المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

حيدر عبد الرضا: قراءة في أقاصيص (سعادات الأمكنة المضاعة) لباسم شريف.. مصائرية بنية الفقدان في الأمكنة الذهنية

haidar abdullradaمدخل: في عوالم أقاصيص مجموعة (سعادات الأمكنة المضاعة) للقاص الصديق باسم شريف نعاين حضور الصورة السردية القصصية عبر سياقية نسق الأسلوب المطرد الذي نراه يتخذ لذاته في متن نصوص ذلك التحول الثبوتي في مكونات الرسم التخاطبي سعيا من القاص نفسه لبلوغ مواطن وملامح وفضاءات العبور نحو دلالة محصلة متجانسة أو غير متجانسة من حلقات الشد الوظائفي المتميز . فالقارىء لقصة (الزمن الحميم) وقصة (سعادات الأمكنة المضاعة) لربما يهجس وجود ذلك التنوع في قدرة القص على تشذيب أكوام من التفاصيل الحياتية المسكونة في صورة لحظة غيابية هاربة وهي تنجذب بسرعة تارة نحو السياق المجرد وتارة نحو مراكمات صور المغادرة النهائية الكامنة في حدود تكثيفات علاقات سردية معقدة موزعة بين حسية المعنى الأعتباري وشرطية الذاكرة التصديقية للصورة الإيهامية لفكرة النص: (راحت داره تمتلىء بالغزاة .. معرفيين .. فلاسفة .. صانعي رؤى .. ولاهوتيين من شتى أديان الشرق .. ذات مساء وفي ذروة صيف المدينة القائظ الذي تختفي فيه كل معايير المنطق .. كان يهجس أصداء روحه القلقة تجوب الدار تريد أن تضع حدا لهجران طال أمد أحتباسه .. كان يحدس أنا هي وبحكم معرفته بمكانها الأثير ألتفت الى ناحية السرير الجريدي الذي ما زال يعج برائحتها قائلا: ــ ليس لدي الرغبة في مجاراة ما تريدين الخوض فيه .. مازال لدي متسع على الرغم من كل هذا الخراب .. ما زال هناك نهر جار .. ما زالت هناك بيوت عتيقة تختلج بين جدرانها جميع أنواع الذكريات بعضها حي وبعضها أغتالته متوالية الحروب / قصة الزمن الحميم / الى روح محمود عبد الوهاب) قطعا لا يكون لحدس النهايات إلا أثر الصفاء الباطني في نظائر محيط حلقة الحضور والغياب العابر أو الغياب المستعار بالإضافة . أن قصة (الزمن الحميم) لعل القاص أراد من خلالها إحداث إجرائية صنيع الحاجب الزمني الكامن بين صوت مساحة تكوينية الأشياء الذاكراتية وبين دافعية حدية إقتراب النهاية .. حيث تتشكل لنا من خلالها ــ أي القصة ــ تركيبة أشبه بالمجازية من شأنها استدعاء الصوت الشهودي الفردي الذي راح يغالب قهرية شعوره المجلى بين الصوتين (صوت الشعور بالتوازن  الداخلي) وبين صوت الإستجابة لكائنية الخوف الداخلي الذي يكون بالنتيجة القصوى عبارة عن منح الشعور بالأشياء الحية خلافا . الحال في قصة (سعادات الأمكنة المضاعة) قد جاءتنا هي الأخرى عبارة عن حزمة مشاهد فنتازية إلا إنها بالمقابل الآخر تقيم أوتادها بالسعي المخالف نحو إيقاظ حيوية الشخوص اللذين لا يكفون عن مراكمة وتلفظ مفردات(الرعب / اللوعة / القلق) فيما وهناك في الوقت نفسه ثمة حالة من حالات الترقب التأملي لوقوع الكارثة: أن شخصيا ممن يحبذ هذه القصة انتقاءا مني على باقي قصص المجموعة لأنها راحت توفر لذاتها مجالا فنيا كبيرا لكشف رؤية الأحوال المفترضة تغليبا على مسكونية الأمكنة التوصيفية الفردية في صناعة نصوص المجموعة . لذا فأن القاص من خلال أصواتها أي القصة أخذ يواكب رسم الحالات النفسانية المعادلة وصولا الى تفاصيل أيقونية وإيمائية هائلة في ساحات ملاعب المخيلة السردية التي أجاد القاص في خلق أمتزاجاتها التقاطبية الحادثة في فراغات الأمكنة وفي روحية الأشياء القابعة في مواقف النص: (كنت أرقب الضوء المنبثق من السقف وأسيجة السطح الخشبية المتداعية وهو يغمر بسطة السلم المؤدي الى المخزن كاشفا ماكانت تخبئه الظلمة / فكرة  إن الضوء حل بمثابة أجوبة حاسمة على الكثير من التساؤلات التي كانت تثيرها نفسي تلك الأشياء القابعة هناك والتي تحولت فيما بعد الى أصداء ورؤى تحاول بسط سطوتها على عالمي .. نهضت مأخوذا بالتفاصيل الدقيقة التي راحت تضج بمخيلتي .. دفة سفينة مجهولة ظلت وجوه بحارتها تتعقبني على مدى أشهر .. ساعة جدارية قديمة مازال صدى بندولها يطوف بين الجدران / وقبل أن يداهمني النعاس على شكل غفوات فاترة بقيت دون حراك بعينين مصوبتين بثبات الى المخزن / قصة: سعادات الأمكنة المضاعة) أن فكرة الفهم لوحدات هذه الفقرات السردية التوصيفية ما هي إلا عمليتان لوضعية نصل من خلالها الى تفصيل فردي ما مصدره رابطية تلك المجموعة العرضية وجملة إدراك مسارات المخيلة إنطلاقا من الذاكرة العامة التي تربط وعناصرها الجزئية في شق روحية (الأنا / نقطة الإنطلاق / الجزء الى الكل / ومن الكل الى الجزء) فحادثة وايقونة (المخزن) هي جسد البؤرة اللامرئية والمعنى في ذلك هو عاملية التبليغ وبث روح الخروج بالمخيلة نحو فعل ما رواء مظهر خطاطة الأشياء وحالاتها التوصيفية في مراكمات الموضوعة: (ساعة جدارية قديمة / العوالم التي كانت متطابقة الى حد بعيد مع حدوساتي / دفة سفينة مجهولة ظلت وجوه بحارتها تتعقبني / أزمنة محشورة في الفضاء المنسي = ذكريات مخبئة = حلم خبيث ونهار سيء = الزمن المتحول = الفراغ الغيابي في المكان = كشف لما خفي ورسم لزمن آت) لقد سعى القاص في قصته الى إخفاء ادوات حصيلة مغزى رموزه الرؤيوية وصولا الى علاقات كانت الأساس لإتحاد الذات / الموضوع / الصفة / السبب / الصورة / النتيجة .. فليس من قبيل المصادفة أو العبث السردي أن يظهر القاص في متن نصه تلك المزايا العرفانية في غيب مرموزات تلك الأحوال التي واجهتنا في مؤثثات النص الأولى بظهور تلك الشخصية المختلة الخالية من أي إختيارية ما في النموذج الأنتقائي في النص .. بل أنها راحت تتشكل في علاقتها بالمكان والأشياء المخبوءة في زمن زوايا مخزن الذاكرة أي تلك الحلولية الذروية المبتغاة في قيمة ما وراء المشهد العقدوي في النص: (شعر كثيف يتخلله فراغ أملس قيل أنه مكان لشظية كادت تؤدي بحياته أصيب بها في واحدة من أكثر الغارات عنفا أبان المراحل الأولى للأحتلال / في الأونة الأخيرة أخذت حالة الرجل بالتدهور وراح يتفاقم لديه أحساس عميق بالعزلة والفقدان / كنا نلمس ذلك من الحوارات الوهمية التي كان يجريها مع شخوص مفترضين يظن أنهم ما زالوا يقطنون هنا .) أن إجرائية قراءة أبعاد الحالة الشخوصية نفسيا تبدو في أحوال الشخصية هنا وكأنها  تشكل إيماءة ما لرسم معالم دلالة استدراجية ما في مفعول القص . فالتحولات في مسار النص ذاته باتت تحولا في طبيعة الدالة الوصفية للمظاهر النصية القارة في موجهات الشعور بالزمن وحساب التمييز بين دال (الرجل) وبين دال (العزلة والفقدان) وبين الحوارات الوهمية ودلالة واقعة (المخزن / الغرفة) ومما يعمق صلة إتصال صوت الشخصية الساردة هو قدوم دلالة حلمية (حبل الحلم ما زال عالقا) وتبعا لهذا فأن الوصف بات ينقل لنا أحداثا منفصلة ومتواصلة قادمة عن حقيقة ذلك الرجل: (حتى أن بعض رواد المقهى ممن ألقت عليهم الأحداث الدامية وضعا من الأرباك استهوتهم تلك الممارسات التي يصر عليها الرجل ظنا منهم أنه الوحيد القادر على إقامة هذا النوع من الصلات مع أزمنة كانت أكثر سعادة ونقاء) من هنا نعاود استعراض حقيقة وهوية وملامح شخصية السارد الذي كان يميل الى وصف الأبنية القديمة والشناشيل وشبابيك الأبنوس وضجيج الشوارع الممتلئة بالمارة وفيض ذكرياته: (وحده الحزن أخذ يقدم مظهرا متشابها تتوحد جميع الملامح من خلاله) من وراء كل هذا نتبين بأن القاص كان يلوح الى حقيقة أحوال المعالم القديمة حيث كانت فيها سعادات الأمكنة والشخوص متكاملة بلا حروب وبلا قلق وبلا ترقب لمجالات هاوية الموت القادمة في محور سطوع الأشياء في الأمكنة المضاعة: (حلم خبيث ونهار سيء / أكتفى فقط بالأشارة الى ساعة المقهى على الجدار وكأنه يشير الى بطء دورانها: ــ ألم تحن الخامسة بعد ؟ كان السؤال الأكثر ألحاحا لديه في الأونة الأخيرة .. حتى أنه أصبح همه الشاغل .. استكمل لملمة أوراقه كما لو كان يتحقق من استكمال لملمة ذكرياته كلها) أما الدلالة في قصة (صانع الرؤى) فلربما تشكل لنا أحداث هذا النص عن ذات بنية الأمكنة المضاعة والشخوص المضاعة . أنها ببساطة حكاية صديقنا الفنان الراحل هادي السيد هذا الرجل البوهيمي الذي ينطق الأبداع جزافا من سيل عشوائية نافورة لعابه المتدفقة من فمه الغائر أثر ملامح الكظم والكبت واللوعة والحزن الذي بات لا يفارق وجهه الذي يذكرنا بوجه تمثال أغريقي سحيق . فقصة هادي السيد حكاية واقع حقيقي كلنا شهدناها في مجال نمو أحداثها المهمومة من جراء حصيلة الظروف المضاعة في الأمكنة المضاعة (كان هادي السيد يدرك جيدا كما ندرك نحن لم يعد هناك متسع في رأسه لتحمل كل هذا الخراب .. لدى أراد أن يحتفظ بما تبقى لديه من مساحة للجمال عبر إغراق ذاكرته بهدير البوح راحت الخمرة ترسمه تارة ذهولا وتارة اخرى صمتا تفصح عن دلالاتهما الدموع / وأخيرا لم يكن أمامه سوى مغادرة أوجاعه الى الأبد) هنا انعطافة مصيرية أخذت تشاطرها جل مضامين قصص مجموعة المبدع باسم شريف كحال قصة (بورتريه) وقصة (صوامع الجند) وقصة (برنادشو.. صديق والدي) المهداة الى روح صديقنا العزيز سلام ناصر رحمه الله وأسكنه فسيح جناته كما هو الحال أيضا في قصة (المسفن) وقصة (البوابة والأساطيل) وقصص أخرى في المجموعة الموقرة . وعبر ما يمكن أن نقوله في شأن عوالم نصوص مجموعة القاص هو أنها موضوعات تأطيرية في الأعتداد الأفرادي حيث تشكل كجهد منظوري لحدود الذات الساردة والتي أخذت ويلات الحروب وقهرها منها مأخذا مأساويا في النزوع الى  اختراق جهة الموجودات الحكائية بثيمة مشاهدات انفصال الذات الشخوصية عن دائرتها السلوكية السوية مع ديمومة الأشياء اللاسوية في الحياة اليومية . أما الحال في قصة (الكتاب الجامع) وقصة (عوائد العارفين) فهناك علامات واضحة في ملامح شخوص وأجواء القصتان على أنهما مستوحاة من حدود تعدد القراءة لدى القاص . فقصة (الكتاب الجامع) تشغلها دلاليا شخصيات تقترب من ظلال شخصية الراحل العالم الرباني والعارف الكامل السيد محمد صادق صادق الصدر (قدس سره الشريف) أما الحال في قصة (عوائد العارفين) فأنها هي الأخرى تمثل صياغة واضحة لمقاصد أهل العرفان ومحمولات عوالمهم الربوبية والقدسية الذاتية وما تتوارد على قلوبهم من فيوضات نورانية في مواطن التحقيق والمكاشفة والتنزيل وصولا الى عتبة السير والسلوك عبر تخطي المقامات العرفانية الأفعالية والوصفية والذاتية والصفاتية المنصوص عليها ذوقا وكشفا وتوحيدا من قبل مذهب رجالات العرفان عليهم السلام .

 

تعليق القراءة

ان الأرواح والأشياء وأمكنتها وصفاتها هي رفاة طاحونة الزمن وبقاياه . فالقارىء لعوالم نصوص مجموعة الأخ العزيز باسم شريف لربما يواجه تلك الرحلة الأنسانية الشاقة في حقائب متعددة الدلالات والمضامين والأشكال وصولا الى محورية توالد الزمن وانتقاله عبر مفاصل فراغية مختزلة تحتضنها واجهات روح الأنسان المتأمل في ثقافة المكان والزمان ونفسانية صلات الأشياء وعلاقاتها القبلية والأبعادية صعودا الى مستوى حالة صراعية من الأسئلة المصيرية الوجودية التي أزدحمت من خلالها احباطات النفس في نصوص مجموعة القاص حيث الحياة الترابية العفنة نواجهها بالصور الحياتية والبنيات الجسمانية والأنفسية والأهوائية الى مرحلة إرادة القوة التي تمنع هذه الكائنية الحيوانية الواهمة من الدفاع حتى عن عيوبها الظاهرية الباطلة .. يتحول وجود الأمكنة في قصص القاص مع طبيعتها الأدمية والفنية الطامحة الى مهاوي حفرة في قبر حديدي يعنف جسد الذكريات والأمكنة والأسئلة والمذاهب العقلية حتى يصيرها أخيرا الى نبض شبحي ترابي يحيا منزلة الأغتراب والنسيان في زوايا الظلمة البرزخية .

 

شاكر حمد: فن السرد في مملكة محمد خضير

المقصود بالمملكة، في العنوان، مجموعة محمد خضير "المملكة السوداء" الصادرة في طبعتها الأولى عام 1972 وفيها ثلاث عشرة قصة و تجربة سردية جديدة.

فصلت المجموعة، حال صدورها، بين عهدين من كتابة القصة العربية /العراقية. ختمت عهد السرديات الواقعية وفتحت نوافذ الرؤية الجديدة. الواقعية القائمة على محاور أبطال مأزومين بالعقدة الإجتماعية، نعم العقدة الإجتماعية، نتاج الوعي الثقافي لمرحلة من مراحل التطوّرالتأريخية – من المناسب القول أن الواقعية ليست سُبّة كما أراد أحد الزملاء أن يستخرجها إنتقائياً في تعليقه على كتابنا (السرد التشكيلي في المملكة السوداء) –

من الناحية الفنية أجاد كتّاب المرحلة الريادية وظيفة القصّ بإخلاص (كتّاب العرائض) كما صرّح محمد خضير بهذا المعنى ذات يوم.

يومذاك كان محيط الشخصية الخارجي – الزمكاني – مرسوماً بخطوط عريضة وأحيانا بمساحات ضبابية، وبعيداً عن التفاعلات العضوية ما بين الشخصية في القصة وبين محيطها الشامل، المكان والزمان والفضاء والبيئة الواقعية- التأريخية.

المحيط الذي تطوّر صعوداً إلى مرتبة البطل الموازي للبطل الإنسان في قصص " المملكة السوداء" التي رسمت بوادر الرؤية الجديدة الميتا - واقعية وإستطاع كاتبُها إشغال الحيِّز المسموح لفضاء القصة، أجزنا لمزاعمنا تسميته بـ (السرد ثلاثي الأبعاد)، فالقصة كينونة بنائية، فنيّة، من تخطيط و تصميم وهندسة لجغرافية النص وبناءً وفلسفةً مكانية وتخييل في عوالم إستحضرت الموجات التالية من الواقعية التأملية إلى السريالية والتجريد والميتافيزيقيا وموجات التشكيل المعاصرة، تنافذت ضمن تياراتها السردية القصيرة مشاهد ومقاطع تُعلن بدايات عصر الكتابة الرقمية، - التفكيك والتركيب والمونتاج والكولاج- سبقت عصر الإنترنت، ونقلت الفعّاليات السردية من الوجهة الأُحادية إلى التنويع والتعدد والإنزياح، ومع ذلك حافظت سرديات قصص المملكة على المحاور الأساسية للقصة الواقعية ومقوماتها:

- محور الشخصية الواقعية ومدارها الإنساني متوالية الضياع والفقر والموت.

- محور التأريخ ومعادلة اللاّتكافؤ بين الفرد والمحيط في زمن الحرب.

– محور المكان الذي توغل في وعي الشخصيات بوصفه بطلاً، مجاوراً لها، متعلقاً بجذورها.

– محور النسيج وجغرافية القصة الورقية وبناء النص من فكرة وبداية ونهاية وعقدة مركزية.

 إختط مؤلف القصص لسردياتها ممرات جديدة كانت غائبة عن تقاليد الكتابة السائدة في العقدين الخامس والسادس وما سبقهما من كتابات في القصة القصيرة. وشملت المتغيرات ثوابت السرد الموضوعية والقيم الشكلية وإعادة نسج خيوطها بالرؤية الجديدة.

 في كتابنا (السرد التشكيلي في المملكة السوداء لمحمد خضير) قرأنا القصص بمقتضيات تأويل وتحليل الآليات والتقنيات السردية الجديدة، بما في ذلك الإجابة على السؤال... هل يوجد سرد تشكيلي؟....

 وفي كتابنا المُشار إليه تمهيد للإجابة من خلال مختبر السرد للكاتب الفنان محمد خضير وكتاباته اللاّحقة التي ظهرت فيها تجليات السرد التشكيلي لنموذج القصة الميتا - واقعية عبر رحلات في عوالم المملكة، ممراتها، مخابئها، أقبيتها، دروبها المهجورة، دهاليزها المظلمة، حيث يأخذك السارد، والرواة، إلى بواطنها التأريخية فتسمع صليل السيوف وصيد الوحوش وتسمع دوي إنفجارات الحروب... ومنها يقودك – السارد - إلى السطوح المفتوحة، إلى الفضاءآت والشطآن والطرقات النهرية، وغابات النخيل. وبالطبع تلاحقك ظلال الأبطال وأوضاعهم التأريخية وحالاتهم الإنفصامية السايكولوجية ومصائرهم وهكذا فإن مهمة البحث في ظواهرها الشكلانية/ التشكيلية لاتعني تجريد عناصر النص وتفرعاته من الأعمدة الأساسية في القصة، حيث نعتقد أن تلك الظواهر إنما هي نتاج وعي الكتابة بالأدوات التوصيلية المتنوعة والرؤية الإقناعية الشاملة للفكرة والمضمون ومضمون الشكل وترابط هذه العناصر في الوحدة البنائية لقصص المجموعة وقد تتبعنا فيها ثلاثة مسارات سردية، أفقية، متوازية في الجريان وهي:

- الواقعي ويتضمن الشخصية الواقعية ومصيرها .

- التخييلي المنتج للميتافيزيقيا والرمز والغرابة.

- التشكيلي ويتضمن طرائق السرد بدءاً من اللغة الشعرية مروراً بالإستعارة والفنون الحركية والتشكيلية.

وعلاقات تلك المسارات بثنائية الزمان والمكان، ومن خلال فلسفة الثابت والمتحرك في كينونة النص وتراتبية الفعّاليات ومتغيراتها.

تم ذلك بأصوات ناقلة وبمختلف النبرات والطبقات الصوتية لرواة على مستويات متدرجة من المعلومية بسير الأحداث والشخوص المتفاعلة معها، مثلما أشرنا إلى إقتباسنا من دراسة سيزا قاسم حول ثلاثية نجيب محفوظ. ورصدنا في قرائتنا دور السارد في كل قصة ومستويات معلوميته وعلاقتها بالأنماط السردية المتداخلة في القصص ومنها السرد التشكيلي، ومن هؤلاء الرواة أطفال لايعلمون بما يجري من أحداث ويمرون على الوقائع بصفة شهود مستطلعة ومكتشفة وترى العالم لأول مرة، لذلك يلاحقهم ظل السارد التشكيلي المضمر والذي يتردد في نبرته ضمير المؤلف، فالمدهش المشترك بين ضمير المؤلف- السارد التشكيلي- ورواته الأطفال- وأقرانه كان مهيمناً على الأحداث والفعّاليات الصاخبة والمُفاجآت والشعور بالخوف والأحلام وبالحواس الشعورية الطفولية.

كيف؟ .... وأين؟

لنطالع هذا المشهد من قصة (الشفيع)..(جاءت سفينة ضخمة، ويمثل طرفاها رأسا وحش مفتوح الشدقين، وفي وسط السفينة كف برونزية ذات أصابع مضمومة وإبهام نافرة. كانت السفينة محمولةً على كتفي رجل يرتدي رداءً أسود أخذ يدور بها حول نفسهِ دورات سريعة، ودارت مع رأس الرجل المصابيح العديدة التي تمازجت أنوارها في لهب. وفي مركز السفينة تدور الكف البرونزية ببريق خاطف.)- تم وصف المشهد وصفاُ تشكيلياً بحاسة المتابع الحقيقي، الطفل، المنبهر بالإحتفالية التشكيلية الليلية...

(أما الأطفال المحمولون على الأكتاف فكانت أعينهم تكتشف بعجب مولد ذلك العالم المصفوع العاري، المرفوع القبضات، المتحرك ببطء، تحت ستار الغبار الملون، براياته الهائلة العدد.)

 

في قصة (الشفيع) – التي لم نولِها الإهتمام المطلوب في كتابنا – رصدنا المسارات السردية المتوازية وهي:

- مسار الحدث (المخاض والولادة) ويتنامى جريان هذا الحث من نقطة بدء السرد في الصفحة الأولى لتنتهي القصة في نقطة الحسم ولكن لاتحصل الولادة - ينبغي تحليل دلالة الحدث في مكانٍ آخر-.

– مسار الليل ويتوزع في إتجاهين ومنظورين الأول يُغطي إنعكاسية أزمة المخاض ومعاناة ضغط المكان والثاني يُشرف على بانوراما المواكب القادمة من مناطق نائية يترقب وصولها الرواة والسارد والمرأة وهي تنتظر المولود الجديد والذي سيحل رمزاً للطفل الذي قُتل في الواقعة التأريخية وسيحمل إسمه، وهنا يلتقي المساران في نقطة إغلاق المشهد.

– الخط السردي الثالث الموازي كان الوصف التشكيلي – السرد التشكيلي – والذي إقبسنا منه السطور أعلاه.

لدينا نوذج آخر لهذه المتوازيات السردية في قصة القطارات الليلية (رغم الفارق الزمني بين كتابة القصتين إستناداً إلى أُسلوب وتقنية الكتابة.).

في القطارات ثلاثة متوازيات سردية كما في الشفيع وهي :

- الحدث وبؤرته الرسالة البيضاء بيد المرأة المجهولة للرجل المجهول في الجبهات المجهولة، الرسالة التي لم تجد من يوصلها عدا هذا الجندي المُجاز لشهر العسل والذي يكتشف أن الرسالة عبارة عن ورقة بيضاء خالية من الحروف.

– الإنعكاس على الشاشة السينمائية وتمدد الحدث الأرضي بإتجاه اللاّشعور، لشخصين جالسين وحدهما في قاعة السينما وللقطار الأرضي، إعتمد السارد فيه تقنية السيناريو بفعّالية متوالية التصوير المتحرك المُجاورة للتصوير التشكيلي، و تسليط الحزم الضوئية على بؤر مكشوفة ومحددة.

– المسار الثالث كان بنائياً جعل من النص محطات أرضية وعقلية – فواصل وتقطيعات – يلاحق فيها السارد سرعات ووقفات القطار، وضمن فاعلية الزمن الليلي، وبصيغة المونتاج توالت المشاهد والصور والأضواء، وإنتقالات القطار من محطات أرضية إلى غيرها ميتافيزيقية، من الوعي إلى اللاّوعي لينتهي في المحطة الأخيرة التي إسمُها (اليقظة) حيث تلتقي الأحداثيات وخطوط النصّ وتتوقف.

 

السارد والشخصيَّة

نستدل على هوية سارد قصص (المملكة السوداء) بوصفه رسام ومصوِّر، من خلال مواهبه التصويرية وحرفيته المتقنة في التصوير الثابت والمتحرك... فهو رسام وخبير بالآثار الفنية وغزير المعرفة بالفنون والخطوط والآثار والحفريات ومُفسر للكنوز والإيقونات رغم أنه يتمظهر بالحيادية في توجيه مسارات أبطاله وغاياتهم وبعضهم من الفتيان الباحثين عن الحرية في سيرورة هروب متكررة من التعاليم المشروطة بضوابط الخوف من المجهول، كالمدارس، إنها مواجهة غير متكافئة مع الأسئلة الوجودية. أمّا الرصد برؤية الطفل – في ثلاث قصص على الأقل – فكان مكتملاً ومجهرياً وتشكيلياً.

وبرؤية هذا السارد تم تكثيف الظواهر الحدثية في لوحات ومشاهد سينمائية ولقطات سريعة وتركيبات صورية كولاجية متأثرة بالتيارات السريالية والتكعيبية والتجريد وقد أشرنا إلى أمثلتها في كل قصة وفي مجالها الخاص ومن خلالها وبواسطتها يتنافذ الجدل بين لاوعي الشخصية وبين متمماتها المحيطية ومن خلال الإنعكاسات والإيحاءآت والإشارات ودلالات العناصر المكانية.

فالإشارات إلى الموروثات والمدونات واللُقى المهملة والأثريات والمخبوءآت إنما تدل على جدليات – تشكيلية - تقوم مقام الوصف والتدوين والإبلاغ في تنمية مقومات الحالة الذاتية للشخصية المأزومة تأريخياً.

ظهرت الشخصيات متدهورة ومزعزعة في مقوماتها الوجودية والعقلية وتعرضت إلى موجات من الضغط والقمع والكبت وتعاني من رهاب العزلة والخوف الذي تجلى في هذيانات الشخصيات النسائية. وقد اُحيطت الشخصيات بالثوابت المكانية التأريخية وأغطيتها التشكيلية. لذلك كان سريان الروي يتبع الخطوط المتوازية متنقلاً من منطقةٍ إلى ثانية بصيغة المقاطع .

التدهورالعقلي الذي زعزع مقومات الشخصية كان بفعل موجات تأريخية، نجده مرسوماً في حفريات وتضاريس على الأبواب والجدران، على تلك الواجهات رسم المؤلف جذور الشخصية التأريخية وجوانبها الخرافية في توصيفات مرئية متجاوبةً مع اللاّشعور الهذياني – الحوارات - للشخصية وهواجسها مع الفعّاليات المُتخيلة في الرسوم المعلقة والزجاج وفي المخلوقات المجاورة للشخصية كمشاهد الصيد والفروسية ومقاربتها مع الإنفعالات الجنسية - فتاة (المئذنة) مثالاً - حيث يتصاعد الجدل التفاعلي السايكولوجي من خلال المصورات الجدرانية متمماً للحالة الشخصانية الجنسية (ولما كانت تقف في زاوية خزانة الملابس ومنضدة الزينة ذات الرف الواحد فقد إرتسمت في كلا المرآتين كجذع مثمر بتفاحات ماسية كثيرة ألهبها النهار العاشق بذراتهِ الشبقة......وعلى جانبي النافذة كانت جواري السجادتين المعلقتين تبارك إشتياق القلب المدمر على مرآة منضدة الزينة، كما أن قطط وغزلان سجادتي جانب الباب كانت تشارك في رقصة التآلف على مرآة الخزانة...)- المئذنة-

وهنا نمضي مع رؤيتنا في المسارات المتوازية وهي:

- تيار العاصفة الجنسية وتصاعده من السطور الأولى إلى السطر الأخير في القصة.

– تيار الخرافة ومروياتها التأريخية.

- المراكز المكانية الثلاثة، فالمكان ثلاثي الأبعاد (السرداب – الكورنيش – الغرف العلوية وسطح البيت ) وهي مراكز فاعلة وترسم الخارطة الجغرافية لسير الشخصية في حالات وعيها ولاوعيها. ومع فرضية الوحدة العضوية بين الخطوط السردية الثلاثة يغدو من غير الممكن فك الروابط الفنية لنسيجها، فالخارطة المكانية تمثل حالة الإستبصار الواعي في مقومات الشخصية وإعادة إنشدادها إلى الواقع.

ولا يمكن إستثناء قصة من قصص المملكة من هذا التصنيف السردي ثلاثي الخطوط ومن الأمثلة أن سرديات (الأرجوحة) إنطوت على بؤرتين غائرتين خلف الوقائع والتمظهرات الفنية التي تتسيد تدريجيا في كينونةٍ إنطباعية راسخة، هما:

- بؤرة الحدث = السؤآل الوجودي.

– الوضع البشري = فلسفة الحرب والسلام.

- الكيان الفني الذي تكامل بالرؤية التصويرية السينمية.

.......

في مرويات أوضاع النساء – الحقيقيات كما أفاد كاتبها في منشور له – نكتشف أن نقطة النهاية في القصة تُمثِّلُها المرأة المنهارة عقلياً، كانت العمة في قصة(المملكة السوداء) نهاية مطاف رحلة من الخوض في المرويات التأريخية والصعود الرمزي للغرف المجهولة إنتهى بإكتشاف شبيه بأفلام هيتشكوك السايكولوجية. كان وصف الوجه والرأس سريالياً مابين الضوء والظلام الشامل وينسجم (المناخ السريالي التشكيلي) كليّاً من نبرة هذيان العمة وحالتها العقلية غير المُدركة من قبل الصبي الباحث عن صورة أبيه. وللعمة نساءٌ قرينات في المصير في القصص اللواتي ظهرن فيها مابين التدهور العقلي والإضمحلال الجسدي (كجذع متفحم) وبين الذبول والموت البطيء.

نرى أن التشكيل هو أحد الوسائط الناقلة للفعاليات من مراكزها الواقعية إلى مناطقها الخرافية المتخيَّلة، وقامت الوظائف السردية (التشكيلية) بأهم التغطيات للسطوح وللتداعيات والإنفعالات.

 رصدنا تلك الظواهر وتحولات السارد فيها من الوصف والإبلاغ المباشر – الأصوات الحوارية - إلى البوح بالمرئي الإشاري و فضاء الميتافيزيقيا الملونة وفعّالياتها الصاخبة وهي تتغلغل في الجانب الروحي من الشخصية وتعكس تداعيات أزمتها في رموز وإستعارات مجاورة لمصادر تبئيرها الواقعية.

يتكرر فعل المجاورة، بصيغة توأمة الأصل والصورة، في معظم القصص، وبين الصورة وإنعكاسها وبين الشخصية وتوأمها الآخر، ففي (الأسماك) على سبيل المثال كانت المجاورة بين عالمين مائيين ماء النهر الطبيعي وماء الأحواض – الإنعكاسي - الرمزي – الُمُصغَّر تشكيلياً - وسيرورة فعّاليتين سرديتين متوازيتين للعالمين العالم الطبيعي ومجاوره الرمزي ومن ثم تزامن الفعّاليات وتداعياتها ونهاياتها، كان السارد يتنقل من الوصف التشريحي إلى التأويل والإيهام. وحيث تتمركز البؤرة – الجنسية – فإن مدار التماهيات يغرق بالرموز والميتافيزيقيا الحركية الملونة ومنها دلالة الماء الجنسية، ودلالة موت الأسماك في النهر و موت الرغبات الجسدية – نهاية حلم الفتاة - في الشرفة، وتجسّدَ السياق السردي للزمن بحركة المد والجزر- الساعة الكونية- عن مجاورة سردية موازية للجنس، في حالة الفتاة الجالسة حول الأحواض حتى طلوع الشمس، والميتافيزيقيا في تصويرالشخصيات بأوضاع شبحية. أما النهايات فكانت لمسات فنية واقعية شبيهة بمحطة اليقظة في قصة القطارات الليلية وإنحسار المد المتزامن مع إشراقة الصباح في " الأسماك ". والصعود إلى السطح في " المئذنة " وسياق الحركة في النهايات.

- قد تُلهمنا دراسة البدايات والنهايات للقصص، لاحقاً، في إلقاء المزيد من الأضواء على أُسلوب بُنيتها المعمارية الصغيرة.-

نَفّذَت آليّة الخطوط المتوازية إلى جغرافية القصة ومساحتها ونسيجها بشكل مقاطع ومحطات ومناطق رصد، فكان السارد يتنقل في المحطات من زاوية الوعي ومدونات الواقع إلى فضاء مجاور، حكائي أو تشكيلي أو رمزي سايكولوجي، وقد تكون وقفات السارد في محطات صورية وشاشات أو حواريات وبعدها تنقيب في حفريات وكتابات مسمارية ورسوم وأرقام كتبها مراهقون عابثون.

 

السارد مصوِّراً

– النقل التصويري:

ويتضمن المنظور – وقفات الرواة - من زوايا ومستويات مختلفة، أعلى (نظرة عين الطائر) ...أسفل (نظرة عين الضفدع) -... من جانب... من قريب (كلوز)... ونلاحظ في هذه التقنية خبرة السارد الحرفية، فهو لاينقل واقع حال الشخصية وعقدتها فحسب إنما كيف يرصدها ومن أي الزوايا تماماً كعمل مخرج التصوير في الفلم الذي يُحدد لكل مشهد نقاطه التصويرية – الأبعاد البؤرية - ومنها المُطلَّة على المحيط الخارجي كالمشاهد البانورامية.

ومن الأمثلة على هذه الآلية الوقفات في الشرفات والنوافذ ومناظر الأنهار وفعّاليات جريان الصور الجانبية المتحركة وقد إفترضنا هذا النسق التصويري ملائماً لتصويرفتاة "المئذنة" في شارع الكورنيش وقد إتبع الآلية، حرفياً، مخرج فلم الأُرجوحة السوري ومثله الفلم التلفزيوني العراقي .

في الإرجوحة، مثالاً، كان التصوير بعين البطل من النهر إلى الأعلى – عدسة عين الضفدع – وكانت الصورة الإنعكاسية للنخيل تتماوج مع حركة المياه أثناء السباحة بل إن اللقطات المتحركة كانت تتضبب وتختفي بسبب نقاط الماء المتراشقة على وجه البطل... (إنسحبت أمامه مسرعةً مع تيار المد اللاّمع القمم الساكنة المتقابلة لصفّي النخيل في النهر، وأعشاب وأشجار الضفتين، وكان النهر ينعطف على بُعد خلف البيت....وفجأةً قبل إنعطافه كانت الجذوع تنهال في المجرى الغامض المُظلل أو تتبادل أمكنتها من ضفةٍ إلى أُخرى وهي تُسرع في الإختفاء مع النهر..... ومن خلال القطرات التي تقفز أمام عينيه ونحوه شاهد المرأة تقف وسط التنور كجذع متفحم....)- الأرجوحة -

بدقة تعني الكلمات حركة الصورة الإنعكاسية للنخيل في النهر (إنسحبت القمم الساكنة....والجذوع تنهال في المجرى الغامض...) أقول أن الذين أخرجوا الأفلام عن القصة لم يترجموا هذه السطور إلى صور.

وبعين الطائر من الأعلى نظر الصبي في (نافذة على الساحة) وشاهد الساحة وقت الظهيرة ودلالة الزمن التي رسمها ظل عمود الكهرباء، ومثله نظرت فتاة المئذنة من السطح إلى منظر المدينة البانورامي.

وفي القطارات الليلية كان التصوير سينمائياً، سريعاً، متحركاً ويعتمد تقنية التقطيع والتركيب – المونتاج والتصويرإتخذ السارد دور مخرج التصوير وتحديد زوايا اللقطات (من داخل العربة- من خارج العربة، منظور الصورة البعيدة، تصوير الخلفيات – من خلف الزجاج – من خارج المحطة – من الجانب منظور نوافذ القطار – من نافذة السائق الأمامية – عدسة صورة فوقية على السكة.....)

وفي المشاهد المظلمة كان التصوير ثابتاً ويميل إلى عصر الصورة بالأسود والأبيض كما في حكاية الموقد والشفيع وربما بوحي من قصص الليل.

 

 الوصف التشكيلي

يتجلى في تصوير الوجوه والمقاطع والرؤوس البشرية بتسليط الحزم الضوئية الكاشفة لأجزاء منها وظهرت في هذه الجزئيات تأثيرات التشكيل السريالي والتكعيبي ومن الأمثلة صورة رأس العمة في قصة" المملكة السوداء" والرأس الغاطس في احواض قصة " الأسماك " ومن خلال الوصف كالجذع المتفحم أو كتلة اللحاء البنفسجية. ثمة نفوذ لتشكيل المجسمات النحتية بشكل خاص في تحوير الشكل الهندسي للمكعب وإشتقاقاته وتأويل كينونته الرمزية ليصبح زجاجاً أو حجراً مرصعاً أو خشباً قديماً، ولا ينفصل هذا التكوين الرمزي عن الحيِّز الخاص من البيئة الخاصّة

(back ground ).

وتطرقت الحوارات بشكل مباشر إلى الآثار الفنية وقاربت بينها وبين أحداثيات سردية ووقائع تبزغ عنها كما في المشهد الإفتتاحي لقصة " العلامات المؤنسة " وشمل الوصف التشكيلي الأبواب والجدران والثياب والوجوه والطبيعة.

 

السرد الإنطباعي  

وجدنا مقاربات من عصر الإنطباعية التشكيلية، مع لوحات كلود مونيه والشواطيء والأنهار والقوارب النهرية لنتأمل هذا المشهد وشعرية اللغة التصويرية... (وفوق الماء تمشي ظلال أجسام البحارة الذين يمشون على حافات السفن، وحول الصواري التي نُزعت عنها الأشرعة تتأجج النوارس، وهي بلون السماء، تخطف من قطع الغيوم البيضاء المستندة إلى رؤوس الصواري نتفاً تغزلها بأجنحتها المتحركة..) ورأيت أن من يصف هذا المشهد بهذه الدقة والإحاطة الشعورية لابد أن يكون من سكان الشواطيء ورساميها وأزعم أبعد من ذلك فأفترض أن كاتب القصة وصف المشهد في جلسة مباشرة على مسناية النهر كجلسة الرسام .

 

التصوير المجهري  

الذي يوهم المتلقي بعوالم متناهية الصغر وتتخذ بُعداً تشكيلياً بعد إغراقها بالضوضاء والميتافيزيقيا. ونعود إلى رؤية الكاتب – الرسام في المقطع الذي إقتبسناه أعلاه فالوصف الإنطباعي يتحول إلى الأعماق المائية فيرى التشكيل الملون وبكثافة الألوان وتدرجات القيم اللونية الخضراء للرسوم الخيالية المجهرية من إنتاج الطبيعة، لوحة تشكيلية من الرسم الميناتوري... (غيمةٌ خضراء – النوارس وهي بلون السماء – دروع حقيقية بلون أصفر....- حول رأس الصبية كانت التجاويف الخضر كالنجوم الخامدة – قطع الغيوم البيضاء – السماء بقسميها الأبيض والأزرق، الثعابين السود....صور وهمية من الثقوب في الصخور – صندوقاً صينياً مرصعاً بالعاج – رسوم طيور البحر المنقرضة – رسوم جنيات الماء – أشكال تشبه القلوب المزيفة المرسومة على أوراق اللعب.....) .

تركزت الأبعاد البؤرية في أماكن أخرى على الدلالات التأريخية وطبقات الأزمنة وبالتصوير المجهري لمعاينة الأرقام والحروف والخطوط العبثية وطبقات الأصباغ وتقادم السطوح الخشبية كما في متوالية التوابيت في قصة (التابوت ) ولغة الإشارة واللمسة التشكيلية الدالة على شمولية التدهور في الوضع البشري (تشير اللطخات والثلمات التي عليها إلى أن أذرعاً عديدة قد تناقلتها عبر زوابع وظلام وإنهيارات...).

وما بين السرد التصويري الشامل في توزيع التوابيت في صفوف هندسية – زعمنا بمقاربتها مع نسق القصيدة العربية العمودية - وبين السرد التشكيلي نستقريء فعل الحاسّة التشكيلية إبتداءً من تخطيط الشكل الهندسي للتابوت وتكراره وتحريكه ونقله وإعادته وتطوافه في المدن والقرى وإعادته... وأخيراً وبالرؤية التشكيلية السريالية يتحول شكل التابوت إلى قاعة كبيرة. ومن هذا التأويل الفوق- واقعي نتجت متواليات – مجسمات – سريالية وتكعيبية لصورة الموت المتكرر. كان شبح الموت السريالي يحكم سطوته على السارد فيرى ظهور متواليات سريالية جديدة بتداخل الصور الإنعكاسية وتكرار النموذج وتشكيله في متواليات صورية جديدة (إخترقت الساحة قطة سوداء، من مكان ما، شطرها الضوء إلى مئآت من القطط الصغيرة التي أخذت تعدو في كتلةٍ واحدةٍ، مافتئت تنشطر إلى قطط أصغر فأصغرحتى تلاشت في الضوء..).

يقول ريكاردو الروائي والناقد وهو يبحث عن فاصلة عجيبة في قصص بورخس يسميها -الدهشة- ونزعم أن السطور التي إقتبسناها من قصة (التابوت) تعني تلك الفاصلة المدهشة.

لم تتوقف التداعيات الصورية عند حدود التكرار من المجسمات الهندسية إلى تكرار صور القطط السود بل إتجه السارد إلى تخييل جديد تحولت في الشخوص الجالسة في المقهى إلى تماثيل تتحرك وتتناول الكؤوس في المقهى، وكان يرى مقاطع وأجزاء من الجسد التمثال تؤدي تلك الحركات. (قدح تخرج نصف قاعدته عن حافة المنضدة، لن يسقط، ذلك أن يداً خفية، اليد التي كانت رفعته ثم أرجعته إلى مكانه على المنضدة، لازالت تُمسك به...) . - هل نزعم أن هذا المقطع نموذج لقصة قصيرة جداً- .

 حصل مثل ذلك الإيهام في الأسماك والقطارات الليلية والعلامات المؤنسة.

نقول إن قصص (المملكة السوداء) قدمت أنماطاً من التجارب السردية سبقت عصرنا التكنولوجي ومرجعية الإنترنت وظهور أنماط وتقنيات سردية جديدة ومنها ما يسميه الكاتب جميل حمداوي بالمايكروسردية (مقال في صحيفة المثقف عن القصة القصيرة جداً) وبتقديري أن المايكروسردية تعني في بعض حالاتها ما نجده الآن في سرديات المملكة السوداء وما نسميه السرد التشكيلي والذي إشتغل فيه محمد خضير قبل الإنترنت بعقود من الزمن وقد كشفنا في رحلتنا في قصص المملكة تلك البؤر السردية الشبيهة بمقاطع الكولاج التصويري وإفترضنا، خطأً، إمكانية (إستخراج- إنتزاع) قصص قصيرة كامنة في القصة الواحدة وذلك لأن بعض المشاهد والمقاطع، بحجم صفحة أو أقل، كانت على قدر كبير من الكثافة والتراصّ كقطعة نسيجية مصغّرة شكلاً ومضموناً وينطبق عليها مفهوم القصة القصيرة جداً. ولكن عصر (المملكة) غير عصر الإنترنت ولكل عصر قاريء ووقت للقراءة.

 

المؤثرات

يواجهنا سؤال عن المؤثرات التي لامست القصص وهيمنت على بناء القصة، الشكل والتصميم والمساحة الورقية ونرى الآتي: 

- الشخصيات الواقعية... وخاصةً النساء فهن حقيقيات كما أفاد بذلك الكاتب الفنان في حوار معه في مجلة (إمضاءآت). وبرأينا أن هؤلاء النسوة يشتركن بمقومات شخصانية موحدة، ومن خلال هذا الإستنتاج نزعم أن قصص المملكة عبارة عن رواية سقط منها أحد الخطوط الرابطة سهواً.

أما الأطفال فقد إستدعاهم الفنان من بيئةٍ طفوليةٍ تسكن في ذاكرته.

- تأثير الهندسة الشرقية للبيت العربي المكون من غرف وسلّم وسطح وفناء مفتوح – حوش - وأبواب وسكان في الداخل وخاصةً النساء. إنعكست هيكلية البيت القديم على تصميم القصة فنجد الهياكل المعمارية الأساسية – الثوابت – والتوزيع للكتل والمساحات والفضاءآت والإنعطافات، إلتواءآت معمارية في النص وتقطيعات تحاكي الغرف وفيها تنطوي الأسرار وجذور الشخصيات وكالشجرة داخل الحوش تعني شجرة العائلة. وكما هو الحال في هندسة البيت التي تبدأ من مساحة جغرافية أُفقية مقسمة بإنتظام زائداُ كيان عمودي متماسك يحاكي وقفة الإنسان.

 نرى الأبطال في المراكز الهندسية وهي مراكز أرضية، غرف، سلالم، طرقات، وفضاء... فمن المساحة الأفقية الجغرافية للسرد ندخل عالم المخبوءآت والأسرار التي على منوالها صممت البيوت الشرقية... مساحة للتأمل.. مساحة للدهشة... مساحة للحلم...مساحة للجنس.... مساحة للصدمة...

ويندر أن نرى شخصيةً مكشوفة خارج المكان. فالشخصيات تتناغم مع نبض العاطفة المكانية وتكتسب منها سحنتها الزراعية.أبطال المملكة يموتون في الغربة ولذلك وجد بطل الإرجوحة (حلمه) الأخير في القرية وفي ماء النهر. أو جنة الخلاص من عالم الحرب (وفيما هو يسبح في مياه سعادته كان يحادث الطفلة وتخبره عن جدها الذي كان أيضاً جندياً ويقول كل الناس يصبحون يوماً ما جنوداً...) وبلسان الطفلة يُخبرنا الراوي بأن معادلة السعادة- الحرية تتكون من عالمين... الطبيعة الجميلة – المكان الأليف - أولاً والعالم الخالي من الحروب ثانياً.

- تأثير الجدران وما عليها من رسوم ومصورات وسجاجيد ونزعم أن التصاوير البريّة والحكائيات المصورة نفذت إلى أعماق القصص بشكلٍ أو بآخر، وتأثرت القصص بالنسيج الملون للسجاد ومساحته المكونة من أجزاء متناظرة وزخارف ملونة وموضوعات غرائبية متجاورة وتأطيرات زخرفية شعبية الملمس فكان تأثير السجاد يوازي أفقياً إمتداد مساحة القصة بينما تتصاعد الأحداث والشخصيات عمودياً. وكانت بؤرالتداعيات السردية تتصاعد في المصورات الجدرانية والمدونات الورقية والمخلفات المهملة بالتوازي مع تصاعد التأزم في مقومات الشخصية، بل إن الجدرانيات شهدت حالات من العنف والتوحش وموجات المخلوقات الغريبة إمتدت جذورها إلى أعماق التأريخ ومثلها الإيحاءآت بالجنس ورموزه التأريخية. 

-تأثير الطبيعة الريفية المجاورة للأنهار والطرق الخارجية والسكك الحديدية والأسفار والمشي على الأقدام، والمدن المترامية في الصحراء والقرى النائية والبيئة الفقيرة. وقد رصدنا حالات سير الأبطال على الأقدام وأسفار الذهاب والعودة والهروب وعدم الإستقرار.

- تأثير فن الحكاية العربية وتحولات السرد من التبئير الواقعي إلى الخيال التنويمي في مسلسل حكايات السلاطين والجن والأميرات. وهنا تكمن اللعبة التشكيلية – فانتازيا – الإستعارة بإستدعاء المتضادات والغرائب إنطلاقاً من الرموز كالصور والوجوه، ذلك التنافذ السرّي للزمن الليلي الذي تراسل مع بقية العناصر التشكيلية-الخرافية في حكاية الموقد ونافذة على الساحة وكان السارد فيهما حكّاء قصص الليل وكان يروي لمستمع مُخدر بتراكم الخرافات وينتظر المعجزات السماوية. وكانت الخرافة تنساق بموازاة تطور الأحداث –حكاية الموقد – مثالاً، بما سميناه المتوازيات السردية.

يُنقب السارد في الغرائبيات واللاّمعقول إنطلاقاً من بؤرة الحدث المعقول مروراً بالشواهد والعلامات وسلسلة الدلائل الأثرية والشفرات والفانتازيا وصولاً إلى الصدمة. في القصص مرويات خرافية وأماكن جوفية متأثرة بالمدافن الفرعونية والكنوز الغائرة في اللاّوعي الجمعي الشرقي مثلما تأثر بها ماركيز لاحقاً في روايته

 " مائة عام من العزلة ".

إن إستعراض الإكسسوارات تمَّ بزجها في حوارات مع محيطها ومجاوراتها من المخلوقات ويجري تصعيد الحدث ورسم الشخصية من خلالها فالشظايا والمرايا والمسبحة والمشط القديم والصورة الشمسية إذا جمعناها تكاملت أمامنا الشخصية الغائبة وإتضحت ملامحها.

كتب أحد النقاد عن أورهان باموق وعن إستنطاق الأشياء الجامدة كقطعة النقود تتحدث عن نفسها... نقول أن قصص المملكة حفلت بالعديد من الأمثلة الشبيهة بهذا النوع من السرد ومنذ وقت بعيد.

 - تأثير فاعلية الزمن وتنويعاته،

الزمن الكوني الشامل، زمن الحروب والمرويات

زمن الشخصية الذاتي زمن الإنتظار.زمن القصة

 الزمن الليلي الذي أضفى على السرديات مناخاً سكونياً، تنويمياً،

 

مهيمنة السيرة الذاتية

في قراءتنا للقطارات الليلية إستوقفتنا تقنية السيناريو والسرد التصويري المتحرك ومنه إلى السرد التشكيلي ويخدمنا تصريح الكاتب المنشور في كتابه – السرد والكتاب - حول هذه التجربة (جربت في قصصي ذلك النوع من الإسترجاع الصوري للواقع في حالتي التحفيز والتحريك سرعان ما تجاوزته إلى حالة التشكيل....مثالها قصة – القطارات الليلية -) والنبرات الصوتية وتباين سرعاتها. كان السارد يلهث مع سرعة القطار ويهدأ في محطات الوقوف ويتحول إلى حركة الأضواء (الأضواء الشمعية... والكلاب الشمعية... والدخان الأبيض....) وتُقربنا تلك الإيحاءآت الصورية من بياضات وأوهام ذات دلالات في المضمون على شكل رسالة بيضاء تحملها إمرأة وتريد إيصالها لمجهول في الجبهات المجهولة.

– تأثير المدارس الفنية التشكيلية المعاصرة وتداخلها مع الفنون الأدبية كالشعر والقصة. أشار محمد خضير إلى تأثره بهذه الموجة في بعض قصص المملكة السوداء. – حوار في مجلة إمضاءآت -

وتزامن المؤثرات مع الموجة الستينية الصاخبة وتزامنها مع الأحداث السياسية والعسكرية الساخنة...(إنقلابات العراق – هزيمة حزيران – ظهور المقاومة الفلسطينية.....)

نقرأ هذا النص من دفتر (العلامات المؤنسة ) ونستشعر فيه السيرة الذاتية للمؤلف في تنقلاتهِ (أُسافر مُطلاَّ ومحاذياً الصحاري وأسلاك التلفون وشواهد الطرق....مع الشمس الغاربة وحلول الليل.....من المرتفعات المحيطة أُشرفُ على السياج القديم تغطس فيه صخوره في ضباب الصباح المتسلل إلى داخل المدينة.)- العلامات المؤنسة -

ويتطلب الأمر، هنا، الرجوع إلى الشخصيات والأماكن والأحداثيات والإستناد إلى مراجع إسناد البحث ومنها مقالات الكاتب محمد خضير ومؤلفاته الأخرى. وجدت أحد المقالات له بعنوان (الأب بالسدارة) المنشور في إسبوعية الصباح الثقافية. وطلبت منه أصل المقال لأستنتج مهيمنة صورة الأب القديمة وتسيدها كبؤرة مركزية مباشرة لقصص " المملكة السوداء" "وحكاية الموقد" وبصورة تأثيرية غير مباشرة على قصص أخرى. ونرى السيرة الذاتية تظهر في موجات عابرة تتوسط الحدث أو تجد مساحتها في ختامها كما ظهرت في صفحة دفتر العلامات المؤنسة. وفي كافة المواقف المتصلة بمحطات القطارات كالمقهى المجاورة للمحطة في قصة " التابوت" والبيوت القديمة كبيت قصة " المئذنة " وحتى شارع الكورنيش الموصوف فيها وفي " شجرة الأسماء" والطريق الريفي في "الأرجوحة" وحين نستعرض الرواة نرى أن الصبيان التلاميذ يروون ويشاهدون ويشهدون على تناقضات وقساوة الزمن وبتصورنا أن هذا التلميذ الباحث عن صورة أبيه هو كاتب جميع القصص.

فيما مضى سؤِلَ فلوبير عن الشخصية التي تُمثله في روايته مدام بوفاري قال أنا مدام بوفاري وواجه نابوكوف نفس السؤال عن شخصيات روايته لوليتا فقال أنا لوليتا. فالصبي أينما ظهر في قصص المملكة يحمل بصمة محمد خضير.

 

شاكر حمد - فنان تشكيلي وكاتب

 

 

مادونا عسكر أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة.. ذات (5)

madona askarعندما نبحر في فكر الفلاسفة وولوجهم في تعريف الحقيقة تتجلّى لنا حقائق عدّة من خلال طروحاتهم ومفاهيمهم. ولا يمكننا الوقوف عند تعريف واحد فلكلّ منهجه الفكريّ والأيديولوجيّ، إلّا أنّ النّمط التفكيري الفلسفي يصبّ في هدف واحد، ألا وهو البحث عن الحقيقة.

يقول أفلاطون: "يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكلّ روحك"، ويذكر سقراط أن لا نقترب من الحقيقة إلا بقدر ما نبتعد عن الدنيا. وأتت الأطروحة الكانطيّة لتعتبر أنّ الحقيقة بناء عقليّاً يتمّ بتعاون العقل والحواس. فالحواس تمدّ العقل بالمعرفة وهو بدوره يوظّف مقولاته لإعطاء المادّة صوراً إبيستيميّة. وبالتّالي يبيّن كانط أنّ الحقيقة ليست على نحو جاهز لا في الواقع ولا في الفكر، وإنّما الحقيقة تفاعل دياليكتيكي بين معطيات التّجربة والمفاهيم العقليّة. أما مارتن هيدجر فقد حاول أن يتجاوز أطروحات الفلسفة التّقليدية بأن تساءل حول الكيفيّة الّتي يمكن أن تكون بها الحقيقة استنساخاً للواقع وترجمة أمينة له.

أسّس الفلاسفة خطابات متعدّدة حول الحقيقة شكّلت أساساً فكريّاً ومنطلقاً أيديولوجيّاً وقاعدة تحرّك الكيان الإنسانيّ باتّجاه البحث عن الحقيقة. وأمّا الفكر الأنسي فذهب إلى كسر القاعدة، وحلّ مكان البحث التّساؤل عن أهميّة البحث عن الحقيقة. "البحث عن الحقيقة، نقول. من يتحمّل الحقيقة؟ لماذا البحث عنها، لماذا الحقيقة ولا أحد- ابتداء من الطّفل و"حقائق" الحياة، وانتهاءً بالمريض وحكم موته، مروراً بالعاشق وحقائق محبوبه بين العيوب الجسديّة والخيانة- لا أحد، يتحمّل الحقيقة."(*)

يطرح أنسي الحاج فلسفة الحقيقة وأهميّة البحث عنها ببساطة السّؤال، ودهشة العارف، وشقاء الباحث المتعب، وحزن الإنسان المنهك من قسوة الحياة. ولئن طرح أنسي فلسفته من عمق خبرته الإنسانيّة، بعيداً عن النّظريّات والأيديولوجيّات، وولج أغوار ذاته ومن خلالها أغوار الإنسان، تجرّد من الخيال والوهم ليسقط تأمّلاته على الواقع. "إنّ الجمع الأفلاطوني بين الحقّ والخير والجمال يجافي الخير ويكذِّب الحقّ ويهاجم الجمال. الجمال هو المهرب من الحقّ. الخير لا ينجم إلّا عن الطّيبة- وما أدراك ما في الطّيبة من رحمة ونقاء بعيداً عن صرامة الحقّ- لا ينجم إلّا عن الطّيبة أو عن نقاء الجهل.".

مع أنسي تتبدّل المفاهيم، وتنقلب المقاييس ليتجلّى المعنى المبين للحقيقة الأنسيّة، ألا وهو الانقلاب على المفاهيم العظمى وجعلها ملامسة للكيان الإنساني، ومتقاربة من فهمه كي لا يضيع في المثل العليا غير الممكن إدراكها.

(الجمال مهرب من الحقّ/ الخير بعيداً عن صرامة الحقّ)، وهنا مواجهة بين الجمال والخير والحقّ. وكأنّ الجمال والخير يحيان بمعزل عن الحقّ. فالجمال يهرب من الحقّ لأنّه يجد ذاته في الحرّيّة وليس في القيود. ذاك لأنّ أنسي يرى قيداً ما في الحقّ بحسب ما عبّر عنه في الجمع الأفلاطوني بين الخير والحقّ والجمال. الحقّ صارم ويتطلّب قواعد وأصولاً، وأمّا الجمال فمتفلّت في الفكر الأنسي ويشكّل مهرباً من الحقّ. كذلك الخير متحرّر من صرامة الحقّ، لأنّه ينطلق من الطّيبة التلقائية البعيدة عن الالتزامات والفروض والواجبات. إنّها الطّيبة البسيطة غير المخطّط لها، والحاضرة في الإنسان بمعزل عن الإملاءات والتّوجيهات. الخير هو الرّحمة النّقيّة المنبعثة من الدّاخل الطبيعي والّتي لا تتقيّد بالخارج.

"وحتّى لو أخذنا الحقّ بغير معنى الحقيقة فهو فظّ لا يحتمله الحيّ الّذي سيموت". بمعنى آخر كيف يمكن للمحدود المملوء بالشّكوك والتّساؤلات والهواجس أن يحتمل الثّابت اليقينيّ. وكيف يمكن للحيّ الّذي سيموت، أي المشرف على النّهاية أن يحتمل الحاضر أبداً. وكأنّي بأنسي يقول إنّ الحقّ متجرّد حدّ الإحساس بالأمور، حدّ تلمّس الواقع المؤلم الّذي يجنح إلى الانهزاميّة. "الحقيقة للشّرطة. للتّجريد المتوحّش وللشّرطة المتوحّشة. الحقيقة عدوّة أو عاجزة. عدوّة للقلب الضّعيف وهو حتماً أجمل منها، وعاجزة عن إغاثة المظلوم لأنّها منذ الأزل تأتي بعد فوات الأوان."

في حين أنّ الكيان الإنساني يبحث عن الحقيقة، يُظهر أنسي الحاج عجزها أو عداوتها من حيث أنّها لم تقدّم بذاتها إجابات على العذابات الإنسانيّة الملتبسة المعنى، وهي غالباً في موقع انتظار الباحث عنها. ويكمن عجزها أو عداواتها في السّؤال الإنسانيّ الّذي ما برح يشكّل هاجساً قاسياً، ألا وهو "لماذا؟". قسوة هذا السّؤال تقابله قسوة عدم الوصول إلى إجابة واضحة جليّة. ما يسمح للظّلم أن يستفحل، وللقهر أن يتعشّش في النّفوس، وللحقد أن يتفشّى، وللتّمرّد أن يبلغ مداه. ولعلّ أكثر ما يعذّب الإنسانيّة قدوم الحقيقة بعد فوات الأوان، بعد أن استنفدت الإنسانيّة كلّ طاقتها في البحث.

 

مادونا عسكر/ لبنان

............................

(*) كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 68

 

عبد القادر كعبان: البحث عن المستقبل في قصص "قطعة ليل" لأحمد الخميسي

abdulkadir kabanمن يقرأ قصص "قطعة ليل" للأديب المصري أحمد الخميسي سيجد أن شخصياتها قد تم اختيارها بدقة لتكشف عن هواجس كاتبها وتجربته الحياتية بأسلوب لغوي خالص، اتخذها ترجمة صريحة لمشاعر الإنسان الممزقة بين الأسى والحلم بشعاع أمل قد يأتي لاحقا.

صدرت هذه المجموعة القصصية سنة 2003 عن دار ميريت للنشر، وتحتوي على 12 قصة قصيرة حملت جملة في الإهداء تختزل خلفية مضمونها: "إلى المستقبل الذي لا يأتي أبدا".

القصة الأولى (تصادف أنني) تحكي لنا قصة شاب شاعر جاء من الريف وكل ثروته قصائد وآمال وجدها أمامه، خصوصا أنه التقى بفتاة شابة أصبحت تتذكره بعد رحيله، كما نقرأ ذلك على لسان السارد: "عيناها كانتا نفس العينين الواسعتين، تشاكسان بتحد ضاحك. لكن شيئا فيهما بعد رحيل الشاعر كان ينفلت من دورة الحياة حولها ويصب روحها كلها بعيدا في عالم آخر. أدهشني أنها ما زالت كما رأيتها وأنا صغير تعيش حقيقة واحدة، كما يحيا الإنسان على ضوء نجوم ربما لم تعد موجودة منذ زمن بعيد." (ص 6).

القصة الثانية (قطعة ليل) تحكي لنا عن رحلة ثلاثة من الشبان كانوا يسيرون منهكين في بحر من الضوء بحثا عن خيط من الظلمة، لكن كل ذلك التعب والإرهاق كان دون جدوى في النهاية: "كان الثلاثة يجرجرون خطواتهم والغبار يتصاعد حول أقدامهم والعرق يسيل من أعناقهم إلى ظهورهم. من وقت لآخر كان أحدهم يتطلع إلى جانبي الطريق المقفرة بحثا عن ظل شجرة، أو إلى السماء ربما تعبر سحابة مثقلة بالماء، أو يرهف السمع إلى خرير مياه في نهر بعيد متخيل." (ص 9).

القصة الثالثة (غيمة) تحكي لنا عن وفاة أم البطل وهي في كامل قواها العقلية والنفسية، حتى أنها لم تكن تريد سوى جرعة ماء قبل رحيلها غير أن روحها لازمت ابنها الأصغر على مدى شهرين: "أشفقنا جميعا على أخي لأنه يعيش في نفس الشقة تحيطه أنفاس أمي وأشياؤها. وكنا نستشعر صعوبة وضعه إذا تجمعنا في البيت لسبب أو آخر، لأننا كنا نحس أن طيف أمي يجوس صامتا سجينا في الهواء." (ص 15).

قد يلاحظ المتلقي أن هناك علاقة موازية إجمالا بين النصوص القصصية في "قطعة ليل" وعناوينها التي تنطوي على صيغ وجدانية تتجسد في اندماج الشخصية الرئيسية مع الآخر.

تعود الذاكرة بالبطل إلى سن التاسعة في القصة الرابعة (إغفاءة) حين زار والده في السجن، وبمرور السنوات تتكرر زيارة الأب له وهو سجين، كما نستشف ذلك في المشهد السردي الآتي: "زارني وجلسنا في غرفة مأمور آخر، بسجن آخر. هذه المرة لم تسعفه حيل الكبار الأولى ولم تسعفني براءة السنوات الأولى. راح يتطلع فيما حوله بقلق مفتشا في الغرفة المقبضة عن ريشة من طائر البهجة، ثم وكأنما عثر عليها أخرج كيسا كبيرا دفع به تحت أنف المأمور قائلا: وضعت هنا كل الممنوعات معا الشاي والبن والورق والأقلام لتسمح بمرورها كلها دفعة واحدة. ودارى المأمور ضحكته بيده. فابتسم وضمني بعينيه يسألني دون كلام: شفت؟" (ص 22).

القصة الخامسة (نتف الثلج) تجمع البطل بحبيبته في رحلة على متن القطار باتجاه توديع صديق سيسافر إلى وطنه، فتجمعهما الصدفة بالعديد من الشخصيات تحديدا طفلة صغيرة تجذب انتباه الجميع، حتى أنها تدفع البطل للتفكير في نهاية علاقته مع حبيبته: "تأملت الرجل والطفلة معا. رأيت –كأنما فجأة- أنهما يبدوان كأب وابنته حقا. نقلت بصري إلى الأم وشاهدتها بعين أخرى: راكبة عابرة جلست بالمصادفة بالقرب منهما." (ص 29).

يحاول البطل إبعاد ذلك الشخص المعروف الذي لم يسبق أن رآه عن ذاكرته في القصة السادسة (قرب الفجر) بعدما تخلف عن موعده في الحضور لتناول العشاء مع الجميع، غير أن أفراد أسرته خصوصا العمة تستنكر أنه لا يساعد غيره خصوصا أقاربه، كما جاء ذلك على لسان السارد: "فكرت أنه لا بد من مقابلته إن حانت الفرصة لأرى من يكون. ولما دعيت تلك الليلة إلى العشاء وقيل لي إنه سيحضر ذهبت إلى هناك بأمل." (ص 34).

تتمتع الشخصيات المحورية في قصص "قطعة ليل" ببطولة عادية تعكس نفسية الإحباط والانكسار والضعف والفشل والحب والحنين إلى الماضي، فهي لا تمتلك سلاحا سوى الأمل في غد أفضل قد لا يأتي أبدا.

يظل البطل –الصبي- في انتظار أمه في القصة السابعة (السند) وهو على سطح البيت، ويملأ قلبه السرور بعدما يطل رأسها من هبوة غبار بضوء الشمس من بعيد: "تخض الفرحة قلبه بشده عندما تصبح أمه قريبة واضحة وترفع عينيها إلى السطح لأنها تتوقع أنه يقف هناك يتطلع إلى الطريق ولا يفقد الأمل." (ص 39).

في القصة الثامنة (اثنان) تسافر زوجة البطل إلى الإسكندرية بحثا عن عمل بينما يظل هو على عادته بين البيت والوظيفة، غير أن تلك العلاقة كانت تمر بفتور عاطفي، كما نستشف ذلك في المشهد السرد الموالي: "كانت تدرك أن تلك المشكلة ليست كل ما يسوقها إلى الإسكندرية والالتقاء هناك بعزت بحثا عن عمل. ثمة شيء آخر أيضا، ربما شعورها الذي يطفو ثقيلا أنها لا تحس بالطمأنينة معه، لأنه في أغلب الأحوال نهب لوساوس وظنون صغيرة تسعى كالظلال تلتهم شعوره بمتعة الوجود." (ص 49).

في القصة التاسعة (نقطة عبور) يحكي لنا البطل عن فرصته الذهبية في حصوله على بطاقة لحضور حفلة السلطانة، والتي كانت محض صدفة لا تفوت: "كان ضابطا كبيرا في الجيش، ولم ينجب، فاعتبرني في محل ولده لأنني كنت أظل واقفا –عند زيارته لنا- خافض الرأس لا أجلس أبدا إلا بعد أن يستريح هو على مقعده فيمتدحني: أنت شاب محترم. هكذا بدأت علاقتنا. لهذا حصلت على البطاقة، وها أنا أرسل بصري إلى المنصة منتظرا أن تخفت أنوار الصالة وتشرق كوكب الغناء." (ص 56).

يتعرف البطل على زوجته صدفة في القصة العاشرة (موج أبيض) فيتزوجها، ثم بمرور الوقت يكتشف خيانتها له دون سابق إنذار، كما جاء على لسان السارد: "لم تعد تشبه المرأة التي عرفتها من قبل. مكثت متجمدا في مكاني لحظات ألاحق ما يتهدم في داخلي حتى لم يبق بين ضلوعي سوى فراغ أسود. لم أعد أنا أيضا أشبه نفسي. حط علي شعور ثقيل كئيب." (ص 64).

يستعين المبدع أحمد الخميسي في قصص "قطعة ليل" بتقنية المونولوج الداخلي ليعكس رؤى شخصياتها وتأملاتها الفكرية وهي تلاحق تشظي الذاكرة كي يتحقق دمجها بأحداث الزمن الحاضر.

يجد البطل نفسه يقف في عتمة الشرفة في القصة الحادية عشر (نبضة) بعد زيارته للطبيب مع زوجته الحامل، والتي تمنت ألا يحدث ذلك لظروفهم المعيشية القاسية خصوصا بعد تحطم كتفه بسبب انزلاقه بالموتوسيكل وهو ينقل شطائر البيتزا الساخنة في صندوق مغلق: "خلال الشهور الأولى باع التلفزيون، ثم تصرفت نوال في السلسلة والقرط الذهبي وأثناء بحثه عن عمل بدأ رحلة القروض الصغيرة، وانتهى بمبيت عند الأقارب اتخذ في البداية شكل زيارة بالمصادفة، وحين تكررت المصادفة أدرك الجميع ما وراءها، فتضاءلت الحفاوة وبان الفتور." (ص-ص 75-76).

تتدافع الصور المتكررة كل يوم إلى ذاكرة البطل في القصة الأخيرة (وقت آخر) فيستغرب الأمر، حتى أنه لا يجد تفسيرا مطلقا لصور قريته الناعسة التي تتكرر نفسها بلا نهاية ووجوه الركاب في الأتوبيس التي لم تعد تتبدل، حتى أن عمله لا يبدأ إلا بعد استدعاء المدير له، كما أن نفس كلمات زميله تتكرر عن الخطوبة فيحاول الهرب من كل هذا من خلال طلب إجازة مرضية: "هل يصدق الأطباء ويكذب عقله الذي يعي وعينيه اللتين تريان؟ وهل من دواء يطرد ما تثيره أحداث الأيام الأخيرة من شعور غريب بأنه يعيش حياة بالية من زمن سابق لرجل آخر استنفدها ثم خلعها لأول عابر طريق؟" (ص 85).

لا تخلو هذه المجموعة القصصية من انكسار ذاتي لنفسية شخصيات المبدع أحمد الخميسي في العموم، وهي تبحث لها عن بقعة ضوء في حياتها المستقبلية التي قد لا تأتي غالبا لكن يبقى الأمل قائما لطرد جرعات الألم القاسية تلك، حتى أنها عكست مقدرة الكاتب على تطويع السرد القصصي لخدمة النفس البشرية الممزقة بلغة بسيطة لا تخلو من الواقعية ذات الأبعاد الرمزية.

 

بقلم عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.......................

(1) أحمد الخميسي: قطعة ليل ، دار ميريت للنشر، القاهرة ، 2003.

 

أحمد الشيخاوي: الميتا شعر في الكلمات الكاريكاتيرية لنجد القصير

ahmad alshekhawiلسنا نهدف إلى إثارة جدل غير مجد من خلال هذا المفهوم الصامت عن ما قد يومئ إلى فوقية ما تستصغر الشعرية في شمولية علائقها براهن إنتاجها ولحظة بزوغها ، وليس القصد من تنظيرنا هذا اختلاق أسقف مانعة تحدّ وتضيّق على فيوض جماليات الخطاب في استغراقه لزمن التلقي ،بصرف النظر عن المصدر وجنسيته الأدبية .

كون الشعرية مع ولادتها تتلبّس سيمياء خطاب مزدوج يفجّر بالتزامن  إحساسا ينعش الذائقة كما معلومة تستقرّ في الذهن.

إنها شعرية اللاشكل مثلما تنقلها لنا وبنجاح كبير تجربة السوري نجد القصير المولع بكاريكاتير الكلمات إمعانا في توظيف المصطلح كانعكاس مشوه ومهلهل مترجم لمدى السخرية من مرايا الذات، في لبوس مرارة التهكم من واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي معين.

لقد استطاع هذا المبدع أن يشقّ له مسارا مبطّنا بخصوصية الصوت و فرادة البصمة ،وتعود الملامح الأولى لهذا اللون التعبيري في مشوار شاعرنا إلى بدايات العشرية الثانية الجارية من هذه الألفية .

وكأنما انطلقت جذوها مع مخاض الاضطرابات الممهدة لتغيرات إقليمية لم تزل تنخر كيان العروبة وتملي على أهلها نواميس الطاعة العمياء غير المكترثة بأوجاع ودماء وأحلام إنسان الهامش في رفضه العيش محايدا خارج طوق المواجهة ومتاهات الصراع دونما الذود عن تطلعاته وخوض مغامرة استرداد الكرامة المسلوبة.

يطالعنا بين الفينة والأخرى ،بمقطوعات تنصت لنبض اليتم والفاقة والحرمان فضلا عن عاهات مجتمعية جمة،فيتمّ ذلك عنده من منطلق الكلمة الصورة حين تفيض الذات عليها لا العكس،بمعنى أن صاحبنا بطل المناورات المكشوفة ، لا يختبئ في الكلمة شأن فعل أشباه الشعراء ، بقدر ما تحتمي الكلمة بظلال خيالاته، طيّعة و مذعنة لصوت قوي جدا يتشكل من فتات الشارع ويصهل مع المعطّل و المتجذر والهامشي، ليصعق بمدلوله ويربك برسالته.   

لا أجلسُ على رصيفٍ

إلا وأشعرُ بأنَّ العالَمَ كلّهُ

تحتَ ، تصرّفي.

لنتأمل  المشهد الفرعوني وهو يقود إلى تمثلات  الإستقواء وبسط السيطرة وادعاء الإلوهية.الرصيف كمعادل لكرسي الطغيان والاستعباد والجبروت.ذاتية تستشعر كل هذا التسيّد والعُجب و وهم امتلاك الكون ، تحتي ، لي.

بيد أن حالة شاعرنا تشي باستقرار نفسي في فوهة جحيم ميداني، منتحل من سلطة الكلمة وعزيز بها.

وما أهرامات ما نشهده اليوم من فوضى ودمار امتطاء لصهوة الأوطان والسياسة والدين،ما هم  في حقيقة الأمر إلا نسخا وتكرارا للشخصية الفرعونية في غرورها اللامعقول وأنانيتها وساديتها وجنونها وغطرستها، وإن بنسب تختلف وتتفاوت حسب الحاجة إلى ذلك الجوع والعمى الروحي.

لم تعد ثيابي، تليقُ بي كشاعرٍ،

فلا أبدو فيها إلا كعدّاءٍ، أمضى حياتهُ

وهو يركضُ وراءَ لُقمة عيشه.

لنلحظ كيف أن الكلمة مهما ناوشت وموّهت لتعطي انطباع أنها أميل إلى المطلق والكامل ، تمكث مجرد كلمة أشبه بمسافة لركض أحمق باتجاه عكسي بحثا عن الذات وتنقيبا في أسرارها وأيضا تبريرا لمفارقة فشل يتكرر وروح انهزامية سرعان ما تخضع لمنطق الاستهلاك.

دفعةً واحدةً أحببتك

وبالتّقسيط غير المُريح

دفعتُ الثّمن.

………………

أنتِ جميلة

والكلُّ يشهدُ بذلك،

البقّال

 

والفرّان

ومازورةُ الخيّاط،

أنتِ جميلة

لا جدالَ في ذلك

لكنّهُ الشّعر

يومٌ لكِ

وبقيّةُ الأيام لغيرك.

.................

لا تعترفُ المرأةُ

بوزنها الزّائد

إلا في المطار.

............................

لا علاقةَ لي بالجوائز الأدبيّة،

لا من قريبٍ ولا من بعيد،

مناوراتي اللغويّة وأنا حافي القدمين

لا تنصفها سوى جائزةِ الحذاء الذّهبي.

............................

لجمالها، رفعَ القبّعة

فَطارَ منها

حُبّهُ الأوّل.

............................

أولئكَ الذينَ كانوا مُختبئينَ في ثيابهم،

بعدَ فوات الأوان

أدركنا أنّها أغلى ما يملكونه.

...............................

لسانُ حذائي

قصيرٌ جدًا

والطّريقُ إليك، طويلة.

..........................

لا أفتحُ قلبي لأحد

إلا وتطيرُ منهُ فراشة

إلا أنتِ

حينَ فتحتهُ لكِ

طارَ عقلي.

..............................

يومَ رآكِ أوّلَ مرّة،

عجزَ العالَمُ كلّهُ

أنْ يغلقَ لهُ سحّابَ بنطاله.

......................

قطعَ العالَمُ أُذنيّ الرّغيف

كي لا يسمعَ نداءات الفقراء

واستغاثاتهم.

................................

ثمّةَ شعراءٌ إقصائيون؛

بإمكانهم إغلاقُ بابٍ أو أكثر،

لكنّهم لا يستطيعونَ إغلاقَ نافذةٍ واحدة

لأن قامتهم في الشِّعر قصيرة،

أقصرُ ممّا يمكنُ لأحدٍ أنْ يتخيّل.

............................

من دون أيّة رحمةٍ

أو شفقة،

دفعَنا الطغاةُ

من اليابسة إلى البحر.

وهناكَ، في عرضه،

وقعْنا في أيدي القراصنة.

وراحوا يفتّشوننا بنهمٍ

بحثًا عن المال والذّهب،

فلم يجدوا في جيوبنا

سوى دُحل الأطفال،

وتحتَ أظافرنا

ما ادّخرناهُ

من تراب الوطن.

متون كاريكاتيرية تتنوّع و تتوزع على نحو يتيح للكلمة إفراغ الحمولة الإيديولوجية في كادر تناسل دوال الكوميديا السوداء،لتأطير لحظة الوجع،وتوليد صدمة انتشال الذات من شرودها.

لا تُمسكي فنجانَ القهوة من أذنه

فلا ذنب له إن أدمنَ شفتيك.

*** *** ***

اقرئيني

كما يقرأ عالم الآثار معالمَ الأرض

فإن حروفي طاعنةٌ في عشقك.

*** *** ***

أحببتُ العزفَ على العود لأجلك

فأنا أعزفُ عليه تقاسيمَ وجهك.

*** *** ***

حين بلغتُ الأربعين

لم يبقَ أمامي

إلا علي بابا.

*** *** ***

في موسم التنزيلات

حسمتْ أمرها وعانقتهُ.

*** *** ***

سأقلّمُ شجرةَ عائلتك

فقلبي لا يتسعُ إلا لأغصانك.

*** *** ***

تجاوزَ جمالها حدودَ المألوف،

فكتبوا به ضبطًا.

إنها مطاطية وتوسع وتمدد هذا الفن في أرقى مستويات تقاطعاته البصرية المسموعة،تتلون أدوات فبركته مسهمة في تتكاثف أغراضه لخلخلة الكامن فينا ورجّ الراكد وفق ما يفتح القلوب قبل الأعين على انتهاكات عصر المساومات والاتجار في منظومة قيم أدنى عتباتها الحب وأقصاها الوطن.

عصارة القول أن شاعرنا أفلح وإلى أبعد الحدود في نقل المعركة من نتانتها وضراوتها المتحيزة إلى منهج  بوح وديدن أسلوبية تضحك لتبكي وتهدم لتبني .

تجريبية  موفّقة تنم عن نبوغ وسبق يطعن بجمالياته ويدثّرها مبدأ الانتصار لإنسانية مغتصبة وهوية ذبيحة.

 

أحمد الشيخاوي- شاعر وناقد مغربي

 

فهد عنتر الدوخي في مجموعتها الشعرية أنا والشجن سارة آدم تؤرشف لمدن الإغتراب..

fahad aldokhiعليك أن تجد بين هذه السطور وشائجا متوافقة،كلمات تؤرشف ذاكرة الإغتراب بأحرف محسوسة،فصول من الأزمنة قد تراكمت عبر سيل من الزمن، وقد إرتحل وهو يجفف دموعه للحظات قد لاتمر مثيلاتها، انها العين التي تداري هموم هذه الذات التي ضاعت بين مجاهيل المدن وعثرات العالم وشطآنه المترامية، خوفا وجزعا وفرحا أحيانا، ثم ماتلبث هذه الرؤى حتى تعدو سرابا ثقيلا يوقع بالأبصار،يدفعنا الفضول احيانا لسبر وعاء الماضي الذي غادر وترك لنا كل الصعاب والمآسي، والهموم، ليجبرنا أن نلامس وقعها على أنفسنا، حتى ندون، نكتب، نرمي بخطوط العرض والطول حتى نهاية خارطة العالم لنجعلها قصيدة، جميلة ذات أثر شعري، خطوط بيانية نترجم من خلالها كل الأحاسيس التي فقدناها، والرؤى والصور الجميلة التي تهاوت في ذاكرتنا، أي ماض يحتضن أمالنا ونحن نتوسل عباب المدن القصية أن تمنحنا اللجوء، الهروب من ذواتنا لنستجدي أرصفة الصقيع وموانيء الضباب وصعلكة المارة وهم يتغامزون في دروب موحشة،هل نلملم اوراقنا ونمهد للقاء مفتعل مع آفة أغتراب قد يسرها القدر لنا؟ لتكون لنا معينا نشحذ منه افكارنا وماتمليه علينا خواطرنا حتى نرسم اللحظة بألم البعد، لنسترد البسمة التي تداعت منذ عام الفيل وحتى ولوجنا عالم الدهشة والفراغ كيف   نطوع المسافات لنجعلها واحة للتواصل الحميم مع كل الأحبة التي فقدناهم في أعوام قد تقادمت في دفاترنا؟والشجون التي رسمتها (ساره آدم) وهي تتجول على حافات المدن المطلية بالضجيج لتلبي جنون الغمام وهو يلون الأيام والسنين بلون الليل الجامد،وعندما نختلس لحظة منه، نشعر بدفء موهوم تختزنه ذاكرة الصبا،

(هل تعرفين..

ما الشوق يا وجعي القديم؟

هل تحلمين بفارس ابهى ، يشاطرك الحنين).. هذه أول تدفقات البوح الشعري في الصفحة(5)...

عالم جميل تصنعه شاعرتنا (ساره آدم) في مجموعتها الشعرية( أنا والشجن) الصادرة مطلع هذا العام،وقد أثرى على هذه المجموعة الفنان والشاعر عامر صادق بخطوطه المرنة غلافا رائعا وتصميما حديثا، توائم بشكل ملحوظ مع محتويات هذا الكتاب وما توحي به هذه القصائد لترسم احلامنا بمقاطع جريئة وقد بانت عليها اعترافات إمرأة بوقائع مثيرة وآمال محسوسة حتى نجد خروجا ميسورا على ما تآلف من بوح في قاموس القصيدة النثرية، إذ وفرت أديم الإستمتاع وجعلته قاعدة للإنطلاق، لتعري كل الجمل من أطرها التقليدية الدارجة لتوصلنا الى فضاء ملون بالكلمات والجمل والاستغراق في المعاني والعبور الى فهم المقاصد الشعرية لتمزج نزوع الذات بالفعل الموضوعي،والحالة بالظاهرة، واللون بالفراغ..

حتى لانبتعد عن حوار الذات مع عالمها الشعري المزين بتجربة واعدة، جديرة بالعرض والتحليل ونحن نتجول بين عناوينها،إذ وجدنا من المناسب ان يعثر المتلقي على أوجه الترابط بين الظاهرة الشعرية السائدة والتي تسوق المعنى الوجداني لتوصله الى مبتغاه وبين الهواية التي لاتهتم ولاتلبي حاجة المتتبع الى الحداثة والى البهجة والإيقاع الموسيقى، نتطلع الى مكونات هذه اللوحة (حلم، المسافات الصامتة، امنيات، رحلت،أعماق الروح، الحنين،خيار ،تحدي، همسات، أحلام السفر، أسئلة،عزف،إصرار، أماني، يحدث كثيرا،أحتواء،دفء، أنا والشجن،كلمات، الضياع، التيه، رحلة،تمنى، كتابة، ومضة، قراءة، لحن مفقود، اجتياح، رجاء، شتاء بارد، أعلنت الرحيل، صراحة..) وقبل أن نتوغل بين أسطرها، نقرأ مادونته الشاعرة آدم، على ظهر الغلاف (هي تراكمات غربة قاسية، تجرعت مرارتها حتى اللحظة، وقد تولدت منها هذه الأشجان المقروءة،، أتحسس بلسعة كل نص فيها بذائقة لذيذة رغم قساوة الأيام ومواكبة أحداثها خطوة بخطوة)...

(وهل أنا أطلب المستحيل،

لاشيء سوى النطق بإسمك، يعلو هامتي، وألتحف بسواد شعرك الليالي.. لولا عينيك، لما كان للبدر ضياء).. ورغم بساطة الجملة الشعرية إلا أننا إستدركنا الأمر ولنبحث عن المزيد من الإعتراف..

(ألتحف بساط الريح، وأسرق الرعشة من أجنحة الملائكة،)... (أريدك أن تحفظ ملامحي جيدا، أعدك أن... لن تراني مجددا،)الصفحة28..) وهنالك الكثير الذي يقال عن تجربة إمرأة كما أشرت وهي تسجل وقائع وجدانية مستلة من أحلام، ورؤى، وإغتراب، وإستبدال الحواس وترجمة الباطن الجمالي وتأثيره على النص الشعري، والفضاء الشاسع للتخيل والآفاق الرحبة في إسترداد صور الأمس، وتجديد رداءها بفيض من المسميات..

في الصفحة22 نقرأ(هل تريد أن تعرف من أنا..

أنا زقزقة عصفور حزين..

أنا موج البحر..

أنا معزوفة ناي حزين..)

كل ماذهبت الية الشاعرة (سارة آدم) يدفعنا لنستجدي وقع الكلمات وأثرها على ذائقتنا ولنشد أزر التواصل مع هذه الموهبة المؤطرة بهذا الفضاء الشاسع من الخيال واللغة السهلة الممتعة، حتى يدفعنا الفضول لنفسرالظاهرة الشعرية الوجدانية المكتنزة وتأويل المعنى الرمزي الذي يقف وراء هذا الإنعطاف، أو الإستجابة الواعية لما تقدمه القصيدة من فعل،أو بمعنى آخر الحدث ومكونات اللوحة التي تشكل في ذهننا صور، ووقائع ومواقف وتفسيرات، أذن أستطاعت الشاعرة في مجموعتها هذه (أنا والشجن) ان تعتق رسالة مشحونة بالألم والهم وتعطي للوحدة تعريفا موجزا وللإغتراب عنوانا كبيرا، غير أن المتلقي بعد أن يتصفح اوراقها، ويدقق في مراميها، يجد الكثيرمن الأبواب والنوافذ التي فتحتها لمرور نسمات باردة عطرة ليوم قائض مشحون بالسخونة،وصورمزينة بكل ألوان الطبيعة،إنها قصائد (سارة آدم) القادمة من المنافي السعيدة ووحشة المدن البعيدة..

 

بكر السباتين: تحرير المدى في قصيدة شجرة الكون للشاعر جميل أبو صبيح

bakir sabatinالسماء الرحبة تمتد بشجرة الكون عبر المدى، تستنطق روح الشاعر وتزرع في قلبه الدهشة كي تتبرعم في بهيم الخوف من المجهول طفولته وقد تحررت من قماطها؛ لتتجول في رحابة المعنى دون قيود، كأنه موسم القطاف الذي يرافقه هديل الروح وموسيقى الخيال المجنح وهي تقتفي أثر السؤال الفطري في مجاهيل هذه الشجرة المباركة حتى يتعبه الترحال عبر الكون الذي تظلل شجرته الكثة قلوب الشعراء ومرابع صباهم، وبراعم روح لا تشيخ في نبض القصيد، هذا هو ابن الأرض الذي يختلي بروحه في سماء مغسولة بأحلامه الفطرية.

إنه تحليق منفتح على المدى لطفولة الشاعر المأخوذة بدهشة اللقاء مع شجرة ميلاد الكون البراقة في سماء تكتحل بظلها الأنهار ومرايا البحيرات المتوارية خلف الأكمات في بهيم الليل الساكن فلا يتخلله إلا الدعاء.

هذا ما يداهم مشاعر القارئ المتأمل كلما توغل أكثر في أعماق قصدية "شجرة الكون" للشاعر جميل أبو صبيح والتي تندرج في إطار قصيدة النثر، حيث اجتهد أبو صبيح على تطويرها من خلال سردياته التي اشتهر بها، وقد تجاوز في سياق ذلك مرحلة التجريب إلى الثبات على محددات في الجوهر والشكل، تجمع ما بين شروط قصيدة النثر وملامح القصة الوجدانية القصيرة القريبة من تيار الشعور، كأنه طواف بالمتلقي في ملامح الأمكنة والأزمنة، فتستلب الشخوص إلى غيبوبة الحكاية إذ تسوقهم الأحداث إلى نهاية مفتوحة على كل الأسئلة، وهو ذاته ما سوف يلمسه القارئ الحصيف في قصيدة" شجرة الكون" الزاخرة بالصور الشعرية، المفخخة بالأسئلة الوجودية، حيث يعربد الخيال فيها كأنه سحبٌ تحاورها الريح الكونية في سماء تتغير فيها الصور دون بداية أو نهاية.. لتحمل القصيدةُ للمتأمل، نكهة روحية تشيع الأمان في أعماقه، كأن الأم ترعى هذه الشجرة بالدعاء، ليغمرهديلها المتسلل بين أجرام السماء أحلامه التي ترفرف بأمان، وثمار شجرة الكون البراقة تغوي المارين بالخيال، والتي لا تشيخ فتجتمع فيها كل الفصول، كأنها نهر خالد من المجرات يشق السماء، والسدم أسئلة منفتحة على المدى المتحرر من الخوف.. وهذا ما ينسجم مع قول أبو صبيح في هذا القصيدة:

"أوراق الشجرة كثيفة

لم يكن الفصل خريفيا لتتساقط

ولم يكن ربيعيا لتخضر

كان الوقت كله فصلا كاملا

وكانت انهار الفصول مجتمعة

نهرا واحدا

نهرا كبيرا من المجرات

هل تنام المجرات!؟"

وهنا تتبدى ملامح البصمة التي زين بها أبو صبيح سردياته، وهذه دعوة للإبحار في عالم هذا الشاعر الممتلك لأدواته من خلال رائعته"شجرة الكون" والتي يستهلها قائلاً:

"الشمس قنديلي

والسماء بيتي

وأنا افترش الرمل بين قبرين

أتكئ على حجر

أراقب شجرة الكون.."

كأن السماء ملتقى الطفل القابع في أعملق الشاعر مع حريته الهائمة بين قطوف المجرات المغسولة بالضوء، فهو لا يرى من حوله إلا فناء الروح التي تراود الحياة فيها كل المحبطات، ثم يجد هذا الطفل على الأفق غيوم من اللؤلؤ الوردي، كأنه وجد من خلال تأملاته، ذاته التائهة بين قبرين تعربد فيهما الحيرة وسطوة الخوف "بين حجارة حبيبين"، حتى تستيقظ الروح المتمردة معلنة عن "أنا" الشاعر التي تنتمي إلى أرض يسعى لانتزاعها من أشداق الخوف وسماء أعلا منفتحة على المدى، وهنا يعبر الشاعر عن هذا الموقف بأبهى الصور حين يقول:

"والسماء ..

حديقتي

زرقة رمادية في مواكب موسيقى"

لكن القلق يداهمه من جديد، فيصور كيف تداهم المواكب الموحشة سياج حديقته التي تمثل الأم بالنسبة للطفل المتمرد في قلب الشاعر، والوطن المنتهك بالنسبة للشاعر الذي يتعبه الوعي، فيلوذ إلى أحلامه التي ترصع السماء كأنها ثمار مغسولة بأحلامه لشجرة الكون، فماذا يقول الشاعر:

"مواكب موحشة

وعلى سياج حديقتي

قمر برتقالي هزيل

يستحم بالموسيقى"

إلى أن تدوي صرخة الشاعر فتهتز شرجة الكون كأنه موعد القطاف قد حان:

"يا لها من موسيقى ..

موحشة ..

لا صبرا ولا شاتيلا

لا الدوايمة ولا دير ياسين"

إنه احتلال مرابع طفولته على الأرض، وملاذه الأبدي في السماء، لا بل هو القمع ذاته لحرية التحليق في سماء يمتلكها الإنسان في كل زمان ومكان، هذا البوح كأنه صادر من نفس معذبة، وهواجس تلتهم رأسه المركون على حجر تيبست فيه الأحلام ونما القلق. فيصف الشاعر هذا المشهد حيث ألسنة النار تطوق روحه المكبلة بالقيود في مرايا عاكسة لعذاباته، ولأحلامه في السماء، كأنه مقبور في أرض ينتمي إليها وسماء يسودها البهيم فيبحث من خلالهما عن شجرة الكون المحاطة بأنهار السدم والمجرات، شجرة الأمل والحياة، كأنها استعادة لأحلام الشاعر، فلنستمع إلى نبضه إذْ يقول:

"ألسنة نارية في شبابيك المرايا

والمرايا سماء

والمساء

يغفو على سرير من الموسيقى

موحش

وأنا بين قبرين

رأسي على حجر

مخيلتي غابات وفضاءات بحار

والقمر الذابل

بأضوائه المريضة

ينعس"

لكن الشاعر يحتفظ بقناديل الأمل لتنير الدروب، لا بل ويتنبأ بثورة ستوقظ الروح من السبات، وترفع السلالم إلى العلا، ثم تدني من قطوف التغيير المتمثلة بشجرة الكون التي تحفها أنهار السدم والمجرات، فتلمع الثمار في قلب الكون بأحلام الطفولة وهديل الأمهات، وحماسة الشعراء، وهكذا يتحرر المعنى من القماط ليَشِبَّ على الحرية بعد أن تنتهي فترة الفطام..

فماذا بعد هذا السيل الجارف من الأسئلة سوى الشلال الذي سوف يرفد البحر بأسرار الحرية التي تعكسها شجرة الكون على مرايا الطبيعة والإنسان، أسئلة فتية لا تلهث فتطرق الأسماع بالموسيقى والغناء:

"فهل تنام المجرات

وتنهض من نومها صباحا

أسال حين تطلع الشمس

هل تطلع شمس أخرى !

فإذن لماذا يمزق هذا الشيخ ثيابه

بيوت مهدمة حوله وأكوام صفيح

وامرأة ممددة على الأكوام

إذن لماذا يمزق هذا الشيخ ثيابه

امرأته رقصت على كفه .. وغنت

ولدت له شهيدا طازجا

ووردة زهرية بأوراق مضيئة

فكيف له

أن يتمدد بين قبرين

أو مدينتين محروقتين!؟".

ثم تأتي الوعود بالريح الكونية، تستدرجها بالدعاء، فماذا بعد!

"ريح كونية تشعل الغابات والموج

وتداعب أغصان الشجرة"

إلى أن ينتبه الشاعر إلى واقعه على الأرض، فيهبط بأحلامه عليها، كأنه يبحث عن إرادة التغيير بين الناس كنبيّ، إذ يمد سلم السماء كي يقطفَ ثمارَ الحريةِ كلُُّ معذب تطوق أحلامَه القيودُ، فتستيقظ في كتاب حياة الشاعر الفصولُ ليصيرَ لحياته معنى، فماذا يقول:

"المجرات مضاءة بالبياض

نساء كثيرات بأجنحة شفافة

وألوان زاهية

على جانبي الطريق

وسلم السماء يمتد

بيتي من بعيد كأنه نجمة

ومعراجي عال

يسبقني فيه كتابي

وكتابي حياة

تستيقظ فيه الفصول

ينهض الخريف مبكرا

يوقظ أمطاره"

إذن هذه وعود لأحلام تطرق الأبواب، شجرة الكون أصبحت دانية القطوف، وسيول المجرات أوشكت أن تشق لها طريقاً على أرض الواقع، ويهلل الشاعر لذلك قائلاً:

"ويرسل السيول

يرسلها بين قبرين

لا القاهرة ولا عمان

لا الرياض ولا الرباط

سيول دافقة

دافقة"

ولكن كيف للحرية أن تتحقق في بهيم هذه الحياة التي تشبه القبر، دون إرادة تنعش الأمل في أعماق المظلومين على هذه الأرض، وهم يفترشون اليباب تحت سماء منتهكة، وتحتلها العقبان! فمن يوقظ هؤلاء من بين القبرين (سماء مصادرة وأرض محتلة)!

فيصرخ أبو صبيح في وجه الصمت المطبق على القلوب والعقول والأحلام تحت شجرة الكون بعد أن دنت قطوفها!! ليجيب بعاصفة من الأسئلة المبهمة، كأنه يذكرنا بأن الإسراف في الأحلام كعدمها.. نعم سيصعد الشاعر إذن حاملاً قنديله وهموم الأرض إلى شجرة الكون.. حيث يعربد الخيال وهو يراقص أحلام الناس في أوهام يتمادى في تحرير حدودها الخيال، ليعلق قناديل الحقيقة والواقع على أغصانها، وهي دعوة صريحة للتغيير على قاعدة الأفعال دون إسراف في الأحلام التائهة في مجاهيل السماء وغياهبها، لينهي الشاعر قصيدته قائلاً في نبرة تتراوح بين الولادة والأفول، معبراً في ذلك عن صراع أبدي يدور بين الظلم والعدالة، لكن الخاتمة ستشهد القارئ على ولادة الفجر الذي يعقب المخاض الطويل:

"شجرة الكون تغني

وسلم وردي إلى السماء

يعزف موسيقى كونية

نساء وأطفال كثيرون

يمتطون ثيرانا مجنحة

يمرحون على الغيم

ويتفيأون بظلال شجرة الكون

وأنا أتسلق السلم الوردي

على كتفي جبال البرانس

وعلى صدري القدس

والسماء بيتي

وقنديلي الشمس

فمن يوقظ زوجتي من سباتها !

من يوقظ ابني!"

مختتماً قصيدته بوعود الشمس التي يألف نورها الربيع، ويستيقظ على واقعها النهار.. وهذا قمة الأمل وجوهر هذه القصيدة التي تمثل ثورة على التخاذل والظلم، وهي دعوة صريحة للتغيير في عالم الرياء المحبط المستشري دون رادع لتحقيق عدالة السماء بفعل إرادة تستمد طاقتها الإيجابية من سمو شجرة الكون والحياة، فيقول الشاعر بعد أن يتنفس الصعداء :

"التلال ترتفع

تفرد أجنحتها للسيول

والسيول دافقة ..

دافقة ..

وأنا بين قبرين

أصعد

أصعد

لأعلق الشمس

على شجرة الكون"

 

مادونا عسكر: أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة.. ذات (4)

madona askarمن العسير أن يقف الإنسان أمام ذاته بصدق ليكتشف شوائبها ويقبل بها محاولاً معرفة موقع هذه الشّوائب من نفسه ومحيطه. غالباً ما تأخذه الكبرياء وتتسلّط عليه وتعاند ضميره  فيستسلم لعنفوانها وسلطتها. لكنّ المتصالح مع ذاته هو ذاك الّذي تواضع أيّ نظر إلى ذاته على مستوى بصره وبصيرته، فعرف أنّ الإنسان يحمل في ذاته الكثير من التّناقضات يصعب الاستدلال عليها أو فهمها، ورغم ذلك تجرّأ على المثول أمامها بصدق وشجاعة لا ليفهم وحسب، وإنّما ليعلي شأن ضميره الإنسانيّ وبالتّالي إنسانيّته.

إنّي صادق، فلماذا يبدو وجهي كاذباً؟

أيّهما الزّائف، المستتر أم الظّاهر؟

ثمّ أجد العذر بأن لعلّه شعور الخجل بهذا الصّدق يرسل إلى المحيّا ظلال جهد التّملّص منه.

يجعل أنسي الحاج السّؤال الأوّل ملتبس المعنى، أي أنّ السّؤال لم يكن: إنّي كاذب، فلماذا يبدو وجهي صادقاً؟. وإن دلّ هذا الأمر على شيء فهو يدلّ على معرفة أنسي بذاته المتناقضة (إنّي صادق/ وجهي كاذباً). ونستدلّ إلى هذه المعرفة في السّطر الثّالث (لعلّه شعور الخجل بهذا الصّدق)، ليعبّر أنسي عن إدراك للتّناقض الدّاخلي الّذي لا يظهر للعلن، واعتراف بأنّ الصّدق غير تامٍ في النّفس، بل هو إلى حدّ ما صدق ناقص. تحيلنا هاتين العبارتين إلى قول بولس الرّسول في رسالته إلى أهل رومة (19:7): " الخير الّذي أريده لا أعمله، والشّر الّذي لا أريده أعمله.". هذا التّناقض العاصف الحاضر في النّفس يحتاج للكثير من التّأمّل والتّبصّر حتّى يتمكّن الإنسان من استيعابه أوّلاً، والتّعامل معه ثانياً. ما سنقرأه في السّطور التّالية لأنسي الحاج:

"عندما تقول طبعاً إنّ أشدّ ما يؤلمنا هو الكذب، تقصد طبعاً كذب الآخرين. ألا نكذب نحن أيضاً؟ وهل نشمل بمرارتنا آلام الآخرين من كذبنا؟"

يضع أنسي الحاج ذاته على مسافة من ذاته ومن الآخرين. ويبدو لنا تمام الصّدق في اللّغة الأنسيّة. إذ إنّ تحقيق الإنسانيّة يفرض تعاملاً مع الآخر كما مع الذّات، وبالتّالي فالألم الّذي يصيب الإنسان من كذب الآخرين، يصيب الآخر بسبب كذبه. هذه المعادلة خطوة نحو الأمام أكثر منها مراجعة للذّات وفحص للضّمير. فمراجعة الذّات تبقى عند حدود التّمييز بين الصّائب والخاطئ، وأمّا تبيّن وتلمّس الألم المتساوي بين الإنسان والآخر يدفع الإنسان إلى اكتمال إنسانيّته.

ولئن كان هذا الاكتمال خطوة إلى الأمام استلزم من الإنسان تفهّماً لكذب الآخر مقابلة مع الذّات. والتّفهمّ هو غير التّبرير، فالأوّل يحمل الكثير من المحبّة والاعتراف بالحدود والضّعف الإنسانيّين، وأمّا الثّاني فهو بمثابة غضّ النّظر عن الخطأ، وليس هذا ما أراده أنسي الحاج.

"كرهت كثيرين لا لأنّهم كذبوا عليّ بل لأنّهم "أصابوا" منّي بكذبهم مقتلاً. وانتقمت من بعضهم. وندمت على الكراهية وعلى الانتقام لأنّ التّأذّي بهذا المقدار من الكذب، يضاهي الحماقة." بمعنى آخر، لا يجدر بنا أن نكره من يكذبون علينا لأنّنا بذات القدر نكذب ونؤلم. وثمّة كثيرون يكرهون الكذب، وينتقدون الكاذبين، وآخرون يعبّرون عن أنّ أكثر ما يرفضونه الكذب. ولكن، كلّنا نكذب، وكلّنا نؤلم ونتألّم.

"ولكن ماذا عن كذبي أنا؟ لقد كذبت، حتّى لو لم تطاوعني كبريائي هذه اللّحظة في تحديد أكاذيبي. إنّ قوّة عاصيّة تأبى عليّ أن أقرّ بهذا العيب، ولو تغلّبت عليها لاستطعت أن أرى طويّتي بصفاء. لكنّي كذبت، على الأقلّ مجاملة أو خوفاً أو تحناناً، وأحياناً استرسالاً مع نزعة إلى التّمثيل، وإيغالاً في أنانيّة لا ترحم ضحاياها ولا محبّيها وإن كانوا أنصافاً لذاتي. وكم كذبت على نفسي لأؤجج فيها بغضاً تحت ستار الحقّ، ولم يكن وراء السّتار غير حساسيّة مرضيّة". 

في لحظة صدق راقية مع الذّات وضعنا أنسي الحاج أمام ذواتنا وحرّك فينا روح الانقلاب على الكره والانتقام. وبيّن لنا كذبنا الحقيقي الّذي هو ادّعاء المثاليّة والكمال. "قولنا إنّ كذب الآخرين يؤلمنا لن يأخذ براءته إلّا حين لا يعود يعني أنّ ما يؤلمنا هو أنّ الآخرين أيضاً يريدون الخداع".

 

...................

- كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 66،67

 

 

صالح الطائي: أساطير رحيم الغرباوي بين رماد الخصب ومواسم الحب برؤية فلسفية

saleh altaeiقراءة انطباعية وفلسفية في المجموعة الشعرية "وهج الأساطير من رماد الخصب ومواسم الحب"

لا يُعرِّف رحيم الغرباوي نفسه بأنه شاعر، فهو وفق تخصصه الأكاديمي ناقد متمكن، وتكاد غالب كتاباته أن تحتك بجوانب النقد، أو تغور في أعماقه بحثا عما لم يره الآخرون، أو تنفذ من خلال الوعي إلى أعماق المسكوت عنه لتستخرج مضغة ضائعة بين ركام التاريخ ونوازع النفس وضغوط الحياة وتجليات الواقع والمجاملات المجتمعية التي تسلب الحقيقة رونقها، وتعطي انطباعا معاكسا للواقع، وأنا من خلال قراءاتي المتكررة لمنجز الغرباوي، وجدت عنده مقدرة رائعة على توظيف مهارته للفرز بين شوائب النص وأصوله، بأن يجعل الشوائب في حيز خاص، ويعرض النتاج أمام الأعين ليأخذ بعده الحقيقي سواء كان بعدا رحمانيا أم بعدا شيطانيا، لا يكيل بمكيالين ولا يحابي لإرضاء أحد، قاس في أحيان، وبسيط حد التواضع في أحيان أخرى، يطنب في جوهرة الجمال، ويلمح إلى مواطن القبح تلميحا وكأنه يخجل أن يعرف الآخرون ما في النص المدروس من ترهل وضعف.

لكنه في إصداره لمجموعته الشعرية (وهج الأساطير من رماد الخصب ومواسم الحب) كشف ظهره لسياط النقد، وأعطى للنقاد فرصة الانتقام منه، لاسيما وأن قصائد المجموعة تمثل مراحل مختلفة من حياته، تعود ذكريات بعضها إلى زمن الشباب، ويعود القسم الآخر منها نفسه إلى ذاك الزمن الجميل، كان الشاعر قد نظمها قبل أن يخط لنفسه منهجا واضحا.

وبالرغم من كون تلك السنين، كانت قد تركت بصمتها على انفتاحياته، لكن الظاهر أنه بعد أن تجاوزها في مرحلة الوعي إلى النقد كمنهج، حاول أن يحيي ألق ذكرياتها، أو يتصابى، ليعيد تقييم تجربته من خلال استذكار تجاربه القديمة، وإعادة صياغتها بنفس مدركة واعية منفتحة على الوجود والتاريخ والأسطورة، ومن هنا، وظف الأبجدية في فضاء افتراضي، متاهاته تتشعب إلى حد السأم، وتتجمع تمركزا إلى حد الكثافة المرعبة، تحاول أن تكتنه المخفي، وتفضح المسكوت عنه، وهنا لا غرابة أن يشعر المتلقي بالمكابدة التي عانى منها الشاعر وهو يكتب مقطوعاته بحثا عن الدلالات الحسية للواقع الغائر في البعد الأثيري للعمر، حتى لم تعد منه إلا مجرد ذكرى باهتة تداعب الخيال وتشغل البال.

وهي وإن كان من تجاربه النادرة إلا أنها محاولة للتجديد، للبدء بحركة قد تحدث تغييرا، فالإنسان لا يرقى بالجلوس والتأمل والحلم وحده، فالتأمل والحلم أجزاء من منظومة السعي نحو القمة تقودهما الحركة الدؤوبة، تحريك الاتجاهات واستكناه الرؤى، الانتقال وحده يخلق أجواءً جديدة ويوفر أبعاداً أخرى غير تلك التي نألفها عند الجلوس والجمود. الحركة هي التي تكشف الجوهر الحقيقي لمعدن الأشياء، وربما لهذا السبب قال أحد الشعراء:

أغضب صديقك تستطلع سريرته للسر نافذتان السكر والغضب

ما صرح الحوض عما في قرارته من راسب الطين إلا وهو مضطرب

وبرأيي أن الحركة لدى الشاعر تصبح لعبة من نوع خاص، فيها الكثير من التحدي والمجابهة، والشاعر هو الذي يضع قواعد لعبته عادة، ويدعو الناس إلى مشاركته اللعب وفق قواعده التي سنها، مع أن هذه القواعد قد تكون من تداعيات ما مر به في حياته من فرح وألم وسخرية وتعالٍ، وهذا ما أكد عليه "ويلهلم ديلتاي" بقوله: "إن سلوك وأقوال وكتابات الناس كلها تترجم حياتهم الذهنية والداخلية". فترجمة الحالة الذهنية هي الحركة الحقيقية وإن لم تحدث انتقالا من حيز جغرافي إلى آخر، لأنها تحدث انتقالا روحيا قد يمتد إلى سنين طوال وأزمان بعيدة. إن تصوير حركة الانتقال ونقلها إلى المتلقي وإشراكه في تنضيجها ومعايشة أجوائها يحتاج إلى جهد استثنائي لا يجيد توفيره سوى الشعراء الحقيقيين، أقصد الشعراء الذين يتفاعلون مع اللحظة بشيء من: السخرية، الحزن، الفرح، اللاأبالية، الشدة، البساطة، والتصوير الباذخ

وربما لهذا السبب لجأ الشاعر أحيانا إلى اعتماد التصوير المتخيل للتنفيس عن خلجات النفس ومكابدة العمر، حتى دون أن يهتم بأثر الهرمنيوطيقا(1) وهنا قد يضطر الشاعر إلى الجمع بين التضادات تماما مثلما فعل "جان هيك"(2)

حينما اعتقد أن الصراط المستقيم والدين الحق أمر موهوم، لكن جميع الأديان حق وتهدي إلى الواقعية! هذه المكابدة هي التي تدخل الشاعر عادة في صراع التمييز بين الظاهر والمظهر في محاولة لإدراك الحقيقة الخالصة، تلك المهمة المستيحلة، أو لجعل الآخرين يدركونها وكأنه يهزأ بنظرية "فردريك ويلهلم نيتشة" التي تقول: "إن الحقائق الخالصة لا تدرك، وما ندركه ما هو سوى خرافات، تأثرت بتأويلنا القائم على نظريتنا"، وهذا ما يعرف بعملية التمييز بين الظاهر والمظهر.

أما الحراك نفسه فله أوجه ومسارات تحددها دائما مجموعة الذكريات والمكابدة ومعطيات التاريخ، فتاريخ الإنسان مهما تقادم يبقى ماضيه مترابطا مع الحاضر ومؤثرا فيه، كل ما مر على الإنسان عبر عمره، تجد تداعياته على الحاضر والمستقبل، لا فاصل حقيقي بين الماضي والحاضر والمستقبل، فهي محطات يتنقل بينها قطار الفكر والسلوك بشكل دائمي، وتترك كل منها ما تحمله فيه. وهنا قد يلجأ الكاتب إلى نوع من الضبابية الفكرية التي يريد من خلالها انتقاء المتلقين لنتاجه حتى ولو من خلال تَصَنّعْ بعض الحالات أو إعادة تصويرها على خلاف حقيقتها.

هذه المماحكة مع الذات، الواقع، الصورة، الحدث، القضية، مع وجود سطوة خفية تكاد تخنق وتكبل الشاعر، وتمنعه عن قول الحقيقة مثلما يريد، اضطرته غالبا إلى استخدام الترميز والتمويه، فجعلت بعض قصائد المجموعة تبدو متداخلة المعاني، حركية الأحداث، تضج بتفاعل منضبط بالمعنى، ولكنه أعطى انعكاسات مختلفة قابلة للتأويل، فتحولت بعض القصائد إلى الهلامية، التي تحتاج عادة إلى من يعرف التعامل معها لكي يحافظ على استقرارها في باله! وكل ذاك سببه أمران متقابلان متضادان، الأول: رسوخ الفكرة في وعي الشاعر، والثاني: العجز عن إطلاق تلك الفكرة إلى العلن، دون وضع التجميلات والرتوش التي تجعلها مستساغة مقبولة لدى الجميع، لا تجد من يعترض عليها، ولا تمثل تهديدا للشاعر نفسه، مما يعطيها صور سحر الفانتازيا(3) حيث مخاض الواقعية والوهم يصطرعان! ولكنها بشكل عام تبدو منفتحة الأجواء بالنسبة للمتخصصين والأدباء المتمرسين فهي بالنسبة لهؤلاء فنطاسا(4)

من هنا قد يجد بعض ذوي التعليم البسيط صعوبة في فهم نصوص الغرباوي لتداخلها مع قصص الأسطورة، وهذا يدل عادة على ضيق الأفق الثقافي للمتلقي نفسه، وليس لعيب في النص، حيث يرى بعض المفكرين ومنهم الدكتور "سروش": "أنه لا يمكن فهم النص من خلال النص نفسه، لأن النص صامت". بمعنى أن ملكتنا الفكرية، ووعينا، ومجموعة عواطفنا، وتداعيات حياتنا، وحتى نوع معتقدنا الفكري، ودرجة إيماننا، ووضعنا النفسي، هي التي تؤثر على درجة فهمنا للنص، حيث ذهب "رابرت هولاب" إلى أن: "فهم النص مرتبط دائما باعتقاداتنا وما نحمله من مسبقات وتصورات حول العالم". وهذا بالتأكيد ما دفع المفكر الفرنسي "بول ريكور" إلى الاعتقاد بأنه يمكن إبراز قراءات مختلفة للنص الواحد.

ولا أعتقد أن ذلك التناقض يحدث خللاً بالمرة، نعم قد يعترض البعض، مدعين أن من حق المتلقي أن يكون شريكا في النص، وهذا ما أشار إليه المفكر الأمريكي "دونالد هيرش" بقوله: "إن النص غير مستقل لأن معنى النص أمر قصدي بمعنى أن النص هو الذي يرى مقصود الشخص ويظهره وهذا الشخص قد يكون المؤلف نفسه، وربما هو القارئ، إنما يكون للنص معنى في حالتين: إذا قصد المؤلف منه معنى ما، أو فهم القارئ منه معنىً آخر"! ولكن ما ذنب المبدع أن يتحمل وزر ناقص الثقافة الذي عجز عن فهم نتاجه؟! ثم من قال إن محدود الثقافة يعجز كليا عن الاستيعاب؟ لماذا ننكر أن تكون له صوره التي رسمها ولكنه لم يتحدث عنها؟

إن النص كما هو معروف، يترجم خلجات النفس، فالمؤلف يضفي عليه مما في عقله الواعي، أو اللاعقل، أو اللاشعور معان قد تبدو غريبة على المتلقي، ولكن المتلقي نفسه قد يضفي على النص أو يبتدع له فهماً آخر لم يقصده المؤلف، يأتي من حالة الشعور واللاشعور التي يمر بها، لدرجة أنه قد يتلمس الحزن أحيانا في كلمات الفرح تماما مثل الكوميديا السوداء أو المضحك المبكي.

 

نحن البشر نتاج عواطفنا ومشاعرنا، ومقولة (أنا أفكر إذن أنا موجود) تنطلق من هذا المعنى، معنى التماهي مع المفردة وفق سياق تداعي الذكريات، وربما ما خزنه المرء في منطقة اللاوعي، ثم إن التمرد لا يولد من فراغ، والفهم لا يولد من فراغ أيضا، فكلاهما يحتاجان إلى مخاض نفسي شديد الوطأة يصل أحيانا إلى درجة تحويل الكلمة إلى مفردة (سيف) تجرح المشاعر أو تستفزها وتثير الدموع بسبب إثارتها مكامن الوجع في النفس. أنا لا يمكن أن أتماهى مع نص أو مفردة ليس لها جذور في مخيالي، في خزيني المعرفي، ولكني أجهش بالبكاء وأنا أجد كلمة أو نصاً يصافح المناطق السوداء في وجداني ويستنهض الذكريات في بالي. الحدس وحده لا يمكن أن يطلق للمشاعر عنانها، حتى وإن حركها، فالمشاعر تحتاج إلى رواسب الألم القديم أو الفرح الغائر في أعماق السنين. الكلمة التي تبكي أحداً ما , قد تُضحك آخر ملء شدقيه، لأنَّ كل منهما تفاعل معها حسب بواطن الإيحاء فيها، حسب دغدغتها لذكرياته حتى الحديثة منها، وقد تربط بين القديم والجديد، لترسم صورة الفرح أو الحزن الذي سيبدو عليه بعد أن يقرأ النص.

النص برأيي، ومهما كان نوعه، كائن متوحش متمرد عنيف يصل إلى حد الهمجية أحيانا وهو يخترق شغاف القلب ويتجول في تلافيف الفكر، حتى النص الغنائي أو نصوص الفرح والبهجة قد تبكينا أحياناً , وقد تهتك صمتنا أحيانا أخرى، ليس المؤلف وحده من يكابد عناء كتابة نص ما، فالمتلقي يجد نفسه شريكاً خالقاً لهذا النص رغم أنفه، له فيه بقدر ما للمؤلف فيه، وبالتالي يجد أن من حقه أن يلونه ويعيد صياغة مفاهيمه بالطريقة التي تعجبه، أو توافق هواه ورؤاه. نحن أولاً وآخراً نتاج فكرنا، وما نحن عليه من فرح أو حزن هو الترجمة الحقيقية لما في داخلنا، حتى أننا نرفض أحيانا أن نسمي الأشياء بمسمياتها عسى أن ننجح في إيجاد معانٍ أخرى لها، بمعنى أن المتلقي يعيد أحياناً صياغة النص، ليتطابق مع مشاعره، وليس كل نص مهيأ، لأن يحظى بهكذا احترام، وأنا أسميه احتراما لأن مجرد اهتمامنا المتميز بالنص يعني أن له سطوة على مشاعرنا، ولقد شعرت بسطوة فرضها علي نص الدكتور رحيم الغرباوي وأنا أقرأه!

 

.......................

الهوامش

(1) مصطلح يوناني قديم يقصد به الفرع الخاص من العلوم المعني بملية التفسير، وفي العصر الحديث استخدمه شلاير ماخر، بمعنى: نظرية الفهم. وهي عنده تبدأ بسؤال عام: كيف يمكن فهم عبارة مكتوبة أو مقولة.

(2) جان هيك: من أتباع إحدى الفرق الكلامية البروتستانتية.

(3) الفنتازيا: معالجة إبداعية خارجة عن مألوف الواقع، تتم عن طريق تناول الواقع برؤية غير مألوفة.

(4) الفنطاس: حوْضٌ لادِّخار الماء العذب، يستعمل للتموين في السفينة، وهو وعاء أسطواني كبير يستخدم لحفظ السوائل

 

عبد القادر كعبان: جدلية الاغتراب والحب في رواية "أعشقني" لسناء شعلان

abdulkadir kabanتعتبر الرواية الجنس الأدبي الجامع لرسم صورة الإنسان وما يحيط به، نظرا لحجمها وتمتعها بإمكانية السرد والوصف والتحليل، ولكن هذه الصورة التي ترتسم، ليست هي الواقع دائما بعينه، وهذا ما يعكسه الخيال العلمي الذي يعالج التطورات التي تحدث في حياة الفرد وما يمكن أن يحدث له ولمجتمعه في المستقبل القريب أو البعيد من منطلق الكتابة التخيلية كما هو شأن رواية "أعشقني" للمبدعة الأردنية سناء شعلان.

لقد برز مصطلح الخيال العلمي في العديد من الأعمال الأدبية كروايات الأديب الفرنسي جول فيرن والأديب الانجليزي هربرت جورج ويلز، وقد تطور هذا النوع الأدبي وكثر رواده حتى انقسم إلى جزئين: جزء يعالج هموم الإنسان كالحصار الذي تفرضه عليه الأنظمة السياسية المتسلطة، وجزء آخر فانتازي يهتم بعالم المغامرات والمبالغات وشطحات الخرافة بقصد الدهشة والتشويق والإمتاع وهو الذي اختارته شعلان في روايتها.

يتعرض بطل "أعشقني" المدعو باسل المهري لحادث إرهابي يفقده جسده، فيعرض عليه الأطباء جسد امرأة قد فارقت روحها الحياة في زنزانة قذرة، كما جاء على لسان الراوي: "فاتني أن أسأل عن اسمها، ومن يهمه أن يعرف اسمها الآن؟ فقط هي رغبة الحياة والفرار من الموت من تهصر لحظاتي بيديها الجبارتين المنفلتتين في العدم، والعابثتين بالخراب، وتنفتح بفيه أحمق على أسئلة الوجود والعدم كلها." (ص 19).

يحاور البطل نفسه حول فرضية قبول شمس أن يحتفظ بجسدها لزمن طويل وهي المضحية والصابرة والمنتظرة لحبيبها والمخلصة له، كما نستشف ذلك في المشهد السردي الآتي: "ومن يدري ربما كان هذا الأمر سيسعدها، وسيتناسب مع نسق مثالياتها وأفكارها الرومانسية المغرقة في إنسانيتها المقرفة ويتواطأ معها، لتبرهن للمجرة كلها على أن ثورتها كانت صادقة وقابلة لتجاوز العثرات والأسئلة والمزالق والتشكيكات والأزمات كلها، وبذا تخلص إلى لقب النبية بكل استحقاق وجدارة، فمن سيكون غيرها عندئذ حريا بهذا اللقب؟ وهي من تهب عدوا من ألذ أعدائها جسدها راضية مرضية، وإن كان في زمرة من ساهموا في ملاحقتها وسجنها وقتلها بمعنى من المعاني مادام هو ضمن جنود حكومة المجرة، وواحد من أبرز رجالاتها وزعاماتها وقوادها." (ص 24).

يستيقظ المهري من ضياع ونسيان يجتاح ذاكرته ليجد فريقا من الأطباء والممرضون يهنئه على نجاح عملية نقل دماغه إلى جسد شمس النبية: "يغرق الجميع في صخب وتصفيق حار، تنهال عليه كلمات المباركة والتشجيع، أما هو فيبحث دون جدوى عن فسحة بين الأجساد المتراصة ليرى الساعة من جديد." (ص 33).

يشعر البطل بإهانة وسخط شديد بعد فقدانه لعضوه الذكري حتى أنه أصبح جاحدا للطب الذي أنقذه من الموت، وهذا المثال قد جعل الروائية مفرطة في تخيلها، لتدخل القارئ إلى عوالم لم يشاهدها بشر رغم عمليات التحويل الجنسي التي يشهدها عصر السرعة اليوم: "استعرض جسده بنظرات فضولية مستنكرة، لم يأبه بانتصابه عاريا أمام عيون عشرات من الأطباء الحاضرين والممرضات وشاشات المراقبة والرصد والتصوير، ولا أبه باكتشافه باللمس العميق لأعضائه، ولا خجل من تحسسه بدهشة مفجوعة لفجوات جسده وانحناءاته ونتوءاته وبروزاته، فهو يعرض جسدا ليس جسده، ويزدري أعضاء ليست أعضاءه، ويعري ذاتا لا تنطوي على ذاته بأي شكل من الأشكال." (ص 38).

قسمت شعلان روايتها إلى ثمانية فصول على شكل أبعاد، فالبعد الأول –الطول- جعلته امتدادا لجسد بطلتها شمس الذي تسكنه الآمال، والذي يعتبر في نفس الوقت طوق نجاة من الموت لبطلها باسل المهري.

جعلت الزمن بعدها الثاني والذي يجعل المفاهيم والنظريات التي تتحكم في تغير ذلك الجسد، أما البعد الثالث –الارتفاع- فكان أقرب مسافة نحو الألم في حياة البطل حين يكتشف أن شمس كانت حاملا قبل وفاتها: "يطالع باسل وجه كبير الأطباء، يكاد يتنزى من بين شفتيه سؤال يقول: متى بالتحديد سأشفى من مرض الحمل؟ لكنه يمتص سؤاله بقلق لا يفهمه، وعزيمة غير قادرة على انتظار أي إجابات أو وعود، فيتلاشى السؤال، وتضيع حروفه وأصواته، ويبتلعه من جديد، يشيح برأسه نحو الممرضة ذات الابتسامة الوظيفية المتقنة، ويقول لها بنبرة يخفق في أن تكون آمرة، بل تخلص بقوة للتوسل والتمني: أريد مرآة، أريد أن أرى كيف يبدو وجهي الجديد." (ص 50).

جاء العرض بعدا رابعا في رواية شعلان، حيث لا يتجاوز مساحة الكون لعرض أحزان باسل الذي ظل يرفض حالته الجسدية الجديدة، حتى أن فكرة الانتحار قد راودت تفكيره: "...لعلي أريد أن أنتقم بشكل سري من هذه التجربة السخيفة التي حولتني إلى شبه إنسان، وشبه جسد، وشبه عقل، وشبه حالة، قد يكون من الأجدر أن أحسن الانتقام من جلادي الأطباء والمخابرات والمجلس القضائي الكوني الأعلى والمهتمين والإعلاميين وكل من لا أعرف ولا يعرفني من بشر فضلا عن الذين أعرفهم أجمعين، فأنتحر، وأحبط لهم كل خططهم، وأهزم للأبد هذه التجربة المؤلمة المهزلة، هذه فكرة جريئة واقتراح موغل في الشجاعة، ولكن من قال إنني أملك الشجاعة العملية الكاملة لأنفذ هذا الانتحار؟!" (ص 54).

ترتكز رواية "أعشقني" على الحب وهو البعد الخامس الذي ركزت عليه الفصول اللاحقة للرواية، لأن  بطلة شعلان ترى أنه –بمعنى الحب- الوحيد القادر على تغيير حقائق الأشياء وقوانين الطبيعة، كما كتبت ذلك في الحزمة الضوئية التي وقعت في أيادي المهري: "...وحده الحب هو الكفيل بإحياء هذا الموات، وبعث الجمال في هذا الخراب الإلكتروني البشع، وحده القادر على خلق عالم جديد يعرف معنى نبض قلب، وفلسفة انعتاق لحظة، أنا كافرة بكل الأبعاد خلا هذا البعد الخامس الجميل، أنا نبية هذا العصر الإلكتروني المقيت، فهل من مؤمنين؟ لأكون وخالد وجنيننا القادم المؤمنين الشجعان في هذا البعد الجميل." (ص 66).

الفصل السادس جاء مناقشا لنظرية "طاقة البعد الخامس" التي نكتشف خباياها من خلال رسائل خالد، والتي يتكرر ظهورها على مدار صفحات الرواية ونحن في الألفية الثالثة تحديدا سنة 3010: "حبيبتي ورد، البشر أنواع، جلهم مخلوق من خليط الشر والخير، وقليل فقط مخلوقون من الحروف والكلمات، أي أنهم كائنات لغوية، خالد وأنا مخلوقان من الكلمة، لا يمكن أن تفهمينا أو أن تكونينا أو تغادرينا دون الكلمة، كلانا يقدس الكلمة، ومن هنا جاء تقديسنا لله وللحياة والبشرية ولذواتنا، ولهذا السبب ذاته صنعناك، وبهذه المعرفة اكتشفنا الكون، وصغنا وجوده في نظريتنا في البعد الخامس." (ص-ص 83-84).

تواصل المبدعة شعلان تحليل معادلة نظرية طاقة البعد الخامس في الفصل السابع، حتى أنها تسرد لنا ما وقع لبطلتها شمس التي تمردت على قوانين المجرة لتجد نفسها سجينة في نهاية المطاف: "ولك أن تتخيلي كم عنفت، وضربت، وعوقبت، وأضطهدت، وغرمت، ثم جرمت أخيرا عندما بلغت سن الحادية والعشرين، وهو سن الرشد في المجرة، وأخيرا قادني شعري الطويل الجامح كنجمة إلى المحكمة بصفتي متمردة صغيرة، وعاصية حمقاء، ومواطنة عنيدة تتمسك بمخالفة القانون، ومعاندة الدولة من أجل شعر أسود طويل لا قيمة له، سوى ذلك الافتنان الجميل به والنشوة الحلوة التي تسكن في نفس كل من يراه يتطاير بزهو في الهواء، ويتمايل بحركة غنجاء مائعة متهادية مع كل حركة أقوم بها." (ص 113).

ما أجمل الفصل الأخير لرواية شعلان لكونه يحمل كثيرا من الدهشة للمتلقي، حيث تحاول البطلة إيصال رسائل مشفرة لحبيبتها ورد من خلال حديثها عن علاقة الإنسان بخالقه، كما نقرأ ذلك في المشهد السردي الموالي: "الله يا ورد هو تلك الطاقة اللامتناهية من الحب والخير والنماء والعطاء والعفو والوهب والإبداع، هو اختزال لكل ما لا يمكن أن يختزل، هو الأسئلة والإجابات في آن، ولذلك آمنت به، وبحثت عنه، ووجدته في داخلي، وفي دواخل البشر أجمعين وفي امتداد كل جمال مكتنفا كل أفق ودرب ومسير." (ص 164).

كما تتحدث أيضا عن علاقة الإنسان بالإنسان، وكذا علاقة الإنسان بالموت وهذا من خلال حديث البطلة شمس عن حبيبها خالد، كما جاء على لسان السارد: "يتحدث خالد كثيرا عن الموت، ويخط الوصايا المتكررة، لكنني على عكسه أهزأ من الموت، وأستخف بسلطانه، ولا مانع عندي في أن أسير معه إلى العدم، فأنا امرأة الحياة لا الموت، لكن شعور الأمومة يغير المرأة، يعيد بناء تضاريسها، لتصبح أكثر سخاء وبهاء وحكمة، ولذلك أخشى أن أتركك أو تتركيني دون أن أوصيك، ولكنني في الآن ذاته لا أجيد كتابة الموت، ورسم خرائطه وأشكال مدائنه وحدود جحيمه." (ص 169).

الشيء المدهش في رواية "أعشقني" إجمالا أنها تربط النفس البشرية –الروح- بالحياة التي يرفض الإنسان أن يتركها مستسلما للموت، رغم جدلية الاغتراب والحب التي تظل ملازمة له طيلة عمره، وكل هذا جاء بأسلوب المبدعة سناء شعلان الذي لا يخلو من البلاغة والعمق والرمزية والواقعية والرومانسية المفرطة في آن واحد.

  

بقلم: عبد القادر كعبان - ىكاتب وناقد جزائري

.......................

(1) سناء شعلان: أعشقني، دار الوراق للنشر والتوزيع، الأردن، عمان، ط2، 2014.

 

‎ صالح الرزوق: قراءة نقدية في رواية: "رسالة" لقصي الشيخ عسكر


saleh alrazukعن مؤسسة المثقف العربي في أستراليا صدر لقصي الشيخ عسكر رواية قصيرة بعنوان (رسالة)* ويعرفها الغلاف بأنها مهجرية. ويقدم لها الدكتور يوسف نوفل بتمهيد يلقي أضواء ضرورية على متن النص ودلالاته.يرى الدكتور نوفل أن الرواية تلفت الاهتمام بثلاث نقاط علام لا تفوت على ذكاء القارئ.الأولى العنوان. فهو ذو دلالات معنوية ولا سيما التنكير بما يحمله من حمولة بلاغية. ناهيك عن الاكتفاء به دون لواحق أو توابع أو أوصاف. ص5 . وهذا يجعل من تحديد المعنى مهمة مستحيلة. فلو أننا سنترجمه إلى الإنكليزية ماذا نقول: message  أو letter أم باختصار note؟.ويبدو أن العنوان فضاء تمهيدي يهم الكاتب قبل القارئ. فهو ميثاق يعقده الكاتب مع نفسه أولا. وتوجد حالات كثيرة في تاريخ الخيال الفني يلعب فيها العنوان دورا مؤثرا. ومنها (القلعة) لكافكا. حتى الآن يدب الخلاف بين المترجمين.. ما هو العنوان الصحيح.. القلعة أم القصر؟.ونفس الشيء يتكرر في حالة (سلالم المشرق) لأمين معلوف والتي تحمل أحيانا عنوان: موانئ الشرق. أضف لذلك روايته المعروفة: (أصول) والتي ظهرت بترجمات موازية بعنوان: (بدايات). وأحيانا: جذور.وهنا لا تفوتني حالة (موت الحلزون) لوليد إخلاصي والتي عبر عن رغبته بتغيير عنوانها  إلى (الحلزون) فقط.إن العنوان مثل هوية العمل. فهو لا يعرف به فقط ولكن يحمل مفتاحا أساسيا للدخول إليه. النقطة الثانية لغة الرسالة: وهي الروسية في الحكاية، والعربية في النص. بمعنى أننا أمام بنية مضافة تحمل كل علامات تحويل الكلمات المكتوبة إلى كلمات مطبوعة. وهذا يجعل النص مسؤولية كاتبين. افتراضي لا نعرف عنه شيئا إلا من خلال الكاتب الثاني الذي هو مؤلف الرواية. وكما تقول وين جين أويان** هذه إشكالية تضع الذاكرة أمام الماضي، وتضع الواقع أمام النص. وبالتالي يتوجب علينا التعامل مع شيء حقيقي ومع تفريعات تابعة. وهو أمر بغاية التعقيد من ناحية المصداقية. فالسؤال المحرج الآن: هل يجب علينا أن نثق بالرواية أم بكاتبها؟.لا يمكن أن تجد إجابة مباشرة. وربما كان دريدا هو أول من انتبه إلى هذه اللعبة التي يتعدد فيها الرواة. وذلك في دراسته عن (الرسالة المسروقة) لإدغار ألان بو. فهي رسالة لها وجود محسوس لكنها في نفس الوقت تكون غائبة عن إدراك بعض الشخصيات. وهو ما يحول المعنى إلى فحوى أو جوهر بقضية شاملة. ثم إلى دلالة أو ماهية لها دور بلاغي. وكأننا أمام اللعبة الفنية التي يسميها تودوروف (الدمية الروسية) أو الخزانة ذات الأدراج.أو بتعبير الدكتور نوفل: إن هذه الرسالة هي وجهة نظر السارد ووجهة نظر البطل. وربما هي تعبير عن موقف متطابق من العالم ولكنه موزع على أمكنة وأزمنة. ص 5.النقطة الثالثة أنها رواية مهجرية. وهذه الصفة برأي الدكتور نوفل هي إسقاط لحياة الكاتب على النص. لقد أصبحت الرواية نوعا من السرد الذاتي لأن موضوعها يتطابق تمام التطابق مع سيرة حياة الكاتب قصي الشيخ عسكر.

51-qusay2

ويكفي أن البطل والكاتب يتنقلان بين محطات مشتركة هي بغداد وكوبنهاغن ولندن هربا من البطش السياسي والظلم الاجتماعي الفادح. ص 7.وقد توافق هذا التنقل بين الأمكنة توظيف لعدة أجناس أدبية كالشعر والحكاية والغناء الشعبي والأهازيج كما لو أننا في جو إنشاد ينظر إلى العالم نظرة صوفية. فلكل مقام لغة وأسلوب. ولكل أسلوب إنسان وعقل خاص به.فيما أرى هناك تلازم فني بين عقدة الرواية وموضوعها.فمع أنها مضغوطة (بحجم ميني – نوفيلا) لكن الأحداث مترامية الأطراف، وتدور في ثلاث لحظات متباعدة لا يوجد بينها أي نوع من التواصل. وهذا جعل الزمان والمكان أشبه بمفردات مترادفة.. ما يباعد بين الأمكنة عزل اللحظات الحاسمة عن بعضها البعض. وهي (كما تفضل الدكتور نوفل في مقدمته الشيقة) لحظة إعدام صدّام في بغداد، وحرق الساحرات في أوسلو، وتفجير براميل البارود في لندن. ومن هذا الواقع المحتار جغرافيا، البعيد عن أوهام الاستقرار الوطني، تنشأ عقدة الجيوبولتيكا. فهل هي معطى أم أنها مكتسبات؟إن بطل رواية (الرسالة) يغامر باكتشاف الإجابة من خلال عدة مغامرات عشقية، وبمفاضلة شديدة الشاعرية بين الحر في الجنوب والبرد في الشمال. يقول عن ذلك: إنه يشبه تناول فاكهة باردة في الشتاء (ص17). ويضيف لاحقا: إنه من قبيل الحقائق التي تخرج من الخيال (ص17). وهذا يلهمه للاقترب من المحظور العرقي، محظورات شكسبير في عطيل، حينما يكون اللون الأسود دليلا على بئر المشاعر الإنسانية المكبوتة. وبهذا المعنى يقول: إن أهل الشمال يرون السواد على أنه لون الشيطان (ص17).وهي أول إشارة لتبادل حقيقي في المفاهيم. فهو يستبدل فرويديا الصراع السياسي بين الشرق المذكر والغرب المخنث (فهو يتألف لديه، بعكس غيره، من إناث جذابات وذكور أذكياء- جسم وعقل – مادة وروح – فرج وقضيب) بصراع حضاري بين وعي متطور ولا شعور متخلف. والصراع ليس نديا. بمعنى أنه ليس بين أطراف وإنما بين معايير ورموز مباشرة.. البرد القارس والثلوج واللون الأخضر في الشمال/ والرمال والجفاف والحرارة الللاهبة في الجنوب. أو ما يسميه بالهروب من الحرب المشتعلة إلى الحب والمستقبل (ص25). إنها فكرة مبتكرة. ولم يسبق قصي الشيخ عسكر لهذا الأسلوب، على حد علمي، أحد غير حلقة أدباء أمريكا اللاتينية في واقعهم السحري الأخاذ والاغترابي.فقد تخلى عن الثنائية المعروفة أن الله محبة عند الشرقيين وأنه مادة عند الغربيين، وأحل بمكانها فكرة البنية العارية والحدية لأبناء المشرق مقابل البنية المركبة والتعادلية لأبناء الغرب.فالروح المحبوسة في قمقم الطبيعة المكشوفة في بلداننا هي غير الروح التي تجد صورة مناسبة لها تعبر عن تحقيق شرط الحرية في الغرب، سواء هو إيديولوجي (بالبيروسترويكا ونزع الستار الحديدي، ص 18) أو ليبرالي (حيث الزمان يشبه بعضه بعضا- ص 28).إن حبكة رواية الشيخ عسكر مع أنها مهجرية لا تحفل كثيرا بصدام الحضارات كما يتجلى في أعمالنا الأساسية: (عصفور من الشرق) للحكيم و(الحي اللاتيني) لسهيل إدريس و(نهم) لشكيب الجابري. لقد كانت صيغته معدلة كثيرا عن هذا النموذج الثلاثي المشهور. فمعاناته ليس داخل الحرم الجامعي (كامبوس)، والأحداث تدور في نطاق شخصيات عالمية، لا المكان ولا الزمان يلزمها بأي شرط.وعادة القفز من فوق جدار الأزمنة والحدود السياسية (حدود النظام السياسي) لا يتخلى عنها في كافة أعماله. وربما هذا يعكس قلقا أصيلا وواقعيا لديه. فالمتابع لسيرته ينتبه أنه من مواليد البصرة في العراق. ويحمل الجنسية النروجية. ويعيش في إنكلترا. وسبق له أن تشرد في عدة دول عربية.وخلال هذا الهولوكوست الرمزي (الاحتراق برماد المعاناة ونار اللجوء) تقلب أيضا بين عدة مهن في القاع أو في إطار الطبقة تحت المتوسطة والمتوسطة. إن هذا التشرد الاجتماعي ينجلي عنه رؤية غائمة لشروط الاستقرار، وتتحول الهوية إلى شك وجودي، ومعها تتعرض الشخصية المتماسكة لمطلب أو حق إنساني.إن كل الروايات المبكرة وما تلاها عن صدمة الغرب تضع ظهرها على جدار العادات والثقافات والماضي. إنما في حالة قصي الشيخ عسكر ليس هناك حضور ملموس لهذا الجدار، فشخصياته سائلة وعالمية، ذاكرتها تحمل ثقوبا جسيمة ترادف معنى جرح غير مندمل. وإذا كان التشخيص أو الحل السريري هو بالنسيان، واختيار مساحة من تلك الذاكرة، فإن الواقع يؤكد أنه حل غير واقعي.وهو ما يضع ذاكرة الكاتب أمام ذاكرة شخصياته. بمعنى أن الذهن تجميعي وتراكمي وليس انتقائيا، ويعكس خبرات مجموع الشخصيات التي هي أنا الكاتب أو ذاكرته الحقيقية. وكما يقول كان رقاد موسولوف في غيبوبة كأنه يعبر عن محنة جيله في كل أرجاء العالم وليس عن صراعه مع الموت فقط ص 103.وجدير بالتنويه أن الذاكرة ليست ابنة فعل حضاري لثقافة معينة، وإنما تحمل علامات ضعف الذات الفردية خلال مراحل تطورها من خصوصيات ثقافية إلى تجربة بإطارها العام. لقد ضاعت الحدود بين مفاهيم الوطن والبيت وأصبح انتماء الإنسان لبيته ولكن في العالم (بتعبير شاعر الهند طاغور).عموما إن بنية الشخصيات في الرواية متخيلة من الواقع الذهني وليس المادي. ولذلك تنقسم إلى نوعين:1- شعورية وهي شخصيات وظائف باستعمال مفردات تودوروف، ويمكن أن تقارنها مع الكائنات النهارية، وبالعادة تميل للتعبير عن الواقع المريض لاستعمال لغة الكناية. ومهما حاول الشيخ عسكر ضبط وتدارك وعيه لا يبتعد كثيرا عن القطاعات المريضة، وربما هي التي تسبب له الخلل في المساحة. فكل رواياته عابرة للحدود. ولا تعترف بأهمية الجغرافيا السياسية، والفراغ بين نظام العمل ونظام اللغة يبدو لي افتراضيا، وهذه الافتراضات هي التي توفر للقارئ حرية التفسير والتكهن أو الاسقاط.2- النوع الثاني هو الشخصيات اللاشعورية والتي تعكس أسباب المرض، فالواقع يساعدك على رؤية العلل ودواعي الضعف، لكن النشاط النفسي يسمح لنا برؤية الأسباب.وجوهر القضية في الرواية يغلفه الضباب. فالليالي يكللها الصقيع ص 56. والغابة تفترسها العاصفة. ص 55. وهذه حالة لا يبرأ منها قصي الشيخ عسكر. ولأضف إليها أسماء العلم الأجنبية. فالصديق المشترك بين الجميع في (رسالته) هو المستر باول. ص 56. ولا تنس هنا تبديل الأمكنة والمدن كأنك تبدل منامتك أو قميصك. في كل صفحة مدينة مختلفة. ولا يوجد برأيي خلاف أن روايات الشيخ عسكر لها قوس أو طيف  واسع. فهو يقفز أيضا من موضوع إلى آخر، ولكن نادرا ما لا يتأنى عند موضوعين: بيوت السياسة (البعثات الدبلوماسية) والمقابر. ويبدو أن الموت له النصيب الأكبر.لقد كان زمن الرواية كله انتظارا عقيما بانتظار موت (العزيز موسولوف) ص106. ونواحا على وفاة يوهان ص 115. وتألما على فاجعة موت سوارز ص 102 .وهنا لا بد من تسجيل ملاحظة.إن الموت في الرواية يعادل الهبوط إلى الأسفل، كأن الحياة السابقة يتم تقطيرها إلى جسد بلا روح، ولا أجد في حوادث الوفاة والرحيل التي يتكلم عنها إشارة واحدة إلى السماء، ولكنه يهتم بجو المقبرة والأرض. وفي أمكنة أخرى بالحفرة التي تفتح شدقيها لابتلاع الميت. فهل يعتقد أن الحياة هي مغامرة إبليسية فقط، وتنتهي بعودة إبليس المقنع بصورة آدمي، إلى موطنه؟ ربما.وفكرة الهجرة في روايات الشيخ عسكر تمتزج بالذوبان، وتبدو الشخوص أقرب لمفهوم الإنسان الأممي، بمعنى العالمي، بلا خلفيات عرقية، ومن غير تعصب سياسي، وحتى بلا قصة حب تدفعها لاختلاق عالمها الخاص والاحتماء وراء أسواره، كما هو الحال في (الزوج الأبدي) لديستويفسكي، أو العمل الذي نسج على هذا المنوال وهو (الفهرس) لسنان أنطون***.فالفهرس لا تكتفي بقراءة شخصية البطل على أنه يتركب من إرادة ورغبة، الإرادة هي حياته العامة واختياراته، والرغبة هي نقطة النور التي تتجسد بعدة احتمالات ممكنة، كامرأة حسناء، أو عمل مرموق، أو فلسفة تحولت من نص محايث إلى نص مندمج، وغير ذلك من الاستيهامات،  ولكنها أيضا تعيد تجريد العالم وفق منطق تاريخي، الماضي فيه هو الحاضر الميت.بالعكس من ذلك، شخوص الشيخ عسكر تشبه حالة أطروحة اللامنتمي في غريب كامو، فهي تحمل مشاعر خاصة عن السقوط والعزلة دون تفسير واضح ولا دوافع محددة. وهذا يختلف تمام الاختلاف عن العدمية، بمقدار ما يختلف عن الالتزام الذي تكلمت عنه أعمال  رواد أدب التنوير والنهضة، ومنهم توفيق الحكيم في (عصفور من الشرق) وسهيل إدريس في (الحي اللاتيني).إنها حالة خلاف مع الذات البلاغية والبشرية ومن غير اختلاق عدو أو تشخيص  عداء سريري. وهو نفسه يعترف بهذا الاضطراب في المفاهيم والعلاقات. ويدعونا لنكون واضحين مع أنفسنا دون التخلي عن الاستجابة لدوافع الرغبة. ويسمي هذا التجاور بين الوعي واللاوعي باسم (الواقعية المستنيرة). والتي هي برأيه أسلوب لاستيعاب الذات وتوطين الآخر خارج الشروط الموضوعية للإنسان العضوي. بمعنى آخر: ليس لدى الشيخ عسكر إنسان عضوي وراء محيط دائرته الشخصية. وحساسيته بالأنا هي التي تفرض معنى الأنا. فالموجود البشري لا يمكنه أن يكون معطى ولكنه كائن متطور ويخضع لسلطة الوعي وأساليب تطويره.    ثم هناك علاقة غريبة بين الإدراك والوجود. فهو لا يهتم بالموجود البشري من خلال علاقاته. ويعول أساسا على رواسب وبقايا الخبرات السابقة. فهي جزء من وجود معطوب، يطارد الوعي ويجبره على التحول.وبقليل من الإستطراد إن الشك لديه هو جزء من هذا الواقع القائم خارج المعرفة ولكن داخل الشعور. وعليه لا تكتمل أية فكرة في أدبيات الشيخ عسكر إلا إذا كانت غير متبلورة تماما. فلا هي جزء من النظام الصارم لحياة شديدة الانضباط. تتحكم بها تروس الساعة وأرقام الحساب في المصارف. ولا هي جزء من السبات الطويل الذي يتوازى مع تجربة الموت المعرفي.وبالعودة إلى قصته (المنشورة في مختارات مجلة العربي عام 2006- بعنوان: أصوات غريبة) يسعنا الانتباه أنه ضمن النفق المعتم. وكل ما يثبت لنا أنه ليس في المدافن هي قدرته على التذكير.فهو يذكر نفسه. ويسمح للنظام أن يتذكر. بمعنى أن يسن القوانين ويشترط الفروض. وأخيرا يسمح لهذه اللحظات أن تنفصل عن وعيه وتنضم لخبرات ما فوق الوعي.وألخص كل ذلك في 3 نقاط.إنه حين يتشابه مع شخصياته فهو لا يكتب عن نفسه ولكن عن حدود النمط. وهي تجربة خاصة باللامنتمي. فمع أنه يعمل أعمالا بسيطة لكنه نخبوي في مصادر معرفته.وثانيا- وعيه بما يجري من حوله يدخل في عداد نشاط ما فوق الوعي. بمعنى أنه لا يعقله لكنه أيضا لا يكون جاهلا به تماما.وثالثا وأخيرا- لديه مشكلة مع النظام ويهرب منها بالرموز وأحلام اليقظة. أو بتحويل المواجهة إلى وراء الحدود.وحتى في رواياته الواقعية (ضمنا القصص) لا يبتعد عن هذه الخصلة. أعني توسيع مصادر الاغتراب.

 

د. صالح الرزوق - سوريا

.................

* صدرت عن مؤسسة المثقف العربي في سيدني و دار العارف في بيروت عام 2016.

http://almothaqaf.com/index.php/publications2009/908728.html

* *انظر كتابها: سياسة النوستالجيا في الرواية العربية. منشورات جامعة إدنبرة. بالإنكليزية. 2013.

*** صدرت عن منشورات الجمل في بيروت وبغداد. 2016.

 

احمد عواد الخزاعي: الحكواتي والمقاربة السردية في رواية (خلف السدة)

ahmad alkhozaiالهجرة من الريف إلى المدينة من المنعطفات المهمة التي رافقت تاريخ العراق الحديث ومدينة بغداد بوجه خاص، تلك الهجرة التي غيرت معالم هذه المدينة الكبيرة، ولعبت دورا كبيرا في خلق واقع جديد لها حمل أبعادا ديموغرافية واجتماعية، تباينت الآراء والطروحات حوله تبعا للمنظومة الفكرية والعقائدية التي انطلق منها الكتاب الذين تناولوا هذه الجزئية، غير أن السرد العراقي قد تغاضى الطرف عن هذا الحدث المفصلي في حياة بغداد، ولم يتناوله بصورة مباشرة، سوى القليل من الإشارات التي نجدها في بعض الروايات والمجاميع القصصية، وأصبح هذا الموضوع من المسكوت عنه لأسباب عديدة، منها تتعلق بالنشأة الاجتماعية لمعظم كتاب السرد الذين عاشوا تلك الحقبة، كون اغلبهم من سكان المدن الكبيرة الذين لم يتعرفوا جيدا على حياة أبناء الجنوب وطبائعهم وعاداتهم ولهجتهم وطريقة حياتهم، وسبب آخر هو حساسية هذا الموضوع من الناحية الاجتماعية بعدما أصبح المهاجرين جزء من النسيج الاجتماعي لهذه المدينة، وساهموا بشكل فعال في أحداثها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وشكلوا رافدا مهما للكثير من الحركات والتوجهات السياسية بشطريها القومي واليساري، إضافة إلى عامل السلطة وتأثيرها على المنتج الثقافي العراقي في الأربعين سنة الماضية، هذا التجاهل المتعمد لهذه المسيرة الإنسانية الناشئة جعلت من رواية (خلف السدة) للروائي عبد الله صخي تكتسب أهمية استثنائية، كونها أماطت اللثام عن ذلك العالم الصغير الذي تشكل على أطراف بغداد القديمة في (الميزرة والعاصمة والشاكرية) من المهاجرين الجنوبيين الهاربين من فقرهم وحرمانهم وجور الإقطاع في ذلك الوقت، والحالمين بحياة أكثر يسرا على أعتاب مدينة يجهلونها ويجهلون مصائرهم فيها.

في مشهد بارنورامي فنتازي يصور الروائي هذه الرحلة التاريخية للمهاجرين الأوائل والذي تجاهل ذكر تاريخها غير انه أشار إلى إنها حدثت منذ زمن بعيد، لكن الحقائق التاريخية تشير إلى إن تاريخها لا يتعدى العقد الثاني من القرن الماضي، في هذا المشهد الساحر يستغرق الروائي في وصف رحلة المهاجرين الأوائل، بوجوههم المغبرة، وجدائلهم المنسدلة من تحت كوفياتهم العربية المرصعة بالعفص والخضرم، يقودهم فيها (سيد جار الله) نحو حياة جديدة وارض موعودة وبداية مجهولة المعالم، رحلة أطرها الكاتب ببعد مثيولوجي يحمل دلالات دينية ليست ببعيدة عن موروثهم الحضاري (في الفجر نهض سيد جار الله، اعتلى حصانه وغادر من دون أن يثير أي ضجيج، وحين عاد وجدهم مازالوا نائمين، وقد غمرتهم الشمس بحرارة لاهبة، أيقظهم، أرخى كوفيته السوداء، تنفس عميقا وقال بنبرة واثقة، انه وجد لهم بقعة مباركة سيعيشون عليها هم وأحفادهم جيلا بعد جيل)، ويعزز الروائي هذا المفهوم في موضع آخر من روايته (هناك توقف حصان سيد جار الله، فهبط منه، طاف ببصره متأملا الأرض التي لم تطأها قدم من قبل، ابتسم للسماء ودعاهم للصلاة، فيما انتشر الأطفال بعيدا في البرية الموحشة، حين انتهوا من صلاتهم، نهض معتمدا على يديه، وقال بصوت مجهد شعر به الجميع : هنا بيتي، وهنا قبري)، بعد هذه الإشارة التي استمدها الكاتب من التراث الإسلامي، يموت سيد جار الله ويترك جحافل المهاجرين الفقراء بلا أب روحي أو دليل لهم في رحلتهم المصيرية هذه (في الفجر أفاقوا على رائحة عطرة، تنتشر حولهم، وشيئا فشيئا تيقنوا إنها كانت تنبعث من جسده الممدد بسكون، أطلقت النسوة صراخا مباغتا تبدد في فضاء الأرض الفسيحة، انتحب الرجال، ودخنوا كثيرا يساورهم شعور بأنهم تركوا وحيدين يواجهون مصائر مجهولة في ارض غريبة).

تبدأ الرواية بحلم رافق مكية وزوجها سلمان بحصولهم على مولود ذكر بعد أن فقدوا ثلاثة أبناء بسبب أمراض وبائية كانت سائدة في ذلك الوقت إلى إنهم عزوا هذا الأمر إلى فأل سيئ رافق حياتهم الزوجية، وبعد انتظار طويل تلد مولودا ذكر تسميه (علي) لتبدأ رحلة مكية في البحث عن طريقة ناجعة للحفاظ عليه ودرء خطر الموت عنه الذي حل بإخوته الذين سبقوه، وهنا يصور الروائي هذه الرحلة المضنية مع هاجس الموت بطريقة فنتازية أضفت على النص مسحة سحرية جميلة تعمل على شد القارئ وإدخاله في عوالم غرائبية لكنها كانت تمثل جزء من واقع هؤلاء الناس البسطاء، استعانتها بالسحر وعظام الهدهد والتمائم ونذرها بان تطوف به في مواكب عزاء الحسين بن علي التي كانت تجوب شوارع البلدة الصغيرة في العاشر من محرم من كل عام إذا ما كبر وظهر شعر شاربيه، واكلها لجزء من إذنه بعد أن أشارت عليها إحدى عجائز البلدة بذلك أملا بالحفاظ على حياته، وما إن كبر وتفي مكية بنذرها حتى يغادر زوجها الحياة بعد أن أنهكه العمل في معامل الطابوق القريبة من بلدتهم، بعد أن تنبأ بموته ثمنا لهذا العمل المضني بقوله (نحن تراب المعامل).. ومن خلال هذه العائلة البسيطة يصور الروائي حياة ذلك المجتمع الفقير وطبيعة اهله،أحلامهم وعلائقهم الاجتماعية وطريقة معيشتهم واعرافهم التي هاجرت معهم  إلى بغداد القديمة ( النهيبة، الفصل العشائري، دور العبيد في تلك المجتمعات، منزلة المرأة )، تلك الأعراف التي لم تستطع المدنية من تحجيمها أو تشذيبها ووقفت حائلا لفترة طويلة منعت اندماج هؤلاء المهاجرين مع سكان بغداد، حتى نشأت ثقافة مضادة عند البعض من سكانها الأصليين اتجاههم وظهرت مفردات منها (الشروكية والمعدان) شكلت شرخا اجتماعيا ما زالت أثاره باقية إلى وقتنا الحاضر.

لقد استخدم الروائي تكنيا سرديا خلق فيه عوالم متوازية ترتد على نفسها، بطريقة تهيأ القارئ للحدث القادم، ففي خاتمة الفصل الثاني يصور الروائي فرحة أهل البلدة بثورة تموز 1958 والتي خبت فرحتهم هذه بفعل حريق كبير التهم معظم بيوتهم، وفي بداية الفصل الثالث يعيد هذا الحدث إلى الواجهة ويسهب في سرد أحداثه وأسبابه وتداعياته على سكانها الفقراء، وفي مكان آخر يشير إلى العجوز خانزاد الكردية التي حاولت مقابلة عبد الكريم قاسم لتسأله عن مصير ابنها الوحيد الذي مات غريقا في نهر دجلة، ليروي في مكان آخر قصة غرق ابنها وبحثها عنه.. وبطريقة الحكواتي وأسلوب سردي غاب عنه الحوار المباشر بين أبطال الرواية وافتقد إلى التداعيات إلا ما ندر، يوغل عبد الله صخي في قراءته المتأنية الناضجة لذلك المجتمع الناشئ على أطراف بغداد القديمة فيما كان يطلق عليه من قبل المهاجرين ( بالعاصمة)، قراءة تنم عن وعي تام امتلكه هذا الروائي بكل الحيثيات التي رافقت نشوء وتطور ذلك المجتمع وعاداته وطبائع أهله ولهجتهم، لكن غياب الحوار والتداعيات افقد القارئ القدرة على رؤية أبطال الرواية بعينه هو لا كما صورها له الكاتب، هناك مقولة لسقراط تقول (تكلم كي أراك) وهذه هي الفائدة المرجوة من الحوار داخل النص السردي وبالأخص الروائي، فالحوار عنصر أساسي من عناصر السرد يمكن للقارئ من خلاله التعرف على أبعاد الشخصية التي يتتبع حراكها داخل النص، وكذلك فهو يمكن الكاتب نفسه من الإفصاح عن مكنونات هذه الشخصية (مشاعرها، ميولها، رغباتها، مخاوفها)، وأما التداعيات التي ندر وجودها داخل الرواية فهي عالم افتراضي آخر يضعه الكاتب بموازاة عالم الرواية يكشف فيه عن الوجه الآخر لأبطاله والدوافع والأسباب التي تقف وراء تكوين شخصياتهم وطبيعتها (بسيطة، ازدواجية، معقدة) .. إن غياب هاذين العنصرين المهمين في السرد عن الرواية مكن الكاتب من السيطرة على حركة أبطاله داخل النص وادلجتهم وفق ميوله الفكرية، وهيمنت آرائه وأفكاره وحتى مشاعره عليهم، حتى تحول إلى حكواتي، تقع عليه مهمة رواية الحدث والتعليق عليه ونقل حوارات أبطاله والإفصاح عن مشاعرهم وأحلامهم، والتعليق على الأحداث المهمة في الرواية، ولم يفسح لهم المجال  بان يقوموا بهذا الدور، وكأنه كان يخشى عدم السيطرة عليهم أثناء السرد أو الإفلات من سطوته أثناء سير أحداث الرواية، فطرح آرائه بثورة تموز وقائدها بمعزل عن البناء الهرمي للرواية، ونقل الواقع كما هو، لكن برؤيته الخاصة، هناك مقولة لارسطو في الأدب  (يجب أن يكون الأدب مرآة عاكسة للواقع)، لكن هذه المقولة خضعت لجدلية في مدارس النقد الحديثة ورد عليها الكاتب المصري محمد مندور بقوله (يجب أن لا نكتفي بان يكون الأدب مرآة عاكسة للواقع كما هو بل يجب أن يزحف هذا المفهوم إلى ما هو ابعد من ذلك الواقع)، وهذا ما لمسناه في سير أحداث الرواية، من خلال وجود شخصيات ثانوية زج بها الكاتب داخل النص لترافق حركة الأبطال المحوريين وتعمل على إيضاح صورة المجتمع القائم آنذاك، فاطمة التي فضلت العودة إلى الريف على الحياة في مدينة لم تستطع التأقلم معها، بعد أن امتهنت بيع (اللبن والقيمر) لأشهر عدة في سوق البلدة، البنتان التوأمان اللتان عانتا من الإهمال المتعمد من قبل أمهما مكية بسبب انشغالها بابنها الذكر الوحيد (علي)، وتأثير هذا الإهمال على سلوكهما، إحداهما  قد أدمنت على أكل الحجارة، والأخرى يداهمها النوم فجأة ودون استئذان وفي أي مكان تكون فيه، سوادي العبد الذي هرب مع فتاة بيضاء فكاد أن يموت تحت وقع طعنات أخوتها، لولا أن قام الأطباء في مستشفى (المجيدية) بإبدال مخه التالف بمخ كلب، كما أشيع عليه في البلدة، قدوري السكير الذي تحول إلى مناضل يحمل فكرا عروبيا، ليصبح احد أفراد الحرس القومي، كل تلك الشخصيات الهامشية ساهمت في البناء الدرامي للرواية وأضفت عليها بعد واقعيا سحريا، غير إن الرواية لم  تشر إلى طبيعة لعلاقة التي نشأت بين المهاجرين الجدد وبين سكان بغداد القديمة واثر تلك العلاقة على طبائعهم وتداعياتها على حراكهم داخل ذلك المجتمع المدني الكبير.

لكن بالرغم من هذه  الملاحظات،  تبقى رواية (خلف السدة) للروائي عبد الله صخي تجربة رائدة في تسليط الضوء على هذا التحول الاجتماعي المهم لبعض سكان الجنوب، وتجسيد لرؤية ناضجة تحمل في ثناياها أبعادا فكرية رصينة عبر عنها بتصويره لهجرتهم الثانية من (العاصمة إلى مدينة الثورة)  أواسط الستينات من القرن الماضي، حين باشرت الجرافات بهدم عالمهم القديم بعد أن رحلوا عنه ليخلفوا وأرائهم، غضبهم وحنانهم، مخاوفهم وشجاعتهم، أحلامهم ورؤاهم (شيئا فشيئا تتقدم الآلات في عمق البيوت التي بدأت تتلاشى من الوجود، ها هي تتحول إلى مجرد تاريخ مدون في ذاكرة الأجيال سوف يندثر هو الآخر في زمن ما)، لم يبقى من بلدتهم القديمة غير قبر رائد هجرتهم الأولى (سيد جار الله) التي تعطلت الجرافات عند حائر قبره فترك هناك وحيدا بلا مريدين، وتنبأ الروائي بأن هؤلاء الناس سيعانون هجرات أخرى على مر التاريخ قد لا تكون مكانية هذه المرة بقدر ما هي فكرية ايديولوجية، كجزء من تراث ديني وموروث اجتماعية ولد نمطية سلوكية ظلت ترافق الأجيال المتعاقبة للمهاجرين الأوائل بسبب التهميش والحرمان وغياب الهوية الذي رافق هذه الأجيال لعقود، تمكن القليل منهم من الإفلات منها وتجاوزها، (ربما يظهر من يعد لهم هجرة ثالثة ورابعة ويقودهم إلى مهاد وسهول وهضاب، ويختار بقعة نائية، يهبط من سيارته هذه المرة ويقول: هنا بيتي وهنا قبري، فهذه ارض مباركة سوف تعيشون عليها انتم وأحفادكم جيلا من بعد جيل).

 

احمد عواد الخزاعي

 

عبد القادر كعبان: رواية تأكد أن لا تنظر خلفك لمايسة باي بحث عن الهوية والذات

abdulkadir kabanإن سلطة عنوان العمل الروائي بشكل عام تنبع من مركزيته، بمعنى ارتباطه دلاليا بكافة جوانب الأبنية السردية ومستوياتها، وهذا من شأنه أن يعطي للعنوان قيمته الجوهرية، ويجعل منه أساسا في عملية التلقي، كما يجعل منه بوابة لازمة للولوج إلى العالم السردي كما هو شأن "تأكد أن لا تنظر خلفك" للمبدعة الجزائرية مايسة باي.

يعتبر العمل الأدبي الموسوم "تأكد أن لا تنظر خلفك" (2005) العنوان الروائي السابع للكاتبة مايسة باي، والذي قسمته إلى خمسة فصول أين تسرد من خلاله الحياة التي تعيشها المرأة وسط مجتمع جزائري يخضع للهيمنة الذكورية بأسلوب جديد، حاولت من خلاله كسر قيود الرواية الكلاسيكية ليبدو كشكل جديد من أشكال التجريب أو الحداثة. قد تكون هذه الرواية عبارة عن مذكرات كتبتها باي عن تاريخ الجزائر في تلك الحقبة الزمنية.

تحكي باي قصة البطلة أمينة العاملة التي لم تستطع التأقلم مع المحيط الذي تعيش فيه، لأنها وجدت نفسها تتزوج من رجل غصبا عنها وذلك وفق تلك العادات والتقاليد البالية التي لا يزال يفرضها المجتمع الجزائري للأسف الشديد على العديد من النساء إلى يومنا هذا.

قررت أمينة مغادرة بيتها لكسر تلك القيود القديمة، وكان القدر في صفها حينما عرفت المدينة زلزالا لتجد نفسها وسط خيم ضحياه بشخصية أخرى مغايرة تدعى وحيدة، وهذا الاسم لم يكن اختياره اعتباطيا من قبل الكاتبة بل لأن بطلتها تعيش وحدة في وسط جو عائلي خانق، فقررت الرحيل كمسافرة تبحث عن الحرية، كما نقرأ ذلك على لسان الساردة: "أحتاج الآن أن أجد كل تلك التفاصيل الصغيرة لهذا السفر، سفر ظننت أنني سأجد فيه نفسي، أن أجد النسيان. الأول أو الأخير. لا أعرف. لا أعرف."

تواجد أمينة أو وحيدة وسط الخيام مع ضحايا الزلزال جعلها تكتشف أن نساء الجزائر مكافحات ولسن بائسات تحت سيطرة الذكور. اجتمعت بطلة باي مع الدادة عيشة والتي أصبحت جدة لها في وقت قصير جدا، امرأة كبيرة في السن لكنها لا تزال تقدم المساعدة لغيرها من النساء بالرغم من كونها محافظة على تقاليد الأجداد، ولكنها لا تمانع من ثورة الأخريات على ظروفهن الصعبة في هذه الحياة.

هذا السفر جعل أمينة/وحيدة تلتقي بأخريات كنادية التي قررت مواصلة دراستها رغم كل العوائق التي واجهتها متمسكة بالأمل لغد أفضل، حيث وجدت نفسها وسط ضحايا الزلزال كذلك بعدما أخفت عن أمها الحقيقة لأنها خرجت في لقاء غرامي لم تكن تحسب له العواقب.

صابرينة هي الأخرى تتحدى المجتمع كأمينة لتجد نفسها تعمل كمومس رغما عن إرادتها، وحلمها الوحيد هو الحصول على سكن لأجل والدتها كي ترقد يوما بسلام.

يشكل المكان الإطار الحركي لأفعال الشخصيات فضلا عن وظيفته في تفسير صفات الشخصيات وطبائعها عندما تعكس مواقفها وسلوكها ويوضح معالمها الداخلية والخارجية، والمكان الروائي  في هذه الرواية هو فضاء جمالي، يهدف إلى تجسيد رؤى الكاتبة وشخصياتها.

ويمكن القول أن المكان يتحقق من خلال مزاوجته بين الواقع كما يراه، وبين ما يأمله وينشده، وهذه المزاوجة ستثمر واقعا جديدا، يأخذ بصمات الواقع والمتخيل معا في رواية مايسة باي.

فالساردة (أمينة) عندما ارتادت الأماكن العامة المفتوحة كالشوارع مثلا، إنما لتبين أثرها على رصد تحركات الشخصيات، وكثافتها الدلالية: "أتقدم في شوارع المدينة، أمشي، الناس تختلف في طريقي، أنا لا شيء، ولن أكون أكثر مما كنت عليه."

يذكر أن الأديبة الجزائرية مايسة باي (اسمها الحقيقي سامية بن عامر) من مواليد عام 1950 بقصر البخاري. لقد ساهمت في تدريس اللغة الفرنسية قبل أن تصبح مستشارا تربويا بمدينة سيدي بلعباس أين تعيش حاليا.

تعتبر باي المؤسس الأول والرئيس لجمعية النساء الجزائريات "كلمات وكتابات" (2000) أين عملت على خلق نشاطات لدعم عالم الإبداع وفن الكتابة الأدبية.

لها العديد من المؤلفات في جنس القصة والرواية والمسرح والشعر وغيرها من المحاولات الإبداعية ونذكر هنا على سبيل المثال رواية "في البدء كان البحر" (1996)، "هل تسمعون صوت الجبال" (2002)، "أزرق، أبيض، أخضر" (2006)، "حجر، دم، ورق أو رماد" (2008)، "لأن قلبي مات" (2010)...

لقد حصلت مايسة باي على العديد من الجوائز من أبرزها الجائزة الكبرى للقصة في فرنسا عن مجموعتها القصصية "أخبار الجزائر" (1998) التي تمنحها "جمعية أهل الأدب"، كما حصلت أيضا على جائزة "مارغريت أودو" عن روايتها الموسومة  "تلك الفتاة" (2001). 

قام كل من المخرجين الفرنسيين فيليب براون ونانسي باروال بتصوير فيلم عن مسيرة الأديبة الفرانكفونية مايسة باي التي تناولت قضية بلدها الجزائر خلال فترة حرب التحرير المجيدة، وقضية المرأة وكسر الطابوهات في المجتمع الجزائري. 

 

..................

 هو العنوان الأصلي للرواية المكتوبة باللغة الفرنسية Surtout ne te retourne pas*

 

أدهام نمر حريز: تشكيل الصورة وانزياحها في قصائد الشاعر مؤيد عبد الزهرة

idham nemirصدر عن المتن للطباعة والتصميم  الديوان الاول للشاعر / مؤيد عبد الزهرة، لعام 2016 ( للكراهية جدران .. للغيم أظافر..). وضم بين دفتيه خمس وثمانون قصيدة، تنوعت في مواضيعها واهدافها وصوراها .

الشاعر / مؤيد عبد الزهرة، من مواليد مدينة بغداد/1949، عمل في مجال  الصحافة العراقية، وفي  صحف ومجلات عربية أيضا، تخرج من جامعة بيروت العربيه  1974/1975 قسم الاعلام، ويعمل حالياً سكرتير تحرير جريدة  المستقبل العراقي .

أستفتح ديوانه بأهداء

(لها ولها وحدها 

ونبضها نبضي

اذ جعلت الأخضر

حدائقا لحياتي 

كل شيء يتهاوى

الا حبك ...

يبقى اصلب من مطارقهم ...)

فكانت رسالة الحب والسلام  التي وَسَمَ بها مجموعتة الشعرية .

وبمقدمة  كتبتها الناقدة السورية / مرام عطية، تناولت فيها بعض النصوص، من خلال تقديمها، فكانت كعنوان انطباعي  للنصوص .

ولان الشعر له تركيبته التي تجعل من النفوس تستشعره وتتلمسه كما تستشعر محيطها المادي، وما يملكه من اشعاع يطوف بالوجدان، ويحلق بالخيال في عالم أخر .

فان الجمالية في بناء الصورة الشعرية ستكون حاضرة وبصورة قوية جدا في النصوص الجيدة .

و من جهة أخرى فإن الصورة الشعرية لها قدرة أبداعية  متجددة، بمعنى أنها لا تتشكل بهيئة محددة واضحة المعالم، لكي تتلقفها جاهزة من دون عناء في التفكير والغوص بعمق في النص .

مستخدماً اللغة، فاللغة هي المادة التي يخلق الشاعر منها صوره ومعانيه وموسيقاه في محاولة منه في خلق هذه الحالة الابداعية .

الصورة الشعرية لها القدرة الكبيرة على التاثير الكبير على المتلقي سواء كانت بصورة ايجابية او سلبية .

فلقد أعتبر الفيلسوف اليوناني (ارسطوا) الصورة عبارة عن استعارة قائمة على التماثل والتشابة بين الطرفين المشبة والمشبة به، وكان يسمي التشبية والاستعارة صورة، وتقترن جمالية الصورة  بتشكيلها الواسع .

وعند الخروج عن المالوف في اللغة، فان الانزياح (المروق عن المألوف في نسج الأسلوب بخرق التقاليد المُتواضع عليها بين مستعملي اللغة) عنصر اخر من جمالية النص وقوة تاثيرة في المتلقي.

إن الغاية من الانزياح  هو خلق جمال في الاسلوب، نتيجة العزف بالألفاظ، إذ إن الفن لا يكون فناً حتى  يخرج  من تسلط المعيار،  وتعج بنيته باختلاف وخرق للمعتاد .

 وقد تعددت مسميات مصطلح الانزياح وجميعها تحمل المعنى نفسه، وهي العدول، المجاوزة، وكلها تؤدي الى المعنى واحد، وقد حاز هذا الأسلوب حضوراً كبيراً في شعر .

 وهذا ما يمد نصوص الشعراء بجمال الصورة وانزياحها، كما في نصوص الشاعر/مؤيد عبد الزهرة .

الذي أفتتح ديوانه (للكراهية جدران .. للغيم أظافر..) بقصيدة ( جدران الكراهية)

(للكراهيةِ جدران

للمناطقِ هوياتٍ عرجاء

ترسمُ الخصومةَ

بلا حدودٍ فاصلةٍ

تماماً بينها

وحدها الشوارعِ مختلطةُ

هديرُها

لابد أن تسقطَ الجدرانُ

لابد)

نحن نحلق في عالم الخيال، فالكراهية شعور غير ملموس، وغير مدرك من قبل أبصار الاخرين به، فكيف سيكون له جدران تلقي بظلالها على المحسوسات المادية الاخرى .

أن التشبيهات والاستعارة والرموز هي المحرك الاساسي لكل قصيدة أو نص .

وفي قصيدته (سامح)

(ياصاحبي ..

لتعيش زهو الأمانِ

كبرياءُ السلامِ

أزدهارُ الحياةِ

أردمُ مستنقعاتُ الكراهيةِ

أنزعُ ثيابَ الحقدِ

غادرُ عبوسكِ ..

لاتتوكأ على هلوسةِ الثاراتِ

أوحالُ الدمِ بالدمِ

ذلكَ ميراثُنا من العارِ

سامحٌ ما أستطعت

النسيانُ نعمةٌ ..

وأفتحُ ذراعيكِ لنجمةٍ تراقصُ

القمرُ ..

شرعُ نوافذُ القلبِ

لأبتساماتِ فراشة تطاردُ ضوئك

تنامُ في جسدِك

ستَخضرُ حياتكَ وتزهرُ ربيعاً

على مدارِ الزمنِ)

أكد الشاعر / مؤيد عبد الزهرة، على رسالته التي يريد ان يوصلها، لتكون دلالة للحب والسلام ونبذ الكراهية .

فجعل من الكراهية تضاريس  أرضية تستوجب الردم والمحو والمغادرة، لينتقل بعدها بصيغة المخاطب للمتلقي، وهو يرسم له العالم الجميل الذي سيعيشه .

ولكنه لم ينسى ابدا، ان في العالم تناقضات، فعكس الحب هو الكراهية، وعكس السلام هو الحرب، وطبعا عكس البناء الخراب.

في قصيدته (الخراب)  (أطلقيني من حافةِ

الخرابِ

ودعيني أُحلقُ كطيرٍ طليقٍ

يحملُ حلماً

لم يتلوثَ بعد

على أكتافِ الزمنِ

عزاء

لخيباتِ الوطنِ !!

أغتالوا جمالَ المدينةِ

حلتْ لحى

العانساتِ

صُودرتْ أبتسامةَ

الجميلاتِ

فأزدهرَ الخرابُ

 لنقف هنا عند هذه الصورة الشعرية التي  اشتغل عليها الشاعر / مؤيد عبد الزهرة .

لقد جمع صور عديد، صاغها بدقة وهو يتحدث حتى عن الالم الوطن، ورموز  الخراب التي سببت تدميره .

 ان الصورة الشعرية التي صاغها،  يمكن رصدها بالايجاز والمجاز والتكثيف والتشبيه والاستعارة، أي تلك التي تحقق الانزياح اللغوي وكسر المالوف وتحقيق الدهشة وكسر افق التوقع او التلقي  للمتلقي .

وفي قصيدته (للحنينِ أظافرٌ)

  (للحنينِ أظافرٌ تُدمينا

للخيباتِ جيبٌ مثقوبٌ من أعمارِنا

للعمرُ أحلامٌ قابلةٌ للإنكسارٍ

للإنكسارِ ظلٌ يبتسمُ

كصباحٍ يرتدي ثوبِ الأملِ

أثرُ لوعةٌ ..

لوعودٍ تملأُ المكانَ

شظايا

رماد حرائق)

كرس الشاعر /مؤيد عبد الزهرة، هذه الصورة كانه في نزال يثبت فية تفوقة، في بناء للنص مذهل وجميل .

وفي قصيدته (السلطةُ حيوانٌ) 

(السلطةُ حيوانٌ مفترسٌ

تبتلعُ أحلامَنا

لم تكن يوماً ناصحةً

حكيمةٌ

ودودةٌ

مشحونةٌ دوماً بالكراهيةِ

تقيمُ السجونَ

تهدُ المدارسَ

وطنُها أمتيازاتٌ وسلالٌ

أكاذيبٌ)

في نصّ الشاعر صورة استعارية يبدو عليها الانزياح واضحاً وجلياً عن طريق تلاعبه بدلالات الألفاظ، إذ نلمح استعارة فذة أنزاح بها اللفظ من المألوف اللغوي المتعارف عليه، وهو يصف ما يسمى  بفن الممكن .

لقد تحولت هذه السلطة الى حيوان مفترس، يكذب، ولم يكن ودودا في يوما ما .

وفي قصيدته  (عشاقٍ) 

(من يندبُ أحلاماً تناثرتْ

في الطرقاتِ؟!

من يلملمُ شظايا

الروحِ؟!

من يسألني عن حبٍ

موجعٍ حدَ الأحتراقِ؟!

وحدكم أيُّها العشاقُ

تجيبون!!

كلّ الحبِ لمنْ يقفون

تحتَ الشّمسِ

وعيونهم على المدى

يحرسون ضحكاتِ الأطفالِ)

من يحرس ضحكات الاطفال، كرة رماها الشاعر في ذهن المتلقي، ليجعله يعيش كمن يبحث عن امان مفقود، لمن يخاف هجوم الحقد .

وفي قصيدته الاخرى (للحنينِ موجةٍ)

(أثملها الحبَ فبكتْ سماء

حبستْ مطرَها طويلاً

للحنينِ موجةٍ تسافرُ بنا

لدروبٍ غادرتنا

للدروبِ ذكرياتٍ مقيمةٍ

لاتنسى الذين مروا بها

سكارى أو عاشقين

للعاشقين أحلامٌ تسكنُ القلبِ

وتطوقُ الخاصرةِ

للخاصرةِ غنى الياسمين

لحناً راقصَ به كحلُ العيونِ

للعيونِ شوقٌ

أشعلنا حدَ الجنونِ

للجنونِ تقاليدُ لايجيدُها

سوى المحبين)

انبثقت الرؤية الجمالية في نصّ الشاعر بوساطة هذه الصورة الأستعارية، فكانت صورة جميلة في ذهن المتلقي، إذ انزاحت العبارات ممّا منح قيمة دلالية جملت بنية النص .

قصيدته (يوماً ما)

(يوماً ما ..

يوماً ما سأتقيأ ظلي

أصافحُ خسارتي

أضحكُ من حروبٍ مزقتْ ضحكاتنا

أورثتنا الخرابَ الجميلَ !!

سئمتُ زحامَ التهم على ابوابِ الثكالى

سأبقى جالساً على سريرِ الغروبِ

أحلم بشمسٍ

لم تولدَ بعد

ياعراق

ليهرب من يهرب من المركب

لن اغضب ..

لن اعتب ..

له ان يسبح او يغرق !!

لاني ساواصل التجديف

اغازل الموج مرة

مرة انتظر..

لكن لن ايئس من الوصول اليك

نبضا يعانق نبضك)

  بجدارة فائقة وسبك نصّي متماسك استطاع الشاعر/ مؤيد عبد الزهرة،  أن يبحر في لفظه في عالم الخيال وبأسلوب دلالي جمالي مذهل وهو يخاطب الوطن .

وفي قصيدته  (رائحة الذكريات)

(للذكريات رائحة أشمها في ابتسامة

صافحتني ذات صباح ضاحك

لسماءاهدتني نجمة بلون الحب

تتلألأ بعيون العشاق

لجبال لامست سقف السماء

مزروعة بنادق ..

بأحلام كبيرة

لغابات نخيل بحملها الجميل

لطيور تبني أعشاشها

غصنا ..غصنا

لاصدقاءيجيدون السباحة

وسط الحرائق..

لأرصفة مازال نقش أقدامنا

ظل يلازمها

لابواب أناشيدنا كسرت

أقفالها)

النص الرصين يعلن عن نفسه، لقد تحقق الان مسار الصورة  الشعرية وسياقها .

الفكرة والصورة من ناحية والموازنة بين اللغة المجازية المطلوبة ترتفع بالنص  الى مقام عالي .

 

أدهام نمر حريز - بغداد

 

أحمد الشيخاوي: شعرية الماء في القصيدة العطشى للمجد المسلوب.. وقوف بباب السماء للشاعر جمال قصودة

ahmad alshekhawiكأنما حدث بالأمس القريب فقط سقوط غرناطة والأندلس، ليفضل لنا طربهما كإرث من حضارة أفلت، وأحيانا كثيرة تستبدّ بنا غصص استشعار أن نظير ذلك التراث الثقافي لا يصلح ترياقا حتّى، لروح مكلومة وحائرة تندب مجدها المسلوب.

من منا لا يذكر كيفة سقطوط بغداد أيضا؟ لتصعقنا بخيبات الغريب في بيته، وتجعلنا نعاود ــ مكرهين ـــ معايشة سيناريوهات تداعي الأكلة الدخلاء إلى قصعة كنوز بلاد العرب، بتواطؤ مع الخونة الأنذال من بني جلدتنا.

 جمرة متّقدة بين الجوانح، ها هو الشاعر التونسي المبدع جمال قصودة، عبر أحرفه الهامسة، والغضبى حدّ الطعن بعراء المعنى، يباشر النفخ مستحدثا لظى العزم في جيل الهزيمة والانكسار، لعلها تعويذة لاسترداد العقول التي ذهبت بها السكرة أحقابا، أو طقس مستنسخ من الطاوية ربما يغذي فينا جذوة اكتشاف الذات باعتبارنا أول الجهلة لخبايانا ولخزائن ما خفي على الآخر، لا... بل هي تشبه يوغا تفسح لنا في متاهات الحلم بغرض منحنا فرصة جديدة لترتيب البيت وجني ما تشتهي الذات المتشظية.

 

وقوف بباب السماء

تحوي العتبة مثلما بضع ومضات تدبّج جسد نصنا وهو قيد الدّرس، تمثلات تكاد تختزل سرّ الوجود، وتنثالنا برؤى استباقية وإن أوغلت في جرح الوراء وتورّطت بمغازلة معجم الذاكرة.

إنها لا تجلو غبارا عن أمم خلت وتواريخ انفرطت فقط، لتحاصر ذاكرة النسيان بجملة أسئلة وجودية وصوفية، بل تتخطى ذلك وتقفز فوقه إلى مقارعة العقول البور والأرواح الذابلة، بالصفحات الأكثر إشراقا من سيرة العرب.

التاريخ خير شاهد وخير معاقب كذلك، ودوما هناك أمل، إذ العزاء في نصر ذي قار، وسلب الفرس هيبتهم، بعد صولة دنّست الأرض والعرض، واستأثرت بالزرع والضرع، وبالغت في رسم ملامح ميتة الملك النعمان، المكنى أبيت اللعن قبيل منعطف مساومته في شرف بناته، وإبان رفضه المطلق للتبعية والهيمنة واستنزاف ثروات الجغرافيا العربية المتاخمة لحدود الأعادي العجم.

فكان أن اصطبغت الصحراء بالدم، كضريبة ليس ثمذة منها بدّ، مقابل ذلك النصر التاريخي المبين المصحوب بعزة وكرامة ذاق كأسها نشوتها كل العرب.

ليظل هاجس الماء، كما هو مكتوب عليه وللأبد، حاضرا وملحّا وقويا. الماء في شتى معانيه التي لا تعدّ ولا تحصى.

وليظل هاجس الماء، كثغرة تقودنا إلى بعض مراد شاعرنا من عزف هذه السيمفونية الموجعة و المزدانة بشعرية الملاحم.

" هنا مستراح لقافلة المتعبين

ينيخون ملء الوجوه غماما

فتعلو التسابيح:أن يا سماء

أما من رياح تقود السحاب إلينا

 

مكثنا

و طال المقام بأرض بتول

مررنا بسبع عجاف

فهام القطيع على غير درب

و دقت نواقيس موت

يغذيه صوت الخراب

فطوبى لحادي الكلام......

و طوبى لصوت اليباب......

***

نمرّ مرور الحمام

و نأبى المقيل بكف تمد.......

فتنأى بنا الأمنيات بعيدا

لدى كل نجم نبيت

فكيف تمد إليك اليدين السماء؟؟؟

وتلك القرى

خلفها غفوات

وتلك القرى خلفها فلوات

وخلف الفلاة…..فلاة

وأنت المرابط دوما أمام القبور شمال الشتات

فقلها إذا:

لنا نجمة لم يزل في ملامحها ما يعيد السؤال:

أعدها....

فذا السومري يروم رحيلا

بغير شراع

سنترك للريح حزنا تكلس بين الضلوع

ونمضي إلى نجمة واحدة

 ***

 

مؤجلة …يا قصيد

جميع الحروف إلى موعد بعد ليل طويل

سأمسك فجري البعيد

فيا ليل لا ترتجف في يدي عالمان

وانّي على بعد جرح وقفت

وما كان لي غير جرحي دليلا

واني أرى ما يراه المريد

قبيل العروج الأخير

جدار يميد على جانبيه….و يهمي

سؤال شريد:

لماذا نطيل الوقوف بباب السماء

ونحن أمام حصار جديد؟

***

ونحن بغير حجاب نرى النجمة الآفلة

فذي سدرة الوهم تخبو

وذي غيمة غافلة

وإنا سمعنا التراتيل …أنصت

يضيق بوادي “العقيق ” الصهيل

ويهمي سؤال جديد:

أفي وسعنا أن نعيد الهلال الخصيب البعيد؟

 ***

 

ألا قل هو الحلم

فارتقبوا الراجعين إلى مدن من تراب

وأنى نولي الوجوه

فثمة أم تصلي لقافلة العائدين

ألا لملمي الدمع أمي

ستعلو الزغاريد في ربعنا

ثم يعلو النشيد.... "

قد تشرد الكلمات، لكنها وفي كل مرة، ها هنا، تقترف ما يجذبها إلى جذر السياق.لله در شاعرنا وهو يلملم من درر المعاناة في تلبّس الصوت الجمعي لها، ويزخرف بريشة موهوب جمّلته الدربة والمراس، مسافات السرد ليحيك هذه الفسيفساء المولّدة فينا مليّ الإصغاء.

كمعادل للحياة، لقد صنع الماء مذابح جمّة كما تخبرنا بذلك الحقائق والحكايات والأساطير، معريا الذات إلا من خشوع استمطار الرجاء.

هذا ما تلمّح له أسطر الصمت، وتفضحه فينا كتابة اليباب، ويستعصي استلهامه من صهيل وادي "العقيق" كثيمة أنفذ سلطة وأسطع بروزا وطغيانا على روح نص ملحمي بامتياز.

فالأرض بتول والحصار متجدد وقافلة العائدين بنكهة تخمينات استشرافية ونبوءات تدمغ الغيب.

ألا والقبلة نجمة واحدة لا أكثر، كناية لمنظومة ما يوحدنا وينتصر للهوية والانتماء ويكفكف دمعة الأم ويرتق الفتق، ونكاية في خزعبلات وشيطنة ما يبقينا أسرى حال الفرقة والتنافر والتطاحن والتفتّت والشتات.

نستشفّ ذلك وأكثر، من جماليات كأنما أطالعها بذائقتي، مستسلما لخطو القلب الجريج في رقصته المخاتلة لنبض مجد كان.

 

أحمد الشيخاوي / شاعر وناقد مغربي

 

شاكر حمد: السرد التشكيلي في "المملكة السوداء" لمحمد خضير

تجيب هذا الدراسة، ضمناً، على سؤالين مشروعين في الوقت الحاضر هما:  لماذا نستعيد "المملكة السوداء" الآن؟

والسؤال الثاني.. هل يوجد سرد تشكيلي؟

حول إستعادة – إعادة قراءة - المجموعة القصصية " المملكة السوداء" بعد ما يقارب النصف قرن على كتابتها وإصدار طبعتها الأولى عام 1972 نقول أن ما ندعوه بروح العصر في الكتابة وتكنولوجيا المعلومات وبعد الطوفان الهائل من الكتابات من بما فيها التجريبية لم نجد ما يستوجب إهمال هذا المصدر السردي الرائد في ميدان القصة العربية وحتى اليوم. ورأينا وسنرى المزيد من الإكتشافات وأقول الأسبقيات السردية المنجزة حالياً قد ظهرت بوادرها كنوع جديد من السرد في قصص " المملكة السوداء".

فصلت المجموعة حال صدورها بين عهدين من كتابة القصة العربية /العراقية. ختمت عهد السرديات الواقعية القائمة على محاور أبطال مأزومين بالعقدة الإجتماعية. يومذاك كان محيط الشخصية الخارجي – الزمكاني – مرسوماً بخطوط عريضة وأحيانا بمساحات ضبابية، وبعيداً عن التفاعلات العضوية ما بين الشخصية في القصة وبين محيطها الشامل الذي تطوّر صعوداً إلى مرتبة البطل الحقيقي الموازي للبطل الإنسان في قصص " المملكة..." التي رسمت بوادر الرؤية الجديدة المافوق- واقعية وإستطاع كاتبها من إشغال الحيِّز المسموح لفضاء القصة، تصميماً وبناءً وفلسفةً إستحضرت الموجات التالية من الواقعية التأملية إلى السريالية والتجريد والميتافيزيقيا وموجات التشكيل المعاصرة وتداخلها ضمن التيارات السردية القصيرة كالمشاهد والمقاطع ومؤشرات الكتابة الرقمية. ومع ذلك حافظت سرديات قصص المملكة على المحاور الأساسية للقصة الواقعية ومقوماتها:

- الشخصية الواقعية ومتوالية الضياع والفقر والموت.

- فاعليّة زمن الحرب.

– الجذور المكانية للشخصية.

– النسيج وجغرافية القصة الورقية.

في الكتاب محاولة للإجابة على السؤال الثاني... هل يوجد سرد تشكيلي؟ وعبر رحلة إستكشافية في عوالم المملكة، ممراتها، مخابئها، أقبيتها، دروبها المهجورة، دهاليزها المظلمة يأخذك السارد إلى بواطنها التأريخية فتسمع صليل السيوف وصيد الوحوش وتسمع دوي إنفجارات الحروب... ومنها يقودك إلى السطوح المفتوحة، إلى الفضاءآت والشطآن والطرقات النهرية، وغابات النخيل.

من خلال تلك الرحلة - الحلم نقول أن تجربة السرد التشكيلي تضمنت مميزات الإنزياح المبكرة في تغيير بنية السرد القصصي وتجديد مفهوم الشخصية وشبكة العلاقات والوسائط المتصلة بها، رغم ظهور العديد من المحاولات التجديدية لكتّاب آخرين لكن إمتياز الريادة ووضوح مكوناتها ينحصر في قصص المملكة وتطوّر لاحقا في المجموعات القصصية التالية لمحمد خضير.

مهمة البحث في الظواهر الشكلانية/ التشكيلية لاتعني تجريد عناصر النص وتفرعاته من الأعمدة الأساسية في القصة وهي:

الفكرة والمضمون ومضمون الشكل

في قراءتنا لقصص (المملكة السوداء) تتبعنا ثلاثة مسارات سردية متوازية في الجريان وهي:

- المسار الواقعي ويتضمن الشخصية الواقعية ومصيرها وأصوات الرواة والأماكن والأزمنة.

– المسار التخييلي المنتج للميتافيزيقيا والرمز والغرابة. – المسار التشكيلي ويضمن طرائق السرد بدءاً من اللغة الشعرية مروراً بالإستعارة والفنون الحركية والتشكيلية وعلاقات تلك المسارات بثنائية الزمان والمكان.

وتم ذلك من بأصوات ناقلة وبمختلف النبرات والطبقات الصوتية لرواة على مستويات متدرجة من المعلومية بسير الأحداث والشخوص المتفاعلة معها، مثلما أشرنا إلى إقتباسنا من دراسة سيزا قاسم حول ثلاثية نجيب محفوظ. ورصدنا في قرائتنا لدور السارد في كل قصة ومستويات معلوميته وعلاقتها بالأنماط السردية المتداخلة في القصص ومنها السرد التشكيلي. ومن هؤلاء الرواة أطفال لايعلمون بما يجري من أحداث ويمرون على الوقائع بصفة شهود مستطلعة ومكتشفة وترى العالم لأول مرة، لذلك يلاحقهم ظل السارد التشكيلي المضمر والذي يتردد في نبرته صوت المؤلف.

 

كيف؟ .... وأين؟

لنطالع هذا المشهد من قصة (الشفيع).. (جاءت سفينة ضخمة، ويمثل طرفاها رأسا وحش مفتوح الشدقين، وفي وسط السفينة كف برونزية ذات أصابع مضمومة وإبهام نافرة. كانت السفينة محمولةً على كتفي رجل يرتدي رداءً أسود أخذ يدور بها حول نفسهِ دورات سريعة، ودارت مع رأس الرجل المصابيح العديدة التي تمازجت أنوارها في لهب. وفي مركز السفينة تدور الكف البرونزية ببريق خاطف.)- وقد تم وصف المشهد وصفاُ تشكيلياً وإن المتابع الحقيقي هو الطفل المنبهر بالإحتفالية التشكيلية الليلية.

(أما الأطفال المحمولون على الأكتاف فكانت أعينهم تكتشف بعجب مولد ذلك العالم المصفوع العاري، المرفوع القبضات، المتحرك ببطء، تحت ستار الغبار الملون، براياته الهائلة العدد.)

نستدل على هوية سارد قصص المملكة، بوصفه رسام ومصوِّر، من خلال مواهبه التصويرية وحرفيته المتقنة في التصوير الثابت والمتحرك... فهو رسام وخبير بالآثار الفنية وغزير المعرفة بالفنون والخطوط والآثار والحفريات ومُفسر للكنوز والإيقونات رغم أنه يتمظهر بالحيادية في توجيه مسارات أبطاله وغاياتهم وبعضهم من الفتيان الباحثين عن الحرية في سيرورة هروب متكررة من التعاليم المشروطة بضوابط الخوف من المجهول، كالمدارس، إنها مواجهة غير متكافئة مع الأسئلة الوجودية.

وبرؤية هذا السارد تم تكثيف الظواهر الحدثية في لوحات ومشاهد سينمائية ولقطات سريعة وتركيبات صورية كولاجية متأثرة بالتيارات السريالية والتكعيبية والتجريد وقد أشرنا إلى أمثلتها في كل قصة وفي مجالها الخاص.

- تنافذ الجدل بين لاوعي الشخصية وبين متمماتها المحيطية ومن خلال الإنعكاسات والإيحاءآت والإشارات ودلالات العناصر المكانية.

فالإشارات إلى الموروثات والمدونات واللُقى المهملة والأثريات والمخبوءآت إنما تدل على جدليات – تشكيلية - تقوم مقام الوصف والتدوين والإبلاغ في تنمية مقومات الحالة الذاتية للشخصية المأزومة تأريخياً. ظهرت الشخصيات متدهورة ومزعزعة في مقوماتها الوجودية والعقلية وتعرضت إلى موجات من الضغط والقمع والكبت.

فالتدهور الذي يطال الشخصية زمانياً نجده مرسوماً في حفريات وتضاريس على الأبواب والجدران، مع تجاوب إنفعالات الشخصية وهواجسها مع العوالم المُتخيلة في الرسوم المعلقة والزجاج وإلى المخلوقات المجاورة للشخصية كمشاهد الصيد والفروسية ومقاربتها مع الإنفعالات الجنسية لفتاة (المئذنة)، مثالاً، حيث يتصاعد الحدث التفاعلي السايكولوجي من خلال المصورات الجدرانية متمماً للحالة الشخصانية الجنسية (ولما كانت تقف في زاوية خزانة الملابس ومنضدة الزينة ذات الرف الواحد فقد إرتسمت في كلا المرآتين كجذع مثمر بتفاحات ماسية كثيرة ألهبها النهار العاشق بذراتهِ الشبقة......وعلى جانبي النافذة كانت جواري السجادتين المعلقتين تبارك إشتياق القلب المدمر على مرآة منضدة الزينة، كما أن قطط وغزلان سجادتي جانب الباب كانت تشارك في رقصة التآلف على مرآة الخزانة...)- المئذنة-

 - نرى أن التشكيل هو الوسيط الناقل للفعاليات من مراكزها الواقعية إلى مناطقها الخرافية المتخيَّلة، وقد رصدنا تلك الظواهر وتحولات السارد فيها من وصف التداعي الشعوري إلى البوح بالمرئي الإشاري إلى فضاء الميتافيزيقيا الملونة وفعّالياتها الصاخبة وهي تتغلغل في الجانب الروحي من الشخصية وتعكس تداعيات أزمتها في رموز وإستعارات مجاورة لمصادر تبئيرها الواقعية.

- يتكرر فعل المجاورة، بصيغة توأمة الأصل والصورة، في معظم القصص، وبين الصورة وإنعكاسها وبين الشخصية وتوأمها الآخر. ففي (الأسماك) على سبيل المثال كانت المجاورة بين عالمين مائيين ماء النهر الطبيعي وماء الأحواض – الإنعكاسي - الرمزي إنعكاسياً – الُمُصغَّر تشكيلياً - وسيرورة فعّاليتين سرديتين متوازيتين للعالمين العالم الطبيعي ومجاوره الرمزي ومن ثم تزامن الفعّاليات وتداعياتها ونهاياتها، كان السارد يتنقل من الوصف التشريحي إلى التأويل والإيهام. وحيث تتمركز البؤرة – الجنسية – فإن مدار التماهيات يغرق بالرموز والميتافيزيقيا الحركية الملونة ومنها دلالة الماء الجنسية، ودلالة موت الأسماك في النهر و موت الرغبات الجسدية – نهاية حلم الفتاة - في الشرفة.

- تُشكل الخطوط المتوازية في سرد الأحداث والتوصيفات والتداعيات العقلية أساساً في تخطيط المساحات الجغرافية لحركة السارد على شكل مقاطع ومحطات ومناطق رصد، فكان السارد يتنقل في المحطات من زاوية الوعي ومدونات الواقع إلى فضاء مجاور، حكائي أو تشكيلي أو رمزي سايكولوجي، وقد تكون وقفات السارد في محطات صورية وشاشات أو حواريات وبعدها تنقيب في حفريات وكتابات مسمارية ورسوم وأرقام كتبها مراهقون عابثون.

 

أدوات النقل والإبلاغ

– النقل التصويري، ويتضمن المنظور – وقفات الرواة - من زوايا ومستويات مختلفة، أعلى عين الطائر -...أسفل – عين الضفدع -... من جانب... من قريب – كلوز-... ونلاحظ في هذه التقنية خبرة السارد الحرفية، فهو لاينقل واقع حال الشخصية وعقدتها فحسب إنما كيف يرصدها ومن أي الزوايا تماماً كعمل مخرج التصوير في الفلم الذي يُحدد لكل مشهد نقاطه التصويرية – الأبعاد البؤرية - ومنها المُطلَّة على المحيط الخارجي كالمشاهد البانورامية.

ومن الأمثلة على هذه الآلية الوقفات في الشرفات والنوافذ ومناظر الأنهار وفعّاليات جريان الصور الجانبية المتحركة وقد إفترضنا هذا النسق التصويري ملائماً لتصويرفتاة المئذنة في شارع الكورنيش وقد إتبع الآلية، حرفياً، مخرج فلم الأُرجوحة السوري ومثله الفلم التلفزيوني العراقي .

في الإرجوحة، مثالاً، كان التصوير بعين البطل من النهر إلى الأعلى – عدسة عين الضفدع – وكانت الصورة الإنعكاسية للنخيل تتماوج مع حركة المياه أثناء السباحة بل إن اللقطات المتحركة كانت تتضبب وتختفي بسبب نقاط الماء المتراشقة على وجه البطل... (إنسحبت أمامه مسرعةً مع تيار المد اللاّمع القمم الساكنة المتقابلة لصفّي النخيل في النهر، وأعشاب وأشجار الضفتين، وكان النهر ينعطف على بُعد خلف البيت....وفجأةً قبل إنعطافه كانت الجذوع تنهال في المجرى الغامض المُظلل أو تتبادل أمكنتها من ضفةٍ إلى أُخرى وهي تُسرع في الإختفاء مع النهر..... ومن خلال القطرات التي تقفز أمام عينيه ونحوه شاهد المرأة تقف وسط التنور كجذع متفحم....)- الأرجوحة -

بدقة تعني الكلمات حركة الصورة الإنعكاسية للنخيل في النهر (إنسحبت القمم الساكنة....والجذوع تنهال في المجرى الغامض...) أقول أن الذين أخرجوا الأفلام عن القصة لم يترجموا هذه السطور إلى صور.

وبعين الطائر من الأعلى نظر الصبي في (نافذة على الساحة) وشاهد الساحة وقت الظهيرة ودلالة الزمن التي رسمها ظل عمود الكهرباء، ومثله نظرت فتاة المئذنة من السطح إلى منظر المدينة البانورامي.

وفي القطارات الليلية كان التصوير سينمائياً، سريعاً، متحركاً ويعتمد تقنية التقطيع والتركيب – المونتاج والتصويرإتخذ السارد دور مخرج التصوير وتحديد زوايا اللقطات (من داخل العربة- من خارج العربة، منظور الصورة البعيدة، تصوير الخلفيات – من خلف الزجاج – من خارج المحطة –من الجانب منظور نوافذ القطار – من نافذة السائق الأمامية – عدسة صورة فوقية على السكة.....)

وفي المشاهد المظلمة كان التصوير ثابتاً ويميل إلى عصر الصورة بالأسود والأبيض كما في حكاية الموقد والشفيع وربما بوحي من قصص الليل.

 

السرد الإنطباعي  

وجدنا مقاربات من عصر الإنطباعية التشكيلية، مع لوحات كلود مونيه والشواطيء والأنهار والقوارب النهرية لنتأمل هذا المشهد وشعرية اللغة التصويرية... (وفوق الماء تمشي ظلال أجسام البحارة الذين يمشون على حافات السفن، وحول الصواري التي نُزعت عنها الأشرعة تتأجج النوارس، وهي بلون السماء، تخطف من قطع الغيوم البيضاء المستندة إلى رؤوس الصواري نتفاً تغزلها بأجنحتها المتحركة..) ورأيت أن من يصف هذا المشهد بهذه الدقة والإحاطة الشعورية لابد أن يكون من سكان الشواطيء ورساميها وأزعم أبعد من ذلك فأفترض أن كاتب القصة وصف المشهد في جلسة مباشرة على مسناية النهر كجلسة الرسام .

 

التصوير المجهري

الذي يوهم المتلقي بعوالم متناهية الصغر وتتخذ بُعداً تشكيلياً بعد إغراقها بالضوضاء والميتافيزيقيا. ونعود إلى رؤية الكاتب – الرسام في المقطع الذي إقتبسناه أعلاه فالوصف الإنطباعي يتحول إلى الأعماق المائية فيرى التشكيل الملون وبكثافة الألوان وتدرجات القيم اللونية الخضراء للرسوم الخيالية المجهرية من إنتاج الطبيعة، لوحة تشكيلية من الرسم الميناتوري... (غيمةٌ خضراء – النوارس وهي بلون السماء – دروع حقيقية بلون أصفر....- حول رأس الصبية كانت التجاويف الخضر كالنجوم الخامدة – قطع الغيوم البيضاء – السماء بقسميها الأبيض والأزرق، الثعابين السود....صور وهمية من الثقوب في الصخور – صندوقاً صينياً مرصعاً بالعاج – رسوم طيور البحر المنقرضة – رسوم جنيات الماء – أشكال تشبه القلوب المزيفة المرسومة على أوراق اللعب.....) .

تركزت الأبعاد البؤرية في أماكن أخرى على الدلالات التأريخية وطبقات الأزمنة وبالتصوير المجهري لمعاينة الأرقام والحروف والخطوط العبثية وطبقات الأصباغ وتقادم السطوح الخشبية كما في متوالية التوابيت في قصة (التابوت) ولغة الإشارة واللمسة التشكيلية الدالة على شمولية التدهور في الوضع البشري (تشير اللطخات والثلمات التي عليها إلى أن أذرعاً عديدة قد تناقلتها عبر زوابع وظلام وإنهيارات...).

وما بين السرد التصويري الشامل في توزيع التوابيت في صفوف هندسية – زعمنا بمقاربتها مع نسق القصيدة العربية العمودية - وبين السرد التشكيلي نستقريء فعل الحاسّة التشكيلية إبتداءً من تخطيط الشكل الهندسي للتابوت وتكراره وتحريكه ونقله وإعادته وتطوافه في المدن والقرى وإعادته... وأخيراً وبالرؤية التشكيلية السريالية يتحويل شكل التابوت إلى قاعة كبيرة. ومن هذا التأويل الفوق- واقعي نتجت متواليات – مجسمات – سريالية وتكعيبية لصورة الموت المتكرر. كان شبح الموت السريالي يحكم سطوته على السارد فيرى ظهور متواليات سريالية جديدة بتداخل الصور الإنعكاسية وتكرار النموذج وتشكيله في متواليات صورية جديدة (إخترقت الساحة قطة سوداء، من مكان ما، شطرها الضوء إلى مئآت من القطط الصغيرة التي أخذت تعدو في كتلةٍ واحدةٍ، مافتئت تنشطر إلى قطط أصغر فأصغرحتى تلاشت في الضوء..).

يقول ريكاردو الروائي والناقد وهو يبحث عن فاصلة عجيبة في قصص بورخس يسميها -الدهشة- ونزعم أن السطور التي إقتبسناها من قصة (التابوت) تعني تلك الفاصلة المدهشة.

لم تتوقف التداعيات الصورية عند حدود التكرار من المجسمات الهندسية إلى تكرار صور القطط السود بل إتجه السارد إلى تخييل جديد تحولت في الشخوص الجالسة في المقهى إلى تماثيل تتحرك وتتناول الكؤوس في المقهى، وكان يرى مقاطع وأجزاء من الجسد التمثال تؤدي تلك الحركات. (قدح تخرج نصف قاعدته عن حافة المنضدة، لن يسقط، ذلك أن يداً خفية، اليد التي كانت رفعته ثم أرجعته إلى مكانه على المنضدة، لازالت تُمسك به...) . - هل نزعم أن هذا المقطع نموذج لقصة قصيرة جداً- .

 حصل مثل ذلك الإيهام في الأسماك والقطارات الليلية والعلامات المؤنسة.

نقول إن قصص (المملكة السوداء) قدمت أنماطاً من التجارب السردية سبقت عصرنا التكنولوجي ومرجعية الإنترنت وظهور أنماط وتقنيات سردية جديدة ومنها ما يسميه الكاتب جميل حمداوي بالمايكروسردية (مقال في صحيفة المثقف عن القصة القصيرة جداً) وبتقديري أن المايكروسردية تعني في بعض حالاتها ما نجده الآن في سرديات المملكة السوداء وما نسميه السرد التشكيلي والذي إشتغل فيه محمد خضير قبل الإنترنت بعقود من الزمن وقد كشفنا في رحلتنا في قصص المملكة تلك البؤر السردية الشبيهة بمقاطع الكولاج التصويري وإفترضنا، خطأً، إمكانية (إستخراج- إنتزاع) قصص قصيرة كامنة في القصة الواحدة وذلك لأن بعض المشاهد والمقاطع، بحجم صفحة أو أقل، كانت على قدر كبير من الكثافة والتراصّ كقطعة نسيجية مصغّرة شكلاً ومضموناً وينطبق عليها مفهوم القصة القصيرة جداً. ولكن عصر (المملكة) غير عصر الإنترنت ولكل عصر قاريء ووقت للقراءة.

 

المؤثرات

يواجهنا سؤال عن المؤثرات التي لامست القصص وهيمنت على بناء القصة، الشكل والتصميم والمساحة الورقية ونرى الآتي: - الشخصيات الواقعية...وخاصةً النساء فهن حقيقيات كما أفاد بذلك الكاتب الفنان في حوار معه في مجلة (إمضاءآت).

أما الأطفال فقد إستدعاهم الفنان من بيئةٍ طفوليةٍ تسكن في ذاكرته.

 - تأثير الهندسة الشرقية للبيت العربي المكون من غرف وسلّم وسطح وفناء مفتوح – حوش - وأبواب وسكان في الداخل وخاصةً النساء. إنعكست هيكلية البيت القديم على تصميم القصة فنجد الهياكل المعمارية الأساسية – الثوابت – والتوزيع للكتل والمساحات والفضاءآت والإنعطافات، إلتواءآت معمارية في النص وتقطيعات تحاكي الغرف وفيها تنطوي الأسرار وجذور الشخصيات وكالشجرة داخل الحوش تعني شجرة العائلة. وكما هو الحال في هندسة البيت التي تبدأ من مساحة جغرافية أُفقية مقسمة بإنتظام زائداُ كيان عمودي متماسك يحاكي وقفة الإنسان.

 نرى الأبطال في المراكز الهندسية وهي مراكز أرضية، غرف، سلالم، طرقات، وفضاء... فمن المساحة الأفقية الجغرافية للسرد ندخل عالم المخبوءآت والأسرار التي على منوالها صممت البيوت الشرقية... مساحة للتأمل.. مساحة للدهشة... مساحة للحلم...مساحة للجنس.... مساحة للصدمة...

ويندر أن نرى شخصيةً مكشوفة خارج المكان. فالشخصيات تتناغم مع نبض العاطفة المكانية وتكتسب منها سحنتها الزراعية.أبطال المملكة يموتون في الغربة ولذلك وجد بطل الإرجوحة (حلمه) الأخير في القرية وفي ماء النهر. أو جنة الخلاص من عالم الحرب (وفيما هو يسبح في مياه سعادته كان يحادث الطفلة وتخبره عن جدها الذي كان أيضاً جندياً ويقول كل الناس يصبحون يوماً ما جنوداً...) وبلسان الطفلة يُخبرنا الراوي بأن معادلة السعادة- الحرية تتكون من عالمين... الطبيعة الجميلة – المكان الأليف - أولاً والعالم الخالي من الحروب ثانياً.

– تأثير الجدران وما عليها من رسوم ومصورات وسجاجيد ونزعم أن التصاوير البريّة والحكائيات المصورة نفذت إلى أعماق القصص بشكلٍ أو بآخر، وتأثرت القصص بالنسيج الملون للسجاد ومساحته المكونة من أجزاء متناظرة وزخارف ملونة وموضوعات غرائبية متجاورة وتأطيرات زخرفية شعبية الملمس فكان تأثير السجاد يوازي أفقياً إمتداد مساحة القصة بينما تتصاعد الأحداث والشخصيات عمودياً. وكانت بؤرالتداعيات السردية تتصاعد في المصورات الجدرانية والمدونات الورقية والمخلفات المهملة بالتوازي مع تصاعد التأزم في مقومات الشخصية، بل إن الجدرانيات شهدت حالات من العنف والتوحش وموجات المخلوقات الغريبة إمتدت جذورها إلى أعماق التأريخ ومثلها الإيحاءآت بالجنس ورموزه التأريخية. 

- فن الحكاية العربية وتحولات السرد من التبئير الواقعي إلى الخيال التنويمي في مسلسل حكايات السلاطين والجن والأميرات. وهنا تكمن اللعبة التشكيلية – فانتازيا – الإستعارة بإستدعاء المتضادات والغرائب إنطلاقاً من الرموز كالصور والوجوه، ذلك التنافذ السرّي للزمن الليلي الذي تراسل مع بقية العناصر التشكيلية-الخرافية في حكاية الموقد ونافذة على الساحة وكان السارد فيهما حكّاء قصص الليل وكان يروي لمستمع مُخدر بتراكم الخرافات وينتظر المعجزات السماوية. وكانت الخرافة تنساق بموازاة تطور الأحداث –حكاية الموقد – مثالاً، بما سميناه المتوازيات السردية.

يُنقب السارد في الغرائبيات واللاّمعقول إنطلاقاً من بؤرة الحدث المعقول مروراً بالشواهد والعلامات وسلسلة الدلائل الأثرية والشفرات والفانتازيا وصولاً إلى الصدمة. إن إستعراض الإكسسوارات تمَّ بزجها في حوارات مع محيطها ومجاوراتها من المخلوقات ويجري تصعيد الحدث ورسم الشخصية من خلالها فالشظايا والمرايا والمسبحة والمشط القديم والصورة الشمسية إذا جمعناها تكاملت أمامنا الشخصية الغائبة وإتضحت ملامحها.

كتب أحد النقاد عن أورهان باموق وعن إستنطاق الأشياء الجامدة كقطعة النقود تتحدث عن نفسها... نقول أن قصص المملكة حفلت بالعديد من الأمثلة الشبيهة بهذا النوع من السرد ومنذ وقت بعيد.

– تأثُرت بالتنقيبات الآثارية والأماكن الباطنية والأقبية المظلمة وهندسة السراديب والمدافن الفرعونية والكنوز الخرافية الغائرة في اللاّوعي الشعبي الحكائي. وقد تأثر ماركيز بهذه الحكايات – الف ليلة وليلة - ونفذت إلى سرديات روايته (مائة عام من العزلة).

-  تأثير فاعلية الزمن وتنويعاته،

الزمن الكوني الشامل، زمن الحروب والمرويات

زمن الشخصية الذاتي زمن الإنتظار.زمن القصة

 الزمن الليلي الذي أضفى على السرديات مناخاً سكونياً، تنويمياً،

 – مهيمنة البيئة وموروثاتها الشعبية.

 – مهيمنة السيرة الذاتية

 في قراءتنا للقطارات الليلية إستوقفتنا تقنية السيناريو والسرد التصويري المتحرك ومنه إلى السرد التشكيلي ويخدمنا تصريح الكاتب المنشور في كتابه – السرد والكتاب - حول هذه التجربة (جربت في قصصي ذلك النوع من الإسترجاع الصوري للواقع في حالتي التحفيز والتحريك سرعان ما تجاوزته إلى حالة التشكيل....مثالها قصة – القطارات الليلية -) والنبرات الصوتية وتباين سرعاتها. كان السارد يلهث مع سرعة القطار ويهدأ في محطات الوقوف ويتحول إلى حركة الأضواء ( الأضواء الشمعية... والكلاب الشمعية... والدخان الأبيض....) وتُقربنا تلك الإيحاءآت الصورية من بياضات وأوهام ذات دلالات في المضمون على شكل رسالة بيضاء تحملها إمرأة وتريد إيصالها لمجهول في الجبهات المجهولة.

– تأثير المدارس الفنية التشكيلية المعاصرة وتداخلها مع الفنون الأدبية كالشعر والقصة. أشار محمد خضير إلى تأثره بهذه الموجة في بعض قصص المملكة السوداء. – حوار في مجلة إمضاءآت -

 

وتزامن المؤثرات مع الموجة الستينية الصاخبة وتزامنها مع الأحداث السياسية والعسكرية الساخنة...( إنقلابات العراق – هزيمة حزيران – ظهور المقاومة الفلسطينية.....)

نقرأ هذا النص من دفتر (العلامات المؤنسة) ونستشعر فيه السيرة الذاتية للمؤلف في تنقلاتهِ (أُسافر مُطلاَّ ومحاذياً الصحاري وأسلاك التلفون وشواهد الطرق....مع الشمس الغاربة وحلول الليل.....من المرتفعات المحيطة أُشرفُ على السياج القديم تغطس فيه صخوره في ضباب الصباح المتسلل إلى داخل المدينة.)- العلامات المؤنسة -

ويتطلب الأمر،هنا، الرجوع إلى الشخصيات والأماكن والأحداثيات والإستناد إلى مراجع إسناد البحث ومنها مقالات الكاتب محمد خضير ومؤلفاته الأخرى. وجدت أحد المقالات له بعنوان (الأب بالسدارة) المنشور في إسبوعية الصباح الثقافية. وطلبت منه أصل المقال لأستنتج مهيمنة صورة الأب القديمة وتسيدها كبؤرة مركزية مباشرة لقصص " المملكة السوداء" "وحكاية الموقد" وبصورة تأثيرية غير مباشرة على قصص أخرى. ونرى السيرة الذاتية تظهر في موجات عابرة تتوسط الحدث أو تجد مساحتها في ختامها كما ظهرت في صفحة دفتر العلامات المؤنسة. وفي كافة المواقف المتصلة بمحطات القطارات كالمقهى المجاورة للمحطة في قصة " التابوت" والبيوت القديمة كبيت قصة " المئذنة " وحتى شارع الكورنيش الموصوف فيها وفي " شجرة الأسماء" والطريق الريفي في "الأرجوحة" وحين نستعرض شخوص الرواة نرى أن الصبيان التلاميذ يروون ويشاهدون ويشهدون على تناقضات وقساوة الزمن وبتصورنا أن هذا التلميذ الباحث عن صورة أبيه هو كاتب جميع القصص. فيما مضى سؤلَ فلوبير عن الشخصية التي تُمثله في روايته مدام بوفاري قال أنا مدام بوفاري وواجه نابوكوف نفس السؤال عن شخصيات روايته لوليتا فقال أنا لوليتا. فالصبي أينما ظهر في قصص المملكة هو الدليل الدال عن محمد خضير.

 

شاكر حمد - فنان تشكيلي وكاتب

.........................

* المحاضرة التي ألقيت ونوقشت في جلسة إتحاد الأدباء في البصرة صباح السبت 3/9/2016

 

مادونا عسكر: عندما يكون الشّعر أداة موسيقيّة ولغوية لتأصيل الوعيّ.. قراءة في ديوان الشاعر التّونسي أحمد المباركي: النّشيد والطّوفان

madona askarلكلّ عصر شاعره، يرى الجمال بعينه الرّوحيّة الّتي تعشق الجمال، وينقله إلينا مجسّداً ما نرنو إليه بخيالنا  إلى حقيقة تتلمّسها حواسنا. ولا فرق بين الحقيقة والخيال إذا ما جلنا في العوالم الشّعريّة وأمسكنا برؤى الشّاعر الّذي يسكب لنا الجمال الوجوديّ الّذي لم يبتدعه، في قالب شعري يغذّي حاجتنا الملحّة لإدراك الخير والحبّ والجمال. وإذا تغنّى الشّاعر بواقع ما أو تاريخ ما فلا ينبغي الظّنّ بأنّه واهم لأنّه وهو الرّائي بالبصيرة المستنيرة يختطف الجمال ويتّحد به شعريّاً، فيكون خياله حقيقة، ويكون خيالنا معزوفة على قيثارة شاعر يعلو صوته وينبثق من بين الحروف.

"الشّاعر نبيّ وفيلسوف ومصوّر وموسيقي وكاهن"(*). ولعلّ هذه المقولة تنطبق على الشّاعر أحمد المباركي في ديوانه "النّشيد والطّوفان" إذا ما ولجنا عالمه الشّعريّ وارتشفنا الجمال اللّغويّ، والمعرفيّ، والتّصويريّ، والتّاريخيّ. فالشاعر نبيّ- لأنّه يعاين بروحه ما لا يعاينه كلّ البشر. وفيلسوف- لأنّ الشّاعر لا النّظّام، يمتلك المعرفة في ما يصوغه، فتأتي كلمته مدعّمة بالمعرفة. فإذا وصف وردة أو غروباً أو جبلاً...، لا يصف من باب الخيال وإنّما في جزء كبير من عالمه تحيا المعرفة المتجليّة بفلسفة الوجود. ومصوّر- لأنّه ينقل لنا الجمال في قالب من السّطور الشّعريّة البديعة، لتتراءى لنا لوحات تنعش البصر والبصيرة معاً. وهو كاهن أيضا- لأنّه يخدم الحقيقة وجمالها، ويحمل في شعره همّ الإنسانيّة ووجعها، ويقدّم التّسابيح للجمال أنّى تجلّى له.

كما أن الشاعر موسيقيّ- لأنّك وأنت تقرأ في الديوان تتجلّى أمامك معزوفة كاملة متكاملة، يقودها أحمد المباركي بحرفيّة قائد الأوركسترا. سيمفونيّة اعتمدت حركات خمس بدأت سريعة في القصيدة الافتتاحيّة "شعري"، و"خيول الشّعر" ، و"حرائق الحرف". ثمّ انتقلت إلى حركة ثانية تتّسم بالبطء في قصيدة "شموس محمّد"، وكأنّي بالشّاعر يتوسّط الحركات بتأمّل الشّخصيّة المحمّدية، بل يصوغ السّيرة النّبويّة في قالب شعريّ بديع. كما تضمّنت هذه الحركة قصيدة "مواويل الجراح"، قراءة شعريّة في الجرح المفتوح أبداً "القدس". وأمّا الحركة الثّالثة فأتت حالمة في "السّباحة في النّجوم"، و"لحن الفتوح"، و"خيول الفتح"، و"معلّقة جراحات القدس"، و"وليَ قبّة"، و"ترحال في قمقم مكسور". ثمّ تعيدنا الحركة الرّابعة إلى النّمط السّريع في "تورز والنّجوم والأعراس"، و"الشّموس والطّوفان"، و"نشيد الطّور"، و"أنشودة الماء والنّار". وأمّا الحركة الخامسة فأتت وجدانيّة عابقة بالحنين واللّهفة والحبّ، في قصيدة "ودّع أباك".

 

 النّشيد والطّوفان/ العنوان العلامة:

"النّشيد شعري"، كذا يوحي لنا الكاتب في قصيدته الافتتاحيّة "شعري"، بل هو الشّعر النّشيد. النّشيد/ الصّوت، القطعة المغنّاة في حبّ الوطن. ووطن الشّاعر يمتدّ عبر التّاريخ ويترامى إلى النّفوس الظّامئة إلى النّور والخير والجمال. النّشيد مرتبط بالشّاعر، يمثّله ويظهر هويّته.

شعري عرائس من تاريخ أمّتنا

يزفها الحرف في الأرواح مبتهجا

شعري زلازل في أضلاع مرتجف

لتصنع النّغمة الغرّاء والفرجا

وهو الشّعر الفاعل في النّفس، السّاعي إلى تجديد الحياة بكلّ مكوّناتها، زارع الأمل والفرح، والمنقذ من العبث والضّلال.

ميدي حروفي إذا الأفهام واجفة

وحرّقي هذه الأورام والعوجا

شعري صواعق في أكبادهم أبدا

شعري تلألأ في أحداقهم حججا

يظهر العنوان وحدة القصيدة في الدّيوان، فالقصائد وإن اختلفت مضامينها إلّا أنّها تشكّل مع بعضها البعض جسماً واحداً تتفرّع منه أعضاء تتكامل بأداء العمل الشّعري. فيتكوّن الشّعر النّشيد والطّوفان في آن. نشيد يُتلى ويُحفظ ويكشف الهويّة الشّعريّة. وطوفان يؤسّس للتّغيير الإنساني، كأنّي بالشّاعر يؤمن بأثر الشّعر المبدّل والمغيّر، أو المؤثّر في النّفس الإنسانيّة، يدفعها لبناء المستقبل على ضوء التّاريخ الحافل بالإنجازات. كأن نقرأ في قصيدة "خيول البحر" البيتين التّاليين:

هوت حروفك نبراسا لغاشية        لأنّ ضوءه جلاّها وجلّلها

هذي حروفي خيول عند قارئها     فرّت بصاحبها دع من تأوّلها

نثر الشّاعر بذور فكره في العنوان، وتركها تنمو وتورق في سياق القصائد، حتّى تراءت لنا يانعة خصبة في وحدويّة الرّؤى الشّعريّة الحاضرة في فكر الشّاعر، ألا وهي الشّعر الفاعل طوفاناً يغزو العقول والنّفوس لاستئصال الشّوائب والأدران العالقة في النّفس الإنسانيّة، بل في الوجود.

 

- البنية اللّغوية كأداة تواصل موسيقيّ روحيّ بين الشّاعر والقارئ:

إذ نحن بصدد قراءة شعر عموديّ تتجلّى لنا النّغمة الموسيقيّة المكثّفة والجاذبة للأذن والعين في آن، في انسياب موسيقي عذب على الرّغم من ثوريّة الخطاب الشّعري في قصائد عدّة في الدّيوان. ولئن كنّا نجول في عالم الأوزان الخليليّة تتماثل لنا دواخل الشّاعر النّفسيّة وتبرز كعامل محفّز للتّواصل بينه وبين القارئ. فلا يصطدم القارئ برتابة تكرار القوافي بل يسترسل مع الشّاعر في لقاء موسيقيّ سرديّ تعليميّ، من جهة،  ومن جهة أخرى لقاء حميميّ يغذّي الرّوح فنّيّاً وجماليّاً، يعبّر من خلاله الشّاعر عن مكنون النّفس ووجعها. كما يظهر في قصيدة "مواويل الجراح" إذ يقول:

وتراءت القدس المنيفة شهقة         في الرّوح منبتها فواقدساه

 ما زال مرحبهم ينكّس راية        ويذوّب الأحشاء.. وامعتصماه

ويعشّش الجرح القديم بكفنا         وقناتنا زعقت بياثاراه

والتّواصل هنا فكريّ روحي، حيث إنّنا نشهد فكر الشّاعر منسكباً في روح القارئ. يعبّر له عن هواجسه وأوجاعه، فيتلقّف القارئ الشّعر همّاً إنسانيّاً يتفاعل من خلاله مع الشّاعر وجدانيّاً. ونوعز هذا التّواصل إلى البنية التّركيبيّة اللّغويّة الّتي أتت مكثّفة متتالية النّغمة. فيبدو لنا وكأنّ الشّاعر يستحكم بروح القارئ من ناحية اللّغة الشّعرية المكثّفة والنّسيج الصّوتي الّذي يخفي دلالة ما، ألا وهي خلق الفضاء الشّعري وفرضه بلطف في ذهن القارئ:

ما بال سطرك قد شدا تصهالا             يفري الفيافي يعتلي الأجبالا

ويسير فوق الموج مختال الخطى         نحو الضياء يفلّها الأغلالا

ويثور في وجه الكهوف كأنّه              ساق الفناء وأنطق الزلزالا

تهيمن المفردات المعجميّة الّتي يحتاج القارئ للاستدلال عليها، وقد لا تكون بسيطة ومألوفة. ولعلّ في نفس الشّاعر هدفاً أدبيّاً يبتغي من خلاله الارتقاء بالقارئ من جهة، ومن جهة أخرى تقديس اللّغة الأدبيّة بفخامتها وأبّهتها. ومن جهة ثالثة يتراءى للقارئ وقع الكلمات كأنّي به على مسرح الشّعر التّاريخيّ، يستحضر اللّغة بمكنوناتها الفخمة والجليلة لتترسّخ في ذهنه ونفسه فيحافظ على تراثها وكنوزها الإبداعيّة.

 

الشّاعر النّبيّ:

يتفاعل الشّاعر في ديوان "النّشيد والطّوفان" مع ذاته ومع القارئ في آن. فإن بدا لنا في القسم الأوّل من الدّيوان شاعراً معتدّاً بشعره، يستخدمه سلاحاً يحارب به الجهل والخنوع، ويضيء به دروب الأجيال. يتبيّن لنا في القسم الثّاني أنّ الشّاعر بلغ رتبة النّبوّة من جهة أنّ الشّعر وحي، نور ينسكب في قلب الشّاعر، ينفتح عليه، وينقله للآخر.

في قصيدة "نشيد الطّور"، يتجلّى لنا الشّاعر النّبيّ، وتنكشف لنا معه آيات الشّعر وعوالمه الجماليّة، وثقة الشّاعر بحرفه النّورانيّ:

نبذت فراشاتي وأطيار أحزاني         وغازلت أحقابا بحاري وبركاني

وأجريت أقماري بصدري وأسطري     وأطلقت غيماتي وفتّحت طوفاني

نتبيّن مرّة أخرى رؤية الشّاعر للشّعر وفعاليّة الحرف. طوفان الشّاعر مرتبط بالنّبوّة، إذا ما قاربنا بين قصّة الطّوفان كمحطّة تغييريّة في الوحي الإلهي، وطوفان الشّاعر كحركة تغييريّة في الوحي الشّعريّ. (أطلقت غيماتي وفتّحت طوفاني). وكأنّي بطوفان الشاعر غزا المسكونة كلّها، مبتغياً استئصال أدرانها راجياً الانفتاح على عهد جديد يعلن للإنسانيّة خلاصاً جديداً.

ولئن ارتقى الشّاعر إلى رتبة النّبوةّ قادته رؤاه إلى رؤية مجد "الأقصى"، وتحرّكت في دواخله وجدانيّة النّبيّ وضميره المرتبط بالله، واستخدم عصاه الشّعري ليشقّ بحر الظّلمات ويتحرّر بالأمل والرّجاء منطلقاً نحو الحرّيّة:

فيمّمت وجهي صوب "أقصى" موجّها   عصاي إلى الأحقاد في بطش ثعبان

ففرّت سحابات الضّنى في مذلّة    ومن خلفها العرجان باءت بخسران

وإن رمزت عبارة (العرجان) إلى فرعون وقومه، فالشّاعر يقصد بها السّلطة الغاشمة الّتي تسطو على أرض الأقصى. وهنا يتولّى الشّاعر مهمّة التّحرير وإن بِحَثّ القارئ بالكلمة، ويطمح إلى حقيقة متجذّرة في قلبه ووجدانه. فيظهر لنا همّه الإنسانيّ من جديد، ليحدّد أكثر رؤاه في الدّيوان. خاصّة أنّ الشّاعر لا يتوقّف في قصائده عند القضيّة الفلسطينيّة، بل يهتمّ لوضع الوطن العربي ككلّ. فيتحدث في قصيدة: "الشّموس والطّوفان" عن العرب الّذين وصفهم بأهل الضّاد قائلاً:

وأهل الضّاد تغرقهم كلوم         وأهل الضّاد تنهشهم نصول

وزلزال تراءى في عيون         يكشّف ساقه عبثا يزول

كما أنه يهتمّ لأمر الشّام والعراق ومصر فيذكرها في قصيدة: "أنشودة الماء والنّار":

والشّام تنزف أشجانا لنائبة        يا شام.. يا شام.. يا مصباحنا النّائي

فيا عراق نُهشت اليوم بينهم      ويا عراق.. فلم يعشقك إلائي

والنّيل مرتعد يكبو كسنبلة       يلوكها -عبثا- طاحون حمقاء

ولئن تحدّثنا عن نبوّة شعريّة، كان ديوان "النّشيد والطّوفان" بمثابة غوص في بحر الشّعر والإبداع لتبليغ مقاصد الشّاعر الإنسانيّة وتعزيز الأصول التّراثيّة اللّغويّة وجعلها جسراً يمتدّ بين الماضي والمستقبل، يرتقي إلى مستوى الوحي وتقديس الكلمة. 

 

.......................

(*) ميخائيل نعيمة، الغربال ط 17. (بيروت: دار نوفل، 2009)، ص 91 (الشّعر والشّاعر)

 

عبير خالد يحيي: ملامح المدرسة الرمزية في نصوص الأديبة السورية إيمان السيد وإضاءة على أدواتها الاحترافية من بلاغة وتناص

مقدّمة: عندما قرأت النص للمرة الأولى، قرأته قراءة صامتة، حاولت فيها أن أتنشّق الحرف، واستجلب المعاني، حاولت التشبّع بالكلمات، ثم تركته وعدت إليه بعد فترة بعد أن أخذت استعدادات كثيرة، لا أريد أن يقاطعني أحد، ولن أسمح لأفكاري أن تشتتني بعيداً عن النص، أعدت قراءة النص جهراً، مستحضرة حال الكاتبة المبدعة إيمان السيد وهي تكتب النص، الغريب أنني وجدت نفسي أقرأ النص برتم هادئ ! وكأنني أُحدِّث من كُتب النصُ فيه !

طاغية يقف أمامي متعالياً ومفاخراً بجرائمه، وأنا أكلمه مستعرضة كل مظالمه دون أن أخشاه، بالمختصر ..الحال .. أحاكمه ..!

أما كيف جرت المحاكمة، فهذا ما سنراه آتياً ..

وأما الجزاء، فخير بخير، وشر بشر، في حياة برزخية !

الأديبة إيمان السيد سورية تميزت كتاباتها ونصوصها بالأعمدة الرمزية والعمق الأدبي والبلاغة اللافتة، حيث أن المتابع لأعمالها عندما تنشر نصاً يتحضّر لوجبة دسمة من الألفاظ الجزلة والمعاني الغائرة في أخاديد الرمزية ..

 

إغناء:

في مستهل عصر النهضة قام كثير من الشعراء إلى الاتيان بالمواضيع الجديدة دون أي إبداع في القالب الشعري فسُمّوا بالمجددين في التقليد. ثم ظهر جيل آخر جعلوا للخيال والعواطف الفردية أو المشتركة مع عواطف المجتمع، المكانة الأولي في إنتاجاتهم الأدبية. فأطلق عليهم بالرومانسيين. ثم غلب آخرون علي الجو الشعري ووجدوا الرومانسية تغفل عما تجري في المجتمع العربي من واقع الحياة فلوٌنوا أشعارهم بالألوان الواقعية واشتهروا بالواقعين وتابعهم آخرون احتلٌ الرمز المكانة الاولي في اشعارهم عرفوا بالرمزيين.

 

الرمزية

الرمزية اتجاه فني يغلب عليه سيطرة الخيال علي كل ماعداه سيطرة تجعل الرمز دلالة أولية علي ألوان المعاني العقلية والمشاعر العاطفية.

وطغيان عنصر الخيال من شأنه أن لايسمح للعقل والعاطفة إلا أن يعملا في خدمة الرمز وبواسطته، إذ عوضاً أن يعبر الشاعر عن غرضه بالفكرة المباشرة، فإنه يبحث عن الصورة الرامزة التي تشير في النهاية إلى الفكرة أوالعاطفة

المصدر: ديوان العرب

 اعتمدت الكاتبة البلاغة كأداة تتقن استعمالها ببراعة، تصنع الصور المحلقة في فضاءات الخيال، القارئ لأعمالها يحاول أن يلم بكل جوانب المشهد الذي ترسمه لوحةً سريالية  الألوان، يُحار أمامها أمهر الرسامين منبهرًا من جودة ودقة وإتقان وإبداع من رسم ..

إن انتقلنا إلى النص لنرى الميزات الجمالية  واللون الأدبي المستخدم فيه لوجدناه قصة قصيرة يتبع المدرسة الرمزية بطابع ثوري واجتماعي، منطوٍ تحت نظرية الفن للمجتمع حيث أن النص رصد صراعات بين الشر والخير، كما حفل  بصور بيانية نُظمت نظماً نثرياً غنياً جداً.

أخضعت النص لميزات النص الأدبي السبعة وجدتها جميعها فيها والتناص بكثرة ..

لذلك يخضع  للنقد .

يتناص النص مع آي الذكر الحكيم في مواطن عديدة،حياة البرزخ كما أخبر عنها القرآن الكريم، قصة النبي موسى في مواجهة فرعون

 

إغناء:

حياة البرزخ على حسب حياة الإنسان في الدنيا:

فالمؤمن ينعم في البرزخ وروحه في الجنة وجسده يناله بعض النعيم.

والكافر روحه تعرض على النار، ويناله نصيب من العذاب, وينال جسده نصيب من العذاب.

هذه حال البرزخ، المؤمن في سعادة ونعيم، وأخبر النبي محمد أن روح المؤمن في الجنة تسرح في الجنة حيث شاءت, إن نعيم البرزخ و عذابه مذكور في القرآن في أكثر من موضع: فمنها قوله تعالى: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق و كنتم عن آياته تستكبرون} و هذا خطاب لهم عند الموت و قد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون. و منها قوله تعالى فبما أخبر عن آل فرعون،{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} (غافر:46)، فالكفار أرواحهم معذبة وأجسادهم ينالها نصيبها من العذاب حتى يبعث الله الجميع ثم تسير أرواح المؤمنين إلى الجنة وأرواح الكفار إلى النار، هؤلاء مخلدون في الجنة وهؤلاء مخلدون في النار.

المصدر ويكيبيديا - الموسوعة الحرة.

كما يتناص مع الحال العربي الاجتماعي ( الظلم، القهر، الطغيان )

ورغبة الشعوب العربية قاطبة بمحاسبة طواغيتها، ورؤيتها تأخذ الجزاء العادل .

نبدأ بالعنوان (ضوء) لفظ مفرد نكرة تعني بالتعريف طاقة مشعة مرئيّة للعين،

يمكننا أن نعتبر العنوان سباق يأتي تفسيره في السياق الذي سيفصح عنه النص

لننتقل إلى الحبكة:

مشهد يجول فيه الحزن والموت .. مكان خواء لا يُرى فيه إلا خيال من يحدّثه الراوي

نافذة كاشفة لعلها الحياة ، ترى العين منها كل ما يختبئ وراء زهر البنفسج الحزين .. خيال طاغية يغطي أرجاء وطن عتيق .

المكانية ( وطن إن كان الإسقاط كبيراً، قرية، بيت على نطاق أضيق)

القمر يشاكس النجمات في العلن  ... الزمانية (ليل = زمن ظلم وبغي)

لننظر إلى الصور العديدة التي جاءت بها الكاتب القديرة

هناك قمر حقيقي يلاعب النجمات،  وينحرالقطبية منها في مدار من مداراته، مخلوق يتلاعب بأناثي

وهناك قمر يعتلي المآذن ينحسر ظله وقت المغيب، ويمتد وارفاً وقت الصلاة في الكنائس نهاراً

ويتكسّر ظله على حائط المبكى (ديانات: إسلام، مسيحية، يهودية)= وطننا العربي مهد الأديان

ثم تعود الكاتبة وتلتفت إلى صاحب الظل المقيت الذي نسج الظلام ملامحه التي لا تخفى على كل ذي بصيرة وفراسة

لتصف لنا تلك الملامح، بدأت بأساسه، البذرة التي ينبع منها ظلمه، مخلوق قاسي  القلب (كالحجارة أو أشد قسوة كان ذلك القلب) تناص قرآني.

اجتمعت فيه ذئاب العالم وثعالبه وجمالات الصحارى وندى العذارى = البطش والمكر والحقد والفتك والاعتداء، آفات الشر بألوانها

يجيد الرسم على الرمل وتشكيل الألوان وتلوين الأحلام وزركشة الكلام وموسقة  الألغام =  الحمق والغباء والكذب والنفاق والتنميق والمراوغة  و... قيادة أوركسترا الحرب والموت .

يبرع في نسج خيوط العنكبوت ظناً بأنه يبني بيتاً ويوقع فريسة (أوهن البيوت بيت العنكبوت) تناص قرآني .= يبني بيتاً واهياً.

كان يتقن تحويل الصفيح إلى ياقوت =  لا أدري إن كانت الكاتبة تعني ذلك حقاً أم أنها تتهكم،تلميع الرخيص، أو الشطارة في التجارة المادية، ورفعه قاع الرعية ليصبحوا من علية القوم.

انتهت الراوية من ذكر ملامح غريمها لتنقلنا إلى مكنوناتها هي، متألقة هي تألق نجمة، وكانت تلك جريمتها، هو لا يحب الألفا، وكان ذنبها أنها سقطت دون أن يتبعها بشهاب، يريدها شيطاناً يُصعق بشهاب واصب.

لا تحب العبث مع الأخيلة  التي تتساقط على حجارة المقبرة، منبئة إياها بموت آتٍ، فالكل في مملكة الحياة  مشروع ميت، لكن البطلة مصرة على تقصي  ومعرفة ماهية من يرقدون في القبور .

ورقات الروزنامة التي تنزعها بولادة كل يوم جديد و تقرّبها من الأجل.. لم تكن ورقات، وإنما خفقات والتاريخ فيها لا ميلادي ولا هجري بل (نحري) تقويم غريب لكنه عادي في زمن دموي .

ثم تتصاعد المكنونات لتصل إلى قرار (العقدة)..العقيدة السليمة تقول أن الحرب مع الشيطان واجبة، و هوى النفس شيطان كبير وعدو يجب محاربته ..

هنا أقف قليلاً محتارة ! لِمَ اعتبرت الكاتبة أن النفس هي العدو الذي يجب محاربته وفي ساحتها عدو واضح حوى كل الشياطين بظلمه؟

جهاد النفس هو الجهاد الأكبر لكن بعد الانتهاء من الجهاد الأصغر وهو محاربة الظلم  والظلّام .أم أنها بحال من الأحوال تتكلم عما يجب أن يفكر به غريمها؟! أم أنها هي أصلاً مُقرَّة أنها من الخطّائين كونها بالنهاية بشر غير معصوم عن الخطيئة؟!

كلها أسئلة أوجهها إلى الكاتبة وأظنها ستجيب بكل إدراك وثقة .

وبعدها تبدأ العقدة بالانفراج ..

تداعيات إلى الماضي  (خطف خلفاً)، تستعرض تاريخ هذا الظالم الذي كان في البداية حانياً يعبث بخصلات شعرها، يرسل رسائل حبه على جناح عصفور يتحمل عبث يديها بأجنحته، لكنه سرعان ما ينقض على قلبها يرتشف منه قطرة دم !يجرحها بصميم قلبها .

وهل تستذئب العصافير؟ سؤال في عرف الطبيعة الحيوانية  جوابه لا، لكن في عرف البشر  .. نعم

عندما يمتد ظل الرجل  ليتشعّب في كل الأماكن منتشراً بلا انتماء لن يكون شاطئ أمان لمن تهواه، بل غريباً تخشاه ..

وبخطفة أخرى تفاجئنا الكاتبة أن الراوية ماتت في معركة الحياة ، وأن من يروي الأحداث السابقة هي جثتها !

هذه الجثة رأت كل من حضر غسلها ودفنها، كلهم بكوا لموتها إلا هو ! كان يضحك متخفياً لا يراه أحد سواها، يراقب أنفاسها التي غادرتها بشماتة وحقد .

تنقلنا إلى جوّانيه لتؤكد لنا أنه كان سعيداً بجريمته، يبارك لشيطانه وفاءه له بالعهد، ويقهقه كلما سمع أحدهم ينتحب عليها، ويتضاءل في عينها  ويذوي كما تذوب الشمعة .

هل تنقلنا الكاتبة إلى ظالم شخصي؟ أعني شريك غادر؟ ربما فالنص مفتوح على رؤىً عديدة .

وفي بَرْزَخها ملائكة اليمين تحفها، وتكتبها من أهل اليمين ، أما هو فتكتبه ملائكة الشمال من أهل الشمال.

البرزخ حياة يجتمع فيها كل البشر، وهو بشر، لكن هيهات أن يكون برزخهما واحداً !

برزخها كان حياة نعيم، وبرزخه كان موت جحيم، كانت تشهق الحياة، وكان يزفر الموت .

الغبي المغرور الذي ظن أنها تركت السماء لتسكن في قلبه، وهو من كان قاصراً عن النظر إلى السماء حتى.

ولا يقبع في ذاته إلا شياطين غروره وجبروته.

الله ! منولوج داخلي جسّد تعزيزاً نفسياً بمنتهى الروعة !

وبتسليم كامل، وبأتم الرضى تعلنها : لا إله إلا أنت لا شريك لك .

(فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه) تناص قرآني.

طهارة في البرزخ من كل شائبة خالطت الإيمان، محاسبة نفس، وعذاب مطهّر يجلد الشر وشياطين النفس، لينتصب الإيمان نقياً طاهراً .

الخيبات التي ذرفت عليها الدموع مدرارة،  جاءت ياسميناً عطّر النواقيس التي دقت تعلن انتهاء مشهد القتل عن سابق غرام وتيتّم !!

الله ! يا للبلاغة ! مشهد القتل عن سابق غرام وتيّتم !!

قتلها من أحبته !

مغرور غبي ظالم أحمق، وسبقها صبرها ليعطّر مقامها .

الماء الذي ساقته سحابة، هطل فوق تربتها طهراً فغدت ذهباً، إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، أما الظالم، فينتظره عبور آخر، وسقوط عن الصراط المستقيم بما قدّم في الحياة الدنيا، وما الحياة الدنيا ولا حياة البرزخ إلا نقاط عبور .

تعلن البطلة قفلة قصتها ب : وهأنذا ... عبرت.

قفلة واضحة لأنها من المسلّمات (إنما يُوَفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب)

 

السرد:

عن لسان الراوي وهو هنا الكاتبة نفسها، توجه الدفة بما يتفق مع أفكارها ومعتقداتها،

اعتمدت فيه الكاتبة المحاكاة الداخلية مع عودة لوميض الماضي

Stream of consciousness with flash back

 وذلك لمرات عديدة .

يعد سيل الوعي  Stream of consciousness

نوعًا من كتابة الحوار الداخلي للشخص، لذلك غالبًا ما تكون الجمل مفككة والأفكار غير مترابطة يكون من الصعب معها متابعة النص، أو المشاعر التي تكون متداخلة في النص.

هناك العديد من الأعمال الأدبية التي يدخل فيها سيل الوعي منها:

ضمير السيد زينو من أعمال إيتالو سفيفو

الحارس في حقل الشوفان من أعمال جيروم ديفيد سالينجر

بينما أرقد محتضرة من أعمال ويليام فوكنر

الإنسان الصرصار من أعمال فيودور دوستويفسكي

عوليس (رواية) من أعمال جيمس جويس

اللص والكلاب (رواية) من أعمال نجيب محفوظ (1961)

رواية جوع من أعمال كنوت همسون (1980)

أغنية حب جي. ألفرد بروفروك من أعمال ت. س. إليوت (1915)

السيدة دالواي من أعمال فرجينيا وولف (1925)

الغريب من أعمال ألبير كامو.

رامة والتنين رواية إدوار خراط.

في معرض حديثنا عن

الاستحضار أو الاسترجاع بالإنجليزيةflashback

انقطاع التسلسل الزمني أو المكاني للقصة أو المسرحية أو الفيلم لاستحضار مشهد أو مشاهد ماضية, تلقي الضوء على موقف من المواقف أو تعلق عليه. وكانت هذه التقنية في الأصل مقصورة على السينما ومن ثم كانت دلالة التسمية فلاش باك إلا أن الكتاب وظفوها في الأدب المسرحي, و الشعر , و الأعمال الروائية و بخاصة الرواية البوليسية التي كثيرا ما تبدأ بنهاية الأحداث ثم تسترجع وقائع الجريمة شيئاً فشيئاً. وقد وظف هذه التقنية الكاتب الروائي نجيب محفوظ في روايته اللص والكلاب (رواية).

المصدر : ويكيبيديا - الموسوعة الحرة

 

الأسلوب:

رمزي مخبوء بين السطور بتكثيف ممتاز، اعتمد الصور البلاغية .

 

الحوار :

منولوج داخلي، محاكاة داخلية، الرمزية فيه هي الأداة الفاعلة،

الشخصيات :

الأساسية :الكاتبة والظالم

شخصيات ثانوية مخبوءة

الصور البلاغية :

استعارات وتشبيهات وصور بيانية عرّجت عليها في أثناء حديثي عن الحبكة .

لو بدأت بتعدادها سيطول الموضوع كثيراً ..

سأكتفي بذكر بعضها

القمر يشاكس النجمات  -   استعارة مكنية

الظلام يبرع في نسج  ملامحه -  استعارة مكنية

يرسم على وجهي زهر الرمان -  كناية

كان ظله متشعباً كسعفة نخل -  نشبيه

كان يذوي في عيني كشمعة -  تشبيه

كنت أشهر الحياة -  كناية

وكان يزفر الموت-  كناية

وغيرها الكثير

دلالات سيميائية

السيميائية المسيطرة هي التناص

سأحاول تحديد بعضها

-  الحجارة أوإشد قسوة

- بيت العنكبوت

-  الشهب

- الملائكة تكتبني يمنا واليسر تكتبه

-  شياطين الأنس

- فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه

هناك دلالات تعبيرية

عضضت على الشفاه بالنواجذ-  ندم

عقرت بطن الريح -  توبة

كل اللآلئ التي تحدرت من مقلة الخيبات .. -  جزاء الصبر

 كانت الساعة تداهي في عرفه الهنيهة -  الغفلة

سيل الوعي

كل الوصف الخارجي والداخلي لغريمها

وكل ما اعتمل في صدرها وقد أتيت عليه بالسرد

وكذلك الخطف خلفاً

أتيت عليها أيضاً بالسرد.

النهاية :

يأسرني هذا الخط من  القص، الذي يكتبه الوجدان، ويعيشه الإنسان، ويخشع بحضرته كل ذي عقل

يعطيك إشارة حكيمة، شرارة وعي  توقظك من الغفلة، وتشحذك بالعزيمة لتبدأ التغيير، وتحيا حياة  جديدة، حياة مستقيمة تكون لك نقطة عبور من رحم الحياة الضيق إلى فضاء الخلود ..

وكفى بالموت واعظاً ..

نص حقق القصدية بنجاح كبير ..

لعلّي  استطعت الإحاطة به .. ولا أعتقد.. فقد تشعّب كثيراً

لكن أتصوّر أني ألقيت الضوء على أبرز مفاصله ..

تحياتي إلى الكاتبة المبدعة إيمان السيد .. وشكراً

تمت

 

النص الأصلي

- ضوء

زجاج النَّافذة شفيف يكاد يشي بمن بختبئ وراء زهر البنفسج .. ولا صوت سوى لخيالك القابع في أرجاء قريتك العجوز !

وحده القمر يشاكس النَّجمات في العلن أمّا القطبيَّة منها فقد آلى على نحرها ذات مدار.. كان ظلّه حسيراً تحت قباب المآذن ويمتدُّ وريفاً عندما تُقرع أجراس الكنائس ..

وعلى حائط المبكى لم يكن يجيد إلّا النَّحيب والتّشظي !

وحده الظَّلام كان يبرع في نسج ملامحه التي كان يحرص كلّ الحرص على إخفائها ولكن ليس على ذي الفريسة وصاحب اللّب !

كالحجارة أو أشدّ قسوةً كان ذاك القلب الذي اجتمعت فيه ذئاب العالم وثعالبه وجمالات الصحارى وندى العذارى

كان يجيد الرَّسم على الرَّمل وتشكيل الألوان وتلوين الأحلام وزركشة الكلام وموسقة الألغام !

يبرع في نسج خيوط العنكبوت ظنَّاً بأنَّه يبني بيتاً ويوقع فريسةً ...

كان يُتقن تحويل الصفيح إلى ياقوت .

ما ذبني ونجمتي البرّاقة هل أسقطها من السماء وشهبه دوني !

أنا لا أحبُّ العبث مع الأخيلة.وحجارته  المركومة على جانبيّ المقبرة كانت تنذرني بموت وشيك لكن أبيت إلّا أن أُكمل طريقي تقصيّاً عمَّن يرقد في القبور !

كانت أوراق الرُّزنامة خفقي والتقويم لا ميلاديُّ ولا هجري... بل كان نحري ..

ولكن العقيدة ثابتة راسخة لا تتزعزع كتعاقب الأيام والفصول إلا بحربٍ مع الشيطان وهل أكثر من النفس شيطاناً عدوّا ؟

كنت أراه هناك يعبث بخصلات شعري ويرسم على وجنتيّ زهر الرًّمان وكان عصفوره الدُّوريّ يقف على زجاج نافذتي يخدشها بقبلة تنقر أصابعي العابثة بجناحيه الصغيرين ..

يرفرف عالياً مزقزقاً يلوي سواعد النّور ظلالاً  في صومعة فجر ثم يهبط في قلبي يرشف قطرةً من دمي ثمَّ يحلّق .

لم أعرف في حياتي أنّ العصافير لديها القدرة على التثعلب !؟

أعرفها رهيفةً رشيقة سرعان ما تهرع للسماء الزرقاء قبل أن أصل إلى نافذة البحر .كانت الساعة تداني في عرفه الهنيهة،،، ولا بندول يشطر الوقت !

كان ظلّه بلا لون متشعّباً في كلّ الاتجاهات كسعفة نخيل يعبث بها هواء ضفَّة غريبة الملامح عن موانئ السلام ..

جثّتي كانت هامدة لكنّها كانت ترى جميع الذين راحوا ينتحبون إلّاه كان يضحك في الخفاء دون أن يراه إلّاي .. عيناه كانتا ترصد أنفاسي المقطوعة !

كان سعيداً بما أنجزه و صادق عليه بينه وبين الشيطان كنت أسمع ضحكاته تعلو كلما اشتدَّ نحيب أحدهم وكان يذوي في عيني كشمعة !

كانت الملائكة تكتبني يمناً واليُسر من يكتبه !

كنت أشهق الحياة وكان يزفر الموت كان يخيّل إليه أنّي سقطتُ من عين السماء إلى قعر قلبه وكأنّ السماء تطالها عيناه  !   ولا قعر إلا لشياطين الإنس في نجواه

طواعية أشرعتُ النَّوافذ لأسبر الريّح وما تحمله من طيبٍ و أتربة وهمست لربّي أنني لن أشرك بك شيئاً

( فذانّك برهانان من ربّك إلى فرعون وملائه )

عضضتُ على الشِّفاه بالنَّواجذ و عقرتُ بطن الرّيح ثمَّ استويتُ على الإيمان بدون أذرعٍ وذاتي تجلد ما بقي حولي من مردة ونذير الشرّ قاب شرارتين أو سُعرة  !

كلُّ اللألئ التي تحدّرتْ من مقلة الخيبات كانت تنثر الياسمين حولي وتعطر خدود النواقيس التي دقّت تعلن انتهاء مشهد القتل عن سابق غرامٍ وتيّتم .!!

الثَّرى كان قد تبلَّل بماء السَّحاب طُهراً للتراب فتِبْرا وليس الصِّراط المستقيم إلا هذا ما جنته يداك وكل الحيوات ما هي إلا نقطة عبور ....

وهأنذا. عبرت.

إيمان

 

د. عبير خالد يحيي

 

سماح خليفة: فلسفة الوجود واللاوجود في تاريخ الأرض المقدسة في رواية "ماميلا" لميرفت جمعة

samah khalifaميرفت هل أنت روائية أم عرّافة أم حكيمة أم ساحرة تعيش على نصل خيط أوّله في عالم الإنس وآخره في عالم الجن؟! أو ربما تكونين من الأموات العالقة أرواحهم في فوهة المكان والزمان اللذان يشكلان جسد الحياة على هذه الأرض.

تُهت بين حروفك المعمدة بمياه الموت ومعبقة برائحة الحياة النابضة.

ماميلا تُجسّد قصة الفلسطيني العالق في أرضه بهيئة غريبة عن ذاته، فُرضت عليه قسرا. ماميلا ببدايتها إلى نهايتها مسلسل درامي (آكشن) يصلح لأن يحمل عنوان "الذاكرة الفلسطينية التي أبادتها همجية الاستيطان تحت جنح الليل". يلتقي فيه المشهد الذي يُجسد الحبكة، أو العتبة الأولى للعقدة في ماميلا، والذي دارت أحداثه بين عابد حارس الموتى، وبين كنان الفلسطيني الراحل، والذي تتمثل رحلته من ضفة الحياة إلى ضفة الموت، على جسر تعلقت عليه حقب التاريخ المتعاقبة (ص100) "باختصار أنا أعيش في عالم قلق كأنه جسر مخلخل الأساسات مقام بين جبلين وكلما حاولت أن أمشي فوق هذا الجسر المهتز أخيفه ويخيفني"، ليتكرر هذا المشهد مرة أخرى في القسم الرابع نهاية الرواية (ص187) بين كنان وعياش ولكن مع تبادل للأدوار.

تبدأ الكاتبة روايتها بأحداث عقلانية تداعب جسد الأرض بأحاديث واقعية، تتمثل في حديقة ماميلا، حيث الاحتفال بمناسبتي عيد الفصح اليهودي وحفل افتتاح متحف"التسامح والكرامة الإنسانية"، وتجمّع اليهود من مختلف الجنسيات لينفثوا سمومهم في هذه الأرض الطاهرة (ص7،8) وخاصة أن مراسيمهم هذه تقام فوق أرض ماميلا (المقبرة التي أنشئت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب) في محاولة منهم لطمس ملامحها، وبالتالي طمس ما احتضنته في أحشائها من تاريخ يثبت وجود العربي المسلم على مر العصور. ولا تلبث الكاتبة أن تحملنا على جناح الحقيقة الموشحة بالخيال، العالق بين السماء والأرض، وبين الماضي والحاضر والمستقبل، وبين التاريخ الرصين والوقائع المزيفة (ص7-ص37)، نعم مزيفة تلك التي ينسجها ناحوم ثم يسردها تاريخا مزيفا عندما يعتلي المنصة،  فيقفز محاولا السباحة بمهارة وجدانية في محيط مبهّر بحقائق مزيفة؛ ليجد نفسه عالقا على شاطئ حجري، حتى الحجارة تنكره رغم تصفيقها له (ص18-16)

وبشكل متوازن لهذه الأحداث تُقحم الكاتبة أحداثا أخرى، تتمثل في العلاقة المثلية لممارسة الجنس المتمثلة بين رافي وجلعاد اليهوديين، في غرفة  قابعة في حديقة ماميلا ليست بالبعيدة عن المنصة التي يُدوّي من عليها ناحوم (ص29) في رغبة من الكاتبة لعكس صورة الانحلال الأخلاقي الذي يطغى على واقع ماميلا حاليا.

ما لا أفهمه هو إشغال الكاتبة قلمها في وصف العلاقة المثلية وصفا دقيقا محترفا، كما فعل غيرها من الكتّاب أمثال الجبعيتي؛ ربما تُعتبر من قبل البعض جرأة ولكن تكرار مثل هذه الظاهرة لدى الكتاب في سلوك هذا المنحى يجعلني أعتبرها وسيلة للشهرة لا للجرأة لدى جميع السالكين دون استثناء.

فالجزء الأول من الرواية كان عبارة عن مشاهد متوازية لكل من جلعاد ورافيل يمارسان الجنس المثلي في أماكن مختلفة؛ الحديقة، الغرفة، البركة، وعلى خط متوازٍ مشهد لناحوم الذي يعتلي المنصة ويسرد تاريخا مزيفا، يُحاول إقناع الحضور الذي يصفق ويشجع كما يتوجّب عليه لا عن قناعة وإنما عن واجب وطني. ينتهي مشهد ناحوم عندما يدسّ موشيه -ذلك الظل البشري لناحوم- ورقة في جيبه تأمره بالتوقف لخطورة الوضع، دون توضيح من قبل الكاتبة للسبب ربما لزرع عنصر التشويق في نفس القارئ. وأما جلعاد ورافيل فينتهي المشهد الذي يحتضنهما عندما يسمعا وقع أقدام تكاد تكون مقبلة على الغرفة، ومن قلب تلك اللحظة يقرر جلعاد أن يخبر رافي الحقيقة؟؟ دون أن يفعل، وذلك أيضا كما أظن لرغبة الكاتبة في زرع عنصر التشويق في نفس القارئ لاستكمال قراءة الرواية. فلا تفصح عن تلك الحقيقة إلا في الجزء الأخير من الرواية عندما يعترف أنه قتل العرفيم "العربي" العتال الذي كان ينقل تلك الأكياس من ماميلا (ص171) "لقد قتلت شخصا"  "لا تقلق إنه من العرفيم".

الحدث الغامض والمهم كان في الجزء الأول، وهو ذلك العتال الذي كان ينقل أكياسا لا يعرف محتواها من مقبرة ماميلا ويأخذ أجره مقابل ذلك، وظل هذا الغموض يخيم على الحدث إلى أن فكت الكاتبة شيفرته في الجزء الرابع؛ بأنّ هذا الكيس يحتوي على عظام وجماجم الموتى المسلمين التي قد كانت تُهرّب بسرية (ص172)، في محاولة من اليهود والمستوطنين إخفاء كل أثر يوثق وجود العربي المسلم، وكذلك فهي توضح الحقد والكره الذي يملأ قلب اليهودي تجاه العربي (ص173) "لقد شعرت برغبة نهمة لقتله" " كما وتوضح عقلية اليهودي تجاه العربي، وشهوته المتأججة دائما لقتل الفلسطيني (ص173) "بيديّ هاتين رافي بيديّ ضربته بحجر على رأسه"  "لكنني طوقت عنقه بهذه الأصابع، كانت أظافري تخترق جلده..."، وأما ردة فعل الصهاينة مع أبنائهم الذين يقومون بهكذا أعمال إجرامية؛ يشجعونهم ويعتبرونهم أبطال ويكافئونهم (ص173) "لقد قمت بعمل بطولي، عليك أن تفخر بنفسك...تلتهمنا"

وبالعودة إلى الكيس الذي كان يحمله العتال، والذي كان يحتوي عظام الأجداد الموتى؛ فقد كانت تصطك وهي تحتك بظهره وكأنها تصرخ معترضة (ص178)، وأما هذا العتال الذي كان يقوم بخطئه الفادح فقد كان عليه أن يتوب لأنه ضيّع تاريخ أجداده العظام وضيع فلسطين، وما كانت محاولته النظر لاستكشاف ما بداخل الكيس إلا طمعا في مال آخر وليس اعتراضا على عمله المحرم الخائن؛ فكان مصيره الموت على أيدي الصهاينة الذين يعمل لحسابهم. فلا خلاص لمن يغرق في قذارة الخيانة إلا الموت.

وأما قدرة اليهودي في تشويه الحقائق وقلب رواية حدث الجريمة فهي رهيبة؛ حيث يُظهر الظالم(اليهودي القاتل) بهيئة المظلوم (الفلسطيني المقتول) فيصبح القاتل هو صاحب الحق والمقتول هو المذنب. وتستمر الحكاية المؤلمة التي تبني نسيج المجتمع الفلسطيني مع هؤلاء الدخلاء الصهاينة إلى أن يشاء الله (ص186) "كان ناحوم في تلك الأثناء يفكر بطريقة يلصق فيها تهمة تخريب وسرقة وتعدي على ممتلكات الغير لصاحب الجثة، وقد يرفعون قضية على العتال حتى بعد موته...والعبد الفقير سيحاسبهم إلى يوم البعث!"

الجزء الثاني من الرواية (ص39-43)، عابد وكنان في ماميلا، يدور بينهما حوار حول فلسفة الزمان والإنسان والموت والحياة في هذا الكون؛ مَن مِن هؤلاء سيلتهم الآخر وكيف؟

بعد لقاء كثيف بالنقاش بين عابد وكنان ينتهي بكنان في بيت العمة بهية الذي أصابه حالة من الضياع والحيرة لحال تلك العجوز والأجواء التي تعيشها والتي كان سببها كما ظهر (ص68) دخول الأغراب إلى البيت الفلسطيني، يلوثونه كالفئران وهم اليهود الذين عاثوا في بيوت القدس خاصة وفلسطين عامة فسادا "لم تكن تتخيل يا فرج، ولا بذهن شخص معتوه، أنها ستجد في لحظة أغرابا بصدر البيت، يدخلون كالفئران، ويلوثون المكان بأنفاسهم، أصابها الأمر بالجنون التام".

إلا أن بهية رغم معاناتها من هؤلاء الدخلاء المخربين لازالت صامدة تُحب مكانها ويحبها وتقتات من هذا الحب، ربما هي بركة ماميلا... بركة فلسطين (ص69)

كما أن كنان الذي كان يُحاول الخروج من ماميلا لأنه متعب ومستنزف، لن يخرج كما قال قنديل، فالفلسطيني مربوط بأرضه برباط إلهي مقدس (ص72)، فَكِنان التائه الذي بدأ يفقد ذاته على أرض ماميلا هو الفلسطيني الذي بدأت تتلاشى هويته وتاريخه شيئا فشيئا (ص73) "أية حياة بربك، أكاد أجن هنا، هل أنا حي حقا، أجبني أو اتركني ألقي بنفسي في هذه المياه الآن وإلى الأبد!"، "ساعدني لأخرج بدأت أفقد ذاتي". الفلسطيني بدأ يفقد ذاته وهويته، بدأ يفضل الموت الانتحار بسبب حالة عدم الاستقرار التي يعيشها (ص73) "وُجدْت في أطهر بقعة في الدنيا لتعتذر عن خطئك! اعتبرها رحلة روحية يا أخي تماهى مع الأشياء" والسؤال المهم هنا يطرح نفسه: بماذا أخطأ الفلسطينيون؟! خانوا الأمانة وسلموها لعدوهم الغاصب... لليهود.

يتساءل كنان الفلسطيني (ص74)عن أجداده وتاريخه الذي دُنّس بفعل فاعل "لا أذكر أحدا سوى جدي، ولكن من يكون أبي؟ أين أمي؟ ....ولكن ما الخطأ الذي ارتكبته، اخترعت قنبلة كيماوية، لن أعرف، وكأنني بحاجة لمن يقطع حبل التذكر الهش". سيتبين فيما بعد أن بهية هي والدته الميتة التي سيلحق بها بعد أن يتحقق موته.

توضح الكاتبة كيف أن الفلسطيني يواجه مشكلة في الاعتراف بماضيه وحضارته وتاريخه، عندما تقول أن المسافر للغد يمنع عليه أن يحمل حمولة من الماضي فهي تثقله ولا يستطيع أن يتعايش مع المستقبل حتى يترك الماضي بل يترك التاريخ خلفه، فهو غير مرحب به في الحاضر الذي سيسافر به إلى مستقبل جديد مجهول الملامح (ص84). تتوغل الكاتبة (ص90) في فلسفة الموت وأشكاله. وأما كنان فهو الشعب الفلسطيني الحي الميت لأنه فقد كرامته بسبب عمله لصالح العدو بصوره المتعددة بين الفرنجة (ص9) وبين اليهود الذين هم امتداد لهم عبر التاريخ. فهو لم ينعم بالسكينة والطمأنينة والحياة الكريمة؛ لأنه لا يمتلك حياته ووجوده ولا مصيره، فهو وغيره أصبحوا عبارة عن دمى متحركة لأصابع غريبة تتسلى بموتهم وهم مراقبون من قبل الاحتلال الذي لديه تقنيات تمكنهم من تحديد موقع كل فلسطيني أينما وجد (ص100)

وفي ذات الوقت الذي يمثل فيه كنان صورة الفلسطيني الذي أخطأ في حق وطنه وأجداده، فإن شهاب يمثل صورة الفلسطيني المقاوم الصامد (ص102) "فلسطيني ما دمت ترى في وجهي ندوب كل هؤلاء"، وهذا الجيل المقاوم المخلص يدعو للتفاؤل بأن القدس وبالتالي فلسطين ستتحرر (ص104) "التمني وحده لا يكفي يا كنان"

وتعود الكاتبة وضمن فلسفتها الوجودية واللاوجودية للإشارة إلى انفصال الزمان والمكان عن بعضهما؛ فالمكان فقد الزمان، القدس فقدت الزمن الجميل الذي كانت فيه عزيزة قوية. وكذلك الزمان فقد المكان؛ فأيام الزمن الجميل وأيام الفتوحات الذي ركزت عليه الكاتبة زمن صلاح الدين وعمر الفاروق (ص183)لم تعد موجودة على أرض القدس أو فلسطين بل دُفن بفعل فاعل، والمكان(القدس بأصحابه) بدّل ملامحه مضطرا وتوارى خوفا من همجية اللص المحتل الذي لا يرحم، ولكنه بذلك يكون سمح له ضمنيا أن يعبث بملامح المكان ليخلق بينهما قرابة (ص105)

تتطرق الكاتبة في القسم الثالث إلى الأقوام الذين كان لوجودهم نصيب على أرض القدس، وأكثرهم فسادا؛ من الفرنجة الذين ساقوا لنا الخراب والسريان والأرمن واليىونانيين واليعاقبة وانتهاءً بالأكراد واليهود الأعداء، فهم متشابهون في طريقة البطش وكمية القهر التي يبثونها، وكذلك فقد مرّت الكاتبة على رسم ملامح القدس وشوارعها وأسواقها وتراثها (ص117-118)  عبر هذه الأقوام للوصول إلى المسجد الأقصى (ص119)

تشير الكاتبة (ص131)إلى من قبلوا لأنفسهم بيع تاريخ بلدهم فلسطين للأعداء، حتى يغلفوا هذا التاريخ بغلاف كاذب، وكأنهم وهم يفعلون ذلك كانوا في حالة إغماء فاقدي الوعي، حتى استيقظوا فجأة ليتنبهوا إلى خيباتهم التي مكنتهم من فقد إحساسهم وبيع وطنهم (ص132)

الحرب التي دارت بين كنان (الحاضر الفلسطيني المشرذم) (ص142) والفارس الإفرنجي المقنع(يرمز أيضا إلى اليهودي) أفضت إلى موت شهاب (الماضي الذي يجسد انتصاراتنا وعزتنا وكرامتنا بما في ذلك نقطة التحول التي صنعها صلاح الدين)الذي حاول أن يجعل الحرب نزيهة فبموت شهاب مات التاريخ والعزة والكرامة، ودخلنا في حاضر كنان الذي أرغمه الصهيوني على دخول بوتقة الخيانة، تنتهي الحرب بانتصار كنان وانتصار كنان الفعلي يكون عند الصحوة والرجوع عن خيانة الوطن ببيع الشواهد التي تدل على تاريخه، ولكن كنان في نهاية الرواية مات أو استشهد وهذا هو المصير المحتوم لكل فلسطيني مقاوم.

وفيما بعد (ص146) توضح الكاتبة صورة المرأة الفلسطينية التي لا يمكن أن تنكسر وصمودها، وكيف تستقبل ابنها الشهيد بالزغاريد والحلوى فهو يُزف إلى الجنة. "أخبرت أمه بنبأ استشهاده فردت بالزغاريد"

وعدم اختيار جزء من الفلسطينيين لخيار المقاومة كان سبب تلك الخيبات التي عاشوها وأصبحت تلاحقهم كوصمة عار حاضرا ومستقبلا، وما سبب ذلك إلا تقصير الفلسطيني في واجبه تجاه وطنه؛ فأصبح ضائع تائه مشرّد في وطنه يعيش في معمعة بين الحياة والموت وكل ذلك بسبب ما اقترفته يداه (ص166) "لكنني الآن أعرف خطئي يا عابد، لأول مرة أعرف أن هناك فرقا شاسعا بين فرح الفارس وفرح اللاهي، عرفت للتو الفرق المهم بين حياة الإنسان وحياة الخنزير..."

رحلة كنان (الشعب الفلسطيني سلبا أو إيجابا) في الولوج من عالم الأحياء إلى عالم الأموات وسط  شخوص القصة الأموات الأشباح في قلب ماميلا (فلسطين) ما هو إلا رسم صورة حقيقية لواقع ماميلا حاليا من تعصب ديني وعرقي وانحلال أخلاقي، ورصد للماضي البعيد الذي تعرضت له بلادنا من تعصب وبطش أوروبي ومازال أمامنا اليوم.

 

الرواية في 191 صفحة صادرة عن دار الرعاة للدراسات والنشر.

 

بقلم: سماح خليفة/ فلسطين

 

طارق الكناني: قراءة في شاعرية (مكي الربيعي)

tariq alkinaniلستُ ناقداً أدبياً ولكني متذوقاً للشعر أرحل مع الكلمة حيث تريدني أن أصل وأعيش داخل الصورة البلاغية للنص الشعري بكل تفاصيلها وأحدد مكاني داخل هذا النص لأرى فحوى وتداعيات الحدث الذي يرسمه الشاعر وأخلص للغاية التي كان الشاعر يريد أن يصل إليها أو كما أتخيلها أنا من منظوري الخاص وأرسم توقعاتي الخاصة بهذا النص .

ولطالما قرأت للكثير من شعرائنا في المهجر ولا أريد أن أحدد أسماءاً معينةً ولكنني حين قرأت للشاعر الربيعي تملكني شعور مختلف تماماً وقد كان أسلوب الربيعي من السهل الممتنع ، والحق أقول كلما قرأت نصاً نثرياً للشاعر (مكي الربيعي) تصيبني حالة من الذهول ، فمن المعروف عن القصيدة بصورة عامة هناك بيتاً شعرياً يمثل (بيت القصيد) يحاول أن يصل الشاعر من خلاله إلى غرض القصيدة أو المعلومة المهمة التي كتب القصيدة من أجلها فهو يتصاعد بالبناء الدرامي للحدث حتى يصل الذروة في نصه ومن ثم يضعنا بصورة مباشرة أو غير مباشرة أمام الحدث الرئيسي في النص بحيث يفرض علينا توقفاً لنتأمل ماذا أراد الشاعر بهذا، لكننا حين نقرأ في شاعرية الربيعي لا نتمكن من إحتواء القصيدة بل هي التي تحتوينا بغزارة الحدث وصورها البلاغية التي تبدأ من الشطر الأول بالقصيدة حتى نهايتها، فالربيعي شأنه شأن كل الشعراء حين يعتصره الألم وحين يداهمه الخطر وهنا لا أقصد الخطر الشخصي فقط فالخطر الذي يتعرض له الوطن جعل الربيعي يعتصر ألماً ففي كتاباته بعد أحداث 10-6-2014 قفزت إلى ذهن الربيعي صورة إختزنها في ذاكرته وهي أحداث العام 1991 وما آلت إليه الأمور في تلك الحقبة ،نراه قد نشطت عنده الذاكرة وراح يسطر خوفه وألمه صوراً قل نظيرها.. .

 ففي هذا النص:

شاحبٌ وجه الهواء .. وكأنهُ لم يأخذ البارحة كفايته من النوم...!

هذا الإستهلال للنص يمثل بحد ذاته صورة شعرية كاملة تفهم من خلالها حالة الخوف بل حالة الموت المسيطرة على الجو العام للبناء الدرامي للقصيدة فحالة الهلع والخوف تفوح من النص ويمكن للمتلقي أن يستنتج ماهية الحالة العامة وتصورات الشاعر عن الأجواء المحيطة به أو التي إستشعرها أو الظرف الذي أدى به إلى أن يستعيد المخزون في ذاكرته حول ما يحدث في تلك الظروف.  فنحن هنا لا نريد أن نحمّل النص أكثر مما يحتمل ولكن الصورة كانت متكاملة لوصف الجو العام .

ويستطرد الربيعي في إستكمال  رسم صورته الشعرية المذهلة  تلك ويضعك في قلب الحدث بأنسيابية تكاد تنطق من الوجع والألم دون فتور في مشاعر المتلقي مما يجعلنا ضمن إطار الصورة الشعرية وكجزء لا يتجزأ منه:

 يدٌ باردةٌ ، غرفةٌ باردةٌ ، فراشٌ باردٌ ، ثوبٌ باردٌ ، وحمام

ميت ينضجُ الرفيفَ بأجنحته...ثمة أشجارٌ مبعثرةٌ وعليها آثار فؤوسٍ شرسة، وعلى الرف بلبلٌ يستعيد موتهُ من فم الحديقة .

يستنهض الربيعي تلك النغمة الإلهية ومن خلال اللون البهيج للحياة فيرسم صورة تستوقفنا كثيراً ومن خلال البلبل والحديقة التي تنبعث منها حياة جديدة فبعد أن وثّق الحدث من خلال الشطر الأول  يدٌ باردةٌ ....... أشجار مبعثرة وعليها آثار فؤوس هذه الصورة هو ما عليه الوضع العام ولكن هذا الوضع المزري إنكشف عن ثمة أمل في أن نستعيد الحياة ، ففي هذا النص ثمة أشياء عميقة المعنى سطرها الربيعي ضمن سلسلة متلاصقة من الأحداث فهو يتابع حالة ولادة الحياة ويعطي أملاً أخضر في إنبعاثها من جديد فصباح جديد يشرق في تغريد ذلك البلبل.

من شجرة الشك وحدها ...يمكنُ أن نقطف ثمار الحقيقة...

هذه المحاكاة التي بدأها الشاعر في مناقشة الوضع العام أراد أن يرسل رسالة للمتلقي بأن ليس كل ما يرى ويُسمَع هو يمثل الحقيقة فالحقيقة قد تكمن في الصمت أو في أروقة الخوف والشك وحده هو الذي يجعلنا نستخلص الحقيقة من كثرة التفاصيل المحيطة بالحدث وهو مبدأ يتفق عليه كل العقلاء وأراد الشاعر في هذا المقطع من النص أن يقدّم لصورة أخرى فالنص مازال ينبض بالحياة ويحمل من الصور الشعرية التي تفاجئ المتلقي بتنوعها ومعانيها.

 الأبجدية أول إنعكاس الضوء على جسد الطبيعة. لنكسر القفص، أسألهُ :

على أي شيءٍ تربت يدكَ يا أبتِ ؟الوهم لا ظهر له .أخاف أن تستدرجك العصا ،

أخاف أن تستأنسَ برأيها ولا نصل البيت .

وهكذا يمضي شاعرنا الربيعي في استخدام ريشته الشعرية لرسم صورة لا تقل روعة وجمالاً عن ريشة أي فنان ففي مقطع (الوهم لا ظهر له) صورة شعرية جديدة ترقى إلى مستوى الحكمة  وهي صورة قل نظيرها في الشعر الحديث ، ويستكمل الربيعي نصه الشعري بتساؤلات هي الأخرى تفاجئنا (أخاف أن تستدرجك العصا ) فهذا المقطع يحمل كماً هائلاً من المعاني والصور الشعرية فاللغة التكثيفية كانت حاضرة وترك للمتلقي حرية إلتماس الحقيقة المتوارية بين كلمات النص وماهية العصا التي أراد الشاعر أن يعبّر عن خوفه منها فالعصا عندما تكون بيد الحاكم تعني شيء آخر غير العصا التي تكون بيد الشيخ وكذلك ترك معنى الأبوة مفتوحاً للمتلقي ويستمر بنصه : (أخاف أن تستأنس برأيها ولا نصل إلى البيت) فهذه تساؤلاتٌ خائفة من مصير مجهول يكتنف البلد طرحها شاعرنا الربيعي وهو في حالة إنصهار تام مع ما يحدث في الوطن الأم وكأنه قد عاش الحدث آلاف المرات.

 هذه هي السمة الغالبة على نصوص الربيعي فشاعريته قل نظيرها ونصوصه ترسم لنا صوراً متعددة في نفس الوقت وسأكتفي بذكر هذا النص أيضا لأترك الحكم للقارئ:

  ثمة عويلٌ ،ثمة حصانٌ سرجهُ مخلوع ،ثمة قميصُ قتيلٍ تتقاذفهُ الريح ، تشيلهُ وتحطهُ ، ولا أحدَ..ينتبهُ إليه يركضُ خلفهُ الأطفال ، يقذفونهُ بالحجارةِ ويضحكون.

في الظلام يلمعُ دمهُ ، ساعتهُ ، أسنانهُ ، ثقب الطلقة في جبينهِ ، وبيضة الطائر الذي بنى عشهُ هناك..!

 

رحمن خضير عباس: سطوة الجدار في رواية الذلول

rahman khodairabasرواية الذلول هي الرواية الوحيدة للأديب العراقي عبد الحليم مهودر، ضمن لائحة مؤلفاته وأعماله غير القليلة، ومنها مجموعة مسرحيات، ومجموعة قصصية، وحكايات ساخرة. إضافة الى إشتغاله على أفلام وثائقية وتسجيلية منها مجزرة النخيل وشط العرب وجمانة البحر. وكلها أعمال سينمائية، وهذا مايفسر أن روايته هذه - أعني الذلول - قد إتخذت منحى سينمائياً من حيث التقنية، وكأن فصولها التي تربو على الأربعين، ما هي إلا سيناريوهات ومشاهد ولقطات سينمائية، من حيث دقة التصوير وإختيار الزوايا والأبعاد والفضاءات. ولذا فان الرواية كانت نسيجا معقدا من المشاهد الجزئية والكلية، المضيئة منها والمعتمة، لاتعتمد على المألوف من الفن الروائي الذي يتعامل مع نمو الأحداث وتصاعد وتيرتها حتى الولوج الى العقدة، ومن ثمَ تأتي النهايات التي تحاول فك العقد وتقديم الحلول والتفسيرات. لكن هذه الرواية أصرّتْ أنْ تنأى بنفسها عن السياقات التقليدية للسرد، مستفيدة من جمالية التكنيك الروائي لرواد التيارات الروائية الحديثة التي إعتمدت على تيار الوعي، الذي يعني :

الإنسياب المتواصل للأفكار داخل الذهن، أوكما يقول برامز "الجريان المتواصل للمدركات أو الأفكار والمشاعر في الذاكرة المتيقظة "

يتأسس السرد على لسان ذات أرهقتها الجدران. تلك الجدران التي تنمو كأسوار فولاذية تسحق القدرة على التحرك. السجن بحد ذاته جدار هائل سحق تلك الذات وطوّعها، وكسر فيها قابليتها على التحرك، كان يكتب على جدران السجن قصة عذاباته وكأنّ تلك الجدران قد تحولت الى كتاب العمر.وحالما يتوهم البطل أنه تحرر من هذا الجدار حتى يجد أن ثمة جدرانا اخرى ترتفع بوجهه وتحيطه بمذلة اللجوء الى مدينته الكبيرة التي لم تكن معنية بإستقباله،مما جعله يلجأ الى بقايا سفينة حديدية متأرجحة مابين اليابسة والماء، لكي يقضي أيامه فيها، ولكن جدران (الدوبة) الحديدية التي جعلها ملاذا لم تقيه من أصوات المطارق التي تنثال على جدرانها الحديدية، ولا السحالى ولا الأفكار العاصفة التي تنبعث من الماضي.

حتى زوجته أماني التي عاشت جحيم الثكل،حاولت أن تغرز أظافرها في الجدران. حينما استفسر عن نهاية زوجته، قالوا له

"إشتكت الى الجدران، لطمت بشكل محزن حتى ملّ اللطم منها، لقد جُنتْ وأصبحت تجوب الشوارع، وتتحسس الجدران " لكنها لم تستطع أنْ تخترقها لتصل الى سكون النسيان "

يبدو الجدار عاليا أمامه من خلال سلطة الجد. تلك السلطة العاتية التي غيرت مسار ومصير العائلة، وذلك من خلال قرار لم يستشر فيه أحدا من العائلة، وذلك إنطلاقا من فهمه للمعجزة التي أدت الى حرق الطفلة (عمة البطل) دون ان يتعرض جزء من صدرها الى الحرق لأنها كانت تمارس طقوس عاشوراء. انه الجدار الذي وضعه جده بشكل إستباح إراداتهم، إنه موروث ثقيل وحاد

"تغتسل روحي بمياه نهر الكواز..تعلم أنه كان ديرا ولكنه بعد حادثة الحريق،تحولت أنت الى الإسلام، وجعلته جامعا. لم أستطع مسامحتك على تغيير دينك"

تتمحور الرواية حول ارتكاب جريمة من نوع خاص. أب يقتل إبنه، فيحكم على الأب القاتل بربع قرن من السجن. يقضي محكوميته بين عذاب السجن والعزلة من ناحية،وبين عذاب الضمير من ناحية أخرى. وحينما يطلق سراحه. لم يجد من يأويه من الأهل والأقارب والمعارف. فلجأ إلى حطام سفينة ملقاة على الشواطيء. هذه الدوبة الحديدة هي سكنه الوحيد. ومن خلال الرواية نكتشف أن القاتل الذي يقوم بعملية السرد للأحداث من عائلة مسيحية. كان جده قد حصل على قطعة أرض من الوالي، فبنى كنيسة على نهر الكواز. وحينما إحترقت الأرض والكنيسة والدار الملحقة بها والتي يسكنها الجد وإبنته الصغيرة. والتي ماتت حرقا وحينما علم ابوها (الجد) بان قطعة من صدرها لم تحترق وهي التي كانت الطفلة تلطم صدرها في أيام طقوس عاشوراء. حوّل الجد دينه الى الإسلام واتخذ من المذهب الجعفري طريقا له. ولم يكتف بذلك بل حوّل الكنيسة الى حسينية. أما حفيده بطل القصة فتبدأ رحلة عذابه مابعد إكمال محكومية السجن للبحث عن زوجته التي جُنت حزناً على إبنها القتيل.

ولكن هذه الخلاصة التي قدمتها لكم بيسر وسهولة، وقد أكون مجحفا في تفسيري لأحداثها. لم يقدمها الكاتب بهذه الكيفية. بل كان حريصا على تقديمها بشكل فني لايخلو من تعقيد، بحيث أنه جعل القاريء يلهث وراء تشابك الأزمنة والأحداث والمشاعر والأمكنة. وعليك كقاريء أنْ تستنبط بعضا من معانيها ومؤثراتها من خلال هذا الفيض الهائل من اللقطات التصويرية والتي تتقاطع مع فيض من الرؤى والمشاعر والأوهام وغيبوبة الوعي التي تحاول أن تعشعش في الذاكرة.

إنه التأرجح بين ماض غامض وحاضر أكثر غموضا. هذا الرجل الذي نستمع الى فحيح صوته وهو يتعذب ويعضّ أصابع الندم، لا نعرف عن ماضيه شيئا، سوى هذا النتف التي تظهر أمامنا فجأة وتختفي. انه ليس بمجرم عاد، وإنما رجل يدرك فداحة اللحظة، كما يدرك أنه إرتكب جريمة تستحق هذا العقاب. كما أن الخروج من السجن بسنواته الطوال لم تغسل الخطيئة التي إرتكبها، وإنما كثفت من حجم آلامه فقد أدرك بأنه من جيل ينقرض. أدرك ذلك حينما كان يبحث عن أصدقاء الأمس، ولم يجد أحدا منهم.نكتشف إنهم مجموعة من المثقفين والفنانين. ومن خلال هذا الوسط نستطيع أنْ نتفهم ماهيته وشخصيته قبل الحادثة. هذا المثقف الذي يعيش الواقع بكل تفاصيله، يقع في هذا الخطأ القاتل بإرتكابه هذه الجريمة التي تمت بشكل غامض وغير مفهوم، وفي لحظة غامضة ضغط على الزناد، دون بواعث أو أسباب، ودون شرح لتلك اللحظة التي تأتي بين الفينة والأخرى وكأنها تعيد نفسها، ولتبقيه في عقاب دائم، ومحاولة لتدمير الذات وتجرع سم الفجيعة قطرة قطرة على الطريقة (الديستوفسكية). ومع أن القتل الخطأ أو العمد هو الذي بدأت به الرواية وإنتهت. ولكن الراوي جعل من بطله على حافة الأحداث وحافة إلأزمنة. يعيش مرارة الإنفصال عن المدينة والأهل والناس، مرارة الضياع أو التأرجح بين الإنتماء الى مدينة لفظته، وبين الإرتماء بين أقدامها، عله يعيد جسور الثقة التي انفصمت عراها ذات لحظة مشحونة بالخطأ والحزن والتمزق. المدينة التي يعبر عنها بالسحلية. مالذي جعله يؤكد على التمسك بهذه التسمية؟

يعتقد روهيم " أنّ إستخدام السحلية كرمز في الأساطير كدلالة على تجديد السحلية لإعضائها التالفة والمفقودة "

لكن السحلية في الذلول تعني العدم، الغيبوبة في زمن يتفجر بالبؤس واللوعة، وهذا يأتي على نسق الرومان الذين يجعلون من سباتها إعلانا عن العدم.

السحالي تحيط بالمدينة، تتسلق حيطانها حتى تتحول المدينة الى سحلية كبيرة. وحينما حاول أنْ يتحرى أسماء المدينة التي لفظته ذات نهار مضرج بالإثم، قبل ربع قرن، كسحلية تتخلص من قشرتها، أوكحرباء تتموه لإصطياد طريدتها.

أحصى اكثر من تسعين أسما لهذه السحلية/ المدينة،

من (الشط وعروس المملكة، الىسنام الجمل والفنار، مرورا ببصرياثا الموفقية الأبلة...)

وكأنه من خلال هذا الفيض الهائل من الأسماء يتلمس قسماتها وتأريخها. ولايكتفي بذلك بل أنه في سعيه المحموم لتقصي الرموز، أحصى كل (اللوغو) الذي يزين عربات المدينة ومركباتها، وهذا الفيض الهائل من عبارات طائشة واخرى تعبر عن اليأس أو الحب أو الحكمة. ثم ينتقل الى أسماء السيارات التي إبتكرها الناس وكأنهم يسخرون من أنفسهم من خلال غرائبيتها، والتي تدخل في لعبة الوهم من خلال تغليف الأشياء بغلالة من الرمز. حتى الجسر فقد نصفه الآخر واصبح مكانا بائسا للتغوط !

لماذا تتحول الأشياء الى مكبات بشرية وتفقد حياتها وحيويتها لتتحول الى أنقاض؟ هل هي الهاوية التي يحاول البطل ولوجها من أجل البحث عن زمن ذاب الى الأبد ولن يتكرر؟

ثمة إغتراب عنيف يعيشه بطل الرواية، فهو غريب عن مدينة تحولت الى سحلية بشعة. مدينة غامضة تتشح بالخوف والرهبة :

" الشوارع عند حلول الليل متشابهة، كل شارع يلتف خائفا حول نفسه ".

نهر الكوّاز الذي غير مجراه، الكتاب المقطوع النهايات، والمكتبة التي تتحول الى محل لبيع الأحذية.الجسر الذي انشطر على نفسه، والدوبة التي تحولت الى سكنه القلق المتأرجح بين السكون والإرتجاج. " أعيش في دوبة فرشتها بالجنفاص ترقد نصف عائمة، تركها ملاحوها وأكل جوانبها الصدأ، تستقر مقدمتها على الطين وجزؤها الخلفي في الماء "

الماضي الموغل بالقلق والتبعية والخوف. إضافة الى ماضيه الغارق في الدم والندم.

لقد كانت أوجاع البطل وسيلة لغسل خطاياه،أو للتخلص من وزر الماضي في محاولة للبحث المجنون عن سر الأشياء. لقد حاول أن يستنطق مايحيط به من فضاءات، ويبث فيها الروح. الكاتب نجح في أنسنة الجدران والسحالى والنوارس والدوبة والمياه والكتب والأمراض والتواريخ المسجلة والجدران والحرائق. جعل كل ذلك يتحرك بوتيرة تلامس الوعي.

إنه حالة الضياع التي عبر عنها

" لقد ضاع عمري ما بين رسائل لم يوصلها ساعي البريد إلى أهلي وأماكن وأسماء تاهت في زحمة الخراب، أنبش في الحطام وأحفر في الكلمات "

لقد استحضر كل أصدقائه وكأنه يريد بهذا التذكر، أنْ يعلن عن قدرته على الوقوف مرة أخرى، لعله يعود الى حياة فرتْ منه الى الأبد، لذا فهو يضيع في وعي الفجيعة ويبحث عن شذرات من الماضي، قد تعينه على تحمل بعض أوجاعه. إنه الفرد الذي فقد حاضره وماضيه، وليس لديه سوى الذاكرة التي يحاول ان يبحث عن ذاته من خلالها.

الزمن الروائي كان هلاميا، لم تحدده سوى تهويمات سردية متناثرة على متن النص، حيث تنهمر الأحداث مغلّفة بمشاعر وإفتراضات البطل الذي جعلنا نلهث في محاولة للوقوف على زمن النص الذي يتأرجح بين أوقات قريبة وأخرى نائية، من خلال خيبة رجل يصطدم بكل شيء. رجل خرج أعزلا من السجن لايمتلك الا الرفض. هو رافض لتبديل دينه الذي تم من قبل جده، رافض لميراث التعب الذي أرهقه،رافض للدماء التي سفكها ذات يوم. لقد توزع رفضه لكل ما يحيط به في المدينة ولكل الأشباح الآدمية التي تتقافز عبر ذاكرته الملوثة بالخطيئة. ومع رفضه فكان في عملية بحث منهكة. بحث عن أخوته، عن الكنيسة، عن جدران بيته،عن الكتب التي ضاعت والمكتبات التي تآكلت، عن الناس الذين إنكمشوا على ذواتهم. كان يبحث عن الأسماء التي كانت تشاركه شبابه من أصدقاء الأمس الذين إنطفئوا جميعا، وعن الأمكنة والأزمنة في نفس الوقت، لذلك فقد كان الكاتب عبد الحليم مهودر قد رسم شخصية روائية ذات ملامح خاصة، وشحنها بفيض من الرموز والإيحاءات، حتى أصبحت قادرة (أعني شخصية البطل) على تجسيد الخراب الذي تسلل من بنية المدينة الى الروح الإنسانية، تلك الروح التي وجدت نفسها متأرجحة بين قسوة الخيال وغربة الواقع.

لقد أفاض في استخدام الرموز، حتى أصبحت الرواية وكأنها نسيج متخم بالدلالات، دون أنْ يحاول فك الألغاز، بل تركها لمصيرها، ومنها رمز التحول من المسيحية الى الأسلام من قبل الجد وتحويل الكنيسة الى حسينية، وإستخدام الطقوس المذهبية لحادثة الطف. كما تناول موضع الكتاب الذي كتب ولكنه تعرض للتلف والنسيان، وتبعته المكتبة العامرة التي فقدت روادها وعبثت بها يد الزمن لتتحول الى محل لبيع الأحذية. وهناك النهر التي غيرت ملامحها والجسور التي انشطرت، والأسماء التي تفشت في جسد المدينة، والنار التي أتت على الطفلة دون ان تحرق موضع اللطم. والمدينة الكبيرة بحد ذاتها وأسد بابل والحوار مع الأطباء وغموض القتل ودوافعه، وغيرها من الرموز الذي أغرقت النص، دون أنْ يتدخل الكاتب لفك مفاتيحها،وكأنه يريد استفزاز المتلقي للبحث عن السر في الحياة التي نعيشها بشكل يومي دون أن نساهم في إنتاج حركتها. أونساهم في تفسير عتمتها.

لقد كانت اللغة في الرواية تعتمد على السرد الذي يسود فصول النص،معتمدا على صوت السارد الذي يصف ويتكلم ويحاور ويصمت أو يكتب، مستخدما ضمير الأنا أو المخاطب، وقد ساد هذا الصوت بإستثناء بعض الإستراحات القصيرة والتي شاركته بعض الأصوات الأخرى.

وقد إستخدم الروائي الكثير من أسلحة البلاغة التي يمتلكها، حتى أصبحت نصوصه ذات صبغة تقترب من الشعر أحيانا، من حيث قوة السبك والشفافية، في إختيار المفردات والإعتماد على الجمل السريعة والبليغة والمؤثرة. تلك الجمل التي تنهمر مسرعة ومثقلة بالدلالات ومشحونة بالمشاعر. كما إتسمت بعض الفصول بمسحة مسرحية إيمائية تعتمد على البطل الواحد الذي يصوغ الحدث وينغمر فيه، لذا فقد كان دقيقا في إختيار مفردات الحياة المعاشة والذي تمثل في إختيار المفردات العامية، والتي لمّعت الحوار وشحنته بحيوية مضافة.كما إستخدم المسميات التي يتداولها العامة من الناس.

أما من حيث التقنية فقد إعتمد على الفصول القصيرة المشبعة بالإثارة حتى نجح في القبض على إهتمام القاريء لمواصلة البحث والإنهماك بالتعامل مع الأحداث والأفعال. إضافة الى أنه حرص على الإبتعاد عن الأساليب الروائية المُستهلَكة، وذلك من خلال إضاءة الأحداث على هيئة جرعات قصيرة ومدروسة دون أنْ يقدمها دفعة واحدة. وقد كان بارعا في هذا المضمار.

كنّا نعتقد بأنه سيصل الى عقدة الرواية، والتي تتمثل في كيفية حدوث الجريمة وماهي الدوافع التي جعلته يقترف مثل هذا الجرم الذي كلفه هذا اللهاث والضياع والندم. ولكن الكاتب لم يخضع لرغبات الفضول لدى القاريء، بل أصرّ على ترك الأمور سائبة النهايات. وكأنه يريد أن يقدم لنا مجموعة من الإشكالات الحياتية الحادة دون التوغل في تفاصيلها الحكائية.

وبذلك فقد قدم لنا عملا روائيا جميلا، ذا رؤى وقيم فنية وفكرية ملتزمة.

 

احمد عواد الخزاعي: تأصيل الأدب الشعبي في رواية (النخلة والجيران) لغائب طعمة فرمان

ahmad alkhozaiنشأت القصة العراقية الحديثة في مطلع عشرينيات القرن الماضي، بعد أن تأثرت بعدة اتجاهات أدبية وأساليب سردية خارجية، واخذ هذا الفن ينمو ويتطور مع تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في العراق، وبرز عدة كتاب اتخذوا من هذه الاتجاهات الفكرية والأدبية مسارا لهم في كتابة القصة والرواية، كلا حسب ميوله الفكرية وذائقته الأدبية ودرجة الوعي التي يمتلكها وقدرته الأدبية على الولوج في الكتابة بهذا الاتجاه أو ذاك، ومن ابرز الاتجاهات التي ظهرت (الاتجاه الرومانسي والاتجاه الواقعي والاتجاه الذاتي أو النفسي والاتجاه التاريخي والاتجاه البوليسي) .. إلا إن الاتجاه الواقعي في الأدب العراقي  في بداية نشأته  ظل يعاني من السطحية والسذاجة من خلال تناوله لمواضيع لا تمس جوهر قضايا المجتمع، إضافة إلى غياب الرؤية الواضحة وافتقاده للكثير من عناصر السرد الرئيسية، لذلك حاول القاص والروائي محمود احمد السيد جاهدا أن يعيد صياغة السرد العراقي بطريقة تمكنه من الوصول إلى فن قصصي يتفاعل مع الواقع بطريقة موضوعية، وأكثر رصانة وحرفة، فانقطع عن كتابة القصة لمدة خمسة سنوات انشغل فيها بدراسة الأدب الواقعي الروسي وكتابة مقالات أدبية هاجم فيها المنجز الأدبي العراقي في فترة العشرينيات  بصورة عامة، وما كتبه هو بوجه خاص، حتى قال (إن كل ما كتبه سابقا لم يكن أدبا بالمعنى الحقيقي)، وتمنى أن يمتلك سلطة تمكنه من إحداث محرقة كبيرة بكل ما كُتب من فن قصصي وروائي في تلك الفترة، وأسس لاتجاه جديد في القصة العراقية اسماه (الأدب الشعبي) وعرفه : هو الأدب الذي يكون مرآة لحياة الشعب، يعبر عن شعوره وأحلامه وأحزانه ومسراته وأماله، ويمكن أن يتحول في المستقبل إلى مصدرا للمؤرخين الذين يكتبون تاريخه الصحيح، ويبحثون في كيفية العيشة التي عاشها في ذلك العصر.

وعلى الرغم من هذه المحاولة التصحيحية الجادة في الأدب القصصي الواقعي العراقي، إلا إن هذا الاتجاه لم يتطور بشكل ملحوظ وبقي يعاني الكثير من الإخفاقات الكبيرة، وظهر كتاب في مطلع الثلاثينات منهم (انور شاؤل وجعفر الخليلي وشالوم درويش وذو النون ايوب) كتبوا قصصا واقعية هزيلة لم تتمكن من مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية في العراق واستمروا بمعالجة قضايا هامشية، وهو ما أطلق عليه الناقد ياسين النصير (الواقعية الساذجة)، وتعد رواية النخلة والجيران لغائب طعمة فرمان والتي صدرت عام 1966  قمة ما وصل إليه الأدب الشعبي بنزعته الواقعية، من نضوج ووضوح للرؤيا الأدبية وتمكن للقاص من أدواته (السرد،الحوار، الفكرة، الحبكة، التحليل) واتحاد بين الشكل والمضمون.

تبدأ القصة بحوار صاخب جدلي بين سليمة الخبازة وابن زوجها حسين، بعد أن اعتاد سرقة نقودها، ثمن وقوفها لساعات طويلة أمام تنورها الطيني وبيعها للخبز، هذا النزاع الذي يستمع إليه معظم الجيران في  البيوت والخانات المجاورة، سليمة الخبازة أرملة علاوي السائق الذي رحل عنها مبكرا بحادث سير وتركها تخوض معترك هذه الحياة وحيدة بلا معيل، في بيت قديم يشاركها فيه ولده حسين الشاب المتمرد العاطل عن العمل ونخلة (قميئة) كما اسماها الروائي، تلك النخلة القابعة في فناء البيت قرب الحائط، وسط المياه الأسنة والتي لم تنتج سعفة واحدة لسنين مضت ولم تثمر مرة واحدة في حياتها (فتحت عينيها رأت أمامها نخلتها القميئة تبرك قرب الحائط وسط دائرة سوداء، نخلة مهجورة عاقر مثلها، تعيش معها في هذا البيت الكبير خرساء صماء) ارتبطت هذه النخلة مع سليمة الخبازة بعلاقة غرائبية متباينة، بين كونها تمثل لها جزء من ماض جميل، عاشته مع زوجها علاوي، وبين الخوف منها، وقد أفصح الكاتب عن هذا الخوف في الليلة التي سبقت زواجها من مصطفى الدلال (كانت فرحة وخجلة أنثى تستقبل بعلها، هذا آخر يوم لوحدتها، لن تخاف النخلة بعد الآن).

هذه النخلة التي أراد لها الروائي غائب طعمة فرمان أن تكون دلالة حسية ومادية على سليمة الخبازة وعلى طبيعة ذلك المجتمع البغدادي بوجه اعم  في مطلع الأربعينات من القرن الماضي أبان الحرب العالمية الثانية، الذي كان يعاني البؤس والفقر والجهل والحرمان، مجتمع بائس إلف أناسه حياة الأزقة الضيقة الغارقة بالمياه الآسنة والبيوت والخانات التي تفوح منها رائحة الفقر والعفن، ليدخلنا الروائي في هذه الأجواء، كي نلج خضم أحداث روايته ويأسرنا عنوة بتتبع حركات وهمسات أبطالها، الذين وضعهم ضمن نمطية سلوكية ونفسية تتقاطع مع ما تحتفظ به الذاكرة الجمعية لدى الكثيرين حول طبيعة هذا المجتمع وطريقة معيشته وتفاصيل حياته اليومية، كان أبطاله أناس ضجرين متململين متحاسدين من وقع الفقر الذي يلف حياتهم، لكنهم في نفس الوقت نجدهم أناس حالمين، يعيشون رؤاهم وأحلامهم البسيطة التي لا تتعدى في أحيان كثيرة حدود السدة الترابية المحيطة بمحلتهم القديمة، سليمة الخبازة المرأة المحبطة التي تنشد الخلاص من واقعها المرير والتي قادتها أحلامها إلى أن تعطي شقاء عمرها إلى مصطفى الدلال كي تصبح شريكا في فرن للصمون خارج حدود محلتها (بذاك الصوب) مع رجل ارمني، لتستريح من عناء التنور، ليتضح لها فيما بعد إن أحلامها لم تكن سوى سراب وانها كانت صيدا سهل لحفنة من النصابين، مصطفى القادم إلى بغداد من مدينة النجف قبل عشرين عام يقوده حلم الثراء في هذه المدينة الكبيرة في مجتمع غريبا عنه، ليجني الفشل  بعد سنين طويلة من الكد والشقاء  ويحط رحاله الأخير عند سليمة الخبازة  طمعا في مالها والتي أصبحت زوجته فيما بعد، مرهون الأحدب (سايس الطولة) الذي ظل يحلم بثراء بعيد المنال، جرب أن يكون ملحدا تشبها بأحمد اغا صاحب (العربخانة) الثري، عسى أن ينال جزء يسير من حضه، ثم تحول إلى رجل مؤمن لا يفارق صلاة الجماعة في محاولة أخرى منه لتحقيق حلمه نحو الثراء، تماضر الفتاة الهاربة من أهلها المتمردة على أعراف بيئتها، الحالمة بحياة أكثر حرية في كنف رجل قوي مفتول العضلات، ليدفع ثمن جموحها هذا عشيقها حسين الذي انتشلها من الضياع على باب إحدى سينمات بغداد القديمة لتصبح عشيقته، لتهرب مرة أخرى مع رجل آخر بعد أن امتهنت البغاء، يبدأ  بعدها حسين بحلمه الجديد بأن يصبح احد أشقياء بغداد القديمة.

الحلم كان لونا ضبابيا صبغ الإطار العام لحركة أبطال رواية النخلة والجيران، كانت أحلامهم عقيمة لم تفضي سوى إلى مزيد من البؤس والحرمان وأمنيات يسلون فيها النفس الضجرة الحائرة .. في حوار طويل تحاول فيه رديفة زوجة حمادي (العربنجي) أن تجعل ابنتها الصغيرة تكف عن البكاء وطلبها للشاي الذي لا تمتلك نقودا لشراء سكره .. يعلق الروائي بقوله : هذه جملة ورثتها رديفة عن سابع ظهر .. ويقصد الحلم الذي رافق الفقراء عبر التاريخ بأن هنالك منقذ سينتشلهم في يوم ما من عوزهم وفقرهم ( كلشي يتعدل مراح تبقى الدنيا هيجي، باجر عكب باجر مانشوف الا الباب تندك اصيح من مكاني منو منو يدك الباب ؟ اسمع واحد يكول اني فارس الفرسان، واطلع وشوف فارس حلو وجهة عليه هالة نور راكب على فرس شهبة نظيفة تلمع.. اكولة عيني شتريد ؟ يرد علية منو محتاج منكم ؟ اكوله احنة عيني احنة الشايب صارلة شهر نايم بالفراش).

رواية النخلة والجيران عالم خفي أفصح عنه غائب طعمة فرمان، بطريقة جدلية تنم عن قدرة عالية امتلكها هذا الكاتب ووظفها لخدمة الفكرة التي يسعى إلى إيصالها للقارئ، وان يطلعه على الحقيقة كما هي بدون رتوش، وهذه هي مهمة الكاتب الذي يحترم أدبه وقلمه، عبر فيها عن صراع خفي بين الماضي والحاضر، الحداثة والموروث، مستخدما أدوات رمزية بسيطة لهذا الغرض، صراع بين تنور الطين الذي يمثل الماضي والموروث وجزء من الحاضر مع فرن الصمون القادم مع وقع اقدام الجنود الانكليز العائدين مرة أخرى لاحتلال لبغداد، (العربخانة) وبيت سليمة اللذان بيعا ومعمل السكائر الذي حل مكانها.. هذه الحادثة التي شكلت جرس إنذار لدى أبناء المحلة ونذير شؤم لمستقبل قادم مجهول المعالم لديهم، مستقبل يحمل في ثناياه مدنية جديدة فرضت  بفعل الزمن، إلا أنهم لم يستطيعوا استيعاب تداعياتها وناءوا بحمل وطأتها عليهم، جسد هذه المخاوف حمادي العربنجي حين سمع خبر بيع بيت سليمة الخبازة من قبل ابن زوجها حسين، بقوله ( خربت الدنيا الطولة انباعت والنخلة راح تنكص اش راح يبقى بالدنيا).

تعد ظاهرة الشرح والتعليق والقطوعات بين ثنايا السرد العراقي بشطريه القصة والرواية كبوة لم يتمكن الكتاب العراقيين من  التخلص منها أو تجاوزها، حتى الكبار منهم أمثال غائب طعمة فرمان وذو النون ايوب ومحمد خضير، فنجد لهذه الظاهرة حضور واضح في بعض نتاجاتهم الأدبية، على الرغم مما تسببه من ارباك داخل النص الأدبي، وتعمل على إضعافه وفقدانه للشيء الكثير من قيمته الفنية، ففي قصة واحدة نجد أكثر من عشرين قطع وشرح وخروج عن سياق السرد العام  داخل النص كما في قصة (حكاية الموقد) لمحمد خضير والتي جاءت ضمن مجموعته القصصية المملكة السوداء، وهذا ما نجده أيضا في النخلة والجيران في أكثر من موضع  داخل النص، فكثيرا ما يعلق الكاتب أو يشرح أو يبرر اثناء السرد .. في حوار بين حسين وصاحب ابو (البايسكلات) حين طلب منه بعضا من المال الذي يدخره عنده، والذي اخبره بان نقوده على وشك النفاذ رد حسين بعبارة ( البركة بالحجية) وهنا يعلق الكاتب بقوله (يقصد زوجة أبيه) وفي مكان آخر هناك حوار بين نشمية صاحبة النزل وتماضر (الأهل يكذبون الأعور يسون عينة مثل الساعة و

الشايب ابن العشرين والركاع قندرجي، سووهة بية اعرفهم، قق قق، وهنا يعلق الكاتب شارحا (الكلمتان الأخيرتان موجهتان للديك الذي أراد ان يصعد الحائط مرة أخرى) وتتكرر هذه الشروح والتعليقات في محطات كثيرة ضمن السرد.. لكن على الرغم من هذا المأخذ البسيط، تبقى رواية النخلة والجيران للروائي الكبير غائب طعمة فرمان، تمثل انعطافة مهمة في تاريخ الرواية العراقية وهي ذروة التأصيل للأدب الشعبي، يقول فيها الناقد الدكتور جواد علي الطاهر (إن كل الذين كتبوا  نصوصا سردية عن المجتمع البغدادي القديم  بعد النخلة والجيران لم يأتوا بشيء جديد عما طرحه غائب طعمة فرمان فقد أحاطت روايته بكل جوانب وحيثيات ذلك المجتمع) ..فقد اختار لها حوارا باللهجة الشعبية، ليكون أكثر قربا وحميمية للقارئ، ووسيلة للتعبير الصادق عن الانثيالات النفسية والعاطفية التي كان يعانيها أبطاله، ولتكون أكثر انسجاما مع شخصياتهم البسيطة، وقد نجح بذلك نجاحا كبيرا حتى عدت هذه الرواية من أفضل مئة رواية عربية.

 

احمد عواد الخزاعي

أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة.. ذات (3): جدليّة الكينونة والعدم في ذات أنسي الحاج.

madona askarمن العدم نأتي وإليه نرتحل، كذا تعبّر اللّغة الأنسيّة عن ذاتها، وهي تتأمّل الحياة والموت والذّات. وإذا كان العدم يعني اصطلاحاً ما هو ضدّ الوجود، فبالنّسبة لأنسي الحاج هو "العدم المحرّر، مكان تُسمع فيه الرّوح أكثر". ما يعني أنّه وجود من نوع آخر. ولمّا كان عدماً محرّراً فهو ذو قيمة ومعنى عميق، بل هو المفهوم الأوسع للحرّيّة.

"انفتح الباب من تلقائه، أطلّ ظرف الرّسالة من العدم، وانغلق الباب، بدون تدخّل أحد." (1). في هذه الجملة تتجلّى جدليّة الكينونة والعدم عند أنسي الحاج، لنفهم من خلالها أن الكينونة قادمة لا إراديّاً من العدم محمّلة برسالة خاصّة. وتحضر هذه الكينونة في الوجود، كأنّ بصلتها تنقطع عن العدم لتدخل في حركة وجوديّة رساليّة دون أن يتدخّل أحد في صناعتها.

إذا كانت لفظة (انفتح الباب) ترمز إلى الانطلاق نحو الوجود و(انغلاق الباب) يرمز إلى الانقطاع عن العدم، ستظهر بين المرحلتين حكاية الوجود والاختبار الإنساني، ومراحل الحياة المتعدّدة والمتنوّعة والمتأرجحة بين الفرح والحزن والقسوة والخيبة والأمل... "لممت المغلّف وأفرغته: نزلت منه مسبحة خضراء حمراء صفراء زرقاء بيضاء كشمس الكلام، وفرطتُ حبّاتها بلا حساب، حبّة صادحة وحبّة صارخة، حبّة للتّراب وحبّة للزّوابع، فرط من يوهم النّفس بأنّه لن ينتهي أبداً من هذه اللّعبة". (2).  المسبحة، الخرزات المنظومة في خيط والّتي يعدّ فيها المصلّي مرّات التّسبيح، يستخدمها أنسي في الدّلالة على منظومة الحياة الّتي تتعدّد مراحلها (مسبحة خضراء حمراء صفراء زرقاء بيضاء كشمس الكلام) ويمنحها طابعاً قدسيّاً نسبة للفظة (مسبحة). لكنّه يثور عليها ويكسر تقليديّة المنظومة (وفرطتُ حبّاتها بلا حساب)، ولا يحسب لها حساباً، ليس من باب الإهمال أو الاستهتار، وإنّما من باب الثّورة والتّحرّر من التّقليديّ.

وفي ذات الوقت يحدّثنا أنسي عن تمسّك الإنسان بالخلود؛ لأنّه يسهب بالغوص في الكينونة الإنسانيّة ولا يعد نفسه بنهاية (فرط من يوهم النّفس بأنّه لن ينتهي أبداً من هذه اللّعبة). إلّا أنّه بحسب أنسي خلود واهم، فلكلّ شيء نهاية. "ليس بمثل زخم البدايات غير زخم النّهايات. في الأوّل هجوم العيون المغمضة... وفي الأخير ذهول ارتداد العيون المنفتحة." (3)

عاند أنسي الحاج الحياة، وقاومها، وثار عليها، وصدح قلمه في ثناياها، ودوّى صمته في كينونتها، واستمرّ بقوّة وإن على سرير الموت. "ولم أنظر ما فرطتُ، لأنّ من يعدُّ خُطاه لا يعود يمشي". (4)

 

........

(1) (2) (4) كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 63

(3) كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 61.

 

أدهام نمر حريز: القاصة العراقية رثد نيازي وتجربتها الفريدة في أدب الرعب

idham nemirيحفل التراث العربي بالحكايات المثيرة عن عالم السحر والجان والأساطير، وقصص ما وراء الطبيعة، سواءً في الحكايات الشعبية الموروثة أو في كتابي "ألف ليلة وليلة"، و"الحكايات العجيبة والأخبار المثيرة" اللذان يعدان من أفضل ما قدمت المكتبة العربية حتى الان , لكن رغم ذلك فإن ولادة أدب الرعب في الوطن العربي بدأت متأخرة .

و من النادر  وصول قصص الرعب إلى قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وقلة الروايات الحاصلة على جوائز معترف بها، فإن هناك قراءً يبحثون عنها وكُتابا يرغبون في الكتابة في هذا المجال حتى يصل إلى المكانة التى يستحقها.

 

ماذا نقصد بأدب الرعب ...

أدب الرعب (horror fiction) نوع خاص جدا من الأدب يهدف من خلال مجموعة من الأحداث المتشابكة إلى إثارة شعور الرعب والخوف.

بصورة عامة لا أحد يعرف متى بدأ هذا النوع من الأدب، ولكن أغلب الباحثين يعتقدون أنه قد بدأ منذ زمن بعيد جدا فقد اكتشف الإنسان منذ القدم الشعور بالخوف ويعتقد أن الأساطير القديمة هي الدليل على ذلك فقد كانت تحتوي على قصص تهدف إلى إثارة الخوف لدى المستمع أو القارئ. ويتفق الباحثون على أن هذا النوع من الأدب لم يتخذ شكله الحالي إلا مع بداية ظهور روايات الرعب القوطي الشهيرة والتي تحكي القصص في أجواء مرعبة قديمة مثل حوت القلاع والبرق وأضواء الشموع وقد حاز هذا النوع من القصص شعبية واسعة في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر على يد كل من (آن رادكليف) التي كتبت قصة (mysteries of udolpho) و(هوريس وبليس) صاحب رواية (the castle of oranto).

 

أدب الرعب في العراق ...

”فرانكشتاين”.. التجديد في أدب العرب

في 325 صفحة، كتب الروائي العراقي أحمد سعداوي رواية "فرانكشتاين في بغداد"، التي تدور حول شخص يجمع بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية خلال شتاء 2005، ليقوم بلصق هذه الأجزاء فينتج كائناً بشرياً غريباً، سرعان ما ينهض ليقوم بعملية ثأر وانتقام واسعة من المجرمين الذين قتلوا أجزاءه المتكون منها.

نالت الرواية في 2014 المركز الأول في الجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر"، التي اتسمت بالتجديد والإدهاش. وترجمت الرواية إلى أكثر من لغة عالمية.

وفي مجال  القصص القصيرة برز في الاونة الاخيرة اسم القاصة العراقية  / رثد نيازي , من خلال مجموعة من قصصها القصيرة  التي نشرت في الصحف  و المواقع الالكترونية .

 

السيرة الذاتية للقاصة العراقية / رثد نيازي

الاسم رثد محمد جواد نيازي

الاسم الادبي: رثد نيازي

مواليد / الكوت  ١٩٨٨

 أدب الرعب .

ترجمت اكثر من ١٥ رواية من اللغة الانجليزية الى العربية

ترجمت ٤٠ قصة قصيرة من اللغة الانجليزية الى العربية

كتبت قصص قصيرة وقصيرة جداً من قصص الرعب وقصص الرومانسية في اللغة العربية والانجليزية

- شعر انكليزي: ٣٧ قصيدة..

-  كتابان علميان في اللغة الانجليزية حول الاحياء العامة

*Know Everything About 150 Endangered Animals

*Know Everything about 200 Animals

- العمل تطوعاً لمنظمة غرينبيس انترناشونال لحماية البيئة منذ عام ٢٠٠٨

- شهادة تقديرة في الرسم والكولاج ٢٠٠٢

- تخرجت من الاعدادية (اعدادية الكوت للبنات) / الفرع العلمي ٢٠٠٧- ٢٠٠٨

٣ شهادات في المحادثة باللغة الانجليزية ٢٠٠٨- ٢٠١١ من جامعة اوركن

٢٠١٠ كتبت مسرحية باللغة الانجليزية تحت عنوان (Divided City)

- شهادة باكلوريوس باللغة الانجليزية/كلية الاداب (التربية لقباً)/ جامعة واسط ٢٠١٠/٢٠١١

-  شهادة في  طرائق تدريسنا للغة الانجليزية ٢٠١٤ من جامعة اورگن الامريكية بمعدل ٩٢.٣٪

- حصلت على شهادة اللغة الانجليزية كمهنة واحتراف من جامعة سانت جانت ٢٠١٤

اون لاين كورس ٢٠١٤: جامعه مانشستر البريطانية في الصحة العامة

 - درست كورسات في الحمض النووي البشري DNA والصحة

حصلت على شهادة من جامعة ميريلاند (الجينات والبشر (من السلوك الى التقنية الحيوية)

بمعدل ٩١.٤ عام ٢٠١٦

 حصلت على شهادة من جامعة لندن في طريقة الكتابة لقراء الصغار

(Writing for Young Readers: Opening the Treasure Chest )

بمعدل ٩٤.٧ عام ٢٠١٦

حصلت على شهادة في نظريات تدريس اللغة الأنجليزية كلغة ثانية من جامعة أريزونا

(Theories of Second Language TESOL)

بمعدل ٨٦.٤ عام ٢٠١٦

حصلت على شهادة كورس في تنظيم الوقت كمدرس من جامعة هانتر/ نيويورك/ ضمن البرنامج التعليمي خاصتها الخاص بالمدرسين   Relay Graduate School of Educators

والكورس هو (Be Organized Teacher)

بمعدل 100% عام 2016

حصلت على شهادة كورس في مستقبل التعليم من جامعة لندن (What Future for Education)

بمعدل 100% عام 2016

اختصاص طرائق تدريس  TESOL/ جامعة اريزونا/ 2016

شهادة من جامعة كالفورنيا: البيئة الفضائية وطاقة المستقبل

- عضوة جمعية المترجمين العراقيين والاتحاد الدولي للمترجمين ٢٠١٥

- مترجمات مطبوعة

رواية جورج يتكلم للمؤلف ديك كينج سميث عام ٢٠١١

رواية تشارلي ومعمل الشكولاتة لروالد دال ٢٠١١

رواية جيمس والخوخة العملاقة لروالد دال ٢٠١١

رواية في رحلة البحث عن مصباح علاء الدين ٢٠١١

- مايقارب العام والنصف في الترجمة والنشر في الجريدة (الثقافية في واسط) منذ العدد التاسع للجريدة ٢٠١٣.

- تنشر بعض الاحيان في جريدة الزمان منذ ٢٠١٥

- من القصص القصيرة المترجمة (منشورة) لكتاب معاصرين بين عامي ٢٠١١- ٢٠١٦

الضباب لستيفن كينج

جونثان والساحرات لستيفن كينج

انسجام استثنائي لستيفن كينج

الرحلة الملعونة لستيفن كينج

ملاك لماريا رايا

من مدرسة قديمة للكاتب م. ستانلي بوبين

الصراع بين الجانبين للكاتب م. ستانلي بوبين

مقتطفات من جزيرة الدكتور مورو للكاتب العالمي هـ.ج. ويلز

وقت حلم لالين كليفلاند

قناع الموت الاحمر لأدغار ألن پو

- من القصص القصيرة والقصيرة جداً المنشورة باللغة العربية : عام ٢٠١٥ ..

 

الصوت

العودة

عاصفة رعدية روحانية

فارسها الوسيم

حرية

شيخوخه

نسيان

شجرة السنديان

وحشية

محبة

ارواح

موت

ضياع

فجر كئيب

هلع

العذاب الازلي

- وفي اللغة الانكليزية 2015

Brutality

Missed

- اما عام ٢٠١٦

اختناق

احلام محطمة

عصف

شر

رفقة

ثورة

هو يعلم!

الرموز

الصرخة

نداء

الغرفة

أتصال

وجود

في قبضة الليل

في حقل الذرة

القصر

في الجحيم

الوظيفة

الهروب

يوتوبيا حبيبيان

انتظار

غيبوبة

تراتيل

وباللغة الانجليزية ٢٠١٦

Broken Dreams

Olden Fears

Scream

 

 القصة القصيرة ( العذاب الازلي ) للقاصة / رثد نيازي ..

العذاب الأزلي

 اعتادت جين على مشاهدة افلام الرعب، بل ادمنت ذلك.... احبت كل شيء تعلق بالرعب سواء كان فيلماً ام مسلسل، رواية ام قصة او حتى العاب الفيديو.

ورغم اجتياح الكوابيس حياتها بسبب ذلك، ازداد عشقها للرعب حتى بدأت تبحث عن مواطن مسكونة - كما تطلقها الأساطير-  فهي تسأل صديقاتها ليعلموها بأي مكان يُعتَقَد بوجود امرٍ مرعب متعلق به.

اخبرتها سارة ذات مساء عن عدة اماكن قد علمت من عجائز القرية بأنها مسكونة. بيد ان الناس قد بدأوا بهجر الايمان بأمور كهذه الا البعض القليل. وكانت جين ضمن تلك القلة رغم استخفافها بالأمر فلطالما مزحت سارة من مزاجها الغريب الباحث عن الرعب.

كانت القائمة - كما رتبتها جين- تشتمل على طاحونة عائلة والتر المهجورة فقد حكي بأن أرواح شريرة تدير الطاحونة حتى اليوم لتعذب بالسحق أرواح من دخلها متعمداً وحظيرة حيوانات بيت سكوت الذي فرت العائلة منه فقد قيل ان الدماء تتدفق من تحت القش الذي يغطي الأرضية بعد غروب الشمس...كذلك بيت الثري ادموند الذي كان يحوي على عدد هائل من الغرف والممرات حتى قيل عن الاحتفاظ بجثث افراد العائلة بعد موتهم بتوابيت على اسرتهم بعد تحنيطهم...

لم تكن جين تعلم ان كانت كل ما سمعته حقيقة ام خرافة... لكن جل ما علمت هو انها قد استخفت بالأمر، رغم إيمانها بالأشباح، حتى نوت ان تزور الاماكن جميعاً  بدءاً بالطاحونة فالحظيرة ثم البيت كلٍ من هذه الامكان بعد المغيب!

طلبت جين من صديقاتها سارة وكاري وألينا ان يذهبن معها لكن سارة رفضت أشد الرفض فقد آمنت واذعنت لتلك الحكايات...

اعدت الصديقات العدة للذهاب الى الطاحونة ، عازمات على الانطلاق قبل المغيب ليزداد الامر اثارة.

اقتربت الشمس من الافول وكن الثلاث يقفن عند باب الطاحونة المتابعة لدورانها منذ ٣٧ عاماً مضت ذلك حين هجرها مالكها رعباً.

دخلن يضحكن ويستهزأن بمن يخاف هذا المكان...

هبت ريح باردة خفيفة جعلت القشعريرة تمر عبر جلد كاري لا من البرد بل بما آمنت به بالشعور المفاجئ بالبرد بفعل ريح خفيفة انما يدل على حضور روح او جان ...

حاولت ان تعتبر الامر صدفة او انها اوهام وتخيلات...

ولكن قلبها يخبرها بالعكس...

بدأن بالتجوال في ارجاء المكان والضوء الاحمر الصادر عن أفول الشمس يسيل من شقوق السقف كالدم لينتثر على الارض المعتمة...ستغيب الشمس تماماً ويعم الظلام...

احضرت الفتيات معهن شموع وأحضرت كاري مصباحاً يدوياً.

لقد رغبت جين بالمكوث هنا على ضوء شمعة لذا لم تحبذ فكرة احضار مصباحاً يدوياً.

بدأت الفتيات الثلاث بالتجوال داخل ارجاء الطاحونة عازمات على استكشاف قبوها الواسع المظلم.

بعد تجوالهن المستخف بحكايات سكان القرية اتجهت جين لترفع باب القبو بجذب حلقة صدئة يتجلى منها هجر المكان فلم تكن لتفتح الا بعد محاولات عديدة.

قررت جين ان تكون هي اول من ينزل فقد كانت صاحبة فكرة المكوث تلك الليلة هناك. لذا خطت الى الاسفل عبر السلم الخشبي المتهالك والفتاتان من خلفها. ما كادت تصل الارض الخشبية حتى سمعت صوت حشرجة..

ظنت جين انها الجرذان كما فعلت رفيقتاها.

نزلن السلم ولم تكد شموعهن الثلاثة ان تنير الا مساحة قليلة حولهن فقد كان الظلام دامس ولم ينر القمر تلك الليلة السماء.

صفت المعدات والات في القبو على خطوط مستقيمة لتشكل صفوف مرتبة. اما الغبار ونسيج العنكبوت فقد غطا كل شيء تقريباً.

كان الهدوء مطبقاً على المكان فالطاحونة تبعد عدة كيلومترات عن اقرب مكان مأهول. احاط بهن السكون الليل وعمته رغم محاولتهن لإنارة المكان بشموعهن لكن الظلام بدا ككائن، كمادة ثقيلة ترمي بنفسها فوق الضوء ليخفت. بدا كسيل اسود يمتد ويستمر بالامتداد نحو الشمعة.

لاحظت جين الشيء العجيب الذي يحدث لكنها لم تنطق بكلمة لأنها ظنت بأنها تتوهم وستظن رفيقتيها بأنها خائفة.

ازداد الامر وضوحاً فالظلام يحاول ان يطفئ شموعهن ليخفي ما هو خافٍ في طياته. لكن كاري وألينا بدأن يشعرن بالرعب فقد لاحظن الامر ذاته واخبرتا جين واكدت جين ما شعرت به.

اقتربن احدهن من الاخرى حتى اصبح ضوء الشموع الثلاثة اشد في منتصف المثلث المتكون.

ما كدن يشكلن المثلث حتى احست ألينا بشيء يلتصق بظهرها ليشعرها ببرد مرعب وهلع لم يصبها من قبل... صرخت صرخة مكتومة وكأنها تحاول منع الظلام من سماعها...

والتفت حول نفسها..

لم تر شيء بجوارها الا صديقتيها.. لذا قررن ان يسندن ظهورهن لبعض وينظرن في ارجاء الغرفة.

وفي تلك اللحظة صدى صوت انغلاق باب القبو بقوة وتحرك المزلاج...

كادت قلوبهن ان تتجمد بدمائها و تذكرت جين بأنها لم تحضر سوى ستة شموع وبأن الساعة لم تكد تتجاوز الثانية عشر ولايزال امامهن أربعة ساعات لشروق الشمس. فلا سبيل للفرار ولا سبيل لتوفير الشموع حتى بزوغ الفجر.

حكت القصة بأن من يذهب في الليل الى الطاحونة المهجورة ستحاول ارواح المكان اخذ جسده لتسجن روحة وتعذب في الطاحونة بينما يعود الجسد المسكون الى القرية. وان من يضئ شيئاً في ذلك المكان فلن يستطع التمكن منه. ولكن احد لم يكن ليجرؤ على الذهاب وان كان قد ملك ضياء الشمس بيمينه.

ارتعدت جين لما جال بفكرها... لن تعود هي الى المدرسة بل سيعود جسدها وبداخله ...

لا احد يعلم ما في داخله...

قالت لكاري بأن تضيء مصباحها اليدوي ليوفرن الشموع.

رفضت كاري الفكرة فقد فكرت بأنها هي التي احضرت المصباح وبأن جين لم تكن تريدها لتحضره على اية حال.

جال بفكرها انتهاء الشموع ونجاتها بفعل مصباحها...

حاولت الفتيات الابقاء على الشموع بحوزتهن حين اقترحت ألينا اطفاء واحده لتبق شمعتين. وحالما اطفأت ألينا شمعتها حتى اقترب الظلام من جسدها وازدادت كثافة الهواء الذي مر عبر رئتيها فكادت ان تختنق... شهقت صارخه لتضيء شمعتها مجدداً.

اذن لم يكن هنالك سبيل للحفاظ على ضوء حياتهن...

مر الوقت والفتيات تسمرن واقفات يضئن شمعة اثر انطفاء الاخرى...

لم يجرؤن على التحرك في الجوار

ها هن الان تحمل كل منهن شمعتها الاخيرة والساعة شارفت للتو على الثالثة صباحاً...

مدت كاري يدها في جيبها لتخرج المصباح اليدوي. شغلته، للأسف لم ينر! حاولت مرة اخرى ولا جدوى... كررت المحاولة تهزها تارة وتضربه أخرى.... لا فائدة... شيء ما، خبيث وشرير للغاية استطاع تعطيبه دون ان يمسه! شيء امتزج مع ظلام الليل لم تعرف الفتيات ماهيته!

وفي عتمة الظلام الثقيل اللزج، مر طيف شبحي بين صفوف المعدات ثم ثاني و تبعه ثالث مسرع...

كانت الاطياف الشبحية الثلاث مرعبة للغاية حتى بلغت قلوب الفتيات الحناجر ذعراً...

اقتربت الارواح منهن كل تنظر الى الجسد الذي سيخلو قريباً...

انطفأت شمعة ألينا واقترب الظلام اكثر... انطفأت شمعة كاري والتف الظلام حولهن تماماً جميعاً بعد ان انطفئ ضوء جين.

ارتطمت الاجساد الثلاثة أرضا خاوية...وبدأ صراخ الأرواح الازلي وهي تُسحَق. أُحتُلَت الاجساد ومشت خارجة ،من باب القبو التي فتحت، لتعيث في العالم ...

 

أدهام نمر حريز- بغداد    

 

كريم مرزة الأسدي: أحمد شوقي وشوقي إليه (4) أحمد شوقي ومَنْ حوله طرائف ومواقف

karem merzaكان احمد شوقى (ت 1932 م)، وحافظ ابراهيم (ت 1932م) - وقد تكلّمت عنهما في الحلقة السابقة استطراداً - وإبراهيم ناجى (ت 1953م) واسماعيل صبرى - سنتكلم عنهما موجزا، أقول هؤلاء كانوا شعراء (مصرهم) المشهورين، وكانت بينهم مودة وقربة أدب دون ضغائن نفسٍ، ولا غلّة قلب، يتمازحون بطرائف وظرائف، وقد دخل الشاعر الفلسطيني المعروف إبراهيم طوقان (1905 م - 1941م) على خط ممازحة شوقي بقصيدة أخوانية عن (المعلم) الرسول المقتول ..!!

11 - أحمد شوقى وجاره الصديق الدكتورمحجوب ثابت والسيارة، والمحجوبيات تحتل القسم الآخير من (الشوقيات):

ننقل لكم حديثها كما رواها الأستاذ خالد القشطيني في صحيفة (الشرق الأوسط) تحت عنوان (الشاعر والسيارة)، لأنه يسرد بعدها طريفة أخرى للدكتور مصطفى جواد وسيارته، قائلاً بتصرف:

من بين طرائف أمير الشعراء أحمد شوقى أيضًا مداعبته لصديقه الدكتور محجوب ثابت، حينما رأى سيارته القديمة التى اشتراها بقوله:

لكم في الخط سيارة **حديث الجار والجارة

(أوفرلاند) ينبـيك ****بها القنصل (طمـارة)

إذا حركتها مالـــت ***على الجنبين منـهارة

وقد تحرن أحيانـــا ****وتمشي وحدها تارة

ولا تشبعها عـــــين ****مـن البنزين فـوارة

ولا تروى من الزيت **وإن عامـت بــه الفارة

ترى الشارع في ذعر ***إذا لاحت من الحـارة

 

كان ذلك زمانا يعيش فيه معظم الأدباء والمثقفين في ضنك وعسر. في هذه الأيام أصبحوا مدللين بعد أن أخذت حكوماتهم تقمع لسانهم بإهدائهم آخر وأفخم السيارات. وكما عانى محجوب ثابت من سيارته المستهلكة، كذا كان الأمر مع الدكتور مصطفى جواد، فقيه اللغة العربية. تعطلت سيارته السكراب يوما ولم يعرف كيف يصلحها. قضى مصطفى جواد حياته يصلح عربيتنا بعموده الأسبوعي «قل ولا تقل». ولكنه ككل من قضى حياته في النحو العربي، لم يعرف كيف يصلح سيارته. فقصد بيت الشاعر والأديب مير بصري طالبا مساعدته ....

لم يجد صاحبه في البيت. فكتب له هذه الأبيات:

سيارتي جاءت إلى بابكم ***تطلب كأسا لصفاء الشرابْ

وهي عروس أنتم أهلها***و الأهـل أولى بإجاب الطلابْ

لا تحرموها عطفكم ولتعد **بكـل ما تهوى وحسن المآبْ

(شفرولة) الاسم ولكنها **فاقت على الخيل الكرام النجابْ (1)

 

12 - شوقي وأحمد عرابي، وثورته العرابية:

إن حادثة عرابى باشا التي وقعت عام 1881-1882م كانت بحسب الرأى الشائع رد فعل الضباط المصريين ضد قادتهم الأتراك الذين لا يريدون ترقيتهم إلى الرتب العالية، وصداماً بين القومية العربية المصرية والقومية التركية، فأرتفع شأن عرابي كزعيم وطني مناهض للنفوذ الأجنبي، وكان أحمد شوقي ميالاً للدولة العثمانية، يقول شوقي في انتصارات مصطفى كمال أتاتورك :

الله أكبر كم في الفتح من عجبِ *** يا خالد الترك جدّدْ خالد العربِ

ولكن بعد أن خاب ظن شوقي بالقائد والزعيم التركي، لانقلابه على الدولة العثمانية، رثى الدولة المنكوبة ...بقصيدته التي مطلعها:

عادت اغاني العرس رجـع نواح**** ونعـيـت بيــن معــــالم الافـــــــــــراح

كفنت في ليل الـــزفـــاف بثوبــه****ودفـنــت عنـــد تبلـج الإصـبــــــــــاح

 

لذلك كان لشوقي موقفه السلبي من ثورة عرابي باشا، واستقبله بعد عودته من المنفي بقصيدة نشرت في (المجلة المصرية) لصاحبها ومنشئها خليل مطران، العدد الثاني في 15 يونيو 1901. وقعها بإمضاء (نديم)، وفيها تشهير واستهزاء بعرابي وتطلعه لأن يكون ملكاً على مصر، القصيدة من (الوافر)، ومنها:

 

صـَغـار في الذهـاب وفي الإياب *** أ هــذا كـــل شــأنك يـا عرابي؟

عفـا عــنك الأبـاعد والأداني *** فمـن يعـفو عن الوطـن المصـاب؟

وما سألوا بـَنيكَ ولا بـَنيـــنا *** ولا التفتوا إلــــى القـوم الغـِضابِ

فـَعـِش في مصرَ موفورَ المعالي *** رفيعَ الذكـْرِ مـُقتـَبــِل الشبـاب

أ فرقٌ بـَينَ سيـــلانٍ ومـِصـْـر *** وفي كِلْتـَيـْهـِما (حـُــمـْرُ الثياب؟)

يتوب عليك من منفـــــــــاك فيها *** أنــــاس منك أولـــى بالمتاب

وقد نـَبـَذوا جَنابَك حينَ أقْــــوى *** وقد لاذوا إلـــــى أقوى جـَناب

وبالإنجيل قد حلفوا لِفـَـــــــومٍ *** كما حلفوا أمامـــــــــــك بالكتاب

فماذا يَعـْلَمُ الأحـــــــــــْياءُ عَنـَّا *** إذا ما قـــــــــيلَ عاد لها عرابي؟

كما لا يخفى (حمر الثيابِ) كناية عن الإنكليز، وقد أعلن شوقي لأصفيائه أنه نادم علي ذلك، وأنه كان مخطئا في حق الزعيم عرابي .

 

13 - المعلم بين أحمد شوقي (الأمير) ، وإبراهيم طوقان (المعلم)

قال أمير الشعراء أحمد شوقي في قصيدته المشهورة في المعــــــلم

 

قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجـيـــــلا ***** كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

أعلمتَ أشرفَ أو أجـلَّ من الذي **يبني وينشئُ أنفـساً وعقولا

سـبحانكَ اللهمَّ خـيرَ معـــلّمٍ ***** علَّمتَ بالقلمِ القـرونَ الأولى

أخرجـتَ هذا العقلَ من ظلمـاتهِ ***وهديتَهُ النـورَ المبينَ سـبيلا

وطبعتَـهُ بِيَدِ المعلـّـم ِ، تـارةً ** صديء الحديدِ، وتارةً مصقولا

أرسلتَ بالتـوراةِ موسى مُرشداً **** وابنَ البتـولِ فعلَّمَ الإنجيـلا

وفجـرتَ ينبـوعَ البيانِ محمــّداً ***فسقى الحديثَ وناولَ التنزيلا

علَّمْـتَ يوناناً ومصر فزالـتا ***** عن كلّ شـمسٍ ما تريد أفولا

واليوم أصبحنـا بحــالِ طفولـةٍ ***** في العِلْمِ تلتمسانه تطفيـلا

من مشرقِ الأرضِ الشموسُ تظاهرتْ* ما بالُ مغربها عليه أُدِيلا

ذهبَ الذينَ حموا حقيقةَ عِلمهم *** واستعذبوا فيها العذاب وبيلا

في عالَـمٍ صحبَ الحـيـاةَ مُقيّداً *** بالفردِ، مخزوماً بـه، مغلولا

سقراط أعطى الكـأس وهي منيّةٌ *** شفتي مُحِبٍّ يشتهي التقبيـلا

عرضوا الحيـاةَ عليه وهي غــباوة *** فأبى وآثَرَ أن يَمُوتَ نبيـلا

إنَّ الشجاعةَ في القلـوبِ كثيرةٌ **** ووجـدتُ شجعانَ العقولِ قليلا

إنَّ الذي خلـقَ الحقيقـةَ علقماً ***** لم يُخـلِ من أهلِ الحقيقةِ جيلا

ولربّما قتلَ الغـرامُ رجــــــالَـها ***** قُتِلَ الغرامُ، كم استباحَ قتيلا

 

ردّ إبراهيم طوقان على قصيدة شوقي بقصيدة من الأخونيات، فيها من المرارة والسخر لواقع المعلم الفعلي والعملي والاقتصادي والاجتماعي،رغم أن ظروف ومنزلة المعلم في عصر الطوقان أفضل بما لا يقاس عمّا عليه المعلم في أيامنا الحاضرة .

نبذة عن حياة إبراهيم طوقان:

إبراهيم عبد الفتاح طوقان (ولد في 1905 في نابلس، فلسطين – توفي 2 مايو 1941 في القدس، فلسطين)  شاعر فلسطيني وهو الأخ الشقيق لفدوى طوقان الملقبة بشاعرة فلسطين، ولأحمد طوقان رئيس وزراء الأردن في بداية سبعينيات القرن المُنصرم.

تلقى دروسه الإبتدائية في المدرسة الرشيدية في نابلس، وكانت هذه المدرسة تنهج نهجًا حديثًا مغايرًا لما كانت عليه المدارس أثناء الحكم العثماني. أكملَ دراسَتَه الثانوية بمدرسة المطران في القدس عام 1919 حيث قضى فيها أربعة أعوام، بعدها التحق بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 1923 ومكث فيها ست سنوات نال فيها شهادة الجامعة في الآداب عام 1929 م .

عاد ليدرّس في مدرسة النجاح النابلسية بنابلس، ثم عاد إلى بيروت للتدريس في الجامعة الأمريكية. حيث عَمِلَ مدرسًا للغة العربية في العامين (1933 – 1931) ثم عاد بعدها إلى فلسطين.

في عام 1936 تسلم القسم العربي في إذاعة القدس وعُين مُديرًا للبرامجِ العربية، وأقيل من عمله من قبل سلطات الإنتداب البريطاني عام 1940. انتقل بعدها إلى العراق وعملَ مدرسًا في دار المعلمين العالية، ثم عاجله المرض فعاد مريضًاً إلى وطنه، ولقب بشاعر الجامعة . (2)

 

الرد الطوقاني على المعلم الشوقي:

شوقي يقول وما درى بمصيبتي ***** قم للمعلم وفــــه التبجيلا

اقعد فديتك هل يكون مبجـلا ***** من كان للنشء الصغار خليلا

ويكاد يقلقني الأمـــــــير بقوله ***** كاد المعلم أن يكون رسولا

لو جرب التدريس شوقي ساعة ** لقضى الحياة شقاوة وخمــولا

حسب المعــــــلم غمة وكآبة ***** مرأى الدفاتر بكرة وأصــــيلا

مائة على مائة إذا هي صـلحت ** وجد العمى نحو العيون سبيلا

ولو أن في التصليح نفعا يرتجى *** وأبيك لم أك بالعيون بخـيلا

لكن أصلح غلطة نحـــــــــوية ***** مثلا واتخذ الكتاب دلــــــيلا

مستشهدا بالغر مـــــن آياته ***** أو بالحديث مفصلا تفصــــيلا

وأغوص في الشعر القديم فانتقي *** ما ليس ملتبسا ولا مبذولا

وأكاد ابعث سيبويه من البـلى *** وذويه من أهل القرون الأولى

فأرى حمارا بعد ذلك كـــلـه ***** رفع المضاف إليه والمفعــولا

لا تعجبوا إن صحت يوما صيحة *** ووقعـت مابين البنوك قتيلا

يا من يريد الانتحـــــار وجدتـــه ***** إن المعلم لا يعيش طـويلا

 

14 - شوقي يخاطب السلطان العثماني عبد الحميد، ويصف الجسر الواصل بين ضفتي البسفور ...!!!

أمير المؤمنين رأيت جسراً***أمرُّ على الصراط ولا عليهِ

له خشبٌ يجوع السوس فيهِ **وتمضي الفار لاتأوي إليه

ولا يتكلف المنشار فيه ***** سوى مرّ الفطيم بساعديه

ويبلى فعل من يمشي عليه ... وقبل النعل يدمي أخمصيه

وكم قد جاهد الحيوان فيه ... وخلف في الهزيمة حافريه

وأسمج منه في عيني جباةٌ *****تراهـم وسطه وبجانبيهِ

إذا لاقيت واحدهم تصدّى ******* كعفريتٍ يشـيرُ براحتيهِ

ويمشي (الصدر) فيه كل يومٍ ** بموكبهِ السنيِّ وحاـرسيه

ولكنْ لا يمـــرُّ عليــــه إلا*****كما مـــــرّت يداه بعارضــيه

ومن عجب هو الجسرالمعلّى * على (البسفور) يجمع شاطئيه

يفيد حكومة السلطان مالاً ****** ويعطيها الغنى مــن معدنيه

يجود العالمون عليه هذا******بعشرتـــــهِ وذاك بعشرتيـــــــهِ

وغاية أمره أنّا سمعنــــــــا ******لســـــان الحال ينشدنا لديه

(أليس من العجائب أن مثلي ******** يرى ماقلّ ممتنعاً عليه)

(وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً ***** وما من ذاك شيءٍ في يديه) (3)

وردت كلمة (الصدر)، ويعني به الصدر الأعظم، قاضي القضاة، نقلت النص من (جواهر أدب ...) السيد أحمد الهاشمي ، وحرّكت بعض الكلمات، ووضع الشدات والتنوين، إن لزم الأمر ...، ولله الأمر من قبل لاومن بعدُ!!

 

15 - شوقي بين حساده بعد أن بويع بإمارة الشعر 1927 م:

لم تتفق كلمة الشعراء على أن أحمد شوقي أميرهم في شاعريته، ولِمَ الإمارة؟  ولماذا أمير؟!! وعلى مَن؟ وهل الشعر دولة، ولها كيان؟ والحساد كثيرون، والساخرون مستعدون،

وقد حاول هؤلاء الشعراء أن يسخروا من هذه المبايعة لشوقي بإمارة الشعر، فأقاموا احتفالاً لمبايعة أخرى على هواهم، ورأوا أن يؤمروا أميراً للشعراء يختارونه هم، ووجدوا هذا الأمير في شخصية رجل بسيط محب للأدب ويعمل في دار الكتب المصرية، ويسمى حسين محمد ويلقب بـ (البرنس)، ومادام (برنساً) فهو جدير بإمارة الشعراء.

وأقيم الحفل في ليلة من ليالي رمضان، والتف جمع من هؤلاء الشعراء حول البرنس الجالس على كرسي إمارة الشعر، يمطرونه بمدائحهم ومن هؤلاء الشاعر الفكه حسين شفيق المصري الذي عُرف بشعره (الحلمنتيش) والذي قال فيه:

يا حماة القريض حول البرنس **أصبح الشعر دولة ذات كرسي

وهل الحكم والإمـــــارة إلا ***لبرنس يُضحي بـرأي ويمـــــسي

يقرض الشعر مثلما يقرض الفأرُ ***حبالاً قـد فتلت من دِمَقــس

كان من قبله القريض بجلبابٍ ***فأضحى (ببنطلون) و(جـرس)

أيها الشاعر الكبير رضينـــاك ***أميــراً، فكُنـــهُ تفديك نفســي

ثم تداعي بعض المثقفين فأقاموا حفلا لإعلان صلاح عبد الصبور الحداثي أميراً للشعراء لكن صلاح لم يحضر مفشلاً سعيهم (4)

 

16 -  يقول ابنه حسين: في مجالسه الخاصة يميل إلي المرح وله أصدقاء ظرفاء مثل محمد البابلي والدكتور محجوب ثابت وعبد العزيز البشري وله مداعبات شعرية كثيرة مع الدكتور محجوب وبعض أصدقاءه وأقاربه ومنهم ابن خالته الذي كان يتميز بأنف طويل وقال له شوقي مداعبا عقب عودته من الحج:

لك أنف يا ابن خالتي *** تعبت منه الأنوفُ ****أنت بالبيت تصــــلي وهو بالركن يطوفُ

وللشاعر العباسي ابن الرومي وصفاً كاريكاتيرياً للأنف مرات عديدة منها:

حملتَ أنفاً يراه الناس كلهــــــم *** من ألف ميل عيــــــاناً لا بمقياسِ

لو شئتَ كسباً به صادفتَ مكتسَباً** أو انتصاراً مضى كالسيف والفاس

فكان تصويره للأنف رائعاً، وجعل له فائدتين، فمنظره الغريب يجلب له مالاً إن أظهره للناس، وهو سيف يقاتل به.، وله وتأثر بهما شوقي في وصفه:

لك أنف بل أنوفُ ***** أنِفَتْ منــه الأنوفُ

أنت في القدس تصلي **وهو بالبيت يطوفُ (5)

 

17 - إبراهيم ناجي (1898-1953م):

يقول الدكتور شوقي ضيف في (الأدب العربي المعاصر في مصر): في " شَبْرَا" أحد أحياء القاهرة وُلد إبراهيم ناجي سنة 1898 لأسرة مصرية مثقفة، وأخذ يختلف -مثل أقرانه - إلى الكُتَّاب، ثم المدرسة الابتدائية، فالمدرسة الثانوية. ووجد في أبيه الذي كان ينزع إلى قراءة الآثار الأدبية في العربية والإنجليزية موجِّهًا ممتازًا، وكان أهم شاعر أُعجب به ناجي في نشأته خليل مطران، ولما أتم دراسته الثانوية التحق بكلية الطب، وتخرج فيها سنة 1923 وهو يحذق الإنجليزية. وتعلم الفرنسية، ولما أسس الدكتور أحمد زكي أبو شادي جماعة أبولو سنة 1932 اختاره وكيلًا لها، ونهض معه بإخراج مجلة أبولو المعروفة. (6)

 

18 - من طرائفه:

تذكر (مدونة أقرب) من طرائفه: كان ناجي يجلس ومجموعة من أصدقائه منهم محمود تيمور وإبراهيم المصري ومحمد أمين حسونه وغيرهم في جروبي عدلي ودخل عليهم عبد الحميد الديب وتناول ناجي بكلام بذي ولم يرد ناجي في جينه عليه ليس عجزاً وإنما ترفُّعاً ولم يتمالك شيطان شعره أن يمر الموضوع ويمضي صاحب الإساءة بإساءته فأطلق عليه صواريخه القاتلة:

رجلاً أرى بالله أم حشرة *** سبحان من بعيده حشره

يا فخر " دارين" ومذهبه **وخلاصة النظرية القـذرة

أرأيت قردا في الحديقة قد *** فلّته أنثــاه على شجرة

عبد الحميد إعلمْ فأنت كذا ***ما قال دارو، وفي البيت جناس تمام جميل ...!!ين وما ذكره

يا عبقرياً في شناعتــه *** ولدتك أمــــك وهي معتذرة (7)

الأبيات من البحر الكامل حذاء العروض والضرب، ولكن أرى عجز البيت الأول فيه خلل عروضي، ثقيل على السمع، يا حبذا لو كان (سبحان من بوعيده حشره)

 

19 - إسماعيل صبري 1854-1923م

يذكر شوقي ضيف في مصدره السابق: وُلد إسماعيل صبري في القاهرة سنة 1854 لأسرة متوسطة، وأخذ يختلف منذ نشأته إلى المدارس على غرار نُظَرائه من أبناء هذا الزمان، فالتحق بمدرسة المبتديان سنة 1866 ثم بمدرستي التجهيزية والإدارة "الحقوق" وأتم دراسته في الأخيرة سنة 1874. وبمجرد تخرجه فيها أُرسل في بعثة إلى فرنسا، فنال شهادة الليسانس في الحقوق من كلية إكس سنة 1878، وفتحت هذه الشهادة الأبواب أمامه كي ينتقل في وظائف السلك القضائي بمصر، وفي سنة 1896 عُيِّن محافظًا للإسكندرية، وظل بهذه الوظيفة ثلاث سنوات انتقل في نهايتها وكيلًا لوزارة العدل "الحقانية حينئذ". وما زال يشغل هذا المنصب حتى طلب إحالته إلى المعاش في سنة 1907. وخلص منذ هذا التاريخ لشعره وفنه حتى لبَّى نداء ربه في سنة 1923.

تحول بيته إلى منتدى يألفه الأدباء والشعراء، وعُرف بين الأخيريين خاصة بذوقه الدقيق وحسه المرهف، فكانوا يعرضون عليه أشعارهم، ويستجيبون لنقده وملاحظاته، ولعل ذلك هو السبب في أن معاصريه كانوا يلقبونه "شيخ الشعراء " فهو شيخهم المجلِّي، واعترف بذلك حافظ وشوقي في رثائهما له، يقول حافظ:

لقد كنت أغشاه في داره***وناديه فيها زها وازدهرْ

وأعرض شعري على مسمعٍ**لطيفٍ يحس نبو الوَتَرْ

:ويقول شوقي

أيام أمرح في غبارك ناشئًا *** نَهْجَ الْمِهار على غبار خصافِ

أتعلّم الغايات كيـــف ترام في****مضمار فضل أو مجال قــواف (8)

 

20 - طرائف إسماعيل صبري:

وكان الشاعر إسماعيل صبري يقول عن صالون مي يوم الثلاثاء:

روحي على بعض دور الحي حائمة **** كظامئ الطير تواقا إلى المـــــــاء

إن لم أمتــــــع بميٍّ نــاظـــــريَ غداً ***لا كــان صبحك يا يـــــوم الثلاثـاء

 

كان لاسماعيل صبري أخت اسمها أسما وفى إحدى المرات ذهب اليها فى دارها ولم يستطع الدخول فقال:

طرقت الباب حتى كلَّ متني ****فلما كـلَّ متنـي كلمتني

فقالت يا إسماعيـل صبـراً **فقلت يا أسما عيل صبـري

كلَّ: تعب، والمتن هومنطقة الرسغ فى اليد، ولمّا تعبتْ متني كلمتني (أجابتني):

أيا إسماعيل صبراً (اشبيك يا سبحان الله !!)، فقلت لها يا أسما عيل (نفد) صبري !!

ونحن لم ينفد صبرنا، فالصبر جميل، ولكن طال بحثنا، والبحث طويل .....!!

 

كريم مرزة الأسدي

.....................

(1) الشاعر والسيارة: خالد القشطيني - صحيفة الشرق الأوسط.

الخميـس 19 رجـب 1431 هـ 1 يوليو 2010 العدد 11538

(2) إبراهيم طوقان: الموسوعة الحرّة .

https://ar.wikipedia.org/wiki/

(3) جواهر الأدب في أدبيات وإنشاء لغة العرب: أحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي - توفي 1362 هـ - ج2 ص 355 - المكتبة الشاملة .

(4) إمارة الشعر .. واكراهات واقع القصيدة العربية: د . الشيخ سيدي عبد  الله الأحد، 12 مايو 2013 م - وكالة النبأ الأخبارية .

(5) ابن الرومي: الرسام الكاريكاتيري الرائع: الدكتور عثمان قدري مكانس

http://www.saaid.net/wahat/a/72.htm

(6) الأدب العربي المعاصر في مصر:أحمد شوقي عبد السلام ضيف الشهير بشوقي ضيف - 1 / 154 - الطبعة 13 - دار المعارف .

(7) مدونة اقرب - مواقف طريفة - من طرائف الشاعر إبراهيم ناجي

http://aggrab.blogspot.com/2011/10/blog-post_9438

(8) الأدب العربي ...: 1 / 92 - 94 - م. س .

 

مصادر ومراجع أخرى عامة:

9 - مجلة «الزهور» المصرية: أسسها: أَنْطُون الْجُمَيِّل والشيخ أمين تقي الدين

(الناشر: دار صادر (تصويرا عن: مطبعة المعارف بشارع الفجالة - مصر

عام النشر: صدرت من 1910 - 1913 م

10 - الشوقيات ...ديوان أحمد شوقي .

11 - ديوان حفظ إبراهيم.

12 مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند، جمادى الأولى – جمادى الثانية 1433 هـ = أبريل - مايو 2012م، العدد: 5 - 6، السنة: 36

دراسات إسلامية: شوقي في شعر حافظ - بقلم: أ. د. محمد مصطفى سلام.

13 - صحيفة (الأهرام) المصرية، عدد يوم 6 يناير 2016م - مقالة بقلم عبد الحسيب الخناني

14 - المصري اليوم - العدد ٢٦٨٠

السبت  ١٥  اكتوبر  ٢٠١١ عدد اليوم - أحمد محمود سلام - ذكري رحيل امير الشعراء أحمد شوقي.

 

 

طالب عبد الأمير: دلالات المنفى في شظايا أنثوية

talib abdulamirفي مجموعته القصصية الجديدة "شظايا أنثوية" يواصل رحمن خضير عباس غزل حكاياته بخيط رمزي شفاف، بدأه في مجموعته القصصية الأولى "أوراق من يوميات حوذي"، حيث نتلمس في مفاصله دلالات الإحساس بالنفي والغربة تتقاطع مع الواقع المادي المعاش. هذه الثنائية التي تفصح عن حالة يعيشها من ترك بلاده مجبراً للعيش في المنافي، فيحاول من خلال سياقات صيرورتها دوزنة الروح التي أتعبها التجوال في فضاءات غريبة. وهذا ما نجده في هذه المجموعة القصصية، إنطلاقاً من مبتدئها، وهي قصة "ساعة جدارية" التي تشي بالكشف عن هذه الثنائية في تداخل الافكار والانشغالات المفصلية بين عالمين، أحدهما رمزي يعيش في إحساس وذاكرة المنفي، والآخر واقعي معاش ترتد فيه أصداء الحياة، التي عاشها في وطنه قبل الرحيل عنه الى ضفاف نائية، وقد شكلت، رغم صخبها وتداعياتها التي أجبرته على ترك الوطن، شعوراً بالحنين، الذي تتجلى أبعاده حتى في ابسط الأشياء التي يحس فيها بما يرمز للوطن، لكنها تعكس في مرايا نفسه دلالات شتى. فالساعة الخشبية الملصقة بخارطة الوطن ، التي أقتناها من "محلات الرافدين للبقالة"، في مدينة وينزر، على  التخوم الجنوبية لكندا، منفاه، تحمل أكثر من دلاله بالنسبة له: فهي ترمز للزمن القديم الذي توقف عند جغرافية الوطن الذي أبتعد عنه كثيراً، لكن عقاربها مازالت تعزف ايقاع الذكريات التي توزعت على  خارطة خشبية صامتة معلقة على  جدار داخل بيته. هذا الوطن الذي هرب منه يوماً نراه يحتضنه الآن من جديد، مجسداً في خارطته التي تحمل نبض الحياة الذاوية في ساعة، بات متسمراً عند دقاتها، متعلقاً بأشرعة الزمن المر على تخومها، كما يقول بطل القصة: " أدور مع عقاربها، وهي تقطع المسافات الشاسعة، وكأنها سفينة في معترك المد والجزر البحري، وأنا متشبث كالغريق في حبالها، مُصر على عبور المسافات، والسنوات التي تحملني إلى أيام الطفولة، وأيام الشباب الذي ذوى بعيداً عن.."  في هذه القصة التي قد تبدو معايشة فردية، لكنها تحمل في سياقاتها ظاهرة يتقاسمها المنفيون، الذين لم يستطع المنفى تجفيف عروق ارتباطهم بالوطن، "فقد حملوا معهم عراقهم في رقصاتهم وافراحهم وحتى في مشاكساتهم".

رمزية الساعة الجدارية تتكرر في قصة "آلة الجوزة البغدادية" التي اقتناها في بغداد، ليحملها معه الى مغتربه في كندا. مع اختلاف رمزية الفكرة في كلا القصتين. ففي حين حمل المغترب ساعته في منفاه بحرية ودون قيود، لم يتمكن من حمل جوزته معه من وطنه، اذ صادرتها منه شرطة الحدود. وفي هذا دلالة على الشعور المزدوج بالنفي، ولكن ايضا التشبث بالاحتفاظ بما يرمز للوطن رغم بساطة الفكرة، حيث الاصرار على صنع الآلة الموسيقية التي تحمل نكهة تراث بغداد بيده: "لا ، لن اجعلهم يسرقون مدينتي. سأصنع الجوزة".

صورة المنفى لا تتأطر فقط في ألبوم الحنين الى الوطن والذكريات النابضة بإيقاع الزمن، بل تجد ملامحها في سياقات عديدة، تشكل حالة من الشعور بالتغرب، ولكن بالمجازفة والتحدي، أيضاً. وهنا نحن امام حالة، ليست استثناء، فهي متكررة في حكايات الغربة والنفي، ولكن تناولها من زاوية مختلفة يعطيها بعداً درامياً آخر، كما هي قصة " أغنية تحت المطر" وعنوانها يذكرنا برواية " الحب تحت المطر" لنجيب محفوظ، رغم اختلاف التيمة. فالعنوان يوحي للقارئ انه مقبل على السفر مع قصة رحمن خضير عباس في رحلة رومانسية ، لكنه يتفاجئ بمعاناة لاجئ  هرب من الحرب العراقية الايرانية، فوجد نفسه في مهب رياح عليه مقاومتها وتحدي عتيها. في حبكة فنية أوهمنا القاص في البدء انها سرد لأحداث واقعية، لكننا نكتشف في النهاية ان القصة مجرد حلم متداخل بكوابيس اشباح مترائية في اليقضة، يعكس عن حالة من حالات تجلي الشعور بالنفي.

وكما للشخصيات التي يتعامل معها القاص في سرده  خصائصها وطبائعها وخلفاياتها، فللأمكنة والمدن، بشوارعها ومعالمها وبماحفلت بها من مزايا وما مرت به من احداث تأريخية، مكانتها في  نسيج عوالم قصص رحمن خضير عباس. فنجد بغداد ووجده ومراكش، وفاس وشقلاوه، ووينزر، وأتاوه والحسيمة وغيرها من محطات العمر مبحرة فيها. وحين تُذكر المدن يتجلى حضور المرأة في حضرة الشعر والاحساس بنداوة الزمن. فوجدة "مدينة الالف مسجد، مسكونة بالغرابة والاضداد" روت حكايتها آسية، الفتاة التي اقحمت نفسها في عالم وحدته وتغربه. والحلم المركّب الذي راوده في مراكش، في قصة "حب تحت المطر" كانت في تفاصيله امرأة مجهولة، تلك التي نقرأ عنها في قصة "شظايا أنثوية" انها "تبدأ من البرج – وربما تنتهي إليه – وكأنها تائهة تحت رحمة الصدفة الحائرة. هل كانت متعطشة لصهيل مدينة أدمنت على الضجيج، وهي التي تعشق الصمت وتلوذ به؟. كانت مغرمة بأشعار محمود درويش ورؤى نجيب محفوظ وحزن كنفاني". وهي الزوجة التي تأتي حاملة باقة من ورود التوليب، في قصة "الضفدعة الحجرية". صورة المرأة في قصص المجموعة، بالإضافة الى كونها تمثل عنصراً فنياً في البناء القصصي، فهي تملك وظيفة مهمة في السرد، قد تبدو في بعض الحالات مجتزأة، لكن حضورها يتكامل في السياقات التي تدخل في تفاصيلها، اذ نتلمس شظاياها في خلجات المنفي الغريب وهي "تحلق في ضوء القمر مستشهدة بقول لجلال الدين الرومي: أيها المسافر لاتضع قلبك في أي منزل مهموماً عند الرحيل عنه". بقي أن أقول أن رحمن خضير عباس عرفته قاصّاً منذ بداية السبعينات، وهو يملك ذات الاسلوب السلس التلقائي في السرد، لكن الملئ بالدلالات أيضاً. وأن قرائتي المتواضعة لهذه المجموعتة "شظايا انثوية" الصادرة حديثاً عن دار تموز للطباعة والنشر، والتي تضم قصص ثمان، وتدور احداثها بين العراق والمغرب وكندا، ليست سوى انطباعات عابرة، لا تدخل في مجال النقد الأدبي.     

 

عبد القادر كعبان: مذكرات طبيبة لنوال السعداوي: شذرات من سيرة ذاتية تفوح بالألم

abdulkadir kabanينتمي كتاب "مذكرات طبيبة" للأديبة المصرية نوال السعداوي لأدب السير الذاتية وهو جنس يتداخل مع الفن الروائي، أين قدمت للمتلقي تفاصيل من حياتها بضمير المتكلم (أنا) تأكيدا على هيمنة شخصيتها على بنية هذا العمل الأدبي، وبذلك صارت الساردة متكلمة ومنتجة للقول في العموم.

تبوح السعداوي منذ الصفحات الأولى على لسان الساردة عن صراعها الدائم مع أنوثتها والتي لم تكتشف معالمها إلا مع مرور الوقت، وذلك لارتباط المحكي بالمؤشرات التي نقرأها فيما يلي: "ما هذا الجسم الغريب الذي يفاجئني كل يوم بعار جديد يزيد ضعفي وانكماشي؟! ترى أي شيء آخر سينبت في الغد على جسدي؟ أو ترى أي ظاهرة أخرى جديدة تتفجر عنها أنوثتي الغاشمة!" (ص 8).

واجهت الساردة ما كان يحدث لها من تغير فيزيولوجي بالرفض، حتى أنها كرهت كونها أنثى منذ نعومة أظافرها، لأنها وجدت نفسها تحت حماية جبرية فرضتها عليها والدتها: "وإذا كانت أمي تحبني حبا حقيقيا هدفه سعادتي وليست سعادتها، فلماذا تكون كل أوامرها ورغباتها تتعارض مع راحتي وسعادتي؟! أيمكن أن تحبني وهي تضع السلاسل كل يوم في قدمي وفي يدي وحول رقبتي؟!" (ص 14).

كتاب "مذكرات طبيبة" يرتكز على ذاكرة نوال السعداوي وما تحاول استعادته بما يسمى الشذرات من سيرتها الذاتية التي تفوح بالألم، حيث أنها فضلت التمرد على أنوثتها بعد تفوقها الدراسي لتدخل مجال الطب: "الطب شيء رهيب... رهيب جدا... تنظر إليه أمي وأخي وأبي نظرة احترام وتقديس. سأكون طبيبة إذن... سأتعلم الطب... وسأضع على وجهي نظارة بيضاء لامعة... وسأجعل أصابعي قوية مدببة أمسك بها إبرة طويلة حادة مخيفة..." (ص 22).

يستولي جنون المعرفة على كيان السعداوي لتكتشف أسرار الإنسان، وهذا ما يحفزها على إلغاء تلك الفروق التي رسمتها لها الذكريات بينها وبين أخيها الذكر، كما جاء على لسان الساردة: "أثبت لي العلم أن المرأة كالرجل والرجل كالحيوان... المرأة لها قلب ومخ وأعصاب كالرجل تماما... والحيوان له قلب ومخ وأعصاب كالإنسان تماما... ليست هناك فروق جوهرية بين أحد منهم وإنما هي فروق شكلية تتفق جميعا في الأصل والجوهر." (ص 32).

تتعجب الساردة من تلك القطعة البيضاوية الصغيرة من اللحم والتي جعلت الإنسان جبارا على وجه الأرض، كما نستشف ذلك في المشهد السردي الآتي: "وأمسكت المشرط وقطعت المخ إلى أجزاء... ثم قطعت الأجزاء إلى أجزاء... ونظرت وتحسست وبحثت ولم أجد شيئا... مجرد قطعة من اللحم الناعم التي تذوب تحت أصبعي..." (ص 28).

استطاعت السعداوي حبك الحوادث وجعلتها تتفاعل مع الأمكنة التي مرت بها، حيث انتقلت من المدينة إلى الريف وتركت كل شيء خلفها، لتجد لنفسها مكانا آخر لاستعادة روحها الممزقة: "وتركت الهواء يرفع عني أرديتي... وأحسست في تلك اللحظة أنني ولدت من جديد وولدت معي عاطفتي... ولدت لتوها حقا، ولكنها ولدت عملاقا جبارا يريد أن يعيش ويطالب بحقه في أن يعيش..." (ص 47).

هناك امتداد زمني بين الماضي والحاضر في "مذكرات طبيبة" حيث استعانت السعداوي بتكنيك الاسترجاع، لتعود بالمتلقي بين الحين والآخر لطفولتها وعلاقتها بوالدتها وعائلتها في العموم: "ضاعت طفولتي في صراع ضد أمي وأخي ونفسي... والتهمت كتب العلم والطب مراهقتي وفجر شبابي... وهأنذى الآن طفلة في الخامسة والعشرين من عمرها.. طفلة تريد أن تجري وتلعب وتنطلق وتحب..." (ص 51).

تكشف لنا الساردة عن علاقتها بذلك المهندس الذي زارها يوما في عيادتها، ليشكرها على واجب مهنتها كطبيبة بعدما فحصت والدته، والتي صارحته فور ذلك بموتها: "نفذت كلماته إلى أعماقي الثائرة فهدأتها ودخلت إلى قلبي الحائر فطمأنته... وأحسست أن الصراع الذي كان بيني وبين الرجل يذوب حتى آخر قطرة فيه..." (ص 61).

تبوح لنا البطلة بندمها الشديد لزواجها بذلك المهندس، حتى أنها فكرت في أن الحرية هي خلاصها من ذلك الرجل الضعيف، لكنها سرعان ما تقع في شباك الوحدة لتجد نفسها تبحث من جديد عن الحب، كما نقرأ ذلك على لسان الساردة: "أليس من الضروري أن أبحث عنه بين الرجال؟ وكيف أبحث عنه إذا لم أنتقل هنا وهناك أنظر في وجوه الرجال وعيونهم... وأسمع أصواتهم وأنفاسهم... وألمس أصابعهم وشواربهم... وأكشف عن أعماق قلوبهم وعقولهم؟ هل يمكن لي أن أعرف رجلي في الظلام أو من وراء الشيش أو من على بعد كيلومتر؟" (ص 76).

تمزج السعداوي حكايتها بأسلوب ساخر على عجز العلم للحفاظ على حياة الإنسان بشكل عام، وهذا لحظة توقف قلب تلك المرأة التي وضعت وليدها وماتت أمامها: "هذا الإنسان المغرور الجبار... الذي لا يكف عن الحركة والضجيج والتفكير والابتكار... هذا الإنسان يحمله على الأرض جسد بينه وبين الفناء شعرة رفيعة جدا... إذا قطعت... ولا بد لها أن تقطع... فما قوة في العالم تستطيع أن توصلها..." (ص 40).

قارئ "مذكرات طبيبة" سيعيش حتما لحظة بلحظة تمرد المبدعة نوال السعداوي -كما تشهد على ذلك معظم أعمالها- في وجه مجتمع يرفض فكرة أن تعيش المرأة بدون رجل، لا يخلو من جمالية اللغة البسيطة التي ساعدت البطلة في عملية البوح البادي ما بين ذات الكاتبة/الشخصية ومحيطها.

 

بقلم عبد القادر كعبان - كاتب وناقد جزائري

.......................

 (1) نوال السعداوي: مذكرات طبيبة ، دار المعارف، ط2،1985.

 

احمد الشيخاوي: ريم الخشّ القصيدة النموذجية في تشكيل الأنوثة النابضة بوجعها الكوني

ahmad alshekhawiعلى مرّ التاريخ،حتى في جاهلية وأدها وأوج الممارسات القمعية التي هدّدت وجودها، استطاعت الأنثى إثبات قوتها وتفجير طاقاتها وفرض صوتها بجدارة واستحقاق، وإن على سبيل الشذوذ و عبر حالات متواترة ،فكان أن انسلخت كلّيا  عن الصورة السلبية والضيقة جدا كلعنة ملا زمة للجنس الناعم، وما على قبيل ذلك من كوادر الالتصاق المفاهيمي بفسيولوجية النوع كسرطان عشّش وعمّر طويلا في المخيال الذكوري ولم يزل.

فتولّد الانزياح مشكّلا صفعة قوية للعقول المتحجّرة والمريضة ، ومعلنا شموخ المرأة وتساويها في الكفاءة والقدرات مع غريمها الرجل، بل منافسته و التفوق عليه في الكثير من المجالات.

وإذا كان مفهوم مليشيا الثقافة وليد مرحلة ما بعد اندلاع أولى الثورات العربية، في أبسط توصيف له ،فإن أسمى ما يسجّل له،حمله لجملة من المعاني المنتصرة لأدوار الأنثى الطلائعية ، ووظائفها الحيوية في خوض مغامرات الحياة بكل أطيافها و تفاصيلها الحلوة والمرة جنبا إلى جنب مع الجنس المضاد لها تكوينا وخلقة ومعارف وأهدافا ووجدانيات .

إنها موجة تؤرخ لعصر الانحطاط ولشهوة الفتك والسطو وبخس الروح الآدمية حقها وشتى مرادفات الشرور و الفوضى والدمار. موجة تجرد فرسانها إلا من تفخيخ الكلمة وتعبئتها بمشاعر الخيبة والمرارة والتمرّد ومنظومة ما يدفع باتجاه تعريض رعاف العالم و شظاياه وأشلائه وكامل حطامه إلى مرآة أغاني الحب والحياة.

تأبى الشاعرة السورية المتألقة في كلاسيكيتها الحديثة، إلا أن تغرّد وسط هؤلاء، محرجة بأشعارها فحول الجلادين ، وناقمة لنون النسوة من آلهة اليباب وجبابرة استعباد الأوطان ومصادرة حقوق الشعوب.

يزهو الحس الوطني لدى شاعرتنا كاشفا قرانه الفني مع لازمة ثورة/حب ،ومدبجا بالمفردة الدالة على ملائكية الأنثى وكيف أن رؤوس الشياطين مروّضة ومسيطر عليها، لا تطل منها إلا عند الضرورة والحاجة،تحديدا حين تطعن في هويتها وكرامتها وإنسانيتها.

"سوريةٌ أنا..

...

ومن عروقي الفجر ينمو..

و يسطع من نوري الصواب..."

إنها الهلامية الأليق بيقين النسب إلى جغرافيا لها قدسيتها ورمزيتها بين الأمم . الفجر يتلبس هذه النرجسية والنور، وهنا الإشعار صاعقا يُمرّر إلى سدنة استباحة كهذه أرض، ورافلا في ثوب الغضب والسخط الذي هو من نسيج معجم مطبوع بخطورة نون النسوة ومعجون بمعاناة الأنثى في انتقال الخطاب وتحوله إلى مستويات المدح الذم.

 

"سوريةٌ أنا..

وفي ردائي.. الحق يجثو

ويهطلُ من كفي السحاب..

 

سوريةٌ أنا..

ومن رحميَّ الخصب ينمو

ويولد الحرف...ويزهو بالكتاب

 

سوريةٌ أنا..

مرَّ من الرحمِ أحقابٌ عجاب

 

سوريةٌ أنا..

لا يخيفني العهر..أو شرَّ الذئاب

هل تخافُ الحرة من وهمِ الضباب؟؟

هل تخاف الحرة من نعقٍ الغراب؟؟

 

سوريةٌ أنا

يزلزلُ الأرضُ نهدي.."

ويلمع من صدري الشهاب.."

أنا بداية التكوين..

أنا عشتارُ..وأرقام الحساب..

لا يخيفني الليل..يا زناة الليل

لا يخيفني اللؤم ..أو زيف السراب

سوريةٌ أنا..

أنا منبع الخير...يا أهل الصواب.."

إنها سلطة اللاشعور واستلهام تراكمات الذاكرة ، لإنتاج جماليات تغذيها ثيمة الحب في شموليته وسرمد يته وامتداداته ،يقود ذلك إلى خارطة مدح الأرض في ذمّ زناة الليل، مثلما أسمتهم شاعرتنا، كون الليل مرعى ومرتعا لأنانيتهم الموبوءة و تعطّشهم لدماء قرابين من نسج أحلامهم فقط، كأنما يرمون إلى إضفاء لون من المشروعية على إلوهيتهم الزائفة.

*يزلزل الأرض نهدي.

تسطع دوال هذا السطر الشعري، لتنتج عقلية جديدة شاهدة لجيل الأنثى الطاعنة بكلمتها قيادات مترهلة ومفككة يستهويها امتطاء أحلام البسطاء حبّا في السراب و هاوية تروي عقدة الجيل.  

قصيدة هامسة وراسية المغزى على قصدية تكرار العتبة، قالت كل شيء، ووشت بملامح نوستالجيا تجربة فريدة وحّدت الوجع واقترحته في كونية استغرقها زمن النبش في مثالب راهن تكالبت على مصالح أبريائه،حثالة اللقطاء.

 

احمد الشيخاوي/ كاتب مغربي

 

حميد حسن جعفر: كيف يكتب -سلام دواي قصيدته.. كيف يستقبل القاريء قصيدة سلام دواي

salam dawayالشاعر سلام دواي حالة حال جميع الفقراء للمال، ولكنه غني بالإشارة إلى بوابات المعاني، والغني صفة تلصق بالحياة، فيقال الحياة غنية /أي جميلة،

الشاعر لا يصنع مفاتيح الغنى هذا، لأنه لا يمتلك هكذا فعل سحريا، ولكنه يدل من حوله على وسيلة التحقيق، حيث تتعدد تلك السبل و تختلف، وكل إنسان /كل قاريء بما يمتلك من مقومات بإمكانه أن يحقق الهدف،أو جزءا من الهدف،

شخصية النص الشعري لدى سلام دواي كائن فاعل يحاول إعادة التوازن للواقع الواقف على رأسه وذلك عن طريق صناعة الجمال،

الشاعر يحدد الجمال و اللا جمال، لا أعتقد أن --سلام دواي --من الممكن أن يشير إلى القباحة، الشعراء لا يصنعون /يقسمون العالم / وجهي العالم، إلى جميل وقبيح، بل بجميل، و غير جميل، ليجد القاريء نفسه بعيدا عن الضد، إذا أن الجمال رغم أهميته هو فعل نسبي، وكذلك الحال مع اللاجمال/ عدم الجمال،

قد يتحقّق الجمال عن طريق المال، أو عن طريق ابتكار الأفكار، أو عن طريق الموسيقى، إلا أن الشاعر --وهذا مايجب أن ينتبه إليه القاريء أو المتابع لكتابات الشاعر --قد أغلق الاقتراحات التي وضعها على مائدة القراءة، باكثرها لاقتراحات قربا إليه --على الرغم من أن الشاعر لم يعلن عنه كمقترح بديل، أنه العلاقات الإنسانية بين المرأة والرجل، الرجل شخصية النص، و حبيبته،

هكذا يقترح الشاعر على متابعيه اول وآخر المفاتيح، أول و آخر الثغرات في جدار الواقع الشديد القسوة، أنه الفعل الجامع المانع، الذي لا غنى للإنسان عنه،

وعلى الرغم من أن القصيدة / الشعر لا يمكن أن يتحول آلى مائدة مسديرة لتداول الأفكار والمقترحات، إذا يتوجب على القائل / الشاعر أن يتخلى عن الكثير من الشاعرية، لأن الشعر ليست حلقة نقاشية لتداول أمور الحياة --رغم أهميتها و مشروعيتها، --و وضع الحلول،

إلا أن الإنسان الشاعر عندما يكون قادرا ومقتدرا على صناعة شيء من التوازن مابين الشعري و الا شعري، قد يضحي بشيء من هذا وقد يتجاوز أشياء، متناسيا إياها من الجانب الآخر، عند ذاك يتصاعد تنفس الشعري /الاستثناء على حساب اللاشعري / الاعتيادي،

ما الذي فعله الشاعر --سلام دواي --حتى تمكن من كتابة قصيدة وسط فوضى أدوات الحياة الكثيرة المتناقضة و المتضاربة،  ؟تم أن الشاعر هو هكذا كائن بإمكانه أن يفعل ما يقف خارج الأسئلة، ليكون --سلام دواي --شاعر أقبل أن يكون منظرا، آو قبل أن يكون مقدم برامج تتحدث عن كيفية صناعة التوافقات من أجل القيام و ال نهوض بمتطلبات الحياة،

ما كان الشاعر يطمح لأن يكون أكثر من شاعر، لذلك فإن مجهوداته لم تكن خارج هذا النص،

قد تكون مقترحاته هي مقترحات سواها منفردة، فأجابه يجمعها وسط جغرافية واحدة ضمن عملية من الإضافة و التحفيز والتقريب التداخلات، هذه المفاصل لا يمكن لأصحابهاو أن يجتمعوا على أن يشكلوا وحدة أو اتحادا أو عالما متشكلا من تناقضات، ما بين المادي و الروحي ما بين الظاهر والباطن، هذه العملية /الزرع لمفروزات تنتمي لنفسها فقط أم يقدر عليها سوى الشاعر،

*****

قد لا تفي القراءة الواحدة، وهذه علامة من علامات القراءة لمنجز -سلام دواي --الشعري، حتى بات القاريء يبحث عن مخبوءات القصيدة، فهو يخفي بالتوافق مع القصيدة أكثر مما يظهر بل يحاول لا ضمن فعل الغموض، ويعمل وضمن اللعبة الشعرية أن لا يكشف عن جسد القصيدة، إلا من خلال تعدد القراءات و تعدد مستوياتها، ،المتعارف عليه أن لكل قراءة وان كانت لقاريء واحد--قدرة على الكشف و الاستقبال تختلف عن سابقاتها، وفق هكذا تصورات،سيكون موقف جميع القراء، القاريء و القصيدة و الشاعر في مأمن من الخسائر، فكل من الثلاثة سوف يكون مطمئنا على نفسه من الاخر، ،هذا ما يحصل لدى الكثير وربما جميع قصائد الشاعر--سلام دواي --،فهي بحاجة إلى قاريء مطمئن إلى معرفياته، قادر علشان يمنح القصيدة الكثير من فرصة الظهور، هذا الظهور لا يمكنه أن يتم عبر جهل القاريء، أو عبر الغواية، الأولى، بل إن خسارة القاريء تبدأ من خلال عدم معرفته بكيفية الدخول إلى فضاء القصيدة، لذلك سوف يجد هذا القاريء أو سواه من زمرته أن القصيدة لم تكن سوف حجر أصم، أو شجرة لا تؤتي ثمرها لكل جائع أو لكل طالب حاجة،

****

أنا متأكد جدا أن مجموعة قراء كتابات --سلام دواي --ربما تشكل أكثر من نخبة على الرغم من أنه يكتب وفي باله و توقعاته أن القصيدة موجهة لكل المتابعين و المهتمين بالشأن الشعري،

ولكن ما الذي من الممكن أن يفعله الشاعر، وما من مشكلة في الأمر سوى أن ما يكتب --سلام دواي --لا يمكن أن يخرج من جادة الشعرية، وأن مخبوءاته لا تقدم نفسها الا  لصاحب بصيرة، وأن المعارف هي طريقة أساسية للوصول إلى القصيدة،

***

هكذا تجيء  القصيدة من قبل منتجها، وعلى هذا النحو، على هذا القاريء أن يكون استقباله لها، فبقدر ما تمتلك القصيدة من سهولة ووضوح تمتلك الكثير من الغموض و الصعوبات، ما دام القراء لا يمكنه أن يكونوا على درجة واحدة من الفهم والاستقبال،

فالاختلاف لا ينتج الا  احتلافا،والنص على الرغم من انه  قصيدة واحدة، ولكنها من الممكن أن تتشكل من خلال العشرات، وربما المئات، وبتعدد القراءة و القراءات المتعددة، تتعدد أنواع و ردود أفعال النص في مواجهة الإنسان /القاريء

هكذا يكتب سلام دواي .. وهكذا تكون الاستقالات              

     

حميد حسن جعفر

 

بسام فاضل: الغادرة.. رواية للروائي الشاعر د. محمد مسعد العقله

صدر مؤخراً عن دار أمجد للتوزيع والنشرفي المملكة الاردنية الهاشمية للروائي اليمني الجنوبي د. محمد مسعد رواية الغادرة .

الغادرة ..تداخل بها الديني في تتبع بعض الوقائع التاريخية والتي استندت على القران الكريم مرجعا أساسيا لسرد الوقائع البعيدة في قصة أبراهيم الخليل وتسفيهه للأصنام التي كانت تعبد أنذاك في زمن أنتدب الراوي شخصية معدي لتكون شاهدة على ذاك الزمان وتنصله عن هذه العبادة التي لاتضر ولاتنفع، وتعلقه ببشارات التوحيد الاولى ودلالات نبؤت الخليل والمعجزة التي أتى بها حين قال الله:،، يانار كوني بردا وسلام على أبراهيم كان ذلك في العراق وتنقله الى بلاد الشام داعيا للحق يعلم التوحيد لله، يتعلم الحكمة والنباهه عجافا من موطن الانبياء ودعات التوحيد ومعها أقتبس فنون القتال وخبرة الحرب ودهاء السياسة، ويبدو أن القاص قد وطن هذه الشخصية لتتنقل بين الحرية التي تجسدت في موطنه الداخلي عن العبودية للبشر كي تصبح منقادة سهلة المراس متبتلة إلى التعبد للخالق الواحد الصمد عبدا خالص التفرد علما ودراية شامخ الحريه لمادونه ممتلئي النفس بها .

 يحدث أن يتدخل القدر فيقع معدي أسيرا في يد غير الموحدين، فيساق عبدا من نخاس إلى نخاس حتى يصل به المقام من شمال بلاد العرب إلى جنوبها موطن الرواية الاصلي للروائي فيقوص الروائي بتقلب الزمن من قديمه إلى حديثه فمن زمن الموحدين القدامى إلى زمن الموحدين الجدد في عصر التوحيد حين يصور المملكة التي سيق اليها معدي عبدا بملكتها الغانية الجمال والشاذة السلوك "حذرة" ملئى بشتى الامراض وأبرزها الجدري والذي ذاع صيته في بلاد اليمن شمال ركن الجزيرة العربية ويبدو أنه أنتقل إلى هذه المملكة الجنوبية لملاصقتها تخوم بلاد الشمال اليمني صنعاء، ذمار، يريم، دمت، مريس، قعطبة .

أصاب هذا الداء المعدي قائد جيش المملكة وزوج أبنة الملك "حذرة" التي خطبة عيثت القائد لنفسها وبايعته زوجا قبل أن تستشير أباها قاطعة موافقته عن قوة الشخصية التي تخبئها وهيلامانها المطوق للقصر والتحكم في شوؤن الملك وهذا الهيلامان وأن كان بتارا صلب لاينثني ولا ينحني في وجه المكارة فثمة أمر ينقصه وشائبة تجلب البلبلة للقصر وتخلخل أركانه، ذلك الشبق الجامح في عدم التريث لقتل كان من كان وأن كان كعيثت الذي أحبته وقائد جيش المملكة بعد ماأصابه مرض الجدري والشبق الثاني نزوة الجنس التي تمعن الشذوذ به، فقد عاقرت لنفسها أحد قواد الكتائب، أغتصبته في عزوة زوجها عيثت الذي قتلته بعد أن وجدت السبب لقتله لتتزوج ذلك القائد بركان البسيط في تدبيره عدى من تمكنه من أشباع رغباتها الجنسية وقض طرفه عن جموحها الشاذ في عهده .

هاتان النزوتان الشاذتين مكنت معدي من التمكن منها وأضعافها ومراوغتها لنشر دعوته ومساعدة عيثت حتى مكنه من دخول القصر ثانية سائس خيل المملكة .

يحبك السارد الرواية بمقتل عيثت البطل بأمر "حذرة" على يد معدي أمينها ومنفذ اوامرها حتى يضن القارى نهاية فصل من الرواية عن البطل الحبيب حتى يفك الراوي عقدة القصة بعد أن يجد عيثت عثترمنقذا في كنف الجبل الذي تركه فيه معدي وحيدا لم يقتله لحبه له، ومن ثم طبيب يداوي قروحه بعد أن ضن أن لا منجا له من هذا الداء سوى الموت، وأهتمام الطبيب به ليس كمريض وأنما مخلص للقصر من ضدظلم حذرة، فيقوم على أنقاض البطل عيثت بطل تضن أنه البطل الحقيقي في القصة معدي العبد، الذي لم يكشف عنه الراوي إلا حين عودة عيثت معافى إلى القصر يسوس الخيل ليعرف أن معدي هو من أرسل أليه من ينقذه وهو أرسل الطبيب مهران ليداويه وترعاه أبنتاه حتى يشتد جسده وتعود له قواه من جديد ولا يتركه حتى يجري له أختبارات تضمن ذلك وكان معدي قد جمع حول عيثت رجال ليساعدوه ويستطيع أن يعد له تنظيما قويا على راية التوحيد الإبراهيمية التي تعلمها عن الخليل إبراهيم ، ففي أثنا مرض عيثت الذي ضنه الكثير قد قتل كان معدي يبني تنظيم قوي في القصر والمدينة أستعدادا لعودة عيثت ملكا على المملكة وحلم التنظيم إقامة مملكة موحدة عبرها يتم نشر التوحيد شرقا وغربا .

لم يدر بالأمر، أمر حياة عيثت سوى أختاه عفراء وليلى وجارية جرحت وجنتاها من الدمع على مقتله وكانت من المومنيين فأخبرها معدي إحياء لها .

يتهاوى ملك "حذرة "دون إراقة دماء في القصر أو حواليه هكذا أراد السارد أن تمضي الامور يتهاوى القصر بإستقطاب قادة الجيش إلى صف المؤمنين كما تتهاوى "حذارة" في بوؤس وشقاء العشق حد الشذوذ فتتراخى أمام معدي الذي أراه أنه هو البطل القصصي الحقيقي كاشفة له عن خططها لإلجام المتمردين الكثر الذين خرجو عن طاعتها وتهوي جاثية أمام ركبتيه متوسلة له أن يدخل معها في نزوة شيطانية لتسقط في حضيض المهانة عند أستعصامه وتمسكه بدينه الذي حمته منها وتركها خاوية الفواد كسيرة ضريرة البصيرة، حتى كرهت نفسها وزوجها بركان القائدالذي تزداد النقمة عليه لتصفية القادة الذين يراى أنهم أقوى منه حتى أدركت ذلك بعد الهزيمة التي لحقت بالجيش من عسكر وحاولت مرارا وتكرارا ان تقتل نفسها منتحرة، وما استطاعت ان تتخلصص من هذه الرغبة نحو الانتحار إلا بعد مكاشفة صريحة مع معدي عن حقيقة التوحيد وتجده طريقا للخلاص من النفس الأمارة بالسوى بعد فوات الأوان حين ينقلب عليها ويسقط عرشها فتنزوي في ركنها للايمان والتدبر حتى بعد الصفح عنها وطلبها للزواج من قبل معدي الذي لطالما حلمت به في قضاء متعتة عابرة فتعتذر عن حبه لتفرغها لحب من يحبه وهيامها في التفكر في ملكوته .

كما كانت الاحداث والحواريات طويلة بين الشخصيات أثبت الراوي قدرة على أضهار بعض الحقائق بأسلوب أراد منه أن يثبت جوهر في قرارة وعمق نفسه وبرزها عن حقيقة الله وأثبات وجوده وعلاقة البشر به وتلك الوسائل التي تقرب الانسان لمعرفته، متاثر بمنهج سلفي توحيدي لقراءت مناهج وأصول أهل السنة والجماعة، ومنها ما كان يدور بين عيثت الذي كان قائد للجيش فأصبح ممتثلا لمن كان عبد عنده معدي، وحقيقة العبودية التي يشعرها معدي تجاه خالقه والحرية التي تدفعه لتخليص الاخرين عند أسيادهم رغم نظر الاسياد له كعبد وذلك التشويق القصصي الغير ممل والذي يجعل القارئ يحب معدي ويحب القائد عيثت لامتثاله أوامر وتوجيهات العبد معدي قائد وموجها دعويا له .

يقول الراوي على لسان معدي (الموت لمن يقتل في سبيل الملك يعد نهاية الحياة والموت لمن يقتل في سبيل الله يعد بداية الحياة أنه القتال في سبيل المستقبل الخالد، في سبيل تعمير الأرض وأصلاحها معا) هكذا يورد السارد الفرق بين من يشبع دوافعه الصغيرة ونفسه وبين من يرتضي لنفسه أهداف كبيرة لتعمير الأرض وأسعاد الانسان .

ومنها ما كان في الحب العفيف وعدم السقوط المروع في الدنس وقذارة الجسد حين يحاور معدي حذرة (الحب الذي يمتلى به الوجدان فيصبح الحب أرفع من أن يطلب من حبيبته متعة ساقطة ..الحب هو الذي يسمو بنا حد التفاني والموت تجاه من نحب دون أن ناخذ منه شي .)

أستخدم هنا الراوي في هاتين المقاربتين تقنية السرد الهادف إلى توجيه القارى نحو غاية هادفة ومعالجة قضية أرقت المجتمع حاول من خلال ثقافته أنهاء جدل قد يتاجج بفعل ماتبرزه الرواية من فتنة وسلوك في التخلص من القيود الربانية وتحطيم الفوارق المحفزة نحو الارتضاء بالهوان والعبودية تجاه من نحب، "حذارة" التي يشذ جمالها وشبقها إلى السقوط في الخطيئة فيجعل الانسان عبد لشهواته و"عيثت "الفارس الشجاع الشهم الموحد الذي تجعل صفاته من الانسان عبد قد لايحسن المحافظة على أتزانه فتدفعه أما لترجمتها خطاء أو الالقاء بنفسه في هاوية سحيقة جراء ذلك الحب، وهنا تبرز ثقافة الراوي في الانتصار لها من خلال أنتصار معدي على فتنة جمال "حذرة "وحبه الجامح للقائد عيثت الذي يتشبث به أكثر عندما راى أبعاده عن القصر ومعالجته بداية التمهيد لتاجيج المعارضة ولو أن حبه دفعه لعصيان الملكة أو الإرتباك لكان أدى إلى هلاكه .

وهي نفس العقدة التي عالجها بروية عندما أجتمعت قيادة التنظيم عيثت ومعدي والطبيب مهران والتاجر عيثر واعدو خطة للاطاحة بالملكة ونصبو عيثت ملكا كما وزعت المهام بينهم وتهاونو في أمر العيون التي تراقب المدينة، وتراقبهم حتى قبض على ثلاثتهم في منزل خارج أسوار القصر مهران وعثتر والقائد مانع وزجتهم "حذرة" بالسجن ليلة نفير الجيش للتقدم إلى الجبل لمقاتلة عسكر المتمرد على الملكة ويتهيا للقارى أنفضاح أمر التنظيم ولامحالة من أزهاق أرواحهم على يد حذررة التي لاتتورع في قتل كل من يشتبه في أمره وتحل العقدة هنا بفطنة وحنكة القيادة التي يبديها معدي .

ربما أن الثقافة التي أبداها الراوي في صورة شخصياته عن التوحيد والهداية والحب لم تكن في مستوى التمكن في الحرب والتحضير لها عند مهاجمة الجيش لعسكر في الجبل وقتل قادة الكتائب الست فأقصر السرد على الحادثة فقط ولم يفتح حوار أو يبرز القادة الذين سهلو المهمة حيث تواصلت الاحداث بعد ذلك في تسارع وأنكمشت مسرعة إلى الخاتمة التي سقط عندها القصر وتنصيب عيثت ملكا وأنتصار الموحدين وبداية لانشراح الافق من عدل ومساواة وتوسع منهج الدعوة الالهية التي ما تنبه دعاتها إلى أمر المعارضين وأمر أتباع "حذرة" الذين سرعان ما أحاطو المملكة الوليدة بجيوش عرمرم ساعدهم في ذلك رغبة من الداخل في الشجن والحنين للفساد وأثارة الدعاة الذين أرسلتهم المملكة في الممالك المحيطة فتنبه الملوك المعارضين لامر هذا الدين وهمو لابادته .

فتتدخل القدرة الالاهية المخلصة كما في سدوم حين عاقب الله قوم لوط بدك هذه المملكة نتاج لارتكابهم الفاحشة وارتدادهم بعد الايمان وفي ختام الرواية يفصح الراوي عن مكان الرواية في الضالع اليمن الجنوبي المتاخمة للشمال اليمني فياخذ القارى تشوقا لمعرفة المكان فينتهيا معا .

 

عرض وتحليل الكاتب الصحفي بسام فاضل 

 

جاسم العايف: ما لا يُـدرك.. والصوت الذي يحدثه العالم

jasim alayffالشاعر والباحث والمترجم "محمود عبد الغني"، سبق أن تُرجمت أشعاره إلى لغات عالمية منها، الفرنسية والاسبانية، وغيرهما، كما قدم تراجم شعرية وروائية، من اللغتين الفرنسية والاسبانية،  إلى اللغة العربية، ومنها راويات:" محمد يحبني" لألينا ريس، و"خط ساخن" للويس سبولفيدا، و" في بلاد النخيل القصير" لأندريه جيد، و" الاحتلال الأمريكي" لباسكال كينغارد، و" يوميات حرب الشرق" لجيل كيبل. وفي الشعر ترجم "عبد الغني" إلى اللغة العربية عدداً من الأعمال الشعرية منها:" مثل قصر مفكك" لليونيل راي، و " في قلب العالم" لبليز ساندارس، و"ما لا يُـدرك" للشاعر الفرنسي "جاك أنصي"، وهي المرة الأولى التي يُـقدم فيها " أنصي" إلى اللغة العربية في مجموعة شعرية - منشورات دار التنوير- علي نكيل أبو عراق . " محمود عبد الغني" ولد عام 1967، في مدينة (خريبكة)، ويعمل أستاذاً جامعياً للأدب الحديث، في المغرب. في تقديمه لـ" ما لا يُـدرك" يذكر : أن الشاعر الفرنسي" جاك أنصي" مرّ في عام 2000 بمدينة الرباط كـ"الشهاب"، عندما استضافه "مركز حوار الثقافات"، والشاعر "محمد بنيس" هو مَنْ أشار عليه بالإنصات، وسبق لـ" بنيس" أن ترجم، إلى اللغة العربية، عام 1996 لـ" أنصي" كتاب "الغرفة الفارغة". يذهب " عبد الغني" إلى تسجيل انطباعاته بعد (10 ) سنوات على تلك الليلة، فيؤكد أن: الشاعر" أنـصي كان يعزف على قيثارة وينشد قصائده بصوت خفيض"، هذه الصنعة التي لا يخبرها ولا يجيدها إلا الذين يخبرون عما يحدث في الروح. تلك الروح المسكونة بهاجس الشعر. الشعر الذي لا يخضع للتعريف، الذي يؤكد ارنست فيشر انه (ضرورة.. ولكن آه..) لو يعرف لماذا؟. أما لقاء " محمود عبد الغني" الثاني بـ" أنـصي" فكان بمراكش، سنة 2010، إذ اقترب أكثر من "جاك " المترجم المحترف من اللغة الاسبانية إلى الفرنسية، وبين حارات ودروب "مراكش" العتيقة، تحدثا عن أشياء كثيرة في الحياة والثقافة،، وأهمها الشعر الفرنسي الراهن، والترجمات الأدبية، والشعرية بالذات، وهي واحدة من اعقد القضايا والأمور الأدبية، ومن خلال تلك الحوارات المتواصلة "انفتحت المغارة المغلقة بسحر كلمات قليلة من شاعر ومترجم لم ينل حظه الكافي من الشهرة والتعريف به في العالم العربي"؟!. "جاك أنصي" ولد في مدينة " ليون" 1942، و نشر أكثر من خمسة عشر عملاً أدبياً، بين رواية، ومجموعات شعرية، ويوميات، وتراجم، وحصل عام 1992 على جائزة " نيلي" عن ترجماته، وجائزة " الرون- الألب للكتاب" 1992 عن مجمل أعماله المنشورة، كما حاز على جائزة الشعر- شارل فيدراك- عام 2006، ومنحة الترجمة عام 2006، ويعيش في مدينة " أنيسي" التي تبعد عن "باريس"540 كم، ومتفرغ للكتابة والترجمة. يرى "جاك أنصي" في كتابه" صمت، جسد، طريق" 1996 :" أن تكتب يعني أن تكون مخترقاً"، مؤكدا أن الشاعر- المترجم، مخترق بكل الأصوات التي مصدرها ثنائية، الذات - العالم، وهذا ما يثيره فيه كل الشعراء الذين قرأهم طوال سنوات، وأعجب بهم، وصمم على ترجمة قصائد، وأعمال بعضهم، إلى اللغة الفرنسية، ومنهم: غامونيدا، فالانتي، لويس سارنودا، فيسانتي اليكسادري، رامون غوميز دي لا سيرنا..وغيرهم. وبذا امتلك الكثير من الأسرار الشعرية-الجمالية، التي باتت عبرها قصائده "نصوصاً صعبةً..فهي قصيدة الحدود التي كتبت لتقود القارئ إلى حدود الكائن " بموجب ما كتبته عنها الناقدة الفرنسية " هيلين سوريس":

" هناك أيضاً في العتمة،

نبحث: وجه، يدان،

نسقط دون سقوط،

ننادي، نغرق في الصمت.

في الفم، يوجد طعم

الدم، وما يشبه الدوار،

في مركز الجسد..هو هذا

ربما، ذلك التحرك،

ذلك النوع من بخار

الصور التي لا نرى".

يبدو " جاك أنصي " في قصائده، من خلال الجمل المكثفة، القصيرة، والاستعارات المألوفة له، وليس لغيره، في هيئة شاعر يشغله إلى حد كبير، البحث عن اليومي، الذي يريد الاستحواذ عليه في الحياة، ثم يستثمره، بعد امتلاكه، والابتعاد عنه وأدواته، فاليومي هو ما لا تتوفر لنا رؤيته، وهو ذلك الذي لا يمكن أن نحدد معناه بسبب التصاقنا به :

" في منتصف النهار، ساحة

فارغة بعصفور واحد،

وسط برك الشمس،

والظلال التي تتحرك قليلاً،

لا نعرف هل ذلك،

يأتي أم يذهب؟.

يشبه..كرسياً منسياً هنالك،

من اجل لا أحد،

نفس محبوس،

أصوات جد بعيدة،

 حتى أننا لا نستطيع فهمها"

قصائد " أنصي " في" مالا يُـدرك"، غير معنونة، وكذلك غير مؤرخة، وصغيرة إلى الحد الذي يخيل إلينا أنها لا ترى، وميزتها، وفي ذات الوقت صعوبتها، في أنها غالبا تزوغ من المعنى:

"كل كلمة تقول ضدها،

ليس المعنى الخاطئ،

بل معنى،

يضيع بعد المعنى،

لنرى نغمض العيون:

الحجر صلب مثل حجرة،

الليل يخدع النهار،

لا نعثر أبداً على يديه"

 وكما يؤكد مترجمها :" أنها تشبه شاعرها الصامت، المتحفظ، لكن الذي يرتجف لأدنى نفس يهب من جهة الحياة":

" في الصيف، ربما ضجيج

الذباب في الثانية،

مع الزمن في العيون،

جامد، كأنه توقف.

نرى ضوءاً، طفولة،

أو شيئاً قادماً،

من العدم، يتنفس، يعبر

الجدران، الأشجار، الأجساد،

ريح عظيمة،

ولا شيء يتحرك".

 في " ما لا يُـدرك"، يراودنا البحث مع التعطش لمعرفة الشاعر " جاك أنصي" الذي يؤكد أن القصيدة بالنسبة إليه: " هي الصوت الذي يحدثه العالم عندما أتكلم". ويضيف:" لم يعد الأدب هو - الكلام - مع المسافة التي يفرضها السرد، الوصف أو التعبير، بل أصبحت هي الوجود، لم نعد أمام أو جنب: إننا في الداخل، في جلد الآخر، فنكتشف جلدنا":

"رغم أننا نسقط،

عندما يفككنا الزمن،

فإن ذلك إشارة،

أقل أحياناً،

كلمة لم تنطق جيداً،

إنه أنت، من بعيد،

آتياً من الشمس،

أحسب الخطى، التي تفصلنا،

أرى ما لن يحدث،

هنا ما لا يدرك يحترق"

ما لا يُـدرك، في المعنى العام، هي الكلمات، الأشياء، الزائغة، وهي إصغاؤنا لدوي الحياة، وإنصاتنا لألفة كائن غير مرئي يتجسد في الشعر..الشعر الذي هو" فن التذكر، وفن النسيان" في آن واحدٍ، والقصيدة كما يردد " جاك أنصي":" هي ذلك الانتظار الدائم على حافة الصمت"، إلى أن يأتي، في الأخير، ما لم نكن ننتظره، ولا نعرف ماهيته. لعل الأضواء لن تفيدنا في أن نتعرف عليه، قد تكون تلك الظلال الواضحة، وان عن بعد، تجعلنا نلمس نفعها في التعرف على ما لا يُـدرك، ربما الزوابع هي الضيف الوافد؟.لا ننشغل في ذلك، لأننا سنرى أبعد كثيراً من تلك اللحظات العابرة، الدائمة في الهروب بعيداً :

" لا شيء أيضاً،

لا شيء قبلاً،

انه غير مدرك تقريباً،

خيط النار،

لقاء اللحظة واللمعان،

انبهار أسود، ولا شيء،

الزبد، الرمل".

في "ما لا يُـدرك".. يكمن ذلك الشاعر، بغض النظر عن اسمه ومكانه، وزمنه، والذي يثيره جداً، ويشغله دائماً، التمييز بين الحقيقة والواقع، الحقيقة التي ليست غير وصف لهذا العالم الذي يفرضه علينا (المجتمع) الذي نحن في قلبه، عن طريق اللغة التي نتفاهم ونحلم بها.. أما وجودنا في الواقع فهو ما ينأى عنها، ويتجاوزها، وفي ذات الوقت يؤسسها اللانهائي الراقد في الأعماق.

 

عبد القادر كعبان: رواية هلاوس لنهى محمود: حنين إلى الماضي يخترق حدود الذاكرة

abdulkadir kabanتختلف تجربة نهى محمود الروائية في "هلاوس" عن سابقتها في نص "راكوشا"، حيث استبعدت تكرار نفس التقنيات للتخلص من مظاهر الاجترار السردي، حتى أنها تأهلت بجدارة للحصول على المركز الأول بجائزة دبي الثقافية لسنة 2011.

منذ الصفحات الأولى لرواية "هلاوس" تبوح لنا البطلة بحزنها وأرقها، وكل ذلك ناتج عن أفعالها التي تراها غريبة، حتى أنها تتحدث عن علاقتها برجل أناني يبحث عن ما يطفئ شهوته لكنها تظل تحبه: "رغبتك في تعادل رغبتي فيك، تموت لحظة ملامستنا، أفقد رغبتي فيك وتزهدني أنت.. أتعلق بيدك وتتشبث بي لنفترق. أسبك وتلفظني لنمتزج. أكرهك وتنزعج من وجودي فنبقى للأبد." (ص 11).

بطلة نهى محمود كاتبة تدخلنا بدورها عالم حواء ومتاهاته السرية، حيث تقاسم المتلقي بغض النظر عن كونه رجلا كان أو امرأة لحظات حميمية من حياتها تأبى الخجل، كما جاء على لسان الساردة: "لا أريد أن أطيل عليك.. المهم بشأن السوتيان الأبيض الجديد المرسوم عليه نجوم وأهلة والذي ناداني من الفاترينة على المانيكان المتبجحة الواقفة في وضع جنسي مريع، أجل، هذا السوتيان يبدو ملائما. هذا هو المهم." (ص 15).

تستدعي الصور الفنية لهذا النص الروائي عددا من التفاصيل والجزئيات، التي تقدم مشاهد سردية عن شخصية تعاني من الوحدة، فيحملها الحنين إلى الماضي كي تخترق حدود الذاكرة، حيث تحكي بحزن شديد عن تجربة زواجها الفاشل الذي دام سنتين فقط، حتى أنها خسرت الجنين الذي حملته في بطنها: "...لم أفهم ما قاله الطبيب عن طفل مشوه يسكن رحمي بعد خمسة شهور من تجاورنا وتناجينا واحتمالي عادية الحياة وغياب الحب لأني سأكون أما.. قرر الطبيب أنه يجب التخلص من الطفل لأنه لن يكتمل نموه وقد يموت في بطني." (ص 27).

ذلك الحنين يعيدها إلى سرد قصة عائلتها التي ظلت تحيا بالحكايات وسط بيت الأشباح وما تتذكره تحديدا عن جدتها، كما نستشف ذلك في المشهد السردي الموالي: "أعرف جدتي أم بكر منذ سنوات طفولتي الأولى. في ذاكرتي لها مشاهد غائمة متقطعة.. لكني أعرفها كما أعرف ظهر يدي من حكايات الجميع. عائلتي تحيا بالحكايات، تبقى ولا تغادر أبدا لأن هناك دوما من يتكفل بمهمة الحكي تلك.. نعرف كل شيء عن كل فرد جاء في هذا العالم وكان جزءا منه يوما ومضى..." (ص 36).

من يقرأ "هلاوس" سيقول أنها قصة عادية لكاتبة تكتب عن شخصية تشبهها كثيرا، بيد أن تقنية حكيها هي التي منحتها أبعادا تجاوزت إلى حد كبير حدود بساطتها، بمعنى آخر حكايات الحنين جاءت من منبع تنشيط للذاكرة في أجواء تمس الواقع بالقدر ذاته الذي تمس به الخيال: "أفكر في العفاريت وأشعر بهم وألمح ظلالهم وأبكي... في المغطس وأنا عارية تماما من البشر.. مرتدية وحدتي.. ورغبتي في الهدوء إلا من صوت الماء المحبب لنفسي كنقرات البيانو.. هناك أفكر في مشروعات للكتابة، وأحل المشكلات بشأن حبكة كتابتي.. وأواجه أعدائي بخطب عصماء لا أجد لها شجاعة خارج طقس وجودي عارية في المغطس." (ص 47).

تبدو الساردة عليمة بكل شيء يهيمن على عالم هذه الرواية القصيرة، رغم اعتمادها على ذاكرة الشخصية الرئيسية، فهي تختار موقعا يسمح لها بنوع من الرؤية الكلية خلال عملية سرد الأحداث، حتى أنها تتدخل في تغيير مسارها من حين لآخر، كما جاء في حكايتها عن يحيى طليق البطلة والفروق المختلفة بينهما: "ليس لدى يحيى مخططات عظيمة، وليس له انتماء حقيقي سوى إلى قلمه... بينما أنا أحمل ولاء لقلبي وأتركه يدلني. دلالات العالم بيني وبينه متضادة، كل ما يبهرني هو عادي عنده، وكل ما يسلب لبه هو بسيط عندي.. يحب كل منا الآخر والعالم على طريقته، نمضي بأمان وثقة، يدي في يده.. نحمل في قلوبنا الود والاختلاف ورغبة حقيقية وغير معلنة في اقتسام الآثام والشرور مع الآخر." (ص 56).

تظهر البطلة في مقاطع أخرى بمظهر غير العارف بمستقبلها، حتى أنها ترغب بمعرفة ما يخبئه لها القدر حيث تستسلم لترهات الغجريات، كما جاء على لسان الساردة: "تخبرني بلحن مرتب أني ممسوسة وأني واقعة في حب رجل، وأن نجمي ناري ونجمه ملتهب، وأننا لو التقينا لاحترقنا. العالم يبدو فارغا وأنا خائفة غارقة في الرهبة." (ص 69).

تقع البطلة في حيرة اختيار اسم لبطلة روايتها، بل ستجعلها تتألم مثلها بعد إصابتها بمرض خبيث، حتى أنها تختار لها إنجاب طفلة قبل مرضها لتحكي لها فيما بعد لحظات الألم، كما نقرأ ذلك في المشهد السردي الآتي: "...تحكي في ما بعد لابنتها عن لحظة البتر.. لم تكن نائمة. ليس معنى أنها تحت تأثير المخدر أن لا تشعر بلحظة مثل تلك. جزء من جسدها يغادر.. تقول لها: 'مثل سلخ الأرنب'، وتحرك يدها وكأنها تخرج شيئا من شيء. تقول لها: 'هكذا'، ثم تضع يدها بجوارها." (ص 75).

يمكن القول أن نمط المعالجة النفسية بأسلوب الكتابة جاء غالبا على سرد حكاية بطلة المبدعة نهى محمود، حتى أن اليأس يداخلها في الصفحات الأخيرة من "هلاوس" لأنها تخشى أن ما تكتبه قد لا يحظى بأي اهتمام لدى الآخر: "ربما لن أجد دار نشر تقبله، وربما ستوافق دار أخرى على قبوله قبل أن يضيع وسط أطنان الأوراق هناك أو يستخدمه البعض كمسند لفرط تبغ السجائر فوقه قبل أن يخلطه بالحشيش للف سيجار للأصدقاء." (ص 83).

 

بقلم عبد القادر كعبان

...................

(1) نهى محمود: هلاوس، دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع،2013.

 

أدهام نمر حريز: الصورة الشعرية المكتنزة بإشراقاتها الدلالية لقصائد الشاعر المغربي أحمد الشيخاوي

idham nemirرغم صعوبة وضع الشعر في قالب معين او في تعريف محدد، الا ان مهمة اي قراءة أو تحليل للنص، يستند الى جعل المتلقي يصل الى غوائره البعيده.

أن لكل نص شعري مميزاته وخصائصه الفنية، التي تعبر عن شخصية كاتبه، ولكي يتسنى لنا معرفة ميزات كل نص لا بد لنا أن نستعين بالتحليل للكشف عن تلك المميزات .

أن الذي يعطي للصورة الشعرية فاعليتها، أرتباطها باحساس الشاعر، الذي ينقل الينا أنفعاله وتجربته الشعرية .

لقد تطور الاهتمام بالصورة الشعرية في النقد الادبي الحديث، نتيجة انفتاح النقاد العرب على النقد الاوربي، الذي اهتم بالصورة الشعرية أهتماماً بالغا منذ عصر ارسطوا وتحديدا في فن كتابة الشعر .

واليوم ستكون لنا وقفه مع شاعر استطاع أن يمزج الحروف بالاحساس والصور، فيصنع منها قصيدة مكتنزة بإشراقاتها الدلالية .

الشاعر / أحمد الشيخاوي، من مواليد /1973، مسقط رأسه قرية صغيرة تدعى أولاد ملوك، ضواحي مدينة أوطاط الحاج الضاربة بجذورها في عمق المملكة المغربية .

له عدد من القصائد والاصدارات، كتب المقالات والمقاربات، وينشر في عدد من الصحف المغربية والعربية منها (الزمان، المثقف، البيان اليوم)، وفي المواقع الالكترونية الاخرى، ومجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة .

في قصيدة الشاعر المغربي/ أحمد الشيخاوي (همس أقحوانة ) تعدد صوري واسع، وتوظيف دقيق للرموز .

فيبتدأ قصيدته (سأعتبر العزف على وتر بات منبوذا

طيش فتوة

وردهة ترّهات

وسماّ مغلّفا بعسل الأحلام..

سندباد أنا

خانتني كل الخرائط..)

أن أول ما يلفت نظري في القصيدة هو عتبة النص (همس أقحوانة)، الذي يُسهم في فهم بنيته وتأويل القيمة التي ينطوي عليها.

فعنوان القصيدة يدل على أننا أمام نص شفيف يأخذ معه الخيال في جولة، يرسم لها عالم جميل، ليطلق العنان لكلماته، بعد ان مزجها بتوظيف جميل . يستنطق بها المحطات الدلالية للصور الشعرية .

وكانه يطير مع سندباد في رحلته، الى حيث المغامرة والمجهول .

(رجاء لا ترحلي مع الشمس

كي تبزغي من جديد

عندي

مجرد الغروب الواحد

ميتة أبدية..)

نغوص في عمق المعنى والفكرة التي يريد ان يصلنا بها الشاعر، عندما ربط غروب الشمس مع الرحيل .

فدلالة الغروب كثيرة ومتنوعة، تنوع الشعوب وثقافاتهم، فاحياناً يدل الغروب على الموت، واحيانا يدل على الرحيل .

وهو يمسك بتلابيب الرجاء يطلب البزوغ من جديد، ويرفض الرحيل (الموت) الابدي .

(عانقيني

أنت الشمس

ومخجلتي حين تقرأ أفكار الشفق في كفّي

وتنزف أحرفي

متخبّطة في دمها

فور رصاص الهزيمة الغادر..)

عند تفكيك هذا النص والدخول في أعماقة، لنكتشف المدلولات التي يحملها أو التي بين جنباته .

نصل الى حقيقة واضحة ومفهوم واحد، هو ارتباط الحب بالحياة، عبر عنها بالشمس، وعرف غيابة بالموت الموشوم بالدم .

(عانقيني بتوحش

أيتها الأقحوانة النعسانة على إيقاع شدوي المغرّب..

أيتها المنتحرة بعد كل ولادة..

لا تطفؤو الشموع

لا تغتالو السنابل وادّخروللزمن العسير

أغلى الدموع..)

أنتقل الشاعر المغربي /أحمد الشيخاوي، من الوصف والصورة الشعرية، الى مخاطبة الاخر مستخدماً النداء، وحول مسار نصه من شاعرية الشاعر الى مسؤولية المتلقي، كانه يلقي الكرة في ساحته، ويسمعه الخبر .

(فقط إمنحيني ما يحصل به الصعود العاطفي

أمنحك سريرا أثيريا

وأرسم صكوكا تمنع لثمك

لأن خدك أغلى من أن تخدشه القبل..

ومثلك...

مثلك أقدس من أن تطالها خطط لصوص ألوان البراءة

عند الحالمين..

ضميني

وعلميني كيف أعتصر من جغرافيا الشّح

نبيذا

يغسل كآبة وطني..)

هنا اشارة واضحة في النص، يبدأ بأسلوب يجمع بين صراحة اللفظ وجودة السبك، واستخدم ايحاءات أدخلت المتلقي في صور اخرى لم تكن موجودة في بداية النص .

واشار الى استمرارية الحياة بانفعالات هذا الحب، وصاغه من حب فردي يحمل معاني العشق للروح والجسد، ليجعله حب موجها للوطن، كان الحب عنده نوع واحد .

(تحنّني

وانثري أمام خطوي

كل ذي فوح

ملهم

محبط ما يطبخ في كواليس قتلة القصائد..

براءتي

ويسجلها الدم الكاذب

والقمصان المقدودة من دبر

يا من هبوب جهتكم

يحرّق ما يغذي نحل القلب

ويصعق تهجّد الواضحين تماما

أمثالي

المجبولين على النهل من أمومة

وحميمية

وطفولة

تشي بها قمم الثلج..)

يسترسل الشاعر في نصه وبنفس طويل في الكتابة، وبمخزون متعدد من الكلمات والمصطلحات نابعة من قريحته الشعرية وموهبته في الكتابة .

فكانت هذه كلها ادوات ساعدته غي صناعة الشعر وكتابة نصه .

لقد جمع في مفرداته بين الخوف والامل، بين الجناية والبراءة، بين الحنان والقسوة .

في نسق متجانس وغريب، لا يجيده الا شاعر بارع متمكن من حرفه.

(همسك زلزال مجنون

يفتح فيّ جراحات المستوحش في بيته

ويوصل أكثر من رسالة

فيّ تفجر الحنين إلى خبز أمي وقهوتها

والمعسول من حكايات

منذورة

لتزرع عميقا

في وسائد الصبيان..)

أفلح الشاعر المغربي / أحمد الشيخاوي، في حشد المزيد من ألفاظ التوهج وكسر أفق توقع القارى، في نسيج لوحاته الشعرية المحتشدة بكثرة صورها الشعرية.

مما أدى إلى الاثراء الدلالي للنص وإشراك المتلقي معه في الإستمتاع والتلذذ مع عباراته الشاعرية الموظفة بكثير من الرشاقة والجمال.

فجعل من الهمس زلزالاً يهز به مشاعر المتلقي، ويوصل له الرسائل ببريده الانيق، وكانه حلم لصبي مشاغب .

(لن أصف منك العين

لن أتغزل بالخدّ منك ولا الشّفة ولا الظّفيرة ولا النّهد

لن أتغنى ببقية تضاريس جسدك الشبقي

منك يكفي القدر الزارع في الهوامش البعيدة

حفنة حب

ومصابيح

وهوية..

منك يكفي القسط المولّد نكهة الشعور بالإنتماء ..)

تعد اللغة هى المادة الخام التى يشكل الشاعر منها الصوره الجمالية، ومن خلالها يشكل معانيها، التى تتمركز حول معنى الرسالة الانسانية التى يحملها النص .

وقد اشار بصورة مستمرة الى ما بدأ به، فجعل من صياغتها دراما تتصاعد في كل مقطع منها .

ومن خلال حبكه ادبية صاغها كمشهد سيميائي، جعلتنا في عمق معنى النص، بصورة تعبيرية جميلة .

لقد تغزل بكل مفردات العشق، وجعلها تلمع في وسط نصه، تغازل مخيلة المتلقي، تجعله غارقا في عالم واسع .

 

أدهام نمر حريز - بغداد

 

عبير خالد يحيى: قراءة في نص تأبط شرًا للأستاذ الأديب العراقي كريم خلف جبر الغالبي

يبدأ العنوان باسم علم مذكر، تأبط شراً، شاعر من الشعراء الصعاليك الذين ذاع صيتهم في الجاهلية، كان  يقطع الطريق ويسطو على القوافل، ويوزع ما يغنمه منها على الفقراء، يشبهه في الزمن القريب روبن هود كشخصية قصصية، أحببت أن ألقي  الضوء عليه، تأبط شرا هو لقبه، أما اسمه ف  ثابت بن جابر الفهمي. قالت له أمه مرة: كل أخواتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك، فقال لها: سآتي الليلة بشيء . ومضى فصاد أفاع  كثيرة من أكبر ما قدر عليه، وأتى بهن في جراب متأبطا له، فألقاه بين يديها،ففتحت فتساعين في بيتها فوثبت،وخرجت فقالت لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟فقالت: أتاني أفاع في جراب . فقلن: وكيف حملها؟ قالت: تأبطها . قلن: تأبط شرا. لازمه تأبط شرا . هذه رواية من روايات كثيرة قيلت في لقبه .

لنا عودة لربط العنوان بمتن النص .

يروي الكاتب بلسانه، تداعيات ذكريات طفولته وهو يجلس على حافة نهر فرع من الفرات فهو ابن الفرات، يخيل إلينا أنه سيدخلنا في جدلية الأصول والفروع، لكنه يمررنا عليها فقط في تلميح ذكي،لأن للأصول ذيول، المتفرع قد يختلف بخواصه عن الأصل، وقد يفقد الكثير من صفاته الاصلية في خضم تفرعه، كما للأطراف حواف، إصرار الكاتب على الاتيان بهذه التأكيدات  التي تعتبر في علم الفلسفة بديهيات، له ما يبرره لاحقا، هو يضع مقدمات وأسباب ليتوصل  إلى نتيجة، ينقلنا بعدها الكاتب بنقلة أخرى، مشهد يجلس على الحال والتي تبعد عنها الماء منحسرة قدر ساق بالقياس المادي، وقدر انحسار طرف الليل عند طلوع الفجر بالقياس الزمني،   قدماه في الماء وهو يجلس على الحافة، تنقرالأسماك الصغيرة ما علي عليها، دون أن يخاف من الحيتان ليعود بنا إلى جدلية فلسفية أخرى .. جدته وهي (أصل) تحذره من وحود كلاب في فرع النهر ! كيف ذلك ؟الكلاب توجد على البر .. في الفيافي، الله لا يكرر خلقه، في كل البيئات، الكائنات التي خلقها لتعيش بالبحر لا تعيش على اليابسة، والمخلوقات التي خلقها لتعيش على اليباس لا تعيش بالماء .. هذه جدلية أدركها عقله الصغير ولم يدرك أن الله خلق أيضا برمائيات، وأن كلاب البحر غير كلاب البر, وهو هنا أيضا يضع مقدمة قاصرة ستقوده إلى نتيجة أيضا قاصرة،الله لا يهدد خليفته على الأرض، لأن الله أساسا خلقنا ليسعدنا لا ليشقينا، لنربح  عليه لا ليربح علينا، لكن قال اعملوا ..هذه هي الحلقة التي لم يدركها الكاتب وهو طفل، لذلك لم يصدق هو (الفرع) قول جدته (الأصل) وظنها تختلق ادعاءها (كذب)من باب  (الحرص) على عودة احفادها أحياء (الخوف).

يقف الكاتب  هنا، ثم ينتقل إلى فرضيات أخرى، ترسم ذاكرته على ورقة (ثقافة) صورة لخواجة، أو أفندي كما ذكره باللفظ، يتذكر تماما ملابسه، ملابس غريبة غير معهودة في بلده، لكنه يعرفها جيدا، يرتديها كل أبطال أفلام السينما المنتشرة في سينما اللهو في الناصرية، أو سينما أطلس في شارع سعدون أو .. وذكر هذه الأماكن قصدها الكاتب، فهي التي جعلت هذا الرجل (الجيل) يترك زيه (الأصل) ليقلد (الوافد الغريب) ويغدو (ذيل)

يتمنى الكاتب لو كان بيده أن يعيد تشكيل هذه الورقة (الثقافة) ليجعل منها سفينة تسير مبروكة في اتجاهها الذي اختارته قبلا واختاره الله لها،دون أن يتدخل هو (الفرع) بتوجيهها.

يحدد الكاتب أكثر هوية الغريب .. (قبعة) مكسيكية أم أمريكية؟ النتيجة هي غربية وغريبة (ثقافة غربية وافدة)، يتخيل الكاتب أنه يلوح له بها مغادرا (احتلال فكري) لا يحتاج تواجدا جسديا، يشبه الكاوبوي الذي رآه في الأفلام التي تعرضها السينمات، وقصص الكاوبوي معروفة،  بطل وهمي يمتلك مسدسا فيه طلقة واحدة وضعها له حاكم المدينة (السلطة)

عليه أن يطلقها على حبل يلتف حول عنق قاطع طريق عينه على الهدف (تسديد)  والعين الأخرى على عقرب ساعة جدارية (الزمن) وعليه أن يوازن

ومصير قاطع الطريق إما موت بنجاح الموازنة (تسديد، زمن)

أو حياة الطلقة الوحيدة ليست في حجرة النار (حظ)

 عدد الرميات: رمية واحدة

قاطع الطريق: صعلوك عربي جاهلي.... نعود إلى تأبط شرا، والشنفري الذي نسيت الإتيان على تراجمه، اعذروني...

الأيدي العربية التي صفقت لبطل الكاوبوي (الثقافة الدخيلة الفارغة) لم تصفق ل تأبط شرا أو الشنفري (الثقافة الأصيلة) التي كانت رغم جهالة المعتقد غنية بالأخلاق الأصيلة (سرقة بهدف إطعام الفقراء)، صفقوا لروبن هود، وقد فعل بعدهم ما فعلوه قبله بأزمان.

 الهمام (طرزان)  رجل الغابة الذي يباهي  بقوته الحيوانية، ويتحرك كما القرد، يروج لذلك البطل بحملات إعلامية مضللة (إعلام رسمي) يشيد بالبطل  وكأنه أسطورة وعلى الحشود أن تحرص على مشاهدته والتمثل بأفكاره وتصرفاته، وتتابعه الجماهير فعلا مشدودة بما يعرض عليها ...

هذا البطل السينمائي مع الأيام كبر وتغير .. وعاد إلينا يباهي بقيادة طائرة حربية (إبادة) تقصف دور السينما (معقله) التي تجمعت فيها الجماهير (المحتلة).

فأين الوفاء؟

العبرة: الثقافة الدخيلة التي احتلت عقولنا (الفرع) و وجعلتنا ننسى تاريخنا وأمجادنا وسخرت من ماضينا وثقافتنا (الأصل)  وهمشت وسخفت أفكارنا حتى غدونا ألعوبة بيد الجهل، تحت رعاية السلطات الحاكمة، هذه الثقافة الفارغة كبرت في فراغ عقولنا وقلوبنا وأصبحت قوة ضاربة تضرب معاقل كل من انضوى تحت لوائها، دون وفاء أو عرفان بالجميل ...

فمتى يعود (الفرع) إلى (الأصل) حتى ولو كان للأصل (ذيول)؟

أعتقد أن هذا سؤال مشروع نهمس به في آذان  المثقفين.. الأدباء تحديدا.

تحياتي إلى الأديب الأستاذ كريم خلف جبر الغالبي .

 

النص الأصلي:  تأبط شرا *:

تذكرت طفولتي وأنا أجلس على حافة نهر تفرع من نهر آخر، لم أبحث عن أصوله، فللأصول ذيول، وللأطراف حواف، الحافة التي أجلس عليها لا تساوي بعد ساق، عن سطح ماء، أخذ بالانحسار كأطراف ليل طلع عليه النهار، كانت قدماي تغط في الماء، تنقرها أسماك صغيرة لتأكل ما علق فيها، لم أخش ما في الماء من حيتان، رغم إنَّ جدتي تحذرنا من وجود كلاب فيه، لم أصدق إن في الماء كلاب كما هي في الصحراء، فالله لا يكرر خلقه إذا اختلف المحيط، وتباينت الأماكن ولا يهدد خليفته على أرضه، ونصيحة جدتي مجرد اختلاق، كي نعود إليها أحياءا في المساء، هكذا كان عقلي يفكر، أرسم على آخر ورقة من دفتر مهمل، صورة رَجُلٍ أفندي، أجيد فصال بنطاله ورسم موضة قميصه، من غير أن أرَ فلما يعرض من على شاشة سينما بهو البلدية في الناصرية أو سينما أطلس في شارع السعدون ببغداد أو سينما الخيام التي لا تنام، وبعد أن تكتمل الصورة ينتابني خوف عليه، أعيد صناعة تلك الورقة جاعلا منها سفينة، أضعها على سطح الماء بهدوء، أتوسل بالريح أن تجري بتلك السفينة وأترك لها الجهة التي تريد لا الجهة التي أريد، لعل ذلك الأفندي يرجع من حيث أتى، أتصوره يلوح لي بقبعته التي رسمتها بإتقان، مودعا أياي بلا رجعة، القبعة التي رسمتها لم أعرف منشأها، مكسيكية أم أمريكية، لكنني تذكرتها جيدا عندما شاهدت أول فلم كابوي من على شاشة سينما الأندلس، أو ربما سينما بهو البلدية، كان بطل الفلم يرتدي الزي نفسه الذي رسمته والقبعة نفسها، شاهدته جيدا وترقبته عندما سدد بمسدسه آخر طلقة فيه، وضعها له عشوائيا حاكم المدينة (الشريف) في بكرة المسدس المغلقة، وعليه أن يسدد رميته نحو حبل ممدود، يلتف حول رقبة قاطع طريق، الرمية لابد أن تتزامن مع آخر نبض لدقات ساعة جدارية معلقة أمامه، قاطع الطريق هذا يشبه تماما صعلوك عربيّ، جاهليّ أبيّ، تخيلته تأبط شرا أو الشنفري، لم يأخذا نصيبهما في الحياة، وكذلك بعد الممات، فلم يصفق لهما أحد، ولم تعرض لهما دور السينما أو إحدى المسارح مشهد، كان جمهور السينما يصفق لبطل الكابوي بحرارة، وما أن أصاب هدفه حتى علت الأصوات، لتقفز من أماكنها الأجساد، تهف لهذا البطل بلا هواد، طرزان الذي يجوب المدينة في الزحام، أعلاميٌّ همام، يحمل على أكتافه صورا ملونة لهذا البطل على لوحة خشبية، يردد أمام الملأ ما فيه من صفات كي تتزاحم على مشاهدته الأحياء قبل الأموات، تطوف معه من الناس عشرات، مرت الأيام ودارت الأيام، عاد ذلك البطل يقود طائرة حربية ليقصف بها سينما بهو البلدية .

 

د. عبير خالد يحيي

......................

تأبط شرا، الشنفري: شعراء صعاليك في الجاهلية يهاجمون قوافل الأغنياء لتعيش به الفقراء .

الأفندي: الشخص الذي يرتدي البنطال والقميص .

البطحاء، الأندلس، بهو البلدية: كانت دورا لعرض أنواع الأفلام في الناصرية .

أطلس، الخيام وغيرها: صالات مكيفة لعرض الأفلام في بغداد .

طرزان: شخصية معروفة في مدينة الناصرية يقوم بمهام الدعاية للأفلام التي تعرض آنذاك .

 

كاظم الموسوي: ستون مليون زهرة

khadom almosawiتمكن الروائي مروان عبد العال في روايته، 60 مليون زهرة، من المزج بين فن الرواية الواقعية والسحرية، واستطاع ان يثبت قدرة فنية فيه، بحيث يدفع القارئ الى فصولها بقوة لمعرفة ما سيصل اليه الروائي ويهدف اليه، في سرد فني منساب ومتوتر او متموج، منطلقا من رحبة المضمون وشجاعة الكشف وانفتاح النص.

استفاد مروان عبد العال، او عكس طاقاته ككاتب وروائي وفنان تشكيلي وناشط سياسي وقيادي فلسطيني (مواليد مخيم نهر البارد، شمال لبنان عام 1957) في صناعة هذه الرواية، التي صدرت له عن دار الفارابي، بيروت عام 2016 وكان قد نشر العديد من النصوص الادبية والسياسية، وصدرت له ست روايات: سفر ايوب، دار كنعان، دمشق 2002، وعن دار الفارابي، بيروت: زهرة الطين 2006، حاسة هاربة 2008، وجفرا لغاية في نفسها2010 ، وايفان الفلسطيني2011 ، وشيرديل الثاني 2013.

سجل في غلاف الرواية الاخير: تتعدد الوجوه الانسانية في رواية 60 مليون زهرة وتسير في دائرة حلزونية حول الجندي المجهول الشاهد على صمت الاطباء وذبح الحياة ومصادرة الوانها الجميلة. تسجل يوميات مدينة غزة على اوراقي من موسم العزلة والموت والقهر، في فانتازيا روائية تمزج الانا المتعددة في لغة الاسطورة والحقيقة، بين الاثارة والغموض، في تألق الخيال وقساوة الواقع، وبين الحاضر والماضي، ويتصل فيها السرمدي بالزمن المحض، نختبر فيها نطفة مهربة تمارس العزف في مدينة العنقاء، ايقاعها رصاص وأنفاسها انفاق بين مشاعر فتاة باحثة عن الحياة وعنكبوت يحيك خيوط الخيانة، وآخر يراقب الموتى وسط انفعالات مميتة لعشق شمشون ودليلة، وسيدة لها حياة متحولة تمضي خلف بطل مطارد.

يكاد تكون الاسطر السابقة مختصرا معرفيا، او مفاتيح الرواية، عن سير السرد وتوالي الفصول، حيث اصبح تعدد الوجوه الانسانية مفسرا لتعدد شخصيات الرواية او ابطالها الرئيسيين، من تمثال جندي مجهول وعازف الاكورديون المقابل له الى دليلة وشمشونها واختها وخالها، وحياة تلك السيدة وما تمثله في واقع السرد الروائي. وكذلك تتوازى معهم تسميات المنعوتين بالعنكبوت وكولومبو والطاووس، والملفت للنظر فيه ان ما ذكر من تبادل حراكها الحلزوني حول مكان وزمان مختلط، متقارب حينا في فضاء الواقع، ومتباعد في الخيال السردي وهو ما يكشف ان المكان المحدد والزمان المختار من قبل الروائي، لاسيما بعد انتفاضة شعبية وانسحاب العدو وصراعات قادت الى كارثة الانقسام الفصائلي قد سحبت ظلالها على منحى السرد والنص. فتجتمع في الرواية وقائع ورؤى ورموز تعبر عن نفسها وعن معرفة دقيقة بها.

لم يزر المؤلف المدينة او لم يعش فيها كيما يستخدم ذاكرته في نقل مرآتها، وتحسب عليها، ولكنه نجح في رسم صورتها وتخيلها من الملاحظات والتقارير التي وصلته واطلع عليها، ومن قصص ابنائها وصفحات تاريخها السياسي. مؤكدا على قضايا اساسية في الهم الفلسطيني وسلوك متناقض بين الهم اليومي والقضية الوطنية، بين النضال الحقيقي والتلون وحتى التلوث السياسي. مثبتا في نصها شهادات لإبطال منسيين وتذكير بقصصهم الفعلية عبر حوار الشخصيات او التداعيات الداخلية لهم.

السرد في 60 مليون زهرة يشد القاريء ويتوه معه في انسياب ولغة جذابة وخيال متجاوز الواقع اليومي الى وجع الانسان وآلام الاغتراب النفسي داخل الوطن، رغم بساتين الازهار وبطولات القيادات السرية للكفاح التحرري وأسطورة رموزه الفعليين. ولان النص عن فلسطين، فبالضرورة توحي صوره المتلاحقة في الكفاح والعذاب والإصرار على التحمل والمكابدة والمعاناة وزهور الامل، قصص كفاح وطني تحرري ومشاهد بطولات ترمز لأيامها وسجلاتها. ومن جهة العدو المغتصب للأرض والمنتهك لكل حقوق الشعب، لابد من التذكير ببشاعة ووقائع القمع والقتل والتعذيب والاعتقال والظلم والغدر والتغلغل والتدمير بكل معانيه ومستوياته.

الرواية تكونت من اثني عشر فصلا، تداخلت فيها صور متعددة وحكايات ثانوية تدعم سرد الروائي وفضاءه الفني ونسيج القص كأداة ابداعية. ومن الاهداء الذي سجله الكاتب بكلمات تحية تفصح عما بعده من فصول. "الى التي صرخت في ساحة الجندي المجهول:( من غير الحرب، ما كان عنّا نخسره.... اصلا إحنا عايشين من قلة الموت). ليختم في النهاية بصدى تلك الكلمات للمهدى لها وصرختها المدوية، والتأشير الى موت60  مليون زهرة بسبب الحصار كمؤشر واحد عن اساليب الارهاب الصهيوني وإدارة الاحتلال، ولكن الزهور تعرف ضوء الشمس وتواصل اتجاهها، مثلما تحرك التمثال الجامد واستشهد الموسيقى المتحرك، وتظل ملايين الزهور تهدى وتزرع وتصدر الى انحاء العالم، تعبيرا عن رمزية القضية واستمرار صمود قوى العمل ووقود الانتفاضة.

انسياب لغة الرواية وتكثيفها في ان واحد، في فصول وأخرى، تنطق عبر تمثالها الحجري وعبر الحوارات الداخلية فيها، بين شخوصها او ابطالها. من بداية حديث التمثال او اعترافاته: "اذيع لكم سر الزهر الذي يميل الى اللون القاتم، والمرأة التي نجحت في اطالة بقائي في الميدان، ولولا وقوفها لغادرت نفسي...". و"سأروي قصة المدينة التي تجوب الشوارع وتتوزع حاراتها في تجاويف صدري، وأكون لسان الاسطورة ورحيقها الذي يبعث في نفسي شعورا حسنا...". والعازف الذي يعلق على كتفه آلته الموسيقية ويتعلق بها بجنون غير آبه لما يدور حوله ويلعن اخت الحرب. ودليلة التي تقول ما لا يقنع احدا حتى نفسها، و"تحاول ان ترش على الموت سكرا كما يقال، تتكلم مع نفسها كأنها مصابة بوسواس، تصمت دقائق وتتذكر فورة صباها ايام انتفاضة عام 87، وتتذكر من تلك الايام التي مضت...". تقف امام التمثال وتقول له: "انت لست مجرد تمثال، اتمنى لو تعرفت يوما الى شخص يشبهك، ليس من حجر ولكنه من حلم مثل (رامبو) خالي، زينة الرجال الذي كسر ظهر الغزاة وأذاقهم طعم المرارة بين الصخور الرسوبية في الخليل وأحراش جبل النار". وتستمر الفصول بين هذا الثلاثي وما يلاقيه في الواقع والخيال.

ستون مليون زهرة رواية مروان عبد العال تسرد قصة من قصص فلسطين، الشعب والمقاومة والتاريخ وصراع الاجيال والحروب التي سجلتها الايام الفلسطينية. ستظل الزهور، الفا او مليون زهرة بل ستين مليون زهرة تغرس الحكاية كي يزهر الحب وتشيد بالبطولة والتأكيد :"تذكري ان من لا يسعه وطنه فان العالم بأسره لا يكفيه".

 

نمر سعدي: رائحةُ القرفة اللاذعة جدَّاً للروائية السورية سمر يزبك

nemer saediروايةُ رائحة القرفة للكاتبة السورية سمر يزبك من أجملِ الروايات القليلة التي قرأتها مؤخَّراً وأعجبتُ بها كثيراً لما تحتويهِ من خميرةٍ لغويَّةٍ مرَّكبة ولأنها قبلَ كلِّ شيء تنتمي إلى تلكَ الرواياتِ الرائعة والمكتوبةِ بجرأةٍ نادرةٍ وشجاعةٍ إنسانيةٍ عجيبة . فهيَ تتقاطعُ من هذهِ الناحيةِ مع بعض كتابات الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا مثلِ روايتيهِ امتداح الخالة ودفاتر دون ريغو بيرتو والكاتب المغربي الشهير محمد شكري في روايتهِ الرائعة الخبز الحافي.. روايةُ تعريَّةٍ من الصعبِ أن تُفلت من تأثيرها لأيَّامٍ عدَّة لحرارةِ الوجعِ النفسي المسفوحِ على بياضِ صفحاتها ولأنها لا تحفلُ كثيراً بمشاهدِ الجنسِ المبعثرةِ رغمَ فداحتها هنا وهناك في حناياها بقدرِ ما تطفحُ بالمرارة والغربةِ الإجتماعيَّةِ وبذورِ المأساة... ولأنها تقفُ على فوَّهٍ مُلتهبةٍ حاولَ الكثيرُ من الروائيات العربياتِ الوقوفَ عليها في الآونةِ الأخيرة.. ونستطيع أن نرى في موضوعها الإشكاليِّ المتمثِّل بالمثليَّة الجنسيَّة بعضَ الشبهِ الذي تتقاسمهُ مع روائيات خليجيَّات مثل ليلى العثمان ومصريَّات كنوال السعداوي مثلاً .

تقفُ الكاتبة في هذهِ الرواية أمام مرايا الحياةِ المشروخةِ في المجتمعِ السوري وتعالجُ ازدواجيَّةَ المعايير فيهِ على حدِّ قولها من خلال التعرِّضِ للعلاقةِ المثليَّةِ السحاقيَّةِ التي تنشأُ بينَ السيدةِ الثريَّةِ حنانِ الهاشمي وخادمتها عليا فتحاولُ تصوير العلاقة المعقَّدة بينَ هاتينِ الشخصيتين بمهارةٍ دقيقةٍ وبراعةٍ في استجلاءِ مكنوناتِ النفسِ البشرِّيةِ عن طريق مونولوج داخلي.. وأيضاً بالكثيرِ من الإنتقادِ الواضحِ للطبقيَّة وتداعياتها في المجتمعاتِ الفقيرة.. وقد أفلحت في نظري بنقلِ الواقعِ بكلِّ ما فيهِ من آلام وحزن وقسوة ومرارةٍ بسردٍ ساحرٍ أخَّاذ .

تحكي هذهِ الروايةِ قصَّةَ عليا التي تعيشُ مع أهلها في حيِّ الرملِ المدقعِ في الفقرِ في طرفٍ من أطرافِ دمشق.. حيثُ بيوتُ الصفيح وشظفُ العيشِ وقسوةُ الأبِ الجنونيَّةُ وتسلُّّطُهُ المفرطُ في الأنانيَّةِ على أهلِ بيتهِ حتى أنَّهُ لا يتورَّعُ عن ضربِ ابنتهِ عليا الكبرى حتى الشللِ في مشهدٍ من أكثرِ مشاهدِ الروايةِ مأساويَّةً لأنها كانت تعدُّ النقودَ سرَّاً مع أمِّها من دون أن تسلِّمها إليهِ.. الأمر الذي أدَّى في النهايةِ إلى اغتصابها على يدِ عبود ابن الجيران وانتحارها في الأخير بعد أن علمَ الناسُ ما جرى لها على يدِ ابن جيرانها.ماتت إذن عليا الكبرى لتأخذ مكانها في المأساةِ عليا الصغرى التي تشكِّلُ الشخصيَّة الرئيسيَّة في الرواية.

تبدأُ أحداثُ الرواية باكتشافِ السيدة حنان الهاشمي بخيانةِ زوجها أنور الهاشمي لها بعدَ أن فزعت من الكابوس المريع الذي شاهدتهُ في نومها من أنها قد تحوَّلت إلى امرأةٌ بثلاثةِ أثداء وخمسةِ أذرع. فهبَّت من نومها وكانَ الضوءُ المنفلتُ من فرجةِ بابِ غرفةِ زوجها الشيءَ الوحيدَ الذي قادها إلى غرفةِ النوم لتكتشفَ خيانةَ عليا وزوجها لها خصوصاً وأنهما كانتا في علاقةٍ مثليَّةٍ حميمة.. وهذا ربمَّا أغضبها أكثر لأنَّها كانت تريدُ امتلاكَ جسد عليا وحدها.. ليكونَ متنفسَّها الوحيدَ بعدَ أن سئمت من رياءِ ونفاقِ نساءِ الطبقةِ المخمليَّة. لذلكَ وافقت أن تكونَ هيَ السيدةَ المتنفذةَ في النهار بينما تكونُ خادمتها سيدَّتها في الليلِ... لكن سرعان ما تتوتَّرُ العلاقة بينهما عندما نسيت عليا نفسها معها حتى صباحِ تلكَ الليلة المشئومة فأمرتها أن تغادرَ غرفتها بعصبيَّةٍ وغرورٍ واستعلاءٍ واضحين فأضمرت لها الخادمةُ سوءَ النيَّةِ وأخذت تلتفُّ على زوجِها حتى استطاعت في النهايةِ الإيقاعَ بهِ والتسلَّلَ إلى فراشهِ .

تستندُ الروايةُ وتقومُ على طريقةِ استعادةِ الماضي فهي زمنيَّاً لا تمتدُّ إلاَّ لبضعةِ ساعاتٍ قليلة أي من لحظةِ خروجِ عليا مطرودةً من فيلا حنان الهاشمي إلى وقتِ ضحى ذلكَ اليوم حينَ انطلقت السيدة للبحثِ عنها في أزَّقةِ دمشق المغبرَّة.

وقد كانت عليا في في طريقها إلى المجهولِ بعدَ طردها من الفيلا تستعيدُ اللحظات المريرة منذ أن كانت طفلةً تتشاجرُ مع الصبيانِ من أجلِ الحلوى التي لطَّخت وجهها ذاتَ يومٍ وسبَّبت لها مشكلةً مع والدها بسببِ شجارها مع أحد صبيةِ الشقاء في حيِّها.. ومنذُ كانت طالبة متمرِّدةً إلى تلكَ اللحظةِ التي اغتصبها فيها رفيقها في جمعِ ما حسنَ من حاويات النفاية ساسوكي. لتعودَ في اليومِ التالي لتُعملَ سكينها في ظهرهِ انتقاماً منهُ.عليا إذن تعلَّمت كلَّ أساليب الدفاعِ عن النفسِ في هذهِ البيئةِ الدمشقيَّةِ الملأى بالمخاطرِ والقلقِ والفقرِ والخوفِ من الآتي.

تظلُّ عليا في البيتِ منذ تلك الحادثة إلى أن يقودها أبوها ذات صباحٍ للخدمةِ في منـزلِ السيدة الثريَّة حنان التي تستعيدُ هيَ الأخرى بعدَ طردِ خادمتها ذكرياتها الأليمة مع أمها التي لم تعبأ بمشاعرها الطفوليَّة والتي أرادت لها أن تتزوَّج بلا حبٍّ من أنور ابن عمِّها الذي يكبرها بسنوات عديدة لتنجبَ لهُ ابنهُ الذي انتظرهُ طويلا منذ زواجهِ الأوَّل.

ولكنَّا تنفرُ منهُ وتسميِّهِ التمساحَ المتفسِّخ الخالي من أيِّ عاطفةٍ وحرارة.

تتذكَّرُ حنان كيفَ أن أمها قد أخذتها عندما كانت طفلةً إلى حمَّامِ النساءِ لتعبثَ بجسدها هناكَ أصابعُ امرأةٍ ممهدَّةً بذلكَ لولعها الخفيِّ بالجسدِ الأنثويِّ في مجتمعٍ محافظٍ وظالمٍ لا يولي المرأةَ ومشاعرها أيَّة أهميَّة.لا أريدُ أن أعرض في عرضي القصيرِ هذا إلى فلسفةِ هذهِ الروايةِ بل أحببت أن أشير إلى أنَّها حشدت صوراً حيَّةً حقيقيَّةً للواقعِ السوري وسلَّطت الأضواء على عوالم خفيَّة وتقاليد يجهلها الكثيرُ من الناس خصوصاً تلك التي تضعُ فيها المستحمَّةُ إبريق قرفةٍ على النارِ ليغلي وتشتمُّ هيَ بدورها رائحة بخارِ القرفةِ المنبعثة.. ربمَّا يكونُ السبب من وراءِ هذا الأمر تقويةَ الرغبةِ عند المرأة وفي ظنِّي أنَّها وُفِّقت كثيراً في اختيارِ عنوان الروايةِ بعدَ أن كانَ اسمها في البدايةِ عليا كما يتضِّحُ من نصٍّ منها منشورٍ في موقعِ الحوارِ المتمدِّن قبلَ صدروِ الروايةِ بطبعتها الأولى عام 2008.

هنالكَ ترديدُ بعضِ العباراتِ في الرواية مثل " ظل الضوء المائل " وهذا الشيء يعملُ كثيراً على الجانب السايكولوجي لدى القارئ وهو موجودٌ في روايات عديدة مثل رواية ميرامار لنجيب محفوظ ونلمسهُ في الرواية العالميَّة أيضاً لدى بروست وكافكا .

أودُّ أن أشير في النهاية إلى أنَّ رواية رائحة القرفة رواية جادَّة وضَّاجةٌ بالألمِ الإنساني... توظِّفُ مشاهد الجنس والإيروتيكا ليسَ لإيقاظِ غرائز الشهوة بل لتسليطِ الضوءِ على بؤرةِ ظلامٍ دامسٍ ونقل الصورة الحيَّة إلى الإنسانِ القارئ أيَّاً كانَ دينهُ أو كانت قوميَّتهُ. رائحةُ القرفة في هذهِ الروايةِ لاذعةٌ جدَّاً ومن الصعبِ أن يتلاشى طعمها من فمكَ بسهولة.. هيَ صرخةٌ مدوِّيَّة وجريئة وفتحٌ جديدٌ في الروايةِ العربيَّةِ وتستحقُ منَّا الإلتفات والإهتمام.

 

بقلم نمر سعدي/ فلسطين

 

عبد القادر كعبان: بنات الخائبات لعلي السباعي: سرد قصصي على إيقاع الوجع الإنساني

abdulkadir kabanلقد قدم القاص العراقي علي السباعي في "بنات الخائبات" نموذجا قصصيا مليئا بالصور الدلالية، التي تعكس في مضمونها صراعات وعذابات وتضحية شخوصها، حتى أن الناقدة والأديبة الأردنية سناء الشعلان قالت عن هذه المجموعة ما يلي: "فعلي السباعي في هذه المجموعة القصصية ينحاز علانية إلى الإنسانية في كل ملامح تجربتها، ولذلك فهو ينحاز إلى الإنسان الذي يعايشه في حياته اليومية، ويرصد مفردات حاجاته ورغباته ومعاناته وانكساراته وخيبات أمله، كما يتوقف مليا عند فجيعته المكرورة في تفاصيل سيرته اليومية، وهي فجيعة تشكل في الغالب حياته وسلوكه وردود أفعاله وأحاسيسه ومشاعره، كما تشكل بكل صدق صراعه مع الحرمان، وانهزامه أمام معطيات حياته." 

يعكس هذا العمل الأدبي قصتان قصيرتان كما جاء ذلك علنا على الغلاف الخارجي، والذي لا يختزل مضمون النص القصصي الذي حمل دلالات فعلية للصراع الإنساني الذي لا يخلو من مؤشرات الترميز والتكثيف إجمالا. 

جاءت القصة الأولى بضمير المتكلم تحت عنوان "فرائس بثياب الفرح"، حيث نقف أمام شخصيات عديدة وظفها السباعي لتكشف خباياه السردية عندما يختلط الواقع بالخيال.

أثناء قراءة هذه القصة نقع على نموذج شخصية البطل المنكسر الذي توبخه أمه بإستمرار قائلة: "إلى متى تبقى الصخرة جاثمة عليك؟"

(ص 8)، وكأنها تصفع إنسانيته التي تظل خاضعة للظلم والقهر والهزيمة التي نشهد معالمها في وطننا العربي اليوم للأسف الشديد.

يواصل بدوره سرد حلمه الذي يأبى أن يفارق مخيلته عن رؤيته لرأس الحسين المدمى، محمولا فوق رمح طويل، وكأن التأويل سيحدث في نهاية هذه القصة كما حدث في رؤيا سيدنا يوسف عليه السلام وهو صبي برهانا على نبوته، التي سيحملها دون أسباط النبي يعقوب عليه السلام، كما جاء على لسان السارد: "...كنت في عالم الرؤيا صبيا مع زملائي في المدرسة المركزية الابتدائية.. دخل الفارس في ساحة العلم، صرنا نحن التلاميذ الصغار نركض وراءه متلقفين قطرات دم الحسين التي كانت على شكل حبات رمان ريانة نضرة..." (ص 11).

استيقظ البطل من منامه وهو يصرخ بنهاية دولة إسرائيل مستقبلا، وكأنها الفكرة التي استحوذت على عقله الباطني فأبت أن تفارقه حتى تتحقق كعلامة لنبوءة رؤيته: "...سمعت أمي ذلك فعلقت بحرقة: أتبقى الصخرة جاثمة عليك حتى عام 2018. الله أكبر" (ص 11).

يعود ويحكي لنا السارد عن حكاية تسمية بلدته باسم الناصرية، والتي حملت اسمها تلك العذراء -ناصرية- التي لم تسلم من خبث شخصية عتودة الذي يعتبر شخصية محورية في هذه القصة الشيقة.

تسيطر فكرة الجنس على عتودة وكأنه العنصر الوحيد الذي يمثل أساس حياته، فتدفعه شهوانيته ليفكر في فض غشاء العذارى من النساء، وكأنه دكتاتور يفرض سيطرته على شعبه الضعيف، وعلى هذا الأخير الرضوخ والانكسار في صمت: "انفرطت الفتيات الجرانيوليتات لأمره متفرقات كالأحجار الثمينة التي تبرق في خواتم وأساور يديه، أنفرطن بصمت مثل الدموع..." (ص 14).

تتحقق رؤية البطل في نهاية المطاف حيث يقع ضحية تحت رحمة الطاغية عتودة، الذي حاول عبثا أن ينال من بكارة ناصرية لكنه فشل في ذلك، كما نستشف ذلك في المشهد القصصي الموالي: "شع من عينيه الخبيثتين المضببتين بدم ثلجي وميض مكر ومكيدة، رفع وسطى يده اليمنى وحركها حركة ماجنة، أنشغلت انظر إليها، هوى سيفه على رقبتي، لحظة فصل سيفه رأسي عن رقبتي صافحت عيناي ابتسامة معلمتي التي قصصت عليها حلمي برأس الحسين..." (ص 26).

تحمل القصة الثانية لهذه المجموعة نفس تيمة الانكسار والخضوع بنبرة ضمير المتكلم أيضا، وقد جاءت تحت عنوان "سيوف خشبية"، أين تهيمن الشهوة على مشاعر البطل هو الآخر، الذي يصف نفسه بسيئ السمعة وكل ما يريده هو مضاجعة تلك الداعرة عارية، كما جاء على لسان السارد كالآتي: "تناوشت سيفي، امتشقته بيدي، راحت يدي تمسده آليا، تصقله، تذهب وتجيء عليه، تجلوه، تصلبه، مثلما افعل دوما ساعات القيلولة امسد ظهر قطتها تتمطى القطة ويطول ظهرها، اختلست نظرة مواربة الى سيفي، همست لها بصوت مسموع مغموس بالنشوة والشهوة." (ص 32).

تستسلم المرأة في هذه القصة بسهولة لنزوات ابليس –الشخصية الرئيسية-

فتمنحه فرصة اكتشاف خبايا جسدها الفاتنة، فهي تحمل دلالات متناقضة لشخصية ناصرية المتمردة في القصة السابقة، لكنها لا تخلو من الخبث والسخرية من جلادها في العموم: "رمشت بسرعة، نظرت في وجهي، كان في نظراتها صوت اعرفه جيدا، غامت عيناها بأسف ساخن بكر، سكتت لحظات ثم قالت بابتسامة متكلفة ارتسمت على شفتيها عاكسة احتقارها لي:

- حبك سبب عهري." (ص 35).

يرفض البطل سخرية تلك العاهرة منه، وهذا يجعلها تدفع ضريبة مشاعرها القاسية اتجاهه في نهاية القصة، كما جاء ذلك في المشهد القصصي الموالي: "نحرتها. أجل! نحرتها، وكنست احتجاج شفتيها المزمومتين بحركة متقنة من سيفي تلقفتها رقبتها فكأنما كان سيفي يعانقها لحظة نحرها..." (ص 46).

تستعصي القصتين على القارئ العادي لكثرة وقائعها الإيحائية والرمزية، والتي تعكس صورا استبدادية طالت العراق ومدنه بشكل غير مباشر، فلم يسلم أهلها من سياسة حكامه القمعية.

يتستر القاص علي السباعي عموما ببراعة وذكاء خلف شخصياته الورقية في "بنات الخائبات"، ليمرر آرائه حول حقيقة الوجع الإنساني وصمته أمام بطش الحاكم، الذي يستدرج بكل وقاحة وعهر ضحاياه خطوة تلوى الأخرى نحو الموت بعد تحقيق أهدافه المنشودة.

  

بقلم عبد القادر كعبان

.....................

علي السباعي: بنات الخائبات، دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع،2014.

 

جواد وادي: حين يتحول الإبداع إلى طقس صوفي.. إسماعيل أكبر محمد شاعر بنفَس صوفي

jawad wadiحين يتحول الشعر تحديدا، والإبداع بشكل عام إلى فعل كينونة ونشاط محفز للنفس البشرية المتّقدة عملا إبداعيا مثابرا وجادا وأمين كذلك، وبصرامة تفاصيل الإبداع والحفاظ على مساربه وتكويناته، أمام قارئ يريد المبدع منه ان يضاهيه خلقا ورصدا فاطنا وبإلحاح غريب، الامر الذي يشيع حالة من الفرح لدى المتلقي بأنه أمام خزين إبداعي يسعى لتأسيس وشيجة لا تخضع لظرف طارئ، بل تظل لصيقة له، ولعلها توضح له درب المعرفة الإبداعية بحمولاتها ومعانيها ومقاصدها وكل ما يتعلق بهذه الحالة التي بالتالي تبعث على الإعجاب والتقدير وكثير من الاعتزاز، حين يجد القارئ الذي من طراز خاص، أنه يكتشف مواجد خلق جاد تعنيه هو دون سواه، وهنا تكمن مصداقية ووفاء المبدع إسماعيل أكبر محمد، وبشكل مغاير تماما لمن يلقي منتجه على عواهن لا تعنيه، بل فقط لشغل فراغ، يشعر هو بأنه قد ملأه، دونما وعي ومثابرة وقصدية إبداعية تحترم ذائقة المتلقي، لأن الكاتب حين يبدع لحظته ويؤثثها بنص جديد، في كل روافد الإبداع المتميز، يتقصد البحث عن قارئ يحتاجه ليقوّم عمله، لا ليحابيه بكلمات وإشارات قد يغلّفها النفاق والرياء، وهذه حالة معروفة وطاغية تماما في المشهد الثقافي، دونما تحديد للزمان والمكان، من خلال تجارب متابعة تدرّجتُ في دربتها لأكثر من خمسة عقود، وهذا زمن طويل لمتابع وشاعر وناقد ومترجم، تشي تجربته وحتى حقيقة وجوده الإنساني أن يكون بعيدا عن اشغال الحيز الأجوف في دواخل كل إنسان، تاركا الجوانب المضيئة التي تشد كثيرا من عضد الكاتب الجاد ومبدع النص المائز.

هذا ما عايشته بكل تفاصيله من خلال تشريفي بترجمة ديوانيّ الشاعر والكاتب المبدع إسماعيل أكبر محمد، هذا التشريف الذي بقدر اعتزازي به، اعتبرته تكليفا وحملا ثقيلا يتطلب الحرص الشديد لمنتج مبدع يتميز بالصرامة الشديدة مع نصه ولغته وثيمة تناوله، سيما حين يتم الاشتغال على الترجمة للغة غير لغتك الأم، رغم التخصص الذي لازمني لأكثر من أربعين عاما، ورغم ترجمة العديد من الكتب المترجمة والتي تتوزع بين الشعر والمسرح والرواية والقصص القصيرة والمقالات التي تجاوزت الخمسة عشر كتابا، ومع ذلك وجدت نفسي أمام تجربة من نوع خاص ينبغي ايلاءها الكثير من العناية والحرص وبتوجس شديد، وأفلحت أخيرا بترجمة ديوانين، يعتبرهما الشاعر أسماعيل أكبر، رصيدا حياتيا مهما وغاليا، كان يراهن عليهما ويحرص كل الحرص على أن يكونا في مستوى حلمه الإبداعي، بالإضافة الى العديد من كتاباته المتعددة المشارب والاهتمامات، ورغم أنني لا ادعي الكمال في الوفاء لهذين الديوانين الهامين، يمكنني أن أؤكد أنني بذلت جهدا استثنائيا ووقتا ليس بالهيّن، لكل ديوان امتد وقت ترجمتهما لأكثر من ثلاثة أعوام.

يتعلق الأمر بالديوان الأول الموسوم:

"نصفٌ للفرح... نصفٌ للحزن"

كانتْ قطرةً من مطرٍ

تسكنُ جذعاً قديماً

جاءها تاجرٌ يشتري اخشاباً

فأبتْ...

وكانَ للفأسِ أن يشهدَ للتاجرِ

فضاعتْ قطرةُ المطرِ. "نصف للحزن... نصف للفرح"

يلاحظ القارئ أن نصا كهذا من العسير تصنيفه في خانة الشعر الراهن، لأن الشاعر هنا لا يلتزم بمعايير الكتابة المعروفة في الشعر، إن كان شعرا تفعيليا أو نثرا، إنما هو مزيج بين الكلام المرسل والحس الصوفي بنفَس فلسفي، فالشاعر هنا يريد أن يوصل فكرة لها معنى يخضعها للتأويل المتعدد الوجوه، لهذا فهو يسعى لإيصال الفكرة بغموض قريب لفن المقالة، ولعله اختار هذا الأسلوب البعيد عن التوصيف الشعري، ليختص به هو وحده، فلا هي بالحكاية المباشرة المستمدة من التاريخ بمعانيها الفلسفية، ولا هي صياغة شعرية بتكثيف لغوي كما هو معروف ومتداول، إنما يجمع كل هذه المدلولات ليخرج لنا نصا نستأنس به ونستفيد منه كثيرا، لأنه يدفعنا إلى التأمل والقراءة بوجهها المغاير للخروج عن المألوف، ولعل هذا سبقٌ يُحسب للشاعر ولا يؤاخذ عليه.

لا فرقَ

(بيني) وعقب سيجارةٍ

مرميٍ للنسيانْ

تكنسني الوجوهُ وكلماتُ الفضولِ

اقطعُ الشوارعَ... تقطعني

انتشرُ في الصمتِ

اغوصُ حتى القرارْ. "نصفٌ للحزن... نصفٌ للفرح"

نص معبر وجميل يزاوج بين الشعر والفلسفة بحمولات إنسانية غاية في التأثر والتأثير، بمباغتة لغوية تختزن معاني لمفردات شعرية باهرة.

تكنسني الوجوه وكلمات الفضول... إحساس مؤثر بالانكسار من مبدع يحمل هما إنسانيا كونيا، وكأنه يعبر عن البشر المهمشين بمكابداتهم الموزعة على الصمت والمنتشرين به.

شخصيا أحمل لهذا المبدع تقديرا خاصا لكوني عايشت التجربة بإحساس الشاعر، فوجدته يختزن عشقا صادقا لكل شيء، حيث يدفعك للتفكّر في طقس الكتابة، وحالة المبدع، ومدى صدقه مع نصه، دونما مؤثرات قد تغلب عليها حالات من التناص لدى العديد من الشعراء، وهذه حالة لا مؤاخذات عليها، لأن القارئ العاشق للنص ولمبدعه ومن خلال قراءاته العديدة، تلتصق في ذهنه وذاكرته تجربة قد تأثر بها، أو صيغ شعرية هام وجدا معها، أو قاموس شعري تمنّى أن يصل لمداركه، فتطفو تلك التجربة التي بقيت تعتمل بوجدانه على نصه الذي يكتب دونما وعي مسبق أو تقصّد مفتعل، وكم واجهتنا مثل هذه الحالات، دفعت بالكثير من المتصيدين، أن نصا كهذا هو منتحلا أو مسروقا أو ما شابه من الاتهامات البعيدة عن دربة الكاتب حتى وإن كان هذا الكاتب يشار له بالبنان لتجربته المتميزة، إنما باعتباره قارئا يتواشج مع لحظات القراءة بوجد وإحساس وعشق نادر، اعتقد أن متابعا من هذا النمط يقينا سيكون كاتبا أمينا لما يقرأ وما يكتب.

ما يعنينا هنا أن الشاعر والكاتب إسماعيل أكبر لا يصنّف أبدا من هذا الفصيل، لما وجدنا في منتجه فرادة في التوظيف تغاير الراهن، إنما يتبين بأنه متشبّع القراءات للتراث القديم، والحكايات الشعبية بأجناسها المختلفة، كالميثولوجيا والدين والسحر والتراث الشعبي وبقراءة جادة وفاطنة، استنبطتُ هذه المعلومات من خلال قراءتي لتجربته في ديوانيه اللذيّن حصل لي شرف ترجمتهما بتكليف منه.

كلُ الشوارعِ واحدةٌ

كلُ الوجوهِ واحدةٌ

اجوبُ المدنَ... ابحثُ عن وجهي المفقودْ

في وجهٍ منسيٍ... او شارعٍ لا يعرفهُ أحدٌ

قدماي تراوحُ منذُ الولادةْ. "نصفٌ للحزن... نصفٌ للفرح"

الشاعر هنا يظل هائما يبحث عن ذاته التي ضاعت في دربكة الفوضى التي أفقدته القدرة على تحسس ذاته الضائعة، ولا سبيل للعثور عليها إلا بحالة التوحّد التي يسعى إليها لتتحول إلى بحث دائم، وهي مغامرة محفوفة بالمخاطر قد يعرّض نفسه إلى مهالك من نوع خاص، لأن من العسير في تفشي هكذا فوضى، أن تفلح رحلة البحث إلى نتيجة تعيد التوازن والإحساس بآدمية من يسعى إلى بياض الوجود الإنساني وسط هذا الركام من الرثاثة التي استوطنت في تفاصيل حياتنا، وهنا نصل إلى الحقيقة التي تقول بأن الشاعر المبدع يبقى شديد التعلق والإحساس بوجوده الإنساني وكينونته، حيث تتحول حياته إلى جحيم إن هو أحتكم على هذا الشعور المفرط بالوجود. وبالتالي يتحول إلى مرآة حقيقية تعكس الواقع الذي يعيش بقبحه وجماله.

لم أشأ أن أستشهد بالنص الإنجليزي المترجم لإضفاء جمالية أكثر على النصوص في هذا التناول، لأنني سأترك ذلك لقراءة تجمع النص العربي مع ترجمته، لتعم الفائدة لمن يبحث عن نشوة القراءة بالنسبة لمزدوجي اللغة.

في لحظةٍ ما

كطلقةِ قناصٍ محترفٍ

قد يسقطُ العالمُ من عينيكَ عارياً

ويرتدي كلُ من حولكَ

ثوباً من حجرٍ

في لحظةٍ ما

كما الطعنةَ الأخيرةْ

يفقدُ الوهمُ جدوى أن يكونْ

وتبدأ القناعةُ بالاحتضارْ.

توقفت طويلا عند هذا النص الفاتن لما يكتنفه من لبس واشتباك في التوظيف الشعري: لحظة/ طلقة قناص/ يسقط العالم/ في عينيك/....../ وتبدأ القناعة بالاحتضار...

إنه زمن الخسارات الكبرى، زمن الإخفاقات، زمن اللا أمان، زمن الضياع الحقيقي المتلفع بالموت والمحو، لأننا جميعا بانتظار الطعنة الأخيرة، وينتهي كل شيء. إنه نص موحي يتضمن درسا بليغا وحكمةً تبشيريةً لمن يعي أو لا يعي أهمية وجوده، دونما تغليب نوازع الذات المريضة والملتبسة على تفاصيل الوجود الإنساني، المبتلي بكل صيغ الحقد والكراهية ومحو الآخر، دونما سبب أو معنى لهذا النزوع البهيمي.

نكتفي هنا بالاستطراد عن الديوان الأول الغني بالحكم والمواعظ والدروس بنفَس شعري معبر، لنترك متعة القراءة لما تبقى من نصوص محكمة الصياغات والمعاني، معنىً ومبنىً، للقارئ المتشوق لهذه التجربة، ونعطي للديوان الثاني بدوره ما يستحق، قراءة تحترم التجربة وتسلّط الضوء على النصوص بقراءة عاشقة حقا.

ما يدعو إلى التساؤل فعلا عنوان الديون الثاني الذي يبدو غريبا وبعيدا عن الصياغة البلاغية المتعارف عليها والتي غالبا ما تمنح العمل لفتة يتقصدها المبدع تمثل لوحة بتطريز قد يوافق المحتوى وقد يبتعد عنه. ولكن شاعرنا إسماعيل أكبر يختار عنوانا في غاية الوضوح والبساطة وهو: "أسفي للنائمين"، وقتها ما أن توصلت بالديوان قصد ترجمته، اقترحت على الشاعر تبديله إلى عنوان موحي آخر أكثر شاعرية، فطلب مني أن أبحث عن بديل، لكنني عجزت عن ذلك، لأنني إن فعلت سأبتعد كثيرا عن مضمون النصوص التي لا تعدو كونها تتناول ذات النفَس والنزوع في التبليغ لرسالة يحرص الشاعر أن يوصلها لقارئه دون تدليس أو مراوغة أو تكثيف في المعنى أو تحايل عن القصدية التي يسعى الشاعر ايصالها للمتلقي، وهنا لا ينبغي أن ننتقص من بلاغة اللغة وعمق النصوص، وسيدرك القارئ ما ذهبنا إليه حالة ولوجه إلى عتبات الديوان.

نجتزأ قبل تناولنا لبعض نصوص هذا الديوان قصد إضاءتها بقوة انشدادنا لها، بما قدم له الناقد "غزوان علي ناصر" طالب دكتوراه في الأدب العربي/ الجامعة المستنصرية، بدراسة مطولة وأكاديمية تتناول جوانب مهمة من تجربة الشاعر، اعتمادا على ديوانيه المذكورين آنفاً فيقول:

"مجموعة شعرية صغيرة الحجم ضمت بين دفتيها معاني انسانية كبيرة انتجها الشاعر اسماعيل أكبر محمد من كتاباته ليقدمها الى القارئ بأسلوبٍ سلسٍ وهادئ من دون تعقيدٍ وتنميق.

فعلى صعيد عنوان الديوان (أسفي للنائمين) يحمل هذا المفهوم الصياغي في ذاته صرخة احتجاج على الواقع المزرى الذي يعيشه بعض الاشخاص الذين لا يهتمون لما يجري لأوطانهم، فهم يعيشون في سباتٍ عميق في قصورهم العاجية بعيدين عن هموم الوطن ومشكلاته.

اما على صعيد عناوين القصائد فمعلوم ان العنوان هو العتبة الاولى للدخول الى فهم النص، والملاحظ ان الشاعر لم يضع عناويناً لقصائده التي اشتغل عليها وهي سمة اسلوبية واضحة حتى في ديوانه الاول (نصف للحزن ,.. نصف للفرح) قصدها الشاعر، وهي خطوة تتمتع بالجرأة منه تنطوي على المغامرة ودلالاتٍ مهمة سعى من خلالها ان يثير انتباه المتلقي وحمله على التفكير والخوض في السياق النصي لفهم كنهه، وبالتالي مشاركة المتلقي للمبدع عبر عملية ابداعية قوامها المنتج (المبدع) والمتلقي (المرسل اليه) فيكون المتلقي جزءاً مشاركاً في فهم النص وفكّ شفراته وتذوقه، فضلاً عن دلالته على رفض اشكال التحديد والتموضع الدلالي في التشكيل وكسر دائرة التقاليد."

يتبين بوضوح ما للمبدع إسماعيل أكبر من دربة بتمكن في اقتناص اليومي الرث وتحويله الى حالات مهذبة وراقية يغلفها وجع خاص وتكتنفها هموم يريد الكاتب من المتلقي مواساته على حجم المكابدة التي تقلقل وجوده، دونما زيغ أو تراجع فيما يعرض بإيمان وثني، لا بإنخطافات لحظية وليدة وقتها بمرورها السريع والفاقع، ولكن بهم انساني حقيقي نابع من صدق المعايشة والمحايثة المرّة مع الأحداث.

وهو يعبر حاجز الخمسين

مازال يحمل باقات من السؤال

يقول حيناً

يسكت حيناً

ويبقى سؤال كبير

ينطقه الجميع خلف الكلمات

ويسأله طفل صغير ببساطة

أبتي ... لماذا نموت؟

ويبقى هذا السؤال

نهايات كل الأسئلة...

لعلنا لا نبتعد كثيرا لنقول أن الشاعر يسقط هذا النص على نفسه ليتبين بوضوح مساحة الوجع الذي يكابده، وحرقة الأسئلة التي تعتمل بداخله، ليطرح لنا سؤالا متداخلا ومتشابكا، بنفَس وجودي حارق ومقلق، وكأننا بالشاعر وهو يطرح مثل هكذا سؤال وجودي ليس بالجديد، بل رافق الانسان منذ وجوده وبداية القلق الوجودي بفطرته وعفويته، وكما أسماها الباحث فراس السواح "مغامرة العقل الأولى" لأن الانسان بطبعه ميّال للبحث والاستقصاء والكشف، تدرّج هذا الجهد الإنساني المشروع والأساسي لكونه يشكّل تحديا وجوديا منذ عرفت الخليقة ظهور الانسان البدائي، ليبدأ رحلة الكشف عن كل ما يحيط به، مما ساعده على إخضاع كل أحاسيسه إلى تمارين ذهنية لم يكن يتوقع أنه سيصل إلى ما نحن عليه وفيه، لتنتهي رحلة البحث الشاقة إلى سؤال النهايات الحتمي:

ما الموت؟ ولماذا نموت؟ ولماذا نترك هذه الإنجازات الكبرى لمن يلينا؟ وما أدرانا أنه سوف لن يعبث بها؟

هذه الأسئلة كلها متمثلة بالسؤال العريض والمخيف، لماذا نموت، يطرحه طفل هش التفكير على أبيه، قناعة منه رغم يفاعته، بأن أباه هو معلمه الأول العارف ببواطن الأمور. ولم يختر الشاعر علاقة التلميذ بأستاذه أو المريد بفيلسوفه، إنما العلاقة الوشيجة بين الطفل وأبيه، بنوازع جينية قد لا يعيها الطرفان.

هنا يتضح بشكل جلي تمكّن الكاتب في اقتناص حالات فكرية فلسفية غاية في الفطنة، ليضع لنا نواميس جديدة من العلاقات التي هي أصلا موجودة، ولكنه يتقصد أن يضعها على مشرحة القراءة الجادة بمعانيها السامية.

نص فلسفي آخر يقول:

للإنسان حكايات وحكايات

مكتوبة بالدم

وبعضها بالدموع

وأخريات بفرح كاذب

ويغلق على نفسه في زمن التواصل

كل الصرخات والآهات

ويصر ان يكون

ذلك الكهفي القديم

في عصر يؤمن بالعلم

ولا يدرك الرحمة...

إنه استعراض لمحن الوجود الإنساني الذي وبمرور الوقت يتحول البشر على كائنات حسية لا أبالية بما يجري، لا بعفوية الوجود وفطرته ولكن بالانزواء الى الذات الأنانية بتضخمها وتغليب الأنا التي تتحول الى حالة مرضية، لينفصل عما يدور حوله من كوارث تحيط به وكأنها لا تعنيه، لسبب أن لهيبها لم يصله بعد، اليس هذا ما نعانيه ونكابده ويقضّ هدأتنا ووجودنا ليصل في أحايين كثيرة إلى مصادرة حيواتنا لأتفه الأسباب، دونما حراك أو إحساس بدعم الانسان لأخيه الانسان. وهنا وبلغة الواثق نقول ان الشاعر محق باختياره لعنوان المجموعة "اسفي للنائمين"، لأنه تقصّدْ مدرك ومخطط له، ولا تعنيه هنا فذلكة الصياغات بقدر ما يهمه إيصال الفكرة، مما يدعونا لاحترام هذا الاختيار النبه.

ايها الممتزج بالطين حد السفاهة

منذور انت للتعب واليقظة

والعالم حولك

حلم جميل او كابوس لا يطاق

وانت ... انت

من سيبدأ الرحلة يوماً

يترك اشلاءه الارضية عنوة

ويُحلّق صوب العالم الكبير...

من هذا الممتزج بالطين؟ يقينا أن الشاعر لا يعني راهن العيش، بل يوجه رسالة للإنسان الذي خُلق من الطين منذ حكاية الخلق الأولى، وهذا العمر الممتد لملايين السنين يختاره الشاعر بلحظة التخاطب لراهن معاش لإنسان قد يكون قد نسيّ أنه مخلوق من طين وسيعود إليه، فلا ينبغي أن ينسى ماهية وجوده وأن يتّعظ من نوازل الوقت ليأخذ من جمال الحياة وقبحها، ولا ينبغي له أن يضيع في دوامة الملذات والخطايا، لأنه شاء أم أبى بحاجة إلى بني جنسه في السّراء والضرّاء.

 

قد لا نكون أوفينا الديوانين حقهما من الدراسة والمتابعة والنبش في دهاليز النص، وهذه هي مهمة القارئ العاشق للعمل الفارز بعيدا عن الذاتية المفرطة واغفال كلمات الإشادة التي أعدها شخصيا انصافا للكاتب وجهده وبوفاء نادر لإخراج مثل هكذا نصوص.

أظن أخيرا أنه لا بد من الاستشهاد بمقدمة المترجم للديوان الثاني، لتكثيف الإضاءة وتقريب القارئ من العمل.

مقدمة المترجم:

هذا هو التكليف الثاني بعد أن شرّفني الشاعر إسماعيل أكبر محمد بترجمة ديوانه الأول "نصف للحزن... نصف للفرح" الذي لاقى قبولا طيبا من الأصدقاء، شعراء ومتابعين.

كانت رحلة الإبحار في عالمه الشعري محفوفة بكثير من المحاذير، تغاير تماما ما سبق لي وأن أنجزت تراجم أخرى لشعراء أحبة منهم على سبيل الذكر: عدنان الصائغ، خزعل الماجدي، وديع العبيدي، باسم فرات وغيرهم الكثير.

لكنني كنت شديد التوجس أمام هذه التجربة، لفرادتها واختلافها وكيفية صياغة النص الشعري الذي هو بمثابة نصوص يغلب عليها النفَس الصوفي المسكون بالوعظ والوصايا وكشف العورات وحلول بدائل يرتئيها الشاعر دون غيره من منتجي نص شعري راهن، بمواصفات لا تغريب ولا ابتعاد عن السائد الشعري في قصيدة النثر. وكأني به يريد أن يبلغنا أنه شاعر رسالة، لا أداة لتغيير المثالب لديه غير الكلمة، سلاحه الوحيد لتعرية وفضح المستور أو المعلن بتحدٍ لافت وبهي.

ما يميز حالة الكتابة لدى الشاعر إسماعيل أكبر، هي حالة التمرد على منابع الإبداع الشعري، والمتعارف عليها والتي تشكل روافد العمل وأصوله ومرجعياته والحكم عليها، لكنما هذا النمط المشاكس الذي يأخذ أحيانا مديات متعددة الهوامش الشعرية وتكويناتها، لا بمعنى التسطيح والكتابة غير المسؤولة، إنما التفرد بحلة إبداعية لا تخص سواه من شعراء نتواشج معهم بمواصفات وصيغ ولغة معجمية وخيالات وصور ومنجز، قد نتفق أو نختلف معهم، وقد يطربوننا أو ننفر منهم.

من هنا يتفرد الشاعر إسماعيل أكبر بحالاته الشعرية ليختط لنفسه طريقا ودربة ولغة ووصايا ومواعظ، بنفَس شعري شديد المراس والتنبه. نصوصه تعج بالألم والتوجع والاحساس بالمحاصرة والأسف على ما مر ويمر على تفاصيل الشاعر وكينونته القلقة ووجوده الكوني الغائر الإحساس بالمرارة، لا يبتعد كثيرا عن فواجع تضرب غوصا في ذاته الكسيرة والمحبطة وأبناء جلدته ممن غزاهم ذات البلاء، دون أن نغفل موسيقاه الموجعة التي تجترح من دواخله المتعبة، بتوليفة معجمية حافلة بالصور والبناء النصي المتماسك، لغة وتوظيفا وهموما صادقة تتطلب أوجه مختلفة للفهم والقراءة المتأنية.

سعيد بهذا التكليف، الذي أعدّه تشريفا من شاعر يقاتل بكل ممكناته ليبقى لصيقا لبهاء الشعر، ويصرّ على أن يظل هذا الشعر سر كينونته، وبهاء وجوده بأحاسيس تغزو وجدان القارئ لتدفعه قسرا لمعايشة الشاعر ذات الشعور بالفجيعة، بسعي حثيث لا شائبة فيه، لانفتاحه على العالم الأرحب من خلال بناء ذاته الشعرية الحافلة بالكثير من التغريدات الشعرية الباذخة لعطاء قادم.

 

له منا كل التوفيق

المترجم: جواد وادي - كاتب وشاعر ومترجم عراقي مقيم في المغرب

 

مادونا عسكر: أنسي الحاج وخواتمه الكيانيّة.. ذات (2)

madona askarيصحّ أن نطلق على الفصل الثّاني من كتاب "كان هذا سهواً" لأنسي الحاج عنوان "اعترافات أنسيّة". فالذّات الأنسيّة تواجه الذّات الإنسانيّة وتتأمّل في لحظة انعزال عن العالم، النّور الجديد المنكشف لأنسي الحاج  وهو  منغمس في صمته. وإذ نتحدّث عن النّور فلئن كنّا أمام سلطة اللّغة وقوّتها، وتماهي الذّات مع أنسي اللّغة، وانفتاح الكيان الإنسانيّ على الحريّة. والاعترافات الأنسيّة تأخذ شكل الحوار مع الّذات بل مناجاتها كرفيقة دائمة. وهي لا تأتي بسياق المحاسبة أو مراجعة الذّات لأنّ أنسي منفتح  دائماً على تحريك الفكر الإنساني في سبيل تحريره من القيود.

يذكر الكاتب اللّبناني عقل العويط  في مقال له بعنوان " تحت الضوء - "كان هذا سهواً" لأنسي الحاج:  قَدَري أن أحفر الهاجس وألعب ضدّ الأقدار": " لا أحد يمكنه أن يتصوّر، أو أن يتوصّل إلى استنتاجٍ مفاده أنّ هذه الشّذرات كُتِبت، مثلاً، في حين كان الشّاعر يعيش لحظات الحشرجة، عارفاً أنّه يموت. لا شيء يوحي بذلك. فاللّغة في أعلى درجات تأهّبها الرّوحي والأسلوبي. لا استرسال. لا شرح. لا "عواطف". لا انفعالات. لا ارتجاف. لا وهن. لا تكلّف. ولا "وصايا". لكأنّ هذه الشّذرات كُتِبت قبلاً. في عزّ كبرياء الجسد والعقل، وفي الأنفة المطلقة. لكنّها في وقائع الحقيقة الفادحة والجارحة، مكتوبة الآن، تحت الهول. تحت يد الموت." (1)

أنسي الحاج روح اللّغة وقوّتها، كتب خواتمه بعصب الرّوح لا بقوّة الجسد اللّحم والدّم، فتخطّى اللّغة والحرف والأنا ورنا إلى ما هو أبعد من الخلق، إلى راحة الكيان الحرّ.

"الكلمات تشتاق إلى تخطّي حدودها فتتخطّاها. كذلك التّراب والأيادي والأرواح.

ويسمّى ذلك خلقاً.

ماذا يحدث إذا تاقت الأشياء، بالعكس، إلى النّكوص على ذاتها والتّغلغل متقهقرة إلى ضباب الأغوار؟

يحدث فرار من الوجود الصّارخ إلى وجود لطيف، رؤوف.

ولا يسمّى خلقاً.

لكنّه أرحم من الخلق." (2)

تحت يد الموت يكتب أنسي بعظمة وأبّهة وثبات لأنّه يرى في ما لا يُسمّى خلقاً رحمة ووجوداً لطيفاً رؤوفاً، وتحرّراً من  تخطّي الحدود التّقليديّة. فأنسي يرنو إلى تخطّي الذّات والتّغلغل في الأنا المتحوّلة إلى المجد.

 

.................

(1) صحيفة النّهار- 18 آب 2016 - السنة 84 - العدد 26053

(2) كان هذا سهواً- أنسي الحاج- ص 58.

 

عبد الواحد مفتاح: مع ديفيد فيكينوس في روايته الجديدة

abdulwahid miftahباستمتاع بالغ، تابعت رواية الفرنسي ديفيد فيكينوس (je vais mieux) (إني أتحسن) عن دارغلمار دافيد من الروائيين المسهبين، الذين يحتفلون بالتفاصيل إلى حدود مدهشة في كتاباتهم، ما يجعلك تنغمس وسط حبال كثيرة لذيذة داخلها، من الأعمال الأولى التي جذبت الانتباه وأدارت الأضواء إليه روايته (الطاقة الإيروسية لزوجتي)، التي حازت على جائزة روجيه-نيميه ما جعل عملاق النشر الفرنسي دار غلمار يفتح مؤسساته له، و يحقق له رواجا أدبيا وأريحية ككاتب، جعلته يتفرغ للكتابة بقية مشواره.

تأتي الرواية من القطع المتوسط، ضمن السلسلة الفاخرة (la collection blanche) (المجموعة البيضاء) في أربعمائة صفحة، في دلالة على لياقة روائية لابأس بنَفَسها.وبانخراط جدي في الأدب المعاصر، باستخدام تقنيات حديثة وأسلوب رشيق، جعلها تكون محط ترحيب غير مشوش عليه من طرف النقاد الفرنسيين، فباختياره لتيمة البطل المصاب بوجع أسفل ظهره، يسعى في كامل فصول السرد للتخلص من ألمه، يكون قد وقع على اختيار مُوفق إلى أبعد الحدود، وتزامنا مع إحصاء يظهر أن 80 في المئة من الفرنسيين يعانون من الآم الظهر، 85 منهم لم يستطع الطب تحديد أسبابه، أي أن الرواية تتوجه بالخطاب إلى 52 مليون فرنسي، وهذا أحد مكاسبها بالطبع، فالقلق الذي يعاني منه مواطن القرن الواحد والعشرون، المعبر عنه بالضغوط النفسية، ما يجعل المرء في حالة من التوتر الدائم اتجاه الأمن والسلام وحفظ البقاء.

درس ديفيد فيكينوس الأدب في السربون، هذا بالإضافة إلى الموسيقى، التي اشتغل بادئ الأمر أستاذا لمادتها، إلا أنه من الأدباء الذين لا يضيفون كثير إطراء على شخصياتهم، أو تلهف على نشر سيرهم، وتلميع المُهتَرء منها ..يستلهم موضوعاته من المعيش والمتداول وهو المُتبَدي أكثر في روايته (الذكريات) 2013 التي تروي ما عاشه مع جَديه في وصف جريء ومتقدم لهواجسهم ومشاغلهم اليومية، وهو لا يخفي تعلقه الشديد بالأدب الروسي، وبخاصة الكاتبين (دوستوفسكي وغوغول) تماما كغرامه بأعمال الكاتب السويسري ألبير كوهين، وقد اعترف في أخر حوار بأن أعمال هذا الأخير كانت قد غيرت مجرى حياته، وهو ما نتلمسه ظاهرا في تأثره به، أسلوبا وتيما في بادئ مشواره الروائي إلى حدود أواسطه.

يعتبر المونولوج والحوار الداخلي، أحد التقنيات الركيزة في أسلوب دافيد، في اعتماد على المفارقات والوقفات السردية الطويلة، بتشغيل جمل قصيرة تدفع بتدفق الحكي، والتقطيع السريع للكلام أتناء السرد.

راعني أن أحصل مؤخرا على ترجمة للرواية، قادها محمود المقداد ببراعة لا بأس في خِفَتها وفخامتها، فبعد أن وصلت عدد اللغات التي نقلت إليها 35 كان من المجحف حقا أن لا تكون هناك نسخة عربية منها، إلا أن المقداد استطاع أن يضفي على إنجازه هذا لمسة خاصة، وحسن تملك لأدواته كمترجم، زان عمله مراجعة د.منتخب صقر الذي ما من شك أضاف تعب جديد، لكبير الجهد الذي استحقه العمل على رواية من هذا الحجم والوزن.

 رواية أني أتحسن، أو كما انتخب المقداد لترجمته (إني أتعافى) لا يمكن القول أنها سيرة تسجيلية للكاتب، بقدر ما يعمل على إيهامنا بذلك، حيت استعمال ضمير المتكلم (البطل الرئيسي في الرواية) والمسيطر على كامل رقعة السرد، إلى جانب عدم ذكر اسم البطل، ما يوحي بقوة أنه الكاتب نفسه، حيت لا ينفي اهتمامه بالكتابة، وأنه له مشروع فيها لم يتحقق بعد، وولعه الشديد بأسماء أدبية عَبَّر الكاتب مرارا عن إعجابه وعشقه لها، في أكثر من مقابلة صحفية، أما فكرة الرواية فتبدو بسيطة، ويمكن لملمتها في بضع أسطر حتى: تدور أحداتها حول رحلة كئيبة عاشها البطل في الأربعين من العمر، موظف في أحد مكاتب الهندسة المعمارية، إنسان تقليدي في حياته، قليل المخالطة للناس، يشعر دائما أنه مضطهد يعمل بإخلاص وأمانة، له زوجة وبنت في العشرين هجرت المنزل لتعيش مع حبيبها الذي يكبرها في شقته، وولد في الثامنة عشر، سافر في منحة دراسية إلى نيويورك دون أن يخبره، يشعر في عطلة يوم أحد بوجع في ظهره، فتتزاحم عليه الوساوس ويدخل رحلة طويلة بحتا عن الشفاء، ليتعرض جراء ذلك لتآمر في العمل يجعله يفصل عنه، ونتيجة لذلك تطلب زوجته الطلاق ..يزيد شدة وجعه، وينخفض بحسب الظروف، والحالة النفسية التي يمر بها، فيصبح شديد الحساسية، لكل كلمة أو إشارة أو حركة، يحللها ويفكر في دوافعها وأهدافها وما تنطوي عليه من معان ..يفتقد حنان أمه وعطف والده، الذي دأب على رصد عثراته وأخطائه، والحط من قدره ..لما أحاطته الهموم وتكالبت عليه المشاكل، راح يفكر في أسبابها، منذ الطفولة في مراجعة نفسية وحياتية، جعلت كتلة السرد تَلتمع في تدفق للتفاصيل الصغيرة، والتي لن يسعنا إزاءها، غير الدهشة للمهارة البالغة التي ينتقي بها ديفيد جزئيات حياته، التي يحللها ويراجع ما كان إلى وقت قريب، ليرميه إلى سلة المنسيات، وهو ما يجعله بمساعدة أصدقائه المقربين وأبويه ينتصر على ذاته، ويشق طريق جديد في الحياة والعمل والحب، ليصل أخيرا فيما يشبه التراجيديا للشفاء بعدما استعاد الثقة في نفسه وواقعه.

يشير محمود المقداد في مستهل ترجمته، في انتباه للنضج الثقافي الذي يتمتع به هذا الكاتب، وهو ما كان محل إطراء وتقدير من النقاد، والمُمثل له في القدرة على سرد عدد كبير من الإشارات والتلميحات، إلى كتاب ومخرجين وموسقيين ومقدمي برامج ورجال سياسة وفلاسفة واستخدام عدد لابأس به من الرموز والمختصرات، ما يجعل كتاباته تَنغلق دون أفهام عدد من القراء، ما جعل حتى المقداد في ترجمته يجنح إلى عدد من الهوامش والاستطرادات، والتي بدونها ستقل القدرة أكيد على متابعتها، دون إغفال روح السخرية البالغة التي يبطنها هذا الروائي كتابته، ما يجعل مُربعها السردي ينزاح حتى في استهلاك أكثر المواضيع تشاؤمية (الشيخوخة العزلة الموت) إلى الدعابة المستحكمة في أغلب مفاصل الحكي.

هذا إلى جانب عدم إغفال بعض المشاهد الجنسية القليلة المحققة أو غير المحققة التي يُطعِّم بها سرده، من دون أن يعطيها مركزية أو انزياح مجاني.