشعاع وردي.. أما جسدها فكان يتمرد على أثوابه وينغمر في عتمة الشجر المدلهم جسد ثري بلون الطين والماء الخابط وسموم الرياح اللافحة التي تهبُّ من جنوبنا العراقي صيفاً..." ثم غطّ في نوم عميق..

استيقظ متأخراً من صباح اليوم التالي، "مثقلاً بالكسل والكآبة.." تأمل اللوحة تراجع الى الوراء ثم انقض عليها تمزيقا..استخدم القاص عنصر المفاجأة باقتدار وبراعة فالتراكمات النفسية وقسوة الاغتراب وبقاء العراق حُلُماً حتى ولو كان على لوحة من إبداعه ولّد ثورة على الذات المتمردة اليائسة!

"أوراق من يوميات حوذي" قد يوحي العنوان بالجانب التسجيلي في "يوميات" ، فهي بعيدة جداً عن اليوميات المعهودة، استخدمها القاص رحمن خضير عباس مجازاً، والحوذي له حضور في أعظم ما كتبه تشيخوف حتى غدت عنواناً لقصته المترجمة الى العربية وأعني بها "الشقاء" وبطلها أيونا بوتاريوف، ذلك الذي استأنس بل أنسن حصانه وتبناه عوضا لابنه الفقيد.. وتاثير تشيخوف واضح في القصص العربية والعراقية خصوصأ، اتذكر حديثأ للراحل الكبير غائب طعمة فرمان حيث بدا متأثرا جداً على شخصية الحوذي "حمادي" في النخلة والجيران وقال لقد صُوِر حمادي في مشهد كوميدي بينما هو مشهد أردته تراجيديا حين يقول وهو طريح الفراش إثر نفوق حصانه: مشتهي حصان!!

والحوذي هو القاص نفسه، وحصانه هو سيارة تكسي بويك قديمة، راح يسوقها في شوارع ثلجية من أوتوا، ويصف بدقة كيف ساقها مرتبكاً ليوصل سيدة اعتذر عن عدم معرفته بالعنوان فاندهشت وقادته وما عليه إلا ان يسوق طوع إرشادها ثم نقدته أول أجرة يحصل عليها..ولئن كان حوذي تشيخوف يفرغ همه وحزنه بالتحدث الى الراكبين فإن حوذينا لا يتكلم مع أحد هكذا تقضي التعليمات في الغرب، يستجيب السائق لحديث الراكب، وإضافة لذلك فإن السائق ليس بوسعه أن يُفرغ همه أو ينُّفس عن هم فاللغة جدار أصم في أغلب الأحايين! لهذا طالما يسوق ويفكر في العراق والشطرة وكوارث الحرب والأم التي تتطلع لعودته، وإذا عاد كيف سيكون اللقاء؟ رحلت أم وظل الخبر مكتوما عنه زمنا طويلا! التفكير! التفكير! طالما عرضه الى مخاطر المهنة!

التداعيات لازمت هذه القصة وعمقت المفارقات وقادته الى الدروب القديمة في الشطرة والى حصان جميل امتلكه والده وأصبح أجمل وأذكى حصان، حصان أدهم نظيف جميل هو زينة الناظرين، وقد قتله الناظرون حسداً وفق اعتقاد الوالد الذي حزن عليه أيما حزن..

وكم يحزُّ في نفسه أن يرى زملائه العرب يتوسلون أساليبَ غير نزيهة في الكسب والمنافسة غير الشريفة وتجاوزا على القواعد في بلد متحضر: " ولكن ما إن تحصل على الإجاوة حتى تجد نفسك في سوق لا ينتمي إلى المحيط الكندي، فأنت في وسط السوق السوداء والسلوك الأسود من أبناء جلدتك العرب والأفارقة والآسيويين لهم منطق السوق في الشراء والبيع لمزادات معلنة، أو غير معلنة..تلمس استغلالاً بشعاً من إخوتك المهاجرين أمثالك!..." في هذه القصة السرد والتوصيف يطغى ويشدّ القارى اكثر من تداخل الاحداث، فعنصر المفاجأة في نهاية القصة يخدم السياق السردي والحبكة الفنية.

"مدن ومتاهات" هي آخر الثماني، ولها خاصة تختلف عن السابقات، هي سرد يقترب من التسجيل مع تسلسل زمني يمليه الحدث وتجدده منذ خروجه من العراق حتى استقراره في أوتاوا مكانيا وعائلياً .. لكنه سرد باسلوب حكائي مع نقلات توصيفية للمدن وحياته القلقة فيها، في هذه القصة يسود الأسلوب الروائي، وأتمنى من القاص لو توسع بها وأخضعها لتقنية الرواية لتصبح واحدة من الروايات الهادفة والشاهدة لغربة المثقفين من بني اليسار وما أكثرهم، فهي لا تعكس تجربة فردية للقاص وحده بل لجيل من المثقفين العراقيين وكثير منهم مبدعون وكتاب وشعراء وتشكيليون ومسرحيون...أحسب أنها ستكون رواية مؤثرة أكثر منها تجربة شخصية.

ويبدو أن "تارودات" لها مكانة خاصة بين المدن بل أن حضورها في الذاكرة يوازي حضور الشطرة، فقد ألِفها وأظنها ألفته رغم ذلك الكابوس الذي مرّ معنا في "أسوار" فلنقتطع هذا المقتَطع المُعبّر:"مكثتُ عامين فيها ، أعيش دهشة المكان، أبحث عن قطرة ماءِ تبلل عطشي المزمن. قلت لصاحبي المغربي الذي يشاركني احتساء الشاي الأخضر بالنعناع:

-هل يموت أحدٌ في تارودانت؟

استغرب من سذاجتي مجيباً ب "نعم"...وحينما رأيت الدهشة في عينيه، قلت إن الموت في مدينتي يتعدى الحدود، مكبرات الصوت واللطم والنواح وشق الجيوب...قال: نحن نبكي بصمت، لان الحزن الشديد يؤذي الميّت".

اخترت أربعاً من ثمانٍ ممنيا نفسي بالعودة الى الأربع الباقيات، فقد فتنت بعوالم هذه المجموعة المتنوعة، ذات الأساليب الفنية المتنوعة هي الأخرى فقد استطاع القاص أن يعطي لأبطاله لغتهم المميزة، وسلوكهم الخاص بهم؛ وأحيانا يستخدم المفردات العامية أو المحلية التي لا يفقهها غير أبنائها، مما يقتضي إيجاد ملحق لفهم ما يُستعجَم من أمثال: سدارية البونج (الفراش الاسفنجي)، الأركَان (ثمر محلي)، المندرين (اليوسفي)، الغاسول (صابون محلي) الخ...اضافة الى مفردات غلبت عليها العامية العراقية مثل أوتاوة (أوتاوا) المقهى بصيغة المؤنت وفي مرة أخرى بالمذكر وهو الأصح، ولا أدري ماذا يعني "لعق قهوته" التي تكررت فاللّعق باللسان ولا يكون للسائل لعله تحاشى مفردة ارتشف لكونها غدت مستهلكة..وهذا لا يقلل مطلقا من صفاء الأسلوب وجماله !

 

القاص والمدينة في "عمَّ تبحث في مراكش"

amir hushamأما القاص فهو الكاتب المعروف محمود الريماوي صاحب الباع الطويل في فن القص والسرد العربي، وأما المدينة فهي المدينة الحمراء أو مراكش المغربية. وهو الكتاب- المجموعة القصصية الجديدة للقاص الريماوي والتي صدرت مع عدد يناير/ كانون الثاني لعامنا هذا ٢٠١٥ من مجلة دبي الثقافية والتي حرص محررها ان يهدي لقراء المجلة كتبا في الأدب والثقافة مع كل عدد شهري من المجلة. ولعمري فهو التقليد الصحفي المفيد والذي ينشر الكتاب ويعرّف به في أرجاء وطن العرب.

مراكش.. فضاء السرد:

ولعل القاص الريماوي من خلال العنوان/العتبة التساؤلي الأستفهامي لمجموعته القصصية أنما أراد أن يثير فضول القاريء فيبحث عما بحث عنه وفيه الكاتب نفسه وفي أرض/فضاء مديني محدد معروف يتمثل بمدينة مراكش نفسها والتي يقول عنها الريماوي تصديرا لمجموعة القص: أنتَ لا تذهب (حين تذهب) الى مراكش.. أنتَ تعود أليها..ليقسّم الكتاب الصادر الى قسمين منفصلين يجمعهما فن السرد القصصي القصير وهما قسم أول بعنوان قصص مراكش الحاوي على سبع قصص قصيرة متفاوتة في شأن هذا القصر بين قصة ب ١٣ صفحة (تلك الحافلة) وقصة بما يزيد قليلا على الأربع صفحات (ما فعله السيد خورخي)، بادئا بقصة تحمل نفس عنوان المجموعة، وقسم ثان بعنوان قصص أخرى، ليبدأها بقصة لحظة خاطفة مضمّنا هذا القسم الثاني نفسه قصة قصيرة عن مدينة طنجة المغربية ومبدعنا محمد شكري بعنوان " ظهور وأختفاء سي محمد". والريماوي هنا كاتب حذق يقصد أن يبقي القاريء في فضاء مغربه الذي يعشق حتى لو أبتعد قليلا مسافة صفحات قصار عن قصص مراكشية بأمتياز. وقد جاءت المجموعة هذه على ما يزيد عن ١١٠ صفحات من صفحات كتاب الجيب والذي يجعل القصة القصيرة والقصيرة جدا تقعد وتقوم مع القاريء المواظب المستمتع بقرائتها. كما تضمنت المجموعة المنشورة سيرة ذاتية مختصرة للمؤلف تذكّر بعمره، وبنشاطه الصحفي وأصداراته وغزير نتاجه.

ثم ان رحلة الراوي القاص الى مدينة لابد من أن تكون متميزة، يحاول فيها الحس المرهف أن يلتقط صوراً ومشاهدات وملاحظات وحكايات، قد لا يسمع عنها ولا يحس بها رحالة أو زائر آخر. وهي المدينة العربية المغربية مراكش والتي يتداخل الكاتب ذاتيا معها سابراً أغوارها، وباحثا عن صديق قديم فيها، راصدا أسواقها وساحاتها وسجالات حكائيها وسيرة ملاهيها وحدائقها ونزلاء فنادقها وحكايات المعدمين في حاراتها ومحطات السفر. وهو نفسه الحال مع كتّاب رواية وقصة أخرين أستلهموا من مدنهم رؤى الذكريات والزمن الموعود فكانت ابداعات السرد عند نجيب محفوظ وقاهرته، واورهان باموق التركي وأسطنبوله، والعراقي محمد خضير وبصرياثته (نسبة الى كتابه المعروف بصرياثا)، والراحل غسان كنفاني و" عائد الى حيفا" و "مدينة الضاد" لمؤنس الرزاز، ومدن السرد عند هنري ميللر، ألبرتو مورافيا، تشارلز ديكنز، ميلان كونديرا وعبد الرحمن منيف ومدن الملح عنده تلك التي صارت مدن نفط سينفد يوما كما جاء في خيال منيف الروائي. وهو المكان أو فضاء السرد وبؤرته مما يغوي القلم فيسجّل لقطات بعين شديدة الحساسية ليخلّد المكان في الذاكرة، ويحس به الآخرون دون أن يكونوا فيه.

قصص مراكش.. ملامح من سيرة الذات:

ويبدأ هذا الجزء من المجموعة القصصية بقصة أتخذها المؤلف الريماوي عنوانا للمجموعة نفسها ليذكّر نفسه والقاريء من أنه زار مراكش قبلا، فدخلت قلبه دون أن تبارحه. وليبدأ هو محمود المقدسي (من أريحا) ومنذ السطور الأولى للقصة، مسيرة البحث عن صديق الصبا الذي عرفه قبل خمسين عاما والمدعو محمود المغربي، حيث يبقى عنده ذاك الفتى المغربي الذي عاهده يوما على الأخلاص. ولابد للقاريء الفطن من أن يلاحظ تماهي شخصية هذا المحمود الصديق مع الشخص الذي يسأله محمود المقدسي، فكأن السارد العليم المتحدث عن نفسه وسيرته يمنّي نفسه بأن يجد محمودا المغاربي صديق الصبا في شخص أمامه "يجيل النظر في سحنته ويتفقد هيئته كأنما يستذكر رؤية له من قبل".. وتركيزا على مراكش ومعالمها السياحية ورموزها يجلسُ ذاك الذي عرفه الزائر الراوي في قصة "نصف دقيقة" في الصف الأمامي من المقهى، وفي هذا المكان لابد من أكتشاف الشاي الأخضر ولابد من كلام وحديث، ولكن الصديق يبقى ملتزما الصمت دون أن يغيّر من صمته واقع ساحة الفنا أمامه وحلقة الحكواتي. ثم أن قصة فتْحُ سيرة ملهى مغلق والمهداة الى (سعد سرحان) يرويها حكاية داخل حكاية سارد هو نزيل فندق يوهم بضبابية الحقيقة عن أسباب غلق ملهى المدينة المسمى بملهى زرياب والذي يؤصل ويفصّل في سيرة مالكه، سليل أسرة أندلسية هاجرت الى الرباط بعد سقوط ممالك الطوائف. ولابد هنا إذن من الحديث في الطرب وأهله والموسيقى وأساتذتها. وهكذا راحت القصة تشير، مجرد إشارة دون تفصيل (وأنىّ لها ذلك وحال القصر له شروطه) الى الفروق بين الدقة المراكشية والعيطة الجنوبية والتعريف بموسيقا الراي والملحون وغناوة.

على أن قصة " أشجار لا تبوح بأسرارها" سعت الى تبيان روح المعاصرة في حديقة المدينة الرقمية والتي يشرح فيها وعنها الهامش ذاكرا انها حديقة مولاي عبد السلام سليل الأسرة العلوية والتي تقع في قلب مراكش وتمتد على مساحة ٨ هكتارات. وفيها الأشجار القديمة والأنترنت الحديث، وفيها المتنزه العجيب وسرد حكاية عن الشيخ والسائح والترجمانة. ولقصة "تلك الحافلة" قصة أيضا حيث يقول القاص الريماوي انها مستوحاة من تقرير وضع نصه هامشا لقصته فمزج واقعا بخيال خصب أعطى فيه للمدينة أبعادا جغرافية أمتدت على قارة في العالم أخرى، وهو أمتداد عذابات أنسان هي هنا فاطمة الفتاة غير المرئية وأمها عائشة التي تنتظرها في محطة الحافلات القادمة من باريس ومنذ ٥ سنوات. هي فاطمة المولعة بالمفاجئات والتي طلبت العيش الرغيد في فرنسا فوجدت السراب حتى اذا عادت بعد كل هذا الزمن لم تتعرّف عليها أمها تلك التي تنتظرها في باب دكالة في مراكش منذ زمن طويل. وهكذا تنتهي مسيرة البحث المراكشية الماراثونية المحمودية اذا جاز التعبير بين بحث عن صديق أنسان الى بحث عن أم وهوية وكينونة.

قصص أخرى ولحظات صمت خاطفة:

وفي الجزء الثاني من المجموعة القصصية ضمّن المؤلف قصصه السبع الأخرى التي يبتعد فيها عن مدينة مراكش ليظل في موضوعة السفر في قصة "لحظة خاطفة" تلك التي تتميز بسيادة الحوار فيها بين الصديقين المعلميْن نادر ولقمان، فهي على ذلك قصة حوار وتبادل إراء لا تخلو من غرابة يفرضها واقع معاش. ولكنها قصة "صمت الحبارى" عندي ما يميّز هذا الجزء من المجموعة فعلا، حيث ضمير الغائب والسارد العليم يتحدث عن هواية شخص لصيد العصافير وتناص القصة بعد ذلك مع رواية "شامان" للكاتب شاكر نوري والصقر المحلّق وقنص الصقور لطائر الحبارى والسلطات التي دأبت على أصطياد الناقمين عليها وذلك الذي أصطادته حرب الغزاة (مبتور الساق الأيمن) والذي يريد جناحين خفاقين.

ولا تخلو المجموعة القصصية في هذا الجزء من الكوميديا السوداء القائمة على المفارقة صنعة ونتيجة، ومن ذلك قصة "مزيد من الرسائل" حيث مفاجأة البنت بمئات الرسائل في بريد أبيها الألكتروني الذي أختارت له كلمة السر. وإذا بحشد الرسائل تلك التي تتحدث في الأبراج والسياسة ومؤتمرات رجال الأعمال حتى (أشفقت) الأم على أبنتها فأوقفت الفضول في تصّفح الرسائل خشية أن تصادف رسالة حميمة الى زوجها تؤرقها، حتى تأتي القفلة المفارقة الصادمة على لسان الزوجة " حتى غبطت أصحاب الرسائل المرسلة.. لشد ما غبطتهم، وشعرت بالحسد حيالهم جميعا لأنهم لا يفتقدونه، ولأنهم واثقون أنه حيٌّ يرزق مثلهم".

لقد تميّز القاص القدير محمود الريماوي بأسلوبه الواقعي أختيارا للحَدَث وللغة المستعملة تعبيرا وبناءا ومقصدا. وهو اذ يتناول المدينة العربية المغربية ويزيد في التنقيب عن أسرار الحكاية فيها وعنها أنما يكون السبّاق في فتح صفحة جديدة لموضوعات الإبداع السردي العربي في القصة القصيرة أو القصيرة جدا تلك التي تعبّر بتكثيفها وإيجازها وذكاء لقطاتها وتلميحات ورموز حكاياتها عن واقع المدينة العربية مشرقا ومغربا في زمن صعب ومرحلة مخاض عسير.

 

ملاحظات وانطباعات عن قصيدة "توسد ظلعي يا وطن" لذكرى لعيبي

dikra laybieليس بالعادة أن يُكتب عن قصيدة مفردة، لأنها بكل الاحوال، لا تعكسُ سوى جزء بسيط من عالم الشاعر أو الشاعرة، لكن بعض القصائد المنفردة، تُحفّز على الكتابة عنها، لسببٍ ما وما حفّزني للكتابة عن قصيدة الشاعرة ذكرى لعيبي "توسد ضلعي يا وطن" ارتباك الموسيقى التي بنيت عليها القصيدة بين التقفية والفكاك منها أو تجاوزها، والعودة اليها أو تكثيفها وانتشارهاـ وأحب أن أسمّي الموسيقى في الشعر، نغماً تجاوزاً، بعد وصول الشعر الى العتبة لقصيدة التفعيلة، والدخول في ما يسمى قصيدة النثر، لأن الموسيقى أو أكثر المؤلفات الموسيقية، مأخوذة من الشعر، وخاصة الموسيقى العالمية.. اكثرها مبنية بتوازٍ مع بناء قصائد مشهورة لشعراء مشهورين عالمياً، والأمثلة على ذلك كثيرة ، وبما إن تفعيلات الشعر الحر، تتداخل في بعض الاحيان أو تُبنى القصيدة الحرة على اكثر من تفعيلة واحدة، تصل احياناً الى ثلاث أو اربع تفعيلات في القصيدة الواحدة، يكون النغم فيها أقرب من مفهوم الموسيقى، بالنسبة الى هذا الشعر، ولكننا اعتدنا أن نطلق تسمية الموسيقى الشعرية بشكلٍ عام، بعد اختفاء أو انحسار كتابة القصيدة العمودية، واختفاء تأثير القافية أو التقفية على إدارة الحركة الموسيقية للقصيدة، وانسجامها التي لم تعد ضرورية للشعر،علماً بأن قصيدة الشاعرة مبنية على موسيقى التقفية، فتتغير حال ما تنتقل الى تفعيلة ثانية تُغيّر موسيقى القصيدة بشكلٍ واضح ومثال ذلك:

(لا يعلمون كيف اتناسل في ضلعي .. التقط شُحّ الأعوام واصوغها مهداً لا نفاسٍ من شجر الجنة تأتي.. كيف ابعثر دمعي وانتشر غيمة.. تبلل معراج سنيني الأربعين)

وننتقل الى بداية القصيدة

( يترقب موتي اولئك الميتون.. ويترقب موتي اولئك الاحياء المتصحرون ..هم لا يعلمون كفني سعفٌ مبلل بعرق الروح.. وشذى القاف والنون)..

المقطعان من بداية القصيدة ومن وسطها، تتبدل فيه موسيقى القصيدة، تزداد عملية التقفية في بدايتها، وتقل في وسطها، وتفقد بعض انسجامها وتدفقها، ولكن بإيقاعٍ منسجم ومؤثر ،والحقيقة شعرت بمفاجأة بشاعرة كذكرى لعيبي، لأننا ألفنا في جيلها شعراً ركيكاً، خالياً من المعنى، عبارة عن خواطر تقترب من السذاجة، وليس شعراً منذ ما بعد الجيل الثمانيني للشعراء العراقيين ، واطلقوا على هذه الخواطر المشوشة قصائد نثرية أو شعراً نثرياً، وما الى ذلك من تسميات ليست لها علاقة بالشعر، كنشاطٍ ذهني وابداعيٍ راق، فلا نجد في هذا الشعر أو نكاد لا نعثر على هذا النوع من الشعر، سوى على قصائد قليلة ودواوين أقل يمكن أن نطلق عليها شعراً، بينما قصيدة النثر ابعد ما تكون عن الخواطر المبعثرة، وغير المنسجمة والمرتبكة، كما هي عليه القصائد النثرية التي تكتب في العراق التي تغزو المواقع والجرائد والمجلات، وبعضها على صفحات المجلات الادبية المتخصصة .

الشعر كما يقال: هو الشعر سواءاً كان مقفى أو حراً أو قصائد نثرية، يمكن الاحساس به وتذوقه، بدون الحاجة الى اللجوء لهذه التقسيمات التعسفية، والتسميات التجنيسية في حقل الشعر نفسه، بين مقفى وحر ومنثور الى أخره، لأنهُ يدل بنفسه على هويته إن كان شعراً أم لا ،وذكرى لعيبي شاعرة بامتياز.. نتمنى أن يكون لها حضورٌ شعريٌ مميز، ومتواصلاً، بعد أن اتخمنا من الشعر الركيك والمرتبك والفاقد لهويته، والتسميات التي ما انزل الله بها من سلطان جميعاً، لتبرير الركاكة والتقليد للشعر النثري أو قصيدة النثر الغربية، وبالخصوص قصيدة النثر الفرنسية التي تختلف اختلافاً كلياً عن قصيدة النثر العراقية المقلّدة لها شكلاً ،والفاقدة لشعريتها مضموناً، والتي يمكن تسميتها اي شيء آخر، عدا أن تكون شعراً حقيقياً .. منذ ثمانينات القرن الماضي أو منذ بداية كتابة قصيدة النثر في العراق، تأثرا بالشعر الغربي أو قصيدة النثر الغربية،واعتبارها شكلاً جديداً من أشكال الكتابة الشعرية في عصرنا .

ونختم هذه الملاحظات والانطباعات عن قصيدة الشاعرة، بمقطع من خاتمة القصيدة الذي تتراجع فيه التقفية قليلاً، وتخفت فيه الموسيقى، فتنفتح القصيدة على عوالم منفتحة ومكثفة بشعرية آخاذة بنغمتها الذاتية :

انبت على العمر برعماً اولئك الميتون

غفلوا عن نجمة أغلقت ابوابها منذ ليل

وخُطّت على رمل الروح

لتوقد ثغراً في الصخر

كما نلاحظ، تكررت القافية في هذا المقطع من القصيدة، مرة واحدة، عكس المقطع الأول ودخلت في إيقاعٍ آخر، ورغم ذلك ظلت القصيدة متجانسة باستعمال التقفية أو بدونها .

 

قيس العذاري

آمال عوّاد رضوان في مَلاجئِ البراءة!

amal awadaفي قصيدةِ (ملاجئُ البراءةِ) للشاعرة آمال عوّاد رضوان، أقفُ أمامَ واحدٍ وثلاثين لوحةً، بعددِ أيّام الشّهر الطويل، مرورًا بشهر فبراير شباط الأقصر والأكثر تقلّبًا بأيّامِهِ، عبورًا إلى أطول شهرٍ، ومعهُ تَطولُ أحزانُنا، وتُطاوِلُ مأساتُنا عنانَ السنةِ بكلّ فصولِها وتفاصيلِها. أهي دلالةٌ مُتعمّدةٌ أرادتها الشاعرة آمال عوّاد رضوان في رسالتِها للإنسانيّة العمياءِ الكفيفةِ، وللبشريّةِ البكماء الصمّاء؟

تنقلت بخِفّةٍ بين دهاليز الموتِ المُباح والمُستباح، على امتداد رقعة الشعوب المُستضعفةِ بحُكّامِها وأدواتها.. يااااااااااه عزيزتي الشاعرة آمال عوّاد رضوان! نعم، نحن كم أضعنا من النوافذ والمنافذ والأبواب والشبابيك! السّؤالُ يجرحُنا ويوجعُنا، فهل نحن من طينةٍ أخرى؟ وهل كلابهم وقططهم وحيواناتهم المدلّلة، تمتلكُ أرواحًا ذات قدسيّةٍ خاصّةٍ، لا نُطاولها نحن بنو البشر؟ ياااه، كم مِن الزّمنِ نحتاجُ حتّى نُدركَ، أنّنا في المُنحدرات القاحلةِ لم نزَلْ نتدحرجُ، وقناديلُ الأملِ تصُبُّ كازها ونفطها فوق رؤوسنا، فنراهُ موتنا يُعانقنا أحياءَ تحتَ الرّكام؟ باختصارٍ، هي جولةٌ تفقديّةٌ بينَ لوحاتِ حروفكِ، والتي تُماهي الوجعَ الماضي، والألمُ الحاضرُ بيننا يُؤرّقنا، ولا نملكُ إلّا أن نكتبَهُ بحروفٍ بلاغيّةٍ مُنتقاة!

عزيزتي الشاعرة آمال، كعادتكِ، مِن الحروفِ تَصنعينَ قلائدَ مُشتهاة! كانتْ رحلتي بين حدائقِ نبضِكِ قاسيةً موجعَةً في هذه القصيدة، تحملُ أبعادَها الأخرى والأخرى، أثناءَ غوصِي فيما وراء رسالتكِ التي تتضمّخ وتنضحُ بإنسانيّةٍ مُشتهاة، ولا عجب! فهذهِ روحُكِ الّتي أعرفُها، فسلامي لكِ مطرا يا العزيزة!

 

(1)(نحْنُ مَنْ تَلاشَيْنا/ مُنْذُ أَنْ هَبَطْنا منْ جَنَّتِنا/ أقَدَرٌ أَنْ نظلَّ نَتَهاوى/ إلى غابَةٍ/ مُلَوَّثةٍ بِالحَرْبِ وَالعِصْيانِ؟)

عزيزيتي آمال عوّاد رضوان، في هديرِ بلاغتِكِ، والسّؤالُ يهرولُ مُتعَبًا، يَبدو كما الأجابة تَسبقهُ نصًّا وواقعًا، يَعتصرُكِ الحرفُ، تتفجّرُ مَلامحُ القصيدة، وأنتِ كما أنتِ، تمتلكينَ النّاصية والقوافي، فيُشغلكِ هذا الكونُ بكلّ خربشاتِهِ وفوضويّتِهِ، ويَنهالُ مَدادُ حِبرِكِ ألمًا ووجعًا، وأنتِ ترَيْنَ وتُعايشينَ الأبعادَ الأخرى؟ بلا مُقدّماتٍ تَسبقُ الإجابة السّؤالَ الاستنكاريّ، فتُحرّكُ فينا رغبة المُتابعةِ والإبحارِ.

منذ التكوين ونحنُ مَن تَلاشيْنا وتماسخنا ونحن الّذين والّذين، مُنذ أنْ هَبطَ جَدّانا آدمُ وحوّاءُ من الفردوْس، ومنذ استشرى الشّرُّ بينَ ابنيْهما الأخويْن هابيل وقابيل، وما زالَ القتلُ يَغرزُ أنيابَهُ فينا. أترانا استوعبْنا حكمة اللهِ في أمرِهِ بهُبوطِنا مِن الجنّةِ إلى الأرض؟ ها أنتِ وكلّنا عيونٌ ترى، هذهِ الأرضُ قد ضاقتْ بنا وبأفعالِنا، وكلماتُكِ صدى الوجع، والسّؤالُ الخانقُ بالحروفِ ينبضُ: أقدرٌ هذا؟ ياااه ما أروعَنا، حينَ نُعانقُ الواقعَ، ونُجَسّدُهُ نصًّا شِعريًّا، يَتماهى مع إنسانيّتِنا، ونُواصِلُ لوحات الحروف؟

 

(2) بسؤالك الافتراضي (أَكَأنَّما.. / نَحِنُّ.. لِرَحْمَةٍ طرَدَتْنا/ حينَ عَصينا المَعْرِفَة؟!) أقول: كلّا،

الرّحمةُ لمْ تَطردْنا، بل نحنُ الّذينَ اخترْنا العصيانَ، وغرقنا في غواياتِنا، حتّى ونحنُ هناك في الفردوس، ألمْ يَنهانا اللهُ عن تلكَ الشّجرةِ، وما انتهيْنا، بل انْسقْنا وراءَ إبليس وسوْءَتِهِ اللّعينة، ولم نزلْ ولم يَزلْ، ونحن ماضونَ خلفَ مكائدِهِ كما الأنعام. ياااااااااه لو كنّا فقط نعقل! لكنّها إرادة الله (ليُميّزَ الخبيثَ من الطيّب). هكذا تمامًا كما لوحَتُكِ الفنّيّةُ على أرصفةِ الزّمن، لم تزل ِالإنسانيّةُ تجلسُ وترقبُ وتترقّبُ صحوتَنا، شاختْ وشاخَ معَها انتظارُنا، وحروفُكِ لم تَشِخْ، لم تزَلْ ترسُمُ لنا الأبعادَ الأخرى، مُتأطّرةً مُتقوْلبةً بفراغ إنسانيّتِنا. لوحاتُكِ تصرُخُ وتلهَثُ، ولا تملُّ البحثَ عن ذاك الإنسانِ الّذي غادرَنا، منذ أنْ هبطْنا وهبطنا وهبطنا؟

 

(3) (كَأَنَّما ظِلالنا../ بَعْدُ../ ما تدَرَّبَتْ.. / عَلى المَشْيِ حافِيَةً/ عَلى .. مَساكِبِ الأَشْواكِ؟) هكذا تُصوّرينَ بالحروفِ لوحةً مُسَربلةً بالآسى، وأنتِ ترسُمينَ عُرانا وعُريَنا، كما هذه الطّفلةُ الحافيةُ في حقلِ الأشواك! وما أكثرَها حقول الأشواك، ونحن قد تدرّبْنا حقّا، واعتدْنا هذا الخطوَ (على مساكب الأشواك)، بل يُجاورُنا ونُجاورُهُ، حتّى باتَ يُشابهُنا ونُشابهُهُ! وكما المَسكبُ في حديقة المنزلِ نزرعُهُ ببذور السّبانخ والخسّ والملوخية والبقدونس وإلخ من الخضروات المفيدة، بتنا نزرعُهُ بالأشواكِ المتراصّة، فيخزنا ويوجعنا ويُجرّحُنا، ولا نتّعِظُ، لأنّنا تدرّبْنا على الوجعِ وأدمَنّاهُ!

 

(4) (أَما عَرَفَتْ عَثَراتُنا/ كَيْفَ تنْهَلُ الأَلَمَ/ مِنْ مَنابِعِهِ؟) ما أنْ هبَطنا إلى الأرضِ كي نستعمِرَها بأمْرِ الله، وكما بيّنَ لنا في كتابِهِ الكريم، وفي رسالاتِهِ ومِن خلالِ رُسُلِهِ، لم نفطنْ إليْنا، وظلَّ الرّجيمُ يُلاحِقُنا ويُغوينا، لتتفتّقَ أذهانُنا وذواتُنا عن شرورِها، وعن كلِّ ما يُدمّرُ حضارةً نحن بأيدينا صنعناها. هكذا نحن كما الأطفال، نبني ونرسمُ، ونعودُ لنهدمَ ونُخربشَ وحتّى نُمزّق؟ لكن شتّانَ ما بين الطّفولةِ المُضمّخةِ بالبراءةِ، وبين أفعالِنا وأفاعيلنا المُتّشحةِ بالسّواد! هكذا يَشيخُ الزّمنُ مِن حوْلِنا، وَتَشيخُ عقولنا كذلك، فلو كُنّا نَعقلُ ونُدركُ، ما ارتضيْنا أن نقتلعَ زهرةً في بساتينِ أفراحِنا وآمالِنا، لكنّنا والشّيخوخةَ الزّهاميريّة توآمان، وقد فُقْنا الحِكمةَ، ومضيْنا لا نعرفُنا، ولا تعرفُنا خطواتُنا؟

 

(5) (أمَا اسْتَطاعَتْ/ أنْ تلَوِّنَ المَنافِيَ/ بِالوَجَع../ بِالأَحْزانِ؟) عزيزتي آمال،

مرّة أخرى وأخرى، أراكِ حافيةً في حقلِ الأشواكِ، تُعاودينَ السُّؤالَ تِلوَ السّؤالِ؟ داميةٌ حُروفُكِ، تبحثُ في المَنافي عن إجاباتٍ تُريحُ الإنسانَ القابعَ بينَ ضُلوعِكِ؟ قصيدةٌ مُتفجّرةٌ بالحيرةِ القاتلة! لماذا؟! لأنّ مَنافينا ما استطاعتْ أنْ تُلوّنَ أوجاعَنا، أو أنْ تُعيدَ تَشكيلَها بشكلٍ آخرَ، كي تَرسُمَنا مِن جديد!؟

 

(6) (نمْضي حَزانى / في عَياء ِ العَزاءِ/ حُروفنا مَجْروحَةٌ / تتشَدَّقُ بعَذْبِ العَذابِ!)

يااااااه.. تتراقصُ الحروفُ على جرح العذاب، كما الطائر الذبيح في رقصة الموت، والجرحُ نازفٌ يُغطي ما حوله، وحروفك المجروحة المُجرّحة تُكابرُ في إباءٍ، كأنّما تستغذب الغذاب القاتل، وكأنه صار منها وصارت منه، حتى كأنما بلغ العذابُ بنا درجة رفيعة من عذوبة نستمرئُها، وبتنا نحن والعذاب توأمان!

 

(7) (وَالوَقْتُ يَعْدو إلَينا عَدْوَ عَدُوٍّ/ يَرْمَحُ/ عابِثًا برِماحِ وَجْهِهِ الأَهْوَجِ/ صَوْبَ مَرْقَصِ المَوْتِ!/ يَ سْ تَ رْ سِ لُ/ في وَحْشِيَّةِ رَقْصَتِهِ الشَّهِيَّةِ!)

بهذهِ الصّورةِ والرّسمِ الجَماليّ البَلاغيّ، نرانا نَعدو بينَ حُروفِكِ، نُسابقُ الوقتَ ويُسابقُنا بل ويَسبقُنا، ونحنُ نرمَحُ خلفَهُ في مَحالةٍ مُستميتةٍ، عسانا نقبضُ على أجنحةِ أحلامِنا، لكنّنا نُحلّقُ في فضاءاتِ الأماني، مُترعين بالحزنِ، غرباءَ صِرنا في زمنِ العُهرِ والفُجورِ، في زمنٍ جُرِّدْنا فيهِ مِن أبسطِ مَعالِمِ آدمِيّتِنا، فمضيْنا غرباءَ عنّا وعمّن حوْلَنا، بنقوشٍ موجَعةٍ تتوحوحُ لو تتضمّخُ بإنسانيّةٍ مُشتهاة! لكن هيهات أنْ نقبضَ على الفرَح، فها الوقتُ هو الوقتُ، (يَمرحُ عابثًا برماحِ وجهِهِ الأهوجِ)! إلى أين؟ (إلى مَرقَصِ الموْت)، وصرنا كطيورٍ ذبيحةٍ ترقُصُ ألَمًا، وصارَ هذا العالمُ المَجنونُ مُوغِلٌ في رتابَتِهِ وكآبتِهِ، يَحتلّنا بكلّ تفاصيلِنا وجُزيئاتِنا، وعيونُنا المُغمَضةُ لا ترى أبعدَ مِن عقلةِ إصبع!؟ ياااه! ما زلْتِ وما زالَ الإنسانُ فيكِ يَستصرخُ الضّمائرَ، أنْ تَصحُوَ مِنْ غفوَتِها، لترى ما يَرى الشّاعرَةَ، وما تُحِسُّهُ مَشاعرُها؟ هكذا أراها أبجديّتُكِ مُلتاعةً في فوضى الحُروفِ مِنْ حوْلِكِ، وحينَ يَنتفضُ البُعدُ الإنسانيُّ، تمتشقينَ سيفَ الكلماتِ رسالةً شِعريّةً، لعَلّكِ تَجدينَ مَن يُصغي، أو من يصحو أو مَن يَتّعظ!

 

(8) (أَيَرْقُصُ نَدْبًا/ عَلى /آلام ِ الأَحْياء ِ المَوْتى؟ (آلام الأحياء الموتى؟!)

رائعٌ وصادقٌ هذا التّشبيهُ، في زمنٍ يَضجُّ بالأحياءِ الموْتى! فما أكثرَهم من يَملكونَ أعْيُنًا ترى لا تُبصِرُ، وقلوبًا تنبضُ ولا تَرِفُّ رُموشُها، وكما الآلة المُصنِّعةِ صرنا في انْجِمادٍ وتجَمُّدٍ، رغمَ ما يُحيطُنا مِن عبثٍ وعبثيّة! عزيزتي آمال، يأسُرُكِ هذا القلبُ الشّفّافُ الّذي يَرنو لعالمٍ آخَرَ، تُريدينَهُ مُنَزَّهًا عنِ الأخطاءِ والهنّاتِ، وتَظلُّ حُروفُكِ في دروبِ الأماني تبحثُ عنهُ، ليُعيدَ للأرضِ طُهرَها وعِفّتَها وعُذريّتَها؟؟ هناكَ في الفضاءِ الآخَرِ وفي أفقٍ ضبابيّ، تلهثينَ وراءَ مَلائكيّةٍ مُعمّدةٍ بنورِ الحقِّ واليَقينِ، ولكن، هيهات وهيهات وهيهااااااااااااااات!

 

(9) (أَمْ يَطيبُ لَهُ العَزْفُ/ عَلى / ناياتِ العَذارى؟/ عَلى / هاماتِ اليَتامى والثَّكالى؟)

لقد طابَ العزفُ على هاماتِ اليَتامى والثّكالى، ولم يَزلِ العازفونَ على أوتارِ أشلائِنا يُبدعونَ في العزفِ، وكلَّ يومٍ لهُم معَ الأشلاءِ آلافُ الأوتارِ المذبوحة، ومِن نبيذِ دِمائِهم يَرفعونَ الأقداحَ نُخبَ الموت والمعابدِ الوثنّةِ! أيُّ صَلاةٍ وطقوسٍ تُقبَلُ مِنهُم، وأياديهِم تتقطّرُ دمَ البشريّةِ ممزوجًا بدمِ الإنسانيّة، في كلِّ بقعةٍ وجزءٍ فوقَ هذهِ الأرض؟

ياااااه ما أوجَعَ حُلُمَكِ حينَ تَرَيْنَهُ بَعيدَ المَنالِ، تُداعبينَهُ على ناصيةِ الشِّعرِ، ونحنث لا نَقرأُ جيّدًا ولا نُجيدُ الغوْصَ في موْجِ حرفِكِ ولا بُحورِ شِعرِكِ، بل نحنُ لم نتعلّمْ الرّمايةَ، ولا السّباحةَ، ولا ركوبَ الخيلِ كما أوْصانا نبيّنا محمّد عليه الصّلاة والسّلام، بل نحن نرمي بعضنا بعضا، ونسْبَحُ في البحارِ البعيدةِ الغريبة، ونركب بعضنا بعضا كما النَّعام، نحملُ أسفارَنا فوقَ ظُهورِنا، وقد فقدْنا عذريّةَ الرأي وعذريّة الفِكر، وبتنا كما الغواني على قارعةِ الزّمن، تُهْتكُ أعراضُنا وتُستباحُ أرضُنا، والآخَرُ (يَطيبُ لهُ العزفُ على ناياتِ العَذارى).

 

(10) (أما حَنَّ الحَديدُ بَعْدُ؟/ بلْ / وَتبْرَعُ/ تتلهَّى! /تتسلّى!)

سؤالٌ بلا فرضيّة للإجابة، فقلوبُ الطّغاةِ خاليةُ الوفاض، بل هم أصلًا مِن غير قلوب، فالمالُ واحتكارُ وامتصاصُ دمِ الآخر ديْدنُهم، وإلّا ما بقوْا هكذا مِن جيلٍ إلى جيلٍ يُدمّرونَ ويَسفكونَ الدّماء، ويَستغلّون خيراتِ الشعوب، فلتظلّ لنا الأغنية (حنّ الحديد على حاله، وأنتَ ما حَنّيت) نُردّدُها بشجَن، ومعَ ذلكَ، يظلّ لنا ما نقولُهُ ذاتَ يومٍ حولَ الحديدِ وحُنُوِّهِ وحنانِهِ!

(11) (تَتَفَنَّنُ/ بِبَتْرِ أَعْناقِ القُلوبِ/ لِنَنْزِفَنا / عَلى / طُرُقاتِ الهَوامِشِ!) هكذا صرنا وغدونا، وأبجديّتُكِ تنتقي مِن الحروفِ أصدقَها تعبيرًا وإيحاءً في مُلامسةِ الواقع والغوْص فيه، والصُّورَ ببلاغتِها ترسمُنا، كما الأعناق تتدلّى نازفةً بحِبرِها، مُتماهيةً معَ الوَجع نزفًا، تنثرُنا على قارعةِ الزّمنِ وَهوامشِ الدّروب!

 

( (12(تَغْسِلُنا.. / بِمُنْحَدَراتِها القاحِلَةِ/ وَفي عُرْيِ العَراءِ المكْسُوِّ بِدِمائِنا/ تُ دَ حْ رِ جُ نَ ا/ مِنْ عَلى هاوِياتٍ مَرْهونةٍ/ أَشْلاءَ بَشَر!) هكذا هي دماؤُنا، تتدحرجُ في ظلّ العُري، والعراء يُعرّينا مِن آخر نقطة دم في عروقنا، فلو كنا نعقل ونعي، ما تدحرجنا ولا تاهت من تحت أقدامنا الطُّرق!

 

(13) (أَهُوَ الهَباءُ؟!/ تجْمَعُنا المُفارَقاتُ/ تَطْرَحُنا الضَّرَباتُ/ لِتقاسِمَنا.. / رَغيفَ الحَياةِ وَالوَطن)!

يا للوجعِ حينَ تكونُ النّهاياتُ كما البداياتُ لعبةً مُتقاطعة، بعمليّاتها الحسابيّة وبمَجاهيلِها وجَبْرِها وكَسْرِها، فها المفارقاتُ تقاسِمُنا رغيفَ الخبزِ والوَطن؟ عن أيّةِ قِسمةٍ تتحدّثُ آمال؟ لو كانتِ القسمة على اثنيْن، لقُلنا: ذاكَ عدلٌ أو بعضُ عدلٍ! أمّا وأنّنا لم نتقاسَمْ رغيفَ الخبزِ ولم نحظَ بالفتات؟ نعم، تمامًا وكما تُشير لوحتُكِ المُرفقةِ، نحنُ كذاكَ الطفلِ جائعونَ، نحِنُّ للقمةٍ مِن وطنٍ، ونبحثُ في مَزابل التّاريخ وحاوياتِ الجغرافيا عن كسرةِ وطنٍ جافّةٍ، تسُدُّ الرّمقَ في قيظِ صحراءِ الأماني!

 

(14) (يَشيبُ الصُّراخُ الأبْكَمُ/ عَلى / أَفْواهِ طُفولَةٍ/ شابَها الهَلَعُ/ يوصِدُ الأَسى/ أَقْفالَهُ/ في /مَلاجِئِ عُيونِ البَراءَةِ!) ياااااااااااااه، قالتها ستّي (جدّتي): زمَنٌ يُشَيّبُ الولدان (الأولاد)! وماذا تقولُ عن زمانِنا؟ (وها هي أفواهُ الطفولةِ يُخرسُها الهلَعُ، والسّكّينُ في صدر الإنسانيّةِ تقطّرَ دمًا، تنشُرُ الرّعبَ في كلّ بقعةٍ فوقَ الكرةِ الأرضيّة! هل باتتْ عيونُ الأطفالِ مَلاجىءَ للآسى، تستوطنُها اللعنةُ إلى ما لا نهاية؟ تعبيرُكِ البلاغيُّ يُذهلني، فأتوهُ في سراديبِهِ، أبحثُ عن نقطةِ ضوءٍ في عيونِ البراءة!

 

( (15)وَسائِدُ الضَّحايا / تَتَشَرَّبُ العَويلَ الأبْكَمَ/ تُعانِقُ أرْواحَ أَحْلامٍ هارِبَةٍ/ مِنْ نَواقيسَ فِرارٍ/ إلى... كَوابيسَ اسْتِقْرار؟) العويل أبكم والحاكم في صمم وعمى، لا يرى ولا يسمع. لكن نحن، ألا نرى؟ ألا نسمع؟ ألا نعي؟ يااااااه كم قصيدةٍ تعيش غربتها، وتتلفع في لوعتها ملتاعة، كما حروفك تلهث وراء المستحيل، كي توقظه من غفلته؟

 

(16)(أُمَّااااااااااهُ/ جَوْقٌ مِنَ الشَّياطينِ/ يَتَهافَتُ/ عَلى سَحْقي.../ عَلى تَمْزيقي!) أماااااه، تكالبت علينا الأمم من كل حدب وصوب، فأين نحن منهم، وكيف لنا السبيل للخلاص؟

 

(17)(لِمَ نَوافِذُ الرَّهْبَةِ / مُشَرَّعَةٌ / في مَنافِذِ الصُّمودِ؟) والنوافذ والمنافذ رهينة مرتهنة؟ نصطفّ في طوابيرَ بين قبضة قضبان الحواجز، وبين فوّهات كمائن المعابر، وما لنا غير الصمود والصمود؟!

 

(18)(أَتَمُرُّ بِيَ رياحُ الرُّعْبِ/ مِنْ آتِ وَحْشٍ/ يُدَنِّسُ جَسَدي الطَّاهِرَ/ يَعْصِفُني../ يَخْتَرِقُني.. / بِفَوْضى الأبالِسَةِ؟!) نعم هي كذلك تفعل، نعايش الرعب، ويعتصرنا الخوف، وعيوننا شاخصة، وأيادينا محملة بالدعاء تنادي رب العباد، أن يُخلصَنا من هذا الجور والظلم والاستبداد!

 

(19)(العَتْمَة / تَ نْ ثَ ا لُ/ جَريحَةً ثَقيلَةً/ عَلى / أَشْباحِ المَساكين بِالرُّوحِ/ عَلى .. جُثَثِ الأحْياء!) عتمة؟ سكاكين ؟جثث؟ جريحة؟ أشباح؟ ضحايا؟ توصيف وتوظيفٌ ذكي لواقعٍ نعايشهُ من غير روح!

 

(20)(أيا فَجْريَ السَّليبَ/ آآآآآآآآآآآآآآهٍ/ ما أَثْقَلَهُ الحُزْنَ!)

سرقوا عن الرفوف كل الحروف، صادروا أبجديتنا، فضعنا وتاهت عنا اللغة، فما عدنا ندري بأي لغة نخاطب هؤلاء، والسيوف ترتدّ إلى نحرها، ونتمنى أن نعاود طفولتنا الأخرى ؟ ياااااااه، موجع هذا البكاء، فهل يرون ما تراه حروف القصيدة؟ ألا ليت قوْمي يَعقلون!

 

(21)(دُروبُ المَوْتى.. / تَتَعَثَّرُ بِقَناديلِ الظُّلْم ِالمُظْلِمَةِ/ تَحْنو عَلَيْها.. بِقَسْوَتِها الرَّقيقةِ/ تَقْتَنِصُ الأجْسادَ الضَّالَّةَ/ في غَياهِبِ الرُّعْبِ.) عزيزتي آمال، شتان ما بين القسوة والرقة! هو تلاعبٌ لفظيٌّ أم من باب التمني والآماني؟ ونحن نراهم مواكب القتلى تغادرنا غير آسفة الى الآخرة، علّها تجد ضالتها بأمن وآمان؟ ها دروب الموتى طوابيرطوابير في حواكير الزمن، وها عبثية الأقدار تجعل من ومضات الصواريخ أضواءً تشع لامعة باهرة الشعاع، سريعة آتية على جناح السرعة للنجدة والإغاثة، قادمة لتطفئ نور حياة المتعبين الخائفين والأطفال والعُزّل والخ..؟ يااااااه ما أبلغ التعبير، وأنا أراها سماء غزة مضيئة بالقناديل القاتلة! بلحظة، تُغَيَّبُ الأحلامُ، وتُنشَرُ ظلمة الرّكامِ، ورائحةِ الموتِ تنتشرُ وتموءُ كما القطط في الفصولِ الباردة!

 

(22) (بِكُتَلٍ مِنْ وَمْضٍ يَسْعُلُ/ تُغْمَدُ في صَفْوَةِ صَفائِها.. سُيوفُ رَحْمَةٍ/ اسْتَلَّتْها.. / مِنْ غِمْدِ المَوْتِ/ لِتَنوسَ ذُبالَةُ فَوانيسِ الارْتِياح!) هكذا نراها عذرية الأرض مدلاة ذليلة فوق الخناجر والسيوف؟؟ يااااااااااااه كم موجع انت يا زمن الاستعباد والاستعمار، يا العائد إلينا بوجهك القديم الجديد، تعيث بالأرض فسادا. وشر البلية ما يضحك، أننا نحن نصدقك، لا بل نخدمك!

 

(23) (ارْتِياح!؟/ بَلْ راحَةٌ أَبَدِيَّةٌ!) هكذا حين يصبرُ الموتُ راحةً أبديّة وارتياحًا، فهذا يَعني أنّ المَصابَ أكبرُ مِن قُدرتِنا على التّحمُّلِ، والمصيبةُ أننا بتنا نسمعُها تلك التمنيات القاتلة، (والله الموت أرحم من هذه الحياة)! أمنيةٌ تقشعرُّ لها الأبدانُ، وما كنّا نتمنّاها، لو أنّ الواقعَ غير هذا؟ مَن يدري، لعلّ نفوسَنا الممزقة ترى في الموت راحتَها الأبديّة! ومَن يَنكر أنّ السّوادَ الأعظمَ باتَ كذلكَ يَطلبُ هذا الموت؟ لماذا؟ لأننا عاجزينَ عن تغيير الواقع! لا بأس؟ بل كلّ البأس يغمرُنا، وكلُّ البؤسُ يَدفعُنا لأمنيةٍ قد نجدُها أرحمَ مِن واقع القتلِ والتشرذم، ومن الانفلاتِ الفِكريّ غير المضبوط وغير المحدود بقيود، لأنّنا فقدنا ذاك الإنسان في دواخلنا.. وماذا بعدُ يا الصديقة آمال؟ هي الأماني الحبيسة بتنا نرجوها ونطلبُها، حتّى لو كانت تُمثّل لنا الموتَ والرّحيل!؟

 

(24) (الرُّوحُ.. تَتَبَعْثَر/ عَلى مُنْحَنى بَشَرِيَّةٍ/ غ ا صَ تْ/ بِأَعْماقِ مُحيطِ اللاّشُعور/ واسْتِغاثاتٌ تَضِجُّ.. / في مَفارِقِ الحَياةِ والمَوْتِ.) وها أنتِ تُجيبينَ بتصويرٍ ساخرٍ موجَعٍ، فالرّوحُ قد غاصتْ عندَ مُنحنى البشريّةِ بشَرِّ أعمالِها، ففقدْنا الحِسَّ الإنسانيَّ والشّعور، وبتنا نكتبُ فينا القصائدَ مُعنوَنة إلى مَجهول! فهل يَقرؤُنا أحدُهُم؟ ومِن قبل، هل أجَدْنا نحن قراءة أنفسِنا، في عصرٍ بتنا فيهِ آلاتٍ تتحرّكُ مِن غيرِ مَشاعر أو شعور؟

 

(25) (حَناجِرُ طُفولَةٍ/ تُ مَ زِّ قُ ها/ سَلاسِلُ مَسْلولَة.)

وها هي حناجرُ الطفولةِ المُبعثرةِ، تجرحُها الآماني السّليبةُ العائمةُ في فضاءاتٍ أبعدَ مِن بعيدة، ودوارُ الرأس يدورُ بطفولتنا، ويَكادُ يُعيدُنا إلى أرحام أمّهاتِنا، حيث الفضاءُ الرّحبُ، وحيثُ الحضنُ الّذي يُطعِمُكَ ويَسقيكَ ويُغذّيكَ بحُنوّ، قبلَ أن يقذفكَ إلى هذهِ المتاهاتِ المُتشرنقة الظلاميّة، والغارقةِ في فِكرها الاستبداديّ! ألا ليتني إلى رحم أمّي أعود!!

 

(26) (وفي رَنينِ القَوافِلِ اللاّهِثةِ/ تتَلَهَّفُ قَبائِلُ القَلَقِ السَّاهِمَةِ/ أَنْ تُوارِيَ أَجْسادَ المَنْهوكينَ/ في الهَرَبِ/ في لحْدِ نوْمٍ مُؤَقَّتٍ!) عزيزتي الراكضةُ اللّاهثةُ وراءَ الحقيقة، تقبضينَ على المواجع، وترسمينَ بأبجديّتِكِ كلماتِكِ الدّالّةَ والمَدلولةَ نقشًا على جدارِ الصّمت! مثلك نحن، لم نزلْ نلهثُ بعمقِ المعاني والمَدلولاتِ نبحثُ، ويَملُّ البحثُ منّا والانتظار، نبحثُ عنّا في زمانٍ آخر، وربّما في مكانٍ آخر، يُعيدُ لنا ولأجسادِنا المُنهكةِ في القوافلِ الهائمةِ بعضَ أمل!

 

(27) (أتَبُلُّ ظَمَأَ الجُفون المُعَذَّبَةِ/ بِـ/ قَ طَ رَ ا تٍ/ مِنْ نوْمٍ أَصَمَّ/ لا يَسْمَعُ أزيزَ المَوْتِ الكَفيفِ!) ومِن سؤالٍ الى آخر، وكلُّ سؤال مُترعٌ بالحزن وممتلئٌ بالأمل، وما بين الرجاء والملل، تمرُّ قوافلُ الحروفِ ونمُرُّ معها، نحاولُ أن نستبْينَ ما وراء ربّما وصلناه وربّما أخفقنا؟ (صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ) نحن في هذا الزمان، والقاتل منّا وفينا، يَستوطنُنا القتل والدمار!؟ هل لأنّ الآخر أقوى؟ كلا، بل لأنّنا بلا عقول وبلا فِكرٍ بتنا، فتلكَ هي فرضيّة الإجابة التي لا تحتملُ القسمة على اثنين، ونحن قد أدْمَنّا الوجع فلا نسمعُ أزيزَ موتِنا وعويلَ موتانا.

 

( (28)أَتَنْهارُ/ سُدودُ الحَقيقَةِ/ لِتنْقَلِبَ الأحْلامُ الخَضْراءُ.. / مَرْتَعَ شِراكٍ؟) يا لهذه العيون الباحثة عن الحقيقة! ملتاعةً حائرةً تتلوّى وجعًا، والحقيقة أنّنا فقدنا الهُويّة والرَويّةَ والبوصلةَ، وتاهتْ عنّا المرافئُ والشّطآن، فلنعترفْ ولتعترفْ حروفُ القصيدة، بل هي فعلتْ، وكلُّ حرفٍ فيه إدانةٌ وعتابٌ، تُدمغنا وتُعرّينا قطعة قطعة!

 

(29)(أَتُغْتالُ / ظِباءُ المَنامِ؟/ أَتَفْقِدُ رَحْمًا.. / تَتَناسَلُ فيهِ أَجِنَّةُ الرَّحْمَةِ؟)

نحن المغتالونَ مِن وحشٍ كاسرٍ، وبأنيابٍ كحدِّ السيف تُقطّعنا، لنظلَّ ندورُ في متاهةِ حروفِ القصيدة نبحثُ عنّا، فنجدُنا مُجَنّدونَ مِن الصّفر حتى آخر رقم مُحوسَبٍ وغيرِ مُحوسب! نعم، هم كذلك يفعلون، يغتالون الظّباءَ والأحلامَ الورديّة في وضح النهار، ونحنُ كما الظباء يصطادوننا واحدًا تلو الآخر، دولة وراء دولة، وحُلمًا خلفَ حلم، والأنكى، أنّهم يَصطادوننا وبأصابعنا، نحن مالُ سلاحهمِ وعِتادهم! فيا لسخريةِ القدَرِ وعبثيّة الزمن؟

 

(30) (لوْحَةٌ دَمَويَّةٌ.. / تَجْري وَجَلا/ تَصُبُّ.. شَلاّلاتِ المَآسي/ في مَنابِع الغُرْبَةِ!)

وشلال الدماء لا يُرادُ له التوقف؟! هم خططوا، وبأيدينا نفذوا، ونحن كما العميان نسيرُ في مواكبِ المَجانين؟ ونظلّ نتجرّعُ الآسى لوعةً في القلوب؟ لماذا نذهبُ بعيدًا ننكش التاريخ، وحاضرُنا مُضرج بالدماء من غزة إلى لبنان، فسوريا، ثم العراق، إلى اليمن، فليبيا، وكلّ بلاد العُرب أوطاني مُضرّجة بدماء أهلِها وناسِها؟ لماذا بعضنا يقتلُ بعضنا، وبعضنا يحرقُ بعضنا حيّا كما فعلوا هذا الصباح بالطيار الأردنيّ؟ مُرّةٌ كما العلقم حقيقتنا، ونحن كما العميان يَتقدمُنا جنونُ فِكرٍ خبيثٍ مُستورَدٍ! يااااااه، يا شلّالات المآسي، في أيّ منبعٍ تصُبّين، ومن أيّ منحدر تتساقطين؟

 

(31) (وَعَلى ضِفافِ المَوْتِ/ وحينَ يَجِنُّ اللَّيْلُ/ تَتَجَنّى الصُّوَرُ.. / في مُجونِ الجُنون)!

على ضفافِ الموت ماضون نحن الغرقى في جاهليّتنا، يَقتلُ بعضُنا بعضا، وأقطارُنا العربيّة المُعرّبة مُستباحة، لكلّ فنون شقاوة الغرب وثقافتهِ الظلامية؟ مُوزّعون ما بين أشلائِنا وأشلائِنا، نبحثُ عن مُخلّصٍ يُنقذنا، وكلّ الحلولِ هاربة منا؟ ياااااه.. كلماتُكِ البلاغيّةِ تُبهرُني بمَضمونِها وأبعادِها، وتتجوّلُ بي مِن فقرةٍ إلى أخرى، أجولُ معها والقلبُ ينزفُ ألمًا.. لماذا؟ إلى متى؟ كيف؟ هي أسئلةٌ تطرحُها القصيدةُ المُتفجّرةُ بالألم والوجعِ، وندّاهةُ الليلِ تعودُ مِن جديدِ وبثيابٍ تنكريّة متغيّرة، تعيشُ بيننا، وتأكلُ خيراتنا، بل وتفصفصُ عظامَنا، وترمي ما فاضَ منّا إلى كلابها المُدلّلة! ندّاهة الليلِ تسرحُ وتمرحُ وتصولُ وتجولُ في شوارعنا، بين الطرقاتِ والحواري والأزقة. إنّها على امتداد رقعتنا العربيّة، بحطّةٍ وكوفيّةٍ وعقال وبدلة وربطة عنق! ونحن بصرخةٍ منها نمضي خلفَها، مُنوّمينَ نأتمرُ بأمْرها، ونضغطُ على الزناد بألسِنةٍ مِن لهبٍ كي نحرق عشيرتنا.. إنّها تعاودنا وتعودُ إلينا بثوبها بل بعُريها، ونحن كالبُلهاء ندورُ في حواماتِها، لتُغرقَنا غيرَ آبهة! فمَن خانَ دينَهُ وعرضَهُ وعقيدتَهُ، تخافُ أن يخونها، فتلفُّنا عندما ننهي أدوارَنا التي أوكلتها بها، فهي لا تُسيطرُ إلّا على ضعاف النفوسِ والألباب! هل بتنا كلنا كذلك؟ لا، فأنا والسّوادُ الأعظم أيضًا يعرفُ، أنّ (على الباغي تدورُ الدّوائرُ)، وأنّ السّحرَ سينقلبُ على الساحر، هكذا حدثنا التاريخ، وهكذا تشيرُ لنا ملامحُ القصيدة، وتومئُ به ملامح الأسطورة؟ فالرسالة تتضمّخ وتعبق بآمالٍ تنبتُ في حواكيرنا، ومن حدائق دمائنا ولا غرابة! فكلنا نريدها الحياة المشتهاة عزة وكرامة، وكما قال شابيُّنا الشابي:

(إذا الشعب يومًا أراد الحياة/ فلا بدّ أن يستجيبَ القدر)!

 

بقلم: فاطمة يوسف ذياب

أبو الشمقمق بتمامه: بين وجودية فقره وخلود ذكره ودأب الدهر ذا أبداً ودابي (1)

karem merzaهذا أبو الشمقمق الشاعرالبصراوي الوجودي الهجّاء المعدم توفي في عصر المأمون (200 هـ / 815 م)، يقول:

1 - الخلود الفكري، والفناء الجسدي، ودأب الدّهر ذا أبداً ودابي:

برزتُ من المنازل والقبابِ** فلم يعسر علـى أحدٍ حجابي

فمنزليَ الفضاءُ وسقفُ بيتي** سماءُ الله أو قطعُ السحاب

فأنت إذا أردت دخلت بيتي*** عليّ مسلّمــــاً من غير باب

لأني لم أجد مصراع بابٍ ** يكون من السحاب إلى التراب

ولا خفت الإباق على عبيدي **ولا خفت الهلاك على دوابي

ولا حاسبت يوماً قهرماني **** محاسبة فأغلط في حسابي

ولا شق الثرى عن عود تختٍ *** أؤمل أن أشــــدّ به ثيابي

ففي ذا راحة وفراغ بالٍ **** وداب الدهــــــر ذا أبـدا ودابي (1)

نعم لأيم الله، ودأب الدهر ذا أبداً...، فالدهر في صرفه عجيب، يقلب العالي دانياً، ويسمو بالداني عالياً،تابع قراءة الموضوع بتأمل شديد، ورؤية بعيدة المدى، ودقق النظر كيف كان يعيش هذا البائس المعدم حتى من النخالة في حياته بين الحشرات والعناكب، والفأر والسنور، بل هربت منه متسللة إلى القصور، وبرز هو نفسه هارباً إلى فضاء الله، مفترشاً التراب، ملتحفاً السماء، عاش الوجود، كما كما كان الوجود، قبل العقل الموجود، ومثله من بعده مباشرة العبقري الخالد التعيس الثاني ابن الرومي، فملأ شمقمقنا القرن الثاني الهجري أو كاد، وشغل رومينا حيزاً كبيراً من قرنه الثالث، وتساءل - يا صاحبي - من بقى، ومن فنى؟!! أين وزراء وكتاب وتجار وأعيان عصريهما منهما، بل العديد من خلفاء عصريهما، وما بعدهما؟ من يعرف شيئاً، أو قد سمع من أجيالنا - غير المختصين - عن الخليفتين الأمويين الوليد بن يزيد، وإبراهيم بن الوليد مثلاً ممن عاصرا هذا الشمقمق الكائن الحشري، لولا شعره العبقري، ومن هم هؤلاء القادة والأعيان الكبار أمثال اسحاق بن مسلم العقيلي، ويقطين بن موسى ومحمد بن عمرو النصيبي التغلبي، بل حتى يعقوب بن داود وزير المهدي،وطاهر بن الحسين الخزاعي، قائد المأمون الرهيب الذي قطع رأس الأمين، أمام خلود هذا الشمقمق المستجدي للقمة خبزه، ومن كرهت الأرض أن تحمل جسده، ومن ثم خلدت ذكره، وأرغمتني والعشرات مثلي أن يشيد بشعره وفكره؟؟؟!!!! وما هو إلا بالمحل الثاني أو الثالث من بين عباقرة أمتنا الخالدين، لذلك أراك مشفقا عليَّ أن أعدد المئات من الخلفاء والوزراء والحجّاب والقادة ممن عاصروا ابن الرومي، ومَن جاءوا من بعده، وسحقهم الدّهر كعصفٍ مأكول، ورسخ الطود الشامخ هازئاً بالرياح على مرّ العصور، وهكذا حال سيابنا الخالد، ومرارة حياته، ومأساة مرضه وموته، ورصافينا الشامخ، وبيع سكائره، وحرّ صيفه، والعبقري الصافي النجفي، وهجرته وإغفال حاله، ورصاصة عينه، المجد والخلود للفكر والشعر والأدب والفن، وما أجساد الدنيا إلاً جيفة ورميما.

 

2 - من هو أبو الشمقمق؟ ومن هم رجال عصره؟ وكيف برز من بينهم؟ !!

تذكر الموسوعة الشعرية هو مروان بن محمد أبو الشمقمق (112 هـ-200 هـ/730-815)

شاعر هجاء، من أصل البصرة، قراساني الأصل، من موالي بني أمية، له أخبار مع شعراء عصره، كبشار، وأبي العتاهية، وأبي نواس، وابن أبي حفصة .وله هجاء في يحيى بن خالد البرمكي وغيره، وكان عظيم الأنف، منكر المنظر . زار بغداد في أول خلافة الرشيد العباسي، وكان بشار يعطيه كل سنة مائتي درهم، يسميها أبو الشمقمق جزية، قال المبرد: كان أبو الشمقمق ربما لحن، ويعزل كثيرا، ويجد فيكثر. (2)

   نعم من موالي مروان بن محمد الحمار، آخر خلفاء بني أمية، ولد في عصر الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك في بخاري، ونقله عبيد الله بن زياد مع أهل بخارى، وأسكنهم محلة البخارية بالبصرة، ويقول عنها الحموي في معجم بلدانه : " البخارية سكة بالبصرة أسكنها عبيد الله بن زياد أهل بخارى الذين نقلهم كما ذكرنا من بخارى إلى البصرة وبنى لهم هذه السكة فعرفت بهم ولم تعرف به ." (3)

شبّ الرجل في عصر السفاح، وعاش مع العباسيين في عصرهم الذهبي، إذعاصر المنصور والمهدي والهادي والرشيد والأمين، ومات في عصر المأمون وعاصر من الشعراء إضافة إلى ما ذكرته الموسوعة، دعبل الخزاعي ومسلم بن الوليد (صريع الغواني)، والعباس بن الأحنف، وأبي دلامة، ومن الرواة خلف الأحمر، وحماد الراوية، والأصمعي، ومن الكتاب عبد الله بن المقفع والجاحظ، ومن النحويين سيبويه والكسائي، ومن العروضيين الفراهيدي والأخفش الأوسط، ومن النسّابة ابن الكلبي، ومن العلماء أبو بكر الخوارزمي صاحب الجبر والمقابلة،، ومن أصحاب السير ابن هشام، ومن المترجمين إسحاق بن حنين، ومن أصحاب الحديث الحسن البصري وواصل بن العطاء ومن الفقهاء ابي حنيفة ومالك بن أنس، والشافعي... وأبي يوسف،ومن الأئمة الباقر والصادق والكاظم والرضا ويكفيني هذا تعداداً وعدّا كي أقول استطاع مع كلّ هؤلاء العظام أن يثبّت اسمه في سجل الخالدين، وهو من أعدم المعدمين !! .

يكنى أبا محمد و يلقب بأبي الشمقمق و الشمقمق معناه الطويل الجسيم من الرجال و قيل الشمقمق هو النشيط، وكان عظيم الأنف، قبيح المنظر.

 

3 وصف ابن عبد ربه الأندلسي له في (عقد فريده):

يضع أخباره ضمن أخبار المحارفين الظرفاء، والمحارف هو الذي يطلب حاجة، فلا تلبى له، عكس المبارك، ومع ذلك كان ظريفاً، أليس من حقّه أن يقول:

ففي ذا راحة وفراغ بالٍ **** وداب الدهــــــر ذا أبـدا ودابي

المهم يصفه ابن عبد ربّه قائلاً:

أبو الشمقمق الشاعر، وكان أديباً طريقاً محارفاً، وكان صعلوكاً متبرماً بالناس، وقد لزم بيته في أطمار مسحوقة، وكان إذا استفتح عليه أحد بابه خرج، فينظر من فروج الباب، فإن أعجبه الواقف فتح له وإلا سكت عنه. فأقبل إليه يوماً بعض إخوانه الملطفين له، فدخل عليه، فلما رأى سوء حاله، قال له: أبشر أبا الشمقمق، فإنا روينا في بعض الحديث: إن العارين في الدنيا هم الكاسون يوم القيامة. فقال: إن صح والله هذا الحديث كنت أنا في ذلك اليوم بزازاً، ثم أنشأ يقول:

أنا في حالٍ تعالى ******* الله ربّـــي أي حالِ

ليس لي شيء إذا قيـ ****ل لمن ذا قلت ذا لي

ولقد أفلست حتى ****** محت الشمس خيالي

ولقد أفلست حتى ****** حــــلّ أكلي لعيالي

وله:

أتراني أرى من الدهر يوماً *** لي فيه مطية غير رجلي

كلما كنت في جميعٍ فقالوا *** قربوا للرحيل قربت نعلي

حيث كنت لا أخاف رحيلاً *** من رآني فقد رآني ورحلي

وقال أبو الشمقمق أيضاً:

لو قد رأيت سريري كنت ترحمني **** الله يعلم ما لي فيه تليس

والله يعلم ما لي فيه شادكةٌ   ***** إلا الحصيرة والأطمار والديس

وقال أيضاً:

لو ركبت البحار صارت فجاجاً *** لا نرى في متونها أمواجاً

ولو أني وضعت ياقوتةً حمـ ... راء في راحتي لصارت زجاجا

ولو أني وردت عذباً فراتاً ***** عاد لا شك فيه ملحاً أجاجاً

فإلى الله اشتكى وإلى الفضـ *** ل فقد أصبحت بزاتي دجاجا (4)

هذه الأشعار التي يرويها لنا ابن عبد ربّه الأندلسي تجعلنا نقف حائرين مندهشين أمام الظاهرة الشمقمقية كيف كان يعيش هذا الرجل الشمقمق الشاعر المتمكن، والمفكر العميق، والطريف الظريف في عصرٍ ينعت بالذهبي، وكان الشعراء فية متميزين، بلباسهم، وطبقتهم، ولسانهم، وحظوتهم في مجالس الخلفاء والوزراء والأعيان، ربما نجد العذر لمأساة ابن الرومي، لأنه عاش في العصر العباسي الثاني (221 هـ - 283 هـ)، وكان عصراً مضطرباً إذ ولد في عصر المعتصم، وكان طفلاً في عصر الواثق، وشب في عصر المتوكل، ثم توالت النكبات على الخلافة، ونقلت العاصمة إلى (سر من رأى)، فامنتصر يقتل أباه المتوكل، والمنتصر نفسه يسم بعد ستة أشهر، ويقوم المستعين، ويخلعه الأتراك، ويخلفه المعتز، ويُخلع، ويتلاقفها المهتدي، وأراد أن يتشبه بعمر بن عبد العزيز، فيطيروه تطييرا، ويأتي المعتمد على الأتراك، وتندلع ثورة الزنج، وتستمر خمسة عشر عاماً، وينهض بالخلافة المجدد العباسي الثاني المعتضد، ويموت في عصره ابن الرومي، أقول قد نجد تعليلاً أو مخرجاً لبن الرومي وجحود عصره، ولكن أبا الشمقمق قد ذكرت لكم من عاصره من الخلفاء والرجال العظام، فما باله مرّ بحياةٍ أشبه بما قبل التاريخ ...!!

الرجل ليس ببسيط حتى نقول عنه، ما كان يحسن التصرف مع الآخرين، والآخرون على كلّ حالٍ ليسوا على حالٍ واحد ٍ، إن لم يجد أحداً ينصفه، فلا بد أن يجد الثاني أو الثالث أو الرابع ...! أنا أميل إلى أنّ هو بإرادته كان وجودياً بفلسفته وفكره، ونمط حياته، فيصرّ على هذه المعيشة البائسة، بل ويسعد بها، وللناس فيما يعشقون مذاهبُ، تأمل في أبياته جيداً:

ولا خفت الإباق على عبيدي ** ولا خفت الهلاك على دوابي

ولا حاسبت يوماً قهرماني **** محاسبة فأغلط في حسابي

ولا شق الثرى عن عود تختٍ *** أؤمل أن أشــــدّ به ثيابي

ففي ذا راحة وفراغ بالٍ **** وداب الدهــــــر ذا أبـدا ودابي

وتمعن - رحمك الله - بالأبيات التالية، وأترك سخريته وتهكمه، وإشهار إفلاسه:

كلما كنت في جميعٍ فقالوا *** قربوا للرحيل قربت نعلي

حيث كنت لا أخاف رحيلاً *** من رآني فقد رآني ورحلي

هو يريد هذا، يكره التكلف مهما كان بسيطاً، ويكره العلاقات الاجتماعية المزيفة، ونفاقها الأبدي ، ولا يعطي اعتبارات لما سيقوله الناس عليه، وعلى تصرفاته التي تبدو مجنونة عند الآخرين لمخالفتها نظام العقل الجمعي المتطبع، ولكن كما يبدو لي كان يريد أن يكون إنساناً كما هو يريد، لا كما يريده الآخرون،فـ (الآخرون هم الجحيم، على حد تعبير جان بول سارتر، وهذا لا يعني أنه لا يحترم إرادة الإنسان الآخر، كلا!! وإلا لماذا خضع لإرادة الجمع وقرّب نعله، وممن لا يخاف رحيلا؟!! وهذا يذكرني بنمط حياة المعري وتفلسفه، ولو بشكل آخر، وكذلك كان الصافي النجفي ميالاً لهذا النمط المعيشي، والتفلسف الوجودي، وأرى الشمقمق قد مهد الطريق إلى جان بول سارتر ووجوديته، وليس سقراط هو الأول فقط، يا أعزائي أكتفي بهذا القدر المحتوم، لكي لا يضيع المقسوم، ويختلط مفهوم بمفهوم ..!!!    

 

هوامش كحل) هواية ام غواية؟ .. قراءة نقدية

hamid abdulhusanhomaydiوأعيدُ ترتيبَ الجدار

وأشكّلُ المعنى .. "ذنوب"

لا أعلم ما الذي استهواني لقراءة (هوامش كحل) هواية أم غواية ؟ أم الفضول في تتبع مَن يملك اعادة (ترتيب الجدار) واشكال المعنى .. من يتحكم بانزياحات النفس في مكامنها ليقودنا ضمن ايدلوجيته الشعرية للولوج في (صومعته) لنقف في فضاءات تتسع كلما ضاقت المفردات والتراكيب، الصومعة التي افرزت انبعاثات لغوية ومشاطرات شاعر يمتلك كل الادوات التي يستطيع من خلالها التحرك ضمن خطوط متعرجة، اذا / هو شاعر لا يعرف الهدوء، شاعر يتحرك في مضامين شعرية ضاجّة، انه الشاعر الدكتور (حامد الراوي) الذي لا ولن تستطيع سبر اغواره إلا بالاقتراب من كتاباته الشعرية، لتجد انساناً تتكامل لديه كل المفهومات والرؤى الشعرية ليس تحايلاً بل الملكة والموهبة التي انسابت من بين انامله لتغص بهذا الكم الهائل من المفارقات الذهنية والتناقضات التي ترسم خطوطا ً متناهية الصياغة الفنية وكأنني في ورشة رسم صغيرة في مساحتها .. كبيرة في نتاجاتها، تضخّ كل ما يجذبنا، الى عالم مملوء بالصخب والجنون :

وامتد المكان

واستثيرت قطرتان

رحل النهر الى ارض جديدة   "قطرة مطر"

انها خارطته التي لم تحدها إلا نقوشات فسيفسائية ورسوم حسية وصورة ممزوجة بالتحريك الذاتي، والتأمل والهرولة والتقصي وراء كل ما يبعث الاستثارة وأية استثارة، انها التي تزدحم فيه بمكانية تتسع من بؤرة مصغرة لعالم لا يرى فيه إلا مراوغات حياتية مخالفة لقوانين الطبيعة، لذا عمد (الراوي) الى: (امتد / استثيرت / رحل) هوس التدرجات الفعلية، هي نوع من التوصيف التخيلي الذي يشكل في اذهاننا انطباعات خاصة .

وعلى مشارف صمتهم

مدن

وكأنهم اذ يقبلون

غاب من الاحلام

بل وطن

يتسللون

ويرحلون ....   "هم"

انها رؤية باطنية لمخاطبة غائب تحددت معالمه في مخالطات ومتناقضات (مشارف صمتهم / غاب من الاحلام / يتسللون / يرحلون) ليكون الشاعر الراوي صورة لغائب ما، فاقداً لما لا يملكه، كي ينقل لنا صورة نوعية نادرة وحضور فاعل في تورطيات جلّ من يمتلك مفاتح دهاليزها ليغور في تحريكات منتظمة لإنسان غلواؤه (وطن) .

عبثاً

اعوذُ من البداوة بالحداء

وأوشوش الاشجار

كي يمتد عشبٌ في الكلام .... "ذنوب"

من بين ما يمتلكه الشاعر(حامد الراوي) هو قدرتة التامة على تطويع المفردة والتركيب وفسح المجال امام الامل والتفاؤل في التحرك ضمن شاعريته الرصينة، لأنه شاعر يحرك الساكن ويتحرك ضمن مجالات توافقية ما بين الخاص والعامّ، ويدوّر العبث في تثوير (البداوة بالحداء) انه يميل الى استخدام صيغة (افعلل) / (اوشوش) تلك الصيغة التي تبعث ارتياحاً نفسياً لدى المتلقي / القارئ او السامع، انها اشبه بدغدغة موسيقية تناغم الروح المتفائلة (كي يمتد عشبٌ في الكلام) .

بين الصوت وعينيك

فمن يقسم اني

ما زلت اشدّ على روح واحدة اجزائي

الخمر يمين الروح

وصلاة الماء

اقيمت فوق عراء ملتصق بسمائي

اذبح بين الزرقة والرمل

ويسلخ ظلي

ويغادرني كلي

فأتمم

يا هذا الملكوت الكامل

ادخلني ثانية مدخل صدق . " مائدة الجنون "

لا اعلم ما اقول إلا أنني اجد نفسي امام (شاعر رهبان)، استطاع بما يمتلكه من مخزون ثقافي ومعرفي رصين، ان يحشد ابتهالاته الصوفية بنسق تسمو فيه الروح وتعلو عن كل الصغائر، انه يسبر كل عوالمه التي تترفع عن الحسية ويلوّنها بهالة من الخشوع والرهبانية، ليغط ّ في مكاشفات لا تطرح نظرة جمالية فحسب بل مخاطبات موجّهة بقوة فاعلة بإطلاق صوته نحو (الملكوت الكامل) الذي تتصاغر امامه كل الاشياء ليبقى مثالياً على الرغم مما قد يشوبنا من منغصات حياتية، انه (الراوي) اشبه بدرويش يحمل مسبحته وهو يلتقط انفاسه من فضاءات السكون والطمأنينة خالصة بعلاقة بنيوية بين العالمين الحسي والمعنوي، يكون فيها الأول تابعاً للثاني على غير ما هي الحال عادة.

اضعنا الطريق الى موتنا

واختبأنا لكي لا ترانا الحياة

نخاف على مجد اسمائنا

ان نخونك في موتنا مرتين

أ كنت ترمم فينا نهاياتنا

لنزعم انا ابتلينا بإنصاف اعمارنا

كل نصف مكيدة

أ كنت ستلقي السلام على دمعنا

حين تبكي القصيدة ... " اضعنا الطريق الى موتنا " 

التجرد الذاتي من الانا والانغماس في (نا) المتكلمين، سمة طغت عند الشاعر (الراوي) الذي يسجل حضوراً دلالياً في تنشيط الصيغ الجمعية، من خلال هذا الضمير الضاجّ بالانفتاح النفسي المتفرد : (اضعنا / موتنا / اختبأنا / لا ترانا / نخاف / اسمائنا / نخونك / فينا نهاياتنا / لنزعم انا ابتلينا / اعمارنا / دمعنا) كيف لا يكون ذلك، وهو يقف امام عنوان لهويته الوطنية، تلك الهوية التي خضبت عراقيته بحناء المجد المطلق، هو يجد ذاته فيها : حياته / موته / اسمه / العمر الذي يمضي دون انقطاع، انها احتراقات في بودقة الحياة اليومية .

ليل الجنون تأخر

ليس في شرفة الجناس نعاس

كي تنامي

وتتركي العطر يسهر

ليس في خصرك النحيل بلاد

من غبار

لتنفضي العري اكثر ... "يهدأ الوقت"

ايّ ليل؟ وأيّ جنون يغصّ بالتأخّر؟ إنه الوقت الذي لم تزل رعشاته تتآكل في اجسادنا .. لينثر عبق ما يتطاير منه، وهو يمضي دون اكتراث، تاركاً بصماته فينا (نائمة / ساهرة)، تشرئب بمدلولاتها الذهنية المتنامية بخطابات مرسلة / ضاجّة بمرسلات غائية، حدودها مرسومة في عقلية الشاعر (الراوي) وهو بارعٌ في اطلاق العنان للصحوة التي تنفض الغبار عنها .. (الراوي) شاعراً لم يترك لنا اثراً كي نقتفي ظله، لأنه بارع - ايضاً - في تحديث ما ينظمه بروعةٍ وبراعةٍ، تنمّ عن فطنة وذكاء، وموهبة قلّ ان نجد مثيلاً لها فـ (هوامش كحل) هوس وجنون لشاعر عشق هاتين المفردتين، ليطبعهما في متن ديوانه .

 

حامد عبدالحسين حميدي – ناقد عراقي

برفقة (عشقائيل) ندخل رياض (أنقذتني مني) للشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي

hamid laftaمنذ سنوت وانا اتابع الشاعر والقمر السماوي الساحر يحيى وقد أحيا روح الجمال والرقة والانسانية عبر دواوينه ومجموعاته الشعرية حيث اعاد للمفردة العربية، التي كادت أن تتصحر لولا هذا النبع الدافق من الإبداع والموهبة الخلاقة للسماوي وقلة اخرى سواه من الأدباء العرب سواء في مجال الشعر او مجال السرد، مما أدخل الطمأنينة في نفس الكلمة العربية بعد ان أيقنت ان هناك من يرعاها ويداوم سقياها فيجدد شبابها ويعيد لها نضارتها فرحة ممتلئة بمعناها كما ولدت من رحم أمة العرب، أمة الفصاحة والبلاغة والجمال .....

قرأت عنه الكثير من الإعجاب للنقاد ومحبي الادب والثقافة عموما، مديح حد الإنبهار، بخلقه وشعره وتاريخه، كما اطلعت على بعض من نتف الذم والقدح والشتم حد الوضاعة والبذاءة، انا لا أقدس الشخص ولا النص ولكن ارى نسبة قدح السماوي لمدحه كنسبة البركة الاسنة بالنسبة للبحر، ولا شك ان لكل منا هفواته واخطاؤه، فليس منا المعصوم، الكثيرمنا المقهور المطارد المعذب المكلوم .... وللاضطرار احكامه وإلآ كيف يتقبل السجين وجبة الطعام في السجن من ايدي الجلادين .

....دواوينه تتكاثر كالزهور العطرة في رياض روحه المشعة حبا وجمالا، زادت على (24) مجموعة شعرية، فأنى لي ولغيري القدرة لتمثل هذا العطر اللامحدود وهذا السحر المشهود ليمسك بمعناه ومبناه ويقتبس من نور شعاعه ليضعه امام القارئ المتعطش للجمال من منابعه المتجددة التي لاتنضب، وجماليته التي لاتكتب، والجهود التي لاتتعب وهي كنثر نجوم البهاء والنقاء في عالمنا الذي طالت عتمته وتمادت قسوة غربته ....؟؟؟

 36-samawi

البيئة الطبيعية والاجتماعية للسماوة وأثرها على الشاعر

مدينة السماوة مدينة صغيرة غافية على نهر الفرات تلوذ به من ههجير الصحراء اللاهبة التي تمتد الى المملكة العربية السعودية، يقسمها النهر الى قسمين الصوب الكبير والصوب الصغير ومن ثم تتوالد الحارات والاحياء على الجانبين وخصوصا في جانب (الشامية) حيث الاحياء القديمة بينما كانت اغلب الاحياء الحديثة في الصوب الاخر من المدينة .فهي اذن تحمل النقيضين : خصب ونماء النهر وجدب وقسوة الصحراء .

كما ان المدينة كانت ممرا الى (نكَرة السلمان) هذا الحصن الرهيب الذي اشاده الانكليز وسط الصحراء خدمة لجيوشه الغازية للعراق بعيدا عن عيون السكان، يستعصي على من لايعرف المنطقة الوصول اليه او الخروج منه، لذلك حوله الحكام خدم الانكليز ومن تبعهم سجنا كبيرا لأحرار العراق في زمن الحكم الملكي ومابعده فذاع صيته السيئ في كل ارجاء العراق والمنطقة، فكانت قوافل السجناء تمر بمركز السماوة مواصلة سيرها صوب السجن المنفى، ومن أشهر قصص هذه القوافل قصة قطار الموت الذي سيره الفاشست بعد انقلاب 1963 محملا بالشيوعيين وأنصارهم ممن بقيَ حيّا ً صوب نكرة السلمان ـ رمز الموت وقسوة الحكام ـ وثمن مادفعه احرار العراق وخصوصا الشيوعين دفاعا عن سيادة الوطن ورفاه الشعب وحريته .

غلب على أهل مدينة السماوة الطابع البدوي عموما لأن أفواج المهاجرين او الغزاة البدو دائما مايقضون مضجع المدينة المسالمة ... يتميز هؤلاء السكان بطبيعتهم (اللقاحية) عدم توافقهم مع الحكومات في مختلف العصور، فكيف وان هذه السلطات ظالمة ومذلة وغاشمة تتعامل بقسوة ولا عدالة مع العراقيين جميعا ومن ضمنهم سكان السماوة .

النهر، والصحراء، القهر، وأفواج الأحرار المقيدة بالحديد، وطبع الرفض والتحدي، الذي توافق مع رقة الاحساس والفطنة كانت أهم الملامح البيئية والثقافية المحيطة بشاعرنا السماوي الكبير مما جعله يمسك بمفتاح الشعر كما يقول :-

(المفاتيح موجودة في الشارع ياسيدي ... إنها حياة الناس ... دموع الأرامل والثكالى .. الأمهات اللواتي أنضب القهر والعوز والرعب حليب الأمومة في أثدائهن ... الشباب العاطل عن العمل .... اللصوص الجدد الذين أقاموا امبراطورياتهم المالية في غفلة من الزمن ... سكاكين المحاصصة التي جعلت من العراق أرخبيل دويلات هشة ... اليانكي الأمريكي ... تنانير الخبز التي اتخذت من البعر والروث والسعف وقودا في وطن يطفو على بحيرة نفط ... العاشق الذي يخشى التجول مع حبيبته في حديقة عامة خشية من صاحب لحية كثة أفتى بجواز حزّ رقاب العاشقين ... الطفل الذي يختبئ تحت عباءة أمه كلما شاهد سيارة مسرعة) .

،انتصاره للعدالة وحبه لطبقته وابناء مدينته وبلده قادته الى تبني الفكر الثوري الماركسي في ريعان شبابه وكما قال لمحاوره :-

(هل يمكن أن يكون يمينيا ً القلب الذي يتمنى أن يصنع من نبضه نعلا ً لقدَمَيْ أمير الصعاليك " عروة بن الورد " ؟)

وفجرت في داخله موهبة الشعر وحب الجمال والكفاح من اجل الحرية، فكان يحيى السماوي الثائر الشاعر العاشق، حبيب العشاق والثوار والفقراء، طريد السلطات وهذا هو ما فجر لديه موهبة الشعر وهداه الى موضوعه وهدقه الشعري

(أحيانا ً أودُّ الصراخ بوجه طاغية أو محتلّ أو صاحب لحية مخضّبة بالديناميت استنكارا لفعل تعسفي ـ فتخونني الحنجرة .. وأحيانا تحاصرني رغبة جنونية للبكاء غير أن نضوب دموع عينيّ يحول دون ذلك ... وأحيانا تراودني الرغبة في ممارسة طفولتي التي لم أعشها بعد لكنّ وقار الرجولة المستعار يمنعني ... وأحيانا تستفزّ ورود الجمال فراشات مقلتيّ لكنّ الخشية من هراوة الحرس القبلي تحملني على خنق

فراشاتي خلف الأجفان ... وفي كل هذه الحالات : ألجأ إلى الشعر أو النثرباعتباره المعادل الموضوعي لذلك الإحباط بالنسبة لإنسان لايمارس حريّته إلآ على الورق) *

فالسماوي

غريد لا يصمت، مناضل لاينحني،قوي كالفولاذ، رقيق كالندى رأيته فر حاً، رأيته غاضباً

حزين

يلاعب الريح،يعانق

الضريح

طير حب يرقص على

حد

سكين

.

ارسل إليّ الشاعر الكبير ديوانه الجميل (أنقذتِني مني) موشح بإهداء رائع اكبر من همتي على النقد والقدرة على الفهم والسباحة في بحر جماله، من اصدارات مؤسسة (المثقف)

) في طبعته الاولى 2014، عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع، (122) صفحة من الحجم المتوسط، وغلاف باذخ الجمال والدلالة بريشة الفنان حيدر الياسري وبتصميم رائع للمبدعة (أمينة صلاح الدين) .

 

دلالة العنوان .......

للعنون اهمية كبيرة في فتح مغاليق المتن للمنجز الادبي، وهنا ياتي الإنقاذ دلالة تفاعل الاخر وإسهامه في فعل يساعد على خلاص من مازق حرج / او من خطر داهم، او من حريق او غرق ....هذا الفعل الانساني النبيل الذي يصل حد التضحية بالمال وبالروح احيانا دون طلب لمقابل انما لوجهِ انسان ٍ يشاركنا وجودنا الانساني الذي يتطلب التكافل والتضامن والمشاركة في السراء والضراء .... هذا في مجال الإنقاذ من خطر خارجي فكيف ان ياتي من ينقذنا من أنفسنا (أنقذتِني مني) كما هو عنوان مجموعة السماوي الشعرية، فما أنبل وأسمى وأحكم وأجمل ممن ينقذك من نفسك ؟؟؟؟

هذا العنوان دلالة كبيرة ومهمة حول متن المجموعة الدالة على الذوبان في بحر الحب والجمال والإيثار والسمو فوق انانية الذات للتماهي مع الحبيب مع الاخ الانسان مع المواطن لإنقاذه من الاخر ومن نفسه، انها أعلى درجات الانسانية المتفانية من اجل الغير .....

الشاعر يشاكس الزمن فيلوذ في ثنايا المطلق اللامحدود ليمنح لروحه عشبة الخلود خشية ان يسرقها ثعبان الوقت الذي يتربصنا عند ينابيع الارتواء ليطفئ نيران همّ الانسان الحياتي اليومي وهو يقاوم الفناء، هكذا يحلم الشاعر وهو يقضم (رغيف حلم في صحن اليقظة) ص5

وبعد ان يطوف في رياض جمال حوريته وهي تخلع (... فستانها الورد، فاعشى نور نهديها مرايا...) مقله .

وبعد ان يحصد التين والزيتون ويترع من انهار الجمال محتضنا حوريته المسحورة عشقا بفتاها، يطلب من الله صانع الجمال وباعث الخيال ان يكرمه خاتمته في بلاده الحبيبة ...

(ربنا ان قرب الحتف، فاكرمني بأنْ ألتحف الرمل الفراتيَّ وان يصبح عشقا مقتلي) ص12.

(سابيع كلي بالقليل !

من يشتري قلبي بمنديل

يليق بجرحِ حلاجٍ جديد) ص15

هكذا يدخل الشاعر مفتدي رموز الفكر والثورة والإيمان الصادق سوق المناداة، ليبادل قلبه بمنديل يضمد جرح كل حلاج مؤمن بحرية الذات وذوبانها بالمطلق الجميل... ينادي ويقايض كل ملذاته مقابل دوام العشق والسلام والود لكل البشر، متجولا بحرية القدرة الكلية ممتطيا (براق) الوسن ليسري من الارض اليباب الى ارض الحرية والسلام معلنا في باب رياض الفرح والخلود :-

(قد آن للمذبوح

ان تطوى صحيفة نبضه

ويُشَـيِّـعَ البستان جثمان الهديلْ !!!

فاكتب وصيتك الاخيرة

ليس غير ُ الصدق مفتاحاً

لقفل المستحيلْ !!) ص19.

الصدق هذا المفتاح السحري الذي اتصف به الأنبياء والرسل وكل صاحب رسالة انسانية، فذا المفتاح سيقفل باب المستحيل ليكون كل امر ممكنا ....

اي صياد هذا الذي به:

(من سمات البحر بعض:

زبد من مفرقي

والدرُ والمرجان في قلبي..

ومثل البحر يرضيه من الساحلِ

ماعون رمالْ) ص25.

للبحر حضور كبير في نصوص السماوي فهناك مايقارب (30) مفردة باسم البحر ومايشير اليه، وهذه دلالة توق روح الشعر صوب اللامحدود، صوب حامل الاسرار وكنوز الجمال ....رغم ان الشاعر يحبو ولم يشهد في شبابه الإستقرار على سواحل البحار مما يؤشر مدى تفاعل الشاعر مع بلدان المنفى في شرق وغرب العالم الذي اصبح مستقر الشاعر المطلوب راسه من قبل الديكتاتور وأجهزته القمعية ...

تحلم صنارته بصيد ثمين، تحلم بالحورية المشتهاة، تحلم بكأس من هديل ـ ورغيف من ظلال.

لكن صنارة الشاعر لم تفلح في ان تجلب إليه حورية البحر أو الكنز ثمين، إلآ باصطياد قصيدة

(ارفع الصنارة الآن.....

اجر الخيط...

صيدي اليوم في البحر

قصيدة ْ

وندى بلل روحي

ومواعيد بإسراءٍ

الى حيث يعود الحطب اليابس عشباً

وأزاهير جـديدة ْ !!؟؟) ص27.

فما اروع هذا الصيد، وما ابلغ هذا التشبيه بين صيد سمكة او صيد (قصيدة) ؟؟

هذا الصيد يتمناه كبار النفوس النقية التواقة للجمال بعيدا عن المكاسب المادية ليكسب عروسة الإبداع : الكلمة الجميلة المعبرة (القصيدة) فليس هناك ما هو اثمن ولا اروع بالنسبة للشاعر الشاعر اكثر من ظفره بقصيدة .

السماوي ينفخ من روحه في قصيدة العمود

يكاد القصيد العمودي ان يذوي في اخاديد الذائقة امام شعر التفعيلة وقصيدة النثر لأن ابوابه مفتوحة غير متمنعة على الفهم تعطي نفسها بسهولة ويسر للمتلقي .... ولكن القارئ يقف مبهورا امام بذخ المعنى وجمال الدلالة وسحر الصورة في قصائد السماوي العمودية كما هو في قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر فالسماوي ملكته ربات الشعر المفاتح الجوكر(master key(القادر على فتح ابواب كل بيوت الشعر فكان من ابنائها ربا للمنزل وليس ضيفا طارئا عليه...

فعند قراءتنا لقصيدة (شفتاك) ص29 نرى ضرورة ان نعيد النظر في حكمنا على قصيدة العمود

(جرحان لكن ينزفان شذاً

وندى فما احلى نزيفهما

....

ثغري وثغرك يامطيبتي

طفلان بالقبلات لهوهما

...

يتقاذفان اللثم ان زعلا

او يشتكي صمتا حديثهما) .

كأن شاعرنا الكبير يقول وان كانت قصيدة العمود قطوفها دانية للراغبين فان حلاوتها تغري القاطفين وان شكل صورها يسر الناظرين ويسكر الشاربين من بحيراتها الشهد فلا عيب فهيا الا ان قطوفها دانية ....

التحدي وتجاوز عدد السنين فالعشق دائم الحب لايحفل بما (يجوز ولا يجوز) ص25.

(لازلت في ريعان عشقي

فأجريني سادنا للخدر...

محراثا لتنور الشتاء..

ندى الورد الصيف..

ناعورا لبئر لذاذةٍ..

لي ما يجوز

ولا يجوز) ص26.

ما اجمله من توصيف ان تكون محراثا لتنور الشتاء ـ انه المتعة الدفء تأجيج حرارة الجمر، التشبع برائحة الخبز ووووو ما اجمل هذا الخيال وابلغ هذه الصورة التي لاتمر الا بخيال شاعر فطن تأمل المرأة أمه أخته زوجه حبيبته وهي تسجر تنور خبز الصباح ممسكة بمحراثها لتؤجج نيران التنور ليعطينا خبزا حاراً ناضجاً ....

الشاعر المبدع يمثل عتاب الحب كالملح بالنسبة للطعام، فلايطيب الطعام من دون ملح فما اجمل وما اشهى هذا الملح وما اطيب هذا العتاب ؟؟؟؟...

(بعض العتاب ضرورة للحبِّ

مثل ضرورو الملح القليل

ليستطاب به الطعامْ) ص42.

(شاخ الزمان

ولم نزل طفلين لهوهما حلال

ليس يقربه الحرامْ) ص44.

يبقى الحب النقي ببراءة الاطفال مهما طال الزمان وتراكمت السنين فالحب لا يشيخ

"اين الهروب؟

جميع ابواب النجاةِ من انفجاري

مقفلة ْ ؟

فخخت بالقبلات ثغري...

وارتديت حزام شوقي

يالتي

اضحت لبستاني الربيع السومريَّ

وجدولهْ

وصنعت من عطشي لمائكِ

قنبلة ْ !) ص46.

 

هل يمكن ان يكون الإرهاب جميلا ؟؟؟

..... نعم انه (ارهاب) الحبيب للحبيب المدجج بالقبلات والزهور والحنين والاشواق، فلا تمنعه قلاع ولا سواتر ولاتصده موانع ولا تردعه روادع انه الحب السماوي البتوليّ فأين المفر ايها الحبيب؟؟؟

يمر في عالم التمني والاغراء والامل للحبيب،فيكثر القليل ويعطي البخيل

(سور الكتاب جميعها

بُدئتْ

بسطر البسملة ْ !) ص48.

يستمر موج العشق دافقا، تحسه وكانك تركب

امواجه او تصطلي بحرارة اضطرام نيرانه في نص(تطهر) ص49.

تتسابق خيول العشق السماوي في مضمار سباق الشوق وتذوق شهد الشفاه ورحيق الرضاب، وخيولها ترادفت محملة بحلو الكلام وسحر المعاني ورقة المفردة...هل رايت الشمس تفرك اجفانها ؟ هاهو السماوي يريك ما لم تر...

(فركت اجفانها الشمس..

العصافير ارتدت اجنحة الضوء..

الفراشات استحمت برحيق الزنبقِ ِ

وأنا متكيء بعض على بعضِ!

امني بدخولي ناسكاً

محراب عشتار وراء الافقِ ِ) ص55.

اي عالم مبهج ساحر هذا الذي الذي يرسمه خيال الشاعر الشاعر المكلل بغار النبالة وعشق الانسان المتوج بتاج آلهة الحب والجمال التي اغراها بسحر مفرداته فأسلمته اسرار الغرام والإبداع فرياض السماوي تسكنها العنادل والعصافير والهدهد والحمام يحاوره البحر وسواحل الرمال وآيات الجمال، وانت تتجول بين نصوصه تشم عطر الزنبق والنرجس وشذا الرياحين وطعم الرضاب المشتهى محمولا على اكف الفاتنات وحواري البحر .....

السماوي يسقيك كؤوسا من دنه الذي لاينضب، يسكرك ولكنه ينشّـط ذاكرتك وينعش خيالك، يديم انتشاءك ويصقل وعيك، فتغتسل روحك في نهر الجمال للتخلص من نفايات القبح المعاش ..

(على شفا رغيف من التنور) ص55.

(قاب نهديك من الثوب وأدنى

اخر النبضِ بكأسِ

الرمق ِ

فاهطلي – ناسكة اللذةِ- دفئاً

في شتاءات المنافي

ولهيبا ضاحك الجمر

عسى يطفحُ نبضاً دورقي!) ص59.

وكعادته يغترف السماوي الكثير من الموروث القرآني والتراث العربي الاسلامي لتسبح في بحره الساحر مفرداته ونصوصه الشعرية، خصوصا وان الشاعر ضليع باللغة العربية فأحبها وأحبته فأعطته كل كنوزها من بلاغة ومجاز وتشبيه ووو، كما انه ارتوى من الموروث الاسلامي وخصوصا النص القرآني الذي يتمثله في اغلب نصوصه كما في النص اعلاه (قاب نهديك من الثوب وادنى) .!!!

وكما قال الشاعر الكبير رسول حمزاتوف :-

(شيئان في هذه الحياة يستحقان الصراع, وطن حنون وامرأة رائعة) .

بالنسبة للمرأة الرائعة نرى ان السماوي قد ظفر بها وقد شهد بذذلك في عدة مناسبات، فأم الشيماء خير النساء، اما بالنسبة للوطن الحنون فانه محنتنتنا جميعا ؟، فالعراق حنون وحبيب ومعطاء ولكنه مختطف اما من قبل الاستعمار الغاشم او من قبل عملائه، او من قبل ديكتاتور احمق احرق الاخضر واليابس وشرد احراره وابنائه المخلصين او ينصب على السلطة شلة من الجهلة والفاسدين !!!!

(حالي كحالك:

لم يخني النهر

لكن

خانني نذل بفردوسي

وبستاني الظليلْ

فاشهد على عقد الاله قران مائدتي

على نهري البتوليِّ الشذا والزنجيلْ) ص66.

صُدِم الشاعر الإنسان باستحواذ احد معارفه على داره وبستانه ومكتبته، حيث استأمنه عليها مضطرا بعد هروب من ملاحقة السلطات الفاشية وقد ترك هذا الفعل الخياني المشين جرحا عميقا في روح الشاعر لا لانه فقد منزلا او كتبا فحسب، انما هو جرح في ذات الانسان التي يريد لها الشاعر ان تكون امينة نقية صادقة ....

(مصيرك حبي) .

الواثق في حبه، بقوة الجمال والزهور والربيع،فمهما بعد الحبيب فلن يكون ابعد من الهدب عن الجفن، يطرزها بحكمة جميلة بجمال السهل الممتنع...

(قدر الأفياء مهما بعدت عن غصنها

ختم الرجوعِ !) ص68.

روحان يتكاملان، كل يكمل الاخر ليتربعا على عرش (مملكة القبلة) ص69.

يستمر السماوي ينثر نجوم البهجة والفرح وباقات زهور العشق في كل مكان، انه العاشق الذي لايكل ولا يمل فلا حياة بلا عشق، نهر غرام السماوي دافق دوما، جارف الجريان صوب بحر الإنسانية حيث السلام والوئام والعدالة حيث لاقهر ولا ظلم ولا غدر

وهو القائل:-

(: حين ينحسر نهر الدم الانساني المسفوح هدرا، وحين تشيع ثقافة المحبة لا ثقافة الحروب العبثية والضغينة ـ وعند ذلك تغدو الحياة نفسها قصيدة شعر) .

(واهجري ليلة واحدةً

وابتعدي عني

ابتعاد الشفة العليا عن السفلى

وبُعد الحلمة اليسرى عن اليمنى

واهدابك عن جفنك

او ابعد من ذلك

كالبعد الذي يمتد

من مئذنة النهد الى

محراب خصرِ) ص76.

تغريدات عشق حد الإيروسية المحتشمة الجميلة التي تميز بها السماوي والذي يقول فيها :-

(رأيي بالشعر الايروتيكي أنه شعر صادق وحميم) .*

،انه رد على قساوة الحياة وتصحرها في بلده وفي عموم العالم حيث الكراهية والحقد والحروب الاهلية والطائفية التي ترعاها داعية الديمقراطية في العالم (الولايات المتحدة الامريكية) قائدة الراسمال العالمي . فبالحب وحده يمكن بناء عالم مسالم عادل مرفه .. والشعريمكن ان يعبر ان احلام الانسان، فالشاعر حالم، وكل اماني الانسان تبدأ في حلم حيث يقول السماوي في الشعر:-

(الشعر لايُسقِط نظاما ولا يُنبِتُ فسيلة ـ ولكنه أيضا يبقى ضرورة روحية تُسهِم في تجميل الحياة أو التقليل من ثقل صخرة الهمّ ... صحيح انه شكل من أشكال الحلم ـ لكن الصحيح أيضا أن كل المنجزات العظيمة التي حققها الانسان كانت يوما مجرّد أحلام ... وربما هذا ماكان يقصده موريس ميترلنك في مسرحية العميان: "أنا لا أبصر إلا حيث أحلم") .

(عطـــــــــش) ص79.

تواصل هديل الشوق والعشق

(فان نون نبوءتي لاتستقيم

بغير كافك) .

قوة اليكن، حبيبي اطعني تكن مثلي تقل للعشق كن فيكن، هكذايتمثل السماوي السور القرآنية في نصوصه فتكسبها قوة البلاغة وسحرا وتاثيرا في النفس ...

المتضادات، المتقابلات، المتناقضات .. المفضية الى رياض الورد والحب، والنهر الضاحك والظل والغصون

(اشك ان افهم لولا خبز تنورك معنى

"سورة الماعونْ ") ص84.

 

(التنور)

للتنور حضور كبير في نصوص السماوي، كيف لا وهو مانح الرغيف الحار المشتهى المعجون والمعد بأيدي الام الحنون والزوجة الوفية

(تفاحة الفردوس الارضي) ص85.

(ماحاجتي لكنوز "قارون"

ومخدع "شهريار"

وملك هرون الرشيدْ ؟؟

الشاعر الروح العاشقة تزهد بكل ملذات الدنيا من المال والجاه مقابل بسمة من حبيب ...

السماوي المحب الشاعر المتسامي عشقا يضيف الى ملائكة الله ملاكا جديدا شقيقا (لجبرائيل وميكائيل وعزائيل ...) اسمه (عشقائيل) يبدو ان الإله ايل خلفه ونساه ليعهد برعايته الى اله الشعر (السماوي) الذي اوكل اليه مهمة رفع اطراف فستان العناق لحبيبته !!!!!

(رايت "عشقائيل" خلفك

رافعا اطراف فستان العناق ْ)

ليتلو الهدهد من كتاب العشق البتوليّ ايات من الحب والعشق

(ان يجعل الحقد الحمامة

والظباء كواسراً

فالحب يفضي بالذئاب مدجنة ْ) ص91.

تبدو العديد من النصوص للمجموعة تصب في نهر واحد هو نهر الحب والعشق والغرام الى حد التطابق حتى في الاسلوب كما في(ربيع على سعة الفصول) ص71و(اختبارات) ص93.

تناظر النصين من حيث المضمون، ليثبت استحالة هجر الحبيب لحبيبته

(حاولي

ان تكفري يوما بعشقي...

وبتيجان غروري

كلما ازداد بمحرابك ذلي

وخضوعي

لترى

كيف سألقي :

بمراياي الى البحر...

وازهاري الى النار...

وللريح شموعي !!!) ص97.

يستمر شدو الغرام على ناي الشاعر الموله بحب الحياة والجمال رغم المنفى وألم الغربة والفراق

(انني الخائف مني) .

(فاحيطيني بسور

من زهور اللوز والتفاح في وادي "طوى" العشقِ..

دعيني اطبق الاضلاع والجفنِ

عليكِ

لاكون العاشق الموعود بالفردوسِ

والمولود بعدالموتِ

فيكِ)

وكذلك في

(يقيـــــــــن) ص101

حيث لا مفتي فوق فتوى القلب العاشق، فالحب والعشق متجاوز دائما

(في العشق

لافتوى تطاع سوى فتاوي القلبِ...

لا فتوى الخليفة والقبيلة

والامامْ

قلبي إمامي في الهوى

وخليفتي العدل المطاع اللايرد له

احتكامْ

*

كوني كما الانهار ...

لاتتلفتين الى الوراء...

ومثل طبعي

لا انامْ

إلآ لأحلم بالغد المامول

حيث الحب خبزُ للجميع

فلا مضيمٌ في المدينة

او مضامْ) .

ما اروع وابدع هذا الحلم الانساني الكبير الذي يحلم به كل انسان حر يتمنى رفع الضيم عن كل البشر والخبز معنى الخلاص من الضرورة للجميع، متسلحا بالامل حيث السعادة والرخاء

(سب العتمة) ص107.

(لاعيب في الشمسِ

ولا العيون

والدروبْ ..

العيب في القلوبْ)

نعم ايها الكبير هو العيب عيب القلوب الحاقدة والقلوب الساعية الى الشر والهيمنة والإستحواذ على الثروة والجاه ......

 

(ايها الطاعن في العشقِ) ص109.

(ايها الطاعن في الغربة والحزنِ

جليس اللا احدْ

يانديم القلق الوحشي ...

ناطور الاماني..

ونزيل اللا بلدْ)

هم المتشرد العراقي في المنافي البعيدة بعد ان اصبح هواء وتربة وسماء وطنه حراما عليه فقد صادرها الديكتاتور لتكون حكرا عليه وعلى زمرته من الفاشيين والانتهازيين والعبيد الخانعين خونة الشعب والوطن، محظورة على الاحرار عشاق الحرية والعدل والسلام، هذا ما عانى منه الشاعر الثائر الذي شارك شعبه في انتفاضة اذار المجيدة ثورة الشعب التي غدرها الغادرون وأساء اليها الغلاة والمتأسلمون......فكان اول شاعر يدعو في شعره لرفع السلاح بوجه الديكتاتورية كما ذكر ذلك الناقد علي الفواز في مداخلة له اثناء الاحتفاء بمجموعته (انقذتني مني) في مقر الإتحاد العام للادباء والكتاب بمناسبة فوزه بجائزة جبران " خليل جبران العالمية "

كان اول شاعر عربي وحتى عراقي يصدر ديوانا يدعو فيه الى الكفاح المسلح ضدالإحتلال

(كأس من زفير) ص112

(ذنبي كبير

مر ليل كاملٌ

من دون لثم قرنفلِ الشفتين

والياقوتتين

ودون تمشيطي جدائلك

الحريرْ) ص112.

هذه هي الروح الفياضة بالحب والرقة والمشبعة بالعشق والرقة، التواق دوما للثم قرنفل الشفاه لحبيب فارقه ليلة بكاملها!!!

(صدقةِ) ص116

(غربتي لم تبق لي من دفتر الايام

ا لا ورقة ْ!

ومن الحقل الفراتيّ

رماد الشوك والدغل ِ...

ولي من بيت مال النفط

"لام" الشفقة ْ)

هذه لام الشفقة (حرف اللام مهمل فلا ينطق في كلمة الشفقة لان الحرف الذي يليه الشين، من الحروف الشمسية) .... هذا نصيب المواطن العراقي من الثروة الهائلة من الذهب الاسود وماسواه، مقدار ضئيل جدا يقارب اللاشيء او المهمل والزائد من قبضة الحاكم المهمين على الثروة والسلطان .

(شهقة ضوء)

(الهوى كالحرب

قد يدخلها المارق والمنبوذ

والمرتزقة ْ

والهوى كالنار

قد تنجب للجائع والصحن رغيفا

او تحيل الصحن والجائع

بقيا جثةٍ محترقة ْ) .

السماوي من طبعه ان ينثر الحكمة في سماء البشر جميعا، وها هو ينير سماءنا بحكمة الحب والحرب والنار بين رغيف الخبز وفرن الحرق ......كيف وانت ابن القروية الطيبة وابن بائع التفاح والبرتقال (انا ابن أمٍ قروية وأبٍ كان يبيع التفاح والبرتقال على أرصفة المدينة لا ادري كيف حبوت على رصيف الشارع) .

سلاما لروحك ايها الكبير سلاما لجمال حرفك سلاما لطريق نضالك وانتصارك للفقراء والمعدمين سلاما لرفعتك وحبك الحرية ايها الرقيق،،، عذرا ايها الكبير فقد دخلنا روضك زحفا على معاني الصدق والمحبة وعلى عكاز الوفاء والإعجاب فلربما خدشنا جمال زهرة او قسونا على شذا ريحانة او اقتحمنا خلوة هدهد او شوشنا لحن عندليب، او تطلعنا الى سر حبيب واشتركنا معك في نزهة على ساحل بحر، فإغراء الجمال الباذخ والخيال الواسع وحلاوة المفردة وسحر المعنى لايقاوم مع فائق شكرنا (لعشقائيل) وصحبته لنا ليدلنا على ينابيع الجمال ومنارات الحكمة والفرح في (جنة) سيده السماوي

للاطلاع: أنـقـذتِـنـي مـنـي للشاعر يحيى السماوي

http://almothaqaf.com/index.php/publications2009/880948.html

 

...................

- مقتبسات من الحوار المفتوح مع الشاعر اجري في موقع (المثقف) .

 

رواية سلالم النهار(2): هل العربي كائن جائع لا يعرف الشبع؟

alkabir aldasisiبعد الجزء الأول الذي حاولنا فيه تقديم رواية سلالم النهار للروائية الكويتية فوزية شويش السالم، وبعض القضايا المحلية المرتبطة بالخليج والكويت خاصة،التي قاربتها الرواية، نعود اليوم كما واعدنا القارئ للوقوف على فكرة حاضرة بقوة في الرواية، فلعل قارئ رواية سلالم النهار يفاجئه تركيز الرواية على الجوع، جوع تعانيه الذات العربية من خلال أبطال الرواية، وهو جوع مادي ومعنوي جوع ساكن في الأعماق، يجعل العربي لا يفوت أي فرصة تتاح له لإشباع جوعه ونهمه، فتعدد مظاهر تلميحات الكاتبة لهذا الجوع ووظفت معجما غنيا لوصف هذا الجوع وتلويناته ومن تلك الأوصاف الواردة في الرواية: الجوع المادي، الجوع المفترس، الغول، الجوع الأزلي، الجوع السرمدي، الجوع الهائل، الجوع المبيد، الجوع العاصي والعشرات من مثل هذه الأوصاف ؛ حتى أن الساردة خصصت فصلا لهذا (الغول الساكن بي) وجعلته أطول فصل في الرواية ب22 صفحة (من الصفحة 163 إلى الصفحة 185 ) مبرزة أن هذا الجوع ليس مقتصرا على جيل دون آخر فالأم و الأخوال والأعمام والجدتان لكل جوعه الخاص، ومن تم فالعربي غنيا كان أو فقيرا، ذكرا أو أنثى، صعير أو كبير، من خلال الرواية، يسكنه الجوع، وإن كان جوع الفقير مبررا فإن القارئ من حقه أن يتساءل عن سبب جوع الغني.. ويجد نفسه يتساءل معنا : لماذا أسرفت الساردة في الحديث عن الجوع في مجتمع إسلامي يمكن للإسلام أن يوفر له عنى روحيا، كما يمكن لموارده المالية الموفورة أن تجعله يعاني تخمة غذائية ومادية؟؟

عند قراءة الرواية يتضح أن فوزية شويش السالم قد بالغت في الحديث عن الجوع الذي تعانيه معظم الشخصيات وخاصة البطلة فهدة التي تحكي معظم أحداث الرواية.. ورغم تعدد مظاهر هذا الجوع فيمكن التمييز فيه بين نوعي كبيرين، جوع مادي، وآخر معنوي

الجوع المادي وهو جوع الحواس، الجوع للأكل والملبس ومن خلاله قدمت الرواية البطلة كأنها وعاء لا قعر له نستمع إليها تصف هذه الحال النفسية الغريبة وتصف كيف تحاول ملأ حياتها (بالتسوق وشراء أي شيء تراه عيناي في الفترينات البراقة المغرية، أشتريها بوعي أو من دون أي وعي مني سواء كنت بحاجة إليها أم لست بحاجة إليها أجدني اشتريتها حتى من دون أدنى تفكير أو سؤال في معنى الحاجة إليها) أي شيء يدفع إنسانا إلى مثل هذه السلوكات ما لم يكن يعاني من جوع في الأعماق، يجعل لا يشعر بالشبع، جوع قالت فيه الساردة (جوع ... جوع هائل يقذفني في كل الاتجاهات)[1] هذا الجوع المطلق جعل من فهدة كائنا مستهلكا نهما له رغبة في أكل والتهام كل شيء وهي القائلة (أريد أن ألتهم كل شيء بإمكاني الحصول عليه من أكل وملابس وأحذية ومجوهرات وإكسسوارات وأدوات ماكياج وزينة)، البطلة التي تقول هذا الكلام تعيش في بحبوحة، طلباتها مستجابة، حاجياتها موفورة وغرائزها مشبعة، ومع ذلك لا يفارقها هذا الإحساس لأن الجوع ولد معها، بل لقد سكنها الجوع قبل أن ترى النور، فكان الجوع فيها متأصلا مذ كانت في رحم أمها، وبذلك أقنعتها عائلتها بعدما أوهموها أن نهمها كان السبب في أكل رزق أخيها التوأم في الرحم، فخرج هو ميتا، فيما ولدت بنهمها و هي التي كانت تقتات على أكل مؤونته، وقد باركت العائلة فعلها واختاروا لها اسم فهدة لافتراسها غذاء أخيها، تقول الخالة (صيته): (لو كان فيه خير ما خلاها تتغذى عليه) إنه منطق القوي في مجتمع الجوع فيه متأصل، فظلت فهدة طيلة حياتها لم تعرف يوما شبعا وإن عرفته يوما فإنه يظهر في صورة (الشبع المخاتل الذي لا يلبث أن يظهر في صورة شره مهاجم، شبع كاذب لجوع بلا قرار )

كانت البطل تعرف ذلك وتعترف به وتتساءل كيف يمتلئ من ليس له قرار؟؟ ما دامت تشعر أنها (مطاردة بهذا النهم لجوع لا يعرف أن يشبع)[2] فرغم توفر المأكولات والمشروبات كانت فهدة تشعر بجوع لا ينطفئ لديها لهفة للأكل (كنت آخر من يشبع، وآخر من ينهض ليغسل يده، وأول من ينقض على صينية الطعام ) وكانت حائرة في معرفة سبب هذا النهم، حتى أضحى وسواسها اليومي، تقول متسائلة ( هل كان الجوع بسبب أن الطعام كان غير كاف لعدد أطفال أكثر ممل يجب أن يكون؟ أم أن الجوع حالة ليس لها علاقة بقلة الطعام أو بكثرته؟ لم أفهم أبدا طبيعة هذا الجوع وسره ومصدره وأسبابه الخفية..)[3] لم يكن جوع فهدة جوعا طبيعيا ينتهي بإشباع المعدة، وإنما كانت تشعر به جوعا دائما لذلك   تسميه (هذا الجوع السرمدي... جوع مرتبط بعنف غامض يهز البدن هزا .. يحرك شبكات الخلايا والأعصاب الكامنة في الجسد لتستيقظ دفعة واحدة للانقضاض على هدفها..) ولم تكن الوحيدة في هذه الحال، بل حاولت الرواية إبراز أن هذا الجوع حالة عامة يعانيها الإنسان الكويتي والعربي عامة، معتبرة الجوع هو مهيج العلاقة بين فهدة وضاري تقول الساردة : (كان هذا الجوع هو جوهر انجذابنا .. مغناطيس العلاقة بيننا ..نداء خفي وضار كل منا يريد أن يشبع فيها جوعه )[4] وكانت علاقتهما الجنسية (حالة من التماس والاحتكاك والافتراس المتبادل للوصول إلى إحساس من الارتواء التام وامتلاك الشبع) [5] إنه جوع متبادل، لا يرى كل في الآخر إلا وسيلة لارتواء عطشه، وإشباع جوعه، ويسعى كل طرف من الزوجين لأن يستفيد من شريكه أكبر ما يستطيع: (كل منا... يريد أن يقتلع من الآخر كل ما يستطيع أن يسد به جوعه اللانهائي، جوعه المبيد لكل حرث في الأرض، أن يفترس حتى ينتهي ويقفل جوعه بؤرة جوعه الأبدي)[6] وكل واحد في الرواية يحمل (جوعه الأزلي بلا قرار ولا قاع)، وإذا كانت الثقافة، التراث والحضارة والوعي الجمعي هي ما يوحد ابناء الوطن الواحد ويجعلهم شعبا، فإن الرواية تعتبر هذا الجوع المادي هو ما وحد بين الأبطال وجعلها متشابه في الوسائل والأهداف فوحد طبائعها وسلوكاتها وكل ما فيها :( تشابهنا الأساسي منبعه الجوع الحسي الذي فرض صبغته العنيفة على كل ما فينا). فأثر ذلك الجوع في تصرفاتها ومواقفها تقول الساردة:( حالة الجوع والافتراس والعنف هذه انعكست على كل تصرفاتنا )[7].

إن الرواية تجعل من أبطالها حالة جوع مستعصية على الشبع، إذ من الصعب أن يشعر من كبر في الجوع،وعضه الزمن بأنيابه في الرحم والمهد، بالشبع، فتوفر الموارد حاليا لم يزد النفس إلا نهما لنستمع إلى فهدة تتحدث عن جوعها وافتقادها للشبع : (الشبع الذي كنت أفتقده طول حياتي المستعرة بالجوع جوع حاصرني منذ الصغر منذ خطوات الطفل الأولى ومن إدراكه للفطام من أول درجات الحرمان.. جوع يكبر ينمو يشب تظهر له أنياب وعضلات.)[8]

أن الرواية تبرز الجوع ظاهرة لم تجد البطلة سبيلا للتخلص منها، وعيها يدعوها للتخلص منه لكن استعصى عليها الإفلات من قبضته، واستسلمت له بعدما أصبح مرضا مزمنا ( جوع لا طريقة ولا علاج ومسكنات ومضادات تردعه جوع يخرج من ثقوبي ومن مسامي ومن حواسي كلها )[9] هذا الجوع لم يكن له من علاج في نظر الكاتبة سوى الموت، ولا يشفي منه إلا الفناء، فكان موت ضاري سببا في شفاء فهدة من هذا الجوع المادي : مات ضاري في غمرة نهمه وسيعيه لإشباع جوعه الجنسي فكانت وفاته فوقها في قمة الشبقية سببا في إشباع غرائزها و زهدها في الحياة ولم تعد الغرائز ولا الشهوات ولا الملذات تثيرها وتحرك رغباتها، هكذا كانت وفاة ضاري، وإنجابها لابنها سببا في شفائها من الجوع المادي

بالموت اكتشفت فهدة أن هناك جوعا أكبر، و هوته سحيقة، هو سبب كل تلك الأنواع الأخرى، إنه الجوع الروحي وعلاجه داخلي لا يتطلب أموالا ولا وسائل مكلفة، علاجه الإيمان والصلاة، وأن الغنى الحقيقي غنى النفس ( وذوبانها التام في الفيض الإلهي من دون وسائط كانت أو اتصالات)[10]، فتجلى لها أن الجوع الروحي كان سبب كل تلك الأنواع الأخرى من الجوع، لأنه (أبعد من جوع المعدة التي ألقمتها بالغذاء، وأبعد من ارتفاع هرمونات الأنوثة التي ألقمتها بالمضاجعة)[11] لذلك لم تجد السارد شيئا لتصف به هذا النوع من الجوع سوى قولها ( الجوع المفترس الغول الساكن بي .. للأبد في حواسي وفي أطرافي ومجساتي كلها الجوع الذي كان يختطفني في الليل والنهار ويتعاقب على افتراسي في أي لحظة وفي أي مكان )

يتضح من خلال الرواية أن فوزية شويش السالم تتغيى التذكير ببعض القيم التي غذا العالم العربي الإسلامي يفتقدها، مؤكدة أن الجوع المادي وإن (كنت لا أعرف كيف أداويه وكيف أشكمه وكيف أشد له اللجام ) يبقى لا شيء أما الجوع الروحي وغياب القيم الروحية القائمة على الإيمان، القناعة والزهد، وغيرها من القيم التي تهزم الشهوات وتعيد للذات توازنها واستقامتها، ويغنيها عن الجري وراء ملذات زائلة .. والرواية في مسعاها تريد تأكيد تفوق الشرق على الغرب، والطبيعة على الثقافة، والإيمان على العقل والروح على الجسد إذ قدمت ضاري أنسانا مثقفا عالما بالفنون والعلوم عارفا بمختلف الأشكال التعبيرية سائحا جوالا منفتحا على كل الحضارات والثقافات مقنعا معقلنا مغروما بالجسد يسكنه جوع الملذات والجنس .. لكنها اختارت له نهاية مأساويا وتخلصت منه وقتلته منغمسا في الشهوة، مقابل ذلك سافرت بزوجته إلى ما تعتبره الصفاء الروحي، والحب الحقيقي، حيث (يطير الرأس عن الجسد من شدة العشق والهوى، دونما اهتمام بالجسد فلم تعد في حاجة إلى إظهار زينتها لحبيبها الجديد (الله)

كان منتظرا أن يشبع الإيمان البطلة، لكن هذا التوجه الجديد أذكى فيها جوعا آخر، إنه جوع جلد الذات، وقتل الموهبة وحرمان الجسد.. تقول ( أخفيت جسدي كله وضاعت كل تضاريسي وموهت معالمي،في ظلام خيمة تخب بي .. أسدلت الغطاء على شعري ورقبتي وكفي ولم يظهر مني إلا بؤبؤا عينين يطلان من شق النقاب الساتر لوجهي)[12]

وإذا كان الاعتقاد واللباس أمورا شخصية وللكاتبة الحرية في اختيار النهاية التي تريدها لأبطالها فتقتل من تشاء وتهدي من تشاء فإن غير المفهوم في الرواية هو اعتبار الحمل في أطار زواج شرعي ذنبا ظلت البطلة تحاسب نفسها عليه، وظلت في نهاية الرواية تردد عبارات مثل (الشعور بالذنب يصاحبني) ( إحساسي بالدنس يدفعني لتغطية جسدي)[13]، الشعور بالدنس دفعني للاختفاء والاختباء خلف سدل الأقمشة المخيطة لإخفائي) وفي مثل هذه المواقف ضرب لكل القيم الدينية والقانونية، فلا قانون أو شريعة أو عرف يجعل المرأة تعتبر الحمل من زوجها ذنبا تحاسب عليه نفسها بعد وفاته، وكان من الأجدر أن تعتبر الابن نعمة ...

هذا والرواية تكرس فكرة تشييء، فقد كان منتظرا أيضا أن يرفع الإيمان بالمرأة إلى مراتب القديسات لكن الرواية على امتدادها ظلت تكرس دونية المرأة واعتبارها مجرد تابعة للرجل يفعل بها ما يشاء، فقدمت فهدة لعبة في يد زوجها لا حول ولا قوة لها أمام غرائزه وميولاته، وفي نهاية الروية فتنة يجب سترها وإخفاء مفاتنها بل تجعلها لا تستر جسدها عن قناعة وحبا لله وعملا بشرعه، وإنما مجرد هروبا من عيون الرجال، تقول فهدة بعدما تحجبت وتنقبت (أنا لا أتنقب كي لا يرونني لأنني في كل الأحوال ماثلة بهم في خيالات غرائزهم التي لا تبرد ولا تستريح ولا تهدأ لكنني أحمي جسدي من محاولة اختراقات شهواتهم الحسية التي تحملني ذنوبا لم أرتكبها)[14] وهي صاحبة شهادة جامعية وتكوين أكاديمي، لكن الرواية أصرت مع سبق الإصرار والترصد لأن تقدم بطلتها جائعة تائهة و(التائه يجد الملاذ.. يجد ما يسد جوعه، الجوع الدائم المهاجم الذي لا يشبع لم يكن مصدره جوع الجسد. كان جوع الغائب فيه هو جوعاً آخر خفياً سرى له ممرات ومسارات أخرى .. لا يتصل عبر الجسد، ولا من خلال الحواس، كان في مكان آخر، لا يتم التواصل معه عبر الغرائز ..الوصول إليه لا يتم إلا عبر جسر الإيمان وحده..الإيمان هو ما كان ينقصني، ما كان ينقص جوعي الدائم.. جوع الروح كان جوعي. ) [15] لتعتبر بذلك حياتها سلسلة من الذنوب والدنس، وتحاول بكل ما استطاعت تجنب ابنها الوقوع في وساخة ودنس الدنيا وجوعها.. لكنه انتهى إلى التيه بين عوالم متناقضة : عالم الأسياد الأغنياء، وعالم المسحوقين الفقراء وعالم الزهد الذي تسكنه أمه وكل يحاول جهد المستطاع جره إلى عالمه .. لكن بعد مرحلة من التياهان رسم لنفسه طريقا خاصا رافضا عالم أمه المتطرف وإن لم يواجهها برفضه فقد كانت أسئلته متضمنة لموقف الرفض وكلما حاولت إقناعه بوجود الله ومراقبته لحركات وسكنات عباده سألها أسئلة مثل ( هل الله مشغول بعقولنا إلى هذا الحد؟ هل الله هو الرب الذي سيشوينا بالأسياخ الحامية؟ هل كان شواؤنا هو سبب العبادة، فهل هذا هو سبب كافي للعبادة؟ ... وفي نهاية الرواية نجده يصرخ متوعداً بأن يأتي في شكل فايروس قادم لينتشر ويتفشى بكل الفاسدين الجائعين أمثال عمه وخاله لتقدمه الرواية في صورة المنقد الموعود، المسيح المخلص، المهدي المنتظر الذي يعتقد أنه سيملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا، وربما يقضي على هذا الجوع الساكن في أعماق العربي،لا هم له إلا تكديس الثروة خوفا من جوع المستقبل، فقد كان حمل أمه به مؤشرا على هدايتها وتخليها على حياة الترف والبذخ وكذلك تبشر به نهاية الرواية القادر على (إعادة التوازن لحياتكم والذي سيحقق منطق العدالة بينكم ) [16]ا

يبدون من خلال هذه الرواية إذن أن كتاب الرواية الشباب من الخليجيين يسيرون على خطى عبد الرحمان منيف في كشف عورة الخليج، وأن اقتحام نون النسوة لغمار الكتابة الروائية الواقعية قادر على سحب البساط من تحت أقدام الروائيين الذكور ؛ فبدل التركيز على المظاهر الخادعة،، كالمباني الشاهقة، والشوارع العريضة الواسعة والقيم الساذجة ... غدت أقلام كتاب الرواية الخليجية المعاصرة تركز على بعض القضايا المؤلمة كالطبقية و مشاكل المهمشين وخاصة مشاكل البدون التي تتفاقم يوما بعد آخر وما يتناسل عنها من مشاكل الزواج السري، أطفال الشوارع، الدعارة، تعليم أبناء البدون... وهي مشاكل في تفاقم خاصة إذا أضيفت إليها مشاكل العمالة وتهريب البشر وصعوبة الاندماج في مجتمع طبقي، وحتى وإن انفتحت الرواية في عدة مشاهد على ثقافة الاستهلاك والبذخ فإن ذلك وظف لتصوير التفاوت والطبقية والتفاوت الطبقي في المجتمع الكويتي مما جعل الرواية تنبني على القابل بين عدة ثنائيات متناقضة الجوع/الشبع، الفقر/ العنى، العرب/ الغرب، الجسد/الروح، نحن/ الآخر....

يتبع ...... انتظرونا في الجزء القادم حول الجنس في الرواية من منظور المرأة الكاتبة/ الساردة

 

ذ.الكبير الداديسي

..................

[1] - ص – 60

[2] - ص – 73

[3] - ص – 73

[4] - ص – 74

[5] - الصفحة نفسها

[6] - ص – 75

[7] - ص – 75

[8] - ص – 163

[9] - ص – 163

[10] - ص – 188

[11] - ص – 164

[12] - ص – 193

[13] - ص – 193

[14] - ص – 195

[15] - ص – 149

[16] - ص – 258

لا ينتج (التناص) غير المشروع والمسروق عملاً إبداعياً

faruq sabriقبل فترة قريبة نشر رأيان في جريدة المدى حول مشروعي "المنودراما التعاقبية" الثاني للفنان الكبير سامي عبدالحميد الذي سرد معلومات ووقائع عن العرض المنودرامي متوقفاً عند (تنظيرات (فاروق صبري) حول ابتكاره لما سماه (المونودراما التعاقبية) وتنظيرات (ميثم السعدي) حول ما سماه (المونودراما المزدوجة) وهنا أريد التساؤل هل قرأ أستاذنا عبدالحميد نص مشروعي بدقة !!؟؟ لأن مثل هذه القراءة المعرفية وهي ديدن استاذنا ستجعلة كشف الأصيل من المزيّف ، المسروق وخاصة لو شاهد عرض المدعو السعدي المصوّر من على مسرح بجاية-الجزائر..

وكنت أتأمل منه اولا أن لا يضعني في خانة المغتربين كوني منفي منذ عهد النظام السابق وحتى حضور النظام الديمقراطي!! وكم تمنيت ايضاً أن يتحدث عن بنية نص مشروعي ولا يقع في لا مشروعية المقارنة بينه وبين محاولة التناص الممسوخ منه مثلما وقع فيها الكاتب ناصر النعيمي ، وهنا أشير إلى الرأي الأول المنشور في جريدة المدى وبعض المواقع الألكترونية ..

لا أود الردّ على (تنظيرات) النعيمي وهو يتحدث عن مشروعي " المنودراما التعاقبية " وما جاء من فهم خاطئ متعمد لمضامين المشروع ومن مغالطات وايهامات وتقولات ....أومقارنات بين المشروع الذي بدأت التخطيط له عام 2011- لديّ رسائل بيني وبين الكاتبة المصرية صفاء البيلي تؤكد ما أقول - وبين(عرض) ميثم السعدي ويبدو أن ألمشرف على هذا (العرض) سيد علي والنعيمي لا يدركان أن (التناص) غير المشروع والمسروق لا ينتج عملاً إبداعياُ ، إنه يغرق في العادي والنمطي والإستنساخ البليد ، لذلك هنا سوف أنشر بعضاً من أراء المسرحيين والكتّاب والنقاد وتلك الأراء هي التي تردّ على (التنظيرات) التي أطلقها بشكل عشوائي الكاتب النعيمي وعلى رأي استاذنا الكبير الفنان سامي عبدالحميد.

مدير مهرجان الكويت المسرحي الاستاذ حمد الرقعي:

مشروع رائد وعرض ميثم لا يستحق هذه الضجة المفتعلة

قرأت المشروع .... خطوة جميلة و رائدة . وإن كنت أفضل أن يقدم العرض بواسطة ممثل واحد للاحتفاظ بجوهر المنودراما يؤدي خلالها دور الجلاد و الضحية ، حيث يستدعي (الضحية) على شكل ضمير أو روح او شبح يخاطبه للدفاع عن قضيته . تسلم يا استاذ على هذا الابداع غير المسبوق .. أما ما يخص عرض ميثم السعدي ، فاتفق تماماً مع ما ذكره د . كريم عبود و أضيف بان العرض كما تابعته عن طريق التسجيل المرئي لا يستحق كل هذه الضجة المفتعلة .

 

الناقد والكاتب السوري عبدالفتاح القلعجي:

يضفي المشروع حياة جديدة على المونودراما التقليدية

طرح الفنان الصديق فاروق صبري مشروعاً جديدا في كتابة نص المونودراما وتشخيصه وقد أطلق عليه الصديق المسرحي صباح الأنباري اسم المونودراما التعاقبية وهي تسمية موفقة. المشروع في الأساس وكما أراه ينقل المونودراما من إطارها التقليدي إلى أطر تجريبية ثلاثة تتلخص في: 1- رواية ممثلين بالتعاقب لحكاية العرض من وجهتي نظر مختلفتين. 2- رواية الحكاية الأساسية ثم يعقبها انتقاء شخصية فيها ليقوم الممثل نفسه برواية وجهة نظرها. 3- (الدراما المعترضة) حيث يعترض ممثل آخر الممثل الرئيس ليكمل حكاية العرض من وجهة نظره. وهنا نتساءل هل تندرج المعترضة في إطار المونودراما.. ربما نعم وربما لا أ‌- لاشك أن هذا المشروع يضفي حياة جديدة على المونودراما التقليدية وينقلها من دائرة العرض للحدث أو الشخصية إلى دائرة البحث في الحدث أو الشخصية. ب‌- كما أنه – أي المشروع - يخفف مما تتهم به المونودراما بأنها تقدم شخصية مريضة مأزومة، هذا إن أحسن معالجة النص. ت‌- يخفف من الملل الذي يشعر به المتفرج حين حضوره بعض المونودرامات. ث‌- يحقق دراما الصدمة بنقل المتفرج فجأة من رتابة العرض إلى أفق جديد في عرض الموضوع أو الشخصية. ج‌- إذا تم تطوير المشروع فإنه يمكن أن تنتقل "الدراما التعاقبية" إلى مرحلة " الدراما التوليدية" بمعنى توالد الأفكار من بعضها بعضاً وتوالد موشوري أو تطويري للشخصية أو الشخصيات. وهذه المرحلة صعبة جداً ولكنها ممتعة. مع تمنياتي بالتوفيق.

عبد الفتاح قلعه جي/ كاتب وباحث مسرحي/ رئيس فرع اتحاد الكتاب العرب بحلب

 

المخرج النيوزلندي ديفيد كندكتون:

I totally endorse your endeavours

I am really intrigued with your endeavour to modify the format of Monodrama to take it in a new direction.The idea of viewing the same situation from the perspective of 2 different characters has real appeal. We always see situations from our own perspective which then becomes our absolute truth but when viewed from another persons perspective can be seen in a totally different light.I would really like to see you pursue this and see what eventuates from it. I totally endorse your endeavours.

 

Regards

David Coddington

Head of School of Performing Arts @ Manukau Institute of Technology

Assoc. Director South Seas Film and TV School

Director The Real Theatre Company Ltd.

 

الكاتب محمود جميل قادر المشرف على القسم الثقافي لجريد الرأي الاردنية

مشروع التعاقب فكرة تستحق النقاش

مشروع المونودراما التعاقبية ينبض بروح الحاجة إليه.. ففي المونودراما الخالصة تظلُّ كثيرٌ من المسائل عالقة.. فكرةُ تقمص الشخصية الوحيدة لمختلف شخصيات النص محفوفةٌ بالمخاطر.. التعاقب فكرة تستحق النقاش.. وصولاً إلى لحظةِ تزامنٍ تعبيريةٍ أدائيةٍ تتصدى خلالها كل شخصية لِمَنَصَّةِ البوح يسردان ويتداخلان ويستمع النظارة ويشتُّ النظارة ويركزُ النظارة ويختارُ النظارة الصوت الأكثر تأثيراً المسكون بإحساسٍ عميقٍ بصدقيته وسكون الحقِّ فيه...

أفكارك هنا حول تطوير الصيغ القائمة لمسرح المونودراما جديرة بالنقاش وتبادل الآراء والعصف الذهني

 

المخرج والممثل الكردي العراقي إحسان عثمان

Actor at cologne Opera – Berllin

مشروعك يحمل نظرية رائعة وفكرة مبدعة

الى الفنان المجتهد كاك فاروق صبري , انني كفنان مسرحي لدي خبرة مع المسرح والتي أمتدت قرابة 34 عام.

منذ بداية عملي خلق عندي عشق خاص تجاه المسرح بشكل عام و المونودراما بشكل خاص حيث قدمت العديد من مسرحيات مونودراما وفي النهاية تكوَن لدي شعور و وصلت الى القناعة بأان العمل في المسرح والتمثيل ليس بالعمل الهين وهو صعب على المتفرج ايضا.

اعتقد بان هذا الفن منذ ظهور المسرح على يد تيسبيس الى الحاضر لم يلق تغييرات ملموسة بحيث يواكب المتغيرات العصرية لان هذا الفن قد تم بناؤه على ضوء المنولوجات والسرد وحياتنا تحتاج الى اكثر من الحوار .لكن بعد ان قراءة مشروعك وجدت فيها افكارا جديدة لم اراها ولم اقراءها من قبل و هذا بعث فيّ الأمل من جديد بان ليس هناك ما يوقف الفن و مسيرته وانه مستمر في التغير .حقيقة مشروعك يستحق الوقفة التأملية وقراءة فكرية لانه يحمل في طياته نظرية رائعة و فكرة مبدعة, سعدت كثيرا بمشروعك خصوصا بعد ان تم طرحها من فنان كردي ولكن ما تعلمناه من المسرح هو:تأتي للنظرية بداية للعملية المسرحية ,و يجب ان تحول تلك الاطروحة الى التطبيق العملي و يتم تنفيذها على خشبة المسرح وبذلك تستحصل على كافة الخصوصيات التي تتسم بها الفن المسرحي لذا اجد من الضرورة ان تدخل تلك الطروحات الى حيز التنفيذ و اهنئك على هذه الفكرة الجميلة.

 

الدكتور الفنان المسرحي محمد سيف المقيم في فرنسا

نحت جديد في طريقة عرض قديمة

إن المسافة بين النظرية والتطبيق غالبا ما تكون واسعة، ولا يمكن قطعها إلا من خلال التجربة العملية، لا سيما ان المقترح الذي يقدمه الفنان فاروق صبري، يكاد ان يكون جديدا أو بالأحرى غير مطروق من قبل أو ربما هناك من عملّ على هذا المنوال، دون العناية بجانبه النظري، فالفن مثلما نعرف، حقل

واسع للتبادل الثقافي والفني والفكري, ولهذا لابد من التجربة العملية، لقد قرأت مقترح الفنان فاروق صبري بعناية كافية ، فوجدته مهما ويعتبر بحث ونحت جديد في طريقة عرض قديمة.

 

انا لا احب المونودراما، على الرغم من حبي الكبير للعب المنلوج الطويل في العرض المسرحي. إن المنلوج الطويل والمونودراما، ليسا ببعيدين عن بعض، فقط ان الأول جزء لا يتجزأ من عرض يشترك فيه معك العديد من الممثلين والممثلات، في حين ان الثاني عمل يقوم به ممثل واحد أحد، وفي هذه العملية اجد نوعا من الصعوبة في مواجهة الجمهور من قبل ممثل واحد بمفرده؛ صعوبة في تجاوز مشاعره واحساسه الصادق، حدود الرمب أو الحاجز الضوئي الذي يفصله عنه. وأتذكر انني اعتليت خشبة المسرح بمفردي مرة واحدة في حياتي، عندما قمت بتمثيل آخر يوم من حياة الرسام فان كوخ قبل انتحاره، على خشبة مسرح معهد الفنون الجميلة في بغداد. لقد كان خوفي مضاعفا، واحساسي بالعزلة مميتا، وفرحي بعد انتهاء العرض في كل مرة عظيما، ولهذا لم اكرر التجربة ثانية، حتى يومنا هذا. قلة قليلة من الممثلين العظام الذين استطاعوا ان ينجحوا في تقديم هذا النوع من العمل الصعب. وعلى الرغم من الأهمية الفائقة التي يحتويها مقترح الفنان فاروق صبري بخصوص المونودراما، ترددت كثيرا في التعليق عنه، رغم انه في رأي، مشروع يحرر العرض من فردانيته المقلقة. إن ترددي نابع من كون التنظير شيء والتطبيق شيء آخر، لا سيما ان ما يتحدث عنه وينادي به فاروق صبري، في مقترحه المسرحي، يدعو للتأمل والتفاؤل، فهو مشروع يمتلك في طياته الشيء الكثير من التجديد في طريقة عرض هذا النوع من العروض، إنه يدعو الى منودراما متعاقبة، أي ان هناك ممثلين يتعاقبون فيما بينهم من اجل تقديم منتوجهم المسرحي، ممثلون يختلفون في الشكل وفي المعنى يتعاقبون في اداء ادوارهم كل على حدة، ولكن بنوع من الاستمرارية التي تذكر في كتابة القصيدة الدائرية، التي لا تخضع كثيرا للفواصل والانقطاع.

إن المسافة بين النظرية والتطبيق غالبا ما تكون واسعة، ولا يمكن قطعها إلا من خلال التجربة العملية، لا سيما ان المقترح الذي يقدمه الفنان فاروق صبري، يكاد ان يكون جديدا أو بالأحرى غير مطروق من قبل أو ربما هناك من عملّ على هذا المنوال، دون العناية بجانبه النظري، فالفن مثلما نعرف، حقل واسع للتبادل الثقافي والفني والفكري, ولهذا لابد من التجربة العملية، مثلما اشار إلى ذلك قبلي الدكتور سيد علي في تعليقه عن المقترح، لاختبار الممكن من المشروع ثم تطويره وجعله يرتكز على اربعة أقدام. لقد قرأت مقترح الفنان فاروق صبري بعناية كافية، فوجدته مهما ويعتبر بحثا ونحتا جديدا في طريقة عرض قديمة. ومن اجل ان يتحقق هذا المشروع لا بد من احتضانه. وأجد ان مهرجان الفجيرة للمنودراما، مكانا مناسبا لهذا النوع من التجارب المسرحية التي نحن بحاجة لرؤيتها من وجهة نظر جديدة, تتماشى مع لغة العصر ومتطلبات فن المسرح. واعتقد ان المهرجانات خلقت لا لكي تقدم فيها العروض فقط، وتمنح المبدعين بعض الجوائز وبعض الأوسمة بل أن من اوائل واجباتها في اعتقادنا، تبني المشاريع والرؤى الفنية الجديدة القادرة على منح المسرح دما جديدا.

مبارك جهدك عزيزي الفنان فاروق صبري، محبتي واعتزازي.

 

الكاتب المسرحي العراقي علي الزيدي

المشروع كسر للثوابت وتطوير لألية الكتابة والعرض المنودرامي

يعاني جنس المونودراما الكثير من الخلل في بنيته وطريقة كتابته وعرضه على خشبة المسرح ، وتحول في الأغلب من تجاربه على مستوى الكتابة والعرض معا الى ثوابت من الصعب تجاوزها بسبب محدودية الفعل وآليات التعبير وسواها ، مشروع الصديق الجميل فاروق صبري يحاول كسر هذه الثوابت من خلال تطوير آلية كتابة وعرض مسرحية المونودراما ، وهو مشروع اجده هاما مادام يهدم الثابت باتجاه بناء ماهو جديد ، واعتقد ان فعالية الاخراج واعني تطبيق هذا المشروع من الممكن جدا ان يكتشف استاذ فاروق اشياء جديدة ايضا لمشروعه المثير للجدل مسرحيا ، فالتنظير يلتصق مع التطبيق وبعدها يمكن ان نقرأ للصديق فاروق أراء أخرى تطورت بفعل ماأنتجته البروفة المسرحية ، وهكذا مع التجارب المستمرة سنرى مستقبلا اننا امام (مونودراما) أخرى لم نعتدها في كتاباتنا وعروضنا . انه جهد مثابر حقيقة وهو دليل كبير ان فاروق صبري رجل مسرح جاد ولديه مشروعه الفني الخلاق .

 

الفنان المسرحي مقداد حمادي

مشروعك جيد جداً وتطوير لما طرحه بريشت

العزيز فاروق: بعد التحية إطلعت على مشروعك و مقترحاتك لتقديمه ، و هو مشروع جيد جدا و قد أعجبني ، و يذكرني ببعض المشاهد في عدد من مسرحيات (برتولد بريشت) حيث تروى القضية من وجهتي نظر شخصيتين مختلفتين (لكن في مشروعك بعض التطوير لما طرحه بريشت) هذا من جانب ، و من جانب آخر: فإنّ الآراء مازالت مختلفة حول (الوان مان شو) أو ما سميته (المونودراما) على أنّها تبتعد عن جوهر الدراما التي تقوم بالأساس على الصراع (بين قوتين متكافئتين متناقضتين) يجسدها أشخاص يفعلون و يتكلمون حوارا و ليس (محادثة) تبني اشخصيات الحوار ليكشف العقدة و الفكرة و حيثيات الصراع للوصول إلى حل .. و هناك من يصفها على أنها نوع من انواع الدراما .. أما عمل الممثل الواحد فإنه إما أن يقوم على السرد مع تقمّص بعض الحالات و الشخصيات ، أو أن هذا الممثل يهذي لوحده لذا تنجح شخصية المجنون في مثل هذا النوع من العروض ، لذلك فإن (يوميات مجنون) للعملاق الروسي (غوغول) تنجح دائما كلما عرضت على خشبات المسارح رغم تعدد القراءات الإخراجية لذلك النص ،، حياك الله مع أطيب تمنياتي لك بدوام العطاء و الإبداع

 

الاعلامي عبدالجبار العتابي:

إبتكار لاسلوب مسرحي جديد

ابتكر المخرج المسرحي فاروق صبري اسلوبا مسرحيا جديدا اطلق عليه (مشروع المونودراما التعاقبية)، موضحا انه اعتمد والتشخيص، بل منفردان وفق الصياغات الإخراجية والنصية.فيه على ثلاث طرق في تقديمه، هي الاخرى تعتمد على سينوغرافيا العرض وفق إجتهادات المخرج والمؤلف والسينوغرافيست، وهي بمثابة مقترحات بصرية تحاول إعطاء ملامح أولية لكيفية الإداء التعاقبي في العرض، حيث يجسد ويروي الممثل أو الممثلة حكاية العرض ومع إنتهائها أو توقفها في مفصل ما يغيب المؤدي أو المؤدية ويظهر الأخر أو الاخرى، فخلال العرض لا يجتمع ممثلان في الأداء .

 

الفنان المسرحي عزيز خيون

مبارك إجتهادك

أي تجربه فيها إجتهاد وبحث أنا أباركها وأكيد المونودراما التعاقبيه ابتكار جديد له أسانيده وله معاييره التي إكتشفتها وقدمتها مبارك لك ما إجتهدت يا صديقي ونلتقي في حب المسرح دائما

 

الفنان فلاح ابراهيم:

محاولة جادة للخلاص من محنة التكرار

المونو دراما والمحنه ..هي منحة مؤلف ومخرج وممثل ..وبتالي هي محنة المشاهد ..مايطرحه الفنان فاروق صبروي هو محاوله جاده وجميله للخلاص من هذه المحنه ﻻن في اﻻونه اﻻخيره اصبح اﻻشتغال على المنودراما ضرب من الخيال او ضرب من التكرار في المعالجه واﻻسلوب اتمنى لتجربة فاروق ان ترى النور بورشه مسرحيه واتمنى ان يتبناها مهرجان المنودراما في الفجيره ﻻنه معنى بهذه التجارب.

فرح دوسكي عبر مجموعتها الثانية: أحاول دحرجة الأيام .. استبدالُ الحبيبِ بالوطن

ahmad alhiliأحرّضُ النبوءاتِ في طُرفةِ عين

لأرى طائراً كونياً يخطفُ الوردةَ

حينَ ينبتُ الصُبّارُ تحتَ ردائي

رُبّما ،

يُشيّدُ البرابرةُ للحمامةِ عُشاً ،

يتفيّأ بحُلُمِ امرأةٍ ،

مبعثرةِ الأناملِ متعبة ....

ها هي حمامةُ الشعر والوجد والألم العراقي النبيل ، الشاعرة فرح دوسكي تحط بأجنحتها البنفسجية عبر مجموعتها الشعرية هذه ...

فرح دوسكي ، المرأة التي كنتُ شاهد إثباتٍ على مدى صدقها ووفائها وتضحيتها الجسيمة ...

بعد أن أصدرت ديوانها الأول " تائهٌ بذاتي" ، وأهدته لم اختار أن يتوارى خلف حُجبٍ كثيفةٍ من الضباب والدخان ،

أنظرُ إليكَ بارتباكٍ

من ثُقبِ عباءة الغرباء

أرى ممالك الفقراءِ

مفتونةً بروايةٍ

لا تستيقظوا

قبلَ أن تأذنَ لكم الجماجمُ !

أو تخاطب ذاتها عبر صرخة مدوّية من خلال غيابه ؛

أترمّلُ بين وردتين !

أو هي تخاطب ذاتها ، أو المرآة التي ظلّت الشاهدة الوحيدة على فداحة الوقت ؛

لمن أتعطّر ، وفي القلبِ ألفُ سكّينٍ وخنجرْ ؟

وتعود ثانية لثيمتها الأثيرة أو شوكتها الواخزة ، ثيمة الحب والوجد والشغف ؛

أدسُّ جسدي في أنفاس الكلمات

أرسلها ضوءاً أخضرْ

أعاند ذاتي حيثُ وقفتْ

أغازلُ تسابيحَ الغياب

وغالباً ما نراها تتقمص دور كاهنة العصور السحيقة ، التي تُنذر بالويل وتستنزل اللعنات على رؤوس كل من تسبب بهذا الخراب للبلاد أو الأحبة ...

آنَ لي ، أن أتوطّنَ في فجرٍ غابَ عنّي

وأعلّق الروحَ برفقة النتظار

لأولد فيه يرقةً ، تنسجُ من زهوها ضوءاً

تتكسّرُ إذا استطال الخراب !

" أحاول دحرجة الأيام " ، الذي كانت ثيمته الأساس تتمحور حول الوطن وما يمور فيه ويختلج محاولةً لملمة جٌرحها النازف ، أو هي بالأحرى لا ترغب أن يتوقف نزفه ...، ويبدو لنا بوضوح أنها قررت ، وبعد كل المعاناة والألم أن تستبدل حبيبها الغائب ، الذي تمادى كثيراً في ابتعاده وأوغل المسير في درب متاهته التي ربما اعتبرها خلاصاً ...، أن تستبدله بالوطن المثخن بالجراح مثلها والماكث أبداً مثلها في ذات الرقعة والمكان ....

 

ما زلتُ أخفي الجُرحَ في داخلي

أفتّشُ في الزوايا

عن مكانٍ

يسكنُ فيه غدي !

وفي وسط هذا الضياع والاستلاب ، الذي صاغت لنا من خلال عذابات ماساتها النادرة نراها تُطل علينا في خاتمة الديوان ؛

مشرعةٌ للبيعِ أو للموت بابي

أخشى أن يُكتَبَ على مفتاحِها ؛

بابٌ للإيجار !

 

الشاعرة وفاء عبد الرزاق غيمة لا تعرف أين تمطر

wafaa abdulrazaq3وفاء عبد الرزاق شاعرة غيمة لاتعرف أين تمطر، فهي موجوعة علی وطنها تفتقده كما كان، تريد أخذه بالأحضان، كما الطفل الصغير يرتادني الألم حين أقرأ شعرها لأول مرة _ سامحيني علی ذلك_ فهو مفعم بالمرارة وتأخذني الخيبة، إذ لم أرتاد بحرها إلا الآن .

صورها الشعرية متلاحقة كأمواج البحر التي تعطي ببذخ فادح، وتغرف من الطبيعة ما يهيأ لها استمراريتها في شعرها، فهي مد صاخب متسلسل من ألوان واشياء الطبيعة، وتتخذ من الإنزياح والتشخيص معينا في إنتاجها لهذه الصور.

تحضر الأمومة والطفولة في نصوصها، وكأنها استدعتهما لتواري نقص الحنان والمحبه والألفة التي فقدت من عصرنا، فهي تبحث عن المشاعر في عصر الماديات وتطالب بالإصلاح في زمن لا صلاح فيه، وقد يأتي حضور الأمومة والطفوله لرمز الحياة والبراءة والبحث عنهما، أو رمزا للأمل والغد القادم بالخير.

إن رموزها حية مبعثها الطبيعة والتأريخ، فينهض شعرها علی موروثات دينية وتأريخية،تآزرها في بنائها الشعري، وتأصل مساعيها في الإنجاز الصوري .

لغتهاالأنثوية حاضرة في نصوصها بحنوها على الآخر واستيعابه، وفتح المجال لإظهار شخصيته، وبحنان صوتها ودفئه وانخفاض نبرته في وقت فقدت هذه النغمة من الهدوء والخفوت.

نجد الشاعرة بارعة في اختيار عناوين قصائدها، فهي عناوين قصيرة لافتة ومعبرة تختزل الموقف، ومكتنزة على العمق الجوهري لقضية معالجتها في نصها، وذات جمال تكويني .

تقول الشاعرة في إحدى نصوصها الشعرية :

( ارتويتُكَ كشفاَ)

لرذاذِ صوتكَ أُصغي)

أتأملُ هطولكَ

أستضيفُ الشجونَ وقلبَكَ

أباركُ شدوَ المعِ

أزفّ ُ عروسةَ سهري لمقلتيها

أدوّنُ صهيلَ قلبـِكَ

لعينيكَ نهران

تهافتتْ لهما

أجنحة ُ نافذتي

وتفتـّحتْ في كفـّيَ المـُنى

تمنـّيتُكَ

استنشقتُ المنى

ندهتُ غدي:

احترقْ

أجمَلُ ما فيَّ لحظتي

احترقْ

وتقرفص جمرة ً هيمانة ً

وانتشتْ ثانية ً

ممطرة ًباحتراقها

بأشيائِكَ البسيطةِ تـُشغفُ صلاتـَها

وكنجمةٍ مسّها الصحو أهزُّها

انهضي حاسرة ً ارطن

وليكن جنوناً فرطانة ُ المجنون ِ خطىً غضة

وجبهة شجرُ جذرها وتستعرْ.

فما ليَ اليومَ أستعيرُكَ منـّي

أخرجُكَ من رئتي

أدلقـُكَ بأصيص ِالزهر ِ

فارعة ً تفردُ ضفائرَها

زهرتي

وترتويك كشفاً

بصَمتـِها الأولِ الأزلي

تُعبـّئُـكَ فيما بقيَ لي

كي لا يتعفرتُ العمرُ

وتنفرُ جسدي

الروحُ التي أصغتْ لرذاذِكَ

وفي حشدِ الغيابِ

كسرتْ أقفالـَها

ولدتكَ صدراً

أغلقتْ آفاقـَها وتسوّرت بك

فما ليَ اليوم أستعيرُكَ منـّي

أسَوسِنُ طفولتي أتبرعم

ولو لحظة حـُلـُم؟

لي في السؤال ِ رحـْميَ

وللسؤال ِ نـُطفتـُكَ

فكيف لي أن أنجبَكْ) (1).

إن الشاعرة مسكونة بوطنها، هي عاشقة حد الوله، تكاد لاتمر قصيدة بل صورة إلا ووطنها يتمخض فيها، وجعا ومحبة يتخضب في شعرها. وعندما سألتها عن سر هذا العشق وخباياه ،وهل هو عشق للوطن، أو عشق لآخر يتلبس فيه قالت: (هو عشق للوطن فعلا، فأنا أراه محبوبي الأوحد الذي به توحدت وصرته، أبحث عن الوطن فيَّ وأبحث عن نفسي فيه)(2)، إذن هي تبحث عن حب مثالي كامل وثابت كالوطن، بل تبحث عن حب يسمو عن كل صغير لترتقي به، فوجدت في الوطن كل حب تتوق إليه وتطلبه، إذ لا يوجد حب مثالي وثابت كالوطن، فهو نوع من التعويض عن نقص ما تبحث عنه .

نجد في قصيدة (ارتويتك كشفا) ان العنوان يحمل السمة الفعلية، ويغدقها بداية الأسطر الشعرية ، فإرتويتك تتركب من (ارتوى+ي+ك(هذا التركيب الذي يحتوي) فعل وأنا المتكلم وأنت المخاطب)، فجمعت العلاقة بينهم لتسحب هذا المضمون نحو النص. فضلا عن أن الإرتواء يكون للماء، وإذ وصلت الذات بالآخر حد الإرتواء يعني أنها تشبعت به. ونرى الكلمة التي تكملها في العنوان (كشفا) تترجم هذا الإرتواء، كيف يكون بالكشف عن المكنون والغوص في المضمر، وإن كانت ترتويه كشفا، فما الذي يتضمنه هذا الكشف؟ وعن ماذا؟

يأتي العنوان في النص حاملا بذوره الكشفية بــــــ (فارعة تفرد ضفائرها / زهرتي / وترتويك كشفا)، فقد أرادت منه البوح عما عجزت عنه، إذن تتخذه وسيلة للبوح ، وهذا يتناسب مع قولها في بدء قصيدتها :( لرذاذ صوتك أصغي)، فبالصوت يكون الكشف عن الدواخل تعبيرا وتنفيسا عن الكبت ،وهو وسيلة للتواصل تنشد وتنجذب الذات له بالإصغاء .

تبدأ القصيدة بالأفعال فكل سطر شعري يفتتحه الفعل، إذ يتكون الفعل من مجاميع تترجم الدورة الفعلية بمثل :( أتامل /أبارك / أزف / أدون /.....) والأخرى كما في :( تهافتت/ تفتحت ....) و(أخرجك / أدلقك .....) و ( ترتويك/ تعبئك / كسرت / أغلقت .....) .وكل مجموعة تحمل أفعلا خاصة بها من الصيغة نفسها تاركة المجال للفعل، ليبارك عملية الكشف ويتولاها، إذ يسبغ صورا شتى لها، ويحمل أوصافا وطرائق عدة .

فيتميز الفعل بأنه يحمل الوصف والصور التي يكونها، فضلا عن حمله الذات، فتترجم الضمائر في الأفعال التحولات من صيغة لأخرى، من المتكلم إلى المخاطب، إلى الغائب، لتنتهي بالمخاطب الذي تنشده الذات وتعول عليه .

تصل الذات مع هذا الحب حد الإدمان عندما تقول في :

(في ينبوع روحكَ)

أدمنتُكَ)

كما النسيم على صدر إله النخيلِ

مذ كنتَ ناري والطريق التي

صيرت جسدي شفة

وكوكب السؤال

أدمنتُكَ

سيلا

حين قلت لي:

كم خصبة أنتِ

ويانعة.

أتلبس عباءة وجهي

أم جسدي الشفة الممتدة فيك؟

مدينة للرغبة أنتَ

دخلتها وقلادتي الجسر

أحيت شموس ظنكَ

أي شكٍ في ينبوعك؟

أتشكُ الينابيع بسيلها؟

أفق على توردِّي

إني نزيف سؤالك

في دفتر المطر.

أدمنتُكَ

وجرحي البنفسج

يتفتح على الغصًّة

في سجائركَ المطفأة

شفرة التوله الغض.

لهذا أدمنتُك في نفسي

حين صرتَ كلي

وبعض بعضي

لأقف في محرابك

مجنونة ذاهلة) (3).

يطرز العنوان علاقة المحبة بين الأثنين، لينسجها في النص بأبهى صور، وتتعلق كلها بالإدمان للحب . فـ (ينبوع روحك في)، يجعل العنوان من الذات المحرك الأساس والمصدر للآخر ،إذ تمده بالحراك والحياة، فالينبوع مصدر الماء وتدفقه، وهو رمز الحياة والنضج ،وإذ ما اقترن بالروح فهو يقترن بالحياة بأسرها .فيمتزج في العنوان حضور الذات والآخر وعوامل الحياة .

يشرح النص دورة الإدمان للحب، وكيف يكون الإدمان بدورته الرباعية بـ ( أدمنتُكَ كما النسيم / أدمنتك سيلا / أدمنتك وجرحي البنفسج / لهذا أدمنتك في نفسي). فما بين النسيم والسيل الهدوء والإكتساح يتم توظيف التضاد لعناصر الطبيعة ،لتنتقل الدورة للذات بجرحها المتفتح على الغصة ،وأخيرا تترجم سبب الإدمان فتضع جوابا بصيرورته بالكل والبعض والاستحواذ على الذات .

إن الوجه الجامع بين العنوانين (ارتويتك كشفا / ينبوع روحك في) حضور الماء رمزيا في الارتواء والينبوع، فالماء هو المغذي للحياة والممول للحب بطاقته الإحيائية .وإذ ما كان من وسيلة للكشف فهو كشف عن الروح وما تضمره لتعلن بالحب كل وسائل الإتصال. فليس اعتباطا أن تختار مثل هكذا عناوين تصدح بالفكرة، وتشعل الرغبة في المتلقي، وتختصر مضمون النص، وتقف على بعد جمالي وتركيبي .

إن هدوء نبرتها الصوتية، تفعل بها الطاقة الإشارية السيميائية، لتتخذ من هذا الصوت عنصرا مشكلا للغتها يقف بصفها في غايتها من إشاعة فاعلية جو الحب، وكأنما هي توشوش وتداعب الآخر بهذا الإنحناء الصوتي كنوع من التواصل في مسار الحب المنشود .

تبقى الذات تغدق عطاياها وتضحي في سبيل الآخر كما في قولها: (إني نزيف سؤالك / جرحي البنفسج يتفتح على الغصة)، فقد صار الكل والبعض واختزل الآخرين به، وعندما يصل الحب حد الإدمان تصبح الذات مجنونة بالآخر (لأقف في محرابك مجنونة ذاهلة) هكذا تصرح في خاتمة قصيدتها. ولا سبيل للتراجع عن ما تفعل مادام قرارها قد كتب بيدها منذ البدء بـ(أدمنتك) .

 

................

الهوامش

1_ قصيدة (ارتويتُكَ كشفا) ديوان مدخل إلى الضوء، وفاء عبد الرزاق : 31 _35

2_ حوار مع الشاعرة بتأريخ     16/12/2014

3_ قصيدة (في ينبوع روحكَ) ديوان مدخل إلى الضوء ،وفاء عبدالرزاق :69_ 73

قصيدتي ( يا عيدُ) والناقدتان أ.د. نعوم و أ.د.الصيداوي

karem merzaالناقدة أ. د. مريم نعوم مرسيدس تتحفني برؤيتها عن قصيدتي:

يا عيدُ مـاذا تمنّي النّفسَ يا عيدُ؟ *** وقدْ توالتْ لمغناكَ المقاليدُ

ما بينَ غربةِ عزٍّ سمْتُ خافقتي ** منْ أينَ لي لَمّة ٌ بسـماتُها الغيد

وتعقب الناقدة أ.د.سوهاج الصيداوي عليها، دون سابق معرفة بشخصيتهما الكريمتين، ولكن (وكلّ أديبٍ للأديبِ نسيبُ)، شكراً لهما، وإنني لأعتز وأفتخر بهما،إليكم المقالة وتليها القصيدة كما دوّنتها ناقدتنا المريم، ومن ثم تعقيب الصيداوي، إليكم النص والتعقيبات:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كريم مرزة الأسدي

بقلم: أ. د. مريم نعوم مرسيدس

...................

كفان عيدهما نكدٍ ونكدهما..... كفٍّ تلاعب ديناراً بدولارا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تظهر في اول وهله القيمة الكبيرة للغة، بكل بلاغتها وبيانها طرحت على يد الشاعر وكأن اللغة قطعة صوف في مغزل الشاعر بين يديه، فأجاد، بين حزن الغربة وشوق الحنين، وبين دمار الشعب الذي يراه خلف شاشات التلفاز، بالبصر ويراه بعمق روحه وجذورها الممتدة الى اعمق من ايام حياته بل الى تاريخ وجذور الكوفة وبناء اضرحتها، لم يبعد عن اللغة الام ولا عن اسلوب المتنبي، ولم يحاول ان يدخل مصطلحات جديدة لفنه لانه يذوب بدراساته التي عاش معها وكأن اللغة جزء من نفسه، لذا نراها كقصيدة المتنبي، اوابعد من ذلك كزهير بن ابي سلمى، ناعي وريم وفلا، لكن في الحقيقة تظهر عليه اثار علي بن ابي طالب من كل جوانبها، واستذكرت مقولة فيه لطه حسين (ان الشعر العربي لازال رافضيا) لانهم كلما ظمئوا ارتوا من بلاغة علي عليه السلام،هذه المقولة لم اعثر عليها بالشكل الدقيق لكن قالها يوما لي بحوار الشاعر ابومهدي صالح (لم نستفد من طه حسين اي شيء لانه يكيل بمكيالين لكنه اراد ان يعبث بنا فمدحنا حين قال: لازال الشعر العربي رافضيا، وانني افتخر بذلك) لذا استهليت له بمطلع قصيدته (عيد الجياع) وهو من قلب الحدث العراق الذي يبعد عنه كريم عباس مرزة فكل شيء له متاح للعيد لكن لايحس به لانه بعيد عن وطنه يمضي كله غربه بينما العيد عند ابومهدي صالح غير متاح لكن جرحه كان عيدا لانه جرح العراق النازف منه واليه، اما كريم مرزة فانه النبع والجمال وكمال الوزن واتخاذ البسيط مركبا يغور بالزمن بين امتطاء الرجز ودقة الناقوس مزيج بين العربي الذي هجربلاده فكانت (مستفعلن) هي العروبة والحرب والفخر والحماسة والحب و(فاعلن)هي الغربة لانها مستوحاة من المتدارك الذي قيل ان اول من كشفه الامام علي على ضربة الناقوس للكنيسة حين قال لصاحبه يقول هذا الناقوس

حقا حقا حفا حقا صدقا صدقا صدقا صدقا

ان الدنيا........................

هكذا مرزة الكوفة جزء منه حتى باختار ايقاعه

 

يا عيدُ مـاذا تمنّي النّفسَ يا عيدُ؟

وقـــــدْ توالتْ لمغناكَ المقــــاليدُ

 

ما بينَ غربةِ عزٍّ سمْتُ خافقتي

منْ أينَ لي لَمّة ٌ بسـماتُها الغيدُ؟

 

غطـّتْ جفونــكَ - ياريـــمَ الفلا- رشقٌ

قدْ كحّلتْ وردَهـــا ياقوتـُها السّــودُ

 

شعشعْ رعاكَ الذي سوّاكَ لاعبة ً

ترمي بوعدٍ ولا تــأتي المواعيدُ

 

يا لعبة َالدّهرِ: عينٌ رحتَ تغمزُها

للغيرِ وصــــلٌ....ولا عينٌ ولا جيدُ

 

للوصلِ دربٌ خفتْ عنّا مســــالكهُ

إذِ القلوبُ ســـواقٍ نبــعُها الصّيدُ

 

هذي الحياةُ، وما كادتْ تخادعني

حتّـــى تقحّمتُها، الإقــدامُ تعويدُ

 

مـنْ لامني خمدتْ تبضاتُهُ عجزاً

والعـجْزُ طبــعٌ لمنْ قدْ هدّهُ الميدُ

 

ما هــدّني أحدٌ لا والّـــــذي فـُلقتْ

منهُ النّوى، فتعالى وهـــو معبودُ

 

أنعي إلـى النّفسِ: أيّامُ الصّبا رحلتْ

والباقياتُ لِمــــا قـــدْ فـــــاتَ تقليدُ

 

ها.. ذا رجعتُ إلى همّـــي أخالجهُ

تُفنى الأســــودُ وتعلوها الرعاديدُ

 

مالي أكتـّمُ رزقــــــاً للأنامِ شذىً

لولاهُ ما بــــــزغتْ هذي المواليدُ

 

والنّبتُ ناجى أخاهُ النّبتَ من شبقٍ

اثمــــرْ فقدْ خُمّــــــرتْ تلكَ العناقيدُ

 

فدارتِ الدورةُ الكبـــرى بدارتها

وهـــــــــلْ يُحدُّ لأمرِ الكونِ تحديدُ

***

 

زهوتَ يا عيدُ، والأعيادُ تغريدُ

ياليتَ(شعري) تغطـّيهِ الزّغاريدُ

 

ذكرى تمرّ، وأجواءٌ لها رقصتْ

أنى يلعلعُ في الأبكــارِ تمجيدُ

 

تسابقَ النّفر المشدودُ خاطرهُ

هذا إلى النايِ، ذاك المرءُ تجويدُ

 

شتّـانَ بينَ غنيٍّ لا زكــاةَ لــهُ

ومنْ يجودُ بفطرٍ وهـــو مكدودُ

 

.........................

تعقيب الناقدة أ.د.سوهاج الصيداوي: نص رائع واختيار موفق كما انه استهلال رائع وخاصة ما نراه الان من ان الكف التي تجوع سببها كف تلعب وتبذر وتسرق، الشاعر كريم عباس مرزة شاعر متمكن ومن الطراز الاول كالشاعر محمد حسين ياسين وعبدالرزاق عبدالواحد والجواهري الذين التزموا اللغة والوزن والايحاء ولدوا بالقصيدة وحافظوا عليها نشكرك دكتورة مريم على هذا الاختيار ونعم الشعر لازال رافضيا لان الشيعة قدوتهم بلاغة واخلاص وشرف وحزن وظلم وحق مسلوب ودمعة لذا ابدعوا على مر السنين وسوف يبدعون مادامواهم اتباع علي والحسين عليهما السلام

الناقدة أ.د. سوهاج الصيداوي في احد التعليقات المشاركة فيها د. مريم قال احدهم نكد بالرفع وليس بالخفض وهذا لايكون لان الاصل من المحذوفة هنا اي المقصود من نكد وهذا ما يميز الشاعر اذ يترك لك حركة تبحث عنها بعيدا وهنا يريد هناك كفان يجوعان من نكد كف واحدة فقط هي المتنفذة وهنا اراد الكفان جزءا يمثل كل جياع الارض وكف تمثل كل السلطات الحاكمة او المتنفذة.

.......................

وكتبت الناقدة أ. د. مريم نعوم مرسيدس تعليقاً على تقديمي مقالتها النقدية بعد نشره من قبلي أيضاً.

أشكرك على هذا التقديم الرائع الكريم، اشكرك من كل قلبي، نحن كنقاد نرى بعينين: عن بأدواتنا وأخرى بأحاسيسنا، ومن دون مجاملة الادوات يخضع التص لها كما يخضع الانسان للطبيب في مبضعة، اما الاحاسيس فمثلنا مثل كل القراء وان كانت تمر عليها كثير من الالوان الا اننا نتذوق ونشم كالنحلة بين الورود، انا من دون مجاملة قصيدة الشاعر والباحث كريم عباس مرزة ومن نقدتهم لم اجامل فيهم باحاسيسي او مبضعي، اتمنى ان تقرأوا كل من نقدتهم وهم في صفحة محبي الشاعرابومهدي صالح شاكرين لكم مرة اخرى هذا الاريج الطيب الذي فاح من ثنايكم.

فأجبتها:

شكرا جزيلا للناقدة مريم نعوم مرسيدس المحترمة على المرور الكريم والأريحية الطيبة، والخلق والنبل، نعم سأنشر مقالتك الرائعة وتعقيب الناقدة الصيداوي في مواق عربية وعراقية كبرى اعتزازا، وفخرا لتفضلكم وجودكم، نعم كما ذكرت والحق معك في ما ذهبت إ ليه عن النقد، وقد قلت مثل هذا في إحدى مقالاتي: فالشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط، بل بموسيقاه وإنسيابه وأشجانه وألحانه، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه، وتتغنى به، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة، وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال..وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ الى حال، ليصبح في صيرورة جديدة..كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ "وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب ِ"

يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره:

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ *** ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ، وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض)، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره، وتفقه كنهه، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة، شكرا لك سيدتي الكريمة.

 

رواية سلالم النهار: الواقع الخليجي بمنظار المرأة (1)

alkabir aldasisiنواصل في هذه السلسة الغوص في الرواية الخليجية بنون النسوة فبعد قراءة رواية (بنات الرياض) للروائية السعودية رجاء عبد الله الصانع نفتح اليوم نافذة أخرى على روائية كويتية ، يتعلق الأمر بفوزية شويش السالم من خلال عملها (سلالم النهار) الذي سنخصص له سلسلة مقالات سنقتصر في هذه الحلقة الأولى على تقديم المتن الحكائي، على أن نخصص حلقات أخرى لمناقشة القضايا التي تعالجها الرواية ، والجنس في الرواية العربية من منظور المرأة، ونختم بمقاربة الجوع العربي الساكن في الأعماق من خلال الرواية

ورواية (سلالم النهار) صدرت في طبعتها الأولى عن دار العين للنشر القاهرة 2012 وهي آخر رواية لها، ونثير انتباه قرائنا أننا في الإحالات سنعتمد الطبعة الرابعة ؛ كما نشير الكاتبة بدأت شاعرة وكاتبة مسرحية قبل أن تقتحم عوالم الرواية ، فصدرت لها إلى الآن ست روايات هي:

   1.(الشمس مذبوحة والليل محبوس) عن دار المدى سنة 1997

   2.(النواخذة) عن نفس الدر سنة 1998

   3.(مزون وردة الصحراء) سنة 2000

   4.(حجر على حجر) عن دار الكنوز الأدبية ،2003

   5.(رجيم الكلام) عن دار الأزمة 2006

   6.(سلالم النهار) دار العين 2012

 

في (سلالم النهار) تنشر فوزية شويش تفاصيل روايتها على مسافة ورقية ممتدة على 258 صفحة من الحجم المتوسط، يحكيها بطلا الرواية (فهدة و الرشوش) وهي رواية موزعة على ثمانية عشر فصلا متفاوتتة الحجم هي:

   1. - الرقص: من ص 5 إلى 10

   2. - ورا...ورا ... ورا: من ص 11 – 17

   3. - فهدة: من ص 19 – 40

   4. - أبو الكلام: من ص 41 – 55

   5.- الأيام معه: من ص 57 - 69

   6. - الحب كالفلفل: من ص 71 - 90

   7. - جدتاي: 91 من ص – 104

   8. - أستاذ الخواتم: من ص 105 – 124

   9. - مشتهيات أمي: من ص 125 – 132

   10. - ليلة الخلق والقذف: من ص 133 – 144

   11.- عمي جاسم وخالي مرداس: من ص 145 – 161

   12. - الغول الساكن بي: من ص– 185

   13. - الروح في معارجها: من ص 187 – 196

   14. - خالي الرشوش من ص 197 إلى ص 212

   15. - ابني مفكر: من ص 213 إلى 220

   16. - مفرمة الأنا: من ص 221 إلى ص 233

   17. - سحابة سوداء: من ص 235 إلى ص 254

   18. - التفاتة: من ص 255 إلى ص 258

قبل الغوص في معاني الرواية وأبعادها والقضايا التي تقاربها وخصائصها الفنية ، نرى ضرورة الوقوف عند العتبات والمؤشرات الخارجية التي تقدم الرواية للقارئ وتبلور بعض الأفكار الأولية وتساعده على وضع وفرضيات للقراءة ... وإن تعددت هذه المؤشرات سنحاول الوقوف على مؤشرين أساسين يفرضان نفسهما على كل قارئ لهذه الرواية ونقصد بهما العنوان وصورة الغلاف:

لا شك أن العنوان يشكل أهم عتبات النص، ومدخله الرئيس ، وعنوان (سلالم النهار) عنوان مشحون بالدلالات والرمزية ، خاصة بعدما يكتشف القارئ أن هذا العنوان لم يرد قط في الرواية بصيغته الإضافية، مما يفسح أبواب التأويل على مصراعيها في أطار الربط بين العنوان والمتن والمبنى الحكائيين:

أول ما يتبادر إلى الذهن هو كون كلمتي العنوان محملتان بدلالات موجبة ؛ ففي السلالم إشارة إلى الرقي والتعالي ، مادامت السلالم في الأصل اخترعت من أجل الوصول إلى الأماكن العالية، فقد ورد في معجم المعاني (السلم ما يصعد عليه إلى الأمكنة العالية ، وما يتوصل به إلى شيء ما) قبل أن تصبح وظيفتها الربط بين الأعلى والأسفل ، والانتقال السلس بينهما كما هو الشأن بالسلم الكهربائي، وكذلك يحيل النهار على معاني موجبة مادام النهار مرتبط بالنور والوضوح بخلاف الليل والظلام...

وتكاد صورة الغلاف لا تبتعد كثيرا عن هذه المعاني فهي عبارة عن مساحة سوداء يتوسطها باب يخرج/ أويدخل عبره شخص من الظلام إلى النور.. ذلك أن انتشال التميمي صاحبة لوحة الغلاف اختارت شخصا يعسر على متأمل الصورة تحديد جنسه (امرأة /رجل) وتحديد اتجاهه (يدخل/يخرج) وفي كلتا الحالتين الخارج من الظلام إلى النور، أو الداخل من النور إلى الظلام، يحتاج وقتا قبل التكيف مع الوضع الجديد.. ومهما كان التأويل ففي الصورة إحالة على أسطورة الكهف التي تصور الناس سجناء في الظلام يعسر عليهم الخروج لنور الشمس الساطعة ، ولما تمكن بعضهم من مغادرة الكهف ورؤية نور الشمس صعب عليهم الرجوع للعيش في ظلام الكهف..

وبذلك يتوحد العنوان وصورة الغلاف في معاني مغادرة الظلمة والعتمة نحو النور والضياء، وتكون مصممة الغلاف بسمة صلاح قد نجحت إلى حد ما في هذا التكامل بين الغلاف والعنوان.. فإلى أي حد تتجلى بعض هذه الأفكار في الرواية؟ وهل لهذه المؤشرات الخارجية أي علاقة بما ورد فيها من أحداث وشخصيات وفضاءات... ؟؟

تنطلق الرواية على إيقاع الرقص حيث فهدة غارقة في الحفلات الراقصة المشبوهة التي ينظمها أبناء الطبقات الباذخة المخملية في الكويت، حفلات تقام للتفريغ وإطلاق العنان للمكبوتات وإراحة الجسد من شحناته المؤذية[1]، لتقدم البطلة نفسها واحدة من الفتيات المؤجرات لإحياء هذه الحفلات التي سعت من خلالها الساردة كشف عورة مجتمع يعتبر الرقص الذي يقوم على هز المؤخرات كاشفا للشهوات والإثارة و(بوابة الكشف عن عورة المخبأ في تلابيب الجسد)[2] و وإن كان الراقص هنا لا يختار الرقص وإنما يدفعه إليه العوز والحاجة فيرقص (مذبوحا من الألم)[3] جسده مطارد وطريد، ممزق بين الشعور بالألم واستعراض مفاتن الجسد تعبيرا عن جوع باطني....

من هذه الأجواء الراقصة تطوح الرواية بالقارئ في عالم مبني على التناقض والتقابل: فيجد نفسه في عتمات الواقع الكويتي المسكوت عنه، وواقع البدون الذي تضطر فيه الأم إلى دفع بناتها لامتهان كل ما قد يحقق الحد الأدنى من الحياة ، واقع بلد يكرس الطبقية ويرفض اعتبار فئات واسعة من أبنائه مواطنين (بلد تقاس فيه درجات الناس بالحسب والنسب، على السلّم التراتبي بالأصول وبالمال.) هكذا تجعل الرواية من هذه الحفلات الراقصة مشهدا من واقع الرجال الأغنياء الذين (يتدافعون حولنا نحن البنات المؤجرات لإحياء بهجة جلستهم التي لا تتأجج ولا تتوهج إلا بحضورنا ، وبرقصنا الذي هو الشاحن للمتعة والأنس وفرفشة السهرة كلها.)[4] كما تقول الساردة

الرواية تقدم البطلة من بنات البدون اللواتي (لا يملكن المال، ولا ينحدرن من تلك الأصول النقية العريقة الصافية في عرقها، والتي زادها المال وهيلمان السلطة والسطوة نقاء على نقاء.)[5] عاشت في الشارع ومن الشارع، حيث كل الأعمال (مباحة بما فيها توزيع المخدرات والخمور ، واختطاف الخادمات وبيعهن لقواد شبكات الدعارة والقيام بأعمال السرقة كلها من سرقة الأفراد إلى سرقة المشاريع الحكومية المتمثلة في الأعمدة والبايبات والأسلاك النحاسية وأغطية المجاري وكل ما يمكن نقله وحمله ...)[6] مع ذلك ظلت الكاتبة حريصة كل الحرص دفع البطلة للحفاظ على شرفها في مجتمع شرقي يرى أن (الشرف مثل عود الكبريت الذي لا يشتعل إلا مرة واحدة وإن اشتعل ضاعت منها فرصة إيجاد زيجة مناسبة)[7] وكل امرأة منهن (تابعة لأخ أو صديق أو رفيق والشرف مصون مدافع عنه)[8] فلم تيسر الطريق لبطلتها نحو الخلاعة والعهر وجعلتها محافظة على أخلاق الفقراء الشرفاء تسير بأوامر أمها المدير لأعمال بناتها، والمسخرة لأخيها لحمياتهن، فقوانين الأم (تسمح بشم الوردة أو بلثمها، وذلك تبعاً لظروف جيب الشام أو اللثام، لكنها لم.. ولن تفرط أو تسمح أو تتنازل بأكل أي وردة من ورودها، من غير الإشهار و الإعلان بذلك الأكل. دون زواج لن يتم الأكل فيها حتى وإن كانت وردتها من قاع المجتمع ، هناك من سيشتريها ، وسيبذل في العطاء، وهي من سيحدد الثمن.)[9]

تنقد الكاتبة بطلتها من هذا الواقع الفج وتمهد لها الطريق نحو مجتمع القمة بأن سخرت لها (نورة) الفتاة المنحذرة من أصول غنية نقية، لساعدتها في مواصلة دراستها بالجامعة، وتغدق عليها من أموالها .. وفي ذات الوقت تستغلها غطاء ووسيلة للقاء حبيبها اللبناني (زياد) وقضاء وقت من (الحب المسروق والمخفي والمطموس في سره عن الجهر والمجاهرة والذي هو مهرب وصعب المنال في ظل قوانين وأعراف لا تبيح الجهر بالعلاقات المحرمة ولا تسمح بقيامها خارج منظومة الحلال)

بل أكثر من ذلك فتحت الكابتة للبطلة أبواب الدنيا (بكل مداركها ومعرفها وعذوبة مباهجها ، وسحر الحياة المتذفق فيها)[10] بأن عرفتها في إحدى الحفلات الراقصة على ضاري ويختارها زوجة له ، ويسافر بها خارج الكويت.. لتقضي معه أياما ولا في الأحلام، تقول الساردة (مع كل هذه الإثارة والبهرجة التي فتحت لي أبوابا لعوالم لا أعرفها ولدنيا حتى في الخيال لم أحلم بوجودها)[11] مما أتاح لها عبور مختلف القارات (من نيويورك إلى ميامي، ومن هاواي إلى طوكيو، ومن هونج كونج إلى بانكوك، ومن الهند إلى روما وبرلين وفيينا وكوبنهاكن واستوكهولم حتى استقررنا في نهاية المطاف في باريس)[12]... وفي باريس تقدم الرواية تجربة عشيقين فريدة من نوعها، تجربة من كان يعاني جوعا عميقا وحرمانا قاسيا.. وانفتح على كل الملذات والشهوات فجأة. فكانت كمن ينتقم لجوعه وحرمانه في الأكل واللباس والجنس ليظل الجسد وسواسها مع رجل شهواني يعشق التجريب (ضاري إنسان شهواني، حسي، هوائي، متقلّب، غامض ليس بالإمكان معرفة ما يدور في داخله)[13] (ولنا عودة للحديث عن الجنس في هذه الرواية والقضايا المطروحة في الرواية)

بهذا الزواج تغادر فهدة عالم الشوارع وحياة البدون وتجر معها عائلتها من واقع الحضيض وتحقق لأمها ما كانت تشتهيه وتتمناه... وما كادت تستأنس بحياة الغنى ومغامرات الجسد حتى اختطف المنون ضاري من فوقها في لحظة حميمية ، وكانت وفاته صفعة أيقظتها من أحلامها ، وأعادها إلى الواقع، وظلت تلك الصفعة كابوسا يحاصرها أينما و حلت وارتحلت: (لم أدر كيف هربت.. كيف انسللت من تحت جسده الميت فيّ؟ كنت مرعوبة إلى أقصى حد.. كان الموت بداخلي وخلفي ومن أمامي، يطاردني من كل الاتجاهات، يحاصرني أينما اتجهت، وأينما حلت مجساتي، وقادتني حواسي.. يهرسني بالرعب والفزع، وأبقى وحدي في نار المحاسبة أصطلي.)[14]

ويكون اكتشافها لحملها بعد وفاة ضاري صفعة أخرى طارت بها في معارج الروح، وتبحث عن منقذ لوضعيتها، لتكشف لها أن جوع الروح أهول و(أبعد من جوع المعدة التي ألقمتها بالغذاء، وأبعد من ارتفاع هرمونات الأنوثة التي ألقمتها بالمضاجعة) لذلك لم تجد أمامها سوى البحث عن سبل لإشباع جوع الروح فقررت الهروب من كل مظاهر التحضر والترف، والزهد في الحياة ومفاتنها، لتجد نفسها في مكان شبه معزول عن العالم، لا تتوفر فيه أدنى مقومات الرفاه الاجتماعي، وفي ولاية مسندم تقرر العيش مع خالتها وزوجها في " هذا المكان المعزول على قمة جبال ولاية مسندم الواقعة على رأس مضيق هرمز، المتقاسم مابين إيران و سلطنة عمان. هروبي إليه كان ملجأ للروح ، وبحثا عن الراحة والأمان والسكينة..[15]" بهذا الهروب

تنقلب الحياة رأسا على عقب فمن السعي لإشباع جوع البطن والفرج في باريس إلى السعي لإشباع جوع الروح في مسندم ، ومن الانعماش في الشهوات والملذات إلى إذلال الذات والزهد في الحياة.. إذ تختار فهدة أن تعيش مكتفية بالعفاف والكفاف مقتصرة على العبادة وتربية ابنها ، الذي وجد نفسه لما كبر بين عالمين متناقضين متشابهين في ذات الوقت: متناقضين في الشكل ؛ عالم الأعمام الأسياد ذوي الدماء الصافية ، وعالم الأخوال البدون الفقراء.. ومتشابهين في الجوهر ينخرهما الفساد ويشاركان فيه كل بطريقته ، فيعيش الابن حياته معذبا بين لهيب هذين العالمين يقول معبرا عما يعتصر بداخله من صراع: (فكيف أكون أنا بناري وبشغفي وبصهيلي و فرادة روحي الحرة الهاربة من أقفاص الأسياد والعبيد ، من نموذج عمي وقالب خالي ورجعية أمي؟)[16]

 

ويحتار بين أن يقبل هذا الوضع في انتظار أن يكون وريثا لثروة العائلة، وبين رفض هذا الواقع والسفر للخارج ويريح نفسه ، لكنه في الأخير قرر البقاء والتمرد على الفساد معتبرا نفسه فايروسا قادرا على تدمير تلك الأعراف البالية التي تكرس الطبقية والتمييز بين أبناء المجتمع الواحد لتنتهي الرواية على إيقاع تهديده لواقع الفساد يقول في أخر جمل بالرواية: (أنا الفيروس القادم الذي سيعيد التوازن لحياتكم، والذي سيحقق منطق العدالة بينكم. أنا فيروسكم القادم يا عمي ويا خالي، فانتظروا ساعة قيامتي ووقت انتشاري، ولحظتي التي قريباً ستتفشى بكم.)[17]

يبدو من خلال أحداث هذه الرواية أنها عالجت عدة قضايا تقض مضجع الكويتيين دوليا، وخاصة قضية البدون... فبخلاف رواية (بنات الرياض) التي اختارت تسليط الضوء على أبناء الطبقات الغنية في المجتمع الخليجي، فإن سلالم فضلت الغوص في حواف المجتمع وحضيض طبقاته الدنيا مع الإشارة إلى أنها ليست الرواية الكويتية الوحيدة التي اختارت هذا المنحى ، فقد سبقها ولحقها صدورها روايات عالجت نفس التيمة، كما تجلى رواية   (في حضرة العنقاء والخلّ الوفي)لإسماعيل فهد إسماعيل، ورواية (ساق البامبو) لسعود السنعوسي الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) (وثد سبق أن حصصنا لها دراسة خاصة فور فوزها بالبوكر) ،و رواية «الصهد» لناصر الظفيري... وتمتاز سلالم النهار بالجرأة في ملامسة في هذا المسكوت عنه الذي يؤلم الوعي الجمعي الكويتي بطريقة مستفزة ، هكذا انطلقت بكشف هذا الواقع الدوني حيث فتيات البدون يؤجرن مؤخراتهن لإثارة الأغنياء في حفلات راقصة، تكون تلك الحفلات بداية لكشف اللثام عن واقع البدون الذي يشطر المجتمع الكويتي شطرين ،أو لنقل طبقتين البون بينهما شاسع بعدما بنت الأعراف بين الطبقتين جدارا سميكا يصعب هدّه، ورسمت الحدود لكل طبقة في تقسيم العمل والثروة، فأغدق على (ذوي الدماء الصافية) كل النعم والثروات.. ووجد البدون أنفسهم رغم ازديادهم واندماجهم في الكويت بدون هوية وبدون أي شيء تقول الساردة: (نحن "بدون". بدون أي شيء يحمينا أو يغطينا أو يؤمننا .. نحن عراء منبوذ في بدون)[18]، وكان لذلك التمييز تجليات في الاقتصاد والأعمال فجعل للأغنياء إدارة الأعمال الكبرى ، وجعل للبدون العمل الشاق غير النافع ، وحولهم إلى ما يشبه العبيد همهم في الحياة إسعاد أسيادهم والتخفيف عنهم إنه مجتمع يشكله عنصران مختلفان(مختلفان حتى النخاع من الجذر إلى الرأس، من المقام العالي إلى المنبوذين في الأرض، من الأرصدة في البنوك إلى صفر البنكوت، من امتلاك هوية مواطنة ووطن ، إلى بلا هوية وبلا حقوق وبلا وطن)[19] لذلك احتقر المجتمع كل عمل فيه ترويح عن النفس ، ودفع أبناء البدون نحو الأعمال الفنية فوجدوا انفسهم يشتغلون في العمارة، والنقش ومختلف القنون، تقول الساردة: إن (كل من يعمل في الفن هنا، هم من ذوي الدماء المهجنة، وكل الذين يشتغلون في مهنة التمثيل والتأليف المسرحي، والموسيقى والتشكيل والرسم والكتابة ، تراهم من ذوي الدماء المهجنة.)[20]... لتبين أن وضعية البدون ازدادت سوءا بعد غزو العراق للكويت إذ تم تشديد الخناق عليهم، واتسع هامش المحرمات أمامهم تقول فهدة: (ولو جاء مولدي متأخرا أي من بعد الغزو العراقي لما حقت لي الدراسة الجامعية ، ولبتُّ مثل إخوتي الذين ولدوا من بعد ما أُبعد والدي، وسرح " البدون" من الجيش، وتلقفتهم الشوارع حين حرموا من التعليم في المدارس.)[21] ورغم ازديادها قبل غزو الكويت فإنها الفتاة الوحيدة التي وقف الحظ في طريقها وحصلت على شهادة جامعية، تقول: (وحدي من بين أبناء القبيلة حصلت على شهادتي الجامعية بضربة حض أو بمحض مصادفة عبيطة مكنتني من نيلها كل من سبقني من أخوتي لم يكمل دراسته .. كان كل شيء يقف ضدهم كل شيء كسر مجاذيفهم .. الفقر والجوع والإهمال والتهميش والشعور بالدونية وثقافة الشوارع وانشغال أبي وزوجاته بالحمل والتناسل..) كل ذلك دفع البدون للشوارع   فعاشت فهدة رغم تعليمها في شوارع تنعدم فيها شروط الحياة الكريمة شوارع من كثرة ترددها عليها حفظت (كل تفصيلة صغيرة فيها، وكل مستنقع مياه آسن ، وكل بلاعة مسروقة فوهتها وطافحة بالروائح مجاريها ، وكل شارع ضاعت وتشوهت معالمه وتحللت أطرافه من هول المواد الكيماوية التي اختلطت فوقه) شوارع أهم ما يميزها انتشار الأزبال ومخلفات (خلطات الإسمنت العشوائية، والأصباغ المتبقية مع الأخشاب العطنة المضروبة وكل تلك الفضلات العطنة المتخلفة من " البسطات" التي تبيع الأسماك واللحوم والخضار المنتهية صلاحيتها ..)[22] وينضاف إلى هذا الوضع البئيس الذي يعيشه البدون ملاحقة الشرطة والأجهزة الأمنية ومراقبة الجواسيس لكل تحركاتهم وتدميرها لأرزاقهم وما يملكون تروي الساردة قائلة (أخي بطاح وأصدقاؤه الأسيويون وأقاربنا البدون الذين تغير عليهم شرطة المدينة بين فترة وأخرى لتدمر وتبعثر كل رزقهم في حال فشل جواسيسها المبثوثين في كل الأركان والزوايا في إبلاغها عنهم في الوقت المناسب قبل حدوث الغارة)[23]،

إن البطلة لم تشعر بإنسانيتها إلا في باريس (هنا بدأت أشعر أن ذاتي المحررة تنمو وتكبر ، وبإنسانيتي مكتملة لا يشوبها شعور بالنقص أو المهانة والاحتقار)[24] والسبب في ذلك تقول (كلنا نسير ونجلس في المقاهي ذاتها، نتبادل الحديث بحرية وباحترام ولا تشوبه عنصرية الأصيل و "البدون")[25]

إن تيمة البدون لها علاقة وطيدة بقضية العمالة العربية وغير العربية في الخليج، وفي الرواية إحالات كثيرة لها من خلال بعض الشخصيات كالإشارة إلى المصري أيمن صاحب معامل تدوير البلاستيك، والشاب اللبناني زياد الذي كان يعمل في شركات أب نورة ، ناهيك عن العمالة الأسوية التي تكونت شركات ووكالات لاستقدامها بعدما أصبحت (طلبات العمل والهجرة إلى الكويت لا تنتهي وهناك لائحة انتظار طويلة تنتظر)[26]

الغريب في مجتمع مثل الكويت هو تحكم "الأغنياء ذوي الدماء الصافية" بأموالهم في دواليب كل الأعمال المشبوهة، كبيع المخدرات وتهريب البشر والمواد... فعم البطل صاحب المعامل والشركات كان يوظف إخوان فهدة (البدون) في المحرمات، حتى لا يلوث اسمه؛ فوظف صقوري في بيع الخمور الفاسدة وجعله يقبل الدخول إلى السجن وحمل الوزر ليبقى العم نظيفا .. يقول السارد(... عمي له الاسم والمكانة والاحترام أكثر مما يجب، وخالي ختم اسمه ووشمت سمعته إلى الأبد بتاجر المخدرات وبمروج الخمور الفاسدة)[27] و حتى يظل العم في عيون الناس شريفا تكفل بطاح باستقدام العمالة بدلا عنه ، وعندما لام السارد خاله بطاح وحمله مسؤولية العمالة السائبة وغير القانونية وقال له:(أنت السبب في وجود العمالة السائبة ، وأنت المسؤول عن وجودها في المدينة دون عمل ...) لم يجد الخال بطاح ما يرد به سوى قوله:(لا يا ولد أختي أنا بدون ، لا يحق لي استيرادها ،المستورد هو مكتب عمك ..) وتأكد من ذلك في مشهد يقول فيه: (خرج هنديان آخران من مكتب عمي ثم أعقب خروجهما ظهور خالي بطاح مع رزمة أوراق مالية ثقيلة) ، ولنفس الغاية وظف شخصية (أبو الكلام جامع القناني) بالإشراف على مصانع تدوير البلاستيك ... ليظل هو بعيدا عن الشبهات وإن كان (لا شيء يدور في هذا البلد ،هو بعيد عنه أو خارج عن كل الخيوط بيده يلعب بها كيفما يشاء.. يدنيها يقصيها ، يدوسها يضعها في السجن أو يتاجر فيها)[28] بعد اكتشافه لهذه الأعمال التي كدست لذوي الدماء الصافية أموالا طائلة ، ووفرت لهم حياة رغدة راقية على حساب البدون الذين يعيشون على (قمامتهم فتجعل من يجلبها يعيش على مردود بيعها لمدة شهر، وأحياناً أكثر من ذلك...)[29]

اضطر السارد إلى الهروب من هذا الواقع الملوث والنتن يقول: (تركت عمي بأمواله المدنسة بالعمولات ، وبالمساجين، وبأرواح العمالة السائبة وبجامعي القمامة، وبتلك المصانع المتصاعدة بدخانها الملوث لبراءة المدينة..)[30] ، قبل أن يعدل عن قراره ويقرر مواجهة الفساد في نهاية الرواية.

 

يتبع ... انتظرونا في الحلقة القادمة

 

.................

[1] - ص – 9

[2] - ص – 5

[3] - ص – 6

[4] - ص – 10

[5] - ص – 13

[6] - ص – 27

[7] - ص – 15

[8] - ص – 28

[9] - ص – 12

[10] - ص – 57

[11] - ص – 58

[12] - ص – 59

[13] - ص - 77

[14] - ص – 156

[15] - ص – 146

[16] - ص – 219

[17] - ص – 258

[18] - ص – 36

[19] - ص – ص 72

[20] - ص – 207

[21] - ص – 115

[22] - ص – 25

[23] - ص - 25

[24] - ص – 64

[25] - ص – 64

[26] - ص – 54

[27] - ص – 247

[28] - ص – 252

[29] - ص – 27

[30] - ص – 253

قوى تسخيرية للجذب والإكراه .. الشاعرة السويدية كارين بوي وقصيدتها: فانتازيا بوذية

adnan aboandolisبمعرفة راسخة وإطلاع مميز، إستطاعت الشاعرة أن توظف غرائبية في العتية النصية- بهذه التسمية البعيدة عن المنظورالعام. فانتازيا + بوذية = مواءمة من حيث القدرة التحكمية في خرق الأشياء، والمعتقد المساير لها، فالفنتازيا خيال وهمي ضخم يعتمد على السحروالتعامل بالخداع والخرافة البارعة، والبوذية معتقد مستمد من موروث مبني على فرضية تلائم مجتمع يتقبل بطواعية أو تحت الإكراه، قد جمعا للتوائم بهذه الصيغة المباركة، كونهما لايخلوان من قوة متسلطة بإكراهٍ – كاريزما – قوة متسلطة بالسحر والمراوغة والحيل هذا الذي جمعهما بقاسم مشترك، أن قوة الجذب لهما تتحرك وفق خط واحدٍ للمشاهد والمستمع معاً، ناهيك عن الآثار النفسية المترتبة عنهما، فالرضوخ حالة إنقياد ناتجة عن خوف – رعب – تسلط = كاريزما أو كازوما= جذب – إ قناع – إغراء وغيرها . تتمحور البوذية على عقيدة ثلاثية في الجوهر، تستمد قوتها من مؤسسها – بوذا – المُصلح – المُتيقظ بتعاليمهِ الشفهية المتناثرة في العقول عبر قرون، هكذا أُعتنق المجتمع الغريب الأطوار بموروثهِ المبني على تعاطي الشعوذة وتعاويذ الخرافة وميثولوجيا راسخة عمقاً في الذات:

 

مشرعة بوابة العالم النحاسية

في حالق عند قنطرتها أقف ها هنا،

وما أراه عظيم بلا أي حد،

وما من مشهد مثل هذا بلا أي حد

 

إن شيوع مفردة – مشرعة – لكل جنس يبذل جهدهِ للحصول عليها، مفتوحة بلا غلق أو ماوراء ستار مموه، يراد من ذلك الولوج إلى عام تسير عليه قوى خارجية بمنظوره – كقوى الطبيعة – لذا تأمر البشر بمطاوعتها كـتسخير .أن بوابة العالم النحاسية ما هي إلا تحكيم يذود عن مثالية خارقة، ربما هي صداً التحلل المعدني للذات الإنسانية قبل إعتناقه كتطهير بدني، أو كخلاص من أردان متلبسة معنوياُ، فـ أبواب النحاس – كمقارب لجنس الكلمة – نحس – وما تتحملهُ من مقاربة كـجناس ناقص . هي إرادة للشر المتلبس به كروح غير مطاوعة للتغيير، حيث أن الجنس البشري يحتوي دمهِ على بعضٍ من المعادن، ربما كمقاومة أو في بناء تركيب الجسم ومنها النحاس الذي يشكل نسبة عالية عند النساء أكثر من الرجال، ولتأثيره على المزاج وقوى الجاذبية والإكتآب في النساء في أمراضهن الدورية، فالقنطرة – المعبر الذي ترواح عليه الخلائق عند الحساب، فالخالق واحد – المشهد الوحيد لا يتكرر كونه موحد لكل البشرية :

مهما نظرت بعمق، مهما نظرت ببعد،

نظرتي ترجع دون أي مدد.

كل ما أعرف ما عاد يوجد --

لا عظيم، لا صغير -- لا حياة، ولا موت.

 

إن إستحالة تخطي الخوارق ظاهرة في هذا المقطع نتيجة العجز البصري الذي يرتد ببعد المدى، فماهية المجهول المعلوم أصل الكون – رغم التركيز على دفقة مملوءة بالجزم – مهما – بعمق – ببعد مديات كـ إستحالة التخطي، نظرتي ترجع دون أي مدد، وكأنهُ تناص من النص القرآني – "يرجع البصر خاسئاً وهو حسير " تتشابك كل القوى غير أنها في حيرة من عظمة الجبار –لا عظيم –لا صغير –لا حياة –لا موت – كلها هباء أمام قدرة خارقة لاتضاهيها أية قوة أُخرى .

 

خطوة واحدة في الطريق الذي لا يصد،

ولن يك لي ثمة عود يرد ...

لم ترتجف؟ هلم، وأتبعني!

فبوابة الكون النحاسية منزوعة القيد!

 

خطوة واحدة .. هذه الخيالات تتابعت مع حبس النفس، الرعب خيم على هذا الشعور، فالنص وكأنهُ يشكل بحد ذاته تعويذة مربكة مشروطة بإفلاس – فمرة تتوكأ المباشرة رغم تسميتها الرصينة – فانتازيا، ومرة نوعاُ من الهذر الذي لايعني شيئاً فقط ، سوى تراكم رؤى عصية لاتجد غير إيهامات غارقة في الغموض .إن ترصين القصيدة بقافية موحدة وبحرف روي هو – دال – مثل حد – بعد – مدد – يوجد – يصد – يرد – القيد وهكذا، ربما كان المترجم قد تصرف بالنص أراد من ذلك أن تترنم بإيقاع أو كانت الشاعرة تبغي الترصيع للزينة اللفظية .أن الخطوة واحدة بتخطي الرذيلة والدخول إلى بوابات الفضيلة هي متماثلة لكل الديانات بما فيها الوثنية، فالطريق السالك واحد نحو سمو بوابة الكون .

 

عدنان أبو أندلس

كركوك

إستغلال الدين لغايات شخصية في روايتي (السمّاق)

freeyad ibrahimروايتي (السمّاق) وإستغلال رجال الدين للبسطاء وقصص القرآن والإسلام السياسي

بعض الرموز والاستعارات المستعملة والشخصيات الأساسية في روايتي (السمّاق):

الصادرة عن دار( الشمس للنشر والطباعة ) – القاهرة

*ملا نورالدين: يشبه نفسه بالنبي فهو يحمل رسالة وهي تنظيف المياه الكدرة من القاذورات والشوائب العالقة بها وتعدد زوجاته وميوله تجاه النساء .

* مصطفى: يمثل الجانب الآيدولوجي من شخصية النبي العربي والجانب التطبيقي المتمثل في غرفته المظلمة التي يعتكف فيها والتي اطلق عليها افراد اسرته مجازا تسمية (غار مصطفى) اشارة الى غار حراء.

*العمة وكالة الانباء: واحيانا اطلقت عليها تسمية (راديو على أربعة ارجل) واسمها الحقيقي (بهيجة) تمثل الزوجة الاولى الغنية للنبي محمد (خديجة) الثرية

* صفية ابنة اليهودية واختها روحية: ترمز الى (صافية وريحانة ) والتي تزوجها الرسول في احدى غارته على معاقل اليهود. وهنا يتزوجها ملا نور الدين مقابل اخراج والدها من السجن والتخلي عن بعض املاكه على مبدا دفع الجزية.

* زينة : تحريف لاسم (زينب)، يغرم بها ملا نور ويدفع بزوجها صلاح بن زياد الى طلاقها : حكاية محمد مع زينب وزوجها زيد بن حارثة

* الجمل السجعية التي يستخدمها كل من ملا نور الدين ومصطفى وصلاح ان شاء الله فيها محاكاة لآيات القرآن .

* كاكه هادي : يمثل الشخصية الثورية على التقاليد البالية وجبهة المعارضة للدين الاسلامي.

* الولد (صمود ) واغتصابه لدجاجة يشير الى قصة (لوط) واسم صمود اقرب الى اسم (سدوم) الواردة في القران، وما يقوى هذا الاتجاه ان ابوه مشرف تربوي – نبي- اسمه (لوطفي) مشتق من اسم (لوط) .

* عاشرة : اصلها عائشة القاصرة التي تزوجها الرسول ولمّا تبلغ التاسعة من العمر.

* ولي (ابو عاشرة) يمثل شخصية النبي زرده شت.

* ابراهيم القصاب وحكاية خوف ابنه منه وهروبه، يمثلان قصة ابراهيم واسماعيل الواردة في القران.

وهناك الكثير من هذا الاستعارات الرمزية والاشارت الى احداث معروفة في التاريخ . الرواية زاخرة بها . بالاضافة الى العقد النفسية نتيجة التربية الخاطئة المتشددة جدا في شخص (لقمان) والمتهاونة والمتساهلة جدا في شخص (سلمان).

 

ملاحظة :   كتبت النقاط الهامة وتعليقاتي داخل القوسين الكبيرين

فصل (27) وما بعده : (تقول بهيجة – معدلة عن خديجة - طلقني بعد ان كسدت تجارتي واخذ ثروتي كلها، واقسم لي انه لن يرضى الا بالزواج من اربعة هذا عدا الأمات غير الشرعيات، حاولت فضحه فلم تفد محاولاتي لأن اسمه كان قد ذاع بين العشائر وفي كل الأرجاء، وكانت سمعته أقوى من أن تخدشها امراة ضعيفة مثلي أو تمسها بسوء، وبدات رسالته ومهمته في خداع وتضليل عامة الناس ومهما حاول لم يتبعه سوى الضعفاء والغلابى فاستغلهم بكلام جميل ونثر ساحر لا هو بشعر ولا هو بنثر: ادهشهم وسحرهم بهذه الأقوال الجديدة على اسماعهم وما فيها من وعود باللذات والمتع بعد الموت والتضحية والفداء في سببيل نشر افكاره، ولكن لم تكن مهمته سهلة فهناك ضايقه قومه وعشيرته ونعتوه بمجنون وساحر فاضطر الى الفرارمن هناك سرا منتقلا الى هنا، وقبل ان يهاجر زرته في بيته واسترحمته : لا اهل لي ولا مال وقد نال مني الكبر، اتوسل اليك ان لا تتركني وحيدا وقد كان يتصدق عليّ بين الحين والآخر، يتصدق عليّ بمالي: فتصورا يا ناس، ترأف بعد طول رجاء، ولان قلبه وخاصة كنت ثكلى للتو بابنينا الصغيرين اللذين لم يكنّ لهما اي حب رغم كونهما من اجمل خلق الله، يا ربي طفلان من اجمل ما خلق الخالق وأوفرهم صحة وعافية، ماتا الواحد بعد الآخر وفي ظروف غامضة وفجائية، وكأن وحشا ما جاء في الليل وخنقهما فقد رأيت آثارا بنفسجية وزرقاء وحمراء على عنقيهما الناعمين الناصعين يا حسرة امكما." زواج؟ أكنت زوجة ملا نورالدين؟

"مضى زمن طويل على ذلك." نفخت في المايروفون.

اخذت نفسا وهي تجيل بيعينيها الحمراوين في الوجوه المنصتة بشغف وواصلت:

**" نعم كنت يوما زوجة لملانور الدين وكان اسمي بهيجة، بهيجة هانم ابنة خالد الملقب بأسد.) [اشارة الى خديجة بنت خويلد]

وراعني وجود زوجة المعلم ولي وابنته عاشرة [اي عائشة] التي كانت تضم اختها الطفلة الى صدرها وكان وجهها يشع بين الوجوه ويلمع كالنور. ومن الرجال، وكانوا اقل حضورا، تبينت وجه ابراهيم القصاب ويونس الكبابجي و لوطفي ابو صمود الذي كان يمسك بيد ام صمود وورائهما كان صمود وقد حلق شعره بعد ان استدعي لخدمة العلم وفوجأت بوجود صاحب المحل الذي كان يحدق الى العجوزبناظريه بشئ من الرأفة والأشفاق كما دلت تقاسيم وجهه على ذلك . وفوجئت كذلك بوجود الشاعر الشاعر الشعبي المعروف في المنطقة (حسونة) اي [حسان بن ثابت] الذي قال عنه: ان قوة جاذبيته تلين حتى قلوب الاسود وتذلل حتى الوحوش الضارية. فمدحه بقصيدة طويلة طمعا في نواله، رأيته يقف صامتا حزينا في زاوية منعزلة تحت حائط ويتفوه مع نفسه بكلمات غير مفهومة. من حركات فمه وتقاسيم وجهه استطعت ان احدس انه كان يندب حظه العاثر بعد فضائح سيده : ضاعت جهودك يا (حسونة). لم اجد بين الوجوه المعلم ولي ولا كاكه هادي ولا حزقيل حنا ولا عيسى ابو عبد الاحد. (كناية عن اليهود والنصارى)

** وسمح لي بالهجرة معه وهنا اشترى لي هذه الدار ودفع هو القسم الأعظم من ثمنها والباقي اتممته انا بما تبقى لي من ذهبي. ولكوني غريبة على حياة المدن والمعاملات الرسمية اخذني يوما الى دائرة حكومية وطلب مني التوقيع على ورقة لم اعرف ماذا كتب عليها، اما هو فذهب يسكن لوحده في قصره الذي اشتراه بمالي وذهبي عازبا واعظا يتصدق على الايتام والارامل ويشتري الفقراء بالهبات التي اغدقها عليهم كي يستطيع كسب [اشارة الى الدعوة الى اعتناق الدين الجديد] عدد اكثر من زوار مسجده على حساب زوار الجامع ذي المئذنتين وزوار النادي كان ينافسهما ويغير عليهما، ازداد مريديه بمرور الزمن فاولى الناس ثقتهم به كما رايتم فذاع اسمه في كل مكان فصار الناس يتكلمون عنه بأنه ولي آخر زمان حتى ذهب بعضهم لو كان مجئ نبي جديد ممكنا لخيره الله نبيا على البشر . اعلن هنا انه يريد ابلاغ رسالته في الأنسانية فإنه يريد مجتمعا أفضل من مجتمعا يخلو من فساد وظلم وإستغلال من قبل المنافقين كعيسى وحزقيل.

**عادت صورة تلك لليلة المظلة الى ذاكرتي: صفية ووكالة في حركة مكوكية بين مسكنيهما . وعادني صدى صوت كاكه هادي: (هؤلاء يريدون تشويه سمعة الشخص اولا ليبرروا دافعهم السياسي من ذلك وهو : إقصائه من البنك والإستيلاء على إيداعاته وممتلكاته.) [اشارة الى الغارات على مواقع اليهود ثم الإستيلاء على ممتلكاتهم...]

** في تلك اللحظة تذكرت الشاعر الشعبي المعروف في المنطقة لقبه (حسّونة) الذي قال عنه: ان قوة جاذبيته تلين حتى قلوب الاسود وتذلل حتى الوحوش الضارية. فمدحه بقصيدة طويلة طمعا في نواله وان هو أعلن بنفسه انه انما يمتدحه متأثرا بشخصيته ونوره وقدسيته وأمانته وكرمه وإستقامته وحنكته وسيرته وفوق ذلك جماله

**وهناك نصوص متفرقة في الرواية بطريقة السجع والنثر المقفىكما في :

" إنك رجل، إنك ، اتدري من الرجل؟ إنه رجل، إن كنت لاتدري أذكر أنك رجل، رجل بلا خوف ولا وجل، الطريق الطريق لكل من يهديه ربك الى الطريق، لا طريق سوى هذا الطريق ."

" أنا تحت أمرك..أنا تحت أمرك..لست ان بسيدك، ولا وليّ أمرك، انت فتى متحرر، أنت رجل متنور، فقم وجاهد وشد حيلك، نور الله مباتك ومقيلك، لن تراني في الشوارع بل تراني في الجوامع، وفي الدنيا أنا زاهد، وفي قول الحق أجاهد. "

" أرض أرض ايما نذهب سندخل جوفك، أنت ماوانا ومنزلنا فبماذا نزهو ونفرح، والحزن أقرب وسنرقد تحتك، والتراب مأوانا فلا تفتك، نحن تراب، وارخص من تراب سنعود اليك قريبا يا تراب، يا تراب فلا تعتب."

اقترب مني الامام نور الدين بوجه منشرح تعلوه إبتسامته العريضة المعهودة الخاصة به. ثم أخذ يدي ووضعه بين يديه الدافئتين. قائلا بنبرة رخيمة وحزينة. تأثرت به. قال لي بعاطفة اججتني كالجمرة:

" إنك رجل، إنك ، اتدري من الرجل ؟ إنه رجل، إن كنت لاتدري أذكر أنك رجل، رجل بلا خوف ولا وجل، الطريق الطريق لكل من يهديه ربك الى الطريق، لا طريق سوى هذا الطريق ."

أتسعت رقعة إبتسامته وشد على يدي منحنيا فسحرني بتواضعه وبساطته وصدره الرحب. وقال بصوت كالنحيب:

" أنا تحت أمرك..أنا تحت أمرك..لست ان بسيدك، ولا وليّ أمرك، انت فتى متحرر، أنت رجل متنور، فقم وجاهد وشد حيلك، نور الله مباتك ومقيلك، لن تراني في الشوارع بل تراني في الجوامع، وفي الدنيا أنا زاهد، وفي قول الحق أجاهد. "

استغفر ،وحولق، وحمدل، وبسمل، ثم حوقل، ثم قال لي بصوت عذب وقد ابتعد عني قليلا:

" العهد بيني وبينك إستعمال الشارع لزيارة الأقارب والأصدقاء ثم.."

قطع كلامه مشيرا الى المجاري العكرة(الكدرة) ثم استانف بصوت اشبه بنحيب الناسك في كهف ابي:

" ثم من يطهر هذه سوى الله الذي حملني مهمة التطهير." [إشارة الى انه يحمل رسالة انسانية]

***خاصة بعد علم الكل عن فضيحة زينة [زينب] حيث انتشرت الاخبار انه ارغم صلاح ان شاء الله وتحت طائلة الدوين المتراكمة عليه على اطلاق زوجته والتزوج منها هو. . وحينها فلكل حادث حديث . صرفت على اسناني: "الويل لك ملا نور الدين اين تذهب من يدي؟"

** [ثم في ان الرواية في الحقيقة تتناول موضوعا آخر ربما جديدا الا وهو الجنسية المثلية (هنا لزبية- فتاتان)]

فصل (19) هل هي في حب مع اخت سلمان أو مع سلمان ؟ لست متأكدا. النظرات المتبادلة يوم زيارته : كيف نهضت

هذا غير مقبول سواء أكانت تميل إلى سلمان أو اخته؟ كلاهما شاذان؟" ويحك والويل لك، ايتها اللزبية المحجبة ."

فصل 18 لزبية شكوك ...*

لاحت لي ركبة فريدة ولم ارأثرا لركبة تارا . لكن ثوبها الرمادي قد ارتفع حواشيه الى منتصف ساقيها . منذ ان بلغت الحلم ما رأيت النصف العليا من ساق أختي الا ذلك اليوم. أنا إذن أمام منظر غريب جديد بل مريع . حدثت نفسي بنفس متسارع . تضاربت الأفكار والهواجس في رأسي وتلاطمت. إستذكرت الأحداث الماضية ومشاهد الأيام السابقة: صورة فريدة الملصقة بجانب سرير تارا، قبلة فتاة التمثال من الجص، قبلة البروفة ، والحكاية المشوقة التي سمعتها من فريدة نفسها. تسائلت كل الوقت اين حجاب تارا ؟ دققت مليا حينها عرفت انها كان منزلقا الى اسفل مطوي من منتصفه وقد شكلت طياته طوقا حول رقبتها وعنقها . اشتعل قلبي نارا . صرت جمرة متقدة . إعترتني رغبة عارمة في ان أفاجئهما وامسك يد اختي لاجوب بها خلال الطرقات مهيبا هاتفا بالناس: هذه هي المؤمنة التي تزعمون انها تقية. أجلت نظري على ما حولي فلم أر أحدا في الجوار . جلست على الأرض في حالة توتر قصوى. فكرت مليا في الأمر. أردت أن اعثر على مبرر لهذا التصرف ايا كان، المهم أن أكون مخطئا . فبررت تبرجها بان أحدا لا يراها، لا يوجد رجل ولا غريب . وانهما صديقتان شعرتا بالجوع والعطش فاشترتا بعض الشئ في السوق المجاور لدفع الجوع والعطش . وجولة قصيرة في الأنحاء ليس فيها ما يشين ولا يعيب. طمأنت نفسي . هبت نسمة سرورلهذا الأكتشاف العظيم . فإني كنت أحرص منها على نفسها . وعزوت ذلك الى إهتمامي بها وحمايتها من عيون أبي وأمثال أبي. فلم أكن يوما مع الحجاب ولا اللباس الطويل، كنت مع الأعتدال دوما . لم يكن لدي مانع لو سارت أختي في الشارع بلا حجاب أو غطاء الرأس. ولكن خوفي وخشيتي من عيون الغرباء الذين سينقلون الخبر إلى أبي فورا لو رؤوها على هذه الصورة . ولنفس الأسباب رجوت من حبيبتي ان تلبس باحتشام لكن باعتدال.

السؤال الذي لا زمني طوال مدة المراقبة والتجسس هذه : ماذا يعني كل هذ؟ وما هذا الالتصاق ؟ انهما ملتصقتان حتى في النوم. انهما تتبادلان قبلات شفهية : والله أعلم هل هما صادقتان و هل هي حقا قبلات شفهية لا تحريرية. هل هي تمثيلية أو واقعية؟ في لحظة ما كاد نفسي ان يتوقف . رأيت فريدة تحيط عنق تارا بذراعها وتقوم تارا بالمثل فتشابكتا هكذا. وكدت أن يغمى عليّ في اللحظة في اللحظة التي طبعت تارا قبلة خاطفة على خدّ فريدة المتوردتين المتوردتين المتوقدتين كالجمرة، ثم اتبعتها بقبلتين قويتين على كلا....

21 أمتدت يدي الى تحت السرير والتقطت مجلة (صحتك حياتك). قرأت فيها الاسئلة حول العلاقات غير السوية ففزعت للوصف الذي فاق تقديراتي وتفسيراتي. لم اكن اتوقع ان تكون العلاقة بين الجنس الواحد بهذه الدرجة الفاضحة الحميمية . وأن الواحدة تفعل بالأخرى كما يفعل الرجل بها وكلاهما يبلغان النشوة الكاملة . ولهما الأدوات بما يكفي لأرضائهما وإشباعهما جنسيا. إهتز كياني للمعلومة العجيبة التي اعتبرتها وهمية ووجدت صعوبة في قبولها رغم عدم قدرتي في إنكارها.

**وجاءنا بعد قليل نبأ مفاده: انه اغلق مسجد ملا نور الدين والدور والأجنحة العائدة له، وانه كتب على الباب: (وهكذا ينتهي عهد من سفك الدماء والفساد والدجل والشعوذة.)

ومنذ ذلك اليوم اختلفت الأنباء وتباينت التفاسير حول مقتل ملا نورالدين لأنه لم ير جثته أحد سوى إمرأته الشابة الغائبة عن الأنظار: فهناك من قال انه ذبح بسيف ومنهم من قال: لا، انه قُتل بخنجر، وبعضهم قال: لا، انه قتل بالسم من قبل إمراة مثكولة إنتقمت لموت اخيها الشاعر الذي اغتاله ملا نورالدين لهجائه إياه بابيات من الشعر.

وأخيرا جاء خبر مفاده : إن ارملته هي الوحيدة التي تعرف بمكان ضريحه لكنها لا تخبر احدا بالموقع خشية ان يتحول قبره الى مزار يؤمه المغفلون.

فصل 32 / تجمدت من مكاني. احملق في فيه مستزيدا الغرائب والأحداث الأشبه بالخيال. اضاف صاحبي يقول:

"وبعد حادثة الأغتصاب لم يتقرب منها الا نادرا ملا نور الدين، هجرها تقريبا لانه كان يحب الأرامل والصبايا وحتى الأرامل العجائز ومن ضمنهم العجوز وكالة وكان يملك أكثر من امراة في القرية، ويتباهى ويقول : وما ملكت أيمانكم، ثم ضربها بعد نقار حار بينهما فأسقطت الجنين."

"هددها بالزواج من إمرأة أخرى ان ظلت لا تنجب بنتا؟"

"بنتا؟" قلت باعياء.

" نعم انه يحب ولد انثى لا ولد ذكر على عكس العالم، وهددها انه سيتزوج عليها إن كان المولود ذكرا. ومن ثم وهي حامل بطفلها ضربها ثم اغتصبها لمجرد انها قالت وبكل عفوية : ادعو الله في كل صلاتي ان يكون الوليد ذكرا.

كان هذا غيضا من فيض

 

فرياد إبراهيم

مؤلف الرواية

صاحب نوبل للآداب الذى لن يحصل عليها أبداً

jawdat hoshyarتصدرت صورة للروائي الفرنسي الشهير ميشيل ويلبيك الغلاف الأخير لـمجلة "شارلي إيبدو" قبل الحادث، للتنويه بصدور روايته الجديدة " الخضوع "، التي تنبأ فيها بوصول حزب إسلامي إلى سدة الحكم في فرنسا عام ٢٠٢٢ الأمر الذي أثار موجة كبيرة من الجدل في أوساط المثقفين قبل أيام قليلة من صدورها.

ويقول ويلبيك ساخرا في تنبؤاته، «سأخسر أسناني في عام 2015»، و«سأصوم رمضان في عام 2022»

وكانت تسريبات كثيرة قد سبقت صدور الرواية، حتى ان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند صرح في مقابلة مع قناة " فرانس انتر " التلفزيونية، أنه سيقرأ الرواية حتماً عند صدورها، لأن " الناس تتحدث عنها " وأضاف الرئيس، " ان مهمتي تقتضي أن أن أقول للناس، اننا يجب ان لا نفقد رؤوسنا، رغم الوضع المشحون بالعواطف، وان بلدنا يمتلك مثل هذه التجربة ".

 

تبدأ الرواية بنهاية الولاية الثانية للرئيس الفرنسي الحالي فرانسوا أولاند في عام 2022 . يتخيل ويلبيك تحالفا سياسيا سيظهر في دورة الإعادة في الانتخابات، يجمع بين حزب أسماه " الأخاء الأسلامي " وأحزاب أخرى، بهدف الوصول إلى سدة الحكم، وتنتهي الانتخابات بفوز المرشح الأسلامي الكاريزماتي محمد بن عباس، ويعين فرنسوا بيرو، مؤسس حزب الحركة الديمقراطية، رئيساً للوزراء.

ويرسم ويلبيك صورة مثيرة لما يمكن ان يحدث في فرنسا في ظل حكم الأسلام السياسي المعتدل

: في العام 2022، ويقول أن فرنسا تواصل انهيارها التدريجي البطيء

وتدرس جامعاتها الطلاب القرآن وتجبر النساء على ارتداء الحجاب وتسمح للرجال بالاقتران باكثر من زوجة واحدة.

ورغم أننا نتحدث عن رواية أدبية متخيلة، ولكن الصورة التي يرسمها الكاتب لفرنسا عام 2022 غير واقعية على الأطلاق، وتدعم طروحات اليمين المتطرف، فهو يزعم أن 20% من المقترعين سيصوتون للمرشح المسلم محمد بن عباس، زعيم حركة " الأخاء الأسلامي " . ولكن نسبة المسلمين في فرنسا اليوم هي حوالي 10% فقط، والكثير منهم غير متدينين أولا يتوجهون الى صناديق الأقتراع في الأنتخابات . لذا لا يمكن التحدث عن المجتمع الإسلامي بفرنسا باعتباره فصيلا واحدا، بل يتسم بالتعددية، وينقسم بين ممارس للعبادات وغير ممارس، كما أن قطاعا كبيرا من الفئة الأخيرة يتأقلمون مع العادات العلمانية الفرنسية ومع ذلك، فأن الكاتب يزعم أنه قدم صورة للواقع المرير ..

والى جانب شخصيات الرواية المتخيلة، ثمة شخوص حقيقيين : رئيس الجمهورية الحالي فرانسوا هولاند، وزعيمة حزب الجبهة الوطنية ماريان لوبان، وساسة فرنسيون آخرون .

ابطال الرواية يقتبسون العديد من مقولات نيتشة، وباكونين، وستالين، وتروتسكي، والنخبة الروسية الجديدة، والأمراء السعوديين، والكتاب والشعراء الفرنسيين أو بشيرون اليهم في أحاديثهم .ولكن كل هؤلاء الشخصيات الحقيقية، لا تدل على حقيقة ما يجري، بل على الجذور الفكرية المتشابكة في المشهد الفرنسي . .

ثمة سؤالان عذبا المثقفين الروس في الماضي وحاول اعظم الكتاب والمفكرون الروس الأجابة عنهما : ما العمل ؟ ومن المذنب ؟ . ويلبك تجاهل السؤال الأول.، أما أجابته عن السؤال الثاني، فأنه في الحقيقة تشكل محتوى روايته .

ويلبيك يرى ان المذنبين هم المثقفون اليساريون، والجمهور العام المدلل المنحل،وغير المهتم بمصير البلاد، والساسة الذين تعودوا على اللعب بالديمقراطية الحزبية، والتحالفات التجارية لأشغال المناصب الوزارية، ووسائل الأعلام، قصيرة النظر، التي تهتم بترضية اذواق القراء .المسحورين بنجوم السينما والرياضة وبصرعات الموضة . ووسائل الأعلام الشريكة في خلق النظام الجديد .

ويلبيك يتعامل مع النموذج الاجتماعي والسياسي في أوروبا الغربية بكل قسوة، فهو يرى ان الأحزاب الأشتراكية وحضارة العالم الغربي الى غروب وأفول . وان الأنتخابات مجرد تنافس بين قوى شريرة .

بعض عناصر سياسة الرئيس المسلم - كما تبدو لأول وهلة – تنعكس ايجاباً على حياة فرنسا عام 2022 . فعلى سبيل المثال، فأن المعونات المالية السخية التي قررتها الحكومة لربات البيوت، تدفع بالنساء الى ترك العمل وملازمة بيوتهن لتربية الأطفال، من اجل الحصول عليها،

مما يؤدي الى توفير فرص عمل كثيرة والى خفض نسبة البطالة المرتفعة . ولكن المعونات المالية لربات البيوت تموّل من الأموال المخصصة في الخزينة العامة لقطاع التعليم. ويتم تقليص مدة الدراسة الألزامية الى ست سنوات فقط، ولكن اغلبية المجتمع الفرنسي المغلوب على أمره والمستسلم لمشيئة الأقدار - لا تهتم بهذا بطل الرواية فرنسوا (الراوي) شخصية نموذجية بالنسبة الى ويلبيك، بروفيسور النقد الأدبي في جامعة السوربون، عازب قلق ومتقلب في منتصف العمر، يشتري وجبة الغداء الجاهزة من السوبرماركت القريب، ويسخنها بنفسه في فرن المايكوويف، ينظر الى الأسلام شزرا، رغم أنه يعجبه السماح - في ظل حكم بن عباس - بتعدد الزوجات، وهو لا يهتم بشيء، قدر اهتمامه بالتنانير القصيرة والركب العارية للطالبات. وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يأسف له، عندما أصبحت السوربون جامعة اسلامية وارتدت الطالبات المحجبات الملابس الطويلة .

ليس لدى فرانسوا عائلة، والداه على قيد الحياة، ولكن انقطع علاقته بهما منذ عشر سنوات، ولا توجد لديه ثوابت اسرية او اخلافية . ما يزال لديه بعض المعايير المعنوية ولكنه ليس ثوابت، بل مجرد شكليات لا ترقى الى مستوى المعايير الأخلاقية الحقيقية .

ومن المثير للأهتمام ان بطل الرواية متخصص في أعمال الأديب الفرنسي من القرن التاسع عشر – أوائل القرن العشرين، جوريس – كارل هيوسمانس، الذي يشير ويلبيك كثيرأ الى اسمه وخاصة الى روايته ( النقيض) التي تعد بمثابة مانيفيست لأدب الأنحطاط الأوروبي .

وبقدر تعلق الأمر بأبن عباس، فهو ليس جهادياً، ولا متعصباً، ولا دكتاتوراً، ولا يشبه أي زعيم للأسلام السياسي وحتى أردوغان . فهو علماني وسياسي معتدل في أقواله وأفعاله، وعلى استعداد دائماً لتقديم التنازلات، عن طيب خاطرفي سبيل التوصل الى حلول وسط للمشاكل القائمة . صحيح ان ويلبك يتذكر على حين غرة، الوضع في جمهورية فايمار في ثلاثينات القرن الماضي، والمثقفين والساسة الذين كانوا يعتقدون في البداية، ان هتلر سيعود الى رشده في نهاية المطاف، ويلبيك يحذر ان ما حدث في جمهورية فايمار، يمكن ان يتكرر في جمهورية بن عباس.

لا يقتصر الحديث في الرواية على فرنسا، فبحلول عام 2022 تدخل الأحزاب الأسلامية في الائتلافات الحكومية في بريطانيا وهولندا وألمانيا . أما في بلجيكا، فأن الحزب الأسلامي يصبح القوة السياسية الرئيسية في البلاد، لأن زعماء القوميتين ( الفلمنك و الوالون) فشلوا في التوصل الى اتفاق لتشكيل الحكومة.

انقسام المجتمع وتحوله الى الراديكالية والأشتباكات العرقية المسلحة وفي نهاية المطاف وصول رئيس مسلم الى قصر الأليزيه، كضامن للوحدة والأستقرار- كل هذا لم يحدث فجأة . ويتهكم ويلبيك بسخرية لاذعة : " ان الكثير من المثقفين في القرن العشرين ساندوا ستالين وماو وبول بوت، ولم يأخذ أحد هذا على محمل الجد، ولم يتم أدانتهم قط . المثقفون الفرنسيون ليسوا ملزمين بأن يشعروا بالمسؤولية، لأن هذا ليس من طبعهم . " ويكرر ويلبيك هذا المعني في نهاية روايته قائلا على لسان بطله المحبب : " ليس لدي ما يدعو للأسف ! "

هل " الخضوع " رواية مستفزة ؟ :

. يعيش في فرنسا اليوم ما بين 4-6 مليون مسلم. أغلبهم جاء من الجزائر والمغرب ثم تركيا . الكثير من الفرنسيين يخشون ان مثل هذا الوجود الاسلامي الكثيف، سيؤدي الى تغيير التوازن السياسي والأجتماعي والديني في الجمهورية العلمانية. وكان من الطبيعي في مثل هذه الأجواء أن تتباين الآراء حول الرواية، بين من يرى في ويلبك كاتباً عظيماً، يقوم بدور الفنان الذي يحمل مرآة ويجبر العالم على رؤية الحقيقة - الحقيقة المبالغ بها ربما ولكنها تروى بامانة وعمق و يتصدى لقضايا تتظاهر النخبة الباريسية التي تميل نحو اليسار بأنها غير موجودة اساسا .

وبين من يعتقد ان الرواية عمل استفزازي، يصب الزيت على النار المشتعلة حول قضايا اللجؤ والأندماج في المجتمع . أما ويلبيك نفسه، فأنه حاول البحث عن حل وسط .ففي حوار صحفي مع مجلة " لي جورنال دو ديمانش " الأسبوعية قال الكاتب: " انه لا يعرف ممن يخشى أكثر : من المسلم أم من الفرنسي القومي العنصري ؟ ولكنه واثق من أمر واحد وهو ان " الأسلاموفوبيا ليس شكلاً من أشكال العنصرية."

 

اهتمام اعلامي غير مسبوق:

صدرت الرواية في يوم الحادث وفي وقت تجري فيه مناقشات محمومة في فرنسا حول موضوعي الاسلام والهوية الوطنية، وقد اهتمت وسائل الإعلام الفرنسية، بصدور الرواية، ما اعتبره محللون حلقة في سلسلة أعمال تندرج فيما يعرف بظاهرة «الإسلاموفوبيا»، أو الخوف المرضي من انتشار الإسلام فى الغرب.

وخصصت صحيفة «لو فيجارو»، افتتاحية، عن الكاتب، واعتبرته « صاحب نوبل للآداب الذى لن يحصل عليها أبداً»، وقالت إن ويلبيك « يتصفح المخاوف المعاصرة، وفي المقام الأول المخاوف المتعلقة بالإسلام » ما يلومه عليه البعض «لأنه ينفخ فى النار». وأضافت الصحيفة " ان ويلبيك .

يرد على منتقديه، الذين وصفوه بالعنصرية بأنه يكتب رواية أو « متخيل سياسي مستوحى من الواقع »

.ودافعت الصحيفة عن ويلبك، قائلة « أى تهمة يمكن توجهيها لكاتب يقدم رؤيته عن المستقبل، ويوجد بها بعض المظاهر الكابوسية، لكنه لم يجعل منها مأساة، حتى أن بطله يتكيف معها » . ونشرت الصحيفة الفرنسية، أيضاً تنويهاً لصدور الرواية فى صفحتها الأولى، ورأت أنها ستسبب إزعاجاً، فيما ناقشت صحيفة «فان مينيوت»، مدى «خطورة الكتاب»، متسائلة عن تأثير ما أعتبرته أفكار مزعجة تنقلها الرواية دون شك، وقالت أن الكاتب يظن أن أفكاره لن يكون لها أى تأثير جديد، خاصة أن اعتبار الإسلام المتطرف تهديداً، أصبح في مركز اهتمام وسائل الأعلام .

لا شك ان لرواية " الخضوع " بعداً سياسياً واضحاً، وبعد انحسار الضجة الأعلامية سينظر الى الرواية بوصفها تمثل لحظة حاسمة في تاريخ الافكار وهي اللحظة التي دخل فيها اليمين المتطرف (او عاد) الى الاعمال الادبية العظيمة .

وقد وصف الفيلسوف وعضو الاكاديمية الفرنسية الان فينكيلكراوت ويلبيك بأنه اعظم روائي يستشرف ما قد يحصل في المستقبل."

ويمضي للقول "باثارته موضوع اسلمة فرنسا في نهاية المطاف، اثار ويلبيك المواجع وجعل التقدميين يصرخون من الالم."

 

ويلبيك يغّير نظرته الى الأسلام:

قال الروائي تعليقاً على الضجة، التي رافقت صدور روايته الجديدة . " إن فكرة قيام حزب اسلامي بتغيير وجه السياسة الفرنسية فكرة معقولة جدا" ولكنه اقر بأنه قلص المدة التي يمكن ان يحدث فيها ذلك.

وقال ويلبيك لمجلة " باريس ريفيو"، "حاولت ان اضع نفسي مكان شخص مسلم، وتيقنت انه في الحقيقة انهم (المسلمون) واقعون في وضع فصامي لا يحسدون عليه .."

إن المسلمين محافظون بطبيعتهم، ولا يمكنهم التأقلم مع اليسار خصوصا بعد ان تبنى هذا زواج المثليين. ولكنهم يشعرون ايضا بالتهميش من جانب اليمين الذي يرفضهم.

واذا اراد مسلم ان يصوت في الانتخابات، ماذا عساه ان يفعل؟ هو في الحقيقة في وضع صعب جدا إذ ليس لديه اي تمثيل بالمرة.

ويؤكد ويلبيك إن موضوع كتابه الحقيقي يتمحور حول عودة الدين الى قلب الوجود الانساني واضمحلال افكار التنوير التي سادت منذ القرن الثامن عشر.

وإن عودة الدين ظاهرة عالمية وهي موجة عاتية لا فرار منها. إن الالحاد حزين جدا. اعتقد اننا نشهد الآن نهاية حركة تاريخية انطلقت منذ عدة قرون في نهاية العصور الوسطى.."

وان الاسلام يوفر حلا افضل من الفراغ الوجودي الذي يعاني منه الانسان المتنور.

 

قراءة في المجموعة القصصية: قصتي مع جاكي شان للقاص الخضر الورياشي

abdulwahid ijtatitيُعد القاص المغربي الخضر التهامي الورياشي من الكتاب المتميزين في مجاليْ القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً. فقد عرفناه عن طريق الفضاء الإلكتروني من خلال ما كان ينشره من نصوص قصصية، ثم بعد ذلك أصدر باكورةَ إنتاجه عام ألفين وأربعة عشر -2014م- بعنوان "قصتي مع (جاكي شان)... و.. جنية الكتب... وقصص أخرى"، عن مطابع الرباط نت، ثم أصدر مجموعته الثانية المنتمية إلى جنس القصة القصيرة جداً في نفس العام. ويبدو أنه حريصٌ على مواصلة المشوار في فضاءات السرد والإبداع القصصي، وستصدر له مجموعة قصصية أخرى قريباً.

في هذا المقال سأقدم قراءة في المجموعة الأولي للكاتب، والتي صدرت ضِمنَ منشورات جمعية جُسور للبحث في الثقافة والفنونِ بالناظور. وقد قام بتصميم غلافها الخارجي محمد العطومي، وتتصدره صورة يظهر فيها القاص وهو يتوسط جاكي شان وجنية الكتب، أعلاها كُتِبَ اسم الكاتب باللون الأسود. والصورة تتلاءم مع العنوان الذي اختاره لمجموعته، والذي يذكرني برواية (الجنية)، للكاتب السعودي غازي بن عبد الرحمن القصَيْبي.

وهذا العنوان فيه إشارة إلى توصيفِ الجنس السردي الذي يَنتمِي إليه هذا العمل، وهو القصة. ومع ذلك فإن لفظَ "القصص" - الذي مفردُه قصة- لفظ تعميميٌّ، يبقى دالاًّ بصيغته ومحتواه في الذاكرةِ السرديةِ على نص مخصوصٍ من جنس النثرِ الفني، يقوم على الحكائية بأبعادها الفنية.

وتضُم المجموعة ثلاثاً وأربعين قصة، تتباين في الحيز الفضائي اختصاراً وتطويلاً، تنويعاً وتجنيساً، بمعنى آخر أن قصص المجموعة تتأرجح بين جنسَيْن أدبيين متلاحمين ومتجاورين، وهما: القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً. وعليه فهي تصنفُ ضِمْنَ المجموعاتِ التي تمزِجُ بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً؛ على غرار ما نجد عند القاص نور الدين الفيلالي في مجموعته (حلبة الرهان الأصعب) والمبدع ميمون حرش في مجموعته الأولى (ريف الحسناء) وغيرهما.

ففي القصة القصيرة نجد الكاتب ينساق في الامتدادِ السردي، وفي توظيف النعوتِ والصفات والأسماء، ويكتب -أحياناً- متأثراً بفن الرواية عندما تسهب في السرد وتعتمد الأسلوب الوصفي لتستغرق نصوصه صفحتين ونصف. ويتسم أسلوبه بهيمنة السرد بشكل أوسع على حساب الحوار والمونولوج، إلا أنه أحياناً يلجأ إلى الخطاب الحواري؛ كما نجد في قصتي: (وإذا الأطفالُ سألوا) وقصة (قصتي مع جاكي شان!!).

أما في النصوص التي تندرج ضمنَ جنس القصة القصيرة جداً (الرجل الذي انتحر بثلاث رصاصات، وحدة الراعي، مسافرٌ تائه، بكور، ميتتان، لصُّ في بيتنا...) فنرى الكاتب يَختار حَيّزاً فضائياً محدوداً من الكلمات والأسطر، ويَعتمد الإيجاز والتكثيف والإيحاء، ونجد لديه الاهتمام بالفكرة أو الموضوع دون الاهتمام بالشخوص أو الكشف عن ملامحها أو تسميتِها، بل تأتي مُغيبة وغير موصوفة؛ ممّا يَعني أن الكاتبَ على درايةٍ بفنّ القصة القصيرة جداً وأركانها وتقنياتها. ويمكن أن نمثل هنا بنص (وحدة الراعي) الذي جاء في سطرين اثنين، يقول السارد:

"ظلَّ دهْراً يُشيّدُ بيتاً، ويَرْعَى أبناءً، وضحّى في سبيلِهما بالغالي والنفيس.

وحينَ كَبُرَ البيتُ والأبناءُ رأى نفسه وحيداً!!" (ص:7).

نلاحظ هنا أن الكاتبَ عَمَد إلى تجويع اللفظ، واختيار كلمات قليلة ذات إيقاع وإيحاء، لتأتي الجُمَل في غاية التكثيف والاختزال. ومن ثم نجد النص يَحترم الحجم القصير جداً الذي هو الميسم البارز - أو الميسم الحقيقي؛ كما يرى الناقد جميل حمداوي- لهذا الجنس الأدبي الوليد. كما أنه ترك مساحة بيضاء بعد النص ليَستكمل المتلقي ملأها بالتأويلات المُمْكنة، ويُشارك في توليد المعاني؛ ممّا يدل على وعيه بجمالية التلقي.

وأول ملاحظة يُلاحظها القارئ لهذا المتن القصصي: أن الكاتبَ في هذه المجموعة لم يكن بعيداً عن المجتمع، بل كان مُلتصِقاً به، يَنقل معاناة أفراده، ويَتحدث عن قضايا الواقع ومفارقاته بأسلوب انتقاديٍّ ساخر يحاول من خلاله تعرية هذا الواقع وكشف تناقضاته، ولم ينسَ الكاتبُ الواقع العربي الدّامي، الذي تعيشه بعض الدول العربية؛ ممّا تنقله وسائلُ الإعلام ونشاهده يومياً في نشرات الأخبار، لهذا جاءت الشخوص متنوعة جنساً وهوية ومكانة ووظيفة؛ منها الرجلُ والمرأة والطفل والفتاة والأب والحارس والشيخ والطبيب واللص والبواب والقاضي والعسكري...

بيد أن التيمة الغالبة على قصص هذه المجموعة تعرية هذا الواقع المُر والكشف عن تناقضاته، دون تقديمِ الحلول الناجعة لهذه الظواهر السلبية التي يُدينها؛ مثلما نجد في قصة (لعنة أمريكا) التي نلمَسُ فيها مفارقة ناجمة عن انفصال القول عن الممارسة، ومخالفة القول للفعل؛ إذ ترتدي الشخصيات الثلاث - كما رسمها القاص- لباساً غربياً وتجلس في مقهىً عصريٍّ، على طراز غربيٍّ، وتشرب مشروبات من منتجات الغرب، لكنها في نفس الوقت تلعن أمريكا حين تشاهدُ جرائمَها في الأوطان العربية وهي تعرَضُ على الشاشة. يقول السارد: "وفي لحظةٍ شدّت أنظارَهم صُورٌ كانَت تعْرضُها شَاشة تلفاز كبير، ماركة أجْنبية، وهي مناظر من مَيادين قتالٍ وعُنفٍ، بين قواتٍ عربية وأخرى غرْبية، بَدا فيها واضحاً السّيطرةُ والغلبة للأخيرة. فتعالتْ أصواتُهم بدرجةٍ واحدةٍ، تَحْمِلُ شتائمَ قاسية، وتصبُّ فوقَ المنْضدةِ لعناتٍ لأمريكا!!" (ص:4).

وثمة نصوص كثيرة تلامِس مختلف الحالات المرضية في المجتمع؛ كالنفاق العمليّ وانهيارِ الأخلاق والقيم النبيلة؛ ففي قصة (أثرة الهوى) يَبرُزُ سلوك الفتاة التي يَتكالبُ عليها العشاق ولا يَظفر في نهاية المطاف بالزواج منها إلا من قدّم مَهْراً حسناً بين يدي أهلها. وفي قصة أخرى بعنوان (اغتيال الحب في حادثة سير) يمضي الكاتبُ في تعريةِ هذا الواقع المُرّ بما فيه من قيمٍ منهارةٍ وأخلاقٍ فاسدةٍ عنوانها الطمعُ والخداع، يقول السارد: "بعد هذه الحادثة قلتُ بحزن: - عندما تغزو السيارةُ أحلامَ الفتاة، فإنها تقهَر فارسَ الأحلام، وينوبُ عنه سائقُ السيارة.. وبذلك يفسدُ الحبُّ أو يموت !!" (ص:22).

إلى جانب هذه المظاهر المجتمعية التي يُدينها الكاتب ثمة بعض النصوص يتطرق فيها إلى الواقع الذي تعيشه بعض الدول العربية، التي شهدت حروباً أهلية، وثوراتٍ ربيعية (مسرح الواقع العربي الدامي، هلوسات جندي، وإذا الأطفالُ سألوا، سُباتٌ عربي...). ففي قصة (وإذا الأطفالُ سألوا) - والقاص هنا يَستحضِرُ الآية الكريمة: "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ" (سورة التكوير: الآية: 8-9) - يُصور لنا القاص بلغة مكثفة معاناة الأطفال الذين نجَوا من الحرب، ويُحاول أن يَرسُم طبيعة الشخوص من خلال الحوار. يَسألُ أحد الأطفال الضحايا: (أين أبي؟ وأين أمي؟) وحين يُخبرُه جار لهم بأنهما غائبان إلى الأبد بسبب الحرب، يُجيب الطفل: (لكنّ أبي لم يكن محارباً وأمّي لم تكن جندية... !!).  

تلك هي التيمات المهيمنة على نصوص المجموعة والتي يَحضُر فيها عنصر الألم بقوة ويغيب عنصر الأمل. وقد جاءت أغلبُ القصص مروية من الخارج بضمير الغائب؛ لأنه يتيحُ للقاص أن يَعرف عن شخصياته وأحداثِ عملِه السردي كلّ شيء، بينما جاءت القليل منها مسرودة من الداخل استخدم فيها ضمير المتكلم، وثمة قصة واحدة جاءت بضمير المخاطب، وهي قصة (صديق الثورة).

ويتناص متن هذه المجموعة القصصية مع نماذج سردية قديمة؛ مثل ألف ليلة وليلة، كما أنه يُحيلنا على رواياتٍ عربية حديثة؛ مثل رواية (فوضى الحواس) للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، ورواية (الجنية) للأديب السعودي غازي القصَيْبي...

وهناك نصوص كثيرة متناصة مع نصوص أخرى؛ كما في قصة (عفواً أيها القدر!!) التي تعالج ظاهرة عرفتها البشرية قديماً وحديثاً، هي ظاهرة كراهية ولادة الإناث؛ حيث تحكي قصة رجل يُلح على زوجته أن تنجب له مولوداً ذكراً، وظل مُعترضاً على مشيئة الله، لكنه عاد إلى رُشده وتاب إلى مولاه لمّا وضعت أنثى وقدّر الله تعالى أن تولَدَ مَيّتة. يقول السارد: "جَثا فوق رُكبتيه الواهنتين، كأنمَا قوة خافية عاتية قهرتْهُ قهراً، وراح في غيبوبته من الحزن والألم. فلمّا أفاق قال: "سبحانكَ تبتُ إليك وأنا أولُ المؤمنين". ثم رفع كفيه إلى السماء، وردَّدَ بصوتٍ مُختنقٍ بالعبرات: - اللهم عفوك.. اللهم عفوك.. هي حكمتك الباقية، وإرادتك النافذة، وما عَدَاها زائل، زائل.. - ألا كل ُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ.. باطلٌ.. باطلٌ..." (ص:44).

إن هذه الظاهرة الشائعة في بعض المجتمعات لها جذور في التاريخ البشري؛ حيث إن أهلَ الجاهلية/ما قبل الإسلام كانوا يكرهون الإناث ويتخلصون منهنّ عند الولادة بالوَأد، وهي ظاهرة انتقدها القرآن في غير ما موضع. وهذا الموقف الذي تحكيه القصة يذكرني بقوله تعالى وهو يتحدث عن الجاهليين: "وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثى ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظيمٌ يَتَوارى مِنَ القَومِ مِن سوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمسِكُهُ عَلى هونٍ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحكُمونَ" (سورة النحل: الآية: 58-59). كما تحلينا العبارة التي جاءت على لسان الزوجة: "- ولدٌ أو بنتٌ، فكلاهُما في عِلمِ الغيبِ، ومَشيئة الله قبلَ مَشيئتنا" على قوله تعالى: "يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (سورة الشورى: الآية 49-50).

ونلاحظ أيضاً أن القاص اقتبس النص القرآني الذي يَحكي قصة موسى عليه السلام لما ألحّ أن يَرى ربَّه رأي العين، وحين تجلى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صَعِقاً: "فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِلَيكَ وَأَنا أَوَّلُ المُؤمِنينَ" (سورة الأعراف الآية 143). وكلا النصين يُشير إلى طلب ما ليس في الإمكان، ثم الرجوع عن ذلك والتوبة إلى الله تعالى.

وفي نهاية القصة نجده استحضر بيت الشاعر لبيد بن ربيعة العامري، الذي يَحتوي على أصدق كلمةٍ تكلمت بها العرب، وهو قوله:

ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ     وكـُـلُّ نعيمٍ لا مَحَالة زائـــلُ

وهكذا يتضحُ لنا من خلال نموذج قصة (عفواً أيها القدر!!) هذه أن الكاتب له من الثراء الفكري والمعرفي ما يَسمَحُ له بأن يستحضر نصوصاً أخرى عند نسْج خيوط نصه القصصي ويَستثمرها بطريقته الخاصة، من أجل أن تخدمَ نصّه وتثريه دلالياً.

هذا ويمتلك القاص براعة في التصوير وجمالية في التشكيل اللغوي، كما يَعتمد التشويق ويَحرص على إثارة دهشة المتلقي ويُهيئ للنهاية بشكل دقيق ليُحدث الصدمة والمفاجأة، وقد جاء أسلوبُه القصصي مُمتعاً وموضوعاته القصصية متنوعة.

إن المجموعة القصصية التي بين أيدينا تشي - حقيقة- بمشروع سرديٍّ واعد، نرجو له تمام الاستواء والنماء.

 

قراءة في كتاب: المكان والزمان في النص الادبي (الجماليات والرؤيا) للبروفسور الناقد وليد شاكر نعاس

عن دار تموز للطباعة والنشر والتوزيع صدر للبروفسور وليد شاكر نعاس أستاذ النقد الحديث في جامعة المثنى كتابا نقديا بعنوان المكان والزمان في النص الادبي (الجماليات والرؤيا)ب حوالي 270 صفحة من الحجم المتوسط ؛قسم المؤلف الكتاب الى ستة فصول تناولها محور بحثه فالمكان منفى في وليمة الأعشاب البحر بداية تم الفضاء القراني مقاربة رائعة لسورة يوسف – ع - )

اما في ملحمة كلكامش فجاء البحث تحليليا من خلال أهمية المكان وحتميتة في الأسطورة وفي منعطف مهم يقارب ايدلوجية الزمان والمكان في قصص جليل القيسي ويمضي لمقاربة ايدلوجية الزمان والمكان يتبعها معنى المكان ومفهومه في الفن الادب .

جاء البحث لأهمية تقصي اسرارالنص الادبي والايحاءات التي يعطيها النص والمعنى المكنون فية إضافة لما يختبي في المكان.

ولكون الزمان والمكان المحوران الأساسيات في التعامل معهم من قبل الناقد او المتلقي فان استشراف الابعاد الجمالية والايحائيه اضافة الى الدلالات تتطلب فهما يقارب كل مايحدث من تحولات مفتوحة فيها وتاثيرهاعلى تشكل الخطاب اوالنص أي كان جنسه .

ان الباحث عندما يقارب نصا ما يحاول تفسير وتحليل النص والمعنى الأول الذي يتشكل في ذهنه من خلال الجوانب الواضحة والحقائق المهمة التي تستبطن متن النص.

ولاهمية الغوص او حتى ان يحلق المتلقي في فضاءء أي منجز تتطلب منه الاقتراب من تجسيد فهم الزمان والمكان اجماليا او دلاليا وهما شرطان لابد ان يتحققا لمعرفة قيمة المنجز الدلالية والجمالية والباطن من مخافي المسرود؟

الملفت ان الكتاب او بالاحراى فكرة البحث تمتد لاكثر من عقد من الزمان ولعل الباحث أراد في تلك الفترة ان يمهد لأهمية الرؤية التي المنفى والمكان والشخصية في ولادة النص وتأثيرها على طبيعة المسروداوجزء المؤلف الأمكنة الى متقطعة ومتوحده وأوضح البعد السيميائي لامكنة المنافي

ففي المكان دائما تبرز هوية الشخص ببعدها الاجتماعي والثقافي وحتى البايلوجي فالانسان يدون دلالاته وانطباعاته معتمدا على اللاستعور في القراءة التي تستوطى فكرة ولكون ادراك المكان محسوسا تظهر تصورات الانسان المادية وغير المادية مثل البعد، القرب والصلة بين المجتمع والظروف المؤثرة .

في مجتمعا العربي المضطهد الذي قيدته التقاليد الفارغة قبل ظهور الدين اوجد مناخا خصبا لكي يرسم هذه المعاناة من خلال الشعر والخطاب والنثر او أي وسيلة تعبيرية أخرى فكانت في مجملها (المسرودات او النصوص) تعبر عن دفاع الانسان عن ذاته ورفض القمع من الاخر سيما من يمتلك السلطة عليه .

أراد لكاتب في مقاريته لرواية (وليمة لاعشاب البحر) للكاتب حيدر حيدر ان يظهر مدى تميزها وتجسيدها المكان كمنفى وظهرت معظم شخوصها تحمل أفكار متمردة وبنيت مفاهيمها وددلالاتها مدى البؤرة التي من خلالها سلط الروائي الضوء على مجمل المكان في هذا العمل.

في هذا المضمار يوضح الكاتب من خلال توضيحة للشبهة فيما اختلف فيه من ان المكان المنفى يعد اجمالا من الأمكنة المعادية في حين ان توثيق شعور المنفى والارهاصات التي يسجلها في المكان والزمان معا ومقارنتها ما قبل النفي يوضح مدى أهمية معرفة تعريف المكان والمنفى معا صحيح ان بعض المنافي يتم اختيارها للهروب من القمع الجمعي او الهروب بالوعي الفردي لكن اجراء المقارنة قياسا بالضرر او بالمخرجات التي تشكل انعكاساتها مستقبلا على وجود الانسان ودرء التهديد عنه ونوعية التهديد فهنا ينبغي ان نعيد الوعي والادراك لتعريف تلك الأماكن وفق قصديه واضحة وهي قصدية الوعي فاذا تجاوزنا سلبية التصور او تصوير الفرد لاماكن المنفى وتركناها تتفاعل مع المخزون العقلي والذكريات يعني اننا نميز بين نمط مالوف من القمع الشامل المؤثر في إمكانية اتجاه التلازم مع المكان المنفى لان المنافي ليست دائما اضطهاد او فشل الفرد في عدم التعايش مع ذاته بل ان المعوقات التي تضع امامه تمنعه من ممارسة دوره بدون اغتراب .

كان المكان ومازال محورا أساس في النص الروائي كون الحدث يحتاج الى جغرافية (الواقعة) ويكون المسرود اجتماعيا في هذه الاعمال وتساهم في دعم النظام الاجتماعي القهري ولم تبحث عن حلول لواقع افضل او حتى الاصطدام بالواقع المسيئ .

وفي الأجمال ومنذ الازل نشب خلاف لا ينتهي بين الحاكم والمحكوم وفلسفة كل منهما ومن خلال ذلك تقسم المجتمع الى طبقات مستفيدة وأخرى متضررة وهنا تبرز أهمية أخرى وهي غياب المثل العليا او عدم تطبيقها لان محاور تطبيقها تحتاج الى حل لكل التناقضات والصراعات ولابد من ظهور تغيير حقيقي وتبادل أدوار بين الحاكم والمحكوم ومع ذلك ظل المكان فاعلا اسياسيا في تشكيل المعنى والمقصد من السرد.

في رواية موضوع بحث المؤلف تبرز كثرة المنافي، الاهوار، الاحياء الشعبية، قطار الموت، السجن وكانت الاهوار في مقدمتها كونها كانت ملجا للمنفين اضطرارا او اختيارا.

رغم ان اللبس في الفهم بين الحرية والتمرد يولد شعورا بان كل ما يقوم به المنفي جزء من الحرية وتتعمق جدلية أهمية المكان والحرية في الفضاء القراني مقاربة في سورة يوسف (ع) .

قدم المؤلف امثلة عديدة لمنافي متعددة لرسم الغربة على أساس توافر المنافي في كل سمة في منافي الداخل بثيماتها المتعددة ومنافي الخارج المتعدد الاشكال والابعاد بيرز دور المؤلف في تتبع الخطر والهلاك الذي يشاطر الأمكنة والمنفيون في المدن الواقعة بين الغربة والهجرة وفي هذا بحث الباحث في ص55 رحلته ومقاربة من خلال التوقف عند رواية وليمة الأعشاب للكاتب حيدر حيدر بعدد من الملاحظات حول توظيف ظواهرية الفيلسوف (هوسرل) حول جماليات مكان الالفة كما يهمنى ان اذكر انضاح الرؤية لدى مقاربة الراوي في توظيف المكان واشياءه لادانة السلطة في قمع الفرد وهي ماساة الانسان العربي في العصر الحديث

ص67 يختار المؤلف بحثا اخر مختلف في موضوعه وهو الفضاء القراني في سورة يوسف ولماذا الفضاء القراني ولم سورة يوسف.

وان العبرة في هذا البحث هو تفتيق جماليات القصة القرانية في عنصري الزمان والمكان .

ولان الفضاء هو الحيز الزمكاني الذي تتمظهر فيه الشخصيات و الأشياء متبلسة بالاحداث تبعا لعوامل عده تتصل بالرؤية الفلسفية وبنوعية الجنس الادبي وبحساسية الكاتب .

في هذا ينبه الكاتب المتلقي الى جمالية ان يكون السلطان الأعلى و المبدع الخالق هو الذي يقص علينا هذه القصص ويكشف عما خفي من اسراراها ولما يكون الله سبحانه وتعالى بواسطة جبرئيل (ع) على لسان النبي (ص) يعطي انطباعا وتساؤلا هل هذا القصص القراني بزمانه ومكانه قائم على التخريف أيضا كما في الاعمال الروائية الجواب لا لان فضاء دلاليا رسمه القران بالفعل قص على معنى الخير ووصول النبا والابلاغ عن الواقعة الاختبار وهذه الدلالة المركزية للفعل قص كانت تفيد دائما بدلالات مجاورة يفرضها سياق الحال ؟ ص 71 – 27

وفي هذا الاطار يمكن ان نتحدث عن مباحث عديدة فالمكان والذي بدوره يتبلور الى محاور متتابع احداث القصة يجعلك تتابع احداثها على محور المكان الأصل الذي يتكون من الوضع الأصل توازن البيت، رحيل وخداع، الاستباق، الإساءة الحب .

وفي مكان الاختيار الي يحدث في مكانين وصور الاختيار الترشيحي ص 76 – 77

مكان العثور عليه القصد، السجن، قصر الملك، قصر يوسف في الزمانيعد الزمن محورا مهما من محاور السرد بوصف السرد يروي احداثا في الزمان والمكان معا تكون القصة امام القاري مشخصةبمكان وزمان احداثهما .

وفي هذه القصة يتحدث المؤلف عن مراحل البناء الزمني للحدث واشكال حركة السرد الزمني ويقارب نسقين من خلال تتابع وتضمين متوازي وفي نهاية البحث يعالج المؤلف أسباب الوقفة والحذف في اصل القصة باعتبارها نمطاء من انماط زمن السرد وان كان في القصة توضيحا لعدم وجود سرد تخريفي .

ص9 في خاتمة البحث يوضح مفهوم الفضاء الذي قديثير إشكالية في تطبيقه على النص القراني لانه يحوي اليات منهجية تنسجم مع جنس الرواية التخريفي والتخريف لا يكون في كتاب الله سبحانه وتعالى (القرأن) .... الخ

 

المكان الأسطورة في ملحمة كلكامس

اذا كانت الأسطورة جزء من الثراث الإنساني الذي لاينتمي الى نظام معقول عند البعض كونه تراتيل دينية فان هناك من يدحض هذا التعريف ليذهب الى ان الأسطورة تسطير أي زخر من الاقاويل .

 

ملحمة كلكامش

جاء في اللغة ان الملحمة هي الوقعة العظيمة القتل ويقال الحمن القوم اذا قتلهم حتى صارو لحما وفي الاصطلاح قصيدة قصصية طويلة يقوم بها شخص احد تقوم على خوارق الأمور وتختلط فيها الحقائق والاساطير وتتتغلغل العقائد الدينية والروحية في ثناياها .

وملحمة كلكامش واحدة من عيون الادب السومري العراقي القديم وابدع نتاج ادبي عرفته الملاحم البدائية بمادته الأسطورية والدينية والاجتماعية كما يعد اقدم نتاج ادبي عثر عليه بعد الطوفان فهو يعود في زمنه الى الالف الثالث قبل الميلاد ..... الخ ص108

في هذا البحث يتناول الكاتب المكان الاسطورة ثم الأسطورية في الملحمة ويذهب الى تفتيق دلاله هذه الأمكنة من غابة الأرز، جيل ماتشو، حديقة الالهة، بحر الموت، مصب الأنهار الوعد بالخلود وما ورد فيه من وصف تشبيه الوعد الإلهي بالخلود في الجنة.

وفي خاتمة الحب يتوصيل القارئ الى نتائج اهما

الأماكن الأسطورية كانت عقبة في طريق كلكامش في رحلته في البحث عن الخلود .

الأماكن المعنية لا وجود لها في الواقع من قبل البشر .

هذه الأماكن وصفت بالضخامة والسعة بما يفوق الصور .

الإشارة الى ان هذه الأماكن لم يطاها احد قبل جلجامش

في جوانب كثيرة من الملحمة نستخلص جوانب إنسانية مميزة جرت في تلك الأماكن منها نكبات الدهر وذكر الموت وحياة الانسان بكل أشكالها .

 

ثنائيات المكان في قصص جليل القيسي

لان للمكان حضور فاعل في توجيه النص واغنائه وتاهيله رغم حداثة تبلورة كمفهوم ادبي ودخوله حلبة النقد بعد تخلصه من صيغتة الفلسفية المحصنة واكتشافه في النص الادبي عنصرا ذا تماس عميق ومحمولاته الدلالية وهو الى ذلك قرنين التميز والخصوصية . ص 135 – 214

يقارب الكاتب في رحلته السيرة في بحث ثنائيات المكان عند جليل القيسي ويسجل بعض النتائج التي افضى اليها تحليل النص للمكان في قصصه القصيرة منها ضرورة دراسته المكان عبر تشكيله في النص القصصي ومن تم البحث عن كيفية توظيفه في النص مجاليا وبنائيا وبان لا ينظر اليه بمعزل عن مكونات السرد الأخرى .

ويعتقد الكاتب بان كل مكان في القصة هو عبارة عن منظومة نسبية متحوله قابلة للتغير معتمدة في ذلك على الدافع النفسي للشخصية

كما يوضح الكاتب بان هنالك فرق بين المكان المفترض والمكان التاريخي والمكان الأسطوري

كما رصد الباحث أنماط الأمكنة في قصص القيسي أما في ثنائية المكان المفتوح والمغلق كانت الهيمنة المكانية متساوية .

 

أيدلوجيا الزمان والمكان

مقاربة في رواية سابع أيام الخلق

حينما يعد الكاتب الرواية جنسا ادبيا يزاحم الشعر ويزيحه الى حد ما من دائرة الحضور عند المتلقي العربي حتى تصبح الرواية ديوان العرب اليوم في هذا البحث ايدلوجياالزمان المكان مقاربة في رواية سابع أيام الخلق لعبد الخالق الركابي

يعتقد الكاتب ان هاجس البحث هو إيجاد مقاربة تأويلية تربط الزمانية والمكانية بثيمة الإنسان مع ابرز الجوانب الجمالة الفنية في العمل ومن خلال الإفادة من مناهج النقد الادبي الحديثة ؟

ففي العتبة الأولى من البحث يتناول الكاتب ايدلوجيا النص وتاريخه المحكي ثم قراءة للزمان من خلال تطبيعه ضمن ثقافة المجتمع الذي عاصره النص اما المكان فيقول تمت قراءته كواقع محتمل مع تحليل لأبرز الثنائيات التي يشتمل عليها النص,

في ادلوجيا النص وتاريخه المحكى يوضح الكاتب علاقة الزمان والمكان باحداث الرواية أما أيدلوجيا النص محاولة فهم تلك العلامتين وما يتشظى منها من رموز وإشارات .

يرسم لنا الكاتب صورة واضحة لتطبيع النص زمانيا لان المتن الحكائي خاضع لتوجه مرجعي ولكون ألركابي عرف الراوي السابع بهوية نصه ومرجعياته وزمنية النص ومكانته ثم إليه اشتغاله على الخطوط والنصوص الشفاهية .

 

مفهوم المكانية في الادباء

في هذا المبحث هو اخر مباحث الكتاب أ.د وليد شاكر نعاس

المكان والزمان في النص الادبي الجماليات والرؤيا

أقول يقدم المؤلف توضحيا لمفهوم المكان سواء كان مفهوما لغويا أو عندما يعده ظاهرة في المفهوم والدلالة والمعنى ويرى أن اختلاف الآراء والتوجهات وتعدد زوايا النظر لاتوثر في تنحي مفهوم أن البعد الفلسفي ظاهرة للمكان سيسهم بصيغته الإشكالية على المستوى الفلسفي أولا ثم الأدبي ثانيا

ويستطرد المؤلف في توضيح المفهوم الفلسفي للمكان تاريخيا وأدبيا واشكال المكان في الادب

 

الخاتمة

ورغم ان الكاتب يعد منجزة محاولة في قراءة الابداع المكاني والزماني في اطار أبحاث مفتوحة تلمس العلاقات المكانية والزمنية وتحولاتها وفق منهجية قائمة على رصد الرؤى لمجموع الخصائص التي ينتمي اليها كل نص أدبي إلا أن الأكيد أن هذا الكتاب يفتح الافاق امام المتلقي الباحث المتخصص للغور في مباحث الزمان والمكان من خلال تتبع مواقع الجمال والرؤيا في النص ويجعل من اليسير تفكيك العديد من شفرات النص المفتوح اوغير المفتوح ومعرفة الأسرار الكامنة سواء كانت فلسفيه آو اجتماعية يختزنها السارد في متن النص و أجدني أرتبك كثيرا حينما أحاول أن أبعثر كل هذا الجمال الذي قدمه البروفسور النعاس فلا أجد عبارة أركنها في هذه القراءة المشوشة بلا شك والتي فشلت كما يبدو في تقديمها للقراء وان الدراسة التي قدمها عالم في النقد بمستوى المؤلف فيها مباحث عظيمة تحتاج إلى ناقد حصيف يستطيع أن يقدمها لهواة النقد

 

نجم الجابر ي

13 كانون2 2015