المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

الوحي والذّات في دائرة النّور.. قراءة في قصيدة: فاطة للشّاعر التّونسي يوسف الهمامي

madona askarفاطمة عادت..

وعادت بوجهها المعنى

إلى استفهام فصحاها...

فاطمة عادت...

وعادت بمجرى الوقت

من نزنزة طلقتها الأولى

إلى انتفاضاتها الأحلى..

إلى عودتها المطلقة

فاطمة عادت

وعادت تقول:

قل أنّك منّي إليّ فإنّي

لـــ: " ياء " و"واو" و " سين" و "فاء "

بُعثت من شهقة الطّين فيك

ومن وحدة الرّوح أسمى سماء

ليمتدّ منك اتّصالي بغيبي

ويمتدّ منّي سعير النّداء..

فأنا امرأة الدّم عدت..

وأنا الغائب.. الغائب

وأنا الحاضر.. الغائب

وأنا الآتي..الغائب

عاشقي أنت..

تفاصيل تكويني..

منفذ وحيي..

دمي / نزيف من جرح مائك

فكرتي / وهج من نور طينك

ومضغة من شبه الفكرة ومنك

كلّي منك

أنت بدء منتهاي..

//

فاطمة عادت...

وعنك وعنهنّ لمّا هتفن

وعنك وعن نوقهم حين سادت

وعنك وعن جمعهم أنّك قلت أن

شذى الحلم فاطمة الكلّ عادت

وعادت تقول:

ستترأى أيّها القادم

على ضفة النّهر العظيم

كانّك سواك...

تتطهّر برضاب الرّمل

تتلو صمت الحجر..

تعانق موسيقى الرّقرقة

تذوب بأنثى الطّين

تلتمس ما تيسّر من ظمأ الرّيّ

ومن حكمة فاطمة - حكمتي

تنتبذ ركناً أقصى

داخل ملكوت النّهر

تصطفي من طقسك..

لوناً ما.. لروح الماء

وطعماً ما.. لطينة الماء

ورائحة ما.. لنسل الماء

تنفخ في البعض من البعض

تنشد جمر البوح

إلى أن أتوّجك إله عشق

على عرش مملكة الماء..

//

فاطمة عادت..

وعادت تقول..

أنا الأصل والفرع والكون طلق

لينبوع بعضي من الكائنات

أنا الكأس والتبغ إذ تشتهيني

وغيب من الشّدو والأغنيات

أنا أنت معنى وأنت السؤال

وصلصال ريحي وريح الفتات..

ستسأل: ما العشق؟

وأقول : هو أن ترى الله فيّ

وفي صورة ما ترى..

ستسأل: ما الحزن؟

وأقول: هو أن تحترق فيّ

وفي كلّ العناصر تماماً

إلى حد الذّوبان

ما بين استحالة الرّماد وممكن النّار..

ستسأل: ما الحياة ؟

وأقول: هو أن تعصر الزّمان في قدح

وأن تعصر العنب في قدح

وأن تظلّ تسكر من ذاك وذا..

حتّى تموت الحياة

وتحيا لي أبداً..أبدا

ستسأل: ما الموت؟

وأقول :

هو أن تنفصل روحك عن جثتي

لتتّحد بجثّة سواي

فاطمة عادت..

---------------

(*) من ديوان - صلصال الريح -

 

- القراءة:

"قدر الشّاعر أن ينفذ عميقاً إلى تفاصيل الذّرات ويكاشف حرن العوالم الموصدة، ويشرق من وراء أنظمة الحواس وعليها مرتّباً طقس الاحتمالات على مقاس ما في ذات الماهية، دون طمع في ما ستبشّر به القابلة ودون فجيعة. وما - حديث الحمرة - إلّا دربة منه." (يوسف الهمامي).

في عوالم الشّعر تنكشف الحقيقة، ومنها يتسرّب الجمال بثوب الفكر المتجدّد والمتألّق. قد لا تكون مهمّة الشّاعر تحليل الواقع أو توجيه القارئ أو إرشاده، إلّا أنّه بخطوطه الجماليّة يرسم له سبل البحث، ويحوك له دروباً قد تمكّنه من ولوج ذاته ليلقى أناه. وفي قصيدة "فاطمة"، يشرّع الشّاعر يوسف الهمامي أبواب ذاته ويدعونا لقراءة يوسفيّته العميقة، مبيّناً لنا حقيقتها الوجوديّة.

 

- "عادت فاطمة":

بُنيَت القصيدة على عبارة (عادت فاطمة) الّتي تكرّرت سبع مرّات وعلى الفعل (عادت) المكرّر اثنتي عشر مرّة. وبذلك تشكّل هاتين العبارتين (عادت فاطمة/ عادت) عنصريْن أساسيّين في القصيدة، يُحكم الشّاعر استخدامهما ليكون محور القصيدة فاطمة والعودة.

فاطمة/ الاسم الرّمز الّذي سيقودنا إلى الشّاعر نفسه، إذ إنّه على نورها تنكشف له حقيقة ذاته، ويتجلّى معناه الإنسانيّ العميق. وبالتّالي سيرتبط  اسم فاطمة بشكل وثيق  بكينونة الشّاعر. إلّا أنّنا نستشفّ التّمهيد لهذا الرّابط بينهما، أو بمعنى أتمّ، الشّركة الوجوديّة. ففي القسم الأوّل من القصيدة، يمهّد الشّاعر لعودة فاطمة، وكأنّي به يطرح فلسفة شعريّة وجوديّة، تعرّفنا على  حضور الحقيقة بذاتها حتّى تتجلّى وتتّحد بالكينونة الإنسانيّة:

 فاطمة عادت..

وعادت بوجهها المعنى

إلى استفهام فصحاها...

فاطمة عادت...

وعادت بمجرى الوقت

من نزنزة طلقتها الأولى

إلى انتفاضاتها الأحلى..

إلى عودتها المطلقة

فاطمة عادت.

يشكّل المطلق في عودة فاطمة حتميّة الحقيقة، وبلوغ شاطئ الأمان. ولعلّ الشّاعر يوسف الهمامي يعبّر بالعودة عن إدراكه لهذه الحقيقة. فالعودة هنا لم تعقب غياباً بل هي تعبير عن وصول. والوصول يسبقه انتظار وترقّب. وفي فكر الشّاعر تأكيد لبلوغ المراد المرجو، إذ إنّه لا يذكر غياب فاطمة واقعيّاً وإنّما يذكر العودة رابطاً إيّاها بالهدف. (فاطمة عادت../ وعادت بوجهها المعنى). ولمّا ارتبطت العودة بالمعنى انتفى مبدأ الغياب ليحلّ مكانه مبدأ نقص المعرفة الّذي سيكمل بالعودة. فيمسي المعنى الأصيل للعودة ظهور الحقيقة  وانكشافها.

 

- "فاطمة الوحي والموحى بها":

(وعادت تقول/ قل). بين الشّاعر وفاطمة لغة حواريّة. وإن كنّا نشهده مصغياً إصغاءً تامّاً، إلّا أنّه ينطق بلسان فاطمة ليبيّن لنا مدى اتّحادهما. فاطمة آتية كالوحي، كالنّور المنسكب في قلب الإنسان. وهي الموحى بها للشّاعر لأنّه انفتح على هذا النّور وسمح له بالتّسرّب إلى أعمق مكان فيه. (قل أنّك منّي إليّ فإنّي/

لـــ: " ياء " و"واو" و " سين" و "فاء"). تغلغلت فاطمة في كلّ ذرّة من كيان الشّاعر، ما دلّت عليه حروف اسمه المنفصلة (" ياء " و"واو" و " سين" و "فاء")، والمتّصلة في آن لكن على ضوء عودة بل حضور فاطمة.

يفتح لنا هذا الحضور آفاقاً واسعة على الخلق تمكّننا من استشفاف مقاصد الشّاعر.

(بُعثت من شهقة الطّين فيك

ومن وحدة الرّوح أسمى سماء

ليمتدّ منك اتّصالي بغيبي

ويمتدّ منّي سعير النّداء..). يعبّر الشّاعر في هذه الأبيات عن وحدة سابقة للخلق الإنسانيّ. فالاثنان جُبلا معاً بروح واحدة وطين واحد، إلّا أنّهما انفصلا شكليّاً أو لنقل جسدانيّاً بيد أنّ الشّركة ظلّت قائمة بينهما.

(فأنا امرأة الدّم عدت..

وأنا الغائب.. الغائب

وأنا الحاضر.. الغائب

وأنا الآتي..الغائب). إن رمز الدّم إلى شيء فهو يرمز إلى الحياة، وفاطمة المنغمسة في كيان الشّاعر حياة قائمة لا يعطلها الغياب. فالغياب هنا بمثابة احتجاب حتّى يتجلّى المعنى. (أنا الغائب.. الغائب/  وأنا الحاضر.. الحاضر). غياب لا ينفي الحضور، وحضور لا يستبعد الغياب.

تذكّرنا هذه الأبيات بهمسات درويش في قصيدة "يحطّ الحمام"، (تعالي كثيراً، وغيبي قليلاً// تعالي قليلاً، وغيبي كثيراً). الحالة العشقيّة الكامنة في حركة دائمة، لا تبدأ لا تنتهي، وتخرج عن نطاق العاطفة التّقليديّة لتدخل إطار العشق السّرمديّ الملتصق بالحقيقة.

(عاشقي أنت..

تفاصيل تكويني..

منفذ وحيي..

دمي / نزيف من جرح مائك

فكرتي / وهج من نور طينك

ومضغة من شبه الفكرة ومنك

كلّي منك

أنت بدء منتهاي..)

بالحبّ خُلق الإنسان ولا بدّ أنّه جبل به وسيظلّ قلبه مضّطرباً حتّى يستريح فيه. وتفاصيل التّكوين عند الشّاعر عشقيّة بامتياز، ويشرح هذا التّكوين بأدقّ تفاصيله. (الدّم/ الماء/ الفكرة/ الكلّ/ البدء/ المنتهى)، تعابير ترسم الوحدة بين الشّاعر وفاطمة ليستبينا لنا كياناً واحداً. بل أعمق من ذلك، فالشّاعر بكينونته استمراريّة لفاطمة وهو مبلغ حقيقتها (أنت بدء منتهاي).

بالمقابل، للشّاعر حركة مستديمة لبلوغ الحقيقة، فهو لا يقف منتظراً مترقّباً بل يسعى ويخطو نحوها. (ستترأى أيّها القادم.. على ضفة النّهر العظيم). في مسيرته نحو الحقيقة يلقى الشّاعر ذاته (أناه) كما لم يعهدها، أو بمعنى أصحّ، يتحوّل بدافع العشق إلى التّجدّد الإنسانيّ (ستترأى أيّها القادم / على ضفة النّهر العظيم / كانّك سواك...). ويرتقي هذا التّحوّل إلى رتبة الألوهيّة عند اكتساب الحكمة. وكأنّي بالحكمة والعشق يشكّلان مفهوم الألوهيّة. (ومن حكمة فاطمة – حكمتي/ إلى أن أتوّجك إله عشق).

 

- "فاطمة، دائرة النّور":

في النّور تتجلّى كلّ الحقائق، وتتّضح الإجابات، وتنتفي التّساؤلات. وفي دائرة النّور يسبح شاعرنا وتنكشف له أسرار الكون. بل إنّه في القسم الأخير من القصيدة يدخل الشّاعر دائرة النّور وكأنّه خرج من العالم ليحيا هذه الحقائق وينعم بها. وباتّحاده العشقيّ بفاطمة يتجلّى كلّ المعنى، وأمّا بعيداً عنها فيبقى السّؤال قائماً. (أنا أنت المعنى وأنت السّؤال). وتشكّل فاطمة في هذا القسم ذروة الحقيقة ومنتهاها، فلا يعود الشّاعر بحاجة للبحث وإنّما يحيا الحقيقة.

(ستسأل: ما الحياة ؟

وأقول: هو أن تعصر الزّمان في قدح

وأن تعصر العنب في قدح

وأن تظلّ تسكر من ذاك وذا..

حتّى تموت الحياة

وتحيا لي أبداً..أبدا

ستسأل: ما الموت؟

وأقول :

هو أن تنفصل روحك عن جثتي

لتتّحد بجثّة سواي).

 

مادونا عسكر/ لبنان

    

الشاعر نمر سعدي: فوضوي جميل يعيش بين أمكنة المرئي واللامرئي

wejdan abdulazizرغم حرارة ريح تموز المتسربة من شباك غرفتي، تغريني كلمات أصدقائي المبدعين من الشعراء والشاعرات، فالتزم الصمت، وارتكن للتأمل، حيث احلق بأجواء الجمال التي تحمله الكلمات الراقصة أمامي، فكلمات تتخفى لخجلها في البوح، ومنها تظهر ما تبطن بهدوء، ومنها تصرخ منفعلة، وكل هذا ينطوي برومانسية جميلة تدخل الروح، فتجعلها محلقة في سماء الطهر والانفعال الجميل، مؤسسة لفتح نوافذ من حدائق الحب النقي، بتلك الأدلة المخبئة في قلوب لاتعرف الا الحب، ولا تكره إلا القبح، فتراها قلقة منفعلة تبحث عن الحقيقة .. عشت مع كلمات الشاعر نمر سعدي، وهو يتماهى مع المكان ويمارس نشاطه الشعري في خفاء اللغة وتجلي الصورة .. يقول:

(شاعرٌ هوَ أم داعرٌ إذ يقولُ

ظُفرُ تلكَ التي كنتُ أحببتُها لدقائقَ معدودةٍ في مكانٍ نسيتُ...

ربَّما كانَ في حرمِ الجامعةْ

ربمَّا في القطارِ البطيءْ

ربمَّا في حدائقِ عينينِ صيفيَّتينِ تضيئانِ ما لا يُضيءْ

ربمَّا في الطريقِ إلى الموتِ أو صخبِ الحافلةْ

ربمَّا في مساءٍ بظلِّ المجمَّعِ أو في انتظارٍ طويلٍ طويلٍ لما لا يجيءْ

ربمَّا في ندى الوردِ أو في خطى السابلةْ

كانَ يلعنُ هذي الحياةَ بعينيهِ أو روحهِ الشاعرةْ

كانَ يهذي بغيرِ فمٍ:

ظفرُ تلكَ التي كنتُ أحببتُها لدقائقَ معدودةٍ في جهنَّمَ

حتى ولو سُميَّتْ عاهرةْ

أحنُّ وأفضلُ من كلِّ زوجاتيَ العشرِ....

عانقتهُ ثمَّ وصَّيتهُ بصغارِ الملائكِ..ودَّعتهُ وبكيتُ.. انتهيتُ من الليلِ

ثمَّ مشيتُ.. مشيتُ.. تشقُّ الخيولُ المجنَّحةُ الماءَ فيَّ ولا تستريحُ الخيولُ

شاعرٌ هو أم .. فوضويٌّ جميلُ؟)

وهنا اراه رغم تعففه، الا انه ينفعل ويتهم الشاعر المتماهي في ذاته بالدعارة الجسدية، وهو يخفي نقاء حبه، ويتجول في امكنة حضور الحبيبة، سواء كانت تلك الامكنة حقيقية مرئية، ام افتراضية لامرئية، كحرم الجامعة والقطار، كمكان مرئي، وكحدائق العينين او ندى الورد، وهي امكنة افتراضية لامرئية، ليؤسس الشاعر نمر سعدي، بهذا لفلسفة الحضور الجمالي لانثاه، محاولا الانفعال ضد ثورته الجسدية، بدليل قوله : (ثمَّ مشيتُ.. مشيتُ.. تشقُّ الخيولُ المجنَّحةُ الماءَ فيَّ ولا تستريحُ الخيول)، وهنا كناية بالخيول عن الانفعال العاطفي الذي يجتاح ذاته الرافضة لرغبة عابرة، لاتشبه جمالية الحب، تلك العاطفة النقية التي تسكن الاعماق وتحركها نحو ما هو اجمل في الحياة .. ومن هذه المسارات (اتجهت القصيدة العربية الجديدة في سياقات تطورها وتحديثها المتنوعة الى الاشتغال على المعنى الشعري بوصفه تجربة تتجاوز حدود الدلالة الكبرى، لتدخل في فضاء السيمياء، فكان المكان موضوعا رئيسا واوليا من موضوعات هذه التجربة . وبما ان الجسد الشاغل الاساس للمكان والمنتج الاول للمعنى، فقد احتفت به القصيدة الجديدة وقاربته بمناخ مختلف ورؤى متعددة، غير ان ذلك لم يكن بالعمق والاصالة المطلوبين عند الكثيرين، لكنه عند البعض الاخر الواعي لحساسيات مفرداته وخلفياتها كان عميقا واصيلا ومنفتحا على فضاء الموضوع.)ص138 تمظهرات، من هنا تخفى نمر سعدي في امكنة مثلت حضور الحبيبة، بتأويل المعنى الشعري .. وتعايش مع المتضادات في قصيدة (ذئب الغواية)، بثورة انفاعلية متوترة بين فخي (التفاح، الدفلى)، كثنائية متضادة تظهر قلقه، وكذا في (البنفسج، الحروب)، هذا التضاد والتناقض، حقيقته الحياتية تتسم بالوجودية الحتمية، باعتبار ان الشر والخير والحق والباطل والجمال والقبح، موجودة في ساحات الحياة، وما الشعر ومشروعه الا عمل يقع في دائرة اللاممكن، لهذا سيبقى الشعر والشعراء، ينزعون عن هذه الحتمية الوجودية، ليعيشوا السمو الروحي والبحث الدائم نحو صعود سلالم النقاء والجمال .. يقول أبو الحسن الندوى: "إن الإنسان ليس عقلًا مجردًا ولا كائنًا جامدًا يخضع لقانون أو إدارة قاصرة، ولا جهازًا حديديًّا يتحرك ويسير تحت قانون معلوم أو على خطٍّ مرسوم، إن الإنسان عقلٌ وقلب وإيمان وعاطفة وطاعة وخضوع وهيام وولع، وحب وحنان، وفي ذلك سر عظمته وشرفه وكرامته، وفي ذلك سر قوته وعبقريته وإبداعِه وسرُّ تفانيه وتضحيته، وبذلك استطاع أن يتغلب على كل معضلة ومشكلة"، فهل يكون الشعر ساحة لصناعة الفكر الجمالي هذا ما يسعى له شعراء العربية اليوم، ولاسيما بعد التلاقح الفكري بين شعوب المعمورة من خلال المعلوماتية والعولمة الثقافية التي توفر هذا التلاقح، وتعمق اشكالية التناصية بين الافكار واشكال ايصالها للمتلقي .. وكان حراك الشاعر نمر سعدي باتجاه حجز منطقة متميزة، يتحرك فيها معلنا عن رؤية ذات موقف محدد، وهي العيش ضمن منطقة الافتراض الشعري، ومن ثم التواصل مع فعل الوجود الواقعي، باسئلة متواصلة، كما في قوله :

(ماذا تريدُ الأسئلة؟

ما هوَ الظمأُ؟

الأقحوانةُ.. عطرُ الماءِ.. شهوتُهُ

المرأةُ.. النورسُ.. الحوريَّةُ.. الرشأُ

يبكي على يدِها من عشقهِ برَدى

وينتهي في حوافيها.. ويبتدئُ

تُعلِّمُ الشبقَ الفضيَّ في شفتي

طيورُها.. كيفَ حولَ النارِ ينطفئُ

الياسمينةُ أجلوها.. فينثرني

صوَّانُها الرخوُ.. أو يعلو دمي صدأُ؟

تسقي خطايَ فراشاتِ البحارِ ولا

تهذي بغيرِ شظايا.. ما هو الظمأُ؟

قصيدتي جرَّها الفاشيُّ حافيةً

من شعرِها.. والندى الجوريُّ يهترئُ

أكلَّما خمشَتْ عصفورةٌ عُنُقي

جاءَ ابنَ زيدونَ من ولَّادةٍ نبأُ؟

ضحكُ الدمشقيَّةِ الغيداءِ يغسلني

بلهفةِ الدمعِ حتى لستُ أنكفئُ

أروادُ فيها بعينيها تُعاتبُني

وليسَ تغفرُ لي نسيانَها سبأُ)

فنجد هنا تحولات القصيدة عنده في تناصاتها مع اسماء معروفة في عالم الادب العربي كأبن زيدون، نجدها تتحول الى مايشبه فتاة، يجرها الفاشي من شعرها، الا انها تتضمخ بالندى وعطر الجوري اذن (لاتوجد في الفن حقيقة عامة مشتركة، ولذلك لاتنشأ مشكلة في الفن اذا اختلفت وجهات نظر الفنانين لشيء واحد، لان لكل منهم حريته في التعبير عن الحقيقة)، وعبر شاعرنا هنا باسلوب قرأني جميل عن خلجات نفسه الباحثة عن حقيقة الجمال والتي كنّاها بـ(طيورُ المعاني الحبيسة)، وبهذا التعبير عن الحب من خلال اللغة التي يقول عنها ادونيس : (اللغة اكثر من وسيلة للنقل او للتفاهم، انها وسيلة استبطان واكتشاف، ومن غاياتها الاولى ان تثير وتحرك، وتهز الاعماق وتفتح ابواب الاستبطان . انها تهامسنا لكي نصير، اكثر مما تهامسنا لكي نتلقن . انها تيار تحولات يغمرنا بايحائه وايقاعه وبعده . هذه اللغة فعل، نوات حركة، خزّان طاقات والكلمة فيها اكثر من حروفها وموسيقاها، لها وراء حروفها ومقاطعها دم خاص ودورة حياتية خاصة، فهي كيان يكمن جوهره في دمه لا في جلده، وطبيعي ان تكون اللغة هنا ايحاء لا ايضاحا) اذن لامجال لقول كل ما باح به الشاعر نمر سعدي، لان شعره يحتاج لعدة قراءات متأملة، لاسترداد المعاني التي جاءت بها قصائده .

 

بقلم: وجدان عبدالعزيز - ناقد وكاتب عراقي

 

تجربة "طيف بلا ظل" للشاعرة اللبنانية ليندا نصّار وابتكارات المعنى بتمرّد

ahmad alshekhawiنكاد نجزم ـــ جماليا ــــ أنه من ضروب التبجّح والإجحاف اجتراح أيّما خندقة لهذا المنجز في حقول دلالية تقصي البعد الرومانسي الشادي بالذاكرة الجمعية إذ تعوّل على عجائبية المشهد في تشكيل فسيفساء تعبيرية يتمّ استلهامها من فضاءات تسعف ترددات الذات عبر لا مركزية تيمة الغياب.

إنها صيحة منسوبة إلى الشتات الذهني وفعل الشرود المتناغم مع مناخات الاشتغال المطّرد على التوأمة ما بين ذات مثقلة بسلبيات الراهن الوقف على تفريغها أو إعادة إنتاجها اتكاء على قوالب تفرز حمولة بدائل مغرقة في الموجب المنصهر في طاقة التجاوز بمعزل عن الاجترار.

ومن جهة ثانية ، بين زخم التوليفات لعوالم موازية أو محاكية لواقعية غالبا ما تغيّب الحلم كــفيلتر يمتص الأحاسيس ويجسدن الانفعالات المركّزة بهيمنة أنوية على الموضوعة ،مما يولد ضغطا كلاميا يتحكم بانتشار السياق في كليته ويخضعه لاتجاهات عرَضية تتبنى قواميس استنطاق العدم على نحو ينمّ عن تخلّ مطلق عن الهياكل التي قد تبصم البوح الشعري من حيث استنبات الموقف الوجودي اعتمادا على خلفية معينة أو مخزون لا يتنفّس الطقوس الطيفية ويؤشر على تجليات القرين.

" ذبحت وفكري صبور صبور

وشئت صنعت لديه رهان

ورحت أحاكي ظلال الهموم

وأبصر فيه حياء الأوان

وجرحي تراه ذليلا يضيق

وثلي تراه أسير المكان"

"تأخر الفجر ونحن عطاش

تأخر والعبور سريع

فتعال نطارد معا سكرة العمر ونمشي

نمشي إلى أن يتلاشى التراب"

.......................

"وفي صفحات الغياب

عنوان بلا عنوان،

وصرخة حمراء تمزقت...

وبين المنفى والمنفى

نداء، "

أسلوبية مكلومة لا تهادن الواقع بقدر ما تستفزّه فاضحة فيه التشوّهات كما تناطحه بعبثية مماطلة في المراوغة و استجلابا لما يشبه الضمادات الذاتية والمعالجات الرمزية المستظلة بالبؤرة الإنسانية والملتفّة على النبض الكوني في بلورة الطرح إجمالا بالاستناد إلى قلب قواعد الفعل الإبداعي من وإلى فاعلية وتأثيرات وخلخلة للسائد لدرجة يستسلم معها طرف التلقّي لغيبوبة إزاء ابتكارات ممكنة للذات استرسالها في التمرد ومؤجّجة لحمى تلمّس آفاق الخلاص عبر تناثر شذري يستحوذ على مجمل إيقاعات النص لتتحقق به انتهاء درامية لوحة كلامية بديعة تنسج ألوانها حركية الحرف الهامس الأسرع من سلطة الوعي.

"شقي أنت أيها المطر.'

ما زلت أسيرة صومعتك

متى تعود

فأغتسل من رماد التعب

وأستسلم معك

لعقارب يتيمة..."

..............

"فأجتاز عريي

وأرمي التهم

وما بين غبار الظلام

أسرج قنديلي

فترتعش صناديق الضياء

تشظت بقايانا

قتلنا، دفنّا

وما بين لحظات الاندثار

وقعنا في اللاخيار"

..............

"خف العناق تناهت الرموز

وعند مذبح عينيك

ودعت القصة الأخيرة..."

..............

بين انعتاق الشهوة

وتملّك الصمت

ذاكرة جلادها أعمى

والبوح ذليلا صار

آن له الوصول

ينزل أحمال الشبهات

يدوس بقاياها

عند عتبات اللقاء ويستكين..."

......................

"هذه الأوتار تضرب

فتتألم بصمت..

هي تعرف أن ألمها

يولد الألحان الجميلة."

.................

"وجهان أنا وأنت لقصيدة واحدة

آتي إليك

نصف شاعرة

يحركها اهتزاز ظل تكسّر

تجثو على ركبة

تمسك مرايا الانهيار..

عند جنوح الأطياف

أمرّن انكساري

تستدرجني ذكريات

رمتني عند كف رياح عابرة

تخلع مني القصيدة وننتهي..."

................

يقدّم الديوان صياغة ميتافيزيقية ويفجّر قيما هامشية برغم بعض الهفوات التي عرقلت تدفق الخطاب الفني ورهّلت تسارع انتقالاته من مستوى الهذيانات وفقا لإملاءات الحس النرجسي بغرض تصريفها إلى حالات إنسانية ضمن ما يفسح للرؤى الأكثر نضجا تتيح لأسئلة الكينونة وتحفر عبورا إلى العالمية في زمن طالته الارتجاجات مسممة جل مناحيه.

كما وأننا في خضم هذا الكمّ الحسّي ، نتوسم الأفضل وننتظر المزيد المقنع والمشجع من لدن شاعرة واعدة تأبى إلا أن تغمس دلوها في النوعي العميق وتقول كلمتها موشومة بخصوصية الصوت وجلاله، سيما وهي تستدعي الغائب هاهنا باعثة إياه من ثنايا ذاكرة العزلة ومجرية عليه منظومة إسقاطات إما تتوازى أو تتقاطع لتجعل من الذات الشاهد الشرعي على لحظة الانفصام والتيه والخواء.

 

أحمد الشيخاوي - كاتب مغربي

 

ثلاث روايات عراقية تسرد جريمة الاحتلال

khadom almosawiقرأت قبل فترة في اسبوع واحد ثلاث روايات عراقية بنسخة الكترونية اهداها لي صديق عزيز عبر ايميل.. هذه الروايات هي: الحفيدة الامريكية للكاتبة والإعلامية انعام كجه جي 1952، ويا مريم، للكاتب والأكاديمي والإعلامي سنان انطوان 1967، والثالثة، فرانكشتاين في بغداد، للكاتب والشاعر احمد السعداوي 1973، انكببت عليها بعد انشغال بقراءات سياسية وكتب مذكرات، وهذه الاخيرة لا تختلف عن كتب الادب في المضمون كثيرا رغم ما تتسم به كل منها  بقواعد فن وصنعة. ولعل ملاحظتي الاولى عن الجامع بين الروايات هي انها تروي عن واقع  المجتمع العراقي ما بعد الاحتلال والغزو المتعدد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة الامريكية. وقد تكون هذه النصوص من ابرز الروايات في تلك الفترة وعنها، وربما هناك غيرها ولا يقلل منها امرا اذا ذكرت بعدها في التسلسل او قبلها حسب السبق الزمني، في وقت آخر مناسب. ولكن ما يهمني الان فيها هو هذا الاختيار للموضوع وعكسه في هذه الروايات. وهذا ما يحسب الى الروائيين والروايات بذاتها.

 اما ملاحظتي الثانية فهي ما سجله كل روائي منهم من شهادات واقعية وتوثيق لأحوال قائمة او مشاهد تاريخية عن الفترة تلك ادبيا وانعكاساتها على طبيعة ومستقبل المجتمع العراقي. وملاحظتي الثالثة تتركز على متعة ما حوته الروايات من التفات الكتاب الى توثيق تراث وأمثال شعبية ونصوص وطقوس دينية غير مدونة نصيا وما اراد كتابها منها. وكلها في الاخير كسرديات مدونة تصب في تعرية الاحتلال الاجنبي وفواجعه وتداعياته الاجتماعية وأهدافه في تدمير المجتمع وتخريب الانسان/ الشعب في البلد المحتل.

وهناك ملاحظات اخرى غير الجوانب الفنية التي يمكن التطرق لها بما يتعلق بوضع الروائيين واغترابهم، خارج الوطن او داخله. وكان يمكن ان يقال عن الغربة وطولها وآثارها النفسية والسياسية، وكما يمكن ان تترك لها من اثر او تناص في نص الابداع الروائي.  وهذا يلمس عند انطوان وكجه جي في موضوعنا الحالي. فكجه جي تعيش في فرنسا وانطوان يعيش في امريكا، حاليا، ونصهما تتداخل فيه صور المكانين او انعكس في مراياه الفنية اسلوبيا وتقنية، حتى وهو مركز في سرد عن ابطال وشخصيات يعيشون محنتهم وأوجاعهم داخل العراق. او يمكن القول هنا في قدرة استعمال الذاكرة كمصدر رئيس في لملمة الفصول المتتالية للنص الروائي. كما هو الحال في اللغة الشعرية، واستخدام المفردات العامية او القريبة منها، او في الحوار ودور الابطال في كل فصل من الروايات. ولغة النص عموما اكثر انسجاما وشفافية مع موضوعه والهدف منه. كما ان خلفيات الكتاب تتطور في النصوص فيتحول السرد فيها الى ما يعكس مواقف مناهضة للاحتلال وما ارتكبه في بنية المجتمع ومرآته الابداعية. فتكون في الاخير روايات تقدم ادبا مقاوما وإبداعا متميزا في نصه وموضوعه واختياره ورسالته، يعرض نموذجا واضحا لا لبس فيه. هذا فضلا عن امكانيات ابداعية مقتدرة في اطار السرد الروائي وتنوع الاساليب الفنية وعرضها لما بعد الاحتلال.

تلخص الحفيدة الامريكية معاناة العراقي بين مغتربه وموطنه الاول، وحتى موطن ابائه. بين وطن محتل وقوة احتلاله وتبرير التخادم معها. لعبة التشويق والحبكة الروائية ماهرة في شد القارئ للنص والسياحة بين ماض وحاضر لا وفاق يربطهما ولكن ثمة حنينا يمزج بينهما، ويلهب ما يحرك من غرائز انسانية تعلو فوق واقع المشهد وتحيله الى رفض مكتوم وأمل ممتزج بقسوة وصعوبات الحياة.

 زينة بهنام حفيدة عقيد في الجيش العراقي، الشخصية الرئيسية في الرواية، هاجرت مراهقة إلى أمريكا وعادت بعد الغزو الأمريكي لبغداد عام 2003  مترجمة مع قوات الاحتلال، وهي تعرف مغامرتها هذه وتحاول تبريرها. ربما بما يقنعها او ترديد ما يردد رسميا من ادارة الاحتلال امامها.

والشخصية الثانية جدة زينة، رحمة، التي بقيت في العراق، واستخدمتها الروائية لتسرد من خلالها الماضي الجميل للعراق، حيث الأمان والناس المتاحبين وأجواء بغداد اليومية وبيوت الموصل القديمة والأكلات  والأمثلة الشعبية، الفولكلورية.

والشخص الثالث الرئيسي هو اخو زينة بالرضاعة، مهيمن، المقاتل في جيش المهدي ضد الاحتلال الامريكي، والذي تقع معه في حالة عشق صادم لها وله. وفي سرد يواصل الحوار الداخلي بين البطلين، تنتهي الرواية بموت الجدة وعودة البطلة الى امريكا، وبقاء خيط الحب والسرد مفتوحا وشجيا يشد القاريء له وللخاتمة التي تعيد بها البطلة او تردد ما قاله ابيها عن بغداد: " شلت يميني إذا نسيتك يا بغداد"!. موضحة قسوة التناقض والصراع بين واقع حفيدة ومأساة اهل ومدن لا ترحم الذاكرة او الحكايات عنها.

الحفيدة الامريكية رواية متمكنة من التقاط حالة الرفض للاحتلال بسرد قادر على الاقناع بتسلسل الاحداث وحبكتها القصصية ولقطاتها السينمائية التي توصل ما وراء العنوان وما حل بالعراق بعد الاحتلال الغاشم.

اما رواية يا مريم فقد تمكن كاتبها بشكل واضح فتح كتاب حياة المسيحيين في العراق وما مر عليهم قبل وبعد الاحتلال الغربي وتدمير العراق. وتقديمها كنص سردي متمتع بالصدق الخالص، او شهادة مصدقة لأحوال شخوصها وصراعهم او ازمتهم في اوضاع متراكمة من المعاناة والمأساة وتناقض المشاعر والأحاسيس وتباين الخبرات. والمؤلف يوظف ما يرويه بنصوص طقسية لتثبت جدارة السرد الذي اختاره للرواية، مما يقدم للتاريخ سجلا واقعيا جارحا بروح وطنية وفية لموروثها ولخلاص بلادها. ومنها مثلا هذه الصلاة المرددة في التعبير عن امل وطريق للنجاة، والمتشابهة بما لدى المسلمين في العراق ايضا من ادعية وأناشيد دينية. "يا قديسة مريم، صلي لأجلنا، يا والدة الله، يا أما مصلوبة، يا أما ثكلى، يا أما مطعونة بالحربة، يا أما مصلوب قلبها، يا أما مغمومة، يا ينبوع البكاء، يا جبل الحزن، يا صخرة الثبات، يا مرسى الاتكال، يا ملجأ المتروكين، يا ترس المظلومين"!.

بطلا الرواية يوسف ومها يسردان في حوارهما الداخلي والخارجي انتماءهما إلى جيلين مختلفين. كل منهما له همومه وفهمه لما يحصل بالعراق وفي يوم الفواجع، تفجير كنيسة في بغداد، واحتدام الدم الطائفي، يتصادم البطلان بضغط وقائع موترة او تبعث على الصراع والتناقض. فترى مها ان العنف موجه أساسا ضد أبناء الديانة المسيحية، بينما يرى يوسف أنه موجه ضد الجميع. الارهاب لا يميّز بين ضحاياه وان خطط لها، ويلعب العمر والتجربة دورهما في اسلوب مشوق وفي تكثيف سرد يوم كامل من حياة شخصيات الرواية.  ولعل اختيار الروائي للغة المحكية الموصلية زاد في رسم احساس شخصيات الرواية ومنحها طاقة فنية تحتاج الى تفهم خاص مرتبط ايضا بواقع حال وحياة شخوصها والعراق بعد الاحتلال.

تظل  الرواية كما ورد في الغلاف " تثير أسئلة جريئة وصعبة في وضع الأقليات في العراق الآن حيث تبحث إحدى الشخصيات عن عراق كان (يوسف) والأخرى تحاول الهروب من عراق كائن (مها)"، في اطار عمل فني متميز ومتجاوز في طرحه او اختياره.

 اتسمت الروايتان بواقعية فنية وسرد وحوار مباشر وبوضوح، خلاف ما جاءت به رواية احمد السعداوي، فرنكشتاين في بغداد، "بشخوص تتجاوز الواقع، وتلتقي به وجها لوجه في آن واحد، مثيرة في رحلتها هذه قضايا الخلاص من إرث طاحن لا خلاص لأحد منه على مستوى المسؤولية الفردية والجمعية. وتتألق الرواية بسرد أخاذ وغرائبية جاذبة تستنطق النفس الإنسانية في أحلك ساعاتها. ساحة الرواية بغداد وموضوعها في آخر المطاف يتعدى هذه المدينة ليشمل الإنسان أينما وُجد". كما كتب رئيس لجنة جائزة البوكر العربية عنها حين فوزها.

 هادي العتاك، الشخصية الرئيسية في الرواية، بائع المواد المستعملة والخردة بحي شعبي وسط بغداد، يمارس صناعة لصق بقايا بشرية من ضحايا الانفجارات في ربيع 2005 ويخيطها على شكل جسد كامل، كائن جديد بروح تشبهه، سماه هادي "الشسمه"، أي الذي لا يعرف ما هو اسمه، وتابعته السلطات باسم المجرم أكس، وأطلق عليه الراوية الصحفي في الرواية اسم "فرانكشتاين"، وسجل فيه سبقا صحفيا. يقوم هذا الكائن بحملة انتقام من كل من أسهم في قتله، أو من قطع الأجزاء المكونة له، كما تخيل او خطط له صانعه. وفي هذه القصة تبرز روح الفانتازيا التي اجادها الروائي في سرده لحكاية صانع فرانكشتاين والشخصيات الاخرى التي جمعها في دوامة الجثث والدمار والتفجيرات والرعب وصراعات سكان المكان في زمان الاحتلال. مستخدما اسلوب السرد والوصف للشخصيات التي لعبت كل منها دورها في النص والتفاصيل الكثيرة والمكررة او التي حاول الكاتب بخياله تضخيم فانتازيا الشخصيات الرئيسية، لاسيما العتاك والشسمه والصحفي وتلخيص ما حصل ودار طيلة زمن الرواية، بعد الاحتلال لبغداد،  وما اثمر من فوضى كارثية. اراد الروائي في سرده وأساليب عرضه تسجيل المأساة التي حلت في العراق ورفضها من خلال النتائج المعبرة عنها، ورسم فيها رؤية فنية لواقع مضحك مبك، هزلي ومأساوي، ومساهما في ادانته روائيا.

ثلاث روايات لروائيين عراقيين عاشوا محنة الاحتلال او ادركوها في ما تم في بغداد خصوصا، وسعوا لنقلها فنيا ومقاومتها بالسرد والتسجيل الفني وتثبيتها نصا للتاريخ والمشهد الثقافي الجديد بعد دمار البلاد.

 

قراءة بعنوان (استقراء مكاني" انتمائي" لزمنية حالمة) في نصوص الشاعرة التونسية ماجده الظاهري

juotyar tamerماجده الظاهري نفحة تونسية وعبق شعري آت من بلاد قرطاج، تسعى الى مزج الواقع العياني التراب بالوقت والحلم، من اجل اثراء شعري وفكري، عبر استمرارية وصيرورة ذات قيمة انتمائية فذة، حيث تبيح لروحها، لرؤاها ورؤياها، ان تنطلق بلا قيد لتؤثث لعوالم بعيدة، باحثة من خلالها عن ممرات دلالية وصورية ومديات بلاغية روحية لكونها الشعري اللامحدود، وخالقة عبر توظيفاتها متعة دلالية، ولذة تصويرية حركية، لتمارس فعلتها الكينونية الابداعية، حالمة بولادة جديدة في رحم الشعر.

اكثر ما يسترعي النظر في اعمال الشاعرة ماجده الظاهري مفرداتها وجملها الناصعة الناضرة الصافية والمجدولة من عمق الذات الشاعرة والبيئة التي تحاول الشاعرة ان تستوعبها ضمن اطار ذهني تصويري ملتحف بالحداثة الشعرية، وبثقة شاعرة متمكنة من لغتها، تحاول ان تنفرد بطرائقها في التعبير الموفي بأغراض الشعر الواعي.

هذه هي ماجده الظاهري في اعمالها تطلع علينا برؤيتها ورؤياها المحملة بعبق الانتماء المكاني، مستقطرة من نبع يعاني جراء ركود وتراجع مستمر، يهدد بالسقوط، سقوط بدوره يحيل الرغبات الى ركام، فتصير في دوامة لانهاية لها، وعلى الرغم من انها تحاول ان تعبر عبر حركية دالة عن محاولات تجنب السقوط، الا ان الواقع في الكثير من الاحيان يفرض نفسه كرقم صعب في معادلة اصعب:

يرفع وطنا مهددا بالسقـوط

حين ينزلها..

ينفض عنـه أنين الفصول

يفتح أبـواب مرافئ الترحال

انه الوطن فحتى عندما يتجنب السقوط نجده يفتح باب الترحال، حيث لامكان لتلك الرغبات، حيث لاجدوى منها، فركوده دائما يخلق للرغبات قضبان، والرغبات بطبعها جامحة، لذا نجدها تؤثث لعوالم الترحال:

يرحل طائر الندى

مقتفيا أثر الوطن

حيث القصيد

لم يكتمل..!

ثيمة الاغتراب الذاتي تبرز هنا بصورة واضحة، فكأن تاك الذات المتعطشة للوطن، لاتجد مبتغاها وهي بين احضان الوطن نفسه، فتبحث وتحاول ان تخلق في منفاها وطناً اخراً، لتعود به:

طائر الندى

محملا وطنا

هذا الوطن الذي تحمله الشاعرة في كينونتها، يختلف عن الاوطان العادية، فيه اشتعالات، فيه البحر له لون خاص، فيه حتى العشق له سماء اخرى، لذا فهو وطن تخرج الذات الشاعرة من وراء القضبان وتنتقيها لتسكنها التراب:

تشعل البحر

تنتقيك عاشقا

يسكن وجع التراب

ولكنها الذات الشاعرة، ولكنه حب الوطن، الايكتفي بمجرد ان يسكن التراب، ويحيل العشق سماء، ويشعل البحر، انها تبحث عن رياض واروح صوفية تتحد بالممكن:

تهادى رياض

إلى روض روضك

يصحبك عطر الزهر

هكذا تحاول الشاعرة ان تستكمل رؤاها حول الوطن، لتمارس بعدها دورها كفرد داخل اسوار الوطن، وضمن جغرافية اكثر تحديداً المدينة، فتطلق لامانيها العنان لتعانق سماوات ابعد.

عطر المدينة.. أورق فينا

أمنيات عانقتنا

وتستمر الاماني هنا، لتنتصب، على الرغم من اصطدامها بالركود الحاصل منذ البدء في جسد الوطن والمدينة:

انتصبت

في قلب المدينة النابض

وقلبها لا يدور

لكنها مع ذلك تؤثث لعالم سيأتي حيث للروح للذكريات، عبق خاص، لاسيما وان الذات الشاعرة حفرت منذ البدء عميقاً من اجل ان تصل بنا الى هذه النقطة الدالة انتمائياً ومكانياً وجغرافياً:

لروح ذاكرتي

بلاد.. ترتحل لبلاد

ومن القيروان

رأيت الطريق للأشعار

تشع النجوم قصائد،

القيروان تلك المدينة النابضة في الشاعرة، والملهمة والتي افاضت عليها هذه الرؤى، الخالقة لجمالية فنية تعطي نصوص ماجده الظاهري قيمة دلالية وصورية فذة، وتصدمنا بما يكمن في محتواها من التياعات ورغبات انتمائية، حتى أنها سمت احدى قصائدها الرائعة  " القيروان ".

 تنتقل الشاعرة ماجدة الظاهري برؤيتها ورؤاها صوب افاق الزمن والحلم، لتمزجها معاً من اجل رسم الصورة النهائية للانتمائية الروحية الذاتية، بحيث تتجلى في اعمالها قيمة الزمنية كعنصر ومرتكز اساسي لاستكمال تلك الرؤية والرؤى، وهذا ما يمنح تلك النصوص مساحات اوسع مما تبدو عليه، كما ان ذلك يعطيها خاصية الفعالية الديناميكية التي لايمكن تأطيرها ضمن حدود زمنية واحدة، فالزمن على الرغم من كونه خارج عن ارادة الذات الشاعرة، الا انها تمارس رؤاها ضمن اركانه الغير محددة:

هـذا المدجج بالقلق

يلهو بحبل أرجوحة

يديرها في ركـن من حانـة الوقت

 وعلى الرغم من الارباك الحاصل في بنية الوقت لدى الشاعرة الا انها تنطلق من هذه النقطة لتعانق تفاصيل زمنية اخرى اكثر اتصالاً وعمقاً بالوعي الذاتي والشعري، حيث يتم توظيف الوقت  كأداة استرجاعية محمل بالكثير من الاماني التي تحفر في امكانية التغيير وامكانية العودة، مع الوعي التام بأن الوقت نفسه ليس متاحاً كما ترغب الذات الشاعرة:

ما انطفات الروح

مازالت الوردة ترتعد

ما فكت كل الألغاز

بعد تخاتل الوقت

حين يسرقها

تخاتل الوقت..

حين تسرقه

حتى يعود

 هو الحلم بالعودة، تلك العودة التي تحقق للذات الشاعرة السكينة، لكونها ترتعد من الواقع العياني بكل تفاصيله، فلولا رغبة العودة والانبعاث من جديد ما كانت تلك الذات ترتعد، لكنها الاماني المحملة بالكثير من الرؤى تعمل على خلق تلك المساحة الواعية من اجل الانبعاث:

حث إليها الخطى

تشتت ظلك في المرايا

بعد قليل

تنتثر البقايا

بعد قليل

تنشطر نصفين

نصفاً يمتد عمراً

بين وجهك والقمر

نصفا ينسكب

في مآقيها مطرا

 هنا تحتال علينا الشاعرة برؤاها النابعة من فيض زمني آت، غير متسقر، مربك حتى في بنية الشعرية، لكنها رؤى تخلق لذة الانتظار لدينا، وتخلق قيمة الانبعاث من التصوير البلاغي الذي ختمت به مقطعها الشعري، الانشطار الحال هنا، الى العمر الرقم الذاتي للمعادلة الزمنية، والمطر الحصيلة التعبيرية للانبعاث تعطينا رؤية واضحة حول امكانيات الشاعرة في توظيف معجمها الدلالي الصوري وفق معطيات شعرية ديناميكية فائقة.

 ومع ان الشاعرة قامت بتوظيف الفعل الزمني في الكثير من نصوصها على اسس تشاؤمية الا انها ترصد الكائن الذاتي داخل النفس، وتحاول سطر رؤاه وفق تدفق شعري عفوي، لذا نجدها ترصد تلك الحركية بدقة لامتناهية:

ذات عيد

تنصل منه الفرح

إلا من زغاريد

الـ... موت

وتضيف في موضع اخر:

أم وجهها

وشى باحتراق الفصول..!

 وتستمر في ديمومتها اليأسية الحزينة النابعة من صميم الذات الشاعرة، الملتحملة بالروح الصوفية النقية لترصد لنا مواطن اخرى تفيض علينا بتلك الزمنية القابعة في عمق اليأس:

لا تذكرة سفر أومات

عن موعد للرحيل

لا تأشيرة عبور أسرّت

عن مثوىً ينتقيك

ولاتبقى الروح خاضعة هكذا للنهاية فالاماني دائما تعانق مساحات ابعد وشاعرتنا لاتدع منفذاً لامانيها الا وترتاده، لتخرج الروح من دوامتها اليائسة تلك:

قلت:

ثبتني نخلة

تكتحل أهدابها

بصباحات

أحلى الكلام

وكأنها تنتفض على كينونتها، وتحاول ان تستمد قوتها من الكائن المكمل لتعانق افاق ابعد لكنها تصطدم بالزمن والواقع فتعود لتلعن الزمن:

كلما مر بها

رفع عينيه إليها

أنزل عينيه إلى ساعته،

ثم لعن الزمن.

وتستمر لغتها المطعونة بالزمن، ورغبتها في الاقتصاص من الزمن، حتى انها تكتب قصيدة بعنوان" الساعة "، وكأن الزمن وحده هو العائق امام التغيير وامام الحلم بالعودة، وامام خروج الوطن مما هو عليه، فنجد نصها مؤثث للحفر في مكامن الزمن الماضي، الحاضر، الاتي:

"وقفا.. بين رياح الصباحات

جلسا.. بين رياح المساءات

وتمددا على ناصية الوقت"

"تمعنت في الساعة

أجئت قبل الوقت..؟

قالت:

أو بعد الوقت..

ليس الزمان زماني،

ليس المكان مكاني،"

 وعلى هذه الشاكلة تؤثث شاعرتنا لعوالمها الزمنية، محاولة ان تعطينا صورة واضحة حول رؤيتها العميقة تجاه الحركية الحاصلة في كينونة الوجود، ومن ثم محاولة رصدها وفق رؤاها ورؤياها الذاتية، لتنقلنا عبر وترياتها الممشوقة صوب الحلم:

وتاه عندي في اتجاه

أبواب الأمس حنيني

وإن تبعثرت

على أبواب القيروان

أحلامي

الشاعرة تمتلك حلماً تسعى إلى تثبيت رؤاها من خلاله، تلك الرؤى التي تكون عندها العنصر الذي يمتد مع حلمها إلى الزمن وفق ذائقة الحلم نفسه، حيث تتحول لديها هذا الحلم العلامة الأولى لكل أحلامها الاخرى المنقادة إلى رؤاها الفكرية التي عن طريقها يمتد لترسيم الاستعارة لكل الأشياء الموجودة في جوانيتها، وتحدث الاستعارة من خلال إحداث انزياح في ترتيب احلامها حسب رؤاها بانسيابية شفافة مع الاحتفاظ بالعمق لكل الموجودات التي ترمز  للذات الشاعرة، لكونه حلم يحاكي واقعها الذي بات شغلها الشاغل، حيث العودة والاماني بواقع متغير افضل:

رفـع مواويلها صوب الصدى

سنرجع يوما..

سنرجع يوما الى حلمنا

ليس الرجوع الى واقع افضل وحده كان ما يشغل شاعرتنا، بل حتى الرجوع الى الحلم نفسه كان امراً غير ممكناً، لذا نراه تؤكد مرات ومرات على حلم العودة:

حتى يعود

طائر الندى

محملا وطنا

محملا حلما

ينطوي بين بتلتين

هذه الاستعارة التي تحقق رؤاها على مستويات متعددة "الانتمائي والزمني والحلمي" تجعلنا امام حقائق واضحة بأن الذات الشاعرة تعاني الاستلاب والفقد والحرمان والاغتراب النفسي، لذا نجدها تسترسل" لتسترسل في حلمها وردة عاشقة.." وتتحول من عموم الحلم الى جزئيات وحيثيات تمكنها من حزم امورها وتصوير رؤاها ببلاغة ودلالات تفضي الى الواقع العياني بمشهدية حركية مؤثرة:

لك أن تأتي

كما الرياحين

تراود الحلم على الحلم

الخروج من دائرة الواقع الى دائرة الحلم التخيلي وجعل الحلم نفسه يرواد الحلم امر يثير الدهشة من جهة ويعطي انطباعات حول ماهية الذات الشاعرة والحالة التي وصلت اليها:

يسترد الصدى ما يقول

وما يبقى من الحلم

الا القليل.. القليل

فكأن الذات النفس تعيش في دوامتها الاولى التي لانهاية لها، فالوطن والزمن والحلم قضبان تعيد اليها صداها، دون حراك يمكن ان تنقذها من تيهها:

حلما محضورا

تتنازعه حبال الصوت

تروعه نار الرغبات

تلك هي الحال التي رست عليها الشاعرة، وكأني بها تنازل ذاتها في البقاء، فالحلم والرغبات صورت بدلالات متوحشة، ولعل استمرار ذلك التوحش الدلالي اثر على مسار الرؤى لديها:

على أوتار الرمش

فتدق العينان أوتادا

في الحلم

تصير فراشة

في أريج الكلمات

 حيث نراها تمزج مع ذلك التوحش الدلالي كلمات تخرجها من دائرة التوجس الحلمي، لتتعلق برباط الكلمات واريجها، فيمتد حلمها الى اقاصي بعيدة يساعدها مخيلتها البارعة في الالتقاط، لتصور الواقع الحلمي مشهداً درامياً رائعاً:

وتمددا على ناصية الوقت

استغرقا في حلم

الزمن القادم.

 ومن هذه النقطة تبدأ الاحلام تتحول الى مسارات اخرى اكثر اغراقاً في تمفصلات الذات الشاعرة، ونراها ترصد الحالة النفسية بصورة اكثر دقة واكثر عمق، بحيث نلامس تحولاً حتى في الرؤى ومساراتها وهدوءً نفسياً حلمياً واضحاً على الرغم من نزوح الحلم روحاً تصعد الى الاعلى:

صوبت حلمها

نحو المنارة

ارتجفت ضلوعها

ارتفعت أنفاسها

غيما

 وعلى هذه الشاكلة يبدأ حلم شاعرتنا بالاستغراق في التفاصيل الجوانية التي ترصد حالتها النابعة من صلب انتمائها وزمنيتها، بحيث يتحول الحلم الى ناطق باسمها، ومعلن عن جوانيتها:

نام البحر

وفي حوضه حلمها

قالت:

ما الضرّ

لو استدار قليلاً

 تلك احدى الصور الناجمة من ذلك الاتحاد الحلمي الجواني بالبراني، حيث تلتقط من خلال حركية البراني هذا الامتداد الدلالي لتعبر بعفوية وبمشهدية صورية احدى تلك الالتقاطات، مظهرة معها رؤيتها الفاحصة عن مدايات الحلم نفسه، بل يمتد ذلك في جوانيتها الى تساؤلات تثير في نفس الوقت زوبعة داخلية جوانية حول مدايات الحلم وهذا ما جعلها تكتب قصيدة بعنوان " إلى أي مدى يمتد الحلم " وعلى الرغم من الاسترسال الحاصل في بنية النص ونزوحه نحو التقريرية احياناً الا ان القصيدة رسمت الملامح الجوانية للحلم وارتباطه الوثيق بمخيلة الشاعرة  حتى تحول الحلم الى منولوج داخلي بين الذاتين:

"لك قلبي متسلِّلاً

من حراس حلمه،

لك حنيني منتشيا

بوميض البرق في الصدر"

"لي رحيق الحلم نقيا

مثبتا جناحيه في السماء"

وبذلك يتعدد مدلول الحلم في نصوص ماجدة ، فقد يرمز بها إلى الواقع أو إلى الشعر أو النفس، او اليه هو الاخر، ونلاحظ براعة ماجدة الظاهري في نسج قصائدها في رداء يتسم بمسحة قصصية تتجلى في أسلوبها الحكائي والحواري، كما تتمي نصوصها بتنوع الدّوال وتعدد المدلولات حتى نكتشف في نهاية النصوص المعنى المركزي المراد من ثلاثية الانتماء والزمن والحلم.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

الثقافة الموسيقية هل تكفي وحدها لتقديم نص إبداعي مؤثر؟

adnan albaldawiإن تمتع الشعر بصفة التأثير والإثارة من ابرز أسباب تفضيله على النثر. قال أبو هلال العسكري في كتابه – الصناعتين- (لا شئ اسبق الى الأسماع وأوقع في القلوب وابقي على الليالي والأيام من مثل سائر وشعر نادر) .

ولعل الذي عناه أبو هلال هو الشعر الذي تتوافر فيه عوامل الانسجام الموسيقي الى جانب توافر المعاني ذات المضمون الهادف المشبع بالحركة والحيوية . ان الشاعر يقول الشعر وهو حر في اختيار الألفاظ او الكلمات التي يجدها في رأيه تعبر عن الغرض المقصود، وقد يكون هدفه إيصال الفكرة دون الالتفات الى ما ستؤديه تلك المفردات المختارة، إذ أن التعبير عن الفكرة او الغرض بكلمات غير منتقاة تعد مرحلة غير جدية في المسيرة الشعرية، في الوقت الذي يجب على الشاعر ان يتهيأ لاجتياز مراحل عديدة أخرى قبل إعلان قصيدته، اذ ليس من اليسير منح القصيدة وسام الخلود مالم تكن بحق قصيدة شعرية مستلة من خلفية ثقافية مليئة بكل مقومات الجودة والرصانة .

إن الإلمام الشامل بما يؤديه كل حرف من الناحية الموسيقية، من الأمور التي أصبحت جزءا من ثقافة الشاعر الجاد الذي ينشد الحفاظ على ديمومة إبداعه، وتلك حقيقة قد أدركها النقاد في كل العصور الأدبية، وبذلوا جهدهم في إسناد مهمة كل حرف في الكلمة وكل كلمة في الجملة، فنبهوا الشعراء الى الحروف الثقيلة التي تعد من مسببات (الجهد العضلي) حين النطق بها، مطالبين إياهم عدم تكرارها او تتابعها في مكان واحد، كما وضعوا للحروف الأخرى صفاتها وميزاتها ودرجة تأثيرها الموسيقي، وكأنهم يعرضون لوحا فنيا ذا قواعد وأصول، ولا يسعنا في هذا الموجز عرض الأمثلة والشواهد، ففي الدراسات الصوتية واللغوية مايفي بالغرض، ابتداء من جهود العلامة الخليل بن احمد الفراهيدي .

ان وجوب اطلاع الشاعر على أصول الثقافة الموسيقية لايعني سدا لثغرة موسيقية في عالمه الشعري الخاص، بل هو تعزيز لذوقه (الموهوب) في القدرة على توزيع الحروف والكلمات بعد حسن اختيارها، وما تمييز الحرف الشديد من الرخو مثلا، والمهموس من المجهور، والمطبق من غير المطبق الا تهذيب للذوق، لكي يمنح الصورة عالما متميزا من التجسيد الصوتي، او إيقاعا يتناسب وجمالها المعنوي، وفي كل الأحوال لايمكن تجاهل مستلزمات الموسيقى الشعرية (المؤثرة) ليس لأنها تموسق جو النص حسب، بل لكونها جزءا مهما من صنعة الشعر، وقد أكد أرسطو ذلك في كتابه (الشعر) موضحا: (ان الدافع الأساس للشعر يرجع الى علتين : أولاهما غريزة المحاكاة او التقليد، والثانية غريزة الموسيقى او الإحساس بالنغم ..) .

لقد حظي ديوان الشعر العربي بنصيب وافر من الإيقاع الموسيقي المؤثر، وان اختلفت درجاته من شاعر الى آخر بحكم ثقافته ومقدار مالديه من رصيد، ولعل ابرز معلومة تؤشر مدى ثقافة الشاعر الموسيقية في القصيدة هي القدرة على وضع القافية وزنا ومعنى في مكانها المناسب، لانها (بمثابة خاتمة الجملة الموسيقية) ثم عدم تحميل المفردات بحروف ثقيلة مثل حروف الاطباق (الصاد – الضاد – الطاء- الظاء) أكثر من المسموح به، أوشحنها بالحروف التي تسبب جهدا في التنفس حين النطق بها مثل الحروف المهموسة (السين – التاء –الشين – الحاء – الثاء – الكاف – الخاء- الصاد – الفاء – الهاء) وفي ضوء هذا المفهوم الموجز تميزت في ديوان الشاعر قصائد لاتخلو مما ياتي :

- انسجام صفات الحروف مع الغرض الذي نظمت القصيدة من اجله .

- التآلف التدريجي بين حروف شطري البيت وحروف القافية .

- معالجة الحروف الثقيلة بصياغة تعتمد الموازنة والتنسيق في حالة اضطرار الشاعر الى كلمة فيها هذه الحروف.

- مواصلة العزف اللفظي بفضل التوزيع العادل للحروف ذات المهمة الواحدة، فتتابع حروف الذلاقة مثلا وهي (اللام والراء والنون والفاء والباء والميم) واشتمال القافية على احدها، يعني قدرة الشاعر على حسن الانتقاء مع تمتعه بخبرة وافية، وإذن موسيقية صافية يتحسس بها مواطن الحسن والجمال، كما ان تتابع حرفي (القاف والعين) وهما من أطلق الحروف وأضخمها جرسا، وحرفي (الدال والباء) وهما من الحروف التي تجمع بين الشدة والجهد، لتشكيل نغمات متتالية ذات إيقاع صوتي خاص، إنما هو تتابع منسق يستقي توجيهه من قابلية مثقفة ذات دليل موسيقي واضح .

إن قدرة الشاعر على التوزيع الموسيقي تبرز ليس فقط عندما يطرق المعاني ذات الأجواء الدافئة الرقيقة، بل عندما يحتاج الى المعاني العنيفة أيضا، لاسيما وهو في جو يفرض عليه ذلك، كما هو في وصف المعارك والملاحم، وهنا أيضا لم يغفل اللغويون دورهم وواجبهم، وذلك عندما أشاروا الى الأحرف المناسبة للعنف وهي(الخاء والقاف والجيم والضاد والطاء والظاء والصاد) وقد عرف المتنبي سر المهنة حتى جعل من قصائده موسيقى دائمة دوام الحياة، وكذلك البحتري وأبو تمام والشريف الرضي وغيرهم مما لايسمح المقال الموجز ذكرهم ... فالمتنبي عندما يصف المعركة يهيئ لها جوا نفسيا ينسجم مع دور الحروف والكلمات الخاصة بها، كما في قوله مثلا من قصيدته الميمية:

اتوك يجرون الحديد كانما

سروا بجياد مالهن قوائم

اذا برقوا لم تعرف البيض منهم

ثيابهم من مثلها والعمائم

تجمع فيه كل لسن وأمة

فما يفهم الحداث الا التراجم

 

وما قدمه أبو تمام من براعة توظيف الحروف والكلمات المناسبة في قصيدته (فتح عمورية) ومطلعها :

السيف اصدق أنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

 

هذه عينات على سبيل المثال، وقد سبقت عصرها نصوص في أغراض أخرى كثيرة استطاع أصحابها ان يجيدوا الاختيار والتوزيع والإشباع .أما اليوم فلم يعد الاعتماد على الذوق وحده كافيا، إذ لابد من من الإلمام بشؤون الثقافة الموسيقية، لأسباب كثيرة هذه بعضها:

- لتجنب التعثر اللفظي الذي سبق أن أشار إليه النقاد واللغويون بعد تجارب وخبرات وطول باع ...

- لتعزيز الذوق الفطري بمستجدات الدراسات اللغوية والصوتية، تمشيا مع الركب الثقافي المتطور..

- لتمثيل الجو المعاصر بأسلوب وصور حضارية لاتقبل بغير الألفاظ الكفيلة بإمتاع القراء المعاصرين..

- بغية المحافظة على صدارة الذوق العربي الرفيع من خلال الاطلاع الدائم على الأجواء الموسيقية في النص الأجنبي .

- لإعانة الموهبة على ممارسة دورها دون عوز أو افتقارالى ما تحتاجه من حرف او كلمة ملائمة في الوقت المناسب، بغية استكمال الصورة المتميزة لفظا ومعنى وموسيقى.

- قال طاغور شاعر الهند: (حين أفكر في الغبطة التي تبعثها الكلمات في عِطفيّ، أدرك قيمة الدور الذي يؤديه الجرس اللفظي والقافية في القصيدة، لان الكلمات تفئ الى الصمت، ولكن موسيقاها تظل ممتدة، ويبقى صداها موصولا بالسمع..).

 

عدنان عبد النبي البلداوي

 

الشاعر بدل رفو بين نقطة الجملة وآثار النقطة

esmat shahindusakiيظل الإنسان نقطة معلومة أو مجهولة في الحياة

في دياجير الحياة الأدبية وإضاءتها والسفر والتحول من مكان إلى آخر، المهيمنة على واقع الإنسان، لم يتمكن أن ينتشل منها ما يرغب إلا بعد حضور الحلم والخيال والنفس والروح والقلب، وراحت الخيالات تهمس للأفكار أن تنطلق وتأخذ المبادرة التي تجعل من النقطة تعجب أو استفهام، تقتدي فيها التناقضات والتساؤلات وفي الوقت نفسه تتجلى طيبة النقطة في كل فعل كنموذج صحيح، ليس لنهاية حياة بل لبداية حياة جديدة ، يعدها الشاعر بدل رفو " نهارات – زمن " في قصيدته "النقطة" وهي من الشعر الكردي المعاصر والتي كتبها فوق جبال الأطلس، راح يردد رنة النقطة بقلب كسير، وهي " تغتال العشق"  في أعماقه، ومن السخرية أن تبقى في "محطات" رحلاته، إذ لا يمكن التسليم بمغادرتها في أي مكان كان مادام هناك ورقة وقلم وحلم وشعر وترجمة وخيال، وبالتالي يطرح تصوراً مغايراً لرؤيته باعتبارها البديل المقبول في الغربة والسفر والوحدة، تداهم الذكريات والآلام والفرح رغم إنها تنهش " بقايا صور " في جزره  الواسعة، النائية ونقف قليلاً عند " بقايا صور " فهي ليست صور مباشرة من الذكريات الماضية والحاضرة بل صور لإحدى أعمال الروائي العربي " حنا مينا " التي تميل إلى الطبيعة الأخلاقية وطبيعة الإنسان الحقيقية، يقيناً إن رواية " بقايا صور " تشير إلى إطلاق الجواهر الضمنية التي ظلت حبيسة ومنسية، هذه الصور تعيد إلى الذاكرة الرغبات الهامدة، غير أن صور بدل رفو تمنح تفرداً مميزاً ومعاني غير محددة للكلمة والنقطة .

(عشق الفلاسفة النقطة

   النهارات تقتفي آثار النقطة

   الزمن يصارع الطبيعة

   بين ثنايا النقطة

   وأنا حين تأتيني النقطة

   تغتال العشق في أعماقي

   تسافر في محطات رحلاتي

   وتنهش "بقايا صور" في جزري)

من دوافع النقطة المتسلطة، تشكل أساس نهاية روح، لا لكونها " عدوة الروح " نهاية النهايات، فهي ليست خاوية أو تفتقر إلى فراغ، بل ردة فعل لآثار النقطة، تختار الغرض المعني، فيرى الشاعر تحت جنون النقطة " غراب أسود " من بين صور " تلال الذكريات " صور لا تؤكد الضعف أو عزاء منشود، فذكاءه وإحساسه يصور الجبال " موطن الصقور " بلا نقطة، فهي تحلق عالياً، تحمل خواتيم قصص العشق، إن الجبال والجنان والروابي سحرته منذ صغره، وهنا تبقى الجبال " الأطلس " وهي من أجمل مناطق المغرب العربي، صور تترا  بخيل إليه أشياء وذكريات قريبة من النفس وأشياء لم يكن لديه أي تصور عنها، حتى مال إلى النقطة بالأفكار الآتية من الوحدة والغربة والعزلة الكبيرة، غن هذا الفراغ الكبير من الرغبات المكبوتة قد تكون صلب كابوس النقطة، التي تعمل شرخاً بين الرغبة والواقع، وهي صلة إنسانية بين الواقع والمجهول الذي يعتبر مغرياً، في حين أن النقطة لا تعتبر جذابة أو مقنعة، إن فصل نقطة الجملة وآثار النقطة دافع يفوض مبدأ الصراع من أجل سمو المعاني، ولا يسمى هذا الصراع مع الموت بل سباق لإثارة ما يمكن أن يتخيله الشاعر حتى لو كان في جبال " الأطلس " بين أشجار البلوط يرقد ليلتين لتحقيق انتصار ما، خشية من هزيمة ما، مع الإيمان بحق الإنسان كأثر وحق النقطة كنهاية شكلية أو رمزية .

(النقطة عدوة الروح

   غراب أسود في تلال الذكريات

   ولكن تظل الجبال موطن الصقور

   أبد الدهر، من دون نقطة

   النقطة خاتمة قصص عشقي

   وأمسيات أسفاري في بلاد الاغتراب

   في جبال " الأطلس " حيث رقصة القرود

   وأشجار البلوط)

إن فعل النقطة وعاطفة الإنسان ليست منفصلة عن الذات، حتى وإن سلطت الرغبة اللا واعية في غياب النقطة، وإن ظل الإنسان " يراقص الشعر والكلمات " وإن ظل الزمن يستبد ويتخبط بلا نقطة في عالم " يعوم في الوجع " رغم إنه لا يخلو من قصة لكن " قصة لم تكتمل بعد " بلا نقطة، وكأن الشاعر يروي حلماً إنسانياً بلا نقطة بلا توقف لنهاية ما، ف " قصة لم تكتمل بعد " هي أسم المجموعة القصصية الأولى للروائي الكردي " أنور محمد طاهر " من كوردستان العراق، وظفها الشاعر لبناء معنى خاص بلا نقطة، وهي محاولة بائسة، لان القصص لا بد لها معين ينقل الإحساس إلى النقطة، وقد تكون مزيج من الحلم والخيال واللا عقلانية والدهشة والانبهار ضمن مشاعر متفجرة، مضطربة من صور آثار النقطة والوحدة والوحشة والغربة والسفر والتصور والوقوع في أسر الطبيعة والخوارق التي تعتبر جزء مهم من الأحلام، والتي تفرض إن تكون مجسدة على الواقع أو على الأقل على سطور الورق العارية  بلا نقطة .

(وظل الإنسان

   يراقص الشعر والكلمات

   عند المغيب من دون نقطة

   وظل الزمن يعوم في الوجع

   من دون نقطة

   وبقيت أنا " قصة لم تكتمل بعد "

   من دون نقطة)

إن تأكيد غرابة والشاعر معاً يجعل من النص بناء نوعي، مميز، يمكن التعبير عنه في حالة وفكر وإحساس الشاعر بدل رفو لينجح في كشف وإيصال مادة النقطة المنفلتة إلى حيز الوجود والوضوح، ويسهم بأسلوبه الخاص إبراز الطريقة المثلى بمد من صور الغرابة والواقع والحلم الذي هو بعيد المنال وفي ذات الوقت أساس البقاء، هذه التخيلات والوضوح يعملان معاً لتتبلور الصور الفكرية الحسية، الذهنية المستخدمة، التي تدعم بشكل كاف دور النقطة وآثارها الضمنية حتى وإن انحنت وانبطحت وجثمت بين الكلمات والجمل والسطور، واستندت إلى الصور المتدلية من الخيال والوحدة والجبال والغربة، وأظهرت ما فيها من العتمة والألم والخذلان واليأس، وانفجرت على جرف من الأحاسيس والعواطف، وانهمرت من تربة الذات، لتغير مسار القدم ورؤية الرأس، الشاعر بدل رفو بعد رقوده ليلتين في جبال الأطلس، حول النقطة إلى عوالم جميلة وغريبة في رؤية فكرية وإحساس راقي بمضامين عديدة ومعاني تشمل آثار وسفر الإنسان بين صور الذكريات والنهايات والمكان والزمان حين يظل الإنسان، الشاعر نفسه أو أنا كاتب المقال، أو أنت أيها القارئ العزيز نقطة مجهولة أو معلومة في الحياة، وهي نقطة مضيئة حرة بلا نقطة .

 

   عصمت شاهين الدوسكي

 

أشعار المتنبي واجتهاده الموسيقي

mohamadtaqi jonمقدمة: إن دراسة النظرية الموسيقية للشاعر ضرورة ملحَّة؛ إذ تدخل الموسيقى في صلب الإبداع الشعري العربي بوصفها ذات جوانب عديدة فاعلة في تكوين النص. وتأتي أهمية هذا البحث في أنه يدرس عروض شعر المتنبي، وهو ما لم تعنَ به دراسات المتنبي، مما يجعله إضافة مهمة في إعداد تصور شامل لفنِّه الشعري.

يدرس البحث البحور التي استعملها المتنبي في شعره، وتسلسلها في الأهمية في ضوء الموضوعات الشعرية. وهو يركز على اجتهاد المتنبي في كل تصرف موسيقي في شعره. ونحن نجد المتنبي بين اتباع القديم ومتابعة الجديد، او بين التقليد والتجديد؛ فقد جاء العصر العباسي - نتيجة الاحتكاك والملاقحة - بفرضية نغمية اقتضت إضافة بحور جديدة وتعديل استعمال بحور قديمة، مما فتح باب الاجتهاد بين الشعراء.

وكان المتنبي - ذو الثقافة المزدوجة: البدوية مصاحبة والحضرية تعلماً - يمزج بين أسلوب القدماء وتجاريب المحدثين، مما جعله أسير الأسلوب القديم حيناً ومحاولة التخلص من إساره والعمل وفق الأسلوب الحديث حيناً آخر. وكانت الأوزان الشعرية رافداً مهماً من روافد الأسلوب الشعري، لذا اعتنى بها المتنبي عناية شديدة وهو يرسم أسلوبه المتفرد.

وهكذا نجده أحياناً يشبه القدماء في تقديم وتأخير البحور، وفي اختصاصها بأغرض معينة . ونجده أحياناً أخرى يخالفهم ويتابع معاصريه العباسيين. وفي حالة ثالثة نجده يجتهد بعيداً عن القدماء والمولدين في البحور. وقد غطى البحث كل البحور التي استعملها المتنبي وأعطى موقف المتنبي الموسيقي منها.

استعرض البحث أشعار المتنبي التي كتبها على بحوره حسب الموضوعات، للوصول إلى استصدار حكم موسيقي يلقي الضوء على جوانب لم تستطع الدراسات الأدبية الأخرى إضاءتها في رسم شخصية المتنبي الفنية. ونحن إذ نقدم هذا البحث، نأمل أن يكون إضافة نوعية إلى دراسات شعر المتنبي لإعداد تقييم شامل لتجربته الشعرية الفذة. ندعو الله التوفيق ونسأله النجاح، انه ولي العاملين.

 

 البحور العربية

كتب المتنبي  (5578) بيتاً في (323) (1) قصيدة ومقطّعة، موزعة على أحد عشر بحراً هي حسب كمية الأشعار في ديوانه الشامل: الطويل: (1536) بيتاً، الكامل (943) بيتاً، البسيط: (837) بيتاً، الوافر (790) بيتاً، الخفيف (509) بيتاً، المنسرح (367)، المتقارب (315) بيتاً، الرجز (159) بيتاً، السريع (60) بيتاً، المجتث (39) بيتاً، الرمل (14) بيتاً.

فيكون قد استعمل من البحور العربية الجاهلية عشرة من أصل اثني عشر مستبعداً: المديد والهزج. أما البحور العروضية العباسية الأربعة (المستحدثة) فاستعمل منها بحرا واحداً: المجتث، واستبعد الثلاثة الباقية: المضارع، المقتضب، والمتدارك.

 

المقطعات

المقطعات الشعرية - كما نرى - إسلامية المولد إسلامية الفن، فالجاهليون لم يكتبوها؛ لأنهم يرون الشعر إما قصيداً يحتاج إلى نفـَس فني طويل، أو رجزاً يكون قصيراً للمعركة أو المواقف الآنية. ولما كتب غير الشعراء الشعر في زمن الرسول (r) وبعده للأجر والثواب، لم يحسنوا في الطول فآثروا المقطعات ثم ازدهرت في العصر الأموي في الغناء. ولما جاء العصر العباسي اهتم بها الشعراء بشكل خاص؛ إذ أفردوا موضوعات مفرَّعة عن الأغراض التقليدية بمقطوعات شعرية مستقلة في تصوير: الكرم، الحلم، الحياء، العفة، الصبر (2)... حتى كأن المقطوعة قصيدة مختزلة ذات موضوع واحد. وصار على كل شاعر أن يجيد الأشكال الثلاثة: القصيد، الرجز، المقطعات، وقد أورد ابن رشيق القيرواني " والشاعر إذا قطَّع وقصَّد ورجَز فهو الكامل (3). لذا أفرط المتنبي في كتابة المقطعات حتى جعلها مساوية تقريباً لعدد القصائد: فالمقطعات (156) والقصائد (159)!

 

البحور الأولى

يتفق المتنبي مع الشعراء العرب القدامى في نسق البحور من حيث كثرة الاستعمال؛ إذ يتصدر الطويل القائمة. وعلى هذا النسق غالبية الشعر الجاهلي والأموي. ثم يتلوه الكامل فالبسيط فالوافر. وبصعود الكامل تالياً للطويل يخالف المتنبي القاعدة الموسيقية العربية المتوارثة؛ فامرؤ القيس تسلسل بحوره الأربعة: الطويل، الوافر، الكامل لعدم وجود شعر له على البسيط، والأعشى الطويل، البسيط، الوافر، الكامل، وجرير: الطويل، البسيط، الوافر، الكامل، والفرزدق: الطويل، البسيط، الوافر، الكامل.

والمتنبي بمخالفته في بحر الكامل يجاري الذوق الموسيقي العباسي الذي أعطى للكامل أهمية واضحة، ولعلَّ الخليل أطلق عليه الكامل لملاءمته ذوق عصره، وتفوقه على البحور في عدد الحركات؛ ففيه ثلاثون حركة لم تجمع في غيره (4). فهو البحر الأول في استعمال أبي تمام ويأتي الطويل بعده، وفي شعر البحتري وأبي نواس يأتي في التسلسل الثاني بعد الطويل كما في شعر المتنبي. مما يقنعنا بأن المتنبي خالف العرب وجارى عصره في ترتيب الكامل نغمياً.

 

بحور المدح

المتنبي سيد القصيدة المدحية (الرسمية). وقصيدة المدح هي التي ترتِّب الشاعر حسب الأهمية، فإذا أحجم الشاعر عن المدح أو لم يُجده لم ينل كفايته من الشهرة، ولذا كتب أبو العلاء المعري مدائح في مطلع حياته الفنية في ديوانه (سِقط الزند) وبعد أن أشَّر نفسه وتفوقه كتب بطريقته وذوقه. وإذا لم يكتب العباس بن الأحنف قصيدة المدح، فانه كان شاعر غرام الخلافة (5). وللسبب نفسه تأخر شعراء جيدون لم يجيدوا كتابة قصيدة المدح كعبد المحسن الصوري وغيره.

وإذا راجعنا قصائد مدح المتنبي وجدناه يرشح لها سبعة بحور فقط هي حسب التسلسل: الطويل نحو (33) قصيدة مدح، الكامل: (21)، البسيط: (14)، الوافر: (14)، الخفيف: (10)، المنسرح: (9). وهذه بحور مدح في الشعر العربي متفق عليها، وتتسم بجدية ورصانة وأبهة النغم على تفاوت. وقد كتب عليها المتنبي مختارات مدائحه.

أما البحر السابع فهو المتقارب، وهو قليل الجدوى في المدح. والشعراء فيه مختلفو الاستعمال؛ فقد كتب عليه الأعشى ثماني مدحيات بينما كتب عليه زهير مدحية واحدة. ولم يكتب عليه جرير والفرزدق مدحيات بل نقائض. وفي العصر العباسي كتب عليه البحتري تسع مدحيات، بينما كتب عليه أبو تمام مدحية واحدة من تسع أبيات فقط.

وكان المتقارب في نظر المتنبي لا يصلح كثيراً للمدح، وقد كتب عليه أربع مدحيات لا تستحق العناية فهي ليست من مختاراته في المدح، وأفضلهن التي في سيف الدولة وأولها:

إِلامَ طَماعِيَةُ العاذِلِ    وَلا رَأيَ في الحُبِّ لِلعاقِلِ (6)

ولم تكن بذات فضل، وعدها عبد الله المجذوب غير حسنة (7). إلا ان المتنبي منح المتقارب أهمية أخرى كما سنرى.

 

السريع والرمل

السريع

وهو بحر كاسمه يسرع على اللسان (8)، وبينه وبين الرجز سبب خفيف ناقص، لذا عدَّه عبد الله المجذوب معدولاً عن الرجز (9). وقد جعلته نغمته أكثر شعرية من الرجز، كما أعطته ميزته الرجزية اتساعه لكثرة زحافاته، لذا اختاره أحمد رامي في ترجمة رباعيات الخيام لأنه يتيح له استعمالاً أوسع في الألفاظ، مع الرشاقة الموسيقية في البحر.

وهو من البحور قليلة الاستعمال الشعري، أو من البحور الثانوية في الشعر القديم والإسلامي والحديث؛ فالأعشى كتب عليه قصيدتين، ولم يكتب عليه جرير والفرزدق شيئاً، وكتب عليه أبو تمام ثلاث قصائد، والبحتري أربع قصائد. وكتب عليه علي محمود طه قصيدتين موحدتي القافية، وخمساً طويلة متنوعة القوافي، وشوقي خمس قصائد.

ولم يخرج المتنبي عن ذلك فقد كتب عليه قصيدتين: الأولى طويلة في رثاء عمة عضد الدولة ومنها:

آخِرُ ما المَلكُ مُعَزّى بِهِ    هَذا الَّذي أَثَّرَ في قَلبِهِ

لا جَزَعاً بَل أَنَفاً شابَهُ    أَن يَقدِرَ الدَهرُ عَلى غَصبِهِ

لَو دَرَتِ الدُنيا بِما عِندَهُ    لَاِستَحيَتِ الأَيّامُ مِن عَتبِهِ

لَعَلَّها تَحسَبُ أَنَّ الَّذي    لَيسَ لَدَيهِ لَيسَ مِن حِزبِهِ

وَأَنَّ مَن بَغدادُ دارٌ لَهُ    لَيسَ مُقيماً في ذَرى عَضبِهِ (10)

 والثانية قصيرة في هجاء كافور، كما كتب عليه ست مقطعات في أغراض آنية. وبهذا فهو لم يجده يصلح لغرض أساسي كالمدح لعدم فخامة موسيقاه، ولم يجد نغمته تسعفه في كتابة شعر كثير عليه.

الرمل

من البحور الطربة التي تصلح للغناء كثيراً، وهو ما يثبته الشعر المغنى المكتوب عليه في القديم والحديث؛ فقد كتب عليه عمر بن أبي ربيعة سبعاً وعشرين قصيدة ومقطّعة، وكتب عليه إبراهيم ناجي قصائد كثيرة أهمها (الأطلال)، والتزمته موشحات كثيرة في الأندلس والمشرق. والذي يجعله بحراً غنائياً بتميز انه يتكون من تكرار نغمتين قصيرتين بينهما نغمة متوسطة (تم تتم تم = فاعلاتن) فهو يشبه النقر المرقص على الدف. وهو لا يرهق السمع والنفس لخلوه من النغمة الطويلة (11). ووصف عبد الله المجذوب نغمته بأنها ترنمية رفيقة فيها تأمل حزين (منخوليا) (12).

ولكون المتنبي جاداً وصاحب طموح ينأى به عن طلب اللهو، لم يجد في الرمل مأرباً وبالتالي لم يستعمله إلا في قصيدة قصيرة (تجريبية) قالها ارتجالاً، ومقطعتين من خمسة أبيات. أما قصيدته فكانت تجريبية بحق لأنه استعمل فاعلاتن تامة في الصدر ولم يرد هذا في أشعار العرب إلا في التصريع (13) وعدَّ من العيوب عليه (14)، ومنها قوله:

إِنَّما بَدرُ بنُ عَمّارٍ سَحابُ    هَطِلٌ فيهِ ثَوابٌ وَعِقابُ

إِنَّما بَدرٌ رَزايا وَعَطايا    وَمَنايا وَطِعانٌ وَضِرابُ

طاعِنُ الفُرسانِ في الأَحداقِ شَزراً    وَعَجاجُ الحَربِ لِلشَمسِ نِقابُ

لَيسَ بِالمُنكَرِ إِن بَرَّزتَ سَبقاً    غَيرُ مَدفوعٍ عَنِ السَبقِ العِرابُ (15)

ونرى أنه أراد أن يروِّضه للمديح البطولي فظنَّ أن إيراده تاماً بهذه الصورة يخلصه من صفة الغناء، إلا انه لم يقنع به فلم يعاود الكرَّة.

ونخلص إلى أن بحري: السريع والرمل بحران لم يعبأ بهما المتنبي، فجاءا في ذيل قائمة بحوره. وما كتبه عليهما ليس ضمن المختار من شعره، وكأنه أراد أن يكتب عليهما شيئاً فحسب.

 

الرجز

استعمل الجاهليون الرجز بحرا ارتجالياً: في المعارك والحاجات اليومية وهما غير شعريين، فالرجز عند الجاهليين وزن شعبي (16) يصلح للنظم فقط ولا يرتفع إلى الاحترام الفني، ولا يعتد به في تقييم الفحولة. وقد أنكر الاخفش عدّ الرجز شعراً واحتج به على فساد مذهب الخليل في انه شعر، مستدلا على هذا بالرجز الذي قاله الرسول الكريم (ص) لقوله (ص) (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (17).

والسبب الذي جعل الجاهليين لا يكتبون عليه قريضاً كثرة التجوز فيه؛ فتفعيلته - كما رصدها الفراهيدي - (مستفعلن) تأخذ أربع حالات في الزحافات: أصلية (مستفعلن)، ومخبونة (مُتـَفْعـِلُنْ)، ومطوية (مُـسـْتـَعـِلـُنْ)، ومخبولة (مُتـَعـِلُنْ)، وحالتين في العلل: مقطوعة (مستفعلْ)، ومخبونة مقطوعة (فعولن). وهذا التجوز الكثير جعل أبياته قليلة الموسيقى قريبة من النثر والكلام الاعتيادي، على الضد من البحور قليلة الزحاف، إذ يحصنها ذلك من السقوط في مهاوي النثر ويثبتها على مستوى نغمي راق.

ثم طوِّل الرجز في العصر الأموي قال ابن رشيق: " قال أبو عبيدة: إنما كان الشاعر يقول من الرجز البيتين والثلاثة ونحو ذلك، إذا حارب أو شاتم أو فاخر، حتى كان العجاج أول من أطاله وقصَّده، ونسَّب فيه، وذكر الديار، واستوقف الركاب عليها، ووصف ما فيها، وبكى على الشباب، ووصف الراحلة، كما فعلت الشعراء بالقصيد فكان في الرجاز كامرئ القيس في الشعراء... وقال غيره: أول من طول الرجز الأغلب العجلي..." (18). وهكذا ظهرت الأراجيز منذ العصر الأموي وازدهرت تباعاً.

ولما جاء العصر العباسي وأنشئ شعر فارسي على غرار الشعر العربي (19)، لم يجمد الفرس على القوالب العربية، بل عملوا على الرقي بشعرهم ومنافسة الشعر العربي. وبالفعل استطاعوا أن يجعلوا له خصوصية وتفرداً؛ فزادوا في الأوزان ، وأضافوا تفعيلات إلى البحور العربية، ونوَّعوا في القوافي. وقد نقلت بعض أوزانهم المبتدعة إلى الشعر العربي وهي: المضارع والدوبيت والمقتضب والخبب. واندفع الشعراء العباسيون يجربون ويضيفون في الأوزان، فكتبوا قصائد على بحر الرجز ومنحوه الشعرية: أبو تمام كتب عليه قصيدة واحدة فقط، البحتري قصيدة واحدة وقطعتين، ابن المعتز أربع قصائد وخمس عشرة مقطّعة، ابن الرومي خمس قصائد وإحدى عشرة مقطّعة. وتزيد الكتابة عليه كلما أوغلنا في الزمان الى العصر الحديث. ووجدت قلة من الشعراء استمرت في عدم الاعتراف به قريضاً فاستعملته أراجيز على الطريقة الأموية وللمواقف والحالات اليومية.

وأثبت المتنبي في ديوانه التزامه التام بالطريقة الجاهلية في استعمال الرجز، مضيفاً الطريقة الأموية في تطويل الرجز إلى أراجيز، عدا ثلاثة أبيات كتبها قريضية لم يتحرر بها نهائياً من طبيعة الرجز لأنه قالها ارتجالاً. وفي ديوانه تسعة أعمال رجزية موزعة على (أربع أراجيز) و (خمسة مواقف آنية).

أراجيزه

صارت الأراجيز ميداناً آخر على الشاعر العباسي أن يتقدم فيه. وفي دواوينهم أراجيز تؤكد ذلك. وقد جارى أبو الطيب شعراء عصره في هذا المنحى، وحتما كان يستظهر أراجيز كثيرة ويحفظ خزيناً جزلا من الألفاظ والقوافي تمكنه من إنشاء أرجوزة بسهولة تامة وفي أي وقت مع عدم رغبته في الصيد والطرد حيث تقتضي الأرجوزة؛ ذلك لأنها لا تقتضي الاستغراق في الخيال ولا التعمق في المعاني. وهو ما تؤكده قصة في ديوانه مفادها أن أبا علي الاوراجي جاء من رحلة صيد وطرد فقال للمتنبي: وددت لو كنت معنا.. ووصف له الرحلة وكيف طارد ظبياً بكلب من دون صقر، فقال المتنبي: أنا قليل الرغبة في مثل هذا، فقال أبو علي الاوراجي: إنما اشتهيت أن تراه فتستحسنه، فتقول فيه شيئاً من الشعر، فقال المتنبي: أنا افعل، أفتحب أن يكون الآن، فقال الاوراجي: أيمكن مثل هذا؟!! ثم انطلق المتنبي ينشد أرجوزته (20).

كتب المتنبي أربع أراجيز لم يُخلها تماماً من روح القصيدة. وكانت أقربها لفن الأرجوزة وأجملها التي وصف فيها فرسه ومهرها الطخرور وهي من (29) بيتاً. ويبدو واضحا انه شاهد المروج والحدائق التي وصفها وصفا أخاذا حيث رعت الفرس ومهرها. وفي الأرجوزة نرى أفانين الألفاظ وتلاوين القوافي الجميلة وكأنها مهرجان ربيع شعري. وهي التي مطلعها:

ما لِلمُروجِ الخُضرِ وَالحَدائِقِ    يَشكو خَلاها كَثرَةَ العَوائِقِ (21)

وكانت أرجوزته الثاني التي قدمنا من ذكرها من (29) بيتاً، وهي التي ارتجلها عند أبي علي الاوراجي، وتتميز بألفاظها الحوشية الغريبة تلك التي يتعمدها الرجاز. وجاءت من خزين الشاعر ومهارته ورغبته في المنافسة واثبات القدرة. وهي التي مطلعها:

وَمَنزِلٍ لَيسَ لَنا بِمَنزِلِ    وَلا لِغَيرِ الغادِياتِ الهُطَّلِ (22)

والأرجوزة الثالثة من (12) بيتاً، قالها في صحبة الأمير محمد بن طغج في سفرة كما وصفها (للصيد والنزهة والتمرد)، وكانت قرب جبل شامخ وصفه في مطلع الأرجوزة:

وَشامِخٍ مِنَ الجِبالِ أَقوَدِ    فَردٍ كَيافوخِ البَعيرِ الأَصيَدِ (23)

والأرجوزة تقترب من روح القصيدة، فتقل فيها الألفاظ الصعبة مقابل اهتمام واضح بالمعنى، كما جعل نهاية الأرجوزة مدح الأمير.

أما أرجوزته الرابعة فهي أطولها من (62) بيتاً قالها مصاحباً عضد الدولة، ومطلعها:

ما أَجدَرَ الأَيّامَ وَاللَيالي    بِأَن تَقولَ ما لَهُ وَما لي (24)

وهي أهم اراجيزه لما فيها من معانٍ ودلالات. وكان عضد الدولة قد قصد دشت الارزن وهو وادٍ تحفه الجبال، وبقي اياماً بقصد الصيد والمتعة يحفه جيشه الكبير. اتبع المتنبي في الارجوزة أسلوبه؛ فبدأها بالفخر بنفسه، ثم مدح الأمير، ثم وصف الصيد، وجعل الخاتمة مدحا فحكمة. وتميزت الأرجوزة بالصور القريضية المتلاحقة، وتصرف (جُملتاني) فريد في قوله:

فَلَم تَدَع مِنها سِوى المُحالِ    في (لا مَكانٍ) عِندَ لا (مَنالِ) (25)

فهذه التركيبة الأسلوبية (لا مكان) و (لا منال) لم يستخدمها شاعر قبله، وهي من التصرفات الجديدة والجميلة في اللغة الشعرية، وتشبه اللفتات الحداثوية التي جنَّ بهاَ جيلنا.

 

رجزه القريضي

قال المتنبي على بحر الرجز ثلاثة أبيات قريضية هي:

أَيَّ مَحَلٍّ أَرتَقي    أَيَّ عَظيمٍ أَتَّقي

وَكُلُّ ما قَد خَلَقَ الله وَما لَم يَخلُقِ

مُحتَقَرٌ في هِمَّتي    كَشَعرَةٍ في مَفرِقي (26)

وهو استعمال مخالف لطبيعة الرجز، سوى انه يمثل الموقف الآني؛ فقد جاء في الديوان " وقال في صباه ارتجالاً" (27). وفي هذه الأبيات يتابع المتنبي النفس التجديدي للعصر العباسي في منح الرجز ثقة وزنية شعرية. إلا أن المتنبي لم يخضع تماماً للمتابعة؛ فهو كتب ثلاثة أبيات وليس قصيدة كاملة واضحة الملامح الفنية، كما انه لم يكررها، وهي تحمل سمة الموقف الآني فلم تتمحض للقريض ولم تتخلص من طبيعة الرجز.

وممكن تقييم استعمال المتنبي لبحر الرجز بأنه حاول الالتزام وتقليد القدماء، فأقام الوزن على الشطر وليس البيت، واستعمله كالجاهليين في المواقف الآنية إلا انه قال على غيره في مواقف آنية كثيرة كعادة العباسيين. وجارى الأمويين في تطويل الرجز إلى أرجوزة فكتب أراجيز أربعاً، ولكنه أضاف لأراجيزه روح القريض لغلبة طبيعة القريض عليه، من خلال الصور العميقة وتتابعها، واهتمامه بالمعنى في حين تكاد تتمحض الأرجوزة للألفاظ أو هي ميدانها الأول. كما وجدناه يجرب كتابة القريض على بحر الرجز في ثلاثة أبيات فقط قالها في موقف آني.

 

المواقف الآنية والقصائل

في شعر المتنبي ظاهرتان وزنيتان يجب تأشيرهما، وهما عامتان في الشعر العربي سوى شيء من الخصوصية من عصر المتنبي ومن المتنبي شخصياً. الأولى المواقف الآنية وهي ازدهرت باجتهاد العصر العباسي. والثانية (القصائل) وهي موجودة في الشعر العربي إلا أن المتنبي أضاف إليها اجتهاده الموسيقي.

 

المواقف الآنية

كان شعراء الجاهلية - كما أسلفنا - يخصون القصيدة بالشعر والشعرية، والمقطّعة بالمواقف الآنية وبحر الرجز، فلا يشترطون الشعر والشعرية بل هي عامة لكل الناس. ولكن عندما ازدهرت المقطعات في العصر العباسي وأعطيت المقدار نفسه من الشعر والشعرية (28)، أصبحت المواقف الآنية يكتب فيها شعر على البحور كافة دون اختصاصها بالرجز. وأظن أن هذه القضية هي التي أعادت الرجز إلى حظيرة الأوزان القريضية بعدما أصبح مشاركاً في جوهر عمله من بقية البحور.

وقد قال المتنبي شعراً في مواقف آنية على كافة البحور التي استعملها، فقد قال على بحر الطويل عندما " اجتاز بمكان يعرف بالفراديس من أرض قنسرين حين سمع زئير الأسد":

أَجارُكِ يا أُسدَ الفَراديسِ مُكرَمُ    فَتَسكُنَ نَفسي أَم مُهانٌ فَمُسلَمُ

وَرائي وَقُدّامي عُداةٌ كَثيرَةٌ    أُحاذِرُ مِن لِصٍّ وَمِنكِ وَمِنهُمُ

فَهَل لَكِ في حِلفي عَلى ما أُريدُهُ    فَإِنّي بِأَسبابِ المَعيشَةِ أَعلَمُ

إِذاً لَأَتاكِ الخَيرُ مِن كُلِّ وِجهَةٍ    وَأَثرَيتِ مِمّا تَغنَمينَ وَأَغنَمُ (29)

 وقال على البسيط " لابن عبد الوهاب وقد جلس ابنه إلى جانب المصباح":

أَما تَرى ما أَراهُ أَيُّها المَلِكُ    كَأَنَّنا في سَماءِ مالَها حُبُكُ

الفَرقَدُ اِبنُكَ وَالمِصباحُ صاحِبُهُ    وَأَنتَ بَدرُ الدُجى وَالمَجلِسُ الفَلَكُ (30)

 وقال على مخلّع البسيط : وقد جعل أبو محمد بن طغج يضرب بكمه البخور ويقول: سوقاً إلى أبي الطيب:

يا أَكرَمَ الناسِ في الفَعالِ    وَأَفصَحَ الناسِ في المَقالِ

إِن قُلتَ في ذا البَخورِ سَوقاً    فَهَكَذا قُلتَ في النَوالِ (31)

وعلى الوافر قال ارتجالاً حين " عذله عبد الله معاذ بن اسماعيل اللاذقي على ما كان شاهده من تهوره":

أَبا عَبدِ الإِلَهِ مُعاذُ إِنّي    خَفِيٌّ عَنكَ في الهَيجا مَقامي

ذَكَرتُ جَسيمَ ما طَلَبي وَأَنّا    نُخاطِرُ فيهِ بِالمُهَجِ الجِسامِ

أَمِثلي تَأخُذُ النَكَباتُ مِنهُ    وَيَجزَعُ مِن مُلاقاةِ الحِمامِ

وَلَو بَرَزَ الزَمانُ إِلَيَّ شَخصاً    لَخَضَّبَ شَعرَ مَفرِقِهِ حُسامي

وَما بَلَغَت مَشيئتَها اللَيالي    وَلا سارَت وَفي يَدِها زِمامي

إِذا امتلأت عُيونُ الخَيلُ مِنّي    فَوَيلٌ في التَيَقُّظِ وَالمَنامِ (32)

 وقال على الكامل ارتجالا " وقد دخل على بدر بن عمار يوماً فوجده خالياً، وقد أمر الغلمان أن يحجبوا الناس عنه ليخلو للشراب":

أَصبَحتَ تَأمُرُ بِالحِجابِ لِخِلوَةٍ    هَيهاتَ لَستَ عَلى الحِجابِ بِقادِرِ

مَن كانَ ضَوءُ جَبينِهِ وَنَوالُهُ      لَم يُحجَبا لَم يَحتَجِب عَن ناظِرِ

فَإِذا اِحتَجَبتَ فَأَنتَ غَيرُ مُحَجَّبٍ    وَإِذا بَطَنتَ فَأَنتَ عَينُ الظاهِرِ (33)

وقال على الرمل " حين استحسن سيف الدولة قصيدته (أجاب دمعي) ارتجالا":

إِنَّ هَذا الشِعرَ في الشِعرِ مَلَكْ    سارَ فَهوَ الشَمسُ وَالدُنيا فَلَكْ

عَدَلَ الرَحمَنُ فيهِ بَينَنا    فَقَضى بِاللَفظِ لي وَالحَمدِ لَكْ

فَإِذا مَرَّ بِأُذني حاسِدٍ    صارَ مِمَّن كانَ حَيّا فَهَلَك (34)

 وقال على السريع " في صباه وقد قيل له في المكتب ما أحسن هذه الوفرة":

لا تَحسُنُ الوَفرَةُ حَتّى تُرى    مَنشورَةَ الضِفرَينِ يَومَ القِتال

عَلى فَتىً مُعتَقِلٍ صَعدَةً    يَعُلُّها مِن كُلِّ وافي السِبال (35)

وقال على المنسرح " وقد عُرض على سيف الدولة سيوف مذهبة وفيها سيف غير مذهب فأمر بإذهابه":

أَحسَنُ ما يُخضَبُ الحَديدُ بِهِ    وَخاضِبَيهِ النَجيعُ وَالغَضَبُ

فَلا تَشينَنهُ بِالنُضارِ فَما    يَجتَمِعُ الماءُ فيهِ وَالذَهَبُ (36)

وقال على الخفيف حين " سئل عما ارتجله فيه من الشعر فاعاده، فعجبوا من حفظه اياه ":

إِنَّما أَحفَظُ المَديحَ بِعَيني    لا بِقَلبي لِما أَرى في الأَميرِ

مِن خِصالٍ إِذا نَظَرتُ إِلَيها    نَظَمَت لي غَرائِبَ المَنثورِ (37)

وقال على المتقارب " وقد كره الشرب وكثر البخور وارتفعت رائحة الند والأصوات في مجلس الحسين بن عبد الله بن طغج":

أَنَشرُ الكِباءِ وَوَجهُ الأَميرِ    وَصَوتُ الغِناءِ وَصافي الخُمورِ

فَداوِ خُماري بِشُربي لَها    فَإِنّي سَكِرتُ بِشُربِ السُرورِ (38)

 نستنتج من خلال الأمثلة السابقة أن المتنبي لم يجتهد في هذه الظاهرة وإنما كان تبعاً لذوق وتصرف شعراء جيله.

 

القصائل

 (القصائل) مصطلح نحتناه من (القصائد) و (الرسائل)، والمراد به القصائد التي تكتب على شكل رسالة. ومفردها قصالة، وحدّها: القصيدة التي ترسل إلى الشخص المقصود في غرض ما. وقد تكون الرسالة الشعرية دون السبع الأبيات فلا تسمى قصالة بل مجرد رسالة شعرية. كما لا تعد قصالة إذا بعثت مكتوبة في احد الأغراض الشعرية كالمدح او الهجاء مثل قصيدة المتنبي التي أولها (ما لنا كلنا جوٍ يا رسول) (39) على الرغم من انه أرسلها برسالة من الكوفة إلى سيف الدولة في حلب؛ لأنها في المدح الخالص، وليس في غرض رسالى.

والقصائل ليست ابتكاراً من المتنبي، بل هي في ديوان الشعر العربي كثيرة ومعروفة. بعضها يمثل غرضاً شخصياً كالرسائل الغرامية التي بعثها عمر بن أبي ربيعة إلى الثريا، أو التي يكتبها السجناء إلى ذويهم، أو إلى الولاة والأمراء لإطلاقهم كالرسائل التي أرسلها عدي بن زيد العبادي من سجنه إلى النعمان بن المنذر ومنها قوله:

أَبلِغِ النُعمانَ عَنّي مَألَكاً    إِنَّني قَد طالَ حَبسي وَاِنتِظاري

لَو بِغَيرِ الماءِ حَلقي شَرِقٌ    كَنتُ كَالغَصّانِ بِالماءِ اِعتِصاري (40)

وهناك قصائل لا ترسل إلى شخص بعينه بل إلى مجموعة أشخاص أو قوم لتنبيههم أو تحذيرهم من قضايا مصيرية كالتي أرسلها لقيط بن معمر يحذر أهله في الجزيرة من جيش كسرى ومنها:

يا قوم لا تأمنوا إن كنتم غيراً     على نسائكم كسرى وما جمعا

فقلدوا أمركم لله دركم      رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا (41)

أو التي رددتها كتب التاريخ أكثر من كتب الأدب (42)؛ وهي التي أرسلها نصر بن سيار إلى آخر خلفاء الأمويين مروان بن محمد مذيلة برسالة:

أَرَى خَلَلَ الرَّمادِ وَمِيضَ جَمْرٍ     ويُوشِكُ أَنْ يكُونَ له ضِرامُ

فإِنْ لَمْ يُطْفِهِ عُقَلاءُ قَوْمٍ     فإِنَّ وَقُودَهُ جُثَثٌ وهامُ

فإِنَّ النَّارَ بالعُودَيْنِ تُذْكَى     وإِنَّ الحَرْبَ أَوَّلُها كَلامُ

فقلتُ مِن التَّعَجُّب: لَيْتَ شِعْرِي!     أَأَيْقاظٌ أُمَيَّةُ أَمْ نِيَامُ

فان كانوا لحينهم نياما    فقل قوموا فقد حان القيام (43)

والقصائل على الرغم من أخذها طابع الرسالة إلا أنها أو أغلبها موفور الحظ من الفن، لذا فهي تلحق بالشعر الفني لا التاريخي أو أحد أنماط الشعر غير الفنية.

وكانت حياة المتنبي الحافلة دافعا إلى كتابة قصائل لم يجد المتنبي من بدٍّ في كتابتها. وفي ديوانه نجد ثلاث قصائل، كما نجد أربع رسائل شعرية قصيرة جعلها على ثلاثة بحور: كتب على المنسرح اثنتين، الأولى من أربعة أبيات كتبها من سجنه إلى رجل يعرف بأبي دلف كنداج أهدى إليه هدية وهو معتقل بحمص، وكان قد بلغه أنه ثلبه عند الوالي الذي اعتقله، ومطلعها:

أَهوِن بِطولِ الثَواءِ وَالتَلَفِ    وَالسِجنِ وَالقَيدِ يا أَبا دُلَفِ (44)

والثانية من ستة كتبها إلى عبيد الله بن خلكان من خراسان هدية فيها سمك من سكر ولوز في عسل، مطلعها:

قَد شَغَلَ الناسَ كَثرَةُ الأَمَلِ    وَأَنتَ بِالمَكرُماتِ في شُغُلِ (45)

والثالثة من خمسة أبيات على الكامل بعثها لعبيد بن خلكان أيضا وللغرض نفسه، ومطلعها:

أَقصِر فَلَستَ بِزائِدي وُدّا    بَلَغَ المَدى وَتَجاوَزَ الحَدّا (46)

والرابعة من أربعة أبيات كتبها على بحر الخفيف إلى الوالي الذي سجنه يستعطفه، ومطلعها:

بيدِي أيُّها الأميرُ الأريبُ    لا لشيءٍ إلّا لأنّي غريبُ (47)

أما قصائله الشعرية الثلاث فكتبها على بحر واحد هو المتقارب. وكان اختيار المتقارب اجتهاداً من المتنبي بوصفه النمط النغمي الملائم للقصالة؛ وذلك لأنه يشبه الرجز في كثرة التجوز الموسيقي فيه، الا ان تجوزه ليس في الزحافات كالرجز بل في العلل. اذ يجوز في عروضه وضربه أن تأتي تفعيلته (فعولن) بأربع حالات: أصلية (فعولن)، مقبوضة (فعولُ)، مقصورة (فعولْ)، محذوفة (فعوْ).

إلا أن المتقارب من وجهة نظر المتنبي التطبيقية أرفع نغمياً من الرجز وبالتالي فهو الأفضل في تمثيل نمط القصالة، ويلاحظ أن المتنبي، دون سواه من الشعراء ممن كتبوا القصائل، اجتهد في اختيار البحر الشعري الملائم للقصالة التي تمثل حالة وسطى بين النثرية والشعرية العالية. وقد وجد في نغمة المتقارب خير ممثل لهذا الغرض ففرغه له، لذا وجدناه يعفيه من غرض المدح.

القصالة الأولى من (28) بيتاً، كتبها إلى الوالي الذي حبسه إثر وشاية قوم به. ويلاحظ أن المتنبي يستعطفه ويسترق قلبه لإخراجه، كما يدافع عن نفسه مستخدماً الحجج الدامغة لتبرئة نفسه من التهمة التي حبس عليها.

أَيا خَدَّدَ اللَهُ وَردَ الخُدودِ    وَقدَّ قُدودَ الحِسانِ القُدودِ

أَمالِكَ رِقّي وَمَن شَأنُهُ    هِباتُ اللُجَينِ وَعِتقُ العَبيدِ

دَعَوتُكَ عِندَ اِنقِطاعِ الرَجاءِ وَالمَوتُ مِنّي كَحَبلِ الوَريدِ

دَعَوتُكَ لَمّا بَراني البَلاءُ    وَأَوهَنَ رِجلَيَّ ثِقلُ الحَديدِ

فَلا تَسمَعَنَّ مِنَ الكاشِحينَ    وَلا تَعبَأَنَّ بِمَحكِ اليَهودِ

وَكُن فارِقاً بَينَ دَعوى أَرَدتُ    وَدَعوى فَعَلتُ بِشَأوٍ بَعيدِ

وَفي جودِ كَفَّيكَ ما جُدتَ لي    بِنَفسي وَلَو كُنتُ أَشقى ثَمودِ (48)

 

والقصالة الثانية من (15) بيتاً. وسبب كتابتها - كما في الديوان- انه تأخر عن مدح سيف الدولة فعاتبه مدة، ثم لقيه في الميدان فرأى منه انحرافاً وأنكر تقصيره فيما كان عوَّده من الإقبال إليه والسلام عليه، فعاد إلى البيت وأرسل إليه هذه الأبيات. وفي القصيدة اعتذار ووعد بمدحه:

أَرى ذَلِكَ القُربَ صارَ اِزوِرارا    وَصارَ طَويلُ السَلامِ اِختِصارا

تَرَكتَني اليَومَ في خَجلَةٍ    أَموتُ مِراراً وَأَحيا مِرارا

وَأَعلَمُ أَنّي إِذا ما اِعتَذَرتُ    إِلَيكَ، أَرادَ اِعتِذاري اِعتِذارا

وَلي فيكَ ما لَم يَقُل قائِلٌ    وَما لَم يَسِر قَمَرٌ حَيثُ سارا

سَما بِكَ هَمِّيَ فَوقَ الهُمومِ    فَلَستُ أَعُدُّ يَساراً يَسارا

وَمَن كُنتَ بَحراً لَهُ يا عَلِيُّ لَم يَقبَلِ الدُرَّ إِلّا كِبارا (49)

أما القصالة الثالثة، وهي من (44) بيتاً، فقد كتبها إلى سيف الدولة من ميافارقين جواباً على رسالته التي يسأله فيها المسير إليه. وقد ذكر فيها ما استوجب فراقه وكثرة حساده، كما ضمّنها مدحا له، وهي أطول وأفضل القصائل:

 فهمتُ الكِتاَبَ أبَرَّ الكتَبْ     فَسمعاً لأمْرِ أَمير العَربْ

وطَوعاً له وابتهاجاً بهِ     وإن قَصَّرَ الفِعلُ عمَّا وَجبْ

وَما عاقَني غَيرُ خَوفِ الوُشاةِ    وَإِنَّ الوِشاياتِ طُرقُ الكَذِبْ

وَتَكثيرِ قَومٍ وَتَقليلِهِم    وَتَقريبِهِم بَينَنا وَالخَبَبْ

وَقَد كانَ يَنصُرُهُم سَمعُهُ    وَيَنصُرُني قَلبُهُ وَالحَسَبْ

وَما لاقَني بَلَدٌ بَعدَكُم    وَلا اِعتَضتُ مِن رَبِّ نُعمايَ رَبْ

فَلَيتَ سُيوفَكَ في حاسِدٍ    إِذا ما ظَهَرَت عَلَيهِم كَئِبْ

وَلَيتَ شَكاتَكَ في جِسمِهِ    وَلَيتَكَ تَجزي بِبُغضٍ وَحُبْ

فَلَو كُنتَ تَجزي بِهِ نِلتُ مِنكَ    أَضعَفَ حَظٍّ بِأَقوى سَبَبْ (50)

 المجتث

كان المجتث أول بحر شعري ابتدع. ومبتدعه الخليفة الأموي الوليد بن يزيد في قوله عابثاً:

إني سمعتُ بليلٍ        ورا المصلى برنـّه

              خرجتُ اسحبُ ذيلي    أقول ما شأنهنه

إذا بنات هشام         يندبن والدهنه (51)

وإنما هداه إلى وضع هذه النغمة حبه الغناء الذي يقتضي أوزانا قصيرة رشيقة. وقد انتشر هذا البحر بشكل لافت في العصر العباسي اثر موجة اكتشاف بحور جديدة، ولانتشار الغناء بشكل أكبر. ولما أمكن للخليل إضافته، ألحقه ببحوره الستة عشر.

إلا أن النظرة والنظرية المحافظة جعلت بعض الشعراء يتجنبه أو يقلل من الكتابة عليه، وقد علل الزمخشري ذلك في كتابه (القسطاس في علم العروض) بقوله: " انَّ بناء الشعر العربي على الوزن المُخترعِ، الخارج عن بحور شعر العرب (يقصد المجتث والمضارع والمقتضب والمتدارك)، لا يَقدحُ في كونه شعراً عندَ بعضهم. وبعضُهم أبى ذلك، وزعم أنه لا يكون شعراً حتى يُحامَى فيه وزن من أوزانهم" (52).

وإذا طالعنا دواوين الشعراء العباسيين نجدهم يتفاوتون في استعمال هذا البحر بقدر حرصهم على التقليد والتجديد، وثقافاتهم وأساليبهم الشعرية. فأبو نواس المجدد كتب عليه (46) قصيدة ومقطّعة، وابن الرومي (28)، وابن المعتز (23)، والصاحب بن عباد (9). وتقل الكمية عند الشعراء الحريصين على الأصالة؛ فكتب عليه العباس بن الأحنف (5)، والبحتري (4)، ودعبل الخزاعي وعلي بن الجهم (3)، وأبو تمام (2)، وبشار ثلاثة أبيات فقط.

وفي ديوان المتنبي قصيدة يتيمة من (39) بيتاً على بحر المجتث. والقصيدة تقترن بمقتل المتنبي وهي في هجاء ضبة خال فاتك الاسدي قاتله المزعوم. وقد ذكرت في ديوانه طويلة، ولم تذكر المصادر منها إلا أبياتاً قليلة.

وان معرفة رأي المتنبي بالبحور المستحدثة وبحر المجتث خاصة لوجود قصيدة باسمه عليه، يدعو إلى التأني في قراءة القصيدة المنسوبة إليه واستحضار كل معرفتنا بتكوين المتنبي الشخصي والثقافي. بدءاً القصيدة مملوءة بالفحش والفجور وألفاظها يستخدمها الفسقة والساقطون وهو ما لا نجده في عموم شعر المتنبي الكيّس العظيم الهمة. ومن أبياتها التي يظهر فيها الفسق والفجور:

ما أَنصَفَ القَومُ ضَبَّه    وَأُمَّهُ الطُرطُبَّه

رَمَوا بِرَأسِ أَبيهِ    وَباكَوا الأُمَّ غُلبَه

فَلا بِمَن ماتَ فَخرٌ    وَلا بِمَن نيكَ رَغبَه

وَما عَلَيكَ مِنَ العارِ إِنَّ أُمَّكَ قَحبَه

ما ضَرَّها مَن أَتاها    وَإِنَّما ضَرَّ صُلبَه

وَلَم يَنِكها وَلَكِن    عِجانُها ناكَ زُبَّه

لَو أَبصَرَ الجِذعَ شَيئاً    أَحَبَّ في الجِذعِ صَلبَه (53)

ومن الناحية اللغوية، القصيدة تخلو من الجزالة المعهودة لدى المتنبي، وتكثر فيها ألفاظ سوقية لا ترد في شعر الفحول. وفي القصيدة توجد لفظة (تيبَه) مخففة من (تأبه) وهو استعمال غريب لم يذكره لا شاعر ولا ناثر غير المتنبي، وليس بالمقبول البتة أن يتجاوز المتنبي على اللغة ويخالف الجميع. أما من الناحية الشعرية، فالأبيات كما وصفها ابن رشيق القيرواني ركيكة (54)، وليست من قصائد اللفظ أو المعنى، وليس فيها أدنى مقدار من الشعرية. وفي الديوان أن المتنبي كان إذا سئل عنها ينكرها (55).

وان الحكم على صحة القصيدة من عدمها يقتضي حكماً موسيقياً أهم هو إيمان المتنبي من عدمه باستعمال البحور العباسية المستحدثة، وهو المعروف بالتزامه بقواعد الاسبقين في الأبجدية الشعرية برمتها. الانطباع الأول المتكون لدينا هو إن المتنبي يكره مخالفة العرب بالكتابة على البحور المستحدثة فليس في ديوانه شعر مذكور على المضارع أو المقتضب أو المتدارك، وتوجد قصيدة واحدة على المجتث. وكلها قصيرة راقصة لا تناسب طبيعة المتنبي.

أما صحة نسبة القصيدة اليه والتي تقتضي رغبته وإصراره على الكتابة على البحر المجتث، فنرى القضية تنحصر باحتمالين:

الأول: إن القصيدة مشكوك فيها؛ فليس يغرنا الخبر الطويل في الصبح المنبي عن طلب فاتك الاسدي قتل المتنبي بسبب هذه القصيدة، فثابت بن هارون الرقي الذي عاصر الحدث ورثى المتنبي في حضرة عضد الدولة حاثا إياه على الأخذ بثأره، لم يذكر فاتكاً ولا أشار إليه، ولو كان قاتله بالفعل لذكره هارون، ولكنه ذكر ما يدلّ على الغدر والتعمد في قتله، وذكر بني أسد قاتلين للمتنبي سارقين لعطاء عضد الدولة له:

 (غدر) الزمان به فخان ولم تزل     أيدي الزمان ببأسه تستنجدُ

لقي الخطوب فبذها حتى جرى     غلط القضاء عليه و(هو تعمُّدُ)

يا أيها الملك المؤيد دعوة     ممن حشاه بالأسى يتوقدُ

هذي بنو أسد بضيفك أوقعت     وحوت عطاءك إذ حواه الفدفدُ (56)

 

ونقرأ في قصيدته الأخيرة أنه كان متوقعاً مهاجمته وقتله في الطريق وهو عند عضد الدولة:

وَأَيّا شِئتِ يا طُرُقي فَكوني    أَذاةً أَو نَجاةً أَو هَلاكا

يُشَرِّدُ يُمنُ فَنّاخُسرَ عَنّي    قَنا الأَعداءِ وَالطَعنِ الدِراكا

وَأَلبَسُ مِن رِضاهُ في طَريقي    سِلاحاً يَذعَرُ الأَبطالَ شاكا (57)

وفي شعره الشيرازي نجده على خلاف العادة يهتم بموضوع الخوف والأمان، كما في قوله:

أُروضُ الناسِ مِن تُربٍ وَخَوفٍ    وَأَرضُ أَبي شُجاعٍ مِن أَمانِ (58)

وذكر القاضي التنوخي ثلاثة أسباب لقتل المتنبي: الأول: انه كان معه مال كثير فقتله العرب واخذوا ماله، والثاني كلمة قالها عن عضد الدولة، فدس عليه من قتله، والثالث بسبب القصيدة (59). ويبدو السبب الثاني أكثر إقناعاً.

واتهم الجواهري ملمحاً عضد الدولة بقتله في قوله:

يدٌ لفاتك كانت آلة رفعتْ        وراءه خبِّئت من آخرينَ يدُ (60)

وفي أخبار عضد الدولة انه قال عند سماع قول المتنبي (أني الفتى): هو ذا يتهددنا المتنبي (61). والراجح عندنا أن عضد الدولة استدرجه إلى إيران لتصفيته؛ فقد ضيق عليه في العراق عند عودته من مصر خائباً من أمل الولاية وما علق عليها من آمال تصحيحية حتى ترك العراق مراغماً للوزير المهلبي وزير آل بويه في بغداد (62) العميل المشترك بين البويهيين والعباسيين. وكان المتنبي يرى سبب مأساة الإسلام والأمة الإسلامية تملك الأعاجم وجثوم الخلفاء العباسيين الضعاف على خلافة العباد. فهو لم يمدح الخلفاء العباسيين الستة الذين عاصرهم، وقال في البويهيين وسواهم من الأعاجم:

وَإِنَّما الناسُ بِالمُلوكِ وَما    تُفلِحُ عُربٌ مُلوكُها عَجَمُ

لا أَدَبٌ عِندَهُم وَلا حَسَبٌ    وَلا عُهودٌ لَهُم وَلا ذِمَمُ (63)

وإذا سلّمنا بأن عضد الدولة هو الذي قتل المتنبي سنخلص إلى أن القصيدة مختلقة وكذلك ضبّة وخاله فاتك الاسدي، ويكون المتنبي ملتزماً غير متبع في الأوزان، لذا فهو لم يكتب على بحر المجتث كما لم يكتب على بقية البحور المخترعة: المضارع والمقتضب والمتدارك. وتضاف القصيدة دليلا إلى جملة الأدلة في تحديد عضد الدولة قاتلا للمتنبي ويتأكد أن المتنبي جرى على طريقته في الحفاظ والمحافظة على الأصالة العربية في اختيار الأوزان.

الثاني: إن المتنبي كتب القصيدة واختار بالفعل بحر المجتث، وانه تقصد أن يأتي بها بهذا المستوى من الانحطاط الخلقي والفني، وقد جاء في خبرها أنه (أجاب ضبة بألفاظه) (64). وقبولنا ذلك لأن المتنبي - كما في قول الزمخشري مار الذكر - من الشعراء المحافظين الذين لا يعترفون بالشعر الذي يكتب على غير أوزان العرب. فهو لا يعدّ قصيدته على بحر المجتث شعراً، لذا فقد كان ينكرها بوصفها شعراً وليس قولا.

ونحن، على ترجيحنا الأول، نرى أن المتنبي في الحالتين لم يعترف بالمجتث والبحور المستحدثة.

 

المديد والهزج

المديد الأصلي (65) بحر جاهلي صرف، ونادر حتى في الشعر الجاهلي. وقد عجزت الذائقة النغمية الإسلامية عن هضمه واستيعابه، لذا لم يكتب عليه قصيدة واحدة من قبل الشعراء الأمويين الكبار: جرير، الفرزدق، الأخطل، والراعي النميري. ولم تكتب عليه قصيدة إسلامية ناضجة نغمياً، وكانت كتابة قصائد حب عليه من عمر بن أبي ربيعة محاولة عابثة. والبحر الأصلي برأي المجذوب فيه صلابة وعسر ووحشية ويصلح للرثاء الانتقامي وان تفعيلاته اقتبست في الأصل من قرع طبول الحرب (66). وأرى في نغمته صوت تقطع النفس المتأتي من غضب أو بكاء، فهو يصلح للبكاء العميق (النشيج) وطلب الثأر أو الصراخ الشعري.

وقد استبعده المتنبي بسبب ندرته وصعوبة نغمته أسوة بشعراء جيله، أو لأنه لم يحتج إلى الصراخ أو يصل إلى مرحلة الحزن العميق فيتماهى من نغمته، فحتى رثاؤه لجدته لم يصدر عن حزن يتيم تعيس بل كان حزنه شفيفاً لطـَّفه وطغى عليه الطموح فجاء الرثاء بنـَفـَس بطولي. ونعتقد جازمين أن المتنبي بأصالته وقوة إحساسه بالنغم وتصرفه بالموسيقى يستطيع اجتياز عقبة استيعاب المديد لو أنه أراد ذلك أو دعته الحاجة إليه.

أما المديد القصير بعروض محذوفة ومحذوفة مخبونة فقد استعمله الإسلاميون ولكن ليس بكثرة. فقد كتب عليه عمر بن أبي ربيعة أربع قصائد ومقطّعة واحدة، وكتب عليه ابن الرومي أربع قصائد، وابن المعتز عشراً، وأبو نواس تسعاً، والشريف الرضي سبع مقطعات وقصيدة يغلب على أكثرها الغزل. وقلَّ في شعر الكبار: فكتب عليه أبو تمام ثلاث مقطعات قصيرة، والبحتري مقطّعة واحدة من أربعة أبيات. وقد استبعده المتنبي لأنه من البحور القصيرة التي يقل غَناؤها في غير الغِناء.

والهزج بحر قصير أيضاً. وقد استبعده المتنبي لقصر نغمته التي تؤهله للتقطيع الراقص شأن البحور القصيرة ومجزوءات البحور الطويلة، لذا استبعده المتنبي لأن أفكاره الملحمية والبطولية تحتاج أوزاناً طويلة.

 

الخلاصة

نستنتج مما توصلنا إليه في دراسة موسيقى شعر المتنبي، أنه كان مقلداً للعرب القدماء ومجتهداً صاحب رأي في الوقت نفسه. فأخذ من القدماء أفضل ما عندهم ومن معاصريه أفضل ما لديهم في الشعر والشعرية. فضلا عن اجتهاده الموسيقي الذي مثـَّل جانباً مهماً من تجربته الفنية لأهمية الموسيقى في بناء الشعر العربي. وقد أجاد باجتهاده الاختيار والترك، ولاءم بين طريقة القدماء والمحدثين، فرسم أسلوبه المتفرد الذي رشحه أكبر شعراء العربية.

وإذا نظرنا في شعر أفاضل شعراء العصر العباسي، نجدهم نزعوا التي التجديد ونالوا حظا منه وحققوا قدرا من التميز، بينما فشل المقلدون بالمحض في تحقيق حضور شعري كابن مناذر. وقد جاء في الأغاني: " قال أبو العتاهية لابن مناذر: شعرك مهجن لا يلحق بالفحول، وأنت خارج عن طبقة المحدثين. فإن كنت تشبهت بالعجاج ورؤبة فما لحقتها ولا أنت في طريقهما، وإن كنت تذهب مذهب المحدثين فما صنعت شيئاً" (67).

وهكذا كان الاجتهاد سمة واضحة رصدناها في موسيقى شعر المتنبي. بدءاً هو اختار عشرة بحور من الاثني عشر بحراً الجاهلية؛ مستبعداً المديد الأصلي لأنه لا يتماهى مع طريقته، والمديد بعروض محذوفة ومحذوفة مخبونة، والهزج لأنهما بحران راقصان لا يتفقان مع تطلعاته الجادة. وفي مجال القصيدة الرسمية (المدحية) نجده يتفق مع القدماء في بعض البحور مثل: الطويل، البسيط، الكامل، الوافر، المنسرح، مجتهداً بالتسلسل فقدم الكامل بعد الطويل. كما اخرج بعض البحور عن المدح وهي: السريع، الرمل، المتقارب. وخصَّ المقارب دون سواه بمهمة (القصائل) وهي الرسائل الشعرية الطويلة. وبالنسبة للرجز ماشى القدماء بجعله للحاجات اليومية دون أن يخصه وحده بذلك وهو خلاف ما فعله القدماء. كما كتب عليه الأراجيز وهي فن أموي. وخرج على القدماء والأمويين مجاراة لعصره فكتب على الرجز ثلاثة أبيات قريضية، إلا أنها لم تخلُ من طبيعة الرجز لأنه قالها مرتجلاً. أما المجتث وأخوته البحور العباسية الثلاثة: المضارع، المقتضب، المتدارك، فسواء صحّت نسبة القصيدة التي على المجتث إليه أم لم تصح، فانه لم يعترف بهذه البحور.

 

د. محمد تقي جون

.............................

 (1) اعتمدنا في هذه الإحصاءات على الموسوعة الشعرية - الإصدار الثالث.

 (2) تاريخ الأدب العربي- العصر العباسي الأول، ص181.

 (3) العمدة في نقد الشعر وتمحيصه، ص164.

 (4) العمدة، ص121.

 (5) جاء في وفيات الأعيان " أن الرشيد كان يهوى جاريته ماردة هوى شديداً، فتغاضبا مرة ودام بينهما الغضب، فأمر جعفر البرمكي العباس بن الأحنف أن يعمل في ذلك شيئاً فعمل:

راجِع أَحَبَّتُكَ الَّذينَ هَجَرتَهُم    إِنَّ المُتَيَّمَ قَلَّ ما يَتَجَنَّبُ

إِنَّ التَجنُّبَ إِن تَمَكَّنَ مِنكُما    دَبَّ السُلُوُّ لَهُ فَعَزَّ المَطلَبُ

وأمر إبراهيم الموصلي فغنى بهما، فلما سمعه الرشيد بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك فقيل لها، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم وأمرت الرشيد أن يكافئهما فأمر لهما بأربعين ألف درهم ". (وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، ج3، ص21).

(6) ديوانه، ج 3، ص152- 155.

(7) المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، ج1، ص204.

(8) العمدة، ص121..

(9) المرشد، ج1، ص156.

(10) ديوانه، ج 3، ص152- 155.

(11) تثقل النغمة الطويلة على السمع والنفس، لذا نجد البحرين اللذين يحتويان نغمة طويلة وهما: الكامل (مُتـَفـَاْعِلُنْ) والوافر (مُفـَاَعَلَتـُنْ) يدخلهما زحاف الإضمار للأول فتتحول مُتـَفـَاْعِلُنْ إلى مُتـْفـَاْعِلُنْ، والعصب للثاني فتتحول مُفـَاَعَلَتـُنْ الى مُفـَاَعَلْتـُنْ، عندها تتحول النغمة الطويلة إلى نغمتين قصيرتين، وهذا دليل على أن النغمة الطويلة تثقل مما يحدو بالشاعر إلى تبديلها باستمرار.

 (12) المرشد الى فهم أشعار العرب، ج1، ص134.

 (13) عاب الصاحب بن عباد أيضاً تصرف المتنبي في عروض بيت من قصيدة على بحر الطويل أتى بالعروض كاملة (مفاعيلن) دون تصريع وحقها القبض، وهو:

تَفَكُّرُهُ عِلمٌ وَمَنطِقُهُ حُكمٌ    وَباطِنُهُ دينٌ وَظاهِرُهُ ظَرفُ

 وهو ما لم يفعله شاعر من الفصحاء المتقدمين ولا من فحول الإسلام. أقول إن هذا التصرف يدل على ميل المتنبي الى الاجتهاد الموسيقي حتى في القضايا التي لا اجتهاد فيها. وبيت المتنبي مقبول نغمياً وان خالف العرف والقاعدة.

(ينظر: رسالة الصاهل والشاحج، ص583؛ وديوانه، ج3، ص25- 34).

(14) الوساطة بين المتنبي وخصومه، ص468.

(15) ديوانه، ج1، ص261- 263

(16) المرشد إلى فهم أشعار العرب، ج1، ص247.

(17) شرح مسلم، ج12، ص118. والآية: 69 من سورة يس.

(18) العمدة، ص77- 78.

(19) ينظر تفاصيل ذلك في كتابنا: قصة الكرد الفيليين - محنة الانتماء وإعادة البناء، الوردة السادسة.

(20) ينظر: ديوانه، ج3، ص317.

(21) ديوانه، ج3، ص92- 98.

(22) المصدر نفسه، ج3، ص317- 324.

(23) المصدر نفسه، ج2، ص114- 115.

(24) المصدر نفسه، ج4، ص27- 42.

(25) المصدر نفسه، ج4، ص41.

(26) ديوانه، ج3، ص81.

(27) المصدر نفسه، ج3، ص81.            

 (28) قد تجد مقطّعة بمواصفات القصيدة كما فعل المتنبي. ينظر مثلاً: ديوانه، ج2، ص249.

(29) ديوانه، ج4، ص214.

(30) ديوانه، ج3، ص115.

(31) ديوانه، ج3، ص380

(32) ديوانه، ج4، ص162.

(33) ديوانه، ج2، ص240.

(34) ديوانه، ج3، ص113.

(35) ديوانه، ج4، ص279.

(36) ديوانه، ج1، ص200- 201.

(37) ديوانه، ج3، ص250.

(38) ديوانه، ج3، ص249.

(39) المصدر نفسه، ج3، ص267- 278.

(40) كتاب الأغاني (طبعة سنة 1928)، ج2، ص114.

(41) المصدر نفسه (طبعة سنة 1948)، ج22، 356- 357.

(42) ينظر: تاريخ خليفة بن خياط، ص319؛ الأخبار الطوال، الدينوري، ص357؛ تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر ج52، ص22، ج57، ص337؛ تاريخ اليعقوبي، اليعقوبي، ج2، ص341؛ تاريخ الطبري، الطبري، ج6، ص37؛ الكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج5، ص366؛ تاريخ الإسلام، الذهبي ، ج8، ص332؛ كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر، في تاريخ العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، ابن خلدون ج3، 119؛ الإمامة والسياسة ، ابن قتيبة الدينوري ص115؛ كتاب الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي ، ج8، ص317 وغيرها.

(43) ينظر: الوافي بالوفيات، ج18، ص163.

(44) ديوانه، ج3، ص23- 24.

(45) ديوانه، ج3، ص290- 291.

(46) ديوانه، ج2، ص49- 50.

(47) ديوانه، ج3، ص23 (هامش).

(48) ديوانه، ج2، ص63- 68.

(49) ديوانه، ج2، ص196- 199.

(50) ديوانه، ج1، ص225- 232.

(51) ديوان الوليد بن يزيد، ص84.

(52) القسطاس في علم العروض، ص3.

(53) ديوانه، ج1، ص330- 334.

(54) العمدة، ص89.

(55) شرح ديوان المتنبي للواحدي، ص723

(56) الوافي بالوفيات، ج10، ص288.

(57) ديوانه، ج3، ص133- 134.

(58) ديوانه، ج4، ص391.

(59) ينظر: نشوار المحاضرة، ج4، ص249- 250.

(60) ديوان الجواهري، ص911.

(61) خزانة الأدب، ج2، ص317.

(61) يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، ج1، ص138.

(62) ديوانه، ج4، ص179- 189.

(63) ينظر: ديوانه، ج1، ص330

(64) ذهب الخليل وتبعه العروضيون إلى أن المديد في الأصل من ثماني تفعيلات ولكن العرب استعملته مجزوءاً بست تفعيلات وهو أمر نخالفه كلياً؛ لأن العرب استعملته على هذه الشاكلة وعلى استعمالها المعوَّل لأنه العملي، أما تفعيلات البحر الثماني حسب تقليبات دوائر الخليل فهي نظرية.

(65) المرشد إلى فهم أشعار العرب، ج1، 76- 78.

 (67) الأغاني، ج4، ص90- 91.

- See more at: http://www.alnoor.se/article.asp?id=236362#sthash.agoWWVLV.dpuf

 

مقدمة في شعرية الجباوي الأنباري

abdulelah alsauqتوطئة: الشعر هو السحر الحلال ذلك ما قاله النابغة رئيس حكومة الشعر في سوق عكاظ ثم قال شاعر قديم:

إني وكل شاعر من البشر    شيطانه أنثى وشيطاني ذكر

وزعموا ان شيطان الأعشى يدعى مسحل،قال الاعشى:

وما كنت شاحردا ولكن حسبتني  إذا مسحل أسدى لي القول أنطق    

شريكان  فيما  بيننا  من  هوادة     صفيان   جني   وإنس   موفق

. وقد زعم "حسان بن ثابت" أن شيطانه الذي يلهمه الشعر هو من "بني شيصبان". وقد انتقلت هذه العقيدة في إلهام الشعر للشعراء إلى المسلمين كذلك. وقد دعا "جرير" شيطانه الذي يلقي عليه الشعر "إبليس الأباليس" وحين قال الجاحظ من رجال القرن الثالث الهجري ت 250 هـ (الشعر صناعة وضرب من الصياغة وجنس من التصوير) احتار العرب فكيف يكون وادي عبقر مسكن جن الشعراء ليكون الشعر الهاما ثم يجعله عبقري العرب الجاحظ صناعة، وفي العصر الحديث كانت الاسئلة تحوم حول الشعر المحمل بالنقائض: جمر وثلج معا صدق وكذب معا .. الخ حتى اصدر ارشيبالد مكليش كتابه النفيس الشعر والتجربة وكان اهم ما فيه ان ميزة الشعر (جعل التماثل في اللاتماثل) فأغلقت صفحة سحرية الشعر الواقعية

1020-sayeqاسم القاريء: عبد الاله الصائغ / الولايات المتحدة الامريكية

اسم الديوان: تأوّهات في رحلةِ الألم والأمَل

اسم الشاعر: محمد فتاح عبيد الجباوي

 

العرض

علم تحليل النص سبيل القارئ المختص إلى إدراك مزايا النص الكامنة في حقوله المؤتلفة والمختلفة؛ والعلاقات الواضحة والمغيبة استناداً إلى مستوى ممنهج يصلح قناة محكمة بين المنتج والنص والمستهلك والشفرة، وسنقدم بين يدي قراءتنا للتاوهات باقة منتقاة من مستويات تحليل النص، تلك التي تعين المتلقي: الاعتيادي المتخصص في كشف الغامض وتقعيد المنفلت وتأثيث الفوضى وسبر أعماق المتخيل وصولاً إلى إعادة إنتاج النص وتمثل تجاربه ومآزقه وكنا وما نزال ننهج لتوطيد التحليل المستند للصورة الفنية،، القراءة الصوفنية  تستثمر جماليات الصورة الفنية بوصفها معياراً فنياً قادراً على معرفة قيمة النصوص ومازال قسم مهم من محللي النص مهتما بمعطيات الصورة، حتى أولئك الذين زعموا أن الصورة تضلل المحلل وتلهيه عن قيم النص المركزية، وكان ازراباوند قد أولى المستوى الصوري قدراً مهماً من اهتمامه، حتى أطلق على نفسه وتابعيه: جماعة الصورة، وهؤلاء يعرفون الصورة على أنها لحظة تشابك بين عشرات الصور الجزئية المتخيلة والواقعية، وقد طوينا الصورة للنشرها في تجلياتها الكثيرة والمركبة معا، وما لنا سوى المقاربة ومفاتشة قصائد تأوهات في رحلة الالم برؤية بنيوية وصفية تسعى الى مقاربة النص لتقريبه من القاريء وتنأى بقارئها عن الرؤية المعيارية التي تقاضي النص (كذا .

اختلاط الخاص بالعام دون التفريط بالحدود: سانحة مباركة كي اُحَبِّرَ  ما بنفسي وعواطفي عن شاعر التأوهات مع ان رولان بارت (موت المؤلف) يُحَذِّر من الصلة العاطفية بين محلل النص ومنتج النص لكن للضرورة احكامها فكيف لا استضيء بمعرفتي للشاعر في فهم شعره بله شعريته؟) وبعدها سنطل معا على قصائد تأوهات في رحلة الألم والأمل، حتى نستطيع معا دخول دائرة التاوهات، الجباوي محمد فتاح قامة ابداعية تعرفت عليها عهد الدراسة في مرحلة البكالوريوس، يوم كنا ننعم بفراديس علمية من العسير دخولها في زمننا الكالح هذا، اساتذتنا كانوا اساتذة بحق مبدعون كبار واكاديميون بناة ومربون مغايرون: هم الاساتذة جلال خياط وعناد غزوان واحمد مطلوب وخديجة الحديثي ونوري القيسي وابراهيم حرج الوائلي وما اطول واعمق قائمة الذين درسونا معا محمد فتاح الجباوي وعبد الاله الصائغ، كنا زملاء ثم بتنا اصدقاء، هو من الانبار العظيمة وانا من النجف العظيمة، الجباوي منذ وهلته الاولى كان عالما ثم تدرج،، ومازال هذا الرجل وهو في مغتربه عالما بامتياز، تنافسنا مرحلة البكالوريوس المسائي وكل منا معلم ابتدائي نهاري، كلنا ينوء بأعباء عائلة ثقيلة، وكانت سنة تخرجنا سنة مغدقة الجباوي نال البكالوريوس بدرجة امتياز عال والصائغ نال البكالوريوس بدرجة امتياز اقل علوا من الجباوي، بل المفاجأة اننا الجباوي حصدنا معدلات بوأتنا لنكون الأولين على كل جامعات العراق الانسانية والعلمية، ولبثنا زميلين صديقين حتى مرحلة الدكتوراه بل ولم ينس كل منا ان ينافس صاحبه على الدرجات وعنوانات الاطاريح، انا افتقدت الجباوي حرسه الله منذ ان انتقلت الى جامعة الموصل وكانت اطروحتا الجباوي ضمن اهم مصادري وما فتئت، لكن المفاجأة حين دعتني ولاية دالاس ان التقي بشاب وسيم خلوق اسمه عقيل الجبوري وزوجته الجميلة الخلوقة واسمها نرجس الجباوي، مع ان دالاس قد احتفت بي احتفاء مبهجا، فالشاعراء قالوا في الصائغ شعرا الفصيح منهم والشعبي، لكن شابين تميزا برعايتي ومرافقتي بشكل لم اعهده، وحين اصغيت الى نبضات قلبي سألتهما من انتما فقال انا عقيل الجبوري انا نرجس الجباوي، فسألت من انت يتها الجباوية فقالت بزهو عبق انا ابنة صديقك وزميلك دكتور محمد فتاح الجباوي، فتماسكت حتى لا ابكي، وهكذا امتدت الجسور مجددا، وحينما كنت اعمل في الملحقية الثقافية العراقية بواشنطن زارنا وفد رياسات جامعات العراق، فسألت رئيس جامعة الأنبار قلت له وهل تعرف الدكتور محمد فتاح الجباوي فابتسم وقال كيف لرئيس جامعة في الانبار لايعرف العلامة الدكتور الجباوي فطلبت اليه نقل تحياتي ومحبتي لزميل العمر الاستاذ الجباوي فوعدني السيد رئيس جامعة الانبار انه سينقل الى الجباوي كل شيء جميل قاله الصائغ فيه،

كان محمد الجباوي مغرما بالشعر وبخاصة شعر الجواهري وجمال الدين وقال لي كم اعشق الطريقة النجفية في القاء الشعر انهم يلفظون الياء والنون بطريقة خاصة مثل الليل والسيل وكنت انشد للجباوي الشعر بطريقة نجفية انشده الفصيح مرة على طريقة الجواهري جمال الدين ومرة على طريقة عبد المنعم الفرطوسي وصادق الهلالي فينتشي ويستزيدني، لكنه لم يصارحني عهد الصحبة انه يكتب الشعر ولم يدر بخاطري ان اسأله فيما اذا كان يقرض الشعر او لا، وفي نهايات عام 2015 وصلني على ايميلي رسالة مشتركة من السيدة نرجس الجباوي والسيد عقيل الجبوري ومع الايميل وصلتني رسالة بخط البروف الجباوي و ديوان شعري للاستاذ الجباوي مخطوط وفهمت ان هذا العالم اللغوي الجليل قد انجز في غربته ديوان شعر بعنوان تأوّهات في رحلةِ الألم والأمَل

ودهشت حقا كيف لصاحبي ان يخفي عني موهبته طيلة السنوات الطوال الماضية، ولم يكن الديوان قرزمة شاعر مستجد او عملا تجريبيا من مُحَاوِل مرتبك الخطى، كنت اقرأ القصائد والدهشة تخلب عيني، شعر شاعر محترف بدأ منذ ايامنا الدراسية، لايتكلم الصائغ عن إحكام لغة الديوان للغة الضاد فالجباوي عالم وابن بجدتها، لكن الذي استوقفني طاقات الشاعر على (دوزنة) الايقاع الشعري ليتناسب مع ايقاع الشاعر السايكولوجي، وقلما امسكت هنة ايقاعية لدى الجباوي وهو يبحر في جل البحور الشعرية العربية المحبكة المركب منعا والبسيط  نحو الطويل والبسيط والخفيف والرمل والمتقارب .. جل قصائد الجباوي كتبت وفق الميزان العمودي التقليدي ولم يخل الديوان من القصائد المكتوبة وفق تقاليد شعر التفعيلة او الشعر الحر كما يقال، لكن الجباوي لم يكتب قصيدة نثر واحدة وذلك اختياره، فبنية الجباوي التكوينية بنية كلاسيكية وهو مخلص لبنيته ولايستطيع ان يركب غير موجته وان كانت الموجة تمخر في بحران حداثة قصيدة النثر،  

 

اشعرية قبل الشعر

الشعرية هي اهتزاز جاذبية الحساسية الجمالية في النص بحيث تصدق مقولة الدينوري ابن قتيبة ت286 هـ (الشعر ما انت فيه حتى تدعه) او الشاعر الناقد ارشيبالد مكليش ت 1982 (اذا لم يشغلني النص الشعري عن الشاعر بل عن نفسي فانه يمكن ان يكون كل شيء الا الشعر) اذن سنختار نجيمات ثمثل قراءتنا المغايرة في شعرية التاوهات الجباوية .

 

الف / الهم الدلالي

في البدء تكتب القصيدة بعدها تُقرأ القصيدة واخيرا تصل القصيدة  من المُنتج الى المستهلك، مرحلة البدء ضرورة لتعبر عن خلجات الشاعر لكن حصة المتلقي هي الفيصل، حتى ليتغيب الشاعر او يُغّيَّب خلال لحظات التلقي باعتداد التلقي خلقا ثانيا للقصيدة، التاوهات هموم وجودية استحالت هموما جمالية، بمعنى ثان ان مشاغل الحياة في التاوهات قبل مشاغل القصيدة، الوطن مخرَّب المواطن مُعَذَّب، الماء لم يعد ماءً وكذلك الهواء والمكان، كل شيء تغير لكن الوعي باق يقرأ الاحداث قراءة معاناة، فاذا لبثت في منطقة الانا الاصغر وانا الاعلى وابتعدت عن الهو كما يقول فرويد فثمة الهو الأقوى، الجباوي انسان مندهش وابن صحراء متمدينة تجعل الهم الذاتي هما موضوعيا، الذاتي محور الهموم وذروتها، تجرع الغربة داخل الوطن فبغداد لم تغنه عن مواطن الطفولة والاهل واخلاق بغداد المركز على رقيها مغايرة لاخلاق الاطراف، قارن معي قالته (.. ولقد فتّ في عضد الشاعر أن يرى فخاخ الحقد مشرعة لكبح جماح كل ما هو جميل لذا فقد تباطأت خطواته حينما أراد أن يواصل الرحلة..) الجباوي يوزع جسمه في جسوم الوطن والعائلة فلايكاد يبقى شيء لذاته،

قارن عروة بن الورد:

اقسم جسمي في جسوم كثيرة  واحسو قراح الماء والماء بارد

 واذا التفت الشاعر الى المحيط الثقافي الابداعي وجد الجسور محطمة فيهتف (..عزوف أهل اللغة والأدب عن عقد مُصالحةٍ بين الإنسان في بيئاته المختلفة وفن الشعر. والحق أن ليس ثمة ما يعين على احتضان الشعر بوصفه فنًّا جماليًّا يثير المتعة ويبني الحياة بناءً سليمًا، بل على الضدّ من كل ذلك نرى أن بين الوسط الثقافي من ينظر إلى الشعر على أنه فن ترفيّ لا يستحق العناية) هي غربة يا ابن الجباوي إذن؟ ولن تردم الفجوة بين المغترب والغربة حين تكون الذات قديسا، نعم كتب الجباوي شعره متأخراً بسبب فطرته الأكاديمية، هو لن يطلق سراح مخلوقاته الجميلة حتى يتيقن انه يتيقن، وذلك مسوغ التباطوء في نشر التأوهات، وقد تكون اوجاع الغربة المبرحة واشواقه مع ايقونات عائلته مسوغا للتسريع بنشر اوجاعه بهيئة قصائد، فالصلة اذن كما صلة اللحن بالوتر، هو ذا يذوب في عشق البنات واعني بناته بنات الجباوي ويوزع قبيلاته (قبلاته) بينهن قارن:

سلامٌ رقَّ كالنغمِ الحـــــــزيـــــنِ  تعمَّدَ بالدمــــــوعِ وبالأنيــــنِ

تُعانِقُـــــهُ لتَخفيــــفِ الرزايــــــا   قُبيلَةُ مُدنَفٍ صبٍّ فَتـــــــــونِ

إلى عيني سُنيدسَ صنوِ روحـي  ومَنْ كانتْ بكبواتي عُيونــــي

أُسَرِّبُ قُبلَـــــــةً أُخـــــرى لِتغفو  فُوَيقَ يُدَيَّةٍ وعلى الجَبيـــــــــنِ

ولنْ أنسى وإنْ أُنسـيتُ يومــــــًا  قَطاةَ الغري بالدمعِ الهــــتونِ

تُغالبُ لوعةً تحيــا لظـــاهــــــا  وتَسقي جذوةَ الداءِ الدفيـــــنِ

ما اجمل ايقاعات البحر الوافر حين تقفلها قافية النون المكسورة، وما اقدر هذه الايقاعات على ترجمة الابوة النادرة  حين يفتك العشق بالعاشق، وكأني بهذه القصيدة السندسية قد كتبت الشاعر قبل ان يكتبها بسبب من اللوعة الفادحة، واية تلقائية والقصيدة تصغر القبلة وتصغر اسم المعشوقة وتصغر واحدا من الاتجاهات الاربعة (فويق) وتصغر اليد، فكأن الهاجس الادلالي متدفق في لاوعي القصيدة فالتصغير للتحبيب كما يقول الدلاليون حين يقترن السياق بالتحبيب ويبتعد عن التهوين، واي محبب في مزاج القصيدة كثر من ابنته سندس وهو يناديها سنيدس، واذا كان اسم سندس قائما على مركزية حرف السين فثمة ملفوظات سينية سربتها القصيدة من نحو: سلام / اسرب / انسى / نسيت تسقي ..

 

باء / الهم الجمالي:

احتراز لابد منه

يعجب المتلقي في قدرة البيت الواحد على التماهي والتعاطي مع مصطلحات جمالية كثيرة من نحو الجمال الخارجي والجمال الداخلي والمجاز والواقع والاخفاء والتجلي وربما تداخلت وظيفتا الاستعارتين التصريحية و المكنية  فكلتاهما مجاز لغوي، الاستعارة التصريحية وهي التي حذف منها المشبه وصُرِّح بالمشبه به بينا الاستعارة المكنية نقيض ذلك ففيها المشبه به مختف والمشبه متجل مع قرينة تمنع من ارادة الصورة الظاهرة، كذلك الفصل والوصل بين المجاز والتشبيه ففريق من العلماء يفرق بين التشبيه والمجاز وفريق يضعهما في دائرة واحدة والامثلة كثيرة لكن محلل النص ينجم افكاره ويعكسها على النص بما يشبه اعادة انتاج النص وهذه امور يكابد منها محللو النص على اختلاف مدارسهم ومناهجهم ويمكن القول ان الانزياح سبيل الشاعر اللاحب حين يؤثل جاذبية النص في كفتي المعنى والمبنى وذلك ما يصبغ الديوان بلونه المحبب،، والانزياح يعني مشاكسة المدلول المألوف للدال، ويبدو ذلك في حقول كثيرة أهمها المجاز والرمز والصورة. والنص الأدبي هو الأجدر بتقنية الانزياح بسبب اشتغاله في مخبر الجمال وسعيه إلى الشعرية التي تضمن تفوّق النص وتفرّده ثم تعاطف المتلقي معه وقد توصل عبدالقاهر الجرجاني

إلى حدود هذا المصطلح حين درس المعاني الثواني بيد أنه لم يسمّه، و آ.آ.ريتشاردز حين رصد معنى المعنى في النص ولنا ان نضع جدولا يبوبه جيزان هما اولى المعنى الاول غير المقصود والمعنى الثاني وهو المقصود او الحيز الاول المنطوق والحيز الآخر غير المنطوق الابيات التالية:

هذي حُميَّا جِراحي نَزفُها عَبـــــــقٌ فـهـاكهـــــا مُـــُزّةً من غـــيرِ ما كأسِ

*****

فقدْ نحرتْ على الأشواقِ دمعــًا سخينًا قدْ تفرَّى من جفـــــونِي

مِراضٌ ذي الجفونُ لِما هَمـــتهُ نوالًا في سِني الزمنِ الضَّنونِ

*******

فقدْ سكبتُ الهوى نَــزْفًا على وَتري فاهتزَّ في صَخبٍ يَحكي صَدى يأْسِـــي

أَلْفـَيتَهُ نـَــزِقًا تُنـْـبِيكَ رَعْـشَـتـُهُ عن نَشـــوةٍ غـَرِقـــتْ في لُجَّــــةِ البأسِ

إنْ تنسَ فوحَ طُيوبٍ في شدى كلِمي فانظرْ هذاكَ طريًّا في جَنى غَرْسي

وجري على القول وهكذا دواليك نترك استقصاء الامثلة ونحن نستبق القول الى ان التاوهات نصوص في الانزياح،، وها نحن ننجم الظواهر الجمالية الانزياحية في التأوهات:

نجمة اولى / الجدل في التاوهات بين الدلالي والجمالي يكشف للمتلقي حذق الشاعر الجباوي في صناعة الشعر والجاحظ في كتابه الحيوان قال (الشعر صناعة وضرب من الصياغة وجنس من التصوير) وقصائد التاوهات تشيء بموهبة الشاعر الفطرية على تخليق الشعر بله تطريته بالصورة الفنية الشعرية، والصورة لوحة تشكيلية مرسومة بالكلمات، وكنت اتسكع في مدينة التاوهات فتدهشني الصور الفنية حتى انني لا استطيع تسمية قصيدة واحدة في التاوهات تنماز بصورها الفنية ومسوغ ذلك ان الصور الفنية هي قوام كل القصائد، ثمة الصورة الحسية التي تقع تحت سلطة الحواس الخمس وثمة الصورة المجردة التي يتحصل عليها التلقي من خلال تحسيسها الى جانب الصورة المجازية والواقعية والصورة الكلية والجزئية الى جانب الصورة المتحركة والصورة الساكنة، انظر كتابنا الصورة الفنية معيارا نقديا، ادهشتني طاقة التاوهات على انتاج الصور الفنية المبتكرة المستضيئة بمكنتي القدامة والحداثة على حد سواء، واذا كان ولابد من الشاهد كما يقول المناطقة فهذه الابيات من سعديك ففي البيت الاول صورتان مركبتان الاولى - الصدر - استعارية فقد اظهر المشبه به واخفى المشبه (نوارك) والثانية - العجز - ثمة (مشبه) مقلة مشبهة وثمة (مشبه به) فتاة وسنانة:1. سَعديكِ ما عانقتْ نُوَّارُكِ الثَّغرا وقبلتْ مُقلةً وَسْنانـــةً سـَــــــكرى، ووجه الشبه منح المقلة والفتاة احساسا بالخدر الجمالي، وفي البيت الثاني يواجهك التشخيص او الانسنة اي المشبه غير العاقل يستحيل انسانا فالوجنة تلامس وتخجل والليالي تتعفف كما الفتاة: 2. ولامستْ وَجنةً خَجلى تربعهـــا خالٌ سَقتْهُ الليالي عِفَّـــةً, طُــــهْرا كذلك العيون في البيت الثالث

نجمة ثانية / وحتى لانترك هذه القصيدة - سعديك - التي استحضرناها للمثال وليس الحصر ففي البيت العاشر يؤنسك التجسيم وهو استحالة الحسي مجردا بعبارة اخرى التجسيم تحويل الذهني المجرد إلى حسي فلا يمكن استقبال الصورة الذهنية المجردة مالم تتوسل إلى التلقي بقنوات الحواس، قارن:

أبُنَيَّ: هلْ تدري بأنَّ قصائدي وقعتْ سَبايا في شِباكِ الصائدِ

قَيَّدْتَهــا بِشراكِ قولِك: إنّني (أدري وأعلمُ كيفَ قَلبُ الوالدِ)

قدْ قلتَـهُ أسْيانَ من فرطِ الجَوى فأَتى جنًى لَذًّا بفرعٍ مائدِ

واذا كان الشاهد كمال القاعدة كما يقال فلنا مثلا ملاحظة تحسيس المجرد كقوله: قصائدي صورة مجرَّدة سبايا صورة مجسمة ... الخ،

نجمة ثالثة / التراسل في التأوهات: يمكن القول ان تقنية تراسل الحواس تشتغل على الهم الجمالي وفق السمتين الداخلية والخارجية (المعنى والمبنى)، ويعني علماء تحليل النص بتراسل الحواس هو ان تنقلنا الصورة الى فضاء الدهشة فتضع فعل حاسة بصرية مكان حاسة شمية كما جاء في ازهار الشر لشارل بودلير (لشعرك المنسدل موسيقا صاخبة)، قارن:

لمْ تدْرِ كيفَ لثمْتُ عِطْرَ خِطابِكم  أو كيفَ كانَ رفيفُ جَفنِ الساهدِ

العطر كما في تقنية الحواس صورة شمية واللثم صورة لمسية، والخطاب صورة بصرية حين يُقرأ وسمعية حين يُسْمع والعطر صورة شمية والامثلة كثيرة وقصائد التاوهات تمنح نفسها للباحث المتأني،

نجمة رابعة / ولايمكن للدارس تجاوز تقنية التشخيص او الانسنة او التجسيد، التجسيد و يخطئ من يظن أن التجسيد Personification مصطلح أجنبي، ولنا أن نسأل ماذا يحدث لو أفرغنا (جدلا) الشعر العربي من التجسيد؟ والجواب: يحدث أننا لن نجد شعراً.. التجسيد هو أنسنة غير الإنسان وإضفاء صفات الإنسان ووظائفه عليه وهانحن قبالة امثلة من ديوان التأهوات في رحلة التأوهات قارن التحيس

التجسيد:

أنتَ الحُميَّا لصَبٍّ باتَ ينعشُهُ همسُ الجفونِ, ووحيٌ مِلؤهُ الودُّ

وكانَ صَمتُكَ نَهْرًا في تَدفُّقهِ وحلوُ همسكَ أضحى دونهُ الشهدُ

أسكرْتَني بفتورِ ثَغــركَ حينمــا تلجلجَ الحرفُ لا يَخفى ولا يَبدو

وأثملَتْني رُموشٌ خِلتُها رقصَتْ نشوى وقدْ هزها في سَعدِها السعدُ

****************

حيّاكَ جُرحٌ تشظَّى فوقـــهُ الألمُ وحشرجـــــــاتٌ بَراها الأينُ والسـقمُ

وهمهمات الضحايا راح يعزفها قيثارُ وجدٍ تلوى عبْـــــــــره النــــــــغمُ

وباركتكَ شجونٌ ساء جاحمها كالجمرِ إذْ غمغمتْ في الصدر تضطرمُ

وعانقتكَ عيونٌ غضةٌ رقصتْ فيها الأماني وأرخى هُدْبَها الحـــــــــــلمُ

***************

وسافرَ في عيونِ الشوقِ يحدو  حُداءً دونَهُ وقْعُ الطّعانِ

 

وحلَّقَ دونَ أنْ يثنيهِ قيدٌ  بأجنحةِ الفصاحةِ والبيانِ

وعلّى فوقَ رابيةٍ تسامتْ  تسامي الحَرفِ في عرشِ المعاني

وقَوَّضَ عَالَمَ الأحلامِ صوتٌ تحدى صولةَ الوغدِ الجبانِ

فنادى حيثُ ساريةٌ تغافى هذاكَ الموتُ مقتربٌ ودانِ

فنبهَ غافلًا يُزجي السرايا على ذلِ الهزيمةِ والهوانِ

فكانتْ صرخةً غضبى فجاءتْ مخالفةً لأقنومِ الزمانِ

إذِ اختصرتْ من الأيامِ شطرًا وآخرَ من حِمى رَحِمِ المكانِ

********************

يَزخُّ قَلبي دَمًا, يبكيكَ مدْمَعهُ  وَمَدمعُ القلبِ جُرحٌ ليسَ يَندمِلُ

شَتانَ ما بينَ مَنْ يبكي دمًا ودمًا وَآخَرٍ دمْعُهُ جادتْ بِهِ المُقَلُ

سيفٌ تراقصَ في كفيْكَ مَضْرِبُهُ كما تراقصَ في أفنانهِ الجَبَلُ

وقدْ تلَألأَ مزْهوًّا بِمغْمَدِهِ كما تلألَأَ في ليلِ الدُجَى زُحَلُ

أبكِيكَ للقَلَمِ المَحزُونِ في بلدي أنَّى لنا ولَهُ إنْ قدْ دَنا الأجَلُ؟،

نجمة خامسة / القناع: تقنية إخفائية قديمة تقوم على وضع وجه مصنوع من الجلد أو المعدن أو الخشب Mask على وجه الشخصية الروائية أو المسرحية Persona وربما استثمر (البيرسونا) التقاليد الدينية اليونانية في بعض المواسم والأعياد التي يمتزج بها الغناء والرقص والطقس الديني من نحو أعياد باخوس (إله الخمر) حيث كان الناس يخرجون إلى الشوارع مرتدين قناع باخوس الذي هو وجه معزى، اذن نحن نواجه تداخلا ملتبسا بين نجمات الانزياح او الشعرية او المجاز لكن ذلك لايمنع الباحث مثلنا من التنجيم لترسيم الحدود داخل الدائرة الواحدة ورحم الله استاذنا العلامة احمد ناجي القيسي القائل ان شبها كبيرا بين عمل المتحكم بعرض فلم لعبة كرة القدم وعمل الناقد فكلاهما يسعى الى اعادة اللقطة السريعة الى لقطة بطيئة كي تتميز الامور، البطء في دخول الكرة الى المرمى يجعلنا على يقين من حركة الكرة وشرعية الهدف والنقد يجعل حركة النص بطيئة للتجلى لنا كوامن النص،

 

امثلة في القناع:

كانتْ همُومي ثِقالًا في سِني كِبَري فاضّاعَفتْ عددًا من كَثْرةِ العللِ

نهضتُ في حملِها شيخًا يُؤازرُني مِثْلُ الحُسامِ - فتًى- في قبضةِ البطلِ

وما نكصتُ هروبًا من منازلةٍ ولا انكفأتُ فِرارًا من جنى الأسلِ

وما هممتُ بأمرٍ خِفتُ كَبوَتَهُ إلَّا وأدمَى بُنيِّيِّ هامةَ الفشلِ

وبعد

والتأوهات في رحلة الامل والألم هو ميلاد شعرية جديدة رغم ان الشاعر يرهفه التهويمات،، قرات التأوهات قراءات متعدة حتى اكون منصفا مع نفسي والديوان والقاريء وسيكون سانحة مهمة بؤسس جسرا  بين الشاعر وجمهرة المتلقبن ولي ان اردد قول الشاعر: فأول الغيث قطر ثم ينهمر وشيء من الفال الحسن اقول للقراء الكرام انتظروا ميلاد ديوان جباوي ثان وثالث فقصائد الناوهات حبلى يديوان ثان وثالث ورابع فشيئا فشيئا تتفتح اوهار البرقوق.

 

عبد الاله الصائغ

 دكتور واستا ذ / سفير السلام العالمي / مدير موسوعة الصائغ الثقافي/ مؤسس منظمة ادباء بلا حدود.

الثلاثاء 28 جون 2016 مشيغن المحروسة

 

منـظـــار المئـذنـة الـحـدبـــاء

najib talalإشــارة عــامة: أتحفنا الفنان والمبدع - صباح الأنباري- بنص جميل (طقوس تحت المئذنة الحدباء) من خلال جريدة العراقية الصادرة من أستراليا؛ في عددها (546 ) من شهر هاته الرؤية النقـدية.

فالمتتبع لأعمال - الأنباري-العاشق المتيم بالركح والكتابة عليه بالجسد؛ بعد تشكيله وخطه في أرواق؛ نهج أسلوبا إبداعيا؛ يتمثل في (المسرحيات الصوامت) الذي يحايث جملة من التجارب الفنية ويتقاطع في بعضها؛ أبرزها - العبث - وهذا الأسلوب ليس بديلا بل محاولة لإعادة الرؤية للفعل المسرحي العربي؛ الذي تمركز على الخطاب اللغوي بكثافة؛ أكثر من الخطاب المرئي؛ بحيث المحاولة كانت على ما أعـتقـد في سنة2000 من خلال نص (طقوس صامتة) شحـذ خبرته وخياله؛ في إطار ما هو  موضوعيالذى لا ينفصل؛ بداهة عن الذاتي فبدونهما لن يتحقق الفعل. ولكن في لحظة بروزهما في لحظة معينة وتوقيت؛ يتمظهر الإبداع كخلق جديد؛ في رحاب الممارسة.

ففي وضعية الكاتب- صباح الأنباري- الموضوعي يفرض نفسه على الذاتي؛ مهما حاول (هـو) أو أي مبدع - عراقي - أن يتلافاه أو يجانبه؛ فإن الوضع الكارثي والمأساوي الذي يعيشه الرافدين؛ بشرا وحجرا وشجرا؛ لا يمكن لأي مبدع أو مثقف نبيل وصادق؛  ألا يتأثر بذلك؛ ويحاول قدر ما يمكن:التعبير، عن الموضوعي الذي يتداخل فيه الرسمي بالعـشائري؛ والعشائري بالتبعية السياسية؛ محليا أو دوليا؛ وبالاقتصادي قطريا وإقليما؛ والاقتصادي بالثقافي والثقافي بالتوجهات الطائفية والمذهبية؛ الكاشفة عن حقيقتها؛ ولا يمكن إخفاءها؛ لأنه وضع موضوعي؛ كنتاج لما أسفرت عنه حرب الخليج الثانية. كل هـذا يتفاعل بشكل كيميائي بالذاتي؛ والذاتي المتفاعل والمنفعل بالموضوعي؛ وهذا يبرز في أغلب الأعمال العراقية الحالية؛ بما فيها هذا النص(طقوس تحت المئذنة الحدباء) كاستلهام الواقع العـراقي بشكل ذكي؛ معتمدا على موروث ؛ يعـد رمـزا يتمظهـر فيه ما يحدث يوميا من أشياء هامشية أو مسكوت عـنها؛ ومقاربتها مقاربة جمالية صادمة تعـمل على الحفر في المعنى وبناء الوعي بناء مغايرا؛ من خلال حضور الموضوعي فيه بنسبة عالية؛ عن الذاتي؛ الذي لا يكـشف عن نفسه إلا ماوراء الأيقونات: كيف ذلك؟

 

المــنـظار:

النص الذي بين أيدينا ؛ سيبدوفي نظر القارئ؛ أنه قصير من حيث التركيب العام؛ لكنه في الواقع يحتل زمانا أطـول، أثـناء الاشتغـال/ العرض/ نـظـرا لتعاقب الأحداث وتعدد الشخوص؟ طبعا فتعـدد الشخوص ليس مقياس. ولكن من خلال التصور الإخراجي؛ المتمركز على لغة الجسـد؛ في بعـده الخطابي والتعبيري والتواصلي؛ فلامناص من تفعيل الأجساد بالحدث؛ والحدث لتفجير كل مكنونات الجـسد؛وخاصة :الصامتون الرجال 6 / الرجل ذو العمامة السوداء/ مجموعة من الجند الملثمين/مجاميع من الشباب والضحايا.

وهكذا، فإن الإشكال، واللبس في النص؛ باعتبار أن المبدع – صباح الأنباري – تمرس على الكتابة الصامتة؛ ليحاول أن يماطل المعـنى الذي يتداخل فيها السياسي بالمعرفي بالأيديولوجي بالفني؛ فهذا التداخل لا يعـطي هجـنة فنية؛ بل يقـدم منظارا لاكتشاف ماوراء خطاب الجسد؛ نظرا أن الكاتب ينتج نصاً محصناً (فنياً) ضد القراءات الساذجة أوالسهلة؛ وبالتالي حاول النص استعادة الأشياء كما وقعت، فماذا وقـع؟

جزء من السؤال يجيب عـنه العنـوان؛ الذي يحدد مكان الحدث (المئذنة الحدباء) والتي ورد ت في النص هكـذا : - المسرح يبدو خاليا من قطع الديكور إذا استثنينا المئذنة الحدباء في عمق المكان. اللون السائد في المسرح هو اللّون الترابي والأحمر القاني- بحيث المئذنة تحتل المشهد كـله وباسطة هيمنتها على المكان. وإن كانت ثابتة وجامدة؛ فهي ناطقة عبر تاريخها ووجودها ركحيا: فأين توجـد؟ هيأشهر مآذن الموصل والتي تـعد من الرموز التاريخية وكـذا من أهم معالمها، حتى أن المدينة ذاتها كانت تعـرف لدى روادها في العصور الوسطى باسم مدينة الحدباء.

إذن فـوجود لونين - الترابي/ الأحمـر القاني- يذكـي بأن اختياره – للحـدباء- ليس اعـتباطيا؛ وذلك ترسيخ للفضاء الموصلي؛ ولـقـدسية المكان (الترابي) وتلطيخه وتدنيس للفـضاء (الأحمر القاني) - تتجمع الدماء في بركة صغيرة... تتسع البركة كلما ذبح عدد جديد من الشباب حتى تفيض البركة بالدم... تشكل الدماء لها مجرى... يتقدم المجرى صوب الرجل المعمّم... يقف عند قدميه مشكلاً بركة جديدة... يستمر القـتل حتى تفـيض البركة الثانية..(النص) مشـهد مـن ضمن المشاهد الدمـوية المـهولة؛ جعــلت الوضع العـراقي الآن أكثر تـعـقيدا؛ وتائها بين المقـدس والمدنس؛ نتيجة ما بعـد حرب الخليج؛ وما خلفته من صراع مباشر بين الطوائف المذهبية والعشائرية؛ ويوما عن يوم تتعـقد الصورة الاقتصادية والسياسية والاجتماعـية؛ ومدينة الموصل ليست بمعزل عـن ذلك؛ لكنها دخلت في مرحلة تحول مفصلي إثر الأحداث، التي عرفتها في السنوات الأخيرة؛ بازدياد وتيرة غير واقعية وغـير متوقعة، الدم والقتل والتهديد والحصار والعقاب ومـوت آلاف الأطفال والشيوخ والنساء(ينهض الرجال الملثمون ويفتحون نيران بنادقهم الأوتوماتيكية على الهاربين فترتعـش أجسادهم كما لو أنهم يرقصون على عزف البنادق... تتهاوى الجثث فوق الجثث... تتكدس على الأرض... يخرج الملثمون من جحورهم... يدوسون على الجثث... يقتلون من لم يمت بعد بوابل من الرصاص... يلاحق بعضهم من استطاع الفرار... يلقون القبض على ثلاثة من الهاربين... (النص) فالكتابة هاهـنا تجسـد الواقع المأساوي؛ الذي تتعـرض له الموصل وما يحـيط بها من مناطق كصلاح الدين والأنبار وديالى؛ وبالتالي إن الهدف من ذلك؛ مزدوج في نظر – المؤلف – أن  يجعـلنا نعـيش من جديد الحـدث السابق، وفي نفس اللحظة إعادة تركيب هذا الحدث و إنشاءه من خلال نظام رجعي، يفرضه الواقع لتأريخه؛ لتحقيق  الموضوعية التاريخية؛ بمنظار صادق تجاه الـحـدث؟

 

الــــحــدث:

من الطبيعي؛ أن العـراق عاشت وتعـيش مئات وآلاف الأحداث السياسية والاجتماعية والانقلابية والتفجيرية والانتحارية؛ لكن النص يحدد الحدث في – الموصل- والتي كانت بعـيدة إلى حد ما عن دموية المشاهـد؛ إلا بـعـد أحداث الانزياح وسقـوط الموصل – عـدد من الملثمين بملابس سود مصطفين على شكل قوسين تحت المئذنة الحدباء وكأنهم تماثيل حجرية جامدة...(النص) فالحدث واضح؛ وتشكيل القوسين على المئذنة / الرمز التاريخي والديني للموصل؛ إشارة دالة على تطويقها والسيطرة عليها. ولكن من هـؤلاء الملثمين؟ سؤال يفرض نفسه بحكم الصراع الطائفي؛ المنوجـد هـناك: هل (هـم) شيعة/ سنة/ أكراد/ تركمان/.../؟

فما هـو معروف؛أن المـوصل: يقـطنها أهل السنة من العـرب والأكراد والتركمان. وممكن أن تكون هاته المعـطيات غـير دقيقـة؛ لتبعثر الأوراق العشائرية والمذهبية والديمغرافية والسلالية؛ وبالتالي لا وجود للشيعة هناك؟ ولـكن حسب التقارير ومعطيات الواقع فالملـثمين الذين أسقطوا واحتلوا (الموصل) في يونيـو2014 جماعة (داعـش) وهي موضحة بوضوح المشهد الصامت- ... يرفع الرجل سيفه إلى الأعلى وبضربة واحدة يفصل الرأس عن الجسد... يتقدم اثنان من الحماية فيمددان الجثة ويضعان الرأسالمقطوع عليها... يلتفت السياف إلى الرجل ذي العمامة السوداء فيشير له الأخير بقطع رأس الثاني... يقطعه فوراً ويضع الرجلان الرأس فوق الجثة كما فعلوا في المرة الأولى... يلتفت السياف إلى الرجل المعمّم فيشير له بالتوقف عن الذبح... (النص) وبناء على المشهد فالجماعة (الداعشية) لا تخـفي أنها تستهدف إبادة الشيعة وتصفهم بالرافضة.

إذن في الموصل شيـعـة ! ومن خلال النص؛ نستشف بأن كاتبه الفنان – صباح الأنباري –  يحمل منظارا صادقا؛ يلتقط من خلاله لما جرى هـناك من أحـداث؛ ويخـطه لمسرحـته؛ وللتأكيد على رؤيتنا النقدية؛ ففي  نص سابق (طـقوس صامتة) - نسمع من خلال الظلام أصوات أبواب تُفتح ثم تغلق بقوة، محدثة جلبة وضوضاء.. يخرج الناس مهرولين،لاهثين في الظلام..إضاءة مركـّزة ومتحركة؛ نرى أثناء توهجها الرجل ذا الملابس البيض واقفاً أقصى يسار المسرح يبدي تعجبه واستغـرابه من حركة الناس، يحاول إيقاف أحدهم لكنه يفشل..(نص/ طقوس صامتة) فالفرق بين النصين؛ تفاعل الأحداث؛ فهـذا يجـسد ما تعرض له أهل السنة؛ عبر ربوع العراق؛ والذي بين أيدينا(الآن) ترصد لما قامت به (داعش) من قتل واقتتال؛ وهاته الطقوس؛ إشارة واضحة لطقـوس التلمود- والمرموز إليها  بعـدد (ستـة)والذي يكشف عـن هويته؛ إضافة لمشهد جـد معـبر عن الوحشية وطقـوسية الـحـدث- ... يجلس عـندها، ويتوضّأ بالدم ثم يبدأ بالصلاة مع ارتفاع صوت الشخـب، وإذ ينتهي من صلاته يقف تحت المئذنة الحدباء رافعاً كلتا يديه إلى السماء متمتما ببضع كلمات صمّاء حتى تطفأ الأضواء تدريجياً(النص) والمثير جدا أن تلك الطقوس؛ لم تستثن أحـدا من البشر دم في دم:

- (المرأة)... وعلى الأرض تجثو شابة، في مقتبل العمر، على ركبتيها، مقيدة اليدين والرجلين. يشير أحد المسلحين للناس كي يتجمعوا حولها فيتجمعون وكلّ منهم يحمل بيديه ما استطاع من الحجر... يشير لهم أحـد الملثمين فيبدأُون برجم المرأة والقسوة بادية على وجوههم جميعاً... ينهال الحجر عليها... تتألم... تتلوّى... تتكور على نفسها... يسيل دمها حتى تتخضّب كلّ ملابسها البيض بالدم... (النص)

- (الطفـل) يخترق الجموع طفل صغير... يرمي بنفسه عليها... يحاول حمايتها... يستمرون بالرجم... تموت المرأة بين يدي الصغير فيقف مواجها إياهم وقد اصطبغت ملابسه بلون الدم...( النص) ولكن كيف للمنظار أن التقط مصرع الطفل؛ بشكـل جد مؤثر على الورق؛ فكيف سيكون فوق الركح؟ - يحمل الصغير حجراً من تلك التي تكومت حول المرأة... يحاول قذفه صوب المسلّح لكن المسلّح يرديه، على الفور، قتيلاً فيسقط فوق أمه ميتاً...( النص) فكما أشرنا سابقا؛ فلا مناص من دراماتورجي؛ لكي يعـطي للنص قوته الناطقة؛ من خلال تفعيل الحركة المرافقة للإضـاءة؛ التي تعد محورا أساسيا؛ في تفجير ماوراء الأيقونات وأحداثها المترابطة بالحدث العام؛ لكي لا يظل صامتا؛ فمشهد الطفل؛ لا يمكن أن يمر هكـذا!

- (الشباب) يعطي الملثّمون للشباب أمراً بالانبطاح على الأرض فيفعلون... يقيّدون أيديهم إلى الوراء ويقفون بانتظار إشارة رجلهم المعمّم... يشير لهم بتنفيذ رغبته فيذبحون الشباب بدم بارد...(النص) ولكن الذي لم يفـهم؛ على مستوى الواقع الميداني؛ غياب القوة المسلحة؛ والنص بدوره يشير لذلك - وإذ يدخل عـدد من الجنود بملابسهم الحربية يهربون... يلقي الجنود أسلحتهم على الأرض... يخـلعون ملابسهم الحربية... يرتدون ملابس مدنية ويولّون الأدبار هاربين..- وفي مشـهد أخر نجد نفس الانهزامية؛ وعدم الروح القتالية عند الجنود- تدخل مجموعة من الشباب بالملابس العسكرية... تنتشر في المكان بعد أن يتأكد لها عدم وجود العدو فيه... يتجمع بعضهم مـع بعض (....) يتقدمون بصمت... ينتشلون هـرم البنادق (...) يوجّهون أسلحتهم نحو الشباب الذي بدأ النعاس يجرّهم لإغفاءته بهدوء واسترخاء تامّين (...) يحفـر بالإكراه وهـو العارف أنه يحفر قبره بيديه... يكمل الحفر... يأمره أحـدهم برمي الجثث داخل الحفرة... (النص) فهاته الصورة؛ التي يعقبها الدفـن الجماعي؛ تعـد قـمة الاستهتار بالروح البشرية؛ لفصيل دون آخـر؛

فيوجه الملثمون فوهات بنادقهم إلى رأس الرجل الثالث... يتوقف المعمّم... يفـكر قليلا ثم يأمرهم بإطلاق سراحه، والسماح له بمغادرة المكان... (النص) فلماذا تم إطلاق الرجل الثالث؟

وحـسب الأحـداث التي تحـركت في الفضاء الموصلي؛ كان الشيعي يقتل ويسلح والسني يعـود هاربا لبيته؛  فهـذا التفيء في نظري فيه نوع من المجازفة السياسية؛ لأن الصراع الدموي؛لا يفرق بين هـذا وذاك؛ وحتى إن سلمنا؛ وهذا وارد في كل المواجهات والحروب؛ بأن هناك مخبرون ووشاة من سكان المنطقة يخبرونهـم؛ ولكن لا يمكن أن نغيب الوشاية الكاذبة؛ والحـقـد والـحسد بين أفراد نفس الحي والدرب؛ ومن خلال كل هـذا وهذه؛ يذهب البعض ضحية ذلك؛ وبالتالي لا يمكن أن نسير مع النص- كلية - من خلال منظاره؛ وإن كان صادقا في الالتقاط والتجـسيد؛ لأن النص بعد سنوات سيصبح وثيقة تاريخية؛ تجاه من وضد من؟ لأن العنوان يحمل شقـين متناقضين:

(طقوس صامتة >< المئذنة الحدباء) = التلمود (رمزيا) الإسلام (حقيقة) لأن بينهما (ظرف مكان) فهل المكان فرض تلك الطقوس؟ أم هي حمولة للقضاء على الإسلام؟ لأن النص يعطينا مشهدا شبيه بحائط المبكى -يستدير الرجل المعمّم مواجها المئذنة الحدباء... يستدير رجال حمايته أيضاً... يرفعون أيديهم بالدعاء بينما يتحرك أحد الجرحى خلسة مقترباً، وعلى غفلة منهم يفتح نيران بندقيته فتطفأ الأضواء ويعـم الظلام مع استمرار صوت الرصاص إلى النهاية (النص).

 

نجـيب طلال

 

مهدي محمد علي.. مختارات شعرية

jasim alayffاختار الشاعر عبد الكريم كاصد، مختارات شعرية (*) للشاعر مهدي محمد علي، وهي الأشعار الأولى التي تصدر له في العراق منذ أن غادره، بصحبته،  هرباً من تعسف النظام المنهار، بدلالة بعض المهربين، عبر بادية السماوة، في رحلة جحيمية، نحو (الكويت)، ومنها إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وبقي يتنقل في المنافي، حتى وفاته في حلب. أعد " عبد الكريم" هذه المختارات الشعرية، من مجموعات مهدي الشعرية التي صدرت في المنافي: "رحيل عام 1978- وزارة الثقافة السورية- 1983 دمشق، و" سر التفاحة" دار بابل - دمشق 1987، و" شمعة في قاع النهر" وزارة الثقافة السورية - دمشق 1995، و"خطى العين" اتحاد الكتاب العرب- دمشق 1996، و" سماع منفرد" دار المدى للثقافة والنشر/ دمشق - 1996، و" ضوء الجذور" وزارة الثقافة السورية - دمشق 2001، و" قطر الشذى" وزارة الثقافة السورية - 2008 - دمشق. في مقدمته المعنونة " بساطة الشعر وصنعته الماهرة " يـقـر الشاعر (كاصد) انه حتى هذه اللحظة، لا يمكن أن يتخيل مهدي غائباً، وقد يحتاج إلى زمنٍ ليقتنع إن رحلت (مهدي) هذه هي الرحلة الأخيرة: " قبل أسبوع فقط من رحيله، اتصلتُ به، فكلّمني دون أن يبدو عليه أبداً أنه سيشرع برحلة على الأرض، أو في السماء، فلا صوته نمّ ولا ألفاظه، انه سيغادرني إلى الأبد.بضعة أيام هي ويدخل (مهدي) الأبدية..تلك الأبدية التي كان يمرّ بها في شعره، فيمسها مسّاً رفيقاً وهو يبتسم أو يضحك. مهدي الذي يخشى المغامرة ويدخلها مغامراً، لا يفارقه الهدوء أبداً ".ويتحدث عن رحلتهما في الصحراء، على جمل، وحينها لم ينقطع (مهدي) عن طرائفه!!." طرائفه هذه التي لم تغادره حتى وهو في أصعب المواقف، ولعل هي ما يجعلني شديد الانتباه لجِدِّهِ أيضاً". ويذكر، إن مهدي، في دمشق، بسبب العوز والحاجة، كان يبيع ما يكتب بالقطعة ليعيش وأسرته الصغيرة عيشة الكفاف، وبالترافق مع مرض زوجته الشديد - المزمن : " فما أكثر المقالات التي نشرها بدون اسمه، والمقاولون الذين باعوا مقالاته للصحف كثر وهم بارعون في تسويق بضائعهم أو فضائلهم، ويساريون أيضاً "؟!. ويعلن"عبد الكريم كاصد" انه :" يتحدث عن الكتب التي كتبها (مهدي) والتي ظهرتْ بأسماء أخرى"؟!. يبدو شعر (مهدي) لأول وهلة بسيطاً، ولكن ثمة صنعة خفية، صنعة ماهرة، وإمكانية ملموسة، خلف تلك البساطة والتي لم تفارقه نهائياً، بل أنها ميزت قصائده و باتت أكثر وضوحاً واشد إحكاما في قصائده القصيرة، وحتى لا يبدو هذا الأمر، وكأنهُ رأيٌ أملاه الغياب النهائي المتجسد بموت مهدي، يعمد" عبد الكريم" إلى تضمين نهاية المختارات، مقالة بعنوان" طوفان المشاعر وبوصة الورق- قراءة في ديوان رحيل عام 1978"، وقد كتبها قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً وهي فصل من كتابه (متنٌ..هامش؟)، ليكتشف القراء أنهم إزاء شاعر من بين أجمل وأهم الشعراء العراقيين، و:" لم يستطع نقدُنا القاصر اكتشافَ عالمه الغنيّ، لانشغاله بما هو خارج الشعر". لا نحاجج الزميل الشاعر "عبد الكريم كاصد" هنا ولا ندافع عن قصور النقد، بل نُذَكّْر، بعد عام 1979، ذلك الزمن الـمـر، تغيرت الخارطة الثقافية- الاجتماعية كثيراً، بالترغيب والإكراه والبطش، وبات من الصعب جداً، حتى الهمس، بأسماء الكتاب، والشعراء، والفنانين، والمثقفين..الخ الذين عرف عنهم الانتماء، أو مجرد (المولاة أو الصداقة) مع جهة سياسية، كانت، خلال تلك الحقبة الملتبسة، (حليفة) للنظام، وكذلك عدم توفر مجموعات "مهدي محمد علي" في المشهد الشعري- العراقي، ولا زالت حتى الآن غير متوفرة؟!. ولكن لنا حق السؤال في : لماذا صمت النقاد العراقيين، خارج العراق عن المجاميع الشعرية التي صدرت لمهدي في الخارج، وبطبعات متعددة، وكانت متوفرة أمامهم، بمنتهى الحرية؟!.حتى كتابه النثري" البصرة جنة البستان"- دار المدى- دمشق-1998، لم يحظ بما هو مناسب، على أهميته؟!. والأكثر دهشةً، وغرابة، وألماً، إن مهدي لم يدع إلى مهرجانات "المربد " الشعرية المتعددة، بعد سقوط النظام، إلا مرة واحدة وفي المهرجان الأول فقط، وضمن الشعراء والضيوف الذين يحضرون على نفقتهم "الخاصة"؟!.وللأمانة تحدثت مرة في مهرجان المربد الخامس، مع الشهيد (كامل شياع) عن هذا الأمر، فاقر، بصداقته العميقة - الوطيدة مع مهدي، وبتقصير وزارة الثقافة، واللجنة العليا لمهرجانات المربد، في عدم دعوته، وذكر انه سيعمل على تلافي هذا الأمر مستقبلاً، لكن اغتياله المفجع حال دون ذلك، وللعلم إن تجاهل دعوة مهدي لمهرجان (المربد) وغيره بقيت متواصلة حتى وفاته؟!.بدأت مسيرة (مهدي) الشعرية منذ خريف عام 1961 إذ عرف به أستاذه، في الدراسة المتوسطة، الشاعر الكبير سعدي يوسف، ونشر له مع مقدمة خص بها قصيدته، الأولى، المنشورة، في إحدى الصحف اليومية التي كانت تصدر في بغداد. ورسخت تجربته الشعرية بداية السبعينيات بتواصله مع النشر، واعتماده ما سمي، حينها، بـ(القصيدة اليومية)، وشاركه في هذا المنحى، بعض، شعراء عقد السبعينات العراقي، والذين ذهبوا إلى التقاط المشهد الحياتي اليومي، و مدلولاته الواقعية - الإنسانية، شعرياً ليحولوه إلى جزء من توجه فني - جمالي، متجسداً في واقع معطى، وليستحيل، شعرهم عبره، إلى تميزه بـالألفة.

**

" أتذكر صندوقاً كبيراً

كنت أكنز فيه مئات الصحف

وقصاصات الأوراق

وأشياء أخرى

أتدلى فيه كما أتدلى في بئر

 بحثاً عن صحيفة قديمة

أو قصاصة ورق

أو تلبية لرغبة طفل

بحثا عن أجزاء لعبة محطمة

لقد ابتعد الصندوق

ابتعدت غرفتي

وابتعد الوطن

وأنا الآن أتدلى نحو وطني

كما أتدلى نحو بئر أليف وموحش!. المختارات(ص5 )

 يستثمر مهدي محمد علي في بعض قصائد المختارات، ومنها:(وطن، بالأزميل، قيلولة، المدينة، مطر، شارع البصرة، عابرة، لحظة رمضان، قيلولة، حمّى، أمي ..الخ، ثنائية : الحضور - الغياب، حضور الذاكرة - الماضي، وغيابها الآني، استدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح، محاورتهم، طغيان ملامحهم، الاحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد - الماضي القابع في الذاكرة - غياب الوطن في المنفى واختراق المنفى ذاته في حضور الوطن، الناس، الأحداث، الصلات اليومية، المدن، الشوارع، الساحات العامة وغبارها، حدائق البيوت، الأزقة، البساتين، الأنهر، ألوان الستائر، المنزلية، تراب الغرف المقفلة، وحتى فسحة ضوء نافذة المطبخ. هذه الاستحضارات، محاولة للتشبث بالماضي الهارب، استناداً إلى قوة الذاكرة وحضورها العيني- المتفوق، المتوقد من خلال إقصاء المنفى، والعمل على نفيه كوجود متحقق، لا أمل بالفكاك منه، ومُعطى دون اختيار شخصي، ثم العمل على تجاوز حضوره اليومي - الطاغي المتجسد بالحاضر ذاته، الملموس المباشر. تعتمد ذاكرة(مهدي) الشعرية المشاهد بطريقة ليست حلمية، بل متجاوزة ومنظمة من خلال اشتغال آليات الذاكرة التي تستدعي الوطن (الحاضر - الغائب)، وكذلك الصديق، الأم، صبية الجيران والسياج الذي يتسلقونه :

" اعتاد أطفال الجيران

أن يمتطوا السياج بيننا كالحصان

إمرتهم أن يكفّوا

فلم يستجيبوا، وظلوا محدقين

فاكتشفت عيونهم الجميلة الملونة

وحين كفّوا

صار السياج بيننا فاصلاً

واختفى ذلك النبات البشري المتسلق

وأزهاره الجميلة الملونة!. المختارات(ص26 )

ثمة حضور يومي للمشاهد، مستقى من بساطة الحياة، ومصادفاتها الغريبة، المدهشة المكتظة، فالأطفال، في قصيدة – سياج - بصخبهم وشقاواتهم والذين يمتنعون عن تسلق سياج البيت، بعد نَهرِهم، يحولون السياج إلى عازل عن الحياة ذاتها، بعد أن كانوا "النبات البشري المتسلق"، وتبادل الأدوار بين المانح والمتسكع في قصيدة- مواقع- والخاضع للمصادفة البحتة، وصَبيّة الحارس في قصيدة- ستائر- التي تراقب ستائر المنزل، وتجهل لماذا وكيف وأين توضع تلك الستائر؟!. وتتحول الصور اليومية إلى فعل مملوء بالغضب والمرارة، ويبقى الأمل الذي يفعّل هذه الكائنات البشرية، المقتنعة بحياتها الهامشية التي تحولها اللغة البسيطة الماهرة، والصور الغنية المتقدة بالحياة، إلى نسيج يضج بالحركة والوجود المتوتر والإنساني. في بعض قصائد المختارات، تقبض ذاكرة المنفي على الماضي، لتستريح من أعباء الحاضر، ولتخترق الراهن وتسعى لان تمسك بالأشياء - الغائبة - ولتؤنسن العلاقات الشخصية، التي تتمسك بها الذاكرة بقصدية لمغالبة الحاضر المشخص عبر المنفى. تفعل الذاكرة حتى الجمادات، وتستدعي الكلاب السائبة النابحة ليلا في مشهد فنتازي، بقصدية، لتجاوز وقائع الحياة اليومية للمنفي قسراً، فحضور الطفل المتدلي مرتبط بفضاء الذاكرة لخلق معادلة مع الحاضر (الموجع - الموحش)، تتشبث الذاكرة بالأشياء الهاربة من الحاضر والساكنة هناك، في الماضي البعيد، لكنها لا تتوقف عند الشخصي فقط:                      

" أما زالت غرفتي وحيدة

تتمرغ في سكون الوطن

الوطن الذي تلوى على رماد الحرب

الحرب التي تلتهم الذكريات ؟!" المختارات(37 )

**

الشاعر"مهدي محمد علي" في المختارات، وفي كل ما كتب من شعر، تمكن من الابتعاد والنأي عن عادية الأحداث اليومية في الحياة العامة- الخاصة، وهو إذ يفعّل القبض على المشاهد اليومية، التي لا تثير انتباه غيره، ، فانه يجعلها في أشعاره،  ذات مدلولات إنسانية، ويحولها إلى جزء يبدو لنا أليفاً من خلال اكتشافنا، تلك التفصيلات، اليومية العابرة، لتتحول إلى أجزاء متماسكة، ولابد من مسكها وتحسسها الجمالي، وفّعَلَ (مهدي) ذلك، بقدراته، وإمكانيته، و الخاصة، على التوصيل في قصائده، وهذا: لا يتأتى إلا لشاعرٍ ذي مقدرة فنية واسعة تختفي خلف موضوع القصيدة، وليس فيه..إذ غالباً ما تفاجئنا الكثير من القصائد باللعب على المهارات الشعرية في ثيمات لا تدل عليها، وكأن الشاعر معني هنا بإظهار قدراته على النظم وليس معنياً بالقصيدة..تلك القصيدة التي تنشغل باستيعاب موضوعها جمالياً وفنياً، بقي مهدي في كل حياته مخلصاً للشعر في تجلياته الفنية - الحياتية، وتلك الحيوات - الإنسانية، الهامشية بالذات، وقد حوله ذلك الإخلاص النادر، إلى شاعر يحدق في الواقع العيني بسعةٍ ورهافةٍ وينحو إلى التعامل مع ذلك الواقع وتعقيداته الفعلية، بعيداً عن المهيمنات التجريدية، والتي تكون متناقضة ومفارقة لذلك الواقع، المعطى، ذاته. 

 

جاسم العايف

.....................

(*)اتحاد أدباء وكتاب البصرة- على نفقة شركة آسيا سيل للاتصالات- دار الروسم- بغداد- ط1 - 2016، الغلاف م. جمال الأبطح.

 

ديوان الشعر (متى نأكل تفاحة آدم) لمالكة العسال

goma abdulahالملفت للنظر في الديوان الشعري. (متى نأكل تفاحة آدم - 98 صفحة - من اصدارات المكتبة الالكترونية)، بأنه  يتسم بظاهرة اختيار المفردة الشعرية، ذات ايقاع رنين قوي . فهي تشكل عامل ومقوم رئيسي، في فهم رؤية النص الشعري، وكذلك فهم صوره الشعرية، ويساعد على فهم مضمون القصائد، ومرامي الشاعرة (مالكة العسال)، وكذلك تؤطر على البصمات الجمالية في بناء القصيدة، واشاراتها الرمزية، ان توظيف المفردة الشعرية  بعناية واختيار صائب . حتى تشكل صرخة احتجاج واستفزاز وادانة، للواقع المتشابك في اوجه، الظلم والقهر والاستلاب والمحاصرة، وكذلك في مفردات المعاكسة له، في الرفض والمواجهة والتحدي . ان قطبي الصراع هو نتيجة جفاف الواقع وابراز مخالبه الطويلة لتتحكم في مسار الواقع  . وهذه المفردات اذا تكررت هنا وهناك في ثنايا القصائد، فأنه ليس للعبث او التلاعب الشعري . وانما لتجعل القصيدة اكثر وقعاً وتأثيراً لدى القارئ، وهي تتضمن رؤية الفكرية والتأملية للشاعرة . وفي محاولة سبر غور اعماق الواقع بتناقضاته وخلافاته، التي ترسم الاطار العام للواقع العربي المرير ، الذي يشهد التوتر والغطرسة والانتهاك  في جميع مفاصله، من هذا الاستقراء نجد ان القصائد تتفاعل في عكس مرآة الواقع المتصدعة والمتكسرة، على ضياع الوطن والانسان، وهي تخرج من خاصية الذات (الانا) الى الذات العامة، وهي تحاول جاهدة، بأن تكسر الطوق والشرنقة التي تخنق الحياة ، بشحن الامل بالتجاوز على حالات الحصار والحروب والخراب والتفتت، على حالات الظلم والمظلومية والتعاسة القاهرة . ان قصائد الديوان الشعري ترصد مظاهر الواقع ومخالبه الوحشية، وتعكسها بالشحن الرفض والمواجهة، وليس بالاحباط والاستسلام . لذلك نلاحظ اللغة الشعرية الثورية، الثائرة على اوجاع الواقع الاسوأ، وانتشال هذا الاسوأ، الى حالة جديدة من  مقاومة . لذلك فأن القصائد ملتهبة بالمشاعر، في ادغال العرب المحترقة، مما اتسمت القصائد الشعرية بالحدية والصلابة، وجاءت قوية ومتماسكة، لتكون حروفها كالمعاول لتنتشل الجراح الدامية، التي يعاني منها الانسان العربي . لذا اعتمدت القصائد على ثنائية التكريب المضاد والمرادف  .

                      عنف الواقع / ترميم هذا العنف

                    التهشيم والتشرد / بناء الذات بالموجهة والرفض

                    الاستلاب والحزن / شحن الامل

                 الخنوع العربي / التصدي والارادة

- ولفهم الاشارات الرمزية والمفاهيم التي انطلقت بها المفردات الشعرية، بأن نسلط الضوء الكاشف عليها ، لفهم مرامي الديوان الشعري، وهي محاولة رسم صورة القصائد :

- حين تخدش حشمتها / تفجر فيك حزامها الناسف . ص2

- من مضاجع المقصلة / نطعت دبابة . ص6

- اشلاء اطفال / تمتزج في مزابل الرصاص . ص7

- وكيف / على الجماجم تنهد البيوت . ص9

 

- يا اطفال الكون / يا فضلات المدافع . ص11

- غذاؤكم / بنفائس الالغام معقم

       

- وبنكهة النبيذ / نعد لك المذبحة . ص14

- بسمة محروقة / وبظلال الرصاص . ص 18

- من لحمي / اصنع للوحتك اطاراً . ص26

- مقذوفة في دوح الفوضى / من لغم الزمن أقتات . ص30

- تتدلى شظايا جسد /   بالدمار لماعة . ص32

- من اي فانوس مسحور / دبدبت نحوي كتلة الرصاص . ص33

- الفحولة المغموسة في زادي / تفجر فيَ البارود . ص36

- بينه وبين الاوطان / جثة رعب ممدة . ص43

- بابل . . يا بابل / اتى زمن الفجور . ص44

- والبحر يفتح شدقيه / ليبتلع الجماجم . ص49

- اراك مسيجة بالقرنفل / أراك مطعمة بالرصاص . ص53

- لتداعبين رملات الموج / من الرمال تصنعين رصاصة . ص62

- غدا من جذوع النكبات / تنهض الشجرة . ص76

- من مقصورة القلب رصاصة /  وفوانيس الامل . ص83

- ينط منهما الجمر / لن اكون ذبيحة . ص91

-- وناخذ عينات من قصائد الديوان الشعري :

كشف مخالب وعورات الواقع العربي المأفون، الذي عقم ومزق الرجولة والفحولة، مزق الوجود والهوية، حتى وصل الى اسفل القاع، بأن اصبحوا صفراً، بالمسخرة والنكوص والانحطاط، ولم تهتز شواربهم لأشلاء الاطفال المرمية في مزابل الرصاص والبارود

وكيف

صار العرب اليوم صفراً

بالامس صفرا

ننبش تربة الاسلاف

وفي السياسة

تشربون قانون الغاب

وكيف

في عقر الدار

تتمزق استار الهوية . ص11

رغم ان الوطن منهوك ومطعون بالهلاك والتمزق، واشلاءه مبعثرة على اديم الخراب، بقفار الجدب، وفي لوحاته المتكسرة بشظايا التصدع، ولكن رغم مخالب الخراب المنتشرة، يبقى ترميم هذا الانكسار حالة قائمة وليس ميؤس منها، ولتكون امطاره تغسل الخراب، ويضع على عنقه قلادة  بدلاً من القيود التي تحجره بالتقوقع

ان ارمم جسدك

بميلاط من دمي

وعظامي اشد اسوارك

واضع على نحرك

بدل القيود قلادة

بريشتي ارسمك

في موانئي منارة

في بحاري شموساً

في عتمتي مطراً . ص25

الظلام والظلاميون جاءوا بزمن الفجور التعيس ، بزمن الذبح والمجازر، بزمن قطع الاعناق جاء وقت قطافها . لتكمل صورة الوحشية في الادمغة الظلامية، هكذا اطلقوا العنان للموت والفزع، ان يتجول بالحرية الدموية

فصل الرؤوس عن الاعناق

الرؤوس

اينعت وحان قطافها

الاوردة

نبضت وحان قطفها

هذا الزمن المثقوب بالجراح . ص39

امام هذه البشاعة والمحنة الانسانية، هناك صورة مخالفة تواجه هذا الواقع المر، الواقع المثقوب بالموت، تعطي وهج التحدي والرفض

انهض

ففي نبضك

يرن غضب الثوار

لملم قدميك

احمل عشبك وريحك

تصد لزمن أتى بالخسارة  . ص42

ويكبر الامل بوهج الحرية للخروج من هذا النفق المظلم، الذي جاء بكل الشرور، ونثرها في كل زاوية، ان الانعتاق بالحرية التي تجلب المطر الربيعي

أليك ثم أليك

كائنات قلبي

تنتشي من وجنتك

يا الثمرة المثقلة

بالمطر

يا الزهرة

تفيض في كل منحى

يا البهاء الاخضر

يا اغرودتي

يا حريتي . ص95

 

جمعة عبدالله

........................

- ديوان (متى نأكل تفاحة آدم) لمالكة العسال . اصدر المكتبة الالكترونية

 

تداخل المذاهب الأدبية في نصوص الكاتبة المصرية فاطمة عكاشة في مجموعتها القصصية: عذراً .. الفراغ الممتلئ

"عذراً... الفراغ ممتلئ" مجموعة  قصصية تستحق التأمل بداية من العنوان وحتى آخر حرف فيها، لما تحتويه من أحداث إجتماعية إنسانية عامة وليست خاصة وإن أتت بلسان وقلم الكاتبة، أحداث تجبرك على الاهتمام الذي يصاحبه تأني في القراءة وروية وتفكير في الأحداث .

بداية من العنوان الذي أعتبره قصة بذاتها ... كيف يكون فراغ وممتلئ ولمن تعتذر بقول كلمة عذراً؟؟؟ ... وللإجابة  على السؤال الأول كيف يكون فراغ وممتلئ ؟ ... سأعيد صياغة السؤال ...  هل الفراغ فارغا ؟ ... السؤال هنا اعتباطي يمكن الإجابة عليه ببساطة، لكنه بعلم الفيزياء هو أصعب سؤال على الإطلاق !! ... فلو تأملنا الفراغ بين عينك وجهازك الآن ... ستجد أنه ليس فارغا بل ممتلئ ... ممتلئ ذرات عناصر بالغة الصغر تسمى الرغوة الكمومية ... هذا في علم الفيزياء بينما الفراغ الذي قصدته كاتبتنا فاطمة عكاشة فراغ ممتلئ بالوحدة ... الوحدة فراغ وعدم تواجد الغير بجانبك وهكذا تكون الكاتبة قد وضعت فراغ بداخل فراغ فأصبح الفراغ ممتلئ لكنه .... ممتلئ فراغ .... وكما تتفاعل الذرات مع بعضها منتجة مواد جديدة ... يتفاعل الفراغان وينتجان تصرفات وأفكار كارثية في كثير من الأحيان .... وقد تقصد أن الفراغ هنا ممتلئ لكنه بما لا تريد ولا تحتاج .... فتبدأ في البحث عما تريد وتحتاج وقد تتعرض لأزمات وكوارث في رحلة البحث التي دائما ما تكون مضنية وذات عواقب وخيمة ..... أما السؤال الثاني وهولمن تعتذر ... فهو لكل من تسبب في وجود هذا الفراغ وحين يتنبه ويحاول اصلاح ما حدث يجد اعتذار يفيد بأنه قد فات الأوان، الفراغ الذي تحدثت عنه الكاتبة في مجموعتها هي حرب روحية دائما خارجية التأثير شيطانية تأتي من الظروف المحيطة ... بعض القصص تناولت فراغ الوقت وبعضها فراغ الفكر وأخرى تناولت الفراغ الروحي والفراغ الشخصي والكثير منها تحدث عن الفراغ العاطفي ... كل هذه الفراغات كانت ممتلئة إما بما لا تهوى النفس ولا تريد أو ممتلئة بفراغات أخرى ... هل الفراغ هو العدم ... عدمية الذات وعدمية المشاعر إلخ .. ؟ .

المجموعة ككل يتشكل محورها الأساسي من جلاء الذات وهي تراقب ما يدور بفلكها تنتقل من قصة لقصة ومن ومضة لومضة تتنوع وتتعدد الأنماط السائدة فيها ... لكن .. اتسم واقعها بالإزدواجية السوداء التي ظهرت في الحركة والتفاعل والوقفات بكل قصة والمعاني المقصودة والتصدي والدفاع عن حقوق ضائعة وقضايا قد يراها البعض وقد يعمى عنها الكثيرين وقد يراها البعض تافهة وهي ذات خطر داهم لا يشعره إلا أديب مستبصر بالحالات الإنسانية .... إن أكثر ما كان يشغل مخيلة وبال الكاتبة هو ذلك العدم الذي تراه في كل صوب وجدب حولها حتى أنها تراه في أنبل المشاعر وأجمل المناظر لكنها تراه سيفا يسحق ويدمر كل ما يمر أمام نصله ... الفراغ يقتل الإنسان فما بالنا بفراغ ممتلئ بفراغ أكبر منه !! .. إن هذا الفراغ الممتلئ الذي قصدته الكاتبة هو الذي يقتل المشاعر الإنسانية على مختلف أصعدتها فهو مسيطر على مختلف الأجواء فجعل الفكر ثابت وجامد في قالب لا منطقي ... ذلك الفراغ الممتلئ أصبح ثابتا في حياتنا ثبوت الجبال ورسوخها يزيل من الوجود الوجود الطبيعي الحي يزيل استقلال البشر  يؤدي إلى العدم الشعوري البشري، هو شر له شرر يتطاير لأن ما يحركه هو يد وعقل اللامنطق .

لم تبق الكاتبة كتاباتها في إطار العقلانية التي لم تدخلها أصلاً بالكامل، بل أطعمت كتاباتها برومانتيكية جميلة أعطت النصوص طراوة وليونة وتشويق، فكتبت لنا عن فراغها الممتلئ الذي تقصده برموزه وانبلاجاته الروحية فجعلت كل نص يبدو أمامنا كأنه مصور وممثل على مسرح وكل قارئ كان بطل يتأمل سطورها ويستبطن ما بين السطور استبطان عميق ... جعلت القارئ يعيش الفراغ الممتلئ قسوة وخواء ذلك الفراغ الفارغ الذي قذف كل أصحابه إلى قسوة ذلك الفراغ ... فوضع بالصدورالخواء الذي يختفي تحت أقنعة الحياة التي تعتلى كل الوجوه ... أشارت الكاتبة لوصول بعض الأبطال بنصوصها لحل التخلص من الحياة أي الإنتحار ... والتفكير في الإنتحار تحدث عنه الكاتب الياباني ميشيما حينما سأل في كتابه "هل اليابانيون جميعاً مصابون بمثل هذه العدمية الشرسة ...؟، فجمع الكاتب مجموعة مختارة ومنتقاة من الخواطر والتأملات التي ولدت من تجارب الشاعر الحياتية وأسفاره ملاحظات ثاقبة كما فعلت كاتبتنا هنا فقد وضعتنا الكاتبة أمام فراغ وعدمية وعدم كمال كل ما يحيط بنا، الأمرالذي يدفعنا إلى أن نعيد النظر في كل معتقداتنا، وضعتنا أمام أشكالية ردود أفعال من يحيطهم الفراغ والعدمية .

تراوحت النصوص بين الإخبار والشاعرية ولم تكن كاتبة بقدر ما كانت تمسك بيدها ريشة وترسم لوحات سريالية وجداريات حياتية مزجت فيها الفراغ الروحي الممتلئ بالمكان الحياتي فركبت مساحتين مختلفتين في أفق معظم النصوص فالمعروض واقعي والأسلوب واقعي ودائما الحلول والنهاية سريالية وهنا صح ما قاله جون غيليس عما يُسمى ب ecotones  أو التداخل بين نظامين مختلفين معا في الطبيعة فكانت المداخلة بين الواقعية والسريالية واضحة وظاهرة في معظم النصوص ووضح ذلك من خلال انكسار الزمن ببعض النصوص والهروب من اللحظة الراهنة والواقع الراهن كرد فعل تمردي وهو نفس ما حدث مع السرياليون منذ ظهور بيانهم الأول فكانت لوحاتهم بها تداخل بين النظام المائي والبري وعبرت تلك اللوحات عن انكسار الزمن والهروب من اللحظة الراهنة كسياسة تمردية .

والسريالية التي اتبعتها الكاتبة هي ما عبرت به عن العقل الباطن في نصوصها بصورة يعوزها النظام والمنطق فاستخدمت الكاتبة أشياء وأحداث واقعية كرموز للتعبير عن أحلام الأبطال والإرتقاء بالمشاعر الطبيعية إلى ما فوق الواقع المرئي والغير مرئي .

بداية المجموعة مقولة وضعتها الكاتبة " تفقد الكلمة عذريتها عندما تخرج من الحنجرة" .. وكأن الكلمة فتاة تظل محتفظة بعذريتها طالما تخرج بيد حارسها وهي المشاعر ... بينما لو خرجت من الحنجرة بغير حارسها فقدت عذريتها ... فلسفة لا يعلمها الكثيرين بينما تقصدها الكاتبة وتشرحها كلمات العديد من نصوصها .

بداية قصص المجموعة كانت بعنوان الدبور .. محتوى القصة يشرح خداع النفس وتجبرها لغض البصر عن حقائق ملموسة ومحسوسة وعجز عن التلاؤم والفشل الذريع في الاندماج والتكيف المحيطي فعزل نفسه عن الحلول الإيجابية وتزرع بحل الخلاص الجذري من كل المشاكل بإزالة مكمن أو حاضن المشكلة وهو ما تحدث عنه الكاتب الياباني ميشيما في كتابه .

تستكمل الكاتبة تقديم تجارب ذات قضايا وجودية وإنسانية وعاطفية لبعض المفاهيم التي يزرعها الإنسان بعقله مثل كذبة الحب الأول ... ويظهر ذلك في قصتها "شهادة ميلاد " التي شملت أحداث وتحولات اجتماعية مبنية على الصراع الحياتي وذكريات الحب المفقود وكيف أنها لم تنسى الحبيب  وأسمت ابنها على اسمه وظلت طوال حياتها مع الزوج تحب الغائب الحاضر بقلبها ..لكنها تكتشف أنها وحدها عاشت هذا الخيال بينما المحبوب نسي شكلها واسمها وكل شيء عنها فتعود لواقعها بحادث بسيط وهو كسر زجاجة وجرح يدها التي ضمدها الزوج بحنانه .

وقد وجد الحب الأول انعكاساته في التراث العالمي والعربي، من شعر وآداب وفنون مختلفة، ففي التراث العربي انقسم الناس في فهم الحب الأول، فمنهم من رآه هو الحب الأول والأخير ولا يأتي بعده حب بمنزلته، كما قال أبو تمام، وهناك من يرى إن الحب الأول تجربة انقضت، وان الحب الحقيقي والواقعي للحبيب الآخر حيث يعيش المرء في كنفه ويشعر به، كما قال العلوي الأصبهاني وكما تحدثت هنا كاتبتنا في قصتها عن الحب الأول  ... تحدث التراث العالمي وتناول تجارب الحب الأول ودوافعه السيكولوجية والاجتماعية وأنتج الأدب العالمي أشهر الروايات والقصص الرومانسية في الحب التي جمعت بين النزعات المثالية والحسية والواقعية، والتي لا تزال خالدة اليوم، ويستعين بمادتها في الأفلام العالمية، والتي عبرت عن الحب باعتباره حقيقة وجودية، وليست فقط تجربة فردية محدودة النطاق والتعبير أو محصورة بين فردين. ومن أبرز هذه الأعمال العالمية، هي :رواية (كبرياء وتحامل) لجين أوستين، ورائعة الأدب الروسي (أنا كارنينا) لليو تولستوي، ورواية (جين إبر) لتشارلوت برونت، وقصة (آوت لاندر) لديانا جيبلدون، ورواية (قصة حب ـ لوف ستوري) لأيريش سيجال، وهذا على سبيل المثال لا الحصر .

وفي قصتها الغروب ... تأتي المكونات الفانتاستيكية المليئة بالتناقضات والإنكسارات التي تتعرض لها النفوس البشرية وتنهي قصتها بالهروب خارج المحيط معانقة عالم الخيال والتخيل وكأن بهذه الخيال رؤيتها التحررية .. إلى جانب الكثير من القصص التي تبين فقدان الكثيرات للأمل في وجود اليد الحانية والعشير المخلص والمحب العاشق وتأكيد انتهاء تلك المشاعر من الوجود الإنساني ووجودها في الخيال فقط .

ثم تتحدث الكاتبة عن الواقع الاجتماعي الملئ بالجهل في قصتها "عتمة" الذي يجعلنا نتغلغل في أسرار حياتية ومسارات وأفكار وتفاصيل حياة بدأت بخطأ فادح وانتهت بكارثة، الفكر في تلك القصة مذموم لكنه متواجد وبكثرة في مجتمعاتنا وخاصة الريفية، فتذهب بطلة القصة إلى ما تظنه طريق الخلاص والتحرر والتجرد من القواعد المحسوسة المرفوضة وتطلق العنان لأفكارها وخيالها وللتمني فتهرب من واقعها بنسيان كل المحمودات وترمي نفسها داخل متاهات النسيان المذمومة .

أخذتنا المجموعة القصصية "عذراً ... الفراغ ممتلئ " إلى أفكار عدة ... منها أن الأبطال بكل القصص يتأملون أنفسهم، يتحسسون هيأتهم وأفكارهم الغريبة، يخرجون عن العادة دون تفكير، وهناك بعض العادات التي تمنعهم حتى من التفكير، منهم من يلغي المسافات بينه وبين الذات ومنهم من يمحي ملامحه تماما حتى يكاد لا يراها إن نظر في المرآة وإن رآها يسأل نفسه من هذا أو من هذه ؟ ... أبطال القصص يفتقدون ملائكة الواقع فيلجؤون لشياطين الخيال التي تطبع لهم دساتير يسيرون عليها إلى الهاوية فعندما يختفي الممكن يظهر اللاممكن لكنه يحدث .

أظهرت المجموعة ثقوب العوار في المجتمع العربي خاصة المصري، أظهرت ثقوب العوار الظاهرة لكن الجميع يتغاضى عن الحديث عنها مثل العلاقات الزوجية وما يحدث فيها من انهيار بسبب الأنانية وعدم مراعاة مشاعر الآخر، وأظهرت ثقوب العوار الخفية التي تمر على الكثيرين مرور الكرام دون حتى أن يلمحها، أظهرت ثقوب العوار بأنها أحيانا تكون بئر يسقط فيه البطل طالما تغاضى عنه كثيرا، وأخرى ألقت بالبطل لأحضان التوهة، وثالثة جمعت بين التوهة والبئر، مما أعطى للمجموعة تشوق دائم لمعرفة المزيد من القصص ويظل القارئ يتنقل من صفحة لأخرى ومن قصة لما يليها حتى يجد نفسه في الصفحة الأخيرة .. وهذا يحسب للكاتبة وبراعتها في استخدام أسلوب مشوق .

تحدثت الكاتبة عن مرور المرأة بالخريف الذي جاءها قبل ميعاده بوقت كبير، فالخريف ملازم للسيدات في كل الأعمار وفقدان الكلمة الطيبة والحب والشغف والعشق والحنان في ظل أوضاع خاطئة لكنها سائدة في ظل احساس وشعور منعدم من الجميع بحقوق المرأة مما أفقدها الإنتماء للحياة ومغزاها في ظل المشكلة والمعضلة السائدة وهي عدم التعبير وعدم التكيف وعدم الإكتمال وجو العزلة النفسية والإغتراب النفسي التي فرضته عليها العادات والتقاليد والعرف وأفقدها كل الحواس عدا حاسة تتنامى كل يوم وتزداد حجما وهي شراهتها لإكمال ومعايشة ما لم تكمله أو تعيشه من قبل والضرب بعرض الحائط بكل القيود .

تحدثت الكاتبة عن العنوسة وما تمر به المرأة العانس من مراحل وتأزمات نفسية لا يمكن وصفها فتعجز عن التلاؤم مع ساكني المجتمع وتحقد على كل سعيد وسعيدة وتكره كل متزوجة حتى لو كانت تعيسة بحياتها الزوجية، وكيفية تعاملها مع الزوج والزواج إن جاء متأخرا جدا في وقت تكون فيه شراهة حالتها الجنسية قد تفاقمت حد الجريمة وقد يعد البعض أن الكتابة عن مشكلات المرأة بهذه الجرأة عيب ولكني أعتبر أن ما فعلته الكاتبة أنها كشفت عن الجرح لتنظفه وتعالجه ليلتئم الجرح بنظافة وليس على فساد ونتن ....

ذكرتني أهداف المجموعة القصصية برواية "الشيخ والبحر " لأرنست هيمنجواي ويقال أن الرواية من أعظم الروايات وثاني أعظم رواية في أدب البحرالتي صورت الصراع بين الإنسان وقوى الطبيعة وجسده في بطلها العجوز "سانتياجو" مع أسماك القرش المتوحشة والسمكة الكبيرة الجبارة، فحين قراءتك للرواية التي تميزت بخبرات واقعية بعالم البحر. يظهر لك قوة الإنسان وتصميمه وعزمة على نيل أهدافه والوصول إلى ما يصبوا إليه وإمكانية انتصاره على قوى الشر والطبيعة وفقا لمقولته المشهورة " الإنسان يمكن هزيمته، لكن لا يمكن قهره " ... وفي مجموعتنا هنا الإنسان تم هزيمته في الكثير من المواقع لكنه لم يقهر بعد فمازال يقاوم ومازال يحارب لتحويل الفراغية إلى وجودية .

شملت المجموعة البسطاء وحلمهم بالتغيير ويأسهم من ذلك وطموحاتهم التي وأدها المجتمع القاسي داخلهم بوضع العراقيل التي تأبي تحقيق أحلامهم وتعترضهم بشدة .

استطاعت الكاتبة أن تجعل القارئ يعيش قصصا وحكايات تعكس تهكمية وعنف وخشونة الواقع معلنة ملئ الفراغ بما لا يريد الأبطال أو ملئ الفراغ بفراغ أكبر بكل الأمكنة معلنة فشل وانهزامية تلاحقهم وفي نفس الوقت ساعية للتحرر من الجرح والألم الذي إما سببه حب ورومانسية أو نبش في الذاكرة عن أحداث مضت أو تعلق بعادات وتقاليد خاطئة فترتفع أصوات الإعتراض بطرق شتى أصوات يلونها رماد الواقع معبرة عن ذلك بأسلوب تشويقي رائع وإشارات دلالية تعبر عن خلجات الروح والوجدان بتعبيرات فلسفية عميقة، استطاعت أن تصدر الإغتراب النفسي والعزلة النفسية والتأمل في المصير الإنساني المتجه نحو الوهم والواقع المزيف مظهرا شعور القلق وفقدان الأمل وسيطرة اليأس والإنهزامية أمام سيطرة اللامعقول على المعقول .

لو تأملنا أسلوب المجموعة نجد فيها بساطة وإيحاءات وتكثيف وتركيز للأحداث، ودلالات، وبراعة في الوصف والسرد، رسمت لوحات ذات قدرة على تسلسل الأحداث وترابطها معا، رسمت لنا فجوات هائلة في المجتمع وسلطت الضوء على حجم الهزائم التي أصيب بها الكثيرون خاصة المرأة والشباب، تميزت المجموعة بالمتعة والتشويق الجمالي والحس الفلسفي العميق .

هدفت المجموعة القصصية "عذراً الفراغ ممتلئ " إلى تحرير الإنسان من العقلانية الزائفة والعادات المُقيِدة الخاطئة التي بُني عليها المجتمع، استخدام السريالية في نصوص الكاتبة جعل قول فرويد ورأيه في السريالية ينطبق على تلك المجموعة حيث قال: أن ما لفت نظره في السرياليين هو وعيهم وليس لا وعيهم .. وهذا ما لفت نظري في نصوص الكاتبة .. لفت نظري وعيها بكل المشاعر السلبية والإيجابية وعيها بكل ردود الأفعال الخطأ والصواب منها، فنشاطها الفكري منظم للغاية تراقب الواقع بنفس نسبة مراقبتها للأحلام ... فحولت الرغبة والدافع لأي شيء يخص الإنسان إلى عملية تحليل نفسي ... لو فعل كذا لكان رد الفعل كذا .. ولو فعل كذا سيكون رد الفعل كذا ..

خلت المجموعة من الإسلوب الإنشائي عدا القليل، بينما تواجدت بكثرة البيانيات من تشبيهات واستعارات وكنايات في معظم نصوصها، وكان للتشبيه التمثيلي دور كبير حيث كانت تشبيهات مركبة يتعدد فيها المشبه والمشبه به، كما توفرت في المجموعة التشبيهات كاملة الأركان، تواجدك الكنايات في كثير من النصوص  .. وكان للتورية دور فعال وقوي في المجموعة ونصوصها، استخدمت الجناس والجناس التام والناقص والمقابلات مما أثرى النصوص وأسلوب الكتابة .

 

تحياتي للكاتبة فاطمة عكاشة، مع تمنياتي بالتوفيق لها في مجموعات قصصية قادمة .

 

هالة محمود

 

 

بنت القسطل للشاعر سيمون عيلوطي ومسْرحة القضية ضمن سياقات حماسية تروم التجريب

ahmad alshekhawiلاستقطاب الذائقة دونما الزيغ عن شعرية التجريب،لم يكن هنالك بدّ من الإقحام المقصود لمشاهد ذاتية منطلقة من الذاكرة تروم إبراز المستويات الرمزية لجدلية المكان والاحتلال في خضمّ العالق بالحمولة النفسية من روائح طفولية  تدين السجون وتسترجع الزمن الغابر لتنتج ثقافة مواكبة تتشرّب تقاطعات الأجناس التعبيرية مندغمة في بعض الإطناب بغرض تدوير الخطاب المسؤول والمنفتح والراقي بشعرية تدويل القضية الفلسطينية بالمعنى الحماسي الواعي حدّ نسج عوالم تستغرق جوارح التلقّي بطقوسها الفلكلورية المُمسرحة ليكتمل بذلك تفشي النص باتجاه نهاية تقوم على أنقاض وثيرة وتساوق مشوّق لقران فني /معرفي يفتح أسئلة وجودية وطنية جمّة.

كذلك هو الحال عند الشاعر المبتكر سيمون عيلوطي في تعاطيه الطوباوي مع أحداث ومواقف عزل للعقل البشري أو تسارع المحاولات لأجل كهذه غايات منحطّة تستهدف فلسفة الحقّ وتجفّف البذور الأولى لمصل فعّال ضدّ جزافية تعبئة الأجيال و كل ما من شأنه إتاحة الشحن الإيجابي  والحقن والواقية أو الدافعة للنعرة الاستعمارية حين تستحوذ لتنخر الهوية و تغتال الأوطان.

" المشهد الأول:

تفتح الستارة عن مجموعة من أهل قرية صفورية المهجرة ، مكونة من عدد من عدد من الرجال والنساء.يقفون في موقع يطل على أحد المنازل التي مازالت قائمة في موقع القرية.نراهم يتهامسون، تصل إلى أسماعنا بعض عبارات أحدهم:

مرور (50) سنة على النكبة،بستاهل منا إشيا كثيرة...فعاليات تكون عّ قدّ الحدث.

يقول آخر:

برأيي الشخصي،أهمّ فعاليّه راح تقوم،هي فعاليّة " مسيرة العودة".اقتراحي إنّا نحييها في15 أيار،يوم ذكرى النّكبه.

يقول غيره:

صفورية في البال تْظل

احلى من زهراتِ الفل

زيارتها واجب مفروض

يشارك فيها أهل اْلكل.

إحدى الحاضرات:

زيارتها فرضِ وْ واجب

على كلّ الحبايب

مشتاقة ، قلبي دايب

حقْلتْها بالخير تْغِل. 

ثم يردد جميع الحضور:

صفوريه بْساتين

مفروشِه خَضار

نبعات وِحْساسين

"قسطل" و أزهار

إحنا مْوَحّدين

تا نوخذ قرار

عّ رْبوْعها جايين

كل موسم وِنْطلّ."

عين المعنى ما سنستشفّه من جرد انتقائي واقتطاف خاطف نابض بسحر المفردة في الإحالة على أنوية المعاناة إذ تلامس المحطات المفصلية من تجربة عاكسة لتعدد الذات الشاعرة في ارتباطاتها بالهمّ الوطني المعتّق الحضور القوي لذاكرة المكان.

" عا دربي مش مستهدي

تْزيد الأحزان

تروح السّنة وِتْعدّي

تْمرّ الأزمان

يا قلبي ناطِر وعدي

عا جَمْر النّار

حاجي تْلوب و تتألّم

يا قلبي كِنْ

أصبُر، دقّاتك إرحَم

أحسن مَ تْجِن

عايْش كَنّك بِجْهنّم

لا حَدّ يْحِن

ولا قدّامَك بَرْعَم

زِرّ الأزهار.'.' "

إنه صلب ما يطالعنا به أحدث إصدار رقمي عن منشورات ألوان عربية من السويد لشاعرنا المتمرس ونحن بصدد اقتناص ما استطعنا إليه سبيلا من مفاهيم مفخخة بالحسّ الفلسطيني  تجاه النضال المزمن والظاهر ولو بعد حين.

في حضرة بنت القسطل نكتفي باقتباس الشذرات التالية:

" ما نرحل لو شو بيصير

نبقى هون كبير زغير

ما نترك أرض الأجداد

لو زتّونا بْقلْب البير

مهما عملو تهديدات

وقالو شوفو غير بلدات

أهاليها تركو الساحات

خافو من هول التّدمير

في هَا للعبِه ما منفوت

ما يرهبنا حتى الموت

بالمقالع والنّبوت

منقاوِم لو شو بيصير."

.................

" صفوريّه تْظل

على مرّ الليالي

قمرها يْهِل

يضوي العَتْم اللي قْبالي

صفوريه تْحِل

لولادي تْظل تْلا لي

طول الأزمان

 

صفوريه ما ننساكي

صوره بالقلب

مطبوعه وْعا هَواكي

نمشي عَ الدرب

من شوقي قلبي الباكي

نارو بتهب

صرنا أنا وِيّاكي

رمز الأوطان."

..................

" بْكرامه بدنا نْعيش

في بلدْنا

ما نرضى حاكِم هيك...

يجلدْنا

ما قِدِر ظالم

مهما مَلَك قوّة

يْخلّينا ننسى

بْلادْنا الحلوِه،..

كُرْباج حَبْسو

ما بْيِرهبنا

 

ما انْسينا بيْدَرنا

ولا الطّاحون

مَعاصِر زيتْنا

والبيت هَالحنون

ما نْسينا جرّتْنا..."

...............

ديدن شاعرنا استلهاما من مجمل منجزه، يشاكس الراهن تحت مظلات إنسانية تساير الطرح الآنف الفذلكة وإن بنسب متفاوتة ترهن الفعل الإبداعي بخشبة عارية تماما لشخصنة ما يجود به حقل المزج الدلالي مابين لسان الضاد والدارج، التزاما بكثافة كلامية تتحاشى التكلف كما الإسراف في بلورة مشاهد ثرية ومختزلة في بديهية المعطى المنتصر للإنسان والقضية أولا وأخيرا.

إنها توليفة متناغمة الأضداد تحتفي بصفورية كموطن أبدي للحقيقة وللحياة بشتى معاني تجاربها الموغلة مع جذور تاريخ النكبة في بصيرة دامية وعي إنساني متّقد وعصيّ على الاضمحلال.

 

أحمد الشيخاوي / كاتب مغربي 

 

 

حقيقة الشعر والإلهام الإلهي في أيون أفلاطون

zaynab saidاكفرون Ekphron، هو الشاعر فاقد الصواب: أبياته نابعة من حرمان العقل { النوص}، من حرمان قدراته العقلية، لذا فهو "خارج ذاته" لأنه مسكون بالإله  entheos: الذي يغزوه، يمتلكه،katechei ، ويدفعه خارج حدود الأنا الواعية. غزو الإله يدمر تلك الذاتية التي، من أجل الفن  techne والمعرفة الانسانية {الابسمتية}espisteme   تعرف الواقع وتعمل عليه. ليس من أجل الفن ولا من أجل الابسمتية، إذن، يؤلف الشعراء قصائدهم، ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن الراوي  الذي يلقيها على الجمهور: هناك قدرة إلهية، theia dynamis، غير متوقعة ولا متناهية تقتحمه كأنها المؤلفة الوحيدة لتلك الأبيات. الإله هو الفنان الحقيقي الذي يستخدم الشاعر والراوي كأدوات انسانية: فالإله يستفيد منهما، كترجمين متحمسين ولاواعيين، وكائنين"خفيفين مقدسين ومجنحين"  يشبهان النحل الذي يمتص كلمات الإله، العسل الالهي والفاتن، من غابة ربات الشعر، ويحلق بعدها من زهرة إلى أخرى مُحَليا النفس الإغريقية.

يؤكد الجزء الكبير من التقاليد التفسيرية، في هذا الوصف الشهير لطبيعة الشعراء والرواة، المقدم من قبل سقراط في ايون افلاطون، الانشطار الحاصل بين لاعقلانية الشعر و فنون الايماءة، من جهة، ومن جهة ثانية، عقلانية العلوم والتقنيات التي تشغل الانسان في المدينة.  يكون ايون مقبولا، في معظم الأحوال، كبيان لعقلانية أفلاطون ونقده اللاذع للشعرالتقليدي، وبالتالي للسلطة التربوية الرئيسة في عصره.  نقد شديد لم يتم تطويره بشكل كامل، هو الذي يخص ايون، حسب أغلبية التفسيرات، حيث أن موقف أفلاطون من الشعراء وجد صياغة مفاهيمه النهائية في الجمهورية من خلال تحليل فنون الإيماءة.

يحتوي ايون، إذن، على أول إعلان ثوري لمنظور جديد يمكن للانسان الإغريقي أن ينظر من منطلقه إلى العالم وثقافته: ليس الرواة وحدهم، الذين كانوا في تلك الحقبة يتجولون بمدن هيلاس Ellade  ساردين أبيات الشعراء معززين بذلك التراث الشفهي الذي كان يشكل جوهرالهوية الاغريقية آنذاك، من أصبحت صورتهم مهددة جدا، بل حتى صورة الشعراء العظماء، حراس التراث الموثقين، يبدو أنهم خرجوا راسبين من امتحان سقراط العسير.

 فإبداعاتهم تبدو أنها نتاج هذيان، وفقدان الصواب الذي يمنع أخذهم على محمل الجد.  حكم أفلاطون على أباء الثقافة الإغريقية  يثير القلق والحيرة، أولا لتأثير هكذا موقف على المستوى الأخلاقي والسياسي: فقد كان  قساوسة وكهان اغريقيون يقتبسون لقرون، في علاقتهم  بالالهة، الأساطير التي تحكي عن شعراء الماضي معتبرينها وصفا للحقيقة الالهية غير القابلة للجدل.  

لكن إلى جانب الصورة الأفلاطونية المعادية للاعقلانية الشعراء والفنانين فقراءة  ايون تقدم، في نظرنا، إمكانية النظر أيضا إلى علاقة أفلاطون بالشعر ومن منظور آخر: هناك عدة قرائن، مخبأة ضمنيا خارج حدود المستوى الخطابي الخطي للنص الأفلاطوني، تجعلها تأخذ منحى أخر مغايرا،. قرائن تبدو أنها قادرة أولا وقبل كل شيء على وضع ذلك الانشطار الصارم بين لاعقلانية الشاعر وعقلانية العلوم موضع نقاش: بالإضافة إلى ذلك هناك تصدع، لا يمكن انكاره،  يجتاح المستوى الأكثر وضوحا للنص، حيث يبدو القارئ مدفوعا من قبل أفلاطون ليلاحظ رمز شيء مختلف تماما حتى، في الصورة المكتوبة للنقص في المعرفة، والخلل التأسيسي، للسلبية التي تميز الشعراء والرواة. شيء تسمح له صورة الخروج عن الذات بالاقتراب للمسكون بالإله: يتعلق الأمر بمفهوم  مبهم، تعمل الايقونة المكتوبة، المشكلة من جنون الشعراء والرواة، على إرجاع قارئ أفلاطون إليه. 

أطروحة هذا العمل، إذن، هي أن نص ايون يحث القارئ على التفكير في غيرية راديكالية سواء على المستوى الصريح للكتابة، أو المنظور الذي يعتبر الفن tecnhe والابسمتية الشكلين الوحيدين الأصيلين للمعرفة: حيث أن ما يظهر أنه رمز للخروج عن الذات للشعراء، بعيد كل البعد عن كونه إنكارا صريحا للمعرفة،  هو في الحقيقة  تشابه مع مفهوم سقراط غير المحدد "معرفة اللامعرفة"، مع الحب والحوار dialegesthai المبهم اللذين يميزان صورته في حوارات أفلاطون.

يبدو أن خروج الشاعر والراوي  عن ذواتهما الموصوف في ايون  يحيل إلى شيء غير قابل للتمثيل و لا يمكن سياقته بأي حال من الأحوال  داخل حدود الكتابة، أو بالاحرى، داخل حدود كل ما يظهره كمحتوى موضوعي مشابه للكتابة لدى الكل كالماء الذي، كما يقول سقراط في الندوة Simposio، يتدفق على طول خيط صوف من كوب ممتلئ إلى كوب فارغ. بالاضافة إلى ذلك، فإن نتائج هذا التألق لمعرفة مبهمة عبر الصورة المكتوبة للجهل الجوهري للشعراء والرواة، لها تأثير على المشهد السياسي: الشعراء والرواة، بأوهامهم الهذيانية، يغوون الجماهير وفناني المسرح، إلى درجة الايمان، كسقراط في مبدأ فيدرو Fedro الذي اعتبر أن الكيميرا la Chimera {الكائن الخرافي} وباقي كائنات الأسطورة "حقيقية". هذا "الانجذاب" المشترك في الوهم يسمح بفرضية تكافؤ السياسية وخروج الشاعر والراوي عن ذواتيهما: "القوة الإلهية " تجعل الكل يعتقد أن مخلوقات االشاعر الخرافية حقيقية،  قد يبدو الأمر محصورا، في الوهلة الأولى، في أجواء مرح الخيال الشعري، جو منفصل تماما عن الجدية المطلوبة من  حكومة المدينة  polis. حسن، وراء  مزحه، هذا الهذيان لكنه وهم الهي مشترك بين الجميع،  حسبه يكون الخيال الشعري"حقيقية"، قد تتم قراءته كصورة مكتوبة بطريقة أخرى لفهم الفضاء السياسي.  

 

لبيترو ديل صولدا Pietro Del Soldà

ترجمة: زينب سعيد

 

تأملات في جديد الشجر عند الشاعر سعد ياسين يوسف .. قراءة نقدية في مجموعة: الأشجار لا تغادر أعشاشها

912-saadصدرت مؤخراً للشاعر (سعد ياسين يوسف) مجموعته الشعرية الجديدة (الأشجار لا تغادر أعشاشها)، وفيها يطلّ ـ كالعهد به ـ من عالي أشجاره، ليلاحق خيباتنا ويدون خساراتنا، ويضيف للـ (شجر) ـ الذي كرسه كشوفات رؤى في هذه المجموعة كما مجموعاته الأربع سابقاتها ـ قيم تعبير وتحشيد أدائي يستوعب الذات، ويتناغم مع بوحها الذي تهيمن عليه نزعة وعي تماهت مع الأفق الجمعي الذي يشاغلها ويشتغل فيها .

يأتي ذلك من دون التنازل عن التعبير المتدله بالانتماء إلى (رؤاه الشجرية) تلك التي تؤثث المكان، وهو يمد جغرافية شجرته ليتسع وطناً قيض له أن يكون (شجراً) مثمراً، ولكنه متعاور بالأسى والشجون، وبمكابدات إنسانه الذي انتمى إليه وتجذر وجوده فيه، حيث هي ـ أعني الأشجار ـ ترسم لمعادل موضوعي يستدرجه الشاعر من معجميته وباذخ مدلولاته، ليؤشر دعوى التمسك بالمكان، والانتماء القيمي المتعالي إليه.

يتلاعب الشاعر بمواضعات الدلالة القارة في المفردات المنتمية إلى قاموسه (الشجري)، ويؤطرها في فضاء من التشكل المفارق . فالأشجار وهي تترسخ حضوراً في المكان (لاتغادر) امتدادها الصاعد في الفضاء، كما امتدادها الذاهب عميقاً في الأرض، لتستحيل ـ عبر حد نتلقاه من التأويل ـ مراسم انتماء نبيل، عند أولئك الذين تيمموا بتراب المكان/ الوطن، فاحتضنهم مسمى، واحتووه قيماً ومشاعر وأحاسيس لاينتهي بوحها في الوعي والضمير، والتشخص الشعوري المتواتر فيضه . ليبقى وجداً مستعراً في ذواتهم التي تلوذ به بعاطفة الولادة الأولى كما (الأعشاش) التي لاغنى للطير عنها، مهما أدعت أجنحته الطيران بعيداً عنها.

لقد تبدت (الأشجار) أفقاً ترميزياً لا حد لامساك الشاعر بمداليل كشوفاته ـ تلك التي جعلها متسعة كل شيء ـ دلالة وتمثلاً ـ فكان من تجلياته ذلك الإلحاف على تداول المفردة في عنونة كثير من نصوص هذه المجموعة:

(الأشجار لاتغادر اعشاشها / شجرة الخسارة / شجر القدّاس / شجرة الأبواب / شجرة الصَّباح / شجرة المرآة / شجرةُ العبورِ/ شَجرُ الدَّوَران / شَجرةُ الأسئلة / شَجرُ الجُنون ِ/ شَجرُ الارتطامِ / شجرةُ الأشواكِ/ شجرةُ يونس (2) / ما تعسر من شجرة البحر) .

وإذ تتكرر تلك المفردة مشخصة قيماً من الرؤى سبق لتجربة الشاعر أن كرت عليها بيقينها المتواتر فإنها هنا سترسخ لها توجهات مضافة، هي جزء من كشوفات الفضاء الذي تؤثثه مواقف الشاعر وتوجسات وعيه ومشاعره ومتراكم نضح جماليات التجربة وتناميها عنده .

لقد طور الشاعر في هذه المجموعة تجربته الشجرية وأمدها بثقة في الرؤية والتمثل التعبيري، لتبدو (الأشجار) أكثر توهجاً بمعادلها الموضوعي المؤشر لحالنا الراهن، بفجائعه وانكساراته وصحوه ورغبة الحياة فيه، وتحولات مكابداتنا فيه كما الماء في الطبيعة:

(" مطر السَوءِ "

912-saadالذي أمطرتهم إياهُ

فُؤوساً...

تلجُّ بذَبحِ أشجارِنا

من الجذورِ إلى الجذور ِ

غير أنها كلَّما سقطتْ من عليائِها شجرة ٌ

وارتفعَ غبارُ الأرضِ من تحتِها

وارتجَّ رأسُها بإسفلتِ

مخالبِ الظلام ِ

وفاحَ منها عطرُ الدَّم ِ ,

والأمنياتِ الوئيدةِ

لفّتْ أغصانَ أُمومتِها

على الأعشاشِ

وحكتْ لهم حكاية َ

البدءِ .......

قبل أنْ تغمضَ خضرتها،

وتنامَ ....

حالمة ً...

بأصابعِها تخترقُ عينَ الإسفلتِ

عَميقاً ...

لتعودَ الى نشأتِها الأولى

.....   .....

.....  .....) ص9

إن ذلك الاستدراج والتداعي الذي جاءت عليه كثير من النصوص ـ حد استحالة اجتزاء أي من مقاطعها ـ يتوازى خطه مع رغبة الحياة التي لا تتوقف فينا، متكافئين ـ في ذلك ـ مع نوازع الشجر الذي انغرست جذور وجوده في تربته بعيدا.

 

(2)

يعايش كثير من نصوص المجموعة الشعرية هذه متناً سردياً، يأتي ـ في الغالب عليه ـ مفعماً بشيء من الغنائية الشفيفة التي لا تنال من اشتراطات السرد وتناميه بكيفية لا تتحقق غاية التلقي منها إلا حين يواصل السير مع النص حتى آخر سطر فيه، كما في النص الآتي الذي تبدت (الشجرة) شخصيته الأولى التي تنشر قامتها، كي يتملاها الآتون إليها من البشر، فيترك كل منهم بين يديها ما تيسر من مشاعره .:

(مررتُ بها ...

هي مازالتْ بعينيها الخضراوين

واقفةً على ناصيةِ الشارع ِ

مذ نقشتُ أولَّ حرفينِ واسمي

وهي هناكَ

مرَّ الطفلُ فرمى الوردةَ

أسفلَ قَدَميها

ولوّحَ بالتّوديعِ لقامتِها .

...  ....

مرَّ الجنديُّ

اخرجَ حربتَهُ وانهمكَ بنقشِ اسمه ِ

على رمانتِها، اسما ً...

لم يحملهُ قرصُ الموت ِ،

وما أنْ أكملَ رسمَهُ

انتزعَ القرصَ وقلَّدها حُزنَهُ

قرصُ الشمس ِ يعلو في كَبِد الوقتِ

والحافلةُ تُطلقُ آخرَ صوتٍ

هَروَلَ ومضى الجنديُ ..

مرَّت ْ طالبةُ الكُلِّيةِ

مدَّتْ يدَها ...

أخرجتِ الأحمرَ

رسمتْ نصفَ فم ٍ كالزهرة ِ

تشتعلُ فيه النار ُ..

قلباً ......

تخشى البوحَ بنبضهِ

خَشْيةَ أن يمتلئ َالدربُ

بالليلكِ .....

مرَ المراهقُ، حدّق َ فيها

في ساقيها

اخرجَ يدهُ من جيبهِ

ذي الثقبِ السري

تحسَّسَها ..

رفعَ أطرافَ قميصِ الخُضرةِ

أطلقَ تنهيدتَهُ المكتومةَ،

وأعادَ يدَهُ ....

أغمضَ عينيهِ

ونامَ ..أسفلَ قَدَمَيها .

مرَّ البائعُ الجوالُ لبَخورِ الجمعةِ

أشعَلَ عودا ً

بخَّرَ أغصانَ ضَفيرتِها

حتّى فاحتْ منها رائحة ُالرعشةِ

أمّنها كيسَ بضاعتهِ

وغابَ بنهرِ الشارع ِ

.......  ........

مرَّتْ امرأةٌ طاعنةٌ بسؤالٍ

لم تلقَ جوابَهُ

كانتْ تستغفرُ خالقَها

إذ داستْ نِصفَ رغيفٍ مرميٍّ،

رفَعتهُ وبلُطفِ خجولٍ

قالتْ: قد يحتاجُ إليه ِ

أحدٌ - أيَّتها الواقفةُ الممشوقةُ -

أو قد ينزلُ سِربُ حَمَامٍ

إذا ما أبرقتِ الغيمةُ .

....  ....

تقرَّبتُ إليها

وأعدتُ كتابة َاسمي

ثانيةً ..وخَطوتُ

ملتفتاً أُحدِّقُ في عينيِها المتسائلة ِ

..........

.........) ص14

 

لقد أخذت (الشجرة) تحولاتها إلى حيوات وصلات بعالم أكبر تتواصل الذات معه، وتنفعل به:

(ما إن تبزُغ أغصانُها

حتى نستعيذَ بالحياة ِ،

من عتمةٍ

تنتظرُ الضوءَ فينا ..

على رائحة ِالشاي،

وهو الوحيدُ الذي يوحّدُنا،

نتذكرُّ رمزَ فناء ِاللحظة ِ

خلفَ البابِ المقفلِ .) ص30

لقد انضبط التداول التعبيري في حده النثري الذي يمتلك إيقاع تداعيه وتناسقه في استدعاء عنصر المفارقة الدلالية، والمتممات التعبيرية السردية المستدعاة عبر عناصر من القص الذي يغنى بوقائع لها دلالتها على مثاقفة مستحضرة، والحوار الذاهب بمنولوجه إلى الذات، أو المترسم أفقاً من استحضار (الآخر) ومكاشفته في بوح تعبيري مشترك:

(ما إن تستيقظي

قفي أمامَ المرآةِ

وتحسَّسي وجهَكِ جيداً

ستَرينَ ثمَّةَ نوراً

ولذا أنصحُكِ

أن تطفئي ظلمةَ هواجسِكِ

وتَسدلي ستائرَ القلق ِ

حينَها

ستَرَينَ ماتركتهُ

أشجاري .....

الليلةَ الماضيةَ

في بلُورِك، وأنا أتأمَّلُهُ عن بُعدٍ

......) ص34

 

(3)

تكاشفنا هذا المجموعة الشعرية ـ التي بدت نصوصها أطول نسبياً من سابقاتها وأكثر تداعياً وانهماراً متواتراً للصورـ بمحددات وجهة تعبيرية أكثر تركيزاً في إدلالها الملامس لنضح المفردات وأنساق كشفها التعبيري، فالشاعرـ مثلاً ـ لم يكتف بتبني (الأشجار) منطلق توثيق دلالي تتفشى مفردته في نصوصه، بل ذهب لمعاينة حزئيات ذلك التكوين الطبيعي الباذخ، فأثث القصيدة بمفردات من العائلة الشجرية ومعجمها الخاص كالزهر والورق، الغصن الذي نال ترداداً لافت الحضور في عنوانات بعض النصوص: (لَوعةُ الغصنِ غُصنُ الرَّغيفِ، ما تَبقَّى من الغُصن، غُصنُ الرحيلِ)، مثلما كرره في الطيات النصية كذلك . وكأن (الغصن) الذي لا يمكن له إلا أن ينتمي لشجرته هو الذات المفردة للشاعر أو لسواه التي تفرعت من شجر وجودنا الجمعي المبتلى.

يأتي (التناص) ـ كما عهدناه في مجاميع الشاعر السابقة ـ خصيصة توظيف لاتبوح بكامل ما استدرجته إلى متنها من وقائع، بل تنسجه بتقنية من التشكل خاصة، وتداخله مع غيره، لتكاشف التلقي بمثاقفة لها مقدرات خاصة في الاستعادة . كما في استهلال هذا النص الذي حمل عنوان (موج):

(صارِخاً ....

البحرُ يصخَبُ خلفي

والأفقُ صافَحَهُ

انطبقتْ سماء ٌ

غيرَ ضوء ٍ ...

شعَّ من بينِ الغيوم ِ

خِلْتُهُ انت ِ

فأَشْرعتُ ذراعَيَّ) ص46

فلبعد التأمل هنا أن يستذكر استهلال قصيدة السياب (غريب على الخليج)، كما له أن يستعيد قصيدة السياب الأخرى (رحل النهار) حيث المرأة المنتظرة التي تبادلت الأدوار ـ في نص سعد ياسين يوسف ـ ليمسي هو من ينتظر.

ويجيء لافتاً ـ في هذه المجموغة ذلك الإلحاف الذائب الذي فرض حضوره في النصوص كلها لـ (علامات الترقيم)، وهي تشتغل آلية كشف واقتصاد تعبيري يعنيه الشاعر، وهو يضعنا على طريق البحث عن الدلالة وإدراكها عبر ما تحمله كل علامة ترقيم من توضيح لمقاصدها. هكذا تأتي أسطر (النقاط) المتلاحقة تعبيراً عن كلام لم يتمه النص، ليبقى مفتوحاً على متسع من التصور يريدنا أن نشاركه إضافته:

(منذُ أن رحلت ِ

أدركتُ أني بلا عائلة .

وكلما قالوا لي:

- سلِّم لنا على العائلةِ

أضحكُ... ثم أبكي في سِرّي ..

وأنا أتحسَّسُ جدرانَ

خيمتِنا التي هَوتْ ...

لأظلَّ غصناً مكسوراً

يتدلّى من شَجرتِها

الصاعدةِ لسماءٍ

لا تعرفُ

كيفَ تجيبُ عن

الأسئلةِ المذبوحة ِ) ص 51

أو كما في هذا النص الذي وضع له عنوان (شجرة الأبواب)

( ....

يَتَلاشى الباب ُ

خلفَ هزيمِ ليالِ شتاءِ المطرِ

تتبعهُ تلويحةُ كفي،

جناحُ يمامة ٍ .

رفيفُ الأسماءِ المنقوشةِ فيها ،

ثقوبُ رَصاصِ الزمن ِ

بقعةُ ضوءِ الخشبِ المحكوك ِ

بِلُجاجتِنا ...

ونداءاتٌ ... تتعثرُ في حَنْجرَتي .

يا ... أيَّتُها المُفضِيَةُ لي

كوني شجرَ الوحدة ِ

علّي استوقفُ سربَ يماماتي

ليلةَ قدرٍ

أسألُها أن تهدلَ للأبواب ِ

حتىّ الفجرِ ...

أن انفتحي ..

لا فرقَ لديَّ الآنَ

للجنَّةِ كانت

أم ....) ص26

وربما كانت علامة السؤال ـ المستفهمة أحياناً والمستنكرة في أحايين أخرـ اكثر ما كرت عليه التداولية النصية، وهي تصطنع إيجازها الدلالي . لقد جعل تلك العلامة (عنواناً) لواحد من نصوصه، وختم تكرارها لأكثر من مرة نصاً ثانياً، وأوردها بعد أول مفردة استهل بها ثالثاً:

(هم ؟؟؟.......

فَجَّروكَ،

من بطنِ حوتِ الأرضِ

إلى السماءِ.....) ص96

ولعل تواتر تلك العلامة كان امتداداً تعبيرياً لمفردتي (السؤال) و(الأسئلة) التي تردد دفق دلالتهما مرات عدة، سواء أكان عنواناً مضافاً إلى المفردة المركزية (شجرة الأسئلة) أم في الخضم التعبيري لأسطر النص:

(عابراً ...

بحرَ اشتعالِ أشجاري

بأسئلة ٍ ثقال ٍ

أنتِ الشراع ُ .

على كتفِ زورقي

أَلفُ جثةٍ من سؤال ٍ

ينوءُ بها تارة ً

يَميلُ ..وهي تَبحثُ

عن شمسِ إجاباتِها)  ص40

لقد ازدحمت الأسئلة مدلة على مكابدات الذات ـ مستوحدة، أو في تكيفها الجمعي ـ وهي تعاين هذا الذي (يشتجر) حولها ويمعن بمد أصابع خرابه وقسوته في تلافيف الوعي والمشاعر. فلا تكون لها من عدة مواجهة إلا أن تدجج صوتها بالأسئلة (أسئلة ِالبقاء ِ/ أسئلةِ الرَّحيلِ/ أسئلةِ التَّوسُّل) كما يذكرها الشاعر، وفوقها: أسئلة القلق، وأسئلة الاستنكار، وأسئلة الرفض .

 

(4)

وبعد... فليس (سعد ياسين يوسف) شاعر طبيعة تكاشفك نصوصه بجماليات ماتحتويه، فلعل تلك أخر مرامي الانهماك التعبيري عنده، إن أشجاره لاتعايش عالمها المعتاد ولا تتطامن معه بل تغادره إلى حيث تستحيل فضاءات من الأنسنة ومكابداتها وتشظيات وجودها، وذواتاً تطل على ماحولها، فتعاين وترصد وتقول كل الذي يقع تحت باصرتها وبين ثنايا بصيرتها، .

هكذا يتأنسن الشجر صداحاً شعرياً عن الشاعر و(أناه)، وعن (نحن) التي كثيراً ما أقصت فردية البوح وكسرت هدأتها بالذي تلقيه على كواهل وجودها في المكان الذي ارتضت ألا تغادره أرضاً وسماء وما بينهما من وجود إنساني حبيب .

 

ا. د. علي حداد

 

مسائلٌ نحويَّة لضرائرٍ شعريَّة (2)

karem merzaقد تكلمنا قي الحلقة الأولى عن:

  1 - الفصل بين المضاف والمضاف إليه.

 2 - حذف حركة الإعراب وتسكين المتحرك.

 3 - تحريك الساكن.

 4 - تخفيف الحرف المشدًد.

5 - تشديد الحرف  المخفف.

 

نواصل معك المسيرة النحوية الشعرية، وفي المسيرة تفتح للفكر وسعة الإدراك، وتمعّن في تفهم المعنى، وتذوق لجمالية لغتنا الخالدة، وتذكّر لعبقرية أفذاذنا:

6 - الفرزدق يُدخل (الـ) على الفعل المضارع كاسم موصول في بيته:

ما أنتَ بالحكمِ التُرضى حكومته *** ولا الأصيلِ ولا ذي الرأي والجدلِ

هذا الفرزدق الزاهي بموهبته، والمتماهي بأصالته، وأروم عراقته، لا يبالي باللغويين والنحويين، ويقول: علي ّأن أقول، وعليكم أنْ تحتجوا بشعري، فذهب هؤلاء العلماء من بعده

  منقسمين بين من يرى الأمر ضرورة في لحظة النظم، وبين من يحكم بالاختيار، لأنهم يقولون ببساطة، كان يمكنه، أن يبدل بـ (التُرضى)  (المرضي)، وينتهي الإشكال !!

ولكن يذكر كاتب هذه السطور في كتابه (نشأة النحو ...) أنّ الكوفيين كانوا يعدون الألف واللام من الأسماء الموصولة بمعنى الذي، التي، الذين، اللواتي ...، لذلك كان يقول الفرزدق علي أن أقول، وعليكم أن تحتجوا، ولا أعرف كيف فات الأمر على بعض علماء اللغة، وقالوا كان بإمكانه أن يقول: (المرضي)، والحقيقة كان  يريد أنْ يقول (الذي تُرضى حكومته) !!، وخذْ شاهداً أخر:

من القوم (الرسول) الله منهم *** لهم دانتْ رقاب بني معدِّ

أي بمعنى (من القوم الذين رسول الله منهم)، وتمتع بمثال ثالث:

مَنْ لا يزال شاكراً على (المعه) *** فهو حر بعيشةٍ  ذات سعه (18)

بمعنى (على الذي معه)، وقد أجاز ابن مالك في (ألفيته) هذه (الـ) الموصولة، بقوله:

وصفةٌ صريحةٌ صلة الْ *** وكونها بمعرب الأفعال قلْ (19)

هل اقتنعت أنّ الألف واللام كانت تعني الأسماء الموصولة، أم لا ؟ فلماذا ذهب  هؤلاء يشرقون ويغربون ولا يشيرون ولا يبحثون  ؟!!     

7 - وقد فصل هذا الفرزدق بين (ما) و(زال) في الفعل الماضي الناقص (ما زال) بـ (إنْ) - والرجل يحتج بشعره - وذلك في قوله:

رأيتُ تَباشيرَ العُقوقِ هي الَّتي *** مِنِ ابنِ امرِئٍ ما إن يَزالُ يُعاتِبُه

وأبو تمام لم يسمع هذا من العرب، ولكن لمّا وجد العرب يأتون بـ (إنْ) بعد (ما) النافية، قاس الأمر على (مازال)، وأدخلها في عدة مواقع من شعره، وإليك هذا البيت:

وَما إن زالَ في جَرمِ بنِ عَمرٍو *** كَريمٌ مِن بَني عَبدِ الكَريمِ

وسار على هذا النهج شعراء عصره كأبي نؤاس والبحتري وابن الرومي، بل أورد ابن هشام أحد شواهده، يتضمن مثل هذه الـ (إنْ) المحشورة (20) .

8 - وقد ذكرت في كتابي (نشأة النحو ..)، قد  أجاز الكوفيون إظهار (أن) بعد (كي) كقول الشاعر:

أردتُ لكيما أنْ تطير بقربتي *** فتتركها شنّاً ببيداءِ بلقعِ

وأجازوا أيضاً دخول اللام في خبر (لكن)، كقول الشاعر: (ولكنني من حبّها لعميدُ)، والمتنبي يحذف (أنْ) الناصبة للفعل المضارع، ويفعلها في بيته:

وقبل يرى من جوده ما رأيتهُ ***  ويسمعَ فيهِ ما سمعت من العذلِ (21)

وأراد (أنْ يرى) .

9 -  وقد يؤنث الشاعر الفعل مع المذكر كقول جرير يهجو ابن جرموز:

لما أتى خبر الزبير تواضعت*** سور المدينة والجبال الخشَّع

فأتى  الشاعر بـ (سور)، بعد فعل ألحقتْ به تاء التأنيث الساكنة، ويعلل ابن منظور في (لسانه)، لأن السور جزء من المدينة، فكأنه قال: تواضعت المدينة !! (22)

وقد يحدث العكس تذكير ما يوجب تأنيثه، ففي البيت الآتي (رؤية معين)، والحق (رؤية معينة):

رؤية الفكر ما يؤل له الأمر  ***  معينٌ على اجتناب التواني

و يعلل السيوطي في (همع هوامعه): قد يكتسب المضاف من المضاف إليه تأنيثا وتذكيرا إن صح حذفه ولم يختل الكلام به وكان بعضا من المضاف إليه أو كبعض منه كقولهم قطعت بعض أصابعه، وقول الشاعر: (كما شرقت صدر القناة من الدم) (23)

 10-  لا يجيز النحويون أنْ تأتي (أن) بين (كاد) و(يفعل)، وإنما تقول العرب (كاد يفعل)، هذا في الكلام، ولكن في الشعر تأتي ضرورة، قال  ابن الأعرابي-الرجز:

يكاد لولا سيره أن يملصا  *** جدبه الكصيص ثم كصكصا (24)

 لولا الضرورة الشعرية، لقال المتكلم (يكاد لولا سيره يملصا)  .

11 - ويورد كاتب هذه السطور في (نشأته ...)، أجاز  المازني وهو شيخ البصريين دخول الباء على الفاعل، وهذا شاذ، بمعنى أنه  ساير الكوفيين، في البيت الآتي:

إذا لاقيتِ قوماً فاسأليهم *** كفى قوماً بصاحبهم خبيرا

وهذا من المقلوب، ومعناه (كفى بقوم خبيراً صاحبهم، فجعل الباء في (الصاحب)، وموضعها (القوم)،، وفي القران الكريم شاهد (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)،، والتقدير - والله الأعلم - (ولا تلقوا أيديكم) . (25)

12 - أجاز المبرد شيخ البصريين - قياساً -  دخول (حتى) العاطفة على الضمائر:

وأكفيه ما يخشى وأعطيه سؤلهُ *** وألحقه بالقوم حتّاه لاحقُ

ويعقب عبد القادر البغدادي في (خزانته) "على أن المبرد زعم أن حتى هنا جرت الضمير. وليس كذلك، وإنما حتى هنا ابتدائية، والضمير أصله هو، فحذف الواو ضرورة " (26)

وقول الآخر (الوافر):

فلا والله لا يلقي أناسٌ *** فتىً حتّاك يا بن أبي يزيد

 ويعقب البغدادي نفسه " على أن المبرد تمسك به على أن حتى تجر الضمير، وأجاب الشارح المحقق بأنه شاذ. والأحسن أن يقول ضرورة، فإنه لم يرد في كلام منثور " (27)

 

13 - منع صرف المصروف: يذكر كاتب هذه السطور في (نشأته): البصريون لا يجيزون منع صرف المصروف حتى ضرورة في الشعر، ولكن الكوفيين يجيزون ذلك، والمتنبي سار على نحوهم،فهو منهم، خذ هذا البيت منه:

وحمدانُ حمدونٌ، و(حمدونُ) حارثٌ  *** و(حارثُ) لقمانٌ، ولقمانُ راشدِ

قال أبو البقاء العكبري في (تبيانه): " ترك صرف حمدون وحارث ضرورة، وهو جائز عندنا (يقصد الكوفيين)،غير جائز عند البصريين " (28)، وحصرتُ لك الكلمتين بين قوسين في البيت، لكي تستدل عليهما - للقارئ العام -، وفي عصرنا أيضاً، ذهب الجواهري الكوفي على مذهب المتنبي، إذ خاطبه، ومنع ابنه (محسّد) من الصرف، وهو مصروف، قائلاً:

ومنْ قبلِ ألفٍ عوى ألفٌ فما انتفضتْ *** أبا (محسّدَ) بالشّتم الأعاريبُ

العجز حقّه (أبا محسّدٍ)، ولكن لا يستقيم الوزن، فلجأ للضرورة التي يوافق عليها الكوفيون، ويتحفظ عليها البصريون، والنحو الحالي نحوهم . (29)

  ويقول معروف الرصافي:

(أسماءُ) ليسَ لنا سوى الفاظِها *** أمّا معانيها فليستْ تُعرفُ

(أسماء) كلمة مصروفة، وإن كانت على وزن (فعلاء)، لأنّ أصل همزتها واو(أسماو)، وقلبت، هذا حسب رأي البصريين، فعندهم الاسم مشتق من السمو، بينما يذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من (الوسم) (30)، قال تعالى: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ...) (النجم - 23) .

  وعلى العموم،الكلمات المنتهية بألف ممدودة (اء) على أربعة أقسام:

أ - أسماء مبنية مثل (هؤلاءِ)، فهي مبنية على الكسر، غير مشمولة بأحكام الأسماء المصروفة وغير المصروفة، لأن هذه الأحكام تخص الأسماء المعربة . 

  ب - أن تكون الهمزة فيها أصلية مثل (قرّاء) من قرأ، و(إنشاء) من نشأ، و (وضاء)، هذه مصروفة، الأولى على وزن (فعّال)، والثانية على وزن (إفعال)، والثالثة على وزن (فعال) . 

 ج - أنْ تكون الهمزة فيها منقلبة  مثل (أسماء)  جمع (اسم) منقلبة من الواو (السمو)،فهي مصروفة أيضاً كسابقتها، شرط أن لا تكون الكلمة اسم علم  كـ (أسماء)، فتمنع من الصرف للعلمية والتأنيث.

  نعود، وكلمة  (قضاء) منقلبة من ياء وأصلها يقضي، و (استدعاء)  همزتها منقلبة من واو، وأصلها يدعو، خلاصة الكلام (أسماء واستدعاء وقضاء) أسما مصروفة، لأن همزتها منقلبة .   

 د - أمّا القسم الرابع  من الكلمات، فتكون الهمزة فيها زائدة كـ (علماء، صحراء،حسناء، شعراء،  فقراء، أقرباء،أصدقاء، وأشياء)، وفي هذه الحالة يمنع الاسم من الصرف، فكما ترى (علماء) من علم، فالهمزة زائدة، وكذلك (صحراء) من صحر، و(حسناء) من حسن  ...  وأخيراً  (أشياء) من شيء على وزن (فعل)،  فعند الجمع تدحرجت الهمزة إلى بداية الكلمة (قلب مكاني)، فأصبحت (أشي على وزن لفع)، وزيدت ألف التأنيث الممدودة (اء)، فصارت (أشياء) على وزن لفعاء،  فهمزتها زائدة، تمنع من الصرف  - وقال الكسائي على وزن أفعال - والقرآن الكريم خير شاهد (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة 101)

14 - صرف الممنوع من الصرف: اتفق البصريون والكوفيون على جواز صرف الممنوع من الصرف ضرورة في الشعر:

قال امرؤ القيس، وهو من أوائل شعراء العربية ممن وصلنا شعرهم: 

ولمّا دخلت الخدر خدر عنيزة ٍ ***   فقالت لك الويلات إنّك فاضحي

 وقد صرف (عنيزةٍ)، وهي ممنوعة من الصرف لعلميتها وتأنيثها، وتائها المربوطة،  وقول الأخطل، وقد صرف (مثاكيلٍ)، في بيته التالي من البسيط، والكلمة ممنوعة من الصرف على وزن (مفاعيل):  

كَلَمعِ أَيدي مَثاكيلٍ مُسَلِّبَةٍ *** يَنعَينَ فِتيانَ ضَرسِ الدَهرِ وَالخُطُبِ

كان بإمكان الأخطل لا يصرف (مثاكيلٍ)، ويدعها (مثاكيلَ)، ويمشي صدر البيت، إذ تمر التفعيلة الثالثة من الصدر (مستفعلن) بزحاف الطي، فتصبح التفعيلة (مسْتعلن)، وهي من جوازات البسيط، ولكن الرجل أراد استقرارها للطف الوزن، وهو محق، وخذ قول الشاعر، وقد صرف (أنطاكيةٍ)، وهي علم أعجمي مؤنث:

علونَ بأنطاكيّة ٍ فوق عجمة ٍ * كجرمة ِ نخل ٍ أو كجنّة يثربِ

ويروي ابن أبي الأصبع في (تحريره) قول " أبي حية النميري فيما قاله في زينب أخت الحجاج حيث قال طويل

تضوّع مسكاً بطن نعمان إذ مشتْ  *** به زينبٌ في نسوة عطراتِ " (31)

  15 - تنوين المنادى المبني كتنوين كلمة (جملٌ)،وهي مبنية على الضم:

  ليت التحية لي فأشكرها ***مكان يا (جملٌ) حييت يا رجلُ

يروي ابن منظور في (مختصره لتاريخ دمشق) كانت  عزة لسبب قد حلفت أن لا تكلم كثيراً سنةٌ، فلما انصرفت من الحج بصرت بكثير وهو على جمله يخفق نعاساً، فضربت رجله بيدها وقالت: كيف أنت ياجمل؟ فأنشأ كثير يقول - من البسيط -:

حيتك عزة بعد الحج وانصرفت ***  فحيّ ويحك من حياك يا جملُ

لو كنت حييتها لا زلت ذا مقةٍ ***  عندي ولا مسك الإدلاج والعملُ

ليت التحية كانت لي فأشكرها ***  مكان يا  (جملٌ) حييت يا رجلُ (32)

وأكثر من هذا ما يستشهد به ابن عقيل في (شرحه لألفية ابن مالك)، الشاهد (308):

ضربت صدرها الي وقالت***  يا (عديا ً) لقد وقتك الاواقي

هذا البيت للمهلهل بن ربيعة أخي كليب، من أبيات يتغزل فيها بابنة المحلل، والشاهد بالبيت (يا عَدِيّاً) حيث اضطر الشاعر إلى تنوين المنادى، ولم يكتفِ بذلك، بل نصبه مع كونه مفرداً علماً، ليشابه به المنادى المعرب المنون بأصله، وهو النكرة غير المقصودة (33)  كل الضرورات يوظفها الشاعر لكي لا يتجاوز أوزان بحور الخليل، وما تداركه الأخفش  الأوسط، بتمامها ومجزوءاتها، ومشطوراتها، ومنهوكاتها، وبكل أنواع أضربها، لا لكي نوّلد أوزان أخرى غير مضمونة النتائج،  و يمجّها  الذوق العربي، وتقذف به الأذن العربية إلى سلة المهملات، التجديد بحاجة إلى عباقرة يفرضون ذوقهم الفني واللغوي والإيقاعي على مسامع الأمة، وسلامة اللغة من الضياع أو الأنحراف، وتتوارث تجربتهم الأجيال بالتصفيق والارتياح،  وما جيل روّاد شعر التفعيلة إلا شهداء على ما نقول، والإبداع الإنساني ولود لا يزول، وإلى حلقة قادمة عن الضرورات والشعر الرائع المأمول !! 

 

كريم مرزة الأسدي

.................................

(18) ص 122 م . س . (نشأة النحو العربي ...): كريم مرزة الاسدي -  - دار الحصاد - 2003 م - دمشق

(19) (شرح ابن عقيل): ج 1 - ص 155

 (20) - مسائل نحوية من كتاب (شعر أبي تمام دراسة نحوية)

 http://majles.alukah.net

 (21) راجع (نشأة النحو ...): ص 35،  70 على التوالي . م. س .

(22) (لسان العرب):   ابن منظور - ج 4 - الصفحة 365 - موقع  مكتبة الشيعة .

(23) (همع الهوامع فى شرح جمع الجوامع):  للإمام السيوطى - ج2 - ص 352 - الموسوعة الشاملة .

(24) (الأغاني):ابن منظور - ج 4 - ص 141- دار صادر  - 2003 م .

(25) (نشأة النحو العربي ...):  ص 44 - م. س .

(26) (خزانة الأدب): عبد القادر البغدادي - ج 3 - ص 413 -  الوراق - الموسوعة الشاملة (27) م . ن .

(28) (التبيان في شرح الديوان): أبو البقاء العكبري  - 1 / 173 - طبعة الحلبي .

(29) (نشأة النحو العربي ..): كريم مرزة الاسدي - ص 71 - م. س .

(30) ص 87 م . س .

(31)  (تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر): ابن أبي الأصبع  - 1 / 103 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(32) (مختصر تاريخ دمشق): ابن منظور - 6 / 241 - الوراق - الموسوعة الشاملة .

(33)  (شرح ابن عقيل): ابن عقيل العقيلي - ج 2 ص 263 - الشاهد 308 - راجع .

 

المزج بين المعنى الحسي والمعنى الذهني في شاهــدة

alwan slmanالنص الشعري وسيلة تعبيرية ذات طبيعة جمالية ودلالة اجتماعية للتعبير عن الذات والذات الجمعي الاخر وجدانيا وروحيا.. عبر فعل ابداعي يحققه المنتج (الشاعر) الذي يكشف عن حضوره الواعي المتقاطع مع الواقع والذاكرة..لذا فهو تجليات الذات المنتجة للكشف عن صيرورتها من خلال افراز الوعي الجدلي  القائم على: التقنية والجمالية..

   و(شاهدة) النص الشعري الذي تشكل الذات بؤرته المشعة  ومرتكزه الدال على الوجود بمحاكاته الزمانية والمكانية بتعبيرات مشحونة بطاقة انفعالية متوترة من اجل الحفاظ على العاطفة المتمردة ببناء يكشف عن روح مازجة ما بين التأمل والتداعي..

                  في حديقة الملح أرى رجالا غرباء

                  وأنا  امر معصوبة العينين

                  ليس ذنبي ان لم اصرح بالاسماء

                  فالقناديل اطفئت وانتهى الامر

   فالشاعرة تمازج ما بين الخيال والواقع لبناء صورها الفنية لتحقيق رؤيتها الجمالية بلغة رشيقة في صياغتها..غنية بايحائها..مشحونة بتمردها.. فضلا عن استنطاقها للرموز  الطبيعية وصورها بايجاز وتكثيف مع تركيز في اختيار الالفاظ عبر بوح ذاتي (منولوجي) للتعبير عن حالة نفسية بمضمون شعري مكتنز بتوتره الداخلي الخالق لرؤياه الابداعية..فكان نصها (تصميما محملا بقدرة من الحساسية) على حد تعبير هربرت ريد..

   فالشاعرة تحقق بناءها الشعري من خلال التجاوز والانزياح عن المالوف بوعي وقدرة على الخلق والتعبير فتعلن عن تجربة ذاتية لها مدلولاتها بصفتها تركيب فني يربط ما بين منتج ومستهلك بالفاظ خالقة لصورها عبر هيكلها الجمالي والفني.. كون الشعر (صياغة وضرب من النسيج وجنس من التصوير ..) كما يقول الجاحظ..

             لا أدري من ختم فمي بالشمع الأحمر

             صار الصمت صديقا أكرهه

             ربما أحصي على ضوئه اخطائي

             وانا اتسلق السلالم التي اتاحها لي هذا الصمت الوديع

   فالشاعرة تعيش حالة من الحوار الذاتي المستفيق على خطاب بوحي متوهج كي تشعر الاخر بعمق الكلمات التي توظفها في حقلها الدلالي الخالق لنص محتشد بالصور ذات الايحاءات النفسية العميقة وهي تعبر عن تجربتها بتلقائية وعفوية..اذ تسامي الوجد المحلق والزمكانية ليدخل في سر الانتظار الذي لايدرك الا عندما تكون الذات هي المفهوم القيمي للحراك الشعري.. حينها يتم الكشف عن انها تبحث في الممكنات كي تجد ما يعبر عنها باستجلاء يتناغم مع الحالة الشعورية والنفسية والذهنية..

              كانت الشاهدة الحجرية تجيد الكلام

               وأنا أُصغي لها والأمواج الحمراء تغمرني

               كنت اطيل النظر للنهر الممتلئ بجثث الضحايا

               كيف امحو السواد عن أصابعي           

               انا الشاهد الذي أنكر ما رأى

               أطوف بزورقٍ وحید وألمحُ أیدٍ تطلب النجده         

اطفو علی الموجة تدفعني الرياح                     

                نحو ساحل السلامه..

فالنص توهج الهامي ينسجه الخيال الشعري الممزوج بتكويناته الصياغية

وجمله المكثفة والفاظه البعيدة عن الايهام.. مع اعتماد الشاعرة تقانة التكرار الدالة على التوكيد والتي حققت وظيفتين عضويتين: اولهما الوظيفة الصوتية..وثانيهماالوظيفة التعبيرية المعبرة عن عمق الفكرة..                 

وبذلك قدمت الشاعرة نصا شعريا يقوم على مرتكزين اساسيين:اولهما الاتجاه السردي باستخدام اللغة الوصفية..وثانيهما التعبير الذاتي الذي يكشف عن روح مازجة ما بين التامل والتداعي.. اضافة الى تميزه بتتابع الصور التي تمزج بين معنيين: اولهما حسي وثانيهما ذهني بتشكيل بصري يتحرك وحركة الذات وتحولاتها الشعورية النابعة من معطيات واقعية بايحاءات تنطوي على دلالات مكتنزة بقدرتها البنائية ومضموناتها الانسانية التي تكشف  عن مشهدية  مشحونة بتموجات الذات العازفة على لحظات حركية الحواس وتناغماتها المنسابة مع ايحاء اللحظة الشعرية الكاشفة عن قدرة في تشكلات النص الشعري المحتضنة لقضايا الانسان وهمومه عن طريق التكثيف والايجاز والرمز(اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة..) على حد تعبير ادونيس....

 

علوان السلمان

...................

للاطلاع على نص: شاهدة للشاعرة رسمية محيبس

http://almothaqaf.com/index.php/nesos2016/906807.html

 

الغرائبية والانزياح في نص الأديب عبد الرزاق عوده الغالبي: زهرتي البيضاء

1- المقدمة: لا أكون مبالغة إن أطلقت على الأديب العراقي الأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي لقب أديب وشاعر الفقراء والمساكين ... المطَّلِع على أعماله شعراً وقصّاً يجد أن الهمّ الإنساني وهَمّ فقراء الوطن تحديداً هو المحور الأساسي الذي تدور حوله معظم نصوصه، وكأنه حمل قضاياهم في رأس قلمه ونفضه حبراً حاراً على ورق يحترق ...

أما النص الذي نحن بصدد الوقوف عليه فهو نص يختلف... هو جانب خاص من جوانب إبداعه ...

يرفع الستار عن العاشق المختبئ في أعماقه، في نص رمزي استخدم فيه بنات الطبيعة كأدوات طيعة في نحت مكونات عالمه العاطفي، لتكون الإسقاطات بنعومة ورهافة الحبيبة ومشاعره ...

نص يتناص كفكرة مع حلم ملك مصر بسبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخرى يابسات، ولا أدري إن كانت لي القدرة على تأويل حلم الكاتب أم لا... فما أنا بتأويل الأحلام بعالمة كما كان سيدنا يوسف عليه السلام، لكن أحاول أن أستشف لعلي أنجح ...

 

2- العنوان:

/زهرتي البيضاء/، جملة اسمية، مبتدأ وخبر مع ياء المتكلم الدالة على الملكية، ندرك منذ البداية أن الكاتب هو من يسرد، عنوان كاشف لمضمون النص، يشدّ القارئ للمتابعة ومعرفة الإخبار التالي ...بالإضافة إلى أنّه يعكس أيضاً رومانسية النص .

 

3- الموضوع

يبدأ الكاتب حلمه بحديقة غنّاء يملكها يقول أنها حديقة منزله (محيطه) وقد عبقت بشذا مختلف أنواع الورود والأزهار (والوردة عنده أنثى)، فهو محاط بالأناثي بتمثيلاتهن المتنوعة، أم أخت ابنة زوجة، وصديقة، وربما حبيبة عابرة، إلا واحدة وجدها متفرّدة، بيضاء متشحة أو متشربة بالسواد، عندما يخالط البياض سواداً هذا في علم الألوان يعني الكثير، والألوان عند الكاتب تلوّن نصوصه، هي جوهر من صفاء ونقاء أثقلتها الهموم فكانت وشاحاً أسود حجبت نقاءها !

سحرت الحالم وجعلته يدور حولها يريد حمايتها من أعين غريبة لفتتها كما لفتته، المروءة أهم مكارم الأخلاق وقد اشرأبت حتى تحولت إلى غيرة، ما كان منه إلا أن قطفها خوفاً عليها منهم واستئثاراً بها لنفسه، لن يدع أحداً غيره يشمّها، أو يقترب منهاملامساً أو مغازلاً، كيف تجرّأ وأقدم على ذلك وهو الذي يجلّ وروده ويعتني بها، و يعتبرها مسؤوليته وهو راعيها...!

قطفُها جريمة في عرفه ويُعاقب من يفعل ذلك، لكن الحديقة ملكه وهي وردته المدللة ولن يراه أحد وهو يقطفها، غلبته نفسه (طبع إنساني) بعد أن هام بها ...

وهنا تنقلب المسائل رأساً على عقب، يرى عالمها، هي غريبة من بلد يشتعل ناراً وموتاً، سجن كبير ماتت فيه كل الحيوات .. وانطوت هي على كينونتها وأقفلت عليها كل الأبواب بإحكام، لم يستطع الولوج إليها، أعيته المحاولات وعندما قطفها واحتواها عنوة ً غدا سجيناً معها في سجنها...!

صوت من غربتها ولعله قرينها يعيب عليه قطفها، و يصدر حكماً مبرماً: "تبقى أسيراً في ميسمها دهراً حتى تذبل ".

تموت الوردة حين تذبل، والحكم يموتان معاً، وهنا الكاتب يأخذنا مباغتاً، يخبرنا أنه نام نوماً طويلاً وما يدري هل استيقظ أم لا ؟

يباغتنا ...! المفروض أنه حلم واستيقظ منه، ليخبرنا العكس فيخلط علينا الواقع والحلم، باضطراب نفسه التي تاهت وهامت .

 

4- الهيكلية الإخبارية:

النص كتجنيس أدبي هو قصة قصيرة، يتبع المدرسة الرمزية بمسحة سريالية، ينطوي تحت نظرية الفن للفن التي تكثر فيها الألوان وتتلألأ فيها المعاني والألفاظ الجميلة.

والمدرسة

الرمزية اتجاه فني يغلب عليه سيطرة الخيال علي كل ماعداه سيطرة تجعل الرمز دلالة أولية على ألوان المعاني العقلية والمشاعر العاطفية.

وطغيان عنصر الخيال من شأنه أن لايسمح للعقل والعاطفة إلا أن يعملا في خدمة الرمز وبواسطته، إذ عوضاً أن يعبر الكاتب عن غرضه بالفكرة المباشرة، فإنه يبحث عن الصورة الرامزة التي تشير في النهاية إلى الفكرة أوالعاطفة

و كان من أبرز مؤسسي المدرسة الرمزية: الألماني جوته والأمريكي إدجار آلن بو وتبعهما فيما بعد كتاب وشعراء أمثال شارل بودلير،

وعندما يتناهى الرمز خارجاً عن الواقع والمألوف ننتهي إلى

 السريالية:surrealisme

الاصطلاح كلمة فرنسية مؤلفة من جزأين: sur و تعني فوق و realisme و تعني الواقعية و بهذا يصبح المعنى الحرفي لهذا الاصطلاح: فوق الواقعية .

 و ترى السريالية أن الكتابة الإبداعية كلها يجب أن تنطلق من الكتابة الآلية، أي الكتابة المنطلقة من آلية نفسية بحتة تتلقى أول ما يخطر في الذهن من كلمات و تعابير لتعرضها في تواردها النفسي بكل ما في ذلك من غرائبية و دهشة و تناقض، و على هذا لا يجوز للمبدع أن يتدخل في عملية الإبداع بوعيه التام، بل أن يتعلم كيف يجعل نفسه بمثابة الصدى ... عليه أن يتابع حياته الداخلية أو خياله كما لو كان مراقباً لا غير ... لقد علم " فرويد " السرياليين أن الإنسان " نائم " في المقام الأول و لذلك على السريالي أن يتعلم الغوص في أحلامه .

و يرى برغسون في فلسفته أن كلامنا الواعي و سلوكنا اليومي يتناقض مع رغباتنا و أن في أحلامنا صدقاً أكبر

في هذه النص يظهر جلياً أن لدى الكاتب حرفنة و قدرة على الجمع بين كل هذه المذاهب بقالب جميل يتلقاه القارئ بقبول حسن

 

*الزمكانية

الزمان: موسم شتاء في سنة معينة من سنوات عمر الكاتب الهاربة ...

المكان: حديقة منزله

 

*الصراع الدرامي (الحبكة):

يبدأ النص بتصوير رومانسي اعتمده الكاتب كعامل [تشويق] لجذب القارئ، ليذوّق المتلقي حلاوة ما يصف الكاتب، حديقة صغيرة (تتباهى) فيها الزهور، وزهرته البيضاء هي الأجمل، كأن السماء تميل بلونها قليلاً نحو شعر حكيم حسير الرأس ... الله ! استخدام محنّك لبنات الطبيعة، جنّدها الكاتب لتخدم معانيه، الزهور تفعل فعل الإنسان (تتباهى)، واستعار لون شعر الحكيم الأشيب لتكون السماء رمادية، نكاد نشعر بالنسمة التي داعبت أنف الكاتب بهالة ساحرة، جعلته يستغرق بوصف زهرته استغراق متعبّد... غريبة الشكل ! لم يعرفها قبلاً، غير مألوفة في محيطه،بيضاء صافية موشحة بسواد كدر وهم، اكتفى الكاتب بدايةً بالنظر إليها من فوق، من وراء حجب، وقد جنّد السحب لتكون تلك السواتر، نظراته وكلماتها الصامتة، التي ترتسم أمامه مكتوبة، في صفحة تخصه، في عالم خيالي كوّنته الأرقام والحروف والنقط، عالم افتراضي، عرفها فيه، تميزت فيه بين كل من عرف ... قمة في الاحترام والجاذبية .

وهو يكتفي بمراقبتها بصمت ..

(في حديقتي الصغيرة تتباهى الزهور، وبينهم هي الأجمل و الأعبق عطراً، ندى يبلل الوجوه ولون يتوسط البياض والسواد، وكأن السماء تميل بلونها قليلاً وتتجه نحو شعر حكيم حسير الرأس، نسمة باردة تحيي أنفي وتلقي تعويذة سحر، وتظل هي المدللة بين الزهور، شكل بري غريب لم أعهده من قبل، بيضاء يوشحها السواد، أنظر إليها كل يوم وأعيش في سحرها من بعيد، أكتفي برمي نظراتي من وراء السحاب، تتجاذب مع كلماتها الصامتة في حيز نفسي وخيالي أرقاماً و حروفاً ونقط، ومن لغة التجاذب والاحترام تبقي زهرتي المدللة شامخة بين الزهور ....)

 

لعل ذلك الرعد كان بداية الاتصال،

ليبدأ موسم المطر، والمطر عنده امتلاك .. قرر أن يمتلكها،

وهنا يبدأ الكاتب بوحه الوجداني ...

يطلعنا على خبايا نفسه ب stream of consciousness

بدأ الفرح يتسلل إلى عالمه، وبدأت العطايا ...كان الفرح قد غادره مع سنوات عمره التي هربت ماضية،

آخذة معها أحباباً قضوا تهجيراً أو موتاً، في بلد حصدت فيه الحرب

الكثير من الأرواح، واستوطن فيه محتل غاصب بغيض، رزح على صدور أهله سنوات حسبوها دهراً...

 ذاك بوح من شكوى أيضاً يزرعها الكاتب في حديقته التي اعتاد فيها زرع آلامه وأفراحه على حد سواء

وكل يورق من بذرته ...

(رعد خفيف يغطي الأفق فهو موسم المطر يوحي لك بالفرح والامتلاك، قطرات تبلل الوجوه وتعزف سمفونية الخير فوق الشبابيك والأبواب، وكأن السماء توزع هديَ الله الموسمي، وحديقتي الصغيرة جداً تحتفل بغيث الله وموعد النماء، وسنوات العمر الهاربة تهرول باتجاه معاكس، عقارب ساعتي تئن من ألم الفرقة والرحيل، كثر الوداع فينا وقلت العودة.... نفارق من نحب ونستقبل من لا نهوى، هي عود من شكوى أزرعه ذكرى في حقل يفتح جروحاً و يتفرع ألماً ويورق موتاً يدمي الذكريات....)

يتصاعد فيض سيل الوعي stream of consciousness عند الكاتب، عاكساً خلفيته الأخلاقية السامية ، هو يحترم كل ورود حديقته، والزهرة عنده أنثى بالغة تحيض، ولودة، ومرضعة أم، يكرمها ويجلّها، لا يفكر بقطفها أبداً، ويعتبر قطفها جريمة اغتصاب يعاقب عليها القانون ...

لكن أمام زهرته البيضاء يعطّل كلّ القوانين ...هي له .. في حديقته، وعالمه، وذهنه، هي حلم يسكنه، لابدّ من تحقيقه ... ولا يملك أحد أن يحاسبه ... صوت الأنا تصاعد مرتفعاً جداً، جسّده الكاتب مطراً يعزف ألحاناً قوية على الشبابيك والأبواب التي استحالت تحت وطأته آلات وترية تعزف قصراً كل سمفونياته ....وتضاءل صوت ضميره وأخلاقياته واستحال سماعه مع تصاعد الأنا ورغبة التملك والتفرد بزهرته الحبيبة ...

(أنا لا أقطف زهرة من زهور حديقتي مطلقاً، وأعتبر الزهرة مخلوقاً أنثوياً عجيباً فهي عندي تلد وترضع وتحيض، أعدّ قطافها جرماً يحاسب عليه القانون مادام أنا وحدي أقرّ ذلك...في حديقتي على الأقل .... هي ملكي وحدي و هو حلم يسكن ذهني حقيقة .... وهل يحاسبني أحد.....؟، اشتد صوت المطر في الارتفاع كثيراً وفي العزف على أوتار الشبابيك والأبواب، غرقت الوجوه والأوراق بالبلل اللطيف، هو سحر المطر الرقيق حتى ضاع صوتي في تلك الهدهدة واستحال سماع صوت نفسي وهي تخاطبني......)

ثم ينقلنا الكاتب بحرفية وصفية مدهشة إلى حالته وهو يتحضّر للقيام بما عزم عليه والذي هو في عرفه أصلاً جريمة، لكنه برّرها لنفسه واعتبرها مشروعة، اشتهى وجبة طعام مع كوب شاي يتلذذ به وكأنه يشحن طاقته، أسكره بسعادة غمرت أوصاله، أطال طقوس الشرب وكأنه ما شربه قبلاً، اللذة فرضت عليه ذلك، وضع على المطر (العشق) وِزرَ السِّحْر، فهو الساحر الذي ألقى عصاه السحرية عليه وعلى حديقته في هذا اليوم وأغراه بفعل أمر لا ترتضيه نفسه أصلاً ... نفسه (المطر) من كان ساحراً يتحوّل إلى (ضمير) يصرخ به أن: لا تفعل

 صراع عنيف بين (الرغبة) و(الضمير)، فمن ينتصر؟

(بلل لطيف يجعلك تشتهي الأكل و كوباً كاملاً من الشاي، وتعد رشفاته عدّاً وكأنك لم تشرب شاياً من قبل، تتمنى أن لا ينتهي هذا الكوب، اجتاحتني سعادة غامرة وسحر غريب وكأن المطر ألقى تعويذته السحرية في حضني ومرج حديقتي ذاك اليوم الموعود لأفعل، أمراً لا أرتضيه حين تفعل تلك التعويذة فعلها عندي، ويصرخ المطر في وجهي عالياً :

- "لا تفعل....لا تفعل.....!")

 

*العقدة:

سيقدم على فعلته، ينظر إلى زهور حديقته (أناثيه) وكأنه يراها لأول مرة، أعمى عينيه عنها واتجه مباشرة إلى مدلّلته، يسبقه الشوق، مسح عنها قطرات المطر، ثم مسكها من عنقها الرقيق وقطفها!!

أدناها من أنفه وغاب وهو يشمها ..

انفصل عن كل ما حوله ... لم يسمع حتى صوت المطر الغاضب (الضمير).. ولا حتى السحب (أقرانه) التي غادرت هاربة من هول المشهد، معيبة عليه فعله، تركته وعادت جنوباً

.الجنوب عند الكاتب هو وطنه، وعلى ما يظهر أن زهرته المدللة هي من الطرف المعاكس لموطنه تماماً، من أقصى الشمال، ومن دون أن يدري انتقل إلى هناك ...!

(نظرت لزهور حديقتي، وكأني أراها لأول مرة، تقدمت نحو مدللتي البيضاء بتوق وحذر، مسحتها، مسكتها من رقبتها الرقيقة، قطفتها، شممتها وغاب كل شيء....وحتى صوت المطر الغاضب الرقيق....وترحل الغيوم هاربة من المشهد مهرولة نحو الجنوب وهي تلوح بيدها مودعة)

 

*الانفراج:

كل شيء إذا ما تم و وصل الذروة ولو كان جريمة بالعرف، ستكون التداعيات هابطة تبحث عن الحل، ولو بأقل الخسائر، ولعل النسمة الشمالية الرقيقة قد هوّنت الواقعة، ننظر كيف يوظف الكاتب كل مكونات الطبيعة لتقوم بالعمل المناط بها وكأنها مؤثرات خارجية لمسرحية أو فيلم يقوم بتصويره، السماء تستعيد زرقتها، بعد أن غادرتها السحب الهاربة إلى الجنوب، هل هي إشراقة؟! وكأنها أمنة نعاساً بعد هزيمة ؟!تلك النسمة اللذيذة التي تنعش الجسد المنهك، فيرتكس لها بحمّى شديدة الحرارة يتفصّد فيها العرق غزيرًا، وهذيان يهتف: من أنا.. وأين أنا؟

ينقلنا الكاتب بخفة إلى عالم مدلّلته، هي من محيط يختلف تماماًعن محيطه، تضاريس موطنها لا تشبه موطنه، أشجارها ليست كبواسق موطنه وكذا جبالها والتلال، يقرص نفسه غير مصدّق هل هو نائم أم صاحي ؟ بحلم أم واقع ؟ ميت أم حي ؟تاهت منه نفسه، وطفا فوق الأشياء.

 وما زار الشمال يوماً

لكنه رأى بعينيها كل شيء فيه، دخان حرب أخرى وقعقعة حديد ونار، وصرخات ألم وجزع، كل ما فيها ينطق بالغموض والحيرة، لم يصدّق ما يسمع ..! عقلها مقفول على ما تعاني، ومفاتيحه الخارقة عجزت عن فتحه...!

ويجرّ أذيال الخيبة ويندب أملاً تبخّر في ولوج جنّتها .

ليأتيه صوت من ناحيتها، هل هو إيحاء ؟ ربما ..! يصرخ به: قطفتها ، شممتها؟ عليك حكم ...

(وتستعيد السماء زرقتها الأسيرة في سجون الطقس ... تهب نسمات رفيعة رشيقة من جهة الشمال تغسل الوجوه ببرد لذيذ يجعل الجلد يزحف قليلاً ......في هذا أحسست بحرارة شديدة تجتاح جسدي وعرق شديد يغمر كل أوعيتي، هادنني وعيي تماماً وأنا أتلفّت حولي تائهاً كالمخبول، لا أدرك ما يحدث، أسمع صوتي وأنا أقول:

- "أين أنا.... من أنا...!؟"

كل شيء غريب حولي، عالم مجهول منقوع بالدخان لم آلفه من قبل...أثّثه الله بقطع أثاث غريبة من تلال وجبال وأشجار لا مألوف فيها، ولم تطأ أقدام نواظري شبراً منها من قبل حتى في الأحلام، قرصت نفسي مراراً لكي أتأكد أني حاضر، وفشلت، حي فعلاً أم ميت، حالم أم مستيقظ.....؟ ذابت نفسي في نفسي وطفت فوق بحار الأشياء، اختلطت الأسئلة بالأجوبة، انحسر واقعي في حلمي تماماً وهو يبحث عن آثاري وكينونتي، واختلطت الأشياء في مخيلتي، أفكار صلبة مختومة بأقفال فولاذية تشير بإصبعها لأرض غريبة تفوح منها روائح الاختراق وأصوات النار وصراخ المجهول والغموض المطبق، استخدمت آلاف المفاتيح التي لم يألفها أحد....ترنحت أعضائي تعباً....سحبت كل المسافات وتبعثرت كل الآمال، ضاع الأمل في مفتاح يفتح باباً من أبواب جنتها.....صوت رن بأذني:

 

- "قطفتها....!"

أرعبني الصوت القادم من أرض الغرابة، أتلفت في كل الأنحاء، لم أجد مخلوقاً يتحرك عدت لنفسي وجلست القرفصاء، وأفحص ذاك الهم المخبوء في عقلي، عاد الصوت من جديد:

- " شممتها...!؟")

 

*النهاية:

الحكم: تبقى مسجوناً معها، مقيّدابحبها وفي قلبها، حتى تموت ...

هذا الحكم راق للكاتب فنام قرير العين، سعيداً ولم يدرك هل ما زال نائماً أم استيقظ ؟!

(- "من أنت..... أظهر نفسك....!؟" أجاب:

- "تبقى مسجوناً في ميسمها دهراً حتى تذبل...!"

غلبني النوم ونمت عميقاً ولا أزال نائماً ولا أدري هل استيقظت ....!؟

 

5- الهيكلية الجمالية (الأسلوب):

•السرد:

على لسان الكاتب، بأسلوب رمزي اتجه به عميقاً نحو السريالية، تخلله سيل الوعي

stream of consciousness

وحوار، الرومانسية الوصفية والتي اعتمدها الكاتب للتشويق، بدت واضحة مستنداً إلى العديد من السمات التي يعتمدها كتاب الرومانسية فالنص تغلب عليه:

 

- الفردية

_تغليب العاطفة على العقل للوصول إلى الحقيقة .

_الطبيعة ملاذ عذب، تشارك الأدباء في عواطفهم .

_استخدام لغة سهلة أقرب إلى لغة الناس.

_جمع المأساة والملهاة في نوع واحد سُمي (فن الدراما) الذي يجمع بين اللذة والألم .

- التعبير بالرمز الموحي الشفاف .

- غلب على كل الأدباء الرومانسيين تأثرهم بالرومانسية الإنجليزية .

 

•الحوار:

 

أجراه الكاتب على لسانه بتساؤل ودهشة: " أين أنا ... من أنا ... ؟!"

 " من أنت ..أظهر نفسك؟!

كما أجراه على لسان المطر (الضمير) باستهجان وتحذير:

" لا تفعل ... لا تفعل ...!"

وعلى لسان الطيف مهدداً متوعدًا، وحاكمًا: " قطفتها ...!؟"

"شممتها ... !؟"

 " تبقى مسجوناً في ميسمها دهراً حتى تذبل ....!"

كما كان حواراً داخليًّا في معظم النص، رمزياً بامتياز، يرميه الكاتب علينا من وراء القص تاركاً لنا أن نتخيّل ونستشف كل ما يدور بداخله من خلال إطلاقه صور لفظية مبهرة .

 

•الصور البلاغية:

النص باذخ جداً بالصور البلاغية، ولا عجب فهو نص رمزي سريالي ملوّن بكل ألوان الصور البيانية، عدا عن الرومانسية التي طبعت الطبيعة بكل صفات البشر...

فالزهرة البيضاء حبيبة مدللة، والمطر ضمير يتكلم ويؤنب، والسحب تغضب وتهاجر،وووو

سأحاول أن أحصي بعض الصور البلاغية .

- تتباهي الزهور = استعارة مكنية

- نسمة باردة تحيي أنفي وتلقي تعويذة سحر = استعارة مكنية

- السماء تميل بلونها وتتجه نحو شعر حكيم حسير الرأس= استعارة مكنية

- زهرتي شامخة = استعارة مكنية - قطرات تعزف سمفونية = استعارة مكنية

- كأن السماء توزع هدي الله = تشبيه

- حديقتي تحتفل بغيث = استعارة مكنية

- سنوات العمر الهاربة تهرول =استعارة مكنية

- عقارب ساعتي تئن من ألم = استعارة مكنية

- اعتبر الزهرة مخلوقاً أنثويا تلد وترضع وتحيض =استعارة مكنية

- أعد قطافها جرما = تشبيه

- ترحل الغيوم مهرولة = استعارة مكنية

- تهب نسمات رشيقة رفيعة= استعارة مكنية

- تستعيد السماء زرقتهاالأسيرة في سجون الطقس = استعارة مكنية

- لم تطأ أقدام نواظري = استعارة مكنية

- البياض و السواد= طباق

- كثر وقل = طباق

- الوداع،العودة = طباق

- نفارق ونستقبل = طباق

- نحب، لا نهوى = طباق سلبي

- حي، ميت = طباق

- حالم، مستيقظ = طباق

- أسئلة، أجوبة = طباق

 والكثير الكثير من التشبيهات والاستعارات والطباق والكنايات

 

•الشخصيات:

شخصية رئيسية: الكاتب، الزهرة البيضاء، الطيف

الثانوية: الأزهار، مظاهر الطبيعة

 

 6- الدلالات السيميائية:

زخر النص بالعديد من الدلالات السيميائية، تنوّعت بين ما يلي:

 

€ الدلالات النفسية:

ظهر جلياً انعكاس ذات الكاتب على الموضوع، لا غرابة فهو يروي الأحداث على لسانه يطلعنا عن خلفيته الأخلاقية، (أنا لا اقطف زهرة من زهور حديقتي مطلقاً، أعتبر الزهرة مخلوقاً أنثوياً تلد وترضع وتحيض، أعد قطافها جرماًيحاسب عليه القانون، أعيش في سحرها من بعيد،أكتفي برمي نظراتي من وراء السحاب،ومن لغة التجاذب والاحترام تبقى زهرتي المدللة شامخة)

 داخَلَ الجمل الاستفهامية والتعجب لتخدم توصيفه للحالة النفسية المضطربة (هل يحاسبني أحد ؟!، أين أنا .... من أنا ؟!، من أنت ... أظهر نفسك ؟!، ولا أدري هل استيقظت ؟!، حي فعلاً أم ميت ؟!حالم أم مستيقظ ؟!

الجمل القصيرة المتلاحقة عكست حال هلع و خوف برع الكاتب في جعلنا نشعر بها (ذابت نفسي في نفسي، اختلطت الأسئلة بالأجوبة،انحسر واقعي في حلمي، يبحث عن آثاري وكينونتي اختلطت الأشياء في مخيلتي، ترنحت أعضائي تعباً، تبعثرت الآمال، أرعبني الصوت القادم من أرض الغرابة،أتلفت في كل الأنحاء جلست القرفصاء أفحص ذاك الهم المخبوء في عقلي)

 

€ دلالات الألفاظ:

النص رمزي بامتياز كما أسلفنا

الزهرة البيضاء هي الحبيبة، وحديقة الأزهار هي محيطه والنساء الكثر في حياته، السماء يميل لونها إلى شعر حكيم حسير الرأس (رمادي)، الزهرة تلد وترضع وتحيض،تنظر إليها من وراء السحاب مع كلماتها الصامتة في حيّز نفسي وخيالي أرقاماً وحروف (عالم افتراضي)،

يصرخ المطر (الضمير) في وجهي

ترحل الغيوم مهرولة (الأصحاب)

عالم مجهول منقوع بالدخان، تشير بإصبعها لأرض غريبة تفوح منها روائح الإختراق وأصوات النار وصراخ المجهول والغموض المطبق (بلدها الذي اشتعلت فيها حرب شعواء)

تبقى مسجوناً في ميسمها حتى تذبل (حب حتى الموت).

غلبني النوم ونمت عميقاً (راحة مطلقة)

وسبق أن تحدّثت عن الصور الجمالية التي أدخلتنا إلى بيئة النص عموماً وبيئة الكاتب خصوصاً حيث شغلت الطبيعة معظم جوانب النص وأطلعتنا على شفافية الكاتب، ومدى رهافته ورومانسيته ...

 

 7- النهاية:

أتعبنا الكاتب فيها فلا نحن أدركنا إن كان في حلم واستيقظ منه، أم غرق في نوم بعد طول شدة تعب ؟!

وعلى كل الأحوال، لا أملك ألا أن أرفع التحايا لكاتب نقلنا عبر هذا النص المائز الذي حفل بالأعمدة الرمزية التي تناهت سريالياً إلى جو رومانسي اضطربت به المشاعر وهاجت حتى حارت، ثم سكنت تحت حكم لذيذ ...

أتمنى أن أكون قد وُفّقت في نقدي هذا .. تحياتي للأستاذ عبد الرزاق عوده الغالبي.

 

8- النص الأصلي:

زهرتي البيضاء

 في حديقتي الصغيرة تتباهى الزهور، وبينهم هي الأجمل و الأعبق عطراً، ندى يبلل الوجوه ولون يتوسط البياض والسواد، وكأن السماء تميل بلونها قليلاً وتتجه نحو شعر حكيم حسير الرأس، نسمة باردة تحيي أنفي وتلقي تعويذة سحر، وتظل هي المدللة بين الزهور، شكل بري غريب لم أعهده من قبل، بيضاء يوشحها السواد، أنظر إليها كل يوم وأعيش في سحرها من بعيد، أكتفي برمي نظراتي من وراء السحاب، تتجاذب مع كلماتها الصامتة في حيز نفسي وخيالي أرقاماً و حروفاً ونقط، ومن لغة التجاذب والاحترام تبقي زهرتي المدللة شامخة بين الزهور ....

 

رعد خفيف يغطي الأفق فهو موسم المطر يوحي لك بالفرح والامتلاك، قطرات تبلل الوجوه وتعزف سمفونية الخير فوق الشبابيك والأبواب، وكأن السماء توزع هديَ الله الموسمي، وحديقتي الصغيرة جداً تحتفل بغيث الله وموعد النماء، وسنوات العمر الهاربة تهرول باتجاه معاكس، عقارب ساعتي تئن من ألم الفرقة والرحيل، كثر الوداع فينا وقلت العودة.... نفارق من نحب ونستقبل من لا نهوى، هي عود من شكوى أزرعه ذكرى في حقل يفتح جروحاً و يتفرع ألماً ويورق موتاً يدمي الذكريات....

أنا لا أقطف زهرة من زهور حديقتي مطلقاً، وأعتبر الزهرة مخلوقاً أنثوياً عجيباً فهي عندي تلد وترضع وتحيض، أعدّ قطافها جرماً يحاسب عليه القانون مادام أنا وحدي أقرّ ذلك...في حديقتي على الأقل .... هي ملكي وحدي و هو حلم يسكن ذهني حقيقة .... وهل يحاسبني أحد.....؟، اشتد صوت المطر في الارتفاع كثيراً وفي العزف على أوتار الشبابيك والأبواب، غرقت الوجوه والأوراق بالبلل اللطيف، هو سحر المطر الرقيق حتى ضاع صوتي في تلك الهدهدة واستحال سماع صوت نفسي وهي تخاطبني......

بلل لطيف يجعلك تشتهي الأكل و كوباً كاملاً من الشاي، وتعد رشفاته عدّاً وكأنك لم تشرب شاياً من قبل، تتمنى أن لا ينتهي هذا الكوب، اجتاحتني سعادة غامرة وسحر غريب وكأن المطر ألقى تعويذته السحرية في حضني ومرج حديقتي ذاك اليوم الموعود لأفعل، أمراً لا أرتضيه حين تفعل تلك التعويذة فعلها عندي، ويصرخ المطر في وجهي عالياً :

- "لا تفعل....لا تفعل.....!"

نظرت لزهور حديقتي، وكأني أراها لأول مرة، تقدمت نحو مدللتي البيضاء بتوق وحذر، مسحتها، مسكتها من رقبتها الرقيقة، قطفتها، شممتها وغاب كل شيء....وحتى صوت المطر الغاضب الرقيق....وترحل الغيوم هاربة من المشهد مهرولة نحو الجنوب وهي تلوح بيدها مودعة وصوتها الراعد المبتعد ينبئ بصحو وشيك، وتستعيد السماء زرقتها الأسيرة في سجون الطقس ... تهب نسمات رفيعة رشيقة من جهة الشمال تغسل الوجوه ببرد لذيذ يجعل الجلد يزحف قليلاً ......في هذا أحسست بحرارة شديدة تجتاح جسدي وعرق شديد يغمر كل أوعيتي، هادنني وعيي تماماً وأنا أتلفّت حولي تائهاً كالمخبول، لا أدرك ما يحدث، أسمع صوتي وأنا أقول:

- "أين أنا .... من أنا...!؟"

كل شيء غريب حولي، عالم مجهول منقوع بالدخان لم آلفه من قبل...أثّثه الله بقطع أثاث غريبة من تلال وجبال وأشجار لا مألوف فيها، ولم تطأ أقدام نواظري شبراً منها من قبل حتى في الأحلام، قرصت نفسي مراراً لكي أتأكد أني حاضر، وفشلت، حي فعلاً أم ميت، حالم أم مستيقظ.....؟ ذابت نفسي في نفسي وطفت فوق بحار الأشياء، اختلطت الأسئلة بالأجوبة، انحسر واقعي في حلمي تماماً وهو يبحث عن آثاري وكينونتي، واختلطت الأشياء في مخيلتي، أفكار صلبة مختومة بأقفال فولاذية تشير بإصبعها لأرض غريبة تفوح منها روائح الاختراق وأصوات النار وصراخ المجهول والغموض المطبق، استخدمت آلاف المفاتيح التي لم يألفها أحد....ترنحت أعضائي تعباً....سحبت كل المسافات وتبعثرت كل الآمال، ضاع الأمل في مفتاح يفتح باباً من أبواب جنتها.....صوت رن بأذني:

- "قطفتها....!"

أرعبني الصوت القادم من أرض الغرابة، أتلفت في كل الأنحاء، لم أجد مخلوقاً يتحرك عدت لنفسي وجلست القرفصاء، وأفحص ذاك الهم المخبوء في عقلي، عاد الصوت من جديد:

- " شممتها...!؟" : قلت:

- "من أنت..... أظهر نفسك....!؟" أجاب:

- "تبقى مسجوناً في ميسمها دهراً حتى تذبل...!"

غلبني النوم ونمت عميقاً ولا أزال نائماً ولا أدري هل استيقظت ....!؟

 

د. عبير خالد يحيي

 

العصافير تنقر نوافذي ديوان جنان الصائغ

abdulelah alsauqتطل علينا جنان الصائغ بقصائد هذا الديوان لتجتذبنا بايقاعاتها الجمالية الى همومها الوجدانية وهي همومنا على نحو ما. القصيدة عندها لوحة كبيرة قوامها صور فنية صغيرة. تهمس بالصراخ وتصرخ بالهمس فكأنها وكأننا في مكان بكر تغني فيه العصافير والسواقي وتومض في اعيننا مخلوقات تخلب فينا ذاكرة العطر. مخلوقات هي كلمات. جمل تتدفق لتمنحنا القصيدة. القصيدة عند صاحبة الديوان ومنذ العنوان مغامرة جمالية تقود الى مساحات جمالية. وما اشق الدخول في التجربة وما ألذه؟ الشعر تجربة الموت تجربة الحياة تجربة فماذا بعد (.. ليْ أنْ اجربَ الكآبة ولي أن أجتنبَ الكتابة.) ففعلا أجرّب وأجتنب مضارعان لكنهما فعلان ماضيان. وهنا يكمن المكر الفني. فالكآبة كتابة والعكس صحيح ايضا. القصائد في هذه المجموعة الشعرية حوارات واسئلة وعناءات حتى لتبدو لنا الشاعرة على حافة الانهيار والاستسلام للتيار. لكن الانهيار معنى ممحو في معجم شاعرة العصافير التي تنقر النوافذ. فهية عصية على الآخر (إن أحرقوا أوراقي لن يحرقوا احتراقي، لو كسروا يراعي لن يكسروا إبداعي) والحروف تتداعى فتناغي المعنيين الاول والثاني اي المعنى المنطوق والمعنى المسكوت عنه. ولنا مثلا ان نلاحظ حرف القاف في سطر شعري قوامه خمس كلمات يتردد اربع مرات. بينا يتضامن حرفا السين والعين في السطر الشعري اللاحق بما يؤسس للقوافي الداخلية والمعاني الثواني. وقفة ميتا جمالية في قصيدة (ممنوعة انا) تقودنا الى وسائل الشاعرة في التصوير والتدبير. مجازها واقع وواقعها مجاز ومن ذا الذي يجد الحدود بين الواقع والمجاز؟ يفكك ابن سينا ت 428 هــ في كتابه اسباب حدوث الحروف طبائع الحروف وفي الصميم ق س ع. القصيدة في روضة جنان الصائغ ليست نصاً للمباهاة ولا تشكيلا للمحاكاة بل هي نتاج صادح في المعاناة. والمعاناة هنا ليست دلالية حسب بل هي معاناة جمالية. هي تبحث في الجمال عنه وله وبه. واكتشافاتها تتوفر على دينامية لن تفلح دون مشاركة المتلقي في صنعها. هي - القصيدة - تشتغل على مخيال المتلقي بعبارة اخرى ان الحوار في القصيدة موح انه استكمال لحوار سابق وللمتلقي ان يسهم في استكمال جمالية الحوار.. ففي قصيدة ارحل اذن او اذاً تبتديء القصيدة ببوح يختزل المقدمة ويترك للمتلقي الاسهام في تشكيلها. فعلان ماضيان يفضيان الى كم من لاءات ناهية : انتظرتك رجوتك النافية وتنثال لا الناهية لا تتركني لاترسم غب لا عطشى لمطر العبق ان لا ترحل ولاتدع لا تروِ. كل ذلك في اطار نت الصور الفنية الحارة الآتية من تفاعل المجاز والواقع وتبلور ادوات التشبيه الظاهرة والمستترة قارن معي : التشخيص (اسباغ طباع الانسان على غير الانسان) فللساعات هواجس وللمسافات قلق (مثلا) وثمة التجسيم (تحسيس المعاني او المجردات) الوهم يرسم والانتظار يحرق والحلم يغادر والذكريات تحاصر والأمل يغرب (مثلا) زد على ذلك تفعيل الاسئلة التي لا تنتظر جوابا. الاسئلة الاسئلة. القصيدة اسئلة تفضي الى اسئلة. قل لي: كيف لي / قل لي: ماذنب النوارس / ماذنب الذكريات / هل..يناديك الخراب .. ويرى ادونيس ان الشعرية وهي مركزية الجمال في النص ليست حاصل تقنيات القصيدة فقط بل هي تماهي الشعر بالشاعر وتماهي الاثنين بالمتلقي. وفي قراءتي لقصائد جنان الصائغ وجدتني داخل تجربة شبابية تمتح من ماهية الموهبة والتجربة الموسومتين باسلوبها في تَخْليق القصيدة. هل قلت الأسلوب؟. نعم الاسلوب في الشعر وغير الشعر هو مزية الانسان كاملة. اسلوب جنان الصائغ في تخليق القصيدة اسلوبها هي وعليه بصماتها هي. القصيدة عند جنان صورة كلية كبرى هي حاصل تكوينات الصور الفنية الصغرى كما لو اننا قبالة لوحة جدارية كبيرة قوامها لويحات او مخلوقات تسهم في تكوينها. كما لو اننا مع سمفونية تتَكَوَّنُ مِنْ عِدَّةِ حَرَكَاتٍ، تحكي لنا مَوْضُوعاً أَوْ حِكَايَةً او تحكينا. وذلك يعني انها شاعرة متميزة عن سواها من الشواعر والشعراء بخصوصيتها. ويمكن اختزال تجربة قصائد العصافير تنقر نوافذي بعبارة قصائد الصورة... قارن معي للمثال ارحل إذاً..

انتظرتك بهاجس الساعة.

وقلق المسافات حتى بكت محطات صبري

رجوتك.. أن لا ترحل يا سندباد الحلم

ولا تدع زهور الدقائق تذبل في أفول نجمك

لا تتركني كأوراق الخريف

يقلبني جمر الانتظار

..

فيتطاير شعري مشتبكا بالريح

لا ترسم على عتباتي وهمك الوردي

الاعذار.. لا تروِ احساسي بالوجد..

وأنت مغادر كحلم فراشة بيضاء

قل لي: كيف لي.. أن أوقظ شمسي بكفيك وأغفو كشهرزاد؟

وأن أحبس في شفتي قبلات ٍ غادرها البحر؟

يا أنتَ.... يا خطيئة القصائد البربئة

قل لي: ماذنب النوارس تتساقط كالشهب

فيهجرها الموج؟؟

ماذنب الذكريات كي يحاصرها نسيانك الوئيد؟؟.

يا بقايا الأمس الجميل والقادم الحالم

يا أيها الناسك في محراب حروفي

المخبوء في وكر ذاتي..

هل..يناديك الخراب في مدني

وملائكة العشق في صدري

تناديك للرحيل.. ؟

ارحل إلي أذاً.. قبل غروب الأمل

 

عبد الاله الصائغ مشيغن المحروسة  التاسع عشر من مايس 2016

 

مجموعة: أنا وأنتِ لأحمد الخميسي .. التشبث بالأمل

ezat rashad"ليس من السهل أن تعلِّق عشرين رجلًا مرة واحدة" لكنهم فعلوها في.. "ليلة بلا قمر"، برابرة قِدام ومعاصرون، لا يحبون الكلام.. "اغلق فمك. إنه طريق الشيطان إلى المؤمن"، علَّقوا العشرين بعد أن شنقوهم ثم أخذوا يفحصون الغنائم.. "خواتم بفصوص كريمة ومسامير من الذهب.. إلخ". ولهذا لن تعييهم الحِيلة لتعويض المشنوق الناقص.. "ننتظر إلى أن يرزقنا الله.... ويفك كربنا"، يقتلون بدم بارد ولديهم ميكانيزمات تسويغ للجريمة وترييح للضمير، ولهذا سيمسح أحدهم وجهه بيديه بعد القتل مباشرة ويرفع يديه بالدعاء.. "لك الحمد والشكر".

الأمل في "روح الضباب" ليس مصادفة بل خيار وجودي، كما لن نحتاج التفتيش عن البرابرة فهم واضحون، حتى لو لم يظهر أحدهم في المشهد القصصي المُروِّع، حيث.. "تنحل الطرق وتذوب جوانبها أمام عينيه"، وآثار بربريتهم واضحة.. "صرخات صغيرة من حوله وفوقه تهرس أذنيه برنين أبيض قاطع" وذاكرة تتقلب.. "كان الناس يُقتلون ويُعذبون أمامنا و..." هل كانوا مثل "كيفين كارتر: المُصوِر الذي التزم بدور المتفرج ثم عجز عن احتمال اللوم فانتحر؟"، أيًا كانت الإجابة فها نحن نصل إلى.. "البقاء هنا انتحار"، وبينما تستمر كابوسية واقعنا فإن السارد يختار أن ينهي قصته بهذه العبارة المفتاح لأغلب قصص المجموعة: "لايمكن أن يحكموا علينا بالعزلة والموت. سنخرج معًا. سأمشي بجوارك لا أفارقك خطوة بخطوة".

 

الأمل في علاقته بالحب:

عن تجاوز المسافات الجغرافية والنفسية، وعن انهيار الجدار

الأمل في خلود الحب لا يكابده المتصوفة وحدهم، بل قد يحدث في حياتنا العادية، وإن في أحيانٍ نادرة؛ هذا الأمل يتجسد في قصة "أنا وأنتِ"، حيث المقاومة المستميتة للفناء.. "يجلد قلبي أمل لا يموت"، حتى لو أن الحبيبة منذ سنوات.. "تمدين بصرك إلى الجدار الأزرق الفاتح خلف ظهري"، حتى لو كابد السارد.. "ثمت قلق ومحبة وعزلة مؤلمة"، حتى لو لم تكُّف الحيرة عن تعذيبه.. "فقط لو تقولين لي من منا الذي..... لم يعد يرى الآخر؟" في قصة تُشبه صورة غائمة يحطِّم فيها الحب الجدار بين الحياة بالموت، كما يختلط فيها الواقع بالحلم وبالمتخَيل والمُتوهَم.

في قصة "سأفتح الباب وأراكِ يومًأ" التي تبدو كقصيدة عشق خالص، صوفي المنحى.. "كل ما يفصلني عنكِ يغرقني، كل ما يصلني بكِ يُغرقني"، لا ينفك الأمل يلعب دور البطولة ويتحدى.. "حتى لو لم تظهري أبدًا سأراكِ"، لأن.. "ما جاء وردة، يرحل وردة"، ولأنه العاشق الذي.. "وحده لم يفقد الأمل...، وحده.... أكبر من اليأس" ولأنه لا يُصغي لمن يقولون له.. "عليك أن تذعن للفراق، كما يواجه الإنسان موته بشجاعة المرة الأخيرة للشجاعة"، لا يُصغي بل يُصر على فتح الباب والانتظار، ولكن... "لا صوت ولا صدى"،، ولا لحظة لقاء قبل النهاية، فقط.. "سأفتح الباب وأراكِ يومًا".. وهذا الأمل لا يمكن لأحد أن ينتزعه منه.

"أليونا" تبدو كأنها قصة التوق الذي لا ينتهي إلى الحب، التوق الذي يجعل رجل في منتصف العمر متزوج ولديه أبناء وحياة مستقرة "أي رتيبة بمعنى ما"، يُغرم بمراهِقة لم تكد تخرج بعد من طور الطفولة، "أليونا" قصة التمزق النفسي بين هذا الحب وبين ما سيترتب على تحققه من تداعيات، ويبدو السارد "المتعقل بمعنى ما" قد اختار أن يبتعد ويظل يكابد الرغبة والأمل في رؤية أليونا مجددًا؛ وعندما يلتقيها بعد سنوات طويلة في ظروف لا تمنع تحقق هذا الحب يكتشف أنه.. "لم يكن يشتهي أليونا طوال هذه السنوات"، ربما كان يتوق إلى احتياجات... تخصه، يكتشف أنه.. "لا يحبها، لم يحبها من البداية"، كاشفًا النقاب عن اشتهاء خفي لديه كرجل لحب "أليونا: وهم مكابدة الحب المُحرَّم، الحب المستحيل، ما يشير إلى أن كل ""رجل"" في الغالب، يصنع "أليونته" بنفسه.

 

اقتناص لحظات مؤثرة وشخصيات ذات حمولة إنسانية عالية

في قصة "الخطوبة": نتعرف إلى رجل يستعد لاستقبال شاب آت ليطلب يد ابنته، وهو من فرط القلق والترقب ينشط ذهنه ويستبِق الحدث بتخيل ردود أفعال الزائرين.. "يسترقون النظر ألى ما حولهم/ يمهد والده الطريق بحديث موزون عن أن الطيبين للطيبات"، حائر.. "هل يهز رأسه ببطء محتميًا بالوقار والرصانة؟ أم يُطلق فرحته لتتواثب في عينيه؟ أم ..؟" هذا الأب يبذل جهدًا، يشيل ويحط، ويعيد ترتيب المكان من أجل أن يبدو أفضل ما يُمكن، ثم يرتج من فرط الذهول عندما يرتفع صوت والد العريس بالطلب المتوقع تمامًأ.. "يُشرفنا نطلب يد ابنتك". وفي لحظة مكثفة تتزاحم الصور.. "صور بيضاء من الطفولة والأبوة والحب رفرفت قبل أن يطمرها الزمن القادم"، والمقصود بالزمن القادم.. "انسلاخ حياتها عن حياته"، لحظة مكثفة فيها.. "فرح رقيق داخل حزن"، وسعادة.. "كيف يمكن أن تكون مؤلمة هكذا!!".

الأمل في القيم الانسانية النبيلة يتجسد في قصة "بالميرو"، حيث المفاجأة الطريفة.. "هذا بيت وليس كافيه"، وحيث.. "بالميرو من الناحية الأخرى"، بينما يبقى الأمل في وجود بشر يحتفون بالإنسان أيًا كان اسمه، جنسه، عمره، وظيفته، لونه، جنسيته، دون أن يتوقف كل شيء على أن.. يدفع الحساب، سواء في "قلعة محج" أو في غيرها.

ذاكرة طفل في السادسة من عمره هي البطل في قصة "بيت جدي" حيث يشير السارد ضاحكا إلى أن طرافة ملاحظات الطفل لن تنفصل عن مآخذ سيسجلها تاريخه الشخصي على من سيخذله، وكأنه بهذا ينبِّه من يهمه الأمر: أحسنوا معاملة أحفادكم لأن كل شيء سيُحكى أو سيُسرد. فصورة الجد العظيم النبيل القديس "هذه الصورة المفتعلة" مُحطَمة هنا تمامًا ومُستبدَلة بأخرى حقيقية: جدٍ كسول واسع الخيال وكثير الأكاذيب ولا مثيل لطرافة الحكايات عن نوادره وقفشاته.. "الكُتب التسعة التي تألفت منها كل مكتبته" و.. "يُطري الليمون بدعكة في فروة رأس من يقع منها تحت يديه"، و.. "كان جدي معلمًا بالمدرسة ثم رفتوه لأنه نِكدي وكل يوم بخناقة"، و.. "كان أستاذًا في "المريسة"؛ ولكن أيضًا هذا الجد... "إذا تسللت أصابع أحدنا الصغيرة لأكثر من نصيبه لسع جدي عليها بكفه الثقيلة، كان يراقب الجميع بعينين مفتوحتين وهم يأكلون ليضمن أن الخبز سيكفي الأفواه النهِمة كلها وأن عدالة الفقر ستتخذ مجراها"؛ نزْع الطفل السارد القداسة أيضًا عن العائلة ككل بالكوميديا أكثر مما بالتهكم.. "سُمعتنا العطِرة (أمراض جلدية) لم تمنعنا من مواصلة دورنا الرئيسي وهو النمو في الشارع العِرَّة المُسمى بشارع السروجي". أما الجدة التي هي حمامة مستكينة فقد إزداد حوَل عينيها بعد أن ضيَّع الجد "الصقر" أرضها، وصارت بطيئة الحركة نادرة الكلام مع فشله في مشروعه الاستثماري: "دكان"، ولم تفرد جناحيها في وجه هذا الصقر إلا مرة واحدة عندما عزم على رفع قضية على اخوتها.. "إذا رفعت قضية هأسيبلك البيت وأمشي"؛ كما تفترش الأم مساحة معتبرة، أما "سعاد" أخت نُصْحي فهي حب الطفولة الأول.

بيت جدي قصة مكان مختلف، زمان مختلف، ولكن جوهر إنساني واحد مهما تنوعت مظاهره، وهي تبدو مثل فصل من رواية سيرة، لا تُبجِّل الماضي ولا تُهوِّن من شأنه، سيرة توسِّع من المجال البصري تاريخًا وأجيالًا في المقام الأول.

& وإذا كانت القصص السابقة قد استمدت جمالياتها من اختيار لحظات مثقلة بالمعنى وشخصيات ذات حمولة إنسانية عالية، واقتنصت قدرتها على الإدهاش من تعقيدات دواخل البشر وعدم وضوحها، واكتسبت زخمها من تفصيلات وجزئيات موحية وذاكرة مفتوحة أفقيًا: على عالمنا اليوم: بلدان وشعوب أخرى، وتاريخيًا: حرب 1956 وغيرها، كما اتكأت في شعريتها على ضمير المتكلم في أغلب القصص لكي يناسب كشف أعماق وأغوار الشخوص، ولهذا احتاجت في سردها إيقاعًا هادئًا بما يكفي لتأملها وكشف خبيئتها؛؛ أما القصص التالية فأتصور أنها اختارت التكثيف والاقتصاد اللغوي وهذا القص القصير اعتمد التجربة المناوءة، فهي ليست حكاية آدمي يستعيد حقيقته كعصفور، وآخر يتحول إلى شجرة، أو مرآة قررت ألا ترانا، ليست كذلك حكاية قمر خاصمنا وكفَّ عن إلهامنا، أو طفل يأكل الماء، بل هو خيار جمالي بعدم التشبث بعالم "واقعي" مستهلَك، وكذلك بتفكيك الثابت وتشييد بدائل وخرافات صغيرة، ولهذا اتسعت رغم قصرها لظواهر مثل: التناص مع بعض الأساطير والحكايات القديمة، واعتمدت التداعي الحر أحيانًا، كما تلاعبت بالمفاهيم القاطعة للزمان والمكان، ومالت للتجريب كما استخدمت تقنية الكتابة عن الكتاب في إحدى القصص.

 

الواقعية السحرية بدلًا من واقعية الدمار:

&في "سماء ضائعة": رحلة فقد واستعادة السماء "أو: الحرية والكبرياء المنتهك"، فبعدما اعتادت العصافير مع جريان نهر الزمن أن تكون.. "سماؤها برك المياه في الشوارع"، كما ألِفت مناقيرها.. "ضرب الأرض بحثًا عن فتات الطعام وقطرات من الماء"، ولكن يحدث أن تضيق بها الأرض.. "وقف عصفور بقميص نصف كم وسروال أزرق أمام محل يسأل صاحبه عملًا"، ويتعرض للغبن والإذلال، عندئذٍ يضرب ويضرب حتى يستعيد "عن قصد أو غير قصد" مكونها الطيري، فخطواته.. "أقرب إلى خطوات جده العصفور الأول"، كما تصلَّب أنفه...، و.. "هزته فطرة عريقة...... ورفرف بذراعيه بحثًا عن السماء الضائعة". التي هي قد تكون رمزًأ للحرية الضائعة، أو للرقي أو الكرامة الضائعة أو غيرها، لكن يبقى الأمل في استعادتهم مرفرفًأ.

تبدو قصة طرح القلب مثل سيرة تحول الكائن من.. وإلى، حيث الفوح هو أول ما لاحظه السارد.. "شم في أنفاسه العطر ذاته، أدرك أنه هو مصدر ذلك الفوح"، عندئذٍ "وبعيدًا عن الأسباب" يبدأ التحول في الحدوث.. "قدميه وساقيه قد تخشَّبت/ أصابع قدمه تطول وتنغرز في التربة/ ذراعيه تستطيلان لأعلى كفرعين/ مالبث الورد أن نما من خصره وصدره وعنقه". نمت الشجرة وحولها نمت الأساطير.. "كل من يجلس تحتها يغدو متيمًا مولعًا"، حتى تحولت إلى مزار سُمي "طرح القلب"، وتنتهي القصة بغرابة حاضرنا.. "مازالت الحديقة مزهرة إلا أن البعض يعبر اليوم بجوارها مسرعًا فلا يراها.   

&في قصة "مرآة": لا يبدو أين يبدأ الحلم.. "ينظرون إليّ معًا برصانة وصمت"، أو متى يتحول إلى كابوس.. "أحسست بالمكان خاويًا موحِشًا"، أو كيف يتحول العقل إلى مرآة تومض في العتمة.. "يظهر حقل ممتد... عفاف التي أحبها منذ الصِغر. عين جدتي الطيبة الحولاء. أمي ممسكة بكفي نقطع شارعًا طويلًا ..إلخ". أو حقيقة مشروعية هذه التخوُّفات.. "إذا فارقتني هذه الصور فلن أرى نفسي ثانية".

وفي مستوى آخر تحيلنا "مرآة" للهموم الفلسفية حول حقيقة الميلاد، وأيهما الأصل: الموت أم الحياة؟ وعن الذاكرة والحياة: من منهما تحمي الأخرى؟ وفي الغالب لا نهاية للمرآة ولا حتى بتهشمها.. "كما يشعر الأعمى بالضوء على جلده، شعرت بالظلام الذي يعم، لكني لم أره".

قصة "النور": لا تنتقد التقدم التكنولوجي والاستغلال المجحف للطبيعة رغم أشارتها إلى كوننا نحن البشر من دمرنا القمر "وتجسيد ذلك في شخصية الصياد"، لا تفعل ذلك بل تقترح أسطورة جديدة لتفسير مجافاة "السماء أو الطبيعة" لعصرنا، حيث.. "أخذ الصياد الذي صاد القمر يحطمه بمعول ضخم إلى قطع وشظايا صغيرة"، وبعد تعبئته وبيعه واستثماره.. "أصبح في كل بيت نور، لكن لم تعد السماء تلهم البشر دروب العشق".

&قصة "الصبي الذي يأكل الماء": قدمت فجاجة الواقع: الطفل الجائع ومثل ملايين، ثم أشركت القارئ في كيفية الكتابة "الكتابة عن الكتابة" عندما قال السارد.. "خطر لي أن أجمع معلومات عن الأطفال الذين يشبهونه" وهكذا بدأ بجمع وثائق مشحونة بالدلالات، ثم بدأ بين كل وثيقة وأخرى ينمو الحدث القصصي المتخيل.. "لابد من اسمٍ للصبي، ولابد من مكانٍ يعيش فيه" يفكر السارد المؤلف، هذا التناوب أو التضفير بين الواقعي الوثائقي الجاف وبين المتخيل الإبداعي لقصة واقعية عن طفل جائع فقير خففت منه إضافة صورة شعرية مائزة هي صورة الصبي الذي ينمو على الماء مثلما تنمو الزهور، هذه الصورة المفعمة بمقاومة الموت وبالأمل في الحياة، التي تعيدنا لقصة "روح الضباب"... "إن فقدنا الأمل.. نكون قد فقدنا كل شيء".                     

"أنا وأنتِ" كتاب يجمع خمس عشرة قصة متنوعة ومتباينة الحجم من صفحة واحدة إلى أكثر من خمسين صفحة، أي أن بعضها قصص قصيرة جدا وبعضها متوسطة وبعضها قصص طويلة، وكلها تحتفظ بجوهر فن القصة القصيرة، وهو الكتاب القصصي الرابع للكاتب الصحفي والناقد والقاص أحمد الخميسي بعد: قطعة ليل، وكناري، ورأس الديك الأحمر؛ أو الكتاب السادس إذا أخذنا بعين الاعتبار كتابين آخرين ساهم فيهما مع آخرين "الأحلام، وطيور الكرنفال" مع: أحمد هاشم الشريف، محمود يونس؛ و"الأجيال الثلاثة" مع: عبد الرحمن الخميسي وآنا أحمد الخميسي".

 

بقلم: د. عزة رشاد

..............................

هوامش:

-"أنا وأنتِ" مجموعة قصصية إصدار دار كيان للنشر - القاهرة 2015

-د. عزة رشاد كاتبة وروائية مصرية معروفة صدر لها: " نصف ضوء"، و" بنات أحلامي" و" ذاكرة التيه" و" شجرة اللبخ

 

قراءة في المجموعة القصصية: رقصة الجنازة للقاص إدريس الجرماطي

ridowan alrokbiأول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoekالعنوان على النحو التالي:" مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."

وتأسيسا على ما سبق يتكون عنوان مؤلف القاص إدريس الجرماطي من مفهومين بارزين هما رقصة / الجنازة. يعبران عن تداخل الواقعي بالخيالي لرسم تصور واضح، يعكس طبيعة التجربة القصصية الموسومة بالعمق في تناول القضايا برؤية جديدة لم نألفها في الكتابة القصصية.وهذا ما جعل الكاتب يعنون مجموعته القصصية بعنوان القصة الأولى في هذه المجموعة القصصية رقصة الجنازة، كمقطع قصصي استهلالي يشكل بؤرة المجموعة ويبين تمفصلاتها الأساسية. وفي الوقت ذاته يشكل خلخلة واستفزاز للقارئ، يجعله يقبل بنهم على قراءة هذا العمل لفك طلاسيم هذا العنوان. ويدرك علاقة الرقصة بالجنازة، فإذا كانت الرقصة تحمل طابعا فلكلوريا يتسم بالفرح والسرور، فان ارتباطها بالجنازة كقداس مشحون ببعد ميتافيزيقي يجعل الرقصة تأخذ مدلولا جديدا يربط برؤية خاصة لطبيعة الغربة والتيه الوجودي للإنسان في زحمة مجموع قصص هذه المجموعة والذي تفصح القراءة الكلية للمجموعة القصصية عنه.

ومن هذا المنطلق فالعنوان يفصح بقوة عن موضوع المجموعة القصصية، الموسومة بغرابة عناوينها (خارج السطر، ملائكة لم تمت بعد، الحصاد في قرية ذابلة، مراسيم الجوع...) بمعنى أن القاص إدريس الجرماطي يفكك التجربة القصصية الحديثة ويعيد تشكيلها وفق رؤية جديدة مشحونة ببعد تأملي فلسفي في أعماق كينونة الإنسان، وهذا المدلول يتأكد من خلال التوغل في قراءة المجموعة القصصية، (رقصة الجنازة، سقوط حر، ملائكة لم تمت بعد....) حيث يبرز المؤلف في مواقع مختلفة طبيعة التجربة الجديدة التي يمر منها الكائن البشري في صيرورته، وهي تجربة استدعت اقتراحا فنيا جديدا يلائمها، ويحملها إلى القارئ الجديد، وليس ذلك الاقتراح الجديد سوى القصة الجرماطية، برؤاها ومضامينها وأنساقها الجمالية.

تتميز لغة الجرماطي بكونها تتجاوز استخدام اللغة الطبيعية الواقعية المباشرة التي تنبني على الخاصة التقريرية الجافة الخالية من كل رونق بلاغي وجمالي. فالقاص إدريس يوظف في بعض الأحيان تعابير قائمة على المجاز والمشابهة واستعمال الرموز لتشخيص الأحداث والمواقف وتجسيدها ذهنيا وإحاليا وجماليا. وهذا يوضح أن إدريس قد استفاد من التقنيات الغربية على مستوى الكتابة القصصية (المنولوج. الأسلوب غير المباشر الحر. فلاش باك. استشراف المستقبل...).

 فقد استند الكاتب على السرد ليقترب من الواقع أكثر لمحاكاته وتسجيله وتشخيصه بطريقة تراجيدية تعتمد الرمز والإيحاء، تجعل المتلقي لا يدرك المعنى ولا يمسك بخيوطه إلا عند آخر كلمة في القصة، كما في قصة رقصة الجنازة، الأحلام، في الطائرة... وفي نفس الوقت يلتجئ إلى الحوار قصد معرفة تصورات الشخصيات وتناقض مواقفها، (ملاك النوم، مجرد مرآة، بداية النهاية، عيون تدمع...) كما التجأ إلى المنولوج (مواجهة بدون جمهور،أوراق سجين،...) للتعبير عن صراع الشخصيات وتمزقاتها الداخلية ذهنيا ونفسيا، كما يحضر أسلوب سردي آخر يسمى بالأسلوب غير المباشر الحر الذي يختلط فيه كلام السارد مع كلام الشخصية، ولعل هذا ما سيجعل قراءة المجموعة القصصية صعبا في إدراك المعاني الثاوية وراء هذا الأسلوب، مما يحتم على القارئ التزود برصيد معرفي مستوحى من البيئة الفلسفية، ليفك بعض رموز وإيحاءات هذه النصوص القصصية. يقول في قصته: كانوا.. (انتم ذلك الواقف مصنوع بخليط يسمى الإنسان) وفي قصة: الروح والتمزق نجد ما يلي: (أأنت الجسد والروح؟ بودي أن اعرف من يسكن منكما الآخر؟ وكيف يسكنه؟ وكيف يقع الرحيل؟..).فهي لغة متعددة الأبعاد ترصد الواقع بتعددية متناقضاته، لتغوص في أغوار الذاكر تنبشها لخلق رؤية جديد في السرد العربي.

إن الصورة الإنسانية للشخصية في هذه المجموعة لا تتحقق بذاتها، بل بواسطة الكائنات والفضاءات التي تحيط بها وهذا يعني أن إدريس الجرماطي يعي كما أكد لي في إحدى لقاءاتنا أن الوعي الإنساني الكوني الكامل لصورة الشخصية إنما يتحقق على مستوى التلقي وليس على مستوى التشخصن الكلاسيكي الذي تحدده المرجعيات والاديولوجيات، التي تظل محدودة الإدراك، وهذا ما جعل القاص يختار في كثير من الأحيان، شخصيات ذات جذور عالمية (البيرتو، كابرييل، البير، بوتيرو، ستانلي...) وفي بعض الأحيان شخصيات ذات جذور عربية: ( ميلود، ليلى، عيس: بمعنى إدريس كما أفصح لي الكاتب. سليم...)  مما يوسع دائرة الوعي بكينونة هذه الشخصية.

 فشخصيات الجرماطي تتضافر مع مكونات قصصية أخرى كالفضاء والإيقاع والتلقي لتكون عملا قصصيا. لهذا لا يمكن تحديد صورة الشخصية باعتبارها مكونا واستخلاص سماتها إلا بوضعها ضمن سياقها الجمالي والأسلوبي، وذلك بضبط قواعدها الفنية التي تستند إليها الصورة عموما.باعتبارها تجسيدا جماليا وفنيا على مستوى اللغة والتعبير.لان الشخصية في رقصة الجنازة لا تؤدي وظيفتها إلا ضمن سياقها النصي الكلي، ولا يمكن أن تكون إنسانية في أعماقها إلا إذا أقنعت المتلقي بصدق متخيلها السردي. وهذا ما نلمسه في هذه المجموعة القصصية. وعلى هذا الأساس فان البعد الإنساني هو الذي يحدد هوية صورة الشخصية ومفعولها الحيوي في رقصة الجنازة ويكسبها حيوية وخصوبة في تلقي البناء التشكيلي لهذه الصورة عبر امتداداتها الإنسانية الكونية وإيقاعاتها الدينامية و المتوترة.

وعلى العموم فالمجموعة القصصية رقصة الجنازة، تضم 62 قصة قصيرة تعبر عن عمق المأساة الإنسانية، وعن التيه الوجودي لهذا الكائن في زحمة أسئلة انطولوجية تؤرق القاص إدريس الجرماطي، فيبحث لها عن أجوبة في عالم السرد القصصي الموسوم بأسلوب فني يتميز بالكثيف والاختزال واقتناص اللحظة الزمنية العابرة، وبلغة شاعرية قل نظيرها في الحساسيات السردية المعاصرة، والتي تمتزج فيها ضراوة ومرارة الواقع المعيش للقاص، بتطلعات استشرافية إلى غد يحفر في الذاكرة معاني الإنسانية الخالدة.

فرقصة الجنازة هي سنفونية سردية تتراقص على إيقاعات التشكيل اللغوي والتصويري الذي يعكس جرح وكلوم الأمة العربية، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات. فالخيط الناظم بين جميع قصص المجموعة القصصية، يتجلى في طبيعة اللغة المائية المتسمة بقصر دفقاتها الشعورية، على مستوى الإيقاع السردي المتجلي في الاختزال الدلالي والتكثيف الإيحائي، الذي يختزل جوهر العملية الإبداعية عند إدريس الجرماطي، الحاملة لرؤية خاصة تميز كتاباته القصصية كم نجد في كتابته الأولى (رحلة في السراب، وعيون الفجر الزرقاء). فالقاص إدريس الجرماطي مهووس إلى حد الجنون بسحر الإبداع والتخييل يصور ما لا يراه الإنسان العادي في سيرته الوجودية.

إن القارئ لرقصة الجنازة للقاص إدريس الجرماطي سيستمتع بلا شك باللغة الإيحائية الراقية المفعمة برؤية فلسفية، وبجمالية الحبك السردي المأسور بعالم الدهشة والتخييل الشيء الذي سيجعل المتلقي يرقص.. ويسافر.. ليرسو في جزيرة سردية تربتها حفر في الذاكرة الموشومة بالضياع والتيه الهيدكري، وأشجارها نصوص قصصية قصيرة، ولكنها طويلة الدلالة وعميقة المعنى، وأغصانها لغة رمزية إيحائية مشحونة بأبعاد ودلالات متعددة، وثمارها نفس جديد في الكتابة السردية في الوطن العربي.      

 

د. رضوان الرقبي

 

الغموض العارف للغة القصيدة ومكانة القارئ

madona askarقراءة في ديوان "كأعمى تقودني قصبة النّأي" للشّاعر محمد حلمي الرّيشة.

تقودنا قصبة نأي الشّاعر محمّد حلمي الرّيشة إلى عوالم الشّعر المتأرجحة بين الحقيقة والخيال، والمترعة بالجمال المجازيّ. تحركّنا الدّهشة وتجذبنا منقادين إلى عالم الشّاعر المحتجب في خفايا ذاته المتأنّية في تلمّس الوحي الشعريّ والتّبشير به في كلمات/ أنفاس يصفها الشّاعر بالأبديّة.

على الرُّغمِ من أنَّها لَيسَتْ سِوى أنفاسٍ

إِنَّ الكَلِماتِ الّتي تَصدُرُ عنّي أَبَدِيَّة (1)

ولئن كنّا منقادين مجذوبين إلى سحر الشّعر وبهائه سبرنا أغوار الشّاعر، وذهبنا عميقاً في معناه القلبيّ لنقطف ثمار الكلمة، ونحصد غلال الجمال. إلّا أنّه وهو العالِم بكونه الشّعريّ، والعارف بمقاصده القلبيّة، يتركنا في حيرة من أمرنا، خالقاً بيننا وبينه حلقة وجدانيّة مفقودة.  تشكّل هذه الحلقة حالة من الشّوق بين القارئ والقصيدة، فيطمح إلى مزيد من الولوج في كون الشّاعر، إلّا أنّه يجد نفسه ظامئاً إلى تلمّس المعنى الأصيل. فالشّاعر محمد حلمي الرّيشة يريد للقارئ اشتعال الحيرة واتّقاد التّوق المعرفيّ الشّعريّ، ولا يريد له الخمول والاستكانة للقراءة العادية المرحليّة. كما يريد الاستئثار بقارئه حتّى يعود إليه كلّما تباعدت أمواج المعرفة.  فالشّاعر الأصيل هو ذاك الّذي يمنح قارئه آفاقاً واسعة، فيربّي خياله، وينمّي فكره، ويرتقي بروحه إلى مقامات تتجلّى بالتّأمّل.

 

- القصيدة/ الحبّ الدّهشة:

القصيدة في عرف الشاعر محمد حلمي الرّيشة كائن حيّ، يحاوره ويتصادق معه، بل يوليه رتبة أرفع من ذلك. فينقل القصيدة من قلب الشّاعر ليولد هو منها. فتكون هي السّيدة وهو الّذي يمدّ حبره ليتجدّد بها. "لأنّك غير مقطوعة ولا ممنوعة،/ تظلّين تنتظرين يداً عارفة مذاق عينها الثّالثة./ لأنّك تعودين الشّاعر كلّ مرّة، بيضاء من غير سوء/ يحاولك حبره من جديد." (2). هي الحبيبة الصّامتة  الّتي لا تُلمَسُ بالحواس وإنّما تُغرم بها العين الثّالثة. ويظلّ الشّاعر بارتحال مستمرّ إليها ولا يصل، حتّى لا يتعطّل اللّقاء ولا تبرد المحبّة، ولا تبرح القصيدة مكانتها السّامية كحبيبة متجدّدة أبداً. "يدع الشّاعر كلّ شيء لأجلك إلّاكِ/ ذكيّة أنتِ في اجتذاب لاوعيه نحوكِ طائعاً/ لانخطافه/ منصتاً لأوار صمتك يضجّ بين خلاياه." (3). وبالحديث عن (لاوعي) نحن بصدد انجذاب لا إراديّ، أو بمعنى أصحّ، انجذاب أعمى. فالشّاعر شديد التّعلّق بالقصيدة. ويبدو لنا الشّاعر الرّيشة مسكوناً بالشّعر، مجبولاً بلغته، منغمساً في صمته البليغ. والعبارة (لانخطافه) تؤكّد أنّ للشّاعر مسكناً واحداً هو القصيدة، حيث يحيا منخطفاً، أشبه بناسك يكرّس ذاته لمحبوبه الإلهيّ، متخطياً الزّمان والمكان، ملتحماً به حتّى المنتهى. "تأخذين الشّاعر من زمانه ومكانه/ ليلدكِ بعد حركاتٍ شبه عابثة/ فدخولٍ مريضٍ/ فيتيمٍ على صفحة الحياة" (4)

لاوعي/ انخطاف/ يد ثالثة/ لا يجد أناه حتّى في هوامشه/ اليد الواحدة للموت... وعبارات عدّة تبلّغنا الحالة الرّؤيويّة الّتي أسرت الشّاعر أمام بهاء القصيدة وسرّها. وكأنّي بنا أمام ديوان رؤيويّ إن جاز التّعبير، نقرأ ألغازه ونفكّ شيفرته بتأنٍّ لندرك المعنى الكامن في قلب الشّاعر.

 

- الغربة عن الذّات:

ولمّا كنّا أمام فنّ رؤيويّ، لزمنا الغوص في عمق الحرف حتّى نرتفع إلى الجمال المرجو، فنتبيّن غربة الشّاعر عن ذاته واتّحاده بالقصيدة. (أمدّ جناحيّ، أحرّك هوائي/ لم تعد الأرض تشبهني) (5).

تقود قصبة النّأي شاعرنا إلى فوق، إلى ما بعد هذا العالم وهذه الأرض. من هنا أتت اللّغة الشّعريّة في الدّيوان مغايرة للغة العالم. كأن نقرأ في السّطور التّالية:

" تأمّل

... ... ...

... ...

..." (6)

وكأنّي بالشّاعر وصل إلى نقطة الصّمت شبه المطلق، أم أنّه ولج في تأمّله حدّ تلاشي الكلمات، ما دلّت عليه العلامات السّيميائيّة بتلاشيها، فنشهد تضاؤل ملامحها لتدلّ على انتفاء اللّغة الأرضيّة والتّحوّل نحو اللّغة الشعريّة. يؤكّد على قولنا السّطور الّتي تلي مباشرة (التّأمّل):

" خلاص

أمدّ جناحيّ

أحرّك هوائي

لم تعد الأرض تشبهني" (7)

 

- الوعي الأيروسي عند الشّاعر محمد حلمي الرّيشة:

حذر جدّاً شاعرنا في محاكاة لغة الجسد الشّعريّة. وللأمر إيجابيّة في جعل القارئ قابعاً في الحالة الرّؤيويّة، لا يبارحها حتّى وإن عبّرت القصيدة عن التّناغم الجسدي. فالحال هنا أشبه باتّحاد الكلّ في الكلّ، جسداً وروحاً. وبما أنّنا نقرأ فنّاً رؤيويّاً فلا بدّ أن نتفهّم هذا الوعي الأيروسي الإبداعي لدى الشّاعر. كما لا بدّ أن نتبيّن الإبداع الشّعريّ في سكب المعاني في قالب الجسد بتعابير مجازيّة  تحاكي الجسد من ناحية وترتقي بالرّوح من ناحية أخرى. فيظهر لنا الأيروس في إطار غامض، مبهم، لا يكشفه القارئ إلّا بعد أن يتّحد بقلب الشّاعر.

قد لا نقرأ تعابير واضحة وصريحة تشير إلى لغة الجسد وإنّما بتفكيك العبارات نصل إلى غايتنا المرجوّة.

" أريكة ضيّقة لا تسع كرة أرض خلجاتنا

نثرت وسائدها كأوراق رزنامة الفقد

: هيّا فوق صهوة الصّدر وافتراق السّاق

هكذا شاء قوسها، فشاء سهمي" (8)

" بصفحات شغف

وتوهان قنديلي

أقرأ كتابها الجسد

بأمّيّة ارتباكي" (9)

وتظلّ قصبة النّأي تقودنا حتّى نبلغ فردوس الشّعر، حيث يعبّر الشّاعر عن ذروة إبداعه، ويعلن بخجل عن تلك الحلقة الوجدانيّة المفقودة، فنجدها في تواريه واحتجابه الأرضي كَيما يظهر متلألئاً بإبداعه. وبهذا التّواري أو الاحتجاب نتفهّم هدفه من خلق حيرة لدى القارئ. بل إنّه يتباعد عنه ويتدانى حتّى يحافظ على مكانة القصيدة ومكانة القارئ معاً. فلا هي تنحدر إلى الابتذال، ولا هو يسقط في سطحيّة المعنى.

يقول الأديب والمفكّر  اللّبناني جورج الأشقر: " الجمال هو الإلحاح على الكلمة حتّى تتجسّد". ولا ريب أنّنا ونحن نقرأ ديوان الشّاعر محمد حلمي الرّيشة "كأعمى تقودني قصبة النّأي"، نشهد لجمال الكلمة المتجسّد، فنحاكي القصيدة شخصاً، ويتراءى لنا بهاء سرّ الكلمة، وينعكس سناها على نفوسنا فنرتقي ونسمو.

 

  مادونا عسكر/ لبنان

..........................

(1) ال (حبيبته العالقة في دبق نجمة المجاز) (ص 138)

(2) القصيدة؛ صدقة الغيظ في يد الموت (ص 11)

(3) القصيدة؛ صدقة الغيظ في يد الموت (ص 13)

(4) القصيدة؛ صدقة الغيظ في يد الموت (ص 12)

(5) أمدّ جناحيّ، أحرّك هوائي/ لم تعد الأرض تشبهني (ص 21)

(6) شرهان تائهان في حلولهما- أمدّ جناحيّ، أحرّك هوائي/ لم تعد الأرض تشبهني- (ص 43)

(7) شرهان تائهان في حلولهما (ص 43)

(8) لا جداولي تملؤها ، ولا بئرها تلقيني (ص 60)

(9) لا جداولي تملؤها ، ولا بئرها تلقيني (ص 61)

 

قراءة في كتاب: قصص شعرية تعبر عن أحلام محبطة

sabiha shobarفي مجموعة قصص  (طائر الغابة السوداء) يصحبنا الأديب المغربي (محمد فاهي) في رحلة ممتعة إلى غابة كثيفة من الأشجار المتشابكة الأغصان، المتعرجة الدروب حيث البراءة والرغبة الكبيرة في العودة الى أحضان الطفولة السعيدة، والابتعاد عن الأقنعة الكثيرة التي ما فتئت  مدننا  ترغمنا، على ارتدائها مهما تحججنا من ذرائع.

يحاول الإنسان إنقاذ نفسه من عبثية الواقع، والبحث عن سبل الخلاص وأمله أن نكون صادقين، تتراءى لنا هذه الرغبة كبيرة مقهورة في المجموعة القصص الجميلة التي أبدعتها مخيلة أديب كبير .

 يواصل المرء البحث عن حبل النجاة، فكل منا مجبر على النوم والاستيقاظ،  والورقة والقلم هما الواقع الوحيد الذي يتمسك به ( حبل ص 3)

 شعور  هائل بالفراغ، لا يمكن مجابهته، وفي إدراك هذه الحقيقة يمنح الإنسان اليقظة، التي لا يجد عندها النجدة، فليس هناك غير الصمت والظلام  والجنون والموت..

 الحيرة مسيطرة، تتفاقم،تستبد بالنفس الإنسانية أمام هذا الخضم من المجهولات، الجد يحمل محفظة الحفيد، تحتار اليد المرتعشة، كيف تحمل المحفظة ؟ هل تتأبطها؟ أم تأخذها كلعبة؟ وهذا مما لا يليق بجلال  الشيخوخة (أغنية ص4)

 القسوة تلاحق الناس، أفرادا وجماعات، يكونون مجموعين في أوقات الأفراح، ولكن حين يطلب الفرد منهم قطرات قليلة من الحنان، لتقيه صقيع البرد، يقابله الآخرون بلامبالاة  قاتلة، فالمرأة الهاربة، يتعقبها مختل، تدق باب المدينة المتجاهلة تطلب الحماية، فلا تكترث لها الأبواب الموصدة إلا بابا واحدا، يوصلها الى المبغى  الدخول منه والخروج سيان (غجرية ص 6)

 وتبدو القسوة واضحة جلية،على الصديق الوفي (الحصان) حيث يتلقى  ضربات السوط لسعات حارقة، بشكل يستعصى على الفهم، فيأخذ بالركض هربا من صوت الحوافر، ولكن الخوف من اشتداد  عنف اللسعات، التي سبق له ان جربها، يمنعه أن يكون حرا، يلبي نداء الغابة، ينقذ  الحيوان المسكين الصابر، من  قسوة المعاناة  انتشار رائحة الياسمين في حقل أبيض، يستنشق السائق العطر، ويستعير نظرة المرأة  إلى العالم، فيرى  حصانه بعيون جديدة،جميلا بهيا، منتميا للعالم اللطيف للمرأة (حقل من الياسمين ص10)..

 الحنين إلى الطفولة، حيث البراءة والركض بين المروج، والبحث بين شقائق النعمان، وعن الأمكنة التي تمسح فيها الشمس قطرات الندى، يقودنا المبدع الهاديء (محمد فاهي) الى شتلات الفرح، لننسى حينا  من الوقت،عالمنا المفجوع قسوة وضياعا، يقف الطفل حائرا، يصير طائر السمان، يحرس قوقعة الطائر، يتلمس إصغاءه العميق، يتخيل حقل القمح، فيهتف بأكوام السنابل، كما يهتف الطائر بأكوام الصباح، يتخيل مربط البهائم، فيهتف بما كسب،  كما يهتف الطائر بثلاثة أصوات مختلفة الذبذبات، ليموه عن مكانه، يفتح الطفل عينيه من حلم لذيذ، حين يسمع صوت الرصاص، تردد صداه الأرض، فأي لذة يفرضها انتفاض الطائر من بين الحشائش؟ حين يطلق الصياد الرصاص، يسقط الطائر عموديا، يتسابق الأطفال اليه، يلتقطونه دافئا مستسلما (قاف، سين، تاء  ص 11)

 يتواصل الحلم الجميل بحياة أكثر دفئا ومحبة، ويبدو شديد الوضوح، في مجموعة قصص (محمد فاهي)، العودة إلى القرية  حيث المحبة الصادقة، والرحيل عن حياة المدينة القاسية الجافة، والبعيدة عن دفء العواطف، ونشدان الهواء الطلق المنعش والخيرات الكثيرة والألفة بين البشر، تكون الخيمة، لتقي من البرد والمطر المنهمر، يتواصل الحلم بالدفء المفقود، باشعال أعواد الخشب، لكن الطفل لا يمكنه أن يدرك أحلام  الغرباء،الباحثين عن  ظلال الحنان، وسكينة النفس في الصلات الحميمية (خيمة ص15)

 

 هل يستعين الكتّاب بعالم الورق والحبر عن عالم الواقع الخداع ؟ هل يهربون عن  واقع كالح لا طعم له ولا لون؟ في قصص المجموعة: نلحظ ذلك الحب الكبير، لعالم الكتابة والعلاقة الوطيدة مع  الكلمات وتركيب الحروف، لخلق مدن رائعة، يسكن فيها الغرباء الغامضون، في حوار بين القاص والقصة، نسمع القصة تدلي بحججها أمام القاص، الذي يأتيها متأخرا، إما مجروحا، فيجعل منها خميلة تلعق جراحه، وإما مدركا لما فاته، فيحول القصة إلى ذاكرة للوجع، أو يأتيها مدفوعا بالعادة أو بالحنين، حاملا أثقالا لا يمكنه التخلص منها إلا برفقته للكتابة، فهي الصديق الوفي الذي  يحمل عنا همومنا، وتتفهم دوافعنا، وتعرف طبيعة الأثقال المرهقة،التي لا قدرة لنا بتحملها، فتمد أياديها منتشلة  الكتاب من شعور ممض بالخذلان، القاص يتحدث عن أسراره للقصة،التي تصغي إليه بانتباه، وتساعده في إعادة تركيب ما تريده من عوالم (غابة سوداء ص21)

 ولأن الأساتذة يدركون، ما في عالم التعليم من  غرائب، فان الكاتب يصحبنا في رحلة إلى قاعة الدرس، في الزاوية اليمنى عش عنكبوت  كبير، في حضنه يرقد عنكبوت ضخم، عيناه تنظران شزرا الى ما يدور  على  الخشبة، على اليسار سبورة  كالحة بلون التراب، وضعت على الأرضية،فيعطي التقابل بين سماء العنكبوت  والسبورة، صورة مختلة لعالم مقلوب، لا توجد فيه السماء والأرض في موضعهما، وهذا العالم المقلوب نجده كثيرا في قصص الأديب (محمد فاهي) حيث أحلام الإنسان تغدو سرابا، والرغبة بالحب تصير جفافا، السبورة المغطاة بورق ملون، خرقت من الوسط، وبدلا من وسائل الإيضاح التعليمية، علقت ملصقات علب الشاي، ولا يعلم لأي غاية؟

 رجل يبحث بين الطاولات، عن آخر الكلمات، قد يكون المدير أو المفتش، كلام كثير بعضه محفور، وبعضه مكتوب،كلمات فقدت أطرافها، لأنها خربشت في عجلة، يبدو المعلم يغوص في شرحه للدرس، فيقتحم غرفة الدرس طائر، يسبب ضحكا متواصلا للأطفال، ثم تتبعه نحلة عابسة تئز، هذا التصوير الرائع لشخصيات القصص،والخيال الخصب والكلمات المرهفة، والمعاني الغنية يبدع فيها القاص المتمكن، مهارة في  إبراز عالم الأطفال السعيد، حيث الأحلام ترتدي أجنحة، تدخل فراشة تغمز الأطفال، يتبعونها واحدا واحدا الى الغابة، ويظل المدرس  وحيدا، بين عنكبوت ظافر وسبورة ضاحكة (جرة الضحك ص27)

 يبلغ الحلم أوجه، ويصل الخيال إلى أحلى القمم، حيث القصيدة تنبت شجرة،، في أعلى الشجرة حطّ طائر كبير، هل  يكون الطائر نذير شؤم،عن الخراب الذي حلّ بأراضينا التي كان ماضيها سعيدا؟ رغم إنشاد الشاعرة لأبياتها في أول الليل، طائر الشؤم يخفق بجناحيه، تتفرق القصيدة أبياتا، تتحول إلى طائر بجناحين قويين، يحوم حول رحبة واسعة ويحط، يصير خيمة سوداء، حيث يتربع النابغة، يتوجه الطائر نحو بلاد الرافدين حيث الحضارة العميقة، ويحلق على أطلال  آشور ونينوى، نازلا على ألواح الطين، يختفي الطائر، ويلوح أخيرا في سماء بغداد، يبتعد عن جزمات المارينز، يغيب في سحاب من دخان، فيعود للشاعرة صوتها، وتتفقد الخراب، يتساءل الطفل عن الطائر، الذي يحلق في الرماد الداكن، فيطارد الأب الطائر عبر طريق هولاكو (الطائر البابلي ص36)

تصوير رائع لحضارة آفلة، وواقع مظلم، وضعف مهين، قطعة  قصصية شعرية لمبدع يجيد القص.

 في التعبير عن انقطاع حبل المودة، حين لا يجد المرء من يتواصل معه، فيحيا غريبا عاجزا عن الدفاع عن نفسه، أمام سيل الاتهامات التي توجه له، يفتح علبة السردين بالطماطم، لم يقدر على كل السمكتين، لأنه أفرط في تناول السردين المعلب، زوجته المتربصة به، والتي يلذ لها أن تكيل له،  في مثل هذا الموقف، ظلت تتغيب عن البيت، قاصدة هذا القريب أو تلك القريبة، أو ممن لا تربطها بهم إلا رائحة (الشحمة في الشاقور) بمناسبة زفاف أو ختان، أو بدون مناسبة، كانت تقول له  :

- لأنك معقد وانعزالي

 وكالعادة، كان الكلام ينحبس في حلقه، فلا يجد غير الهروب ملاذا (علبة سردين ص63)

 رحلة ممتعة في غابة (محمد فاهي) السوداء حيث الطيور تغرد وتبني أعشاشا للحب ولتواصل في عالم  ينأى الانسان به عن صحبة الآخر، والأشجار الباسقة تمنحنا ثمارا من رائع المعاني وجميل الكلمات

 

صبيحة شبر

 

قراءة في قصيدة (صوت القلب) لرفيف الفارس

goma abdulahصوت القلب / رفيف الفارس

ينادي ... يسمعهُ نبضي

سلاما عليه حين غنى ..

    سلاما عليه حين تنهد وحين مس الشوق قلبه

بحارا من خلف تيجان الشمس

يجلو الغربة والتنهدات

ويرسو على فضة القمر

تضج بأشرعته المرافئ .. صورا وعطورا

ويختفي ... ويزهرعطرك

وأنا ونورسي القديم مسافران.... على صوت القلب.

ولادة همسات .. القصيدة

تتجمع فكرة فكرة ..

  وتفور

   وتنضج

     وتتبخر

       وتؤلم

         وتتمحور

وتدنو من حافة القلم وتتعثر

      ولادة القصيدة

تتّكئ على خيبتي وتتقشر صورا وازهارا ودمعة ... تتفجر

هذيان بعمق الألم وحلم لا يتفسر

  ينذر بالاقمار في عينيك...

      بصوت القلب المنتظر

2016

رنين صوتها الواضح، يتداخل بين المناجاة والتشكي لصوت همسات القلب، الذي يتعذب من عسر الولادة والمخاض، بهذا التعمق تسير في اغوار عمق المعضلة التي برقتها في هذا الشغاف الشعري، وفي صوره الشعرية المتعددة، في الولوج في عمق اللغة الشفافة، من اجل وضوح الفكرة والهدف، في ناصية التأمل نحو الانطلاق الى ولادة جديدة، بكل شفافية العشق والمشتهى والمرتجى والمطلوب، وهي تتسلق في خطواتها نحو حاضنة التفكير، والنزوع الى الذات، بكشف مراميها التي تعذب القلب،هذه شفرات الايحائية المغزى للقصيدة، فقد انتهجت اسلوب المحاكاة الذات ومحاورتها، بتوظيف اللغة المركبة، لغة داخل لغة، او صوت داخل صوت (ينادي ...... يسمع نبضي / سلاماً عليه حين غنى) هذا الانسراح في صميم الشوق ليحلق الفضاءات بكل اشتهاء وتفاعل، ليعيد بناء تكوين نبضات القلب من جديد، بما تشتهي الروح والوجدان . يقول مارسيل بروست (نحن لا نشفى من المعاناة، حتى نعايشها حتى النهاية) هذه المعاناة هي مخاض الولادة (الفكرة والتفكير) ان تطرح نفسها بكل فعالية، وبكل حضور مرسوم لها، حتى ترسو على فضة القمر، هذه الدلالة المرتجى من ولادة الفكرة، بالايحاء المرسوم في خضام الولادة وعسرها، التي تولد من (هذيان الالم) انها عملية معقدة تمر في ثلاثة مراحل، حتى تكتمل الصورة النهائية، او الاطار العام للوحة التشكيلية، وهي:

1 - مرحلة التكوين والتجمع وهي (تدنو من حافة القلم)

2 - التعثر والمخاض العسير

3 - حالة الولادة (ولادة القصيدة)، اي انها صراع داخلي لتكوين شكل الجنين المولود بكل وضوح، ليكون مرادف لصوت القلب . اي ان القصيدة تخرج من ذات الانا الصغيرة، الى الرحاب الاوسع من الذات العامة، في شمولية الخيال والرؤية التأملية، ليكون الدال منطبقاً على المدلول (انتظار . ولادة . انطلاق) لتتمدد على اشواق القلب، التي تحلق افرازاتها في الغربة والتنهيدات التي تبحر في البعيد من بحار الالم . من اجل ان تمسك تيجان الشمس، لهذا تفتح اشرعتها المسافرة على كل المرافئ والصور، وقلب يحسب نبضاته التي (تفور / وتنضج / وتتبخر / وتؤلم / وتتمحور) في فكرة التفكير الحاضر (هذيان الالم) ومخاض الولادة . هذا الانبهار الذاتي في تصويره الشعري لصوت القلب المنتظر

 

هذيان بعمق الألم وحلم لا يتفسر

  ينذر بالاقمار في عينيك...

      بصوت القلب المنتظر

 

لغة القصيدة:

لغة ايحائية باشارات تعبيرية وصورية ورمزية مرسومة، لتجسد بدقة لغة الاحاسيس والمشاعر الداخلية، التي تشغل وتنشغل بها الهموم (الفكرية والنفسية) في اطار لغة شعرية فخمة التعبير، بعبارات شعرية مكثفة، لتكوين الصورة المتكاملة، ضمن سياقات الحبكة الشعرية في بنيوية التكوين، التي تتمثل في بناء الايقاع . في البلاغة . الاسلوب . الايحاء . والشفرات الرمزية، لتكون محصلة جامعة الصياغة والتركيب لمحطات التأويل والتفكير، والمرتبطة بالواقع العام . حتى تثير الاسئلة لدى القارئ، ليبحث عن كينونة الولادة، وينبغي ان نأخذ في الاعتبار، بأنه لا يمكن تجريد القصيدة، من الزمان والمكان والواقع الملموس، لانها مخضبة من روى التأمل والتأويل من هذا الواقع الملموس، الذي يعطي مساحة واسعة من الاحتمالات، التي يجتاحها وتدلف في تشكيلاته في المشتهى العام، لذا لايمكن حصر القصيدة في مساحات ضيقة، لانها تنتظر الولادة والانطلاق، وجمالية القصيدة، بأنها تحرك الذهن بالتداعيات والصور المطلوبة لتفكير في جدليتها، ضمن الواقع الموجود، انها عملية اندماجية بين الدال والمدلول، حتى يأخذ خيارات الولادة والانطلاق

 

جمعة عبدالله

...........................

للاطلاع على قصيدة

صوت القلب / رفيف الفارس

 

دينامية النص الشعري.. ستراتيجية الخطاب السيميائي عند الشاعرة فاطمة منصور .. مراة الرغبة أنموذجا

naser alasadiتوطئة: لاشك أن الشاعرة اللبنانية فاطمة منصور ذات الحس الجنوبي المرهف هي واحدة من الشاعرات اللاتي تركن بصماتهن على قصيدة النثر، قصيدة الومضة الساحرة والنص المكثف في نمط مهم من أنماط القصيدة النسوية المشبعة بالصور والتراكمات الابداعية شأنها شان أية امراة في هذا العالم تحاول إيصال خطابها إلى الاّخر النسوي أو الذكوري في محاولة جادة لكتابة قصيدة بالغة التفاصيل، فائقة اللغة، تمتلك كل المقومات التي تؤهلها لكتابة قصيدة من هذا النوع وهو في اعتقادي من أصعب الانواع الشعرية لما ينطوي عليه من مخاطر التشابه الكبير بينه وبين النثر المطلق وهو عروج لتراتيل مهمة وتفاصيل من الصعب الإلمام بها على كثرة حالات التجريب من لدن شاعرات في الوطن العربي وهنا لا أستعرض تجارب الأخريات بقدر ما اقول: إن الشاعرة فاطمة منصور على وعي بتجربتها الشعرية ومنجزها الشعري لأنها استطاعت أن تترك فاعلية واضحة من خلال تعلقها باللغة وانزياحاتها الجميلة وهي بالتالي تعمد إلى إرسال خطاب شعري يمتلك المواصفات الخاصة لأن يدرس دراسة واعية وناجحة ونحن في ظل المنهج السيميائي بوصفنا نقوم بالنقد الحديث كانت لنا هذه الدراسة السيميائية التي تناولت إحدى قصائد الشاعرة فاطمة منصور والموسومة (مراة الرغبة) على أمل ان نقوم بتسليط الضوء على دينامية النص الشعرية واكتشاف تجليات الخطاب الشعري من وجهة نظر السيمياء الحديثة.إذ تتحدد الاتجاهات التكوينية من خلال التناسق النصي وشيوع الارتقاء في لازمة القصيدة  لانها تمثل الجانب الاكثر حراكا

والأكمل نسيجا في المحور الدال للدلاله القادمة في اصول الاشارة وابانة الاثر في المترادف المقبول والمطابق المنقول في خطاب الحكاية وتماهيات النص الشعري ومدى  الانسجام والتناسف في أصول اللغة ومدى الفاعلية في انزياحاتها المركزية  .

 

 النص الشعري:

مرآة الرغبة (أقلمُ أظافرَ الغيابِ بعزلتي) في مدنِ البكاءِ أعدُّ لحظاتِ الطرب الهارب لروحكَ المترعة هي كيمياء تفاعل الحبّ أصرخُ بثنايا عبيرِ الأرجوانِ حتى أفزز الفجرَ من سباتِ الوجعِ وأستدركُ بقايا الغجرِ أتعلمُ الرقصَ على أصابع الشمسِ وأملأ دفاترَ الوهمِ بثرثرة فوضى عطش البحار مازلتُ أمشي، بلا جهةٍ مازالت وسادتي خالية من تيجانها تلهو بغرقِ مراكب الصلوات جرداءُ شجرة الجنونِ على طريقِ الجراد سيشبعني السهادُ في مزادِ النعاسِ أنتزعُ الصباحَ عنوةً واجري مع الريحِ، نشربُ كأسَ الضبابِ اسندُ روحي على بقايا ذكرياتنا تعطرني مقاهي الدروب الخاوية يا ليتني بقيتُ أبحثُ عن ذاتي في صور مرآة الرغبة أتركُ الضجيجَ في مقلبِ الحلم الآخر يدورُ على مكبِّ العمرِ حتى تشيخ الشهوة أتركُ العالمَ يتلبسهُ شيطان العاطفة .

 

الدراسة السيميائية:

مراّة الرغبة:

تعمد الشاعرة فاطمة منصور الى نوع من المحددات النصية في تعاملها مع الخطاب الارتكازي وانتهاج نظام المساحات الممكنة لحلحلة الكليات الى جزيئات يضطلع بها السيموز وهو اصغر وحدة سيميائية فاعلة في مسار التوجه السيميائي وصولا لقصديات اللغة ومايترتب عليها من انزياح في ثيمة النص وتكويناته المركزية. فاطمة منصور شاعرة تنطوي على خزين متماسك من المحددات الذاتية العاملة في نسق الشعر وهي في ذاتها تركز على بلورة التركيب بما يتناغم مع السياق اللغوي وهي على معرفة تامة بنصوصها واشتغالاتها. (اقلم اظفار الغياب بعزلتي) عتبة نصية ثانية بعد الاولى تعمدت الشاعرة تنصيصها بين قوسي التنصيص لتنبيه المتلقي إنها إزاء استقراء أولي للحدث الشعري وهي إنما تتناغم مع الانزياح اللغوي وفرادته التكوينية .

في مدن البكاء تنطلق الشاعرة من المشهد الاكثر اثارة وهي تجسد مسار المدن العربية التي اجتاحها البكاء بسبب القتل والدمار والحرب وهي دعوة امراة تمثل بنات جنسها للقفز على البكاء واحصاء لحظات النشوى التي تطرب توجهات الروح الثكلى وذلك انما تفرزه الشاعرة فاطمة منصور لنوعين من الثنائية الضدية مابين الوجع والطرب وبين الهروب والخنوع في رغبة جامحة لصراخ يفزز الفجر (اعد لحظات الطرب الهارب لروحك المترعة). في صناعة لكيمياء الحب في تفاعلية مضادة كما يستخدم الخيميائيون وصفات معادنهم ويحولونها الى ذهب نفيس. تلك هي الضدية التفاعلية في تكوين الشكل المتخفي في صناعة فاطمة لقوالب شعرها متماهية مع المنظور الارتكازي للنص وتداعياته الاخرى. تصرخ فاطمة بمنجزها عاليا من خلال صرختها بثنايا العبير المتالق منزاحا بلون الارجوان دلالة البوح الصعب الذي يمتلك القدرة على خلق حالة الوجع (حتى افزز الفجر من سبات الوجع واستدرك بقايا الغجر) الغجر لازمة الحرية والسياحة في الارض بغير تراخيص وهذا استدلال اولي لعروج الشاعرة الى جوهر المعنى في انها تتمنى أن تسافر في الوطن الكبير الذي تتلاشى فيه الحدود ويكون متاحا لاي احد الانطلاق بغير الادلة الدالة على الهوية لتتماهى مع اللغة الموحدة والدين الواحد والرب الواحد من خلال كيمياء صناعة الحب لان العرب لايعرفون صناعة الحب كما لو انه الهوية الخاصة بالرفعة والانطلاق.

(اتعلم الرقص على اصابع الشمس) للرقص حكايات مثيرة في الموروث العربي وله دلالاته الموحية وعلى مر العصور كان للشعوب طقوس خاصة بالرقص وكل انواع الرقص هو احياء للاحتدام الذي يحدث داخل النفس وتنفيسا عما يجول في وعي الانسان من الخوف من المجهول وقد يرقص الطير مذبوحا من الالم لذا فان الشاعرة فاطمة منصور اجادت صنع الصورة الموحية حين ربطت الرقص بالشمس واصابعها وهو تماثل في الوعي الجمعي الذي يربط حرارة الرقص بحرارة ودفئ الشمس وكنوع من الارتباط الفيزيقي الارضي بالميتافيزيقي الشمسي وذلك ارتقاء في وعي الشاعرة وتكويناتها المتكاملة وتعود بعد ذلك (لتملا دفاتر الوهم بثرثرة فوضى عطش البحار) انها تعمد لتوظيف الصور المركبة في زمن واحد تلك هي صور الوهم والثرثرة والفوضى والعطش. انه توظيف متحرك لمعان مختلفة لكنها دالة مابين الوهم خرافة ومابين الثرثرة جنون والفوضى تدمير والعطش بحر مالح لكنه حياة ومصدر رزق وماء. ولعل شاعرتنا تعمد على التوليف النصي كحراك ثنائي الضد متجانس مع البناء الفني للقصيدة وامكنتها السيميائية المتعددة

والقفر على المتغيرات الوظيفية ودلالات انبعاثاتها النصية في سياق الاتصال والانفصال في مواجهة الممكن واللاممكن في ايجاد المحور الارتكازي لعملية توليد الشعر وبلورة صوره المتتالية. انها فاطمة منصور شاعرة الومضة الشعرية الفاعلة والمجسدة لبنائها الفني .

(مازلت امشي بلا جهة) وهذا هو الاستدراج نحو اللاممكن في فوضى حواس النص وانجرار فواعله الذاتية في نسق المجهول لتشكل فلسفتها الخاصة وطريقة تجانسها بما يخدم المولدات الحيثية الكامنة فيه. والمشي بلا جهة هو نوع من التيه الموضوعاتي بحثا عن جوهر الاشياء في حيرة الكاتبة في تعاملها مع تراجع القيم والمورثات الايديولوجية الكامنة في  الوعي الجمعي. إن إلغاء الجهات المعلومة الاربع وفرز نمط جديد من اللاانتماء هو فكر حر تنتهجه الشاعرة لايتبنى نظرية التمسح باحد وهي نظرية التكوين الذاتي التي قد تودي بالمثقف الى عزلته الدائمة عن الواقع الذي يعيشه هاربا محلقا بجناحي امانيه الغرائبية والعجائبية.

(مازالت وسادتي خالية من تيجانها) نمط اخر من الانماط الشعرية تعتمده الشاعرة في تجربتها المتالقة وهي توسس لنوعين من التوجهات الدلالية والتركيز على الروابط والاواصر الخطابية وهي محصلة ايحائية ترسم بموجبها مقاطع القصيدة بنغم التاثير في المتلقي وكسر الافق لديه من خلال المجانسة بين ماهو حسي وبين ماهو انفعالي يتكون على سطح النسيج ليصل بنا الى العمق التراتبي والتداولي. فالمسافة بين الساكن والمتحرك بين الوسادة والتيجان من جهة وبين المقطع الذي يليه (تلهو بغرق مراكب الصلوات) الذي يجسده الغرق  المتحرك ديناميا بفعل الكهرومغناطيسية التي يجتاحها الماء و الدينامية الفاعلة التي تشبهها الشاعرة بالمراكب ايذانا بعروج الصلوات في بحر الدعاء والقرب من الله انه مشهد مركب تعتمده الشاعرة على طول نصوصها وهي توائم بصورها المترادفة والمتلاحقة وانت كقارئ لايسعك الا الدخول في كل تلك الصور للوصول الى شفرة الخطاب الذي تزمع الشاعرة ارسالة.

(جرداء شجرة الجنون على طريق الجراد)

وهل للجنون شجرة نعم انها من الاستعارات النادرة التي يشتغل عليها البلاغيون في جعل المستعار منه فوضوي متفرد من اجله، منزاح في غياهب الفكر وتداعياته الكبرى فاي شجرة من اشجار الجنون لا تكون الا جرداء من الوعي الجمعي والانطلاق نحو المجهول في سبات الحركة وموت الدليل

وما الجراد الا نوع من انواع الجنون كون صور الجراد تشكل انمحاء للخضرة في سياق الجنون نحو الغاء صورة الحياة الخضراء واكساء الارض بلون الخراب فاذا كان الجنون وعي متأخر فإن الجراد وعي مدمر داعشي التصور يحرق الاشياء التي تمت للحياة بكل صلاتها وهو عصر الظلاميين في عالمنا المعاصر

 (سيشبعني السهاد في مزاد النعاس) مازالت صور الشاعرة فاطمة منصور تترى مابين الذاتي وعلاقته بالليل شانها شان الشعراء الذين تعاملوا مع الليل كمستودع للهموم والتجليات الكبيرة وولادة النصوص التي تخلدهم بعد ذلك، وبين السهاد والناس تضاد، السهاد يمثل الرغبة في تجافي النوم لان امرا مهما قد سلب نعاس الفكر وابقاه يقضا وما النعاس الا موت للفكرة وانهاء للبوح كما كانت شهرزاد تنهي البوح لحكاياتها وتعلن لشهريار ان الصبح قد جاء وان البوح لايمكنه استقراء الغواية الا ليلا.

(انتزع الصباح عنوة واجري مع الريح) عذرا ايها الشعر فانا امام مشهد شعري قل نظيره في الشعر انه بوح رائع متفرد في حيوية التوهج  الى درجة التماهي تنتزع الصباح انتزاعا وبداية  الرغبة لعودة الصباح الذي يكون المأمن لعودة اخرى للبوح والسرد لان القص والحكاية لابد لهما من توقف وهو نوع من الفرار في اماني تحملها الريح و الهروب مع الريح جريا و هروبا من  كل الخطايا التي ارتكبها شهريار النص وشهرزاد القصيدة لانهما في اعتقادي من اباحا السرد المخيف.

(نشرب كاس الضباب

اسند روحي على بقايا ذكرياتنا)

مازالت الشاعرة تستمد استعاراتها من وحي الالم المر الذي تتجرعة كمثقفة عربية تحمل همها وهم جيل ذاق الامرين من الاحباط والتيه  والارق . فهي ونحن نشرب من كاس ضبابية لاتسكر خاوية لاماء فياء ولا فكر بقايا ذكريات نجتر لحظات سعادتها الغابرة والشاعرة تتكأ بروحها على الكم الهائل من الذكريات الحزينة والسعيدة على حد سواء  من خلال الخزين الفكري الدفين . إنه الانقلاب الفكري في مجمل ما كنا نعتقد او نفكر .  ولعل من نافلة القول التاكيد على ان الخوض في المنهج السيميائي سيتبنى الوظائف الدلالية التي تتحرك بافعال الحركة الذاتية والذي نطلق عليه دينامية الفعل السيميائي التي تمتلك القدرة على التواصل في الدوال المنظمة والثابتة ضمن معايير قيمية لاتتخطى المنظور النقدي منزاحة على الشكل اللغوي وتكوين المسارات الدالة عليه، ويكون ذلك الانطلاق من النص الى المناص ومن الفعل الى الى المناص في حركة دائرية بعكس اتجاه عقرب الساعة تقوم بانتاج الحزم الميتانصية المولدة لتلك الافعال بدءا بالحرف الاصغر (السيموز) في ترابطه مع الحروف الاخرى وخروجا للجملة التي تنطلق منها المحددات الاستقرائية للنص المتكامل .

(تعطرني مقاهي الدروب الخاوية)

مازالت الشاعرة تؤسس لمنظورها الشعري من خلال الارتقاء باللغة حدا يثير التساؤل ماحجم القدرة الحاصلة لمقاهي الدروب الخاوية وهي تهب العطر ترى اي عطر تهبه تلك المقاهي  . ربما هي تلك المقاهي التي كانت ذات يوم تعج بروادها وخاصة مقاهي الادباء على شاطئ البحر وهي دلالة سيميائية تكمن في ذات الشاعرة وهي تتذكر زمان التالق في تلك المقاهي التي هجرت بفعل الحرب والضياع  . ثم البحث عن الذات وهو شعور بالالم لفقدان الكثير من الاصالة والابداع . تتمنى الشاعرة ان تعود لذاتها في بحث حقيقي عن الهوية التي تكاد تكون ضائعة (ياليتني بقيت ابحث عن ذاتي) وهي علاقة مرتبطة بروح الماضي متعلقة برابط الحلم والحنين لتلك المقاهي التي شهدت الابداع والوحي . واين يكون هذا البحث ؟ كما تراه الشاعرة انه في تلك الصور الجميلة  تختزنها مراة الرغبة (في صور مراة الرغبة) وعندها تلجأ الشاعرة الى ترك مايعكر صفو الهدوء الا وهو ضجيج الحياة المدمر لكن في وهم الشعراء للهروب من الواقع المر الى الحلم الاخر في رغبة للبحث عن الذات في هدوء الباقي من الذكريات حلم يدور(على مكب العمر حيث تراكم السنين واوجاعها والرغبة في طمانينة الزهد والقناعة متى ؟ حين (تشيخ النشوة) وتخمد نار فتنتها، يتغير العالم تتوالد الرغبة في ترك العالم تقول (اترك العالم) اي عالم هذا الذي تتركه اهو العالم الواقعي ام الافتراضي ذلك العالم الذي يتلبسه شيطان العاطفة اي شيطان الشعر وخيالاته الجامحة .

أخلص  للقول:

إن الشاعرة فاطمة منصور قد اسست اسلوبا شعريا مختلفا  من حيث  المستويات الاجرائية واستجلاء  الوظائف الاستقرائية معتمدة اسلوب الاشارة الدالة على القرائن الثابتة والمتحركة و الذاهبة في العمق النصي وهي تفر من لوعة البقاء على الشكل او المظهر في ظل تماهي اللغة وانزياحاتها المحورية وهي شاعرة لها تميزها الخاص في صناعة النص الشعري واستلهام الباطن المحايث للنص في تكوينات نادرة وجميلة تنم عن روح الشاعرة التي تنطلق من الحلم الى الواقع في ثنائية رائعة ومبدعة لانها تمتلك خزينا كاملا من بيئتها ذات الصور المتعددة في جغرافية الجبل تارة والحقل الريفي تارة اخرى علما انها تطل على مكمن الالهام الشعري وهي تسكن قبالة البحر . لقد تهيات لشاعرتنا اسباب الجمال والابداع في ذات شاعرة تحتفي بالجمال والعمق الجغرافي والحضاري . اتمنى من النقاد الاعزاء الوقوف على تجربتها الشعرية التي تستحق هذا الاهتمام الكبير .

 

الناقد الاستاذ الدكتور ناصر الاسدي / جمهورية العراق .

 

الواقعية التعبيرية في شعر كريم عبد الله

anwar ghaniإنّ وطأة الأحداث وما تمرّ به شعوب الأرض عموما والعربية والاسلامية خصوصا، لا يترك مجالا للكتابة الرومانسية والذاتية، بل يدفع وبشكل واع وغيرواع نحو تصوير المأساة وندب الواقع المرّ لهذا العالم الأعمى . وبخلاف الواقعية القديمة التي ازدهرت في القرن التاسع عشر المعتمدة على محاكاة الطبيعة والتصوير المطابق للخارج، فإنّ تناول الواقع والمأساة الخارجية في الكتابات المعاصرة إنّما يعتمد التصوير التعبيري وطرح الموضوعات بصبغة ذاتية وداخلية (1)، وهذا جمع فذّ ومتقدّم بين الواقعية بتناول الخارج والموضوعي والتعبيرية بطرح الموضوعي بصيغ واشكال داخلية وذاتية . ومن هنا صح أن نسمّي الكتابة الجديدة التي تتناول الواقع بأنها واقعية جديدة لإختلافها تقنيا عن الواقعية القديمة وصحّ أيضا أن نصفها بالواقعية التعبيرية لهذا المزج بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي .

لقد أشرنا في مناسبات كثير وفي مواضع عدّة من كتابنا (التعبير الأدبي)(2) أنّ الكتابة ذات الملامح الإنتمائية والمرتبطة بالواقع والخارج تمثل شكلا من أشكال الأدب الرسالي . وأنّ هذه النصوص الرسالية وبمحافظتها على المستوى الفني العالي الذي وصلته الكتابة المعاصرة وما صاحبها من تغيّر في الوعي تجاه اللغة عموما والكتابة خصوصا والأدب بشكل أخصّ، تحقّق أدبا رفيعا عذبا يضرب بعيدا في جهات عدّة أهمها تجاوز اخفاقات الحداثة وعزلة الأدب عن الناس، بالأقتراب منهم والكتابة بلغة قريبة بعيدة عن التحليق والتحصينات الرمزية العالية، ومن جهة أخرى أنّها تقدّم أدبا عذبا مبهرا وبنكهة عالمية يمثّل المرحلة ويواكب عصر العوالمة وتداخل الثقافات ومن جهة ثالثة مهمّة أنّها في الشعر خاصة تقدّم نموذجا عالميا لقصيدة النثر، يعتمد النثروشعرية (3) والبناء الجمالي المتواصل بكتابة شعر سردي على شكل المقطوعة النثرية بعيدا عن التحسينات الشكلية المعتادة للشعر، وإنّما الاعتماد الكلي على توهّج اللغة وعمق نفوذها وموسيقها الداخلية وعذوبتها الظاهرة .

كريم عبد الله، الحائز على جائزة القصيدة الجديدة السنوية لعام 2016 (4)، يكتب نصوصا تتسم بالرسالية وتحافظ على الفنيّة والشروط المطلوبة لكتابة قصيدة النثر، ببناء جملي متواصل وسردية تعبيرية (5) ظاهرة ونثروشعرية جليّة . فالهمّ الوطني والانساني حاضر دوما في كتابات كريم عبد الله، كما أنّ الهمّ الأدبي والجمالي حاضر أيضا بكتابة النص المواكب للقصيدة العالمية المعاصرة، وتحضر أيضا تلك العناصر المميزة للسرد التعبيري .

لقد تناولنا كثيرا من هذه المظاهر والمضامين الرسالية والفنية والجمالية في كتايات كريم عبد الله في كتابنا (التعبير الأدبي)  وفي غيره لأهمية هذا الشاعر، هنا سنعمد الى بحث أسلوبي في تجلّ تلك المظاهر الواقعية التعبيرية في شعر كريم عبد الله، وبالضبط نظام وحالة المزج بين ما هو واقعي وما هو تعبيري في الوحدات الكلامية من النصوص، ولقد بينا في مناسبة سابقة (6) أن الواقعية الجديدة في الشعر، لها أشكال منها النص البسيط كما عند أنور غني ومنها القصيدة السريالية كما عند فريد غانم ومنها السرد التعبيري كما عند كريم عبد الله، وأشرنا هناك أنّ الجامع لذلك هو اللغة المتموجة التي تتنقل بين التوصيلية والرمزية وبين الواقعي والخيالي .

 ومن المهمّ الأشارة هنا أنّ تلك التصنيفات والتسميات التي نعتمدها إنما هي وليدة الحاجة والضرورة لأجل مواكبة النص المعاصر والقصيدة المعاصرة، حيث أنّا في كتبتنا وبحثنا - وكما يعلم الكثيرون - نتجه من النص الى النظرية وليس العكس كما يفعل البعض بالنزول من النظرية الى النص بأحكأم مسبقّة وممارسة وصاية فنية وجمالية، لأنّ وظيفة النقد والبحث الأدبي هي متابعة النص وملاحقته والنظر اليه كظاهرة انسانية بتجرد وبحريّة من دون اسقاطات ولا تكلفات، وهذا ما نسميه النقد الصادق الذي لا يرى في النص الا ما فيه ولا يحاول أبدا تطبيق نظرية جاهرة على النص كما في المدارس البنوية وما بعدها من تفكيكية وأسلوبية والتي لا يمكنها الصمود أمام سعة تجربة وثراء القصيدة المعاصرة، بل لا بدّ من اعتماد نقد منفتح وحرّ ومرن وأمين ومؤمن بالنص، يضعه في المقدمة ليس فقط باعتباره مادة بحث فقط بل باعتباره منجماً للعطاء والاضافة مع اعتماد السهولة والوضح في الافكار والتعابير . وهذا ما يمكن أن نصفه (بمابعد الأسلوبية) في النقد والبحث الأدبي .هنا سنتناول مقاطع من مجموعة قصائد للشاعر كريم عبد الله نشير فيها الى ملامح الواقعية التعبيرية (الواقعية الجديدة) في الشعر كنماذج أسلوبية وأشكال كتابية . وهذه القصائد كلّها منشورة في مجلة تجديد الأدبية المكرّسة بالكامل لقصيدة النثر السردية الأفقية (7) .

من الموضوعات الحاضرة في شعر كريم عبد وكنموذج للرسالية والتعبير الانتمائي هو الحزن والأسى للخراب وآثار الحرب، اذ لا تجد نصّا له الا وتجده معجونا بهذا الحزن .

في تعبيرية عالية لواقع مرّ وأعمى يحضر الظلام فيه والأسى ويتخفّى خلف كلماته الفاعل المخرّب كحالة من المسكوت عنه ونظام من الغياب والحضور للمعاني والدلالات ، حيث يقول كريم عبد الله في قصيدة (خيانةٌ في تلافيفِ العقل)

(شمسٌ سوداء تتشمّسُ عليها خيانة أسئلةٍ مِنْ مقابرها الموغلةِ في أعماقِ الأنا . تتسلّلُ بلا صوتٍ بعنادٍ ترفضُ الظلامَ …/ دويٌّ يمعنُ حفراً في أخاديدِ تجاويفِ الروح يسرقُ الأمانَ لا يورّثُ إلاَ أرتالاً مِنَ المتاريس …/ كالشياطين تتراقصُ تُحكِمُ أقفالها على منافذِ رحلةٍ ملغومة تشدُّ إلى نفقٍ كابوسهُ طوييييييييييل ..)

انّها الشمس السوداء المظلمة (نظام رمزي) وأسئلة خائنة متجذرة في عمق الأنا (نظام تعبيري) في نظام مجازي رمزي، تتسلل بلا صوت عناد يرفض الظلام، انه الخواء ووجه الخراب (نظام توصيلي)، في (نظام سردي) . ثمّ ترجع اللوحة بصورة أخرى (فيسفسائية تعبيرية) (دويٌّ يمعنُ حفراً في أخاديدِ تجاويفِ الروح) (خيالية رمزية) هنا مرآة وترادف معنوي للجملة الأولى (مقابر موغلة في عملق الأنا)، مما يحقق الفسيفسائية . ثم هو (يسرقُ الأمانَ) (واقعية) وهنا شرج للشمس السوداء وهو ايضا فسيفسائية تعبيرية فهو (لا يورّثُ إلاَ أرتالاً مِنَ المتاريس …) (توصيلية وواقعية) وهنا يحضر خيط الى المسكوت عنه من حيث الارتال والمتاريس وهي وطأة الحرب .

في ما قدّمناه من استقراء أسلوبي كشف عن انظمة معقدة تعبيرية، تصف واقعا محزنا وآثارا مدمرة وظلاما يتجذر في النفس (الكلية)، بلغة متموجة تتراوح بين التوصيلية والرمزية وبين الواقعي والخيالي، وبسرد تعبيري بقصد الايحاء والرمز وليس بقصد الحكاية والقص، مع توظيف للفسيفسائية تجذيرا لرسالة النص وتمكينا للفكرة ومزيد بيان لوطأة وعمق المأساة، فانّ من أهم دواعي الكتابة الفسيفسائية هو تجذير الرسالة وتعميقها في نفس القارئ .

 و تحضر الواقعية التعبيرية بصور الحزن والأسى والخواء والخراب في قصيدة (قيامةُ الأدغالِ المرتجفة)

 (تفقّدَ أضلاعَ أيامهِ ../ كانَ ضلعٌ أعوج يتمطّى ../ تركَ القفص مهجوراً ../ بلا جدوى … غاباته الغارقة بأسى الشفق ../ أمطرتْ بـعشراتِ الحكايات ../ فشبَّ في النهاراتِ حريق ../ …… / لكنَّ مساحات الندم ../ إفترشتْ لوعةَ القنوط …المواعيدُ على غيمةِ الرحيل …/ التذاكر مسروقةٌ في كفِّ العطش .. حقولُ القمحِ فوقَ الصدرِ تحلمُ بنيّسان ـــ المناجلُ جرّحتْ أخاديدَ جوع الينابيع … على هاويةِ الحزنِ الساكت ../ شربوا الملذّات بكأسِ التشفّي …)

و هنا أيضا وبسرد تعبيري ونثروشعرية ظاهرة ولغة متموجة تتنقل بين الواقعي والخيالي والتوصيلي والرمزي، يوثق لنا كريم عبد الله الواقع المر والخارج الموضوعي السقيم، فالقاموس اللفظي لهذا االمقطع - وحده فقط - ينقل القارئ الى الحقول المعنوية المرتبطة بالخواء والخراب والحزن والأسى، ولقد بينا في مناسبة سابقة (7) أنّ القاموس النصي يمكن أن يوظف كمعادل تعبيري (9) دون الحاجة الى التراكيب الجملية المعنوية، بمعنى عدم انحصار التعبير بالجمل المفيدة بل ان مزاج النص وفضاؤه العالم والعالم الذي سيعيش فيه القارئ يعتمد كثيرا على قاموس الألفاظ التي يختارها المؤلف، وأنّ من خلال العلاقة بين القاموس النصي ومعاني الجمل ورسالة النص يمكن استخراج عدد من اشكال الانظمة التعبيرية المركبة والمعقد والتي تؤثر في وعي القارئ وهذا ما سنتناوله في مقالات قادمة ان شاء الله .

و أيضا من الأساليب التي يجيدها كريم عبد الله والتي هي من علامات الكتابات الواقعية هو توظيف المفردة اليومية والحياتية حتى انه احيانا يستعمل المفردات العامة كما هو معروف لمتابعيه، وكثيرا ما يستعمل أكثر المفردات حياتية ويومية والتي تخرج عن الشعر الرمانسي بالمرة يطعم بها الانظمة الرمزية  . في قصيدة (منشارٌ على قارعةِ الحكاية)

نجد العنوان منشار وهو خارج نظام القصيدة الرمانسية والكتابات الانتقائية، وهو مختار بشكل متعمد كما يختار غيره من المفردات اللاشعرية في الشعر، وهذا يذكرنا بحركة (الشعر ضد الشعر) بأن يكتب الشعر بمفردات غير شعرية هي في منتهى البساطة واليومية والحياتية او التقريرية فنجد القصيدة التقريرية او الاخبارية او اليومية وكل هذا هو من الواقعية الجديدة ان صيغت بشكل جيد ووظفت برمزية وايحائية تكسبها التوهج والابهار .

في هذه القصيدة (منشارٌ على قارعةِ الحكاية) يقول كريم عبد الله

(الحظوظُ شعثاء تحرّكُ شطوط الألم تنقلُ هوادجَ حزنِ الأرض، خَبَرتْ حنكةَ منشارٍ حاذقٍ يدمنُ لعبةَ إقتناص المغانمِ الوفيرة مبتسماً يمارسُ طقوسَ المكائدِ الساخنةِ، طوّفتْ في درابينهم الهاربة، تسارقُ بيقينِ قطّاعِ الرقاب، يتغلغلُ القحطُ في حكاياتِ أولادِ الدموعِ الرخيصة مذ كان الغراب يتوضأُ بالخطيئةِ هيّجَ إستعراض الجيوشِ الهائجةِ خيولَ الغزوات، تستحلبُ الضواري تقاويماً تستدرجُ الآلامَ في مزادٍ مجانيٍّ مرضعتهُ رثّةُ الضرعِ تروفُ وقتاً شحيح الألفةِ يتقافزُ على خارطةِ الزمنِ العجول ينزُّ مِنْ طيّاتهِ نحسٌ يذرقُ مبتهجاً في ماسورةِ الحلمِ يحلمُ أنْ يكونَ متأنقاً مرفوعَ الرمح تعلوهُ فضيحةُ الدسائسِ خيانةٌ مسعورةٌ تحشرجُ في أحاديث ملساءَ كجلدِ افعى تدفنُ بيوضها في صحراء تافهة تشتاقُ كثبانها نزعةَ توترٍ تعتصرُ نشوةً عجفاءَ بواعثها مركونة الى أجلٍ أعمى تسبحُ فيهِ رائحةُ القلق الخشن متخبطاً باللامبالاةِ تفخخه الاعلانات تحدُّ كتلٌ إسمنتية صماءَ.)

في هذا المقطع العالية النثروشعرية وبناء جملي متوصل، يحقق النص شكلا جديدا من التموج اللغوي، ليس من حيث التراكيب المعنوية بل من حيث المفردات فالنص يتنقل بين مستويات من الانشاء للمفردات فمن كلمة عالية الشاعرية الى كلمة يومية وبسيطة جدا وهكذا . فوسط الكلمات المنتقاة والعالية الشعرية نجد كلمات (منشار، درابين، الاعلانات، اسمنتية) .

وهنا تحضر ايضا الواقعية التعبير بما تقدم من مفردات يومية وبحضور الحزن والأسى والخراب والخواء، ساء على مستوى قاموس المفردات ام على التراكيب المعنوية والافادات . فمفردات (الحظوظُ شعثاء، شطوط الألم، هوادجَ حزنِ الأرض، منشارٍ حاذقٍ، المكائدِ الساخنةِ،، درابينهم الهاربة، تسارقُ بيقينِ، قطّاعِ الرقاب، يتغلغلُ القحطُ، يتوضأُ بالخطيئةِ، تستحلبُ الضواري، تستدرجُ الآلامَ، مرضعتهُ رثّةُ الضرعِ، وقتاً شحيح الألفةِ، الزمنِ العجول، نحسٌ، فضيحةُ الدسائسِ، خيانةٌ مسعورةٌ، تحشرجُ، أحاديث ملساءَ، كجلدِ افعى، صحراء تافهة، نشوةً عجفاءَ، أجلٍ أعمى، القلق الخشن، متخبطاً باللامبالاةِ، تفخخه الاعلانات)

انّ كريم عبد الله هنا كشف عن قدرة تعبيرية مهولة، حيث انه لم يترك اية امكانية للغة الا ووظفها لأجل بيان رسالته، فالالفاظ مختارة بشكل يمكن من القول ان الشاعر كان يعيش اللحظة الشعرية الغارقة التي تفيض بالتعابير، فما من مفردة الا وهي معبأة بالألم ومعبرة عن الخواء والعمى باكبر قدر من طاقاتها بحيث انه لا يمكن أداء تلك المعاني بغير تلك الالفاظ . كما انّه قدّم هنا مقطوعة تعبيرية لم تدع شيئا ذكرته الى ووجهته توجيها ذاتيها وتطرفت في وصفه وبالغت في نعته وحاله وهذه من معالم التعبيرية الحقّة، ولو أنّا اردنا تقديم نموذج للتعبيرية في الشعر فانّ هذا سيكون أحدها ليس على مستوى الشعر العربي بل العالمي أيضا .

كما أنّ هنا أساوبا آخر استخدمه المؤلف وهو تعدد الاصوات . حيث نجد تعدد الرؤى واضحا، ولكريم عبد الله قصائد بوليفونية متعدد الاصوات كثيرة (10). ونجد الرؤى والاصوات المتعددة المحققة للبوليفونية

الصوت الاول : الحظوظ الشعثاء: (الحظوظُ شعثاء تحرّكُ شطوط الألم تنقلُ هوادجَ حزنِ الأرض،)  فالتحريك والنقل افعال فاعلة تعبر عن تبئر خارجي ومحايد للمؤلف ويتجلى صوت الفاعل .

الصوت الثاني : المنشار: (خَبَرتْ حنكةَ منشارٍ حاذقٍ يدمنُ لعبةَ إقتناص المغانمِ الوفيرة مبتسماً يمارسُ طقوسَ المكائدِ الساخنةِ،) فحاذق ومقتنص للمغانم ومبتسم كلها تعبر عن جهة ورؤية الفاعل والشخصية النصية وليس المؤلف بالطبع .

الصوت الثالث : النحس: (ينزُّ مِنْ طيّاتهِ نحسٌ يذرقُ مبتهجاً في ماسورةِ الحلمِ يحلمُ أنْ يكونَ متأنقاً مرفوعَ الرمح تعلوهُ فضيحةُ الدسائسِ) فالنحس يذرق مبتهجا ويحلم ان يكون متأقنا مرفوع الرمح، وهذه كلها من بؤرة الشخص الثالث الذي لا يتدخل ويحايد بينما عبارة (تعلوه فضيحة الدسائس) هي من انطباع ورؤية المؤلف . وهكذا في باقي النص . ومن الواضح أن البوليفونية وتعدد الاصوات والذي هو من سمات الرواية اساسا، غالبا ما يكن في الشعر ملتصقا بالرسالة والانتماء وبيان الواقع واداة تعبيرية للتعبير عن الخارج والموضوعي ويختلف جدا عن التعبيري الغنائي والرمانسي الغارق في الذاتية .

 

د. أنور غني الموسوي

 

شعراء الواحدة (5): دوقلة المنبجي / يتيمة الدهر الدعدية .. رؤى جديدة وأسئلة مثيرة

karem merza1 - المقدمة: لأيم الله أنا حائرٌ لمن أنسب هذه  القصيدة الدعدية  اليتيمة الكاملية (من البحر الكامل، عروضها حذاء، وضربها مضمر)، عدد أبياتها مختلف فيه بين 60  إلى 66 بيتاً، تسلسل أبياتها غير متفق عليه، مترادفات كلماتها متباينة حتى يكاد كلّ بيت يروى بصياغة مختلفة ، مما يشير إلى أنّ العديد من الشعراء عبثوا بها لينحلوها لهم غصباً، وكل واحد منهم يزعم  نسخته هي الصحيحة الأصيلة، لأنه صاحبها، وما عداها صورة مشوهة لولادة غير شرعية، الحق أنّها فريدة جميلة يتيمة، يتيمة لا من حيث تسببت في مقتل  مبدعها فتيتمت، ولا  لأنها واحدة شاعرها، لا أخت لها، لا ولا... !! أنا عندي هذه المسكينة يتيمة  لأنها عرضة للعبث والتحرش بها لكلّ من هبَّ ودبَّ دون خجل ولا حياء، لا راعي لها، ولا ولي لأمرها،  كلّ يقول أنا لها، ولا يدري ما سرّها إلا الذي بدعا   !!

2 - صورتان لا تجتمعان حتى لو تشكيليا...!!:

يعني لا أريد أن أجرجرك إلى يتم المسكينة المطعون بشرفها رغم عفتها وأنفها ...!! أنت  - بربّك - لا توافقني الرأي حين أقول شاعر هذه الأبيات  الرجولية العفيفة الحكيمة الرائعة :

ولقد عَلِمْـــــتِ بأنَّني رَجُـــــلٌ ***** فــــي الصالحاتِ أروحُ أو أغْـــدوا

بَرْدٌ على الأدْنى ومَرحَمَــــــــــةٌ ****** وعلـــى المكـــارِهِ باسِــلٌ جَلْــدُ

مَنَعَ المطامــــــعَ أن تُثَلِّمَنـــــي ****** أنِّــــي لِمِعْوَلِــها صَــــفَاً صَــــلْدُ

فأظـــلُّ حُـــرّاً مــن مَذَلَّتِهـــــا****** والحُـــرُّ حيـــن يُطيعُــهـــا عَبْـــــدُ

آلَيْـــــتُ أمـــدحُ مُقْرِفأً أبـــــــداً******* يَبْقـــى المديـــحُ ويَنْفَـــدُ الرِّفْـــدُ

هيهـــات يأبــــى ذاك لـــي سَـــلَفٌ ****** خَمَدوا ولـــم يَخْمَدْ لـهم مَجْــدُ

فالجَـــدُّ كِنْــــدَةُ والبَنـــونَ هــــمُ  ****** فَزَكـــا البَــنونَ وأنْجَــــبَ الجَــدُّ

فلَئِـــنْ قَفَـــــوْتُ جميــــلَ فِعْلِهِــــمُ ****** بِذَميــــمِ فِعْلــــي إنّنــــي وَغْـــدُ

لا يمكن بأي حالٍ سكران، تعبان، بطران ...!! أن يضع  هذين البيتين  الفاحشين حتى العهر الساقط الرذيل:

ولها هـنٌ رابٌ مجستـه**** وعر المسالك حشوه وقـدُ

فإذا طعنت طعنت في لبـدٍ *****وإذا نزعـت يكـاد ينسـد

النقد - لعنه الله -  تجبرني لذته أن أعرّي العارين تماما من شرف الكلمة، والاحترام الآدمي ، ولو أن شرف النفاق والرياء لأعرى وأسقط  وأرذل ...!!، ولعلك تعلم:(هن) من الأسماء الستة، حذفت لندرة استعمالها على ذمة فحشها وعيبها، فقيل الأسماء الخمسة، جزماً لم أضم هذين البيتين للقصيدة، وحاولت جاهداً أن أختار أقرب االنصوص صحة لجمالية  الفريدة الخالدة في لغة العرب ...!! القصيدة اشتهرت منذ العصر العباسي الأول، لذلك نسبت لأبي الشيص والعكوك العباسيين، وهذا عصر يضم كثيراً من الشعراء المتهتكيكن الخبثاء، وهي أيضاً نسبت لأبي نؤاس، والشعراء - في خلواتهم -  مزاحهم ثقيل، وعبثهم متهتك لعين، لابد أنهم وضعوها على مشرحة فسقهم، ونالوا منها ما شاءوا، أو من بعدُ شعراء أواخر القرن الرابع الهجري، لعبوا بها ما لعبوا - سيأتي الحديث -  لأن البيتين السابقين الفاجرين، لا يقولهما إلا شاعر شاعر، ولله في خلقه شؤون، وعليهم عيون ...!!

نعم القصيدة ملئت الدنيا، وشغلت الناس، رائعة، بل من أروع الشعر العربي عشقاً ورقّة ووصفاً وحكمة وبلاغة وإحساسا، وقد تنازع عليها أربعون  شاعر، كل يدّعيها لنفسه، بعضهم من الشعراء المشهورين، وبعضهم من الشعراء المغمورين، ولكن رست الحال  على دوقلة المنبجي، ولم تنسب إليه قصيدة أخرى،  مَنْ هذا الدوقلة المنبجي ؟!!

 

3 - دوقلة المنبجي:

هو الحسين بن محمد المنبجي، نسبة لبلدة منبج السورية المعروفة بتاريخ الأدب العربي، لم يذكر لنا التاريخ سنة ولادته، ولا تاريخ وفاته، ولكن نستطيع أن نجتهد أنه أول المنبجيين من الشعراء المشهورين في تاريخ الأدب العربي  أي سبق البحتري ولادة  بجيل، فهو بزغ في عصر المأمون، وربما مات في عصره، والبحتري جاء من بعده عاش ما بين (206 - 284 هـ / 820 - 897م)، وبزغ في عصر المتوكل الذي تسنم عرش الخلافة بعد عمّه المأمون بخلفتين، أبيه المعتصم، وأخيه الواثق، أما أبو فراس الحمداني (320 - 357 هـ / 932 - 968 م)، فمتأخر عليهما بنيف وقرن من الزمان، ومعاصرنا عمر أبو ريشة، ذاك اليوم مات ...!!، عاش بين (1910 - 1990م) .

جاءت ترجمة شاعرنا التي تنسب إليه هذه الدعدية  قصيرة في (تراجم شعراء الموسوعة الشعرية) وفي الكتاب (دواوين الشعر العربي على مر العصور)، وفي كتاب (فهرس شعراء الموسوعة الشعرية)، كالآتي:

" دوقلة المنبجي:

? - ? هـ / ? - ? م

الحسين بن محمد المنبجي، المعروف بدوقلة.

شاعر مغمور، تنسب إليه القصيدة المشهورة باليتيمة، ووقعت نسبتها إليه في فهرست ابن خير الأندلسي وهي القصيدة التي حلف أربعون من الشعراء على انتحالها ثم غلب عليها اثنان هما أبو الشيص والعكوك العباسيان، وتنسب في بعض المصادر إلى ذي الرمة، وشذ الآلوسي في بلوغ الأرب فجعلها من الشعر الجاهلي، وتابعه جرجي زيدان في مجلة الهلال (14-174)، وخلاصة القول أن القصيدة كانت معروفة منذ القرن الثالث الهجري عند علماء الشعر، وأول من ذهب أنها لدوقلة هو ثعلب المتوفى سنة 291هـ "

 

4 - القصيدة من البحر الكامل، عروضها حذاء (فَعِلُنْ)، وضربها أحذ مضمر (فَعْللُنْ):

مُتَفَاعِلُنْ  مُتَفَاعِلُنْ  فَعِلُنْ **** مُتَفَاعِلُنْ  مُتَفَاعِلُنْ  فَعْلُنْ

القافية: متواترة .

لاريب أن الضرب جاء أحذ مضمر، والقافية متواترة للتوافق مع اسم حبيبته (دَعْدُ)، بوعيٍّ منه، أو لا وعي..!!

 

1 - هل بالطُّلول لِسائِلٍ رَدُّ؟***** أَمْ هل لها بِتَكَلُّمٍ عَهْـــــــدُ؟

2 - دَرَسَ الجَديدُ جَديدُ مَعْهَدِها **** فَكَأنما هي رَيْطَةٌ جَــرْدُ

3 - مِن طولِ ما يَبْكي الغَمامُ على** عَرَصَاتِها ويُقَهْقِهُ الرعْدُ

4 - وتَلُثُّ سارِيَةٌ وغادِيَـةٌ **** ويَكُرُّ نَحْسٌ بعدهُ سَعْـــــــــــدُ

5 - تَلْقى شآمِيَةٌ يَمانِيَــةً**** ولها بِمَوْرِدِ ثَرِّها سَـــــــــــــرْدُ

6 - فَكَسَتْ مَواطِرُها ظَواهِرَها *** نَوْراً كــــأنَّ زَهاءَها بُــــرْدُ

7 - تَنْدى فَيَسْري نَسْجُها زَرَداً**** واهِي العُـــرى ويَغُرُّه عَقْـدُ

8 - فَوَقَفْتُ أسألُها وليس بهــا ***** إلاّ المهَا ونَقانِـــــقٌ رُبْـدُ

9 - وَمُكَدَّمٌ فــي عانَةٍ جـــــزأت ****حَتّـى يُهَيِّجَ شَــأوَها الوِردُ

10 - فَتَناثَرَتْ دُرَرُ الشؤونِ على **** خَـــدِّي كما يَتَناثَرُ العِقْـدُ

11 - أَو نَضحُ عَزلاءِ الشَعيبِ وَقَد ****راحَ العَسيف بِملئِها يَعدو

12 - لَهْفي على دَعْدٍ وما خُلِقَـــــتْ ***** إلاّ لِطولِ تلَهُّفي دَعْــدُ

13 - بَيْضاءُ قد لبِسَ الأديــمُ أديْـ*** ـمَ الحُسْنِ فَهْــوَ لِجِلْدِها جِلْدُ

14 - وَيَزيِنُ فَوْدَيْها إذا حَســـــرَتْ **** ضافي الغَدائرِ فاحمٌ جَعْدُ

15 - فالوَجْهُ مِثْلُ الصُّبْحِ مُبْيَضٌّ**** والشَّــــعْرُ مِثْلُ الليلِ مُسْوَدُّ

16 - ضِدَّانِ لمّا استَجْمَعا حَسُنــــا*** والضِّدُّ يُظْــهِرُ حُسْنَهُ الضِّـدُّ

17 - وجبينُها صَلْتٌ وحاجِبُهــــا *****شــخْتُ المَخَطِّ أزَجُّ مُمْـــتَدُ

18 - وكَأنَّها وَسْنى إذا نَظَــــــرَتْ ******أوْ مُدْنَــفٌ لَمَّــا يُفِقْ بَعْـدُ

19 - بِفتورِ عَينٍ ما بِها رَمَــــدٌ ****** وَبِها تُداوى الأَعيُنُ الرُمــدُ

20 - وَتُريكَ عِرنيناً بـــه شَمَـــمٌ******وتُـريك خَــــدّاً لَونُـــهُ الوَردُ

21 - وَتُجيلُ مِسواكَ الأَراكِ عَلــــى *****رَتـــلٍ كَـأَنَّ رُضابَهُ الشَهدُ

22 - والجِيدُ منها جيدُ جازئــــةٍ ******تعطو إذا ما طالهـــا المَــردُ

23 - وَكَأَنَّما سُقِيَت تَرائِبُهـــــا ******وَالنَحرُ مـــــاءَ الحُسنِ إِذ تَبدو

24 - وَاِمتَدَّ مِـــن أَعضادِها قَصَبٌ *******فَعمٌ زهتـــهُ مَرافِــــقٌ دُردُ

25 - وَلَها بَنــــــانٌ لَو أَرَدتَ لَــــه **** عَقــــداً بِكَفِّـكَ أَمكَنُ العَقــــدُ

26 - وَالمِعصمان فَمـــــا يُرى لَهُما ******مِــــن نَعمَةٍ وَبَضاضَةٍ زَندُ

27 - وَالبَطنُ مَطوِيٌّ كَما طُوِيَــــت ******بيضُ الرِيـاطِ يَصونُها المَلدُ

28 - وَبِخَصرِها هَيَــفٌ يُزَيِّنُــــهُ *******فَــــإِذا تَنـــوءُ يَكـــــادُ يَنقَـــدُّ

29 - وَالتَـــــفَّ فَخذاها وَفَوقَهُـــم *****كَفَـــلٌ كدِعصِ الرمـــل مُشــتَدُّ

30 - فَنهوضُها مَـــثنىً إِذا نَهَـــضتْ *****مِــن ثِقلَـــهِ وَقُعودهـــا فَــردُ

31 - وَالســــاقِ خَرعَبَةٌ مُنَعَّمَـــةٌ ****** عَبِــلَت فَطَـــوقُ الحَجلِ مُنسَدُّ

32 - وَالكَعــــبُ أَدرَمُ لا يَبينُ لَــــه ******حَجـــمً وَلَيــسَ لِرَأسِـــهِ حَـــدُّ

33 - وَمَشَت عَلــى قَدمَيــــنِ خُصِّرتـــا ***** واُلينَتـــا فَتَكامَـــــلَ القَـــدُّ

34 - إنْ لم يَــــكُنْ وَصْــلٌ لَدَيْكِ لنـــا*****يَشْفي الصَّبـــابَةَ فَلْيَكُنْ وعْــــدُ

35  - قد كـــــان أوْرَقَ وصْلُكُم زَمَنــــاً *****فَذَوى الوِصالُ وأوْرَقَ الصَّدُّ

36  - للَّهِ أشْـــواقٌ إذا نَزَحَـــــــــتْ ******دارٌ بِنـــا، ونَبــا بِكُـــــمْ بُعْـــــدُ

37 - إِن تُتهِمي فَتَهـــــــــــامَةٌ وَطني *******أَو تُنجِدي يكنِ الهَـــوى نَجدُ

38 - وَزَعَمتِ أَنَّكِ تضمُريـــــــنَ لَنــــا ******** وُدّاً فَهَلّا يَنفَـــــعُ الــــــوُدُّ

39 - وَإِذا المُحِــــبُّ شَكا الصُدودَ فلَــــم ******** يُعطَف عَلَيـــهِ فَقَتلُهُ عَمدُ

40 - تَختَصُّها بِالحُبِّ وُهـــــيَ علـــــى ******ما لا نُـــــحِبُّ فَهكَــــذا الوَجدُ

41 - أوَ ما تَرى طِمــــــرَيَّ بَينَهُمــــا ***** رَجُـلٌ أَلَـــــحَّ بِهَزلِـــــهِ الجِــــدُّ

42 - فالسَّيفُ يَقْطَعُ وهْـــــوَ ذو صَدَأٍ ****** والنَّصْلُ يَفْري الهــــامَ لا الغِمْدُ

43 - لا تَنْفَعَـــــنَّ الســــيفَ حِلْيَتُـــهُ *********يــــومَ الجِـــــلادِ إذا نَـبا الحَدُّ

44  - ولقد عَلِمْـــــتِ بأنَّني رَجُـــــلٌ ***** فــــي الصالحاتِ أروحُ أو أغْـــدوا

45 - بَرْدٌ على الأدْنى ومَرحَمَــــــــــةٌ ****** وعلـــى المكـــارِهِ باسِــلٌ جَلْــدُ

46 - مَنَعَ المطامــــــعَ أن تُثَلِّمَنـــــي ****** أنِّــــي لِمِعْوَلِــها صَــــفَاً صَــــلْدُ

47 - فأظـــلُّ حُـــرّاً مــن مَذَلَّتِهـــــا****** والحُـــرُّ حيـــن يُطيعُــهـــا عَبْـــــدُ

48 - آلَيْـــــتُ أمـــدحُ مُقْرِفأً أبـــــــداً******* يَبْقـــى المديـــحُ ويَنْفَـــدُ الرِّفْـــدُ

49 - هيهـــات يأبــــى ذاك لـــي سَـــلَفٌ ****** خَمَدوا ولـــم يَخْمَدْ لـهم مَجْــدُ

50 - فالجَـــدُّ كِنْــــدَةُ والبَنـــونَ هــــمُ  ****** فَزَكـــا البَــنونَ وأنْجَــــبَ الجَــدُّ

51 - فلَئِـــنْ قَفَـــــوْتُ جميــــلَ فِعْلِهِــــمُ ******بِذَميــــمِ فِعْلــــي إنّنــــي وَغْـــدُ

52 - أجْمِـــــلْ إذا حاولــــتَ في طَلَـــــبٍ ****فالجِــــدُّ يُغْــــني عنــــك لا الجَـــدُّ

53 - وإذا صبَــــرْتَ لِجَهْــــدِ نـــازِلَــــةٍ *******فكَأنَّـــما مـــا مَسَّـــكَ الجُهْـــــــدُ

54 - وطَريــــــدِ لــــيلٍ ســــاقَهُ سَـــغَـــــبٌ *****وَهْنــــاً إلَـــــيَّ وقــــــادَهُ بَـــرْدُ

55 - أوْسَعْــــــتُ جَهْـــــدَ بَشاشَـــــةٍ وقِرىً*****وعلى الكريـــمِ لضَيْـــــفِهِ جَهْـــدُ

56 - فَتَصَــــرَّمَ المشْتى ومَرْبَعُــــــــهُ *******رحْـــــبٌ لــــديَّ وعَيْشُــــهُ رَغْــــــدُ

57 - ثـــــمّ اغتَــــــدى ورداؤهُ نِعَـــــمٌ*******أسْـــــأرْتُهـــــا وردائــــــيَ الحَمْـــــدُ

58 - لِيَـــــكُن لَدَيـــــكَ لِســــائِلٍ فَــــرَجٌ ******إِن لِــــم يَكُـــــن فَليَحسُــــن الـــــرَدُّ

59 - ياليــــــتَ شِـــــــعْري، بعـــــــد ذلكمُ ******ومَحـــــالُ كــــلِّ مُعَمَّــــــرٍ لَحْــــدُ

60 - أصَريــــعَ كَلْــــمٍ أم صَريـــــعَ ضَنـــىً***** أرْدى؟ فليــــسَ مــــنَ الرّدى بُـــدُّ

 

5 - تعقيب: عودٌ على بدء:

شاعر اليتيمة الدية رسّام ناطق من طراز رفيع يصل للمعجزة الإلهامية، كأنما يضع حبيبته أمام ناظريك عارية  بشحمها وولحمها، وتقول سبحان الخالق المبدع، ما كان يعوزها إلا الشعراء الشعراء الخبثاء ليكملوا ويتمموا بالبيتين المجرمين ...!!  ومع هذا لم تخلُ من رقة  ولا أعذب، وسلاسة ولا أجزل، وحكمة ولا أعقل ... قصيدة متكاملة من جميع جوانبها

ولمّا نسبت القصيدة:

لأبي الشيص الخزاعي (130 - 196 هـ / 747 - 811 م)، وهو محمد بن علي بن عبد الله بن رزين بن سليمان بن تميم الخزاعي - ابن عم دعبل الخزاعي الشهير - وتوجد في ديوانه . وإلى (العكوك)، وهو علي بن جبلة بن عبد الله الأبناوي، ويكنى أبا الحسن، ويلقب بالعكوك علي بن جَبلة بن مسلم بن عبد الرحمن الأبناوي، ولد سنة 160 هـ / 776 م ـ توفي سنة 213 هـ / 828 م . وهو شاعر عراقي مجيد، أعمى، أسود، أبرص، من أبناء الشيعة الخراسانية، ولد بحيّ الحربية في الجانب الغربي من بغداد ويلقب بالعَكَوَّك وبه اشتهر ومعناه القصير السمين، ويقال إن الأصمعي هو الذي لقبه به حين رأى هارون الرشيد متقبلاً له، معجباً بهم . وقيل لأبي نؤاس كما يذكر فاروق شوشة في كتابه (أحلى 20 قصيدة حب  في الشعر العربي)....

و لكن الذي ثبتها لدوقلة، شيخ الكوفيين في النحو العربي ثعلب، وهو أبو العباس أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار، عاش بين (200-291هـ/816-904م)، رجل ثقة كبير، له حافظة قوية، وأسلوب في الخطابة، لا يضاهيه أحد فيها حتى  أبو العباس المبرد شيخ البصريين.

مما سبق نستطيع أن نطمئن أن القصيدة ولدت أيّام صدر العصر العباسي الأول، لأنها نسبت لشعراء معروفين ومشهورين من ذلك العصر، وثبتت في دواوينهم، ونخص أبا شيص والعكوك، لذا من المحال أ مثل هذه القصيدة الرائعة تعبرعلى  أمثال ابن سلام الجمحي، والأصمعي، وخلف الأحمر.... ثم أن أسلوب القصيدة ليس بإسلوب الشعر الجاهلي، ولا تسير على نهجه، وليست من أغراضه، القصيدة الغزلية الكاملة، وبهذه الإباحية، والوصف الدقيق لمفاتن المرأة، بزغت في العصر الأموي، وعلى يد الشاعر الشهير عمر بن أبي ربيعة (ولد 644 م / 23 هـ - توفي 711م / 93 هـ) .

لذلك أنا في شكٍّ كبير ممن ينسبها لذي الرمة، ولا أذهب مع الشيخ الآلوسي، ولا مع جرجي زيدانه، وهلاله في جاهليتها ، وإنما القصيدة عباسية، ولدت في العصر الذهبي ما بين هارونه ومأمونه ...!!

 

6 - هل هو انتحارٌ أم أسطورة للخيال الشعبي ... متأثراً بعصر ألف ليلة وليلة ؟!!:

هل هو انتحار، صيّره الضمير الشعبي لأسطورة، أم ماذا ؟ اقرأ معي البيتين الآخيرين من القصيدة:

59 - ياليــــــتَ شِـــــــعْري، بعـــــــد ذلكمُ ******ومَحـــــالُ كــــلِّ مُعَمَّــــــرٍ لَحْــــدُ

60 - أصَريــــعَ كَلْــــمٍ أم صَريـــــعَ ضَنـــىً***** أرْدى؟ فليــــسَ مــــنَ الرّدى بُـــدُّ

 

هذا انتحار برسم البيتين ؟ فهل كان  معمراً كهلاً - وهذا ما أرتأيه - عند نظم القصيدة؟

ويبدو لي جلياً قد هُدّد بالقتل، إن تمادى بالعشق والهيام، واختار الموت، وقال مع نفسه، ما ردد سعد بن معاذ ذات يوم في غزوة الأحزاب ...!!:

لبّث قليلا يلحق الهيجا حملْ ***لابأس بالموت إذا الموت نزلْ

وللقصيدة الشهيرة قصة ممتعة   ما بعدها إمتاع، ولا مؤانسة، ربّما نسجها الخيال الشعبي، أو رتبها أحد الرواة، لينشر بضاعته بين الحفاة ... لتغدو إحدى الأسطورات الباقيات !!.

قصص ألف ليلة وليلة  الشهيرة كتبت بمهارة فائقة في منتصف القرن الرابع الهجري - أي بعد موت المتنبي بعقد أو عقدين -  سنوات أبي حيان التوحيدي والوزيرين ابن العميد والصاحب بن عباد والسلاطين البويهيين، وكان هذا أبو الحيان قد ألف  كتابه (الإمتاع والمؤانسة)  وهو من الكتب الجامعة وإن غلب عليه الطابع الأدبي، تقول الموسوعة الحرة عنه "هو ثمرة لمسامرات سبع وثلاثين ليلة نادم فيها الوزير أبا عبد الله العارض. كتبها لصديقه أبي الوفاء المهندس، تقلب فيها الكلام وتنوع من أدب إلى فلسفة إلى شعر إلى مجون إلى فلك إلى حيوان إلى مشاءت ثقافة تلك العصرأن تأخذنا فهو أشبه بموسوعة غير مرتبة ودائرة معارف لا نظام فيها "، وهذا طابع ألف ليلة وليلة، ولا ننسى في هذا العصر بزغ نور أدب المقامات على يد بديع الزمان الهمذاني،  وتلميذه أبي محمد القاسم الحريري، وهذا الأدب أيضا جمع بين النثر والشعر، والشخصيات الوهمية ...

أقول: وهذه القصيدة (اليتيمة الدعدية)، قد مرّت بهذا العصر الذي امتزجت فيه الأساطير الشعبية بأدب الفصحى نثراً وشعراً،  لاريب أنهم وضعوها على دكّة التشريح، وعبثوا بها كأسلافهم شعراء صدر العصر العباسي الأول، وقدموها في مجالس أنس وإمتاع وزرائهم، لعلهم يتذكرون ...!!

أنقل إليك إحدى الرويات، واحسبها عليّ من قصص ألف ليلة وليلة، وإن أبيت، توقعها واقعاً، ولِم لا ؟ والليالي يلدن كلّ عجيب ..!!

تقول الروايات: إنه كان لأحد أمراء نجد في العصور القديمة ابنة فائقة الجمال والذكاء مبدعة في الشعر اسمها (دعد) تهافت عليها الخطاب وهي ترفض وتشترط في من يتزوجها أن يصفها بقصيدة تخلدها وتكون أجمل من شعرها....سار ذكر الأميرة دعد في الآفاق وطار وتسابق الشعراء في وصفها رغبة في الحظوة والزواج، ولكنها - لذكائها وثقافتها - تنتقد قصائدهم واحداً بعد واحد وتُظهر مافيها من المثالب...وسمع (دوقلة المنبجي وهو شاعر مجهول)... بالقصة والشرط، وكان قد رأى هذه الأميرة الجميلة فأبدع قصيدته الشهيرة، وسار اليها يريد أن ينشدها بين يديها، وفي الطريق الصحراوي صاحبه أعرابي وسامره وسأله عن سبب سفره فذكره له وأسمعه القصيدة فطرب لها الأعرابي وطلب إعادتها مراراً ودوقلة مسرور من إعجاب الأعرابي بشعره، حتى حفظ الأعرابي القصيدة كاملة، فقتل دوقلة غيلة وهو نائم وحثّ الخطى إلى الأميرة دعد وأنشد بين يديها القصيدة فطربت لها طرباً شديداً،  وطلبت من الأعرابي أن يزيد فيها بيتاً - كي تختبره - فعجز وأصابه العي، وحاورته فأحست أنه كاذب وقاتل، فقالت لحراسها: اقتلوه فإنه قتل مبدع القصيدة وسرقها ولو كان قائل القصيدة حياً لتزوجته فوراً.. فسألها والدها: وكيف عرفتِ أنه سرق القصيدة، فقالت: لأنه يقول::

إِن تُتهِمي فَتَهامَةٌ وَطني ****أَو تُنجِدي يكنِ الهَوى نَجدُ

والأعرابي ليس من تهامة ولا في لهجته شيء من هوى نجد، كما انه عجز عن اضافة بيت واحد فقُتل....

إنا لله وإنّا إليه راجعون، نحن ننادي في (انتصارنا للمرأة العربية)، أن تقتسم مع الرجل مسؤولية القرارات السيادية كاملة مكمّلة، وهنا تاريخنا طلّعها قاتلة أكثر من الرجل ... هذي طركاعة، بطلت عمي ..(فوت بيها وعَ الزلم خليها)، و(شرّ البليةِ ما يضحكْ)، فيُدهينا  ...مع السلام والاحترام ... شكراً لمرافقتي .

 

كريم مرزة الأسدي

 

التاريخ المسرحي بين الانثروبولجيا والتنقيب الآثاري

jasim alayffيحدد "هـيغـل" الجمال صفة للروح والوعي، بسبب الطابع التأملي الذاتي، وتماثل تمام الأجزاء والكل، كنتيجة منطقية لوجهة النظر المثالية. ويؤكد أن "علــم الجمـــال" يتجســـد بشكل حسي موضوعــي في إطـــلاق حريـــة الإبـــداع والمعــرفة في مكونــات الحياة الإنسانية، الاجتماعية - السياسية والروحية.كما يذهب إلى إن، الجمال الفني، من حيث انه، فكرة، يغدو سهل التعريف، ويضيف:" الجمال لا يمكن أن يقتصر على مفهومه العام وحده، بل يستلزم أيضاً، توضيحات وتخصيصات، ولا مناص له بالتالي من الخروج من دائرته الذاتية ليدخل في التعيين الواقعي". بينما يتم توسيع النظر إلى جوانب الجمال بالنسبة لوجهة النظر المادية بإعطائها طابعاً تاريخياً وإكسابها مضموناً اجتماعياً، حيث "الجميل إنتاج للممارسة الاجتماعية التاريخية" أي تحويل الجانب الحسي إلى ممارسة "السيادة" على الأشياء وذلك بمنح اللذة الروحية والمتعة الجمالية دوراً معرفياً. يعترف الباحث كمال عيد في كتابه "علم الجمال المسرحي" بصعوبة معرفة البدايات التاريخية لعلم الجمال على المستوى النظري، متجاوزاً ذلك إلى البحث في تحديد ماهية التفكير الجمالي، لكون تلك المبادئ تُعتبر المصدر الأساس للكثير من المبادئ والقيم الإنسانية الأخرى، مثل الخير والتعبد للفن، والشعر، والموسيقى، ولكون علم الجمال معنياً بالوصف والتغير بالنسبة للظواهر الفنية تم قياس التجربة الجمالية بالاستعانة بعلم النفس، وعلم التاريخ وعلم الاجتماع، وعلوم أخرى متشابكة في مناهجها ومدلولاتها مع الجمال. إن أصل كلمة "الجمالية" في اليونانية القديمة يعني "وعي الذات الاستبطاني" أو "الإدراك بالترابط"ن ومصطلح "الجمالية" يصبح أكثر تعقيدا و صعوبة في البحث عن دلالته، ففي حوالي "388-310" ق.م، وفي اليونان القديمة افتتحت مدرسة لـتقليد الجماليات، ليصمت بعد ذلك علم الجمال، والحديث عنه، حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، حيث يبرز الألماني "بومجارتن" وكتابه "تأملات" والذي هو مجموعة محاضرات ألقاها على طلبة جامعة فرانكفورت في ألمانيا, محدداً فيها ولأول مرة اصطلاح " AESTHETIC" كدلالة على فلسفة الجمال والفن مستفيداً من نظام التطبيق الحسابي في الموسيقى , ومحاولاً الارتفاع بالقيمة الفلسفية في علم الجمال، أسوة بما كان مُتبعاً في علمي المنطق والأخلاق. وقد قاده ذلك إلى البحث في متطلبات الفن حيث يتساوى، الشعر والتمثيل، بالظهور عن طريق، القول، والموسيقى والأوبرا، عن طريق الاستماع،والمشاهد البصرية في، الفنون التشكيلية. ولغرض اعتماد قبول العمل الفني ايجابياً، يقتضي وجود حلقة اتصال حسية بين "المرسل والمستقبل". ثم تضيء الانثروبولجيا الوصفية وعلم الآثار الدلالات الجمالية، حيث بدايات المحاكاة والتقليد خلال العصر الحجري في المغارات والكهوف، وتقود الشواهد العينية إلى الاهتمام بنشاط العمل الواقعي، في الفعل بشكل تصويري عندما يتم تقليد الأحداث الواقعية ذاتها. وبهذا فان الأدب الدرامي بدأ حدثاً وان فن التمثيل بدأ صامتاً، بلا حوار ومعتمداً على حركات اليدين والقدمين والحواس الأخرى، وعبر هذا وذاك، تكــونت الظاهــرة الاجتماعيــة الأولــى في فن التمثيــل، والتي تسمـــى "مسرحيــة الحياة " بعناصــرها الثلاثة، قبل، وأثناء، وبعد العمل، ومن ذلك انبثقت مسرحيات الأعياد والمناسبات الطقسية، والتي تطلق مشاعر الإنسان وأحاسيسه، ويسعى هذا النوع من المسرحيات من خلال استخدام اليد والحجر والسهام إلى التأثير على الطبيعة والواقع والآخر. أن المسرح الحديث يعود إلى "المفهوم القديم" من حيث اعتبار النص والممثل والجمهور في الدرجة المثالية، وهو المعادل الموضوعي لما عرف في المسرح القديـــم،" الدور، الحدث، الجمهور"، استناداً إلى ذلك يقدم الباحث "عيد"، وجهة نظره في تاريخ المسرح، حيث يعارض البحوث العالمية والمحلية الكثيرة والتي تقرر: أن الأصل في المسرح والمسرحية أنهما قد خرجا من المسرح اليوناني القديم ومن عبادة وطقوس آلهة اليونان القدامى. ويرى، مع قلة من الباحثين في تاريخ المسرح من الأجانب والعرب، أن التجربة المسرحية الأولى هي تجربة وادي النيل، بعد أن تم فك رموز الكتابة الهيروغليفية، وقد أطلق على بعض رموزها لفظة "حوارات درامية" حيث "يمكننا أن نقول بوجود ما يسمى بالفرقة المسرحية المتجولة الفنية"، ويتأكد هذا الاستنتاج بوجود شخصيات مسرحية مثل ايزيس، اوزيوس، موراس، ضمن الأسطورة الفرعونية المعروفة " ايزيس". أما التجربة المسرحية الثانية فقد انبثقت في بلاد ما بين النهرين، وفي مدينة آشور تحديداً، وعبر الدراسات الآركيولوجية الحديثة تم العثور على ألواح ورقم طينية تحتوي على نصوص تتضمن حوارات "درامية"، ومنها المسرحية المعروفة باسم "الموت والبعث" وغيرها من علامات توضح توفر الشكل الطقوسي المسرحي في بلاد ما بين النهرين خلال القرنين السابع والثالث "ق. م"، وثمة لوح عثر عليه خلال التنقيب الاثاري، في بلاد ما بين النهرين، ويعرف باسم "طريق وزيارة الإلهة عشتار إلى الجحيم"، وكذلك العمل المسرحي الدرامي المسمى، "شعائر ميثراس"، وكانت حينها تقدم بالأقنعة التي يرتديها الممثلون، كجزء لازم، من متطلبات العمل المسرحي. ويضاف إلى ذلك النص البابلي المعروف بـ "التشاؤم" والذي عده الباحث والمؤرخ الألماني "ا.هوفر- هلزيرج" كأول تمثيلية "مـرحـة" في تاريخ المسرح، أي ما يعادل الآن المسرحية الكوميدية. و جاء ذلك في دراسته المعنونة "أقدم نص مسرحي في الأدب العالمي وتأثيره " والتي نشرها في مجلة المسرح العالمي الألمانية "العدد3-4 سنة 1937"، و"هذا النص ، البابلي، الغريب ، المعروف باسم "حوار التشاؤم" تسري فيه روح المرح والعبث والسخرية وهو حوار بين السيد والعبد يعد من أقدم النصوص الدراميـــة في تأريــــخ الأدب المسرحـــي العالمــي". إضافــة إلى علامـــات أخـــرى تصــل إلينــا من عهــد الاسكنــدر الأكبـــر "323-356" ق.م. مع وجود شواهد مسرحية في أماكن أخرى في العالم متفرقة هنا وهناك، كان يجري فيها التمثيل المسرحي وقتذاك، وقبل ما مدون من تاريخ مختص بالمسرح اليوناني القديم. أما المسرح المعاصر فهو يمثل جزئاً ضئيلاً في الحياة العامة، و هذه الخشبة الصماء القائمة على فراغ لا بد منه، هي شكل تجريدي إلا أنها تترجم أعظم لحظات الإنسان المصيرية وتقدم صراعه وكفاحه وأمانيه وانتصاراته، ولكل ذلك سيظل المسرح ملازماً للإنسان أينما كان في العصر الحجري إلى عصرنا هذا وبعد عصرنا كذلك. في مبحث "جماليات المسرح عبر العصور" يرى الباحث أن علوم الجمال تعرضت ولا تزال تتعرض حتى اليوم للجدل والنقاش، وان أرسطو قد ركز الجماليات على "الخبرة الواقعية" وقد عد المزاج وروح الشعب الموضوع الأهم في الفن، وان ازدهار فن المسرح في اليونان والاحتفالات الفنية والدرامية تعود إلى تكريم الآلهة الذين يقررون مصيــر البشر. وفي البحث عن العصر "الهلليني" وملامحه العامة يلاحـظ "تغير موقف الفن" بسبب انهيار مصير الحياة الديمقراطية السابقة حيث اصطدمت الحياة العامة في ذلك العصر بأساليب الحياة الخاصة وبالترفيه وبالمتعة البصرية وبالشكل التام للأهداف الفردية ومطالبها الشخصية، وقد قادت الفلسفة "الرواقية" المسرح إلى الاهتمام بالبصريات والمتعة الشخصية، ولم تبق صورة حية عن الحياة. أما عن "جماليات الفن العربي" فأنه يؤكد" أن المسرح العربي حديث التاريخ ولا تظهر كثيراً في محاولاته القديمة أو الجديدة علامات وإشارات جمالية حقيقية". ومن تنقيبه في تاريخ المسرح العربي يلاحظ ثمة علامات وإشارات جمالية تتحدد في مقامات بديع الزمان الهمذاني وبخلاء الجاحظ وكتاب النمر والثعلب لسهيل بن هارون وحلقات الذكر ومجالس السماع الصوفية والاحتفالات الجماهيرية الشعبية مثل احتفالات المولد النبوي، ومأساة "واقعة الطف" حيث يعاد فيها تجسيد للمعركة، شعبياً، خاصة في العراق وإيران، وأماكن أخرى في العالم الإسلامي. وكذلك الحكواتي في قصص سيف بن ذي يزن وعنترة ابن شداد والأميرة ذات الهمة، والظاهرة الطقوسية عند العرب في الكعبة وحولها، عندما كانوا يطوفون، في مواسم الحجيج رجالا ونساء، وبعضهم عرايا، قبل ظهور الدين الإسلامي، الذي شذب بعض الطقوس الوثنية وذهب إلى أسلمتها, وقد تعد بدايات مسرحية بسيطة. أما علم الجمال التمثيلي فانه ينطلق من "الموديل" النموذج، إلى الاستمرارية الإبداعية. والآن وبعد مرور حوالي أكثر من ثلاثة عقود على صدور الطبعة الأولى لكتابه* ، فقد أحيطت "أطروحاته في كتابة تاريخ جديد للمسرح في العالم" بالصمت التام، وتم تجاهلها وحتى من دون مناقشتها، دحضاً أو تعميقاً، تأيداً أو رفضاً، من قبل المعنيين، والمتخصصين، في أمر المسرح وتاريخه. واعتقد أن ذلك يعود إلى عوامل ومسببات كثيرة، أهمها هو أن القناعة بها أو وترسيخها والعمل على وفقها بعد تأصيلها علمياً، سيقود إلى إهمال أو تصحيح آلاف الصفحات والمشاريع والمفاهيم والنتائج والأعمال المسرحية والتي وثّقت أسبقية "اليونان" تاريخياً في العمل المسرحي، وبالتالي فان الكثير من الأعمال والألقاب ستصبح عديمة الجدوى، ما لم تعدل على وفق ذلك. ويشترك كذلك في هذا، النظرة الدونية الاستشراقية والتي ترى أن المركزية الغربية وأطروحتها تملك حق الثبات واحتكار الحقيقة، وكل استنتاجها بمثابة المسلمات، التي لا يرقى لها الشك ولا يمكن تجاوزها أو الإضافة لها. وكذلك ضعف، لا بل ندرة العمل الآركيولوجي، والبحث ألآثاري المعتمد على الكشوفات العلمية الحديثة، وذلك يعود إلى غياب الاستقرار الاجتماعي - السياسي في منطقة الشرق عموماً، و العربية خصوصاً. ومع ذلك تبقى أفكار وأطروحات واجتهادات "الباحث كمال عيد"، في تصحيح تاريخ المسرح العالمي، بحاجة إلى المزيد من الشواهد المتنوعة، والبحوث الدقيقة المتخصصة في حقول التنقيبات والمكتشفات الآثارية، ودراساتها العلمية المتعلقة بهذا الشأن، بعيداً عن الرغبات الشخصية، والتوجهات الفكرية المنحازة.

 

جاسم العايف

.........................

(*) ط-2-  دمشق - 2016- لم تذكر دار النشر.

 

قراءة في المجموعة القصصية (تانغو) للقاصة شهرزاد الربيعي

ahmad alkhozaiفي لقاء صحفي اجري في ثمانينات القرن الماضي مع الناقد الدكتور جواد علي الطاهر، صنف فيه النقد الادبي الى نوعين (الاول يمثل تسجيل اعجاب وارتياح لمنجز ادبي في مقالة، دون طرح الاسباب والتحليلات، وهو اشبه بالتحية لذلك الاثر الادبي، وهو لا يقل اهمية عن غيره من الناحية النقدية ..وأما الثاني، فهو ما يغوص في ثنايا النص الادبي، ويعمل على تحليله وتقيمه وإخضاعه لقواعد مدارس النقد الحديثة).

وتماشيا مع هاتين القاعدتين الرئيسيتين في النقد الادبي، سأسلط الضوء في هذه المقالة على منجز ادبي يستحق الإشادة والتقييم وهو المجموعة القصصية (تانغو) للقاصة شهرزاد الربيعي، والصادرة عن دار (امل الجديدة) في دمشق، والتي ضمت ثلاثة وثلاثون قصة قصيرة، وتعد تجربتها الاولى في عالم السرد، تميزت هذه المجموعة بتمحور معظم ثيماتها حول مسائل فكرية رصينة ذات ابعاد فلسفية (كالحرية وحقوق المرأة )، اختارت لقصصها ابطالا من طراز خاص، يمتلكون وعيا ثقافيا عاليا (استاذ جامعي، شاعر، رسام، كاتب) لتجعلهم جسرا تمرر من خلالهم افكارها ورؤاها حول بعض القضايا والمشاكل المهمة في مجتمعنا الانساني والعراقي بوجه خاص، تماهت في طروحاتها هذه ونظرتها التحليلية للأمور مع القصة العراقية في سيتينيات القرن الماضي، والتي تميزت بالبعد الفلسفي لنظرتها الى مشاكل المجتمع، وفق رؤى طوبائية، يتعاطى ابطالها مع محيطهم البيئي بصورة اكثر نضجا وتعقيدا من بقية ابناء مجتمعاتهم، وكان هذا التوجه للقصة العراقية انذاك واقع تحت تأثير المد الوجودي القادم من الغرب والمحمل بكم كبير من التساؤلات، كما يشير الأستاذ ياسين النصير في كتابه (القاص والواقع)، إلا إن القاصة شهرزاد الربيعي حاولت الإفلات في بعض محطات مجموعتها القصصية من هذا الإطار المعقد والشائك، والبعيد عن واقعنا الاجتماعي العراقي المعاصر، بكل ما يحمل من مشاكل اجتماعية خطيرة وانثيالات نفسية سيئة على الفرد العراقي، فقد أشارت بصورة مباشرة أو باستخدام الرمز إلى فوضى القتل التي يشهدها بلدنا خلال السنوات القليلة الماضية، كما في قصة (ذاكرة مثقوبة) والتي تحكي قصة أستاذ جامعي عراقي في مادة التاريخ، تعرض لمحاولة اغتيال نجا منها بعاهة ذهنية جعلته يعيش بقية حياته فاقدا للذاكرة، وكذلك في قصة (أسرار أبي) والتي تعد تتمة لقصة (ذاكرة مثقوبة)، وأما في قصة (أسرار النخيل) فنجد القاصة تضعنا عنوة أمام حالة إنسانية مؤلمة لرجل عجوز يظل لأيام عدة يجوب منزله المحطم وهو يجمع أشلاء أجساد عائلته البريئة التي مزقتها صواريخ الطائرات الأمريكية، غير إن أجمل تصوير للواقع العراقي المعاصر جسدته في قصتها (قاتلو الخيول) والتي استخدمت فيها الرمزية العالية بحرفية جيدة، وذلك بخلقها لواقع افتراضي طغى على معظم حيثيات القصة، عبر سردها لحلم فنان يعشق رسم الخيول وتصويرها لمشهد سيرك خيول في مدينة ليس لها وجود على ارض الواقع، لكنها أشارت إليها من بعيد على إنها تشبه مدينة هذا الفنان، الذي ربما يكون القاصة نفسها، وفي خضم هذا العرض تتعرض الخيول إلى القتل والتعذيب على يد مروضيها، مما يثير هلع وخوف الجمهور الذين يغادرون السيرك هاربين وآثار الصدمة بادية عليهم من هول ما رأوه، لينتهي الحلم باستفاقة هذا الفنان على صوت دوي انفجار كبير، ليهرع متفقدا لوحاته المعلقة على جدران مرسمه، فيجد إن لوحة الخيول هي الوحيدة التي سقطت على الأرض نتيجة هذا الانفجار.

قصة (قاتلو الخيول) هي واحدة من عدة قصص كانت القاصة حاضرة فيها بقوة كفنانة تشكيلية (رسامة)، وهذا يبدو واضحا لكل من يطلع على مجموعتها القصصية والتي ضمت بين طياتها بعضا من لوحاتها، فاستخدمت الفنان بحسه المرهف ومخيلته الواسعة، واللوحة بكل ما تحمل من مدلولات مادية وحسية مؤثرة على المتلقي ،وسيلة للتعبير عن بعض القضايا المهمة في المجتمع، كما في قصص (الواشي، نقمة النسيان، زنزانة المشاعر، الحياة من وجهة نظر حمامة، أرواح هائمة، اللامنتمي).

كما إن تطلعات المرأة العربية وهمومها وحلمها بحرية مازالت بعيدة المنال في مجتمعاتنا الذكورية، فرضت نفسها على السياق العام للمجموعة القصصية، برؤيتين مختلفتين، الأولى لا تخلو من الندية والتحدي للطرف الآخر (الرجل)، كما في قصة (تانغو) التي حملت المجموعة اسمها، والثانية بيان حجم المظلومية الواقعة على المرأة في مجتمعاتنا الشرقية، كما في قصة (حديث في الحديقة الخلفية) حيث تحكي على لسان البطلة (في مجتمعنا على المرأة أن تعمل كل ما يجب عليها أن تعمل، وكل ما لا يجب عليها عمله، برضا دون اعتراض أو حتى دعم أو تشجيع، لتكون دائما على هامش الأشياء، وخلف الصورة، انه مجتمع ذكوري متخلف).

في المجموعة القصصية (تانغو)، اختارت القاصة شهرزاد الربيعي أسلوبا سرديا متنوعا، قد يعده البعض بأنه خارج عن ما هو مألوف في القصة القصيرة، وتمرد على سياقها العام، الذي يتطلب فكرة مركزة مع حوارات سردية مقتضبة و حدث هرمي يتصاعد إلى الذروة ثم ينتهي بالحل، لكن القاصة طرحت لنا في مجموعتها هذه أسلوبا سرديا ثلاثي الأبعاد، ففي قصص (ذلك البطل، أنا ونفسي وأنا أيضا، أرواح هائمة، غرباء)، نجد إن القاصة قد نحت منحى مسرحيا في البناء العام لهذه القصص من خلال إتباعها أسلوبا سرديا مسرحيا عبر حوارات متبادلة بين أبطالها أو تيار وعي باطني (منلوج داخلي) يعيشه البطل داخل النص ..ثم نجد إن الأسلوب قد تحول إلى شيء مغاير تماما في قصص أخرى، ويبدو لنا النص وكأنه اقتطع من رواية، وذلك بسبب تشعب الأحداث وتعدد الشخوص الذين استعانت بهم القاصة للفت انتباه القارئ نحو الحدث الرئيسي للقصة، أو غياب سببية الحدث، كما في قصص (العائلة، الميراث المشؤوم، اللامنتمي) ..إلا إن البعد الثالث لغة وأسلوبا هو ما وشح المجموعة القصصية وأضفى عليها حسا إبداعيا متناسقا وجميلا، عبر لغة حداثوية  اقتربت من القصيدة النثرية في كثير من محطاتها، وأسلوبا سرديا متناسقا متزن الإيقاع، و(مشاكسات لفظية) إن صح التعبير، تميزت بها بعض عناوين قصص هذه المجموعة، والتي بدت خارجة عن المألوف، وهذا التنوع بكل أبعاده لم يمنحنا سوى منجز أدبي جميلا يستحق الثناء، وخطوة واثقة في عالم السرد ننتظر من القاصة شهرزاد الربيعي خطوات أخرى أكثر وثوقا وابداعا.

 

احمد عواد الخزاعي