قراءات نقدية (أدب، مسرح ، فن)

الشاعر منذر خضير .. ورحلته إلى السماء السابعة

jasim alayffبعد مجموعة شعرية مشتركة/1995 / عنوانها" تتمات ناقصة"، ومساهمات متواصلة في جميع مهرجانات (مرابد) بعد السقوط،وملتقيات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين بغداد- البصرة،و المهرجانات الشعرية المتعددة في أغلب المحافظات العراقية. صدر للشاعر (منذر خضير) مجموعته الشعرية (رحلة السماء السابعة)*. حصر (خضير) قصائد مجموعته، ضمن خمس رحلات هي على التوالي: رحلة الحرب الطويلة: ثلاث قصائد، ورحلة المنازل: ست قصائد، ورحلة الشتاء: أربع قصائد ورحلة الماء: سبع قصائد ورحلة الملائكة: خمس قصائد، وإذا تتبعنا تلك الرحلات وما أضافه( منذر خضير) إليها أي(الأصدقاء ومجسات الغربة والحجارة) سنرى أن الرحلات (ثمان) وليست(سبعاً) وبـ( 98) صفحة من القطع المتوسط . ترتكز غالبية قصائد (رحلة السماء السابعة) على ذات الشاعر:

" بسراجٍ لا يضيءُ سواي

دخلتُ العالمَ

وفتىً اسمه أحمد".

.....

"بين سماءين

غفوت

 

فانطفأ الصباحُ بيدي ".

....

"بين موجتين

رأيت نَفَسَي الأخير

يستنشقُ الغرق".

....

" برصاصة سوداء

ورأس ابيض

تقاسمت مع إخوتي الرحيل".

مفتتح (رحلة الحرب الطويلة) توطئة تبدأ بالسيوف التي تعد أطبقاً من اليأس للأيام الباردة وتنتهي بتوصية:

" أغمضوا أعينكم

ولنحتفِ بأناشيدنا

بعيداً

بعيداً

عن الحرب".

في (لوحة الفقر) تعداد للهزائم في الحياة والأيام المتخمة بالأحجار والرؤوس والأشلاء التي تنتظر الرحمة الهابطة عليها من تلك (السماء السابعة) بعد أن باتت الأيام شوكاً والأظافر مزقها الفقر:

"بعد أربعين هزيمة

متخمة بالأحجار والرؤوس

وحمأ الحرب

أطلق الله على أشلائنا

الرحمة".

وكالمسابح السوداء تنفطر العوالم والذكريات والناس بفعل الحروب التي لا رحمة فيها ولا أمل بالنجاة من قسوتها وعصفها. تلك (الحروب) المرة بأسنانها المدببة الضارية التي هرست أجيالا كاملة، وبددت أحلامها وآمالها الإنسانية البسيطة، ومازالت، الحروب السابقة والراهنة، تفتت بآثارها الواقع الاجتماعي وتمزق الذات الإنسانية، ويغدو الشاعر شاهداً على أحوال الحاضر - الماضي الذي كانت فيه الأم:

" تشبه النهرَ

ورأسها اقصر من قصبةٍ

مائلة

علمتنا أن لا نموت باكراً

لذا هربنا ".

ولكن إلى أين؟!. ففي :

"كل خميس

نقبل العَـلم

مقابل أن يحبنا الوطن".

يعتمد الشاعر (منذر خضير) على ذاكرة صورية يجنح بها، عبر اللغة المهموسة، التي تستدعي ما أطلق عليه الراحل( حسين مردان) بـ(النثر المهموس). ونحن في هذا السهل الشاسع و الممتلئ، كثافةً بشعراء قصيدة النثر في العراق،وسهولة النشر في وسائل الإعلام المقرؤة، وصفحات التواصل الاجتماعي، بعد سقوط النظام. نشير هنا الى ما كتبه الأستاذ " باقر صاحب" في ثقافية جريدة/ الصباح/ العدد3084 المؤرخ 12 نيسان 2014 – ص (11):" الشعر قرينة الندرة، والندرة قرينة الصبر والإخلاص والعمل بصمت، وتلك القرائن خلاصة السلوك الثقافي الراقي الزاهد بالحياة وبهرجتها ومنافعها وآنيتها"،ونعتقد إن هذا الأمر على درجة كبيرة من الصواب،ولم يطرحه الأستاذ (صاحب) جزافا أو رغبةً في المخالفة و الإثارة، كما انه لا ينطويَ على صيغة تخفي خلفها الاتهامات المجانية، خاصةً في هذه اللحظة، فلسنا نعلم مَنْ سيواصل العبور نحو مستقبل قصيدة النثر العراقية التي تواجه إشكالات عدة، ومنها الغموض المفتعل والذي يضع أسلاكاً شائكةً لا يمكن اختراقها بين المتلقي والقصيدة، و لا ينمَ عن اهتمام مناسب بالتراث النثري العربي الغني و العميق و الشعري كذلك، بل يجنح نحو الترجمات الأجنبية - المتعددة، والتي تثير التباساً لا حد أو مدى له، لدى الملتقي أو الشاعر العربي الذي يعتمد (قصيدة النثر) راهناً، و لا يتقن غير اللغة العربية، لظروف عامة، وإمكانات خاصة، ولعل هذا الأمر-الأخير- ليس عيباً أو استهانةً . وللدلالة على هذا الشأن وفوضى والتباس الترجمة إلى اللغة العربية، يمكن مراجعة كتاب الشاعر (عبد الكريم كاصد) المعنون" غبار الترجمة" الصادر عن دار أروقة عام2003 ففيه ما لا يمكن تصوره، حتى في الخيال، حول الترجمات عن اللغات الأجنبية، وعلى مسؤولية الشاعر والمترجم (عبد الكريم كاصد)، مع ثقتنا التي لا يرقى تجاهها الشك،،إطلاقا، بقدراته كشاعر ومترجم في ذات الأمر.فقد عمد( كاصد) على دعم كتابه، بالنصوص، الأصلية، التي ترجمها عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية، إلى اللغة العربية، ونشرها في كتابه ذاته. والمثير في الأمر إن الشاعر والمترجم (كاصد) كان قد نشر مقالا ً مطولاً حول هذا الشأن في مجلة (فنارات) و التي يصدرها، سنوياً، اتحاد أدباء وكتاب البصرة،بالتزامن مع مهرجان المربد، وبالنظر لمحدودية انتشارها، فقد أعاد (كاصد) نشر المقال، كاملاً، في مجلة عربية، فعمدت المجلة على حذف كل أخطاء وأغلاط المترجمين اللذين ينتمون إلى ذات البلد العربي،الذي تصدر فيه المجلة، دون الرجوع إلى الشاعر عبد الكريم كاصد أو حتى إعلامه، في الأقل، بهذا الشأن ؟!.الشاعر" منذر خضير" في قصائده ينحو نحو البساطة دون الإيغال في التعقيد والتزويق اللغوي والصوري والإبهام الذي لا معنى ولا لزوم له،خاصة، وهو يراقب ما جرى ويجري:

"بشظية نائمة

في الحلم

أعيد رسم صورتي"

.....

"بحرب أطول

من عمري

اختصر الهزيمة

بصلاةٍ "

يؤطر " منذر خضير" ما هو معروف في المرويات الدينية المتعددة عن "يوسف وإخوته والذئب" ويفرد "الأخوة" مع " ذئبهم" دون "يوسف". وهو هنا يمتحن الخيال، القادم من الماضي ومروياته، ويستدعينا للتحرر من التصور النمطي في ما هو ثابت وقارٍ في تلك المرويات ويحاول أن يجعل تلك (المرويات) والتصورات المتوارثة عنها، تتناغم مع الراهن، حتى ولو كان ذلك من باب اليقظة الحالمة كونه فتح الرؤى الحاضرة، بجرأة، أمام فعاليات التأويلات والرؤى الميتافيزيقية المتعددة عن " يُسوفَ" وأخوته:

"كأي شمس خرجنا

استاء منا الألم

حتى عدنا لا نفقه سوى الصفعات"

.....

" لنا إخوةٌ بلا يوسف

وربة متوجة بالسوادِ

قلوبنا من قصب

وأنفاسنا من صفيح"

....

"المدينة تنبذنا دائماً

لهذا خرجنا بلا جيوب

عاطلين عن الفرح

فسقتنا الشوارعُ وشاخت

وكل ما نملك

ثلاثون ندماً وغباء".

"رحلة السماء السابعة".. تفتح افقها للمتلقي، بوعي شعري شقي، بالتزامن مع صور شعرية غير متكلفة أو متثاقفة، ومصدرها معايشة اللحظة الحياتية الراهنة، دون مواربة أو مخاتلة مع ذلك الوعي الشقي، وتتجه للقارئ بصورها المكثفة التي لا فائض فيها أو تزويق، مقترنة بعذابات وخيبات ومرارات وخيانات حياتية يومية ما زالت متواصلة،،حسب قصائد الشاعر،و في ما تضمنته" رحلته" فإنها، متواصلة و تتجدد:

"بقبلة ساذجة

أثق بالكثير

من الوجوه".

 

* دار أزمنة - عمان- الغلاف للفنان صدام الجميلي .

 

مقتطف للنشر

nadia alazamiبعد كتابه النقدي القصة القصيرة جدا قراءة في متون مغربية الصادر عن منشورات وزارة الثاقفة سنة 2013 أصدر الناقد حميد ركاطة عن مطبعة انفو برانت بالرباط كتابا جديدا موسوما بعنوان دال " تجليات الملمح الساخر في كتابات مباشرة جدا للقاص والناقد جميل حمداوي " ضمن منشورات جمعية جسور للثقافة بالناضور في مارس 2014 والكتاب من الحجم المتوسط يمتد على مساحة ثلاثة وثمانون صفحة ويشتمل على خمسة فصول. جاء في مقدمة الكتاب:

"تعتبر السخرية من الأساليب الفنية الصعبة التناول، والبناء في النص الادبي، والإبداعي عموما . لأنها لا تتخذ المسافة العازلة بين الجد، والهزل . ولكونها تبنى على أساس لعبي بقدر ما يروم الامتاع، يوخز بنقد لاذع، وهازئ . فهي سلاح من لا سلاح له، وصوت من لا صوت له. يبرز مفعول طلقاتها الواخزة ضمن تشييد مفارق، يزلزل كيان المتلقي، أو الواقع في مقلب ساخر، فهي تتسبب في قسوة تهز كيان المتجبر، والمستبد، وترديه طريحا على الفور في وقت قياسي . امر يعجز السلاح أحيانا عن تحقيقه،بفعل تحولها لبديل للعقاب البدني . كما أن وقعها يكون بدرجات متفاوتة ."

وقد خصص الفصل الأول للحديث عن إشكال تعريفها، وامتداداتها، والفرق بينها وبين الضحك، والتهكم، من خلال البحث عن بعض مميزاتها وأشكالها في فنون التعبير والقول المختلفة، وكذا صيغها وبناء مفارقاتها .. .وكذلك أهدافها وتمظهراتها، و تحدثناعن بعض أهم خصائصها التداولية، سواء في القرآن الكريم، أو الأدب العربي وفي النكتة، والكاريكاتير، والمسرح والسينما

في حين تطرق في الفصل الثاني للحديث عن العلاقة بين الكاتبة والنقد من خلال طرح القاص والناقد جميل حمداوي كنموذج . أما الفصل الثالث فقد خصصه لمناقشة الملمح الساخر في كتابات ساخرة للدكتور جميل حمداوي وتناولنا فيه :

السخرية في اللغة، وظاهرة الاقصاء، وجمالية التكرار، والسخرية في الامثال الشعبيىة، وسخرية الموقف، والسخرية من الحلم والموت ومن الدعارة والجنس والحب، والسياسة والسلطة .

في حين ناقش الفصل الرابع لمناقشة ملمح الســــــــــخرية وآليــــــــــات الكـــــــــــتابة عند د . جميل حمداوي، من خلال الاشارة إلى امتدادتها الثقافية، وتجلياتها من خلال العبث، والتناص، والغرابة، وقد ختم هذا الفصل بتقديم طرح الكاتب النظري للقصة القصيرة جدا كما ورد في مؤلفه كاتابات ساخرة .

أما الفصل الأخير فقد ناقش فيه السخرية وامتداداتها بين النفسي والاجتماعي من خلال مجموعة من المحاور :

السخرية من الانشطار والجنون والاستبداد، ومن المشهد الديني، والعدالة والقضاء، ومن خلال التعاطي مع القضايا العربية، والهجرة السرية، والسخرية من الرياضة .

كما تمت إثارت، السلوك الانساني في محك سخرية القصة القصيرة جدا، من خلال مجموعة من المحاور الخاصة بمفهوم تدبير الزمن، والنظرة إلى التراث، والعولمة والتربية، والمواقف بين الانتقاد والسخرية .

 

العلاقه بين الشخصيه والمكان في النص المسرحي .. نص الحداد لا يليق بكاليجولا نموذجا

المكان في النص المسرحي هو احد مكوناته ومن اساسياته التي لا يقوم الا بوجودها الى جانب عنصري الزمان والشخصيات والحبكة متصلة مع بعضها في سياق درامي فني وجمالي وفكري ودلالي لتكون بالتالي الشكل النهائي للعمل الادبي المسرحي .ويختلف المكان في النص المسرحي عنه في العرض في ان بعض مفردات المكان في العرض تكون حاضرة بشكل او باخرفي سينوغرافيا العرض و حسب الرؤيه الاخراجيه ومنهج المخرج الاخراجي رمزيا او تعبيريا اوغيره مما يتيح للمتلقي فرصه بناء المعاني وحل الشفيرات التي يبثها العرض ..اما في النص فأنها اعقد بكثير، اذ ان كل عملية البناء التصوري والتخيلي للمكان /الفضاء المكاني سوف تقع على عاتق المتلقي من خلال بضعة اشارات يجود بها المؤلف ليرسم خارطة الفضاء المكاني الذي سوف تلتقي به الشخصيات وهنا لا يكون للمكان الاوظيفته الانشائيه كما يعبر هنري ميتران.

اما العلاقه بين المكان وباقي عناصر النص سوف يكملها المتلقي/ القارئ .وهو هنا القارئ الناقد الذي يتمكن من ربط دلالات النص وكشف الجسور والعلاقات فيما بينها وخاصة نلك العلاقه التفاعليه فيما يتعلق ما بين المكان والشخصيه الرئيسيه، وهو ما سنتناوله في دراستنا .

وعلى هذا فالمكان في مسرحية الحداد لا يليق بكاليكولا للمخرج والكاتب المسرحي الراحل كريم جثير يفتح قنوات وعلاقات ووشائج قويه مع الشخصيات ، وخاصة الشخصية الرئيسية كاليجولا.فالمكان هنا ليس مجرد فضاء يسمح للشخصيات ان تؤدي دورها الدلالي والجمالي بمعزل عن تأثيراته، بل هو مساهم بتحولات الشخصية وبالتالي فهو مؤثر فعال في الاحداث ، حيث ان كل انتقال للشخصية في المكان هو انتقال وتحول في الشخصية، ، والذي يؤدي بالضرورة الى تغيير في مجرى الأحداث والنهايات الدرامية التي تحمل خطاب النص ومغزاه. بل يكاد المكان ان يكون شبيها للشخصيه فهو حينا يتمثل ذاتها السلطويه وحينا يتمثل اعمق مكنوناتها من خوف وضعف وحينا اخر يكون سببا في كشف زيف المحيط من حوله .

يكشف لنا المؤلف في ايام الحداد الاربع/التي تقابل الفصول / عن الفضاء المكاني الذي تدور فيه الاحداث من الخارج الى الداخل بدءا من القصر وقاعة العرش ومن الداخل الى الخارج حيث غرفة نوم كاليكولا و المخبأ الى المكان العام الخارجي في النهر والعودة للقصر وقاعة العرش اخيرا.وفي هذا التنقل كشفا للتحولات في الشخصية الرئيسة وكشفا لمكنوناتها وطبيعها.

 

الملازمه والتماهي

يتماهى المكان مع شخصية كاليجولا ويشابهها في الصفات بدأ من القصر وقاعة العرش ودلالاتها السلطويه ووتأثيرات هذا الفضاء المؤثث بمفردات السلطة والقوة، على الرغم من انه طمع باكثر من السلطه الدنيويه فهو قد افترض موتا لنفسه وحدادا من اجل ان يعلو فوق حتى هذه السلطه .

في قاعة القصر كل الجبروت والشعور بالعظمة وحب الذات وتقديسها وتأليهها ووحدانيتها ولا نقيض لها(لانها اذا ما خرجت عن احاديتها سيكون هناك النقيض وهذا ما لا يريده كاليكولا) ولا شبيه الا المكان الذي يدور فيه ويجد فيه ما يشبهه من رموز العظمة والقوة .ليمنحه القوة في نبذ كل المقدسات عدا وجوده وكينونته وذاته العظيمه. وما هذه العظمة الا شكل يضفيه عليه المكان وعلى ذاته المحبه له والمتمسكة به، (ليخطر ببالك كل شيء، ان تفنى المملكه باجمعها، ان تتوقف الارض عن دورانها، ان تنطفأ الشمس وان يختل نظام الكون بأكمله . لكن اياك، اياك ان على بالك ان يتزحزح كاليجولا عن مكانه، فكاليجولا مركز الاشياء، وعلى الاشياء ان تتحرك حوله) غير انه وعندما يستوي على العرش وينتشي بالشراب فتتراءى له صور واجساد بشر، هم ضحاياه، تتلوى من الالم وهي تلفظ انفاسها الاخيرة يدرك مدى التعاسة التي يعيشها.. (فما اتعس كاليجولا الذي لم يعد امامه من شيء يقوده الى المتعه والدهشه سوى موته) واقامة الحداد على نفسه ليعيد تنصيب نفسه من جديد كأله اوحد .والمقدس الاوحد،

المقدس الوحيد هو من يتربع على العرش، وليس غير كاليجولا من يستحق هذا المجد والعظمه في قصره وعرشه.

وبانتقال كاليكولا الى فضاء مكاني اكثر حميمية واكثر قربا للروح، غرفة نوم كاليجولا /سرير نومه/ فأنه يتحول الى الداخل من الشخصيه، انه ينقل لنا الطبيعه الداخليه والنفسيه والعاطفيه .بل يتداخل لتنكشف النوازع الخفيه (فمنذ زمن طويل وكاليجولا لم ينم) وشعوره الخفي بالوحدة والملل . هنا يقارن نفسه مع الاله الذي لا يشعر بالملل كونه (يتسلى بجميع ممالك الكون) ذلك الملل الذي يحعله اقل مرتبة من الاله.

يتجسد هنا في هذا الداخل، داخله الروحي / المكاني. وبدل ان يكون هذا المكان فضاء سعادة ومتعه ولذة في الاختلاء بالخليلة الا انه(يدفن رأسه في احضانها يجهش بالبكاء فجأة) .

ان غرفة نوم كاليجولا / السرير هي مسرح البوح كاشف فيها عن كل ما يخفيه عن الاخرين من ماضي مؤلم وسيء عاشه كاليجولا وخاصة تلك الذكريات عن زوجته (الخائنه) التي اورثته الام شهريار وعدم ثقته باية امرأة ثانية، فسجنها مع كلبه امعانا في اذلالها .غرفة نوم كاليجولا هي مكان اعتراف عن الضعف وان لم يكن امام الملأ.

المشهد الوحيد خارج حدود القصر والمملكه / السلطه هو مشهد الزورق حيث كاليجولا متنكرا راكبا الزورق مع صاحب الزورق غير المنتمي لحاشية ولا تابع لاحد .هنا بعيدا عن اجواء التبعيه والخضوع لامر كاليجولا، تكشف طبيعة المكان عن خفايا القصر والخيانات والمؤامرت الحاصلة فيه وخاصة بما يتعلق بامر رئيس_ة الشرطة وزيف اسطورة الاله كاليكولا.وبعيد عن الضفتين وحيث لا يخشى ان يسمع الكلام احد يكتشف انه هو الوحيد في هذه المملكة الذي صدق حكاية صعوده الى السماء .

في النهر وفي رحلته القصيرة واذ تحمله الامواج بعيدا معها انكشفت كل الاصوات التي سخرت منه والتي كانت ضحية له .ثم ان اشارات المؤلف وتوصيفاته للحالة منحت المشهد بعدا دلاليا يربط كل من المكان والشخصيه في صفة واحدة هي صفة الجريان نحو المجهول (تحمله امواج النهر بعيدا معها).

في المخبأ/ عودة الى المكان الداخلي مع الخليلة والذي يبدأ بالضيق ليدفع بالشخصية نحو نهايتها ..انه يزداد امتلاءا باصوات القتلى والاصوات المنادية برحيله التي ملئت ارجاء المكان /الروح وهو لا يملك عندها وقد كشف له النهرزيفه والمخبأ عن ضعفه فانه لا يملك الا ان ينصت لها و(يغادر المسرح).

وفي المشهد الاخير /يوم الحداد الاخير المكان / القصر، العرش، خال من كاليجولا واذ يظهر انما نازلا من اعلى (يأخذ بالنزول ومن ثم يواصل خطواته باتجاه العرش) كما في اول مرة في يوم ما قبل الحداد (يظهر كاليجولا في الطابق العلوي متأملا قاعة العرش، فتنحني النساء له .كاليجولا يبدأ بالنزول) وهو نزول للمكان مؤثرا ومتاثرا به .ولكن في مشهد يوم الحداد الاخير هو نزول الى مكان لم يعد له .بل حضر بطريقة يحاول فيها ان يثبت الوهيته في المكان، لكن لم يعد يرى فيه القوة والسلطه والالوهية سوى نفر قليل من حاشيته. وا ذ يصل العرش المرصع باللالئ يستل سيفه ليقتل نفسه (فلا احد يستطيع قتل الاله كاليجولا سوى الاله كاليجولا نفسه) ويطعن تمثاله النصفي في موضع القلب، ذلك التمثال الذي استقر بمكانه طيلة السياق الدرامي ليخر امامه ميتا .احساسا منه بفقدانه الارتباط بالمكان، قاضيا على نفسه من خلال احدى مفردات المكان الثابته، المكان الذي اعلن، في النهاية، براءته من الشخصيه واوصلها الى حتفها، اختاركاليجولا الوجود الاخر .اختار الموت قرب العرش.المكان الذي اراد ان يبقى صنوا له ومتماهيا مع صفاته .

وفي تتبعنا السابق لعلاقة الشخصيه بالمكان نجد ان الاثر الذي احدثه المكان بالشخصيه .نوعان الاول تمثل في فعل التعري والكشف لذات الشخصيه بما كان يربط بينهما من تشابه والثاني تعرية وكشف الماحول الذي يحيط بها كاسرا ذلك الرباط وتلك العلاقه المرضيه في التمسك به.

من هنا تكمن تراجيديا العلاقه بين المكان والشخصية /الرئيسة في تعرية للنقائض بين امتلاك السلطه والقوة وبين الخواء الروحي والضعف الذي تعيشه شخصية كاليجولا .ومن هنا نكتشف الصفه التبادليه بين صفات المكان وصفات الشخصيه والتي يكون المؤثر فيها وصاحب الامتياز هو المكان بكل مفرداته التي رسمها لنا المؤلف مثل العرش والسرير والقارب والتمثال النصفي لكاليجولا تلك المفردات التي هي جزء من فعل التأثير الذي مارسه المكان عليها .المكان هو المحرك لكل نوازع الشخصيه الدفينه

بينما تمنح الشخصيه احدى صفاتها التي لم يعد يشعر بها وهي الحياة ليأخذ البطولة من بطل السلطه /النص بينما سيسيرها نحو الجمود والتصلب في صورة التمثال النصفي، فكاليجولا يشهر سيفه على نفسه ليطعن التمثال النصفي /ليظهر لنا مدى التحجر والجمود الذي وصلت اليه روحه، والذي اراده صفة للالتصاق بالمكان السلطوي كنوع من الثبات فيه.

لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة وكبوة اختيار السارد

alkabir aldasisiفي إطار متابعتنا للروايات التي وصلت اللائحة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية البوكر:

1. لا سكاكين في مطابخ المدينة للروائي السوري خالد خليفة

2. فرنكشتاين في بغداد للعراقي أحمد السعداوي

3. طائر أزرق نادر يحلق معي للمغربي يوسف فاضل

4. طشاري للعراقية أنعام كجة جي

5. تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية للمغربي عبد الرحيم لحبيببي

6. الفيل الأزرق للمصري أحمد مراد

وبعد تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية للروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=406395)

في انتظار رواية فرنكشتاين في بغداد لأحمد السعداوي من العراق.. جاء الدور اليوم على رواية (لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة ) للروائي السور ي خالد خليفة، الوحيد من الستة الذي سبق له الوصول إلى اللائحة القصيرة وكان ذلك سنة 2008 عن رواية (مديح الكراهية) التي ترجمت لعدة لغات، يمتاز عن غيره من المؤهلين لهذه اللائحة بتنوع كتاباته بين الشعر والدراما التلفزيونية كما تجلى في مسلسل (قوس قزح) و (سيرة آل الجلالي) وبعض الأفلام الوثائقية والأفلام القصيرة, والأفلام الروائية الطويلة كفيلم (باب المقام) والقصة القصيرة إذ كانت أولى مجموعاته القصصية (حارس الخديعة) الصادرة في عام 1993. لكن تبقى الرواية هي الشرفة التي يطل منها على أكبر عدد من القراء ومن رواياته إلى جانب (مديح الكراهية) رواية (دفاتر القرباط) ورواية (لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة)...

صدرت الرواية في طبعتها الأولى عن دار الآداب بيروت 2013، تشغل مساحة ورقية ممتدة على 255 صفحة من الحجم المتوسط موزعة على خمسة فصول متفاوتة الحجم هي :

الفصل الأول :حقول الخس من ص5 إلى ص 82 ↔( 77 صفحة )

الفصل الثاني عنوانه :عنق مملوكي وحذاء أحمر من ص 83 إلى ص 105 ↔( 22 صفحة)

الفصل الثالث عنوانه جثث متفسخة من الصفحة 107 إلى الصفحة 193 ↔ (86 صفحة)

الفصل الرابع عنوانه طرق غامضة من الصفحة 195 إلى الصفحة 215 ↔ (20 صفحة )

الفصل الخامس والأخير عنوانه الأم الميتة من الصفحة 117 إلى الصفحة 255 ↔ (38 صفحة)

أول ما يثير قارئ هذه الرواية هو عنوانها الطويل مقارنة مع أغلب عناوين الروايات المكونة من كلمة أو كلمتين، فإذا كان العنوان مدخلا قرائيا وأولى عتبات ولوج النص، يسلح القارئ بفكرة أولية قبل الغوص في عباب النص، فإن عنوان هذه الرواية عنوان خادع ومموه، يجذب القارئ إلى مطالعة الرواية وهو يعتقد أن موضوعها قد يدور حول الانتقام وفشل مظلوم في الحصول على سكاكين تعيد له حقه، أو دعوة والخروج للثورة مدججين بسكاكين المطابخ، كما قد يحيل على السلم والسلمية والتخلي عن الأسلحة حتى البيضاء منها (كسكاكين المطابخ)

لكن عند قراءة الرواية اتضح أن عبارة العنوان لم ترد في المتن المحكي إلا مرة واحدة في الصفحة 207 على لسان شخصية جد ثانوية أوردها السارد أثناء حديثة عن كثرة الجرائم في حلب وإشارته لخبر نشر بإحدى الجرائد لرجل لم يذكره بالاسم أحرق زوجته وأطفاله الأربعة ثم انتحر بسكين المطبخ سائلا بحرقة: (ألا توجد سكاكين في مطابخ هذه المدينة) .

تُحكَى الرواية على لسان أحد شخصياتها (السارد) الذي لم يحدد له الكاتب اسما، وتدور أحداثها حول قصة عائلة مكونة من أربعة إخوة السارد أصغرهم وهم رشيد، سوسن، وسعاد : تبدأ الأحداث بالراوي وهو في الطريق إلى المنزل فرحا بموت أمه الذي تأخر عشر سنوات، وبسبب هذا الموت المفاجئ، يرتد السرد القهقرى لتنسكب الذكريات شلالا يستعيد من خلالها حياة الأسرة بكاملها كيف تزوجت أمه المعلمة المجدة والمخلصة في عملها والمنحدرة من أسرة عريقة، والمتشبثة بأصول التربية الأرستقراطية المتوارثة، من شاب ريفي رغما عن أهلها، لتجد نفسها تعيش عزلة اختارتها طواعية، متعالية على الجميع عساها تداري خيبتها وبعض عارها بعد أن هجرها زوجها وسافر مع امرأة أمريكية تكبره بثلاثين سنة، مقتنعا أنها فرصته الوحيدة لتغيير حياته والابتعاد عن البؤس وتحطيم نمطية حياة موظف (يجب أن يقدم الولاء الدائم للحزب والرئيس القائد كي يحتفظ ) ببؤسه، يستمر زمن القصة حوالي 40 سنة منذ ولادة الراوي سنة 1963 وهي السنة التي صادفت الانقلاب الذي أوصل حزب البعث للسلطة في سوريا، إلى سنة 2005 وقوفا عند وفاة حافظ الأسد وانتقال السلطة لنجله بشار .. عبر سرد حيوات باقي شخصيات العائلة، ومراقبة مجريات الأحداث عن بعد. مركزا على مظاهر الاستبداد وتجنيد الفتيات للتجسس على المواطنين مما حول السارد إلى شخصية ثانوية تكتفي بالرصد وعين تتابع الأحداث رغم اختيار طريقة السرد الذاتي التي تفرض على السارد المشاركة في رسم تطور مسار أحداث الرواية، وجعل السارد راوٍ وموضوع رواية وأحد شخصياتها دون أن يكون له كبير أثر في تطور الأحداث.. يحكي بطريقة يغلب عليها تكرار أحداث (وفاة الأم، شذوذ الخال، تمرد سوسن ودعارتها المقنعة، انتقاد النظام واستبداده..) إلى درجة تجعل القارئ يشعر أن الأحداث لا تتطور، أو كأن الأحداث واقفة عند نقطة واحدة أو يحس أنه يعيد قراءة أحداث سبق له قراءتها ولعل ذلك ما كان يفرض علي مرارا التوقف في القراءة والشعور بعدم الرغبة في إتمام القراءة ...

تتكون الأسرة من فتاتين (سعاد وسوسن) وطفلين (رشيد والسارد) وتبقى سوسن أكثر الشخصيات تمردا برفضها أن تكون مثل أمها، تتعلق بأستاذ اللغة الفرنسية جان عبد المسيح الانطوائي المنغلق المكتفي برعاية أمه المريضة والتواصل مع ابنه في الخارج عبر الرسائل، لكن تجاهله لحب سوسن رمى بها إلى الانضمام لكتائب المظليات التابعة لحزب البعث وتحرير تقارير عن زميلاتها وأنشطتهن فزادها حمل السلاح وتهديد الآخرين، ومهاجمة المحجبات شخصية قوية انضافت لجمالها ورشاقتها وجعلت القائد منذر يتعلق بها ويأخذها معه إلى دبي للعمل في قصر أحد الأمراء لتجد نفسها في النهاية امرأة انتهت مدة صلاحيتها بعد رفضه طلب الزواج بها لتعيش أحداثا قاسية قبل أن تعود لحلب عن طريق باريس وكلها أمل أن تعود (امرأة نقية و غير ملوثة بالتقارير التي أودت برفيقاتها في المدرسة وعائلاتهم إلى التهلكة) كما حدث مع هبة التي اعترضت سبيلها مع صديقاتها المظليات (ومزقن غطاء رأسها وأدمين جسدها بأعقاب المسدسات ووصفنها الشرموطة الرجعية ومزقن ثيابها وبقيت عارية وسط الشارع وسارعت امرأة للفها بعباءتها وبقية المارة نكسوا رؤوسهم ومضوا كأنهم لم يروا شيئا) ص 114 . تعود لحلب وتحاول التكفير عن أخطائها ونسيان ماضيها، برتق بكارتها في محاولة لاستعادة عذريتها وطهارتها وتحيي علاقتها بجان عبد المسيح وتتفانى في خدمته وخدمة أمه المريضة وتصارحه برغبتها في الحصول على ولد منها وتقدم له جسدها لكن سرعان ما هجرها بعد حملها ليساعدها خالها نزار المثلي الجنس، والموسيقي العبقري على الارتباط بصديقه ميشال وتسافر معه إلى باريس دون رجعة

أما الفتاة الثانية سعاد فكانت معاقة، (تعتبرها الأم عارا شخصيا يجب إخفاؤه عن الجميع) ص12، توفيت في بداية الرواية وتخلص السارد إلا من ذكرياتها ...

أما رشيد الموسيقى والعازف الماهر فبعد حفلاته ومؤلفاته الموسيقية يغرق في الروتين والممل ويضطر إلى تغيير حياته في نهاية الرواية بالاتصال بأحد شيوخ حلب الكبار الذي هداه إلى الإسلام وسهل له الطريق من أجل السفر إلى العراق للمساهمة في معركة بغداد ودحر المحتل الأمريكي الكافر، ليجد نفسه في خضم معركة غير متكافئة، ويقع أسيرا في إحدى الثكنات الأمريكية، وكان مصيره الإعدام أو الاعتقال لولا تظاهره بكونه موسيقيا مسيحيا لا علاقة له بالجهاد والتكفير، وبعد تأكد المحققين من هويته سهلوا له العودة إلى حلب بعد يأس أسرته من عودته، يجد أمه قد ماتت . وتنتهي حياته بانتحاره يقول السارد (فتحت باب غرفتنا وأصابني دوار، جثة رشيد متدلية من السقف كلمبة كهرباء ملوثة بخراء الذباب) ص 255  

تنفتح الأسرة على الجيران والأخوال (ابتهال، عبد المنعم ونزار) دون الأعمام،ويبقى الخال نزار من أكثر الشخصيات حضورا في الرواية ترتبط حياته بحياة أسرة أخته وأولادها الثلاثة خاصة سوسن ورشيد الذي كان يرافقه في حفلاته الموسيقية، له مكانة اجتماعية تمكنه من ربط علاقات مع كبار حلب، يعيش حياته الشاذة جنسيا مع من يختارهم ليطأونه، باحثا عن الحب حتى تعرف على مدحت وأغدق عليه من أمواله وقدم له جسده لكن سرعان ما انقطعت علاقتهما بعد دخول مدحت السجن وفيه يعيش الشذوذ مع عشيق جديد (أبو فهد) المتهم باغتصاب ستة عشر طفلا وطفلة أكبرهم لم يتجاوز السابعة من عمره والذي دفع رشاوي للشرطة للسماح بمرور مدحت أخر الليل إلى جناحه) ص182

تتميز الرواية باستطراد في السرد والتمركز حول بؤر : حلب مكانا / موت الأم حدثا وزمانا لتتفرع الأحداث الكثيرة حول هذه البؤر، وتتحول الرواية لما يشبه درس سيكولوجي همه تحليل خبايا الشخصيات وكسر جدار الصمت المطبق على عدة طابوهات في حلب كرمز لمختلف المدن والبلدان العربية، في مختلف القضايا خاصة منها:

- السياسة: من خلال التركيز على الاستبداد وتجنيد الفتيات للتجسس على المواطنين وتحرير تقارير مخابراتية عن معارفهن وصديقاتهن والسماح لهن – بعد تدريبهن وتسليحهن - بإرهاب الناس (أمرهن القائد يوم تخرجهن بانتزاع أغطية رأس الفتيات المحجبات في شوارع دمشق،انتشرن كنمل في الطرقات يوقفن السيارات ينزعن الأغطية عن رؤوس النساء يتحرشن بالرجال ويبصقن على أي أحد يعترضهن دب الذعر في المدينة) ص 78، تصوير الحزب والرئيس بصورة كرست في عقول الناس الرهبة لدرجة أن معظم عامة الناس لم تصدق موت الرئيس فالأم وهي تحتضر (فتحت عينها وحذرته من تصديق موت الرئيس) ص 228 كما تقف الرواية على حدث انتقال السلطة من الرئيس الراحل لابنه من خلال خروج (الحزبيين مستعيدين سيرة عمرها أكثر من ثلاثين سنة نشروا الذل نفسه ... أطباء ومحامون وصحافيون ونجار ونواب وطلاب جامعات ومدارس يجري إجبارهم على الرقص في دبكات وسط زعيق مكبرات صوت رديئة تصنع صورة جديدة للدكتاتور تستعيد صورة عرفها السوريون وتحاشوا النظر إليها)

- الجنس : إذ تركز الرواية على الشذوذ الجنسي والمثلية الجنسية في صفوف النساء (تجربة سوسن وهبة) والرجال من خلال نزار والاغتصاب الذي غزا كل الأمكنة في الشوارع ( يقوم أبناء الضباط باعتراض بنات العائلات وخطفهن إلى مزارعهن واغتصابهن) في السجن ...

- الدين : من خلال طرح ثنائية الإسلام / المسيحية، وهيمنة الخطاب الديني المتشدد بعد غزو العراق، وذهاب عدد من الشباب للجهاد في العراق مع ذكر لأسماء زعماء جماعات دينية بالاسم

- الموت تيمة رئيسة في الرواية : فالرواية تتعامل مع الموت كضيف ثقيل الظل، يعلن عن قدومه بلا موعد، (وعوضًا عن طرده وتهديده بإبلاغ الشرطة إن كرر زياراته غير المرغوبة) يقوم أبطال الرواية باستقباله بكل ود، وتقديم الشاي والمكسرات له، بل ودعوته للمبيت معهم في غرف نومهم! وأكثر من ذلك يصف الراوي الموت بأنه "الشيء العادل الوحيد في هذه الحياة"، لذلك لا يجد حرجًا من الدعوة للتخلص من الحياة ...

- تقارب الرواية بعض القضايا الاجتماعية بتجريب أسلوب القسوة والحقائق الصادمة المسكوت عنها وكأن الهدف تكسير وهم نمطية الأخلاق، ورفض اعتبار كون الأخلاق المثالية ستظل مستمرة في المجتمعات الشرقية "المحافظة " وذلك بالتركيز على صراع الخير والشر / الباطل والحق / الخطيئة والفضيلة، القمع والحرية/ والديمقراطية والاستبداد .. وغيرها من الثنائيات التي ستظل متحكمة في دواليب الصراع دون القدرة على تحميل المسؤولية لطرف دون آخر، فهل المسؤولية (أسريا) ملقاة على الأب الباحث عن حل فردي لمشاكله والهارب مع امرأة تفوقه بثلاثين سنة دون أدنى تفكير في مصير أبنائه الأربعة .. أم هي ملقاة على أم مرتبطة بالشكليات وفاشلة في تربية أبنائها ..؟؟ (وسياسيا) هل المسؤول هو الحاكم المستبد الموظِّف لكل الوسائل لترهيب الناس وإذلالهم .. أم هو صمت الجماهير وقبولهما لمعيشة المهانة والحط من الكرامة.؟؟.. و(اجتماعيا) هل نلوم الدولة ومؤسساتها من رجال دين ومدارس وأحزاب .. أم نلوم ظروف الحياة القاسية المتمثلة في الفقر والحاجة الأكيد أن كل طرف سيلقي بالمسؤولية على الطرف الآخر ؟؟...

لكن رغم صدمة القراءة الأولى، سيكتشف القارئ بعد إعادة قراءة الرواية أن حلب (وهي مجرد نموذج لأي بلد عربي) تعرف – في مقابل كل ذلك - تسامحا دينيا يتعايش فيه المسيحي والمسلم، واجتماعيا يمارس فيه الشاذ شذوذه بكل حريته دون السياسي...

- أما من ناحية السرد في الرواية فقد يشاطرنا عدد من القراء الاختيار غير موفق للسارد وكان يستحسن اختيار ضمير الشخص الثالث (الغائب =هو) لسرد الأحداث فباختيار السرد الذاتي، وضمير المتكلم، وجعل السارد راو وموضوع رواية وأحد شخصيات الرواية، كان من المفروض أن تكون معرفته بالأحداث متساوية مع معرفة الشخصيات، وتجسيد الرؤية مع / أو المصاحِبة، في الوقت الذي وجدنا السارد يعرف أكثر مما تعرف الشخصيات عن نفسها، وتجسيد التبئير في الدرجة الصفر مع ضمير المتكلم وهو أمر قلما تحقق في رواية أخرى مع ضمير المتكلم، وما دام هو حاضر ظاهر في الأحداث وغير متواري فمن المستحيل أن يعرف كل تفاصيل شخصياته إذ وجدناه يصفها في النوم واليقظة، ويدقق في انفعالاتها وما يجول بخاطرها، وما تفكر فيه وما تعتزم القيام به في الوقت الذي يتريث كل كتاب الرواية الذين يختارون ضمير المتكلم وينظرون وقوع الأحداث ليغرقوا في تحليل تفاصيلها حتى يكون الراوي منطقيا مع ذاته، فلا يمكن للمتكلم أن يكون عارفا كل شيء وحاضرا في كل الأمكنة في ذات الوقت ويسبر أغوار ذوات الشخصيات هو بعيد عنها تماما، والأغرب كون الراوي واحدا من العائلة، لكنه يحكي كشخص غريب وبعيد عن هذه العائلة، تموت أخته ولا ينفعل، يصف علاقات أخته الجنسية ببرودة، ويدقق في تفاصيل شذوذ خاله كأنه حاضر يتابع دقائق هذه العلاقات، ودون أن يصدر عنه أي حكم قيمي، إذ ظل يحافظ على نفس المسافة بينه وبين شخصياته، ولم يتدخل حتى في سير علاقة أمه بأخته سوسن ويفرح لموت أمه في أسرة تتظاهر بتماسكها العائلي .. لهذه الأسباب وغيرها كان يستحسن اختيار سارد آخر متحكم في الشخصيات، يجسد التبئير في الدرجة الصفر، يحرك الأبطال كالدمى وتفوق معرفته معرفة باقي الشخصيات بذواتها

ومع كل ذلك فازت الرواية بجائزة نجيب محفوظ لهذه السنة وهو ما يقلل من حظوظها للظفر بجائزة البوكر شأنها في ذلك شأن رواية (طائر أزرق نادر يحلق معي) للمغربي يوسف فاضل الفائزة بجائزة بالمغرب مادامت البوكر لم تسلم من قبل لكل رواية سبق لها الفوز بجائزة، وهذا ما يجعل الصراع يحتدم بين الروايات الأربع الأخرى

 

رواية "حاموت" للشاعرة والروائية العراقية المغتربة وفاء عبد الرزاق

ahmad fadelصورة صادمة لمدينة لاتريد مغادرة الذاكرة ... قراءة نقدية

مريرة جدا تلك الصورة التي وضعتنا فيها رواية "حاموت"، فلا أحد منا ينكر وهو يطالعها حجم المأساة التي أحاطت بهذه المدينة التي تشكلت في الوجدان قبل أن تكون جزءا من حقيقة أن المدن لايمكن مغادرتها حتى ونحن نعيش بعيدا عنها .

وفاء عبد الرزاق الشاعرة والروائية العراقية المغتربة والتي تعيش في لندن منذ عدة سنوات ومنذ رواياتها الأولى " بيت في مدينة الإنتظار" عام 2000 و" تفاصيل لاتسعف الذاكرة " 2001 و" السماء تعود إلى أهلها " 2010 و" أقصى الجنون الفراغ يهذي " 2010 و" الزمن المستحيل " 2014، في هذه الرواية تنقلنا مؤلفتها إلى أجواء الحرب التي خيمت على العراق أثناء احتلاله من قبل القوات الأمريكية والقوات الغربية المتحالفة معها عام 2003 وما تبعها من نتائج انعكست سلبا على واقع الشعب العراقي برمته تشظت حولها صورة وطنها الذي فارقته فتأبى أن تنسى مدنه، خاصة البصرة الولادة والنشوء، عشارها، مقاهيها، أزقتها، شناشيلها، أسواقها، أهلها بطيبتهم المعروفة، وكما هو الحال مع غالب رواياتها وقصصها القصيرة فإن هناك سيرة ذاتية لكل حالة من التي ذكرناها مرت عليها الكاتبة لتلفت فيها نظرنا على أنها جزء من حياتها تتكرر فيها مشاهد طفولتها، مدارسها، صديقاتها، وحتى إلقاء النظرة الأخيرة لوداع تلك الصورة، ومع شعورها بوطأة الإغتراب يلوح لها منظر الوطن من بعيد لتحتضن فيه كل ذكرياتها فهي مشدودة أبدا إليه حتى وهو يعيش مصائبه وآلامه .  

في "حاموت" نجد أن هناك تطورا ملحوظا طرأ على بناءها السردي على الرغم من أن جميع رواياتها وقصصها السابقة ظلت محتفظة بذلك البناء وهو ما ميزها دائما، لكنها هنا تحاول الولوج إلى فن أدبي عرف طريقه إلى الرواية العربية عموما والعراقية خاصة في النصف الأول من القرن العشرين المنصرم هي الفانتازيا المعاصرة التي تأخذ المدينة المتخيلة حصتها من هذا الفن .

"حاموت .. مدينة الظلام والكابوس، كأنها غيمة سوداء تحاصر سماء أبنائها وتصهرهم واحدا تلو الآخر، ما هي إلا صدى أسلحة، شكوى مؤلمة .. صوت العتمة الخافت والحزن الوقور " .

هكذا تبدأ الحكاية في تصوير مشهدها الدرامي حول هذه المدينة التي يلفها الموت في كل لحظة بإسلوب قريب إلى النثر الشعري، جميل بحبكته، قوي بلغته، تصف بطلها كراو وشاهد على الولادة والمأساة:

" ولدت لأبوين عشقا بعضهما حد أن أصبحا واحدا، وأنجباني في شتاء قارص "، هنا المدينة كانت تعرف الحب الذي لم يعمر طويلا إذ سرعان ما انتهى إلى النسيان في حفرة واحدة: " لست أذكر السبب في غيابهما المفاجئ، لأنني كنت صغيرا لا أتجاوز الرابعة .. حين هبط خلل الحياة فجأة على طفولتي مخضبا بالضياع والتيه "، هناك .. في غمار الفزع والفقد، وفي لحظة مروعة، صمت قلبي الصغير مصغيا لأحضان خالتي .. حين رجعت والتراب عالق في ثوبها من المقبرة .. مضت بي لأرى قبري الجديد فوق أرض "حاموت"، " محمد " .. هو إسمي في شهادة الميلاد، إنما خالتي كانت تناديني " عارف "، لست أدري لم يحلو لها ذلك؟ "، تتقاطر الأيام حبلى بمصائبها على المدينة، محمد يشاهد كل ذلك الخراب والدمار والشبح الموت يجيئ ثم يغادر ومعه حصيده من البشر، يتسائل: " متى يكشف النقاب (عمن ولماذا وأين) ربما اقتربنا من ال " متى "، ولا نعلم .. أظننا اقتربنا فعلا " .

30-hamot

الآن وضحت معالم الرواية، مدينة تعيش الموت في كل لحظة وبشر مبعثر فيها لامستقبل له يعيش على الاشاعات التي يتصورونها حقيقة، بشر متعب، مريض يخاف هذا الشبح الذي يترصدهم في كل لحظة:

- " هذه هي المرة الثانية التي يضعني الشبح بالمحك مباشرة أمام الموت .. لم يكن يومي المحتوم، بل يوم هذا الشاب الذي جاء باحثا عن حياة لأبيه، وبادله الموت بحياته، أعرف ألا أحد قربي .. لكني رحت أحادثه كشخص قريب إليّ: لماذا لا تظهر لي؟ لنتواجه شخص لشخص .. إنسان لإنسان، ليس شبح لإنسان، إلتف الناس حولي يهدئونني معتقدين أنني أصبت بهذيان المفاجأة والصدمة .. لكنني لم أكترث لصوت غير صوتي: أين أنت الآن؟ في داري، في الطريق، في وسط المدينة، وراء باب تنتظر أبا أو أخا، بين ذراعين مفتوحتين للعناق، أين أنت؟

ومع كل ذلك الصراخ ينتاب محمد اللوم على عدم الزواج والبقاء دون نسل خوف أن يتسلل ذلك الشبح إليه يوما فيغيبه كحال سكان حاموت:

- أحببت جارتي " سعاد "، لكن أهلها زوجوها لثري وأنا ما زلت طالبا في الثانوية .. أقسمت لو رزقت بولد ستسميه "محمد " كي تسمع إسمي كل ثانية، وتردده بصوتها الشجي .

يتصاعد الفعل الدرامي بذات الأسلوب السردي المبني على الفانتازيا المكانية، لكنه يتغير فجأة ليكون فانتازيا محاورة مع الشبح القابض لأرواح سكان "حاموت" الذي يرتبط بصداقة قوية مع " محمد " فيسأله عن شعوره وهو يقبض أرواح الورود، أطفال حاموت، المحاورة هنا أجمل ما احتضنها سرد الرواية:

- " إذا .. لم تبك يوما لمنظر طفلة بريئة أو طفل معاق أو، قاطعني:

- الأطفال مصيبتي الكبرى، اجسادهم الطرية خسارتي أمام نفسي، وجوههم تنغمس في فؤادي كانغماس الشعرة بالعجين، وعليّ استخراجها استجابة للواجب، لكن ما ترونه أنتم شرا لهم نراه خيرا لهم ... ومن منطلق الخير تذوب اجسادهم اللينة بين اصابعي طائعة .

- لحسن طالعي أنني قوي الليلة ومستعد لمواجهته - يقول محمد -:

- إنه الخواء الشيطاني سيد "عزيز" - وهو الإسم الذي أطلقه على الشبح - أنت واسع الحيلة والدهاء، كثير التبرير لتعلّب قناعاتك بوهم تصدقه أنت لتستمر في جبروتك .. أية قوة تتصنعها وأنت تتأمل المصلوبين ظلما والمقطوعة رقابهم؟

اللقاء بين " محمد " والشبح " عزيز " تستمر وتائره بالتصاعد حين يأخذه في رحلة عبر الزمن ليريه مقتل هابيل:

- أين كنا، ومن هاذين الأخوين؟

- هما أصلكم، خيره وشره .

- نقلتك إلى الشر الكوني، جذركم الأصلي، فلا تستغرب ما أنتم عليه الآن .

- راودتني فكرة بصمته:

- هل تركت بصمتك هناك؟ ثم أين؟

- أي نعم، تركتها في روح القاتل .

- وما ذنب الأخ المقتول؟

- هي الميتة الفضلى .

- الفضلى؟

- نعم الفضلى .. وهي الحد اللائق بالفوز ..

- أي فوز، أي حد لائق .. أنت تهذي ايها الشبح .. هل الميتة عندك مراتب أيضا؟ ويلي منك ومن سلوكك ..

قال:

- وهناك الحد اللائق من الحماقة بالحمقى، فيموتون بيد من هم أشد حمقا منهم، الدم لا يغسل إلا بالدم .

- هذا يعني أننا كفارة لذنب من سبقونا؟ لكنه الظلم بعينه !

"حاموت" الرواية والمكان يتخطاها الزمن عابرا بها إلى مرحلة جديدة من حياتها وحياة سكانها، فالتغيير الذي أصاب كل العراق، لم تكن هذه المدينة الغنية بثرواتها والبائسة ببيئتها وسكانها بمنأى عنه:

- " الراحلون سابقا والمهجرون عادوا إلى "حاموت" متوهمين وطن غير خاضع للمساومة .. تفاجأوا بمساومات لا حصر لها ولا عدد " .

الفانتازيا تأخذ بالرواية إلى مسارات أخرى تكاد تكون في فصولها الأخيرة أقرب إلى الفلسفة حين يتأجج الصراع الكوني الإنساني باللامرئي الذي لايمكن إدراكه إلا عن طريق الحس الفكري، وهكذا صحا من غفوته الحلم " محمد " ليجد الشبح " عزيز " أمامه لم يصبه أي مكروه بعد أن شاهد موته هو الآخر يقترب منه بأمر " الجليل ":

- أنت هنا يا صديقي .. أنت هنا لم تمت؟

قدم لي قدح الماء لأشرب ورش على وجهي بعضا منه:

- نعم أنا هنا لم أغب، وانت كنت في حالة حلم عميق .

تركني منهكا وغادر .. لكنني لم أستطع النوم رغم حاجتي الماسة إليه، بل الحلم زاد من حيرتي، وتوسعت تساؤلاتي حول القوة، وما هيتها .. عن علل الأمور وعن الانقياد التام " لعزيز " نحو قوة أكثر طغيانا منه .. إنها فتيلة الحرق الكلي، فكيف تصبح الفتيلة، فتيلة خاصة بها وتحرق نفسها؟ حيرني كثيرا هذا السؤال، وحيرتني معه إدارة القوة العظمى .

في النهاية يصاب " محمد " بالسرطان كحال آلاف البشر من سكان "حاموت" الذين عاشوا وسط دوي القنابل وتجرعهم الغازات السامة عنوة، فوهن جسده ولم يقوى على النهوض من فراشه:

- همس لي " عزيز " أن أتنفس بعمق .. قبل الخضوع إليه نظرت إلى "حاموت" من بعيد فرأيتها مدخنة متصاعدة .. تنفست عميقا واستسلمت لصاحبي المسرور باستسلامي التام .. وأنا أردد في نفسي:

- اصبحت عبدا .. أصبحت عبدا يا " محمد " أصبحت عبدا للقوي ... أصبحت عبدا .

الرواية فازت مؤخرا ضمن أدبيات جائزة اكيودي العالمية وبذلك تتوج الشاعرة والروائية المغتربة وفاء عبد الرزاق ككاتبة لها حضور مميز بين عديد الكاتبات العربيات والكتاب العرب، "حاموت" الصادرة عن مؤسسة المثقف العربي في سيدني باستراليا ودار العارف في بيروت ب 135 صفحة من القطع المتوسط هي أطول حوارية سردية بنيت على الفانتازيا المكانية بين الروايات العربية الصادرة حديثا بحسب تقديري، وهي فتح جديد في عالم الرواية التي تذكرني بالروائي البريطاني الأشهر " تولكين " الذي عد بأبي الخيال الأدبي الحديث والذي جاء في المرتبة السادسة لمجلة التايمز اللندنية الشهيرة ضمن قائمتها كأعظم 50 كاتبا بريطانيا منذ عام 1945 .

 

أحمد فاضل      

الحساسية الفنية في شعر محمد عمران

saleh alrazukلم يكن محمد عمران شاعر سلطة أو كاتب قصائد سياسية ولكنه لم يبتعد عن الهم السياسي العام. لقد نظر للحياة التي يعيشها من داخل عزلته الفنية. وهي عزلة زاد من مرارتها نقطة تمفصله مع النظام وخطاب الحداثة.

بالنسبة للنظام كان مبشرا بأفكاره أو ذهنيته دون أن يتورط بالعمل السياسي والحزبي. وبالنسبة لخطاب الحداثة لقد أعاد ترتيب اوراقها. بمعنى أنه بشر بحداثة معاكسة تحترم تجربة مجلتي (شعر) و(مواقف) وتوسع من دائرتهما النفسية والوجودية.

وفرض عليه ذلك أن يتعامل مع مشاكل بلده سوريا وكأنه يتعامل مع نفسه. حتى أصبح محمد عمران هو سوريا ذاتها. بتاريخها المعاصر وماضيها الإنقلابي.

وأرى أن الصور والتراكيب التي تحدث بها عن الأساطير السورية وعن تاريخها الرسمي المكتوب تشبه الموقف الخاص لكامو من تجربة العنف والعبث التي تقف وراء انفصال الحضارات وسقوط الأفراد.

وهنا لا بد من التمييز بين جذور حساسية محمد عمران الشعرية كموقف سياسي من غير برنامج أو بروباغاندا، والتمرد على الوجود والنفس كحالة ذهنية هدفها التعبير عن الشك، وربما التبرم والشيخوخة، أو بالأحرى التعبير عن صورة (الثوري المتقاعد)، والرومنسي المكسور الذي يمر بمرحلة من التحول الوجودي.    

وأعتقد أن الهزائم التي منيت بها الجيوش العربية في أول امتحان عملي عام 48، ثم فشل حركات التثوير الوطنية عام 67، قد ساعدت على إعادة تركيب الذهن ونظرته للحداثة. لقد بدل ذلك من العلاقة بين العناصر، ولا سيما في ترتيب وتشخيص مفاهيمنا لكل من: السوريالية والصوفية والرومنسية.

واختلطت أساليب التصوير مع الأخيلة والتراكيب والأدوات، وأصبح من العسير أن تفصل الواقع عن سلطة الوهم، ووصل الأمر إلى تتواصل الحداثة مع الوجودية والتصوف من خلال منظومة أفكار لا هم لها غير الرفض والإدانة. وأحيانا العويل والبكاء.

لقد كان صوت محمد عمران مثل غيره يبكي على أدونيس الذي قضى بطعنة خنزير بري، وكان لا يوفر فرصة أو جهدا لملاحظة زهور الدم الحمر في الربيع. ولكنه لم يبشر مثلهم بعودة الغائب.

كانت سلطة الموت والغياب لديه أوسع من سلطات القيامة وتحرير الأرض.

وعلى ضوء هذه المعطيات بإمكاننا قراءة أشعاره، ابتداء من ديوانه (الدخول في شعب بوان)، وحتى النهاية، ولا سيما (الأزرق والأحمر، ثم أنا الذي رأيت). لم يكن محمد عمران يلعب بالأفكار ويتخيل يوتوبيا لا رصيد لها، ولكنه جهارا كان يضغط في سبيل إحياء سيرة المتنبي ورحلته من شعب بوان وحتى عتبات النبوة.

ولقد كانت رحلته أيضا عكوسة.. من الاحتراق بلهيب الشمس والنور، إلى الغرق في لجاجة الظلام. ومن العرش إلى النبوة.

ولذلك اختار لافتتايحة (الأزرق والأحمر) العبارة التالية :

كان وقتا له جسد من رماد

واقفا بيننا (ص 7).

وأعتقد أن بنية القصائد لم تتحدث إلا عن هذا الجسد الرمادي الهش الضعيف الذي احترق بالشوق والحنين إلى الغابة والبحر، المعادل الطبيعي والموضوعي لمبدأ الحرية، وهذا هو خاتم النبوة.

وقد كان يستخدم لغة الإنشاد مع لغة الطقوس، ليتغلب على جو الثبات والسكون، وليفتح الباب أمام حالات التضاد والتقابل، تمهيدا للكشف عن رسالته. والتي أعتقد كان لها وحي تشعر به دون أن تسمع صوته. غير المتنبي استعاد محمد عمران من الذاكرة الشعرية كل أبطال المقاومة ولا سيما من خسر معركته أمثال لوركا وأراغون وإيلوار وغيرهم.

وقد رفع محمد عمران صوته عاليا بنبرة حزينة، وبخاصة حينما اقترب من الملف اللبناني (و قد وضع له عنوان الأحمر الأخوي، ص 36)، وهنا استعار من الحلاج والنفري باقة من المفردات مثل: الوجد، حقيقة الحزن، قبة الوقت إلخ.. وهي كلها مرادفات للموت والخيبة، أو لسقوط الجموع من المركب السكران (بتعبير بطل التشاؤم رامبو).

إن وجودية محمد عمران ذات بعد تصوفي وكانت هي التعبير الفني عن سريالية وفوضى الواقع. وفي نفس الوقت هي الأسلوب الوحيد الذي يسمح له بتدمير العالم الخارجي وإعادة تكوينه حسب أحلامه وطموحاته. ومنذ البداية رغب في العودة إلى مرحلة العماء المائي (ربما الغمر، الطوفان في الأسطورة) ليعيد خلق الكون وتنظيمه من جديد. ولقد تشدد فيما يتعلق باستنباط لغة من داخل اللغة، حتى أنه غّير من ترتيب العبارة الكلاسيكية، وبدّل العلاقة بين المشبه والمشبه به، وأغنى صيغ الكلام بجوهر مغاير ومختلف،

و أختصر ما سبق في نقطتين :

1 – كان محمد عمران يتعامل بسهولة مع القول الشعري بألوانه الثلاث (الطقس – الإنشاد – التكوين).

2 – كما أنه عاصر عدة أجيال شعرية، وتبنى عدة صيغ، واستخدم أدوات القصيدة الحديثة التي تركز على ما هو خارجي من الإحساس والصور والتكوينات، واكتشف سر الشعرية الداخلية وألوانها (و لنأخذ معنى الكلمة بالحرف الواحد)، ولهذا السبب كان قاموسه مضغوطا بالمفردات وأحلامه بالصور وذهنه بالأفكار.

أما بالنسبة لإشراقاته التصوفية، فهي الخدعة التي التف بها من حول الفجوة دون أن يفقد المكتسبات. وهذا لا يبعده فحسب عن المعنى الشرقي للتصوف، أو المعنى الغربي للوجودية، ولكن يقترب به من التصوف المناضل والوجودية السياسية التي لها هدف غير العبث والتأسيس للفراغ (العدم بلغة كامو) كما فعل من قبله فرنسيس الأسيزي وأوغناطيوس دو لويولا . وأزيد على ذلك أنه كان كما قال في قصيدة (الرحلة):

لا أحاول ملكا

أحاول ألا أموت

بمعنى أنه قاوم ثوابت السلطة بمتحولات الرسالة، وعلى الطريقة اللوثرية اشتق مذهبا في الحداثة ليضع أمام الخيال والذهن مفترق طرق يتوجب علينا عنده أن نختار.

 

حلب / 2014

 

الكاتب الامريكي من اصل افغاني خالد الحسيني ورواية عداء الطائرة الورقية

neeran alobaydiرواية عداء الطائرة الورقية او سباق الطائرة الورقية للكاتب خالد الحسيني الطبيب والروائي الامريكي من اصل افغاني ولد سنة 1964 لاب دبلوماسي في العهد الملكي ولعائلة رفضت العيش في موطنها الاصلي بعد الاحتلال السوفيتي وانتقلت الى امريكا في سان خوسيه في كاليفورنيا لتكون هذه المدينة الامريكية نقطة البداية في سرد الرواية ومكان الانتهاء منها وما بين البداية والنهاية يمتعنا الكاتب الطبيب خالد حسيني بسرد جميل عن وطنه الاصلي افغانستان، وبالتحديد كابل وشارع من محلة وزير اكبر خان المنطقة الراقية التي كان يسكنها والده الدبلوماسي والذي صادف وان اعتلى ابنه الطبيب منصباً دبلوماسياً اخر الا وهو مبعوث النوايا الحسنة للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين لدى الامم المتحدة . رواية سباق الطائرة الورقية رواية من القطع المتوسط تحتوي على 507 صفحة صدرت الطبعة الاولى منها عام 2012 عن دار بلومزبري مؤسسة قطر للنشر ترجمة ايهاب عبدالحميد، هذه الرواية بيعت لاكثر من 22 مليون نسخة بمختلف اللغات العالمية ويضمنها العربية التي ارتأينا ان نقدمها للقاريء الكريم لضرورة الاطلاع على النتاج الفكري العالمي الاكثر مبيعا للبحث وراء سر هذه المبيعات قياسا مع مدى رواج الكتاب العربي

الرواية مثقلة بالحوارات وبكلمات عامية فارسية، بسيطة التركيب، ليس فيها تعقيد ولا تداخل كثير في الازمنة لكنها قوية مذهلة تحمل قيمة ادبية عالمية رغم كونها مغرقة بالمحلية الافغانية ومشاكلهاالسياسية والاجتماعية بل حتى الدينية والمذهبية، فالكاتب لا يتواني عن شرح تعقيدات مجتمعه الطبقية بين الاغوات والفقراء من جهة والاجتماعية المعقدة بين عنصر البشتون الذين يحملون صفات وشكل الانسان الشرق اوسطي وهم على المذهب السني الاصولي وبين قبائل الهزارة الاسيويين في شمال افغانستان ذي الاشكال الصينية والمتمركزين في اقليمهم ومدينتهم مزار شريف وهم على المذهب الشيعي، الرواية تتحدث عن شقيقين احدهم غير شرعي من ام كانت زوجة لخادم من الهزارة وجد يتيما وقامت عائلة الاب الارستقراطية بتربيته وتزويجه والاخر لأم شرعية من عائلة ارستقراطية من البشتون تفارق الحياة بعد ولادتها في حين الطفل غير الشرعي تتركه امه مع زوجها الخادم بعد ايام من ولادته لتهرب الى جهة مجهولة . لنكتشف فيما بعد انها كانت تمارس الرقص والبغاء اثناء غيابها عن العائلة ولا ترجع الابعد ان تقع افغانستان بيد طلبان وتبدأ بمطاردة الافغان وتضييق حرياتهم والقتل على الهوية فتكون المرأة اول ضحية لطلبان المتشددة سيما وان والدة حسن من الهزارة، امير الابن الشرعي يروي احداث افغانستان وصداقته مع حسن عداء الطائرة الورقية حين كان مساعده الايمن في سباق الطائرات الورقية في بلده الام بعد اتصال هاتفي من احد الاصدقاء القدماء الذي يخبره بموت صديقه المخلص حسن ويكشف له السر بأنه الاخ غير الشرعي، وان هناك ابناً يتيماً يعود لحسن لا بد من انقاذه، حينها يستذكر امير الحياة في بلده، ويمر بنا على اهم الاحداث السياسية التي مرت عليه وتحكمت بمصير امته وفجعتها منذ سقوط الملكية الدستورية ومن ثم الاحتلال السوفيتي وسقوط افغانستان بيد طلبان ومن ثم محاربة امريكا لطلبان وتنصيب كرزاي كرئيس على افغانستان، يقول الكاتب في الصفحة 55 “ في صباح 17 يوليو استيقضت كابل لتجد ان الملكية اصبحت من الماضي كان الملك ظاهر شاه في ايطاليا وفي غيابه انهى ابن عمه داوود خان حكمه الذي استمر اربعين عاما بانقلاب غير الدموي " لكن هذا الانقلاب الغير دموي يقود لدخول جيوش الاتحاد السوفيتي السابق بحجة حمايةالجمهورية هذا الجيش الذي يرتكب اخطاء شنيعة مثل بقية كل الجيوش خارج حدود بلدها الام،فيقع الشباب الروسي من العسكر غير المنضبط في فخ المخدرات والحشيشة الموجودة بكثرة في بلد الخشخاش افغانستان، ويمارس القتل والسرقة والاعتداء على النساء في بلد محافظ لايمتلك وقتها حتى بثاً تلفزيونياً، يعتمد على معرفة ما يدور حول العالم على جهاز الراديو وما يراه من افلام امريكية مدبلجة للفارسية في ايران تعرضها دور السينما الموجودة في كابل قبل دخول طلبان

البطل الراوي يهرب بشاحنة نقل نفط هو ووالده الموالي لحكومة الملك مع بعض افراد هاربين من افغانستان الى باكستان من اجل اجتياز الحدود والتقديم للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فيسرد لنا المخاطر التي تعرضوا لها وعمليات النصب والاحتيال التي تمارسها عصابات المهربين والاهانات التي، يتعرضون لها من قبل المهربين ونقاط التفتتيش التي كان يقوم بمهمتها الجيش الروسي، ليصبح البطل لاجئاً فيما بعد ومن ثم مواطناً امريكي في كاليفورنيا ليبدأ بعدها بسرد معاناة المجتمع الافغاني وظروفه في البلد الجديد، الكاتب حدد فكرته ورؤيته السياسية وحتى طريقة سرده من باب ولائه واخلاصه لبلده الجديد امريكا فأمريكا هي بلد الخلاص بالنسبة له، وهي الحل الامثل لكل المشكلات وهذه هي الفكرة الاساسية التي ارتكز عليها الكاتب وربما هي سبب نجاح الرواية والترويج لها، حتى بعد ان رجع البطل لانقاذ ابن اخيه حسن من براثن طلبان التي تتخذ منه غلام منتهكاً جنسياً من أحد قادتهاالذين يؤمنون بان الشرع الاسلامي اباح لها اتخاذ الغلمان والجواري لعبودية البشر، يعمل البطل لاخراج الولد الى باكستان ومن ثم تدبير فيزة دخول الى امريكا على امل الحصول على وضع قانوني معين بعد ان فشل في التبني، لكن الراوي رغم ميوله الغربية وميول ابيه الملكية فضح في سرده ما ترتكبه طلبان من جرائم وتخريب للبنى التحتية للبلد بحجة تطبيق الشريعة الاسلامية ونقل لنا صور مرعبة تفوق كل تصور ص 290 “ان وزارة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تسمح للنساء بالحديث بصوت عال " لذا ضربت فرزانه على فخذها بعصا خشبية من احد الطلبان الشبان ضربها بعنف حتى وقعت على الارض " صور لنا الكاتب كيف تحول ملعب المدينة الرياضي الى ساحة اعدامات فورية على يد المليشيات وكيف يتم رمي النساء بالحجارة حتى الموت في محكمة شرعية داخل ساحة الملعب كما صور لنا كيف يزين الغلام ويعلم الرقص ويفقد انسانيته بعد شرائه من دور الايتام، كما صور لنا كيف ان هذه المليشيات تستولي على البيوت والقصور الفخمة وتحولها الى مقرات حزبية فيتحول بيت البطل الى بيت خراب تقف امام بابه سيارة فخمة تعود لاحد قادة طلبان كان فيما مضى يؤمن بالنازية ويتغنى بحب هتلر في اشارة وربط بين الفكر النازي والفكر الاسلامي الاصولي المتشدد، هذا النازي يتحول الى طلباني داخل افغانستان في حين عائلته تنعم بالحرية الغربية في استراليا، يتحول النازي كما تحول كثير من الانتهازيين بسبب القوة والبطش او من اجل المال كما يذكر عن لسان احد ابطاله اذ يقول الاموال من باكستان و العرب والشيشان . فتدمر البلد ويتحول شارع وزير اكبر خان الى شارع كابي تملؤه الحجارة والخراب، لا يكتفي الكاتب بذلك بل يبين مدى غطرسة هذه القوى الظلامية وتمييزها العنصري تجاه المذاهب الاخرى فترتكب اكبر مجرزة انسانية وقتل على الهوية ضد الهزارة الشيعة في اقليم مزار شريف والذي كان اخر معاقل طلبان بعد تحرير افغانستان من ايديهم علما هناك اكثر من اشارة في الرواية تقول حتى في زمن الملكية كان المجتمع الافغاني يرفض مساواة الهزارة مع البشتون خارج اقليمهم فيمنعون من التعليم والحياة الحرة الكريمة

الرواية مفعمة بالمحلية فالكاتب لا ينسى ادق التفاصيل عن بلده الام فهو يصف لنا موسيقى احمد ظاهر الافغانية الشهيرة كما يصف لنا الخبز الافغاني من التنور او ما يعرف بالفارسية التندور والخبز النان ويصف لنا كباب الضأن وينتقل الى ذكر شعراء وادباء الفارسية فيذكر لنا حافظ والخيام والرومي وبيدل واشعاره الصوفية وجامي وسعدي ولا ينسى ذكر ملحمة الشهنامة ابطال الفرس القدماء التي تعود للقرن العاشر والقصة المفضلة للراوي امير و صديقه حسن في الشهنامة قصة “ رستم وسهراب "حكاية المحارب القديم وجواده الوثاب رخش كما لا ينسى الكاتب نكات شعبه عن لسان الملا نصر الدين الذي يمثل جحا عند العرب . “ هذه الرواية رواية رائعة على الطراز القديم الذي يجتاحك بحق حسب ما كتبت عنها مؤسسة سان فرانسيسكو كرونيكيل، واخيرا الروائية ايزابيل اللندي تقول عنها "إنها قصة لا تنسى تظل معك لسنوات انها قوية لحد جعل كل ما قرأته ولفترة طويلة بلا طعم

 

نيران العبيدي

نيسان كندا

    

تعرية الأجسام المحجبة في رواية (حرمة) لعلي المقري .. أو عندما يجتمع الدين والكبت في عمل روائي

alkabir aldasisiشكل الجنس تيمة أساسية في الكثير من الروايات العالمية والعربية، إلا أن معظم الروايات العربية لم تلامس موضوع الجنس إلا بحياء، ولجأت إلى التلميح أكثر من لجوئها للتصريح كما تجلى في كتابات نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس. وإذا كان ما كتبه محمد شكري في الخبز الحافي من أكثر الروايات جرأة وانتهاكا لحرمة المورث الروائي العربي في مقاربة الجنس .. فإن رواية (حرمة) للكاتب اليمني علي المقري تعد من أهم الروايات العربية جرأة في سبر أغوار المناطق المظلمة في الجنس عندما حاول المزاوجة بين تيمتي الجنس والدين، في حياة البطلة المحجبة التي كبلها المجتمع وفرض عليها بطقوسه والظهور بمظهر امرأة متدينة وشيخة عالمة وهي التواقة لتجربة جنسية كاملة، فحاولت الرواية الدخول إلى العوالم الحميمية للمرأة المحجبة .

تحكي الرواية عن البطلة /الساردة وهي تسترجع ذكرياتها على إيقاع أغنية "سلوا قلبي" لأم كلثوم توصلت بها هدية من صديقها وجارها سهيل وظلت تتردد قبل الاستماع إليها لاعتقادها أن الأغنية عاطفية والاستماع إلى الأغاني حرام وعيب، وإلا فلماذا يهدي شاب أغنية لزميلته؟؟ وهي الفتاة الغر التي لا تعرف حدود ولا معنى العيب تقول " (أردت أن أقول لأمي أرغب في معرفة العيب)، بل تعرضت لعقوبة قاسية من المعلمة وأخرى أقسى من الأب لمجرد رسمها لقلب يخترقه سهم .. لكنها تفاجأ ت – بعد مدة طويلة - عند سماع الأغنية أنها أغنية في مدح الرسول،و مع الأغنية تسترجع طفولتها الحالمة والحرمان الذي عاشته: في البيت مرورا بالمدرسة الدينية، إلى الكلّية الإسلامية، وما تعج به هذه الفضاءات من تناقضات ذلك أن أختها" لولا" تمارس حياتها الجنسية الصاخبة بكل حرية، في الوقت الذي تتظاهر فيه بالتديّن، وأخوها الماركسي الثائر المتمرد والمتحرّر، ينتهي رجلا متطرفا بعدما تزوج فتنكر لكل ما كان يؤمن به .. فتظل الساردة تعيش منغلقة على نفسها رافضة كل مظاهر المتعة تكبت رغبات غرائزها وتعويض ذلك بإشباع شغفها بالعلم والجهاد، فتنتقل بها الأحداث بعد زواجها من أبي عبد الله من صنعاء إلى الرياض فالقاهرة والسودان وصولاً إلى أفغانستان، ومنها إلى سجن في إيران، لتعود إلى صنعاء واصفة تفاصيل معاناة المرأة الإسلامية مع زوج يحلم بالقضاء على الكفار أينما وجدوا وهو العاجز جنسيا وغير القادر على معاشرة زوجته التي ظلت تتطلع وتحلم بلحظة حميمة حتى ولو كانت في الحرام أو عن طريق اغتصاب جماعي، وحتى بعد حصولها على حريتها وحكم المحكمة لها بالطلاق من أبي عبد الله الذي طالت غيبته وتمكنها من الزواج فإن حظها كان زوجا أخر عاجزا جنسيا لتنتهي بعد عدة محاولات في البحث عن هذه المتعة المفتقدة بالجنون تحمل في أحشائها جنينا وهي المرأة العازبة ، وبذلك تكون الرواية قد حاولت تعرية الأجساد المحجبة وتصوير معاناة أصحابها بين شبقية الشهوة وسلطة الحرمان التي يسلطها الواقع عليها، ففي أوساط الأسرة الأكثر محافظة يتم ترويج ما تسميه بطلات الرواية للأفلام الثقافية فكان اكتشاف البطلة للجنس من خلال كاسيط عبر المسجلة وكلمات مثل (آه ..آه .. أدخله أرجوك .. لو سمحت نيكني ..دخّل رأسه أرجوك بس رأسه... أيو كذأ..) بمثل هذه الأصوات تقول (جسدي أشعرني أنه يفهم تماما ما يجري ..) ص 20 باكتشاف هذه العوالم وأمام الحرمان الذي يفرضه المجتمع لم تجد الأختان إلا ممارسة الجنس المثلي بينهما فبينهما يستمعان الشريط تقول (شعرت بلذة وأنا أضم ساقي لولا بين فخذي، مدت يدها اليمنى إلى وسطي وأزاحت السروال إلى الركبتين .. ووضعت أصبعها الوسطى فوق بظري وحكته حكا سريعا ودغدغتني الحركة .. والشريط يمشي "دخّله ايوة .. أرجوك ..) ص 22 ومن خلال شريط مصور تعرفت على الجنس بالصورة والصوت (مرص .. ولحس ... تأوهات وتولعات .وفتح ودخول .. زيط ميط ..) وفي شريط آخر تتعرف على الأوضاع الجنسية قبل أن تنفتح على الأشرطة المتبادلة بين الطالبات عبر الهاتف النقال

أمام هذا الهيجان تظل البطلة بعيدة عن الرجل في حياتها فلا ترى حتى أساتذتها في الجامعة الإسلامية إذ كانوا يلقون محاضراتهم على الطالبات عبر الصورة فقط من قاعات بعيدة وكل واحدة قد رسمت صورة لأستاذ في الوقت الذي كانت أختها تستضيف الرجال بلباس النساء بالبيت بعد أن توهم الأسرة أنهم نساء و تعيش علاقات مع مدير الشركة الذي لا يختار إلا الجميلات ويجعلهن يتناوبن في خدمته، يعرف موعد حيض كل سكريتيرة ليحدد لها وقت راحتها . فيما ظلت البطلة تحرم نفسها، وحتى بعد زواجها وفي ليلة دخلتها تفاجأ بزوجها يكثر من الصلاة ويدعو على الكفار ويتوعدهم بالانتصار في فلسطين والشيشان وأفغانستان .. فيما كل ما تفكر فيه هي أن تشبع رغبتها الجنسية فتناديه: (سينصرهم الله ولن يخذلهم .. هيا قم وتربع ..تعال إلى السرير .. تعال يا نصيبي من الدنيا اشحذ همتك وأشهر سيفك ..) لكن دون أن تتحقق رغبتها .. ومعه ستدخل في شبكات الحركات الإسلامية في اليمن وتسافر معه عبر مختلف المحطات الساخنة السعودية،السودان،أفغانستان إيران دون أن تستفيد من أية علاقة جنسية،تمنت أن تتعرض للاغتصاب لتجرب الجنس وغدت تحسد زميلاتها اللواتي اغتصبهن الجنود في طريقهن إلى إيران، لذلك احتالت عليهن للجلوس قرب الباب لتكون الأولى إذا ما صادفهم جنود آخرين وهي تردد (حتى الاغتصاب لم ينلني منه نصيب ...وبقيت أنتظر اللحظة التي تفتح فيها يد جندي الباب علي ويسحبني إلى مكان مخفي عن أعين الآخرين ..)

ولما عادت إلى اليمن دون زوج، ورغم ما عادت به من مال فضلت السكن مع أسرتها فشهدت وفاة أبيها مصدوما لما اكتشف ابنته لولا عارية في حضن رجل أدخلته إلى البيت في زي نسوي وهي التي ظلت تصرف عليه، وأنقذت حياته بعملية جراحية   مما تجنيه من علاقاتها ..بعد وفاة والدها أصبح بالبيت هاتف وانترنيت وعبره تعرفت على أحد أساتذتها الذي ساعدها على التطليق من زوجها الغائب، ويتقدم ليطلب يدها وبعد فرحها وشعورها بالسعادة وهو يقبلها ويداعبها تكتشف أنه عاجز جنسيا هو الأخر تقول: (فتحت له ليدخل ويمضي استجاب .. ثم ظل يوجه ضرباته عليه لكنها بدت كضربات اللحم التي نشتريها من الجزار .. رخوة ولم تعرف الانتصاب يوما) وبعد طلاقها الثاني فكرت في الخروج إلى الشارع لكن قيود المجتمع منعتها ولم تجد أمامها إلا تجديد علاقتها بصديقها سهيل الذي أهداها أغنية سلو قلبي وهو المتزوج الذي سافرت زوجته لمتابعة دراستها في المغرب، تزينت وتعطرت وقصدته في بيته،تقول بعد أن رفض مضاجعتها (رجوته ركعت، حاضنت فخذيه أردت أن أقبل راحتي قدميه لكنه ظل رافضا .. رحت أرجوه، أبكي، قلت له لو ألمسه أرجوك .. لا تحرمني ..) وعندما استسلم لرغبتها وقبل أن يلج تقول (راح يفرّغ ما إن بدأ بملامسة بظري، أفرغ شحنته وماءه بسرعة قبل أن يصل..) لتكتشف بعد ذلك أنها حامل وهي العذراء وتنتهي الرواية بجنون البطلة هائمة في الشوارع

ما يميز هذه الرواية عن كل ما طالعنا من روايات عربية هو جرأتها في معالجة موضوع مسكوت عنه ووسردها للأحداث على لسان فتاة محجبة، سرحت بالقارئ في غياهب عوالم محضور عليه مناقشتها والاقتراب منها، وزيارة أماكن للمرأة فيها وضعية خاصة، لتكشف الرواية أن الجنس غريزة لا يمكن التغاضي عنها، وأنه يفرض نفسه على المرء مهما حاول التظاهر بمسوح الرهبان، فالمرأة إنسان بالحجاب أو بدونه .. الكل يعتبر الجنس عيبا لكن الكل يسعى إليه فالبطلة لتخليص زوجها من حالة العجز الجنسي فاتحت أمها وأشارت عليها بعدة وصفات، كما جرب أبو عبد الله عسل حضرموت ونبتة أعشاب جونسون الكورية وحاول تجريب الحبة الزرقاء التي كادت تودي بحياته فنقل مغميا عليه إلى المشفى .. فلم تجد البطلة إلا الاقتناع (أنني أصبحت أرملة دون أن أفقد زوجي بل دون أن أتزوج أصلا أو أعرق الزواج كما ينبغي أن يكون)

كما تسعى الرواية إلى إبراز سكيزوفرينية المجتمع العربي، وظهور هذا المجتمع بوجهين متناقضين، وجه ظاهر يسوق أن المجتمع محافظ تقليدي متدين .. ووجه باطن يسعى إلى إشباع غرائزه، وعيش حياته، وهو ما نجحت الرواية في تصوير من خلال شخصيات القصة، فكل شخصية تحمل وجهين متناقضين:

- شخصية لولا: تظهر لأسرتها متفانية في خدمة الأسرة ومساعدتها، وهي ترفل في الدعارة مقتنعة بأفعالها لم تندم على أي شيء، تعترف أنها تسببت في وفاة والدها دون أن تعتذر له عن فعلها بل دافعت عن نفسها قائلة لأبيها وهو يحتضر: (هذه الحقيقة يا أبي .. لا تزعل مني لم الآن بس تحاسبني على ما فعلت؟؟ للمه ما حاسبتنيش وقلت عني قحبة لما كنت أكسب فلوس ..؟ كنت عامل نفسك منتش داري لأني أصرف عليكم ..)

-الأخ عبد الرقيب: يحمل شعارات ماركسية يسارية يحاول الظهور بمظهر الثائر المؤمن بقيم العدالة،الحرية،المساواة قبل الزواج، وما أن تزوج حتى قلب ظهر المجن لكل تلك القيم، بل أكثر من ذلك طلق زوجته لما عاشرها على السطح وصورهما أحد دون علمهما، أكثر من ذلك يتنكر لنفسه وينفي أن يكون هو من يعاشر زوجته في الفيديو يقول (القحبة مصورة بالفيلم مع واحد حبيبها عشيقها .. تزني معه .. قد شافوه كل الناس) وحين تزوج بأجنبية انقلب اتجاها آخر لقد (كان متحمسا لأفكاره الماركسية الإلحادية أثناء عزوبته .. استولت عليه أحاسيس الغيرة بعد زواجه من نورا، ويتحول إلى الطرف الآخر وإلى جماعة جهادية تحطط لقتل كل من تعتبرهم كفارا ..) وبعد زواجه من فالنتينا (أحرق كل ما يتعلق بالجماعة من كتب منشورات وكاسيتات ..تماما كما فعل من قبل مع الكتب الماركسية ..) صحيح أنه عاد لاستعمال مصطلح الجماعة، لكنه أطلقه هذه المرة على فالنتينا التي صارت (وحدها جماعته بل مذهبه وصار يقول أنه من أتباع مذهب أبي حنيفة الذي تنتمي إليه زوجته الجديدة ...)

- وقمة الازدواجية تجسها البطلة ولسنا في حاجة لإعادة التذكير بالأحداث ومواقف البطلة

الرواية تقدم صورة سلبية عن المرأة فهي مجرد حرمة (لا يجوز الكشف عن الحرمة الحامل سواء من قبيل طبيب رجل أو طبيبة فالكشف عنها هو كشف لحرمة لا يجوز) ص 90 وجريمة الكشف عن الحامل بأنثى جريمتين (فالجريمة هنا مضاعفة لانتهاك حرمتين: الحرمة الحامل والحرمة في بطنها وقد توارثنا العادات الإسلامية الحميدة .. وعرفنا أن الحرمة تظل حرمة حتى بعد موتها ..) هذا ما أفتي به أحد فقهاء الرواية وحرم آخر أسماء مثل : جميلة وفاتنة .. (لإنها أسماء مثيرة للشهوات تكشف ما ستره الله في المرأة لا إله إلا الله هكذا الإسلام آخر الزمان نسميها جميلة ... فاتنة .. يا سلام على التفسخ ..) ذهب مفتي آخر إلى عدم السماح للمرأة بمتابعة دراستها فيتساءل ( ألا يكفيها أن تتعلم إلى الصف الثالث حين يكون عمرها تسع سنوات ن إنه العمر الذي يجوز فيه تزويج البنت إسوة برسول الله الذي تزوج عائشة وعمرها تسع سنوات ..) رافضا السماح بالاختلاط في الثانويات والجامعات ... وذهب أكثر من ذلك إلى اعتبار صوت المرأة عورة ولو كان في تلاوة القرآن (صوت الحرمة الحرام ... صوت الفتنة .. صوت الشيطان وهو يغوينا بكلام الله وبدل أن نسمع كلام الله ونتدبر معانيه نسمع حلاوة الصوت ونفتتن بجمال أنوثته .. اللهم إن هذا منكر فأزله ..) وأفتى آخر بتحريم كل الوسائل التكنولوجية ودعلى إلى تكسير (التلفونات التي فيها نسخ البلوتوت وتحطيم أجهزة الإنتيرنيت وأجهزة الكمبيوتر هي أصنام هذا العصر علينا تحطيمها كما حطم المسلمون الأوائل أصنام المشركين ..) ص 67

صحيح أن رواية حرمة صادمة في بعض صورها، لكن هذه الصدمة لا تختلف كثيرا عما هو موجود عالمنا العربي الإسلامي، فيكفي الالتفات يمينا أو يسارا لالتقاط صور أكثر فضاعة مما رسمه علي المقري بقلمه ومخياله

 

الجملة الشعرية المحايدة في النص النسوي .. نص (تعويذة) للشاعرة فليحة حسن انموذجا

amjad alzaydiإن الافتراضات التي تقدمها القراءة ومديات تأصيلها كسدى معرفية وجمالية.. تتحكم بالنص الشعري من الناحية الاجرائية، وتعيد بناء بناه المشكلة في أفق الجنس والتاريخ والنظرية الادبية، وتفرض هيمنتها وألياتها الاجرائية وتعيد تنظيم المرتكزات التي يقوم عليها، عندما تنزاح القراءة الى مديات اخرى، تخلخل التماسك النصوصي الذي كان يوحيه النص، من خلال اعادة تنظيم دلالاته التي ستقدم النص بصورة اخرى، مختلفة ومتغيرة، تكسر ربما سكونية البناء النصوصي السطحي الذي اجترحته رؤية الناص المبنية على مرجعياته الثقافية والفكرية..

بهذه الرؤية سأحاول الدخول الى ديوان الشاعر فليحة حسن (ولو بعد حين) واختار نصا تطبيقيا يمثله وهو نص (تعويذة) ففيه تتخفى الذات الانثوية وراء لغة محايدة، إذ ليست هناك ملامح واضحة لصوت (انا النص)، يجعلنا نجنسه، إن كان ذكرا او انثى، غاضين النظر عن المتعالية النصية المقترنة بأسم الشاعرة على غلاف المجموعة، اذ نريد ان نحاكم هذا النص وفق المقاربات التي يوجدها، لنحاول ربما الوصول الى الكينونة الانثوية المموهة، خلف خطاب النص، ومحاولة فك الانساق التي تهيمن عليه.

فالانا التي هي (انا النص) والصوت الذي يشكل البنية الخطابية للنص، لا يظهر الا بالاصطدام بالاخر، حيث ان التعابير التي تنبني عليها الجملة الشعرية، محايدة تماما الى ان تصل الى الضمير الذي يدل على الاخر، والذي يتبدى من خلال كلمة (بشذاك) اي (شذى + انت)، حيث ان مفردة لملمت او مساماتي، وحتى الفعل (اتيت)، والتي ارتبط بأنا النص، لايمكن ان يتبين ماهو جنس المتكلم، إلا بأفتراض ان الكلام موجه الى ذكر، اذن ان المتكلم الذي يمثل انا النص هو انثى، وهكذا يستمر على طول النص، بغياب الذات او الهوية الجنسية لصوت (انا النص)، ورغم محاولتنا تحييد المتعالية النصية التي تمثل اسم الشاعرة على غلاف المجموعة، إلا اننا نسير وفق هذا المهيمن او الموجه الدلالي الذي يجعلنا نستقطب كل الدلالات لتدور في هذا الفلك، صانعة لها فضاءاً تناوبياً بين أنا الانثى – انت الذكر والذي سيفك النص، ويبني رؤية متحكمة بتلقينا، لكن النص سرعان ما يغلق هذه النافذة التأويلية، من خلال استخدام صيغة المذكر او بالاحرى الصيغة المحايدة التي تحكم النص (واني طليق الا من ذاكرتي)، ربما توحي هذه العبارة او بالتحديد (واني طليق) ان المتكلم ذكر والذي سيسقط المرتكز البنائي الذي شيدناه سابقا من خلال التأويل، لكن تحليللنا لمرتكزات النص وبناه الدلالية، ومحاور اداء البؤر المكونة لابعاد النص سيميائيا ودلاليا، سيرينا ذلك الافتراض ان تحليل الدلالات التي تبني النص وعلاقاتها مع بعضها والبنية المرجعية المتحكمة بفضائها، وإن العلاقة بين (لملمت مساماتي/ واتيت) مثلا، تسير وفق توجه خطابي واحد صادر عن ذات (انا النص) حيث ترتبط تلك الدلالات بذلك التوجه، وايضا يلعب الفعل (أعطرها) دورا رابطاً بين قطبي هذه العلاقة، حيث يجمع مابين (انا) في (لملمت، مساماتي ، اتيت) مع الاخر الذي هو (انت) ضمير المخاطب في (شذاك)، وتستمر هذه اللعبة العلائقية مع باقي دلالات النص كما في:

لكني تفاجأت بأنك دفلى؛

..................... وانا في ذاكرة الهم

حيث نرى بأن تلك الانا لازالت محافظة على نفس الارتباط حيث تظهر من خلال (تفاجأة) وكذلك (انا) في الشطر الثاني، وانت هنا تظهر من خلال (انك)، وهنا في هذا الموضع يقيم النص علاقة تقابل مابين تلك الانا والانت من خلال (دفلى) و (ذاكرة الهم)، وهذا التقابل ليس تقابلا مباشرا وانما يبنى على سدى العلاقات السابقة بين الانا والانت حيث ان الدفلى مثلت الانت وهي وجود مصان بينما ذاكرة الهم مخترقة..

اما في:

أخط ملامح ليست تشبه الا انت

وللصورة ابعاد

في هذا الموضع يضعنا النص في اشكال، هو علاقة ما تطرقنا اليه سابقا وايضا تعبير (أخط ملامح ليست تشبه الا انت) حيث ان العلاقة بين (انا – انت) كما اجترحناها سابقا لازالت موجودة بيد ان الاشكال هو بحيادية (للصورة ابعاد) فما هي هذه الصورة وماهي ابعادها، ولذلك نجترح تأويلا لهذه الاشكالية من خلال اعتبار ان العلاقة مابين انا – انت هي الصورة ولهذه الصورة ابعادها، التي ظهرت لنا سابقاً، وستظهر لنا لاحقاً، ولنتقصى تلك العلاقات بينهما على طول النص، فسيظهر لنا الانا من خلال (لي، يخالطني، تعبرني)، وانت (نحوك) حيث تمثل هذه الدلالة علاقة ارتباطية جامعة بين الانا والانت، بأعتبار ان تعبير (نحوك) هو مختص بأنت، بيد انه يخفي وراءه في تركيبته الانا، ونلاحظ بأن:

انا في زاوية الهم،

أحسب توقيتاً قدرياً

لتفاصيل لا تحدث أبدا

هي مجرد دلالات تظهر صورة الانا الى ان يصل النص المقطع التالي:

تدنو الصورة

احدثها

عن اطنان الهجر القابع فوق فصولي

هنا يخرج النص من اطار تلك العلاقة القائمة بين الانا والانت المكونين للصورة وابعادها حيث ان ما سيأتي لاحقاً بعد تعبير (تدنو الصورة) هو عبارة عن النظر الى الصورة/ العرقة من الخارج، وعدم الاشتراك معها، حيث تمثل تلك العلاقات اتجاها اخر غير ماظهر لنا في العلاقات السابقة التي كونت الصورة، وهي ربما علاقة وصفيى لما توحيه الصورة وابعادها، اذا هناك ثلاث حركات للنص: الحركة الاولى هي بناء الصورة، الحركة الثانية هي حاضنة الصورة، ثم الحركة الثالثة وهي التعامل مع تلك الصورة وايحائيتها..

 

رهان الكتابة وشراك التلقي في مجموعة أيام كارتون للشاعر علي الاسكندري

ibrahemdawood aljanabyفي أيامه الكارتونية يسعى علي الاسكندري للعب على حبال اللغة ليذهب بهذا اليوم إلى أن يجعل منه مساحة شاسعة المعاني مسجلا منجزا كتابيا يتسلل من خلاله إلى ترويض المشاهدة ومدجنا ذلك اليوم الكارتوني إلى مسيرة حياتية دوّن من خلاله سيرة ذاتية بعناوين سردية لكنها حضرت هنا في كل مراميها على إنها فعلا امتزجت فيه كل إيقونات الكتابة لتكون المحصلة إن المتلقي يرى نفسه إزاء خلطة في غابه الحرف بوصفها فعلا جماليا يتساوق إلى فضاء غير عابه بالتصنيف،،،،علي الاسكندري يكتب بطريقة سحب البساط عن اللغة الطلسمية لأنه رفيق القلم ليس للبهرجة انه يكتب في مناطق الطبقات التي يستفزها الحدث ويستل من مائدة الذاكرة الحافظة في اقتراح بصري يلاحق فيه الأماكن المكتنزة الحدث والفكرة التي تستدعي الإسراف التأملي محيلا السلوكيات الحلمية إلى رسائل تجسد الواقع بطريقة مدهشة وصادمة للمتلقي

العنونة (أيام كارتون) وحدها مثيرة إلى حد ما في تشاورها مع المتن التي استلت منه تلك المفارقة أفلام كارتون،هنا يلعب الكاتب على المدلول الإيهامي وتوريط القاري من اجل إيقاع الدلالات في شرك التلقي وإيقاعه في * (الثقب الشعري) حيث لذة الكتابة وهي تجاور لذة التلقي واستدراجها الى منطقة الجذب من خلال التواشج التفاعلي،الحدث / النص،،،، الفكرة / التلقي،،، فقاموس الشعر الذي يتبناه الشاعر من خلال النصوص التي حفل الأعم منها بلغة السرد المدعمة بالتواتر الشعري الذي ينبض في جسد الكتابة التي تدهش القارئ وتصدمه من خلال اقتراح شعرية متقدة ومتماهية مع آليات السرد التي يعتمدها، ومن الجلي جدا أن تتلمس إن غالبية النصوص التي حفلت بها المجموعة الشعرية تعتمد فن كتابة الرسائل وكأنك أمام نصوص موجهة بشفراتها غير المطلسمة إلى جهات يعتمدها الشاعر ويحيلها الى نصوص مكتنزة وفاعلة بالاتجاه المشار إليه حيث المعمار الشعري المتعالق مع خاصية السرد والتراسل الذي اشرنا اليه ليجعلنا إزاء خلطة كتابة تحمل ديناميكية تتضافر فيها كل الآليات المتاحة المتبنية لإنتاج نص مختلف عما هو تقليدي في فن الكتابة الذي يسعى من خلاله الى الكشف عن اليوم المتهرئ الذي يعيشه الفرد .. إنها ثورة على كل الأيام التي تجسدت في مسيرة حياتية زاخرة بخلوصات مراحل متعددة في عمر الشاعر.. فالقراءة ذات الذراع الواحد إن صحت التسمية والتي ربما تتخذ من الإجراء القرائي على انه نص بدلالة ذات علامة واحدة لا تصلح هنا،،في حين نرى إن النص يمتلك مقومات التشظي إلى دلالات متعددة يمكن استكشافها عبر الغور والبحث في الطبقات الباثة والتي تستدعي بصيرة ثاقبة لا بد أن يتحلى بها القارئ الحاذق لأنه من الواضح جدا إن جغرافيا النص تحمل مناخات متعددة تحتاج إلى مجسات تتلمس ذلك الحراك والاتجاهات القصية ومسار الأنساق التي اعتمدها الكاتب في صياغة تلك المدونات،،،،،،مدونة الأنثى،،،،،، أو ربما تصلح لها تسمية أخرى،،هي يوم الأنثى، فلعل العلامات التي رافقتها في المدونات المرادفه .. يوم الخضرة بحضورها المغاير والانتقائي .. يوم الوطن..... واليوم الكارتوني الشامل والمتواشج مع كل الأيام التي حضرت بتلك التضادية والتمردية على كل تلك الأيام انفه الذكر والمتمحورة مع نص (أيام كارتون) الذي تصدر غلاف المجموعة بوصفه عنونة لها تحيلنا الى ان الكتابة الممنهجة التي امتدت باذرع متعددة ومتناوله لهذه الأيام كانت خلاصة وجع استأسد على كل المرامي المتنازعة في المتن الكتابي .

 

أولا: مدونة الأنثى او الاقتراح الإجرائي .. يوم الأنثى

الإضمار والتصريح عما هو شخصي وموضوعي وعمومي بإحالاتها الراسخة والمتواترة في حيثيات النصوص تؤكد المرتكزات والمزايا التي جاءت في المتن بكل الايقونات التي رسمت مشهدية الانثى .. فتارة يرسم لنا الانوثة المسلوبة الإرادة والمقموعة،وأخرى يجسدها هاربة نافرة إلى أقاصي يصعب امساكها ومعرفة اتجاهاتها .

في نص أنوثة معتقة ص8 يأخذنا الشاعر الى حيث العنوسة المنغمسة بالحرمان وأي حرمان،، حرمان تتلمس فيه قيعان الإهمال الدنيوي والفردوسي المنتظر حيث نقرأ

(السواحل التي شاخت توابيت ...

الاسئلة المحرمة

على فخذيها المكتنزين بالفضة

والغارقتين في صحراء من الاهمال

الانثى البالغة الاندلاع

لم تتذوق ثمرالرغبة في فردوس الدنيا

ولاجنة تحت قدميها في غدها المقبل)

هنا تتضح معالم التمرد على ما هو سائد من حرمان اجتماعي وصل ذروته الى تمرد على قيم محذورة،، ذهابا الى النصوص المقدسة (الجنة تحت اقدام الامهات ) ولانها لم تحض بالانوثة الا قالبا تتعكز عليه وصولا الى حيث حرمان اخر كونها خارج جغرافية تؤدي بها ان تكون، اُماً، الى خلاصة القمع الثنائي .. انها تلمسات جديرة بالوقوف حيالها لابل الغور في مفاصلها تأكيدا ان الذات الانثى هنا بكل خصوصيتها المتجسدة شعرا وسلوكا مؤثرا وثائرا على كل الآليات القمعية،، ان احالة ما هو فسلجي الى ما هو شعري تحتاج الى عين ترى وتترجم بوصف الكاتب ينتمي الى ما يصطلح عليه (ذكوريا )،،وفي النطاق الاخر للانوثة نتلمسها هاربة نافرة لا وجود لها الا في الاحلام،، تلك الانثى التي لا تقع في حوزة اليدين اللتين تشكلان دائرة لا تستوعب الا هواء الامنيات.. نقرأ ص 13 من نص الطبعة الضائعة

(لا حكمة تفرق بيني...

وبين شجر الانوثة

فانا لست الطبعة الاولى

بقيت مخفورا على قمامة الوقت

تتناسل تحت جلدي غرائز الفردوس

حدائقي حطام الاولين)

كم من الارهاصات التي تناولت الانثى بين مستودعات النصوص التي حفلت بها المجموعة تركت بصمات واخزة ومعبرة بدراية وقراءة واعية وبتلمسات ناضجة التصور ادت اغراضها بكل جدارة تلك هي مهمة الشعر والثقافة والابداع

ثانيا : مدونة الخضرة

الخضرة بوصفها ايقونة جمالية تستدعي الحضور الانيق والمتأقلم مع ابراز مفاتنها يُحضرها الشاعر هنا حضورا خارج سياقاتها التقليدية بحرفنة المخيال المتوقد .. يرسمها لوحة دامية بعيون دامعة، رافضة، متمردة، متأسية فيطالعنا نص (مأزق وردة الخشاش) بمحاورة الرافضة لواقع معتق وثورة على ادمية الحدائق وافرازاتها البركماتية حيث استلاب صقة الورد واحالاتها .. انها قمع من طراز مغاير لمعاني الحياة حيث لا ذنب تقترفة الخضرة الا لاستغلال لها من قبل (ادم) ليستلب منها صفة الورد وجعلها في مأزق ..نقرأ ص 19

 

(الوردة التي تورم ساقها من الوقوف في الحديقة طيلة حياة تامة

وانشغل المتنزهون عنها بالثرثرة والنسيان

لم تقل للعاشق حين جزّها لخليلته ..لم ادميتني ؟

بل سارعت بالذبول لتنفق جمالها سمادا لوردة قادمة

وردة الخشاش البتول يسمونها وردة

تلك المطرودة من محلات بيع الزهور

والمحظورة في كراس الحديقة)

ولسنا هنا بصدد تصيّد المعنى وشرح معطياته لانها بالتأكيد لن تخفى على القارئ الحاذق بل القصد يتمثل بالولوج الى مفاتن اللغة وعلاماتها التي استخدمها الشاعر والتناول المقتصد في رسم خطوط عرض وطول لهذه الخطيئة التي دونها الشاعر بلغة غارقة بالإحساس الذي تربع في كل توصيف للمفردة الفاعلة والأعمام المعنوي ..هنا الشاعر يتجاوز على ما هو متعارف عليه ... قطف الورد... بل يحضر مفردة الجز بوصفها فعلا قاتلا رغم إن الإحالة هنا تفيد إن الورد قدم هدية للحبيبة بل ذهب بعيدا إلى إنها عملية ذبح واغتصاب لمعاني الخضرة والجمال .

ثالثا : مدونة الوطن....

لم يعد لي اسم في منفضة التأريخ، غير اسم الاشارة

لم يعد لي غير خرائب اوروك

واسد حجري اسمه اسد بابل

ذلك الذي اوقفني عند تخوم المنطقة الخضراء،،

وقال لي،، ايها الجاهلي،، من دلك على (سبحان الله)؟....

من نص (تغريبة لاسد بابل) ص31 اقتطفنا هذا المقطع الذي يحاكي الوطن ..ذاك الوطن الذي غادرته أسراب النوارس حين فقدت محطات الترجل على الشواطي .. واكتسحتها القنابر والانفلاقات فكانت على موعد مع الخراب .. انتفاضة من نوع نافر لكل ألوان اللحظة المنتظرة التي بدت عقيمة لا تلد إلا دم مجاني وخراب تعتقت مساراته الى حيث تذكّر لايام سالفات واحتقان رؤى لم تسعف لحظة التمني الخائبة .. الزمن وانتظاراته عند الشاعر لحظات خائبة غائبة عن الوعي هو ينتظر خضرة قادمة ويكبحه لهيب الرمل الهارب من صحراء الحقيقة وتخيب ظنونه سواقي اللهب المتمرد وهو يعصر خمر الإحالات ويشرب جوع الانتظارات والماء اغفل رطوبة ارض لا يطأها،فيبدو الفضاء الادراكي بحمولاته تحولا من المناشدة المباشرة الى انعطافة تقتضي التمرد على ثوابت عامة باستخذام علامة المدينة والامكنة – (اسد بابل) رمزا ويوما تهكميا ولعله اليوم الأكثر وجعا ليعززه الشاعر بمفارقة شعرية ودلالة تؤكد النداءات الخفية التي تملكت صوت الشاعر ليعلنها صرخة وهو يحفر في تربة اللغة بمعول ابداعي ..........

 

رابعا: مدونة اليوم الشامل

لقد راهن علي الاسكندري في مشروعة الكتابي لمدونة اليوم الكارتوني ان يسجل في المساحة التي تبنتها المجموعة الشعرية ارهاصات اليوم العراقي تحديدا متناولا اليوم الانثوي الشخصي والعام وابراز ايقاعاته بالحفر بادوات الرغبة الكامنة والمقموعة باشكالها المتناهية الرصد، فقد حضرت جلية بنص (ازمان وصحف) ص23 ونص (بلوغ الاوان ) ص64 لتتجسد ضراوة اليوم الانثوي من خلال نص (لك البهاء ولي مغادرة الاوان ) ص73 ... في حين نجد الخضرة حاضرة بيومها المحتشد والمتعالق مع كل الايام بالوانه وانتفاضاته على القيم المترسخة ليقدم لنا الشاعر نماذج كتابية تتعالق وتشجب سلوكيات وثوابت يريد لها ان تتعّمد بعرس جديد .. في حين يطالعك الشاعر بنص حمل عنوان المجموعة (ايام كارتون) الذي سخّر بشكل مسرحة شاملة لكل المدونات التي ذكرنا وخاصة مدونة الوطن التي حضرت وتماهت مع كل المدونات نقرا ص93 في (فاصل الختام من نص ايام كارتون)

(ترقص السعفة في موضعها احتفاءا بالنسيم /يتحرك ذيل الكلب موضعيا انتشاء بفوزه بأنثى جاهزة / البرازيليون يرقصون السامبا في الشوارع كلما فاز فريقهم بكرة القدم / العالم يحتفل بأعياده كلما لاح قمر جديد /وانا الطم فقط /من ترى زوج أيامي لفارس السماء وحولها إلى ورق وصور متحركة)

ففي هذا النص نجده يغور بعيدا في الداخل البشري ويغوص في التراسل مع كل الأيقونات الأخرى فيروض المكان والحدث ويسافر مكتشفا المقموع والمسكوت عنه بدراية العارف بفن اللغة فيدلف كل المنصات ليجعلك أمام مشاهد منتفضة من خلال المعمار السردي والشعري اللذان ترافقا بعفوية غير مقننة .. بقي ان نقول ان نصوص المجموعة موضوع الدراسة تحتاج دراسة لكل نص فيها لما تحمل تلك النصوص من ثراء معرفي وإبداعي

 

..................

*الثقب الشعري: مصطلح ارتأينا استخدامة هنا بعد ان تم التداول عليه بين الادباء في الاسكندرية وتحديدا (ابراهيم داود الجنابي وعلي الاسكندري ورياض المعموري) واعتماده مصطلحا

 

الكاتبة سعديه السماوي في مسرحيتها دعوه للجنون .. دعوة للنظر في عمق الحياة

مقدمه: يمتد تاثير الاوضاع السياسيه والاجتماعيه والتحولات الفكريه والعقائديه ليشمل المنجز الابداعي الفني والادبي،  الذي هو بالتاكيد وليد عصره وناطقا وشاهدا عليه. كتبت السيدة الكاتبة سعديه ناجي السماوي مسرحيتها دعوة للجنون عام 1994 ونشرت ضمن مجموعتها دعوة للجنون عام 2012 عن دار المواهب للطباعه والتصميم - النجف الاشرف مع ثلاث نصوص اخرى هي احبك رجلا اليا وحاكم المقبرة وقصر العاشق .

كتبت نصوصها هذه في زمن صعب حاولت فيه اختراق الممنوع وكشف المستور من قبح السلطه واستبدادها وعمليات القمع التي مارستها بابشع صورها. وسيبدو هذا واضحا على صياغة النص من حيث بناء الشخصيات واللغة والمكان . كتبت هذه المسرحية كما مرعام 1994 والتسعينيات مرحلة الرمز اللغوي والتهويمات والشفرات السرية للادب بدلالاته الخفيه تحت رداء الفلسفي مرة والتجريب مرة اخرى.

لذا يمكن ان نفهم بعض ملامح النص هنا من انه تمرد مبطن على الواقع الاستبدادي والسلطة الشمولية القمعية التي جثمت على صدر العراق دهرا ليس بالقصير.ولكن هذا لايعني محدودية المعنى بل ان الرؤى الفلسفيه التي كتب بها النص تجعله نصا منفتحا واسع الدلاله. 

 

1- مدخل الى النص

دعوة للجنون مسرحيه بفصل واحد ومشهد واحد تبدأها الكاتبة بمقدمه وتوقيع .تقول في المقدمة:

(دعوة للجنون ... دعوة للنظافة .. ادعوك ايها الانسان اليها كما دعوت نفسي منذ زمن ليس بالقصير..كلفتني هذه الدعوة بياض شعري الشاب) ثم التوقيع بـ (المجنونة الاولى وليست الاخيرة) ولكن الجنون هو عالم البياض والنقاء والطهارة والنظافة، عالم تدعو له الكاتبة بعيدا عن ملوثات الخارج وفساده وقذارته وقساوته ووحشيته في ابتلاع صوت الانسان الحر وقمع فكره من هذا المدخل نلج عالم النص الى التعريفات بالشخصيات وهم:

الاديب: رجل خمسيني  يعمل اديبا وكاتبا

القسيس: رجل دين يملك وجهة نظر في الحياة

الرجل الاول: شاب بملابس رثة وقد بدا عليه الاضطراب

الرجل الثاني: عالم كيميائي يعاني اضطرابا نفسيا

الرجل الثالث: رجل اربعيني يرتدي ملابس مرضى

واخيرا

الفتى الانثى: مهندس معماري تعرض الى صدمه نفسيه

وضعت الكاتبة وصفا لكل شخصيه مبينة الطبيعة النفسيه والفكريه والعمريه والوظيفيه لكل شخصيه ومن هذا المدخل الى المشهد الوحيد في مسرحيتها تتدفق الحياة الى الشخصيات في سياق فلسفي وجمالي على الورق كما سنرى

 

2- الحكاية:

تعتمد الحكايه على فكرة كلاسيكيه في بناء النص المسرحي وهي فكرة الخطأ التراجيدي المعروفة ذلك الخطأ الذي يقع فيه البطل من الكشف عن الاحداث وتبدأ ماساته وفقا لذلك الخطأ وهي صورة تكشف عن سيطرة القدر او القوىة العليا المسيطرة على الانسان ومجريات حياته . ذلك الخطأ الذي سوف يكشف كل حقائق وخفايا الحكايه،  متضيها وحاضرها ومستقبلها .غير ان الكاتبة فضلت اللعب بهذه المفرده لتضع الخطأ ذاك من صنع الخارج / السلطه العليا المسيطرة على مقدرات الافراد .

تعتمد ثيمة النص على حكاية بسيطه،  على خطأمن الخارج ارتكبته السلطه فتدخل كاتبا مرموقا الى مستشفى المجانين .العاقل الوحيد الوافد عنوة الى عالم المجانين، عالم الداخل المجنون لتكشف عن طريق هذه الخطأ حيوات الموجودين هناك لكننا نكتشف الحكمة في كلامهم ووعي كبير بسياقات الخارج ونظامه، طريقة حكمه وسياسته والفساد المستشري فيه والقهر والاستبداد الذين يمارس بهما سلطته فتكون كلماتهم هي الحكمه التي يحاولون ايصالها الى الاديب يقول الرجل الثاني (اسال أي حاكم كيف استطاع وبسنوات قليله ان يجعل شعبا كاملا مجنونا ؟)

الاديب الذي لايعلم لم اتوا به الى هذا المكان يريد الفرار منه، يريد الخروج الى الحياة لان (الحرية جميلة) حتى عندما تكون تحت سلطة ظالمة بل وحتى عندما يحاول القسيس ان يفهمه ان الحريه انما هي (حرية النفس وراحة البال) غير ان راحة الاديب وحريته كما يرى في الخارج بعد ان يفتح له الباب. وسرعان ما تتحقق رغبته ويفتح الباب ويعتذر منه احد الممرضين ويطلب السماح منه (نحن في غاية الاسف يا استاذنا العظيم) يخرج الاديب مهرولا بعد نظرة على المكان.وتلك هي الرواية الاولية للنص ان المكان حيث تجري الاحداث / مستشفى المجانين انما هو عالم الداخل، العالم المصغر  / الثاني والمقابل له هو المكان الاول ا/لاكبر/ الخارج .

 

3- الشخصيات:

ان الشخصيات في دعوة للجنون تكشف عن كثير من الازدواجية،  ازدواجية الموقف،  وان كانت تلك احدى صفات المكان حيث يوجدون لكن طبيعة كل شخصيه وسلوكها يمنحها بعدا دلاليا اخر يكشف من خلاله  عن مناطق اخرى في النص 

 

(1) القسيس

 ان دخول رجل الدين - القسيس - الى مستشفى المجانين كان بسبب جريمة ارتكبها ؟ ان من يرتكب جريمة لابد ان يحاكم بالدخول الى السجن لا ان يدخل الى مستشفى المجانين بدلا عن ذلك ورجل الدين هذا رغم ما يحمله من دلالات انسانية الا انه ارتكب جريمة بشعة وهي قتل طفلة بدعوى انها جميله وبريئة وصادقة . يسال الاديب القسيس

الاديب: قتلتها..اكان ذلك ذنبها ؟

القسيس: كلا يا ابني تلك صفات تدخلها الجنه ولكن حين تكبر ستتعلم الكذب والرياء والخداع والاجرام عندئذ ستدخل في سخط الرب ..وستصبح رفيقة للشيطان فتخسر ملكوت الله وانا لا اريدها ان تدخل الجحيم يابني .

ومع ذلك فهو يتمنى ان يمنحه الله الرحمة كمال سيمنح الطفلة ملكوت السماء ؟فاي تناقض واي ازدواجية في الشخصية تحمل رجل الحكمه والانسانية الى فعل لاانسانية فيه ومن منحه هذا الحق في سلب الاخرين الابرياء حياتهم وفق (وجهة نظره) التي ثبتتها الكاتبة في تعريف الشخصيات ؟ اهذا يوجب دخوله الى هذا المكان دون غيره . والكاتبة استخدمت رجل دين لتكشف عن هذه الازدواجية في وجهات النظر المغالية بل الكشف عن زيف تلك المؤسسة التي ترفع شعارات الانسانية والرحمة والحكمة وهي بعيدة عنها بل هي تساهم في قتل الانسان  من خلال تلك الشعارات وبحجج شتى .

2- الرجل الاول

تصفه الكاتبة انه شاب بدا عليه الاضطراب فقط دون ان تتطرق الى تفاصيل اكثر عن هذا الاضطراب واسبابه وهو لاياخذ من الحوار الا القليل (حوارين في بداية النص) لكنه هنا قي هذين الحوارين يكشف عن محاولة الشباب في دفع جدار الظلم ولكن دون جدوى

3- الرجل الثاني

العالم الكيميائي الذي يجد ان العقل في داخل هذا المكان وليس خارجه (العقل لا تراه خارجا) ولكن مسالة العقل هذه ليست بالامر الكبير بالنسبة له

الاديب: وهل مسألة العقل نلك صغيرة ؟

الرجل الثاني: نعم واسال أي حاكم كيف يستطع بسنوات قليلة ان يجعل شعبا باكمله مجنونا

ان الانسان بنظره ليس اكثر من مجرد كرة السليوفان (والكل يحبذ لعبة السوليفان)

4- الفتى الانثى

تمثل هذه الخصيه قمة الضياع، ضياع الهويه وضياع النفس الانسانية وخصوصيتها . الانسان الخنثي الذي لا يعرف الى أي نوع ينتمي وينكر جنسه ويتمثل بشكل اخر بسبب صدمة سببتها له حبيبته التي تركته من اجل محفظة النقود .

ان هذه الشخصيه تمثل قمة التناقض فهو في حياته السابقه كان مهندسا غير نزيه يغش في نسب مواد البنلء حتى سقطت المباني على رؤوس الناس فمات الرجل بداخله وبقيت المراة في داخله، المراة بقيت بشرفها ترفل بالحب

الفتى الانثى: الا تعلم ان فيك رجلا وامراة  منذ خلقنا الخالق ونحن هكذا ..هذا الرجل كان يحب طقطقة النقود وخصوصا الاوراق التي يسهل حملها قدر ما تستطيع احتوائها . قالوا له خذ وغير في النسب، نسبة الاسمنت،  نسبة الحديد ..نسبة ..نسبة وهكذا كان ياخذ الرجل الى ان اصابته تخمة الاخذ فمات مع من سقطت عليهم البيوت . وبقيت المراة هذه انا ..الا اعجبك ..الا تحب ان ترانى هكذا امراة من دون هرمون ذكري، لست خاسرة الان .الرجل مات بقذارته وبقيت المراة بشرفها ترفل بالحب .

استل هذا الاقتباس رغم طوله الا انه يوضح بقدر كاف نزوع الشخصيه نحو الهروب الى منفذ اخر يبعدها عن الاحساس بالذنب تجاه اخطاءها وان  في معنى الحوار انتصار للمراة ونزاهتها .

5- الرجل الثالث

وكما الرجل الاول لاتشغل حواراته سوى مساحة صغيرة من الحوار الا انه يرمز الى تلك الطبقه القموعه من الجتمع .عندما يري الاديب النمله ويشير لها وهي تحمل حبة قمح صغيرة (وقبل ان يرفع الاديب راسه صفعه الرجل الثالث صفعة قويه)عندها يسال الاديب غاضبا

الاديب: لماذا صفعتني يارجل ؟

الرجل الثالث: ولماذا  انتم لا تفعلون ذلك؟

واخيرا

6- الاديب الكاتب المرموق الذي يدخله خطأ الى مستشفى المجانين لكن كتاباته وادبه لاتعني شيئا عند اهل الجنون بل يسالونه بسخريه بعد ان يكشفوا له ان وظيفته انما هي فقط تمجيد السلطه (من ادبت؟).

 

المكان: وصف الخارج / الداخل

يحدد النص طبيعة المكان من خلال ايضاحات المؤلف بالاضافة الى ما نستشفه من حوارات الشخصيات عن صفات المكان وملامحه ..هنا في دعوة للجنون نعرف اننا داخل مستشفى للمجانين وان هذا الداخل ملئ بعوالم الشخصيات المتناقضه التي انهارت امام مراة الحقيقه تعرفنا الشخصيات الخفيه وسقطت اقنعة الوجوه وظهرت الارواح عارية امام نفسها ..بعد ان وصفت الشخصيات الخارج وبدا كم هو عالم صغير بينما اتسع هذا الداخل لكل تلك الشخصيات وبانكشاف تلك الشخصيات انكشفت خصائص المكان ايضا .

تصف الشخصيات الخارج بانه

1- عالم تملؤه القيود ويسيطر عليه الرقيب والسلطه

2- يقلص سنوات العمر (فانت بانجازاتك قلصت من سنوات عمرك)

3- ليس فيه من العقلانيه والعقلاء (العقل لا تراه خارجا)

4-سجن كبير تاكل جدرانه الشباب دون رحمه

ثم نجد وصف الداخل بانه:

1-عالم لا الم فيه (قطعنا الصلة مع امبراطورية الالم لذا فنحن لا نبكي)

2- عالم واسع ونظيف

3- يضم الطبقة الاساس في المجتمع (العلماء الشباب رجال الدين الابرياء القتلة واللصوص)

والشخصيات التي تسكن هذا العالم من خلال الرؤية المرآتيه نجدها تتعدد وتتنوع وتختلف وتتناقض .فهي حكيمة وقاتله طيبة وشريرة ذكوريه وانثويه مجنونه وعاقله .. اذن نحن امام كل وليس بعض او جزء،  نحن ازاء مجتمع متكامل مؤتلف ومختلف في آن هذا اذن ليس داخل مصغر عن خارج كبير بل هو الخارج نفسه وهو ليس الجزء عن الكل بل هو الكل بعينه وما دخول الاديب وخروجه الى هذا المكان /العالم عنوة وبالخطأ ما هو الا دخوله الحياة نفسها ..الحياة على حقيقتها  .

 

من هو البطل؟

كل واحده من الشخصيات في دعوة للجنون اضاء زاويه من زوايا الفكرة العامه للنص . لايعود امر البطولة امرا رئيسيا عندما تكون الفكرة هي البطلة بالاضافة الى ذلك عندما يكون للنص بطل من خارجه . ان شخصية الاديب كان لها فسحة بطوله لانها هي من فجرت في المكان صمته ففاضت الشخصيات الاخرى تعبيرا عن نفسها .والقسيس بطل لان له الكلمة الفصل في نهاية المسرحية وكذلك الحال بالنسبة للفتى الانثى بما قدمه من وصف لمعاناته وتشظياته النفسية والعاطفية . والرجل الاول رغم قصر مساحته الحواريه غير انه جسد ضياع الجهد المبذول في رفع الظلم ممثلا بالجدار .كما ان الرجل الثاني العالم الكيميائي في حلمه العلمي ورغبته بالحصول على جائزة نوبل .اما الرجل الثالث هو نموذج الانسان العادي المسحوق تحت وطأة السلطه والذي يعاني اضطرابا نفسيا، والانسان العادي البسيط هو بطل ايضا بما له من مساحة انسانية كبيرة في الحياة .البطولة متساوية ورغم ذلك كما ذكرت فان البطل هنا هو الكاتبة نفسها، المجنونة الاولى وليست الاخيرة والتي تنتمي الى هذا العالم والشاهدة عليه . وبتوقيعها ب(المجنونه الاولى وليست الاخيرة فقد ضمنت نفسها كاحدى الشخصيات المجنونه في النص. وهي ليست الاخيرة لان هذا العالم يتسع لكثيرين ممن تركت سلطة الخارج عليهم اثارها .

 

 

قراءة في مجموعة (البحث عن اللون) للقاص حسن البصّام

ayad khodairتعددية مستويات المعنى ضمن بنية النص السردي

طالعنا القاص حسن البصام بمجموعة قصصية عنوانها (البحث عن اللون)، يمثل العنوان عنصراً هاماً من عناصر تشكيل الدلالة في القصة وجزءاً من أجزاء تشكيل الدلالة لأي نص أدبي، والعنوان يفضح نفسه في الغالب، بعض العناوين لها وظيفة تناصية وأخرى لتشويش الأفكار وأخرى تثير القلق أو التساؤل أو السخرية أو الابتسام ... لقد كانت عتبة عنوان المجموعة القصصية البحث عن اللون ذات دلالة سيميائية متوهجة ونافذة رؤيوية تمنح القارئ الواعي وعياً أولياً بما يحمله العنوان من طاقة إيحائية تشد القارئ للولوج إلى عوالم المجموعة القصصية وسبر أغوارها واكتشاف شفراتها الدلالية وهذا ما ينطبق من حيث الوظيفة التناصية على عتبات عناوين القصص التي تشكل هذه المجموعة والتي تهيئ القارئ لتشكيل مفهوم من خلال تحويل بنية العنوان إلى مستويات تفسيرية متعددة المستويات تجعله يشكل رؤيته وفق صدمته الأولى من ثم اندماج وعيه مع مجريات النص القصصي وما يحمله من رسائل ذات مغازٍ إنسانية فنجد أن العنوان قد كان يحمل وظيفة محفزة في هذه المجموعة مما يثيره في ذات المتلقي وما يحدث في بعض الأحيان من صدمة تشكل لذة جمالية تعتمد على اكتشاف النص بواسطة رمزية العنوان الذي يتشاكل مع ذاكرة القارئ كما في عنونة بعض القصص بعناوين ذات إشارات كنائية   مثل ( البحث عن اللون / خارطة الذئاب / المعلم / رجل ملثم / القمامة / قصة لم تكتمل ... ) .

لقد تنوع البناء القصصي في هذه المجموعة بين القصة ذات الطابع الشعري التي تظهر فيها تجليات مشاعر وأحاسيس الشخصية المركزية وبواطنها الدفينة وصراعاتها الذاتية أزاء الواقع المحيط بها كما في قصة البحث عن اللون والتي ظهرت فيها بصورة جلية مستويات متعددة من بواطن وجدان الشخصية وآلامها وآمالها وكم المعاناة التي تمر به حتى كان هناك شرح مستفيض لكل ما تقوم به وما تطمح إليه بلغة مكثفة قريبة إلى اللغة الشعرية من خلال القاموس اللغوي الذي تتموضع مفرداته الشعرية في البناء القصصي :

(لازلت منذ عشرات السنين، أبحث عن السعادة، فلم أجدها مستقرة على حال، فهي تتألق في الإنبهارالأَول، ثم تتوسد الإعتياد.. وربما أراها مستلقية على ظهرها فوق راحة كف عملاق فتتوثب رغبتي تواقة لخطفها.. وكلما كانت عصية على أصابعي، إزداد تعطشي وإستعرت جرأتي.. نحن نرقص على الطبل لأننا لم نخسر الحرب.. وهو تأكيداً على إستمرار حضورنا.. ورقصة الزفاف طعنة في صدر العزوبية.. ورقصة اليد على البطن الممتلئة، موجهة ضد الجوع.. أنت تفرح جداً لأن إحساسك قادك إلى القناعة بأن المال هو السعادة.. أو الأنتصار في الحرب.. أو الشبع أو اللذة في الشراب أو العلاقة مع النساء.. إذن أنت الذي يلقي بنفسه في المكابدة والبحث.. أنت الذي أذلته أقدامه، ولف نفسه في الشرنقة التي سوف يجبر على أكلها أو التكيف معها أو التخلص منها.. أنت الذي أذل نفسه هنا، والآخر هناك، وكل منا له قيده الذي يتباهى إنه من صنع إرادته.) ص 5

كما جاءت بعض قصص هذه المجموعة ذات بناء يعتمد على عنصر الحادثة وانعكاساتها على شخوص القصة فنجد الكاتب يركز على عنصر السرد في شرح تفاصيل الحادثة ويسرد المواقف المتوالدة من تفجر الحادثة ومدى تفاعلها مع الشخصية وتأثيرها في توجيه حركية النص القصصي وترابط ثيماته وكأنها بؤرة مركزية تجتمع فيها خيوط القص وتمنح نسيج القصة تماسكاً ووحدة موضوعية وهذا ما يتجسد في (قصة يوم الميلاد / القمامة /عشبه سوداء / سقوط نخلة) لهذا نجد أن الحادثة المركزية هي نقطة انطلاق نمو الحدث القصصي في هارمونية موضوعية ويكون كل جزء في القصة يتواشج مع السابق من تسلسل هرمي يختلف امتداد مقدمته لبلوغ (الذروة) عن خط شروع الوصول إلى نهاية القصة ويكون للسرد القصصي وما يضيفه التكنيك الإبداعي للغة السردية من شد القارئ وإدهاشه وكسر توقعه كما يرى الأديب الأمريكي ( ادغار آلان بو) الذي وصف بأنه أبو القصة القصيرة (إن البداية الناجحة هي التي تحدد نجاح القصة أو إخفاقها، أما النهاية ففيها يكمن التنوير النهائي للقصة وهي اللمسة الأخيرة التي تمنح الكشف عن الشخصية أو السلوك أو المتعة، وفيها مفاجأة قد تثير السخرية أو الابتسام أو الارتياح أو حتى القلق والتساؤل) هذا ما نجده في قصة (سقوط نخلة) حيث بداية الحادثة التي هي مرتكز القصة وبؤرتها المركزية :

(كان الجدل عقيماً، لم نتوصل إلى أتفاق في الرأي ونحن نقف إزاء النخلة التي هوت ساقطة على الباب الرئيس لبيت الحاج عبد الله، وسط عاصفة مشبعة بالأتربة، حين تحول الجو بفعل زحف الظلام وتطاير التراب الناعم إلى لون رمادي خافت متجانس مع حافات أسيجة البيوت المتهالكة وهوائيات البث التلفازي التي صممت من عجلات الدراجات الهوائية ..) ص 47

34-hasanbasam2

بعد المقدمة يتنامى الحدث القصصي ولتكون خاتمة القصة مرتبطة عضوياً بمقدمتها:

(لم يتمالك أسعد نفسه صرخ بصوت عال أخترق الصوت مسامع الجميع كان الحاج عبد الله لايزال ماسكاً بندقيته حين سمع أسعد يصرخ (أحبك) رفع البندقية صوب أسعد، وأطلق عدة عيارات، تحول أسعد إلى صقر فارش جناحيه في كبد السماء.. ظلت بندقيته مصوبة نحوه بمزيد من الطلقات، وكل طلقه جمرة ملتهبة تسقط على رؤوس الناس، من أعالي السماء.. وحين تصيب أحدهم يتهاوى ميتاً في الحال، لذلك فقد مات الكثيرون.. وحين جف قلب النخلة، خرجت الديدان التي كانت تنخرها قبيل سقوطها، لتتسلل إلى أجساد الموتى، الذين أزداد عددهم حولها.) ص 49

إن العمل الأدبي مهما اتسم بالموضوعية لابدّ من وجود انعكاسات ذاتية لأنه يحمل بصمة المؤلف الفكرية وتوجهه الأيدلوجي ومواقفه إزاء قضاياه الوجودية فالكاتب هو مجموع ما انصهر في وعيه المعرفي من معارف وأفكار وحوادث سابقة شكلت في مجملها وعيه الثقافي الذي ينتج منه موقف الكاتب تجاه واقعه وبذلك يؤكد حرية الكاتب في تقديم العالم على حقيقته ليس من موقف العداء بل من منطلق الحرية الوجودية والإلتزام فهو ليس شاهد زور على ما يحدث بل ليجعل المتلقي يندمج بعمله الأدبي ويتخذ موقفاً في تغيير الواقع وتشكيل وعي معرفي للوجود الموازي الموجب والأمثل للحالة السالبة التي ترصدها رؤية الكاتب وتجسدها بعض الشخصيات وتكون بعض هذه الشخصيات ومنها الكاتب يقع تحت تأثيرات هذه الوقائع وما تترك من آثار كارثية سواء كانت على صعيد الفرد أو المجتمع فالكاتب لا يستطيع الانعتاق من سطوة واقعه وما يولد من تأثيرات تتكون منها مواقف واتجاهات القاص سواء كانت هذه الحوادث الواقعية ماضية أم ذات وظيفة حاضرة فالكاتب لا يستطيع الانعتاق من سطوة الماضي الذي يكون له نتائج حاضرة فبعض الحوادث المركزية في ماضينا القريب لا تزال آثارها وهزاتها الارتدادية حاضرة ومؤثرة في واقعنا وكأنها حوادث كونية تكتسب الاستمرارية من توالد نتائجها وتجلي ظلالها فقد تجسدت التغيرات الاجتماعية وسلط القاص الضوء عليها في معظم قصص هذه المجموعة فالماضي كان له حضور في حاضر القاص وما للحاضر من تأسيس للمستقبل فكانت من ضمن القصص قصة (رجل ملثم ) أو قصة (خارطة الذئاب) تعكس هذه الإشكالية:

 

(من الممكن أن يكون البيت بلا أبواب.. ذلك إن أكف الحروب أطبقت على أعناق المعوزين .. فباعوا حليهم التي توارثها الكثير منهم، حلي موشاة بملامح أمهاتهم ومازالت تقطر عرقاً وسحنتها صفراء كجباه الأمهات الراكضات خلف رغيف الخبز.. إقتلعت من قلب المعوز إلى يد الصائغ.. ووصل الحال إلى خلع الأبواب والشبابيك وبيعها لإجتياز مفازات الجوع.. ولكن كيف تكون المدينة بلا أبواب.. هذا لا يمكن تصديقه.. تداخلت الأسرار، وإختلطت الأصوات، وإمتزجت آهات النشوة بصيحات الإستنجاد.. مدينة تحتضنها الصحراء، وهذا مادفع الذئاب للتوغل كسراً للمجاعة، لا يأمن أحد لقضاء حاجته في العراء، يتلبسه الخوف، ويتعبه التلفت.. وقد إندفع مجموعة من الأشخاص أغلبهم من الشباب للتصدي للذئاب.) ص14

أو من خلال سرد الواقع الظلامي الذي تولد من تراكمات الماضي وكوارثه الاجتماعية ليشكل ظواهر اجتماعية تترك ندباً في ذاكرة القاص وترسم جراحاً اجتماعية لا تندمل وهذا ما تجلى في قصة (رجل ملثم ):

(وضعت قطعة الخبز التي كانت في يدي على الماعون، ونهضت، ما إن أخرجت رأسي من الباب بأتجاه الشارع حتى إمتدت يد من أعماق المجهول، من جسد ضخم، مختبئ، وعلى مقربة منه، يقف رجل لا أميز ملامح وجهه، أعتقد إن رأسه مغطى بكيس أسود فيه ثقبين أمام العينين، لمحته، كان يقف مقابل الباب عدة أمتار، بينما كانت اليد التي لطمت وجهي، تقف بمحاذاة الباب من جهة اليمين.. وقعت على الأرض مرمياً من عنفوان الضربة مدفوعاً إلى باحة البيت ودوي اللكمة، هز قلوب أهلي، فتساقط الفزع والذعر وكاد أن يتلبسهم الجنون.. أفقت على سماء إنطفأت نجومها، وجدران ترقص رقصة الهنود الحمر حول صيدهم، وأرض تطوي نفسها وتبسطها تحت أضلعي، وتدور بي.. إنمحت خطابات العالم كلها إلا خطابي الذي واجهت به الحاضرين حول أسباب تخلف الأداء الوظيفي، والتي واجهني بها الملثم.. إنمحت كل مخزونات الذاكرة لحظة تمددي على وجهي فوق الأرض، إلا الصرخة التي سمعتها قبيل اللكمة : أنت أيها السافل تدعو إلى إلغاء المساجد؟!!.. ثم إنطفأ العالم.) ص18

مهما تختلف توجهات كتاب القصة القصيرة لكن عناصر بناء القصة تبقى مشتركة فنجد معمارية الشكل تتألف من هذه العناصر التي تؤلف في مجملها بصمة وراثية تتكون من نفس المواد الأسلوبية لكنها تختلف من حيث الملامح فعناصر القصة قد تجلت في هذه المجموعة وإن اختلفت في مركزيتها من قصة إلى أخرى كما ذكرنا آنفاً فكانت التراكيب اللغوية التي تعتمد السردية في تموضعها ضمن الكيان القصصي تتوافق ومقتضيات الطابع القصصي فنلمس اللغة ذات الطابع الشعري المكثف من خلال المفردات الموحية تقترب من روحية المفردة الشعرية والتي تكون خطاباً ذات سمة شعرية يعتمد الكنايات وتراسل الحواس وتتموضع ضمن هكذا قصص ذات طابع رمزي الرموز التي تحمل مستويات متعددة تتشاكل مع ذاكرة ووعي القارئ الواعي:

(إرتشفت عيناه نظرتها الشفيفة، الحالمة كجنح فراشة، مسددة ببصرها نحو جسده المتناسق الذي استعار من الحجر صلابته ومن الورد رقته ومن الصفاء وسامته.) قصة (عشبة سوداء) ص 37

أو في هذا الخطاب القصصي ذات اللغة الشعرية المكثفة والمفردة المعبرة في قصة (ثقب طري)

(على خد هذه المدينة المشرقة في سماء السنين المظلمة، والتي بدت تذوي بفعل هذه التراكمات القاتلة فأصبحت كبحار هرم مستلق على سطح السفينة، يجترسفرأيامه.. إمتلأت نفوسنا بالتسابيح الخفية والأدعية المتصلة عند قيامنا وقعودنا.. تدفق الأيمان من قلوبنا كينبوع كتم أنفاسه الصخر، فأنبثق مرة واحدة يجتاح صحراء الجوع بسيل الطاعة والاستسلام وتأويل الأشياء تاويلاً لم نكن قانعين به قبل تتالي العواصف .. إنقلبت معايير المدينة وتفتت صلابتها.. الأحياء يحاورون الموتى.. لا أحد منا يعرف من يبكي على من !! تجهمت أيامنا حين إمتدت أذرع العاصفة وخطفت أبي وأخي بعد أن رحلا عنا دون أن نعثر على أثر لهما.. ربما إستجابا إلى تلك اليد في أعماق النهر، أو طمرتهما الأنقاض الهائلة، أو ظلا محلقين في أعالي السماء.. وعلى الرغم من فخامة الجزع الذي أصاب والدتي، إلا أنها إعتادت حزنها، ولم تمت لموت والدي رغم تعلق أحدهما بالآخركما) ص51

ونلمس أيضاً اللغة التي تقترب من اللغة الواقعية الواضحة البسيطة في تراكيب تنقل لنا حالة واقعية معاشة لا تخلو من واقعية انتقادية لبعض الظواهر الاجتماعية كلغة الواقعية التفصيلية الواضحة التراكيب والتي تطابق مقتضى حال الشخصية الموصوفة أو كلامها الذي تنطق به أثناء الحوار في القصة أو ما يسرده القاص على لسان الشخصية مثلما تجلى ذلك في عدد من القصص منها قصة (الضيف):

(عندما يكون منهمكاً في عمله المضني، وهو يدفع أمامه عربة ذات ثلاث عجلات، محملة بنفايات السوق وما لفظته المحلات إلى الشارع، قبل أن تقفل ليلاً، ليستقبلها فجراً بعربته التي تحدث صريراً قوياً في هذا الوقت المبكر من الصباح، مستعيناً بصفيحتين معدنيتين صغيرتين، ماسكا ًكل واحدة بيد، ويحمل ما تجمع في المزبلة ليرميه بخفة داخل العربة القذرة المسودة المتآكلة.. تنهال سخرية المارة دون أن تلقي بثقلها في نفسه حيث يغص السوق بالناس وقت الضحى، فيزدحم بنداءات الباعة , هي الأخرى تزعجه , لذلك لم تزر شفتيه ابتسامة عذبة، أو تسلل إلى عينيه بريق سرور.) ص31

يعتبر علماء السيمولوجيا إن اللغة أساس المعنى لذلك يكون للمفردة المكثفة أو للتركيب وظيفة محفزة في استثارة ذهن القارئ وفي تكوين مستويات للمعنى يتوالد من المستوى الأول ليشكل القارئ وجوداً ملموساً من خلال تكوين صور ذهنية تؤسسها تراكيب القاص السردية ويملأ القارئ الفجوات الموجودة بين البنى اللغوية ليكون وجود متخيل يجعله مشاركاً في فعل النص ويخرج النص الأدبي من إطار الذات إلى الموضوع ليمثل تجربة إنسانية تتشارك فيها ذوات المحيط الجمعي الذي ينتمي إلى نفس القدرة اللغوية لدى القاص وهذا ما تشكله اللغة ذات المستوى التعبيري المتدفق والمفردات الإيحائية في القصة التي تعرض أفكاراً وجودية ذات أبعاد عميقة وتنقل القيم والأفكار النابعة من خلاصة التجارب الإنسانية الحية لأن كل الأشكال الإبداعية لايكون لها وظيفة ثقافية إلا بقدر ما لها من معنى   وهذه الأشكال الإبداعية لاتؤثر بالمتلقي إلا بقدر ما يكون فيها من بنى مشتركة تشترك مع وعي المتلقي ومعرفته الذهنية في تكوين المعنى ففي مجموعة البحث عن اللون نجد مستويات متعددة للغة على حسب البناء القصصي كما ذكرنا آنفاً فاللغة القصصية السردية في القصص التي تهتم بالفكرة سواءُ كانت رمزيةً أم أسطورية أم تراثية تتناسب لغتها ومستوى الفكرة وتكون خطاب يؤدي وظيفته الحية ضمن الحيز الزمكاني وهذا ما يتجسد في بعض القصص ذات الطابع الفكري الفلسفي مثل قصة

(إعتراف رجل خارج المستطيل):

(إن غبائي يمنعني من رسم صورة تقريبية لنهاية زمن الإنسان، فهو يمنحني فقط لا حدود للرؤيا، انه يرسم لي نهاية مطلة على أفق مفتوح.. في هذه النهاية يتوضح إسلوب مواجهة العوائق وهي أما بالتحدي او بالإستسلام، وهذا القبول التنازلي ينحته على البياض إبهام الوحدة المرتجف، لذا فأني أفسر الصفعة على إنها فعل يضمر نية حسنة لإزالة العرق العالق فوق الخد، دون أن أرفع لائحة شكوى، أو أثقب قلبي لأسمع دويها فوق الخد إلى من يسمعني، لأني لم أجد في هذا الزمن المستقر فوق ظاهر الكف من يسمعني سوى رجل وجدته منصتاً لي بلهفة، ومحدقاً في ملامح وجهي التائهة، برثاء كبير، وإهتمام ملحوظ، أغرمت بوضوحه، فحين أبتسم يبتسم، وحين يعبس وجهي يعبس هو الآخر، فتصير سحنته قاتمة كسحنة رجل مقهور. جلست محدقاً في تفاصيل وجهه الداكنة. كان يوشك أن يهمي بفيض رذاذ أسود..) ص21/22

أو من خلال تشريح الرمز المكثف (المطر) وتعدد مرجعياته الإيحائية وفق الحالة الوجودية للإنسان وبيئته المحيطة وكأن (المطر) يتجلى معناه وفق الظرف الذي يكون فيه ولهذا تتعدد مستويات معناه وتتجاوز حدود النص ففي قصة (قصة لم تكتمل) يشرح القاص دلالة المطر:

(الأغنياء يحبون المطر في كل الأوقات، لأنه باعث للأستراحة لهم.. ربما إستراحة إجبارية للذين صاروا حراساً لأموالهم.. وهم يختلفون عن الشعراء.. الشعراء يحبون المطر لأنه حديقة حزن متفتحة أورادها، يستنشقون شذاها، متأملين بأحساس مرهف، آفاق الأمنيات والخلاص.. أما الفلاحون فانهم يحبون المطر في وقت الزراعة ويكرهونه وقت الحصاد، إنهم مصابون بلوثة المصلحة، كيف يحب الأنسان ويكره الشئ نفسه، وهذا دليل على أن الفقراء، لا يعول على رأيهم في كل الأوقات، أو الأصح، لا يعول على رأي جائع، وهذه حكمة قديمة، حين تسألهم ماهو رأيهم بالمطر سيجيبون إن المطر خير، ولكن في قرارتهم تسكن اللعنة، لأنه سيقطع رزقهم إثناء هطوله وربما بعده، لعدة أيام، وهذا مما يجعل كلمة الأغنياء تمتلك أربع وأربعين رجلاً تزحف إلى أذن السامع، وتدخل إلى أذنه مباشرة، وتستقر هناك، وقد تمكث طويلا، لتتحول إلى الذاكرة للحفظ.. بينما كلمة الفقراء لا تمتلك مقومات التوصيل، او إنهدام أحد أركانها، وهو الشبع، إن الجوع الذي يشبه الأسمنت، يسد فتحة الأذن، ويلغي مسامات الذاكرة.) ص60

لقد كانت المجموعة القصصية (البحث عن اللون) تجربة متعددة الموضوعات والاتجاهات رصدت قضايا إنسانية على صعيد الذات أو المجتمع وتميزت بثراء اللغة السردية التي حملت مستويات متعددة من المعنى على صعيد الدال والمدلول فاللغة من خلال المفردة الموحية والتركيب تشكل وجوداً متخيلاً لما تولده من إيحاءات ذهنية وفق رؤية المتلقي وخزينه المعرفي فكان لعتبات عناوين القصص وظائف دلالية تكون اختزال كمي لمضمون القصة وثيمتها المركزية وكانت العناوين مراكز بؤرية للقصة يرتبط بها النسيج القصصي لتمنحه تماسكاً ووحدة عضوية وهذا ما يجعل القصة مترابطة وفق وحدة موضوعية يتنامى الحدث فيها ويتصاعد ليبلغ إلى نهايته المفتوحة أو المغلقة وهذا ما يكون انعكاسا لما يمنحه المعنى من مستويات عاموديه مترابطة من حيث الذخيرة النصية لبنية النص السردي والتي تكون المنطقة المألوفة التي يشترك بها القاص والمتلقي ليكون للنص القصصي مكانة في العالم الثقافي المشترك بين القاص والقارئ لوحدة التجربة وتفاعلها وانتقالها لمرحلة جمعية يشترك بها أفراد المحيط الاجتماعي .

 

....................

- صدرت عن مؤسسة المثقف في سيدني – استراليا، ودار العارف بيروت – لبنان، المجموعة القصصية : البحث عن اللون للأستاذ الأديب حسن البصّام.

يقع الكتاب في 96 صفحة من الحجم المتوسط، وقد زيّنت لوحة الفنان التشكيلي حميد ياسين الوجه الأمامي للغلا ف.

اشتملت المجموعة القصصية (البحث عن اللون) على (14) نصا قصصيا، هي: (البحث عن اللون، المعلم، خارطة الذئاب، رجل ملثم، اعتراف رجل خارج المستطيل، يوم الميلاد، القمامـة، الضيف، الهاتـف، عشبة سوداء، عقرب الثواني، سقوط نخلة، ثـقب طري، قصة لم تكتمل).

بين شاعرين: ابن معصوم والحبوبي (2)

khalidjawad shbaylأولى الكلمات: أود أن أعتذر للقراء عن أخطاء وردت في الجزء الأول، وسببها تلك العجالة االتي رافقتني وما زالت منذ الصغر، حيث كنت أدفع ورقة الأمتحان دون مراجعة. وحين بدأت بكتابة المقالات أدفع بها للنشر من دون مراجعة أيضا، كمن ولدت مولودة ورغبت عن أن تراها! على أني من ناحية أخرى أود أن أسجل جزيل امتناني للأستاذ الدكتور محمد فضل الحبوبي – الوزير السابق- على تنبيههة لخطأين أولهما سقوط اسم والد الشاعر محمد سعيد (والأسم مركّب) وأعني السيد محمود عند الرقن الطباعي، وثانيهما هو أن ضريح الشاعر الحبوبي يقع على يمين الخارج من باب القِبلة (لا الشمال كما ورد خطأً)، ولي أن أسجل شكري أيضا للمهندس  الأستاذ المتابع أحمد الحمامي الذي أعطى العنوان بأن الضريح في الغرفة رقم 10  على شمال الداخل (أو يمين الخارج) من باب القبلة الى الصحن الحيدري، حيث علت الباب الخشبي الجميل أبياتٌ تؤرّخ وفاة الشاعر... أشكر كلَّ من عّلّق أو كاتبَ، كالأستاذ القاص والمقالي الساخر علي السوداني، والشاعر المتميز عبد الإله الياسري والاستاذ الشاعر الفنان لطفي شفيق سعيد، والشاعرة المتميزة وئام ملا سلمان وآخرين...محاولا تقليل الهوامش والحواشي، والاختصار في المتن، وتقليل الأخطاء الطباعية ما استطعت الى ذلك سبيلا، وقد قالت العرب: من شبّ على شيئ شاب عليه!

***

سؤال عنّ لي: ما الذي يجعل شاعرين فقيهين من عائلتين عَلويتي النسب و عُلويتي المحتِد، يقولان شعراً في الخمر و التغزل بها وبساقيها، وكأن الشَّمول قد خامرتهما؟ ثم يبرعان بالنسيب والتشبيب، كأنهما عاشقان شفهما الوجد، فانساب من يراعيهما ذلك الشعر العَسجدي الرقيق؟ أما كان يكفيهما ما قالاه فأحسنا فيه القول من مديح وفخر ورثاء ووصف...؟

يُجمع دارسو شعر العرب من المستشرقين، بأن الشعر العربي أحفلُ من غيره من أشعار الأمم الأخرى بالخمر والتغزل بها، ولعل السبب الرئيس في ذلك هو طبيعة الجزيرة العربية وقساوة صحرائها، فما أن يلقي البدوي بعصا التَّرحال، ويزيح عن نفسه وعثاء السفر حتى يُنشدَ ما يُريحه، تماما كالماشين فوق الماء فما أن يصلوا الموانيء يبدأ نشدانهم للذات! فالخمر رافقتِ الشعراء منذ انبثاق الشعر وعلى مر العصور حتى يومنا هذا..وطالما ارتبطت الخمر بالغزل برباط وثيق، بدرجات شَدٍّ متفاوتةٍ عند الماجنين من الشعراء أو عند الزاهدين من المتصوفة منهم. يتغزلون بها ويشربونها (أو يزعمون) صبوحا وغبوقا. هذا عمر بن كلثوم1 صاحب المعلقة:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا  - ولا تُبقي خمور الأندرينا

أما الشاعر المثقف عَدي بن زيد العبادي2 الذي كان نجم شعراء الخمر المتألق أبداً، يقول:

بَكَر العاذلاتُ في غَلَس الصُّب – حِ يقولون لي أما تستفيقُ

ودعا بالصَّبوحِ فجرا فجاءت – قينةٌ في يمينها إبريقُ

ويرى الدارسُ أن صورَ الخمر والغزل فيها كثير من الإبداع الذي أضافته متغيرات العصور ومواهب الشعراء، وفيها أيضا كثير من التقليد الذي يتكرر باشكال ومضامين ذاتِ جمال عالٍ أيضا سواء بين الشعراء أو لدى الشاعر نفسه كما سنرى عند شاعرينا، ولنا أن نذكر على سبيل المثال من هذا التكرار في التصوير بين شاعرين من عصرين مختلفين. قال ذو الرّمة:

وعينانِ قال الله كُونا فكانتا – فعولانِ بالألبابِ ما تفعلُ الخمرُ

تلقف الصورة بشّار:

حَوْراءُ إنْ نظرت اليك – سقتك بالعينين خمرا

إذنِ الخمرُ والغزلُ  غرضان مترابطان من أغراض الشعر لابد لأي شاعر أن يلجهما ويقول فيهما ما يشاء...أياً كان قائلهما حتى لو كان نقيبا للطالبيين أوفقيها أو طالب فقه... ولا طائل من صرف جهد أكثر في هذا المجال.

***

للشاعر العظيم الشريف الرضي، نقيب الطالبيين قول في الغزل الرقيق وفي الخمر أيضا، وهو مهد الطريق للشيعة من الشعراء وأعطاهم الحجة في أن يطرقوا ماطرقه أستاذهم الرضي، وهذا ما جعل الشاعر ابن معصوم  يلتمس له العذر حين يقول 3: "وأما خمرية الشريف الرضي عليه من الله الرضا، التي اسكرت الألباب وانتشت بها قلوب أولي الآداب، فأن استعاراتها كلها بديعة، وابيات لطاءفاه على غير منيعة، وكان سبب نظمها لها، أنه على وفور شعره، وارتفاع شأنه، وغلاء سعره لم يكن ينظم في باب الخمريات شيئا، نزاهة منه وإجلالاً لقدره الشريف على ذلك، فسأله بعض من يعز عليه من أصحابه القول في ذلك، ليشتمل ديوانه من الشعر على فنونه كما اشتمل على محاسنه وعيونه فقال:

اسقني فاليوم نشوانُ – والربى صاد وريانُ

كلفت باللهو وافية   –    لك نايات وعيدانُ"

ويأتي ابن معصوم على ذكر القصيدة كلها. تعمدت ذكرهذا الاستشهاد، لا لكي أثبتَ ما ألمعتُ اليه أعلاه، وإنما لتبيان التأثير الكبير للشريف الرضي على شاعريْنا... وفي موضع آخر4 يثبت ابن معصوم طربه وانتشاءه ببعض الخمريات لغيره مما يدل على سعة اطلاعه، ويكشف عن رفعة ذوقه، من قبيل قول شرف الدين الحلاوي:

رقّ فلولا الأكفُّ تمسكُهُ – سال مع الخمر حين ترشفُهُ

وكذلك استلطافه حين يقول " وأبدع  من ذلك كله وألطف  قول شيخنا العلامة محمد بن علي الشامي":

شرقت معاطفه بأمواه الصبا – وجرى عليه بضاضةٌ ونعيمُ

قد كاد تشربُه العيونُ لطافةً  –   لكن سيفَ لحاظِه مسمومُ

وقوله أيضا:

رقت شمائلُهُ ورقّ أديمُهُ – فيكاد تشربُه عُيونُ الناظرِ

***ِ

ويستمر ابن معصوم في قطفه أزهارا نضرة من رياض الشعر المزدهرة، أكتفي بهذا بما ينفعنا في فهم رائعة ابن معصوم وتأثره بما سبق من صور حسية في قصيدته، التي يذكرها بالسياق نفسه دون أن يذكر اسمه تواضعا وترفعا في آن! والقصيدة هي:

أما الصبوحُ فإنه فَرضُ  –  فعلامَ يكحلُ جَفنك الغمضُ

هذا الصباحُ بدت بشائرُه  –   ولخيله في ليلهِ رَكضُ

والليلُ قد شابت ذوائبهُ   –    وعِذارُهُ بالفجر مِبيّضُّ

فانهض الى حمراءَ صافيةٍ- قد كاد يشرَبُ بعضَها البعضُ

يسقيكها من كفهِ رَشأٌ  –    لَدنُ القوامِ مهفهفٌ بضُّ

سيّان خمرتُه وريقتُهُ    -    كلتاهما عِنبيةٌ محضُ

تُدمي اللواحظُ خدَّه نظراً -   فاللحظ في وجناته عضُّ

من ضمه فتحَ السرورُ له – باب وكان لعيشه الخفضُ

باهت وقد أبدى محاسنَهُ – بدرَ السماءِ بحسنهِ الأرضُ

يسعى بها كالشمس مشرقةً – للعين عن إشراقها غَضُّ

والكأسُ إذ تَهوي بها يدُهُ  –  نجمٌ بجنح الليلِ منقضُّ

بات النَّدامى لا حَراك بهم  –   إلا كما يتحرك النبضُ

في روضة يُهدي لناشقها – أرجَ الحبائبِ زهرُها الغضُّ

ختم الحيا ازهارَها فغدا  –   بيدِ النسيم لِخَتمِها فَضُّ

فاشرب على حافاتها طرباً –وانهض لها إن أمكن النَّهضُ

لا تُنكرن ْ لهوي على كِبَرٍ- فعليَّ من عصر الصِّبا قرضُ

أغرى العذولُ بلومه شغفي – فكأنما إبرامُه نقضُ

خالفتُه والرأي مختلفٌ – شأني الودادُ وشأنُه البغضُ

مهلاً فليسَ على الفتى دَنَسٌ – في الحبِّ ما لم يدنَسِ العِرضُ

قصيدة قوامها تسعة عشر بيتا، انتظمت كما تنتظم حبات اللؤلؤ في عِقد جميل لا يقبل الزيادة ولا النقيصة، ومن الملفت أن القافية ورويها الضاد المحرك بالضم، وهي من النوادر في شعرنا العربي لصعوبته وثقل صوت الضاد، التي طوعها تطويعاًّ جعلها خفيفة سائغة الوقع على الأذن بفعل تفاعلها مع بقية الكلمات مما أعطت موسَقةً جميلة  متناسقة، أغناها البحر الكامل ذو الأصداء المتناسقة المهيبة، اللغة الشعرية غنية بالتصوير الشعري الحسي من أول بيت إلى آخر بيت، لا تجد في القصيدة مفردات معجمة ولا نبو بل انسجام تام في الصوت والصورة. وتبدو المعاني وصفا ظاهريا للخمرة والكأس وساقيها، والساقي يحتمل  الذكر ويحتمل الأنثى كلفظة الحبيب في الشعر، على أن كون الساقي ذكرا جميلاً كما وصفه القرآن مسألة تهم الشاربين وتفتح شهيتهم  وقد تكرر ذكر ذلك في القرآن " وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا"19 الإنسان، وفي سورة الواقعة " يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ (18) لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ" . وإذا كان الله قدّم هذا الوصف  المغري للكؤوس وللسقاة الولدان، فلماذ إذن لا يصفها الشعراء بأجمل الأوصاف؟

يبدأ الشاعر قصيدته بأن جعل شَرب الصَّبوح فرضا، وبهذا الوصف يكون فرضا يقارب فرضَ صلاة الصبح، والشاعر يستحث الساقي الذي أثقل أجفانه الوَسَنُ بأن ينهض الى بنت العنب حيث أن جيوش الصباح تهزم الليل الذي يسحب أذياله، ثم يستغرق بوصفه بجمل بلاغية مركبة تركيبا ومصنوعة بإتقان بلا تكلف بل منسابة انسياب الصهباء في الكاس التي تهوي بيد الساقي كما لو أن نجما في السماء خرّ! والساقي المهفف تفاخر به الأرضُ بدرَ السماء...وبعد أن أشبع المشهد الساحر وصفا، أنهى القصيدة بحُسن تخلص وهو لا لوم للشارب مادام الهدف نبيلا والعِرض سالما!

مَنْ يستبطنِ القصيدة سينجلِ له المنحى الصوفي بين تلافيفها، فالخمر هي روح spirit ولأجل هذا تسمى المشروبات الكحولية بالمشروبات الروحية، والخمر لدى المتصوفة سواء شربوها أم  لم يشربوها في خلواتهم، هي الطريق الى الوجد  والسمو والتجلي الى درجات العلا، و الطيران  صعُداً لأجل أن يلتقي العاشقُ بالمعشوق، وقد عبروا عن ذلك في أشعارهم وطقوسهم وأناشيدهم ورقصاتهم، وابن الفارض مشهور في قصائده:

شربنا على ذكر الحبيب مُدامة – سكرنا بها من قبل أن يُخلَق الكرمُ

إضافة لتأثيرات الرضي وغيره ممن أعجب بهم  ابنُ معصوم والذين سبق أن ذكرناهم، أرى التأثيرات الصوفية لابن الفارض واضحة في هذه القصيدة. ولاجل هذا سأنتقل الى قصيدة أخرى لكي يثبت زعمنا في النزعة العرفانية لدى ابنِ معصوم في قصيدة مستهلها (من البسيط):

برقُ الحمى لاح مجتازاً على الكُثُبِ  - وراح يسحب أذيالاً من السُّحُبِ

أضاء والليلُ قد مُدّت غياهبُهُ     -     فانجاب عن لهب يذكو وعن ذهَبِ

الا تذكرنا هذه القصيدة بمحسناتها البديعية وصورها بابن الفارض5 في قصيدته:

أبريقُ برقٍ بالأُبيرَقِ لاحا – أم في رُبى نجد أرى مِصباحا

أم أن ليلى العامريةَ أسفرت – ليلا فصيّرتِ السماءَ صباحا

ومن يتوغل في القصيدة  يرَ أن بعض الصور هنا مكررة من قصيدة (أما الصبوح):

والصبحُ خيّمَ في الآفاق عسكرُه – والليلُ ازمع من خوفٍ على الهربِ

فقلت للصحب قوموا للصَّبوحِ بنا –  يا طيب مصطبَح فيها ومصطحِبِ

واستضحكوا الدهر عن لهوٍ فقد ضحِكت – كاس المدامةِ عن ثغرِ من الحبَبِ

فقام يسعى بها الساقي مُشعشَعةً ً - كأنها حلَبُ العُتّابِ لا العنبِ

حمراءُ تسطعُ نوراً في زجاجتِها – كالشمس في البدرِ تجلو ظُلمَةَ الكُرَبِ

نكتفي بهذا المقدار، وسيكون لنا وقفة مع خمريات الحبوبي ومقارنة مع ابن معصوم.

-للموضوع صلة-

 

.....................

الهوامش:

1- الزوزني، شرح المعلقات، أو الخطيب التبريزي في شرحها، والاول أسهل وأوجز والثاني اشمل واعمق.

2- ضيف، د. شوقي؛ الشعر الجاهلي دار المعارف عدة طبعات، أو فيصل، د. شكري؛ الغزل في الشعر الجاهلي.

3- ابن معصوم، أنواع الربيع في انواع البديع، 1/54  ط طهران.

4- ابن معصوم، م.س، 1/317.

5- ابن الفارض، عمر، الديوان طبع عدة طبعات في القاهرة وبيروت...

 

رواية (خالد خليفة) "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" رواية الخيبة و العار

ali almasudبرز اسم الروائي السوري خالد خليفة مع صدور روايته الثالثة «مديح الكراهية» عام (2006) التي عالجت قضية القمع السياسي والديني في سوريا وترجمت إلى الكثير من اللغات الأوروبية كالإنجليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية، لعبت رواية "مديح الكراهية"، دورًا في تشريح النظام السياسي لحزب البعث السوري وتعامل معها البعض كنبوءة لما حدث فيسوريا بعد الثورة، وهي رواية تنخر تحت طبقات عميقة في الذاكرة السورية، نحو اقتفاء أثر ألم مخفي، لأحداث مدينة حماة السورية، التي راح ضحيتها إبان الثمانينيات، ما يقرب من 30 ألف شخص. أما روايته الرابعة «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» (2013، دار العين)

فقد حصلت على جائزة ميدالية نجيب محفوظ للأدب عام 2013 التي تقدمها الجامعة الأميركية في القاهرة، وكانت ثاني عمل له يصل إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) بعد (مديح الكراهية) 

رواية "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة"، تشريح للمجتمع السوري وحفر عميق في المكان والذات ليس عبر 40 سنة عمر حكم دولة الأسد الأب والابن ولكن عبر 200 سنةفي مدينة حلب التي خضعت لتغيرات سلبتها روحها، وفقد السوريون عبرها، أحلامهم وآمالهم وأصبح منتهى أملهم اليوم البقاء على قيد الحياة، عاش ألكاتب (خالد خليفة) نصف عمره في حلب والنصف الآخر في دمشق، لكن حلب لم تنته بالنسبة له كمكان مفضل للكتابة عنه،

يكتب خليفة الذي يحفظ تاريخ مدينة حلب بأزيائها ومطبخها، ومعمارها المحلي والعالمي، بسهولة شديدة، لا يمكن له هو نفسه شرحها، أنّ ارتباط المؤلف بالمكان أمرٌ لا يمكن أبداً إنكاره، ولعلّ هذه الحميميّة الخاصّة ونظراً للأهمية التي يتمتع بها المكان في النص الأدبي باعتباره يساهم بشكل أو بآخر في خلق المعنى داخل النص الأدبي، فإنه (المكان) حظي بدراسات عدّة عنيت به منذ "غاستون باشلار" من خلال كتابه "شعرية المكان" الذي انطلق فيه صاحبه من نقطة أساسية مفادها أنّ البيت القديم "بيت الطفولة" هومكان الألفة، ومركز تكييف الخيَال، هذا المكان الذي إذا ما ابتعدنا عنه نظلّ مشدودين إليه نسترجع ذكراه، انطلاقا من هذا التذكر تتّخذ صفات وملامح المكان طابعا ذاتيا ووينتفي بعدها الهندسي فالأمكنة ـ تبعا لذلك ـ قد تتجاوز في بعض المواقف وظيفتها الأساسية والمتمثلة في اعتبارها إطاراً أومجرّد ديكور، لتغدوعنصراً هاماً من عناصر تطور الحدث، والمكان هنا (داخل الرواية) باعتباره ملفوظا حكائيا قائم الذات، وعنصرا من بين العناصر الفنية الأخرى المكونة للنص السردي . ولا يمكن بأي حال تناول المكان الروائي بمعزل عن باقي المكونات الأساسية في الآلة الروائية ، وأن "ظهور الشخصيات ونمو الأحداث التي تساهم فيها هو ما يساعدها على تشكيل البناء المكاني في النص الادبي .

يحكي خالد خليفة في روايته "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" تاريخ مدينة حلب الحديث، الذي يشكل انقلاب البعث سنة 1963 المنطلق نحو الماضي والمستقبل فيه، وكيف أسهم ذاك الانقلاب في تشويه معالم المدينة ونسف بناها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وخلف شروخا عميقة بين الناس الذين انقسموا بين مؤيد خائف من إرهاب السلطة الجديدة، وآخر معارض أُودِي به بالتقادم وتمّت تصفيته أو أذلاله ومحاولة أركاعه وأحساسه بعار الخيبة والخذلان . في الفصول الخمسة لروايته التي نشرتها دار العين بالقاهرة "حقول الخسّ"، و"جثث متفسّخة"، و"عنق ملوكي وحذاء أحمر"، و"الأم الميتة"، و"طرق غامضة"، لا يكتفي صاحب "مديح الكراهية" بتوصيف التقسيم المجتمعي الذي رسمه النظام وخطط له واشتغل عليه، بل يعود إلى جذور الكارثة والمأساة التي حلت بالشعب...

الرواية تتناول بعمق ومهارة حياة معلمة هجرها زوجها، وشقيقها الموسيقي الشاذ وأبنائها الأربعة (سوسن، رشيد، سعاد والراوي). لكل شخصية امتداد زمني خاص بها، وآخر تشتبك فيه مع بقية الشخوص، كما لكل منهم خط روائي واضح من خلال الأحداث والمحطات المهمة، باستثناء الراوي الصوت الثالث- الذي تسرد الرواية على لسانه كأحد أبناء، تولّى سرد العمل كفرد من العائلة دون أن يسلط الكاتب الضوء عليه. وجود البطل/ الظل أعطى للنص بعداً جمالياً خاصاً وهو أمر غير مطروق كثيراً في الروايات العربية وهي رواية عن الفقر والحزب والفساد والعجز والشيخوخة والعهر والشذوذ والكثير من الصرخات المكبوتة، أبطال مهمشين مضت أعمارهم في وهن، لوثت السياسة ملامح مدينتهم الجميلة، أُغتيلت أحلامهم برصاص الحزب، أنها ملحمة تروي قصة قتل الإنسانية وتوثيق الخراب الذي لحق بالارواح والمدينة في السنوات الخمسين الأخيرة، فحجم الدمار الذي لحق بمعمار مدينته حلب كان صاعقًا جدًا، وهو دمار لم يلحق بالمكان فقط، ولكن لحق بالناس أيضًا، فالأمكنة كما يقول "لا تخرب وحدها، فالمكان يخرب معه سكانه " .

يتميز السرد الروائي للكاتب بسلاسة متدفقة ولغة شعرية تضفي على الواقع المأساوي للعمل مسحة جمالية (كما في حديث الراوي عن شقيقته سعاد وهي «تقود قطارا طويلا محملا بمجموعة طيور دون أجنحة، مناقيرهم طويلة، ينشدون لها أناشيد تستعذبها، شعرها أبيض وطويل، تنظر إلى الأمام مبتسمة، ملاك لا يراه أحد). لقد أستطاع الروائي السوري" خالد خليفة" أن يحفر في أعماق ذاكرة الآلام السورية دونما تردد أو خوف، فلطالما كانت رؤية "خليفة " أن الروائي يجب أن يكون قاسيًا، إذ إن وظيفته لا تتضمن التساهل " او التماهل على الأفكار القديمة وإخفاء الحقائق، وإنما العكس تمامًا ، انعكست تلك الرؤيا في الرواية في المكاشفة والتعرية والتي سيطر على أجوائها حالة من اليأس الذي يخلفه الفساد الاجتماعي والإنساني الناتج عن انقلاب حزب البعث وتولي حافظ الأسد الحكم في الستينات، وما نتج عن ذلك من انقسام البلد إلى شطرين منها المؤيد للانقلاب "حكم الأسد" ومنها المعارض، وينتج الفساد والدمار هنا من عدم تقبل المعارضين للحكم، والقضاء عليهم بصور تصورها الرواية في مشاهد بشعة . يمتد الفضاء الزمني للرواية بين عامي 1963 و2005 هذه السنوات هي ما صنعت سوريا التي عاشها الكاتب أو التي عاشها أبناء جيله وهي التي تغيرت فيها أحلام السوريين كثيرا من الرغبة في بناء بلد ديمقراطي معاصر ومنفتح على كل الثقافات المحلية والعالمية إلى بلد مغلق، مقموع ومحكوم بثقافة الحزب الواحد وآيديولوجيته المنافقة، ويستعرض خليفة من خلال الحكايات والأحداث التي يرويها بروايته، تاريخ الديكتاتورية   والعنف للحاكم والسلطة العسكرية منذ عشرات السنين، وما تمارسه من عنف ممنهج، ومصادر الحريات، ليجد القارئ العربي نفسه يعيش في نفس الظروف والقهر العسكري وسيطرة الحاكم على البلد وكأنه يمتلكها، والقضاء على الصوت المعارض لها قبل أن يخرج مستخدمة كل الأساليب والطرق الممكنة لذلك، هذه الأساليب التي تقضي تدريجيا على الإنسانية وقد تدفع مجتمعات كاملة إلى الجنون، أو اليأس والقتل والانتحار، وهو ما أوحت به الرواية للقارئ..!!

الرواية أولا وقبل كل شئ كتابة مشكلة من مجموعة من الجمل،ذات حمولة فكرية وأيديولوجية، وكل ما يصدر عن الأديب من أحداث وشخصيات،يتخذ صفتة الأدبية بواسطة اللغة، ولهذا السبب تعتبر اللغة مكونا أساسيا من مكونات العمل الأدبي عامة والإبداع الروائي خاصة، واللغة بدورها لا تستقيم في الأعمال الروائية دون سرد والمقصود بالسرد،هو لغة الرواية وأسلوبها وطريقة كتابتها، أي الانتقال باللغة عبرمراحلها من الألفاظ إلى التراكيب، ثم التعابير فالدلالات،هذه اللغة هي التي تنقل الأحداث من المحيط الخارجي إلى الصور الفنية والجمالية ومن الجمل ذات الحمولة الفكرية التي حفلت بها رواية " لاسكاكين في مطابخ المدينة " وعلى سبيل المثال...:

- إن القطيع أعظم اختراع لتمرير كل كل الافكار والفلسفات والأديان والفنون الساذجة

لا يمكن الوثوق برجال تفوح من جلودهم رائحة الجرذان   -

-   من العبث تزوير الموت وجعله مرادفا للحياة

- النسيان إعادة كاملة لرسم تفاصيل صغيرة مختبئة في مكان ما، تفاصيل نظنها حقيقية،   لا نصدق إنها وهم من أوهامنا  

- دم الضحايا لا يسمح للطاغية بالموت، إنه باب مُوارب يزداد ضيقاً حتي يخنق القاتل

مصائر مفجعة مؤلمة يختارها الروائي لشخصياته، تعكس عمق الفجيعة التي تحياها، الجدّ يقضي في محطة القطار التي يحلم بتحديثها ويبالغ في تشبّثه بحلمه بها، وهو الذي يحمل وسام التميّز عن عمله السابق فيها، والأب الهارب إلى أميركا مع عشيقته يعكس التنكر والوفاء لأبنائه، وتركه لهم في مهبّ رياح هوجاء عاصفة، فيما الأم غارقة في أحزانها وهموم أولادها الأربعة، والخال نزار بجنونه وموسيقاه و"مثليّته"، كما أن سوسن ترمز بدورها إلى تماهي الضحية مع الجلاد وتقاطع الحلم السلطوي بالعهر واستغلال الجسد، فيما تكون الفتاة البسيطة عار الأسرة من وجهة نظر بعض أفرادها، وخاصة الأم الناقمة عليها وعلى نفسها وتاريخها ومدينتها وزوجها وأبنائها كأن الروائي يشير لى المتلقي ألا يتفاجأ

بما يشاهده من عنف في الواقع السوري، ومن حقد على المدن وتاريخها، لأن ما كان متكتما عليه لم يكن بأقل فظاعة مما يظهر للعلن . أن مصدر قوة هذا ألعمل الروائي تكمن في أنه    

يحافظ على وعي القارئ كاملا أثناء متابعة القراءة، لا يطفئ بصيرته ليخدعه بلحظات استمتاع عابرة يعود بعدها إلى واقعه البائس. وأيضا أنها يحافظ على الوعي كاملا ويزيده وضوحا وألما مع زيادة متعة السرد بالاستمرار في القراءة .

إن المتتبع والمتمعن لرواية " لاسكاكين في مطابخ المدينة "يستنتج بأن هذا العمل الأدبي، لم ينجز بشكل عشوائي ولم تتم صياغته بتلقائية، بل نلاحظ بأنه عمل محكم البناء تم الإعداد له مسبقا،احترمَ المكونات الأساسية للعمل الروائي بما فيها من أحداث وشخصيات وحبكة وفضاء روائي وحوار كما أن السرد في الرواية كان نتيجة توافق بين رؤية الروائي الفنية،وما يتطلبه موضوع الرواية.والرؤية الفنية هي التي تتحكم في سير السرد والنهوض به، ليتحكم في بناء الحبكة واختيار الشخصيات وإدارة الحوار الذي يجري بينها، سواء أكان حوارا داخليا أوحوارا ذا طابع ثنائي يتمدد عبر فضاء الرواية، إنها الطريقة المثلى التي تكيف البنية الفنية مع الرؤية إلى العالم،عبر نقل الواقع وتمثله ثم التعبير عنه أدبا،ورصد العيوب، واقتراح الحلول الممكنة رغبة في رسم صورة ممكنة لواقع يهدف إلى التناغم والانسجام وموضوع السرد في الرواية يحيلنا إلى نموذج آخر اعتمده " خالد خليفة "في هذه الرواية وهو السرد المؤدي إلى السيناريو السينمائي، فنجد الكاتب يتحرك باللغة وينهض بها في اتجاه حركي درامي يشعر به القارئ من خلال أصوات الشخصيات ومن خلال حركاتهم الصامتة والتي تتخلل المقاطع الصوتية عبر بياض الكتابة الروائية. كما أن عملية السرد السينمائي تظهر من خلال توظيف أسلوب تنوع أشكال الخطاب في الرواية الواحدة، فطريقة الكتابة تشعرنا وكأننا أمام مشاهد سينمائية متنوعة يعتمد فيها السيناريست على لقطات مختلفة من الواقع يسلط عليها الضوء لكي لا يشعر المتفرج بالملل (للكاتب تجارب في كتابة السيناريو السينمائي والتلفزيوني) .

تبقى رواية " لاسكاكين في مطابخ المدينة" رواية حداثية تمزج بين تقنيات متعددة في الكتابة دون الخروج عن مقومات الكتابة الروائية فتأخذ من الرواية التقليدية لغة السردالمكتوبة التي تحترم مقومات الكتابة بما فيها الألفاظ المأدية للمعاني، وأنماط التركيب الخاص بالأحرف والكلمات، واستفادت من الرواية الحداثية وخاصة من التحررالنسبي لزمن السرد الروائي الطويل، والاكتفاء بالزمن السردي القصيرالمؤدي إلى المعنى من أقصرالطرق، كما استفادت من الفن السينمائي من خلال حركية الشخصيات والأصوات المؤدية للحوارات، واستغلال اللغة لأداء وظيفة التوليف البصري المنتج للدلالة البصرية والذهنية المخزونة في ذاكرة المتلقي، انها عمل روائي يوثق «العار السوري والعربي» العار الذي جلبه الدكتاتور لأمته وشعبه .

 

الكاتب

علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

 

في مجموعته القصصية (انتهاء المواسم) للأديب فهدعنتر الدوخي الأمل بين الإبتداء والإِنتهاء للمواسم القاهرة

adnan aboandolisالطموح خفقة وثابة ترفرف بين الجوانح تلازمنا مبكرا تود التحليق في فضاءات لايمكن سبر اغوارها الا مخيلة الحلم الطفولي، أوتهبط قهرا في محطاتها الاولية وهكذا استهل القاص (فهد عنتر) في مجموعته القصصيه ( انتهاء المواسم) الصادرة في عام2004 عن دار الجمهورية للطباعة والنشر في محافظة نينوى، ففي قصة (معجزة) والتي حلق فيها الى فضاءات التيه تصارعه أوهام المجهول والقلق والارتباك كونه عاش على الفطرة، فحياته ذات البساطة المؤثرة والتي تتخللتها مرارة داكنة اضفت الى نفسية القاص عتمة اخرى في ديار يلفها الضباب والتي لم يجد ضالته بها إِلا تلك اللوحة المعبرة بمشهد مثير لحياته، أن فسحة الأمل تضيق وتتسع بمنحى بياني لترى الاشياء الجميلة بمنتهى القبح والرياض الغناء سوادا في وطأة لومة النفس على فقد والدته في رحلة التعاسة هذه، والآخر الذي ترك والدته تعيش في أحزان قاتلة إذ اشترك البطلان في تأنيب الضمير وألم البعد، وفي (مطر ومومياء) إِبتداء بيوم الخميس وهو نهاية الاسبوع، يوم شتائي ممطر الذي سقى الروح العطشى بداخله بفعل التصحر والجفاف والجدب الذي تكدس في اعماقه منذ الطفولة ولهذا يجنح نحو عوالم بعيدة عن الاجواء كضباب ( لندن) ومسائها الشجي البارد واجواء الجامعة، كانت ملاذاته التي يرنو اليها وهو طفل يحث الخطى في دروب القرى المتربه تمنى (أن يكون بحارا ليغوص في اعماق سحيقة أو راهبا يتوضأ في نور الشمس) إِلا أنه حالما يستفيق يجد نفسه دافقا (للركض وراء مسارب الزملاء بحثا عن ظل آخر) وحتى الخدر والعبث له جانب في حياة القاص المتأرجحة بين طرفي المدينة وخشونة الريف جعلته يتوغل في مجاهل الزمن بحثا عن بطولات من صنع الخيال ،والتي طالما سمعها مبكرا لهذا زج في قصته جوا غريبا عن تلك البيئة الهانئة المطمئنة والتي اصطدم بجو (روزا) المشحون بالتصنع والانكارلأية فكرة لاتلائم واقعها البرجوازي المتطاول على مثابات الماضي والذي يعج به مجتمع فلاحي مخضرم (وعندما تصفح ضعف جنونه قفز الزمن على ظهر أمنية لم تتحقق فأرادها نكرة عقيمة غارقة في أتون المستحيل)رأى العودة اليها سبيلا هي نهاية أمطار المومياء والتي ظهرت حقائق مصطنعة لوجوه كالحة كبراري ارضه التي لم تبكها السماء هذه السنة، وفي ثريا المجموعه (إِنتهاء المواسم) الحرفة الرئيسة في المحور صرخة واستغاثة لوجه الكرة الذي عشعش في مخزن (فرج الشامي) ،واستحال الى حريق أضاع أمل وأنهى موسم قبل اوانه، ويلاحظ من السرد للقاص ان عنصر الزمن يرتكز على محورين اساسيين هما الابتداء والانتهاء في تقاويم القاص الدقيقه كقوله (غير أن البعض يقول دائما لازال الموسم في أوله)(وأن المذياع في داخله رجل صغير جدا لايمكن رؤيته يعلن عن الوقت) (وتنطلق خطواتنا متوثبة بأتجاه المدرسة ونحن صغارا وكبارا نغط في نومنا الدافئ الخاوي) ثمة فارق في عقول أهل القرية ريثما ينتهي فيضان نهر دجلة وعند نهاية شهر نيسان غالبا مايتلاشى غضبه، وهكذا ضاعت أمال الشامي وغيره في سوق المدينة المعلقة بأذيال الأمل لحين انتهاء المواسم كلها، ابتدأها من جديد وقصة (إِنحدار) ابتدأها في (محاولة أخيرة مجازفة أعتبرها من نوع خاص وأخفى كثيرا مما عزم ان يبوح به أول الأمر سيما ،انه قد صحى من غيبوبة مكثت في رأسه سنينا) يقول في نص اخر متطرقا الى الأبتداء والنشأة الأولى (عمد الى بث مغامراته بروحه المراهقة المتصابية) و(اغلقت صنبور الدمع المتوقد من وجنتيه حين داهمها البعد عند أول أيام وصوله تلك المدن) وفقدت كل شئ حتى وصلت حافة الأنهيار أذ جعلتني أترنح على شفا حفرة من اليأس والاحباط هذه همسات بداية ونهاية في قصته (انحدار) وفي(رؤى) إستهل القاص القمر عنوانه الأبدي قاهرا العتمة التي تتخللها من بدايته الأولى وعشقه عنوة السنوات المجدبة التي احالت حياته الى صحراء جرداء قاحلة ممحلة جدباء، هذه المفردات الفجة الكالحة أستنفر منها البته واستنجد بالقمر والضياء والتحليق والملاذ بالمرافئ القصية حتى ابصرته ذات يوم يرمق الأفق بنظرة أخيرة من على شرفة عالية كي يمنح رؤياه في رؤى كاهن مستبصر يروم أرتقاء المحال في مخيلة شبابية، لهذا قد رأينا القاص يتوق الى الرومانسية بشكل أخاذ بين شوقه المتعق وروحه التواقة للعناق يبشرها بلحظة فارهة ،حتى البشارة هي ابتداء للفرح إِذ ابتدأ بالاستيقاظ منذ المداهمة وهي حالة اولية للبدأ بعد النوم تدخله الى عوالم من الأحلام والرؤى عندها يردد اغنية عشق أشورية لأمتثال قلعة أشور(الشرقاط) شاخصة للعيان يستمد الناظر اليها نكهة الماضي المعبئ بحضارة راسخة في الأذهان،لقد استوقفني القاص بعبارة (الحب المعلب) جملة غريبة ومفردة مستورة لم يتطرق اليها أحد من قبل ربما سابقة ابتكرها القاص كما تريد المعشوقة المميزة وطبقا لأوامر ذلك الخافق وكما تهوى وهو طوع ارادتها حتى ترنح لدائرة الأستسلام المنكسرة وهي نهاية الحب الذي أضحى مجرد حالة من العبث والدوار (اوراق تحت الرماد) إِبتدأت بأسم عفاف تلك الفتاة الباكر وراهبة نهاية الدنيا ،أي بداية ونهاية في جملة واحدة مبتدأ وخبر، ومن ثم دعوه للخلاص والوداع حتى وقعت حزينة كعادتها تدعو بالعودة غدا صباحا والموسبقى شارفت على الانحسار على مرفأ بيروت الهاربة من جحيم الحرب بدون حفاوة كما في (حداد أميرة) إّذ ان الشمس تلم أشعتها برغبة طفولية للرحيل في نهاية يوم متعب، وعلى مايبدو بأن نفس الكاتب تعبق منه روائح أشورية لأرتكازهاعلى موروث اصيل يكحل الناظر اينما توجه، وقد ذكر(نحن الأثنان جرعنا كأس العشق حتى الثمالة، ان حلمه الكبير بدأ يتلاشى، وشعرت بأنني فقدت كل شئ سوى حبك والدموع التي تعصف في قلبي الذي يناشدك الحداد الابدي على ماض تماثل للموت). وفي قصة (قلب خارج اللعبة) إِستهل بعبارة انحدار نحو الهاوية او السقوط لافرق. أن مرحلة الشباب والانوثة شارفت على الأنتهاء ولابد من حزم حقائب السفر لمواصلة رحلتها الشاقة مع الكتاب الذي تعتبره مرجعها الروحي سيما وانها تعيش حالة الظمأ للتآلف الذي يريح وحدتها أذ التجأت الى صاحب المكتبة لعلها تستلهم أفكاره من امهات الكتب التي ترزح أمامه، ضالتها الوحيدة لعصر أخذت به عجلة الزمن تمضي بخطى متأرجحة اتجاهها هذا الصراع النفسي من شدة، قد شدها لماض عابر وأمل قادم وفي ذروة التخيل المكثف اوصلها الى أنهيار عصبي كان قد لازمها منذ بلوغها والتي كانت تتمنى لها نهاية سعيدة في رحلتها الشاقة، لكن ما أن بانت الحقيقة وأختفت معالم الأمل في المكتبة التي كانت تتوق برؤيتها مرة أخرى ،عاد الصرع والصداع يلف رأسها المثقل فكان قلبها خارج المكتبة وخارج اللعبة التي تخيلتها وهي في اقصى درجات الوعي إِذ احست أنذاك بعنوستها وانتهاء موسم اخصابها كالأرض التي بخلت السماء يوما على سقيها هذه استحالة الانتهاء والابتداء معا..

 

حكاية من بغداد للروائية .. أثيل ستيفانادرور

nabil alrobaeiالروائية أثيل ستيفانادرور عالمة آثار بريطانية أختصت بالدراسات المندائية واليزيدية، وهي إبنة رجل دين مسيحي، كتبت أثيل مجموعة من الروايات الرومانسية، فقد صدرت الرواية عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر ترجمة الباحث زهير القيسي أحمد، الرواية تحتوي على 363 صفحة من القطع المتوسط وتحتوي على 34 فصلا ، تحكي عن واقع العاصمه بغداد وهموم الارمن فى عهد الوالي العثماني محمد باشا، الرواية تبين زياره لأحد البريطانيين المدعو ديفيد لعمه البريطاني الثري آلذي يعمل فى العاصمه بغداد و آلذي رحل عن الحياة قبل لقاءه، فيصف حال العاصمه بغداد وطرق التنقل بين البصرة وبغداد عن طريق نهر دجلة بالمراكب التجارية الانكليزية، فى تلك الفترة كان الاضطهاد المستمر من لدن الدولة العثمانية للأرمن وخوف هؤلاء فى بغداد من انتهاك الجيش العثماني لأبنائهم و هتك أعراض النساء من وسرقة دورهم وأموالهم، الروائية تصف محلات بغداد وأزقتها من (عكد النصارى) وكيفية تنظيف المدينة بوسائل بدائية من نقل القمامة المكدسة فى أزقتها ص 19 "هناك في الانتظار أن يأمر مسؤول في البلدية زبالا ليحملها بعيدا على حماره الذي لا تتسع له الأزقة إلا بالكاد، أما ما تبقى من القمامة فتتكفل الكلاب السائبه بها ".

تذكر الروائية اثيل واقع حال النسوة المسيحيات فى بغداد ففي ص 20 تصفهن "فأزارهن الحريرية مطرزة بخيوط الذهب تطريز يد والفضة، وتغطيهن من رؤوسهن إلى أقدامهن، حتى لا تكاد تتبدى معالم أجسادهن سوى بعض العجائز اللواتي أنكشفت وجوهن .... فمن السهل جدا تمييز المسلم عن المسيحي وعن اليهودي رجالا ونساء بثيابهم ويمكنك أيضا تمييز الكردي والفارسي عن سواهما، وزد على ذلك فيما يمكنك تمييز التركي الطوراني الشاب عن العثماني من الحزب القديم عن طريق ملاحظة وضع طرابيشهم على رؤوسهم ... وهو مائل على الجبهة أو مائل إلى الخلف! ".

الرواية تصف مرحلة مهمه من تاريخ وبغداد والعلاقات الإجتماعية بين أبنائها ذات الديانات والمذاهب المتعددة، كما تصف واقع حال العلاقات بين أبناء بغداد عند رحيل آحد أبنائها عن الحياة مهما كانت ديانته ففي ص 22 تبين الروائية حالة الحزن والبكاء عند النسوة وهي تخاطب إبن حماها ديفيد "فثمة بعض النسوة البائسات القادمات كان عمك رحيما بهن وها قد جئن إلى هنا لينحبن وينتحبن، أليس ذلك وحشية ... خذ مثلا هؤلاء النواحات ... إن عمتك تتحملهن لأن عمك رقيقا بهن، أما لدى أهل بغداد (البغادة) فهن مألوفات ويسموهن (العدادات) وهن محترفات لطم الصدور والنواح وتعداد مناقب الميت وفضائله ... ".

تصف الرواية أحياء بغداد وسكنتها من الأثرياء ومنها ص 30 "وفي الكرادة يسكن الأتراك واليهود والمسيحيين لهم حضورهم الصيفية" ذلك هو حال طبقات بغداد الإجتماعية وحالات أبناء الأحياء الفقيرة مثل عكد النصارى والبتاوين وبين أحيائها الأخرى، كما تصف الرواية محلات بغداد وحوانيتها بما فيها من انواع الفاكهة والحبوب والبقوليات، لكن بغداد عند الغروب تصفها الروائية أثيل هي الأجمل ص 33 "في ألوان الغروب كأنها مدينة مصورة في كتاب حكايات خرافية بنباتها ومسطحاتها المواجهة للسماوات المعتمة في حين تتألف البيوت البنية الممتدة على الشط كأنها من معدن مصهور".

لأبناء بغداد عادات وأعراف الشرق، فقد تأثروا بقوانين أبناء الصحراء ص 20 "بحيث يقتل المرء أخته أذا أخطأت وهو الآخذ بالثأر بموجب قانون الصحراء وقد يكون الفاعل كارها كذلك، ولكن يتوجب عليه أن يفعله" فكانت حالات غسل العار تحدث في هذه المدينة بسبب تملك أبنائها صفات الثأر للسمعة والمكانة الاجتماعية.

هنالك طقوس تمارسها نساء بغداد منها شموع خضر الياس حاملات تمنياتهن بأمل يسعفهن الحظ فيصلها النهر إلى أهدافها ... لكن من ضمن العادات ومضت هذه الجميلة هنالك عادات و ذمية قد أستمرت ولحد الأن وهي إنتشار الرشوة فى المؤسسات الحكومية فى العهد العثماني ، تذكر الرواية ص 50 "إن القانون بيد الأتراك ... إنها مسألة الرشوة تخص المحامين والقضاة والوالي نفسه "لكن ديفيد القادم من انكلترا لمدينة بغداد يصف من يأخذ الرشوة في انكلترا ص 62" ، if قبل قاضي انكليزي رشوة فسينبذ ويحتقر القمة الأبد "فهو سلوك غير طبيعي لمن يحمل المبادئ والمكانة الاجتماعية"، لكن الرشا عندما تصل إلى القضاء فلنقرأ على البلاد السلام.

عبر مراحل التاريخ وفى مدينة السلام بغداد كانت اغلب الحكومات لا يستقر لها راي واستقرارها، if لم تضع عين العسس للتجسس علي معارضيها، فكان للوالي العثماني المقيم في بغداد عيون على أبنائها ص 66 "لكن عصبة الإتحاد والترقي تبث جواسيسها كما كان الأمر فى الماضي وهم أذكى من أسلافهم "فكان أبناء بغداد يحنون للحرية والعدالة والمساواة والاستقلال، فكانوا يتذكرون حكومات أيام عبد الحميد وهي الأسوء لكنها خير من الطغيان والطغاة.

تذكر الرواية واقع التنقل بين جانبي الرصافة والكرخ، كانت التنقلات لأهالي بغداد عبر جسر منصوب علي زوارق ومصنوعة من الاخشاب والبعض يتنقل عبر اسطة البلم ص 76 "البلم المستدق الطرفين واسع البطن لة مجذافان مصبوغ باللون الأبيض مصنوع من الاخشاب وفيه بعض المقاعد المكسوة بالقماش وتظله قطعة من القماش تحميه من الشمس "، كانت البيوتات البغدادية ذات الشرفات تطل علي نهر دجلة بين البساتين الوارفة الملأى بالنخيل، ثم تصف الرواية وصول الصحف الأجنبية إلى بغداد ومنها ص 80 "الصحيفة العربية الاعتيادية (طنين) لسان عصبة الاتحاد والترقي وبعض الصحف التركية الأخرى".

كان أبناء وعوائل الطائفة اليهودية يعيشون في بغداد بأمان وسلام، يعتبر اليوم المهم والمقدس لهم هو يوم السبت ص 96 "كانوا يتنزهون قرب الشاطئ وأغلبهم من اليهود البغداديين الذين كانوا يتنزهوا علي نحو هذآ مساء كل سبت دون ميسور يهتموا بحماية رؤوسهم من الشمس ... غير إن الشباب اليهود كانوا يلبسون الجاكيت والبنطلون الأوربيين دون ميسور يستطيعوا التوفيق بينهما، كان ثمة الكثير من النسوة اليهوديات تجمعن مع بعضهن فى مجموعات يتنشقن هواء الأصيل الندي، ولكن فى غالبيتهم بدينات ويرتدين ثيابا بيضاء وخضراء وصفراء وزرقاء من الحرير مطرزة بالفضة ... خير مثل للقومية الحية موجودة اليوم ... لقد حافظ اليهود على تقاليدهم ودينهم وإن عاشوا في ظل حكومات أجنبية، إنهم لو عادوا القمة فلسطين وحققوا استقلالهم لن يكونوا البرنامج المفضل أكثر من شعب كما هو حالهم اليوم ".

تصف الرواية حال واقع البيوتات البغدادية من (البادكير) وهي فوهة المدخنة التي يتسرب منها الهواء القمة السرداب وكذلك الجدران العاليه ذات النوافذ الصغيرة فيتقسم البيت القمة قسمين كبيرين ص 201 "أحدهما للنساء (حرم) والثاني للرجال (ديوخانة)"، كما تصف الرواية واقع المذابح للأرمن في ظل الحكم العثماني وخوف عوائل (عكد النصارى) في بغداد من أن تطالهم أيدي المعادين لهم ص 208 "ظل عكد النصارى أياما راضخا تحت وطأة الخوف من المذبحة، وإذ لم يحدث شيء، التقط العكد أنفاسه وعادت الحياة تدريجيا إليه كالمعتاد، في حين ظلت الأحاديث متواصلة بقصص الفظائع الرهيبة ".

لنهر دجلة دور كبير في تهديد أبناء بغداد من الفيضان فكانت السدة الترابية التي أقامها البغداديون لحماية مدينتهم في فيضان الربيع، ولقد كانت السدة واطئه خربها الفيضان عدة مرات وكسرها وأغرق المدينة ص 230 "هنالك أسطورة تروى عن دجلة عندما فاض وتدفق مياهه، ولكن حية عجيبة حالت بجسدها بين المياه وبين المدينة فتحول تيارها إلى ناحية أخرى، أما الحية فقد ظلت فى مكانها متحجرة وصار الناس يشعلون المصابيح لها ويقبلونها ".

بعد دخول التكنلوجيا إلى بغداد من معامل النسيج ووسائط النقل النهري والبري فكانت من عجائب أهل بغداد يتحدثون عنص 258 "إحدى عجائب بغداد، تلك السيارة التي وصلت القمة الوالي (محمد باشا) .. إنها أول سيارة تراها بغداد فيا لها من أعجوبة " فقد وصف الراحل علي الوردي في المسير والبعض ينظر تحت السيارة ليرى قوائم تلك الخيول. مع ما كتبت الروائية أثيل عن مدينة بغداد في ظل الحكم العثماني، فهي تصف الوصف الدقيق لحياة أهل بغداد ابان الحقبة الماضية وسيطرة الدولة علي المجالات السياسية والاقتصادية ، لكن تبقى بغداد مركزا للدولة تتطلع إلى الحرية والديمقراطية والنظام المدني العلماني ضمانا لحقوق الأقليات وحرياتهم للتقدم والازدهار، فمتى تعود بغداد لعهدها الذهبي.

 

الشعر وفضاءاته الرومانسية في ديوان طائر الشمس للشاعرة خلود البدري

zaydan hmodخلود البدري شاعرة عراقية من ذي قار كتبت قصيدة النثر منذ عام 2001ونشرت قصائدها في الصحف المحلية ومنذ العام 2003 وهي تنشر على مواقع الانترنيت الثقافية إضافة إلى الصحف المحلية وهي متواصلة على الموقع الاجتماعي فيس بوك باستمرار .

استثمرت خلود البدري المواضيع الإنسانية المرهفة وما يمر به العراق من حروب واحتلال وإرهاب متعمد لتجعل من القصيدة وجع إنساني مليء بالمرارة والأسى والاشتياق إلى حياة هانئة يسودها السلم والسلام في عراق جديد خال من الهموم والأوجاع .

في ديوانها الشعري الأول (طائر الشمس) الصادر عن دار مديات الثقافية عام 2013 سبع وثمانين قصيدة هي أشبه بقصيدة الومضة ذات دلالات معبرة صادقة استلهمت فيها الشاعرة مواضيع متعددة تحمل ذات الهم وذات الأحاسيس حتى أصبح الديوان بأجمعه قصيدة واحدة طويلة تستقري بواطن المحنة وتسترق السمع بأذن موسيقية مرهفة إلى سيمفونية الألم المدمر الذي ينزفه الشعب العراقي دما وتعزفه أوركسترا مرعبة أدواتها المفخخات والقنص والاغتيالات بالكاتم ناهيك عن الاحتراب الطائفي والعرقي بين أخوة تعايشوا بسلام على أرض الحضارات ومهبط الأنبياء والرسل على مدى قرون عديدة من الألفة والمحبة .

في قصيدتها الأولى (وشاح) تتشح الشاعرة بالصمت الذي هو عنوان للقلق والاكتئاب واليأس ولكن روحها تبقى تواقة لما هو جميل ونقي .

(وشاح)

ألتحف ..

بوشاح الصمت ..

الأطياف..

تغتالني

أنأى .. بأصابعي

عن الورق

تهجر ..

الألوان لوحاتي

يستفزني

فتات المسك

تصحو

روحي ..

أما في قصيدتها (طريق) أمل مسدود ومصير لا نعرف إلا ماذا يسير بنا

(طريق)

عباءة الصبر ..

تلبسنا

دقات الساعة

تستفز أعمارنا

والطريق ..

أفق مسدود

يلفه !؟

 

علامتي تعجب واستفهام تنهي يهما الشاعرة قصيدتها .. حيث الطريق الذي أصبح موصدا يلفه الغموض .

وفي قصيدتها (لون) تنساب الكلمات عندها كما الأغنيات تمجد الألوان التي توعد الحياة بأمل مرتجى .

 

(لون)

أخبؤها ..

تتشابك أصابعي

على صدري

لتبدأ السماء عزفها

يتحول الأسود زهرة بنفسج

ويتلألأ الفضي ..

ومن بين أصابعي رغما عني

ينساب الذهبي .

 

الإحساس باللون عند خلود البدري في هذه القصيدة هو النقاء والصفاء والسمو .. الأسود أصبح زهرة بنفسج فواحة بعطر يجمل النفوس أما الفضي والذهبي هما عنوانان من عناوين الرفعة والسمو وهذا ما أرادته خلود لزمن يعيشه العراقي بكيفية عليا من التحضر والارتقاء.

وتختزل خلود الحياة في قصيدتها (القبعة) بموت تحت حجج واهية فهي تقول في هذه القصيدة .

أيها

الساحر الطيب

تموت ..

الحمامة البيضاء

تحت قبعتك

في عيد الميلاد

تلك هي القصيدة وهذا هو الاختزال المفجع لموت مروع يصنعه السحرة .

 

أما في قصيدة (عزف) فأن كلماتها تتماهى في الكلمات عندما حولت وظيفة أدوات الحياة المعتادة إلى وظائف تختلف تماما عما هو متعارف عليه لتحلق بأجواء قصيدتها إلى عوالم النفس البشرية التواقة إلى ما يسمو بها بعيدا عن كونها أرقام معلبة كما السردين في سجلات اختمرت فيها أعمارنا ولم تختمر هي في أي وقت كان . ..

قصيدة (عزف)

عزف القلم

كمزمار ..

على الورق

حلق

كنورس

على الصاري ..

 

أيتها السعادة

عندما تبكي الرمال ..

هل تبكي معها الصخور ؟

جف الرازقي

كأرقام عمر..

على الورق ...

 

هكذا هي أعمارنا تجف ببرود ولا يبقى منها سوى مدونات يحفظها التاريخ في متوالية عددية اسمها الملوك والساسة والحكام أما من تلوكهم الحياة بين فكيها فهم مجرد أرقام من ورود ألرازقي تجف على الورق ..توصيف رائع مقتضب يتدفق شاعرية وألم .

حاولت الشاعرة خلود في قصيدتها (بقايا ممتلكات) اقتناص اللحظات العصيبة مما يتبقى من أعمار مغدورة بسبب الإرهاب الذي لا يترك سوى اللوعة والألم ، فما الذي خلفته لنا قصيدة بقايا ممتلكات في أرث الإرهاب المستمر .. نقرأ القصيدة ونكتشف .

 

(بقايا ممتلكات)

صوت من التلفاز

ردد بارتباك

هنالك .. انفجار

كرر الصوت

قتل العشرات ...

دم سال في الطرقات

بقايا لحم

و....

بقايا دم

و....

بقايا ممتلكات

* * *

قطعة قماش متهرئة

قطعة حديد محترقة

قدم

و...

ساق

و...

بقايا لحم

و...

بقايا دم

و... بقايا ممتلكات

* * *

نخلة شامخة

سعفها الأخضر المتشابك

طل على الساحة

ارتسمت ملامحها على بركة من ماء ودماء

بقايا أحذية

بقايا أبنية

بقايا ممتلكات

قدم

و...

ساق

و...

نحلم بزمن آت

من الحب والحريات

 

هكذا يتدفق صوت الشعر الحالم بزمن الحب والحريات في نسقها الشعري الممتد عبر قصائدها السبع والثمانون في هذا الديوان الذي تنهيه بقصيدتها (ولادة) وكأنها تقول لنا كل شيء زائل يولد من جديد .

أختتم دراستي هذه عن ديوان طائر الشمس بقصيدة (ولادة) للشاعرة خلود البدري مع أمنياتي لها بالعطاء المتواصل .

 

(ولادة)

نبدأها من الولادة ..

أو من الممات ..

سيان ..

هي الحياة ...

الولادة حياة

الموت حياة!

وما بين الاثنين خيط !

تلد ...

تمد كفنا

حيث الأرض

تضرب الصخر

تشقها

نجوما ..

سنابلا ..

طيورا .. حقولا ..

موتك

طاحونات للهواء

تبني منه

جسورا ..

بيوتا

تشق الأرض بالكلمة

بالمعول

تتوحد مع الآخر

تنجب لحياتك حياة

تقاتل

تتأمل

تكتمل اللوحة

تتدلى نجومها

تهرم

تكتسي بالأبيض

تمد كفنا

فتحيا من جديد

سيرة ال .. هذا .. المنهج النقدي التحليلي النفسي في قصص مشتاق عبد الهادي

ليس بالغريب في أن يكون المبدع حالة تثير الاهتمام على نحو خاص لدى المتخصص في علم النفس الذي يستعمل المنهج النقدي التحليلي النفسي، وما من شك في أن حياة هؤلاء الشعراء والروائيون والقصاصون لا يمكن لها إلا أن تكون حافلة بالصراعات كباقي الأفراد ، إلا أن ما يميزهم هو إستثمار المكبوت اللاشعوري وإعادة صياغته كأكليل من أوراد مقطوعة.

يقول الدكتور (علي الوردي) " إن المبدع لا يأتي بشيء جديد، إنما هو يربط ويؤلف بين أشياء قديمة ، ومعنى هذا أن كل فكرة جديدة تقوم في أساسها على افكار سابقة لها، وهي إذن لا تنزل على صاحبها من السماء إنما هي ترتقي إليه من الأرض التي يعيش عليها".

إذن .. لابد من العودة إلى علم النفس وإخضاع الظاهرة الأدبية (المبدع ونصه) إلى التنظير ..ولكن هذه المرة ستكون البداية من كتاب (العودة إلى فرويد)  لجاك لاكان صاحب كتاب (كتابات) الذي أضاف إلى إنجازات فرويد رأيا مفاده " أن اللاشعور هو بنية لغوية... وان اللغة هي مرآة اللاشعور".

هنا .. قد ننظر إلى العلاقة بين اللغة واللاوعي من وجهتين:

الاولى.. أن تكون التوترات والصراعات النفسية قد اسهمت في تكوين بنية اللغة الإنسانية في المقام الاول.

الثانية.. اللغة ، هي واسطة التحليل النفسي الوحيدة، فعندما يتحدث المريض عن أحلامه واوهامه ومكنوناته ويقاطعه المحلل لوضع تصوراته وإستفهاماته ، فإن اللاوعي لا يتبدى إلا في شكل واسطته اللغوية.

 وفي إستنتاج بسيط يتضح ان المبدع لابد أن يلقي ما بجعبته اللاشعورية من خبرات ومشاعر وإنفعالات تترجمها اللغة المشكلة لبنية اللاشعور، ولكن قد يتفاوت حظور اللاشعور كمادة نصية او إبداعية من نص الى آخر ، وهنا يترك المبدع للناقد فسحة من التفكيك على أساس سيكولوجي، ففي قصة قيل ان للجنرال إيضا حصانى في مجموعة (سيرة ال...هذا) لمشتاق عبد الهادي،  يلمس القاريء ضبابية إبداعية بحاجة إلى فك طلسم أدبي إشتغله الكاتب بترميز وتكثيف عاليين، وكأنه سيناريو حلم يبلور مكنونات لاشعورية ، في حين ان الكاتب في نص آخر وهو (لاأعرف) كان يكتب في قمة الوعي .. إذ لم يترك للاوعي أي فرصة بدليل أنه كان يحاور كشخصية سردية زوجته التي إحتال عليها في نهاية المطاف بانه لا يعرف سوى انه يحبها ... ! 

وبذلك يبقى النص ومنتجه يتأرجحان بين المكنون اللاشعوري ... والموجود المادي الشعوري وهي عملية نقل القاريء من منطقة إلى اخرى ... وهي بحد ذاتها حالة تنفيس نفسي للضغوط والصراعات التي قد يسقطها القاريء أو يفرغها إنفعاليا في النص المقروء، في الوقت نفسه يبدو أن الكاتب مشحون بإنفعال متناقض أسقطه لا شعوريا على نصوصه .. فمرة يكتب عن المجتمع .. ومرة يكتب عن الجنس والأثم ... والوفاء والتقصير بالعواطف تجاه الأسرة .. وغصة بكاء .. تعصف بصدر رجل يخشى أن يبكي كي لا يقال عنه ضعيف.. كل ذلك أوصلته اللغة كبنية لاشعورية بين القاص مشتاق عبد الهادي والقاريء والناقد.

 

جليل القيسي حوار متوهج في سرديات اللاوعي .. قصة بلازما الخيال مثالا

adnan aboandolisلأي إنسان ما في حياته، حالة من مراجعة الذات، والاختلاء مع النفس نتيجة للضغوط والصراعات الحادة، واللتان تحتمان على المرء أن يفضي إلى جلسة فكرية هانئة، هذا الاختلاء عده علماء النفس مراجعة الذات ساعة من النور، لا تعوض لأنها خارج حدود التوقيت الزمني تأتي دائما بغتة نتيجة الم أو فرح، تنير فيها المعرفة وتكشف سبل العتمة أنها لحظة انتشاء لا توصف، ربما ترتبط بوعي اللامعقول من حدس لحظوي طارئ، تأمل، استبصار، أشعاع عقلي، تنبؤ، إشراق، هذه لحظة اختراق العقل للزمن.

من هذا المنظور الاستدلالي يمكننا أن نعبر إلى حدود مملكة الانعكاسات الضوئية للقاص جليل القيسي، ونستعرض منها قصتة- توهج بلازما الخيال- لما لها من حوارات غرائبية لا زمنية وخوارق لا شعورية عبر رؤية اللاوعي ولمقابلة من يحبهم

هذا الاستبصار ناجم عن قوة التنجيم الروحي للقاص وفق ارتداد الزمن إلى الوراء وخلق مكانه زمنا أخر ..يلاحظ هذا الاختراق نتيجة تلاقح حضاري بإشعاع فكري متوهج، عبر كوة تسرب إليها انعكاسات ضوئية شحنت العقل بطاقة إشعاعية مطلقة أزاحت الستار عن كوامن النفس لما يمتلكه القاص من قدرة بديعة في تخيله لعالمي الأساطير والتراث عبر الرؤيا المعبرة بالمعرفة الثرة .

إن التوهج ناجم من ارتداد نحو الماضي نتيجة للضغوط المأزومة والتي دفعته التصريح بالخيال،بأن كل شيء أصبح يتلاشى إلا الروح، بهذا صاغ المشهد الأسطوري برؤيتة وفق حوارات متداخلة من سرديات اللاوعي والتي استهل بها القاص بالتنويه الحذر قائلا" : (أن الذي يملك خيالا" خاملا" لا يستطيع أن يرى حتى الواقع العادي، اشك في أن يستطيع متابعة قصتي هذه : أما القارئ الذي يستطيع خياله الحار أن يحلل أكثر الأشياء امتناعا" وهروبا"، وتفلتا" من التحليل فيستطيع متابعتي بسهولة ......)

أن القصة (توهج بلازما الخيال) بنيت على دعامة أساسها هندسة معمارية للخيال، لذا نرى أن كاتبها يركز على شحنة الفكر قبل التفوه بأي تصريح في سرده كمن يسلك دربا" معتما" دون دليل أو شعلة وهذا هو مفتاح القصة وكما ورد في النص السابق ونذكر مفردات الخيال وكالأتي :

خيال خامل ← بارد_ بطئ _ جامد _ عادي

خيال متوهج ← حار _ سريع _ متحرك

أن الحرارة تحرك الجسم ديناميكيا" لذا نرى أن الحمى الشديدة تنشط الخيال وتؤججه بطاقة عالية، لهذا نلاحظ أن الذي تصيبه حمى شديدة تكون من مضاعفاتها الهلوسة والهذيان ومشاهدة أشخاص غادروا الحياة منذ أمد بعيد-وكأنها حالة الإحتظار- حيث يقول القاص في مقطع من قصته (و أصيب بحالة من الحمى الشديدة، وأرى سموات متألقة .. أي نوع من المكاشفة بالاستبصار العقلي هذا الذي يراه ... ولا يراه غيره، وأية قدرة قوية على الرؤية بتخطي زمكاني .

وله في مقطع آخر (هذا المساء كنت أعاني من حمى شديدة، وبغية أن اخفف من حماي قرأت عددا"من قصص (ألن بو)، ثم لا اراديا" تذكرت (دستوفسكي) بحب حار ثم يعاود إلى توهجه ثانية بإشعاع عقلي وقلبي (حمى شديدة + حب حار) طاقتا الشحن التي تستند عليها قصة (توهج بلازما الخيال) ومن الماوراء والتخاطر والفتنازيا ووسائل الاتصال الأخرى ما بين الكائنات الحية وحتى الأموات وما يطلق عليه ب (الساي) أو ربما تحضير الأرواح . طرق عليه الباب وإذا به يواجه الضيف (دستوفسكي) جسما" واسما" ورسما" متجسدا" متجسما" بكل كيانه يحاوره بحرارة قائلا" : (كنت تفكر في بحب شديد، اعرف، اعرف _ انك تحبني كثيرا"، وها انذا اتيتك بنفسي / احتراما" لمشاعرك الحارة لي) هذا المقطع متناص مع رسالة (ابن القارح) إلى الفيلسوف (أبو العلاء) حيث أنها مكتوبة على ورق تقرأ بالعين (مرئية) ومقطع القاص على لسان الكاتب الروسي تسمع فقط مقطعان لا يخلوان من الفلسفة تناص بالشخصيات الأولى بعيدة المسافة والثانية قريبة بالزمن (ارتداد) وجميعهم أدباء عصرهم.

أن الحوار الأول يتضمن ظاهرة التخاطر (أمنية اللقاء) لذا أعلن الضيف بوحه المعلن فبل أن يفشيه السر من قبل محاوره المضيف، ومن نص آخر بنفس الحس (قبل أن اكتب، تحدث لي حالة ما، الإدراك الحسي ونوع من الإشعاع الحار) .

ومنها (نهض وخلع معطفه، حرك جسده النحيل، وبلسانه بلل شفتيه وأطلق آهة حارة).

وله (ابتسمت له بحرارة، ولأنني منذ أن عرفته أحببته بعقلي وروحي وحواسي وطوقته بحرارة)

و ختم قصته المتوهجة بـ (عانقني بحرارة، وقبلني، وقال بصوت فرح: المجد لمملكة البشر أيها الصديق جليل القيسي شكرا" لضيافتك) وخرج بهدوء، وغاب في ظلام الليل ...

إن للقاص إشعاعات فكرية كامنة في اللاشعور، وله مكتنزات عقلية ناضجة، أي إ‘ن الثقل المعرفي قد صقله وظهر إنه متزنٌ في رقته وشفافيته وحتى في طقوس التحية والترحيب، استفاد منها في انعكاس شخصيته المتزنة ووهج أفكاره الملائمة بتلاقح الحضارات حيث إن النص عنده وكما يقول الناقد جاسم عاصي (يمتلك وحدة الموضوع، فالنسيج المختلف أرسالاته ومنابعه ومبرراته، يصب في مصب واحد ينضج من خلاله حدث القصة، حيث إن التوهج ينحو هذا المنحنى فالحوارات تمثلت بين محاورين فقط هما الراوي -القيسي- والمروي عنه- دستوفسكي-. عبر مشاهدات بانورامية تجاذبت الخواطر فيما بينهما، إن أكثر الأدباء الكبار ابتكروا لهم عالماً خاصاً بهم وحاولوا تفسيره أسطوريا" يمسكون هم بمفاتيحه (إسقاطات اللاوعي) مما حدا بهم الوصول الى ذروة المشاهدة اللامرئية بالنشوة القصوى .

 

بين شاعرين: ابن مَعْصوم والحَبُّوبي (1)

khalidjawad shbaylالمقارنة بين الشعراء هي في جوهرها مقارنة بين أشعارهم، وتمتد جذورها الى ما اصطُلِح عليه بالشعر الجاهلي، وهو بتعبير أدق شعر ما قبل الإسلام، ويقدر مؤرخو الأدب بأنه يمتد نحو مائة سنة قبل بزوغ الدعوة المحمدية... يوم كانت أسواق العرب وأشهرها طراً سوق عكاظ في مكة ملتقى العرب يؤمونها من كل فج عميق سنويا من نواحي الجزيرة العربية، وحتى من الحيرة للطواف في الكعبة و للتسوق وللإستماع للخُطب والأشعار، وهي موئل للتصالح والتعاهد والتحالف بين القبائل العربية. وحيث كان الحكماء يبتون في الخصومات بين القبائل كان هناك من أصحاب الدراية والخبرة يحكمون بين الشعراء ويفاضلون بينهم ولا بد أن يكون هؤلاء المحكمون من الشعراء بل من المبرزين منهم، فقد ورد في مصادر الشعر التاريخية " أن النابغة الذبياني كانت تُضرب له قبة حمراء من جلد فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها ليفصل القول فيهم..." 1 وقد حكم للأعشى أولا ثم لحسان بن ثابت ثم للخنساء.

ومع توالي العصور وتطور الشعر وانتقاله من شعر الفطرة معتمدا على جزالة اللفظ وحسن التشبيب والوصف والإخبار الى اغتنائه بالأفكار والتراكيب البلاغية وتأثره بالتطور الهائل في علوم اللغة والنحو والشعر والبلاغة والتعمق في دراسة مرويات الشعر العربي وتمحيصها والتاثر بآداب الشعوب الأخرى وفلسفاتها، في القرنين الثالث والرابع الهجريين لتنتقل المقارنة بين الشعراء من المفاضلة المحكومة بالفطرة والذوق العربي الى مجالات أرحب من الدراسات التي عرفت بالموازنة، وإلى دراسات بين القدماء والمحدثين، ولتنبثق أطروحات جديدة انشغل بها النقاد دهرا ومازالوا مثل الخصومات في الشعر بين المطبوع والمصنوع، وبين الجديد والقديم وبين محاسن الشعر ومساوئه وكذلك انفتح باب جديد وهو سرقات الشعراء والمنحول من الشعر...وقد تمخض عن هذا الفيض من الكتب التي عالجت الشعر اتجاهات نقدية أثْرَتِ الشعر والنقد وأسست لنوع من الدراسات النقدية المقارِنة بين الشعراء ولعل أشهر كتاب في ذلك هو كتاب "الموازنة بين الطائيين"2 للآمدي بل خطا النقد في القرن الرابع الى نقد النقد كما في نقد الآمدي في كتابه " تبيين غلط قدامة بن جعفر في كتاب نقد الشعر"3.

تراجعت الدراسات المقارنة بين الشعراء في العصر الحديث وانتقل المصطلح من دائرته الواسعة التي هي أشمل وأدق من الموازنة الى دائرة أخرى وأعني بها الأدب المقارَن littérature comparée وهو علم كوني حديث كانت الريادة فيه للفرنسيين يعتمد المقارنة بين شاعر وشاعر أو اكثر من قوميات شتى وفق أرضية مشتركة، وليس هذا من موضوعنا،،،ومن المعاصرين الذين كتبوا في الموازنة قسطاكي الحمصي (1858-1941) في كتابه "منهل الوارد في علم الإنتقاد" بثلاثة أجزاء ، والدكتور زكي مبارك (1892-1952) في كتابه " الموازنة بين الشعراء"؛ يذكر الاستاذ صادق الطريحي المقارنة الممتعة للدكتور جواد أحمد علوش - في بحثه عن شعراء الحلة – بين " السنبسي والمتنبي فكلاهما جاء من أماكن قرب البادية ثم انتقلا الى الحواضر واتصلا بالأمراء، ثم اختلفا معهم وتنقلا الى حواضر أخرى، وجاء شعرهما حافلا بمواقف بطولية..."4؛ بينما يُلمح المحقق الاستاذ شاكر هادي شكر في مقدمته لديوان الشاعر عبد الكريم الأزري5 الى لمحة عابرة لموازنة للاستاذ عبد الحميد الدجيلي (موازنة بين شاعرين) 6 .

***

وحيث أن شاعرينا قيد الدرس من الفترة " المظلمة" ابن معصوم (1052-1119ه/1642-1707م)، والحبوبي (1266-1333ه)، فلنا أن نسأل هل كانت الفترة المظلمة حندسا؟7 يؤكد المحقِّبون والمؤرِّخون للأدب عموماً وللشعر خصوصاً أنها فترة ركود في شتى مناحي الحياة الثقافية والعلمية، إلا الناحية السياسية فقد غلب عليها الجور العثماني، والاضطهاد والحروب والأضطرابات، وكانت فترة اجترار للشعر ومحاكاة السلف تكاد تكون خالية من الإبداع، واعتمد الشعر على استغلال المناسابات في التهاني والتعازي والتكسب من المديح للحكام وأصحاب الجاه، وكذلك المدح النبوي ومدح آل بيت النبي، وكان الوصف رتيبا يشمل وصف الأدوات كالمروحة اليدوية والوسادة والطعام، والصور الشعرية مكررة والتزويق البديعي هو الغالب8، وطالما يعبر عن الألغاز والأحاجي؛ وللغزل ولا سيما بالمذكر منه نصيب..الخ، وأعتقد أن هذا الرأي لا يخلو من تعسف وظلم لأنه يذكر جزءً من الحقيقة، فقد برز شعراء كبار لعبوا دورا مهما في بث الروح في الشعر، وكان لهم مكانة كبيرة في إذكاء جذوة الشعر.

ففي القرن التاسع عشر انبثقت فورة شعرية مزدهرة، حيث تألقت في سماء العراق الداكنة نجوم شعرية، كان مركزها النجف والحلة وكربلاء وبغداد والبصرة والموصل، ولا شك أن للمدارس، والمعاهد الدينية، والانشطة الثقافية والمكانة الإجتماعية للشعراء دور مهم في نهضة الشعر في حواضر العراق.

بيد أن الدكتور علي الوردي يُضيف سببا يراه مهماً وهو " أن داوود باشا كانت له اليد في ترويج الشعر، كما كانت للسيد مهدي بحر العلوم الذي تولى الزعامة الدينية في النجف يد أخرى. وقد ظهرت في بعض المدن العراقية أسر ذات جاه وثراء فأخذت تشجع الشعر وتمنح الجوائز المغرية فيه، كآل الجليلي بالموصل وآل كبة ببغداد وآل القزويني بالحلة وآل الرشتي بكربلاء وآل باش أعيان في البصرة، وآل السعدون بالمنتفق ورؤساء الخزاعل في الفرات الأوسط، وصار الشعراء يقصدونهم في الأفراح والأحزان ويلقون في دوواوينهم القصائد العصماء"9. ولا أجد كلام الدكتور الراحل الوردي دقيقاً في ما يتعلق بالنجف فالشعر حاضر فيها بثقل كبير قبل القرن التاسع عشر، والدليل ما هو مثبت في موسوعة "شعراء الغري" لعلي الخاقاني و" شعراء الطف" للسيد جواد شبر و"أعيان الشيعة" للعلامة محسن الأمين، وغيرها من المراجع.

ومن غير شاعرينا، لمعت بين زمنيهما أعلام شعرية نورد بعضا منها: الشيخ كاظم الأزري البغدادي10، (1246/1831- 1304ه/1887م)، وهو من المعِ الشعراء بعد ابن معصوم، له قصائد رائعة في الغزل وفي مديح آل البيت ومديح بعض الأعيان للتكسب مبرراً ذلك في قوله11:

نُذكِّرُ بالرِقاع إذا نُسينا - ونطلب حين تنسانا الكرامُ

لأن الأمَّ لم تُرضع فتاها - مع الإشفاق إن سكت الغُلامُ

ومن عرفانيات الأزري قصيدته العصماء:

أدرِ الزجاجة لا عدمتَ مُديرا – واسقِ الندامى نضرة وسرورا

أسوق هذا لأهميته، حيث أرى أن الشاعر كاظم الأزري يمثل نقلة هامة في شعر تلك الحقبة وهو الجسر بين ابن معصوم والحبوبي...

ولأجل أن تكتمل الصورة عن ملامح شعر هذه الحقبة لابد من التوقف هنيهة مع شاعر مهم من شعرائها هو عبد الغفار الأخرس البغدادي (1290/1810-1290ه/1872م)، فرغم طول باع الشاعر في الأغراض الشعرية لاسيما الغزل، إلا أنه شاعر التكسب والخرافة؛ فقال متكسبا في شعره مادحا عبد الغني آل جميل (المفتي)12:

أراني والخطوب إذا ألمّت – رجَعت الى جميل أبي جميلِ

كأن الله وكّلهُ برزقي     –     وحولني على نعم الوكيلِ

وقال أيضا فيه:

كفاني المهماتِ (عبد الغني) – وذلك من بعض أفضالهِ

فإن نلتُ مالاً فمن جاهه   –   وإن نلتُ جاهاً فمن مالهِ

والغريب أن المفتيَ الممدوح (أبو جميل) ردّ عليه وقد ضاق ذرعا بتكسبه وثقل ظلّه:

لقد طفت في شرق البلاد وغربها – وقاسيتُ في أسفارها كل شدّةِ

فلم أر إلا غادراً إثر غادرٍ         –       ولم أر إلا خائناً للمودةِ

وعن إشاعته للخرافة فقد فصلنا ذلك في مقال لنا 13 حيث وصف السيد أحمد الرفاعي الذي زار قبر النبي وعند القبر قال في مدحه شعرا ضمنه رغبته في أن يلثمَ يدَ جده:

في حالة البعد روحي كنتُ أرسلها – تقبّل الأرضَ عنّي وهي تائبتي

وهذه دولة الأشباح قد حضرت – فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي

فامتدت من شباك القبر يد لثمها الرفاعي فاهتز وجدان الأخرس بقصيدةٍ عصماءَ مما جاء فيها14:

إلى إحسان مولانا الرفاعي - بكشكول الرجاء مددت باعي

الى أن يقول:

تولّد من رسول الله شبل – به دانت له كل السباع

وقبّل كف والده جهاراً – غدت بالنور بادية الشعاع

وشاهدها الثقاتُ وكلُّ فرد – رآها بانفراد واجتماع

نكتفي بهذا القدر عن الشاعر عبد الغفار الأخرس.

أما الشاعر عبد الباقي العمري الموصلي (1204/1787-1278ه/1861م) ففي ديوانيه (الترياق الفاروقي) و (الباقيات الصالحات) اللذين قال فيهما أروع قصائد المديح في الرسول وآل بيته، وهاكم عيّنة مما قاله في علي بن أبي طالب14:

أنت العلي الذي فوق العُلا رُفعا – ببطن مكةَ وسط البيت إذ وُضعا

سمّتك أمُّك بنتُ الليثِ حيدرةً   –   أكرِم بلبوة ليثٍ أنجبت سبُعا

وأنتَ حيدرة الغاب الذي أسدُ – البرجِ السماويِّ عنه خاسئاً رجعا

وكنت أود التعريج على شعراء آخرين منهم الشاعر المهم هاشم الكعبي(1158/1745-1231ه/1815)15، الذي نحا في شعره الجزل الصافي المتين منحى الأقدمين؛ وكذلك الشاعر حيدر الحلي (1246/1831-1304ه/1887م)، ولكنني أتحاشى الإطالة؛ مكتفيا بهذا المدخل على أن أعود للشاعرين الكعبي والحلي في مجال آخر.

***

بين ابن معصوم والحبوبي رغم بعد المسافتين الزمانية (207 سنوات على وفاتيهما) والمكانية (الأول في حيدر آباد من الهند والثاني في النجف من العراق) الكثيرُ من المشتركات، فإضافة الى الشعر، نواحٍ متعددة من ناحية النسب، وكونهما رجلي فقه وكذلك في السيرة الحياتية من حيث " الجهاد" وكذلك في ترحالهما في الجزيرة العربية وانتسابهما الى الحجاز أصلاً، ناهيك عن الخصائص الشعرية وما طرقاه من أغراض الشعر، وغير ذلك مما سنأتي عليه...

فكلاهما من أرومة علوية أولهما من الفرع الحسيني، فهو علي بن أحمد بن محمد معصوم الحسني الحسيني، المعروف بعلي خان بن ميرزا أحمد، الشهير بابن معصوم ينتهي نسبه الى الشهيد زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب16؛ والثاني من الفرع الحسني، فهو محمد سعيد بن قاسم بن كاظم بن حسين بن حمزة بن مصطفي (الملقّب حبوبي) ينتهي النسب الى الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب.17

ولد ابنُ معصوم في المدينة المنورة في الخامس عشر من جمادي الأول 1052ه، سافر الى حيدرآباد من الهند عام 1068ه وأقام بها ثمانيَ وأربعين سنة، جعله ملكُ الهند أورانغ زيب ابن شاه جهان (باني تاج محل) من السلالة المغولية على ألف وثلاثمائة فارس، لقمع انتفاضات القبائل الهندوسيه، ومنحه (لقب خالد)، ثم ولاه مدينة لاهور وتوابعها من السند (باكستان الحالية)، ثم استقال ليؤدي فريضة الحج، وليقصد إيران لزيارة الأمام الرضا، ثم حط رحاله في أصفهان عام 1117ه مقيما بها ردحا من الزمن ، ومنها الى شيراز أرض أجداده حيث تفرغ فيهما للشعر والتأليف الى آخر عمره حيث قضى ودفن فيها عام 1119ه. وقد تنبأ برحيله، وكأني به في هذه الأبيات القليلة يرثي نفسه:

كل نجم سيعتريه أفولُ –   وقصار سفرِ البقاء القفولُ

لاحقٌ إثر سابق والليالي   –   بالمقادير راحلاتٌ نُزولُ

والأمانيُّ كالمنايا وإن نا –   زعَ غرًّ فالاشتقاقُ دليلُ

يا مصابا قد جرَّع القلبَ صاباً – كلُّ صبرِ إلا عليك جميلُ

ورغم أن هذه الابيات الاربعة مشبعة بروح الحكمة والتسليم بالقضاء والقدر، فإن البيت الأخير هو الذروة في ناحية التجنيس الناقص في "مصابا" و "صابا" حيث الأخيرة تعني السائل النباتي الأبيض المر الذي يسيل من بعض الاشجار، ويلمس المتمعنُ الجانبَ البلاغي وهو رد العجز على الصدر، كل هذا عمق الفكرة وأغنى الجانب الصوتي بوقع الصادات مع القافات على بحر الخفيف الذي أكسب هذه الأبيات موسيقى حزينة تتناسب مع فكرة الموت التي بنيت على لبنات "أفول" و " قفول" و "نزول"، اضافة الى "المقادير" و"المنايا"...

دلّت مؤلفات ابن معصوم في الشعر والنثر18 على مكانته السامقة وأفقه المعرفي الواسع، الذي أغنته تجربته الحياتية والعلمية التي أعطت أكلها في ديوانه الشعري –تحقيق الديوان-، وله في البديعيات –راجع معنى البديعيات وابن حجة- كتاب " أنوار الربيع في أنواع البديعه" وهي مطولة من مائة وسبع وأربعين بيتا نظمها في اثنتي عشرة ليلة وشرحها بنفسه، مما تدل على تمكنه الشعري وطول نفسه، طبعت في إيران سنة 1304ه؛ وله في شرح الصحيفة السجادية كتاب مطبوع مشهور " رياض السالكين في شرح صحيفة سيد المالكين" أهداه للشاه حسين الصفوي، وفي النحو "الحدائق الندية في شرح الصمدية للبهائي، وفي النحو أيضا " موضع الرشاد في شرح الإرشاد، وفي البلاغة له منظومة في علم البديع مع شرح له عليها، وفي اللغة " الطراز الأول في ما عليه من لغة العرب المعول" الذي ظل يشتغل فيه حتى يوم وفاته، وله كتاب في سير الصحابة، وآخر في الادعية وفي التراجم له كتاب مطبوع في مصر" سلافة العصر في محاسن اعيان العصر" وجاء في بعض المصادر تحت عنوان " سلافة العصر في محاسن الشعراء بكل مصر" وأظن أن العنوان الأول هو ألأصح لمافيه من مجانسة بلاغية بين عصر العنب وعصر الزمان! وفي أدب الرحلات له كتاب "سلوة الغريب وأسوة الأريب" أو "رحلة ابن معصوم" كتبه عن رحلته من مكة الى حيدرآباد سالفة الذكر وكان في عمر ستة عشر عاماً... ومن يُردِ الاستزادةَ فلٍيُراجع مقالة جامعة، وهي " الآثار العلمية لابن معصوم المدني"، وكذلك غيرها من المؤلفات التي تربو على عشرين عنوانا بين مخطوط ومطبوع في شتى العلوم من النحو والفقه والسِّيَر، والبلاغة والمعاجم وأدب الرحلات، إضافة الى الشعر مما يعطي انطباعا بأنه عاش حياة جدية حافلة معطاء، ولا غرو في ذلك وهو القائل:

لو انصف الدهر دلتني غياهبُه – على العُلى بضياء العقل والحسبِ

ما ينفعُ المرء أحسابٌ بلا جِدَةٍ؟ - أليس ذا منتهى حظي وذاك أبي؟

 

أما الشاعر محمد سعيد الحبوبي فهو نجفي وأصوله البعيدة هي الأخرى حجازية من عائلة امتهنت التجارة وما زال فرع من الأرومة الحبوبية في الحجاز، ولد شاعرنا في النجف وعاش فيها معظم حياته طالب علم درس في معاهدها الدينة الفقه واللغة العربية وأدابها وشغف بالشعر منذ حداثته ونبغ فيه، سافر الى نجد وهو في عمر الخامسة عشرة الى حائل من نجد حيث تشتغل أسرته(أبوه وعمه) بالتجارة، وقرّ هناك ثلاث سنوات، ثم قفل راجعا الى النجف ليستأنف دراسته، لقد كان لرحلته هذه أثر كبير في شعره، الذي يلمح الدارس له الأماكن التي حل بها، وأزهارها ونباتاتها في الجزيرة العربية، زد على ذلك تلك السهولة والرقة والطابع البدوي الذي طبع شعره، وجعله متداولا من حافظة عشاق الشعر، فلا تخلو جلسة سمر في الشعر إلا ويكون لشعر الحبوبي فيها حصة الأسد فهو أنيس الجُلاّس سمّاراً ونَدامى... شعر الحبوبي تأنسُ له الإذن ويدخل القلب قبل الذاكرة - رغم أن صوره الشعرية في معظمها مكررة لا ابتداع فيها- لعدة أسباب: رقة الألفاظ التي تجمع بين السهولة والوضوح؛ الأصداء الموسيقية الغنية التي ترافق أشعاره؛ جمال الصور الشعرية التي يرسمها بريشة فنان لا سيما في الغزل والخمريات؛ أعاد للموشح ماء الحياة ونافس فيه الاندلسيين إن لم أقل بزّهم، إضافة لأسباب أخرى سنأتي عليها،،، فمن منا لم يتغنَ ب:

ياغزال الكرخ واوجدي عليك – كاد سرّي فيك أن ينهتكا

هذه الصهباء والكأس لديك – وغرامي في هواك احتنكا

فاسقني كأسا وخذ كأسا إليك – فلذيذُ العيش أن نشتركا

إن أسلوب الندب هنا مُعبَّرٌ عنه ب "وا وجدي عليك" أكسب الأبيات صدقا وإن شئت حرارة تقارب الصدق، ناهيك عن الخصائص الأخرى... ذاع صيت الشاعر الشاب في مدينة الشعر وفاق الشعراء في مدينة الشعر، وحدت بشعره الركبان في طول البلاد وعَرضها، وهو لمّا يزَلْ يدرس الفقه على أساتذة كبار، وكان منهم أستاذه الاثير الآخند الخراساني صاحب الكفاية ( محمد كاظم ت 1329ه)، الذي ضغط عليه ليبعده عن الشعر، فانصاع طائعا لأستاذه، وهجَر الشعرَ دون أن يهجرَهُ الشعرُ وهو دون سن الأربعين، وليته عصاه لأتحفنا بالمزيد من قريحته المتفجرة شعراً صافياً كالماء الزلال!

مع نزول القوات الإنكليزية البصرة لاحتلال العراق هب السيد الحبوبي مع من هب من رجال الدين للجهاد في محرم 1333ه رغم كبر سنه وسار على رأس المتطوعين من النجف الى الشعيبة لكن الأنكليز كانوا هم المتفوقون عدةً وعدداً، رجع الحبوبي الى الناصرية متعبا ثم فارق الحياة هناك ونقل ليدفن في إحدى غرف الصحن الحيدري، على شمال الخارج من باب القبلة.

كيف تعرفت على الشاعرين؟ منذ الدراسة الابتدائية كنت أسمع بالحبوبي وأسمع شعره يلقيه الوالد من حافظته التي تجود في ليالي الشتاء كلما وضع العقار أمامه كان يشدنا ذلك الشعر، الجميل، وفي البيت هناك ضمن المكتبة المتواضعة ديوان الحبوبي وقد بدا كتابا باليا غير جميل لكثرة الاستعمال في البيت وفي خارجه، كنت أقرأ الأشعار دون المقدمة الثقيلة على طالب لم يتجاوز السادس الابتدائي وكنت معجبا بهذا الشعر الخفيف اللطيف رغم لعض الصعوبات في كلمات مثل احتنكا والقرقف، والفدفد، كما كنت أحار في معنى بعض الابيات من قبيل:

فاحدُ بالركب إذا الركب حدا – وأقم يوما به ما أن أقامْ

يممن نجدا إذا ما أنجدا - وسلام لك من دار السلام

فلم أسبر غور المعنى البدوي بأن يلاحق المحبوب براحلته ركب من يحب، ولم يمر علي بعد قول الشاعر:

هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى – وإني وإياها لمختلفان

ولم أكن افقه الفعل أنجدا فلم أسمع بأفعال المكان! الا عند قراءتي للبيت:

إن تُتهمي فتهامة وطني – أو تُنجدي كان الهوى نجدُ

واستقر في ذهني انطباع فحواه أن الحبوبي من جيل الاقدمين كالمتنبي والمعري أو على الأقل من الاندلسيين...حتى إذا ما انتقلت الى النجف وفي ثانوية الخورنق شاركني المقعد زميل يتلقب بالحبوبي وكانت دهشتي شديدة أن يكون الحبوبي الشاعر عما لأبيه، بل وفي المدرسة ذاتها مدرس لم يدرسني هو الشاب الوسيم الانيق رشاد الحبوبي، وعند انتقالي الى إعدادية النجف درسني في الرابع العلمي الاستاذ جعفر الحبوبي، وعرفت أن في العائلة الحبوبية أكثر من شاعر، مثل الشاعر البارز محمود الحبوبي، والشاعر عبد الغني الحبوبي وعبد الغفار الحبوبي...

لم اسمع بابن معصوم قط، حتى كنت مدرسا في إحدى المدارس التابعة للنجف، زارنا في متوسطة الفدائي مدقق من مديرية التربية وفي جلسة معه بحضور الاستاذ الراحل الشيخ الفاضل عبد الأمير الجباري فتح موضوع الشعر وإذا بالأستاذ المدقق يتحدث بحديث العارف عن الشعر ويذكر أبياتاً لم نسمعها من قبل وعند سؤالنا عن الشاعر أجاب أنه ابن معصوم المدني، وكان هذا الاستاذ هو شاكر هادي شكر ولم يذكر لنا أنه حقق ديوان ابن معصوم ولم يخبرنا انه سيحقق الكثير من مؤلفاته ومن مؤلفات غيره من الشعراء يا لتواضع العلماء! وكاد اسم ابن معصوم يغيب من ذاكرتي بعد أن تركت العراق للمرة الثانية وفي غربتي الطويلة وأنا في عام 1980 سمعت المطرب الكبير يوسف عمر يترنم بقصيدة غاية في الروعة على نغم النوى من النهاوند 19:

أما الصبوحُ فإنه فرضُ – فعلامَ يكحلُ جَفنك الغمضُ

بقيت أتحرى عن شاعر هذه القصيدة زمنا حتى عرفت أنها لابن معصوم المدني فأنعم واكرمبالشاعرين الكبيرين ابن معصوم والحبوبي.

-للموضوع صلة-

 

...................

هوامش:

1- إبراهيم، طه أحمد؛ تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص25، الفيصلية، مكة 2005. وطبعة المكتبة العربية، بيروت 1981 هي الأفضل.

2- الآمدي، أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى؛ الموازنة بين الطائيين البحتري وأبي تمام، تحقيق السيد احمد صقر، دار المعارف- القاهرة 1961 في 12 جزءً. أما الذي حققه الاستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العلمية بيروت 1944، فهو غير كامل.

3- أثار هذا الكتاب معارك نقدية، إذ تبعه ابن رشيق في كتابه " تزييف نقد قدامة"؛ ورد ذكره في(معجم المطبوعات لالياس سركيس)؛ فانبرى عبد اللطيف البغدادي في كتابه " دفع الظلامة عن قدامة" وناصره ابن أبي الاصبع في كتابه الميزانمنتصرا لقدامة من ابن رشيق راجع كتاب" مقدمة المقاييس البلاغيةوالنقد لابن رشيق" عرض وتحليل ودراسة د. محمد بن سعد الدبل، جامعة ابن سعود الرياض 2010.

4- الطريحي، صادق "أدباء حلّيون" جريدة النهار20/02/2014، ع5202؛ مقارنة د. جواد احمد علوش في بحثه عن شعراء الحلة.

5- شكر، شاكر هادي، محقق "ديوان عبد الكريم الأزري" ص20، دار التوجيه الإسلامية، بيروت-كويت.

6- الدجيلي، عبد الحميد " موازنة بين شاعرين" مجلة الدليل النجفيةع6 السنة الثانية عن المصدر السابق.

7- الأعظمي، حسين اسماعيل "المقام العراقي بأصوات النساء" ص30 هامش 4، دار الفارس للنشر، عمان؛ والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2005. هي يذكر الاعظمي اعتراض الدكتوررشيد عبد الرحمن العبيدي على مصطلح الفترة المظلمة لأن فترة غير صحيحة لغويا ويفضل استخدام الحقبة، وهو يعترض بشدة على مظلمة ويراها زاخرة بالمعطيات العلمية ويعدد منها لسان العرب لابن منظور وتفسير ابن كثير وتاريخه، ... واجده محقا بالاعتراض اللغوي، ولكن كثيراً من المصطلحات تشيع وتأخَذ بالمعنى لا بالجذر اللغوي فعلى سبيل المثال أن "استعمار" ينطوي على معنى إيجابي على الضد من المصطلح السياسي، ولا أراه دقيقا في ما يتعلق في العراق فقد كانت فترة مظلمة نسبياً.

8- عزالدين، د. يوسف "الشعر العراقي في القرن التاسع عشر"، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة 19665.

9- الوردي، د. علي، "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق"1/313 دار الشريف الرضي، طهران .

10- شكر، شاكر هادي، ديوان الأزري مصدر سابق.

11- شكر، شاكر هادين ديوان الأزري ص26 من المقدمة.

12- الدروبي، إبراهيم عبد الغني، "البغداديون أخبارهم ومجالسهم" ص234، مطبعة الرابطة، بغداد.

13- راجع مقالة كاتب هذه السطور " في التطور وما يليه-2" على صفحته في عرب تايمز. من مصدر: الأميني،"الغدير" 170/2.

14- طبع ديوانه في مصر مرتين وفي مطبعة النعمان في النجف.

15- الكعبي "ديوان الكعبي" المطبعة الحيدرية نجف 1935 ؛ وترجمته لدى طهراني، أغا بزرك " الذريعة الى تصانيف الشيعة" 2297 منشورات دار الاضواءن بيروت.

16- سنعتمد في سيرته على تحقيقات الأستاذ المحقق الثبت شاكر هادي شكر لمؤلفات ابن معصوم، ثم على العلامة الأمين صاحب " أعيان الشيعة" 8/125 وعلى ما جاء لدى صاحب الذريعة1/389.

17- سأعتمد على ديوان الحبوبي ، تحقيق عبد الغفار الحبوبي، دار الرافدين للطباعة والنشرط2004، وكذلك الطبعة الأولى تحقيق الشيخ عبد العزيز الجواهري، المطبع الأهلية في بيروت1331ه، وهي طبعة رديئة كثيرة الأخطاء، والغريب أن الشيخ عبد العزيز الجواهري ورغم المصاهرة والخءولة ينسب الحبوبي الى الفرع الحسيني! كما ساستفيد من " أعيان الشيعة" للأمين9/344.

18- النصراوي، عادل عباس،" الآثار العلمية لابن معصوم المدني" مجلة الواحة ع60السنة16 سنة 2010.

19- راجع لكاتب هذه السطور، "مطرب غنى بقلبه" على كثير من امواقع والصحف، نشرت في ملحق المدى تحت عنوان: يوسف عمر بين التقليد والتجديد.


 

إشكالية الهوية في الرواية العراقية المعاصرة

البحث عن هوية في وطن غريق .. رواية عجائب بغداد نموذجا تطبيقيا

 

تمهيد:

تتضح إشكالية الهوية في السرد العراقي المعاصر بشكل جلي في الروايات العراقية التي كتبت بعد التغيير العاصف الذي أصاب البنية الاجتماعية والسياسية في العراق وخرب مؤسسات الدولة، حيث يتجلى افتقاد الأمن مقرونا بانفتاح غير موزون للحريات الشخصية وتسيد ما يسمى بالهويات الفرعية باعتبارها تمثيلا لمكبوتات مغيبة إبان العهد الدكتاتوري السابق، وفي مثل هذا الفضاء المشاكس ظهرت على السطح صراعات سياسية مؤدلجة وليست أصيلة بين مكونات الشعب العراقي إضافة إلى بروز دعوات تستثمر الدين أساسا في الهوية العراقية وصولا إلى صعود أصوات إلى السلطة السياسية تعمد إلى إحلال المذهب أو الطائفة بديلا عن التجانس الاجتماعي الشكلي الذي كان سائدا قبل التغيير ممثلا بالاحترام المتبادل بين الطوائف الدينية والقومية في العراق .

ولذا فأن البحث عن الهوية وتحديد مكوناتها الأساسية في العراق بشكل خاص لم يعد ترفًا فكريًا أو نظريًا، فالتطورات المتسارعة أصبحت تمثل تحديًا حقيقيًا لمختلف الشعوب، خصوصًا مجتمعات العالم الثالث.وكان للانفتاح الكبير بين الشعوب بعد انتشار وسائل الاتصالات وتطورها العاصف وانتقال المعلومات بشكل لم يسبق له مثيل، والتوسع الاقتصادي الكبير للشركات الغربية، وصعود نجم العولمة كل ذلك دشّن مرحلة جديدة تزامن مع الاهتمام الكبير بموضوع الهوية .

كما أن انتشار الكثير من مظاهر العولمة في العالم،أدى إلى انتشار الثقافة الاستهلاكية التي تعتمد المذهب البراكماتي الأمريكي التي أثرت تأثيرا كبيرا في الأجيال الجديدة بشكل خاص، فأصبح الفارق بينها وبين الأجيال التي سبقتها واضحًا للعيان، خصوصًا من حيث المفاهيم والسلوك والتطلعات والعلاقات التي تربط الأفراد بعضهم بعضًا، فأصبح مبدأ المنفعة  أساسا في توجهات الفرد،(1) ومن أهم ردود الفعل على هذه الثقافة وغيرها من التوجهات الثقافية،ظهور واستفحال ظاهرة النزعات السلفية بأشكالها المتنوعة في المجتمع العربي والعراقي بشكل خاص ونزوعها الدموي – في العراق بشكل خاص- الذي تجسد في ظاهرة التفخيخ والتفجيرات اليومية التي طالت المدن العراقية دون استثناء إضافة إلى استشراء ظاهرة المليشيات التي تتقنع بالهويات المذهبية،وتمارس القتل والاختطاف وكل أعمال الإرهاب، مما حرف الهوية الوطنية وجعلها ( هوية قاتلة) يستعيض فيها الإنسان (بعنصر ما من الهوية، ويعتبر هذا العنصر، سواء كان دينيا أو قوميا، يختصر او يختزل كل الهوية، بينما الهوية مركبة من عدة عناصر، والعصر الراهن يشهد هذا الاختزال ..(2) ومفهوم الهويات القاتلة هو احد المفاهيم السائدة في عراق ما بعد التغيير،وقد أصبح من الثيم المألوفة المكررة في روايات ما بعد التغيير ..،وقد اتسمت هذه التساؤلات المحيرة عن الهوية في الرواية العراقية بأحداث تسجيلية خطيرة اتضحت فيها فيها عناصر الإقصاء والقتل على الهوية وتضخيم أحداثها،وصولا إلى انقلاب جذري في مفهوم الهوية، يسمح بتمزيقها والهجرة إلى المجهول(3) ،أو إضفاء تساؤلات ساخرة على مكونات الهوية تدينها بالتخلف والثبات على القديم،وتقزيم الشخصية العراقية وانتفاخ الانا المثقفة وتضخيم دورها،كبديل عن الشخصية الواقعية، ويمكن رصد هذا المعنى من خلال قراءة ثقافية جادة وواعية للسرود الروائية التي كتبت بعد التغيير وعنه.

ويهمنا أن نستعرض معنى الهوية ومكوناتها (وهل هي مفهوم ثابت،ضيق،مغلق على ذاته ؟أم هو مفهوم منفتح على الآخر بقدر انفتاحه على ذاته؟(...) وكيف تتكون الخصوصية ؟وهل يهددها الانفتاح على الآخر أم يغنيها؟ (4) هذه الأسئلة وغيرها ستجد إجابات لها في الكتابات الثقافية أولا في حين يجسد السرد الروائي إجابات يمتزج فيها الواقعي والخيالي وهو يحمل وعودا في الإجابة عن مفهوم الهوية ومتغيراته وآفاقه.

هناك العديد من الآراء حول مفهوم الهوية،ومعظمها يتخذ من وقائع الحياة المعاصرة واشتباك الثقافات، أساسا لها، لكنها تبقى إجابات نظرية،لا تستطيع الوصول إلى أهدافها بسبب هذه القطيعة الأزلية بين الثقافة والواقع، ولكنها تبقى إجابات يمكن الاستفادة منها في قابل الأيام .

يقول الفيلسوف زكي نجيب محمود أن الهوية ((لا تصان إلا بان يتمسك الشعب بثقافته التي ورثها عن أسلافه أي في العقيدة وفي اللغة وفي الفن وفي الأدب وفي كثير من النظم الاجتماعي ) (5) وبهذا المعنى يقصر الهوية على تراث الأمة والحفاظ عليه في حين يرى الروائي ادوار الخراط ( أن الهوية الوطنية باعتبارها مقوِّمًا له دلالته في مذهب إنساني جديد،، ليست جوهرًا ميتافيزيقيًا أبديًا قبليا، ليست (معطى) ، محددا مسبقا، ليست تراثًا محتومًا لا حول عنه، مقذوفًا به من الماضي ومنيعًا لا يؤثر فيه البُعد الزمني، ولا المتغيرات التاريخية، بل هي واقع ديناميّ، تاريخيّ، زمني، لجسد تعاد صياغته وتشكيله وتنميته.) (6) وهو يرى أيضا أن (الهوية الوطنية لا تكتسب مقدرتها على البقاء - فضلاً عن مصداقيتها - إلا بمقدرتها على التطوّر والتفاعل مع المعطيات الاجتماعية السياسية والثقافية التاريخية, إلا بوعيها بهذه الخصيصة من المرونة والانفتاح والاستجابة النقدية.) (7)

لقد اعتمدنا على آراء مفكرين عرب من بلدين معروفين بوجود الأقليات القومية والعرقية هما لبنان ومصر، إضافة إلى آراء الروائي أمين معلوف الذي لخص لنا الهويات القاتلة باعتبارها حقائق على ارض الواقع اللبناني، أما آراء الكتاب والأدباء العراقيين في هذا المجال فهي كثيرة ومتنوعة نقتبس منها ما يفيد اتجاهنا في البحث عن إشكالية الهوية العراقية في السرد العراقي فالكاتب شمخي جبر يلاحظ (إن إهمال أو تهميش الهويات الفرعية جعل منها عامل إلغاء للمواطنة وبالتالي أصبحت هذه الهويات تشكل ثقوباً بنيوية في النسيج الوطني تتسلل منها عوامل التشرذم وأمراض الفرقة وتجزئة الوطن، فتحولت هذه الثقوب إلى مزامير ينفخ فيها العاملون على بناء مصالحهم وتطبيق برنامجهم التقسيمي للوطن من خلال استغلالهم لهذه الإعطاب التي تصيب الهوية الوطنية،..) (8) ويتحدث نزار اغري عن الناطقين بالسريانية وهويتهم المهددة تتضح فيها مفاهيم الخصوصية القومية الفرعية باعتبارها هوية مهددة بالانقراض (9)

 وإشكالية هذا التعدد والتنوع في مكونات المجتمع العراقي، – كما يقول الأستاذ إبراهيم الحيدري (هو ظاهرة صحية من الممكن أن تكون عنصر غنى وإبداع ثقافي وروحي واجتماعي إذا ما توحدت في إطار وحدة وهوية وطنية واحدة.) (10) غيران ما جرى في العراق بعد التغيير بايلاء التعدد الثقافي أساسا للهوية القومية والدينية قد افرز إشكالات كثيرة ومعقدة أهمها اندفاع مكونات كثيرة كالصابئة المندائيين والكلدان والاشوريين والايزيدين اضافة الى الكرد الفيليين والزنوج العراقيين إلى المطالبة بحقوق خاصة تعوضهم عن الاضطهاد والتهميش الذي عانوا منه في العهود السابقة، وتبدو هذه المطالب مشروعة نسبة لما تحقق للقوميات الثانية كالكرد والتركمان لكنها من الناحية العملية ستبدد ثروات البلاد وتشجع الانقسامات والاعتزاز بالهوية الخاصة مقابل الهوية الوطنية التي تبقى معلقة، ولذا فأن الحل الأمثل لصراع الهويات في العراق ومن اجل أن تصبح هذه الهويات ظاهرة صحية فيه ينبغي إقرار قانون المساواة للجميع دون استثناء في كافة الفرص والوظائف دون تمييز او محاصصة بغيضة جرت علينا الويلات، فاعتبار العراقيين متساوين في الحقوق والواجبات والنزوع إلى تطبيق ذلك بشكل سليم على أساس الشخص المناسب في المكان المناسب سيكرس الهوية الوطنية ويبعد عن هذا الوطن الصراعات الدامية (11)

رواية عجائب بغداد وإشكالية البحث عن هوية

لعل رواية ( عجائب بغداد) للروائي وارد بدر السالم تشكل نموذجا متميزا في طرح الأسئلة الإشكالية عن معنى الهوية،وكيف تتضح معالمها، إضافة إلى الحوار مع الآخر الأجنبي والعربي الذي يعتبر الفضاء الروائي المشاكس في حروبه واغتيالاته فضاء غنيا للأخبار والصور الجديدة للفضائيات التي تبحث وراء الغريب والشاذ والعجيب من الأخبار والصور فتجدها في هذا الجو المشحون بالكراهية،وهناك الموقف من الإنسان العراقي المتعاون مع الاحتلال والشخصية الوطنية التي ترفض الاحتلال والاهم من ذلك ظهور عجائب بغداد في هذا الجو الغرائبي المحمول في الزمن الواقعي المشخص في عام 2006 كالقرى العشوائية التي تمثل رد فعل على الحرب بين المليشيات لتجسيد الهوية الوطنية مجسدة في القرية البوذية وشخوصها المنتمين الى الشرائح العراقية بكل بمعظم اطيافها التي تكون عناصر الهوية الثقافية .

تتخذ رواية ( عجائب بغداد) من بغداد فضاء نموذجيا للكشف عن الصراعات الدموية وعن عالمها العجيب والغريب، المتحقق في الزمن الواقعي الذي يبدأ ( بعد أطوار بهجت) ويبقى مفتوحا إلى أزمان لاحقة لا تشير اليها الرواية ولكنها تصنع حدودا خيالية لها في تجمعات عشوائية مجسدة في القرية البوذية .نموذجا للهوية العراقية .

تبدأ رحلة السارد إلى هذا الفضاء المشاكس (يوم الأربعاء الموافق 22 فبراير 2006) وهو اليوم الذي (اختطفت واغتيلت (الإعلامية العراقية أطوار بهجت ) مع طاقم العمل أثناء تغطيتها أحداث تفجير مقام الأمام علي الهادي في سامراء....) (12)

يسرد الراوي تفاصيل مقربة للاغتيال، وكأنه شاهد عيان على تلك الجريمة، ويقرر العودة الى (وطن) لم يلد فيه ولا يعرف شيئا عنه،

(تلك الصورة الفجائعية جعلتني أقف بين عالمين احدهما تحميه السماء وتمطر عليه عطرا وشذى وسلاما وتغذيه بالسواحل والأشرعة والسفر،والآخر تعزله البنادق عن أنفاسه وتضعه في حاضنات البارود والرصاص، كي يبقى في محبس العمائم وأعشاش البارود...الرواية ص9) .

 

إشكالية السارد

بهذه العبارات البليغة يمهد الروائي لظهور السارد الإشكالي الذي عاش في عالم (تحميه السماء وتمطر عليه عطرا ) ليشخص (خطأ الوطن الذي لم يره ) وليسرد تفاصيل أحداث عجيبة ويتخذ منها موقفا ويرسم شخصيات الرواية ليكون صوتا للمؤلف الذي يتخفى وراء سارده،الذي كان غريبا عن وطنه وهويته بفعل خارج عن إرادته فكأنه (غريب يعود الى غربته ص124 من الرواية ) .

بهذا المعنى فأن سارد الرواية يمثل نسقا متواريا خلف مجموعة هائلة من الاهتمامات والأمكنة والأمزجة التي تشرب بها في مكان غريب (دبي) عن هويته الأصلية فهو لا يعرف شيئا عن ( بغداد إلا من خلال أب هجرها منذ طفولته وأم غابت في ذاكرة طليقة ليست لي صلة بما حدث ...ص30 من الرواية) .واختيار سارد من هذا النوع سيسهم في إضاءة أحداث وشخصيات وصراعات دموية بعين رقيب يبدو محايدا فهو مراسل لمجلة خليجية (لا تحتاج الى قصص حرب مقرفة وبشعة عن همج يتقاتلون من اجل لا شئ ص22) ، لكنه بالضد من ذلك يستثمر وجوده في بغداد ليسرد قصص الحرب المقرفة،ويلقي ضوءا ساطعا على متغيرات الفضاء الروائي –المحايث للواقع المعيش- بتفصيلات المعارك والقتل على الهوية وصور بشعة عن الجثث الطافية في نهر دجلة إضافة إلى ردود الأفعال ووجهات النظر المتنوعة للآخر الأجنبي الذي حضر لتغطية الأحداث الدامية، ويتضح من وجهة نظر السارد كل ذلك مضافا اليها وجهة نظره عن فئة السياسيين الذين يتصدرون المشهد السياسي في تلك الفترة، اما وجهة نظره الخاصة بالانتماء فتبدو واضحة جلية في الفصول الأخيرة من الرواية .

 

وجهات نظر السارد في الآخر الأجنبي والعربي

تحيط بالسارد مجموعة من مراسلي الفضائيات الأجنبية والعربية ويجد نفسه وسط حرب أهلية وقتال شوارع وصراع الناس مع المليشيات المتكاثرة كالحشرات في أجواف الأحياء الصغيرة ص10 ) محاطا بحماية مكثفة من قبل القوات الأمريكية المحتلة، وخلال ذلك يتعرف على مجموعة من المراسلين بينهم:

 (لورا) مراسلة البيبي سي كانت كريمة معه ويلفت نظره أناقتها (بالجينز الصحراوي والشعر المعقود خلف قبعة عسكرية معقودة على رأسها كمحاربة تشي طلعتها بالنشاط والحيوية والحركة الدؤوب ص12) وهي من وجهة نظره (أفتى وأكثر شبابا من هذا العمر (عمرها 40 عاما) في حين ترى هي في السارد عاشقا وسائحا ولا خبرة له بالحروب ص12

لورا تمثل للسارد مصدرا للمعلومات الغنية التي تمتلكها عن وطنه وهي بنفس الوقت تمثل وقتا للمتعة في هذا الجو المشحون بالقتل، ولذا فهي من وجهة نظره صديقة على الرغم من جنسيتها الانكليزية ويشارك بلدها في احتلال وطنه .وهي تعتبر بغداد (مكانا يحتوي نزقي وحركيتي والكثير من حرية أنت لا تراها لكنني أعيشها بحب كبير .كنت فيها مثل الطفلة التي تبحث عن ألعابها الملغمة في الحدائق والشوارع والأرض ص83 الهامش)

في حين يرى نفسه مختنقا بالعبرات التي تخنقه وتخنق غيره (من الناس الهائمين وسط موج النيران المتأججة فيهم وحولهم وبين خطاهم القلقة ص84

في هذا الجو المشاكس يتعرف على مراسلين غربيين وعرب (ووجوه عراقية متلبسة بالغموض والبلادة والحزن وأطياف من الأسئلة (...و.) نساء متشحات بعباءات سود شاردات الأنظار محجبات وجوه قلقة ورجال محاصرون يفترسهم الهم والغد المقبل بالوعود يحملون فايلات ملونة ويلوحون بها كانهم سيدخلون الجنة من بوابة الشيراتون بحماية جنود المارينز ص13)

وتكشف له المراسلة لورا أسباب تواجد هؤلاء العراقيين أمام باب الفندق : بعضهم يحمل وثائق مهمة ومسكوكات تاريخية سرقت من الدوائر الحكومية يريدون بيعها للصحفيين، ثم تقول له :(الجميع الآن كشفوا لعبة الوهم الديمقراطي التي نادى بها الرئيس بوش ..ص14) وتؤكد له في مكان آخر (هؤلاء غزاة ومرتزقة هنود حمر ميتو القلوب (...) أنت روائي والسياسة جزء من صلب العمل الأدبي وهذا وطنك الغائب والمغيب عنك وهؤلاء مرتزقة جاءوا ليسرقوا نفطكم ومستقبلكم ص71)

واذا كان يرى في (لورا) صديقة بسبب مواقفها من الاحتلال فهو يستنكر على عراقيين لبسوا عباءة الأجنبي وامتثلوا له منهم خميس الأسود العراقي المقيم في الكويت المراسل لجريدة كويتية فهو من الأشخاص الذين ينظر لهم السارد نظرة عداء لأنه (يستعين بالهمرات الأمريكية بباج خاص لديه حين يتجول بين قصص الخراب ....ص20) وهو (أزعجني انه يكثر من اتصالاته في هاتفه الثريا ويبتعد عني بأنانية لم تعد خافية علي ..جريدته الكويتية تريد منه صور الخراب وقصص الموت العراقي في كل مكان ص20) ومثله العراقي (اشرف ) الذي يمثل نموذجا للمتعاون مع قوات الاحتلال (يشعرني بشكل أو بأخر انه قواد من قوادي الاحتلال أو بمنزلة مقاربة من ذلك ...ص81 واشرف يسرد حكايته مع مايكل الأمريكي (أنقذت صديقي مايكل من موت محقق في (الفضل) (...) جماعة المجاهدين نصبت كمينا لدوريته في الفضل حاصروا مدرعته بالقنابل اليدوية وكان =الهدف أخذه أسيرا مع مجموعته غير أني أنقذته باللحظة المناسبة ...ص82 وتبقى هذه اللحظة المناسبة دون جواب ولكنها تدخل في فضاء المسكوت عنه بين (جماعة المجاهدين ) وغيرهم من المليشيات وبين الجيوش المحتلة للعراق !!!

وفي كل صفحات الرواية تسرد أحداث دموية بين فصائل عراقية متناحرة يرد فيها ما يشير إلى فصائل تنتمي إلى الأطياف العراقية المتنوعة، لكن السارد لا يسجل مواقف متضامنة مع أي طرف فيها،بل أن هذا التناحر الطائفي المؤدلج يدفع به دائما نحو فضاء الوطن وهو يتساءل مع نفسه (حتى القوقعة لها وطن تمشي به ويمشي بها ص42) ، لكنه يتخذ موقفا مضادا للتيارات السلفية القادمة من خارج الحدود ممثلة بالقاعدة،ويسرد تفاصيل كثيرة عن أعمالها الإرهابية ضد مواطني بلده .والاهم من ذلك انعطاف نظرته الخاصة ضد الاحتلال الأمريكي بالذات ويصبح أقصى كرها وحقدا عندما يشرع بنفسه في مشاركة صبية عراقيين في إحدى أزقة بغداد الفقيرة وهم يتخذون من رأس جندي أمريكي مقتول كرة قدم يتناوبون على ضربها بأرجلهم، في حين يقوم هو بتصوير ذلك بشكل مفصل دون خوف من مخاطر القوات الغازية، وبنفس الوقت يصبح معلقا على هذه اللعبة وهو ينقلها إلى العالم بواسطة صحيفته حين يخاطب رئيس تحرير المجلة قائلا (تمعن في اللقطة جيدا وانظر إلى وجوه الصغار المنتصرين على الرأس الأمريكي ..كرة عظام جرحت أصابعهم وقلعت أظافرهم .هذا الصغير الأملح الذي يتقدم جماعته ويسبقهم ..انظر إلى عينيه الغاضبتين وهو يركل رأس الجندي بشراسة ونزيف الدم يجر ورائه خيطا لزجا .. عيناه تفسران الفجوة العميقة بينه وبين العالم ص109)

ويؤكد تعليق السارد على موقفه المناهض قوله (كان بيننا أنا والصبيان تواطؤ عاجل لتوثيق لحظات متسارعة من لعبة اكبر مني ومن الصبيان والعمارات ...ص111) وهي لعبة مضمرة في ثنايا السرد المحايد الذي حاول الكاتب أن يخفي فيه موقفه من الاحتلال ليبعد روايته عن المواقف المكشوفة المناهضة لكن هذه الأقوال والمواقف تكشف انتماء السارد الغريب عن وطنه إليه خصوصا في دقة اختياره عبارة (وانظر إلى وجوه الصغار المنتصرين على الرأس الأمريكي ) التي تشي بوجهة نظر ضد الاحتلال ويتأكد ذلك في اللقطات الخاصة بعجائب بغداد.

 

عجائب بغداد

في الأجواء المغلفة بالخوف وانعدام الأمن والوحشة،يتجلى العجيب وكأنه جزء من العالم الواقعي، وقد استثمر الروائي من خلال صوت سارده المحايث للحدث سرد وقائع غريبة في جو مشحون بالغرابة تمثل بتلك المشاهد المخيفة في مشرحة بغداد واليد المقطوعة للإرهابي الذي فجر نفسه واستقرت كفه على (تنكتي التي اجلس عليها فبدت مثل حيوان غريب استسلم لقدره ص62) واليد بمثل هذا الوضع تستبدل وظيفتها في صناعة الحياة بوظيفة وحشية ولا إنسانية تتمثل بصناعة الموت وهي بهذا الشكل تفجر في نفس السارد مشاهد عجيبة لجمال أصابع اليد كان قد شاهدها في عواصم العالم وهي (تكتب وتعزف وتنحت وترسم وتحنط وتصنع وتلوح للجمال وتمسح الدموع ...ص28) .بينما تبدو الكف في هذا المكان الملبد بالخوف (كسلحفاة صغيرة محاصرة بالعيون المبهوتة التي تراقبها باشمئزاز ..كانت أصابعها تنكمش وتلتوي وتهمد كسحالي ميتة ص63)

وفي جو بغداد الملبد بالفزع والخوف والرهبة،والقتل اليومي في هذه الرواية،يستثمر الروائي المخيلة الشعبية في مثل هذا الجو النموذجي،ليسرد ( عجائب بغداد ) التي تقدم لنا (كائنات وظواهر فوق طبيعية تتدخل في السير العادي للحياة اليومية ...) (13) ، وتستثمر هذه الكائنات والظواهر كتقنية روائية، تهدف إلى إنشاء انساق مضمرة تنبئ بعالم متوازن مغاير لعالم التشظي والقتل، تجد فيه النفوس المعذبة فضاءها الصحيح وتستعيد فيها هويتها المفقودة، ولذا فأن العجيب في هذه الرواية لا يهدف الى بناء رواية ( عجائبية ) بالمعنى المعروف، ولكنها تستثمر العجيب (تقنية سردية تساهم في حبك الأحداث وفي تازيمها (وهي...) من ناحية أخرى مادة بعناصرها وشخوصها تنضاف الى الواقع دون أن تسئ إليه أو تحطم نسقه ص62) (14) ومن أهم الأحداث العجيبة في الرواية:

1-      أعمى قاتل (15)

2-      سيف ألزرقاوي (16)

3-      أخي الأصبع (17)

4-      قرية الأستاذ

تمثل هذه العجائب انساقا مضمرة تتجه اتجاها معاكسا ومناقضا للأحداث اليومية التي سجلت الرواية العديد من حكاياتها المأساوية ويهمنا هنا ان نفصل في اتجاه انساق هذه العجائب بالشكل الذي يلاءم إشارات السارد إلى حركتها المعاكسة للأحداث وصولا الى بناء عالم تتحقق فيه الهوية الوطنية بالشكل الصحيح في إحدى القرى العشوائية حول بغداد .(15)

يمثل الأعمى امام جمهرة المراسلين الاجانب شخصية متسول تقوده صبية شعثاء وهو يروي فجائع لا حصر لها وقعت في مدينتهم –(هامش ص37) ، ثم يصبح من عجائب المدينة حين يقتل خميس الأسود أمام جمهرة المراسلين،فيدخل ضمن نظام الشخصيات الإشكالية التي تأتي كرد فعل مناهض للتخريب والقتل والإبادة، ويتعزز ذلك بظهور شخصية مقطوع الرأس وهو يتحرك ويؤشر باحثا عن رأسه المفقود،أما (أخي الأصبع) فهو تنويع غريب على عجائب بغداد خلال فترة احتلالها وتخريب بنيتها،ويستثمر السارد الشاهد على الأحداث هذه العجائب ،لإنشاء عوالم خارج نظام الطبيعة،قوى خارقة تستطيع موازنة التخريب الذي تنجزه قوى متجبرة لا يمكن الوقوف بوجهها ممثلة بقوى الاحتلال .بالجوء الى استثمار الخيال الشعبي بمرويات وحكايات تخرق نظام الوقائع المالوفة باتجاه تاسيس نظام جديد اساسه قوى فوق طبيعية،تحرسها قوى الغيب،تجعل من الاعمى بصيرا يستطيع اصابة هدفه بدقة،وتجعل الجثة تبحث عن راسها المغيب في سراديب الجماعات الاسلامية المتشددة .ويحيلنا هذا البحث الى رمزية هذا الكيان الذي يقف ويتحرك بطوله المديد دون رأس، كدالة على ضياع نظام القيادة والتحكم المودوع عند المجموعات السلفية التي لا تؤمن بالعقل،(16) وهي إشارة الى افتقاد السلطة المدبرة للتوازن والعدالة الغائبة المتمثلة في (قرود المنطقة الخضراء ...ههههههههههه ص114 من الرواية ) (17) وكل ذلك يبط توقيته على رأي عام معروف اساسه العلاقة بين القوى السلفية والاحتلال الأمريكي وبينها وبين السلطة الممثلة للاحتلال !!!ويمكن اعتبار (أخي الأصبع) علامة من علامات السخرية السوداء من كل ما يحدث، حين يقف الأصبع بالشكل الذي يذكر( بوضعية مربكة لناظرها ) وهو يمثل (معجزة، وان بيت القتيل بيت من بيوت الله ص76) عند عامة الناس..

 

قرية الأستاذ

بظهور قرية الأستاذ،يدخلنا مؤلف الرواية وارد بدر السالم الى الفضاء البديل الذي يمثل وجهة نظر مضادة للحرب الأهلية المؤدلجة، وهي وجهة نظر لم يلتفت اليها معظم كتاب رواية ما بعد التغيير الذين اكتفى معظمهم بتسجيل كل الدناءات اللانسانية التي وقعت،في زمن الاحتلال وبعده .

و قرية الأستاذ من القرى العشوائية التي نبتت في ارض الوطن بعد الاحتلال يسمونها (حواسم) الا انها تتميز عن بقية القرى العشوائية بنظام جديد وضعه الاستاذ لها يسكنها غرباء جمعتهم مصائب فوضى الاحتلال والقتل على الهوية .وفي هذه القرية يتواجد الشيعي والسني والمسيحي دون ان يكون هناك صراع بينهم على اساس هذه الهويات الفرعية كلهم ينتمون الى القرية وكلهم يؤمنون بافكار الاستاذ الذي اسسها، هناك الاستاذ الجامعي الذي اسس القرية، على ضوء فكرة يخاطب بها الجميع ( كل واحد منكم هو الحقيقة والسلام والطمانينة ولا تدعو انفسكم رهائن نصوصكم فالدين للكنيسة والمعبد والجامع ص130)

وهناك طالب الفنون الجميلة يحمل اخاه الاصبع معه في كل مكان وهو الذي اقترح ان يجعل القرية مسرحا مفتوحا للصحفيين والمراسلين الاجانب .

 وفي القرية اعلام من الوان شتى تعبر عن هذا الحشد غير المتجانس من البشر وهم يعيشون بسلام وعلى بعد قريب من العاصمة يسمعون الانفجارات ويعرفون المصائب التي تحل على اهل العاصمة .

في هذه القرية تتجلى معجزة بيت قارورة الرماد (18) ، وتظهر شخصية جرجيس الاشهب الذي غادر أولاده إلى المنفى وبقي وحيدا بعدما قتلوا زوجته (19)

 

صياد الجثث

لصياد الجثث حكايات غريبة مع جثث الموتى الطافية في نهر دجلة، وهي تغالب موتها لتستقر على الجرف او في اعماق النهر بسبب الثقالات التي توضع في ارجلها وبعضها يكون طعاما للكلاب التي استعمرت احدى ضفاف دجلة مكانا للولائم الدسمة .

يسرد حكايات النهر نيابة عن السارد رجل الزورق او الصياد الذي اصبح الزورق موطنا له ولأهله عندما يشتد القتل والقتال .ومن النهر تتكشف للصياد حياة افلة لوجوه جثث لرجال وشباب ونساء،جنود وشرطة طافية في النهر، في البداية كانت الجثث مصدر رزق له حين يجد في جيوبها نقودا او مصوغات لكنه اصبح مولعا بجمع هوياتها والاحتفاظ بها، فأصبح يملك أعدادا كبيرة منها (20) .

ومن اجل ان تصبح حياة سكان هذه القرية بديلا للحياة الجديدة في بغداد،يمسرح السارد الشاهد ومن ورائه المؤلف فضاء القرية بكل ما يدشن الحصول على الهوية الضائعة للسارد : النجارون يصنعون موقدا لصاحب المقهى في القرية، اعلام ملونة خطت عليها تواريخ عبثية ورسومات عشوائية،طائرات ورقية وموسيقى شعبية استعملت فيها الابواق العسكرية وطبول الكشافة واواني الطبخ المختلفة (حولت المكان الى مهرجان صاخب خرج عن جاذبيته الاولى في فلك الفرح السعيد،كقرية في غابة بدائية ص166)

 

حائط الهويات / حائط الموتى

لقد حشد الروائي وارد بدر السالم احداثا وعجائب واهوال في ليل بغداد ونهاراتها،مستثمرا الذاكرة الشعبية، والاجواء المخيفة التي يمكنها ان تستقبل او تنتج مثل هذه الوقائع الغريبة والعجيبة،اضافة الى الواقع التسجيلي الذي ضمته سجلات بغداد والمدن العراقية الاخرى،في اعوام الاحتلال الاولى وما تلاها الى وقتنا الحاضر كل ذلك انتج الكثير من الاحداث التي وجدت لها افقا من الحقيقة في الواقع المعيش،ويمثل حائط الهويات حكايات عجيبة عن بشر قتلوا ومثل بهم دون سبب، ثم اصبحت جثثهم هائمة في نهر دجلة، الذي يمثل الخصب والحضارة والحياة النابضة عند العراقيين منذ عصور وعصور،وتمثل هذه الانعطافة في سرد حكايات هويات القتلى وقد علقت على حائط المقهى البوذية،اعادة الموتى الى الحياة حين يتسلمها أهلوهم بعد ان فقدوا الامل في معرفة أخبارهم، انهم الان احياء عند أهليهم (21)

لقد استثمر الروائي وارد بدر السالم الواقع التسجيلي في مدينة بغداد والمدن العراقية الاخرى التي رزحت تحت اعمال العنف والقتل على الهوية وتصفية الناس دون سبب، مضافا اليها ما افرزه المخيال الشعبي، في ظروف الخوف والرهبة والموت المجاني من عجائب ظهرت في سماء بغداد وتحت انظار المحتلين وانظار العالم،كرد فعل على تلك الاهوال التي افرزها الاحتلال،استثمرها كعلامة من علامات التحولات الايجابية في النفس البشرية حين تعيش الاهوال وتكتشف مصدرها،وقد اتضح ذلك في المشاهد الكرنفالية التي شاهدها مراسلو الفضائيات والصحف العربية والاجنبية في القرية البوذية التي نبذت العنف وتبنت الحياة الامنة (22)

وفي مثل هذا الجو النموذجي الذي ظهرت تلك العجائب،يتحول السارد من شاهد محايد على الاحداث الى مشارك فيها حين يرفض الذهاب الى المنطقة الخضراء او يعود الى دبي،يحمل هوية احد الغرقى يتحسسها بين حين واخر (وفي جيبي هوية وطن غرقت فانشلها صياد ماهر يرتزق على صيد الجثث وهي في جيبي الان شعور جديد بالمواطنة يعز على مفارقته بعد الان ص162.) (23) ، وهو بذلك ينتمي الى العالم الذي شارك في بنائه (عالم القرية العشوائية ) حيث الاخاء والمحبة بديلا عن العنف والقتل وحيث الهوية الواحدةى بعيدا عن التعدد في الهويات .

ان رحلة السارد في رواية عجائب بغداد،من عالم تحميه السماء وتمطر عليه عطرا الى عالم الاهوال والقتل والجريمة البشعة،وصولا الى اكتساب الهوية يمثل رحلة معاناة ومكابدة يحرسها ويسرد احداثها روائي تمرس في ولوج الامكنة الصعبة، لتشييد عوالم يتعايش في فضائها شخصيات اشكالية متناحرة اعطاها امكانية التعبير عن نفسها، بخبرته الطويلة في الكتابة الابداعية،وتاتي تحولات السارد، برهانا على ان الهوية الحقيقية تكتسب في المواقف الصعبة حين يكون الانسان مشاركا في بلورتها وليس شاهدا على تحولاتها، وبهذا كانت الرواية برهانا على هذه التحولات ودليلا حيا عليها .

 

...........

(1) انظر رهان الهوية واليات التعايش في العراق الجديد ملف تم تحريره من قبل مدونة عالم الأفكار الفلسفية وهو من سلسلة من الملفات من اجل تعميق آليات الحوار المحاور والمفكرون والكتاب –موقع الحوار المتمدن الالكتروني

(2) امين معلوف العابر التخوم- عبده وازن –كتاب مجلة دبي الثقافية الاصدار 60 ابريل 2012

(3) يتضح ذلك في رواية (يا مريم) للروائي سنان انطوان،حيث تسبب الاحداث المأساوية فيها إلى نزوع أبطالها إلى الهجرة –لاحظ مقالنا (عراقيون يمزقون الهوية ويهاجرون إلى المجهول جريدة العرب اللندنية 5 تموز 2013)

(4) إشكالية ألانا والآخر (نماذج روائية عربية) -د.ماجدة حمود –كتاب عالم المعرفة 398 مارس 2013-الصادر عن المجلس الوطني للثقافة والنون والآداب – الكويت ص13-14)

(5) إشكالية ألانا والآخر – مصدر سابق ص15

(6)   موقع مجلة العربي الكويتية الالكتروني

(7) نفس المصدر

 (8) الهوية العراقية و(تذويت) الهويات الفرعية- شمخي جبر- موقع الحوار المتمدن

(9)  (هؤلاء أحفاد ذلك القوم المتعدد الذي أقام حضارة عريقة نهضت على أيديهم في العراق منذ آلاف السنين. هم الذين شيدوا بابل ونينوى وأنشأوا المكتبات وسنّوا القوانين وبنوا ممالك وامبراطوريات عريقة.هم ليسوا الآن على ذلك القدر من القوة والمهابة. هذا أحد وجوه حركة التاريخ. إلاّ أنهم ما زالوا هناك حاملين تاريخهم وتراثهم ولغتهم وثقافتهم وإرادتهم في أن يصمدوا ويعيشوا ويظفروا بالحرية.) ثم ينهي مقاله متسائلا (كيف يستوي الحديث عن عراق تعددي، فيدرالي، ديمقراطي في وقت يجري وبتعمد مؤلم، تجاهل السريان والكلدان والآشوريين الذين كانوا أول من وضع الدساتير وأنشأ الدول وألّف الحكومات وأقام الحضارة في أرض النهرين؟) -موقع الحوار المتمدن .

(10) الحوار المتمدن نفس المصدر

(11) -انظر كتاب (الثقافة والمساواة- نقد مساواتي للتعددية الثقافية – تاليف بريان باري ترجمة كمال المصري جزءان-عالم المعرفة العدد 383 ديسمبر 2011 وفيه اراء مفصلة عن التعددية الثقافية ومخاطرها ثم الدعوة الى المساواة حلا جذريا للتعدية الثقافية في العالم .

(12) عجائب بغداد –رواية – وارد بدر السالم –ثقافة ط1 2012 ص9

(13) - ألعجائبي في الأدب من منظور شعرية السرد – حسين علام –الدار العربية للعلوم ناشرون –ط1 2010 ص32

(14) - ألعجائبي في الأدب – مصدر سابق وقد استفدنا من هذا الكتاب بالتفريق بين العجيب والغريب وبين العجيب والعجائبي وكل ما يخص السرد ألعجائبي .وهذا لا يعني أن الروائي وارد بدر السالم عاجز عن استثمار العجيب في الرواية باتجاه ألعجائبي فله انجازات روائية متميزة في الرواية العجائبية العراقية مثالها المتميز رواية (شبيه الخنزير ) لكني أرى انه هنا يوظف العجيب في الكشف عن انساق المضمر والمسكوت عنه في السياسة في عهد ما بعد التغيير

(15) -(ضحكت بألم لهذه المفارقة ..أعمى قاتل؟

اقول لنفسي هذه واحدة من عجائب بغداد اعمى ...قاتل ؟لم اسمع بهذا من قبل ص44 من الرواية )

(16) -(امسكتني رنده من يدي وهي تقول بانفعال : هذا لا يحصل الا في افلام الخيال العلمي !!ادخلت راسي بين الاكتاف، ثمة قامة مديدة لرجل يرتدي بنطلونا وقميصا وحذاء، اللحظة كانت مفعمة بالتوتر (...) لم انتبه الى ان الرجل الصامت ليس له راس الان اتماسك قليلا واجد لنفسي فسحة انتباه لا عيد ترتيب رؤيتي رجل يقف بطوله المديد يحرك يديه ويتملل بوقوفه لكنه بلا راس .

-(- هذا اخي ..هو اكبر مني ..اختطفته القاعدة لمدة اسبوع ..هو لا يستطيع ان يتكلم كما تشاهدون ..راسه مقطوع ..ذبحه ألزرقاوي بنفسه، وألقاه في النهر ..غير أن إرادة الله اكبر من ألزرقاوي ..فعاد اخي بعد ان سبح النهر وترك رأسه عند جماعة ألزرقاوي !!ص53)

(17) -(- ساحدثك بشئ ولكن لا تفزع !

انتبهت لا يوجد افزع من شرطي يحترق امامك، ولا تلك القامة التي ذبحها الزرقاوي بسيفه الاسلامي واطار راسها (...)

-        بقي من اخي الصغير المدلل اصبع واحد ! اصبعه الوسطى بقي على قيد الحياة

-        سحقته نيران سيارة مفخخة في السوق الشعبي وانصهر مع المنصهرين، الا اصبعه الوسطى بقي منه فتعرفنا عليه بين الرماد وجدناه منتصبا بين الاشلاء يشير الى السماء ..(وافرد اصبعه الوسطى منتصبا بالطريقة التي تستفز الاخرين ) .

-حملنا الاصبع اليتيم في تابوت بمقاس قامة اخي ودفناه بمراسيم الدفن المعتادة في مقبرة النجف غير انه عاد في الصباح الينا يبكي ..!ص78)

 (18) -( السيد رئيس التحرير :...والحال يا سيدي ليست على ما يرام .فكل شيء مضي الى الخراب . ولا تعجب ان قلت ل كان هناك من يريد ان يخرب هذا الوطن قاصدا ويزرع فيه الحقد بين الناس ليست القضية سنة وشيعة فهذا اطار عام تجري فيه المؤامرة على قدم وساق ...هامش ص 36)

(19) (هؤلاء يعدون حبة الطماطم انثى فلا يجوز وضعها الى جانب حبة الخيار لانهما قد يتزاوجان وقد ينجبان اطفالا ليسوا اسلاميين ..ههههههههههههه ص68)

(20) (كل شهر رئيس ..في شباط رئيس شتوي وفي تموز رئيس صيفي وفي ايلول رئيس خريفي وفي اذار رئيس ربيعي ...هههههههههههه اللعنة عليك ايها الثعلب بريمر ..لقد كشفتهم وهم في بيضة السلطة لكننا كنا اغبياء – ص148)

(21) (احرقوا ابنته الوحيدة واتصلوا به من هاتفها النقال واعلموه بمكان الحرق قرب ساحة عنتر ..ذهب الرجل مسلوب الارادة ولم يجد ابنته المحترقة .وجد كومة رماد مغطاة بورق جريدة . قالوا له هذه ابنتك ص120

-تململ الرماد كموجة ضعيفة تحركت ذراته العلوية كما لو ان ريحا خفيفة مرت عليه رماد مطحون كالقهوة ترك بي قشعريرة باردة (...) جو سحري غرائبي ينبثق من القارورة كما انبثق من الاصبع ذات نهار زيتحرك الرماد كما لو يتمطى ص125)

(22) ( هذا ما حصلت عليه من خدمة ثلاثين سنة في هذا البلد الميت بعدما فقدت زوجتي لا جثة ولا هم يحزنون اخبروني ان زوجتي قتلوها في الكرادة لانها مسيحية كما يبدو ص123)

(23) (لا توجد عندي إحصائية مضبوطة ..لكني اعرف أننا نمتلك أكثر من 700ىهوية شخصية ومستند وعناوين مختلفة لرجال ونساء وضعت في جيوبهم شعارات ثورية ودينية متطرفة ..ص159

(24) -(قلبي يحدثني أنكم ستجدون ابني . ما اقدر أن أغادر المكان ..نشدد على كلمة (ستجدون) ص212)

(25) قلنا للناس يا ناس انتهى عصر المعجزات وهذه مصادفات وخيالات وأشواق وأمنيات .ردوا علينا بأصوات أعلى :للحروب معجزاتها ايها الشاب الطيب وقد وطننا العلي القدير هنا كي نكون على يقين ان هذه القرية البائسة ستكون بذرة الأمان ..وليكن الأستاذ جامعنا تحت راية الرب بألوانها الخفاقة ولمعانها الزاهي وليذهب الطائفيون والمذهبيون الى جحيم الشيطان ولتعش بسلام قرية المظلومين ص127

 

 

قراءة في (خسوف الضمير) .. فاعليةُ الشعر في استيعاب أبعاد المأساة الإنسانيّة

ayad khodairيكشفُ لنا الشاعرُ رعدْ زامل في تجربتهِ الشعرية عن قدرةٍ واعيةٍ ومستوعبةٍ لتفاصيلَ صراعاتِ الإنسانْ مع ذاتِهِ أو معَ الوجودِ المحيطِ بهِ، لتكونَ شخصيةُ الشاعرِ وذاتيتُهُ نموذجاً يعبّرُ من خلالِهِ عنْ آلامِ الإنسانِ وهمومِهِ وأسئلتِهِ الوجودية التي تبحثُ عن أجوبةٍ لكلِ تساؤلاتِ الذاتِ الإنسانيةِ في خِضِّمِ آتونِ المأساةِ البشريةِ التي تبدو من فداحةِ كوارثِها كوميديا سوداءَ تقودُ الإنسانَ العارفَ الذي يمتلكُ رؤيةً ثاقبةً وباصرةً أن يطرحَ هذه التساؤلاتْ الغارقةِ بالألمِ والمُثْخَنةِ بالخيبة فالشاعر في تجربته ينقل لنا رؤيته التشريحية لواقعه وتكون نصوصه مرايا تقدم الواقع بما فيه من تناقضات وأحداث ماضية شكلت آثارها ملامح الحاضر فهو يؤكد على الغاية النهائية للفن والتي تصور الواقع بمصداقية وجرأة وتقدمه بصوره القاتمة بلا تدليس أو إخفاء للحقيقة وإن تكن هذه الصور صادمة ومفاجئة لأن هذا الموقف يعكس إلتزام الشاعر تجاه واقعه ليكون شاهداً منصفاً ويحقق الحرية لذاته وللمتلقي من خلال هذا التقديم وتكون نصوصه وثائق إنسانية ذات صدقية في طرحها وتصويرها لصراع الإنسان وعذاباته في دوامات الصراع الوجودي لذلك لم يقدم لنا الشاعر نصوصاً شعرية ذات لغة مكثفة وبناء شكلي اختزالي تدل على معاني بقدر ما جعل الشاعر المعاني الكبيرة التي نتجت عن رؤاه العرفانية للوجود هي التي تحتوي الكلمات :

لا قطارَ ينتظرني

ولا محطاتْ

فأنا عابرُ سبيل

أحملُ عمري

كما لو أنَّهُ

كيسُ نفايات.ص 7

أو في نصِّ قادمٌ من أقصى المياه :

تُرى ماذا

بوسعِ الموجةِ أن تفعلَ

في مثل هذا المستنقعِ الذي يسمّونَهُ الحياة ؟

وهل بوسعِ موجةٍ نافرةٍ مثلي

أن تطفئَ : شجرةُ يومُها احتراق

وغدُها حطب ؟؟ص73

إنّنا أمامَ تجربةٍ شعريةٍ تفتحُ آفاقَها للقارئ الواعي من القراءةِ الأولى ليؤسّسَ في كلِ قراءةٍ آفاقاً عميقةً توحي بها تراكيبُ الشاعرِ الموجزةُ والمكثفةُ والمصاغة بدقّةٍ أسلوبيةٍ وفهمٍ عميقٍ لقدرةِ المفردةِ التي تخرجُ من إطارها القاموسي حينما توضعُ بوعيٍ وحسٍّ جمالي ضمنَ البنيةِ الشعريةِ فتكونَ ذاتَ قدرةٍ هائلةٍ متوهجةٍ بفيوضٍ دلاليةٍ متعدّدةٍ تتجاوزُ المجالَ المضموني القريب للتركيبِ الشعري وتكونَ ذاتَ وظيفةٍ تحفيزيةٍ سواءٌ كانتْ المفردةُ ضمنَ التركيبِ أو منفردة وهذا ما يتجلى في القاموسِ اللغوي لدى الشاعر وبتعبيرٍ أدق (الذاكرةُ الشعريةُ الغنية) لدى الشاعر رعد زامل كما في قصيدة (نصوص الغياب) :

على شراعٍ غادرَ أبي

متجهاً إلى حتفِهِ

بالقطارِ أيضاً

غادرَ الأصحابُ

كلٌ يحملُ فرّاشتَهُ

على يدِهِ

وحدي والحقائبُ

تفوحُ بالذكريات ص20

إنّ الشاعرَ رعد زامل بما يمتلكُهُ من ذاكرةٍ متنوعةٍ (صورية) كانت أم (لغوية) استطاعَ بخيالِهِ الشعري أن يُعيدَ تشكيلَ بُنَىً لغويةً شعرية تجلّتْ فيها مستوياتٌ متعددةٌ من خلالِ تكثيفِ (ثيمةُ الحرب) وسيميائيتِها العالية في المخيالِ الاجتماعي فكانتْ عمليةَ تشريحٍ عميق لهذه الحوادث الكارثية من خلالِ توظيفِ الكلمة في الجملة الشعرية التي تعكسُ أبعادَ هذهِ الفاجعةِ الإنسانية فجاءت هذه الكلمة (الحرب) المعبأة بكم دلالي هائل ذات وظيفة (جيولوجية) لما لها من جذور ممتدة إلى أعماق الماضي ومختزلة لسنين من الألم والمأساة لا تزال تجلياتها الصورية حاضرة في ذهن المتلقي الذي عاش سنواتها العجاف أو كان مراقباً لها وما نتجت عنها من آثار اجتماعية حاضرة ومتفاعلة في الزمن الراهن فكانتْ بعض النصوصُ التي تحوي على شفرة (الحرب) تعكس حسَّ الشاعر برثاءِ الزمن أو الأشخاص مع هجائيةٍ قاتمةٍ تجاهَ كلِ ما يجعلُ من الحياةِ البشريةِ جحيماً أرضياً مرعباً :

الأبواقُ والطبول

ثمَ الغنائمُ والشرارةُ الأولى

هذا ما جنيناهُ من الحربِ

ولأنَ الأبواقَ للمنشدين

والطبولَ للمهرجين

والغنائمَ للمتخمين

الذين لا خوفَ عليهم

ولاهم ينزفون ...ص26

أو في هذه اللوحة الشعرية التعبيرية المتوهجة بفيض المعاني الإنسانية العميقة الدلالات :

في كل الحروب

التي هدأت

وظلت رحاها تدور

رأيت الجنود

يخلعون أعمارهم

والحرب تطحن ما يخلعون

وعلى وجوه الأرامل

رأيت القحط ....

ورأيت الأطفال

نطفاً بين الصلب والترائب يذبلون ص45

 

إنّ استيعاب الشاعر للقدرة اللغوية التي تشحن بها الجملة الشعرية والتي تعتمد الإزاحة كقوله (لاخوف عليهم ولاهم ينزفون) أو (منذ متاهة / هل أتاك حديث المياه) وتخلق تراكيب شعرية تعتمد على أنظمة بلاغية وأسلوبية كالمقابلة بين الأضداد وفعلية الجمل وأسميتها أو بأنسنة الجامد وتحريك الساكن وتجسيد المعاني المجردة بهيئة الملموس والتي تجعل المتلقي متفاعلاً مع النص الذي يتكون من بنى ترتبط فيما بينها بوشائج ظاهرة أو كامنة ويكون ممتصاً للكثير من السياقات المعرفية المختزلة في بنية النص والذي يجعل القارئ الواعي وكل ما يملك من ذخيرة معرفية في مواجهة نصوص الشاعر المكثفة لكي يحلل الشفرات المركزية والفرعية والتي تكون ذات دور ثقافي يمنح القارئ معرفة فهي معبأة بالمستويات الدلالية وتعكس دراية الشاعر بدور المفردة الرمزية في إثارة الخزين المعرفي للقارئ :

قادمٌ من أقصى المياه

أجرّ أذيال العطش

وكسهم بلا هدف

أدور حول نفسي

صارخاً في الأهوار

كلكامش: لماذا أيها الجدُّ

تركت الحمير

يخضمون عشبة الخلود ص70

أو في نص (نصوص الرماد) :

وسبحانك

إذ جعلتني على المقابر

أكيل الدموع

والنعوش

والنكبات..

ثم سبحانك قبل الحرائق

إذ نسيتني

ولما اشتعل الرأس شيبا

تذكرتني

فجعلت حصتي من ميراثك

هذا الرماد! ص 53/54

يضافُ أيضاً للشاعرِ هو استيعابُهُ الدقيق للتراثِ وبما فيه من إشاراتٍ موحيةٍ تتجاوزُ حدودَ ذاتيةِ النصِّ لتكونَ نقطةً متوهجةً تضيءُ الكثيرَ من المساحاتِ المعتمةِ وتجعلَ القارئَ مندمجاً مع مجرى النصِّ لمرجعيةِ الحادثةِ التاريخية فالشاعرُ ليس كما المؤرخَ ينقلُ لنا الحادثةَ بتفاصيلها المرويّةِ بلْ هو يتفاعلُ نصيّاً معها و هو يمنتجُ الحادثةَ التاريخيةَ وفقَ المتطلباتِ التعبيريةِ والمقتضياتِ الواقعيةِ الآنيةِ التي يريدُ الشاعرُ أن يوصلَها إلى المتلقي كما في نص (خسوفِ الضمير) إلى روح أبي ذر الغفاري والتي فيها استفادةٌ من شخصية الصحابي الثائر أبي ذر الغفاري وما يحمله هذا الاسم من سميولوجيا دلالية ذات إشارات متعددة :

عندما نصلُ إلى الينابيع

سيفرشُ لنا الملائكةُ الأرضَ بالعشب

ويسألوننا عن الحياةِ

كيفَ طويناها تلكَ الصحراءَ التي

لاخيمةَ لنا فيها ولاجملَ

وعندما نصمتُ سيجيبهم أبوذرٍّ

قائلاً : كان الجفافُ يخيّمُ على الأزمنةِ

وكان الخريفُ يُسَلّمُنا إلى الخريف ...ص 49/50

أو توليفٍ إشاري إلى قصةِ النبي يوسفَ وحالِ أبيه يعقوبَ فيتناسخَ والد الشاعر بشخصِ النبي يعقوب :

أتبادلُ أطرافَ الدموع

معَ الرجلِ الذي

يقابلني فيها والذي كلما سألتُهُ : كيفَ إبيضّتْ

عيناكَ من الحزن

يردُّ عليَّ : مثلمَا جفّتْ عيناك من الذهول

وأنت تحدقُ في بئرِ الغياب ....ص21/22

 

لقد جعلَ الشاعرُ معماريةَ قصيدتِهِ في الديوان ذاتَ شكلٍ مقطعي مرتبطٍ بوحدةٍ عضويةٍ ومشتركٍ بثيمةٍ واحدةٍ تكوّنُ بؤرةً مركزيةً مما يكسبُ النصَ الشعري تماسكاً موضوعياً وتعدداً مضمونياً لكلِ مقطعٍ تجلياتُه ويشتركَ مع المقاطعِ الأخرى بعلاقةٍ تفاعلية يتعددُ من خلالها الحدثُ ويشكّلُ أحداثاً متداخلة ومتوازية أحياناً ففي قصيدة (عن الخرابِ وظلامِهِ المر) نجدُ القصيدةَ ذاتَ المقاطعِ الستة تشتركُ بثيمةٍ مركزية أَلا وهي مفردةُ (الخراب) فتأتي هذه المفردةُ في كلِ مقطعٍ شعري بتركيبٍ شعري تكون هذه المفردةُ مركزيةً فيه وتربطَ أجزاءَ القصيدة وتكوّنُ بؤرةً مركزيةً تمسكُ بالبُنى النصيةِ وتؤدي كلُ جملةٍ وظيفةً تحفيزية تنقلُ تنوعَ صورِ الخرابِ   ففي المقطعِ الأوّل كانتْ الجملةُ الشعرية الأخيرة هي (لكنها جميعاً تؤدي إلى ذاتِ الخراب) وفي المقطع الثاني كانتْ الجملة الأخيرة أيضاً ( تغدو وصمةَ عارٍ على جبينٍ أسمُهُ الأرضُ الخراب) وفي المقطع الثالث الجملة الأخيرة فيه ( واكتفي بالنعيبِ شاهداً كالبومِ على هذا الخراب ) وفي المقطع الرابع الجملة الأخيرة (وقلتُ له كنْ نديمي في هذا الخراب ) وفي المقطع الخامس الجملة الأخيرة ( ريشةٌ لا تكفي لتدوين هذا الخراب) وفي المقطع السادس كانت الجملة الشعرية الأخيرة (كأعلى صرخة في وجه هذا الخراب) .

 لقد كانتْ تجربةِ الشاعر رعد زامل في ديوانه (خسوف الضمير) تجربةً شعرية عكستْ عن وعيٍ عميقٍ بتفاصيلِ الأزمةِ الإنسانية في خضّمِ الصراعِ الوجودي الحاد بينَ الإنسانِ وذاتهِ أو بين محيطِهِ وما يترتبُ على هذا الصراعِ من معاناةٍ وآلامٍ أو ما ينقلُهُ الشاعرُ من مأساةٍ إنسانيةٍ يفرضها عليه التزامه الوجودي تجاهَ قضايا واقعه فكانتْ قصائدُهُ انعكاسات لما يمرُّ به الشاعرُ والمجتمعُ فجاءتْ هذه القصائدُ ذات مضامينَ إنسانيةٍ بنزعةٍ إبداعيةٍ أمتلكَها الشاعرُ من جعلِ قصائدهِ وثائقَ تحملُ كثيراً من الأسئلةِ التي تصبو إلى تغييرِ الواقع وانتشالِ الإنسانِ من الواقعِ المرِّ الذي أصيبتْ به بعضَ الضمائرَ بالخسوفِ إلى واقعٍ تضيئهُ أنوارُ المعرفةِ والحب وتشع في أرجاء الضمير أقمار الحقيقة ....

 

ديوان خسوف الضمير الطبعة الأولى 2014 يتكون من 14 نص شعري في 96صفحة من الحجم المتوسط صادر عن دار الروسم للصحافة والنشر /بغداد

 

 

قراءة نقدية في رواية القلب البديل للأديب والشاعر العراقي محمود جاسم النجار

nema alsodaniرواية كتبت على لسان قلبين الأول عاشها والثاني دوّنها ..

من الأدباء في العالم من كتب حياته في سيرة ذاتية، أو مذكرات يومية، أو في شكل سرد، أو بطريقة اخرى، فهل من فرق بين ماهو يعتبر بين فن المذكرات والمقالة والسيرة الذاتية او فن الرواية ؟

وكما معلوم إن المذكرات اليومية هي عبارة عن تناول الأحداث اليومية التي مر بها الكاتب، أما السيرة فزمنها أوسع من ذلك هل من فروق أخرى! كما هو معروف .

وغالباً ما يصعب تبيان الحدود الفاصلة بشكل قاطع بين السيرة الذاتية وبين الأشكال الأخرى للتعبير عن الذات كما في السرد تبعا لاشتباك الاحداث وتعدد الشخصيات والامكنه والازمنه .

إذن المهم جداً هو كيفية صناعة الرغبة في شهوة الكاتب وإسلوبه في رسم أو تدوين دراما السرد واضدادها عبر مخيلة واثقة من الدخول والولوج في هذا العالم، ومن ثم البحث أو الوقوف عند كيفية التركيز على ماهية فن السرد أو على ماهية الأحداث في التراتبية الزمنية كسيناريو للحياة على سطح هذه السيرة الذاتية أو الروائية وعلى تفاصيل حياته الشخصية باتجاهات متعددة،

ففي فن الكتابة الذي يحلق بعيداً بيننا في مشوار الغربة، الوحدة، برفقة قلب عليل (قاب قوسين او أدنى) من النهاية، إلى مسافات طويلة ثقيلة بثوانيها، يتحدث ضمير السرد كانه الإبرة التي تقض مضجعه، كما في خطاباته المؤجلة في الخيانة وقولها بعد حين استلام القلب البديل،

 

يقول كولن ولسن :" الرواية محاولة لخلق مرآة من المرايا يستطيع الروائي من خلالها رؤية وجهه!"

في الجانب الآخر للكاتب محمود النجار، نجده أيضا يصور لنا حال البيئة والمجتمع من خلال مشاهد عامة اثارت اهتمامه وتعتبر خطيرة بالنسبة له منذ نعومة اظفاره حتى لحظات استلام القلب او الزائر البديل الجديد الذي أستقر بين احشائه كائن غريب،!هو الوحيد الذي يشعر بغرابة هذا الكائن، حتى لو جرب الغربة بانواعها كانسان عاش غريب في الوطن نتيجة الاوضاع السياسية وايضا غربته في خارج حدود الوطن، انها غربة ثالثة لايشاركها به احد،!

فالذكريات مازالت طرية تذكره في بعض الاحيان بالحماقات ايام المراهقة، التي عاشها مع اصدقائه في المدرسة و الشارع وعن تلك الخسارات التي يعتبرها مشينة التي عاشها، دعته ذات لحظة يفكر بالانتحار،!

في هذه الرواية التي تحتاج الى صبر عند القاريء لانها تصل الى درجة من درجات التصعيد الدرامي من الخطورة البالغة التي لايتحملها بعض القراء، لانها تعتمد على التحليل المختبري والتشخيص عند الاطباء وإجتماعات الممرضات والأجهزة وغرف الانعاش والجلطات القلبية المستمرة، أغلب القضايا والاحداث التي يتناولها بعمق تتعلق في إجراء عملية تبديل قلب جديد الى جسم تعود على نبضات قلبه القديم، يا إلهي،

النجار هذا الانسان الوديع الوسيم تارة يتحدث عن حياته وتكويناتها وشخصيته مع العائلة وإخوته وحجم العائلة الكبيرة بأولادها ومطباتها التي وقعت كلها على راس أمه العزيزة الغالية التي لايتوانى عن ذكرها في كل ثانية ويرجى منها الدعاء بالشفاء والخلاص لأنه يعتقد هي من تشافيه، تحملها مشقات البيت بعد مغادرة والده الى الرفيق الأعلى، الرب، من ناحية

ومسارالحياة وتاثير الأب على مستقبله وبين ممارسته لأعمال النجارة وأعمال اخرى،، وتارة يهتم بالعالم الذي يحيط به من خلال الاحداث وهو المراقب والشاهد بنفس الوقت، يتنقل عبر التاريخ القديم والمعاصر، من ناحية اخرى،

في نفس الوقت ومن الجانب الآخر أيضا لنبضات القلب الذي حمله طوال عمره كان يكلمه عن تلك الشخصيات التي التقى بهم، لذلك هو ( شاهد ومشارك) على ماشاهد من تغيير في بنية المجتمع . في قلب ترنح مع تلك الذكريات،

ولذلك نستطيع أن نسمي هذه المذكرات او السرد التي جاءت عبر بوابة الاعتراف والبوح ماهي الا شهادة على الحال المعيشي .وبدليل اخر كتبها في سن اكتملت فيه التجربة، في سن النضج كي لاتفوته شاردة او واردة . وهي تحمل من الغرابة نوعا ما،

الذات المسكونة بالالم والحب وعشقها للحياة، ودمار بغداد والعراق، اضافت الى الرواية طعما أخر جديد بعيون قلب مريض يتهاوى شيئا فشيئاً .

هل ياترى القلب الجديد يعشق بغداد، أم لايعرفها، وهل للقلب تاثير على هذا الحب وهذه المعرفة ؟

إن كاتبا متالقا يكتب بلغة خاصة عن أهم التفاصيل الدقيقة لسنين صعبة عاشها في ظل زمن الدكتاتورية . لابد له أن يسجل أهم اللحظات وأدقها، كأنه يصورها بالألوان تارة والآخرة بالأسود والأبيض تبعا لخفقان نبضات القلب القديم،

في الرواية هذه نرى العديد من العناوين المهة في حياة الكاتب وتجربته وما امتلكن ذاكرته المتقدة حبا وشوقاً لكل ماعاشه بالرغم من الحالة التي يعيشها من مأساة!

 

نساء محمود النجار الجميلات الشقراوات والغيرة والقلب البديل، بالإضافة إلى طعم بعض من الأصدقاء المر، وغياب الأهل والابتعاد. حسناوات شقراوات يبحرن في عالم الرواية في ليالي تعتبر محطات مهمة جدا لأنها مليئة بالدفء والحب والعشق من جهة ومن جهة أخرى الألم والمأساة وغياب المزاج،

حبيس الإنتظارين .. الإنتظار المعلول والانتظار الى ذلك الشكل الهلامي الذي لا يعرف صاحبه هل هو قلب امراة أم رجل، من أي قارة هذا القلب الذي سيحل مكان قلبه من اوربا امريكا اللاتينية اسيا، أسئلة كثيرة تدور في أفكار هذا الرجل، الانتظار إلى المجهول .

حرب البقاء واللابقاء .. بين المجازفة والخوض للاعماق،

الشك والتضحية في الخط الدرامي للصراعات المختلفة .. بين الحب الذي ولد ميتاً ذكريات متناثرة على جسد خاو يحتوي في قفصه الصدري قلب عاشق يعشق الحياة، كأنه بلبل يغرد حزينا داخل ذلك القفص فنسمع الشجن والماساة بصوته، قلب أرهقه التعب والسَهر والعتب على من أحبهم ولم يتذكروه في شدته هذه،

حوارات وصور تتشابك في كتابة فنية تنم عن أن الكاتب لايغفل شاردة أو واردة، للفوز بذاكرته لما يتمتع بها من حلم وسرد وعمق في الأحداث لم ينس شيئا أبداً، في كل حدث يقدم لنا الدهشة والمتعة والإبهار، في كل حكاية يصل بنا إلى نهاية كانها الاخيرة، لكنه ينتقل من فعل درامي إلى آخر ويرسم خيطاً رفيعاً يربط الأحداث لايحس به الا من يقرأ هذه الرواية!

وملاحظة مهمة تتعلق في موضوع السيرة الذاتية التي تعبرعن قصة الكاتب حياته علاقاته وتأريخ شخصيته وتدوين اليوميات في الذاكرة وما في دوجوانياته كما يقول:

كولن ولسن:

"هي نوعا أدبيا اصبح مهما جداً في حياتنا اليومية ".

هنا أجد أن هناك أهمية قصوى في التاكيد على التداخل بينها، (فصلة السيرة الذاتية) بغيرها من أنواع السرد القصصي قوية ومتداخلة ولا سيما تلك الأنواع المقاربة لها، مثل المذكرات، والرواية، والرواية السيرية، واليوميات والرحلات.

إن العلاقة وثيقة جداً بينهما،، فقط تصريح الكاتب هو الذي يحدد نوع الجنس هذا، ضمن:

اليوميات، الرواية،المذكرات، الذكريات، السيرة الذاتية ..

لابد من الإشارة الى إن الكاتب والشاعر محمود جاسم النجار يتمتع بقدرة عالية على بلورة الأمور بشكل شاعري حساس يعتمد في جذوره وأصوله على الذكريات الجميلة التي اِنسابت الى ذاكرته وإعتمد عليها لاحقاً كشاعر جميل له مجموعة شعرية البست ثوب عنوانها معطف الصمت،

في هذه الرواية التي تحتاج الى صبر عند القاريء لانها تصل الى درجة من درجات التصعيد الدرامي من الخطورة البالغة التي لا يتحملها بعض القراء، لانها تعتمد على التحليل والتشخيص في أغلب القضايا التي يتناولها بعمق عن اجراء عملية تبديل قلب جديد إلى جسم تعود على نبضات قلبه القديم،

تنطلق الرواية بنبض القلب الغير مستقر من الخاص إلى العام في مذكرات رجل يتراوح فيها ماهو جميل معشوق لذيذ وقبيح (غروتسك) مؤلم مخيف مرعب حد اللعنة،انها الغرابة .

نراه يتدفق كشلال بارد يوقظ كل الحواس في توصيف الألم والمرارة والماساة بالرغم من بعض حلاوتها ورومانسيتها،

هذه الاجواء كلها تمنح للكاتب ايضا الممارسة الادبية في فضاءات كبيرة متعددة مختلفة عن ساعات باتت قصيرة جدا تسير امام عينيه، اما سيغادر الحياة معلنا الخسارة او سيبقى على قيد حياة جديدة بقلب جديد ويعلن انتصاره من جديد بعد زمن من المرارة، انه القلق الذي لايفضي الى خاتمة،

وبالتالي تتضح لنا رؤية الانطلاق من المحلية التي كتب فيها القلب البديل الى العالمية حينما اعتبرت العملية من اهم العمليات في هولندا، ونشرت عنها الصحف هناك،

وقد عمل الكاتب محمود النجار على تحرير ذاته من البلاغة التي تعتبر مهمة في النص وخارج النص حتى ىتساعده لغته الشعرية على اختيار كلماته وسرده وتوصيفه المشبع بالقلق والخوف من الاتي حتى يقطع نفس القاريء في بعض الاحيان،

رواية تستند على خيوط امل رفيعة جدا لاترى بالعين المجردة، بشكل انيق ودقيق، فني مثل عمله، اشتغل محمود جاسم النجار على هذا العمل والاعمال التي تلته خاصة انه ايضا شاعرا وكاتبا يمتلك حرفه القدرة على النفاذ من خرم ابرة ليحيك لنا به اجمل الاحداث والوقائع التي جرت معه،،رجل كان مقيد بالوطن وباهله الذين غادرهم مودعا لهم والغصة في قلبه الضعيف ،رجل يبحث عن كرامته مهووس بالحلم والعودة من جديد الى وطنه،

فما تناوله من مذكراته تشبه خيوط حرير قوية جدا وناعمة في نسيج سردي مكين، تشعر واكن السرد لايرى بالعين المجردة، انما بالاحساس والمشاعر والقلق الذي ساد على الطابع الروائي او السردي للقلب البديل،الضمير والنكبة الالم والمعاناة ، ووقت العمل المضبوط الذي يراد به انجاز المشروع، وبراعة التصميم الفني والانجاز الجيد، نجد من ذلك ليس هناك حدود للخيال عنده و لانه يعتمد التوازن بين ماهو علمي وواقعي وعقلاني وبين ماهو خيالي وحسي وحدسي .

 

وجدت هذه الصفات في هذا المنجز الرائع الذي دمغ بين المادة الشعرية والوصفية والسردية الى اخره .

 

صناعة الفكرة بين الواقع واللامالوف وبين الدهشة والترقب:

لامذكرات ولا ذكريات ولا سيرة ذاتية من ( دون وجود ذاكرة انفعالية زاخرة ومليئة بالصور والانفعالات والاحداث بالاضافة الى اللغة والخيال والاسلوب ) كي يعتمد عليها في صناعة الفكرة التي تتصارع بين الشك واليقين بين المالوف واللامألوف،، بتدوين الهم البشري ،، ذلك الهم الذي اخذ الكثير من الكاتب في مدونته هذه الرائعة .

تناولت هذه الرواية التي جاء بها القلب الاخر التعبير، والبوح، الحب، النساء، الالم و الغربة والتواصل مع الاخر،، فيها من البراعةالفنية والواقعية كما تعبرعن سهولة في السرد والحكي،، وكان واضحا فيها التاثير الفني المعماري للشاعر او الروائي (كتجربة رائدة لاعماله) من خلال تجربته الحياتية والتفكير الدائم بالقلب البديل وما سيحصل في الدهشة والترقب لنبضات قلب ربما يرفض التعايش مع المكان الجديد لانه لامالوف له سيكون نزيلا جديدا بين ثنايا وحنايل جسد شارد،

ونحن نعرف ان هذه المدونات والمذكرات ما هي الا رحلات تنطلق من الزمن البعيد من الزمن الماضي بدقائق وتفاصيل الحاضر او بعقارب ساعة الحاضر .

وبعد إطلاعي على ماجاء في هذه الرواية من القصص القصيرة والسرد وجدت إن دور -- اللغة والاسلوب والشاعرية -- في كل هذه الأجناس مهم جدا عند الاديب محمود النجار تؤشر على إنه متمكن في تسليط الضوء على الأحداث والصراعات بوجود معادل موضوعي واضح يتمثل بين الشعور برحيل قلب زامنه طولة حياته وقلب آخر غريب لا يعرف عنه شيء بين ذات واحد لقلبين مختلفين بلغة وصفية وشعرية،

كما ولاحظت من خلال أفكار الكاتب أن بناء الإنسان ورقيه في كل زوايا الحياة الأدبية هو ثقافة وتقدم يمر عبر تطوير اللغة واساليبها لغرض الوصول الى منتوج فكري إنساني وحضاري نابع من صميم الذات وان الخطاب معنون إلى الانسانية بشكل مباشر .

لقد طرحت هذه التجربة العديد من التساؤلات المهمة و التي جاءت من صلب الروح الذاتية للكاتب ..

ومن أهم هذه الاسئلة -- حالة التدني في مستوى العلاقات في الغربة القاسية - تفشي روح الغيرة والحسد والتخلف بسبب الحروب والأوضاع المزرية التي مر بها الوطن مما جعل أغلب الناس تهاجر وتحمل معها أمراضها المجتمعية في الوضع المعيش في زمن الخراب في الوطن الام،!

بلد مزقته الحروب - والدمار والخرابهما الصفتان الأهم الآن - مما أنهك كاهل الشعب العراقي وارجعه الى الوراء دونما ان تتقدم . وكان لهذا الماساة تاثيرا واضحا على رسائل وعلاقات الكاتب في هذه الرواية، لان الحبل السري مازال مرتبك في عقله وروح صوب الوطن، وبان جلياً ذلك في مجموعة الرسائل والمفاهيم المهمة التي وردت على لسان الشخصية الرئيسية في اهمية تقديم نوع الحياة التي عاشها .

ومن خلال صناعة الفكرة الفنية التي قد تمر على البعض بشكل عادي،، لكنها في حقيقة الامر هي عصب الحياة اليومي .. كما احب أن أشير الى ملاحظة مهمة تتعلق في:

إن الذكريات هي أقرب الى السيرة الذاتية من أي فن سردي اخر .

كما في مفاهيم -الاعجاب والاعتقاد- جماليات الكون-- والبيئة الغريبة لشعب ليس بمهاجر،

--الاشارة الى الذات وتعريتها والتي بدءت تتهاوى الى المستنقع بعيداً عن الثقافة العراقية والإسلامية -- لأن الشعب الهولندي احبه وقدم له الكثير على عكس ما حصده من الأصدقاء وفي العراق وفي غربته،!

كان يبحث عن روح الإنسان في بوصلته، بالإضافة الى فن الرواية والحديث عن المأساة باشكالها وبتاريخها ما لها وما عليها .

ان أهمية هذا الجسر أو الخط يعبر عن أهمية الزمن الذي لاينقطع في ذهنية الكاتب لأنه سلسلة من التراكمات الحياتية، يتحدد بوقت معين في سلسلة الروي والسرد، ونراه متقطع في أوقات ومتصل في أوقات اخرى كما في (الذكريات) .

اخيرا أنا شخصيا كنت متمتعا بقراءة هذه المقالات والمذكرات والذكريات والقصص القصيرة، حيث وجدت هناك خيطاَ سيرّي لهذه الأجناس الأدبية يرتبط ببعضها البعض بين ما هو يقع تحت مفهوم السيرة الذاتية والمذكرات .. ولأن هذا الخيط رفيع جدا فهو يتداخل بين هذه الاجناس . وبالمحصلة فان عملية الإنتاج الأدبي هذه تتم عبر تحريك الذاكرة الإنفعالية ومخزونها الفكري ونوعية التجاريب للانسان .

جاء هذا الإصدار بعنوان القلب البديل و بهذا العمر بعد الاستكانة، وهدوء النفس المشتعلة في انتظار المجهول الروح المتوقدة حينئذ، كي تعلن اليوم عن -- البوح اللذيذ -- الذي عاش فيها منذ زمن طويل . نفسٌ كانت تراقب بعين ثاقبة الحياة بحلوها ومرها، وماآلت اليه الإنسانية اليوم من خراب فكري وصراعات لا تحصى ولا تعد . بالإضافة الى محاسنها ورقيها في المجتمعات المتحضرة،

 

ومن الله التوفيق

نعمة السوداني

ناقد وشاعر

بغداد - مراكش - خروننكَن

 

مقاربات في الشعر والسرد .. شهادة عن الإبداع العراقي الحديث

من ابرز السمات التي يتصف بها كتاب الكاتب جاسم العايف (مقاربات في الشعر والسرد)* احتفاؤه بالانجاز الشعري والروائي الذي يصدر لكتاب عراقيين من مختلف الأعمار، ويتضح ذلك جلياً في المقدمات التي تتصدر كتاباته، وهي تسرد السيرة الأدبية والمعاناة التي عاش ضمن ظروفها الشاعر أو الروائي، وهي سيرة تحمل التقدير والاحترام الكبير لهؤلاء المبدعين. يضاف إلى ذلك أن هذه السيرة عبارة عن رحلة في الزمان تتجلى فيها العلاقات الخاصة، التي تتسم بالعذوبة والصفاء، وبعلاقتها بالجو السياسي والاجتماعي المؤذي والمخرب الذي يحيط هذه العلاقة ويؤطر الإنتاج الشعري والقصصي الذي كتب في تلك الفترة . وهناك أمثلة عديدة تتناول هذا الجانب، ففي تناوله لمنجز الشاعر (مهدي محمد علي)، يضع عنواناً لافتاً (مهدي محمد علي: شجرة مثمرة .. ومنجز غمرته الظلال) يلخص فيه إنتاج هذا الشاعر والظروف التي أحاطت بحياته وهو يتنقل في المنافي، بعيداً عن وطنه ومدينته الأثيرة البصرة التي ظل أكثر من ثلاثة عقود خارجها، مصراً على تذيل قصائده بـ( البصرة. .. ) ويضع المدينة التي هو فيها بعدها مثلا (البصرة- طرابلس) أو(البصرة - موسكو) وأخيراً( البصرة- حلب) ولا يكتفي بهذه المعلومات من سيرة الشاعر أو الكاتب بل انه يعمد إلى تحليل ونقد احد منجزات الشاعر أو الكاتب، فقد تناول بالتحليل ديوان الشاعر مهدي محمد علي (رحيل عام 78) ملاحظاً أن الشاعر استثمر (ثنائية الحضور -الغياب، حضور الذاكرة - الماضي- وغيابها الآني، استدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح، محاورتهم، طغيان ملامحهم، الاحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد -الماضي القابع في الذاكرة - غياب الوطن في المنفى واختراق المنفى ذاته في حضور الوطن، الناس، الأحداث، الصلات اليومية (ص13). وحين يكتب عن الشاعر حسين عبد اللطيف فأنه يسرد بعضاً من سيرته الشعرية كاحتفاء الشاعر ادونيس به حيث نشر له (في العدد الثاني من مجلة مواقف مجموعة من القصائد (...) وقد أكد ادونيس ومن خلال تعريفه بحسين عبد اللطيف أن العراق بشبابه من الشعراء يضيف نكهة خاصة متميزة لبيت الشعر العربي الممتد عميقا في المكان. . (ص19)ثم يوضح دور الشاعر حسين عبد اللطيف باهتمامه الشديد بالعديد من الأدباء الشباب في المدينة . وعندما يتناول ديوانه الجديد (بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو) يرى" أن لا تراث يعتد به لهذا النوع من الشعر في الخارطة الشعرية العراقية والعربية حتى (ص21) ليؤكد أن المجموعة فيها الكثير"من الاهتمام بالطبيعة الجنوبية والبصرية بالذات، التي يمكن الرجوع إليها في المجموعة التي تحتشد بأسماء بعض الأماكن وسماتها وتلك الحيوات الهشة الموسمية في دأبها الدائم على مواصلة الحياة على الرغم من معوقات الطبيعة ذاتها (ص23) وعلى الرغم من توفر عناصر قصيدة الهايكو في ديوان الشاعر حسين عبد اللطيف كالاحتفاء بالطبيعة واحيائها وقصر هذه القصائد وكثافتها اقتراباً من قصيدة (الهايكو) ألا أن الكاتب جاسم العايف يصفها بعيداً عن هذا المعنى حين يلاحظ أن قصائد الديوان"ليس سوى صدى أو تشابه مع قصائد الهايكو (ص22) ثم يتمنى على الشاعر (ألا يلحقه بـ"الهايكو"بل يكتفي بما ذكره كونه (ومضات) أو ما أطلق عليه بـ(توقيعات)ولحسين في ما فعل اجتهاده وهو حر فيه ((ص22)ولم يعط الكاتب سببا لتمنياته أو توصيفاً يناسب اقتراحه بان يكتفي الشاعر بـ(ومضات أو توقيعات). وعند تناوله مجموعة(على جناح ليلكة) للإعلامية أطوار بهجت يعلق الكاتب على مصيرها الفاجع وما تعرض إليه موكب تشيعها باعتباره "من المشاهد الواقعية اليومية التي تختص (دراما) الحياة العراقية الراهنة . . مشهد لا ينجو منه يوم من أيام العراقيين، وهم يعانون مخلفات سنوات القهر والقمع والدماء والحروب"( ص36) ثم يتناول مجموعتها هذه بعناية خاصة مكثفاً أجواءها " بهموم وجودية - عاطفية، جهدت فيها الشاعرة أن تترسم حياتها اليومية الدافقة وروحها العالقة-المعذبة بين الحضور والغياب بثنائيات"( ص36) ويخلص إلى أن هذه المجموعة الشعرية (اقرب لـ"مدونات يومية شعرية"تفتقر إلى قلة الخبرة (الفنية- الشعرية) مع عدم الاهتمام بـ (الإيصال). وقد تضمنت المجموعة هواجس وخواطر متراكمة بسيطة غير معقدة لكنها من جهة أساسية تتفجر بعواطف ومواعيد سرية- وجدانية وألوان وأفراح وأحزان إنسانية ذاتية، شخصية متباينة) (ص39). ثم يتناول( أغنية حب) المجموعة الشعرية للشاعر مهدي طه، ويستغرق طويلا في سرد مكابداته مع استبداد النظام السابق، إلى حين" العثور على جثته غريقاً في الثلاثين من أيار عام 1975 بالقرب من نهر الحكيمية، ويجاور النهر:مديرية مخابرات المنطقة الجنوبية و مديرية استخبارات البصرة" والكاتب إذ يسهب في تفاصيل العذاب الذي تعرض له الشاعر قبل غرقه، فأنه يقدم شهادة معاناة ومكابدة عاشها المبدع العراقي في البصرة أو المحافظات الأخرى وهي خلفية مؤثرة في النتاج الشعري والقصصي، ويذكر الكاتب أمثلة بأسماء الشعراء والفنانين والكتاب الذين تعرضوا لموت مفاجئ ( يشبه غرق الشاعر مهدي طه) وهم حميد كاظم ( القاص سمير أنيس) وسعدون حاتم (الشاعر آدم حاتم) كلاهما قتلا في لبنان والقاتل مجهول !؟. (...) الشاعر قيس حيدر اعدم بتهمة الانتماء لحزب محظور (ص30)، ثم يكثف الكاتب وجهة نظره في شعر الشاعر مهدي طه قائلا: "لدى مهدي طه ارتفاع صوت الأنا عالياً في شعره ولا مكان لتعدد الأصوات في قصائده مما قلل مساحتها العامة ومنعها من الخروج عن ذاته المغلقة" (ص33) كما يلاحظ بعض الهفوات والسقطات الشعرية (البريئة بالضرورة) وهو يعزوها إلى العمر والتجربة القصيرة. ويضم القسم الأول من الكتاب إضافة لما ذكرناه موضوعات تتناول مجموعات شعرية ونقدية عن الشعر: (فجائع عازف آخر الليل، بداية البنفسج البعيد، جدل الشعر والرسم في قيم تشكيلية عراقية، قصائد النثر العربية: مشاهد ورؤى متعددة، أنشودة المطر. . قراءة جديدة .. وغيرها). ويختص القسم الثاني من الكتاب بالسرد وهو يتناول:(كوكب المسرات: شهادة جارحة. . تعدد التجنيس، أفراس الأعوام:تاريخ وطن. . تحولات مدينة، روايات غائب طعمة فرمان: برلمان الحياة العراقية، أوراق جبلية: تجربة ذاتية وتنوع المنظورات الإدراكية، مدن الرؤيا: قراءة مجاورة، انكسارات مرئية: محاولة اختزال المألوف والشائع). في رصده لكتاب( كوكب المسرات ) للقاص محمد سعدون السباهي، يلاحظ الكاتب جاسم العايف، تعدد التجنيس فيه، فالسباهي يكتب على غلاف كتابه "سيرة ذاتية من يوميات سجين" (ص85) ثم يهديه نصاً: "إلى زوجتي. . واصغر الأبناء الشجاعَيْن اللذين بواسطتهما هربت مسودات فصول هذه (الرواية)"، ويكرر وصف كتابه بالـ(رواية) في صفحات غيرها. ثم "يورد السباهي الملاحظة التالية في نهاية كتابه:" تاريخ كتابة النص" (ص89). . "وبهذا أطلق السباهي أربعة( أجناس) على كتابه فهو أولاً: سيرة ذاتية، وثانياً: يوميات سجين، وثالثاً: رواية، ورابعاً: نص"( ص89). ومن خلال هذا التجنيس المتنوع لكتاب (كوكب المسرات) لاحظ العايف" أن السباهي كان المراقب للجميع عما يحيطه ويحيطهم لذا روى براءة بعضهم والالتباسات التي وضعتهم في هذه الجحيم، وهذا الجانب يمكنه أن يسهم في توسيع فرص التنويع، واللعب الفني- السردي على المنظورات الإدراكية" (ص86). وعن رواية (أفراس الأعوام) للروائي زيد الشهيد، الفائزة بالجائزة الأولى في مسابقة دار الشؤون الثقافية لعام 2011 يكتب قائلا: "تدخل رواية (أفراس الأعوام) ضمن الرواية التي تستفيد من سجلات التاريخ، فهي تروي بسرد شفاف يتداخل فيه الزمن والتاريخ في العراق، بالتشابك مع الوقائع العينية للحياة اليومية، ونمط العلاقات المتعالية للفئات العليا في السلم الاجتماعي"(ص92) ويلخص الكاتب الأحداث التي سردت في هذه الرواية ممثلة بالحياة اليومية خلال سلطات العهد العثماني "المتلفعة برداء الدين الإسلامي وحكمها الفاسد الجائر الناهب للخيرات العراقية بحجة إسلاميتها" (ص93) وكذلك الأحداث قبل وبعد دخول القوات البريطانية إلى العراق عام 1914 وما جرى بعدها من أحداث دامية واجتياح مدينة السماوة من " قبل وحوش الوهابية، سلالات الفكر الصحراوي والقرى القاحلة"(ن. ص ) ويخلص إلى نتيجة تقول: " في رواية (أفراس الأعوام)يهاجر الروائي زيد الشهيد من الحاضر إلى الماضي للامساك به وبأحداثه المهمة وبنوع من الثبات الفني- السردي القادر على تناول ذلك أو بعضاً منها لان من الطبيعة المهمة للسرد أن يقترب من شؤون الحياة وناسها"( ص99). بعد أن يتساءل الكاتب جاسم العايف عن جنس كتاب ( أوراق جبلية) للروائي زهير الجزائري وهل يقع "ضمن سرد التجربة الشخصية، عند التحاقه بفصائل (الأنصار) في كردستان العراق، ونزعة رواية التجربة، بعد معايشتها ومعاينتها بكل التباساتها وخساراتها ودمويتها (...) لتكون شهادة موثقة لزمن كان فيه مشاركاً ومراقباً وشاهداً" (ص107) ليسارع إلى تأكيد سؤاله واعتبار ( أوراق جبلية ) "سيرة توثيقية، والسارد فيها هو الجزائري بالضرورة" (ص107). وعلى ضوء هذا الرأي قرأ الكاتب العايف (أوراق جبلية) باعتبارها تحمل الكثير من الحقائق الواقعية التي عاشها الروائي الجزائري ولم ينتبه، العايف، إلى أمرين وردا في قراءته هذه:الأول يتعلق بـ"الأشخاص المرافقين للجزائري وتجربتهم وكأنهم ملائكة مطهرة من كل آثام أو أنانية أو أحقاد أو منافع" (ص107)الأمر الذي أسهم "على نحو ما في تقليل فرص التنويع على المنظورات الإدراكية وافقد السرد اليومي مرونة التحرك بين المواقع المتبدلة للأصوات والشخصيات المشاركة" (ن. ص) وبذلك حكم على شخصيات السيرة باعتبارهم شخصيات روائية وليسوا شخصيات سيرية، أما الأمر الثاني فيتعلق" باستعادة الروائي الجزائري أوراقه القديمة المفقودة عن طريق احد رفاق الجبل ثم يعيد كتابتها أو ينقحها ويضيف إليها بعد أكثر من عشرين عاما على صدورها عن دار نشر جبلية وهمية اختفت من الوجود تماماً"(ص108) وهي تقنية روائية تعمدها المؤلف للإيهام بحقيقة الأحداث والشخصيات التي وردت في السيرة باعتبارها أحداثاً حقيقية وليست روائية، غير أن (الكاتب العايف) لم يقرأ هذه الأوراق باعتبارها رواية تستثمر السيرة وإنما قرأها على وفق العديد من الوقائع التاريخية التي باتت معروفة لنا جميعاً التي وردت فيها، مؤكداً على جوهر الصراع الدامي بين السلطة الحاكمة ضد خصومها السياسيين والذي يتصف بالقسوة والبشاعة من اجل القضاء على" المخربين، حسب منطقها ، ويعني ذلك واقعياً تحويل الأرض في بعض مناطق كردستان إلى فراغ خال من البشر"( ص108) ومن خلال إعادة الكتابة يتوفر للروائي، الجزائري، صورة أخرى لقسوة السلطة الجديدة وتجبرها ومن" الذين قاتل معهم السلطة السابقة، وصاروا رجال السلطة البديلة فهو يطالبهم (بعدم النسيان) لان (من ينسى الماضي محكوم عليه بتكراره حسب ما يقوله جورج سانتيانا"(ص109). ويورد العايف، عينات للذين" دوت القذائف في آذانهم ولعلع الرصاص قربهم وترك جروحا أو عوقا على أجسادهم (..) وبعضهم بات جثثاً غرقى محنطة في متاهات الثلوج إلى الأبد"(ص110). في القسم الثالث من هذا الكتاب يقدم الكاتب كتابين عن المسرح احدهما كتاباً للدكتور كمال عيد عن نشأة المسرح العالمي يعارض فيه "إن الأصل في المسرح والمسرحية انهما قد خرجا من المسرح اليوناني القديم" ويؤكد إن" التجربة المسرحية الأولى هي تجربة وادي النيل والثانية في وادي الرافدين" (ص131). إما الكتاب الثاني فهو كتاب الناقد المسرحي الراحل حميد مجيد مال الله (التدوير الدرامي) الذي يضم (بعض مقالاته ودراساته التي نشرها منذ تشرين الأول عام 2003 ولغاية شباط عام 2009) لتبقى مقالاته التي كتبها منذ بداية السبعينات حقلاً يحتاج إلى مَنْ يجمعه في كتاب، فهي مقالات متخصصة بالنقد التطبيقي كتبها الراحل منذ أوائل السبعينات وفيها" قراءاته ومتابعاته النقدية للعروض المسرحية التي حضر عروضها في البصرة وبغداد وسواهما من المحافظات"( ص135). وعن كتاب الراحل خليل المياح (استقلالية العقل أم استقالته!؟) يلاحظ (العايف) أن هذا الكتاب يضم مقالات تسهم في فهم (جوهر المعنى الفلسفي ) وقد كان مسعى الراحل المياح "في اغلب مقالات كتابه البحث والتنقيب في المقولات الماركسية الكلاسيكية وأراد المزاوجة بينها وبين الحداثة، في محاولة منه لقراءة الأطروحات السياسية- الدينية الراهنة لغرض تفكيك بنية خطابها الديني والمذهبي في هذه المرحلة التي تشهد صعوداً غير مسبوق للهويات الدينية الفرعية" ( ص142). وناقشت مقالات الكاتب الراحل (خليل المياح) تقديس التراث من قبل بعض السلفيين مؤكداً: "انه ليس قيمة بحد ذاته، إلا بقدر ما يعي من قيمة علمية في تفسير الواقع" (ص143). لقد كان كتاب الكاتب جاسم العايف، (مقاربات في الشعر والسرد)، سياحة في بستان الإنتاج والإبداع العراقي في أجناسه المتنوعة: الشعر والقصة والرواية، والمسرح والترجمة، بوجهة نظر تعتني بهذا النتاج، وكِتابه وتستكشف مضامينه الإنسانية وأشكاله المتنوعة، وبذلك فهو اسهامة جادة، جديرة بالقراءة، للتعرف على هذا النتاج وعلى سيرة من كتبوه ومعاناتهم ومكابداتهم حين اختاروا طريق الكتابة الوعر والشائك.

 

* منشورات: مجلة الشرارة- النجف- 2013/الغلاف: الفنان هاشم تايه

 

" الحلم لي" للروائية المغربية حليمة زين العابدين

najia  jannaرواية "الحلم لي" بوح فريد وعشق صريح للأستاذة حليمة زين العابدين، رواية تزاوج بين الأسلوب الشعري و الخطاب الأيديولوجي الذي آثرت من خلاله الكاتبة إلا أن تدلي برأيها في الأحداث العربية الأخيرة، وتعالج قضايا اجتماعية تراها سببا في احتقان الوضع ومأساويته، وتنظر لحلم كبير يحمل أماني كل فرد عربي، اعتمدت الكاتبة التنوع والتركيب في خطها السردي فجاءت الرواية منفتحة على عدة تأويلات، في إهدائها ص 3 ذكرت الكاتبة أسماء لأصدقاء لها كانت لهم بصمات وتأثيرات على الرواية الشيء الذي أعطاها صبغة واقعية، ولمسة مؤثرة جدا على المتلقي ويظل فضاء البحر رمزا قويا لقيم الحلم الكبير الذي يسكن حليمة زين العابدين.

ينطلق المتن السردي من داخل الزنزانة عبر ذاكرة علاء، يأخذنا عبر ضمير المتكلم إلى وضعية المعتقلين وعذاباتهم، وحالة السجون والقمع الممارس والمستمر على الإنسان العربي.

سنتعرف على قصة حب جميلة وعميقة بين شابين كانا في مقتبل العمر (خديجة وعلاء) ومن خلال التحول التراجيدي للأحداث ستطلعنا الكاتبة على عدة عوالم وأحداث واقعية ومتخيلة،تتمازج فيها الحوارات والمنولوجات الداخلية، والحكي، وكأننا بصدد قراءة سيناريو يعالج قضايا اجتماعية شائكة – القمع والاعتقالات القسرية، الهجرة، التسول، الدعارة،التعصب الديني، اغتصاب الطفولة، تعنيف المرأة وزواج القاصر، فالرواية جاءت مثقلة بالمواضيع الجادة التي تؤرق المهتمين بالشأن الاجتماعي والسياسي والاقتصادي. في ص7:" حالمان معا بدخول متاهات وطن عشقناه حد الوله، فلم نعد ندري أحبنا لبعضنا من حب الوطن أم الوطن هو الحب ونحن شعيرات في صدر الوطن .. يتحسس قيودا أدمت معصميه وهو ما يزال ببهو مخفر الشرطة، لم ينقل بعد إلى المخافر السرية تحت الأرضية، انتقلت دمعة حارقة على خده من تحت العصابة السوداء التي وضعوها على عينيه ..."هذا وطني يا حبيبتي .. مازال تدبيرهم الأهوج المستبد سياسة قائمة لا يغيرون سوى اللباس والقناع " يستمر المتن الروائي بحبكة مزدوجة، تمتزج فيها ثيمة الحب المزدوجة أيضا، فبطل الرواية مهووس بحب الوطن وحب خديجة، حلمه كبير باتساع البحر الذي شهد على سعادتهما ومغامرتهما ومأساتهما أيضا، نلاحظ كذلك ازدواجية المكان والزمان، الماضي والحاضر، وازدواجية ضمير المتكلم وضمير الغائب، فالتخطيط الذي اعتمدته الأستاذة حليمة يكشف عن طاقة روائية حقيقية ورؤية ناضجة للأحداث الواقعية للثورة العربية التي انتهت قبل أن تبدأ في ص 5: " أبحث الآن عنك يا حبيبتي في دروب نفسي ومتاهاتها، هل نجوت من الغابة؟ أعرف يا حبيبتي أن الذئاب لا تفترس امرأة حبلى في شهرها السابع...هل خرجت من الغابة يا حبيبتي أم اعتقلوك تائهة؟ هل وجدت العم عامر ؟.. أنا حبك والحب انتصار"

في ص16 " إيه يا خديجة حبيبتي، ماذا حل بك في هذا الزمن الملوث بالظنون والخديعة والخيانة؟ فكم كان حلمك أن يمهلونا قليلا حتى تحول بلد المدينة إلى حديقة تزهر فيها الحياة بالأمل والفرح"

يمتزج متخيل الماضي بالحاضر فيعطينا انطباعا بأن النص تسجيل لفترة تاريخية معينة تركت بصمات غائرة لدى الكاتبة التي خبرت هي أيضا الاعتقال السياسي، في ص 18 " في الزمن الغابر، زمن الغزو البدائي، قسم القراصنة شبه الجزيرة جنوب البحر إلى ثلاثة بلدان، كانت القسمة حسابا مضبوط النتائج .. فلم تجد لفظة الحدود منفذا تتسلل منه إلى اللغة المتداولة، ليحولوا شجر الغابة وأزهارها إلى أسلاك وأشواك تمنع التسلل، حين يبتلع الضباب القمر " إن الواقع الذي تمتح منه الكاتبة أضحى متعدد الأبعاد يطرح إشكالية سياسية وطنية وقومية، فالكاتبة تتكلم عن ثلاث بلدان مجاورة كانت موحدة فيما قبل (بلد الجبل – بلد المدينة وبلد قرية الصيادين) فبلد الجبل وبلد قرية الصيادين حققا الأمن والعدل والسلام ص 52 " الشعب في قرية الصيادين ثار ضد الفساد وحكامه، حاملا معه البدائل، محولا أحلامه إلى خطط وبرامج عمل، هدم ثقافة الخضوع للذل والاستعباد التي كانت سائدة، وأقام على أنقاضها ثقافة المواطنة والمساواة و التكافؤ وحقوق الإنسان والعدالة والتنمية البشرية " ... " حاكم بلد الجبل حلم ببلد مختلف، بلد يكرم فيه الإنسان ...انضم إليه الشعب ...لقد قاموا جميعهم بثورة كالنار الهادئة ...وخلال عشرين سنة، تطور اقتصاديا وتضاعف دخل الفرد فيها وأصبحت تحتل مراتب مشرفة ..." أما بلد المدينة، بلد علاء وخديجة في ص 51 " أقسى الحزن أن يتخلى عنك بلدك ...يلقي بك في بطن الحوت، وأنت تنوي الهرب منه إلى البر الآخر، راكبا قوارب الموت .. لماذا بلد المدينة يعيشون الظلام، على هامش القرية بلدكم، وهي تعانق الشمس بالنهار، وبالليل النجوم؟.. أليس لنا نفس الخيرات التي لكم ولبد الجبل؟ لماذا أنتم تعيشون الرفاه الاجتماعي ونحن نعيش النكد الاجتماعي " تلامس باستحياء مشكل الحدود والتفرقة و والعنصرية وتطرح عدة قضايا وظواهر تاريخية، اجتماعية وسياسية ساهمت في إحباطات وخيبات المجتمعات العربية وتحاول إيجاد البدائل لذلك، في ص 18 " و مازال الوهم يسكننا، يسكننا نقاء العرق وصفاء الدم" في ص 19 لن يتلاشى هذا الوهم إلا حين يدرك المواطنون البسطاء أن نقاء العرق لم يكن أسطورة استمرت قرونا .."

أما الحبكة الكرنولوجية فقد اتخذت عدة مسارات ويظهر ذلك من خلال تعدد الأصوات، والحلم، والحكايات، إضافة إلى المقاطع الشعرية التي تقدم إيحاءات قوية لكل مقطع سردي من الرواية وكأنها عناوين لأجزائها الثلاث.

بحيث سيتعرض علاء لثلاث صدمات متتاليات، خيبة ظنه بالوطن الحبيب،سيعتقل وستضيع منه خديجة وهي حامل في شهرها السابع، في ص 5 " حلم لا يبتاع لا يبضع لا يسرق لا ينسف لا يدمر"، ولكن يسجن ويعذب وسيعاني سجديا ونفسيا إلى حين، وثانيهما بعد خروجه من السجن سيعلم بموت خديجة الذي سيخلف ذكريات جميلة وندوبا نفسية في ص 83 "حلم عصي على الريح على المطر على العواصف والرعد" نلاحظ تعدد الشخصيات بحيث من خلال تحاورهم ستثير الكاتبة قضايا اجتماعية تعتبر الركائز الأساسية للمشاكل التي يتخبط فيها المواطن كمشكل السكن والشغل و التعليم والصحة، وثالثها اغتصاب طفلته "وردة" على يد متسكع بالغابة، الشيء الذي سيؤجج نار الثورة لدى علاء وأصدقائه في ص 161

" انشر في الكون الدمار

مزق الجسد وأوقد النار

...

لا يهزم الحلم

حلمي لا ينكسر لا يهزم

حلمي لا يتلاشى لا يدمر"

 

فينبثق نور الأمل ترسمه الكاتبة لتعطينا نظرة تفاؤلية عن مستقبل واعد بفضل تضافر جهود الجمعيات التي تصر على تحقيق الحلم و تغيير الوضع مهما كان الثمن . فالجزء الثالث كما سيلاحظ القارئ اختزلته الكاتبة في حوارات وتناص مع حكايات، تحاول من خلاله إظهار الوسائل اللوجيستيكية التي ستعتمدها الجمعية -التي اتخذت لها اسم " كرامة، عدالة، مساواة"- في ثورتها لتحقيق الحلم المنتظر والعودة إلى البلد.

 

...................

الهوامش

رواية " الحلم لي " لحليمة زين العابدين، عن منشورات دار الأمان، سنة 2013، ص 3-5-7-16-18-19-83-51-52- 161.

غنائية تموز في إنشودة (شفيع مرتضى)

eyal aldalmiالقصيدة ولادة غيمة رائعة، فأحيناً تكون الولادة قيصرية، وأخرى تأتي هاطلة وافرة الحظوظ، تحيي أرض الأرواح فيزهي نبتها زاهراً، تشكل الموسيقى عنصرا مهماً للطرب واحداث النشوة، هنا تبرز مهمة الشعر حيث يقال أن الأثر الممتع للشعر يكمن أن تنبع من الحقيقة القائلة (بأن إيقاع الضربة الشعرية يكون عادة أقل سرعة قليلا من إيقاع النبض، لذا فالشعر لغة القلب). الإيقاع غير الوزن فهما يتعارضان في الأغلب، قليل من الشعر الذي يخرج على صورة الوزن، فالحيوية تكمن في توازي حركات الإيقاع الموحية مع الحركات العقلية، لأنه يضيف إلى الدقة الكمال والتعقيد اللذين لا يستطيع النثر أن يقوم بهما لفقدانه الزخرف الشكلي، فالوزن نغم موسيقي، وكل معنى يحتاج إلى الحركة التي تلاؤمه، فالشاعر يشعر بأهمية الحياة كما يشعر بأهمية فنّه. (شفيع مرتضى) يتحسس واقعه بكل ما يحمل من مكنونات داخلية ليعود إلى ما خلّف في الماضي من حنين، والى الأمس من طفولة بريئة، إلى الصفاء، عاد روحياً لا جسديا بكل ما يحمل من مؤثرات أحدثت بفعل الزمن والتحول الحاصل بعصر التجدد السياسي .ليسأله عن ذكرياته عن طموحات كبتت عن آمال نحرت عن خطوات طفولته المتعثرة بأقل حَزَن من الأرض ارتفاعا ً فيقول في قصيدة (لو تستفيق الأسئلة):

       عدنا إلى البيت القديم لنسأله   وندحرج الذكرى بوجه الأسئلة

       فهناك وجه الماء خبّأ صوتنا           ليمر من أحلامه المتبتلة

يمتلك تراكم روحي فجفن الماء حيث الحياة وتغريده بروحانية خاصة، فهو ينتقل من الطفولة إلى مواقف أكثر إيلاما يغلّها الحزن بحميم القوة المتسلطة، حيث يقف على كمًّ من التناقضات المستحيلة، ولم يبقى سوى بريق الحلم وأمل ارجواني يتحرك بالدم ليشعل العواطف فقد غزل بأمنياته الحلم:

     هل تذكر الأمل الذي في بابنا؟           كنا نلم المستحيل لنغزله

     هل تذكر الأشواق كيف نخيطها       كانت تظلُّ بجانبيك معطلة

العقبات كثيرة والمخاوف ترمي ستائرها على ضوء الصبح لتكمل دائرة السواد لا أقول الظلام،ولكنها الليل الطويل البعيد الصبح ومع وسع جراحه يبزنا بصورة باهرة (هل تذكر الأشواق كيف نخيطها؟) لقد مدَّ ظلّه ليصافح طعنات الزمن برغم صعوبة أيامه وإهدار الضمير مخضباً، لكنه يمتلك القابلية على الوقوف والتجلد لمصافحة الأمس المرير :

     عدنا نمد الظلَّ كف محبة       لنصافح الأمس الذي.. ونقبله

     عدنا نذكره بحقل طموحنا     نسقيه سمرة خدّنا، كي نجعله

أراد بمناشدته أن يهب البيت سمرة سحنته ليصيّره كبيرا عظيما، ليهيج ما خبأ من طموحات مكبوتة بقيت مابين الأمل والخوف، فكان حتى التفكير بها همساً، مافتئ يشعر بدفء حضن الأم وهمسها، لكنه وأخوته منعوا ممن حلموا في تحقيقه :

     لا زال همس الأم – حضنا دافئا     لا تحلموا، فالأمنيات مكبلة

     صلى النخيل على ضفاف جراحنا       فجراحنا للقادمين مكللة

كان كل شيء في حضن الأم يتردد صوتها وغمغماتها، ورحيق كلامها، ونشيجها المُر عندما يصدر من صدرها له إيقاع خاص، أكثر تأثيرا وأعظم ذكرى .. أما حينما ترحل فأشدّ دمعاً والأحلام يتملكها هول التصحر .فأصل الثالث الذي نمى من أظافر آدم (النخيل) وقدسيته وبصلاته على جراح العراقيين حيث يتمايل على ضفافها دون الخلق، فهو فرد من جمع تساوت به الجراح، لذا استفحل الشيطان ولم يترك شيئا إلا استوطنه مكبرا حجمه إلى أن سدّ دخول الضوء وعفّن الهواء من نافذة الأمل، ليقتل ابسط الأشياء ويقتله، فقد كانت النفوس رديئة:

     كنّا نرى (الشيطان) في شباكنا     عيناه تسترق الشعور لتقتله

       تركت خطاه الورد ينزف حائرا     وسنابلا رقّت لقسوة منجله

لقد ابتلّت خطوات أمله بدم الزهر فنزفت عطرها وفتوة شبابها حتى أصبح دمها أبخس شيء، فانحنت السنابل المثمرة واستعبدت لقسوة الجلاد، لكن الآمال العظيمة نهضت كالفينيق لتهب الريح وتدفع الغبار والظلام والجبروت، والجدران البالية بمختلف الأفكار العقيمة.

     كبرت أمانينا، ويصغر ظله     وعلا جناح طموحنا ليظلله

     فاليوم عتقت الشعور أنامل     كانت يمر الموت وهي مهللة

ها هي الخطى الواثقة نهرا من الخير لتنهض بجياع الحرية والفكر، جاءت لتطلق المفردة المؤجلة الوجلة، والشجرة كثرت أغصانها لتسع العصافير كلها، والشرفة تحتضن الضوء والنافذة مطلقة لدخول الهواء، والثغر ما عاد مثقلاً بالأصفاد . فضحكت الورود لقبلات الندى وعانقت ريح الفضاء خطواته المتفردات بعدا، فالطريق يكفي الجميع بلا تدافع .

       جاءت تؤثث ما تأجل في فم       شفتاه أرصفة الكلام المثقلة

     فالآن لون الليل فارق صبحنا   مذ عاد لون الورد كي يتخلله

وقد تمطت الشمس تحت هزج الأغاني الملهمة تهزهزها الريح بتدلل، فقد عاد الضمير من منفاه، والتأمت جراحه، كي يضع الميزان ويبني الأرواح،ليوسع البيت القديم في نفوس المبعدين، ويعود بكل أتربته القديمة التي تحمل سحنة ألواننا التي ربما بدلها الزمن أو رام تبديلها.

فلتضحك الشمس التي في حجرها         كانت أغانينا تنام مكبلة

القت عصاها الريح بعد رحيله             فعيوننا بالأمنيات محملة

سيظل صوت الفجر يهتف أننا   للخارجين عن الضمير المقصلة  

 

عيال الظالمي

4\4\2014

 

موفق محمد .. شاعر لمدينة فقدت حدائقها المعلقة

rahman khodairabasللمدينة - أعني الحلة - طعم العطش الأزلي، منذ فخامة الجنائن التي عُلقت كما يروي لنا التأريخ عربونا عن حب ملوكي، في مرحلة منحت البشرية لونها وميسمها وعطرها الحضاري، حتى آخر إنفجار سيارة مفخخة،تعصف باجساد من وجدوا انفسهم فجأة امام جحيم لحظة متحجرة الملامح. ماذا تبقى من بابل غيراسوارها التي لم تسلم من عبث المستكشفين والأفاقين وسارقي الآثار ومن ارادوا ان يتسلقوا على التأريخ، بوهم كتابة اسمائهم على بواباته؟، نزوة لعظمة كاذبة لوثت نقاء الحضارة الممتدة حتى الشمس، حيث حمورابي يكتب نقوش القانون البشري على مسلته، وحيث الأسد يفترس الأعداء الذين ينوون شرا ببابل، اسد رابض بقوة على جسد بشري ليعلن سطوة مطلقة للقوة التي ترفع الأمم اوتذلها . وماذا تبقى من بابل الحديثة/ الحلة غير وحشة الذكرى. او كما يصفها الشاعر

في الغروب التي تلون فيها الغربان أصواتها من وحشته ""

لأيام زهت وانطفأت تحت وطاة رذاذ الموت اليومي؟ وماذا تبقى لشاعر المدينة المثخن بالجروح غيرلغة الرفض والإحتجاج . هذا الشاعر الذي اكتسب توئمة مطلقة مع ليل المدينة، نهرها، وجع اهاليها وازقتها وحيطان بيوتها . لقد آلى على نفسه ألا يغادر الحلة، وان يكون نبضها الذي لايتوقف :

" انا احب الحلة لأني ولدت على بعد

موجتين من نهرها "

لم يكن موفق ابو خمرة شاعرا طارئا. فقد عاقر خمرة الشعر منذ سبعينات القرن الماضي، وارتشف منها ما يكفي لأن يكون شاعرا متميزا باسلوبه وطريقته، وكان قارءا نهما ومتذوقا لعيون الشعر والأدب العالمي منه او العربي، لذا فتكونت لديه خميرة جعلته فقد يروض الكلمة ويمنحها قدرة الفعل .لتتحول الى قصائد جادة غير قابلة للتأويل . فهي خشنة الملمس، حادة الملامح، تبدو متوحشة احيانا، فتنشب أظفارها في الجدران كي تصل الى النافذة . أحياناً تستكين وكأنها دمعة بلورية تشق طريقها عبر تجاعيد الزمن المرّ . واحيانا تنفلتُ من عقال الصبر كي تمطر الزمان والمكان بغضب إنساني متوهج . لذا كانت قصائده تستنسخ وهي تنتقل من بيت الى آخر،ومن يد الى أخرى وكأنها مناشير سرية . كان يكتب الشعر في هواء ملوث،ينفث بقايا الألم فيتلقفه بقية الناس الذين يبحثون عما يعزّي آلامهم . وقد استخدم سلاح السخرية الضاحكة، وكأنه يريد ان يخفف من حجم الألم، او يحاول ترطيبه وعدم الإنكسار أمامه . كان شاعرا فكهاً بإمتياز. رغم أنّ كريس ماركر يرى " أنّ الفكاهة هي الجانب المهذب من اليأس" وإذا اعترفنا بهيمنة اليأس، فانه لم يكن نصيب موفق محمد فقط وانما هو قاسم مشترك لملايين العراقيين الذين اكتووا بحروب عبثية " واحدة تلد أخرى " وهجرة وتهجير قسري لأسباب إثنية ومذهبية وفكرية، وانتفاضة تخلى عنها العالم، مما جعل النظام المهزوم في الحرب ينقضُّ عليها وعلى من اعتقدته السلطة قد قام بها . وكان نجل الشاعر احد ضحايا هذه المذابح الجماعية التي إرتكبها النظام،لقد خرج أثناء الأنتفاضة ولم يعد الى الأبد . وقد ترك موته غصة في اعماق ابيه وهو القائل

"ميت أنا .. ميت .. ولاخط يجي عن موتك

سودة وحشتك يا ولدي، حرموك من تابوتك "

وكان الحصار المدمر الذي استهدف لقمة عيش المواطن، حصار اشترك فيه كل العالم، ولأول مرة يتفق الغرب مع الشرق على تجويع العراقيين، وتدمير خصائصهم وسماتهم . هذا الحصار الذي اكل الأخضر واليابس، والذي جعل شاعرنا موفق يبيع الشاي في احد شوارع الحلة، بعد أنْ باع كتبه، فكيف يمكن لنا ان نفسر صبره وهو يواجه هذه الأحداث التي كانت اكبر من أنْ تتحملها القدرة البشرية . لقد مكث في مدينته، رافضا الهروب او الهجرة الى بلدان اللجوء . وكأنه لايريد ان يتخلى عنها . او يتخلى عن الألم الذي أدمنه . ومع ذالك كان يقاوم الواقع القاسي في مواجهة غير عادلة، ومع نظام سياسي لايعرف معنى الإنسانية في ظل ضوابط لاتعترف بحقوق الإنسان ومعنى المواطنة. لذالك فهو يستنكر سيطرة من لم يكتووا بنيران الفقر والحصار، والذين جاءوا تحت غبار الغزو لأعادة عقارب الزمن الى الوراء، ومحاولة إغراق البلد في احتراب آخر، تحت دعوى حرصهم على العراق، فكان يوبخهم بقوله

" أين كنتم، ايام كان العراق

ماكنة للحم البشري .."

احيانا تشعر ان بعض القصائد تحاكي اوجاعا مزمنة . رافقته منذ البدايات، وتشعبت في عروقه وكأن الألم يراوح في مكانه دون أنْ يتقدم :

" راوح مكانك ياسلام

من نصف قرن يلهث الإنسان في جسدي ويعوي

لم يذق طعم المنام

راوح مكانك ياسلام، واسمع صهيل الموت يشهق في يديك وفي عيونك

لاتخف فالموت خُط على جبينك، واستدر للخلف وأزحف في الظلام .."

و كأن هذه القصيدة الحزينة طارئة على مايتمتع به الشاعر من حسّ الفكاهة والطرافة، حيث كان بالنسبة لأبناء مدينته ملاذا لأمتصاص الضجر . ولكن الموت الذي يلف العراق من اقصاه الى اقصاه هو الذي جعل قصائده تترنح تحت وطأة الدفن اليومي والقتل اليومي وقلق اللحظة المتحجرة . لقد طغت لغة الموت على جُلّ قصائده، وتشبعت بمفردات المقابر والأضرحة والثكلى والبكاء وعزرائيل والتوابيت والذبح والجثث والأشلاء والمفخخات والجحيم ..الخ . الموت حاضر في شعره. احيانا يناجيه او يعاتبه او يتحداه او يتوسل اليه او يناديه كي يتأمل المأساة :

" قل لي ايها الموت

هل تسمع أنين الأطفال

وهم يرضعون الحليب المعسّل بالسرطان من أثداء أمهاتهم "

والموت في قصائد الشاعر غير مرتبط بقضايا الأقدار او كوارث الطبيعة ولكنه مرتبط بفعل بشري . فحينما تدين قصائده فعلَ الموت فانها تدين الجريمة، بكل اشكالها ووجوهها، ابتداءا من جريمة الحرب التي تورط بها النظام الى جريمة الغزو والتحرير مرورا بجرائم القتل على الهوية والإحتراب المذهبي . لقداستطاع مفهوم الموت ان يتمدد في قصائده ليشمل فتاوى القتل، وممولي عصابات الموت وفضائيات التحريض التي ماانفكت تؤجج المعارك لكي تتسع القبور من اقصى البلاد الى اقصاها . ورغم ان شاعرنا قد اكتوى مباشرة بالموت من خلال فقد إبنه، ولكنه لم يجعل منه حزنا ذاتيا بل وجعا عراقيا شاملا، فقد تكون الحياة موتا . فهاهم اطفال العراق يموتون الما وجوعا وذلا :

" فهاهم أطفالنا وبحماسة لجان التفتيش

ينبشون المزابل نبشا، للفوز بلقمة عارية من الصحة ..."

لايتورع الشاعر عن سفح بشاعة الصورة . إنه يعكسها كما هي، لايلقي على جثث الضحايا غطاءا لستر كرامة الموتى كما يفعل مصورو القنوات الفضائية العالمية لتغطيتهم للمجازر .. هو يجعلها عارية كما ارتكبت ويصفها بدقة الرسام،وكأنه يريد أنْ يصفع وجه العالم مذكرا اياه بأنين الضحية وهي تعاني نزعها الأخير، غارقة بالدم والغضب والألم والعجز عن المقاومة . اعترف بان بعض الصور غارقة في رعب الموت وتشنجاته، ولكنه يريد ان يريه الى الآخرين، كي يصدمهم بدوي الحقائق التي تمارس على الأرض من قبل قطعان بشرية حالمة بالجنة، وسالتقط بعض العبارات المبثوثة في ثنايا قصائده: (الجثث المكتوفة اليدين .. اجلس في المقلاة ..جاهدت ان أجعل من جثتي شمعة ..القناص كتب اسمه على جبهتي ..يتدلى من رأس مقطوع ..ثقب واحد في رأس الثدي الأيسر ..مصنع لتعليب الرؤوس البشرية ..وينز دما من عينيه ..السكاكين تعزف على رقابنا..أمّا قلبي فلا تستغربوا من المسامير التي تطرزه ..ألخ)

تطفح قصائد الشاعر موفق محمد برموز أثيرة الى نفسه متعددة، تجلت في اغلب شعره، ومنها : الأم التي ظلت تداعب خيال الشاعر وتبقيه طفلا أبديا ببراءته وحاجته اليها، والأم هي الوجه الآخر للوطن، وقد كان موفق عاشقا للأمومة يذوب فيها ويغترف منها القدرة على الوقوف والتماسك، كما انّ امه ألهمته الشعر كما ألهمته الألم منذ صرخته الأولى وهو يواجه العالم، باكيا من استنشاق عطر الحياة المخضب بالدم، بينما القابلة تهمّ بقطع حبل المشيمة . ومنذ تلك الحظة اضحت امه حائط مبكاه ومسرح ضحكاته : " هي ذي كأسك

فكأسي إمرأة تبكي في منتصف الليل "

واحيانا يصف لوعتها وهي تواجه حدة الواقع الحياتي المر

" فامي يقظانة نائمة

وقنبلة موقوتة البكاء، تقبّل وسائد الغائبين"

اما مدينته فقد اخذت من شعره حيزا واسعا لايمكن استيعابه بهذه العجالة . فالحلة- في قصائده- ليست مجرد مدينة، بل هي كيان تاريخي ضارب بجذور حضارات مازالت شاخصة . وهي ملعب صباه وباكورة احلامه ومسرح اوجاعه ومسراته . فيها تجرع خمرته الأولى وسجارته الأولى، وفيها تهجى الحروف التي رافقته الى الأبد:

" أنا أحب الحلة فقد علمني نهرها القراءة والكتابة

وأعارني كتبا ممنوعة .."

لذا فقد تحول الى شاعرها وعشيقها وحارسها ومتسكعها الليلي وصعلوك شعرها الذي يلتحف من الهم اليومي بغطاء قصائده كي يتصيد عنف اللحظة:

" في أول ساعات الفجر

وانا أترنح في الليل المسجور بأجساد القتلى .."

انتهج الشاعر موفق محمد اسلوبا في كتابة الشعر، يقوم على الموائمة بين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة حتى ان الكثير من قصائده تسمو في افاق القريض احيانا ثم تخبو لتلامس النثر احيانا اخرى . ويأتي شعره معبرا عن كبرياء الكلمة في كلتا الحالتين، وعن موقفه كشاعر وكإنسان، لذا فقد جعل من الشعر وسيلة للتغيير ونقله من زواياه المحدودة في اعمدة الصحف والمجلات، ليجعله (منبريا) إنْ صحت الكلمة , فالشعر الحديث أقل قدرة على شد المستمع من الشعر العمودي، ولكن موفق استطاع ان يجعل من شعره قابلا للأصغاء، مستقطبا الجمهور بمختلف مراتبه الثقافية . وكأن الجمهور يذهب للأستماع والإستمتاع وكأنه جمهور (الفرجة) التي يتفاعل بها الفنان بمن يحيط به . ومفردات موفق تلامس ذائقة المستمع الى شعره حتى وان هبطت عن المألوف . واذا لم تسعفه فصاحة اللغة ومتانتها يستعين باللغة الدارجة ويوظفها في القصيدة بشكل متقن . وكأن الفصحى غير قادرة على البوح، لتنبري اللغة الحكائية وتقوم بدورها . حتى ان الجمهور يبكي ويضحك في نفس اللحظة . وما القصيدة التي قيلت في إحتفالية ابي تمام الا مثال على ذالك :

" افنيت عمرك لم تقم من وجعة، الا وطحت بأخرى

سرمهر وانكس

وما تخلصت من بور لطمت به إلاّ تمنيته

فالجاي كان أنكس .."

ويكثر الشاعر في استخدام الكلمات الدارجة، فتراها مبثوثة في صفحات قصائده دون ان تؤثر على جمالية اللغة، بل تمنحها اتساعا في الدلالة . وسألتقط بعض هذه المفردات على سبيل المثال :

(اويلي يابة - يا جار رمش لي - يمة آنا لفيت صرتك بالورد وذبيتة - وين نولي - العدة عراقي عتيك للبيع - انتو مطينة طرح - بلاد الجنابر - وضع ما تبقى من أيامه على تنكة نص ردن - لو نعرف انت بيا طولة...الخ) وهكذا تأتي اللغة الشعرية متشابكة ومؤثرة، وليس غريبا على الشاعر الذي يجيد كتابة الشعر الشعبي وله قصائد رائعة تتسم بالعمق والحزن ومنها (يا مطر زخنة محنة) كما ضمن الكثير من الأغاني الشعبية الشائعة في قصائده، ومنها اغاني سعدي الحلي وعفيفة سكندر وغيرها :

(اريد الله على الدكة يجازيهم

كلما عذبوا حالي، ساكت ما أحاجيهم ..)

أما الأقوال المشهورة والأمثال السائرة فقد استخدمها بشكل محوّر من اجل إثارة الأنتباه وتسليط مزيد من الضوء، ومنها: (انت لاتنزل القبر الواحد مرتين - بأنّ مسيرةالمليون قبر لاتبدأ إلا بجثة - قبل أنْ نهزه رصاصا جنيا - أنا افكر اذن أنا دايخ - وقتالكم لاتأخذه سنة ولانوم ..ألخ )

لقد كانت السخرية سلاحه ضد الأنظمة . لم يهادن ولم يصمت بل قال ما ينبغي قوله وكأنه لسان لمن آثر الصمت خوفا او جهلاً. واذا كان الفيلسوف الفرنسي ذو المنهج السريالي (اندريه بريتون) قد إخترع ما يسميه السخرية السوداء . تلك السخرية التي تقوم على استدعاء الأمور الأكثر رهبة، فانا يصح ان نسمي سخرية الشاعر بالسوداء، لأنها تطفو على بحيرة من الألم والحزن والمرارة،وللنظر مشهدية هذا النص :يقول في احدى مقاطعه:

" يقول القرضاوي

فمن يقتل عراقيا خيرا يرى، ومن لايقتل عراقيا شرا يرى ! "

ثم يقول في مشهد آخر:

" وما ذبحناهم بل كانوا انفسهم يذبحون

قالها مفتن من اليمن السعيد، وهو يخزن القات .."

لقد كان المقطعان نموذجا لسخرية سوداء، فيها من الألم والأستغراب والدهشة، ما فيهامن طرح المتناقضات بشكل اضحك الجمهور وابكاه في آن واحد. كما انه أدان التطرف الديني والمذهبي وسفّه شيوخ التطرف والتكفير، منتصرا للبراءة والضحايا،منتصرا للعراقيين الذين تذوقوا مرارة القتل والفتك والتجويع بأسماء مختلفة وهنا تكمن اهمية السخرية الهادفة التي انتهجها الشاعر موفق محمد في اغلب نصوصه .

 

قراءة موجزة عن شجرة الإبداع في أعمال سهى ذكي

mohamad talat"يعرف الجميع من هو السيد حزن؟ هو من يحكم سيطرته على البشرية، من يجيد تسخير مساعديه لمعاونته في كل حزن، بداية من حرمان طفل من ثدى أمه، مرورا بالانكسارات الصغيرة في الطفولة وفشل الحب الأول، نهاية بإجبارنا على الاستسلام لمساعده الأكبر، الموت".

بهذه المشهدية السردية من نصوص "وجع الأغاني" بدا البراح الإبداعي عند سهى ذكي الأديبة المصرية براحا يتسع ويضيق حسب مزاجية حالة الإبداع لديها حيث بدت ملتصقة شديدة الالتصاق بواقعها النفسي الغالب عليه صفة الديكتاتورية الذي يشترك أيضا مع واقعها العام الذي يعج بالكثير من الديكتاتورية والألوهية وعبدنة الأفراد والحالات، وقد برز ذلك واضحا في جملة أعمالها الأدبية، وخاصة " جروح الأصابع الطويلة2008م- فاطمة 2010م- وجع الأغاني2013م"، وفي هذه الأعمال بدت رؤيتها للعالم والوجود متماهية مع الغُلب والفقد اليومي الذي تمثله روح السرد المتسيدة حد الاستبداد في فرض ما تراه هذه الرؤية في هذه الأعمال الفنية.

وبعيدا عن الكلمات المحفوظة التى اختراعها بعض هواة النقد في التسطيح الصحفي، فأعمال سهى ذكى تبتعد عن تلك "الأكليشيهات المتوارثة" من نوعية إنها تهتم وترصد فئة المهمَّشين من الأناث المَقْصِيّين إلى آخر تلك السلسلة من التشبيهات العجيبة التى تُمحور صوت أي مبدعة على قائمة تصنيف الصوت النسائي المضطهد صاحبة القضية المهولة. حيث لا يوجد في المسرح السردي لهذه الأعمال أي تقصىي لصوت الأنثى المهمشة بل هو إبحار في سيطرة واستبدادية الأنثى في فرض سيادتها بإجلال حزنها السرمدي، وجمالها الفريد، وبشهوتها العاطرة على الوجود في حالة قبول وتعايش ورضا بالكينونة والنوع. كلها صفات تصالحية مع الذات الأنثوية التي هي المعادل الموضوعي لتلك الوسامة التى تتغزل بها سهى ذكي في نصوصها الإبداعية لدرجة يمكن التخيل فيها أن سهى تكتب بحالة انسجام ما بين شقها الذكوري والأنثوي معا.

في هذه الأعمال لن نجد الإعلاء المصطنع لشأن الأنثى كمظهر مسرحى لحقوق المرأة المعقدة لدينا في الشرق ، حيث صدرها المبدع العربي وصدرها للعالم بمنتهى العبثية العقيمة التي أنتجت أغلب الأبجديات الأدبية الأنثوية التي تعاني من رؤيتها كأنثي، إذ لا تراه في ذاتها سوى ديكور يزين به الرجل الشرقي عضوه الذكرى في أغلب الأحوال، لكن المشهدية السردية سواء في واقعيتها أو متخيلها عند سهى ذكي لا تعتني بتلك التأزمات والتراكمات النقصية التى جسدتها في سياق الانتهاك لحقوق الإنسانية. حيث استعارت مفردة"مضاجعة/ الأوضاع" التي تقترن عادة بشكل جنسي مهين للأنثى؛ لتنطقها كوضع أكثر إهانة حين يشعر بها الذكر، فتقول على لسان "عمر" في رواية جروح الأصابع الطويلة: "هل يوجد غيري في هذا العالم يضاجعه القدر في كل الأوضاع"ص33، وهي هنا تؤصل نوعا ما لفسلفة إنهاك الجسد البشري بمفردة جنسية حبستها الأبجدية الإبداعية العربية وقيدتها حول الأنثى. كسر القيود وفتح براح أعم وأشمل تتساوى فيه كل المفردات دون تميز ولا عنصرية ولا فرق في استخدامها بين عالم الذكورة والأنوثة، فهى هنا لا تخلق صراعا مفتعلا بين العالمين بل تعمل على استزراع شجرة الاحتواء التى تظلل على الجميع.

إن شجرة الإبداع الاحتوائية لديها يقبع بداخلها ديكتاتور الوجع السردي (الحكي/ السارد) الذي يعلم كل شيء ويصف أدق التفاصيل كأنه رسول أتى بعلمه من رب ذوات النفس الداخلية للبشر، ليفضح ستائر الحزن عن عالمهم، ليوحد بينهم، فثمة حزانى هنا تعلن عنهم في عالمها الإبداعها الذي يحرر بالمعني الرقيق الدافئ الصادق بلا ضجيج ولا ادعاء النبوة، فهي تحرر قيود الرغبة للأنثى لتختار ما تراه مناسبا، ولتمارس الحب مع من تريد، ولتلعب مع من تشتهي، فهى تآخي الذكورة في سلطوية اللعبة التى يتحكم فيها الذكور. في رواية فاطمة: " قومي يا قزمة العبى معايا.. يالا يا كرته يا وحشة.. إنتي ما بتحسيش؟"ص30، تفضح هذا التميز والعنصرية من هذا الذكر" يتسلل هاني بعيونه السوداء الضيقة طويلة الرموش، يترقبني من تحت نظارته الرقيقة مرتديا بيجامته المقلمة فيقترب منى مستفزا.."ص30، وهذا الوصف الديكتاتوري للحالة المشهد ككل من قبل الساردة أعطى مساحة من الديمقراطية في المشهد السردى العام حيث لم تخلق الوصف السيء للذكورة عقدة (الولد والبنت) فجاءت ديمقراطية اللوحة السردية بطفل آخر أكثر وسامة تلتف حوله البنات.. وهو الوسيم(وسامة الإنسان) الذي تحاول أن تفرضه ديكتاتورية الساردة في"وجع الأغاني"، و"فاطمة" و"جروح الأصابع الطويلة" ليكون المعادل الموضوعي لـ(قبح الذكورة)، كمحاولة ديكتاتورية منها لإجبار الذكورة للتعايش والإخاء والمساواة مع الأنوثة. وبهذا تأسس سهى ذكي دمقرطة السرد وإن بدت غاية في الديكتاتورية.

والأديب الذي يؤصل هذه المعاني فهو بلا شك يمتلك رؤية عميقة للحياة أو لما وراء الحياة.. لظاهر النفس مع الناس ولباطن النفس مع الذات. في مساحة تطول أو تقصر وفقا لمزاجية الحالة الإبداعية عند الأديب. وهذا واضح بشكل عام في إنتاج سهى ذكي الإبداعي. إذن هذه الرؤية للعالم الإبداعي تتكامل وتوضَّح في نصوص "وجع الأغاني" رؤية واضحة متكاملة للإنسان (الأنثي) والوجود(الوجود الأنثوي) و كأن ملامح هذه الرؤية هي أشبه بصفحة السماء في فصل الشتاء في يوم غائم تتكون السحب الحبلى بالماء شيئا فشيئا، لتجعل القارئ يجول في السماء، و يلاحق الحدث(المطر) ليرى أول قطرة ليستنشق أول عبق برائحته النفاذة عن جماع طبيعي ما بين الماء أساس الحياة والتراب/الرحم الشريك الفعلى لخلق الحياة.. إيلاج فطري في تتابع زخات المطر المتقاذفة من السحب لترشق بين ثنايا التراب لتعجنه أديما لزجا ينتج عنه هذا العبق الفني في نصوص هذه المبدعة. تضع هذه الرؤية القاريء في حالة استكشاف المسكوت عنه المتواري خلف لغة مشحونة بالحس الفصيح والعامي لتنير درب الوجع لدى القارىء الذي ربما يصادف بعض أو كل أوجاعه وهمومه فيما تسطره هذه الأديبة، ليرى أمامه نزول الوحي على هذه (الساردة/سهى ذكي) ليتوجها بأنوثة النبوة (نبوة الحزن وحكمة رسالته المفجعة).

 

قراءة لقصيدة الماغوط (أيها السائح)

faroq mawasiفي مثل هذا اليوم الثاني من نيسان سنة 2006 رحل عنا الساخر في أدبه، المميز في قصائده النثرية – الرافض لما يجري في الأنظمة، الجريء في مواقفه- محمد الماغوط

ولا إخالكم نسيتم أنه صاحب المسرحيات "ضيعة تشرين" و "كاسك يا وطن" و "الحدود" وغيرها.

ارتأيت اليوم أن أقدم لكم قراءة لقصيدته "أيها السائح" وهي قصيدة مطلوبة في امتحانات الدراسة الثانوية، لذا فعلى المهتمين أن يحفظوا هذه المادة علها تنفعهم أو تنفع أبناءهم.

 

قراءة نقدية لنص حديث أو مصاحبة لقصيدة: أيها السائح لمحمد الماغوط

 

قلّما يختلف قراّء الشعراء الجاّدون على أن محمد الماغوط (1934- 2006) أديب مبدع في نصه . ونادرًا ما نجد من ينكر طاقته الشعرية، كما نعدم من ينكر أن نصه الشعري حداثي – على اختلاف مفاهيم الحداثة، ولعل كون هذا النص غير موزون ما يؤكد كذلك على حداثيته (1).

ومادام النص حداثيًا، ومبدعه ذا طاقة شعرية بارزة (2)، فإنني سأعمد الى قراءة هذا النص على أنه شعر – آخذًا بنظر الاعتبار قصدية المبدع (3) أولاً، وكذلك اتفاق الدارسين ونقّاد الأدب العربي الحديث على تميز لغته الشعرية (4) .

لنلج إلى قصيدة " أيها السائح " للماغوط (5)، وقد استهوتني بسبب ما فيها من عرامة الإحساس بالغربة، وبسبب العزف فيها على وتر الرفض، ولأنني لمست الصدق الفني متلقيًا ناقدًا، فدعتني إلى التفكير والتأمل من خلال اكتشافي أنّ النص له موقف نقدي من الحياة والمجتمع، وأنّ الإنسان فيه وهو البؤرة التي تشعّ حلمًا لحياة أفضل (6).

لن انضبط هنا بمنهج ثابت، ولن افتعل مقاييس هندسية، ولن تراوغني المقولات المعلّبة، وإنما سأصحب النص متلقيًا متقربًا، وسأحاول اقتناص الدلالات من كل لفظة في سياقها – ما استطعت الى ذلك سبيلاً . أمضي إلى النص حرًا إلى فضائه الحر (7) . أحاوره ويحاورني، وسبيلي في المصاحبة إيجاد الرؤى أو اكتشافها، وهي تمتص شحنات الحاضر الممض لترسم مستقبلاً مضيئًا، أو على الأقل – وهي تّبين لنا / لي أي حاضر هذا ونحن نستقبل المستقبل (8) .

وإليك النص اولاً:

أيها السائح !                        

                                            (محمد الماغوط)

 

طفولتي بعيدة ... وكهولتي بعيدة ...

وطني بعيد ... ومنفاي بعيد

أيها السائح

أعطني منظارك المقّرب

علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون

تومئ إليّ

صورني وأنا أبكي

وأنا أقعي بأسمالي أمام عتبة الفندق

واكتب على قفا الصورة:

هذا شاعر من الشرق .

 

ضع منديلك الأبيض على الرصيف

واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون:

لأبوح لك بسر خطير:

اصرف أدلاّءك ومرشديك

وألق إلى الوحل .. إلى النار

بكل ما كتبته من حواشٍ وانطباعات

إن أي فلاّح عجوز

يروي لك " ببيتين من العتابا "

كل تاريخ الشرق

وهو يدرج لفافته أمام خيمته .

 

إلى القصيدة:

أيها السائح:

 

العنوان فيه دلالة خطابية مركزة (9) على شخص غير عادي / غير مألوف، على الخارج عن اليومي أو المدهش ؛ وسيعود الراوي على هذا الخطاب في السطر الثالث بعد أن يقدم لنا في السطرين الأولين عصارة معاناته.

تقع القصيدة في مقطوعتين أو في مجموعتين من السطور بينها فسحة فراغية . تبدأ المقطوعة الأولى بمطلع استذكاري انفعالي، فيه تنبيه لنفسه أولاً، وفيه بيان للناس ثانيًا:

طفولتي بعيدة ...وكهولتي بعيده ..

وطني بعيد .... ومنفاي بعيد .

إنه الضياع إذن المتمثل في الأخبار بالبعد – البعد المستمر للأزل ! فالطفولة – وهي بريئة وجميلة – مرّت وانطوت بحرمانها حتى غدت مجهولة أو بعيدة عن ذاكرته، وكم بالحري إذا كادت – هكذا – أن تُنسى، ولا يبقى من أثرها ما يذكر .. وحتى كهولته (10) (ويعني شيخوخته) لا تقبل عليه، بل تظلّ بعيدة عنه . وها هو الراوي يتمناها في شبابه ليخلص مما هو فيه من عذاب، مؤملاً أن يكون له هيبة ما، أو أن يكون على شفا النهاية أو الاستقرار، إذن هو في وسط الدوامة – لا يستطيع أن يرجع، ولا يستطيع أن يتقدم (11)؛ لا يستطيع أن يحظى بعالم له معالم، فهذا فيه منتهى الضياع .

ويعود إلى نفس الفكرة التي يرسّخ فيها معنى الضياع ليقول لنا إن وطنه بعيد ؛ والوطن يعني أولاً البيت والحمى والأهل، فإذا أحسّ هنا بالبعد فإنه يعيش مغتربًا مستلبًا، والأنكى من أنه لا يملك حتى المنفى – هذا المنفى الذي قد يكون استقرارًا بالرغم من هجره وإنكاره .

وعلى ذلك فليسَ له وطن وليس له منفى . (12)

يستعمل الراوي الطباق بدءًا ليعكس مدى الصراعية في قرارة نفسه، وذلك من خلال هذه الغربة الوجدانية التي تتفاعل فيه .

لو جربنا أن نحذف ياء المتكلم (المضاف إليه)، لوصل إلينا المعنى هكذا: لا طفولة ولا كهولة، لا وطن، ولا منفى – كلها ليست حاضرة، ولكن الياء هذه تخلص الجمل من المباشرة، وتشحن الجمل بالتجربة الشخصية الحيّة، بالإضافة إلى تقديمها الإيقاع الصوتي الموسيقي المتعاقب . بعد هذا الكشف الأولي لغربته في الزمان وفي المكان يتوجه الراوي الشاعر إلى السائح مناديًا إياه:"أيها السائح".

هكذا مباشرة، ويطلب تلو الآخر من غير أن نرى أو نلمس أي رد فعل منه، لقد انشغل بنفسه فقط، وما عاد يحفل إلا بتوتره وتواتر رجائه . إنه لا يحيي السائح أو يتلطف إليه، بل يباشره - حالاً بالطلب: أعطني منظارك المقرّب ! ولفظة " المقرب " جاءت موازية لتقلل من حدة البعد، ولكنها – عمليًا أكدت رسوخ الألم في نفسه، فها هو يطلب المنظار، ويمنّي نفسه: علني ألمح يدًا أو محرمة في هذا الكون تومئ لي !

إذن هو يبحث عمّن يُعنى به، يجيبه، أو على الأقل ينتبه الى وجوده، فهذا الكون الواسع ليس فيه يد تشير إليه، بل ليس هناك حتى محرمة (بدون أن تظهر اليد) . إنه يطلب المنظار لعله يرى أملاً عن بعد، وذلك بعد أن عزّ ما في القرب واستعصى – وذلك في تنكر مَن حوله وجفائهم، والمنظار من شأنه أن يقرّب، ولكن هيهات، ولذا تواصلت الجملة الشعرية طويلة وتلاحقت من غير توقّف يشي بالأمل . أما لفظة المحرمة، العامية فقد جاءت معبرة أكثر من لفظة " المنديل " التي سيستعملها (بعد أربعة أسطر)، في سياق الحديث عن السائح، وذلك بسبب صدقها وعفويتها، خاصة وهو يعقد الأمل في خلاصه على الناس العاديين، وأنى له ذلك !

ينتقل الراوي إلى الطلب الثاني: " صورني وأنا أبكي " !

إنّ الراوي يشير لنا إيحاء أنه دائم البكاء، فالجملة الحالية ثابتة لا متنقلة، فلا يصح المعنى أن ينتظر السائح ساعة بكائه فقط ليلتقط له صورة، وبلغة أوصل – ليصوره .

إنه يقعي وعليه أسمال ويجلس أمام عتبة الفندق، فهذه الألفاظ فيها صورة لغوية لرجل كأنه الكلب ، فقير جدًا، ومنبوذ – يقعي أمام العتبة (ذلك لأنه محظور عليه الدخول بهيئته الزرية) .

يتخيّل الراوي أن الفعل لا بدّ محقق، وأنه سيصوره، فيطلب منه:

" واكتب على قفا الصورة

   هذا شاعر من الشرق " .

لم يطلب منه أن يكتب اسمه الشخصي، وها هو قد عرفّنا لأول مرة إلى نفسه، فهو شاعر من الشرق . يقول " شاعر " ليرمز إلى كل المثقفين أمثاله ممن يعانون معاناته، ويقول " من الشرق " مقابلة للسائح من الغرب – عادة – هذا السائح الذي يجيء إلى الشرق ارتيادً للسحر والمدهش والغريب عن عالمه . قلت – لم يطلب منه أن يكتب اسمًا معينًا، بل طلب منه أن يكتب " هذا شاعر ..." تنكير من غير تعريف، وكأنه يدلّ على شموليّة المصير لدى القطاع الذي يمثله، فهو ليس وحيدًا في معاناته .

ويظلّ تساؤل: ترى لو التقط سائحنا الصورة – وكتب عليها " شاعر من الشرق "، فماذا عساه فاعل بها ؟ هل تكون للتسلية ؟ للتضامن ؟ أم ستبقى لقطة عابرة ؟! ... هل سيريها لشاعر آخر هناك ؟ أم أنه سيمزقها بعد أيام ؟

تأخر تعريفنا أنه " شاعر من الشرق "، فجاءَ ذلك بعد أن وصف عذابات الإنسان المسحوق عامة (من غير تخصيص) ؛ فإذا أدركنا مدى شقاء المثقف (ومن المفروض ألا يكون بهذه الحدة)، فكم بالحري أن نتساءل: كم سيبلغ شقاء ذلك المسحوق العادي أكثر من ذلك ؟

تنتهي الفقرة الأولى، ونستلخص منها عذاب الراوي وغربته، ومناشدته السائح أن يستعير منه منظاره للحظات، فلعله يرى بصيص أمل في اعتباره كائنًا بشريًا له علاقاته الإنسانية . يطلب منه أن يصوره باكيًا وهو يقعي أمام عتبة الفندق – حيثُ يقيم الغرباء عادةً ممن جاءوا يترفهون، إن الوصف هنا أخذ ينطلق إلى وصف المجموع بعد أن كان يدور حول الفرد .

تبدأ الفقرة الثانية بمناشدة السائح:

" ضع منديلك الأبيض على الرصيف

واجلس إلى جانبي تحت هذا المطر الحنون "

لم يقل للسائح " ضع محرمتك "، فالسائح يحمل منديلاً (لفظة ترتقي ومستوى الخطاب)، وهذا المنديل أبيض – دليلاً على النظافة، فهو لم يكدّ ولم يكدح . وأين سيضع المنديل ؟

على الأرض جانب الراوي ؛ فالسائح لا يقتعد الأرض مباشرة،خوفًا من اتساخ ثيابه الراقية (تذكر الأسمال بالمقابل) . يطلب منه أن يجالسه على الرصيف، وأن يتخلّى قليلاً عن مظاهر ترفه ورفاهيته، وكأنه يقول له: اجلس إلى جانبي – أنا البائس – يا أيها السائح المترف، فقد تكون على استعداد فعلي لأن تفهم إنسانيتي، وفي هذا التوجه يلمس القارئ أنّ هذا الغريب (وغالبًا – الغربي) على استعداد لأن يقوم بذلك حقًا .

يسأله أن يجلس إلى جانبه تحت هذا المطر الحنون . ما زال الراوي يقعي ويبكي، وهو في أسماله . وهذا المطر – إشارة لتحقيق صورة واقعية تزيد من حدة المأساوية، ولكن المفارقة هي في اعتبار المطر أنه حنون . ولماذا هو حنون ؟ - لأنه يتعاطف معه، فهو ليس غزيرًا ليقسو عليه، وهو حنون (يلفظ الكلمة)، فقد يحن ّّّّ السائح إليه كالمطر، إنّّ السائح ليس كالشرطة التي تطارده هنا وهناك – إنه أقل خطرًا وضررًا، والراوي يطلب منه أن يجالسه ليبوح له بسرّ خطير . ولفظة خطير توحي بأنّ الشرطة تطارده وتلاحقه وتلاحق كلماته، أو تلاحق مجرد اتصاله بالغريب – أي غريب .

وقبل ذلك يطلب من السائح أن يصرف ويبعد أدلاءه ومرشديه – وهؤلاء – عادة - هم أشخاص موظفون ورسميون . ولماذا يصرفهم ؟ لأنهم قد – بل – يخدعونه أو يقدمون له معلومات ومواد غير دقيقة أو مغرضة . ها هو يتجرّأ بمخاطبته:

" ألقِ إلى الوحل ..إلى النار

بكل ما كتبته من حواش وانطباعات "

إنه ينّوع المصير الذي ستؤول إليه هذه الانطباعات التي كتبها السائح – وهي موجهة غالبًا . فلتكن إذن في الوحل – مبعثرة متسخة محتقرة ... أو لتكن معدومة محترقة إلى الأبد . إنك أيها السائح تتحرى الحقيقة . ولا شك ؛ إذن دعني أفضي لك بالسر الخطير – وذلك بعد أن تصرف المرشدين والأدلاء، حتى لا يسمعنا أحد، وبعد أن تتلف أوراقك وتعدمها، والسر هو:

" إن ّ أي فلاح عجوز

يروي لك ببيتـين من العتابا

كل تاريخ الشرق

وهو يدرج لفافته أمام خيمته " .

يقول: أي فلاح، و" أي" تدلّ على شمولية المعاناة، ومع ذلك فهذا الفلاح العجوز – ابن الأرض يحدو العتابا، وما زالَ الأمل يشمخ في عروقه، فيبتان من العتابا كافيان لأن يرويا كل تاريخ الشرق . ولفظة تاريخ لها ما وراءها، وهي مشحونة باستمرارية قصور العدالة، إنه لم يقل لنا مثلاً " قصة معاناة " بل قال " تاريخ الشرق " – التاريخ الآخر غير تاريخكم أيها الغربيون !إنه التاريخ الحافل بالعذاب والأسى .

يستطيع الفلاح العجوز أن يقصّ حكاية المعاناة بأغنية أسيانة – يغنيها وهو يدرج لفافته أمام خيمته، أو على الأصح بيتين من العتابا ... وقد يثير هذا القول تساؤلنا: ما هما البيتان المحتملان ؟ أو ما مضمونهما ؟ - هذا المضمون الذي سيحمل الأشجان المتساوقة والموسوقة بكل هموم الشرق المؤرخة . وهنا لا ننسى أن الراوي يخفي مضامين العتابا الغزلية أو الوصفية الجمالية (من فخر وحكم وهجاء ومدح وألغاز)، وكأنها مغيبة، علمًا بأنها هي الغالبة كمًا ونوعًا، وعلى ذلك نجد العتابا وكأنها – بالضرورة – حكاية عذاب مغنّاة مع مدة الصوت الأسيانة . ولا ننسى هنا أنّ نتخيلها: الشيخ يدرج لفافته (بينما عادة المترفين أن يشتروا الدخان معدًا)، وهو يجلس أمام خيمته (مقابل جلوسك أنت وأمثالك في الفندق)، وكذلك فهو يغني العتابا – غناءً مشحونًا بالحرمان والاضطهاد .

ونجمل الفقرة الثانية بأنه استمرَ يتحدث عن معاناته الشخصية، ولكنه ما لبث أن انتقل الى المجموع (13)، حيثُ رأى أنّ أبناء الأرض هم الذين يحفظون تاريخها المعذّب، ويصبونه في غناء أو حداء، فما على رواد المعرفة إلا أن يتلمسّوا حياة هؤلاء البائسين – بعيدًا عن أعين الرقباء والمتسلطين الذين يبغون تمويه الحقائق وتزييف الواقع حتى يستمروا في تنكرهم لحقوق العباد ودوس " الإنسان فيهم .

صاحبتُ هذه القصيدة قارئًا ومنتجًا – ما أمكن – على أثر استشفاف الصدق (14) في بنى الكلمات وعلائقها (15)، فاستوحيت إيحاءات متولدة من النص أو ملازمة له . وكانت اللقطات الموصوفة في النص تتراوح بين الواقع المعيش والواقعية الممكنة – حيث يكون المتخيل، وإلا فما معنى أن يصمت السائح، ولا يكون له أي رد فعل إزاء إلحاح الراوي عليه ؟! إن هذا السلوك لا يحدث في أي واقع حقيقي، ولكن النص يرسمه ليعمقّ مأساة الإنسان الذي يمثله أو يتماثل معه، وكم بالحري المثقف المنبوذ، ولا شك أنّ مأساة الفلاح هي أعمق وأنكى .

لقد صورّ الشاعر ندوبًا من واقع معاصر – في ظرف من المفروض أن يناقض طبيعة الحداثة – هذه التي يفترض – أصلاً ونتيجة – أن تثري حياة الإنسان بالمتعة، ولكن إنجاز الإنسان أو إحباطه لا يقرران إن كان النص حداثيًا أم لا – فالرؤية وشكل الأداء وظروف النص – كلها معًا تسلّم النص أو تقدمّ جواز المرور إلى معالم الحداثة .

إنّ هذه القصيدة في دراميتها المعتمدة على المـفارقات في الموقف والصورة، وفي خيالها المبني على الواقع، وفي استغراقها الشجني لتجعل النص مثيرًا بقدر ما نجعله متجددًا . هي تبني الجمل بقدر ما تفككها . تبقي المتلقي مقيدًا مطلقًا – سيان .

ابتدأت القصيدة بكلانية البعد في الطفولة والكهولة – فيما يخص المفرد – واختمت بكلانية تاريخ الشرق يرويه فلاح عجوز – على لسان الجمع – وفي ذلك استمرارية ودوران وطواف كلّي على الألم، ما لم يكن تغيير وتثوير، وهما محور الرسالة في النص .

 

------------------

1 - يرى علوي الهامشي أن " من خلال هذا المنجز الشعري – قصيدة النثر – يمكن النظر إلى المصطلحين (الحداثة، وما بعدها)، أي أنهما يعنيان في تقديري إنجاز قصيدة نثر ناجحة " دفاتر ثقافية "، مايو 1999، ص 33.

2 - يتحفظ بعض الدارسين والشعراء من كون قصيدة النثر شعرًا،انظر: حوار مع محمود درويش، صحيفة أخبار الأدب، 9/2/1997: حوار مع أحمد عبد المعطي حجازي صحيفة الفينيق،، 1/5/1997، وصحيفة أخبار الأدب،24/1/1999، صحيفة الأيام (رام الله)، 28/7/1996، حيث نرى أنه يرفض تعبير " قصيدة النثر " ولا يراها شعرًا، وانظر جودت نور الدين، مع الشعر العربي – أين هي الأزمة ؟ ص 199، وهو يطلق على قصيدة النثر اسم " النـثـيـرة " ! " حوار مع جوزيف نجيم " ورد في كتاب: جهاد فاضل ، قضايا الشعر الحديث، ص 400-403 .

3 - يقول الماغوط في حوار معه: " الشغلات التي تشع بسرعة قبل أن تنطفئ أكتبها شعراُ "، وعندما سئل الماغوط:- ألم تكتب الموزون المقفى ؟

أجاب " لا . شغلة مضحكة بدت لي . كان الوضع بالنسبة لي في الماضي كما يلي – بدلاً من أن أدوّر على قافية كان عليّ أن أدوّر على بيت أنام فيه، أدوّر على قافية تضبط ؟! لا عمرها تضبط !!! أنظر الحوار معه في كتاب جهاد فاضل، أسئلة الشعر، ص 285

4 - حتى لو تحفظ بعضهم من اعتبار قصيدة النثر شعرًا – كما أشرت أعلاه . سئل حجازي في حوار أجرته أخبار الأدب (24 /1/1999):

-        .. لكن هناك اتفاقًا حول شاعر كمحمد الماغوط – مثلاً .

-        ..نحن نقرأ الماغوط دون أن نعتبره استمرارًا لأي شاعر عربي . نقرأه . نقرأه في ذاته .

أضيف الىذلك إحساسي الشخصي بطاقته الشعرية، وهنا استذكر ما ذكره شيركو بي . كه . س: " الشعر شعر، حين يهزّني شعر جميل ويجعل روحي منبع الأسئلة لا يهمني إلى أي مذهب ينتمي هذا الشعر، يكفي أن ينتمي إلى وطن الإبداع " . مجلة نزوى، إبريل 1999، ص 145 .

5 - الماغوط محمد، الفرح ليس مهنتي،ص 44 –45 .

6 - هذه هي الحداثة التي تنطلق لمعايشة الإنسان في وجوده وصراعه، إنها تعطي قيمة لكيانه وحتى لرفضه، وهي لا ترى المتاهات دليلاً لها: للتوسع في هذه الرؤية انظر: محمد علي الكردي: " الحداثة وما بعد الحداثة "، مجلة إبداع العدد 7، يوليه 1996، ص 17 – 28 .

7 - الحداثة – كما أراها – حرية لا فوضى، وكم بالحري إذا كانت هذه الحرية تدعو ولو إيحاء إلى معانقة الهدف الذي نتشوّف إليه، وإلى الإفادة من إنجازات العصر وعلومه، وهي ترى أنّ الحاضر عماده التجديد المستمر فكرانيًا، وأنها تدرك أن فهم المنظومة الجمالية والمعرفية يتأتى بمعايشة الواقع – لا الوهم، ولا الدوائر الهلامية الفراغية .

8 - يرى عيسى بلاطة أنّ الحداثة لدينا هي " ... الغوص في الواقع العربي للوصول إلى معرفة حقيقته بلا مواربة، ثم استنهاضه لمعانقة القيم الجديدة "، مجلة الناقد، العدد 3 (سبتمبر 1988)، ص 31 .

9 - يرى محمد فكري الجزار في كتابه العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، (ص66)،وهو يتوسع في مقولة أوردها محمد عبد المطلب في إحدى دراساته: " العنوان له مستواه السطحي كما له مستواه العميق، مثله في هذا مثل عمله تمامًا . وثمة توازن شكلي ودلالي يبن العنوان وعمله – الأمر الذي يجعل العلاقات بينهما أكثر تعقيدًا ..." .

10 - الكهل – لغة – من جاوز الثلاثين إلى الخمسين، ولكنها في الاستعمال الشائع تعني الشيخ المسن، وهذا ما يقصده الشاعر في القصيدة، بدليل الطباق الذي عمد إليه ليدلّ على المفارقة، وكذلك بدليل قسوة الاغتراب التي يلقاها الشيخ عادةً .

11 - تذكرني هذه الحالة بحالة سلمى – زوجة صخر بن عمرو، وذلك عندما أصيب وصار في مرحلة " البين يبن "، فقالت ردًا على من سألها عن حاله: لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيغنى " .

12 - لا يرى محمود درويش أنّ الوطن هو بالضرورة نقيض للمنفى، فيقول: " العلاقة بين المنفى أصبح فيها شيء من الألفة ... إني قد أجد المنفى هنا معي في فلسطين " . مجلة الشعراء، العدد 4-5، ربيع 1999، ص 39 .

13   - يقول يوسف جابر في معرض حديثه عن الشفوية باعتبارها عنصرًا هامًا في قصيدة النثر: " ...قدرة الشاعر على إعطاء بعض من ذاته ودمجها بلغة المجتمع يسمح لها أن تخرج في النهاية ذات نكهة عذبة ألصق ما تكون بمشاعره التي هي في الأصل جزء من مشاعرهم ... إن شفوية القصيدة النثرية إنما تسيطر على عالمها مشاعر الحزن العميق التي تكتنف إنسان عصرنا الحالي " . يوسف جابر: قضايا الإبداع في قصيدة النثر، ص 113 .

14 - أنظر دراستي " استشفاف الصدق في القصيدة الوجدانية لدى القارئ" في كتاب هدي النجمة ص 97 .

15 - مع أنني أكدت حريتي بدءًا وعدم تقيّدي بمنهج نقدي فقد حلقت قراءتي أو مصاحبتي للنص في أجواء منهج التفكيكية، وذلك بسبب إبعاد المؤلف عن نصه (ولا أقول موت المؤلف) أولاً، وكذلك بسبب تركيزي على النص واستخراج أبعاده متلقيًا . ومع هذا وذلك، فإنني لم أقوّض النص لأعيد بناءه كما فعل بارت، ولم أتناول الأبعاد السيكلوجية كما فعل لاكان، كما أنني لم أجارِ جاك دريدا في اعتبار النقد " لا بنيويًا شكلانيًا ولا مضمونيًا محايثًا " – دريدا: الكتابة والاختلاف،ص 57، ولعلّ ما يشفع لهذه القراءة أنها صادقة المنطلـق بقدر إحساسي بصدق النص .

 

..............

المراجع والمصادر

الكتب

الأصفهاني، أبو الفرج: الأغاني،(ج15)، مطبعة أوفست، حيفا – د .ت.

جابر يوسف حامد: قضايا الإبداع في قصيدة النثر، دار الحصار للنشر والتوزيع، دمشق – 1991 .

الجزار محمد فكري: العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبي، الهيئة العامة المصرية، القاهرة – 1998

دريدا جاك: الكتابة والاختلاف، (ترجمة كاظم جهاد)، دار توبقال، الدار البيضاء – 1988.

فاضل جهاد: " حوار مع الماغوط "،أسئلة الشعر، الدار العربية للكتاب، (لا تفاصيل أخرى) .

.....: " حوار مع جوزيف نجيم "، قضايا الشعر الحديث، دار الشرق – بيروت – 1984 .

الماغوط محمد: الفرح ليسَ مهنتي، دار العودة، بيروت، 1973 .

المناصرة عز الدين: قصيدة النثر (المرجعية والشعارات)، بيت الشعر، رام الله، 1998 .

نور الدين جودت: مع الشعر العربي (أين هي الأزمة ؟)، دار الآداب، بيروت، 1996.

الصحف والمجلات

(1)مجلة إبداع (القاهرة)، العدد 7 يوليه، 1996 .

(2)صحيفة أخبار الأدب (القاهرة)، العددان: 9/2/1997، 24/ 1/199 .

(3) صحيفة الأيام (رام الله)، العدد 28/7/1996.

(4) مجلة جامعة (باقة الغربية)، العدد الثالث، تشرين الأول 1999.

(5)صحيفة دفاتر ثقافية (رام الله)، عدد مايو 1999.

(6) مجلة الشعراء (رام الله)، العدد المزدوج،: 4-5/1999.

(7) صحيفة الفينيق (عمان)، عدد 1/5/1997.

(8) مجلة الناقد (لندن)، العدد الثالث، سبتمبر 1988.

(9) مجلة نزوى (عمان)، العدد 18، إبريل 19

 

 

صراع المفردة في الصورة الجمالية لبنية النص الشعري الدرامي في (تعبت و لدي رغبة في الهدوء)

nema alsodaniتعبت..

و لدي رغبة في الهدوء

في قليل من الاسترخاء.

لو أجدني بحلم صبية

تمسح الندى عن وردة ناعمة..

 

المفردة والتشكيل الجمالي للصورة الشعرية:

تحت عنوان هذه المجموعة الشعرية للشاعر الأستاذ "علاء كَعيد حسب" ولدت قصائد تحمل معنى العنوان ولبسته، كما هو في أول عتبات النص المهمة جدا "العنوان" وهذا شيء مهم للغاية.

بعد قراءات متعددة أجريتها على هذه النصوص، كقارئ وشاعر وناقد، وجدتها تحمل في طياتها خطابا فنيا انسانيا شاعريا، يحمل في معانيه ومضامينه من الصور الجمالية المرئية البصرية التي تحولت عبر الفعل والتفاعل إلى حوارات مليئة بالمشاعر الجياشة المتنوعة، التي تمتد على طول وعرض الذاكرة المشبعة في الألم و البعد والافتراق والخوف والقلق، بصراعها مع ضمير وذات الشاعر، جسدها لنا عبر منظومات صورية شعرية جمالية فاعلة في الواقع ،مؤثرة، متعددة، تتجلى فيها الأهداف والقيم الإنسانية التي أراد أن يرسمها لنا ببوصلته الشاعر.

تنطلق هذه النصوص، من وجد شاعر عاشق أتعبه الحزن الدائم ورقة الشوق وحرارته. أتعبه صراع الحب بما يمتلك من تعبير للتعويض عما فاته في حياته الخاصة والشخصية. يؤرقه الحنين الى الارض العتيقة ورائحتها,الى الوطن والأم من خلال خيط المعاناة الرفيع الذي يخترق كل عوالمه .

في إجراء تحليلي لهذه النصوص وجدت أن "التتابع الذي يشكل العمود الفقري" في النص الشعري للمفردة يشكل الصور الجمالية التي اعتمدها الشاعر (علاء كعيد حسب) في عملية البناء الفني المتقدمة، ومن ثم وجدته أيضا مليئا بصياغات دقيقة لحالات فنية ترتبط ببعضها بعض، كما في أجزاء الصورة الفنية الواحدة التي يوحدها الفعل الدرامي والبناء الدرامي لبنية النص الدرامية.

في النص الذي يكتبه الشاعر نجد "العمود الفقري هو الفعل" الذي يتحلق حوله (الفعل) أو الكثير من الافعال المتعددة لكل قصيدة يتم عليها البناء الفني، و تدخل في رسم عملية البناء النصي بتشابكها مع أفعال أخرى جديدة تدخل على الشاعر أثناء تكوين وبناء النص عبر منظومة الخيال والواقع التي يمتلكها. وهنا النص هو من يرسم نفسه ويضع كل شيء من خلال بوصلة الشاعر التي تضع كل شيء في مكانه حسب الزمان والمكان، حتى الوصول إلى صيغة نهائية في الصور الشعرية البصرية التي تجمعها (فكرة و وحدة موضوع) بما فيها (رمزية المكان وبعض من الزمان) في المتن الشعري التي تتعدد وتختلف حسب الرؤى بين حين و أخر، مثل هذه الصورة:

لو أتذوق رائحة البراري في أنفاس غزالة،

و أدرك عشق صوفي في شعر،

لو أسمع أنين السماء كما يسمعه القديسون،

سأكون للموت سرا

و أجمل قصاصة .

 

في صورة أخرى تحكي عن نفسها: أو

كُلمَا تَأَخرت غيمةٌ عن موعدها

رافقتُ السنابِلَ إلى الوادي

و صَلَيْتُ..

 

في هذه الصور الجميلة نتذوق تحفيز الذاكرة للقارئ، بين ذات الشاعر والمكان والابتعاد الحقيقي عن مكانه الاصلي لاستعادة الذكريات .

ان انفتاح الشاعر على عوالم تمتد من (شرق الحياة الى غربها) هو انفتاح على العالم، يطرح لنا قيما فكرية في مستوى هذا (المنجز أو المنتج الشعري) من خلال منظومة مهمة تسمى (أخلاق الشاعر) في شعريته وصدقه وحبه للكون والبشرية.

شاعر يدير عملية ناجحة في محاكاة الواقع (كأنه يعمل في تأثيث لفضاءات المسرح) و في إدراك المتغيرات التي لحقت به منذ الولادة إلى الآن، فهو يحاور ويناقش أصواتا متعددة داخل النص، بروح صلبة قاسية مرة، و بصمت و هدوء شفاف مرة، و بصوت عال وصراخ مرة أخرى، حوارات فيها من العتب على فعل، أو زعل من حركة ألمت به، أو فراق لم يكن في حسبانه وهو صغير المنفى كبير العقل، يدرك الأشياء بخصوصية شاعر حساس. بعدها يحيلنا معه بالدخول الى عالم المشاكسات للذات التي تعيش المنفى بين الغياب والروح الحاضرة.

وفي أماكن أخرى يبحث عن مراث حزينة في نصوص متألقة جدا. ينعى أحلامه المقتولة منذ زمن الولادة بشجن محب وبدنف يلامس ويتلمس اللوعة. يذهب بعيدا نحو الهم البابلي ويعبر عنه بنبض الحياة اليومي المراكشي الذي يعيشه ويختزل المسافات بين الكلمة والصورة و الحركة:

 

صراط العصفورة..وسام الشمس

ما أشعر به الآن

بعد دورك الملحمي في معركة النار

يتعدى هول القيامة على زهرة،

يتعدى حسرة قمر على حوافر منسية بالرمل،

أضخم بكثير

من غصة في حلق طائر احترق عشه،

يتشظى كشمس مارس على توبقال..

كأن مقابر النمل تضاعفت في صدري

امتدادا لأسلافها في بابل.

 

 

الفعل والدلالة في عملية الانزياح:

إن عملية الانتقال في النص الشعري وتحديدا هنا: من تأكيد على حركة، أو فعل ماض أو ما حدث ألان، أو ما سيحدث لاحقا، إلى أخر الفعل الممتد في الحدث، كل هذه الانتقالات تعطينا بالمحصلة (صورة فنية كاملة)، تشكل بحد ذاتها حكايات فنية متماسكة نسجت بخيوط ملونة، كأنها امتداد لحكايات من ألف ليلة وليلة، خيوطها ناعمة الملمس قوية المعنى، بالإضافة إلى قوة تركيبها بنائيا.

وجدت أيضا من الدلالات المهمة التي تشير إلى (أول عتبة) من عتبات النص وهي العنوان (تعبت ولدي رغبة في الهدوء)، والتي تقودنا إلى أخر النص ( إلى أواخر كل النصوص ) حينما تشكل لنا (أخر عتبة ) فهي تشبه لحد كبير النهايات المكورة كما في أعمال شكسبير، حكاية فيها "بداية وسط" و نهاية مفتوحة أو بشكل دائري مع فضاءات طويلة وليست بقصيرة (حسب طول نفس النص) على طول جسم القصيدة.

من جانب أخر مهم أيضا، هذه النصوص يمكن أن تنفتح على كل الفنون الأخرى، لما فيها من جمالية الصورة أو كأنها شريط بصري، في بعض الاحيان يقدم لنا سردا لحكاية سرعان ما تنتهي لكنها تبقى عالقة في الذاكرة.

تلمست أيضا في نصوص المجموعة، ما هو جديد في عملية (الانزياح للقديم) في مخيلة و متخيل الشاعر في كتابة النص. و ما بين هاتين الحالتين نجد (انعاشا للجديد ) و انتعاشا للذاكرة التي تصل الى حدود الحضارة البابلية و تأثيرها عليه وتعلقه بها من خلال "الصور واللغة والبلاغة والدلالة في أسلوب الكتابة" عند الشاعر و ذاكرته المتطورة في الصراع مع المكان الذي يعيش به اليوم، مشيرا بإسهامات و إشارات إلى المكان الأول لأجداده المكونة من (طين وماء وطائر يحلق معه دائما وجنوب) في عمق حضارة قديمة.

لا بد من الإشارة إلى أن اغلب النصوص التي جاءت هنا، هي اطلاع على الواقع المؤلم الذي عاشه الشاعر، لذلك تشكل تناصات متعددة، أعاد الشاعر صياغتها بشكل فني جميل و حاذق من جدي،د حسب ثقافته المستمدة من تاريخ أجداده حسب قوله.

قدمت هذه التناصات الواقعية ( النصوص) بشكل يقشعر لها البدن في بعض مواطن النصوص، لما تحتويه من دفق إنساني ومشاعر إنسانية، كنهر هادئ دون توقف، نهر مهمته التعبير عن الحب والفراق والألم والشوق والوجد والحنين واللوعة و القهر، حلقت في فضاءات متحركة لا يمسكها ولا يمسها أي شيء و لا تحددها أي روح أو هيكل، فهي ترقص بحرية فضاء القصيدة المرسومة:

للهواءِرائحةُ الموت

و الفزع علا وجوهاً تزينُ المكان

انتظروك طويلا..قبل ولادتك

لتحمل رمزك الجيني

و تجوب الأعراق و الخيام

بحثاً عن عيون والدك

جوادهِ الأول في خطوط يدك..

 

ولان الشعر يعتبر صياغات فنية كما هو فن التصوير، نرى النصوص مكتنزة بالانفعالات والوجدان، حيث نشعر بالاستجابة لكل الاشياء التي تحيط بنا ونحن نقرأ بصوت عال لهذه النصوص، مع الاعتبار المهم لقيمة التأمل عند القارئ أو المستمع.

وأحسست بالموسيقى التي تتأتى من زوايا النص وعتباته الداخلية، أنما هي تعتمد على "الايقاع واللغة والصورة والانفعالات الصادقة في كل الحوارات" التي حلقت في متن النص مع التأويلات أو الترميزات التي اشتغل عليها الشاعر، بما فيها من توقفات جراء عملية التنقيط، لأنها حالة صحية تحسب للشاعر، فهي حالات من (التأمل) المهم، تؤثر في القارئ أو المستمع -- لإنهاء حالات التوتر التي يعيشها الشاعر مع روح النص – ولأنها أيضا تؤدي إلى الاسترخاء النفسي والعقلي بعيدا عن الانفعالات والذهاب صوب التأمل و الهدوء إلى ما وراء النص، وهذا مهم جدا أيضا حسب اعتقادي. لان الشعر يحمل تلميحات و ترميزات ويخضع إلى التأويل كما أسلفت وعلى الأذن أن تفك شفرات هذه النصوص بثوان بعد السماع:

 

على الضفة الأخرى للحلم

تفتح حبيبتي ذراعيها

و بلا خوف تمنحني سرها

لا دواء للبدن العاشق الآن

إلا جمرتان

واحدة في القلب

و أخرى على اللسان

 

إن جميل الشعر وعذوبته يتأتى من موسيقى الحياة و ايقاعها وصليلها اليومي، هي موسيقا داخلية تدل على تناغم واصطفاف لمكونات النص من حروف ومفردات وصور فنية رائعة تجسد للقارئ انفعالات الوعي المتراكمة عند الشاعر التي تصب في التعبير النفسي للصورة الشعرية.

 

توظيف اللغة .. بين السرد والمختزل والمكثف:

وظف شاعرنا لغته واشيائه التي يحملها في روحه وعقله وقلمه بحنكة ودربة عالية، لتقديم رؤية خاصة ذاتية تعنيه هو بالذات، عمل هذا من اجل اضفاء جمالية خاصة على نصوصه عبر الدلالات المنوعة بين ( الدال والمدلول) بلغة شعرية مشحونة بصور فنية انسانية عميقة. جميل الشعر في تأويله عبر الدال والمدلول ومرجعيته الواقع.

ولان الشعر حرية مطلقة لا يمكن حصره أو حشره في قوالب أو خانات جامدة أو اخضاعه لمنطق معين لذلك لا نفكر أبدا في تفسيره، وهذه مهمة مناطة بالقارئ الكريم، لأننا إذا فسرنا ما كتب الشاعر وتطرقنا إلى قصدياته، سينتهي أن يكون شعرا نتناوله بيننا:

 

و أحفظُ في حقيبتي المسافةَ بين قبرينِ..

مصيري على جناحِ بعوضةٍ

أهزهُ

من الأحرُفِ الناقصةِ في عناوينِ البريدِ

أميزهُ..

حيثما غابتِ الألوان وتعطلتِ البوصلة

 

ظاهرة أخرى يمتاز بها الشاعر "علاء كعيد حسب" من خلال التنوع بين ماهو سردي وماهو مختزل ومكثف، نراه تارة يشبع وحدة الموضوع وعناصره في مستوى الدلالة التي تنبثق من ذات الشاعر، في لغة مكثفة معبرة فيها رؤية فنية وفكرية متكاملة وهذه لحظات داخل النص الذي نراه بصورة اخرى اقرب للسرد.

هي تجربة شعرية تعتمد في الكثير من النصوص على الوجدان الصادق المفعم بالفكرة والفلسفة الخاصة بالشاعر مؤثثا للنص عبارات وفضاءات ذات ايحاء موسيقي منسجم مع الخيال والمتخيل والواقع القريب والبعيد. ولان الشعر يوّلد (فالمفردة تولد المفردة أيضا) وتفقس مفردات ومفردات ويؤخذ من الصور الحياتية والذاكرة الانفعالية بما تحتوي من صراعات كبيرة ومعقدة و التي نراها ونحسها يوميا، على هذه التجارب يبني الشاعر علاء كعيد أهراماته الشعرية ويمارس طقوسه الفنية عند عتباتها الشرعية، يحلق بداخل فضاءاتها، يرسم العنوان و الإهداء و الدخول لروح النص ويتحكم كالديكتاتور في - فضاءات متعددة هو يعملها- إلى نهاية النص، وهو من يختار أن يكون شكل النص، مغلقا آم مفتوحا، حتى النقطة الأخيرة ووضع الاسم تحت نهاية جسم القصيدة.

كل هذا يؤكد لنا على أن صاحب العمل هذا، هو صانع ماهر موهوب، و ممارس حقيقي في ميدان اللغة ولديه من الوعي و الإدراك والثقافة ما يجعله ينتج إنتاجا كأنه (سومري النزعة) في الشعر،(بابلي الهوى ) في العشق، حسب ما جاء في "روح " اغلب النصوص بل أكثرها.

وفق هذا كله من تراكمات فنية لغوية، يعطينا للقصيدة (شكلا ) أخر لا يؤثر حتى في عملية (التكرار) على عملية البناء الفني للنص، لأنها جاءت بشكل متناسق جمالي محسوب، و لأنه أيضا يغني النص ويؤكد بقصدية واضحة على الشعور للشاعر، وبنفس الوقت يثبت لنا توازن الذات التي تعيش بين القلق وهي حالة صحية مقصودة ومؤثرة:

 

تكرار (لا)

و من عينيك

تهاجر عصفورة إلى قلبي

لا جاذبية المكان تغير وجهتها

لا ريح تحملها

و لا صوت..

عاطفة ترصع تاج الجراح

تشحذ جناحيها زرقة السماء.

 

ثم يعيد هنا أيضا هذا الشكل في (التكرار) : (لي): المفيد المقصود ..

لأحيك خيوط الشمس على مقاسي..

لي في كتاب التنجيم أغنية وبضع تعويذاتٍ

لي في كوب الشاي عينان تحفظ رؤاي

لي في التفاحة خطيئة البداية

لي في الشارع خطى أسلافي أتبعها

لي ظل أخف من قبلة ماجنة

تحبس الليل في خيمة

تشرق منها ملايين الأقمار.

و أنت وحدك

كالحب يسمو على شموع الغواية.

 

و أخيرا لابد من قول مهم جدا وجدته بين نفحات هذه النصوص مفاده أن للشاعر موقفا فلسفيا وفكريا ونفسيا واجتماعيا أيضا من حركة الحياة التي عاشها في بلده "المغرب" وتحديدا في مدينته مراكش، حيث درس، وتعلم لغته العربية الجميلة وصاغ لروحه لغة خاصة شعرية يكتب بها، وبالتالي نراه يتعمق في النص من خلال لغته الثرية المسندة على علم، كما يجيد التصرف في مواطن توظيفها بالشكل الصحيح ليضيف لها جمالية وقيمة فنية شعرية وهذا واضح وجلي في كل قصائده.

 

كلمة أخرى، وجدت شاعرنا مرة عابداً يسكن في روح الوطن، وأخرى عاشقاً تخالجه أوجاع الحب، ومرة يتعمد في خيبته، وأخرى في عشقه، وثالثة بغربته وحاضره، وفي كل حالاته، كان الوطن المتعدد حاضراً بقوة وبمختلف الأشكال لأنه عاشق للحياة، وكأنما هو يتدثر بالوطن القريب و البعيد في غربته واستلابه المتناوب، متفاعل مع الحياة التي يمارسها كفعل حقيقي يومياً.

 

ليس للقصيدةِ وطنٌ

أو نشيدٌ تُلَمْلِمُهُ الأبجديةُ من الحناجرِ

ليسَتْ منفىً يؤمُهُ نساكُ الغيابِ

بين كأسٍ و كأسٍ..

 

ليس للساعةِ -هذه الساعةُ- ضفائرُ أمي

أو مَخَادِعٌ يرقد فيها الزجاجُ كعيني أخي

ليسَتْ واقعيةً بما يكفي

لأعيدَ الفصول إلى دَورتها الدائرةِ..

إلى أولِ طقسٍ..

 

لم يكن له أن يختار ممارسته هذه بملء إرادته، إلا أنه أجبر عليها عندما أطلق ساقيه للريح دون علمه، لذلك نجد جزئيات فنية من النصوص فيها تلاوين مختلفة، بل هي خليط من المرئي والمحسوس والمتخيل والمبصر، تتوزع بين حالات الوعي واللاوعي، بين المدركات الحسية والعقلية و اللامدركة، خرجت على شكل مفردات لغوية ثم تحولت إلى صور شعرية قامت بحد ذاتها واصطفت كلها في مجموعة شعرية حملت اسمها معها، لتبني لنا خطوطا درامية فنية من قيم الصراع، الصراع الذي أثر بحياة الشاعر من دون إرادته في بعض الأحيان وفي حالة الوعي الكامل في بعض الأحيان، كل هذا يشكل موقفا فلسفيا وشعوريا قويا يجذب القارئ ويعطيه أيضا بعدا مهما لحياة هذا الشاعر الجميل.

 

نعمة السوداني / ناقد عرقي مقيم في هولندا ..

 

معلومات إضافية