المثقف - قراءات نقدية (ادب ومسرح)

وحي العشق في الديون الشعري (بعيداً عني .. قريباً منكِ) للشاعر الكبير يحيى السماوي

goma abdulahمقدمة: هذه القراءة المستفيضة مختصرة فقط، في تناول المرتكزات الاساسية، في التجربة الابداعية في العلاقة المشتركة، بين الوحي العشق، والتناص الديني، في اطار تفاعلي وثيق الصلة بالمدلولات الظاهرية والباطنية، بما يختص بالمملكة الصوفية الفاضلة، وفي استخدام مهارة وجمال الاستعارة والتشبيه والايحاء، واكتشاف عمق جوهرها، وخطها التناسقي المحاك ببراعة في نسيج الجملة الشعرية ومؤثراتها المتفاعلة والمؤثرة، في الربط الذي يستلهم الاسطورة والموروث الديني (القراني) وتوظيفهما في صياغة الخيال الشعري، بالتكثيف والتلاقي، في لغة السرد الشعري، وهي تتحفنا بتراتيل آياتها واناشيدها العشقية في الوهج الهوى الصوفي، ومن حالة تتألف مكنوناتها من الابهار والاثارة والتشويق، في الرؤى والجمال، وبمهارة فائقة الجودة والخلابة، بما يتلائم مع الرؤية المعاصرة، وهي تتنفس برئة العشق في مملكته الفاضلة، وغايتها ايصال رسالته الصوفية في محراب الجلالة والقدسية الصوفية، في عطر الرومانسية الشفافة، وهي تستند على عملية التناص كمصدر اساسي، لعملية الالهام وخياله والرؤى التي يعتكز عليها، وندرك ان عملية التناص شائكة ومعقدة، قد ترفع من القيمة الشعرية الى الفضاءات العليا من السحر الجمال الشعري ، او قد تنزله الى اسفل الدرجات، ليكون عبء زائد ومشوش بسوء الاستخدام، لذلك تحتاج الى كنز من المعارف والثقافة والفكر، في نظرته الشمولية، من اجل ان تكون هذه الاستشرافات بمثابة ومضات ضوئية، في دعم النسيج والخيال الشعري، وهذه الاشتراطات والامكانيات متوفرة بشكل قدير، من الخزين الهائل الذي يمتلكه الشاعر السماوي، التي تؤهله ان يستخدمها بخبرة ذكية رائعة في عالمه الشعري، وفي هذه المجموعة الشعرية بالذات، والمهارة الاحترافية بان يفيض بها بالجمال، وفي عدة ادوات متنوعة يستخدمها في النسيج والبناء الشعري، ومنها الاستعارة والتشبيه، في اطار فني وتقني من البناء والهندسة الشعرية، لدعم تكوين وصياغة القصيدة، ان هذه القراءة غير معنية في كشف هذه الخلايا وتكويناتها، لانها معنية في تناول، الخط والنسق البياني لتتبع مسار وتفاعلات وحي العشق (صوفائيل) ورسالته الى المملكة العشق ، في عملية شعرية زاخرة من الابهار والدهشة، من اجل تكوين امارة عشقية صوفية فاضلة . وان مسألة الرسل والمبعوثين والمرسلين لتوصيل او لتبليغ رسائلهم، ليس بدعة جديدة وغريبة، فقد اهتمت بها بشكل فعال الحضارات القديمة واساطيرها عامة، ومنها الحضارة الاغريقية واسطورتها، التي تقول، بان الملقب رب الالهة (زيوس) كان له خادم ورسول هو الاله (هيرميس) او (هرمس) وكان يلعب دور الوسيط، بين رب الالهة (زيوس) والالهة الاخرين في توصيل رسائله وتبليغاته . والرسالة الاسلامية ايضاً تشير دور الوحي (جبرائيل) في تبليغ الرسالة السماوية، وهو مبعوث من رب العالمين الى الرسول الكريم، من هذا المنطلق، نكتشف في قاموس الشاعر السماوي العشقي، مفردة عشقية، تحمل اسم (صوفائيل) في المجموعة الشعرية (بعيداً عنكِ .. قريباً منكِ) في استلهام الاسطورة والنص الديني (القرآن) كمحور أساسي، في تجليات الحلم الصوفي في مملكته الفاضلة، وملاك العشق ينقل التراتيل والاناشيد والآيات العشقية من الرومانسية الشفافة ، من القانتة (الزهراء) معبودة الجلال العشقي ومئذنته الضوئية، ومفردة (صوفائيل) هي لفظة اغريقية (سوفا) تعني الحكمة او الحكيم، وتتبعها لفظة اللازمة (ئيل) وهي ملازمة للملائكة . لذلك نفهم من المقصود من المفردة، تعني، حكيم العشق او وحي العشق، وهو المقصود في الديوان الشعري، لذلك ترددت مفردة (صوفائيل) 24 مرة ، وهذا يدل على الاستفادة من النص الديني (القرآن) في التلميح والرمز، في نسيج القصائد المطرزة باطار فني وتقني من الجمال الشعري، في تشابك وثيق، لتتموج في الهوى الصوفي، في وهج الجمال والسحر الشعري، وما تشكل من ميلودرما شعرية رائعة، في نزول الوحي (صوفائيل) من اجل غاية ومعنى ومغزى في رسالة التبيلغ، بكل صدق وامانة، وتتكون المملكة العشقية الصوفية، او الديون الشعري، من قصيدة واحدة موزعة في شكل بناء هندسي مترابط من النسيج الى ثلاثة وثلاثين خرزة، او بالمعنى الادق من ثلاثة وثلاثين آية عشقية، او ثلاثة وثلاثين لوحة شعرية، مرسومة ببراعة رائعة من الجمال، كأنها في رحلة او سفرة عشقية الى المملكة العشق الصوفية الفاضلة، لذلك علينا ان نتبع مسار اوخط هذه الرحلة من بدايتها حتى خاتمتها، وخيوطها المتشابكة في النص الديني .

1 - نقطة البداية : (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام ثم استوي على العرش) سورة ا لاعراف . ان الله خلق السموات والارض في ستة ايام، وخلق مخلوقات كثيرة لا يعرفها الانسان (ويخلق ما لا تعلمون) وكذلك خلق بني آدم ليكون سيد الارض، من اجل ان يحرث الجمال فيها، بالمقابل فان الحالة المماثلة في مملكة العشق الفاضلة ، خلق قصيدة تمشي على الارض، وتبعث بعطرالرياحين من بستان حروفها الزاهية في العشق والجمال .

ان الإله يعشق الجمال

وأنه

حين انتهى

من خلق كل الكون

في ليال

سواكِ يا حبيبتي قصيدة

تمشي على الارض

فتمشي خلفها

حديقة زهورها الشعر ..

 

وبستان من دفءٍ . ص98

2 - خلق الفصول : (لإ يلاف قريش ايلافهم رحلة الشتاء والصيف) سورة قريش، تقلبات السنة وفصولها ومناخاتها المتغيرة والمتبدلة، تخلق انطباعات مختلفة في نفس العاشق وتكون لها صدى من الواقع الفعلي والمعايشة اليومية، وهو يستذكر مناخات مدينته وتقلباتها وانعكاسها على هواجس القلب، في الندى الناضج بالريحان ، وتخلق حالات من الالهام العشقي في رحيق الهوى الوجداني الخافق

اعرف فصل الصيف في مدينتي

من ندى الناضج من ريحان جيدها

ومن قميصها الرقيق

واعرف الشتاء من وشاحها المخمل ...

والربيع من سرب الفرشات التي

تحوم حول ثغرها المخضل بالرحيق

واعرف الخريف

من انحسار الورد

في بستانها الشفيف . ص72

 

3 - التبليغ والنبوءة : (أقرأ بأسم ربك الذي خلق) سورة العلق . من جسامة وعظم المهمة الصعبة، في استلام امر التبليغ والنبوءة، والمسؤولية في نشر رسالة التبليغ، انها لحظات تاريخية حاسمة، تبعث على الرهبة والجلال، التي تجتاح الروح وتجعلها في حالة يثرى لها من الاضطراب والارتباك النفسي من جلالة الابهار، ونتذكر حالة الرسول الكريم حين نزل عليه الوحي . وكيف اجتاحته تيارات من الهلع والخوف وارتجاف وخفقان القلب، انها حالة مماثلة، حين نزل وحي العشق (صوفائيل) وهو يحمل رسالة التبليغ . وكيف كان التأثير النفسي من رهبة وجلال الرسالة

ذعرت روحي ..

تساءلت : هل الساعة حانت ؟

فتشاهدت . .

وكبرت ..

وحوقلت ...

وبسملت ...

فصوفائيل لا يكذب ...

صوفائيل مبعوث التي اكرمها الله

فكانت كعبة العشق

وناموس النقاء . ص86

4 - التبشير بالرسالة : (أيها المدثر . قم فانذر . وربك فكبر . وثيابك فطهر) سورة المدثر . التبشير يحتاج فعل وعمل ونشاط ونفخ في الروح من جديد، لتكون على مستوى المسؤولية، في التبشير بالرساله، بان تكون نذيرللمرائين وبشيراً للمؤمنين، وليس الركود والتدثر في فراش النوم

فانفخي

من روحك الصوفية بجثماني

لاحياء من جديد

وابعثني للمرائين نذيراً ...

وبشيراً للمحبين

بعشقٍ

يجعل الارض فراديس

وكل الدهر عيد ! . ص57

5 - المعلقات العشرة : التي كتبت بماء الذهب، وعلقت على استار الكعبة، بانها اجمل ما قيل في الشعر، ولكن في منظور العاشق الذي يهيم بجلالة المرأة العاشقة، الذي يسبح في الجمال والتفضيل، وطلما يرى الاشياء في هالة معبودة ، يشعر بانه هناك خطأ تاريخي قد ارتكب، لان (عيناك اولى المعلقات / لكن الذين ابحروا في البحث / قد خانهم الخيال ...) هذا مكمن الخطأ التاريخي في المعلقات العشر، لان اميرته القانتة (الزهراء) لم تكن في مقدمة المعلقات، وهذا يدل على الفتنة والسحر في جلالة المرأة العاشقة

قد أخطأ التاريخ

حين قال :

ان معلقات عشر ...

كن

من اجمل ما قيل من الشعر

وما يقال ..

علقن في الكعبة يا أميرتي

أجيال . ص96

6 - هناك حالات لا يمكن من اطالة الشرح فيها ، وانما اترك الى الديوان الشعري يعرضها بروعتها الجمالية الخلابة وهي .

أ - الطمع والجشع والانانية في شراهة الاستحواذ على الاموال ولاينفقونها في سبيل الله (والذين يكتنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) سورة التوبة

فما الذي يطلبه العصفور

من مملكة البستان

غير النبع

والعنقود ..

والبيدر ؟

ايقنع العصفور ان يستبدل

الابريز ..

والفضة . .

والياقوت ..

والجوهر

بغصنه الاخضر . ص119

ب . التحذير من الغمز واللمز والنميمة (يايها الذين آمنوا لايسخر قوم من عسى ان يكونوا خيراً منهم ....... ولا تلمزوا انفسكم وتتنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق) سورة الحجرات

تبلغك الضوئية العشق

السلام

وتقول احذر من :

الغمز . .

او اللمز ..

او الهمز

اذا تكتب شعراً

فالذي يغمز

او يلمز

او يهمز من طاهرة الثوب لئيم

وانا فردوسي الناسك لا يدخله

المارق ....

والاثمِ .، ص122

ج - او التحذير من الوسواس الخناس (قل اعوذ برب الناس اله الناس من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس) سورة الناس .

اضحى كالنخل السومري اليوم :

شاص التمر فيه ....

وبدلت اخلاقها الاعذاق ....

لان الطا ئين عليه أرجاس أبالسة ..

وابكاها الذي ابكى الحمامة

حين حاول ان يطال بياضها

ببعض سخام !! . ص142

د - بعث الارواح (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل امواتاً، بل احياء عند ربهم يرزقون) سورة آل عمران

فأميتيني شهيداً ..

واخلقيني من جديد !

ناسك القلب .....

شفيفاً .....

طاهر الاردان أحلاماً

وانفض عن شجري !

الذابل واليابس ص91

ح - الندم والتوبة : (من يعمل سوءاً او يظلم نفسه، ثم يستغفر الله، يجد الله غفوراً رحيماً) سورة سورة النحل .

أبو نؤاس قرر التوبة

هشم الكؤوس كلها

وحطم الدنان ...

والزقاق ...

والقراب

صار اذا مر أمام حانة

يفر مذعوراً

الى واحته الزهراء ص147

 

ز - التبشير بالجنة : (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار) سورة البقرة

أجاب : هذي جنة الذين يأمون بالعفاف

والصدق

وينهون عن الرياء والطيش

التي يدخلها لن يعرف الاحزان

فاخلع أمسك الاثيم وأدخل آمناً

دخلت

فالقطاف كان التين والزيتون

والمياه سلسبيل ص 188

7 - ختام الرسالة : (ما كان محمد أبا أحد من رجلكم، ولكن رسول الله وخاتم النبيين) سورة الاحزاب . ونصل الى خاتمة رسالة التبليغ، او في ختام السفرة العشقية الى مملكة الهوى الصوفية، في اكمال رسالة التبشير والنبوءة، ولم يبقِ إلا الاعلان الصريح بشكل مباشر، وتخاطبه المعبودة القانتة (الزهراء) باسمه الصريح، بانه خاتم انبياء العشق، فانطلق يا (يحيى السماوي) برسلة التبشير في العشق المقدس

يا يحيى السماوي

الشهيد الحي

والحي الشهيد

وخاتم العشاق في عصرٍ

يضج خناً وغياً

اليوم قد أكملت سفرك

فانطلق برسالة العشق المقدس

كن رسولي في الهوى

حين يعاد الاعتبار

لعقل " قيس بن الملوح "

و" الشريد السومري "

ويستعيد عفافهَ

الوجدُ ....

التهيم . .

يستحيل العشق خبزاً للقلوب

فلا يعود الحزن سيماء المحيا ص44

 

جمعة عبدالله

 

 

المغترب: صورة الإنسان المعاصر فى "شخص حزين يستطيع الضحك"

mahmod mohamadmakyيغوص صابر رشدي فى مجموعته القصصية "شخص حزين يستطيع الضحك" - التى صدرت فى القاهرة - فى أعماق النفس البشرية المعذبة بحثا عن ماهية الإنسان أو كينونته، وإن شئت فقل بحثا عن جوهره فى استبطانه للنفس البشرية ودروبها، فمنذ البداية يأخذك الكاتب فى مدارج شتى متنوعة الدرجات والدركات فى كل قصة من قصص المجموعة التى تمثل كل منها عتبة أو مدخلا لغياهيب النفس البشرية تختلف إحداها عن الأخرى. فمنذ السطرالأول يدرك القارىء أن القاص كأنه يبحث عن هذا الجوهر الفرد داخل النفس البشرية: استكشافا واستبطانا. كأنك ترى صورتك فى المرآة أثناء قراءة قصص هذه المجموعة، فترى الذات الإنسانية فى أحلامها وأضغاث أحلامها، وفى آمالها وانكساراتها.

لا يحتاج القارىء إلى جهد ليدرك أن قصص المجموعة الثماني عشرة تربطها فكرة الإغتراب النفسى وهو أقصى أنواع الإغتراب حيث نثرت أفكارها وتتابعت فى سرد قصصى جمع بين البساطة والعمق متناولا الظاهرة من جوانب عديدة. هذه الشخصيات المغتربة التى تقدمها لنا قصص هذه المجموعة تنتمى كلها بلا استثناء إلى جيل ضائع مدمر يهرب من الواقع، جيل وصف فى الأدب الغربى بأنه "الجيل المجهول generation X " أو الجيل الضائع lost generation الذى ظهركافرا ناقما على القيم التى تحكم الحضارة الغربية سواء فى شقها الدينى الذى تقوده الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية أو شقها فى المناقض التى كانت تقوده روسيا الحمراء، كان ذلك الإغتراب بعد أن واجهت البشرية أكبر تدمير ومقتلة تتعرض لها فى التاريخ على يد الحضارة الغربية بمفهومها الكوزموبوليتانى والغرب نفسه – وأن أشتركت اليابان فيها ولكنها اشتركت بألة قتل غربية وشخصية غربية تماما. ولكن الإغتراب فى "شخص حزين يستطيع الضحك" له أسبابه المختلفة قدمها الكاتب فنيا متجسدة فى أبطاله، هذا الإغتراب الذى يدفع أبطاله إلى الإنفصال عن واقع الحياة، إنفصال يصل أحيانا إلى حد الكلية أو القطيعة المطلقة، هو إغتراب الشخص عن نفسه وأهله وعن وطنه أو فيه.

لن الفت نظر القارىء عندما طالع عنوان المجموعة المتميز "شخص حزين يستطيع الضحك" المكون من أربع مفردات تبدأ بجملة اسمية المبتدأ فيها كلمة "شخص"، ولن احدثك عن التقابل الواضح بين "حزين" و"الضحك"، ولكن العامل المؤثر فى كل ذلك هو الإنسان المجهول المسحوق الذى تحول إلى مجرد "شخص" نكرة فى الوجود، فاصبح مغتربا عن ذاته و وأهله ووطنه.

ومنذ أول قراءة يدرك القارىء أن المجموعة كتبت بهندسة فنية عالية تصل لحد الإتقان. أولا عناونين قصص المجموعة الثمانى عشرة، ترواحت بين كلمة مفردة مثل "الطيور" و"دروب" و"إغواء" أو كلمتين مثل "ضوء شفيف" و"ثعابين ملونة" أو ثلاث كلمات مثل"أصبع على الذناد" و "موت على الهوى" أو أربع مثل "شخص حزين يستطيع الضحك" و "الرجل الذى اكتشف الطمأنينة". ثانيا كل أبطال قصص المجموعة، بل كل شخوصها أيضا، جاءت غفلا من الاسماء، لأنها تعالج هما إنسانيا مشتركا للإنسان المعاصر، ولتذيد من قسوة الإغتراب ولتعمق مرارته.

كما نرى في قصة "شخص حزين يستطيع الضحك" التى تحمل المجموعة اسمها، حيث نرى صورة الإنسان الكافكاوى التعس المحطم داخليا والبائس خارجيا، الغريب عن ذاته والمغترب عن أهله، فهو فقير مهزوم مأزوم منكسر يعيش فى غرفة فقيرة تملؤها أعقاب السجائر، عندما ينظر فى المرأة ينكر نفسه فهو خالى من المواهب إلا من موهبة الحزن. هذا الحزين المنكسر تتحول أمامه أعقاب السجائر التى على أرضية حجرته كأنها جثث قتلى يراها تتراص أمامه. ومما يضاعف حزن هذا الحزين المنكسر المسحوق أنه يحس أن كل شىء فى الكون يسخر منه حتى الفأر الذى تسلل إلى غرفته لم يخافه، وإنما تجرأ عليه فظل واقفا يتأمله وكأنه تمثال من حجر. القصة كأنها قصة تحولات – تلمح إلى تحولات أوفيد أو الجحش الذهبى لأبوليوس – فأعقاب السجائر تحولت إلى جثث قتلى، والبطل تحول إلى تمثال حجرى غطاه الغبار، ولك أن تتخيل كم البؤس الذى يلف هذا الشخص حتى أنه يتذكر المرة اليتيمة التى ضحك فيها. جاء البطل – كما سبق الإشارة إلى بقية شخوص المجموعة – غفلا من كل ملامح خارجية تحدد ماهيته، زمانا أو مكانا، اسم أو رسما.

لذلك ترسم الجموعة صورة للإنسان المعاصر فى كل زمان ومكان: الإنسان المهزوم الغريب المغترب الذى يكسوه الخوف ويسكنه الرعب، كما فى قصة "لا تخف" التى نرى فيها البطل يخرج من بيته خائفا يترقب، حيث يرقب كل الأشياء عندما يخرج لأنه يرى أن العالم كله يحاربه، هذه ظلال من أبطال كافكا أو إدجار ألن بو كما "سقوط منزل عائلة أشر" أو "وردة لإميلى"، فتلك القصة – كبقية قصص المجموعة – نفسية وفلسفية بإمتياز: تتسآل أين تذهب أصواتنا ولماذا لا تنهمر علينا مثل المطر الذى يخرج بخارا ويعود للأرض قطرا؟

فى قصص المجموعة لا تناسق ولااتساق أو إنسجام بين شخوص المجموعة والكون المحيط بهم ولا حتى فيما بينهم. تقوم بنية المجموعة على علاقة الثنائيات: الروح والجسد، النوم واليقظة، الحلم والواقع، النور والظلام، الداخل والخارج، الوجود والعدم، العلوى والأرضى، الغنى والفقر، أو الجبر والإختيار.

لم يحاول صابر رشدى أن يقلد أحد وإن وقف على مناهل شتى من لمن نبغوا فى فن القصة من كافكا إلى بو و نجيب محفوظ. تمثل هذه المجموعة صوتا متميزا متفردا لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالشكل أو المضمون، فهو يستخدم الفصحى حوارا وسردا طيعة جميلة فى كل قصص المجموعة، حيث أن اللغة هى وسيلة التواصل بين المبدع والقارىء، فاذا فقدت هذه الوسيلة أو أصابها عطب فشل الأديب فى أن يوصل إلى القارىء ما يريد. فمن حيث اللغة نجح القاص نجاحا متميزا - بل ويكاد يصل إلى حد التفرد – فى استخدامها. فهو فى هذه المجموعة القصصية صاحب أسلوب يستخدم العربية فى سلاسة وتمكن، حتى تكاد تخلو المجموعة من الاخطاء اللغوية والأسلوبية، إلا فيما ندر، التى انتشرت بين الدخلاء على عالم الأدب؛ حتى زاد الأمرسوء وأصبحت اللهجة العامية صرعة بينهم ولوثة أصابت بعضهم، لا لشىء إلا لأن أعينهم على جوائز مشبوهة مخصصة لكل ما يكتب بهذه اللهجة ويترك الفصحى.

انتظروا صوتا متميزا متفردا قادما لينافس على عرش القصة فى العالم العربى.

 

بقلم: محمود محمد مكي- القاهرة

 

معمار الخارج نصي اليوتوبيا منالا واستحالتها مآلا

saad yassinyousufقراءة في مجموعة أشجار خريف موحش للشاعر د. سعد ياسين يوسف

الخارج نصي العنوان والغلاف وتوابعهما كمتعاليات نصية

الخارج نصي بناء معماري يهندس بنية النص الشعري ليندرج في خانة المتعاليات النصّية: TRANS TEXTUALITY و"هي كل ما يجعل نصّاً يتعالق مع نصوص أخرى، بشكل ضمني أو مباشر. وقد خصص لها جيرار جينيت كتاباً بأكمله سماه: PALIM PSESTES. SEUIL. PARIS 1983 حدد فيه أنماط (المتعالقات النصّية) "     

وهذا التشكيل البنائي بمستوياته وعلاقاته إنما يقوم على الترصيف الكلامي والتنضيد الجملي والاصطفاف اللفظي للعبارات والانتقاء الترميزي للعلامات والإشارات.. فضلا عن اعتماد التناصات الجديدة من نصوص سابقة أو معاصرة وهندسة فضاء الصفحة متنا وحاشية فراغا وتأثيثا عتبة وإفضاء تموضعا وتمظهرا استهلالا وهامشا ليغدو النّص الخارج نصي" خلاصة لعدد من النصوص التي تمحى الحدود بينها.

والطبيعة القرائية لهذه المتعاليات النصية إنما تقوم على أساس الاستعمال الإجرائي السيميائي بغية الكشف" عن نظام العلامات في هذا النص على أساس أنها قائمة بذاتها فيه؛ لا مجرد وسيط عبثيّ؛ وذلك بتعرية البنية الفنية لـه بصَهْرها في بوتقات التشاكل والتباين، والتناصّ والتقاين (أو التماثل)، والانزياح الذي يزيح الدلالة عن موضعها الذي وُضعت فيه، أو لـه في أصل المعاجم، ويمنحها خصوصيّة دلالية جديدة هي التي يحمّلها المبدع في لغته؛ وذلك بتوتير الأسلوب، وتفجير معاني اللغة، وتخصيب نسوجها..."

وفي مجموعته الشعرية (أشجار خريف موحش) يتوجس الشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف من يوتوبيا ممكنة تتواجد بين ما مطلوب مناله وما مرجو مآله في ظل عالم صعب يعكر صفو الطبيعة بتفاصيلها كلها فتتشوه صورتها المثالية لتغدو متزينة بالأوشحة السوداوية حيث مشاهد الدم والقتل والترويع والعنف.

وبهذا التجسيد المأساوي ـ الذي غالبا ما يصطدم به الشعراء الرومانسيون ـ يستحيل نيل اليوتوبيا لتتحول من كونها يوتوبيا متاحة منالا إلى يوتوبيا مستحيلة مآلا .

ويتضح هذا التجسيد بدءا من عتبة الإهداء حيث اليوتوبيا حاضرة منالا بالربيع المبهج ومستحيلة مآلا بالرصاص الذي أشرع له الآخرون صدورهم فكان المتحقق من هذين التقابلين الصوريين مؤسلبا فقد غدا الربيع خريفا وصارت البهجة وحشا:

(إلى الذين اشرعوا صدورهم

للرصاص

أملا بربيع مبهج

ولم يكن سوى

خريف موحش)

ومما عزز فحوى هذا المنظور الغلاف الأمامي الذي جاء بالقطع المتوسط وقد انقسم إلى منطقتين النصف الأعلى منها انقسم بدوره إلى قسمين تقاسمتهما ثلاث وريقات تين متهاوية كدلالة على نهاية المآل بالخريف حيث الذبول والسقوط والانحدار وفي استعارة مكنية للكل /الأشجار بالجزء/ الأوراق.

وقد حلت أبنية صلدة جامدة محل الأشجار وتكدس بعضها فوق بعض في دلالة على أن الحياة التي كانت تغص بالأشجار قد غادرت وحلَّ محلها الموت والجمود وقد عضد اللون الأصفر البني هذا التوجس.

واحتل اللون الأخضر المزرق الربع الأخير من صفحة الغلاف الأمامي وشغل كلية الغلاف الخلفي بما يدلل على أن محصلة الاصفرار الخريفي وقتامة الإحساس به هي بمثابة التأكيد للوحشة الشتائية التي ضاعت فيها مباهج اللقاء والألفة.

وفي الغلاف الأمامي كُتب العنوان أشجار خريف موحش باللغتين العربية بخط أحمر والانكليزية بخط اخضر براق وفوقهما كتب اسم الشاعر بلون برتقالي وبحجم اصغر من حجم العنوان.

وتضمن الغلاف ما قبل الخلفي للمجموعة التي بلغ عدد صفحاتها 140 صفحة إصدارات الشاعر مع تنويه إلى أن الغلاف الأمامي من تصميم الفنان التشكيلي د. صبيح كلش

أما الغلاف الخلفي فطغى عليه اللون الأخضر المزرق كدلالة على الوحشة والهيام وقد تصدرت صورة الشاعر الجزء الأعلى منه وتحتها سيرة الشاعر الذاتية ومؤلفاته وقد كتبت باللغة الانكليزية.

وأسهمت النصوص العشرون التي ضمتها المجموعة في تعزيز هذا التصور الرومانسي لتلك اليوتوبيا الضائعة التي جمعها قاسم رؤيوي مشترك هو البكاء رثاء وترتيلا والرماد لونا وتحصيلا والنعي موتا واستغاثة والتوجس انكسارا وذبولا.

وقد عضد هذا القاسم قاسم صوتي مشترك تمثل في البناء التفعيلي للنصوص إيقاعا وموسيقى كما كانت الاستعانة باللغة الانكليزية في إعادة كتابة قصيدة أشجار خريف موحش دون سائر النصوص الأخرى نوعا من التشكيل الصوتي المعزز للمنظور الرومانسي الذي اختلج حواس الشاعر.

وقد تضمن معمار هذه النصوص اهداءات وحواشي هي بمثابة تعالقات نصية مع مرجعيات ثقافية سابقة فقصيدة (غربة نورس الصباح) مثلا استهلت بإهداء: (إلى: رفيق طفولتي صباح سعيد) وذيلت بحاشية وضحت بعض أسماء الأماكن ومعاني ألفاظ وردت في متن القصيدة وقد وضعت في المتن نجمات صغيرة كإشارات إحالية على تلك الحاشية، ناهيك عن قصدية الضبط بالشكل لكلمات بعينها وعلى طول النصوص وعرضها... والفراغ الذي فصل بين العنوان الرئيس والمتن الشعري وبما يعكس المنحى الشعوري الاغترابي..

وتضمن هامش قصيدة (ترتيلة لدمشق) احالتين استرجع فيها مفهوم باب الكعبة وانه اسم من أسماء دمشق كما استعملت الأقواس في المتن كإحالة إشارية على التناص الشعري مع بيت محيي الدين بن عربي:

(قف بالمنازل واندب الاطلالا     وسل الربوع الدارسات سؤالا)

وقد توضع الإشارة الاحالية في العنوان نفسه لا في المتن كما في نص (بخور الأمهات) وجاء في الحاشية إهداء الى (الصباح السعيد في غربته) وبما يعيد الى الذهن ان المهدي إليه هو صباح سعيد..

وأهدى قصيدة (جمر الكلمات) إلى شاعرة كرواتية اسمها سوزانا اوشتريتش جاعلا من الإهداء استهلالا لها مع حاشية تذييلية تحيل على معنى أسماء مدن كرواتية

وتحفل النصوص جميعها بقصدية توزيع السواد والبياض على سطح الصفحة الواحدة مع توظيف العلامات الكتابية كالحذف والفوارز والنقاط وأقواس التنصيص والتعجب والاستفهام .

فأما علامات الحذف التي جاءت على شكل نقاط متتابعة قد تشمل سطرا أو سطرين أو أكثر؛ فان الغاية منها تحريك مخيلة للقارئ كإشارة غير مباشرة إلى انفتاح النص ففي قصيدة (مرثية لسائق الغمام):

 

(أسنان النسيان،

يلقيها

خلف تلال الخوف..

................

...............

تكاثر فينا المحل)

 

   نجد النقاط تلقي على قارئها تحديا نحويا أولا ودلاليا ثانيا كون الفاعل للفعل يلقي الذي هو فعل متعدٍ بنفسه محذوف إذ: من الذي يلقي بوحشة النسيان خلف تضاريس قاسية من العزلة والاكتئاب؟ وأين سيلقى بها ؟ وما على القارئ إلا التفكير في الإجابة عن هذين السؤالين اللذين تركهما الشاعر مفتوحين بغية ملء الفراغات المحذوفة مستعينا بذخيرته القرائية ومخزونه المرجعي الثقافي..

وفي قصيدة (من مقام الخسارات) ترد نقاط الحذف اثنتا عشرة مرة وتتوالى في القصيدة نفسها الاستفهامات بصورة تستفز قارئها وقد شغلت احد عشر سطرا من مجموع اثنين وستين سطرا فضلا عن علامات التعجب كما في السطر الآتي:

خساراتي ... نسيت!!! وكذلك في السطر: خريف موحش !!!، في دلالة واضحة على التأزم الشعوري إزاء مفردة خسارة تاركا للقارئ اختيار العبارة الملائمة:

 

(فإذا ألقيت بنفسي

كيف أعود؟)

.. .. ..

فقد يكون الجواب لا أعود أو لا ادري أو لن أعود ليبقى الباب مفتوحا للتأويل. وقد يبدو الجواب بعد (لا) مفتوحا من خلال النقاط التي ترد بعدها كما في نص(اغنية من رأى):

لا.............

لا ............

وتتكرر ال(لا) الناهية ثمان مرات في نص (دم الكرستال) ثم تتكرر (به) أربع مرات و(قبل) مرتين، وتأتي نقاط الحذف في المشهد الحواري الآتي:

 

(قال:" فألقِ"

.... ..)

كإحالة دلالية تستدعي القصة القرآنية عن موسى عليه السلام وعصاه التي ألقاها وقد كرر الشاعر القول ثانية وثالثة ليكون الجواب (ليس لي غيرك)

وقد توظف أقواس التنصيص كما في " عكد التوراة" للإشارة إلى أن هذه الكلمات مستدعاة من موقف ما ؛ أو أنها متناصة مع آيات أو أشعار أو أساطير أو حكايات وتتكرر في قيامة بابل يا النداء أكثر من عشرين مرة

وللتكرار وظيفة تأويلية أيضا فمثلا أن تكرار كلمة (نقالات) خمس مرات في قصيدة (شجر الموت) جنبا الى جنب نقاط الحذف المتتالية قد أكد الخيط الرابط بين معاني: الموت والمرض والعجز والانهيار والضعف ووضع الأقواس الكبيرة حول كلمات مثل (أركانه وسوق السمارين) ندليل كتابي على تخصيص معنوي معين وقد يعمد الشاعر إلى استعمال النقاط بعد كلمتي العنوان كما في قصيدة (شجرة النزول ......) بما يعني أن العنوان غير مكتمل وفيها تكثر الحوارات بالشارحة التي تسبق الفعل قال والنقطتين الرأسيتين بعده:

 

(قال: اخترتكِ شاهده

عفوك.......

ـ شاهدة الوأد؟ !! الطلقات إذا ما مرت )

 

وفي قصيدة (الهاجس) تستعمل النجمات كفواصل مقطعية تقسم النص إلى أربعة مقاطع ونلحظ ان علامتي الاستفهام في نص (آه لو تعلم ؟؟) إنما وضعتا لتغيب المخاطب ولنعلم من احد السطور في المتن أن المخاطب ليس مذكرا بل مؤنثا ليكون المحذوف من بنية العنوان الرئيس حرفان (آه لو تعلمين) وإما وضع علامتي الاستفهام في العنوان فكان بمثابة بديل كتابي عن الحرفين المحذوفين:

(من يدركني ؟

من يمسح حزني؟

غيرك يا سيدتي

وحدك)

 

الخارج نصي الهيمنة اللفظية كفاعل دلالي

للهيمنة مدلولات عدة منها التمركز اللفظي والإيحاء الدلالي والتوطن المعنوي وامتلاك الفضاء الكتابي على سطح الورقة ولهذه الهيمنة فاعلية سيميائية تفتح آفاق التأويل باتجاه العنونة والمتن والهامش متفحصة السطور ومستجلية ما فيها من الصور والرموز والإشارات كشفا وبوحا واستنطاقا.

وعادة ما ترافق فاعلية تحريك المخيلة القرائية قصدية التدليل بحثا عن التقاطعات والتقابلات والاحتجاج على مكنونات البوح الشعري دالا ومدلولا.

وإذا كان العنوان" مجموعة العلامات اللسانية من كلمات وجمل وحتى نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه وتعينه تشير لمحتواه الكلي ولتجذب جمهوره المستهدف" فان تموضع العنوان كعتبة نصية إنما حقق تمويها دلاليا ونبدأ من قصيدة التفعيلة التي اختيرت عنوانا رئيسا للمجموعة كلها (أشجار خريف موحش) إذ تفرض لفظتا البحر والدم هيمنة معنوية لترسما مشهد المأساة الموجع في حركة دائرية متموجة بما يشبه حركة البحر في تموجه فهي تنتهي من حيث تبتدئ وتبتدئ من حيث تنتهي...

وعلى الرغم من ان غياب اللمحة الانزياحية للصورة الشعرية في إسناد الأشجار إلى الخريف إسنادا لغويا إلا إن مجيء الصفة (موحش) أعطى ذلك الإسناد انزياحا تشخيصا ليطفو على بناء القصيدة كلها وقد ساعد التوظيف العلاماتي المتمثل بتكرار علامة التعجب على تحقيق ذلك:

أشجار

خريف موحش!!!!

 

وبذلك تمتزج بنية المتن الشعري مع بنية العنوان لتصيرا كيانا واحدا ولكنه مركب دلالة وحركة زمانا ومكانا:

(عند ضياء

يوصف "فجرا"

وصلنا كتف كتاب البحر)

فالزمان/ الفجر يتماهى شعوريا مع المكان /البحر ليرسما مشهدا وجدانيا للبداية الانطلاق لكن المفارقة أن تلك البداية ليست للحياة بل هي بداية لكل ما هو مأساوي حيث الدم والتحطم والذبح والكذب:

( نثار زوارقنا يطفو خشبا أدماه الموج،

رؤوس الأطفال المذبوحين

بنهم نبي كاذب)

 

وتتوالى الألفاظ المتعالقة مع ذلك المشهد المنزوع من الحياة انتزاعا والبائس استلابا وهزيمة فلا الشمس تترك في الموجودات لونا ولا الأزهار تمتلئ نضارة ولا النخل يزهو شامخا ولا الفراشات مضاءة:

(أقلام الخشب المسلوبة لون الشمس

أزهارا يبست

صورا للنخل الواقف

ثملا.. فوق الجرف

يلوح لضفاف أخرى

     فراشات .. فقدت ضوء اللون)

 

وقد أضفى تتابع متعالقات البحر(الضفاف، الجرف، الأمواج، الشاطئ، النوارس،الشمس، اليمامات) وطبيعة الإيقاع التفعيلي؛ تماسكا ووحدة لتصب الصور جميعها في بوتقة واحدة تحكي قتامة المأساة الممزوجة ببكاء رومانسي شفيف ومنها صورة الوقت وقد غدا هيكلا مسلوخا وكيانا مشوها:

(عظام الوقت،

آذانا..مقطوعة..ووشوم هزيمة

كتف الشاطئ يبكي)

...   ...

وتمركز ألفاظ(الفقد والبكاء واليباس والقطع والتسمر) في قلب المشهد المأساوي اعطى انطباعا رؤيويا أن لا حياة تنتظر الموجودات فكلها دفعت الثمن وهنا تظهر الذات المتكلمة/ الأنا لتعبر عن شعورها السلبي ووحشتها وخاصة البحر الذي هو مركز الوجود لا بإزاء ما حولها حسب بل بإزاء نفسها أيضا:

 

( أرخيت لخطوي حبل الوصل

تسمرت

رميت بساعة ثكلي البحر،

ومضيت ..

أداعب

زغب الوحشة فيَّ)

 

وتتصاعد الأحاسيس السوداوية بوجد شاعري يمنح المشهد المأساوي مزيدا من القتامة والرعب فللموت سعاة بريد وهم بمعاطفهم السود يرفعون سارية مجهولة وقد امتزج فيهم الزيت بالدماء والطين والدخان وما هؤلاء السعاة إلا قراصنة يغتالون الحياة تاركين الزمن خريفا والحلم رمادا:

(سعاة بريد الموت

مازالوا

بمعاطف غيم اسود

رفعوا سارية

أدماها الطين الممزوج

بزيت الرغبات)

 

ولذلك كله ما عادت الحياة حانية ولا الربيع مزهرا فقد نضب الماء واستبدل بالدم وتحول الغيم قشا والأشجار رمادا وأغصانها وحشة وحلَّ الخريف موحشا بلا خضرة والجرار فارغة إلا من الوجع والخوف والانكسار والتشظي:

 

(أشجار

كف النسغ الصاعد فينا

أن يخضر ويمنح ألوانه

أغصان الوحشة

...

...

بالأجنحة المتكسرة

بأغان.. يتشظى الصوت

إذا غنتها النايات

بنهارات ربيع

أضحت

أشجار

خريف موحش!!!)

 

وفي قصيدة (قبل أن يلقي إلى البحر شراعه) نجد البحر فاعلا دلاليا يتحرك بأفق مفتوح في إطار بناء سردي بصيغة استرجاع لماض جميل فيه الطفل رمز الربيع والتجدد والزهو:

 

(كانت الدنيا حقولا

صباحات وشمسا وأغاني

حلق الطفل الندي

في سماء الأمنيات)

 

وتحدث الانعطافة التي غيرت الواقع المزهر إلى عالم متهاو وحزين إذ تهاوى البيت واستفاق الحزن والعصافير عطشى والأمهات واجمات والآباء منزوون ويأتي السؤال من تكون؟ وثم قائل يطلب:

(قال:" فألق يا بني.. ....)

ويكرر الطلب ثلاث مرات بنقاط حذف أهي الأشرعة أم النفس التي سيلقي بها في البحر؟!:

(بحري المائج يصخب

وشراعي

محض خيط من حرير

فإذا ألقيت نفسي

كيف أعود؟)

 

ويأتي الطلب مجددا قال فالق ليس لي غيرك ومكان الإلقاء هو البحر بمتعالقاته الشراع والملح واليمامات والزرقة والحجر والسنابل والجذع وليس الإلقاء هو ما يخافه الشاعر ولا التواريخ العتيقة ولا الحروف ولا الوجوه بل جل ما يخشاه نسيان الأسماء وفقدان التذكر الذي يعني الحكم عليه بالموت:

(أغمضت عيني على

زرقة عينيه

وألقيت شراعي

كل ما أخشاه أن

تنكرني الأسماء

من حزني

أموت.)

 

وتشكل الدماء والضياء صورة لونية لصرخة مستدعاة من عالم مندثر من ملحمة كان بطلها هو (أول من رأى) ليكون عنوان القصيدة (أغنية من رأى) حيث الضياء والشمس والاشتعال تمتزج صمتا بالدماء لتنتج صرخة /أغنية ولكنها بلا صوت..

وعلى الرغم من أن لونها دموي قتلا وذبحا (المعمور بالدم /يبست دماء /أين الدماء وأمواج الدماء وتغسلها الدماء من الدماء /ما سمعت الدم) إلا إن صنيعها ليس الرصاص والعبوات والتفخيخ بل السلام ممثلا بالحمامات التي تفز من الضياء:

 

(ستظل تغزل من خيوط الشمس

أغنية بلا كلمات

تشتعل الحروف

إذا ما أُوقظتْ من صمتها

وتضج في دمنا الرؤى

هي صرخة

تصعد في قلوب العاشقين

..

.. وحده الدم لا يقبل التفخيخ

لا

وحده الدم إذا ما زاره جمر الرصاص

يفز حمامات من الضياء .)

 

والدم فاعل دلالي أيضا في قصيدة (دم الكرستال) فهو حكاية الشموخ والإباء والشهادة التي لا تعرف إلا الإيثار والتضحية لتهب الحياة لا الموت ولتفتح النوافذ للأضواء فيكون للوننا وجرحنا عيونا ويغدو التاريخ هو الحاضر وهو المنارة التي على الرصيف:

 

(غدا ستعرفون

كيف الشمس

تشرق

من هذا الرصيف

وتصعد في دمي

شظاياه)

 

الخارج النصي تجوال بين المقدس والملحمي /

 

تمتاز نصوص (ترتيلة لدمشق) و(قيامة بابل) و(محمد) و(شجرة النزول) و(الهيكل) باستدعاء الموروث الديني والشعري ففي نص (ترتيلة لدمشق) ينادي الشاعر دمشق بـ (ياخيمة الله ويا كوكب ويا سماء ويا جرح ويا عيون الامسيات ويا باب الكعبة) متغنيا بماض مشرق لذلك المكان:

(الصباحات الجميلة ما عادت،

تضاحكنا.

النوافير بكاء

ما الذي أدمى شفاهك؟)

 

ولان دمشق أرجوحة وصبية جذلى وقبلة، فقد تكالب عليها الشر متناصا مع قصة النبي يوسف عليه السلام فقد تكالب الإخوة الأحد عشر عليه ..وهذا ما يقوله الشاعر بإطار خارج نصي:

(لا تقتلوا يوسف المولود فيها

لا تلقوه في الساحات

منكفئا

فلقد رأى ما لم يُرَ)

وقد مورس هذا الفعل بإزاء دمشق فيأتي النهي (لا تسقطوا تمثاله) وتتوالى بعد ذلك مفردات النحاس والرصاص والرماح ليتولد الدم والقتل والاغتيال الذي أيقظ الشيخ الكبير ابن العربي ليتلو ويسبّح وباستدعاء بيته الشهير:

 

(يا شيخنا:

" قف..بالمنازل واندب الاطلالا  

وسل الربوع الدارسات سؤالا)

 

ومثلما ابتدئ النص السابق بالنداء لدمشق المكان المقدس جاء نص (قيامة بابل) بمناداة بابل المكان/ التاريخ بـ(يا صخرة الإله ويا لهفة الطين ويا هسهسة الجذور ويا أصابع الخلد ويا...ويا...) ويستمر النداء المتكرر اثنتين وعشرين مرة ..

وبتوظيف الخارج نصي عبر التعالق النصي مع المرجعية التاريخية يكون الشاعر قد أضفى على بابل طقسا عباديا حيث المعابد والروح والخلود والخير وهذه صورتها الأولى قبل أن يجتاح الطوفان مدينة جلجامش أوروك ليحيلها ركاما بعد عين لكن تموز المختار يحمل سيفه ضد الشر القادم من الشرق:

 

(يا بابل،

الكرخة نهر دم

وعيلام انثنتْ ..تبكي نوائحها..

أطفأت نيرانها

اكتوت ببابل .. حد الفجيعة)

 

ويتوسل بآلهتها العتيدين مردوخ وآي ساكيلا مخاطبا شارع الموكب لعله ينقذ بابل من فجيعتها ومن الغزاة المتربصين بها والأمل معقود بالفرات مستذكرا السياب في أسطرته الشعرية للفرات وقد جعله مصدر الخير البابلي (وفي العراق ألف أفعى تشرب الرحيق من زهرة يرُّبها الفرات بالندى) وهذا المعطى الشعري عينه نلمسه في نص قيامة بابل:

 

(غدا ستبعثين من التراب

من طينه الفرات

ترتقين سفح جناتك العجاب)

 

ومثلما حقق استدعاء قصة النبي يوسف استباقا حلميا عما هو مجهول ومغيب فان بابل ستبعث من جديد وان نبوءة الاله ستعيد لبابل مجدها والنجوم ستشرق فوق جدرانها:

 

(والشمس والقمر

لجلال هيبتك

كما النبوءة ساجدين)

 

ويتغنى نص (محمد) بالاسم (الرحمة وسيد المخلوقات والمختار والخاتم والصادق والأمين النور السماوي) الذي أعلن ولادة جديدة للإنسان وقد حقق وضعه بين قوسين كبيرين مناديا بـ(يا صرخة الجياع ويا صرخة من لا وجه له):

(لو لم يكن

ما كنا

ولا (الإنسان) ...)

 

إشارة احالية إلى الآية الكريمة (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) فالإنسان بصلابة إيمانه قد جعل ألفا من كلمات النفي تغوص كالنخل لتنتج الخير لكل البشر باستحضار جزئي للاية القرانية (تؤتي اكلها كل حين باذن ربها) وهذا التاريخ التليد الذي حكايته تنطلق من مكة والعراق هو ما يجعلنا نبكيه اليوم:

 

(ألف لا

غاصت بأعجاز النخيل

وانبتت

سنابلا يُؤتى أكلها لمن يشاء

...

يسقطنا الرمل

نبكي على اطلال مكة

والعراق)

 

وتتماهى في نص (شجرة النزول) الموروثات فتتأرجح بين التاريخي والديني والشجرة هي عشتار التي نزلت من العالم العلوي لتعلن ولادة العالم ولتكون الأنثى أصله ومنتهاه وتملأ الشجرة بأغصانها وفروعها الأرض خضرة ولتولد الفواخت والخبز فكانت تلك الشجرة هي الشاهد على الإنسان ومآله الأرضي عبر الأزمان منذ أن قتل قابيل هابيل فكان الغراب هو الندم الأول الذي عرفه الإنسان ليداري عن أخطائه ويواري سوءاته:

 

(كم شهدت؟!!

حزن نهارات الجزارين المافتئوا

خلف جذوع الزمن المختل

يوارون

سوءة حمامات براءتها)

 

والشجرة/ الجذع أيضا هي التي شهدت مخاض الإشراق الإلهي حين هزت مريم العذراء النخلة فتساقطت رطبا جنيا حين ناداها ابنها من تحتها (أن هزي إليك جذع النخلة ..) لكن شجرة النزول ليست كذلك إذ تساقطت فجيعة واحتراقا فكان المكان الفاو هو المولود رأسا مقطوعا وقميصا احمر وصراخا ضاجا وقد خاطب الشجرة / العمة:

 

(يا عمتنا، يا عمتنا عذرا

فمدائننا رمل

ما عادت تنفعها

الصلوات .)

 

وتتكرر في قصيدة (الهيكل) متواليات الفعل العبادي (المسح والغسل والصمت والبوح) بإزاء الهيكل المقدس بقبابه وأقواسه بغية التطهير من الأدران من خلال عطره وأديمه وفراشه وجلال صمته وعمق روحه كما تتوالى مفردات النسك والطهر كالغور والبوح والدوران والصحو وإحراق عيدان البخور ليتصاعد دخان صوفي بحضرة الهيكل المعظم وقبابه وراياته وبذلك كله ترتقي النفس من غربتها:

(فاحلُ بحضرته

روحا أخرى

تعلو فوق قباب الهيكل

راية وجد

لا تعرف غير جذور الماء

كغربة شجر الصحراء.)

 

وسيتمم هذا الإحساس الصوفي الذي يجتاح المجموع مثل الموج والدماء والرياح والضياء في نص (الهاجس) الذي يلي نص (هيكل) مباشرة ليولد الهاجس ارتعاشة وطفلا:

 

(رفقا بما في القلب

هل لك أن تؤوب

لعتمة السكون؟

يا هاجسي الملح كالصغار؟!!)

 

ولان الهاجس تولّد لذلك فانه أوقظ الهدايا وملء النفس بالوجد الرومانسي بإزاء الموجودات كما في قصيدة (وطن) حيث الفرات ودجلة يجريان كأنفاس..

وتكريس مشهد البخور في القمصان هي استلهام خارج نصي للموروث الشعبي الذي يصبح فيه البخور هو الحارس الأمين من الشرور وهو التعويذة السحرية القادرة على صد المكائد عن الأبناء ليبزغ الصبح ويعم الغيم كما في قصيدة (بخور الأمهات) حيث يكون إشعال البخور عادة شعبية تعارفت عليها الأمهات لطرد الشر عن أولادهن:

 

(رسمته أمك،

مذ وضعتها فوق سلال التبخير

وسمّتْ ان يحرسك الله

وما زالتْ

تغسل أخر قمصانك

من شر الوسواس الخناس)

 

وتتعالى الكلمات جمرا لا بخورا في القصيدة المهداة إلى الشاعرة الكرواتية سوزانا اوشتريتش لترسم مشهدا للصلاة والتهجد في حضرة التصوف والوجد والفيض الذي يستدعي الموروث التاريخي كبناء خارج نصي عن سيرة الحلاج وقصة صلبه وخطيئة قتله:

 

(امشي نحوي

فتراتيل القديسين

تحملك نحو مآذن عشق العشاق الصوفيين

تحكي عن قصص الوجد،

الفيض،

عن وردة جسد " الحلاج"

المصلوب

على أعمدة الحرف،

وخطايا سيف مجنون

أوغل في حاضرة الحلم

ونام. )

 

واستدعاء الماضي الجميل وبكاء الحاضر الأليم يجعلان الشاعر يلبس ثياب الحداد وقد علاه الأسى والحزن عبر استرجاع تأريخي لحكايات طالما تغنى بها الرومانسيون ومنها حكاية الفراشة التي يدفعها هيامها العاطفي بحثا عن النور والحقيقة إلى أن تلقي بنفسها في أتون النار لتحترق في سبيل الطهر وتستدعى هذه الصورة لتصف حال العاشق المتيم الذي يحمله التفاؤل أو الأمل بغد مشرق إلى أن يحترق ..في دلالة على الذي اتلف نفسه في حب الحبيب وهو لا يرى في ذلك إرهاقا ولا نصبا:

(لكنما فراشة

حطت على أوراقها

أومضت واحترقت

تاركة ألوانها على دم الشفق)

 

وهذا ما كان الشاعر الفارسي سعدي الشيرازي قد منحه اهتماما كبيرا في أشعاره كقوله على لسان الفراشة وهي تخاطب نار الشمعة:

(قالت: أنا عاشقةٌ لاغروَ أن       ألقيت نفسي في اللهيب المحرقِ)

ويستدعي النص من ثم خارجا نصيا آخر هو مشهد قتل الثور الوحشي الذي رسمته بعض المعلقات الجاهلية وقد صار الثور هنا وقتا ونوما وان لا جدوى من قدوم النخيل والحجارة والماء والطين والكلمات لتؤوب معلنة ميلاد عهد جديد:

 

(كيف قتلنا ثور الزمن الوحشي

سملنا عينَ النوم الفقر

غادرنا الخوف الحزن ؟

ولكن !!!

عاد ليسكن فينا

ثانية)

 

ولكن حين يزاح الوجوم عن الوجوه وتتسع العيون وتشير الأيادي وتخضّر الرؤوس وتنطلق الأغنيات فعند ذاك سيتسلل سؤال محير عما هو واقع وما هو مأمول:

(يصعد النخلُ

المحلقُ في فضاءِ الحلم

يشرئبُ من خلل الرماد

مختنقا بعبرته

ما هكذا أمي البلاد؟!!!)

 

الخارج النصي ثيمات الولوج إلى رومانسية الوجع الأبدي

ترد قصائد كثيرة في المجموعة تحمل ثيمات الولوج باتجاه الرومانسية كحلم يوتوبي مستحيل الانجاز ليخيم الوجع والخسارة على الذات الشاعرة وقد اتخذت من دلالات الخارج نصي سبيلا لبلوغ هذا المطلب وهذا ما منح النصوص بعض المنطلقات الأساسية لصياغة نظرية بنيوية لثيماتها الشعرية ومن تلك الثيمات:

أولا: ثيمة المطر

ففي قصيدة (مرثية لسائق الغمام) نجد أن المطر سواء أكان بكليته أم بأجزائه هو الغيم المحمل بالفيض وعلى الرغم من انه قد أضحى منقذا وهو رديف الغلبة والنعيم وأساس الحياة إلا إن سائقه غير ذلك فهو ذابح الحمام لذلك يخاطبه الشاعر معاتبا:

(انزلْ غيثك

أرضكَ محلٌ ودمٌ

ومتاهات

حقولك موت يمامات

انزلْ غيثك)

ويخاطبه ثانية أن يديم غيثه على أهله لا على غيرهم فلم يعودوا قادرين على تحمل الوجع المعتق مؤسلبا القول المأثور عن هارون الرشيد وهو يخاطب الغمامة (أيتها الغمامة اذهبي أنّى شئتِ فان خراجكِ عائد إليََّ) كناية عن اتساع ملكه وشموله اغلب أصقاع الأرض..

أما الشاعر فليس واجدا ذاك الإيجاب في الغمام الذي على أرضه محولا المدلول الكنائي للخارج نصي إلى دلالة سالبة ولذلك يستجدي سائق الغمام ان يمنحه خراجه لينتهي صومه الأبدي متوسلا أن يدع الأرض فهي قبض الله:

 

(يا سائق الغمام

لم تعد تقوى

على وجعي المعتق

أحلامي وموتي

يا سائق الغمام لا الغيم غيمك

لا الخراج

عجل فالمدى صبح

وإمساك عن الصيام.)

 

وللمطر في قصيدة (من مقام الخسارات) دلالة مختلفة فالشاعر الذي سكنه حب المطر صار مغلوبا وخاسرا فلا غيمة ترويه ولا الموج يحمله بل الدم وحده هو الذي يروي تارة وينزف تارة اخرى وما عادت الأمطار تروي الأرض لذلك يتوسل بتلويحة القمر المعذب ليزهر قلبه مطرا وأنّى له ذلك فما زالت الخسارة والحزن يلاحقانه من الولادة إلى الممات:

(وخذي ما شئت من غيمة قلبي

أمطريني فوقك علي إذا

ما هزني البرد يفيق بروحي الثكلى

خساراتي ..نسيت!!!

آه يا حزني،

المولود من جمر الخسارة

خسارتي غيوم

غير ما يبقى ...)

 

والمطر والحزن صنوان في قصيدة (ملاذ) والشاعر يستغيث بالمطر لعل الموج يرسله على صفحاته وتعجبه رائحة الأرض التي رواها المطر يقول في قصيدة (آه لو تعلم):

 

(من يمنحني رائحة الأرض

الطين

بعد هطول المطر ؟؟)

 

 

والمطر مع الليل والحزن متلازمات العاشق الذي يحمله ولهه نحو امرأة مرسومة من غيم وحرير:

(كان المطر العاشق

يغسل وجهك

تتألق حمرة خدك خجلا

تستلقين على صدري امرأة

من غيم وحرير)

 

ثانيا / ثيمة البحر

تشترك دلالة البحر مع المطر في أن كليهما مائي والماء أساس الحياة لكنهما أيضا قد يكونان على الضد تماما فعلى الرغم من أن جمال البحر بلونه وكبريائه وقوته يأخذ بلب الشاعر إلا إن هذا البحر كثيرا ما يكون مصدرا للخوف ونهاية الحلم .. ففي قصيدة (قبل أن يلقي إلى البحر شراعه) نقرأ:

 

(أغمضتُ عيني على

زرقة عينيه

وألقيت شراعي

...

بحري المائج يصخب

وشراعي

محض خيط من حرير)

 

وفي نص (سحر أحمر) يتحول البحر بعضه أو كله من مجرد صنو للمرأة المعشوقة إلى مرتد يركع وجدا وهياما:

 

(وأنت

رغبة بحر

رام صعود منارتك

فارتد البحر

ومضى فَرِحاً

معتمرا قبعة الموج

مزركشة كالقرويين

ليترك زهر بحيرته

أسفل قدميكِ)

 

والحب كالبحر بمدِّه الذي يأتي باللوعة وجزره الذي ينزوي بالأماني بعيدا أما موجه فانه ينساب كالدم في العروق وكالريح والضياء:

 

(يجتاحنا

كالموج كالدماء

يورثنا ارتعاشة الأوراق في الشجر

يغمرنا كالريح كالضياء

يزرع فينا اللوعة

وينثني منزويا

في آخر الأشياء)

 

وتغدو طفولة البحر في قصيدة (غربة نورس الصباح) نهرا وديعا فيه النهر يتهادى قادما من بين النخيل وسدر النبق ويتكامل هذا المشهد مع النوارس والمراكب ويصلي الشاعر لأجل هذا المنظر المملوء براءة:

 

(ترجلتَ على شاطئه ِ

توضأتَ بماء الدهلة

وأقمتَ

صلاة طفولتكَ الأولى)

 

والبحر هو الفرات الذي منه تصنع بابل أرض البحر لتعاد أشرعة المراكب وتستجدى العطايا:

(البحر بحرك والشراع شراعك

بابل يا زمجرة العواصف

...

غدا ستبعثين من التراب

من طينه الفرات

ترتقين سفح جناتك العجاب)

 

ولطالما كان البحر الموئل الشعري للمعجم الرومانسي فهو سلوى المحبين:

(وردتان

إذا ما اضطرما

في ماء بحر اشتداد الجذب

تتكسر السيوف

عند ندي طينها )

 

وهو يحاكي بموجه وحركته المضطربة الفجائية ووداعته المستوفزة خطوات المحب الهائم المرتعش:

(استفاق البحر

تمدد فوق رمل استباحات الصباح

جدائل من غلالتها المعطرة بالأرض،

بعد ارتعاشات السماء)

 

والبحر نهر وهو الوطن يجري كما الأنفاس ويتلبس فينا كما العقال وموجهُ النهران دجلة والفرات يبكيان مآسي الوطن لوحدهما فيولد الشوق كيانا يعم بهيأته الوطن كله وهو الرماد لاف السنين التي مرت على هذا الوطن:

(في بحر الرماد

..

.. يلبس المشهد أثواب الحداد)

 

ثالثا: ثيمة الدم /

تتردد مفردة الدم ومتعلقاتها في نصوص المجموعة اغلبها، كناية عن الوجع والهم والحزن والانكسار مما جعل الخط العام للمفردات يتوشح على نحو بيَّن أو ملموس، فالدم هو الماء في نص(من مقام الخسارات) لذلك يتساءل الشاعر:

 

(هل نحيل الدم ماء؟

وكم من الرصاص في قلبه

يسقيها دمه؟ .)

 

وباستدعاء الخارج نصي عن النذر و(المعبد المعمور بالدم) والكاهن والدكة التي عليها يتم إعداد المشهد الدموي يتوضح القدر كون الدماء هي النذر الذي كلما جفَّ جيء بغيره ليغدو الدم أساس كل شيء فهو الأغنية والوجع والمنارة والغمامة:

 

(على دكة نذر المعبد المعمور بالدم

والأمنيات،

كلما يبست دماء،

ضجت الدكة تستصرخ كاهنيها:

ـ ترى أين الدماء؟

وتجيء أمواج الدماء

تنتشي الدكة

تغسلها الدماء

..من الدماء)

 

رابعا / ثيمة المرأة

تغدو المرأة طرفا مهما في اغلب النصوص وهي بايجابيتها ليست عدوا ولا ندا بل هي الأم والحبيبة والملهمة والصديقة وهي قيامة الجسد التي يختصرها في وردتين تدور حولهما الأرض:

 

(وردتان إذا ما اهتزتا

فوق غصن الندى

تشرق الشمس)

 

ولذلك يستغيث بالوردة لعلها تمنحه فرصة الظفر بالمرأة ليتغنى برومانسية الوجد والهيام، ويغدو الماضي بذكرياته الحبيبة موجعا ومؤلما حتى ينبت في الذاكرة كشظايا حرب مرت تاركة أثرا جسديا لا يمحى وحزنا شفيفا ممضا:

 

(من هالات عيون الرهبة

من حلمات الرطب التموزي

أبوح بحزن يمامات الصمت

النابت في ذاكرتي

شظايا حروب مرت فوق خرائط جسدي

الموسوم بكل السرفات المنسية)

 

والمرأة أيضا هاجس يلهمه الكلمات شعرا ونجمة يرسم على ضوئها صوره الرومانسية وبعينها يجد ضالته ولذلك يتوسلها ألا ترحل وان ترفق به وهو مؤمن أنها لن تخذله وأنها ستعود إليه حاملة هداياها:

 

(لهاجس الرحيل نجمة

تضيء

لهاجس البقاء إطراقة

تحملني

لسماء عينيك التي

تضيء لي هواجس

النجوم

لآخر الظنون

لا

لا ترحلي ...)

 

وبإحالة خارج نصية تغدو المرأة الحارس الأمين لطفولته وشبابه التي كانت وما زالت تبخر قمصانه خوفا من الحسد وهو يشتاق زمنا كانت فيه الأم مركز الكون التي تديره متى شاءت متذكرا طفولته الغضة:

(بكفوف الرحمة أمي

آه لو تعلم يا ابني ؟

آه..لو تعلم؟)

 

وهو يناجي حبيبته مناجاة العاشق الصوفي الذي يلوذ بالحرف ليتكلم الصمت مرتلا تعاويذه الخاصة مستقبلا مآذن عشق ووجد ليهيم فيضا فيتجلى حلمه واقعا ملموسا:

(امشي نحوي

فتراتيل القديسين

تحملك نحو مآذن عشق العشاق الصوفيين

تحكي عن قصص الوجد

الفيض،

عن وردة جسد الحلاج

المصلوب)

 

الخاتمة

الخارج نصي اصطلاح انفتاحي يومئ إلى معمار البناء الشعري ما فوقه وما تحته معا تهميشا وغيابا وهو مرادف للمتعاليات النصية بما فيها من الغلاف الأمامي والخلفي والعنوانات والإهداء والحواشي والمتون والسواد والبياض وغير ذلك من المتعالقات التي تشكل المرجعية للتعاضد البنائي التي دارت حولها محورية الخارج نصي للمجموعة الشعرية موضع الرصد كلها..

وهذا ما منحها استشرافا نصيا خارجيا وداخليا، متنا وهامشا وعلى شكل الماحات رومانسية وومضات صوفية وتعددية فنية وجمالية بدت موحية دلاليا ومتنوعة صوريا سواء أكان ذلك في الحركة أم في المشهدية أم في الإيقاع التفعيلي الذي وظف توظيفا حاكى الهموم والتطلعات والهواجس..

 

أ‌. د. نادية هناوي سعدون

كلية التربية / الجامعة المستنصرية

 

الروايةُ والمستقبل والنصُّ الموازي

najat abdulahكتاب (الرواية والمستقبل والنص الموازي دراسة في روايتين لقصي عسكر) للناقد الدكتور عبد الرحيم مراشدة صدر عن دار العارف للنشر في بيروت العام ٢٠١٤ وهو دراسة متميزة بعمقها الدلالي وسبرها أعماق النص من الناحيتين الفكرية والفنية حيث التفت الناقد المراشده الى نقاط مهمه واستنتاجات جديدة بلغة نقدية وأسلوب علمي متميز.

ان الكتاب ينقسم الى قسمين حملهما عنوان الكتاب نفسه :القسم الاول بحث حول رواية قصي الشيخ عسكر القصيرة "آدم الجديد" التي صدرت في القاهرة ضمن كتاب " روايات وقصص من الخيال العلمي"فالبحث الاول الذي يخص آدم يعنى بموضوع عالمي يتعلق باستيعاب الفرد للحضارة الجديدة وتفاعله معها حيث أشار الناقد المراشدة الى ان الكاتب لجأ الى معطيات أسلوبية معينة رسمت بصورة دقيقة الرواية حيث تمكنت تلك الرواية من استيعاب التحولات العالمية فعالجت موضوع صراع الحضارات الذي يمكن ان نستبدله بتوافق حضاري يستوعبه آدم الجديد الذي تدور حوله الرواية بصفته مجمعا من عدة شخصيات عاشت في أزمان مختلفة وأماكن متباعدة.

733-qusayاما القسم الثاني فقد تناول الباحث فيه موضوع رواية جديدة النمط عدها الناقد المراشدة نوعا من ابتكار المؤلف وجوهر ذلك الابتكار في نوعية النص هو ان يأخذ الكاتب نصا قديما فيبحث في الحاضر عما يوازيه او يضارعه من عمل او حدث وربما فكره فيصوغ من ذلك الحدث الواقعي نصا يوازي النص الماضي بمعطيات جديدة ، لقد قرانا في التراث ان رجلا أنقذ النعمان بن المنذر ملك الحيرة حين ضاع في الصحراء، لكن الرجل بعد مدة يزور النعمان فيقرر الملك قتله لكون الزيارة حدثت في يوم بؤس الملك حتى يتطوع شخص ليكفل البدوي الذي أراد الذهاب الى أهله ليودعهم ويرد بعض الامانات التي في عنقه الى أصحابها ، وفي الواقع نجد ان الدكتور عبد الرضا علي يسارع الى فعل خير لصديقه السجين الذي أُحيل الى احدى المستشفيات للعلاج وهو مقيد الى سريره كما لو ان فعله هو موازاة لحدث عظيم يمثل النقاء والتضحية والخير تلك الصفات التي جبل عليها البدوي صاحب الفضل على النعمان، مع فرق ان البدوي صاحب فعل الخير حاول بعد فترة ان يكافأ على فعلته بسبب حاجة دفعته الى ذلك لكن بطل الرواية المعاصر لا يطلب اي معروف ازاء فعل عظيم اداه الى زميله الذي يعمل أستاذا معه في الجامعة نفسها كما ان الشخصية التاريخية لم تتعمد مواجهة قدرها او تحاول ان تتحداه في حين ان البطل المعاصر عرف منذ البداية ما تؤول اليه النتيجة فيما لو اخفق عمله ،ولم تكن شخصية البطل وحدها مستوحاة من الواقع بل كل شخصيات الرواية التي تفاعلت مع الحدث المعاصر بموازاة الماضي، وكنت قد نشرت مقالا عن شخصية بطل الرواية الدكتور عبد الرضا علي وزميليه الدكتور مزاحم البلداوي والدكتور سعيد الزبيدي وتحدثت عن تلك الشخصيات الواقعية التي أدت   فعلا يكاد يكون خارقا في ظروف استثنائية (١) .يلخص الباحث الأردني السيد احمد الخطيب فكرة الناقد عبد الرحيم مراشدة عن رواية الثامنة والنصف بقوله " أن رواية الثامنة والنصف مساء تركز بشكل لافت على متناصات من الواقع والتاريخ، وبشكل خاص من التراث العربي القديم. وتبقى هذه الرواية كما يرى الناقد د. مراشدة علامة فارقة على الرواية العراقية الخاصة، بما تمثله من انعكاس الظروف السياسية والحرب في الرواية العربية، لما لها من قدرة على اختزال الأحداث والوقائع، وتقديمها بثوب فني لافت أفاد من مرجعيات متعددة، على رأسها التراث والتاريخ والمتناصات التي لها أثر في ذاكرة الإنسان العربي (٢).

وفق هذا المنظور يمكن القول ان ما يميزرواية الثامنة والنصف كونها تفاعلا وتداخلا بين حدثين وقعا في زمنين متباعدين من خلال موازاة بينهما التزمها المؤلف منذ البداية الى النهاية فكانما رجع الحاضر الى الماضي وبدا ان الماضي انصب ايضا في الحاضر مما جعلها رواية جديدة في طرحها على الرغم من ان الراوي لم يغير في شخصياتها المعاصرة او التاريخية بل لم يغير في حدثها الأساس اللهم الا بعض التغيير الطفيف في الأحداث الثانوية ذلك التغيير الذي لا يتجاوز على الحدث الأصلي لكن صياغة العمل الروائي تتطلبه من الناحية الفنية حين ندرك ذلك نعرف لم وقع اختيار ناقد متميز مثل الدكتور مراشدة على هذه الرواية ليدرسها فيخصص لها القسم الثاني من كتابه الذي أشرنا اليه في بداية المقال.

 

نجاة عبد الله

....................

إحـــالات

(١) نجاة عبد الله، الثامنة والنصف مساء حقائق بلسان الرواية، جريدة الصباح ٢٧/١/٢٠١٤.

(٢) احمد الخطيب «الرواية والمستقبل والنص الموازي» للمراشدة، جريدة الرأي الأردنية، ٢٣/٣/٢٠١٤

 

 

"لا يكفي أن تجن بي" .. ديوان الشاعرة السورية المغتربة سلوى فرح كتلة شعرية من الأحاسيس بلغة شفيفة

ahmad fadelلا شيئ كالشعر يبدد المنفى والغربة، هكذا هم الشعراء ناقوس الحس البشري الذي يدق في الكون عله يسمع أصواتهم، وهكذا هي شاعرتنا السورية المغتربة سلوى فرح في ديوانها الجديد (لا يكفي أن تجن بي) الصادر عن دار نشر الفرات في دمشق هذا العام هو كتلة من الأحاسيس جسدتها في خمسة وعشرين قصيدة من النثر الحديث، أولاها " سيد الصمت " وآخرها " اليقين "، وكأن هناك حبل سري يمتد بينهما يتوسطهما وطن مرسوم على خارطتها هو الأب أو الأم أو الحبيب، لا فرق بينهم لأنهم الحدود الآمنة لها التي رسمتها وحملتها معها مذ وطأت كندا كمستقر بديل عن وطنها الشام .

وهي منذ ديوانها الأول " أزهر في النار " تزداد تجربتها الشعرية ألقا فوق ألق ونضوجا أفضى إلى ابتكار معان وصور متداخلة أطرتها لغة شفيفة خالية من الرموز، لكنها تحمل اسم الإشارة فيها لتصنع منها غواية شعرية محببة كما في " سيد الصمت " أولى قصائد المجموعة نقرأ منها:

اقترب أكثر .. أكثر لا تخف

732-slwaفجر جدران كهفك

وأطلق عنان الشوق

ليحلق بنا نحو الفضاء

هناك أهدم جدار صمتك

حتى تقول :

اقتحم لا تخش

على جبين القمر

ولدت لأجل فرحك

نجم حنيني أنتَ

فاصعد على عرشي

اصعد لا تخف

أنا بانتظار صعود روحك إلى جنتي

هل ستراقصني على خيوط الشمس ؟

خارطة فرح الشعرية التي أشرنا لها أول ما حملت هي هذه العاطفة المشبوبة في إشارة لمن تحب حيث تداخلت الصور والمعاني استنطقت من خلالها روحها الملتاعة له في محاولة مبتكرة منها لكسر الجمود الشعري بقوالبه المعهودة وفق مزيج متناغم من الصور الشعرية المفعمة بالموسيقى التي جعلتها مفتاحا لعوالمها قبل أن تتحول إلى خيال جامح لتحلق معه بعيدا عن عالمها المحسوس، قصائدها هذه تذكرني بالموسيقي المجري الأشهر فرانز ليست (1811 – 1886) الذي عمل على تأليف القصائد السمفونية وهي طريقة لم يسبقه إليها أحد نجدها عند شاعرتنا التي تنبهت إليها وأنا أقلب قصائدها فهي واحدة من ابتكاراتها العديدة بعد أن علمت أنها تحمل دبلوما في التربية الموسيقية والفنون أصلا عكست حسها ذاك على عديد قصائد الديوان كما في قصيدتها " قبل أن يؤرقني الحلم " نقرا منها :

ما زال للشمس مهد في روحي

سأسترجع ذاتي

كي يعرش الآس

داليات الحب في قلبي

الندى يقطر منها

لا ترحلي أيتها العصافير

لنكمل ترنيمة الصباح

الحلم يؤرقني

رويدا شقائق النعمان ..

مهلا ياسمين الشام

ما زال للحب بقية

وكما امتلك الشاعر الكاريبي ديريك والكوت (1930- ...) نصه المكتوب كصلاة وليست قصيدة كما يعبر عن ذلك الناقد والمترجم السوري تحسين الخطيب حينما يكتب عن هذا الشاعر بقوله :

" ليست القصيدة لدى والكوت، مجرد كلمات فحسب، بل هي " صلاة " ونداء داخلي حيث يشعر الجسد بأنه يذوب في ما قد رآه، وتصبح " الأنا " مجرد شيئ ثانوي فائض عن الحاجة، تصبح القصيدة – الصلاة هي النشوة التي تجتاح كينونة الشاعر، وتعرج بها وراء التاريخ والمكان واللغة " .

وهكذا نجد نصوص شاعرتنا عبارة عن صلاة وتهجد لوطنها ولكل من تحب كما في أغلب قصائد ديوانها، لكننا اخترنا قصيدتها " وطن اليقين " كاملة عنوانا ومقصدا لما قلناه عنها لاحظ كيف امتزجت فيها موسيقى "فرانز ليست " وصلاة " ديريك والكوت " في مونولوج داخلي قل نظيره بين القصائد، نختتم فيها قراءتنا التي مهما قلنا فيها عن ديوان شاعرتنا المبتكرة سلوى فرح فلن نعطيه حقه، علما أن هذه النصوص كتبت في الأعوام 2012 و2013 في غربتها بكندا ، تقول فيها :

الياسمين يبكي الياسمين

الليل يجلد النهار الحزين

وأنا أميرة شامية لا عرش لي

أرقد كيمامة في حضن الغروب

أرتجف من سيل الشقائق

اغتالوا فضائي عشية أمس

قمري ينتحب

السماء غدت قريبة جدا

لا لون لي .. لا ظل لي

تساقطت عناقيدي

وجف نبيذي

يا قمري الدامع

يعتصرني الحنين إلى تلك الليمونة

الغافية على كتف أمي

إلى خصلات الأكدينا

تغازل العصافير

وهزات الزنبق

في حقول الغيوم الثائرة

أين أنت أيها الحلم ..

سأجسدك رغما عنك

أريد عرشا في زوايا عينيك

كناسك أتعبد فيها

لا تتسع الأرض لي

سأتحول إلى نسر شعاعي

نصفي ملائكة

ونصفي الآخر امرأة

شيئ ما يسحبني نحو السماء والخلود

أين أنت أيتها الملائكة ؟

سأنتزع خنجر الغربة من خاصرتي صارخة

هبيني أجنحتك لأعيد لوطني اليقين

 

كتابة / أحمد فاضل

لعبة شطرنج وطقوس وجع

saleh altaeiقراءة انطباعية في رواية "رقعة شطرنج" للأديبة الجزائرية نجاة مزهود

تعودت أن أبدأ كل موضوع اكتبه ـ على شاكلة هذا الموضوع بالذات ـ بجملة (قراءة انطباعية) لكي لا يتوهم البعض أني ناقد أدبي، ولأؤكد أني لا أرقى لأن أكون ناقدا أدبيا بقدر كوني رجلا ذواقا يبحث عن متعة فكرية بين الحروف المصفوفة التي تقبع بين يديه؛ في الوقت القصير الذي يقتنصه من ساعات عمله الطويلة، إذا ما عانقت عيونه منجزا لأحد المبدعين، أجهد نفسه في محاولة منه لإثراء حياتنا بنوع من الجمال الذي نفتقده حتى ولو كان جمالا يتحدث عن مأساتنا وخيبتنا الكبيرة.

إن الإنسان إذا ما تجاوز الستين يصبح حريصا على ساعات عمره كيف ينفقها وهو يدري انه لم يعد يملك منها في جعبته إلا النزر اليسير، أف للعمر كم سلب من بهجتنا، وكم يرعبنا حينما يشعر أحدنا أن الحقائب امتلأت، ورزمت بعناية، والسائق يقف متهيئا لنقلنا إلى حيث تبدأ رحلة اللاعودة وقد مل طول الانتظار، وبدأ يتأفف ضجرا.

بعد النصف الثاني من الستين من سنوات العمر الهرمة، يكون المرء قد نجح بتجاوز عشرات المتاهات الصعبة التي مرت عليه والتي جابه في بعضها خطرا كاد يودي به إلى الهاوية، ولذا تراه يتحول إلى ما يشبه نقطة الضوء الحارق الذي ينتج عن اختراق الأشعة للعدسة المكبرة، يبدأ بجمع كل تلك المتاهات ويحولها إلى متاهة بلا حدود تتداخل ألوانها وعطورها وأجواؤها ورسومها وهيئتها بما يشعرك أحيانا بالغثيان والرعب والرغبة بالبكاء بدون توقف، فما أقسى أن يشعر المرء أن نفسه تسخر منه فتكدر عليه هدوءه، إن العالم مليء بالتناقضات ولكن من ينجح بمعرفة نفسه يشعرك أكثر من أي وقت آخر بالتناقض الموجود في الكون، عشرات المرات التي يجهش فيها المرء بالبكاء حتى من دون أن يشعر بالحرج، ولكنه يشعر بالحرج كله حينما يتوجب عليه أن يبكي فيعجز عن إنزال دمعة.!

إن مشاغلي الكثيرة تمنعني عن متابعة كل ما يهديه لي الأصدقاء من كتب ومجاميع، ولذا استغل السفر عادة ـ على قلته ـ لأقرأ بنهم، مرة لتحرري من مسؤولية البحث والمتابعة فيما يخص ما أنا متورط فيه من موضوع يحتاج إلى المتابعة والتقصي، ومرة لكي لا أتابع مناظر الخراب التي تنتشر على جانبي طريقي المزري، فتزداد مأساتي ويزداد توجعي، ولكني حتى مع هذه المشاغل الصغيرة أجد ما يثريني بالوجع، فيا له من قدر غريب. حينما كنت اخط هذه الكلمات مستغلا توقف السيارة في إحدى السيطرات الأمنية الكثيرة، وصلني صوت انفجار كبير لا ليقطع سلسلة أفكاري فحسب وإنما ليؤكد لي أن فوائد هذا الخيار الصعب لا تجدي في كل المرات.

إن الخزين الفكري الثر يوطن النفس على تحمل أعباء ما يأتي به القدر لدرجة وكأن الأمور المفاجئة لا يعد لها من أثر، ولا تجلب الدهشة كما في عمر الشباب، لكن الأديبة الجزائرية "نجاة مزهود"، فاجأتني بشدة لدرجة أني نسيت كل ما يحيط بي، واندمجت برائعتها"رقعة شطرنج" اندماجا روحيا غريبا، سلخني من واقعي لأتحول إلى روح سندبادية تطل على الأقاليم القصية، وتفتح أبواب الأقانيم لا لتكتشف شيئا جديدا؛ فما من جديد في كوننا، وإنما لتتأكد أن كل ما يدور هنا، يدور هناك، ربما بنمط آخر، فهي تطل للمقارنة فحسب بين ما يدور، وكم هي مأساوية حالة من يكتشف أن كل ما يدور في كل جغرافياتنا يبدو بفعل فاعل واحد، ونتاجا واحدا لمهزلة العقل البشري.

على مدى ثلاثة فصول مملوءة بالدهشة زفت إلينا نجاة مزهود وجع عرينا العربي، وعمرا عربيا مديدا معمدا بالوجع والآهة وفقد الأحباب، وحينما كانت تتحدث "عن المدن التي تخلع ستارة الفضيلة لتقع فريسة التعري من كل شيء جميل" ذكرتني بمدينتي الفاضلة التي نزعت سترها على يد أبنائها.

على مدى ثلاثة فصول وبالرغم من وجود "الخيبات والهزائم والبحث عن ستارة أخرى تخفي تشوهات الجسد المحروق"، تنساب الأحداث مرة برتابة خالية من الإدهاش، وأخرى عنيفة مدهشة حد شعورك بحرقة الآهة التي تخرج من داخلك.

مع "رقعة شطرنج" ومن الأسطر الأولى، تشعر انك ستصطدم بمشكلة صراع الأجيال السرمدي وما يخلفه من انطباع روتيني، لكن نوع العلاقة بين بطلي الرواية المعلم المتقاعد عبد الكريم وزوجته زكية التي تؤمن أن التضحية وحدها هي عمود المنزل، والتي لم تحظ إلا بالقليل من التعليم، وهي علاقة احترام حد القدسية، يفاجئك، فتغير رأيك، فتعتقد أن هناك نمطا تقليديا من الكتابة، لكنك لا تثبت على حال فالأديبة نجاة تريد أن تغامر بك لتصبح أنت أيضا لعبة من لعبها داخل الرواية ربما لأنها تؤمن أن الكاتب لا يكتب للعبث أو إشباع الفضول وإنما يحاول من خلال ما يكتب تمرير ما يؤمن به وما يريد قوله إلى الآخرين، فهي لا تثبت على صورة حتى تنتقل إلى صورة أخرى، تنتقل من حديثها عن اثر الضوضاء وزحفها إلى الأرياف لتتحدث عن فلسطين وقضيتها الأبدية، إلى اشتراك العرب كلهم بكره السكن العمودي وتفضيل السكن الأفقي عليه، إلى وجود حالات الفساد المالي والإداري في بلاد العرب، إلى اليأس نفسه الذي يعمر قلوب كل العرب، وهذا ما تلخصه المحاورة بين عبد الكريم وولده نور الدين حينما كانا يتحدثان عما يحدث في سوريا:

"قال عبد الكريم: لا اله إلا الله، ما الذي يحدث، أين العرب"؟ وهو السؤال التقليدي الذي يتردد على ألسن العراقيين والليبيين والسوريين والفلسطينيين، وربما العرب أجمعين.! فيرد عليه نور الدين؛ الذي كان واقفا: "كأني بك يا أبي تحلم. عن أي عرب تتحدث؟"

          أكثر من سؤال مثل هذا يصدمك في الرواية؛ التي جاء في الصفحة الأخيرة منها في الحوار الذي أثاره مجدي "عن شيء سماه الناس بالربيع العربي، فإذا به يتحول إلى شتاء عاصف دمر الحياة والإنسان"، وفي خضم هذه الضوضاء والحيرة يأتي السؤال: "ما الهدف من القتل والتدمير، ولماذا يحدث ذلك في أوطاننا العربية ونحن أحوج إلى البناء والتجديد والسلم والحب؟"

أما الحديث عن الإرهاب هنا وهناك، وعلى مدى صورة وجه وطننا العربي فهو السمة الأكثر اشتراكا بين العرب. إن الحديث عن (الملثمين) الذين "يجوسون خلال الديار، فينتهكون الحرمات، ويقتلون، ويعودون دون أن يوقفهم أحد" في الجزائر يبدو صورة نمطية عن الملثمين المجرمين في سوريا والعراق وليبيا. ومثله الحديث عن ضحايا الإرهاب الأبرياء في مغربنا العربي؛ فهو الحديث عينه الذي يتناقل أهل المشرق قصصه، فيا لوحدة المصير.

من صور الرواية التي أثرت فيَّ كثيرا، كانت صورة بحث العائلة الكبيرة عن قطعة ارض لتبني عليها سكنا يجمعها عوضا عن السكن في الشقة الضيقة المتعب المزعج؛ مع أن العائلة لم تكن تملك المال الكافي لشرائها، باستثناء رغبة مشتركة بذلك؛ كما في قول زكية لعبد الكريم: "لا تحمل هم المال، المهم ابحث أنت والأولاد عن قطعة ارض سنتشارك جميعا في شرائها" بكل ما فيها من رمزية البحث عن ملاذ آمن بعد أن بات الإرهاب يتهدد حياتنا في كل خارطتنا العربية، يوحي بالخوف وعدم الاطمئنان، يوحي بالشعور أن العربي في مشرق البلاد ومغربها لا زال يشعر بالغربة في وطنه.!

إن رقعة شطرنج رواية تتحدث بلغة: "وها نحن في سنة جديدة ولا شيء تغير لا تزال التفجيرات والاغتيالات تطبع ارض العراق". لقد أرادت نجاه مزهود القول: "إن الأمنيات وحدها تجعلنا ننتظر دون ملل، والخيبات وحدها قادرة على تحطيم ذلك الانتظار"، وان كل بلد من بلداننا العربية هو بأمس الحاجة "إلى كل فرد في الوطن العربي".

لقد أثبتت نجاة مزهود في روايتها هذه أن الأديب حينما يمارس سكوته يختلف عن الآخرين فسكوت الأديب ينتج دهشة وتأملا، فضلا عن ذلك وجدتها كثيرة الاهتمام بالجزئيات الصغيرة بما يبدو وكأن حميمية تربطها بهذه الأحداث التي لا نلتفت إليها عادة، ربما لأن المشاكل الكبيرة التي تحيط بنا تشغلنا عن النظر إليها. وكانت لنجاة فلسفتها في هذا الاختيار، قالت عنها: "اللحظات الجميلة التي تجعلنا سعداء تكمن في التفاصيل الصغيرة التي لا نعيرها اهتماما، ولأن الحياة تنتعش بالحب كما تنتعش الأرض بالماء، فهي لا تفعل ذلك بمحض الصدفة، إنما استجابة لمصل يسمى الاهتمام" ويبدو ذلك واضحا من خلال اهتمامها بمفردات لهجات البلدان العربية التي ورد ذكرها في الرواية مثل العراق وسوريا وليبيا.

لقد أدهشتني حبكة الرواية وسلاستها وبساطة مفرداتها وعذوبتها وواقعيتها كونها من الأدب الجاد، وتركت فيَّ انطباعا أن المبدعين لا زالوا يحملون راية التغيير التي نبحث عنها بين أكداس ركام مدننا التي دمرها الإرهاب. ولذا بعد أن أتممت قراءة هذه الرواية خلال الرحلة، صرخت بصوت عال: أحسنت يا ست نجاة، أحسنت والله، لقد أثريتني، وأثرتي في داخلي روح اللوعة التي ما إن تستكين حتى تجد صورة أو حرفا أو صوتا يستفزها لتثور.!

 

صالح الطائي

 

أمل دنقل والبكاء بين يدي زرقاء اليمامه

jafar almuhajirحزيران له وقع ثقيل ومؤلم في نفوس العرب ففيه حدثت هزيمتان كبيرتان عميقتان تركت آثارهما السيئة على بلدين مهمين هما مصر والعراق، وكشفتا هشاشة النظام العربي ومدى تغلغل الفساد حتى العظم في مؤسسته العسكرية. ففي الخامس من حزيران عام 1967م حدث العدوان الصهيوني على مصروأدى إلى احتلال أراض واسعة من ثلاث دول هي سيناء المصرية والضفة الغربية الأردنية وهضبة الجولان السورية وسميت تلك الهزيمة بحرب الأيام السته. والهزيمة الثانية هي الغزو الداعشي للعراق الذي أدى إلى احتلال نينوى والأنبار وتكريت ومناطق أخرى في ديالى تقدر بنصف مساحة العراق خلال أيام. وقد انتجت هاتان الهزيمتان الخطيرتان تداعيات رهيبة دفع ثمنهما الباهض شعبا البلدين وما زالت الإنعكاسات السلبية لهما ماثلتين للعيان حيث أخرجت الهزيمة الأولى أكبر دولة عربية من الصراع العربي الصهيوني ووضعت القضية الفسطينية في آخر قائمة إهتمامات الأنظمة العربية بعد أن كاد الصهاينة يجهزون عليها تماما. والهزيمة الثانية مازالت مستمرة وتفتح يوميا جراحا عميقة في جسد العراق حيث تعيث داعش فسادا في أراضيه فتقتل وتحرق وتدمر وتهجر وتسبي رغم (التحالف الدولي) الذي أثبت إنه تحالف إستعراضي دعائي.

والأحداث الجسام مهما تقادم عليها الزمن لكنها تبقى حية في ذاكرة الشعوب. وينقلها الجيل الذي عاصرها وعاش دقائقها إلى الأجيال التي تليه لتكون منطلقا لدراستها، ووضع الحلول لمواجهتها وتجاوز آثارها، ووضع الحكام وجها لوجه أمام مسؤولياتهم من قبل شعوبهم.

وحين تصاب المؤسسة العسكرية التي تمثل قلب الوطن بالفساد، وينام النواطير نوما عميقا هانئا تاركين الوطن خلف ظهورهم،ويغيب ذلك الفساد عن ذهن الحاكم، ويعتقد إن مؤسسته العسكرية قادرة على صد أي عدوان يقع على الوطن من خلال التقارير المضللة التي يتلقاها من قادة المؤسسة العسكرية حينذاك تحل الكارثة. ويصبح الوطن لقمة سائغة للعدو المتربص به. وهذا ماحدث في الخامس من حزيران عام 1967م في مصر. تلك الهزيمة التي هزت كيان الأمة العربية هزا عنيفا.

لقد استفاق الشعب العربي على هول تلك الكارثة الكبرى في ضحى ذلك اليوم وهو لايصدق عينيه وأذنيه حين انهارت الجبهة المصرية ودمرت الطائرات الإسرائيلية معظم القوة الجوية خلال ساعات وهي قابعة في أوكارها. وأتذكر ويتذكر معي أبناء جيلي كيف كان صوت أحمد سعيد بطل الانتصارات الوهمية ينطلق من إذاعة صوت العرب ليحول تلك الهزيمة الشنيعة إلى انتصار ساحق. لكن سرعان ماانكشفت الحقيقة المرة، وبانت الفضيحة القاتلة. ومن الغريب أن يسير على نهجه شخص آخر بعد مرور تلك السنين الطويلة من تلك الهزيمة ليغطي هزيمة النظام الصدامي الذي أدعى رئيسه بأن الأمريكان سينتحرون على أبواب بغداد !!! وكان صوت محمد سعيد الصحاف يعلو ليزف الانتصارات الوهمية للشعب العراقي المغلوب على أمره. ورحم الله الشاعر الذي قال:

عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه – فكل قرين بالمقارن يقتدي.

لقد كانت الحقيقة مرة وقاسية في مصر وأرخ الكتاب والمفكرون والمختصون بالأمور العسكرية تلك الهزيمة، وكشفوا عن أسبابها وفق آرائهم. ومن الطبيعي أن ينطلق صوت شاعر الشعب ويكون في مقدمة الأصوات التي توغلت في عمق تلك الهزيمة وأزاحت الستار عن الأسباب التي أدت إلى حدوثها وهو صوت شاعر الرفض المقدس والأرض والفقراء أمل دنقل. فكتب تراجيديته الكبيرة :   (البكاء بين يدي زرقاء اليمامه) ونشرها في ديوان صغير الحجم يحتوي على عدة قصائد وسماه بإسم القصيدة. تلك التي فضحت النظام العربي والفساد المسشتري في كافة مفاصله وكيف أخفى جنرالات الهزيمة كل الحقائق عن الرئيس فوقعت الكارثة التي ظلت تداعياتها الخطيرة ماثلة للعيان.    

إن قصيدة البكاء بين زرقاء اليمامه تمثل صرخة الإنسان العربي المكبل منذ قرون وهو يساق إلى نيران الحروب المهلكة وهو جائع ومقهور ومهان تأكله دوائر الغبار، وتحيط به مافيات الظلم والفساد لتمتص دمه وتبني مجدها الزائف على أنقاض مأساته،ثم تحمله وزر فسادها. والحاكم الذي يتربع على كرسيه وهو يعيش في برجه العاجي وتحيط به بطانته الفاسدة المنافقة التي تكيل له المدائح الخيالية، وتقلب له الحقائق المأساوية على إنها خير عميم لتبقى في مناصبها فتطربه تلك الأضاليل وهو لا يدري ماذا يحدث في الوطن. ولكن حين يضرب العدو ضربته الموجعة وتحل الكارثة تبدو الحقيقة عارية من كل زيف. وخلال تلك الساعات الحالكة يستفيق الحاكم ويدرك إن بطانته قد أغرقته في الوهم.

وفي أتون تلك الصدمة الكبرى ينبري شاعر الرؤى الواضحة والرفض المقدس الذي يحمل هموم الناس المسحوقين في قلبه ووجدانه ليعبر بقلمه عن تلك الهزيمة وقلبه ينزف دما على ماحدث. وهو القائل (كنت لاأحمل إلا قلما بين ضلوعي) ذلك الشاعر الذي رافق المحرومين في حياتهم، وجاع معهم، وعاش مآسيهم،ونام فوق الفراش الخشن كما يقول صديقه جابر عصفوروالذي خاطب أرضه التي أحبها وعاشت بين ضلوعه وحناياه ( هذه الأرض حسناء.. زينتها الفقراء لهم تتطيب.. يعطونها الحب.. وتعطيهم النسل والكبرياء.) فأطلق صرخة روحه المدوية في وجه أصنام الهزيمة والخذلان. إنه الشاعر الكبير أمل دنقل صاحب الصرخات الكبرى والذي قرأ تراث أمته وآستوعبه ووظفه بروح حية نابضة في قصائده ومنها قصيدة (لاتصالح) كصرخة رفض لاتفاقية السلام بين مصر واسرائيل متخذا من قصة مقتل كليب بن وائل رمزا حيث يوصى كليب اخاه بألا يصالح من قتله غدرا وان يحارب عدوه بكل ما اوتى من قوه ولا يرضى عن دم اخيه ببديل الا بأخذ الثأر.

وفي قصيدته (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) التي نحن بصدد الكتابة عنها استعمل الشاعر أمل دنقل رمز زرقاء اليمامه تلك الفتاة الحادة البصر والذكاء. وكيف كانت تراقب الأعداء من مسافات بعيدة لتنذر قومها مما يخبئ العدو من مخططات للإجهازعلى قومها. لكنهم سخروا منها ولم يعيروا أي اهتمام لنداآتها المستمرة. فانقض عليهم العدو ودمرهم وانتقم من زرقاء فسمل عينيها حتى لاترى شيئا في المستقبل. يستهل أمل دنقل مطلع القصيدة مخاطبا زرقاء اليمامه قائلا:

أيتها العرافة المقدسه.

جئت أليك مثخنا بالطعنات والدماء.

أزحف في معاطف القتلى،

وفوق الجثث المكدسه.

منكسر السيف،

مغبر الجبين والأعضاء.

أسأل يازرقاء.

عن فمك الياقوت، عن نبوءة العذراء

عن ساعدي المقطوع.. وهو مايزال ممسكا

بالراية المنكسه.

إن المقطع الأول للقصيدة هو رفض قاطع للواقع المأزوم الذي يعيش فيه الوطن وإنسان الوطن العربي منذ قرون.. أنه صوت الشاعر الذي يعبر بصدق عن صوت الإنسان المسحوق الذي دعي إلى القتال وهو مقطوع الساعدين مستلب الإرادة ومثخن بالجراح وجائع فأعطوه سيفا صدئا وقالوا له أذهب وقاتل ونحن هنا قاعدون نرقب المعركة بعد انجلاء الموقف بعد أن >هبوا إلى فراشهم الدافئ ليتمتعوا بنوم عميق.وصار موقفهم كموقف الذي ألقاه في اليم مكتوفا وقال إياك إياك أن تبتل بالماء. وحين غرق في نجيع دمائه وصموه بالخيانة والجبن وحملوه عار الهزيمة.!   ثم يسترسل في تلك التراجيديا ويخاطب زرقاء التي تمثل الوطن عن لسان المقاتل المستلب فيحذرها من السكوت كما سكت هو عن هؤلاء،ولا تبالي ببطشهم وظلمهم لأنه سجلب أوخم العواقب للوطن:

أيتها النبية المقدسه

لاتسكتي

فقد سكت سنة بعد سنه

لكي أنال فضلة الأمان

قيل لي أخرس

فخرست وعميت وائتممت بالخصيان

ظللت في عبيد (عبس) أحرس القطعان

أجتز صوفها

أرد نوقها

أنام في حظائر النسيان

طعامي الكسرة والماء وبعض التمرات اليابسه

وها أنا في ساعة الطعان

ساعة أن تخاذل الكماة والرماة والفرسان

دعيت للميدان

وهذه الكلمات العميقة صورة حية لحالة الإنسان العربي على مر الزمن مع حكامه الذين جردوه من كل حقوقه الإنسانية. ولابد للشاعر الذي عاش بين الفقراء والمضطهدين الذين تعاملهم الأنظمة كعبيد بني عبس لايمكنهم السكوت إلى الأبد بعد أن بلغ السيل الزبى ووصلت القلوب الحناجر وصودرت إرادات الشعوب واستخف الحكام بمقدراتها وحرموها من أبسط متطلبات الحياة. ويستمر الشاعر الكبير في تلك التراجيديا المتصاعدة على بحر الرجز الذي يلقب بـ(حمار الشعراء) لكن أمل دنقل وظفه في هذه القصيدة بشكل تراجيدي مدهش مخاطبا زرقاء الرمز الحي النابض برؤى التأريخ بلسان الرمز المستلب قائلا:

أنا الذي ماذقت لحم الضان

أنا الذي لاحول لي أو شان

أنا الذي أقصيت عن مجالس الفتيان

أدعى إلى الموت ولم أدع إلى المجالسه

تكلمي أيتها النبية المقدسه

تكلمي تكلمي

فهاأنا على التراب سائل دمي

وهو ظميئ يطلب المزيدا

أسائل الصمت الذي يخنقني

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

فمن ترى يصدقني

أسائل الركع والسجودا

أسائل القيودا

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

ماللجمال مشيها وئيدا ؟

وأي صورة أبلغ وأصدق من هذه الصورة التي رسمها الشاعر الكبير للإنسان العربي المسحوق حتى العظم على مر العصور من قبل حكامه الطغاة المستبدين الذين جعلوا منه عبدا يسيل دمه على الأرض متى مايشاؤون وكيفما يشاؤون ويبيعونه في مزادات الشعارات الوطنية المهلهلة والخاوية من أي مضمون حقيقي دون مراعاة لأبسط حقوقه المهانة كانسان خلقه الله وكرمه وأعلى مقامه وجعله خليفة على الأرض. ويستمر أمل الشاعر والإنسان ليغوص أكثر فأكثر في عمق المأساة ويستخرج منها اللآلئ الشعرية المعبرة عن الأحاسيس الإنسانية ويستلهم من رؤى زرقاء النقية والعرافة المقدسة التي لم يسمع أحد نداآتها المتكررة والمقتولة في النهاية فيقول المقاتل المستلب معبرا عن لسان الأكثرية الساحقة في المقطع قبل الأخير للقصيدة:

أيتها العرافة المقدسه

ماذا تفيد الكلمات البائسه ؟

قلت لهم ماقلت عن قوافل الغبار

فاتهموا عينيك يازرقاء بالبوار

قلت لهم ماقلت عن مسيرة الأشجار

فاستضحكوا من وهمك الثرثار

وحين فوجئوا بحد السيف : قايضوا بنا

والتمسوا النجاة والفرار

ونحن جرحى القلب

جرحى الروح والفم

لم يبق ألا الموت والحطام والدمار

وصبية مشردون يعبرون آخر الأنهار

ونسوة يسقن في سلاسل الأسر

وفي ثياب العار

مطأطئات الرأس لايملكن إلا الصرخات التاعسه

أنها النتيجة المنطقية لهذا الإنسان المستلب المجروح القلب والفم الذي استغل الأعداء ضعفه واستلابه فانقضوا عليه ونهشوا لحمه وحولوا عدته الهزيلة الغير متكافئة ألى هشيم محترق.

وفي المقطع الأخير يخاطب المقاتل زرقاء بعد أن سملت عيونها ولم يدرك الحكام مايجول في أعماقهاوبعد انكشاف غبار المعركة ظل الحكام في قصورهم وأبراجهم وحصونهم ولم يأخذوا العبرة من تلك الهزيمة المرة والتي دفع الفقراء ثمنها غاليا من دمائهم وعرقهم وأرواحهم التي صعدت إلى السماء لتشكو من رماها في أتون النار التي خطط لها الأعداء طويلا ولم يجهزوه بالعدة اللازمة.

هاأنت يازرقاء

وحيدة عمياء

وما تزال أغنيات الحب والأضواء

والعربات الفارهات والأزياء

فأين أخفي وجهي المشوها

كي لاأعكر الصفاء الأبله المموها

في أعين الرجال والنساء

وأنت يازرقاء

وحيدة عمياء

وحيدة عمياء

فما أشبه الليلة بالبارحة يازرقاء.هاهم الحكام ظلوا يضربون المثل الأسوأ في الظلم والجبروت والدكتاتورية والطغيان ويعيشون في عزلة تامة عن شعوبهم دون أن يعتبروا من حوادث التأريخ والعدو يقوى يوما بعد يوم ويخطط لمعارك قادمة ليجهز بها على آخر أمل للشعوب المقهورة.

 

أمل دنقل في سطور:

ولد الشاعر الكبير أمل دنقل في بلدة القلعه بمحافظة قنا في صعيد مصر عام 1940م

كتب ست مجموعات شعرية أولها ديوانه البكاء بين يدي زرقاء اليمامه الذي سميت القصيدة باسمه والديوان الثاني (تعليق على ماحدث) والديوان الثالث (مقتل القمر) والرابع (العهد الآتي) والخامس (أحاديث في غرفة مغلقه) وله مجموعة شعرية سادسة كتبها خلال مرضه العضال وهي بعنوان أوراق الغرفة رقم 8 ولم يستطع المرض أن يوهن من عزيمة الشاعر، حتى وصف الشاعر المصري أحمدعبد المعطي حجازي الصراع بين الشاعر والسرطان بقوله إنه صراع بين متكافئين: الموت والشعر.)

وقد جمع شعره في ديوان واحد سمي (ديوان أمل دنقل) توفي الشاعر أمل دنقل في القاهرة يوم السبت المصادف 21-4 - 1983 نتيجة لمرض السرطان في الثانية والأربعين من عمره وهو في قمة عطائه الشعري ولو بقي لقدم المزيد من العطاء. رحم الله أمل دنقل شاعرالرفض المقدس.

 

جعفر المهاجر.

4/6/2015م.

 

قراءةٌ نقديّة في قصيدةِ (مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي) للشّاعرة آمال عوّاد رضوان

hyam qabalanمُزنّرٌ بمِئزرِ ملاكي!

آمال عوّاد رضوان

 

مَفتونٌ أنا.. بلَيلِكِ العاري يَلبسُني عَهدًا

يتأبَّطُني على حافَّةِ الأُفُقِ

أَنا المَسكونُ بِمَلامحِ براءتِكِ!

لكِن وَحْيكِ الأَرعنَ.. راعٍ وَحشيٌّ ثائرٌ

يَ تَ وَ ا ثَ بُ

مِن

مَرعًى

إلى

مَرمى

يُطاردُ قطعانَ تراتيلي

في مَعابرِ مَعابدي

يُثيرُ غُبارَ أَنفاسِكِ

على مَرمى خُطى القُرنفلِ!

يا البرِّيَّةُ الشّهيّةُ

بِرِئَةٍ مَفتونةٍ.. شَهقتُكِ حُبّا

لِمَ زَفرْتِني هزيمةً مُحرَّمةً.. في أَزقّتِكِ الزّهراءِ

تُطوِّقينَني بِأَزيزِ الرّموزِ؟!

كنتُ حلزوْنةً.. تغُطُّ بسُباتِكِ

بابَ قَوْقَعَةٍ.. قرعتِ

غِشاءَ دهشَةٍ.. شققتِ

تُنبينَها بشذراتِ رِهامِكِ الأَوّلِ

وَهادرةً

سرَتْ بِعوْسجي حرارةُ رذاذِكِ المُترنِّم

أَعرى مِن مِغزلٍ انزلقتِ

إلى محبرتي البيضاء

حُروفًا رثّةً.. ا نْ تَ ثَ رْ تِ

تتدَحرجينَ

على أَشواكِ نِداءاتي الموشومةِ..

بِالفقدِ!

بِأَقْلامِ تَمَرُّغِكِ الْوَدِيعِ

قَ لَّ مْ تُ .. أمْواهَ خُطاكِ

و ا قْ تَ فَ يْ تُ

سُلالةَ خوفي المَخبوءِ

بزهرِ الزّعرور!ِ

أنا الطّاعنُ بالمآسي

بأَسفارِ صُفصُفِ الفِراخِ

هَ رَّ بْ تُ كِ.. زقزقةَ إيمانٍ

وَبرحيقِ توْبةٍ.. رقّيتُكِ

لِتُموْسقيني بغيبوبَتي

غديرًا يُناهِدُ غديرَكِ

لكِنّكِ..

مَضيتِ بطباشيري الحزينةِ

تترَصّدينني

تَرسُمينَ أَنينَ أحلامي الزّرقاءَ

سَيفًا.. يُغازلُ صيفًا ماضيًا في قلقي!

يا المُعجزةُ المُزدهرةُ في ثنايا بَعثي!

بتُؤدةِ الشُّموسِ المُبتلّةِ بالضّياءِ

امْتشقتِ شقاوةَ طاؤُوسِكِ

لتَغزِلَ عُيونُ أرياشِكِ قصائِدي المَخروطيّةَ

أنجُمًا مَسحورةً

تُ

عَ

لِّ

قُ

نِي

في رِقعةِ سمائِكِ سَريرًا

مَــــثــــ   ــــــقُـــوبًــــا

تَغفو فيهِ حسَراتي!

أَلا يَبزُغُ لحدي الماكرُ مُكلّلًا

بقزَحِكِ التَّوأم!؟

 

في المجموعةِ الشّعريّةِ "رحلةٌ إلى عنوانٍ مفقود" للشّاعرة آمال عوّاد رضوان، تنهضُ طفلةُ الرّمادِ لتُلملمَ حلمًا سُفِكَ على أعتابِ وطنٍ صعقَهُ النّزفُ، وتثاءبَ على دمعِهِ الانتظار، تحمِلُ نايَ الحزن لتصنعَ مِن المستحيلِ إشراقاتِها المجنّحة، فتتصاعدُ بها إلى لغةِ الجنون والحُلم، تُمارسُ هناكَ طقوسُ التّطهيرِ مِن أجل ولادةٍ نقيّة، تطلُّ ببهجتِها مِن نافذتيْن، تهشّمَ على زجاجِهما الممنوع والمغيّب، باعتبار أنّ الجنونَ والحُلمَ يُشخّصانِ عالميْنِ مِنَ المُحرّم والمحظور، قد تعتبرُهما الشاعرة مُحفّزيْن للتمرّدِ والتّعبيرِ عن الفقدِ والغياب.

الجنونُ في رحلةِ آمال هو التّحرّرُ مِن النّمطيّةِ، والانطلاقُ في الإيقاع الذي شكّلَ في قصائدِها لغةً إبداعيّة مغايرة، تجاوزت المألوفَ عليه مِن أبعادٍ وانزياحات، وصورٍ شعريّة، ومِن تغريبٍ للذات المتكلّمةِ التي استبدلتْها بصوتٍ ذكوريٍّ في قصائدِها. وعلى حدِّ تعبير ميشال فوكو:   "إنّ الجنونَ يُعدُّ أحدُ أشكالِ العقل، حين يندمجُ فيهِ صانعًا إحدى قواهُ الخفيّة، أو لحظةً مِن لحظاتِ التّجلّي وبشكلٍ متناقض".

ولا ننسى أنّ الكتابةَ بلغةِ الجنون والحُلم تُثري مِن الدّلالاتِ والرّمز، لتعديلِ المُنكسِر والمُهشّم الذي تراهُ الشاعرة، فالحُلمُ يأخذنا إلى البحثِ عن الذاتِ الحقيقيّة، كي نستطيعَ أن نُشيرَ إلى أماكنِ الضّعفِ فينا مِن خيبةٍ وفقدان وخسارة، فيتّحدُ الحُلمُ بالجنون رغبةً في المغامرةِ في لحظاتِ رحيلِ الرّوح مِن الجسدِ أثناءَ النّوم، فإنّهُ أشبهُ بتعويضٍ عن الواقع المُعاش في الحُلم الكتابيّ الإبداعيّ وحلم اليقظة، ومِن هنا تحاولُ آمال خلْقَ توازنٍ نفسيٍّ للذّاتِ لتنقيّتِها، مِن خلالِ التّخيّلِ الأفضلِ، ومن خلال اللّجوءِ إلى حضنٍ ومكانٍ تُحقّقُ فيهما رغبتَها المتمرّدة.

أعودُ إلى مقولةِ ماكسيم جوركي: "جئتُ للعالم لكي أختلفَ معه"، وذلك يقودُنا إلى اللّغةِ المتمرّدةِ بشهوةِ الكلام المتزنّرةِ بمفرداتٍ تجاوزت الجُملة العاديّة، ومِن هذا المنطلق فضّلتُ أن أتناولَ قصيدةً مِن المجموعة، قد تتوافقُ بصورةٍ أو بأخرى معَ الرّغبةِ بالخروج عن المألوفِ لتحقيقِ المستحيلِ عندَ الشاعرة، مُزّنَّرٌ بِمِئْزَرِ مَلاَكِي ص91:

مفتونٌ بليلِكِ العاري يَلبسُني عَهدًا/ يَتأبّطُني على حافّةِ الأفق/ أنا المسكونُ بِملامحِ براءتِكِ! لكِن/ وَحْيَكِ الأرعنَ راعٍ وَحشيٌّ ثائر/ يَ تَ وَ ا ثَ بُ/ من مرعًى إلى مرمى/ يُطاردُ قطعانَ تَراتيلي/ في معابرِ معابدي/ يُثيرُ غُبارَ أنفاسِك/ على مَرمى خُطى القرنفلِ!

لغةٌ ساخنة تلتقطُ تمزّقاتٍ جريحةٍ بضميرِ المتكلّم الرّجل في القصيدة، وبتوجّهِ الدّالّ للمدلول بكتابةٍ تدهشُ بمتناقضاتِها، حين يكون الفاعلُ المتكلّمُ هو المفتونُ بليلِها العاري، ليتحوّلَ اللّيلُ إلى فاعلٍ آخرَ يُرخي على المتكلّمِ رداءً يلبسُهُ، كما وثيقةُ التّعهّدِ إلى الأبد، بالرّغم مِن أنّهُ مفتونٌ بالعُري، إلاّ أنّهُ يقودُنا إلى اللّذةِ، حين يتأبّطُ اللّيلَ صديقًا له ليصلَ إلى حافّةِ الأفق، لتبدُوَ اللّذةَ هنا وليدةَ الرّغبة، بتفادي لحظاتٍ قادمةٍ تُراودُ المسكونُ بملامحِها البريئة، و"لكن"؛ المَفصَلَ بينَ الشّعورِ باللّذةِ وبين وحْيِها الأرعن، إذ تتغيّرُ لهجةُ الخطابِ في النّصّ، حيث لحظة الكشْفِ تُثيرُ في القارئِ الخوْفَ مِن هذهِ اللّغةِ الحَرونِ المُتمرّدةِ للشّاعرة، فالوحيُ ما هو إلاّ "راعٍ وحشيٌّ ثائر"، أمّا ملامحُها البريئة التي سكنت العاشقَ، فتتحوّلُ إلى ملامحَ ثائرةٍ هائجةٍ تتواثبُ لمطاردةٍ وحشيّةٍ، مِن المرعى الوديع إلى المرمى، حيثُ يُطاردُ الرّاعي قطعانَ تراتيلِهِ في معبدٍ، يتحوّلُ إلى ساحةِ معركةٍ شبيهةٍ بمطاردةِ ثيرانٍ يَعلوها الغبار، وما الغبارُ الاّ أنفاسها الثائرة، فيناديها: "يا البريّة الشّهيّة"، التي ليست على مرمى حجر، بل على بُعدِ خطوةٍ مِن القرنفل، بينَ لحظةِ الحُلم وتحقيقِهِ، تنفلتُ "الشّهقة مِن رئةٍ مفتونةٍ حُبّا بها "، وهي "تزفرُهُ هزيمةً مُحرّمة":

يا البرّيّةُ الشّهيّةُ/ بِرئةٍ مفتونةٍ شهقتُكِ حُبّا / لِمَ زفرْتِني هزيمةً مُحَرّمةً في أزقّتِكِ الزّهراءِ/ تُطَوّقينني بأزيزِ الرُموزِ؟

وكأنّ الرّموزَ في لغةِ الجنون والحُلم تُطلقُ رصاصاتِها، مُعلنةً عن الحدّ الفاصلِ بين المُحرّمِ والمرغوب. وهنا لا بدّ أن أتوقّفَ للتنويهِ، بأنّ آمال أكثرتْ مِن استخدام حرف الزّاي، الذي يُعدُّ مِن الحروفِ الأسليّة، ومصدرُها مِن "أسلة" اللّسان؛ أي طرفهُ الآخَر؛ إذا كانَ يابسًا على النطقِ بحروفِ الصّفير، مثل "السّين والصّاد والزّاي"، وهي الحروفُ الأسليّة.

وفي بحثِ الصّوتيّاتِ لابن جني في كتابه "سرّ صناعةِ الإعراب" عرض، ذكرَ أحوالَ الحروفِ منفردةً، أو منتزعة مِن أبنيةِ الكلمةِ التي هي مصوغة فيها، ودراسةُ الحروفِ يَعتبرُها ابنُ جني علمًا قائمًا بحدّ ذاتِه، لا يقلُّ أهمّيّة عن الصّرفِ والنّحو، واكتفى ابنُ جني بذِكر الأعضاءِ التي تؤلفُ الجهازَ الصّوتيّ على حدّ قوله: "الصّدر والحلق والفم والأنف".

وكانَ العربُ قد خصَّوْا كلَّ قسمٍ مِن أقسام اللّسانِ باسمٍ خاصّ فقالوا:"عكدة اللسان" أيّ أصله، "أسلة اللسان" أيّ طرفُه الآخر اليابس عن النطق بحروف الصّفير، وهذا ما نحن بصددِهِ هنا.

هكذا بتكرارِ حرفِ الزّاي في الأبيات التي أمامَنا دلالةٌ، على أنّ الحلمَ والأملَ كالفرحِ المكبوتِ المبحوحِ اليابس تحت اللسان، فحرفُ الزاي كالصّاد والسّين، حيثُ يلتقي طرفُ اللّسان بالأسنان، بغضّ النّظرِ من التقاءِ مقدم اللّسان باللّثة، وهذا الالتقاءُ هو الذي يُحدِثُ احتكاكًا يُؤدّي إلى النّطق بالزّاي والصّاد والسّين، حيثُ أنّ حرفَ الزاي المتكرّرَ حرفٌ مجهور، أي في حالِ النّطقِ بالصّوتِ المجهور، تقتربُ الأوتارُ الصّوتيّة أثناءَ مرورِ الهواء، فيضيقُ الفراغ ولا يَمرُّ النّفَسُ إلاّ باهتزازِ الأوتار، فتحدثُ عندَها ظاهرة "الجهر،sonorite"، والتي يُرافقها ما يُشبه "النفخ" دونَ أن يكون لها الضّغطُ نفسُه، كحرف الزاي والظاء والذال والضاد، وجميعُها حروفٌ مجهورة كالتي وردت في الأبياتِ الشّعريّة وأقتبس:

"زفرْتِني، أزقّتُكِ الزّهراء، بأزيز الرّموز".. وهي طبعًا عكسُ الصّوتِ المهموس الذي لا تهتزّ له الأوتارُ الصّوتيّة في حالةِ النطق، وهنا النّشيجُ والتشنّجُ الوتريُّ أدّى إلى ضيقٍ في النّفس، يكادُ يصلُ إلى الاختناق والتقطّع، دلالةً على الصّوتِ الأخرس نطقا.

كذلك أكثرتْ مِن الأوصافِ والانزياحاتِ لخرْقِ جدارِ الرّموز، وتذويتِ اللّغة ببصمةٍ تُحيلُنا إلى مُعجمٍ خاصّ بالشّاعرة، مِن نحْتٍ في الجَمال والأنين والحزن والألم.

أمّا الزّمنُ فمُتحوِّل، نرى المتكلّمَ يعودُ إلى الماضي، فيأخذنا إلى عالمٍ تقاطرَ فيهِ الحُلمُ الورديّ برغم الحزن، بتوظيفِ رموزٍ تزحفُ بنا إلى تصويرٍ لانفعالٍ داخليّ، منحَ الضّميرَ المتكلّمَ رؤيةً أخرى، تلاقحت فيها المجازاتُ والأبعادُ لحدِّ السّعادةِ الوهميّة، وبجُنوحٍ وصْفيٍّ لمشهدٍ يُصوّرُ تلكَ المُتخيّلة.

للشّاعرة آمال عوّاد رضوان مفرداتٌ شعريّةٌ خاصّة مثل: "القوقعة، الغشاء، الشذرات، العوسج، المغزل"، فترسمُ مشهدًا رائعًا لعمليّةِ ألمٍ لذيذٍ بكلّ مُعاناتِه، استحضرت فيهِ "الحلزونة" كرافدٍ مُحرِّكٍ لتعريةِ النّداءاتِ الموشومةِ بالفقدِ والحرمانِ وانزلاق المشاعر فتقول:

كنتُ حلزوْنةً تغُطُّ بسُباتِكِ/ بابَ قوقعةٍ.. قرعتِ/ غِشاءَ دَهشةٍ.. شققتِ/ تُنْبينها بِشذَراتِ رِهامِكِ الأوّل، وَهادرةً/ سرَتْ بعوْسجي حرارةُ رذاذِكِ المُترنّم!

لماذا اختارت آمال الحلزونة؟ مِن المعروفِ أنّ القواقعَ تعيشُ داخلَ أصداف، وأصدافُ القواقع تُماثلُ في التركيب أصدافَ المَحارِ واللّزيق، ويوجد داخل القوقعة قلبُها ورئاتها وجميعُ أعضائِها الهامّة، ويستطيعُ القوقع عادة إصلاحَ الصّدفة إذا كُسرت، ولكن إذا كان الكسْرُ خطيرًا ولم يستطع القوقع إصلاحَهُ، فانّه عادةً يموت.

لقد وظّفت شاعرتُنا في هذه الأبياتِ أفعالًا لاءمت الإيقاعَ الرّاقصَ السّريعَ، في وصفِ صورةٍ شعريّةٍ لانزلاق الحبيبة إلى عالم العاشق الذي اخترقتْ بابَ قوقعتِهِ، بعدَ أن كان في سباتٍ عميق، وشقّتْ غشاءَ دهشتِه، والغشاءُ في الحلزونة متواجدٌ على فتحةِ القوقعة، ليحمي الحلزونة مِن الجفافِ عند سباتِها، لذا فقد كانت الحبيبةُ بالنّسبةِ له رذاذَ المطرِ الأوّل الهادر الذي شقّ غشاءَ قوقعته برذاذِهِا الحالم المترنّم، لتُرطّبَ جفافَ عمْرِهِ، وانزلقتْ بهدوءٍ إلى "محبرتِهِ البيضاء النقيّة:

أَعرى مِن مِغزلٍ انزلَقتِ/ إلى محبرَتي البيضاء/ حُروفًا رَثّةً/ ا نْ تَ ثَ رْ تِ/ تتدحرجينَ/ على أَشواكِ نداءاتي الموْشومةِ بالفقد/ بأقلامِ تَمرُّغِكِ الوديعِ / قَ لَّ مْ تُ/ أمواهَ خُطاكِ/ و ا قْ تَ فَ يْ تُ / سُلالةَ خوْفي المخبُوءِ بزهرِ الزّعرور!ِ

إذن؛ لقد كانَ لها المخلّصَ مِن سيْرِها على الأشواك، حينَ انزلقتْ إلى محبرتِهِ النّاصعةِ النّقيّةِ بحروفِها الرّثّةِ، وبأقلام تمرُّغِها الوديعِ الجميلِ السّاكن، حين قلّمَ مياهَ خطواتِها واقتفى أثرَها.

هنا في هذه الصّورة؛ "قلّمتُ أمواهَ خطاك"، تناصٌ من عجائب السّيّد المسيح حين مشى على سطح الماء، فالسفينة التي كان تلاميذه في داخلها قد صارت في وسط البحر، ويظهر أن الريح كانت مضادّة، فكانت تعاكس السفينة وتلعب بها، حتى كادت تنقلب، فخاف التلاميذ خوفًا عظيمًا، وظنّوا أنّ نهايتهم قد اقتربت، وعندما رأى المسيح تلاميذه في خوفهم، أراد أن يهدّئ من روعهم، فذُهل إليهم ماشيًا على الماء، "فلما أبصره التلاميذ ماشيًا على البحر اضطربوا قائلين: إنه خيال.. ومن الخوف صرخوا، فللوقت كلّمّهم يسوع قائلًا: تشجعوا أنا هو.. لا تخافوا (متى 14: 26-33).

وتضيفُ الشّاعرة: و ا قْ تَ فَ يْ تُ / سُلالةَ خوْفي المَخبوءِ بزهرِ الزّعرور!

وكأنّه الأبُ المُخلّصُ الذي جاءَ إلى الكينونةِ، ليقتفيَ أثرَ سلالةِ خوفِهِ مِن المخبوءِ له "بزهر الزعرور"! الزّعرورُ نبتة كانت تُعرَفُ في القرون الوسطى كرمزٍ "للأمل" وتأخيرِ العِلل، وتستخدمُ اليومَ أيضًا لاضطراباتِ القلب ودورانِ الدّم وبخاصّةٍ الذّبحةِ الصّدريّة، وتزيدُ مِن تدفّقِ الدّم إلى عضلاتِ القلبِ، وتُعيدُ الخفقان السّويّ إليه.

الزّعرورُ مِن فصيلةِ الورديّاتِ، وهي أشجارٌ حُرجيّةٌ متوسّطةُ الحجم فروعُها تنتهي بشوك، وأوراقُها مُجنّحةٌ صلبة كالجلد، تزهرُ أزهارًا بيضاء، وأوراقُ الطّلع فيها ورديّةٌ أو حمراء، وأثمارُها كرويّةٌ حمراء، تنبتُ في أسيجةِ الأشجارِ والغاباتِ الصّغيرة، وهناك خبّأ العاشقُ خوفَهُ، وبحثَ عن الأملِ داخلَ زهرةِ الزّعرور، ويُقالُ أيضًا أنّ للزعرورِ فائدةٌ تداوي مرضَ الشّرج والشّفاء منه، وفي الحالتيْن؛ فانّ هذه الصّورةَ بمثابةِ تأكيدٍ على حبِّهِ وتضحيتِهِ في سبيلِ إنقاذِها، هو الذي كانَ يُؤمنُ بها وقد تابَ على يديْها، بعدَ أن غرفَ مِن مآسي الحياة أشقاها:

أَنا الطّاعنُ بالمآسي/ بأسْفارِ صُفصُفِ الفِراخِ/ هَ رَّ بْ تُ كِ/ زَقزقةَ إيمانٍ/ وبرَحيقِ توْبةٍ رقَّيتُكِ/ لتُموْسقيني بغيبوبَتي/ غديرًا يُناهِدُ غديرَكِ!

هذا هو المفتونُ بليلِها العاري قاسى المصاعبَ والمآسي بأسفارِهِ، منذ أن كانَ فرخًا يرفرفُ ولم ينبتْ زغبُهُ بعد، وهي تأتي تخترقُ حياتَهُ، لتعلّمَهُ كيفَ يتوبُ على يديْها، هي القدّيسة التي رقّاها مِن العين، لتتموسقَ في داخلِهِ في لحظاتٍ مِن غيبوبةِ الحلم، فيُناهدُ غديرُها غديرَه، ويُردّد: لكنّكِ/ مضيْتِ بطباشيري الحزينةِ.. تترَصّديننِي/ ترْسمينَ أنينَ أحلامي الزَرقاءَ/ سيْفًا../ يُغازِلُ صيْفًا ماضيًا في قلقي!

كالفرسِ الحرون تمضي تترصّدُهُ ، ترسُمُ لهُ أحلامَهُ التي تئنّ، وكأنّها السّيفَ الحادّ القاطعَ الذي يُغازلُ صيفًا يَمرّ في قلق.

يا المُعجزةُ المزدهرةُ في ثنايا بعثي!/ بتُؤدةِ الشّموسِ المُبتلّةِ بالضّياءِ/ امْتشقتِ شقاوةَ طاؤوسي/ لتَغزلَ عُيونُ أَرياشِكِ قصائدي المخروطيّةَ/ أنجُمًا مَسحورةً/ تُ عَ لِّ قُ نِي/ في رِقعةِ سمائِكِ/ سريرًا مَثــ ـــــقوبًا/ تغفو فيهِ حسَراتي!

كالمعجزةِ هي.. ستزهرُ أيّامَهُ، هي البعثُ الذي سيُعيدُهُ للحياةِ مِن جديد، وببطءٍ تتحرّكُ الشّموسُ التي تبلّلت بالضّياء، هكذا وبكلِّ مراوغةٍ وبشقاوةِ الطاؤوس الذي بعيونِ أرياشِهِ أثّرت على قصائدِهِ، لتغزلَها وتجعلَها أنجمًا مسحورة. وقد وظّفت الشّاعرةُ الطاؤوسَ رمزًا للشّقاوةِ بعرْضِهِ المُخادع، وهو ينشُرُ ذيلَهُ على شكلِ مروحةٍ، كأنّهُ يُقابلُ أنثاهُ، ويُحاولُ أن يُريَها وسامتَه حتى تُغرَم به، وقد اختارت الشاعرةُ ذكرَ الطاؤوس، لأنّهُ حين ينشرُ ذيلَهُ، تظهرُ العيونُ الكثيرة ببريقِها السّاحرِ على ذيلِهِ، فالألوانُ الزّاهية التي نراها هي نتيجة انعكاس الضّوء، وانكسارِهِ على السّطوح المختلفةِ للرّيش، ممّا يمنعُ لونُهُ الحقيقيّ البنيّ مِن الظّهور، وهذا دلالة على العرض السّحريّ المُخادِع منها، والذي رفعَهُ كالأنجم، وعلّقَهُ في رِقعة سمائِها، وألقاه على سريرٍ مثقوبٍ مهترىءٍ تغفو عليه حسراتُهُ، بات يهدّدُهُ بالسّقوطِ مِن عليائِها والموت، و(سريرًا مَثــ ـــــقوبًا) رسمٌ بالكلمات، فيتساءلُ متحنّنًا: أَلا يَبزُغُ لحدي الماكرُ مُكلَّلًا/ بقزحِكِ التّوْأمِ!؟

حتّى وهو على فِراشِ الموت يَحملُ الأملَ، بأن يبزغَ قوسُ قزحِها ثانية، ليُكلّلَ بهِ لحدَهُ! صورةٌ مدهشةٌ لانكسارِ الحُلم، واحتقانِ الأملِ داخلَ روحٍ تتزنّرُ بمئزرِ ملاك.

وبعودةِ إلى عنوانِ القصيدة "مُزنّرٌ بمئزرِ ملاكي" أتساءل: هل يمكنُ للعنوانِ أن يتنبّأ بحقلٍ دلاليٍّ للنّصّ؟ هنا أعتقد أنّ العنوانَ يَدرجُ في بابِ العناوينِ التّأويليّةِ، والّتي هي أكثرُ الأنواع قدرةً في تنبّؤِ الحقلِ الدّلاليّ، وقد نجحت الشّاعرة آمال عوّاد رضوان في اختيارِ العنوان، الذي شكّلَ محورًا أساسيًّا في مبنى القصيدة التأويليّ، وبرسْمِ مساحةٍ شاسعةٍ مِن الرّموزِ والإيحاءاتِ والأبعادِ الدّلاليّة.

 

بقلم: هيام مصطفى قبلان

 

من الساكورا فالهايكو الى موجة الهايكو العراقي (1)

khalidjawad shbaylلعقود قليلة خلت، لا تُذكر اليابان إلا ويُذكَر تاريخُها العسكري، من الحروب الداخلية القبلية وأشهرها في منتصف القرن الخامس عشر بين عشيرتي الهوسوكاوا والبامانا التي سالت فيها دماء غزيرة والتي رسّخت فنون القتال التقليدية بالاسلحة البيضاء الى حرب المقاطعات؛ وكان الهدف دائما الصراع على كرسي الحكم الذي له ما له من امتياز بما في ذلك الشأن الاعتباري المقدس!

حتى أذا هدأت حمى الحروب الداخلية، ووقفت اليابان على قدميها؛ بدأت سلسلة الحروب الخارجية متجاوزة الجزرالمعزولة الى دول الجوار! الحرب اليابانية الصينية الأولى 1894-1895؛ والحرب اليابانية الروسية 1904-1905؛ والحرب اليابانية الصينية الثانية1937-1945؛ وأخيرا الحرب اليابانية الأمريكية كجزء من الحرب العالمية الثانية حين هاجمت اليابان قاعدة بيرل هاربر في ديسمبر/ك1 1941 ودمرت القاعدة رمز الشموخ العسكري الأمريكي، ولعبت زهرة الساكورا دورا مهما في جميع الحروب وكانت سببا في اندفاع فرق الانتحاريين اليابانيين ضمن معتقد راسخ هو أن المضحِّي بحياته في سبيل اليابان سيسكن روحُه زهرةَ الساكورا! ثم انتقمت أمريكا بجبن بقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي بالقنابل الذرية التي استخدمت لأول مرة في 11 سبتمبر/ أيلول 1945 حيث استسلمت اليابان!

وقد حاولت في كل مرة اليابان أن تُحسّن من سلوكها العسكري بإهداء أشجار الساكورا الى الدول المتحاربة معها، وهكذا دخلت هذه الشجرة المسالمة المحبوبة الى حد القداسة لعبة الحرب والسلم عنوة!! إذ في عام 1912أهدتِ الولاياتِ المتحدة الأمريكية 3000 شجرة وعاودت الكَرّة في عام 1956 ب 3800 أخرى؛ ولتطييب خاطر الصين بعد الحرب أهدتها 2000 شجرة وعاودت الكرة بعد عَقد من الزمن لتهديَها 5000 شجرة وهكذا استمرت بعد الحرب العالمية الثانية التي تمحورت فيها اليابان مع المحور لتهدي الدول المتضررة من احتلالها كتايلندا وماليزيا واندونيسيا لتنتشر هذه الشجرة الجميلة حتى الى الدول الأوربية أيضاً فعندما زرت ستوكهولم في نهاية مارس/آذار وأبريل/ نيسان 2015 كانت أشجار الساكورا المزهرة تسطع بجمالها الآسر في حدائق المدينة الجميلة!

فما الساكورا ياترى؟ وما علاقتها بالهايكو؟

الساكورا Sakura هي شجرة الكرز (حب الملوك) اليابانية وهي من فصيلة اللوزيات كالمشمش والخوخ واللوز والبرقوق/العنجاص.. وهي أي الساكورا تُزهر دون أن تُثمر والهدف من تنميتها هو أزهارُها، التي تتنوع حسب لونها وعبقها فأجملها ذات اللون الأبيض الذي يضرب الى الى الأرجواني الخفيف في وسط الزهرة، والثاني هو اللون الوردي /الأرجواني. تزهر الساكورا في أوائل الربيع الياباني الذي هو شهر شباط/فبراير في أوكيناوا ويبدأ في طوكيو في آذار/مارس وعندما يحل نيسان/ أبريل تكون الطبيعة اليابانية قد اشتعلت بلون الساكورا الجميل وعبقها، وكذلك الحدائق العامة وحدائق المدارس..

ويصادف ازدهارها التام مع بدء العام الدراسي الياباني ومع بدء السنة المالية اليابانية ما يشيع جوا من البهجة والتفاؤل..كل هذا ولا تورق شجرة الساكورا الا بعد أسبوع من سقوط آخر زهرة!!

تطبع هذه الزهرة الحياة اليابانية وتدخل في تفاصيلها، فبالإضافة الى كونها رمز الثقافة والفن الوطنيين فهي موجودة في معظم المنتجات الوطنية من أنسجة وألبسة كالكيمونو وتجدها مطبوعة على القرطاسية والصحون والمنتجات الخزفية وتدخل في الأطعمة كالحلويات والأشربة مثل شاي الساكورا ومواد التجميل والعطور ومغذيات البشرة...الخ.

وما هو مهم هو تأثير الربيع المتمثل بهذه الزهرة على الأدب والفن وعلى وجه التخصيص الشعر والموسيقى والرسم. حيث تعم المهرجانات الشعرية والموسيقية واللوحات الراقصة والتي يرددها ويشارك فيها قطاعات واسعة من الشعب ونخب الثقافة منظمةً كأحسن ما يكون التنظيم في الحدائق وأحضان الطبيعة حتى تكوَّن لونٌ غنائي موسيقي يحمل اسم الساكورا، التي تشكل طقوساً احتفالية مصحوبة بشرب شاي الساكورا، وقد اشتهرت منها أغنية ميلودية راقصة ذاعت شهرتها لا في اليابان وحسب بل في أوربا حتى غدت سفيرة اليابان الى العالم تحت اسم "ساكورا ساكورا" التي أصبحت ضمن المناهج التعليمية اليابانية مذ أنْ غنّاها طلاب كوتو في أكاديمية طوكيو للموسيقى* عام 1888:

ساكورا ساكورا

في الحقول والقرى

على امتداد مرمى البصر

أضباب هو ذا أم سحاب؟

عبق ضائع في شمس الصباح

الأشجار تشتعل زهورا

***

ساكورا ساكورا

عبر سماء الربيع

على امتداد مرمى البصر

أضباب هو ذا أم سحاب؟

عبق ضائع في الهواء

هلمَّ الآن هلمَّ الآن

لنرَ ماذا بعد!

أثرت موسيقى الساكورا وألهمت الموسيقار الإيطالي الكبير غياكومو بوجيني (1858-1924) في أوبرا مدام بترفلاي " السيدة الفراشة" في بعض من مقاطعها.

وتأثر بها أيضاً كات ستيفنس (يوسف إسلام)

وليس أخيرا مطرب الروك بون جوفي..

ولعب الربيع الياباني والمتمثل بالساكورا دورا مهما في الفن التشكيلي الياباني والذي انتقل الى أوربا بعد مدة طويلة من الحصار الثقافي عن طريق المعارض اليابانية التي أدهشت التشكيليين الأوربيين ومنها معرض الرسوم اليابانية باريس والذي أثرّ تأثيرا كبيراً في الانطباعيين المقيمين في فرنسا وألهمت تقنيته الرسام الكبير فان كوخ الذي تركت فيه أسلوبه المميز اعتباراً من عام 1886، وأطلق على هذه المرحلة مرحلة التأثير الياباني حتى أنه رسم ثلاث لوحات يابانية.. وذلك موضوع آخر!

 

خالد جواد شبيل

.....................

*لسماع الأغنية:

www.youtube.com/watch?v=chawADnoFDng

الشاعرة الايرانية فرانغ فرغ خوردة

"أحسّ أني خسرت عمري كله، كان عليَّ أن أعرف أقل بكثير من خبرة السبعة والعشرين عاماً، لعلّ السبب يكمن في أن حياتي لم تكن مضيئة، فالحب، وزواجي المضحك في السادسة عشرة زلزلا أركان حياتي. على الدوام لم يكن لي مرشد، لم يربّني أحد فكرياً وروحياً. كل ما لدي هو مني، وكل ما لم أحصل عليه كان بمقدوري امتلاكه لولا انحرافي وعدم معرفتي لنفسي. عراقيل الحياة منعتني من الوصول.. أريد أن‏ أبدأ...‏ سيئاتي لم تكن لسوء في صميمي، لكن بسبب إحساسي اللا متناهي بعمل الخير...‏"

   كانت هذه احدى الرسائل التي تبادلتها فروغ مع صديقها المقرب القاص إبراهيم الكلستاني.

ومن تلكم الكلمات تبدو فروغ بحلتها النفسية الخجلة والمتصوفة الزاهدة كما دأب الكثير من الادباء الإيرانيين وهو استحضار النبرة الصوفية في المواضيع المتداولة ادبيا . غير أن التصديق على هذا القول لن يمنعنا من النظر إلى تعاطي الشاعرة مع العرفان نظرة مختلفة يمليها اختلاف هذا التعاطي ذاته. فبمقايسة نصوصها مع نصوص شاعر كبير آخر هو (سهراب سبهري)، نجد أن هذا الأخير ساع إلى استخلاص شفافية عرفانية محضة وبثّها في ثنايا القول الشعري والتنويع عليه، الأمر الذي جعل من هذه الشفافية ملازمة لشعره كما في قصيدته (المسافر) أو قصيدته (صوت قدم الماء) كمثال.‏

أما لدى فروغ فرخ زاد فإن هذه الرؤية الصوفية قد قُيّضَ لها أن تصل مختلطة بالمادة، غير صافية، فهي محتفلة بامتزاجها مع شوائب وكدورة عناصر العالم (الماء والتراب والهواء والنار) بل هي سمّتْ ذلك صراحة في كثير من قصائدها، كقصيدة (على التراب):-‏

أبداً لم أكن منفصلة عن الأرض‏

لم أتعرفْ إلى النجمة.‏

على التراب وقفتُ بقامتي‏

مثل ساق نبتة‏

تمتص الهواء والشمس والماء‏

لتحيا.‏

حبلى من الرغائب‏

حبلى من الألم‏

أقف على الأرض‏

لأمتدح النجوم.‏

لعل اصطلاح (تصوف مادي) هو الأنسب لتوصيف شعر فروغ، فمن خلال هذه النبرة المترعة بتسام صوفي لا يخفى، نلحظ الرغبة الجسدية كأوضح ما تكون، نرى انشغالاً ممتعا أيروسياً في سائر نصوصها، كأنما طمحت بذلك إلى إنشاء مسافة توتر متبناة في عمقها على تناوب هذين المبدأين. رغم ذلك الا انه لا يمكن تسمية شعر فروغ فرخ زاد تحت عنوان رئيسي اوحد دون الابتلاء ءبالتناقض كما هو شعرها ففيه من التأمل واستحضار اراضي الطفولة واستذكارها مع نبرة هيام بكل معنى العشق اذ يبتلى به القلب شعرا او ميول .فكما امتهنت أدمان اليأس الا ان الولع بالأمل كان جليا بين تلافيف كلماتها فما كانت تريد قوله كانت تحصنه بالصمت متفاخرا عن الكلام ولن يبتدئ بعد ذاك سوى الصمت او القول الدال علية كما في:

ما هو الصمت، ما هو يا حبيبي الأوحد‏

ما الصمت سوى كلام لم يُتكلّم به؟‏

أنا أتأخر عن الكلام.‏

ليس الموت وحده ما جعل فروغ تشعر بالعبث و اللا جدوى. ثمة مخاوف مجهولة كانت تسكنها، نابعة من الحياة نفسها ولا تني تنهشها من روحها فاقدة أية لحظة إيمان، مطلق إيمان سوى بالحب تستمدها منه، وبه تستقوي على المخاوف لنشهد في قصائدها ولادة جديدة لفروغ الطافحة بالنور والحيوية. وهي لا تفرّق في مشاعرها بين أشياء الطبيعة والحب والحبيب في وحدة متآلفة تسمح بقول الرغبات بالكامل وتسميتها بأسمائها ورؤيتها في الضوء الكاشف متعللة بالعشق الذي يبارك القول الصريح. وهي نادمة في آن لأنها لم تكن عاشقة منذ الأزل

وكشاعرة في أطوار قصائدها، لا تخشى ان تبدو غنائية إلى حد، من وحدة الحال بين الكلمة والغاية الإنشادية منها، ثم التأمل الذي يأتي كوقفات صمت بين السطور، هو المحضون دائما بحالة عشق الشاعرة الذي يُملي التأمل هذا أو الغنائية تلك، كما وينحاز في جرأة إلى ميول ورغائب يستدعيهما ذلك العشق:

 

(جسدي محموم من ملامسة يديك

ضفيرتي تنحل بأنفاسك

شفتاك الإحساس الدافئ بالوجود

ضعهما برفق على شفتي

كلما اقتربت شفة من شفتي

انعقدت نطفة في إحدى النجوم).

 

 

يمتاز شعرفروغ بالبساطة لأنه شعر أشياء حميمية تنبعث من أقاصي الطفولة، من تلك الأيام (أيام الانجذاب والحيرة، أيام كل ظلّ له سرّ، وكل علبة مغلقة كانت تخفي كنزاً).‏

 

اما عن حياه فروغ فرخزاد Forugh Farrokhzad)

فقد ولدت فروغ زاد سنة 1935 في طهران، وتزوجت في السابعة عشرة من عمرها، من رسام الكاريكاتير الإيراني برويز شابور وأنجبت منه ابنها الأوحد كاميار، لتنصرف إلى الشعر، وإلى علاقة عمرها الحميمة مع القاص الإيراني الشهير إبراهيم كلستاني بعد طلاقها من زوجها. أول دواوينها الشعرية كان بعنوان (أسير) ثم (حائط) ثم (عصيان) و(ولادة أخرى) كما صدر كتاب احتوى مختارات من شعرها. عملت فروغ إلى جانب ضخ الشعر، في إعداد وتصوير وتمثيل الأفلام منها (البحر) و(الخطوبة) و(الماء والحرارة) و(البيت الأسود) وسواها. كما عاشت حياتها القصيرة توفيت في عمر الثانية والثلاثين إثر حادث سير سفرا وشعرا وأفلاما، وكرّمها المخرج الإيطالي (برناردو برتولوجي) حين أنجز فيلما عنها مدته ربع ساعة. ومن الجدير بالذكر أن فروغ فرخزاد تبنت طفلاً اسمه "حسين" كان يعيش في المصحة مع والديه المجذومين بعد أن نجحت في الحصول على موافقتهما فعاش الطفل معها .وفى العام التالي 1342هـ.ش. نشرت ديوان "ميلاد جديد" والذي كان علامة في تاريخ الشعر الحديث بإيران.« قبل وفاتها، كتبت فرخزاد قصيدة لابنها كاميار الذي ربما علمت أنها لن تتمكّن من تربيته، بالإضافة إلى أنها حُرمت من حضانته بسبب طلاقها من قريبها الذي عشقته في السادسة عشرة من عمرها، وكانت نتيجة الغرام زواجاً «مضحكاً» كما عبّرت في رسالتها لصديقها ا(كلستاني).

«كان لحياة فروغ مرحلتان كما يقول والدها: "فعندما باشرت بتأليف الشعر شجعتها ولكن عندما تسبب الشعر في إثارة الضجيج حولها وكان يهزأ أركان حياتها العائلية كنت منزعجا، لأنني كنت أعتقد أن هذه الخطوة والطريق التي اختارتها ستكون سببا في تحطيم حياتها العائلية".

في إحدى مقالاتها كتبت "أخشى أن أموت أسرع مما أتوقع ولا أتمكن من إتمام أعمالي"، وجاء ذلك اليوم في 13 فبراير1967. اليوم الأخير في حياة الشاعرة فروغ فرخزاد. كان الشعر بالنسبة لفروغ النافذة التي تصلها بالوجود ومن خلالها تمعن النظر داخل ذاتها لذلك كانت تعتبره -أي الشعر- قطعة من الحياة لا يستطيع الانفصال عنها أو أن يكون خارج منطقة نفوذ المؤثرات التي تشكل حياة الناس المعنوية والمادية، كذلك يمكن النظر إليها بـ رؤية شاعرية بحتة. بل إن الشعر الذي لا يحفل بمحيطه وظروف ظهوره وتطوره لن يكون شعر ذات يوم. فارقت فرخزاد الحياة وهي في قمة إبداعها ولم تكن قد تجاوزت الثانية والثلاثين من عمرها إثر إصاباتٍ في الرأس في حادث سير في الرابع عشر من شباط فبينما كانت تحاول أن تتجنب عربةً قادمةً، اصطدمت بجدارٍ وانطرحت خارج سيارتها. ومن سخرية القدر هو أنّ هذه المرأة التي تجنبت الجدران وفرت منها طيلة عمرها قتلها في نهاية المطاف جدار.» ونشر لها بعد وفاتها قصيدة بعنوان "لنؤمن ببداية موسم البرد" وتعد أقوى القصائد في الشعر الفارسي الحديث:.

-

ترى هل سأمشّط جدائلي

في الريح ثانيةً

ترى هل سأزرع البنفسج

في الحدائق ثانيةً

وهل سأضع الشمعدانات

في السماء وراء النافذة

هل سأرقص فوق الكؤوس ثانيةً

وهل سيأخذني جرس الباب

مرّة أخرى إلى انتظار الصوت؟

قلت لأمي: "أخيراً انتهى

قلت دائماً قبل أن تظني أن حادثاً سيقع

يجب أن نبعث التعازي إلى الصحيفة..

 

بقلم/سميرة سلمان عبد الرسول

 

المجموعة الشعرية (انقذتني مني) للشاعر الكبير يحيى السماوي

goma abdulahميزة القوافي الشعرية لسيد الشعر السماوي، واسعة وشاملة وعميقة في تصويرها وتعبيراتها الايحائية، انها كالبحر العميق كلما توغلنا في اعماقه، انكشفت ابوابه وكنوزه ودرره السامقة في جمال العبارة الشعرية ونغماتها الموسيقية وترميزها الايحائي، النابضة بالحياة والعشق، والوجع الانساني وعذبات الواقع المريرة، والطاحنة التي تطحن الروح، ونكتشف بضوء المسلط والكاشف انحيازها المطلق الى الانسان المعذب والمحروم والمضطهد والشريد بلوعة الغربة والاغتراب، ويركز في عباراته الشعرية كل الادوات من التقنية الفنية والادبية، ليكون المشهد الشعري التصويري كامل الاوصاف في وسائله المتنوعة والمختلفة، ويتخذ من رصيد الواقع ينابيع تروي الضمأ والعطش، مما جعلته كالطير العاشق في سموات العشق والهيام، وكثير من الاحيان، يكون مكسور الجناح من لوعة الذات والواقع المرهق بالاضداد والتناقضات الغريبة والعجيبة، وفي هذا الديوان الشعري (انقذتني مني) يفتح انوار القلب وتجلياته روحه، ويبوح باسرارها بما يحمل من مكونات عاطفية تخفق وتحلق في خيال ورؤى هذا العاشق السومري . قد يوحي عنوان الديوان الشعري بالتساؤل الغريب، هو كيف ننقذ ارواحنا من انفسنا؟ وهل هناك ازمة بين الواقع والذات؟ وهل هناك ورطة او عتمة في سماء الشاعر؟ وهل هناك مرارة بطعم الحنظل؟ او هل هناك اخفاقات مريرية في العشق والهيام؟ ونظل نلوك السؤال والتساؤل، ولكن الشيء الجميل لم يتركنا في عاصفة التيه والسؤال، بان يعطينا مفتاح باب اسراره وارهاصاته وخوالجه، لنكتشف ان دائرة العشق المتعددة الاطراف، يتنفس من خلالها، حتى لايكون جسد بلا روح، ويغمرنا بحريق العشق والاشتياق، مما يجعلنا نكسر الرتابة والجمود والاستنساخ، ونلهث وراء العطش العشقي، وبقلب يسبح بلوعة الموجع في مفرداته المتكونة، التي شملت وحتوت هذه المجموعة الشعرية، والمكونة بصياغات تعبيرية رشيدة كاملة السمو والاغراض والجمال، وتسبح في الفضاءات الشعرية الواسعة، في العلاقة الحميمية الوثيقة بين الذات والعام،هي:

1 - العشق في دائرة الحب والهيام: زاخرة بالصور الشعرية، التي تحمل اطياف عريضة من الاحلام والتصور والايحاء، في صميمية العاشق، الذي يسعى الى ارتوى الذات من عطش الواقع والعاصف في العشق، النازف في الاعماق، في صور مرسومة بريشة فنان قدير، بحياة نابضة في كل خلية منها، وتتكون من:

- جلالة العشق: تتكامل صورها التعبيرية والايحائية لتختزل عواصف العشق، في ترتيل كأننا في معبد الرهبة، بان يبيع روحه من اجل ان يكون منديل عشق يليق بجرح حلاج جديد

سأبيع كلي

بالقليل منْ يشتري قلبي بمنديل

يليق بجرح " حلاج " جديد

ناسكِ الأثام . .

رآهُ في حمى التجهد

سلسبيل؟ ص15

او رسم الحياة مفتونة بفعل (البكاء) وعليه رسم خريطة الحياة

تبكين . .

يبكي الماء . .

يبكي الشعر . .

يبكي العندليب . .

وتستحي من عطرها الازهار

وتطردني الحدائق والحقول . .

ويعلن الاضراب عن تحليق سرب الحمام ص41

أو انها في حضرة المعبود تهون كل الاشياء، وينزال العجب والغرابة

لهما فمي عبد ولا عجب

ان يفتدي المعبود عبدهما

لولا الحرام لأشركت شفتي

بهما الذي يُحيي رميمهما ص31

- الضمأ الى الشفاه: ترددت مفردة الشفاه او ثغري او ثغركِ 36 مرة وهذا يدل على العطش بطعم الاحتراق، لكن يأخذنا في حالات ساحرة وخلابة من الارتوى، الى حد الذهول من الارتشاف عطره وضوئه المحترق

شفتاك قنديلان . . ضوؤهما

عطرودفء . . فالذهولُ هما

إني سكرت وقد رأيتهما

رسماً فكيف وقد لثمهما؟ ص29

او انها تعقد القران حتى تشبع من الارتوى

ثغران قد عقدا قرانهما في اللثمم بحريق النجوى والزعل، او في رضاب قديسة

فاللثم والنجوى صداقُهما

يتقاذفان اللثم إن زعلا

أو يشتكي صمتاً حديثهما

قديسة الشفتين جف دمي

لو مسدت شفتايَ غيرهما !

ثغري بتولي الهوى فاذا

صلى ف " زمزمه " زفيرهما ص34

- عشق الحلم: الحلم مرتبط بالعشق حتى يكون (رغيف حلم في صحن اليقظة) . لذلك لا يمكن فصلهما، كأن بمثابة ترك العشب الاخضر دون ارتوى ماء، او اسكات الحياة بالجفاف، لذا فان كنز العاشق هو الحلم المفروش في النور

تبكين . .

تشتعل الحرائق . .

أستغيث بماء عفوكِ . .

تضحكين

فتخشع الاوتار في محراب حنجرتي . . ص42

او في ارتشاف ليروي وحش الطمع

معك المكحلة البلور . .

والتنور . .

والارض . .

وما يملأ أحداقي فلا تبصرُ إلآكِ . .

وما يقتلُ في عيني

وحش الطمع ص69

- حالات الشك: ضمن لهيب العشق تنتاب الروح بعض نوازع الشك والظنون

أشك

ان يصلح - مثل العشق - ما أفسده العطار

والسنون !

أشك ان يوجد مثلي عاقل

آمنَ أن وردة الحكمة

لا يمكن ان تضوع بالعبير

ما لم تنهل من كوثر الجنون ص82

او الشك بان يكون قديساً اذا لم يرتكب خطيئة التفاحة

أشك ان اكون قديساً

إذا لم ارتكب

معصية اقتطاف تفاحة فردوسكِ

وارتشاف خمر ’ تين ’ بستانكِ والزيتون ص82

ثم في النهاية يطلب الغفران من الله عن خطيئة الظنون

أشك

ان يغفر لي الله خطيئاتي

إذا لم اتخذ منكِ يقيناً

يدرأ الظنون ص83

- حالات الزهد: ما الغاية والحاجة للعاشق السومري بالكنوز، يكفي شروق الشمس وميلاد جديد

ما حاجتي لكنوز " قارون "

ومخدع " شهريار "

وملك " هورن الرشيد "؟

ما دامتِ في قلبي فكل شروق شمس

بدء ميلاد للشريد السومري . . ص86

- حالات شاذة: او قد نقع في مطبات المحبة والطيبة، لتزهق الروح بحريق الخيانة والدناءة والخساسة، من كانوا في القلب بالصداقة والمحبة بحفظ الامانة والوعد من صديق يحسب انه صدوق، فحين عائد العاشق السومري الى النهر بعد غياب طويل اصطدم بفاجعة الخيانة من (صدوق) فقد شفط بخسة . البيت والمكتبة والبستان والمخطوطات الشعرية، لذلك ظل هذا الفعل الشائن يحز في الروح والنفس من هذا الصديق الخائن

حالي كحالك:

لم يخُني النهرُ

لكن

خانني " نذل " بفردوسي

وبستاني الظليل ص65

2 - عشق البحر: هذا التجاذب والتناغم الثنائي والالفة العشقية الفياضة بالبحر، الى درجة الهيام والتسامر الشفيف والصداقة الحميمة مع البحر، تركت بصماتها الواضحة على روح الشاعر، بحيث كرر لفظة البحر ومايشبهها 30 مرة، وهذا يدل على عمق الالفة الوثيقة، التي تفوح وتحلق مع رضاب امواج البحر، في المفردات التالية:

المسامرة مع البحر: خيط متشابك ومتماسك بالصلة بين الطرفين، في مودة نادرة في طعمها

أسحب الخيط . .

أعيد الطعم . .

أرميه الى البحر . .

واحسو رشفة من قهوتي المرة . .

تبدو لي محلاة بطعم التوت !

أحسو رشفة أخرى . . ص23

أو صداقة حميمة في التلاقي في االانطباع الشفاف

لصديقي البحر بعض من طباعي

كاصخابي

حينما يطحنني الشوق

إلى ذات الجلال

وله مثلي عناد الطفل

لا يرضى بغير القمر النائي حصاناً

موجهُ يسخر من صخر المحال ص25

او حين يصطاد قصيدة في صنارة البحر .

أرفع الصنارة الآن . .

أجر الخيط . .

صيدي اليوم في البحر

قصيدة

3 - عشق النخلة، وهي رمز للعراق، وقد ترددت مفردة النخلة 14 مرة، وهذا يدل الى الحنين والى الاصل، الى النخلة العراقية المعصومة

نخلتي المعصومة الاعذاق

سري بات جهرا . .

فاكتمي جهري الذي أصبح

سري ص71

او الاسراف في الحب والشوق

ايها المسرف

في حب الفراشاتِ

وعشق النخلة المعصومة الاعذاق

والموغل

في تمجيد عطر الزنبقة ص119

4 - عشق التنور: هذا الخافق بالحنين والاشتياق، يجعله سلم للشوق والهيام في مشتهى عشقي ملتهب بالعواطف والمشاعر، في شبق عشقي، لذلك تكررت مفردة النخلة 12 مرة، ليكفي الى التهاب الحنين الى التنور والخبز الحار الشبقي .

هيأتُ

ما يكفي من الحطب

اسجري التنور

بي جوع لخبزكِ . .

واسقيني

كأسين من قُبل . .

وزقاً

من ندى زهر القرنفل . ص49

او الشوق المحرم بنار التنور، لتطهيره من الذنوب

هيأتُ

للتنور أمسي فاحرقيهِ

وطهريني

من ذنوب لذاذةِ الحرام . ص52

او العاشقة التي تحلم وراء الافق

إلآ التي تغفو وراء الافقِ

تحلم بالرغيف السومري

وما تبلُ بهِ الغليل . ص63

5 - الاباحة العشقية: التي تطوف في السمو العاشق المفتون بالحب والجمال، كالطائر الذي يزغرد بين الازهار بصدق احاسيس القلب . او كما يقول (برأيي الشعر الايروتيكي، انه شعر صادق وحميم)×، ولكن دون اسفاف او ابتذل او وحشية غريزية، بل يطلق له العنان ليحلق كملاك عشقي (عشقائيل) يرتشف من رحيق الضمأ والعطش، في قدسية (اباحية) كأنه في معبد الرهبة والصلاة .

فسرت في جسدي الرعشة . .

حاولت قياماً . .

فتعثرت بظلي !

لست أدري: أمن الرهبة؟

أم من خجلي؟ . ص9

او في الشبق الملتهب بالنار الذي ينتظر الامطار

كلينا شبق:

الصحراء للامطار

والمرود للكحل

أو الناعور للبئر . .

كلانا الآن

شيء واحد يختزل الاشياء في الكون !

أو اللاشيء إن مرت علينا

ليلة واحدة

دون ارتشاف النبع والنهر . ص10

6 - الارهاب العشقي: في اعادة صياغة الارهاب المفتون بالعشق والجمال . كرد فعل انساني، على الارهاب المتطرف الوحشي، الذي يحصد الابرياء في الذبح او في المتفجرات، لهدر الحياة الانسانية بوحشية الذئاب، هنا الارهاب العشقي يتخذ منحى انساني في روحه وجماليته، وان يكون امنية للروح العاطشة بفياض الحب والهيام والقبل

أين الهروب؟

جميع ابواب النجاة من انفجاري

مقفلة !

فخخت بالقبلات ثغري . .

وارتديت حزام شوقي . .

يا التي

أضحت لبساتني الربيع السومري

وجدوله

وصنعت من عطشي لمائكِ

قنبلة ! . ص46

7 - الفتاوى: كنقيض لنفايات وازبال وقمامة فتاوى الارهاب وجهاد النكاح، بالغريزة الجنسية الوحشية بهووس المجنون من الادعياء المعتوهين باسم الدين، وقتل وانتهاك حرمة وكرامة المرأة باسم الله، هنا نملك فتاوى عشقية مؤطرة بالعشق والجمال والانسانية، التي تسمو في القلب نوازعها العشقية، وترفع الحواجز المتهورة والمبتذلة، لتكون حياة ربيع عشقي زاهر، بما يطمح له الجمال والقلب .

في العشق

لا فتوى تطاع سوى فتاوى القلب . .

لا فتوى الخليفة والقبيلة

والامام

ولا فتوى إلا للحلم، وان يكون الحب خبز الجميع

إلآ لأحلم بالغد المأمول

حيثُ الحب خبز للجميع

فلا مضيم في المدينة

أو مضام

أو نعم لفتاوى بالعشق الحلال، كصفعة لهؤلاء المعتوهين بفتاوى المحرمات

العشق خمرتنا الحلال . .

وغمزهم

كأس ومائدة حرام . ص104

8 - الانتماء الى كل الاديان: اتخاذ منصة الاديان لمواصلة قطار العشق والحب والهيام، وهذا الانتماء الجمعي للاديان، يكتسب صفة انسانية صافية، في التعامل بالاديان بالسوسية للجميع، ولاشك هنا تلعب دور الثقافة والمعين الثقافي والفكري الواسع والعميق، في استغلال الاديان بشكل رائع، كأنها واحة ازهار عشقية، نستل منها ازهار العشق، وان غزارة المعرفة بالموروث الديني، يجعله يصب لصالح الجمال والروعة الانسانية،

ففي اشارة الى عصا موسى التي شقت البحر لانقاذ شعبه

ما أذكره أن حريقاً بارد النيران

شق البحر . .

صار الموج عشباً . ص6

او اشارة الى سورة عمرن في قصة صلب السيد المسيح (وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم)

طلعت من بينهِ حورية

تلبس فستاناً من الورد

عليها هالة ضوئية . .

أو ربما شبه لي . ص6

او اشارة الى سورة يوسف (غلقت الابواب وقالت هيت لك)

صرخت بي: هيت لك

فاخلع قميصاً

إنك الان بخدري !

فالتحفني إن تكن بردان . .

مص التوت لو تعطش

واطحن سنبلي . ص8

9 - عشق الوطن وعذاب الغربة والاغتراب: هذا الجرح النازف في القلب، وهذه جمرة النار التي تشتعل في الصدور، بفراق الوطن، الذي يلهب هذا الفراق بالعشق والحنين، وفي لوعة عذاب الغربة والاغتراب، الذي ينبض في القلب، في رحيق الهيام للوطن البعيد .

أيشيخ ماء البحر

والاقمار

والوطن العزيز؟

او ليس أقدمها أعز

من الجديدات الكنوز؟ . ص37

او النوم على ضفاف شاطئ الوطن البعيد

نام الشاطئ العطشان . .

ها انذا وحيد كالعراق . .

ومثل بادية السماوة

لا الغدير تروده الغزلان

والشجر الظليل . ص62

او القناعة بالقليل من بيدر الوطن يكفي لشريد السومري ان ينتظر الربيع

فالسومري ونخلة الله الغريبة

يقنعان من البيادر بالقليل

يا طفلي المجنون - قالت - اي خدر

مثل هذا الزورق المهجور

يغويني لإيقاظ الينابيع التبشر بالفسيل

فالبس ربيعي

والتحفني ايها الوعد الجميل . ص64

او في عذاب الغربة

فرح القلب جديد

وقديم قدم النخل واحزان المنافي

فزعي !

وكذلك في جمرة المنافي

في دمي جمر المنافي ..

والفراتان وفيء النخل

فيك . ص105

ديوان (انقذتني مني) للشاعر الكبير يحيى السماوي . صدر عن مؤسسة المثقف في سدني - استراليا، ودار تموز للنشر والطباعة - سوريا، ويحتوي الديوان على 27 قصيدة .

× في حوار مع الشاعر في المثقف

 

جمعة عبدالله

(القراءة في الزمن) .. المجموعة الشعرية لقاسم محمد مجيد: حياة قاحلة

729-hayatقد تواجه القصيدة الحديثة في بنائها الخارجي تحديات كبيرة وكثيرة لانها امتداد لإستبطان عوالم الشاعر الداخلية ومقصلته التي يجدها دائما بين حروفه وهو في حضرتها ينزف شعرا وإبداعا لترى ما قدرته على انجاب نص يتلائم مع تلك الانفعالات وهذا البعد الخلاق في انثيالات الطاقة الشعرية والمقدر توظيفها على نحو يشد المتلقي بتوهجاتها .

ان القصيدة المعاصرة هي التزام ذاتي ومبنى عمودي يتفاعل مع كونيات الوجود ومعرفة أكثر الطرق والدراية في خلق مديات كبيرة تشع بالتفاعل في معادلة غير متكافئة يخلق منها الشاعر طرقا وهدايتها الى الوجود الحق المنشود بأسلوبية تخترق ذهنية المتلقي، وافقي ــ ذاتي باحث عن الأنا في غور كبير يسمى النفس الانسانية وتقسيماتها، وهذا كله يحدث في البناء اولا وفي العقل الذي ينتج ذلك التدفق في الإيحاءات اللغوية ومخزونها التراكمي، وهي خلاصة مدركات الشاعر ورؤيته لهذا العالم .

ونحن فبالنا مجموعة شعرية للشاعر العراقي قاسم محمد مجيد الموسومة بـ (حياة قاحلة) والمكونة من ثلاثين نصا، قد بين الشاعر فيها الكثير من المفاهيم الحياتية برؤية عصرية ولغة مكثفة لإظهار المجموعة وهي تتناول جوانب اجتماعية ونفسية تتفاعل مع الواقع الذي يرفضه الشاعر وبيان لما آلت اليه الأمور في ظل منظومة الوجود المتغيرة، وما حل بوطنه الذي خسر الكثير وما زال يخسر . فكانت الإيحائية حاضرة في نصوصه تتجلى من معالم الصورة الشعرية والبيانية ومن خلال سياقات نبضية وانفعالات منتجة مستوحاة من ضمير الشارع، فتراها قريبة الى سبر الاغوار .

ارتأينا ان نتحدث عن معالم نصوصه عن طريق جزيئية سنتعرض اليها ألا وهي الزمن لغرض التعريف بها في هذه المجموعة، وكما يلي:

1 ــ زمنية البوح والإضمار: ليس هنالك من شاعر يغفل عنصر الزمن في كتاباته، فهو المحرك للإحداث والباني لدرامية النص، اذ لا نص بلا زمن، ففي عتبة النص الاول يستجلي المتلقي تلك الزمنية المفتوحة (الوقت يلبس قميص مهرج) ويتساءل (المتلقي) اي وقت هذا ؟ ليجيب بأكثر من اجابة، لا شك انه الزمن الذي حول الامنيات الى حلم ابعد مما كان عليه فانطلقت رؤى جديدة ورُكِنَ كل شيء ليستحضر الجديد من المضمر بحزن تلك النغمات، كما في نصه الاول (الوقت يلبس قميص مهرج)/ عندما تتقدم الدبابات / نسمع أنات الريح / في مفترق الطرق / وعازف ناي / يطلق النغمات من بين اصابعه الباردة / لكنه سرعان ما يعود ليؤكد بتكرار خفي وزمنية معلنة انه فقد ارادته / في الايام التي لا تمسك بها الذاكرة / احس ان يدا وهمية / تكتب / على اللوح / آخر أمسيات النسيان /

2 ــ رمزية الزمن: في النص الثاني ترى الزمن هو عنصر المفاجأ، يدور بين فلكين، احدهما ساكن وهو خارج ارادة الشاعر من حيث تعطيل الديناميكة لخلق معطيات جديدة، غير محتكم به وفي المجموعة الكثير منه، والثاني تلك الفترة الضيقة التي لا تساوي في الحسابات اي معول، ودلالته القرار، نقرأ ذلك في هذا النص (انه صندوق فارغ) / العالم اقفل ابوابه بوجهه / وان الزمن / بقي له قصير / ويمضي سريعا

3729-hayatــ التوليفة الزمنية: يختزل الشاعر زمنه التوليفي واقصد جانب التشوق بذكريات وتراكمات متشابه وكأن الزمن في توليفته لا يتحرك وحضوره لا يشكل سوى استذكار المزيد من رسم الصور المؤلمة التي لا تتفاعل في تغيير واقعها وبقيت ذكريات حاضرة، ففي نص للشاعر قاسم محمد مجيد (عباءة أمي) ترى تلك المظاهر / تنام بين كدس من الاوراق / شهادته المدرسية / كلما يقرأها / يسمع دقات جرس المدرسة / وصفعات معلمة درس الدين / ودائما / من اعلى بنايات الذاكرة / اسقط / بمظلة لم تفتح /...

4 ــ السياقية الزمنية: إن صراع الاستكشاف،والأبداع والقصيدة المعاصرة تحي للشاعر وسباق به يحدث الشاعر كل افكاره وينحت اكثر في وعورة الطريق المتشظي في كل مرافق ابداعها، وسياقتها المتعددة الاطلاق بشتى المفاهيم، وحينما يتوجه الشاعر بالزمن عليه ان يجد له مخرجا واعيا ويعرف كيف يتحم بناصيته الخطيرة، لانه يتكيف مع اداة تخلق من النص كل مقومات الابداعية وتسلسل احداثه، وقاسم محمد مجيد كان حذرا في توظيف تلك المفردة في نشاطه الشعري حينما اراد ان يجعل من الزمنية خطابا ومفهوما لصلطته الجامحة بعد الترويض كما حصل مع نصه (إعلان عن قلم أحمر شفاه) الذي جعل الاضمار خير وسيلة للترويض وترك مساحة للمتلقي ليجد ضالته في التأمل والسياحة / كل شيء هاديء / حتى تنفس .... النهر الواهن / وهو يتأرجح... بين يدي الشاطيء / ويكرر الجملة الشعرية (كل شيء هاديء) اربع مرات وهو من الظواهر الأسلوبية اللافتة في الشعر على ماتقدم نجد أن للتكرار دوراً دلالياً كبيراً في عملية البناء الفني للقصيدة ؛ حيث يوظفه الشاعر لدواعٍ نفسية وفنية ذات كثافة إيحائية عالية في التعبير والدلالة المتجددة

5 ــ التناص في الزمن: قد يتوهم البعض بان التناص هو من السرقات، وهذا ايهام توضح بطلانه مسيرة الادب الانساني، والقلة من اشاع مفهوم السرقة ان النصوص تلد بعلاقات لغوية، ترادفية، صورية....قائمة على التفاعل مع بعضها، لها طابع ايحائي وايقاع متشابه في النفس مختلف في الشاعرية، بمعنى آخر أنك تقرأ نصا ادبيا فتتربع على سنام المفردات التي تنهال على الذاكرة الشعرية لتنتج وتبدع وهكذا الاقتباس والتضمين، واسماء الاشخاص، والاماكن والاساطير والمدلولات اللغوية وغير اللغوية، في نصوص الشاعر قاسم محمد مجيد تقنية عالية من الالتزام في الكتابة، ينفتح على عوالم اخرى ليؤكد ان البوح لا يقف عند منطقة شعرية وانما يتجول على مساحة النص فهو حينما يُضمنُ في نصوصه يجعل له مخرجا عن طريق التناص الخاص به ليجعل وجه المقارنة قبالة المتلقي نوع من الاستفهام بين زمنين في مكان واحد، غائب مستحضر وحاضر غائب وايجاد دلالات جديدة تضاف الى النص لتقويته كما في (جواب الحطاب بلا ألقاب) حيث التضمين / أدفعاً لأشتباه العشب صنع القدماء للثيران اجنحة / وفي تضمين آخر يقول الشاعر: / جنود من تنك /

6 ــ الأزمنة الضائعة: يتجسد هذا الكلام في تحويل الزمن الى مادة فعلية لها مدركات حسية على ارض الواقع وتتحول الى حياة في مكان آخر، فالشاعر لا يقصد من الزمن مكوناته بل فعله الوجودي والتجسيد صورة من صور الاستعارة البلاغية التي تتوافر في هذا النص (أمام نافذة) على نحو بَينٍ كقوله: / لم يعد عراقيا منذ زمن / هكذا قال لي / صديقي المهاجر / لقد أحسست بضالتنا / حين ...جاءت الحرب من وراء المحيط / والعالم الهمجي .....يترنح في رزنامة أيامه /

7 ــ القطافية الزمنية: للزمن حضور دائم في الكونيات وله بداية ونهاية، الا ان في لغة الشاعر له مفاهيم مفصلية لا نجدها في البناء الصيروري له، لانه يكون منتج فكري جديد تتداخل فيه اللانمطية والاستحالة الى زمنيات متعددة جديدة ومنها يبني الشاعر قاسم محمد مجيد نصه الأتي (أخي الشهيد) بأدق الدلالة من الدال الآتي / ولا نحصل / إلا شريط اسود / معلق على صورة /

8 ــ المجانية الزمنية: يفهم من المجانية انها اللازمنية، بمعنى ان الزمنية في النص الشعري المعاصر لا يستوعبها زمن مطلق معين بذاته لانه (النص) يتركب من دلالات متغيرة تبعا لاحداثه، وتكون القصيدة برمتها ذات دلالة مفتوحة وان كانت بتراكيب لها دلالة خاصة عند الشاعر، يمكن أن تفهم على مستويات عدة، فمنها تساؤلية بمقدار الحصر الخاص في الحدث المعلن وهو الامر الملحوظ في كل من النصوص الاتية (الى جابر محمد جابر) حيث يقول: / صديقي / لم أحاط بنا / ليل يبدو ابديا /والنص (اليوم الثاني في الغربة) يقول الشاعر: اليوم الذي مر/ لم يغرز انيابه فينا / فيتساءل الشاعر / اصدقائي الذين اتذكرهم الآن / ما مصيرهم بدوني / ويقول في النص نفسه: / لكن اليوم الذي مر غريبا / ولا سحب تشبه قاربا / ونوارس تطير فوق حافة الجرف / أو صحبة في شارع الكتب / اليوم الذي مر / يتمايل في وجه شقائي / يريد ان يخبرني شيء / وفي نص آخر (تذكرة) / ثمة ليل في رأسي / لم يعد فيه وقت للسلم / يقول الشاعر قاسم محمد مجيد في نص آخر (بقلم رصاص) / حبيبه عمره / حين التقيا بعد سنين / لم تكن سوى/ سنبلة مغروسة / في قلب مهجور / وفي نص (حياة قاحلة) الذي هو عتبة المجموعة، لم يقل الشاعر حياتي قاحلة ليتجنب الاطلاق المنافي للمجانية وانما ترك المفهوم دلالة متعددة / الريح تلاعب طائراتنا الورقية / والخيوط تشتمنا / في الشتاء الذي هيج البحر / كي يفتح سحاب فمه / ويدخل في سراويل الايام /

9 ــ الادعاء في التعددية: إن قاسم محمد مجيد رسم لنا التعددية بمنهاج جديد فجعل من مفصليها الساكن والمتحرك(الليل والنهار) اخيلة من الدلالات يتصورها أي قاريء حين يدخل في الزمنين دلالة واحدة وقلب الذات الى منظومة زمنية كلها، وبه يبدأ الشاعر يمارس تأثيرا على نفسية المتلقي، بهدف إثارة كوامن وعمق التصورات البشرية واظهار استبطانها / سأدعي / إن لا اوقات فراغ لدي .. تصلح للحب / وأن لا منحة قادمة / ثم يقول: / وان نهاراتنا .. حية / ويقول: / بل /استعد/ لجولة اخرى/ في الزمن الذي يمر/ مثل/ عانس قلقة/ على السرير وحيدة / .

النص الشعري عموما هو حركة مستمرة في الانتاج وهذه الحركة لها مداخل مخارج وتنوعات ومركز تجدد يتمثل في وضع التراكيب موضعها الصحيح فوجدنا ان للحركة وهي الزمن قد تواجدت في تكثيف الافعال سيما الفعل المستقبلي والحالي الذي يطغي على بقية الأفعال لانه مركز الزمن في بنية اللغة الذي يحدد مسارات النص وكونه في السلم التسلسلي قد حصل بعضه او كليته، او لم يحصل كقراءة غير فعلية تعتمد بياناتها على الشاعر ذاته ومدى قدرته على التحليل لقوة الفعل، وكما نلحظه في النصوص الاتية أ ــ صديقي القلق: / دائما نسير معا / ويبدأ خط وهمي بالتصاعد / وفي النص نفسه / وتنشر على تخوم الخواء / شراعك / وتترك / فراغات خطرة / ويقول في النص نفسه / / تغفو نصف اغفاءة /ب ــ علي حسون لعيبي: الليلة / قلبي / يخفق بقوة / مثل قارع طبل / يهز رأسه مع كل ضربة / وفي النص نفس / والسماء تصير بحجم الكف /

ج ــ عشرة في عشرة: / ومن مخزن الحاجيات القديمة / تنطلق أول رحلة / لأن الغبار يملأ البلاد /

د ــ صورة للظلام: / ظن ان الحرب انتهت ! / ولا تجوال بعد / في ظلام بارد / ولا يتحدث بالترهات للهواء / تحت صنوبرة هرمة / او يقلب من البوم / صورا /

ان قاسم محمد مجيد وضع في مجموعته القيمة الزمنية بلغات مختلفة منها ما هو (حزين صامت) لا قيمة لاستنطاقه ومنه الكثير كما في قصيدة (أبي) حيث يقول / وحين الزمن / صمت بغتة / حاولت ان استكشف خارطة الوقت / مثل اعمى تطرق عصاه / والنص الموسوم (لا ... وقت للندم) / ان الارض واقفة على قرن ثور / وفي نص (برقية) نقرأ / زمن الرسائل الشفوية / أو الانتظار لنظرة / ونص (صديقي البردي)/ زمني الواقف كتمثال روماني منحوت في جدار / حمل اسمال الروح / في سكرة اللون الواحد / وفي نص له (ليس ثمة) يقول / كم من السنين اضعت في هذا التيه ! /

ومنها ما هو (حزين متحرك) لا دلالة له، والذي نجده في نصه الموسوم (عدنان الفضلي) / أيتها الحياة / لكن ! /صوتك أقرب / الى الحزن الذي يتعذر نفيه / وفي نص آخر له إسمه (متى نتكلم عن موتانا) يقول / منذ / صرنا خارجين .. من ذاكرة الله / والوقت / ليس تعاقب الايام / بل دوران أبله / أما في النص (من سيرة عام السبي) / هنا /اين ؟ /في مكان ما في البلاد ! / حدث في موسم تنزيلات الصيف / حين صار الناس / / المحشورين في الجبال / كبضاعة مكدسة في المخازن /

 

محمد شنيشل الربيعي

"الذاكرة المستعادة" بين الوطن الحلم وحلم الكتابة

730-hikayaقراءة في رواية "الحكاية الأخيرة" لمؤلفها الكاتب والفنان عبد الحفيظ مديوني

 

1 // تقول الحكاية:

كان يا ما كان:

في بلدة "ما" من أرض الله الواسعة، إمارة حباها الله بالرجال والعقول النيرة، والناس راضون، والقضاة والمستشارون في أسعد حال. رغم ما كان عليه واليها من قوة شكيمة وصرامة واستفراد بالرأي، فالكل كان يغض الطرف على هناته في الحكم ومجافاته للعدل، اعترافا له بالفضل، إذ أخرج البلدة من الفوضى والاضطراب وحقق لها الاستقرار وصان وحدتها من الانهيار.

ولكن لأن النعيم لا يدوم، ولأن كل جنة فوق الأرض إلى زوال، فالبلدة كانت تحمل في أحشائها سبب انقلابها من حال إلى حال.

فقد كان للوالي ولدان، وصبية كالبرعم لم تخرج بعد من الأكمام، الأول من الولدين متعنت عنيد صلف جلف، متعجرف و مستبد سفيه، والثاني لا يختلف عنه في شيء غير أنه خائب خامل الذكر، ثم إن الاستبداد والتهتك والسفاهة كما هو مقرر ومعلوم وجهان للتطرف نفسه وسمات مرضية للطغيان الذي يتجاوز كل حد إذا مكنت له الصولة والسلطة التحكمَ في الرقاب ـ فلا على شماله وجد الوالي من يُعَوِّل عليه ولا على يمينه وجد من يحفظ مجده ـ وقد كان نسل الوالي وحظه السيء من حيث لا يدري السبب في هلاكه، ذلك أنه اكتشف في لحظة لم يخطر له على البال أن يعيشها، أن درته المصونة في القصر، قد عبث بشرفها عابث، وفي سورة الغضب أو المفاجأة تعثرت قدمه في أذيال قدره فسقط من سلم الحياة ليدون اسمه الجليل في سجل الأموات. فتولى الفتى الأرعن المستبد السلطة بعده، فشرد من شرد وقتل من قتل وانتهك الأعراض و قطع الأرزاق والأعناق مبتدئا بالمقربين من والده المأسوف عليه. وعلى رأس المقربين قاضي المدينة "فيصل" الذي سيفر بجلده وأهله، فيضرب في البلاد عرضا حتى يوافي أرضا خلاء بيضاء عفراء، هناك سيقيم إمارته على أساس الحكمة والعقل، ويضرب السكة ويرفع البيرق ويحدث المؤسسات، وينشئ الإدارة ويقيم كيان الدولة.

دولتان بلغة اليوم وإمارتان بلغة الأمس.

المهم، بلدتان على وجه النقيض الواحدة منهما مع الأخرى.

هناك في "ذات النجدين" من أرض ميسان الحكم الغاشم الجديد، وهنا في "عفراء" الحكم الرشيد.

هناك الغصب والإجبار، وهنا الانتخاب والاختيار.

بلدتان فوق الأرض نفسها، واحدة للجور والتنكيل والعسف، والأخرى للإنصاف والعدل.

واحدة واقعٌ مر وسجن، والأخرى حلمٌ حر وخلاص.

باختصار: (حكم ديكتاتوري يرزح تحته الجند والتجار والولاة والقضاة وعامة الناس، و حكم ديمقراطي ينعم في ظله الجميع بحرية الاختيار وحرية التنقل وحرية العيش).

 

* جنة وجحيم.

وبين البلدتين تُنسج قصص وتُحَل أخرى، هنا أو هناك أو في ما بينهما. قصص تشد الأنفاس وتغري بالمتابعة، وتدعو إلى لتأمل والاعتبار، فيها الوفاء للصحبة و فيها الحب الصعب المستحيل، والغدر القاتل، والاغتيال الأثيم، و فيها الصداقة والتضحية والفداء، وفيها الطمع والسفه والعناد، وفيها الشجاعة والحكمة، والفكر والتأمل والتدبر، فيها إذن كل ما يصنع رواية تستحق أن تحظى بما يليق بها من مكانة في سجل المحكيات المغربية والعربية.

هذا هو الوجه الأول للرواية: هذه قصتها.

 

2 // ثم تقول الكتابة:

كان حتى كان، فوق أرض غير تلك الأرض، وفي وقت لعله هذا الوقت الذي نحن فيه الآن، كان أن كاتبا "ما " قرر بعد أن أجال النظر في الأحوال والناس وفي التاريخ والنفسيات، وأدام الضرب في تضاريس الأهواء والاختلاء مفكرا في النزوعات البشرية بمختلف مظاهرها ـ المضمرة الخفية و المعلنة الجلية ـ قرر أن يكتب روايته، وذلك دون أن تكون له سابق معرفة بموضوعها أو شخوصها أو أحداثها ومساراتها أو مآلها ومصائر أبطالها، قرر ذلك فحمل عدة كتابته وقصد مقهاه، هناك انتحى ركنه الأثير وجلس يقلب الأفكار على أوجهها الأربعة لعلها تسعفه ببداية الأحداث، كان يبحث عن اسم، عن شخص، عن مكان يكون المنطلق، فقادت إليه مقادير الكتابة وقضاؤها رجلا هو أيضا لم تكن له به سابق معرفة، رجلا غريبا على مسمى الرواية، اسمه "راوية" هكذا عرف بنفسه، اكتشف الكاتب بأن راوية على علم تام ومعرفة كاملة بالقصة كلها " قصة عفراء" و "ذات النجدين" وعلى علم أيضا ومعرفة بالرغبة التي تسيطر على الكاتب وتدفعه دفعا إلى إنجاز مشروع حياته و كتابة روايته/ حلمه الخاص، وعلى مدار جلسات طويلة سيروي الرجل للكاتب ما حفظته ذاكرته ووعته من أسماء وأحداث، أو يمده بما التقطته يده من آثار. وسيدون الكاتب ما أسعفه به الخيال حتى تستوي الرواية قائمة بوقائعها وأحداثها وأبطالها من ذلك الحوار الثنائي بين الشخصين، أقصد الكاتب وراويته.

 

3// الكتابة كآلية لحفظ الذاكرة:

"الحكاية الأخيرة" إذن ـ وهو العنوان الذي اختاره المؤلف لكتابه ـ عمل   مزدوج "تخييلي وواقعي" وذلك في الحدود التي تسمح فيها الرواية بالحديث عن فارق بين التخييلي والواقعي، ما داما معا ينتميان إلى واقع مختلف عن الواقع المادي، إنه الواقع الافتراضي، أي واقع الكتابة، حيث كل ما نعتبره واقعا هو نفسه مجرد تخييل.

التخيل الخصب للكاتب، هو ما مكنه من رسم الأحداث والشخوص.

والتأريخ الواقعي لراوية "اسم الرجل الغريب"، هو ما شكل المحطات الأساس في بناء الرواية.

شخص وهمي يروي الحقيقة، و كاتب فعلي يتخيل أحداثها ووقائعها.

إنها الإضافة النوعية في مجال السرد لمؤلف "الحكاية الأخيرة".

الحكاية الأخيرة في نهاية الأمر تروي قصة نشأة ثم اندثار وطن حلم، أو وطن وهم، أو وطن شجن، أو وطن منفى، أو وطن رغبة، أو وطن كتابة.

سماه الذي أنشأه أول مرة ـ أقصد الوالي فيصل ـ:

730-hikaya"عفراء الوطن".

وسماه الكاتب الذي استعاده من بين أنقاض التاريخ :

" الرواية الحلم".

الأول أنشأه على أديم أبيض لأرض جديدة.

والثاني كتبه على صفحات بيضاء من أوراق كتاب.

وكأننا بالكتابة نستعيد الأحلام والأوطان.

أو كأن الكتابة تعويض لنا على الفقدان.

"الحكاية الأخيرة" هي إذن:

حكاية الوطن المأمول والمشتهى، وطن الشعراء والفنانين، وطن العادلين والخيرين من بين الناس. وطن المحبين والعشاق. وطن الفضلاء والشرفاء.

الوطن الذي اسمه وذكره في قلب كل واحد منا. وطن "الحلم بالطهارة والنقاء، وسيادة التآخي والتسامح وانتشار السلم، والأمن، والحب، والمساواة والحرية. بكلمة واحدة، وطن الحياة".

فالوطن ليس الأرض فقط، وإنما هو القيم و الناس، والكتابة ليست حروفا على أوراق فقط، وإنما هي الإحساس الذي نعطيه للكلمات.

ففي قلب كل واحد منا عفراء، تنتظر من ينفض عنها الرمل والغبار، ويرفعها من جديد فوق الردم حية تنبض بالمحبة والصدق والوفاء.

كيف نشأت هذه البلدة في التاريخ وفي النفس والعقل والفكر، ولماذا؟ وما الحاجة التاريخية أو النفسية أو الفكرية التي تجيب عنها؟؟

من هم أبطالها؟

ما هي القيم التي تبشر بها؟

وما السر في أن الكاتب أنجز مشروعين في الآن نفسه؟

فكتب «رواية" هي "الحكاية الأخيرة"، ولكنه أيضا وفي الآن نفسه، روى قصة كتابتها. في عمل أدبي وفني يجمع بين "كتابة الرواية ورواية الكتابة"، إنها رواية مزدوجة أو هما روايتان، متحايثتان، كل واحدة منهما لباس للأخرى كاللحاء والشجرة. روايتان، واحدة عن الوقائع والأحداث التي صاحبت نشأة الوطن البديل، والأخرى عن الوقائع والأحداث التي صاحبت الكتابة عن هذا الوطن، أو استرجاعه من جديد من تحت ردم الإهمال وأنقاض النسيان، عبر الكتابة.

والفكرة النواة التي يتأسس حولها البناء الروائي تتلخص في أن فئة قليلة من الأشراف الهاربين من الاستبداد أنشؤوا وطنا للحرية والعدالة على أرض عفراء، لكن هذا الوطن لم يعمر سوى عقودٍ قليلة واندثر، ليصبح مجرد حلم، بعد حين يأتي كاتب فيحاول استرجاع هذا الحلم وإعادة بناء الأحداث والوقائع التي قادت إلى نشأته ثم انهياره أو اندثاره. هي رواية إذن كتبها مؤلفها من أجل حفظ ذاكرة حلم إنساني نبيل، لا يمكن أن يندثر أو يمحوه النسيان أو تطوله عوادي التغيير والتحول التي تطرأ على التاريخ، إنها رواية من أجل حفظ ذاكرة القيم الإنسانية الأصيلة، وحفظ أحلامها.

 

3// الشخوص: أدوار وقيم:

وككل رواية تستحق هذا الاسم "فالحكاية الأخيرة" نسيج متفرد من الحكايات الفرعية التي تتمدد وتتشابك كأغصان الدالية لتصنع عريشة تتدلى منها عناقيد الحالات والقيم والمواقف التي تحمل كل شخصية على عاتقها رسالة الدفاع عنها "إيجابيا" أو تمثيلها وتجسيدها "سلبيا" أو تأسيسها.

ولنبدأ بالشخوص ثم ننتقل إلى الحالات والمواقف:

أ) القائمة الأولى للشخوص "المساندة" لمشروع الرواية وأتباعها:

الأمير أشرف/ القاضي فيصل / التاجر أبو الفضل /عماد المجند في الحرس الأميري وصديق شاهد/ عابرة.

وأتباعها:

كلثوم/ عازم/ معتز/ صفية/ زمردة/ عمار.

 

ب) القائمة الثانية للشخوص "المناهضة" لمشروع الرواية وأتباعها:

المغير/ سحنون.

وأتباعها:

ورد/ هيثم/ عبيد/ حسام/ غادة/ واصل.

ج) قائمة الأبطال المؤسسين للمشروع:

* بالنسبة لأحداث الرواية:

1) المعلم دارية.

2) شاهد.

* بالنسبة لكتابة الرواية:

1) الكاتب.

2) راوية.

فماذا يمثل كل هؤلاء الشخوص الذين جعلناهم ثلاثة أصناف:

مساند ومناهض، ومؤسس؟ ما هو دورهم وما هي القيم التي يحملها كل واحد منهم؟

اـ القائمة الأولى:

المساندون:

1) الأمير أشرف، في عهده سيعود الأمن والأمان إلى ذات النجدين وينعم الناس بالاستقرار، فيعيشون في نوع ما من الواحات التي تحط بها قوافل البشرية رحالها ثم تستأنف مسيرة الصراع. كان حكمه رغم "استبداده بالرأي وتسلطه" واحة استقرار، ثم جاء بعده من أشعل نار الصراع.

2) القاضي فيصل، رجل لا يبحث عن السلطة ولا يريدها، ولكنه في الأخير يستجيب لرغبة الأمير ويوافق على تأييده ومساندته، فيحكم كما أمره الأمير بما يمليه الضمير، يوقف الظالم عند حده ويأخذ للمظلوم حقه،

حتى تجري المقادير بغير مشيئة السفن، فيموت الأمير ويتولى الإمارة المغير، ولأنه لن يطأطئ رأسا ولن يثني ركبة، فقد عاداه الوالي الجديد فأصبحت رأسه مطلوبة. لذلك وبعد أحداث مشوقة مثيرة، يجد نفسه وقد هاجر بأهله وأتباعه ممن رفضوا الحكم الجائر إلى حيث وجدوا موطئ القدم على أرض عفراء، بنوها طوبة طوبة وحصنوها من غارات المغير الذي أعيته الحيل وتخلى عنه الجند، فالتجأ إلى الحيلة فأرسل من يغتال الرجل العادل.

مات الرجل المؤسس إذن، بالسم. وبقيت عفراء للخلف. حتى أصابها التلف، دون أن يكون للناس يد في ذلك.

ماتت عفراء كما يموت الحلم بعد عقود من اغتيال مؤسسها وتعاقب أربعة ولاة على حكمها، فالأحلام والأوطان أيضا تغتالها عوادي الزمن.

3) التاجر أبو الفضل، رجل يعرف بامتياز قوانين السوق وموازين الربح والخسارة، وفيٌّ طيب المعشر وحلو الحديث، جمعته بالقاضي الحاجة إلى استرجاع حق مهضوم من صاحب نفوذ أراد الاستحواذ على ماله، فبقي يلهج بالثناء على القاضي ويشهد له بالفضل، وجاء الوقت الذي يرد له فيه الجميل فلم يتأخر، فقد وقع في يد القاضي طفل يتيم من ضحايا الحروب الطائفية التي كانت تنخر البلد، فعهد به للتاجر أبي الفضل، فكفله ورعاه إلى أن ألحقه الوالي الجديد بجنده ضدا على رغبته. سيكون للفتى شأن وأي شأن، وسيحفظ للقاضي وللتاجر ما فعلاه من معروف، فيمنع عنهما الأذى ويوصل لهما الأخبار و... حتى... يجري الله مقاديره على الرجلين معا، فيموت الأول مسموما، ويموت الثاني مسجونا.

4) عماد مجند في حرس الأمير، شاب محب للخير، يرفض الظلم وينحاز للحق، فهو من أسَرَّ للقاضي بأن عين المغير عليه، وهو من ساعد شاهدا في كل ما ذهب إليه، كان صديقه و سميره وصاحبه في المحنة والرخاء، وحين افترقا ذهب شاهد إلى الحكاية وذهب هو إلى التجارة، فبقي هو وفيا لتجارته، وبقي شاهد وفيا لحكايته، فقد كان لكل واحد منهما قدره الذي كتب من البداية على كف عفراء.

5) عابرة، فتاة كنسمة الهواء ورفة الجناح، وخفقة القلب. عابرة كالحب الذي اختطفها قبل الأوان من دهشة اللقاء إلى صدمة الفراق، عابرة ابنة القاضي فيصل مؤسس عفراء وواليها، تعيش في ظل والدها مكرمة ترفل في الرياش والنعيم، ثم يأتي شاهد، تراه ويراها، شابة حسناء وشاب وسيم، يقطفان زهرة الحياة اليانعة، في لحظة عابرة كحلم ليلة، ثم يرحل الحبيب وراء فرخة أوهامه، يبحث عن أوطان بلا حدود، وعن أجنحة ليطير بها إلى الأبد، حبيب كطير لم يكد يحط على فرع الشجرة حتى رحل.

تموت عابرة، ويفتح الباب للأسئلة.

لماذا؟ وكيف؟

هل انتحرت؟

هل كانت حبلى؟

هل ماتت فقط لعلة أو مرض؟

لا أحد يدري، فقد ماتت عابرة كما ماتت عفراء.

مات الوطن المشتهى، وماتت الحبيبة بلا سبب، أو لألف سبب.

أو فقط لأن عابرة وعفراء ليستا إلا اسمين مختلفين لمسمى واحد ـ الوطن و الكتابة ـ أليست الكتابة وطنا، وإلا، فلمَ نقيم فوق أرضها؟

6) في القائمة نفسها للشخوص المساندين نجد:

كلثوم زوجة القاضي، عازما ومعتزا ابنيه وصفية وزمردة زوجتيهما، وأخيرا عمار الوالي الرابع لعفراء. وكل هؤلاء أدوارهم ليست ذات أهمية أو دلالة في سير الأحداث. إنهم توابع ضرورية فقط لتشكيل محيط الشخوص، وإضفاء الواقعية اللازمة عليه، ذلك أنه حتى ونحن نتخيل الأحداث لا بد أن نمدها بما يكفي من الواقعية.

ب ـ القائمة الثانية:

المناهضون:

1) المغير، ولي عهد أشرف والي "ذات النجدين"، فتى عنيد متعجرف سيكون منه ما عرفناه من تنكيل بالعباد ومطاردة للأحرار، وغدر واغتيال، سينتهي بتسميم القاضي فيصل والي عفراء ومؤسسها.

تدور دوائر الزمن عليه فيشرب من الكأس نفسها التي سقى منها غيره. وهذه المرة على يد قائد جيشه وزوج أخته، واصل.

2) سحنون، مرتزق يبحث عن المال، يبيع مَكْرَهُ للمغير، فيتسلل إلى عفراء، وهناك، تحت ذريعة تعليم الطب والمهارة فيه، سيجد الطريق سالكة إلى تسميم فيصل والهرب، تماما بالطريقة نفسها التي هرب بها ابن جرير الشماخ، وسينتهي به الأمر هو أيضا قتيلا قبل أن يفلت بجلده. ربما من طرف تلميذيه وبأمر من المغير.

3) ورد وهيثم تلميذا سحنون وتابعاه، عبيد قائد حرس المغير ورئيس فيالق الموت التي كان يبعثها لاغتيال المعارضين، حسام الأخ الشقيق للمغير وشبيهه في السفه والعربدة، غادة الفتاة التي أدخلت العار إلى القصر الأميري ومات والدها يوم اكتشاف حملها من غريب لم يكن في الأخير غير واصل ابن عمها. وأخيرا، واصل، زوج غادة و الحاكم الجديد لذات النجدين بعد المغير. وهؤلاء أيضا لا يحمل دورهم أية دلالة أو رمزية إضافية ـ في هذه القراءة على الأقل ـ شأنهم في ذلك شأن توابع القائمة الأولى.

ج) القائمة الثالثة:

وهي قائمة الشخوص المؤسسين لرؤيا المؤلف ومشروعه الروائي، في وقائع ما جرى لعفراء وأيضا في وقائع ما جرى أثناء كتابة الرواية.

*البطلان المؤسسان للحكاية:

1) الشاهد: بطل رئيسي بامتياز، يعبر الاختبارات والاختيارات بإصرار ويمضي في سبيل تحقيق قدره، هل كان القدر الذي مضى إليه أفضل من القدر الذي عُرض عليه؟ هل كانت الحكاية التي احترفها خيرا من عابرة التي أحبته و تخلى عنها؟ ألم يكن هو أيضا كما كان الوالي فيصل مؤسس عفراء ووالد عابرة منذورا دون أن يدري لتحقيق قدر كتب من الأزل؟ ومن منهما كانت الوطن ومن منهما كانت الابنة الحبيبة، عفراء أم عابرة، أم الحكاية؟ وكأنه كان مكتوبا عليه أن يكون هو العابر وهما المقيمتان. أقصد أن يكون هو الحكاية.

شاهد، الطفل ضحية الحرب الطائفية، شاهد اليتيم بلا جذور وبلا شجرة أنساب، سيحمل قدره على ظهره ويمضي به، سيُلحق بجند المغير حين سيصبح المغير حاكما بأمره، لكن يد الشاهد لن تلطخ بدم، ولسانه لن يلطخ بباطل، وسيظل وفيا للتاجر الذي كفله وللقاضي صاحب الفضل عليه، وبفضله سينجو القاضي من الاغتيال، وبفضله ستنجو عفراء من الاحتلال، وبعفراء سيلتقي عابرة في لحظة عابرة، ثم يمضي إلى قدره، يتعلم ويحفظ ويقرأ ويحكي، هذا قدره، بلا سكن ولا وطن ولا حبيبة ولا مستقر، يمضي ويعود إلى عفراء بعد أن طوف بالبلدان، ليحكي لأهلها حكاياته السبع بفصولها السبعة. يحكي لعفراء العامرة، ثم يحكي لعفراء التي صارت تحت الردم، لقد رأى عفراء وهي تنهض من تحت الأرض ثم رآها وهي تعود إلى بطن أمها الأرض، رأى حلما وأملا، رأى وطنا وحبيبة، ولكنه لم يقبض في يديه على غير الريح، الريح وحدها والغبار يعرفان ما كان، لم يرحل ولم يستقر. لقد أقام في الحكاية وكان هو الشاهد الذي رأى ما كان، دون أن يرف له جفن، ودون أن يرتعش له لسان، عفراء ليست مكانا على الأرض ولكنها فكرة عبرت خاطره، وعابرة ليست امرأة من لحم ودم، ولكنها خفقة هزت قلبه.

2) المعلم دارية: مَن مِن الشهود أو الشخوص سيلتفت إليه؟ إنه العمارة الحقيقية للأرض وللرواية، هو أصلها وفكرتها، البناء به ابتدأ، ولولاه ما كانت عفراء ولا كانت ثورة، ولا كان عدل ولا كانت مساواة، ولا كان حلم. المعلم دارية هو قدر الإنسان، لذلك كان الرجل يحسن قراءة الأقدار والأفكار، ويعرف مآل المصائر والناس.

المعلم دارية هو العقل المفكر والمنظر للثورة على الظلم ورفض الاستبداد، وبفضل أفكاره أسست عفراء وطنا للمحرومين، على قواعد الاختيار الحر والمساواة، لذلك كان مصيره كمصير المفكرين الأحرار: القتل.

قتل المعلم دارية، لكن فكرته لم تمت، ودفنت عفراء تحت الأنقاض لكن وطن الحرية لم يمت، وماتت عابرة، لكن الفكرة كالثورة وكالحكاية بقيت خالدة.

 

* البطلان المؤسسان للكتابة:

1) الكاتب: ما حاجة الكاتب لأن يكتب، إن لم يكن يحمل مشروعا يريد إحياءه، أو التبشير به، حتى وهو يدعي بأنه لا يعرف شيئا عن موضوعه ومشروعه وعن شخوصه وعن أحداثه؟ هل القدر الذي مضى فيه إلى منتهاه، هو القدر الذي كان يستحقه؟ ألم يكن قد أخطأ هو أيضا حين اختار لنفسه قدرا مختلفا ثم حين عاد أدراجه ليستعيد قدره فلم يجده قرر أن يحكي مساره واختياره كأنه يقطع الطريق من جديد،إذ لم يبق منه هو أيضا غير ذكرى وغير حسرة على ما كان؟ أما كان الأولى به أن يمضي في قدره الأول؟ وهل كان اختياره أفضل؟ وما الفرق بين أن تذهب أو أن تبقى، ما الفرق بين أن تقيم أو ترحل؟ هل هذه أسئلة الكاتب أم أسئلة الشاهد؟؟ وإلى أي حد يمكن أن نميز بينهما؟ أين ينتهي الأول وأين يبدأ الثاني، وما الفرق بين الاثنين؟ الأول انتهى حكواتيا ينصب خيمته ثم يطويها فوق أرض خلاء "عفراء" ليروي حكايته الأخيرة على دورات محسوبة.

والثاني يفرد صفحاته ثم يطويها على دورات محسوبة وجلسات محسوبة ليروي حكايته الأولى دون أن ينهيها، أليس الشبه بين السيرتين والمصيرين يصل حد التماهي؟

هو الكاتب الشاهد إذن، على زمن وعلى حلم إنساني خالد، فعفراء حتى وإن كانت عابرة، فإنها لا تموت ولا تنتهي ولا يكاد غبار النسيان يطمرها حتى تنهض من جديد في مكان آخر من أرض الله الواسعة، فإن لم يكن، فعلى الورق، أليس الورق أيضا أرضا للحلم، ووطنا للإقامة والسكن؟ أليست الكتابة أفضل آلية لحفظ الذاكرة؟

2) راوية: شخصية راوية عجيبة، يأتي من حيث لا ندري، يعرف ما يريد الكاتب، ويعرف الأرض والبلد، والشخوص والأحداث، وهو مثل الكاتب يريد أن يروي حكايته، ولكن ليس بقلمه، فلكل وظيفته، وظيفة الكاتب أن يكتب ووظيفة الراوي أن يحكي.

على حلقات متتالية، وفي كل جلسة سيكتب جزءاً من الحقيقة.

الكاتب يستنجد بخياله وراوية يستحضر ما حفظته ذاكرته.

شخصية راوية تقابل شخصية المعلم دارية.

لكل منهما دور أساسي في الروايتين.

الأول في كتابة الحكاية الأخيرة والثاني في تأسيس عفراء.

وكل واحد منهما يمثل وجها للحقيقة.

المعلم دارية يمثل المعرفة والفكر والنظرية والعلم والحكمة.

وراوية يمثل الذاكرة والتاريخ والموروث والمحفوظ.

عقل وفكر وذاكرة ووجدان بدونها لا تقوم الأوطان ولا تتحقق الأحلام.

عقل يفكر ويدبر ويُعَلم وُينَشِّئ.

ولسان يعبر ويحكي ويروي ويُذَكِّر ويحفظ الأثر.

ذاك هو راوية الوجه الآخر للمعلم دارية وليس نقيضه.

وذاك هو الكاتب الوجه الأخر للشاهد.

ثم أليس الكاتب في الأخير هو المعلم دارية؟

و أليس الشاهد في الأخير هو راوية؟

إن الدمية الروسية هذه التي بُني على غرارها هذا العمل لن تنفك تحيرنا وتدعونا للمزيد من التأمل.

فالحكاية الأخيرة من الأعمال الإبداعية التي تحتاج تأملا يضاهي التأمل الذي كان وراء تشكيلها.

وكاتب فنان، ومسرحي حكيم، لا يمكن أن ينتج إلا عملا فيه بصمة الفن وعمق التأمل وتركيبة البناء المسرحي.

قليلون هم الممثلون القادرون على أداء أدوار مركبة أو أدوار متعددة، والشخوص في الحكاية الأخيرة من ذلك النوع، إنهم أبطال متحولون     وممتدون وعابرون للزمن وإنَّ أدوارهم لمركبة ومتعددة في الآن نفسه.

الكاتب يسترجع دور المعلم دارية، كما لو أن به حنينا لاسترجاع الوطن الذي ساهم بفكره وتعاليمه في بنائه وتأسيسه.

وراوية يسترجع دور شاهد، فقد حفظ عنه الحكاية وهو هنا والآن لكي ينقلها للأجيال التالية بتواطؤ تام مع الكاتب.

شخوص و أبطال يصعب الفصل بين أدوارها لأنها في النهاية ليست إلا بطلا واحدا يؤدي جميع الأدوار كما يمكن لفنان كبير فقط أن يؤديها أو يبدعها.

 

* أسئلة الواقع وأجوبة الرواية:

مرة أخرى أقول، في قلب كل إنسان خيِّر عفراء وعابرة، عدت عليهما عوادي الزمن وطمرتهما صحراء الجفاء بين طيات رملها.

وفضل هذه الحكاية أنها تذكرنا بحلمنا الإنساني الكبير، والذي لا يستطيع كل تاريخ العسف أن يوقفه أو يمحوه، الحلم بأرض الحرية والعدل. فكل جيل يكتشف عفراءه وكل عابر لا بد أن يلتقي بعابرة، ولا بد أن نغادر الحكاية بحسرة في النفس وغصة في القلب، لأننا نود أن لا تكون الحكاية الأخيرة وإنما الحكاية الأولى من الحكايات السبع التي سمعها أهل عفراء من فم الشاهد، ونود أن تنهض عابرة من موتها وتنهض عفراء من تحت الأنقاض والتراب، لنعيش أحلامنا المشتركة في وطن الحلم.

الحكاية الأخيرة إذن ليست مجرد رواية لتزجية الوقت والترويح عن النفس، وإنما هي عمل إبداعي يدعو قارئه إلى التأمل العميق في الحياة والموت، والبقاء والزوال، والثبات والتغيير، والإقامة والترحال، والذاكرة والتاريخ، يدعونا إلى التفكير مليا في رياح المقادير التي تسوق سفينة البشر. وقد حقق فيها المؤلف ما لا يتأتى إلا في القليل من الروايات، فجمع فيها بين ما ينتظره القارئ من تنام للأحداث وتشويق وإثارة ورسم دقيق للشخصيات وسلاسة في اللغة وإتقان في التشكيل والبناء، وبين ما ينتظره كل كاتب من القارئ، أي، الإنصات بإمعان إلى صوته، والتفكير معه في المقادير والمصائر والناس.

فهنيئا لمن يريد أن يفكر، ويتأمل ويعتبر. هنيئا لمن جاور الربان وركب السفينة واستشرف الآتي وجاءنا بالخبر. هنيئا للكاتب الحكيم، عبد الحفيظ مديوني، في انتظار شهادة أخرى على هذا الزمن.

 

جمال الدين حريفي

القنيطرة / المغرب

دوافع العنف الاجتماعي في السينما الغربية فيلم "السقوط" أنموذجاً! (-33)

yousif abolfawzالطريف انه حين اراد استخدام البازوكا، لم يعرف طريقة تركيب القذيفة والاطلاق فأقترب منه احد الاطفال وشرح له وعلمه كل شيء، وحين سأله: اين تعلمت هذا؟ قال له: من الافلام في التلفزيون؟ مشهد قصير وبحوار مكثف مع طفل بريء يدين فيه صانعوا الفيلم الدور التربوي السيء للتلفزيون والسينما التي تحرض على العنف واستخدام السلاح في المجتمع. يترك فوستر نفق المترو الذي دمره بنفسه ويجتاز سياجا حديديدا ويحاول عبور ملعب للغولف ليختصر طريقه، لكنه يواجه برجال مسنين ارسقراطيين يحاولون طرده ومنعه من المرور لانه ليس عضوا في النادي. يشعر بالغضب، تعرض لنا الكاميرا ملعب الغولف الواسع الاخضر، وفوستر يصرخ بأن هذا المكان كان يمكن ان يكون مساحة لتنزه العوائل الفقيرة والخروج بسفرات قصيرة في عطلات الاسبوع، ويشهر السلاح فيسقط احد الرجال مصابا بنوبة قلبية. وثم يعبر حديقة فارهة لفيلا فخمة كأنها قصر امير في الحكايات القديمة وينبهر بها، ويعرف انها تعود لطبيب تجميل، ويتصل بطليقته من هناك، فتخبره انه مريض وبحاجة لمساعدة، فيخبرها: اذا كنت تريدين ان تعرفين ما هو مرضي فتجولي قليلا في المدينة. تهرب الزوجة من بيتها ويلحقها زوجها بحدسه للمكان الذي تحب ان تكون فيه عند شاطيء النهر في الوقت الذي يصل الشرطي ايضا. يحاول الشرطي ودون ان يشهر سلاحه ان يهدأ من انفعال وغضب وليم فوستر المسلح بمسدس، فيوافقه على اقواله، وحين يتحدث فوستر مع أبنته، ويضع مسدسه على الارض تنجح طليقته في خطف المسدس ورميه في البحر والهرب مع الطفلة. ويواصل الشرطي محاولته لدفع فوستر لتسليم نفسه، لكن فوستر يطلق صرخته: "من الذي وصل بي الى هنا.عملت كل ما طلبوه مني. بنيت صواريخ تحمي امريكا، وكان يفترض تكريمي لكن كل شيء ذهب الى اطباء التجميل. لقذ كذبوا علي". يوافقه الشرطي ليقول له: انهم يكذبون على كل فرد، حتى على سمك الشاطيء، فلم نعد نقدر السباحة وصيد السمك هنا، لكن هذا لا يعطيك الحق ان تفعل ما فعلت. ويخبر فوستر الشرطي انه لن يسلم نفسه وان معه مسدسا اخر سيستخدمه واذا مات فأن شركة التأمين ستدفع التعويض لابنته ليضمن شيئا في حياتها، يحاول ان يشهر المسدس فيقتله الشرطي لكننا والشرطي نعرف بان ما كان يحمله هو مسدس اطفال بلاستيكي كانت ابنته تعبث به في احد مشاهد الفيلم. يفهم الشرطي ان فوستر اراد الانتحار وبطريقة يضمن بها ضمان مستقبل طفلته .

المشاهد للافلام الرابعة، سيلاحظ ان كل ابطال الفيلم، الذن تعرضوا الى ضغوط خارجية بشكل ما، ومارسوا العنف بطريقة عديدة ولاسباب مختلفة، كانوا يرتدون النظارات الطبية، كرمز للشخصية المتعلمة، المرتبطة بشكل ما بعجلة الانتاج والدولة. وما عدا الفيلم الفرنسي "البندقية القديمة "، فأن بقية الافلام، حاولت وبشكل واضح توظيف هذا الرمز. بدأها فيلم " كلاب القش" وسجلت له، فهو كما ذكرنا من انتاج 1971، وعنوان الفيلم مأخوذ أساسا عن الفلسفة التاوية الصينية القديمة التي تشير الى كلاب القش التي تقدم كقرابين للالهة، في هذا الفيلم، حين يواجه ديفيد رجال القرية، الذين يحاولون اقتحام بيته، ينكسر زجاج نظارته الطبية، هذه الصورة التي حملها ملصق الفيلم واشتهر بها، والذي فاز في حينه بجائزة كأحد افضل ملصقات الافلام، هذا الكسر الذي تظهره لنا كاميرا الفيلم بلقطات عديدة، ومن زوايا مختلفة، جاء رمزا لشيء انكسر في داخل الشخصية، هو الصراع بين الافكار والمثل المسالمة التي يحملها والواقع المفروض عليه. الاخلاق التي يتحلى بها والتي كانت تكبح العنف في داخله. الافلام الاخرى، "الفأري" عام 1973، ابرز لنا التغيرات في نفسية أندرسون تحدث مترافقة مع الكسر في زجاج نظاراته، حين يقتحم مدرسته التي عمل فيها خمسة عشر عاما، ويصرخ بهم كونه كان مسالما، وفأريا، وكبح كل شيء في نفسه للحفاظ على بيته وابنه، واذ فقد كل شيء، فهو لم يعد فأريا بعد ! وفي فيلم السقوط 1993، يعرض لنا وبلقطات عديدة ومقربة الكسر في نظارات وليم فوستر. كان فيلم "السقوط " ابرز هذه الافلام، في عرض لقطات معبرة وموحية، تحمل ايحاءات ورموزا، دون الميل للكثير من التفاصيل. فسوء حال المهاجرين والبطالة ونقص الخدمات في لوس انجلس، تعكسه المشاهد القصيرة للمتسولين،والبائعين الجوالين، واللقطات السريعة ذات الطابع الوثائقي التي يمر بها وليم فوستر وهو يقطع شوارع المدينة. الذهاب للبيت، كانت رغبته بالحياة المستقرة والامان، يعبر عنها حين يدخل بيت طليقته الهاربة منه، فيضع شريط فيلم فيديو عن عيد ميلاد سابق لابنته حين كانت العائلة معا، ونتابع معه كيف كانوا يبدون سعداء، واذ يلاحق طليقته الى شاطيء البحر، يترك لنا شريط الفيديو يدور، وهذا هو المشهد الذي ينتهي به الفيلم، ان تكون العائلة معا ويعيشون بسعادة، وهو حلم البطل الذي منعته من تحقيقه عوامل عديدة .

 

يوسف أبو الفوز

 

لعبة الخطر والحذر في قصة: المعطف الرمادي لـ ناهض الرمضاني

القصة: (النقطة ب لاتبعد عن النقطة أ إلا أقل من خمسمائة متر . ومع هذا فان الخروج من البيت والوصول إلى الدكان في النقطة ب أصبح مجازفة حقيقية هذه الأيام . وقد اتخذت جميع الاحتياطات المطلوبة . أنا أسير على الرصيف .. سأكون آمنا من خطر السيارات الغامضة المسرعة دائما . ومن دوريات الشرطة الطائشة ودبابات الأمريكان النزقة . ومع أني أسير على الرصيف إلا أنني ألازم الحذر الشديد . أراقب موضع خطواتي وأتجنب أية حفرة قد تكون مخبأ لعبوة وأبتعد عن أية علبة كارتونية فارغة أو صفيحة معدنية مهملة . وأدور بعيدا عن براميل القمامة . من يعرف ماذا يوجد داخل هذه الأشياء ! أسير على الرصيف لكني أراقب الشارع بطرف عيني وأذناي تصيخان السمع لكل صوت غريب . عليّ أن أكون حذرا وأن أستكمل جميع الاحتياطات . لم أكتف بطلب نقلي من محل عملي . لقد حصلت على إجازة طويلة دون مرتب من دائرتي الجديدة . أصبح العمل خطرا للغاية هذه الأيام . تصرف باستقامة وستغضب منك العشرات . تصرف بطريقة أخرى وقد تغضب المئات ! الإجازة الطويلة أنهكتني .. لكنها ضرورية . عليّ أن أكون حذرا . حذرا للغاية . بيتي الجديد اصغر من بيتي السابق . رطب قليلا لكنه أكثر أمنا إذ لا أحد يعرفني في هذا الحي . سيصعب عليهم تحديد انتمائي . لحسن حظي أن اسمي محايد ولا يفصح عن شيء . وأنا حذر في سلوكي . حذر للغاية . أتصرف مع الجميع بدماثة ولكني لا أتجاوز في علاقتي معهم حد التحية العابرة والمجاملات العادية . قد يكونون جيرانا طيبين . وقد لايكونون ! ربما كانوا جميعا حذرين مني الآن . وهذا يدفعني لمزيد من الحذر . الذهاب لجامع الحي خطر جدا . وعدم الذهاب إليه أخطر. والحذر يدفعني لعدم الدخول للجامع ؛مع تواجدي أحيانا قرب البوابة للسلام على المصلين بعد نهاية الصلاة . الحذر يقتضي ذلك . ويقتضي أن أظهر دائما بهيئة محايدة . شعري متوسط الطول مهندم باعتدال ولكني قد انكشه قليلا إذا اقتضت الظروف . ذقني حليقة . ذقني حليقة لكنني مازلت متمسكا بشاربي . ليس اعتزازا برجولتي فحسب . بل لأنه يمنحني مظهرا محايدا . شاربي محايد أيضا .. ف هو ليس شاربا كثا يستفز الآخرين كشوارب ال... وليس شاربا حليقا كشارب ال... كما أنه ليس شاربا خفيفا جدا كال... وملابسي . ملابسي اخترتها بعناية شديدة . بدلة رمادية مقلمة تشبه بدلات آلاف الموظفين . حذائي الأسود نظيف الى حد ما لكنني امتنعت عن تلميعه اذ لاشيء يجذب الأنظار أكثر من بريق حذاء اسود . لماذا ينبغي أن يكون الحذاء نظيفا دائما ؟ سألطخه قليلا توخيا للحذر . تركت حقيبتي الجلدية الثمينة وتعودت أن أحمل أوراقي في محفظة بلاستيكية رخيصة . الحقائب الجلدية قد تثير التساؤلات والفضول وحب الاستطلاع . ما الداعي أصلا لحمل حقيبة ثمينة اذا ما كنت تنوي الوصول الى النقطة ب . حتى ساعة يدي لم انس أمرها . استبدلتها بساعة رقمية رخيصة . هل يكفي هذا كله ؟ لا طبعا . فلن تكتمل تحوطاتي الا بهذا المعطف الرمادي . صحيح أن لونه قد بهت قليلا إلا أن هذا هو عين المطلوب . معطف رمادي رخيص يتجاوز الركبتين .أتذكر دائما أن أحني قامتي قليلا وأنا أمشي بهدوء واضعا يداي في جيوب المعطف الرمادي . لن أثير تساؤل أحد وأنا على هذه الهيئة . خطوات .. خطوات فقط وأصل الى النقطة ب . سأنهي مشواري بسرعة لأعود الى النقطة أ .. أعني بيتي .. ولكن علي أولا أن أجتاز الشارع .

من هولاء !! ما هذا الصوت !

إنبطح .. إنبطح فلم يعد لك ملاذ الا الأرض .. انبطح فلن تحميك الآن إلا السماء . أنت وحدك فانبطح ودس جسدك في التراب . الرصاصات تتلاحق . ليغص جسدك كله في الأرض . انبطح ولا تتلفت ولا تتساءل . لاتلتفت . فقد تراهم .. وقد يرونك وأنت تراهم فتصبح بالضرورة هدفا لهم لا تلتفت .. لا ....

ها قد انقطع صوت الرصاص . انتظر قليلا ولاداعي للحركة الان . أنت قريب .. قريب جدا من النقطة ب . انهض الآن وانه ما جئت من اجله . ها قد بدأ طريق العودة الى النقطة أ . ستسلك نفس الطريق رجوعا. لاتسر منتصبا . ولاتسرع في خطاك. اعبر الشارع ولا تنظر أبدا إلى هناك. لا تنظر.. واصل السير فحسب ولا تنسى أن تنحني. واصل السير ولا تفكر. ما جدوى التفكير؟ هل بإمكانك أن تغير شيئا ما.! أمامك طريق لتقطعه.. عليك ان تصل الى النقطة أ. كن حذرا.. كن حذرا وواصل المسير. لا ترفع رأسك. لا تنتصب. لا تتساءل. لا تلتفت. لا...

لم يلتفت. ولو كان قد التفت لشاهد بركة دماء تحيط برجل ذو شارب محايد يرتدي بدلة رمادية مخططة وساعة رقمية مزيفة وحذاءه الأسود موحل وقد تناثرت أوراقه من محفظة رخيصة.

وعلى الرصيف المقابل سار المعطف الرمادي الفارغ.. سار وحده منكمشا واضعا يديه في جيوبه.. ورغم كل الثقوب الموجودة في ظهره، استمر المعطف يسير بحذر شديد لعله يصل سالما إلى نقطة ما ......) ناهض الرمضاني / الموصل 23/2/2008

 

يبدأ النص برسم خط رياضي محدد من نقطة ( أ) لأخرى (ب)، محددا لخط سير الذات وحركتها، إذ لا تحيد عنه أو تتجه لغيره، وعلى الرغم من أنه مستقيم لكنه يتطلب أمورا كثيرة يجب معرفتها وتوخي الحذر منها. وبهذا يشكل الخطر هاجسا مخيفا متواريا مختفيا ينغص على الذات صفو عيشها، فيطلب منها حذرا مضاعفا ينهك مدركاتها ويشل حركاتها، فتفتقر هذه الحياة لأبسط سبل العيش بل تفتقر إلى الحياة نفسها، فلا مقومات كي تستكمل خطها في الحياة من نقطة لأخرى محددة، وإن لم يكن لديها غيرها لتتجه نحوها .

إن هذا التحديد بالإنتقال من ( أ) إلى( ب) يوحي بصعوبة التنقل في المكان، وإن كان تنقلا بسيطا لمكان واحد معلوم. هكذا يضعنا النص في قلق مستمر أمام الخطر المحدق بالذات، وإن كانت ذاتا واحدة يحكي عنها القاص، ويتلبسها بضمير الأنا /الراوي، لكنها في الحقيقة تمثل شعبا ووطنا ذاق مرارة الخطر وعانى ويلاته، فاستخدم ضمير الذات المفرد /الجزء للتعبير عن الكل .

تشخص نقطة (أ) بالبيت و(ب) بالدكان، وهي إنتقالة ضرورية لتأمين العيش، إذ تعد مجازفة _حسب قول الراوي_ في هذا الزمن الخطر. وتأخذ الذات وسائل الحيطة والحذر ومنها :  السير على الرصيف

لتجد نفسها أمام خطر دائم حتى هذا السير لم يعد امنا بالنسبة لها ولا يوفر لها مساحة من الحرية والأمان للتنقل والحركة، لأنها محط استهداف، وإن كانت شخصية مهمشة تسعى لطلب الرزق فقط . وبهذا نستطيع القول ان الناس البسطاء هم الضحية الأولى لتجنيات هذا العصر، الذي ما لبث أن يفتك بهم، وكأنما التهميش الذي أصابهم لا يكفي بل يطالهم التغييب القسري والموت أيضا .

تستكمل هذه الشخصية الوصف بأنها على أهبة الاستعداد لأي طارئ، فتفعل الحواس جميعا، وتفتح العينين والأذن، هكذا يعمل الحذر على رفع جانب الحيطة، ويشعرنا بمدى تأهب الحواس لأي خطر خارجي، لنرى حجم المعاناة التي تكتنف الذات، إذ أصبح ابسط الأشياء عندها محل حيطة وخوف دائم .

وعند الخروج من بيتها تستنفر الطاقات جميعا للوصول إلى المكان/العمل ، فتصبح الأفعال اليومية محنة تعترض الذات وينهكها الخوف، فعليها أن تقبع في بيتها حتى إن بقت في بيتها لا تسلم من انتهاك حقوقها، وبهذا كلفت الذات حواسها فوق طاقاتها وحملتها هما ثقيلا لا تكاد تتخلص منه.

إن دقة الوصف والإلتقاط للأشياء البسيطة للحياة اليومية التي تعيشها الذات الإنسانية أوصلنا إلى نقطة معاناتها الحقة حتى في هذه الأفعال التي نحسبها روتينية وعادية لكنها في هذا المكان والزمان أصبحت غير عادية، وتحمل من التعب وجلب الهم للذات التي ما انفكت تطالب بأمان وفي ظل غيابه فأيَ عيشة تطلب وسط سلب الحياة اليومية العادية .

ومن الوسائل الاحتياطية التي تتخذها الذات في حذرها التي تنقسم على قسمين الأولى وسائل عامة هي :

_ طلب النقل من العمل

_ الحصول على إجازة طويلة من دون مرتب أو أجر

_ تغير البيت إلى بيت صغير تسكنه الرطوبة

_ الإنتقال إلى حي جديد  لا يعرف فيه

_ عدم التجاوز مع الآخرين بالكلام سوى بالتحية

_ مستوى الشك يظهر بـ (قد يكونون جيرانا طيبين وقد لا يكونون) الذي وصل من الحد أقصاه وعمل على عزل الذات عن الآخرين والاختلاط بهم .

_ الحيرة في الذهاب للجامع وصف بخطر جدا وعدم الذهاب أخطر

وكل هذا من منهكات الذات ويشل حركتها .

أما الوسائل الأخرى فهي الخاصة تتمثل بهيئة الذات من الشعر والهندام والشارب والذقن .

_ الشعر في قوله (شعري متوسط الطول مهندم باعتدال)

_ الشارب في (ذقني حليقة لكنني مازلت متمسكا بشاربي . ليس اعتزازا برجولتي فحسب . بل لأنه يمنحني مظهرا محايدا . شاربي محايد أيضا)

_ الملابس (. ملابسي اخترتها بعناية شديدة . بدلة رمادية مقلمة تشبه بدلات آلاف الموظفين.))

_ الحذاء ((حذائي الأسود نظيف الى حد ما لكنني امتنعت عن تلميعه اذ لاشيء يجذب الأنظار أكثر من بريق حذاء اسود . لماذا ينبغي أن يكون الحذاء نظيفا دائما ؟ سألطخه قليلا توخيا للحذر)

_ الحقيبة (تركت حقيبتي الجلدية الثمينة وتعودت أن أحمل أوراقي في محفظة بلاستيكية رخيصة . الحقائب الجلدية قد تثير التساؤلات والفضول وحب الاستطلاع .)

_ الساعة (حتى ساعة يدي لم انس أمرها . استبدلتها بساعة رقمية رخيصة .)

_ المعطف الرمادي (هل يكفي هذا كله ؟ لا طبعا . فلن تكتمل تحوطاتي الا بهذا المعطف الرمادي .)

على الرغم من كل الحذر والتغير في الأحوال، كي تتقي الذات شر الخطر لكنها لا تفلح في اتخاذ اجواء الحيطة ومجابهة الشر القادم، إذ تتعرض للتغييب المستمر المتعمد، ولم يبق سوى الظل المتمثل بالمعطف الرمادي ،لأن الجسد قد غاب لتبق الروح ترف في المكان مجاهدة لتصل للنقطة (أ) البيت.

هكذا يوحي النص القصصي بصعوبة الوصول للمكان البيت الذي يحيطه الخطر الدائم والشر المستمر فلا امان فيه أو حوله .

نلمح اللون الرمادي الخالي من أي علامة ايجابية أو سلبية هو لون محايد لا ينتمي لأي جهة، الذي يعزز الموقف الحذر، وما تتخذه الذات من منطقة وسطى ظنا منها أنها تتقي الخطر لتسلك جانب الحذر .

يتخذ التضاد بين الخطر والحذر لعبة يومية في مساحة الحياة، إذ يأتي الحذر في النص متلبسا الذات ومن مسلماتها، فسكن فيها حد القلق والخوف، مما جعلها تقبع في مكانها دون حراك جسدي، أو ذهني تقاوم به الخطر المتوجه نحوها، لندرك في النهاية أن حذرها الدائم كان سبب خطرها، وهو الخطر الأكبر الذي تعاني منه، فكان الأجدر أن تتخلص منه لتجابه مشكلات الواقع ما دام الخطر واقعا لا محال .

 

قصيدة (وجع الجداول) .. أسفار الرؤيا داخل حدود خريطة ذهنية لاستنطاق الماء

ahmad alshekhawiفي تسلسل فوضوي يؤثر اعتباطية البناء على نحو يخدم إلى حدّ كبير، تكديس زخم هائل من المعاني وتكثيفه في ومضات شعرية تستثير الفكر والعاطفة وتستجيشهما معا،يجنح هاني النواف إلى النفّس الواحد المسترسل بعض الشيء، لفضح المكون والتنفيس عن خبايا ورواسب من الأوجاع الدفينة ، مفصحا عن طاقة روحية رهيبة ،في غياب الحنكة والدراية والتمكن اللغوي ، يستحيل نقلها إلى كائنات ورقية تشغر حيزا أضيق مما يمكن تخيله.

إنه نصّ ذهني بامتياز يخاطب كل جارحة على حدة حسب ما يمليه التنقّل الفنتازي عبر عوالم متنوعة تستمد ألوانها من قاموس أصيل يسهّل تقنيات رسم المشاهد ويعبّد الطرق أمام سفر الرؤيا ،حدّ ملامسة ذروة التناغم بين الفكرة المولّدة وقالبها الشعري الذي يمنحها الصورة المقبولة والتي لها وظيفتها الحيوية في تغذية بل شحذ وصقل الذائقة لدى المتلقي.

         

صمتٌ ممضٌ

تكسّرَ في التِماعات الذّهولِ

ينحلُّ فى الشّفقِ الذّائبِ

 

هناك مراوحة بين عوالم عدّة لإشباع الجوارح قاطبة، تتداخل عند نقط معينة،ثم تفترق في تمرّد على ما يصطلح عليه بــالنسيج العام للنص، من حيث عدم الإعتراف بتقاليد وقيود قد تحدّ نوعا ما،من مغامرات المخيال وإعماله في تعرية الواقع ،مع الحفاظ على مسافة تتسارع وتتنامى عموديا وأفقيا ،لتحول دون الوقوع في مخالب الأسلوبية التقريرية والمباشرة المنفّرة والمملة.

فنعتُ الصمت بـــ "المضاضة" عالم الإرتباط بالذوق ،ثم الولوج إلى عالم سمعي( صمت ممض/تكسر...) مذيّل بآخر صوريّ ( ينحلّ في الشفق الذائب ) أضفى نكهة تعبيرية تضعنا إزاء بوح الريشة ونغم اللون ،ومن ثم دغدغتنا واستفزاز أسئلة وجودية يعلوها بعض غبار الذاكرة لدينا،المتناسية ، بحجة تنويم الآلام الخاصة ،والمحرّضة عبر الإكتفاء بحلول ترقيعية ، على القفز فوق جرح اللحظة ومعناتها.

(الشفق الذائب) يا لها من لوحة ولا أشهى ، تفتح أذهاننا قبل أعيننا ،على عنصر الماء وأسئلته الأزلية ...'

 

ضَجَّةً خَرْسَاء

وفُسْحَةً مِنَ الوَهْمِ الطّريِّ

يُغَشّيهَا شراعٌ يَرْفلُ

يُعَرّي وجعَ الجداولِ المرهقةِ

 

مفارقة لطيفة تمنحنا انطباع تمادي الصمت في تسيّده الموقف وهيمنته نسبيا ،في محاولة لتقريبنا من معرفة مدى وحجم الضغط الناجم عن منسوب كبت يتفاقم ،منقّبا عن منافذ لتفلّته وتسرّبه عبر الكلمات كأنسب حلة لميلاده وتحقق زمن قدومه . الكلمات بتصنيفها هنا، في خانة الأوهام الطرية التي لا تتحمل المكوث طويلا في ظلمة الرحم، تعشّقا للنور وإنشادا له.

فخلف العملية ككل، إماطة الأقنعة عن الطابوهات المضللة،والمعطلة لتفعيل حداثي يفجر سيناريوهات استنطاق الماء.

الماء الحياة في أسمى معانيها. تصحيح العلاقة بالذات فالآخر فالمحيط. عيش طقوس تصالح حقيقي وممنهج، مع باقي المكونات.

  

جَمْرةَ رؤْيَا من خُيولِ السّوادِ

ووريقةَ حسَرات كسيرةٍ

ترْجِفُ فِي رَغْوةِ الغَصّاتِ

 

ضمن عالم حسيّ ترصّعه رؤى وفروسية شاهد على عصر متخبط في أسباب التوجع والسوداوية وقتامة المشاهد وخريفيتها، يستأنف صاحب النص حراكه الذهني،متقمصا أدوار مسائل الماء المنتهي إلى رغوة وفقاعات للتدليل على أقاصي مواطن الوجع ،وكناية عن استغراق اللاوعي التزاما بإيقاع توبيخ العالم المريض والمجافي لكل صنوف تبنّي ما يؤهّل للإحتفاء بالماء/الحياة.

 

لحظة سعار يغيم

من غبارِ الوقتِ

تقايضُ ضجرَ التّجاعيدِ

 

(يغيم) وكأننا بصدد لازمة ضمنية تتلبّس منعطفات جسد النص، تتمظهر مغيرة أثوابها للضرورة لا من باب التّرف والهذيان السلبي ، كي تعود بنا مجددا إلى أسئلة الماء.

فطغيان طابع الشخصية التجارية المقايضة في الأمور سائرها تقريبا،بما في ذلك أحاسيس الناس ومشاعرهم،

قد اقتضى التلميح إلى ظاهرة الشيخوخة التي تنمّ عن عجز مطبق وخور يعرقل الثورة على مثالب الراهن، شيخوخة مخيمة إيذانا بموت وشيك وقيامة تبتلع الكرة الأرضية بمن وبما عليها من غير رحمة أو شفقة.

وتغريبةَ وجعٍ

فاضَتْ بها

غفلةٌ تزهرُ

حينَ التقاء

سكبتْ روحَ الطّينِ

 

(فاضت) و(سكبت) دائما ثمة في صلب السياق من الحمولة الرمزية ما يشدّنا إلى الفكرة الأم المتفرّعة عنها المضامين الأخرى للنص.

هنا يبدو جليا ،تجسيد الألفاظ لدرجة اقترانها بمنظومة إسقاطات لا تصحّ إلا في الحالات البشرية عموما ( و تغريبة وجع) ففي هذه الصناعة الكلامية ضربا من الجرأة والسّبق إلى قلب الموازين واختراق المألوف والإنزياح الحداثي المواكب لإفرازات الطوارئ التي يفرضها التجدّد المستمر لروح العصر.

إن إلصاق شيمة آدمية بإحساس/حالة وجدانية دالة على الضّعف والقصور (وجع) كنتيجة لغفلة يتمّ إهمالها لتزهر مكتسحة مساحة هامة من أعمارنا،قدر الإمكان،وذلك بالتزامن مع الجنوح إلى سلوكيات آلية وميكانيكية في معالجة الأمور الحياتية،وتحاشي الأدوار الطلائعية للوازع الإنساني في البناء المنطقي للعلاقات والوشائج خارج حدود الأغراض الشخصية الضيقة ،وهنا تكمن الطامّة والرّعونة وما إلى ذلك من إملاءات المادية المهدّمة والمتوحّشة.

 

لوعةً تهاجرُ

ونوارسَ شهوةٍ

تشربُ طقوسَ السّرَاب

تُطفيءُ صحوَ الضّجيجِ

في عروقِ لَعْنةٍ حَبلتْ

 

لفظة "شهوة" النارية هنا وكذلك " حبلت" للإشارة إلى ترك نهاية النص مفتوحة ، مع تضمنها للدلالات المتلاعبة بنفسية المتلقي عبر تعليق وعيه بالمفهوم المستنبط من العنونة والمرتبط كما سلف وذكرت،بالماء وأسئلته الفلسفية العميقة.

إنه وللتعبيرالذكي عن مانوية متآلفة مع الطقس العام لاتجاهات النص الثائر على الأنساق الكلاسيكية،فطن ال الشاعر المقتدرهاني النواف إلى ضرورة انتقاء مفرداته بحرص وعناية/ نوارس، تشرب ، السراب ،تطفئ ، عروق...

ومن ضمن إيحاءات هذه الوحدة الأخيرة كخاتمة للقصيدة، تقريبنا من مفاهيم الماء الآخر والذي هو أحد أسرار الحياة،والعنصر الأساسي الوازن في معادلات التجارب العاطفية و الحيلولة دون انقراض النوع البشري.

 

أحمد الشيخاوي/شاعر مغربي/22/05/2015

يحيى السماوي بين العدميّةِ والآيروتيك (2)

hatif bashbooshالـخـسـارةُ: أنْ أربـحَ الـمـطـرَ والـنـهـرَ والـيـنـبـوعَ

وأخـسـرَ قـطـرةَ الـحَـيـاءِ فـي جـبـيـنـي !

*

الـشــقـاء: أنْ أكـون الـسـعـيـدَ الـوحـيـد بـيـن جـمـوع الـتـعـسـاء !

*

الـطـمـأنـيـنـة: إنّ زنـزانـةً أغـفـو فـيـهـا بـأمـان

هـي أوسـعُ عـنـدي مـن وطـنٍ شــاسـعٍ لا أمـانَ فـيـه !

 

الخسارة، الحياء، الشقاء، السعادة، التعاسة، الطمأنينة، الأمان، كلها تنتمي الى عالم (السوفتوير) أي عالم المعنويات والإنسانيات، وما يتداركه الإنسان في حقوقه، ومطالبته في تحقيق أمانيه وأحلامه الضاربة صوب الحياة الحضارية المنشودة التي لاتزال الكثير من بلدان الشرق تفتقر الى أدنى مستوياتها . بينما المطر، الينبوع، النهر، الوطن، كلها تنتمي الى ميثيولوجيا الأزل والضاربة صوب الأبدية واللانهايات. أما الزنزانة فهي من صنع الأشرار، يقال أنّ القوانين هي من صنع الأقوياء الذين وضعوها على مقاساتهم كي يستطيعوا السيطرة والحفاظ على ممتلكاتهم من السرقة والنهب والسلب، فوضعوا قوانين جائرة بحق السراّق واللصوص الذين هم أساسا ينتمون الى طبقة الفقراء، وزجهم في ما يسمى الزنزانة . العالم حتى اليوم هو مسيطرُّ عليه من قبل الأشرار . العالم اليوم وفي ظل هذه القيم الإنسانية هو أشبه بمسرحية صمؤيل بيكيت الأيرلندي، بطل مسرح اللامعقول وأشهر مسرحياته (في إنتظار جودو) بطل المسرحية لايظهر أبدا، البطل هو الحلم البعيد، البعيد المنال، فكيف لنا وسط هذا العالم الشرير الذي يسعى الى الربح دون أدنى حياء، كما يحصل اليوم في العالم العربي الذي تشرذم كلٌّ في قطبه في سبيل تحقيق غايات مريضة على حساب الآخرين . هرون الرشيد كان يقول (اينما تمطرين فخراجك لي)، لكنه لم يدر أنه الخاسر في النهاية، الإسكندر المقدوني إحتل اغلب بقاع الأرض، لكنه في النهاية حينما كان في الصيد، سقط من الحصان ونظر الى مساحة جسده التي لاتشكل سوى متر ونصف من هذه الآرض الشاسعة، تراجع عن نواياه الشريرة . أما قول الشاعر يحيى (أنْ أكـون الـسـعـيـدَ الـوحـيـد بـيـن جـمـوع الـتـعـسـاء !) فهي وربي المتضادة مع القول الشهير (حشرُّ مع الناس عيد)، فهذه هي الطمأنينة الحقيقية التي يسعى اليها الثائر والشاعر والإنسان البسيط على غرار قوله (الـطـمـأنـيـنـة: إنّ زنـزانـةً أغـفـو فـيـهـا بـأمـان/ هـي أوسـعُ عـنـدي مـن وطـنٍ شــاسـعٍ لا أمـانَ فـيـه!)، وهذه قد وصفت في رواية رائعة بأسم (كاسبار هاوزر) لا أستطيع تذكر كاتبها ولكنها تحكي قصة طفلٍ تربى في عرين الأسُـود، كان مدللاً بشكل رومانسي مثير، حتى كبر وترعرع على لغة هذه الوحوش الكاسرة التي لاترحم، هذه الوحوش التي إذا ماجاعت تأكل بعضها البعض. وفي يوم كان الطفل الذي كبر قد خرج من عرين الأسود وتمشى في المراح الواسع ولم يدرِ انّ قدميه أخذتاه الى عالم المدينة، أي عالمه الحقيقي الذي لابد له أنْ يعيش فيه، عالم الإنسانية، لكنه لايتكلّم ولايعرف النطق، فتجمهرت حوله الناس مندهشة منذهلة من هذا الإنسان الغريب، فبدؤوا يرمونه بالحجارة ومالديهم من الأدوات الجارحة، يصرخ يتألم ويئن، وما من رحمة أو شفقة، فوجد نفسه سجينا في هذا العالم الفسيح ومن قبل بني جنسه، متعذبا، مكروها، حتى رجع أخيراً الى عرين الأسود، الزنزانة التي كان فيها مدللا وسط هذه الأسود، الزنزانة التي جعلته يشعر بالطمأنينة والأمان . رواية أعطتنا من الرسالة الحقيرة لبني البشر ومايفعله مع بني جنسه، مثلما يحصل اليوم من عراك رهيب وقتل وتشريد، كلّه يحصل على أيدي من إستباحونا وجعلوا منا أمةُّ ذليلة لنقرأ ماجاء على لسان الشاعر في ( رباعيّة) .....

 

بُـعـدي عـن الـحـزنِ لا قـُـربي مـن الـفــرَحِ

شـلَّ الــسُّـلافــةَ فـي ثـغــري وفـي قــدَحـي

تـعـشـو الـضُّـحـى مُـقـلـي إنْ زارَ جـفـنَـهـمـا

طـيــفُ الــفــراتِ وقـد أضـحـى عـلـى تــرَحِ

ويــحَ الــذيــن اســـتــبــاحــونـا بـألــفِ يــدٍ

مـجـذومـةِ الـنـبـضِ قـد شـُـدَّتْ إلـى شـَـبَـحِ

لا لــيــلُ دجــلــةَ يــقــفــو نـجــمَـهُ سَــمَــرٌ

ولا الــــنـــهـــارُ تــزيّــا بُــردةَ الـــقـُــزَحِ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لو نقرأ مظفر النواب والجانب الفلسفي الكبير في (تعب الطين، تعب الطين، تعبَ طينك ياالله)، لوجدنا انّ الحزن هو الأشد التصاقا ببني البشر منذ الصلصال الأول، الذات الأنسانية حزينة على الدوام لكثرة تبادل الموت والميلاد، فبعد كل ميلاد حتما هناك موت، والموت لايخلف غير الحزن، فمازال العدم هو المستقبل المنتظر لنا، فنحن على الدوام متعبين ونردد مع أنفسنا (تعبّ طينك ياالله) مع إدراك الذهن لهذه الجدلية المخيفة . وهنا نرى يحيى السماوي بفلسفته الخاصة وبعده الثقافي، حتى وإنْ إقترب من الفرح، وأشد فرحنا نحنُ كعراقيين هي أماسينا ورفع الأنخاب مع الحشر الجميل من الأصدقاء، مع السلافة (الخمر اللذيذ، بل الأشد طعما وذوقا)، وحتى مع هذه الأجواء، نرى العراقي لايمكن أنْ تكتمل سكرته ونشوته والوصول الى نرفاناه الخصوصية مع الترنّح، الاّ مع الحزن، ولذلك نرى العراقي حينما يثمل يتناول الدارميات حتى وإن كان لايفهم في لغات الشعر، لايمكن أن تشتغل ( السلافة) في الرؤوس الاّ مع الأتراح، لايمكن أنْ نرى الكأس مليئة بدون أنْ يدب في أحشائنا همٌّ وغمّ، عجيب غريب حالنا كعراقيين، ولم يكن الشاعر يحيى في هذه الرباعية غير نسّاجٍ رهيب، غير حرفيٍ ماهرٍ في صنع سجاد الشعر، حتى وإنْ أعشى في الظهيرة، وكأني أرى (الأعشى) بعينه وهو يبوح لنا ماهو خارج عن العقل، خارج عن معطيات النهار وتلازم الغشاوة فيها بدلا عن الليل وحلكته . صورة من قبل الشاعر تحفزُ فينا، اننا ومن كثرة أحزاننا وهمومنا أصبحنا نرى في الليل لكثرة اللصوص من ذوي في بلادنا، نراهم حتى وإنْ كانوا أشباحاً( ويــحَ الــذيــن اســـتــبــاحــونـا بـألــفِ يــدٍ / مـجـذومـةِ الـنـبـضِ قـد شـُـدَّتْ إلـى شـَـبَـح)، بطرس الأكبر قيصر روسيا في القرن السابع عشر سن قانونا ضريبيا على كل من يسعى ويقوم بإطالة لحيته سواء إنْ كان من رجال الدين أو من عامة الناس للتخلّص من أكاذيبهم وخداعهم في اللصوصية . أما في وضح النهار فهم معروفون للقاصي والداني، فلا ضير إن أعشينا وأصابتنا الغشاوة عنهم . في دراسة عن الإنسان وهمومه وصراعاته، وجد العلماء أنّ الإنسان يتبع الى نوعين من القردة، نوع يسمى الشمبانزي، وهذا يقوم بالدفاع عن نفسه وأحيانا يقوم بالقتل إذا ما أجبر على ذلك ( هذا النوع هم سياسونا ومستبيحونا سفلة اليوم )، أما النوع الثاني هو (البونوبو) وهو الأقرب الينا نحن محبي السلام والتعايش، وهذا يقوم بممارسة الجنس في حالات الإعتداء عليه، أي إنهم إذا إجتمعوا وتخاصموا يقومون بالمضاجعة للتكاثر والتناسل بدلا من القتل، ولكن الغريب في الأمر أنّ (البونوبو) في حالة إنقراض، بينما الشمبانزي (سياسيونا اللصوص) باقٍ حتى الآن بأعداد هائلة، وهذا مايفسر حزننا وبؤسنا وبكاءنا على حالنا كما في الرباعية أعلاه التي جادتْ في إعطائنا موضوعا فلسفيا بحتا يليق بشاعر كبير، ديدنه الدائم أنْ يفضح كل من جاء يعترك على مقاليد الحكم والنفط الذي جلب لنا النقمة على مر السنين الغابرة، وقد أتحفنا الشاعر برائعته التي تخص الموضوع ( النفط ):

 

الـنـفـطُ الـذي لا يـمـلـكُ مـنـه الـفـقـراءُ إلآ الـسّـخـام ...

الـنـفـطُ الـذي أشْــبَـعَـنـا جـوعـاً: مـتـى يـجــفُّ ؟

سـنـبـقـى نـنـزفُ دمـاً حـتـى آخـر بـرمـيـل نـفـط !

هـو لـيـس عَـسَـلاً

فـلـمـاذا يـتـقـاتـلُ مـن أجـلِـهِ ذبـابُ الأبـاطرةِ والـلـصـوص ؟

ــــــــــــــــــــــــ

 

هؤلاء يلعبون معنا لعبة مصاصي الدماء وليس على غرار دراكولا، هذا رومانيٌّ مات منذ قرون، بل على غرار تلك الترسانة السينمائية التي تعترف وتوثق كل الجرائم الكبرى عن هؤلاء المصاصين ومدى حبهم للجشع والقتل الذي من ورائه يأتي المال ثم المال ولتذهب الإنسانية الى الجحيم، إنهم أحفاد آدم سميث ذلك الرجل الذي غدر بأعز أصدقائه حيث كان آدم سميث يدرّسُ أبنَ صديقٍ له , فتركهُ لكونهِ فقيرا وذهب الى أحد ألأثرياء طمعا بالمال، ومنذ تلك اللحظة بدأ رحلته في نظرية الإقتصاد الرأسمالي الجشع، حتى ورّث لنا هذه الأنظمة الرأسمالية المشوّهة . بينما ماركس وانجلز وجينا زوجة ماركس كلهم أثرياء، تركوا عالم الثراء وعاشوا في أزقة الفقراء لنصرة قضيتهم المستمرة حتى اليوم . لذلك فإنّ هذه الأمة إذا لم تجد لها مأرباً وخلاصاً، فإنّ هؤلاء الوحوش سوف يمتصون دماءنا حتى آخر قطرة منها، ولن يبقى لنا غير السخام الذي نزوّق به وجوهنا كي نكون مثل ذلك الرجل الإعرابي الأسود الذي يشبه سواده سخام المدفأة ذات الفتيل ( الجولة) فمرّ عليه الأصمعي وقال له ما اسمك يا أخ العرب ؟ فقال الإعرابي إسمي زيتون، فنظر الأصمعي جيدا فلاح له أنّ الزيتون أسودَ ولاغبار على ذلك، لكنه يحتوي على لمعان، أما هذا الإعرابي الأسود فليس له لمعان سوى سخام (الفتيل) فقال له الأصمعي (سمّوكَ زيتون وما أنصفوا / لو أنصفوا سمّوك زعرورا .... لأنّ في الزيتون نوراً يضيء / وأنت لاضوءا ولا نورا) . أنا أعتقد أنّ من يمتلك النفط سوف يكون مثل هذا الذي يدعي بإسمه زيتون، مثل السعودية التي تدعي بأنّ لها وجهاً لامعاً حضارياً، بينما هي في حقيقة الأمر كلها عبارة عن وجوه سوداء مغبرة على مر التأريخ . هؤلاء لم يكن لهم من موقف مشرّف أبدا، غير أنهم خلّفوا وراءهم الكثير من القصص السيئة والتي كتب عنها الكثيرون من الشعراء في ومضاتهم ومطولاتهم، الومضات التي على غرار ماكتبها الشاعر يحيى، أنها الومضات العذبة بالنسبة لنا نحن أعداء الرجعية، بينما هي وصمة عار في جبين كل الطغاة، لنقرأ هذه الأسطر التي خطها لنا الشاعر بعنوان (ومضة ):

 

قَـصُّـوا فـمَ الـصَّـعـلـوكِ

خـشـيـةَ أنْ يـقـولَ لِـصـاحِـبِ الـعـرشِ الـمـقـدّسْ:

لـو لـم تـكـنْ كـالـصَّـخـرِ أخـرسْ

لـم تـجـعـلِ الـمـتـحـدِّثَ الـرسـمـيَّ بـاسـمِـكَ فـي الـحـواراتِ:

الـمُـسـدَّسْ !

 

مادام أمامنا مسدس فهذا يعني أنّ هناك ومضة موتٍ قادمةً لامحال، أنً هناك رصاصا مقبلاً صوب الأجساد البريئة وغير البريئة على السواء، صوب الجباه والقلوب، إنّ عزرائيل يدور حول رياضنا ولانعرف من ستنكسَر سنابله في الحين، مادام هناك فوهة لقذف الحمم، فلابد لنا أنْ نستكين كي نستفهم ماالذي سيحصل، مادام هناك زناد فعلينا أنْ نعرف على مَن سيُطلق الرصاص . في فيلم همنغواي كيلهورن (همنغواي وحبيبته الصحفية مارتا كيلهورن) ظهرت هناك بندقية معلقة في الحائط، فكانت هذه البندقية تريد أنْ تقول لنا، لابد أنْ يكون المشهد القادم مشهداً للموت، وبالفعل يمرض همنغواي ويشتد مرضه وفي لحظة يأسٍ قاتلة قام همنغواي وسحبَ البندقية ووضع الفوهة على حلقه وكان الإنتحار الذي أدى بموت أشهر روائي وصحفي في ذلك الزمن الرومانسي . مادام أنّ هناك شاجوراً وبيتا لترباس البندقية فعلينا أن نختبئ خلف متاريسنا وبيوتنا كي نحمي أنفسنا من شرور الإطلاقة القادمة التي تنوي قتلناعلى أيدي الصخور الخرسان ومتحدثيهم المجرمين، لكنهم غير قادرين على أنْ يلجموا الومضة القصيدة التي أقرؤها الآن للشاعر يحيى، الومضة التي تشعل فينا كل معاني الثورية والإصرار والتحدي . مادام هناك رصاص، يعني هناك متطرفون مثل أولئك الذين قتلوا المغنية الباكستانية (غزالة جاويد) ظنا منهم أنهم سوف يقتلون الأغاني، وقد كتب عنها صاحب المقال هذا (هاتف بشبوش) نصّـه أدناه :

 

هدئي شَدوَكِ ياغزالة

فالرصاصُ

صائمُّ وجائعُّ وعطشُّ

ياغزالة

هدئي لَحنَكِ ياغزالة

فالليلُ غفا

على تسبيحِ طبولِ القتلِ ياغزالة ..

النساءُ ياغزالة

لاتعرفُ سوى أنْ تكتبَ أسماءها

بأحمرِ الشفاهِ

بينما هم

كتبوا حُبَ اللهِ بالرصاصِ

على لحم جيدكِ المعافى ياغزالة.

كلنا كذكور نهب لنصرة الجنس الآخر اللطيف، لكونها النصف الآخر الذي يشكل أجزاءنا وكل منحياتنا في الحياة، إنها السراج الذي يلمع في سماء حياتنا على طول إمتدادها، وهذا مايؤكده لنا الشاعر يحيى في تعبيرهِ الآتي :

مثل ضريرٍ يرى الطريقَ بعصاه:

أرى تضاريس جسدكِ بأصابعي ..

أجوب جباله ... سهوبه ... ووديانه ..

مهتدياً بقناديل عبيرك وشموس دفئك !

ــــــــــــ

نعم ضريرُّ ذاك الذي يدخل متاهات اللذة في الظلام،عجيب غريب أمور أنثانا، لاتحب أنْ يبدأ الغزل إلاّ بالظلام , ومن منا لايعرف هذه الحقيقة ؟ هذا دأب تعلمه كلًٌّ من الذكر والأنثى منذ القدم للإحتماء، حيث كان الحب يتم في الكهوف أو في المغارات بعيدا عن أعين الناظرين .أما اليوم، تغلق الستائر، تفتح مصابيح المنام الخافتة وتطفأ الأنوار المشعشعة، يسود الصمت، يقل الكلام، ولا يبقى سوى الهسيس , ثم يبدأ التجريد قطعة قطعة، ثم مرحلة التجوال في معالم المجاهيل الخفية، وكلها يتم الإستدلال عليها بالعصى (بالأنامل والراحتين) لا بالعيون، بالقلب لا بالتحديق والزوغان، بالإحتكاك لا بإختلاس النظر، بالوصال الرهيب الذي يدلنا على كل المتاهات الجسدية الرخيمة، على كل الأخاديد الناعمة، على جميع اللحم المعافى، على أروع مارسمه بيكاسو وما خطه لنا ريتسوس في قصائده الأيروتيك، على الوادي المستقيم الماثل أمام إنتشائنا، على كل القباب المرمرية التي ضحكت في صدر لوليتا نزار قباني، على الأديم الأملس الريان . كل ذلك يتم ونحن نستدل بسراجها الضئيل المنبعث من دفء سريرها وأقراطها وأساورها الفضفاضة لا بسراج مقلنا الدفينة بين الظلام . يحيى مثلما هو شاعر الجياع والسياسة منذ الصبا، هو شاعرالمرأة بشكل دونجواني مثير، حينما نقرأ غزلياته نحس وكأنه كازانوفا السماوة، لكن الحقيقة ليست كذلك، هو الشاعر الذي لديه حبه الأوحد، هو الشاعر القادر على أنْ يستفزنا في كل تبتلاته، بمستطاعه أنْ يثير فينا كل النوازع التي من شأنها أنْ تجعلنا نحب النساء بما يرضي مبادئنا وعقولنا لا أهواءنا الرخيصة التي لايسجلها التأريخ، إنه الشاعر ذو القلبين كما نقرأ أدناه :

 

أيـتـهـا الـمُـتـبَـرِّجـة ُبـنـبـضـي

الـمُـعـطـَّـرةُ بـتـبـتـُّـلـي:

قـبـل أنْ تـسـكـنـي قـلـبـي

لـم أكـن أعرفُ أنَّ لـقـلـبـي قـلـبـا !

هكذا هي استراحة المقاتل حينما يتعب ويهدّه السيف فلابد أنْ يربط الفرس في مربطه   كما قرأنا وعرفنا لأبطال الملاحم، فتراه يأخذ قسطا من الراحة مع النصف الثاني من القلب، مع إمرأة الحلم الأبدي التي لاتغيب عن أي مشهد مع الفرسان، فنرى الفارس ماركوس أنطونيوس يستريح عند أحضان كليوباترة، أوديسيوس بين ذراعي حبيبته بينيلوب في إيثاكا، فالانتاين وسيليفيا، باريس وحبيبته هيلين في إلياذة هوميروس وغيرهم . أما ألأديب هو الآخر له إستراحته التي لابد أنْ يأخذها ويذهب بعيدا عن السياسة التي أتعبته حينا من الدهر، مع هذا البلد الغارق في العنف والتشويه، الذي تشعبت أموره وسط شلّة من السفلة المنحطين، فيذهب الأديب في إستراحته كي يرينا من سطوعها النير، كي يمدنا بالشميم وشذاها الطيب، كي يكون النبض أكثر من المعتاد ونحن بالقرب من وترٍ حساس إسمه أنثى السعادة، وها أنا أرى الشاعر يحيى يستمد الراحة والإستراحة من تبرّج وجهها الجميل المعَطر ببتلةِ السماوي البارع في وصفها أعلاه. فما بالنا إذا كانت أنثى السعادة أمهاتنا ومايدور حولها من الفناءات التي لايمكن نسيانها، لنقرأ عبقرية الشاعر في فلقته الأمومية (دخان):

 

 

أكرهُ الـدخـانَ ـ بـاســتـثـنـاءِ دخان تــنـُّـور أمي ...

فـهـو الـدخانُ الـوحـيـدُ الـذي لـه رائـحـة ُبـخـور الـمـحـاريـب

وبـهـاءُ قـوسِ الـقـُـزح !

 

يعني بمستطاعنا أنْ نقول على غرار ماقاله الكبيرمحمود درويش (أحنّ إلى خبز أمي / و قهوة أمي / و لمسة أمي / و تكبر في الطفولة يوما على صدر يوم )... كل مايقوله الشاعر هو عبارة عن ذاكرة ماضية، قريبة او بعيدة جدا، لولا الذاكرة لما عاش الشاعر العمر الذي يصب فيه كلماته على الورق كي يستريح من حالة أصبحت مشحونة في أعماقه ودواخله، فلابد لها من التفريغ الآني . أحيانا نترك كل مافعلناه سيئا أو خيّرا على المرآة .. الإنسان بطبيعته عاشق للمرآة بقدر النرجسية التي يحملها في حب الذات، فيظل ينظر في المرآة، يتكلم معها في الصمت، يترك أفلاما تخص حياته وتعيش هذه كلها في داخل أو فوق سطح المرآة، لكن المرآة كما يقول ( واسيني الأعرج) ليس لها ذاكرة، لو كان للمرآة ذاكرة لفضحتنا . لكننا مجبولون من الذاكرة، كما هذه الرائعة التي نقرؤها عن الأم ودخانها، هي في الأساس مصنوعة من الذاكرة التي نسجت كل أغصانها من الطفولة والصبا، حيث هناك الأم وكيف كانت تداعب كل مانرتديه أو مانطلقه من الأحاسيس . الدخان هو ذلك السمت الضبابي الخانق المانع للحياة والطارد للأوكسجين، القاتل لامحال لو ظل فترة من الزمن، القاتل للبعوض كما أيام زمان، والقاتل للبشرية في هذه الأيام كما دخان الدواعش، أو المدمر كما دخان الحروب، أو المزلزل كما دخان البراكين، أو كما القول الشائع لدينا (بس دخانك يعمي) . يعني بالمختصر لا أستطيع أنْ أجد دخانا أحبه أو أنْ أعيش بالقرب منه سوى دخان السجائر بالنسبة لفئةٍ كبيرةٍ من المدخنين وهذا نسبي إذا ماقورن بالدخان الذي حدثنا عنه الشاعر يحيى في هذه الشذرة الحنونة لأمهاتنا (أكرهُ الـدخـانَ ـ بـاســتـثـنـاءِ دخان تــنـُّـور أمي) . أنه حب الأم (ذلك الحب الحر والطليق كدخان القلب ... شكسبير)، أنها الأم وماتحت أقدامها من الفردوس، وحتى هذه أنبأنا بها الشاعر، أجادنا عن النساء بشكل عام بما فيها الحبيبة والأخت في بوحه الذهبي (تفاحة الفردوس الأرضي):

 

خـفـيـفـة ُّ كـجَـبَـلٍ فـي لـوحـة ...

ثـقــيـلـةٌ كـحـصـاةٍ صـغـيـرةٍ فـي جـيـبِ قـمـيـصـي ...

مـلـيـســةُّ ُّ كـمـرآةِ عـروسٍ قـرويـة ...

خـشــنـةٌ كـلِـحـاءِ شـجـرةٍ يـابـسـة ...

هـادئـة ُّ كـالـنـعـاس ...

صـاخـبـة ُّ كـالـقـلـق ...

قـريـبـة ُّ كـالـشـمـس مـن عـيـونـي ...

بـعـيـدة ُكـقـلـبـي عـن يـدي ...

مـنـذ سـقـوطِـهـا فـي حـضـن " نـيـوتِـن "

والـتـفـاحـة ُّ لا تـُحـرِّكُ مـاءَ الـبـحـيـرةِ الـسـاكـنـة !

فـلا تـعـجـبـي لِـتـنـاقـضـي

مـادام أنّ خـريـفـي تـمـاهـى بـربـيـعـك ...

فأنا وطنُّ عاصمتهُ أنتِ!

أكـلُّ هـذه الـبـحـار والـجـبـال والـصـحـارى الـتـي بـيـنـنـا

ونـحـن أكثـرُ اقـتـِـرابـاً مـن شــفـتـيـن مـضـمـومـتـيـن ؟!

 

نزار قباني حينما سألته إمرأة عن كل التحف التي كان يكتبها وكيف له ذلك المخيال العجيب الغريب، فقال : ياسيدتي أنا كل مافي الأمر لديّ القدرة على إظهار الجمالات التي في جسمك وروحك وأكتبها على الورق، فالفضل كل الفضل لها . لكنّ شاعرنا الكبير يحيى دخل الى عالمها بكل ماتملكه من سحرٍ فياّض، بما لديها من فردوس بتفاحه الطازج سواء إنْ كان على الشجرة أو المعفر الأرضي، أو تفاحة آدم . بما لديها من جبالٍ عجينية الملمس محروسةٍ بخصالها الليلية فوق الصدور، بما في حجرتها القروية من مرآة لم يدنسها الآخرون سواها، مرآة لاتحوي من الذكريات غير صورة وجهها الطافح لمعانا وبهاء، بما يهدأ حول ملاءاتها الليلية من نعاس . تلك الحبيبة القريبة البعيدة كالشمس المفروشة على سطوح ديارنا، أوقات ما تنادينا أمهاتنا للنهوض باكرين . أنها المرأة الممغنطة حبا وشغفا وجاذبية، إنها لم تسقطُ في حضن نيوتن، انّما لما فيها من الجاذبية الكهرومغناطيسية جعلت من القطب القريب لنيوتن ممغنطا فسقطت في الأحضان . إنها الأغنية الهندية الأسطورية التي تقول (إنّ الأرض لنا والسماء لنا) فمهما ابتعدتْ واختفتْ بين الجبال والبحار فهي من ضمن أرضنا وسمانا، هي القابعة في الوصال الممتد بين العين والقلب، مثلما نرى في الكلمات الفسفوريةِ أدناه (عطش):

أيـتـهـا الـمُـتـبَـرِّجـةُ بـنـبـضـي ...

الـمـمـتـدةُ مـن أغـصـان أحـداقـي حـتـى جـذور الـقـلـب ...

الـمُـعـطـَّـرةُ بـتـبـتـُّـلـي:

لـمـاذا كـلـمـا شـربـتُ من زلال نـهـرك

أزدادُ عـطـشــا ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

لون السماء لايتغير أينما ذهبنا، وهاهو يحيى السماوي يتنقل بين الواق واق في تخوم استراليا والسماوة حيث مقهى فائق وعبر كل المحيطات، وكأنه الشخصية الكوزموبوليتية . وحينما يحس بيباس الريق، لايليق به غير ريقها العذب وشهدها وماء جبينها، ولايرتوي الاّ بكأسِ ماءٍ قراح من يديها الصافيتين، وكلّما يحدقُ في نجوم عينيها صامتا واجما منذهلا، أراد المزيد من التحديق والنظر مثلما قال الكاتب الأنكليزي الشهير شكسبير (في الليل لايغني العندليب/ ولايمر عليّ النهار / إذا لم انظر في وجه سيلفيا) أو قول جميل بثينة (لا والذي تسجد الجباه له، مالي بما تحتِ ثوبها خبرُ / وبفيها وماهممتُ بها الاّ الحديث والنظرُ) . حينما يعطش الشاعر الحبيب راجيا اللقيا بعد طول غياب , وحينما يتحقق له ذلك ويفتح أزرار الزيق يحترق حبا وشوقا، والذي يحترق يزداد سخونة وتعريقا وجفافا في الريق، وهكذا هي دورة الحب والأشتياق، وهكذا هي الحياة في دائرة الصبابة، دائرة مغلقة لكنها لاتحتوي على الروتين الممل، بل كل يوم عطش وعطش وعطش دائم، حتى يسقط في فراشه عليلا بداء الحب وما من شفاء سواها، تظلّ على مقربة من كل جوانحه، تمسد الجبين وهي الطبيب المداويا، لكن النتيجة مامن ضحايا سوى من يعنيه الأمر، وهو الشاعر نفسه فقط، وما للآخرين من لومٍ وعتاب، لنرَ الشاعر وإدانته المطلقة للذات المجرمة، ولكن أي جرم وأي جريرة إرتكبها الشاعر الشفيف والبريء والضحية، لنرَ الشاعر والتهم الموجهة اليه من خلال الأسطر أدناه ذات المعنى الكثير والقصيرة حروفا والجميلة شكلا في شذرة ( مجرم) والتي يدين بها نفسه فقط :

أنـا أخـطـرُ مـجـرمٍ فـي الـدنـيـا ...

لـكـنَّ الـذي يُـمـيِّـزنـي عـن كـلِّ الـمـجـرمـيـن

هـو أنَّ ضـحـايـايَ هـم: أنـا وحـدي !

ــــــــــــــــ

الجنون الذي ساق قيس بن الملوح الى مثواه الأخير، لم يأخذ غيره معه، الاّ بعد حينٍ من الدهر حيث التحقت وراءه ليلى حسب ماتقوله الرواية المعروفة، فما من ضحايا سوى الشاعر يحيى حينما يسهر الليالي في سبيل إعلاء كلمة حب تبقى تصهل عبر الدهور . ورغم كل ذلك المصاب والشقاء وجلد الذات أحيانا، الشاعر يندم لأنه قد تسبب في زرع بذرة الحزن في قلب من أحبها حسبَ مايعتقد، فهو هنا على خطى الكثيرين من الشعراء الكبارعبر التأريخ، لنقرأ كيف كان الشاعر في رائعتهِ (ندم) :

 

نـهـرُكِ الـذي شــرَبْـتـُـهُ قُــبــلـةً قُــبـلــةً:

ذرَفـْـتـُـهُ نـدَمـاً دمـعــةً دمـعـة

حـيـن أحـزنْـتُـكِ ذاتَ جـنـون !

 

هنا الشاعر يهرب من الإستقرار، كل شئ لديه متحرك دائما وأبدا، لاينهل من ماء النهر مرتين، وحينما نقرؤه نرى القيم والأبعاد الرومانتيكية في أكثر أعماله . نراه هنا في هذه الندميّة الحزينة النازفة والذارفة حتى الوشل، نراه فارترياً متألما (آلام فارتر ... غوتة) فارتر ذلك الشاب الذي أعطى تلك الأمة في ذلك الزمان الكلاسيكي العذب وحتى اليوم درسا في التضحية، درسا في الحزن الساحب لكل دمعةٍ بقيتْ في المآقي، ذلك الشاب في تلك الرواية التي ظلّت أصداءها تتناولها الأجيال لما فيها من ندمٍ وحرقةٍ على فراق حبيبٍ قد ذهب وخلّف وراءه إستحالة الرجوع، تلك الرواية وذلك الزمن وأؤلئك الشباب الذين لم نجد لهم شبيها اليوم .. لم نجد ممن يذرف الدمع وهو يهيل التراب على الجسد الهامد لحبيبة القلب التي يأسف حبيبها لأنه لايستطيع في أوان الوقت أنْ يعتذر لها عن الجنون الذي سببه لها عن غير قصد، لايستطيع أنْ يقدم البدائل التي من شأنها أن تكون المعجزة في إحيائها مرة اخرى، لايستطيع غير أنْ يفعل مايفعله النادرون اليوم من أمثال الشاعر يحيى، وهو يحاول أنْ يعيد الشرف الفارتري المؤلم والمخلص والوفي حد اللعنة، الى حبيبٍ قد أرغمه الدهر على أنْ ينام في العميق والى الأبد .

 

يحيى السماوي في سطور ...

يحيى السماوي أشجعُ شاعرٍ في جعل اللغة تنحني أمامه لمجرد إشهار نصل التحدي فنراها مطواع يديه وقلمه، فلايمكن لنا أنْ نقرأ يحيى من دون اللغة وفي اللغة ذاتها . أنه يخلق لنا جيلا جديدا من المفاهيم والمعاني التي لاتخطر على بال من يقرؤها، انه معلم في مدرسة الشعر العليا كما هو في الحياة، له من الدروس الكثيرة التي تقوّم الأنانية واللامبالاة وعدم أحترام الأنسان . يحيى ينظر بعين المأساة والواقعية الشديدة، بارعُ في إكتناه الأوجاع الجلية لشعبه بشكل مثير للغاية، يكتب الآيروتيك لابقصد الأثارة وانما بقصد العمل الادبي الوجداني بحد ذاته، وإعطاء الجنس اللطيف بما يستحقه من مستحقات إنسانية محضة، لايحب التفخيم ولا التضخيم في هذا الفردوس الإنثوي . يحيى له من النوازع الرومانسية ما تجعله متفوقا بشكل كبير على الآخرين في غزلياته، كما هو حال (هاينرش هاينه) الشاعر اليهودي الألماني 1797 ـ 1856 وهو أهم شاعر ألماني بعد غوته، والذي كان ينشر أكثر نتاجاته في الصحف التي يحررها (كارل ماركس). المدّ التقني في قصائد الشاعريحيى يصل الى درجة الجمالية الخلاّبة، أما البعد المعنوي فإنه يشكل الركيزة الأساسية لجميع أعماله، أما الوضوح فإنه عمود أساسي من أعمدة وأركان القصيدة اليحيوية المذهلة. يحيى رجل لايطلق أحكامه على الآخرين جزافاً، لكنه يتآزر مع قولة علي بن أبي طالب (كن من تكون فأنت من تراب والى التراب) . يحيى له القدرة على سحرالقرّاء واستمالتهم وهذا هو دليل ذكائه وفطنته . أما دأب الشاعر الممارساتي والشخصي فهو مدخن شرهُّ وعلى غرار الروائي الألماني الشهير الحائز على جائزة نوبل (إريك ماريا ريمارك) حيث يقول (حمدا لله هناك سجائر، فهي أحيانا أفضل من الأصدقاء، لاتوقع الإنسان في حيرة، إنها خرساء وطيبة). في النهاية أقول الى رمزنا، الشاعر يحيى، ماقاله (بالاماس) في رباعيته الى (يانيس ريتسوس) ...(نتنحى أيها الشاعرالكبير، كي تمر أنت) .

 

هــاتف بشبــوش/ عراق/دنمــارك

الثيمات النفسية والفلسفية في ديوان الشاعرة سميرة عبيد "أساور البنفسج"

hayelali almotheabiلعل مما يثير الإعجاب في ديوان "أساور البنفسج" لـــ سميرة عبيد هو قدرة الشاعرة على مخاطبة الطبيعة واستخدام "البنفسج" كمعادل موضوعي للإنسان وللحياة وللوطن وللحبيب وتكتشف ذلك من أول وهلة تسمع عن الديوان فالعنوان الذي هو أول عتبات الولوج إلى النص يخبرك بأن البنفسج ذلك الورد الجميل له أساور ثم ثيمة " التعويض "Compensation" كأول ثيمة في الديوان يمكن الحديث عنها.

 

• ثيمة التعويض النفسي في أساور البنفسج

التعويض يلخص الحالة النفسية للشاعرة ويعني التعويض إحلال شيء من الطبيعة أو أحد ممالك الوجود الثلاث محل بني جنس الإنسان أو جزء منهم، ومخاطبة الطبيعة أو تذكير أحدها يندمج فيه ثلاثة مفاهيم ودلالات أولها استخدام هذا الموجود كمعادل موضوعي ثم التعويض به وأخيراً بعث الروح فيه وهو ما تميز به شعراء المهجر من الرومانتيكيين وسمي فيما بعد ب" الإحيائية " وعندما نتحدث عن أحد هذه الثلاث من المفاهيم في ديوان سميرة فنحن نتحدث بالضرورة وتتداعى لنا الثلاث مندمجة ومترابطة..

يبدأ ذكر البنفسج في ديوان " أساور البنفسج " بالإهداء لوالد الشاعرة الذي لون أحلامها بالبنفسج، ثم نجده في قصيدة الشارقة زهرة الدنيا":

" يا شارقة الحلم الغائم في قلوب ساكنيها / هاتي يديكِ واحتويني / فقد أصبحت في راحة يديكِ بنفسجة مسافرة " (ص21).

وأيضا في ذات القصيدة " يا شارقة الحلم البنفسجي / يامن ترجين في القلب مراكب الحب المسافرة / منذ خلق عطر بنفسجي بحي " ميسلون " (ص 24)

وفي قصيدة "نبوءة أندلسية (ص27) تذكر الشاعرة :

ياصغيرتي / سينمو جنين الدهشة في رحم الأمنيات / سيقتل شبق الظنون ويبدد عيون السراب / سيهديكِ الزمن زهر البنفسج ...(ص 29)."

ثم قصيدة سحر البنفسج (ص 47) تخاطب الشاعرة البنفسجة وتناديها أن تأخذها إليها فتبعث فيها الروح وتخاطبها وتناجيها مناجاة الحيارى، ثم نجد قصيدة " لوعة البنفسج (ص 65) لكنها هنا تتماهى في زهرة البنفسج وتصبح معادلة موضوعية للذات " الشاعر / البنفسجة "، كما نجد في قصيدة " سفن البنفسج " و" أساور البنفسج " معادلا موضوعيا للجمال المخيف...!!؟

من علماء الجمال عمانوئيل كانط صنف طبقات الجمال ومراحله جانحاً بالنفسي مجنح الرياضي " الحلو، الحسن، الجميل، الجليل " الأول يلذ والثاني يبهج والثالث يسر والأخير مخيف...

كيف يصبح الجميل مخيفاً ؟

يقول جوته : " ربما إستطعنا أن نتحمل الجمال الذي يرعبنا بسموه وأبعاده.."

عندما نتأمل الجميل نفرح له ونتمنى إمتلاكه لكنه عندما يكون كثيفا متعددا متنوعا فإنه يشعرنا بالفوات والعجز عن اللحاق به فنأسى لأن الزمن الذي هو عنوان الفناء سيمحو الفرصة التي نعاود بها الجمال الجليل ونشعر أن بيننا وبينه هوّة الموت فنرتعد فرقاً...

التعويض تفرضه دائماً العادات والتقاليد والبيئة والثقافة والظروف المحيطة عموماً بلا استثناء، ولذلك فإن هذا الشذوذ هو بمعنى الاختلاف والخروج عن القاعدة المتمثلة في العشيرة أو القبيلة أو المجتمع وكذلك في الفكر والفن، ولكن ما حيلة الشاعرة والأديبة في المجتمعات الذكورية ؟؟!!

إن التعويض هو تميز عن الآخرين والتعويض هنا قد يكون في سياق العلاقات الاجتماعية، مثال ذلك الشنفرى وهو الشاعر الصعلوك صاحب لامية العرب والذي استعاض بحياة البراري والصحراء والعيش مع الحيوانات التي وجد الأمن وأحس بالأُنس معها ففضلها على قومهِ وعشيرتهِ لقاء ظلمهم وساديتهم، وشأنه في ذلك شأن بقية الشعراء الصعاليك الذين كان يتزعمهم عروة بن الورد، يقول الشنفرى :

" ولي دونكم أهلون سيدٌ عملّسٌ / وأرقط زهلولٌ وعرفاء جيألُ

هم الأهل لا مستودع السر ذائعٌ لديهم / ولا الجاني بما جرّ يُخذلُ)

• وهاهو أيضاً يضرب لنا أروع وأنبل المشاعر الإنسانية وهو يوصي أم عامر أنثى الضبع حين قال :

" لا تقبروني إن قبري مُحرمٌ عليكم / ولكن أبشري أم عامرِ

إذا أحتملوا رأسي وفي الرأس أكثري / وغودر عند الملتقى أم سائري"

ومن النماذج أيضاً الأحمر السعدي أو الأحيمر السعدي أحد قُطّاع الطُرق في العصر الأموي وكان لصاً فاتكاً، يقول :

" عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبِ إذ عوى / وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ"

- نجد أيضا وفي مواضع أخرى في ديوان " أساور البنفسج " بعث الروح في البنفسج وتذكيره وإحلاله محل الحبيب كبديل أيضا يفرضه الحصار في المجتمع الذكوري والمعنى يتضح من خلال السياق وأيضاً تبعاً لمقتضى الحال فها هو المتنبي يؤنث القوة ويعوض بها عن المرأة، ومثله ابن الرومي الذي يؤنث الطبيعة، والنواسي الذي يؤنث الخمرة، وجبران خليل جبران الذي يستعيض بالعوالم الافتراضية والشخصيات الأنثوية مثل سلمى وغيرها، مما نجده في ثنايا مؤلفاته، كانت كلها تعويضية افتراضية لا وجود لها إلا في عالمه المثالي والافتراضي الذي صنعهُ بمخيلتهِ وثقافتهِ وإنسانيته الراقية، وتعبيراً عن حزنهِ وغربتهِ النفسية والمكانية أو"المكانفسية " التي كانت ترافقهُ أينما ذهب، كذلك قد يكون هذا التعويض تعبيراً عن أعمق مطلب وحاجة لدى الإنسان " إثبات الذات وتحقيق الوجود " والتي تعتبر الشجرة التي تتفرع منها كل الأسباب الأخرى لكنها في الأخير تنتمي إليها.

- كذلك نجد في بنفسج سميرة عبيد هذا التعويض تجسيداً لبحث مفقود عن غايات سامية في عالمٍ أهم سماته " النقص " والاحيائيين في الرومانتيكية يعبرون بوضوح شديد عن هذا..

كذلك نجده في مواضع أخرى يشبه عقدة "بجماليون " وهو النحات الذي صنع تمثالاً ثم عشقهُ، فهي لاتستطيع التوبة عن البنفسج في سياقات حياتها العامة والخاصة والأدبية أيضا، ونجده أيضا هروباً من سادية الآخرين وظلمهم..

إننا نجد في ثنايا ديوان " أساور البنفسج " تعويض راقٍ صنعته سميرة بخيالهِا الطفل، وسمو طموحاتهِا ورقي مشاعرهِا ورهافة أحاسيسهِا وتعاظم هم الإنسان بداخلهِا، هذا جميعه بالإضافة إلى المكونات الثقافية والظروف المحيطة والتراكمات المعرفية التي ترسبت في وعيها، ذلك الماضي البعيد الممتد فيها وهذا الحاضر الذي تسرب إليها وأيضاً المستقبل الذي يتراءى لها، كل ذلك يجعلها تتعارض بالطبيعة مع ضيق العالم السفلي، المادي، عالم الضلال، ما سوغ لها التعبير بكافة وسائل الإبداع والفن عن أشياء وتجارب يستحيل أن تكون عاشتها حقيقةً، شأنها شأن أهل الفن والإبداع الذين هم بدون هذه العوالم التعويضية الافتراضية والحقيقية لايساوون في ميزان الفن شيء له ذكر..

 

• ثيمة الغربة في أساور البنفسج

وتأتي الثيمة الثانية في ديوان أساور البنفسج يمكن ملاحظتها وفي حالة ترابط مع الثيمة الأولى وبالحديث عنها يمكن ذكر قول الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي في كتابهِ أمة من المهاجرين عن الغربة وأسبابها أن للهجرة أنماط، فتكون لأسباب اقتصادية وتكون هروباً من اضطهاد ديني، وتكون لجوءًا من استبداد سياسي.

وفي كل تلك الأنماط تسمى الهجرة غربة، ولهذه الأخيرة سيكولوجيتها وطبيعتها الخاصة، فهناك الغربة المكانية وتعني الانتقال والعيش في وطن آخر، وأسبابها قد ذكرت في الأنماط التي عددها كنيدي في كتابهِ والمذكورة آنفاً.

في ديوان أساور البنفسج للشاعرة سميرة عبيد نجد أن هاجس الغربة يسكن الشاعرة ولكن أشكال الشوق والحنين في القصائد تختلف من موضع إلى موضع فحيناً تعبر الشاعرة عن غربتها بالحنين والشوق إلى الأم، تقول في قصيدة " أماه " :

(أُمّاه..

يا نبعا تكومت عليه / كل الطيور، / يا رائحة ياسمينة / استحمت منها بناتك الحيارى، / نثرت بين الروح والجسد / ترنيمة عشق صابرة / ما زالت تؤرخني كل يوم / على خارطة الغربة، / وطن منفي أنا / أعانق ذل الفراق / كي أصبح بوهج لقياك) أساور البنفسج / ص 11

ونلاحظ أن الغربة المكانية والنفسية تسيطر على روح الشاعرة وتتحكم في سياق المقاطع السابقة.. ونلاحظ أن الأم ليست تلك العلاقة المادية التي تربط بين الشاعرة وبين والدتها ولكنه رمز يتسع ليصبح دلالة الشوق إلى أمها الكبرى " الأرض ".. ويعبر الفيلسوف اليوناني جالينوس عن ذلك بقوله : " يتروح العليل بنسيم وطنهِ، كما تتروح الأرض الجدبة بعليل المطر "، وهاهو برومثيوس يضرب أروع الأمثلة عن ذلك حين كان يتلقى الضربات في سماء الأولب فيهبط إلى أرض وطنه يتزود منها نسيماً وماءً وشعاعاً، ثم يعود ليتغلب على خصومهِ الآلهة المناوئين.. ويذهب الجاحظ إلى أبعد من هذا حول فكرة النسيمية الوطنية فيقول : " كان النفر في زمن البرامكة إذا سافر أحدهم احتفن معه حفنةً من تراب وطنهِ يضعها في جرابٍ لهُ ليتداوى بها..!!"

رغم ذلك فالغربة المكانية هي غربة اختيارية، في الأغلب، إلا إن تجاوزت حدود الضغوط الاقتصادية من أنماط الهجرة.. وقد عبرت الشاعرة عن ذلك بقولها في القصيدة السابقة : " وطن منفي أنا / أعانق ذل الفراق ".

في موضع آخر من الديوان تفرد الشاعرة قصيدة تعبر فيها عن وحشة الغربة وماتخلفه في الذات عنونتها بـ " أنفاس الغربة "، تقول :

(يرقص قلبي على ألحانه / يتمدد كسحابة بيضاء في كون الاشتياق / يتبرعم كزهرة تتفتح فتنشر رحيقها هوى / أترنح كأرجوحة / ما بين فكي الطفولة والغربة

هنا مطر يروي أنفاس الغربة / وهناك كف ظامئ لمواعيد الصحو المؤجلة / هنا سماء تتنفس بأشرعة مثقوبة / وهناك من يعزف على الكمان بأعجوبة / من أجل ذاك الشوق / ذاك اللحن / ذاك الشجن / ذاك الوطن / سأبقى، ،،،،،،،) أساور البنفسج 126- 127.

ثمة نمط آخر من الغربة يسمى الغربة النفسية، وهي غربة صعبة إذ يشعر صاحبها وهو بين قومهِ وأهلهِ بغربتهِ عنهم، فتبدو عليه أعراض الاكتئاب، ويدخل في سياق هذه الغربة ما يسمى في النفسانيات بالتعويض compensation   أي مثلما نقول بالبدائل تستمر الحياة، ومن الأمثلة على ذلك الشاعر الشنفرى قديماً والذي يقول معبراً عن هذا :

"ولي دونكم أهلون سيدٌ عملسٌ / وأرقط زهلولٌ وعرفاء جيألُ "

فاستعاض بالحيوانات عن قومهِ وأهلهِ الذين شعر بغربتهِ النفسية بينهم، ومثله الأحمر السعدي، أحد قطاع الطرق في العصر الأموي وكان لصاً فاتكاً، يقول معبراً عن غربتهِ تلك :

" عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى / وصوّت إنسانٌ فكدتُ أطيرُ " والنماذج في التاريخ على هذه الغربة كثيرة خصوصاً من شريحة الأدباء والشعراء والفنانين ولكن لا يتسع المقام لذكرها، لكن هذه الغربة ليست اختيارية ولكنها جبرية، تفرضها وتجبر عليها ضغوط كثيرة كعادات وتقاليد وتباينات ثقافية وشعورية لا يدركها كثير من الناس..

ونجد هذا التعويض ذاته في التفاصيل التي تقولها الشاعرة في قصيدة أنفاس الغربة ولكن بما يناسب ثقافتها وبما يناسب الأشكال الثقافية التي تحيط بها وتفقهها فتقول : " وهناك من يعزف على الكمان بأعجوبة / من أجل ذاك الشوق / ذاك اللحن / ذاك الشجن / ذاك الوطن / سأبقى "

 

أما وعن النمط الثالث من أنماط الغربة وأكثرها مدعاةً للأسى فهي الغربة التي تتكون من النمطين السابقين النفسية والمكانية " المكانفسية "، وهي ما بين الجبرية من الناحية النفسية والاختيارية من الناحية المكانية، ومن أمثلتها ومن شعراء المهجر نذكر جبران خليل جبران، الذي اضطرته هجرته وغربته المكانفسية إلى صنع عوالم خيالية ليس لها وجود إلا في ذهنهِ والتي نسج عنها أجمل الكلام والقصص والحكايا التي صارت إرثاً فكرياً حضارياً تتناقله الأجيال..

تقول سميرة عبيد في قصيدتها "أنفاس الغربة" :

" يرقص قلبي على ألحانه / يتمدد كسحابة بيضاء في كون الاشتياق / يتبرعم كزهرة تتفتح فتنشر رحيقها هوى / أترنح كأرجوحة / ما بين فكي الطفولة والغربة"

هنا نجد الوهم الذي يختاره الشاعر ويعايشه ويستعيض به ليأتنس ويكافح وحشة الغربة، وما تلك الألحان التي يرقص على أنغامها قلب الشاعرة إلا كما " سلمى " في أدبيات جبران خليل جبران التي ليس لها حقيقة إلا في أحلامه ومؤلفاته..

يقول بوذا " نحن مانفكر فيه، وكل مافينا ينبع من أفكارنا، وبأفكارنا نصنع عالمنا " ويقول أيضاً : " أن الإنسان لايصل إلى الحقيقة الخالصة إلا عندما يدرك أن كل ما في الحياة هو مجرد وهم.." والشاعرة تعرف ذلك بوعي أو بدون وعي لافرق فهذا الوهم ذاته هو مايجعلها تستعيض بالموسيقى والشخصيات الإفتراضية لتكافح وتجاهد غربتها حيناً وتستحثها على الكتابة والتعبير شعراً ونثراً حيناً آخر.

كل تلك أنماط الغربة تأتي في سياق موضوعي، بيد أن هناك علاقة سيكولوجية بين الموضوعية والذاتية تبعاً لما تحتمه الظروف الثقافية والحضارية والإنسانية، لكن يبقى سؤال هام عالق ترتسم حوله هالة استفهامات كثيرة وهو سؤال الهوية والذي له علاقة وطيدة بالغربة، وهو سؤال من أكثر ما يدور على الألسن ومتداول، فهل حقاً للغربة دور في محو الهوية واستئصالها من أعماق الفرد، أم أن الغربة تعيد صياغة عوالم المرء النفسية لتصنع منه إنساناً جديداً له علاقة بالعالم الذي يعيش فيه، لكنه لا يقبل التنازل عن هويته الأصلية والتي بدونها – على الأقل في نظرهِ وهو الأهم لا يساوي شيئاً، والشاعرة سميرة عبيد في أساور البنفسج تخالف تلك الأنماط التي مسخت هويتها الغربة بما احتواه الديوان من تفاصيل الأشواق وحكاية الحنين في ذات الشاعرة الذي ليس له قرار..

 

• ثيمة التطهر في أساور البنفسج

وبالإنتقال إلى الثيمة الثالثة في ديوان أساور البنفسج نجد أن إتفاقنا على أن الحياة المادية والتكنولوجيا الحديثة قد طمست على معالم الجمال في النفس البشرية ودأبت على تشويه القيم الجميلة في قلوب الناس وحثتهم على ترك الإنتباه إلى ماخلق الله من جمال في هذه الدنيا وسلبت المرء دهشته بعوالم الطبيعة وسحرها، فإن المادية والتكنولوجيا هي مرض العصر بامتياز، ولاسبيل إلى التطهر من كل ذلك القبح والتشوه إلا بتذكر كل إنسان لميلاد مرضه المادي الأول عن طريق جولة سريعة بين الورود ومفاتن الطبيعة وهذا مايبدو جلياً لنا من أول وهلة تقع أعيننا فيها على ديوان " أساور البنفسج " للشاعرة سميرة عبيد وتشعر بذلك بمجرد أن تفتح المجموعة التي سطرت بالإهداء الذي يقول :

(إهداء..

لوجه أبي الذي لون أحلامي بالبنفسج...

ذان... لعطر وضوئه ساعة

لميسلون التي شربت ضحكته...

لخبز أمي الذي لايشبه أحد...

لرائحة الياسمين في حدائقها)

.

• التطهرCatharsis:

يرى أفلاطون كونه أول من استخدم هذا المصطلح أن المأساة تطهر المتفرجين من عواطفهم وانفعالاتهم المكبوتة عن طريق استثارتها في نفوسهم. وحين تناوله أرسطو قال أن المأساة تطهر المتفرجين من "الانفعالات والعواطف المتطرفة".

وفي القرن الماضي دخل مصطلح "التطهر" أو "التطهير" في علم النفس التحليلي من مجالين المجال الثاني وهو ما يعنينا، في العلاج النفسي عند المدرسة التحليلية منذ ابتكر عالم النفس "جوزيف بروير" أسلوباً للعلاج أطلق عليه اسم "الأسلوب التطهيري" حيث يطلب من المريض النفسي أن يحاول أن يتذكر أول مرة لاحظ فيها أعراض المرض فإذا تذكرها شفي المريض كما زعم "بروير" وفي قصيدة (يوم ميلادي ص 124) تتعافى الشاعرة ويتعافي اللاوعي الجمعي بقولها :

أيها النور لا تنطفئ فخلفك سيول من الآوجاع تحتضر

وشجرة أمي المزروعة بالياسمين صدق أبي حين قال

إنها لا تنكسر..... لا تنقصر.... لا تندثر

لو مر عليها الخريف ستعود من جديد يا بنفسج)

واقتبس فرويد هذا الأسلوب في بداية تكوين نظريته المتكاملة في التكوين النفسي للإنسان وفي علاج مرضاه وكـان لا يزال يؤمن بأن الحالات العصابية (أو الأمراض العصبية) ترجع إلى أحداث بعينها في حياة المرضى ولكنه عاد فعدل من فكرته وأرجع كثيراً من حالات "العصاب" إلى ما وصفه بأنه "صراع" بين الدوافع الغريزية والقيم التي رسختها الثقافة أو المجتمع. وعمل "فرويد" بعد ذلك على تطوير أسلوب "التداعي الحر" حيث كان أسلوب التطهير أحد جوانبه فحسب.

 

إن النظر العميق يهدي إلى أن مسألة التطهر تقتضي وجود مأساة أولاً وشيء يخافه الإنسان ويخشاه، ولعلنا نفطن جيداً أن المادة هي قبح الحياة بما تفعله في قلوب البشر من بغضاء وكذلك ما تولده من كراهية بينهم ولأجل ذلك أصبحت المادية الحديثة تشكل مأساة بل هي المأساة الحقيقية للإنسان في العصر الحديث خصوصاً بعد أن تخلى الإنسان عن قيمه النبيلة وقتل كل ما يمت إلى الجمال بداخله فأصبح في أمس الحاجة إلى من يوقظ بداخله ميلاد افتتانه بالجمال وكذلك ميلاد مرضه بالمادة كما زعم "بروير" .

وكما أفترض مصطلح التطهر أو التطهير لدى أرسطو ومن قبله أفلاطون وجود مأساة فإن مجموعة " أساور البنفسج " التي سعت الشاعرة من خلال ما جاء فيه من نصوص عن الورود والجمال تقوم بفعل التطهير للإنسان من مأساة المادية والبغضاء لأن الشعر يقوم بفعل التداعي الحر لدى المتلقي وهو ذاته ما انتهجه فرويد في علاجه لمرضاه.

وكما رأى "كارل يونج" أن الفنان لا يعدو كونه أداة يستخدمها اللاوعي الجمعي، الذي يتحكم في مختلف سلوكيات الإنسان وممارساته، ومن ضمنها الممارسة الفنية.

والامتياز الوحيد الذي يتفاضل به الفنان عن غيره من آحاد الناس هو قدرته على الإنصات لهذا اللاشعور والتعبير عنه، تقول سميرة في قصيدة (صهيل الريح – ص 118):

لك هذا الجبل / ولي بنفسجياتي، / لك هذا المطر/ ولي أمنياتي،/ إما أن نبتل معا فننتشي / وإما أن نختفي من هذا الوجود / بين أفنان ليلة ماطرة،)

. وبذلك يصبح الفنان والشاعر لسان حال مجتمعه وعصره الذي يصغي فتبوح له الأرض بأنين روحها، وذلك اللاوعي الجمعي هو الذي يتحدث في ديوان " أساور البنفسج " فيكون بذلك المجتمع في أمس الحاجة إلى تذكر ماقتلته المادة في نفوس الناس من جمال وافتتان ودهشة بالطبيعة.

ذلك القبح للمادة في النفس البشرية ينطبق عليه قول الشاعر :

" هو هذه الكف التي تغتالنا / ونقبل الكف التي تغتالُ "

إنها المازوشية التي تجعل الإنسان يتلذذ بتعذيبه لذاته، فهو يشاهد الخوف ويستلذ بمشاهدته ولاسبيل إلى تطهيره من كل ذلك القبح سوى بإعادته إلى مواسم البراءة والجمال في الحياة كما يتحدث اللاوعي الجمعي في ديوان "أساور البنفسج " على لسان الشاعرة وفي (قصيدة : الشارقةُ زهرةُ الدنيا- ص 24) تقول الشاعرة :

ياشارقة الحلم البنفسجي / يامن ترجين في القلب مراكب الحب المسافرة

منذ خلق عطر بنفسجي ب حي "ميسلون ").

وتماماً مثلما تحن الشاعرة في أساور البنفسج إلى ميلاد العطر الأول والوردة الأولى في حياتها يحن المجتمع الذي مازالت بكارة الحياة تحرضه على المادية والتكنولوجيا إلى التطهر بالورد والشعر والغناء من درن المأساة.

نجد كذلك من الأمثلة والشواهد أكثر من اربع قصائد للورود والبنفسج ك" أساور البنفسج " و" لوعة البنفسج " و " سحر البنفسج " وغيرها.

 

• ثلاثة نماذج

وكنماذج يمكن أن نأخذها من ديوان أساور البنفسج للشاعرة سميرة عبيد نختار ثلاثة نصوص أولها نص قصيدة " ضياء العتمة ":

بالبديهة سيكون العنوان هو العتبة الأولى للولوج إلى النص، وعنوان قصيدة " ضياء العتمة " من الديوان الأول " أساور البنفسج " للشاعرة سميرة عبيد يرد في تقنيته ضمن أنماط العناوين التي ميزها ريفاتير من أنماط الاشتقاق المزدوج وتقنيتها في كتاب " قراءة في قصيدة النثر "لسوزان برناد ونلاحظ التنافر الدلالي في العنوان الذي يشبه نص " سطوع القمر " لكلوديل والذي عالج موضوعاً هو القمر مع أخبار خاصة بالشمس مثلما يعالج عنوان الشاعرة سميرة موضوعا هو العتمة مع أخبار خاصة بالضوء وهنا نجد اشتقاقين متنافران دلالياً..

- في مطلع القصيدة تعدد الشاعرة سبعة فضائل ورذائل ونلاحظ هيمنة الرقم سبعة واستخدام الشاعرة له كأحد الأرقام المنطوية على أسرار محمودة خصوصا في الثقافة العربية والتراث العربي، تقول : السعادة / الفراق! / اليأس ! / الهجر ! / الآمل ! / الصدق! / النفاق! /

كل مفاهيمك / يا بردى / امتزجت بألوان مستعارة / نقول ما لا نفعل! / ونفعل ما لا نقول ! / هل الخطأ مكمن القصيدة!؟) (أساور البنفسج ص).

إن نقطة القوة في هذا المقطع من القصيدة تكمن في قول الشاعرة " يا بردى " وهي تتعمد النداء للمواساة ولعل الجدير بنا أن نقف قليلا على كلمة بردى.

لقد ارتبط اسم نهر بردى بمدينة دمشق، وكان للنهر كبير الاثر في حضارة المدينة عبر العصور وتغنى به العديد من الشعراء قديما وذكر في الكثير من المراجع التاريخية لأهميته ويقول المؤرخ (ابن عساكر) ان نهر بردى كان يعرف قديما باسم نهر باراديوس اي بمعنى نهر الفردوس، واطلق عليه الاغريق اسم نهر الذهب وقد ذكر نهر بردى في الكتاب المقدس (التوراة) وفي مراجع تاريخية كثيرة ويوجد لوحات فسيفساء تاريخية تبين نهر بردى مارا بين منازل دمشق للنهر اهمية تاريخية كبيرة وقامت على ضفافه أحداث هامه منذ فجر التاريخ.

إنها إشارة لتاريخية هذا النهر وما حصل عنده عبر التاريخ من قصص محبين وحالمين وأشقياء وسعداء وقلما نسي شاعر في العصر الحديث أن يكتب عن هذا النهر كان أشهرها قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي الراثية لحال دمشق أثناء استعمار القوات الفرنسية لها.

وكذلك نجد إشارة أخرى وتناص مع قوله تعالى عن الشعراء :" وأنهم يقولون ما لا يفعلون " وتعود الشاعرة في نهاية المقطع لتسأل بردى عن مكمن الخطأ ليظل سؤالاً مفتوحاً وحمال أوجه.

أما في المقطع الثاني من القصيدة فتتحدث الشاعرة عن الماضي الذي يعلق عليه كثيرٌ من الناس أسباب ما يحدث لهم في الحياة وما يقترفونه من أخطاء وتقول: ( نعلق أخطاءنا/ على شماعة/ وقت يمضي/ يصبح أمسا / و سراب أحجيات/ شيء من ماض / هلامي / مقياس لعثراتنا) (أساور البنفسج ص)

وفي المقطع الثالث نجد إشارة إلى مالك ذلك الطائر الحزين في حكايات كليلة ودمنة لابن المقفع وإلى تجمله بالأمل رغم الحزن الذي يلازمه ويحيق به وهو ما يجعل منه جميلا وهنا ايضا ارتباط وثيق بين دلالة الضياء في عنوان القصيدة دلالة وبين الأمل وبين دلالة العتمة والطائر الحزين ليتضح المعنى كاملاً، تقول الشاعرة : (الآمل أجمل العناوين / في حضن طائر حزين / وأقوى البراويز / فما الذي تجده / بيارق في حياتك؟) (أساور البنفسج – ضياء العتمة).

- كثيراً ما يكون السؤال أو الدعوة إليه بغرض الطلب وليس البحث عن إجابة وهنا تطلب الشاعرة تلوين الحياة بتلك الألوان التي تظهر ساعة الغروب وتطلب أيضاً البحث عن أسرارها والألوان أسرار ومعانٍ وروابط وكلما اتسعت ثقافة الإنسان عنها كلما سهل تأثيرها واتسع عليه في نفسه وفي واقعه..

نعم لتلك الألوان التي تظهر ساعة الغروب أسرار كثيرة لايعرفها كثير من الناس وللعارفين فهي كفيلة بتلوين الحياة الداكنة حين نفقهها وهنا أجد شيئا من التصوف لدى الشاعرة..

وليتكشف المعنى أكثر تقول طائفة من الصوفية تدعى " النقشبندية " أن للإنسان عدة أنفس ولكل نفس هالة أو ضوء خاص بها فترى أن اللون الأخضر لون النفس الراضية واللون الأسود لون النفس المرضية (أرضاها الله) واللون الأحمر لون النفس الملهمة واللون الأبيض لون النفس المطمئنة واللون الأصفر لون النفس اللوامة واللون الأزرق لون النفس الأمارة بالسوء..

وبخصوص الحياة الداكنة التي تشير إليها الشاعرة سميرة عبيد في القصيدة تتداعى شبيهات كثيرة وهامة فالأشياء بالأشياء تذكر، فجسر " بلاك فرايار " في لندن الشهير بجسر " الانتحار " كان لونه بني داكن وعندما أجريت عليه نظرية الألوان وتحديداً اللون الأخضر وتم طلاؤه به انخفضت حوادث الانتحار إلى الثلث..

إنها دعوة إلى الهروب من المنغصات المسودة لحياة الإنسان والمكدرات والروتينيات إلى عوالم الحب والسعادة والتي ترمز إليها الشاعرة بألوان الغروب..

تقول سميرة : (ما تساءلت / كثيرا.. / ما سر / الآلوان التي تعكس / رحيل / الشمس / إلى مكان آخر؟ / أما تمنيت يوما / أن تكونها / لنمحو الصور الداكنة) (أساور البنفسج – ضياء العتمة).

في المقطع التالي في القصيدة تقول سميرة :

(كي تعشقك نرجسة / وتعطيك ماء المرآة، / أترك الحروف الحزينة تتراقص/ على لهيب/ من نار الطهر،/ جميلة هذه الزهرة/ حين تعانق جسد ضمير/ ضمير يفكر/ ضمير يعطي/ دون مقابل!. / كان..... سيكون........... كن/ "كن جميلا

ترى الوجود جميلا" / قالها ومضى /..............). (أساور البنفسج – ضياء العتمة ).

يقول الروائي العالمي باولو كويلهو في مقدمة روايته الشهيرة "الخيميائي " : (تناول الخيميائي بيده كتابًا، كان قد أحضره أحد أفراد القافلة، لم يكن للكتاب غلاف، ولكنه استطاع على الرغم من ذلك التعرف على اسم الكاتب " أوسكار وايلد " وهو يقلب صفحاته، وقع نظره على قصة كانت تتحدث عن " نرجس " … لاشك أن الخيميائي يعرف أسطورة " نرجس " هذا الشاب الوسيم الذي يذهب كل يوم ليتأمل بهاءه المتميز على صفحة ماء البحيرة.

كان متباهيًا للغاية بصورته، لدرجة أنه سقط ذات يوم في البحيرة، وغرق فيها، في المكان الذي سقط فيه، نبتت وردة سميت باسمه: "وردة النرجس".

لكن الكاتب " أوسكار " لم ينه روايته بهذا الشكل، بل قال أنه عند موت نرجس، جاءت الإريادات (آلهة الغابة) إلى ضفة البحيرة العذبة المياه، فوجدها قد تحولت إلى زير من الدموع المرة، فسألتها:

- لماذا تبكين؟

- أبكي نرجسًا. اجابت البحيرة.

فعلقت الإريادات قائلة:

- ليس في هذا ما يدهشنا، وعلى الرغم من أننا كنا دومًا في إثره في الغابة، فقد كنت الوحيدة التي تمكنت من تأمل حسنه عن كثب.

- كان نرجس جميًلا إذًا ؟

مكثت البحيرة صامتًة للحظات ثم قالت:

- أنا أبكي نرجسًا لكنني لم ألحظ من قط أنه كان جميًلا، إنما أبكيه لأنه في كل مرة انحنى فيها على ضفافي كنت أتمكن من أن أرى في عينيه انعكاسًا لحسني.

القصة جميلة جدًا. قال الخيميائي. ).

إنه العطاء مرض القلوب العظيمة من ترى الجمال أو من تخلع الجمال على كل شيء تراه ليصبح جميلاً على حد تعبير كانط أو كما يقول الفيلسوف العبد "إيبكتيتوس" :" ليست الأشياء في ذاتها خيراً أو شراً وإنما يخيف الإنسان منها هو تصوراته عنها ".

- أما النموذج الثاني من ديوان أساور البنفسج الذي نتناوله بالقراءة والتحليل فهو نص قصيدة " سحر البنفسج " :

يقول النص :

( ياآآآآ... بنفسج

خذيني لرحيقك

صوب ما يبهج،

دعيني في ضحكة روحك

أستطيب وأسرج،

يآآآآ... بنفسج

امنحيني لون قلبك

أزدهي بضيائه

يا بنفسج،

يا وجع الروح

سنيني وإن طالت حكاياتها

ومالت على درج الجروح

بك تشهد،

مدن ضلوعي بأمانيك

تتباهى شجنا وتسجد

أخبريني يا بنفسج

يا ملاك الفتنة الجذلى

أي سحر

في أعاليك ترتل !

أي نجم لاح

في مرأى روابيك

ضم جزر الكحل الحائر فيها وتمجد !

كم فجر سافر من غياهبه

وفي جفنيك توسد !

يطوف بنحرك نهار ظامئ لنورك

قوافلي شدت إليك رحالها

قبلت غرورك الأوحد،

تتمايل خطواتك كمعزوفة أندلسية

على دروب الشغف تتمرد

أنثى أنا

يحفها زهو الزمرد

والزبرجد،

أنت بحر هائج

يثور فيه حاضري

اا آي من الوعد المؤكد،

تصرخ في جنباتك

أوتار الآمل المقيد

تقول في صمت

ليتني

كنت

الأمان المؤبد

ياآآآآآآبنفسج،

أناجيك

يهمس طيف قريب

قائلا : طيوف عطرك

تحملني حيث

زهو الدروب،

تملؤني عناقيد

من الفرح الحبيب،

وحدائق التوت التي نزل عليها

مطر حبك الأوحد

فكيف تسلقت باب قلبي

كيف أشعلت حنيني؟

كيف أسرجت

الحلم في مثوى جفوني؟

وأرحت الروح

من زيف الشجون؟

كيف جئت

رقصة في حرف دفاتري؟

وكتابي وطريقي

رسالات اشتياقي

كيف ظهرت في عتمة الروح

ومضة وله من بريقي؟

ها أنا ياآآآآ بنفسج

تذبحني الأسئلة

أقف على معبد الجرح

تهدهدني أسئلة الغياب

أرتلها بصمت موحش،

يا ترى هل ستكون

ملكي أنا ؟

ملكي أنا

أخبريني

ياآآآبنفسج " انتهى.

إذا كان الشعر خاصة، والفن عامة وسيلة للتعبير الموحي، فمعنى هذا، أنه بذلك الإيحاء يعوض عن الواقع المفتقد، لبعده، أو لرفضه، أو نقصانه، فرسم عالماً آخر أفضل، به ينتقل الإنسان الشاعر إلى وطن جديد يسكنه، وقد صنعه بذاته.

كانت القصيدة عند عرب الجاهلية تفتتح بذكر المرأة، فالمكان المأنوس أو المهجور، أصبح ذلك تقليدا جرى عليه شعراء العربية حتى العصر الحديث، إلا من أخذ من المعاصرين والحداثيين بأسباب الحضارة الراهنة فمنهم من يبدأ بمناداة وردة ومناجاتها كما فعلت الشاعرة في قصيدتها.

مناجاة البنفسجة شيء لم يدر في البال، أو يجر في الواقع أن أحداً يستغيث بوردة ولا يقدم على مخاطبة وردة إلا المجانين، وهل العبقرية إلا نوع من الجنون ولكنه إلهي كما يقول أفلاطون ؟

وجدت سميرة أن تمثيل اللاجدوى لا يتحقق إلا باللجوء إلى الكلام الذي هو صفة بشرية وعقل بشري، وإلى الطبيعة التي منها البنفسجة، وكلاهما حصيلة واقع حسي ملموس، أو مدرك، لكنهما مجتمعان لا يمكن أن يحصلا إلا في الذهن أو الخيال.

الفن غايته الجمال. الجمال غايته ذاته في دورانه حول نظامه، لكن له دورة نوعية في المطلق. والإنسان هو الذي يكتشفه، وبما أن الجمال جمع، وانسجام، فبمقدار مايلمّ الشاعر، ملاّح الوجود، وجوّاب آفاقه، مختلف العناصر، والمتفارقات، ليوحد بينها، بمقدار ما يكون فناناً، جمالياً، وموحداً للكون.

تنساق الشاعرة بعفوية في الظاهر مع بعض وجوه الطبيعة، والهادف الداخلي كان رؤية في الوجود، تضع بعض مقاييس التحول. حيث كل شيء يمكن أن يتحول إلى أي شيء.

لعبت الشاعرة بأشياء كثيرة من هذا الوجود، لا تربطها في الظواهر رابطة، عبّرت بها عن الحالة، منساقةً بدواعي من العقل الباطن.

 

ثمة مرحلتان الأولى كانت سميرة فيها هادفة، مهندسة رياضية في المرحلة الثانية غير بعيدة عن مثل ما فعله " مالارميه " ساعة استعان بالحروف والأرقام، بأوضاعها، بالتقديم والتأخير لدن تنظيمها في السطر، حتى التنقيط، فهو معبر لديه، وشيء آخر لم يقله مالارميه ولا يقوله الشعراء النابهون، لأنه للقارئ، لخياله المستوحي، والمبدع، منتقلا من القيم الداخلية، إلى القيم الموسيقية، عائداً إلى القيم الداخلية، ثم مستفيضاً بصوفية تغمر الأكوان.

الإيقاع مضمخ بعطر الموسيقى، الصور ترفع الحالة إلى درجة الوله، الألفاظ مقصوبة من مقلع الشمس، رخامي، ملون. الحبكة عليها أثر أنامل فنان أصيل، متمرس بنسج الطيالسة.

في القصيدة تخطٍ للحسيات إلى أفق الرؤيويات ومنها مخاطبة الأشياء بلغة القلب وكما تتصور في الذات، خلعت الشاعرة فيها ثوب ذاتها على الموجودات، خالقة بنفسها عالماً آخر للبصيرة سوى عالم المشاهدة وهذا درب من دروب الرومنطيقية.

شاعر الرومنطيقية يلغي عينيه ليرى ببصر من داخل نفسه، فالمسافات التي تتحدث عنها الشاعرة بعيدة جدا رحبة المدى، لا تستلين لمدى البصر، لكن الشاعرة لها عين أخرى داخلية، هي عين المحب الوله وعين المشتاق التي تخضع لها مسافات ما بين الأماكن والكواكب والمغيبات.

لقد أرادت الشاعرة أن تمتدح البنفسج لكنها لم تقل ماجاء على لسان الرومانطيقيين ومن هم على شاكلتهم بل أخذت تفصل في الممدوح وتفصل في المشبه به برسم ظروفه المختلفة بطريقة تامة، ثم يأتي المشبه ويفضله على المشبه به بطريقة مدهشة للغاية فالبنفسج مشبه ومشبه به مثلما هنا : " أخبريني يا بنفسج / يا ملاك الفتنة الجذلى / أي سحر / في أعاليك ترتل ! / أي نجم لاح / في مرأى روابيك / ضم جزر الكحل الحائر فيها وتمجد ! / كم فجر سافر من غياهبه / وفي جفنيك توسد ! ".

لقد اجتمعت في القصيدة أغراض شعرية متعددة منها المديح والغزل والفخر، ولأن البنفسج كان رمزاً في القصيدة فكل تلك الأغراض قد تحرك المرمز له بالبنفسج، وقد قيل أن شعر المديح والهجاء لدى العرب كان محل التراجيديا والكوميديا في الشعر اليوناني، ليس عن مقابلة، بل عن ضرورة إزدواجية، شبه حتمية تنبع عن مواقف ذلك الشعب الاجتماعية، ونوازعه الأخلاقية.

والعربي مغالٍ في حبه للمديح، يهتز للكلم الجميل ويروقه، والخاطرة المتوهجة، والصورة الخضراء، فلا بدع إذا أنفق ماله، وضحى بوجوده، وأقام حرباً، وأبرم سلماً، في سبيل الاستجابة، لقافية مداحة من شاعر، أو لغزل شاعرة.

 

- والنموذج الثالث قصيدة " المرآة " :

يقول النص :

لا شارع يمضي بك

لا قوانين تسري عليك

تعبر إشارات الروح الحمراء

في مثل هذه الساعة

في مثل هذا الزمان

كل الآشياء

واقفة لا تتحرك

وحدها المرآة

توقظ أحلامي فتنتشي

وحدها تنتشلني

من وزر الخوف

ومن أديم الليل

تهمس في صمت

تنبت عشب الآمنيات

تتنفس على صفح ة الماء

ما بين اللحظة واللحظة

تتجلى عيون الشوق

إليها

كلما يممت

بركاني....

وما بين قطار راحل وقطار قادم

تنبأت الساعة بخمس دقائق

قبيل السفر

أيقظت فيها الفراشات النائمة

لمواعيد القهر القادمة

خمس دقائق !!!!

هل سأدون

فيها قصة حياتي !

آه من زمن

تمهقت فيه ساعة الندم

وألجمت حظي

حين تلاشى القلب

يبابا

على شهقة الوداع

حينها

أدركت أن المرآة

أضاعت صهيل اللقاء

وأن عقارب الساعة تلاشت

فصارت خرساء

خرساء

خرساء) إنتهى.

المرآة والساعة محوران رئيسيان في نص " المرآة " من ديوان "أساور البنفسج " للشاعرة سميرة عبيد، وتدور في فلكهما القصيدة وتسخدمهما الشاعرة كمعادلان موضوعيان لما تود البوح به فالمرآة دلالة مفتوحة وحالة ينقسم فيها الوعي على ذاته إلى نصفين والمرآة كذلك هي أصدق تعبير عن موطن الثقة التي يمكن أن نرى فيه أنفسنا بشفافية الماء ودلالة المرآة تتسع كذلك لتشمل الأقرب فالأقرب والأصدق فالأصدق والأحب فالأحب، وإذا كان الأشخاص ونحن نتغير مع تغيرات الزمن إلا المرآة لاتتغير والمرآة هي الشيء الوحيد الذي يسمح له كما تصف الشاعرة بالمرور عبر طرقات الروح التي تتقاطع فيها إشارات حمراء وخطرة وهذا تعبير جميل لوصف حالة من الصدق والحب في زمن صعب لايجيد سوى الكذب والكراهية..

إن المرآة تعبير جميل ودلالته واسعة ويمكن في تفسيرها في هذا النص بذكر مقطع من آخر قصيدة لمحمود درويش " لاعب النرد " حيث يقول :

" أدرب قلبي على الحب

ليتسع الورد والشوك

وأنا من أنا الآن إلا

إذا ألتقت الاثنتان

أنا وأنا الأنثوية "...

وهذا يشبه حالة الإنقسام الذي تذهب إليه الشاعرة في المرآة حيث يتجسد وصف النصف الآخر تماما مثلما ينقسم الوعي على ذاته إلى نصفين أمام المرآة، وهذا النصف المخول له بالعبور إنما هو نصف يسكننا.. ودرويش شأنه شأن الكثيرين في جميع الأنواع الأدبية والإبداعية، كشخصية فاطمة في رسومات ناجي العلي، والشخصيات الذكورية في روايات الكاتبات، وهم جميعا يؤكدون نظرية القطبية لعالم النفس كارل يونج " التعلل والانتقال" بمعنى أن الإنسان ثنائي الجنسية، فداخل كل رجل يوجد حس أنثوي يسمى " الأنيموس" وداخل كل أنثى حس ذكوري يسمى " الأنيما" وهما ما يحقق التوازن لدى الإنسان باشباعهما، وهو أيضا الميل الغريزي للرجل تجاه المرأة، والميل الغريزي للمرأة نحو الرجل، لتحقيق هذا التوازن، أي أن التعدد في الكيان البشري من خلال هذا يؤكد فكرة التعددية "الناموس الذي خلق على أساسه هذا الكون" أي أن الصراع بين الرجل والمرأة هو صراع عقيم لايولد إلا المزيد من الانقسامات والنكوص والتردي في المجتمعات..

وأما الساعة فدلالتها للزمن وتستخدمها الشاعرة لوصف حالة جدب الحياة وإنعدام الفرح والسعادة فيها وإذا كان المكان عجينة فإن العجينة هذه لاتكون إلا بيد أحد إلا الزمن وهذا الأخير مناخٌ يفنى فيه كل شيء ويولد فيه كل شيء..

حين يتوقف الزمن عن خلق السعادة فلا جدوى من البحث عنها سوى أن الإنسان يلجأ إلى كما تصف الشاعرة إلى نصف وعيه الآخر " المرآة" كمحاولة لإنجاب ما عجز الزمن عن إنجابه فتوقظ كل جميل وتبدد كل خوف وتمحو كل المكاره، وحين تسعفنا الساعات / الزمن بخمس دقائق قبيل موعد الرحلة فماذا عسى أن نفعل فيها ولعلها ستكون أضعف وأقل من أن ندون كل هزائمنا، إن الشاعرة تؤكد أننا أكثر إبداعاً من ذلك..

الزمن الذي تصفه الشاعرة لم يستيقظ فيه ولم يمنحنا سوى ذاكرة للألم كل ما فيها للندم فقط وفي اللحظة التي يمنحنا الزمن فرصة لمحاولة شيء وهي فرصة قليلة نجد أن المرآة قد خانت لحظة جميلة هي لحظة اللقاء لتبدو لحظة محالة كما أن الزمن صار أخرس ولا جدوى من إنتظاره..

وأخيرا يؤكد لنا النص معانٍ سامية وإنسانية وفكرة أن الرغبة الدائمة المُلحة على الإنسان هي رغبة الوجود، وكل مغامرات الإنسان الطويلة ليست في أقصى غاياتها إلا طريقاً لتحقيق وجوده وإثبات ذاته ومن ثمَّ لإدراك معنى هذا الوجود وقد أخذت هذه المغامرات أشكالاً مختلفة فهي تتمثل مرّة في البحث عما نسميه الحقيقة وأُخرى في البحث عن الله وثالثة في محاولة تفهم ما النفس، وإذا نحن ترجمنا هذه المحاولات في إطار أعم أمكننا أن نتمثلها في علاقة الإنسان بالكون، وعلاقته بالله وعلاقته بالإنسان نفسه، ويتفرع عن هذه العلاقات كل المواقف الثانوية من النظر في الحياة والموت، في الحب والكره، في الخلود والفناء، في الشجاعة والخوف، في الخصب واللامحال، في النجاح والفشل، في العدل والظلم، في الفرح والحزن، وكل هذه المعاني مستقرة في الضمير الإنساني وقد استقرت فيه منذ وقت مبكر، منذ أن تبلورت التجربة الإنسانية في العقيدة الدينية، لقد استقرت في ذاكرة الإنسان التي تكونت عبر العصور، وانطبعت آثارها –من ثمَّ- في عاداته المجتمعية..

 

الأفكار الأخيرة

في النهاية أي نص يتحدث من خلال قارئه وإمكانية النقاد في تفسير وتحليل النصوص هي بركة وعبء في نفس الوقت. إنها بركة لأنها تمنحنا السهولة لتكييف النصوص مع الظروف المتغيرة. وهي عبء لأنه يجب على قارئ النص أن يتحمل مسؤولية القيم المعيارية التي يأتي بها النص. كل النصوص تعطي احتمالات في المعاني، وليس محتويات. ويتم استخدام هذه الاحتمالات، وتطويرها، وفي النهاية تحديدها من قبل جهود القارئ، لفهم تعقيدات النص. وهكذا فإن معنى النص عادةً ما يكون أخلاقياً فقط كقارئه. فإذا كان القارئ متعصباً ومفعم بالكراهية أو حتى ظالماً فهكذا سيكون تفسير النص وبالمثل سيكون عكس هذا الكلام صحيحاً.

 

بقلم / هايل المذابي

 

رواية قبل اكتمال القرن: قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر (10)

husan sarmakالأسلوب المحتشم: وهناك ملاحظة أسلوبية هامة ومضافة . فلو لاحقنا الإنتاج الروائي لكثير من الروائيات لوجدنا أنهن يُسهمن - من حيث لا يدرين - في "تسليع" الجسد الأنثوي الذي – أي هذا التسليع يرفضنه أصلا، من ناحية عرضه بلا مبررات فنّية أحيانا، ومن ناحية اللغة الطافحة بالمفردات الجنسية .

جاء أسلوب "ذكرى" في هذه الرواية مُحتشما إذا جاز الوصف . كان بإمكانها أن تستخدم أي مفردة حسية، وأن تقدّم أي مشهد "مكشوف" خصوصا أن هناك مواقف كثيرة جدا في الرواية تتيح لها فرصاً واسعة لهذا الاستخدام . وحتى في المواضع الضرورية التي لا ضرر منها كانت تقفز على المفردة الخادشة المقصودة . خذ عبد الجليل المُحتضر، وهو يصرخ مستذكرا جلادي قطار الموت: - أولاد الكلب .. أخوات (...) .. هيه يا سفلة .. كان بإمكانها أن (تبتز) تعاطف المتلقي عبر اللغة المستفزة جنسيا والمشاهد الفاضحة . هناك طرق فنية عظيمة تتكفل بها مقدرة المبدع وجهده الابتكاري تحقّق تأثيرا أعظم بكثير من التوصيف الحسّي المباشر . لقد شهقتُ، عندما عرّى "المهلب" "مراثي" ليلة زفافهما وسقط مغشيا عليه لأن فتنة جسدها كانت أكثر مما يتحمل .

 

تقاويم آلهة الإنتظار:

والروايةُ من بَعْد، هي انتصار ساحق للأنوثة .. للأنوثة العراقية المغدورة .. للمرأة العراقية التي هي سر حضارة هذه البلاد .. جوهر كينونتها .. ولغز بقائها العصي على الموت . المرأة العراقية هي بطلة كل العصور . الحضارة العراقية أصلا حضارة أمومية .. حضارة نماء وشعر وأحزان وسلام .. وفي أي وقت تدخل فيه الأشباح الذكورية ساحة هذه الحضارة فإنها تحيلها إلى حضارة موت وخراب وحروب . ليس عبثا أن أوّل إلهٍ تمت عبادته على الأرض - ومنذ فجر الخليقة - كان أنثى وعلى أرض الرافدين . والرواية كلها مُسخَّرة لإلاهة عظيمة صابرة هي المرأة العراقية ممثلة بالأم الشمرية والأم الزنجية الأسيرة وفضائل وسُبل ومراثي .. بل حتى "الباشا" والسلطانة وابنتها القادرية .

من بين أمور كثيرة هامة عرضتها ذكرى في روايتها لتجسيد خصال المرأة العراقية / الأسطورة، وبصورة عفوية مُحبّبة هي: محنة الإنتظار . وقد قُلتُ في دراسات سابقة إن المرأة العراقية هي (إلاهة الإنتظار) .. هي – حسب ذكرى محمد نادر – (إلاهة التقاويم) . طلعت علينا الكاتبة ببدعة جديدة هي بدعة (التقاويم) . ولستُ مجانباً الصواب لو قلتُ إن لكل عراقي (تقويمه) الخاص .. تقويم انتظار مديد تحدوه أداة الإستفهام المُركّبة المتينة:

(إلى متى؟؟) .

كان لسُبل مثلاً، وقد تأكدت أن جرح حبيبها الغادر في القلب لم يندمل بعد، تقويما غريبا للنسيان:

(كانت في نهاية كل يوم تضع خطّاً صغيرا مؤشرة: اليوم الأول للنسيان . في كل يوم تذكّر نفسها بموعد نسيانه، فتوالت الخطوط الصغيرة ثابتةً متسلسلة كدبابيس تخزها علامتها لتذكّر سُبل أن عليها أن تنسى . كانت تسمّيه " دفتر خطوط النسيان " . وفي اليوم ألف وسبعمائة وتسعة وعشرين للنسيان توقّفت عن العد، وأقفلت دفتي الدفتر على قناعة عدم جدواه . راعها أنها بعد كل هذا النسيان المُتعمّد تتذكره ... في الورقة الألف دوّنت على ورقها المصفر: سأغفر لله لو أنه منحني القدرة على أن أحبّك دون أن أتألم – ص 208 و209) .

ولمراثي تقويمٌ عجيبٌ آخر هو (تقويم غرامي) كما تسمّيه !! . كان هذا التقويم ليس ورقيا كما هو معتاد، بل "نبتة" شهيرة زرعتها وعمّدتها باسم (تقويم غرامي) . هو عِرقٌ من نبات الياسمين نما، بعنادٍ، ليلاحق قصّة حبّها / انتظارها الفرج، واستجابة حبيبها "المُهلّب":

(كان "تقويم غرامي" يكبر، وبعد أن أشرقت خضرة الورقة السادسة والخمسين من أيام الحب الصعب قالت "مراثي" - والدمع يتطاير من عينيها -:

- الله .. تقويم غرامي يكبر – ص 176) .

هذا التقويم عادت إليه مراثي بزخم اليأس بعد أن أُسر زوجها "المهلب" في الحرب:

(حتى أنها في ليلة مشحونة بالريبة .. هبّت من رقدتها، وركضت حافية القدمين، تلهث قرب تقويمها العطري الأخضر، فوجدته مُحاطا بضباب ناصع البياض تجمّع بقطرات أشبه بالدموع انسابت على الأوراق المُسنّنة الخُضر . لمّت الأوراق الباكية في كفّها، وتذوّقت تلك الدموع . كانت مُرّة جدا فحزرت: إنها دموع المرارة . في تلك الليلة الأذارية الدافئة أيقظت أختها سُبل - وهي شبه غائبة عن الوعي - وأعلنت أمامها يغالبها الخوف:

- إنه المهلب .. لن يعود – ص 218) .

واقع القهر والحروب والإذلال والإنتظار العراقي المفتوح على مدى الخيبة اللانهائي والفجيعة قد حوّل تقويم (غرامي) الياسميني الأبيض، إلى تقويم (دموعي) الأسود .

 

الإنتظار العظيم:

وقد يُخطيء القاريء فيقرأ هذا العنوان سريعا وكأنه الانتصار العظيم . واللغة العربية كارثية في هذا الجانب الاشتقاقي، فالفارق بين الإنتصار والإنتظار نقطة تقريباً، مثل الفارق بين "الرفيع" و "الرقيع"، و "الفرد" و "القرد" . النقطة والحرف في العربية تُحيي وتميت، وليس الكلمة المُفرَدة حسب . الإنتظار العظيم هو مصير العراق ومستقبل العراقي . العراقي ليس حيواناً اجتماعياً، أو ناطقا، أو سياسيا، بل هو (حيوان ينتظر) . من انتظار إلى انتظار إلى انتظار حد قيام القارعة الصاخة . الانتظار صار (مهنة) للعراقي، وهو أشبه بـ (عمل) له أصوله وقواعده وشروطه . وبطلة هذا الإنتظار هي المرأة العراقية . وإذا كانت حالة وحياة عائلة الرضواني هي خلاصة حياة العراق وتحولات تاريخه، ليس في هذا القرن فحسب، بل في كل العصور، فإن بطلات رواية (قبل اكتمال القرن) هن الخلاصة البطولية لكل هذه العصور الغبراء . لا أعلم لماذا تطرق ذاكرتي الآن صورة المرأة العراقية وهي تقف على تنورها لتخبز الخبز . في كثير من البلدان تستخدم المرأة ممسك خشبي تدخل بواسطته العجينة إلى الفرن أو التنور الذي يكون أفقيا . أمهاتنا "يدخلن" في التنور . تشوي النيران أكفهن وتلسع وجوههن وتحرق جباههن الكريمة لتشوي الرغيف . الرغيف العراقي هو خلاصة الأمومة العراقية ؛ فيه انتظار عجيب من حبة القمح، إلى الطحين، فالتخمير، فالشيّ . وفيه كفاح ومصارعة مع ألسنة اللهب من أجل الحُب، وليس من أجل إشباع غريزة الجوع الفجّة . عندما كنا نتحدث عن الأحوال المُضنية لأخواننا في المنافي كانت أمّي الحكيمة تقول ببساطة:

(من يبتعد عن التنور، عليه أن يقبل بالصمون !!) .

حتى سُبل ومراثي كن - قبل زواجهن - أمّهات حقيقيات حانيات على إخوتهن، بل على أبيهن مجروح الكرامة والوجود . وبعد الزواج، تخصصن بشهادة أعلى وبمهارة أكبر في فن الإنتظار . ولو كان انتظارا مُستكِيْناً في البيت، لهانت الأمور . لكنه انتظارٌ مُستفزٌ قَلَق كله حركة وضياع ؛ هو انتظار (كراج النهضة) العظيم، هذا الكراج الذي يحتاج وحده عشرات الروايات والمقالات والبحوث . هذا الكراج شهد خلاصة آلام العراقيين وشدائدهم الفاجعة . وكلّها تلخصها ذكرى في بحث سُبل ومراثي عن أيّ خيطٍ يوصلهن إلى خبرٍ عن أخيهن "الوضّاح" الذي انقطعت أخباره منذ أن التحق بالقطعات العسكرية في الكويت . أنموذجان: الوضاح والجهم، شقيقان من عائلة واحدة أشبعتها الدولة وأجهزتها المخابراتية ظلما وبطشا وملاحقة واعتقالا وتحقيقا وقتلا ؛ قتلت الأب مرتضى بعد ملاحقات مدمّرة حتى وهو شيخ طاعن في السن . والمصيبة هو أنه قدّم براءةً كاملة من حزبه معتقدا أن هذا هو الحل الوحيد الذي سيكفل له كهولة آمنة . لكن الاستدعاءات استمرت، والتحقيقات زادت، وانتهى الأمر بقتلته المروّعة برصاصة في الرأس نثرت مخّه . صلبت الدولة الصفوان بلا رحمة .. اعتقلت سُبل وأسقطتها في أحضان نوّاف الجلاد . بسبب حرب هذه الدولة تعّرض زوج مراثي وحبيبها للأسر سبع سنوات عاد بعدها طفلاً مُتصدّعاً .. اعتقلت "عامر" وعذّبته إلى الحد أن أخاه غير الشقيق وابن عمه لا يتعرف عليه . وعلى الرغم من كلّ هذه الخسارات الجسيمة يذهب الشقيقان ليقاتلا في الكويت . إن الدرس الأساسي الذي أستقيه من سلوك "ذكرى" الروائي، هنا، هو أن هؤلاء البسطاء شبه الأميين هم مادّة العراق عبر عصوره الغبراء، وسرّ جبروته العاتي، وليس السياسيين والقائدين والأيديولوجيين عليهم لعنة الله .

لكن هناك وقفة دامية أخرى لا بُدّ منها (كم وقفة دامية يا "ذكرى"؟!) . فليست تلك الخسارات الجسيمة التي ذكرنا قسما منها إلا النتائج الفاجعة المباشرة . هناك الخسائر الضارية التي توصلك إليها عجلة الطغيان بصورة غير مباشرة . وهي - في الرواية - بالعشرات، ولكن أعظمها فعلا وأكثرها احتشادا بالمعاني، هو انتحار "فضائل" الأمّ الذي سأسمّيه "الإنتحار المهيب" .

 

الإنتحار المهيب:

والمُصيبة أنّ معدلات الإنتحار لدى العراقيين برغم أنهم يحيون في جهنم الله على الأرض قليلة جدا قياسا بأوروبا مثلا . العراقي مُحبّ للحياة . فكيف وصلتْ – أو أُوصلت، بدقّة – "فضائل" إلى قرار الإنتحار؟

عانت "فضائل" سلسلةً من الخسارات منها: تعلّق "عبد الجليل"، زوجها، بأختها رغم هجرة الأخيرة . لكن هلوسات الميّت في حضرة ملك الموت الذي هو مُحقّق رهيب هي التي تكشف الهمّ الأساسي الذي يصطرع في أعماق الشخص . وقد تكشف هذا الهمّ عند احتضار عبد الجليل بين يدي زوجته "فضائل" . كان يصرخ مفزوعاً: (- إنهم هناك فضائل .. دخيل النبي ليمنعهم أحد .. أسمعهم خلف الحديد السميك .. ص 134) هل كان سيستحضر تجربة قطار الموت وهو يحتضر لو لم تكن تلاحقه صورها السود طوال حياته؟ ..

هي السبب الأكبر في إدمانه على الخمرة إدماناً كان يدمر فيه جسده ويقرّب موته . رحل زوج "فضائل" وهي تضم رأسه إلى صدرها وهو يصرخ: سوف يأتون .

تأتي لطمات قاضية أخرى: لقد شهدت كيف فشلت تجربة حب ابنها "عامر" لمراثي . ثم أفشلت بنفسها تجربة حب "الجهم" لابنتها (هانيا)، التي حاولت تعويض الحبّ الضائع فارتبطت بضابطٍ أحبّها بجنون، لكن الدولة خرّبت حبهما، فلم تعطه (الموافقة) على زواجه منها، لأنها من عائلة (مشبوهة) سياسيا .

أتذكر النكتة السوداء التي تقول إنّ جلّادا دخل أحد السجون وأمر بإطلاق سراح السماسرة (القوّادون) وإعدام السياسيين .. وخرج، فلحقه أحد السياسيين يتوسل إليه: أستاذ صدقني .. أنا قوّاد !! .

وبفعل الإحباط الفظيع وشعور هانيا باللّاجدوى من (الشرف) الذي تمثله البكارة في مجتمعنا، لأن لا أحد سيتزوجها في ظل هذه الدولة، فقد فضّت بكارتها بسبابتها وأمام عيني أمّها "فضائل" . و "فضائل" شقيقة مرتضى شاهدة على مسلسل العذاب الذي عاشه هذا الإنسان المقهور، وانتهى بتفجير رأسه اغتيالا . , .. و .. و.. وأخيرا جاءت القشة .. أي قشة هذه التي تقصم ظهر الجمل؟! ما هذا السخف؟! جاء عمود رخام روماني .. قطعة جلمود تهاوت من أعلى جبال العراق . لقد اعتُقل ولدها "عامر" عندما جاء في محاولة انتحارية للإعتذار من "مراثي" التي هجرها لأن حزبه حطّم حياته . إعتُقل، واقتيد إلى الأقبية السرية حيث عُذّب بوحشية جعلته كائنا آخر لم يتعرف إليه "السجّاد" وقت ألقى القبض عليه بعد هروبه . في هذه اللحظة شعرت "فضائل" أن الحياة لم تعد تستحق أن تُعاش، وقررت الإنتحار في موقف مهيب سيبقى من عيون المواقف السردية العراقية والعربية والعالمية . ولندع "ذكرى" تصفه لنا مؤثثة مكان هذا الحدث الجلل في الحديقة رمز النماء والتجدد، ومُصمّمةً الزمان في نيسان شهر الإنبعاث والتجدّد السومري: (كان نيسان يلعب في حوش الدار لعبته الخضراء القصيرة مشبعا الأنفاس بأريج القداح . وُجدت "فضائل" كتمثالٍ برونزي نبَتْ فجأة في الحديقة . جمعت في الفجر كل أوراقها ورسائل "الوضاءة" المنفية باختيارها على شرفات الثلج، وشهادات ميلاد ابنها وبناتها الخمس . لمّتْ ثيابها وصورة زفافها، ولم تنس وجه "الوضاءة" الوحيد في صورتها المتروكة بعد سفرها . وضعتْ كل كنوزها في حجرها، وأشعلت النار بها . بيأسٍ كاملٍ كانت تراقب حجرها العامر بالنار والذكريات وهو يشتعل . تشم رائحة شواء جسدها مشدوهة الإحساس . تسلّقت ثمار النار إضمامة الشَعَر البيضاء الكبيرة على رأسها دون أن تترك مكانها، ولم تسمح لصوتها أن ينطلق . جلست بصبرها المروّض بسنوات الألم تشهد خسارتها النهائية بعد أن تحطّمت صور أحلامها . وُجدت متربعة على البلاط تفتح عينيها وقد جفت نظراتها . ظلت سُحابة دخانٍ زيتي من أثر حريق جسد "فضائل" معلقة لسبعة أيام متوالية بحدادٍ مستمر فوق سطح الدار، تنفض سُخامها الأسود فوق النخلتين مُعلقةً خيمة حزنها على مشارف نهاية السعف المديد . سحابةٌ سوداءَ تتأرجح بريحٍ خفيفة يصدر عنها صوتٌ يشبه الأنين – ص 196 و197) .

ثم لاحظ الإنتقالة الزمنية الموفقة التي تقوم بها الروائية مُستثمرة حلقة اتصال كانت معنوية (سحابة جسد "فضائل" المحترق السوداء) تحوّلت إلى حلقة مادية ممثلة بغيوم الخراب السود التي عمّت سماوات العراق مع نهاية حرب عام 1991:

(سحابة سوداء تتأرجح .. تذكّرتها "مراثي" في آخر أيام حرب التسعينات من هذا القرن، عندما غطّت البلاد غيوم سحاب ثقيل أسود لزج رقد فوق الأسيجة، وسقط ببقعٍ لا تزول على الثياب المنشورة على حبال الغسيل . أُشيع وقتها أنها سحابة القتلى المحروقين على امتداد البراري القصيّة حيث لم تتمكن خيول المطر بكل سنابكها التي دكت البيوت والأرصفة والشوارع والرمال أن تغسل الأثر المتبقي من الأجساد المحترقة بقنابل تسعينات القرن – ص 197) .

بعد انتحار الأمّ، جُنّت ابنتها، وكانت تدور هاذية:

(ماما .. إنها الموافقة .. دعينا نتزوج) .

وهذه أيضا خسارة غير مباشرة لسلوك الطغيان (هل أقول مباشرة؟) . ورغم أن عائلة الرضواني كانت ضحية القبضة الباطشة للدولة العراقية بمختلف مراحلها .. وللصراعات الحزبية والسياسية .. حدّ أن نسيج العائلة قد مُزق شرّ ممزق، إلّا أن أبناءها خاضوا كل حروب تلك الدولة .. توّجها أنموذجان عظيمان في آخر حروب القرن – حسب الرواية – وهي حرب التسعينات، هما: الجهم والوضّاح . الجهم تعرّض للإعتقال والتعذيب، ثم أغتيل أبوه في البيت .. إلخ كما قلنا، لكنه عندما بدأت الحرب الأمريكية على العراق تحوّل إلى سلوك غريب . صار يتصرّف وكأنه (قائد عسكري) فِعْلي . امتلأت غرفته بالخرائط العسكرية التي يحدّد عليها مواقع قواتنا ومواقع قوات العدو، ويحدد اتجاهات الهجوم وسبل التعبئة وطرق المباغتة . كان مهووسا بالأطروحة التي خدرتنا طويلا كعسكريين وكشعب آنذاك، وهي أن القوات الجوية لن تستطيع حسم الحرب، وأن الحسم سيكون على الأرض وذلك في الإشتباك البري المرتقب .

لكن كيف تنتقل ذكرى إلى سلوك الجهم هذا؟

إنها تنتقل إليه عبر تداعيات حربية من مسيرة أخيه "الوليد" الذي فقد ساقه في الحرب العراقية الإيرانية دون أن تسمّيها مباشرة . وهي حرب تعبت فيها حتى البغال واشمأزت وانتحرت . كما فعل البغل (محجوب) الذي كان يرعاه "الوليد" . فقد ألقى بنفسه في لحظة عصيان ورفض للتعب والأوامر من أعلى الجبل، لأنه لم يكن قادرا على تحمل عناء أكبر (ص 236) . وهناك قصة قصيرة رائعة للقاص (هيثم محسن الجاسم) اسمها (المأزق) نشرت في جريدة القادسية في التسعينات وتناولتها في كتابي (قطار الشظايا الندية) الصادر عام 2000، وتتحدث عن موضوع مماثل حيث يحاول مقاتلان إقناع بَغْلٍ بضرورة الصعود إلى قمة الجبل لتوصيل الأرزاق إلى رفاقهم، لكنه يرفض، ثم يرمي نفسه إلى الوادي السحيق منتحرا . يتعب البغل والمقاتل العراقي لا يتعب . ولهذا وقف "الوليد" يُحيّي رفاقه الجنود قائلا بين الجد والتهكم، بعد هجمات معادية متلاحقة استمرت لأربعة أيام:

(- يا شباب، لقد تفوقتم بصبركم على بَغْلي العزيز "محجوب" . إنكم بحق أثبتم بأنكم أشد عنادا من البغل . يا بِغالي العنيدة إنكم لم تتركوا الأرض . لم تخذلوها – ص 238 و239) . ومن هذه الوقفة التي استدعاها "الوليد"، بعد أن عرض عليه "الجهم" المهووس أن يعيّنه مستشارا حربيا له !! تتحول الكاتبة لتعرض علينا موقف "الجهم":

(كان "الجهم" يزداد استثارة وغضبا كل يوم من أيام القصف الأربعيني، فينطلق كقائدٍ عسكري معزول في جولات تستغرق سَحابة النهار متفقّداً ما يمكنه بلوغه من أماكن متضررة وحين يعود كان يردد دائما:

(- كلّ هذا لا يهمّ . ليستمر القصف ما شاء لهم . لن يحسم الجو المعركة . ويضرب الأرض تحت قدمه: - هذه هي التي تحدّد من هو المنتصر . (.....) في الشارع الخلفي لبيتهم بدأت ضجة غير معهودة:

- إنهم ينسحبون ..

خرج "الجهم" راكضا . في الهزيع الأخير من الليل عاد منهوك القوى، حاملاً لمشعلٍ جديد اتقد من حماسة أفكاره:

- إنّه فخٌ تكتيكي .. مصيدة .. مصيدة نعدّها للمغفلين . يجب استدراجهم ..

ونام متكوّراً كطفلٍ خائف . بعد أن يئس من انتظار أفخاخ المغفّلين، ومن المصائد المُعدّة، ومع عودة طلائع الراجعين ترك كلماته ومضى – ص 238 و239) . يبقى النموذج الآخر المُكمّل الذي التحق بالقطعات العسكرية وهو بكامل قواه العقلية . إنه "الوضّاح" الأصغر الذي يحبّه الجميع حبّاً جمّاً خصوصا أختاه: سُبل ومراثي . لقد انقطعتْ به السبل وضاعت أخباره نهائيا، وصارت الأختان تواظبان - بمثابارة - على الذهاب يوميا إلى سُرّة خراب العراق ومجمع بَحَرّي عذاباته: كراج النهضة، تحملان صورة اخيهما "الوضاح"، تعرضانها على الجنود المُنسحبين بصورة مُزرية لعلّهم يتعرّفون عليه . وضمن تفاصيل هذه المسيرة اليومية المُضنية تعرض لنا الكاتبة صور الإنسحاب المهينة: كيف كان الجنود والضباط يلقون أسلحتهم، ويركضون بكل قواهم، ليخلصوا، فتحصدهم صواريخ الطائرات المعادية وتنثر اشلاءهم في كل اتجاه .. كيف دُمّرت طرق التموين وضلوا أيّاماً طويلة يلوكون الرمل ويبتلعون الدخان .. كيف كانت عربات الماء تصير مصيدة للجنود الزاحفين نحوها عطشاً فتتناثر جثثهم حولها بالعشرات (يبدو أن الموت عطشا من المسلمات في العراق بعد أن ارتبطت بالحسين الشهيد) .

كان الكراج والساحات والشوارع المحيطة به تختنق بشواهد الإنذلال والتمزّق .. جنود ملطخون بالوحل والدمع والدم والفجيعة . كان بعضهم حفاة شبه عراة . كانت أجسادهم منهكة مطروحة كيفما اتفق تحت المطر، أو تحت كابينات المحلات المُقفلة وفي داخل العربات اليدوية أو على متونها . وبعد أيام مُهلكة من المثابرة العزوم ؛ من الانتظار الحارق، دَخَلتا مقهى بائسا مختنقا بالجنود المُنهكين، وعَرَضَتا صورة أخيهما المفقود، فتعرف عليه أحدُ الجنود المحطمين عارضا بطولات "الوضاح" الجنونية: كيف كان يقوم بافعالٍ انتحارية كأن يذهب ليجلب الماء زاحفا لمسافات طويلة حتى أن آمر اللواء لم يصدّق عندما رجع "الوضاح"، فبكى، وقبّله، وصفعه:

(- إلّا أنتَ يا "وضاح" .. لن تموت وتتركنا .. شكّك بعض الجنود بكلام الجندي فأشهد رفاقه الآخرين من اللواء 25 .. ولكن جنديّاً آخر ليس منهم حسم الأمر و (مسح أنفه بكمّ قميصه الملوّث . إنه مجنون وضّاحكم هذا . أنا أحسده . أظنّه بقى هناك . شدّني من قميصي . هكذا . وجمع كفه فوق قميصه فانقطعت أزراره . قال لي:

- لا ترجع .. أنظروا إنهم هناك أمامنا، لنقتلهم . كان يعدو صارخا في كل الاتجاهات: إلى الأمام .. إلى الأمام . كانت ثيابه ملطخة بالدماء . كان يشير بكلتا يديه نحو الأمام . يحفر في خندق ردمته الدبابات على جنوده الأحياء . ظلّ ينقل التراب بالخوذة .. ويسكب الماء في الثقوب لعلهم يشربون . قلت لنفسي قد جُنّ والله . يقول: - إشربوا أصحابي، سأصل إليكم . هبّ صوت سُبل واهناً مخذول الأمل: - إذن تركته هناك . – تركته . أبصقوا في وجهي . إني أحسد الموتى . أحسدهم – ص 246و247) .

 

وقفة:

اذا كان "الجهم" و "الوضاح" متصدعي العقل يقاتلان في حربٍ برغم انهما من عائلة ذاقت اعظم المرارات من الدولة القائمة، فما الذي حصل لعقل الشهيد "قاسم عبد الامير عجام" الشيوعي الذي ذاق عذابات السجون والملاحقات والعسف انسانيا ومهنيا بالرغم من تفوّقه في عمله . ما الذي حصل لعقله؟ هذا ما نلمسه من مذكراته التي سطّرها بقلمه . كان يصرخ كالمسعور وهو يرى الدبابات الأمريكية تجوب مدينته الصغيرة (ناحية المشروع التابعة لمحافظة بابل) .. أمسك به أولاده وأدخلوه عنوة إلى البيت وهو يحاول الهجوم بيديه العاريتين الكريمتين على الدبابات . وعندما دخل البيت بدأ يضرب رأسه بالحائط ..

 

الخاتمة: عودة إلى الإنتظار العظيم:

عادت سُبل ومراثي مُحطمّتين نفسيّاً بعد أن سمعا الجنديين يرويان ما كان يقوم به "الوضاح" أخوهما . لكنّهما مختصتان بالفن العشتاري الأول: الإنتظار العظيم الذي تختم به الروائية الكبيرة "ذكرى محمد نادر" روايتها العظيمة هذه:

(كان الليل المتربص بالعاصمة كثيف السواد، تسلّقت سماءه كتلُ غيومٍ تشابكتْ كأنها العناقيد المُترعة، وثمة ريح رطبة دافئة تنبيء بمطرٍ جديد وشيك . من الشرفة العريضة المحدقة بالنهر، أرسلت "مراثي" بصرها فوق حدود العاصمة المظلمة . ارتجّت بعض الأغصان بقطرات مطر انزلقت بصوت خافت على البلاط البارد . أشعلتْ سراجاً وتسلّقت أعلى العمود الخشب، وتركتْ السِراج معلقا على مسمارٍ كبير تعبثُ الريحُ بذبالة النار النحيلة المُهتزة تحت الزجاج، فبدا في بحر الظلام الرطب كأنه إشارة بائسة لبحّارٍ منسي على شاطيء وحيد . همست لنفسها:

- قد يأتي أحد .

من خلفها جاء صوت سُبل:

- أتظنين أن أحدا ما سيأتي؟ أهناك قادم؟

كانت عينا مراثي أشدّ حزنا من ذي قبل، ونديّتَين جدا . عبرتْ بنظراتها خلف حدود النهر والعاصفة المؤطرة بوميض احتراقات بعيدة لم يطفئها المطر بعد:

-ربما يأتي أحد ..

وأحسّت بكفّ سُبل دافئة جدا فوق كتفها – الصفحة الأخيرة 247) .

هكذا ستبقى ذُبالة السِراج العراقية .. سِراج عُصبة الانتظار .. عُصبة سُبل ومراثي، وانتبه –أخي القارىء - لاتحاد معنيي الإسمَين اللذين يرسمان التلويحة الاخيرة للبحّارة العراقيين المَنسِيين، دائما وأبداً، على شاطيء الوحدة والوحشة . ستبقى مُتّقِدةً ذبالةُ سِراجِ الإنتظار العراقي العظيم، مُتقدة بزيت الأرواح المكلومة، فهي خلاصة عذابات البشرية .. فتحية لسُبل ومراثي .. لفضائل والبلورية والقادرية وهانيا .. والشمرية والزنجية ..

وللسلطانة والباشا ..

للصفوان ومرتضى وعبد الجليل .. والرضواني الكبير .. للأعمى الشاهد .. لتغلب والجهم وعامر والوليد والوضّاح .. والتحية الساخنة من قبل وآيات الشكر الوافر لصانعتهم الأمهر المبدعة العراقية الكبيرة: "ذكرى محمد نادر" .

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

 

رواية (زوج حذاء لعائشة) تصب في مناصرة المرأة

goma abdulahرواية (زوج حذاء لعائشة) هي الرواية الثانية بعد رواية (انه جسدي) للكاتبة من اليمن (نبيلة الزبير) وهي تحاول اقتحام عورات المجتمعات العربية ومنها (اليمن) في كشف ظلم العادات والتقاليد، والثقافات والموروثات الدينية، التي تشكل الجدار الصلب في انتهاك انسانية ونتهاك حقوق المرأة، وتصويرها سلعة جنسية رخيصة، سواء في الشارع او في البيت، نفس السوط واليد الغليظة، وكذلك تزيح النقاب عن مسألة تعدد الزوجات، والزواج من القاصرات وهن في عمر الطفولة، وكذلك تتطرق الرواية الى معضلة التطرف الديني وارهاب الجماعات الدينية المتشددة، ودور الفساد السياسي الذي يسهم في التخلف والاضطهاد الاجتماعي. لاشك ان هذه المحاور الساخنة في المجتمعات العربية، تتطلب الجرأة في الاقتحام والتناول، لكشف زيف التشدد الذي يخنق المرأة ويحجرها في البيت، ولكنها من جانب اخر يفتح نوافذ، ان تنحدر المرأة الى الضياع وسوق البغاء (غير صحيح يا أبي، الصحيح انه لا تضيع البنات، إلا اذا كان لديهن اخوة اشداء) ص 17 . ان الرواية حاولت الدخول الى اعماق الواقع، وناقشت مسألة الدعارة والبغاء، من خلال حياة شخوص النساء في الرواية، وكذلك من حالات السجينات المتهمات بالدعارة واسلوب حياتهن وظلم المجتمع المحافظ والمتشدد، الذي يحرم المرأة من انسانيتها، وهذه المقاصد ارتكزت عليها الرواية في التعبير عنها، وتسليط الضؤ اكثر لمعرفة هذه المضامين التي دونتها الكاتبة، لابد من ايجاز حياة اهم شخوص الرواية:

1 - زينب تسجن بتهمة الدعارة، رغم انها كانت وحدها في سيارة التاكسي ولم تفعل شيء يدلل على مخالفة الاخلاق العامة، سوى مشادة السائق مع رجال الشرطة، ورغم انها تمارس البغاء في البيوت ولكن هذه الحالة جاءت عرضاً، ولكي تتخلص من تهمة (المومس) تتزوج من رجل الدين (طارق) فقيه وامام جامع، ووافقت على الزواج من اجل التوبة والغفران، والبدأ بحياة طاهرة ونظيفة بعيداً عن الشوائب، وتمضية حياتها في الصلاة والسجود والتقرب الى الله، واعتبرت زواجها، كأنه هدية ومكافأة من الله لها على التوبة، ولكن هذه الهدية ادخلتها في انفاق أسوأ واحقر من دهاليز الدعارة والبغاء، لان زوجها رجل الدين (طارق) مصاب بمرض الازدواجية، في الظاهر رجل دين عفيف وصالح، وفي الباطن، رجل مصاب بالشذوذ والشبق الجنسي بالغرابة المجنونة، ومولع بالاغتصاب، ويعتبر المرأة خطيئة ومعصية وسلعة جنسية رخيصة، ويعامل زوجاته الاربعة، معاملة العاهرات وليس معاملة كزوجات حلال، ويمارس الاغتصاب مع زوجاته كاي زبون من الزبائن، ويترك وريقات مالية بعد كل عملية اغتصاب، حتى لو كانت الزوجة على سجادة الصلاة والتعبد الى الله، كما فعل في زوجاته (زينب وبشرى) واستمر هذا الشذوذ الغريب، فعندما تمانع او ترفض يصرخ في وجهها، بانه هذا بيت وليس جامع، لذلك أرتأت (زينب) استحالة العيش والجمع بين العفة والشذوذ الجنسي، فانفصلت عن زوجها الشاذ جنسياً، واتخذت طريقاً خاصاً لحياتها، بالاعتماد على كس طوق الاضطهاد والدعارة، والتحرر كأمرأة لها انسانية وكرامة، ونجحت بذلك .

2 - نشوى: تعتبر (دلوعة بابا) وحارسته الامينة وحافظة اسراره بالمغامرات المجنونة بالشبق الجنسي، وهي حلقة وصل بين ابيها وعاهراته، وهي التي تتابعه عن كثب وفي نفس الغرفة الجماع الجنسي والاباحية، دون ان يشعر بالحرج والخجل والحياء، بل يفتخر بان ابنته شاهدت اباحيته السادية بالجنس عن قرب وعلى مقربة من فراش الفحشاء، وهي صغيرة السن طفلة دلوعة، وحين كبرت، اتخذت هذا الطريق بان تصبح عاهرة في امتياز، ولكن ليس على الزبائن الفقراء، لان هؤلاء عليهم حفظ فلوسهم على عوائلهم واطفالهم، بانهم بحاجة ماسة اليها، وليس ان تعطى الى (مومس) مثلها . وتحاول التخلص من هذا المستنقع الاسن، وتختار طريق حر يخلصها من هذا الاضطهاد الاجتماعي، ومحاولة كسر القيود الصارمة على المرأة، وهنا تدخل في باب المحظورات، بان تتفق عائلتها والسلطات الحكومية على سجنها مدة 130 يوماً خوفاً من العواقب الوخيمة القادمة (امس كانت شرموطة فقط، اليوم شرموطة وسياسية) ص 218 . سجن تحت الوصايا (سجن نشوى، لكنه تحت السيطرة، او مجرد (قرصة اذن) قبل ان تقع الفأس في الرأس، وتسجن فعلياً) ص 224، لكن خروجها من السجن يعمق جراحها بالهوة داخل نفسها، وتحاول ان تشق حياة خاصة بها .

3 - رجاء: بعد تعرض ابيها المقاول الى اصابة خطيرة في العمل، بكسر في عموده الفقري، اقعده في البيت والمرض، وصرف امواله على العلاج دون فائدة، مما اضطرت (رجاء) ان تنزل الى سوق الدعارة والبغاء بعلم اهلها، من اجل مواصلة العيش والعلاج، بذلك انخرطت في العمل ك (مومس) تعرض خدماتها على الزبون المحلي والخليجي، والامريكي، وخاصة هؤلاء بدأوا يتواجدون بكثافة في المنطقة العربية والخليج، من اجل الدفاع عن الشرف العربي الممزق (الفرج) وهذا يتطلب برد الجميل والمعروف الى الاصدقاء الامريكان، بتوفير الخدمات الترفيهية ومنها اشباع شبقهم وغريزتهم الجنسية، للدلالة على الكرم العربي، وذلك بتشغيل ماكنة توفير المزيد من العاهرات وتوسيع تجارة السماسرة و (القوادين) في توفير المتعة الجنسية الباذخة بالاباحية الى اصدقاءنا، حتى يحافظوا على الشرف العربي، لكن دون غشاء البكارة . واستطاعت ان توفر لعائلتها الحياة الملائمة في العيش والسكن (فيلا) وتحاول كسر قيود المجتمع، بخلع الحجاب، لكنها تصاب بالفشل والاحباط، اذ منعها الحرس الجامعي من الدخول بحجة انها سفور، وتواصل مقارعة الحياة، حتى تحصل على الشهادة الجامعية، وتختار العمل الخاص بفتح شركة مع صديقاتها (نشوى . زينب) وتحمل الشركة اسماء حروفهن الاولى (نشوى، رجاء . زينب . N . R . Z) .

4 - طارق: رجل الدين (فقيه وامام جامع) المصاب بالهوس الشذوذ الجنسي والاغتصاب، منذ شبابه وهو مهووس بالعادة السرية، ومتزوج من اربعة نساء (بشرى زينب . ندى) واخيراً تزوج (سعاد) اكبر عاهرة معروفة في صنعاء بحيث تستخدم (الوزراء تحت تصرفها) مصاب في حالات الشبق الجنسي والاغتصاب بشكل غريب، ومن حالة التشدد الى حالة الانحلال الخلقي، بحيث يدعو اصدقاءه الى ممارسة البغاء على زوجته (ندى) امامه، رغم انه يحمل ازدواجية الشخصية، في الظاهر رجل دين طاهر وعفيف، وفي الباطن الشذوذ الجنسي والاخلاقي، واخيراً يخلع الثوب الديني، ويتحول الى كبار رجال الصحافة، رغم انه لم يكتب حرفاً واحداً .

5 - ندى: الطفلة عمرها 13 عاماً، تتزوج من رجل الدين (طارق) حسب رغبة ومشيئة والدها، باعتبار زواجها هذا يحفظ عفتها وطهارتها ونظافتها، ويصونها من موبقات الحياة الشاذة، لكن تصتدم بحياة قاسية وظالمة، اذ يعاملها زوجها ك (مومس) في شوارع البغاء، وليس كزوجة مصانة تحفظ شرفها، ويستغل سذاجتها وطفولتها، بان يداهم غرفة نومها مع اصدقاءه ويتركهم من اجل ممارسة البغاء معها، ولكن عندما وجد الممانعة والرفض، حاول ان يوقعها في مكيدة شيطانية، بتحريض اخوتها على قتلها، بحجة استخدام بيته للدعارة دون علمه، وبالفعل يداهموا اخوتها غرفة نومها، لكن يجدون احدى صدقاتها نائمة معها، وتيقنت بان حياتها في خطر القتل بوجودها في بيت زوجها المصاب بالشذوذ الجنسي . وتهرب وتختفي، تبتلعها الشوارع والذئاب الوحشية بالجنس، ويرسل (طارق) ورقة طلاقها، لكي يتخلص من عارها وقتلها، ويحاول الاهل والصديقات البحث عنها، وبعد جهد من البحث، يجدونها جثة مرمية في احد الشوارع، ولايعرفون شيئاً عن طفلها او طفلتها، ولم يتسلم الاهل جثتها خوفاً من العار والفضيحة .

6 - امين: شقيق (طارق . نشوى، سامية، سلوى . سامية . عارف) عائلة التاجر المعروف (قاسم عبيد) . تتسم حياته بالتناقض بالتطرف من اقصى اليمين الى اقصى الشمال، من كان شاب متهور بالعربدة والطيش والخمور والبغاء والقات . ومن غرفته مملوءة بالصور . جون ترافولتا . جيمس بوند . عبدالحليم حافظ . نجلاء فتحي . صور جيفارا، الى التعصب والتشدد الديني داخل البيت وخارجه، ثم ينضم الى الجماعات المتطرفة والارهابية، حتى اعتقدوا اهله بانه من المشاركين في العمل الارهابي في نيويوك، ولكنهم يعرفون في الاخير، بانه سجين في سجن الامن السياسي، وهو متزوج، ويرسل رسائل الى شقيقه (طارق) قبل اختفاءه، تتضمن ورقة طلاقه من زوجته، ومطالبة شقيقه ان يتزوج زوجته ويرعى اطفاله، بحجة انه ذاهب الى ساحة الجهاد .

7 - عائشة: لم يرد ذكرها في الرواية، إلا بشكل هامشي في الثلث الاخير من الرواية، بانها ولدت في السجن من امها المسجونة، وحين توفيت تولت رعايتها وتربيتها السجينات وخاصة (سعدية) حتى كبرت في داخل اسوار السجن والضياع فيه، واعتبرت السجن بانه موطنها الاصلي، بذلك خرجت مرتين وتعود اليه، الى موطنها الاصلي، او بالاحرى موطنها الانتخابي .

 

رسوم الشخوص ورمز الحذاء:

انها رواية مرسومة بدقة، في شخوصها بان يتحركون بشكل ديناميكي نابض ومتنقل، وليس البقاء على رتابة واحدة من الجمود والتقوقع، وهذه الخاصية اعطت للرواية قيمة اضافية، اذ لم تستسلم شخوصها النسائية الى تعاطي الدعارة والبغاء والخمر والقات، بالخضوع الكلي والقبول بهذه الحياة الوخيمة والظالمة ، بل حاولن ان يتجاوزن هذا الطوق الصارم والانطلاق الى الحياة والعمل بشكل ناجح وقدير، لذلك انهين دراستهن الجامعية، وفتحن مشروع شركة ناجح، يحمل الحروف الاولى من اسماءهن (N . R . Z) وتسلقن على تطويع الظروف ليكن من نساء المجتمع، بعيداً عن التحكم الذكوري، ونجحن في عملهن وحياتهن بشكل قدير . هذا التحول النوعي يبعث رسالة تحدي وعدم الرضوخ الى العادات والتقاليد، التي تجحف وتظلم المرأة، وهذه بادرة ايجابية من الكاتبة، باعتبار بان المرأة قادرة على اقتحام الاعمال الرجالية، وادارتها بشكل ناجح، وكذلك تؤكد من خلال العمل يمكن ان تحصل المرأة على بعض حقوقها الضائعة .

رمزية الحذاء: فهي متنوعة بالمعنى والاغراض والمقاصد والتعبير،وتختلف من حالة الى اخرى حسب الحاجة الى (زوج حذاء) . في شخوص الرواية، فاما بالنسبة الى حالة (عائشة) فانها بحاجة الى زوج حذاء ليحميها من الظلم المجتمع . اما في حالة (نشوى) بانها ليس بحاجة ان تكون زوج حذاء لاحد، بمعنى رفض الوصاية والتسلط . اما بالنسبة الى (قاسم عبيد) الاب المصاب بالتهور الجنسي، والتاجر الكبير، الذي يعرف كيف يستغل الازمات، بتخزين البضائع، وطرحها في الاسواق في الوقت المناسب الذي يكسب اربحاً وفيرة ومضاعفة، ورمزية الحذاء بانه يمثل النفاق والتملق والخداع حتى يكون ثروة طائلة .

 

الهفوات الصغيرة في الرواية:

لاشك ان الرواية انجزت مهمتها على احسن مايرام، وبالاسلوب السردي الشيق، وعكست صورة الواقع العربي، باحسن اسلوب تعبيري، وخاصة تعامل المجتمع مع المرأة، وطرحت القضايا الساخنة، مثل التطرف الديني وتعدد الزوجات، والزواج من القاصرات، ولكن الرواية تتحدث عن زمن ما يقارب العقدين من السنين، لذا في بعض الاحيان، يكون الرجوع الى التاريخ الماضي يتلبس على القارئ في تنسيق يبدو في بعض الاحيان غير مرتب، وكذلك مسألة الانتقال والتقطيع من الضمير المتكلم الى الضمير الغائب، بعض الاحيان غير منسق مما يخلق حالة من التشويش لدى القارى في متابعة شخوص الرواية، والشيء الاخر، يبدو بان للكاتبة   يهمها زيادة عدد صفحات الرواية (وهي 384 صفحة) بالاطالة وبعض الاحيان بالحشو غير المبرر، مثل ذكر الحرب الحوثية وغيرها من الاستطرادات الزائدة، ولكن الميزة التي تمثل الفطنة بالذكاء الروائي، بان الكاتبة تعمدت اعطى المعلومات حول الشخوص بالقطارة، من اجل شد القارى الى متابعة التفاصيل الباقية، ومع هذه الهفوات الصغيرة، تبقى رواية (زوج حذاء لعائشة) بانها انجزت مهمتها بشكل خلاق، في عمل روائي رائع، بان يكون صوت لمناصرة المرأة

 

جمعة عبدالله

رسالة هايكوية .. للحوار

bushra albustani• جمال مصطفى

الشاعرة الفذة بشرى البستاني

وداً ودا

يستحق الهايكو عربيا ً دراسة ً أكاديمية رصينة تستجلي مناحيه إبداعا ً وتنظيرا ً ولا يتصدى لعمل كهذا إلا دارس منغمس في الحقلين : حقل الإبداع وحقل النقد الأكاديمي

الجاد ولحسن الحظ هذا متوفر في شخص الأستاذة الشاعرة بشرى البستاني .

الحديث في الهايكو ذو شجون فهو حديث في الشعر ثم هو حديث في خلفيات شكل الهايكو ومضمونه والتحولات التي طرأت عليه فور خروجه من حاضنته الأولى اليابان وهو حديث عن انبثاقه الجديد من رحم اللغة العربية وما يستتبع ذلك من تغيير في ملامح الهايكو وهل هذا التغيير مرغوب إرادي أم حتمي , وهذا يأخذ المتتبع الى مشهد ربما سيتكرر وهو اتخاذ النماذج المترجمة كأنموذج يحتذى كما حدث مع الترجمات التي اتكأت عليها قصيدة النثر العربية وهل يتحمل جسد الهايكو النحيل شداً الى حد الإكتفاء بكلمتين أو كلمة وهل يتسع فيغدو رباعي الأسطر وما هو الحد الفاصل بين قصيدة من ثلاثة أسطر وهايكو من ثلاثة أسطر وماذا عن الإسم ذاته فكلمة هايكو لا تنصرف

مثل الكلمات العربية لأنها مفردة أعجمية وهل كلمة هايكو بالعربية مؤنث مجازي أم مذكر مجازي وإذا بالغ الشعراء في التجريب وسيبالغون لا محالة فما هي النواة التي تحفظ للهايكو روحه فلا تندغم في قصيدة الشعر العادية المعروفة والكثير الكثير من الأسئلة وهل سيأخذ الشاعر العربي قصيدة الهايكو اليابانية مرجعية ً له أم يندمج مع ما طرأ على الهايكو من تغيرات في الغرب والعالم وما هي المعيارية التي على أساسها سينفرز الهايكو المكتوب بالعربية باعتباره هايكو أو قصيدة شعرية قصيرة كانت معروفة من قبل وستبقى تحت مسميات عديدة كالومضة او اللقطة او الشظية وما الى ذلك ؟

لا يسعني سوى ان اتقدم بالتحية للشاعرة العزيزة بشرى البستاني على اقتحامها اللذيذ المتعب لحقل الهايكو وحراثته وتخصيبه بما عندها من رصانة أكاديمية وموهبة شعرية وبهذين الحسنيين ستضع دراسة تشير الى الطريق فبورك المسعى ودمت في صحة وإبداع سيدتي .

قبل 8 ساعات - 17 - 05 – 2015

 

• سالم الياس مدالو

الاستاذة الشاعرة والناقدة الرائدة والرائعة يشرى البستاني

شكرا على هذه المقالة الرائعة والناضجة حول قصيدة الهايكو

لاشك ان الدخول في بوابة قصيدة الهايكو ليس بالسهل ولكن بالتجريب والممارسة وامتلاك رؤى مستقبلية ومنفتحة نخطو بهذا الاتجاه بمصداقية وثبات كلنا نعرف ان الانطلاقة كانت من اليابان وعلى شعراء العربية الاستفادة من القصائد المترجمة من اللغات الأخرى

ومن كلاسيكيات الهايكو الياباني العظام امثال باشو وغيرهما ولكن اقتفاء اثرهم حرفيا ق لايخدم مسعانا النبيل في تثبيت اصول وقواعد العراقي والعربي وهنا اود ان اقول نلاحظ في بعض القصائد المترجمة لكلاسيكيات الهايكو الياباني تظهر انها ناقصة الشعرية وانها مجرد نقل حالة او مشهد ما واعتقادي ان شاعر الهايكو العربي عليه العمل على اظهار الشاعرية في قصيدة الهايكو العراقي والعربية لان الشاعرية عنصر مهم في كل جنس ادبي يدعة بالقصيدة ونعم ان بترجمة الهايكو للشعوب والثقافات المختلفة مهم جدا لبناء ما نسعى اليه والهايكو بحر عظيم متلاطم الامواج وبراري براري واسعة مملوءة بالازهار وبالاشواك وكل ما في عناصر الطبيعة من صالح وطالح واستغلال هذه العناصر استغلالا موضوعيا وصالحا لللانسانيةهو المنطلق الصحيح لعبور جسر الهيكو نحو افاق اكثر جمالا وبهاء

شكرا مرة اخرى الشاعرة والناقدة الأستاذة بشرى البستاني على هذه المقالة المضية الناضجة

 

حول الهايكو

تقديري واعتزازي

الزميلان المبدعان جمال مصطفى وسالم الياس

تحية الإبداع والشكر والمحبة

ما أوردتموده من ملاحظات مهمة حول الجزء الاول من دراستي (الهايكو العراقي والعربي بين البنية والرؤى) إنها إشارات مهمة كانت ببالي وأنا أفكر بالكتابة؛ لأنها تدخل في بنية الهايكو وفي رؤيته معا، وقد تناولت بعضها في الجزء الثاني من الدراسة، وبعضها الآخر يحتاج لمصادر أصلية تعنى بالتوثيق أفتقدها للأسف وأنا بعيدة عن بيتي ومكتبتي، وعن مكتبات جامعتي، وكانت مكتبات عمان وشومان وجامعتها لم تسعفني إلا بالقليل . تحدث الجزء الثاني الذي سيطرح قريبا باختصارعن موضوعات الهايكو، وكيف خرجت عن حدود الطبيعة إلى مضامين أخرى، وسأتناول في مبحث تطبيقي هذه الأمور لتكون أكثر وضوحا مع حضور ملاحظات هذا التجمع النشط بكل أعضائه، فكل ملاحظة تدون على نص هايكوي أو دراسة في الهايكو، هي أمر ضروري لترسيخ الأسس أولا، وتوضيح الرؤى ثانيا، وتلمّسِ ما يجب أن يبقى بابا مفتوحا على فضاء الإبداع، كي يفسح مجالا كافيا يتسع للعبة الشاعر الفنية في قصائده ..

في عبور الهايكو من اليابان الى آداب عالمية أخرى كانت تجربة شاعر الهند الكبير طاغور تغرد ليس بعيدا عن سرب الهايكو الياباني وما جربه الشاعر إزرا باوند رائد التصويرية الامريكي مطلع القرن الماضي كان صدى لاكتشافه وإعجابه بالهايكو الياباني، كما حاولت الدراسة الاشارة الى زمن حضور الهايكو روحا وفنا في الشعرية العربية، معتمدة التواريخ التي دونتها نصوصهم وما أتاحته مصادر النت التي لم أكن أقبلها أكاديميا، لكن الرجوع اليها صار ضروريا حين يغيب مصدر التوثيق الورقي في الكتب والدوريات . وسأشير إلى ملاحظاتكم القيمة باختصار، آملة من أصدقاء الهايكو في تجمعنا المشاركة في إثراء هذا الحوار ؛ لأن تفاعل الآراء هو الذي سيقوم بتشكيل الهايكو العراقي بنية ورؤى، وما هذا الذي سأقوله إلا رأي بين آرائهم.

الحديث عن انبثاقة الهايكو الجديدة من رحم اللغة العربية وما يستتبع ذلك من تغيير في ملامح-1

الهايكو وهل هذا التغيير مرغوب إرادي أم حتمي، هذا التساؤل مهم عزيزي الاستاذ جمال، لكن المتابعة الدائمة للمجز هي التي ستحدد ذلك . التطوير والتغيير والتجاوز في الابداع أمر تحتمه الظروف الخارج نصية من تحولات تصل أقصاها بحيث لا يعود الشكل الفني السائد قادرا على الوفاء بالتعبير عن هموم المرحلة الجديدة من جهة، مما يُملي على المبدعين من ذوي المواهب المقتدرة والوعي المتوهج بالعلم والمعرفة العمل على البحث عن بدائل فنية ملائمة . ومن جهة أخرى فإن طبيعة اللغة العربية وتراثها الشعري بعمره الطويل، لا يمكن نسفه كليا ونحن نقبلُ على تقديم فن جديد بهذه اللغة، بل إن تطوير النموذج الأصلي وتخصيبه بسمات الارهاص الجديد أمر سيغني اللغة ويطور أداءها ويزيدها جمالا، فاللغة ابنة الحضارة والفنون الشرعية، إن ازدهرت الحضارة أينعت اللغة وتفتحت، وإن ذبلت بيئة اللغة وأصابها الشحوب اصفرت اللغة وأصيبت بالوهن، ومتابعتنا النقدية لكل نص جديد كما يفعل مبدعونا جميعا، ستكشف يوما بعد يوم ايجابيات النص وسلبياته معا . إن متابعة النقد هنا قضية مهمة لأن مغادرته ستؤدي الى التشظي والارباك والترهل كما حدث مع قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر حين نسي النقد مهمته في تأشير الابداع من غير الابداع فصار نصف شباب الوطن العربي شعراء، واعتقد أن هناك ثوابت فيما يخص البنية تعمل على توطيد الجنس أو النوع الشعري، وفي التزام علوم العربية التي أوشكت أن تضيع منذ استسهل الهاوون النشر بادعاء الشعر. وهذا الأمر مفتوح للحوار دوما من أجل إثرائه .. حتى يترسخ النموذج.

2- هل سيكون النموذج المترجم أنموذجا يحتذى به كما حدث مع الترجمات التي

اتكأت عليها قصيدة النثر العربية وهل يتحمل جسد الهايكو النحيل شداً الى حد الإكتفاء بكلمتين أو كلمة وهل يتسع فيغدو رباعي الأسطر وما هو الحد الفاصل بين قصيدة من ثلاثة أسطر وهايكو من ثلاثة أسطر .. هذه كلها أسئلة مشروعة عزيزي، ولو اقتفينا أثر النصوص المترجمة فلن نكون قد أنجزنا فنا شعريا عربيا، بل قلدنا نصوصا مستوردة، وجسد الهايكو بالدربة والتمرن سيعتاد على التكثيف والتعبير بروح الهايكو، لأن التكثيف صار ضرورة عصرية لتغير ايقاع الزمن وسرعته المذهلة، أما عن الحد الفاصل بين قصيدة من ثلاثة أسطر وهايكو من ثلاثة أسطر، فاجتهادي القابل للرد والحوار يقول، إن قصيدة من ثلاثة أسطر هي ومضة على الأكثر، أما أسطر الهايكو فهي مشهد مصغر ينفتح على فضاء كبير، وهناك فرق بين الومضة والمشهد، الومضة أكثر ما تكون جمالية، والمشهد أكثر ما ينطوي على حكمة، ما فضلا عن جمالية تشكيله الشعري، أتذكر ومضة موزونة ومقفاة كتبتُها قبل عشرين عاما مع ومضات أخر منشورة في ديوان (البحر يصطاد الضفاف) الصادر عن دار الشؤون الثقافية بغداد:

من طرق البابْ

في هذا الصحوِ الأخضرِ

أعطاني غصنَ الفلِّ، وغابْ

هل يمكن أن تكون هذه الومضة هايكو ...؟ لا أدري لماذاَ لا أتقبل إدراجها في الهايكو، وما زلتُ أبحث عما يمكن أن يجعلنا نفرق معرفيا بين النموذجين، وليس اعتمادا على الذوق حسب، لأن الاذواق متباينة، وكلٌّ منا في الحوار ينتصر لذوقه، نعم قد تتشابه الاذواق ذات الحس الشعري والجمالي ولكنها لا تتطابق، ونحن نحتاج لتعليلات جمالية معرفية لبناء النموذج، لكن من المؤكد أن قصيدة الومضة أو اللقطة أو الشظية أو ما تعرف أكاديميا بالقصيدة المركزة هي نواة الهايكو العربي، والباحث في الشعر العربي المعاصر ولا سيما في الربع الأخير من القرن الماضي، سيجد الكثير من الشعراء الذين ترد عندهم هذه التشكيلة . أما عن الرباعيات فشعرنا العربي زاخر بها ولاسيما شعر المهجر وجماعة أبولو وغيره، وجلها لا يقترب من روح الهايكو، ولذلك فإن التزام الأسطر الثلاثة سيكون أساسا بنيويا في الهايكو العراقي كما فعل معظم زملائنا من الشعراء العرب ..

3- مفردة هايكو صيغتها الصحيحة هي التذكير، فمفردة راديو التي لم يصحب استعماله أي تردد التزمت التذكير حال تعريبها، ولم يلقَ تعريبها أي إشكال في الاستعمال، وأعتقد أن (هايكو عراقي أو هايكوعربي) صيغة سليمة، وستندمج في سياق استعمالها على الأغلب..

4- و(هل سيأخذ الشاعر العربي قصيدة الهايكو اليابانية مرجعية ً له أم يندمج مع ما طرأ على الهايكو من تغيرات في الغرب والعالم )، ما جذبني شخصيا لهذا النشاط الهايكوي هو الدعوة لهايكو عراقي، عربي فما علينا الا تحمل مسؤولية الطرح والدفاع عنه، وابتكار الطرائق التي تجعل منه نموذجا عراقيا عربيا حقا، ولن يكون ذلك الا برؤى عراقية عربية، وبالتعبير عن مكابدة ومعاناة عراقية عربية، وروحانيات نمت وازدهرت وأينعت ثمارها في التراث العراقي والعربي، وفي الدعوة الى سلام وأمن وصفاء، والى قيم تكون بديلا للحروب وقتل الانسان والطفولة وسحق الطبيعة معا. وبتطويع اللغة العربية ذات المرونة العالية للأخذ بمستلزمات الفن الجديد .

5- نعم عزيزي الاستاذ سالم، الدخول في بوابة قصيدة الهايكو ليس بالسهل ولكن بالتجريب والممارسة وامتلاك رؤى مستقبلية ومنفتحة نخطو بهذا الاتجاه بمصداقية وثبات، وحين بدأت بتأمل هذا الفن صرت أعجب ممن كتبوا قبلنا بقرون ويكتبون الآن، ان الهايكو فن سهل بعيد عن الصعوبة والتعقيد وبعضهم يتبع الجملة بكونه يهدف للتسلية أو الحكمة، ولا أعرف كيف تجتمع التسلية بالحكمة إلا حين تكون الفكرة ناضجة حد الكد الذهني المعمق .

6- نلاحظ أن في بعض القصائد المترجمة عن كلاسيكيات الهايكو الياباني قصورا في ثراء الشعرية وانها مجرد نقل حالة او مشهد، نعم أتفق معك كثيرا، فقد لاحظت قصائد أتعبتني وأنا أبحث فيها عن باب تأويلي، حتى أيقنت أنها مجرد تركيب لغوي لا يضمر شعرية تؤازره، وهذا فعلا ما يجب أن يتجنبه الشاعر العراقي والعربي، وسيتجنه الشاعر الموهوب حتما..

7- أتفق معك في أن (الهايكو براري واسعة مملوءة بالإزهار والأشواك وكل ما في عناصر الطبيعة من صالح وطالح، واستغلال هذه العناصر استغلالا موضوعيا وصالحا للانسانية هو المنطلق الصحيح لعبور جسر الهايكو نحو افاق اكثر جمالا وبهاء ..) ولا يفوتني هنا القول، إن الشاعر العربي لو التفت الى طبيعته وثرواته التراثية ولما يمتلك تاريخه من حكم وكوارث وأمجاد معا، وما في أديانه وكتبه السماوية، وكنوزه الأدبية والفنية من روائع الإبداع العارم بالتلوين والتباين والتنوع، وبالحكمة والقيم، وبالنقاء وتجليات الروح، لتفوق على شعراء العالم بكتابة الهايكو، إن هذا الزمن العربي الطافح بالعذاب والدم وقتل الإنسان وتكالب الطغاة من جانبيه شرقا وغربا، يحتاج لنسائم روحانية تطفئ اللهب ويحتاج لثورة جمالية شرقية ذات قيم روحية طافحة بالحكمة والنور ليضيء العربيُّ وارثُ الحضارات هذا العالم المرهقَ من جديد..

شكرا وتحية أصدقائي المبدعين جمال مصطفى وسالم الياس، ومزيدا من الجهد على طريق إرساء النموذج، و لكل الزملاء في هذا النشاط الإبداعي، محبة وامتنان، أقول لهم جميعا،، حواركم الدائم مهم جدا.  

 

أ.د. بشرى البستاني

 

 

رواية قبل اكتمال القرن.. قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر (9)

husan sarmakالمناخ النبوئي: قد لا يلتفت القاريء، وحتى الناقد - بفعل اللهاث السردي الماراثوني الذي صممته "ذكرى" ببراعة - إلى أن الرواية / هذه الرواية، كأسطورة قد بدأت بنبوءة وانتهت بنبوءة، ولا أعلم لماذا يتمسك بعض نقادنا الأشاوس بنبوءات كاهنة "معبد دلفي" الأغريقية، والتراث العربي، بل الحياة العربية متخمة بدور النبوءات: نبوءات عن مصير جلجامش.. نبوءات عن ظهور النبي محمد.. نبوءات عن سيف بن ذي يزن.. نبوءات حتى عن عنترة العبسي.. وأمية بن أبي الصلت.. إلخ.

تعيد "ذكرى" الإعتبار لدور النبوءة بصورة عفوية مدروسة تنسل بين جوانح الوقائع السردية بهدوء وبصورة غير ملموسة. ويمكننا أن نعد الرواية كلها متنا لبحث تحقيق النبوءة / النبوءات. يقص الشيخ الضرير على تجمع أطفال العائلة حكاية قديمة عن سيّده وقائده الذي بدأ يشعر بالهزال المتنامي لمهرته الفضية المبقعة، فقرر أن يترصد الأمور ليلا ليعرف السبب. كانت الجنّية هي السبب. أمسك الملا بتلابيبها، ففتحت زيقها وفحّت بكلمات مخيفة. صممت ذكرى الدعاء المتحامل اللاعن للجنية وكأنه رقية سومرية:

(- لتكن قدرك مثقوبة

وجسد ولدك معيوبا

لتحيا زمانك لاهثا متعوبا

فلا تهنأ بفتى خاطبا، ولا فتاة مخطوبة – ص 35). ومن الإجحاف ان يقتطع الناقد اللعين المتعسف هذا المقطع فيُفسد كمال معناه ورمزيته النبوئية العميقة، التي عملت الروائية على أن تصوغها بطريقة جناسية متكررة شديدة التأثير:

(لتحيا زمانك لاهثا متعوبا... غزت صرخاتها جسد الليل تعوي باتجاه القمر الذي ظللته غيمة كبيرة يعود صدى عوائها.. منهوبا.. متعوبا.. اعتدل الشيخ في جلسته مستغفرا القادر.. والأطفال حوله فاغرو الأفواه ينتظرون أن تطلع عليهم الجنيات اللعينات من بين شقوق الأبواب والجدران، حيث كانت تلهو الفئران بقرض الخشب العتيق المهمل فيئن بتأوهات متألمة تحت الوعيد.. منهوبا... مثقوبا.. معطوبا – ص 35). هذه هي النبوءة المفتاح التي نقلها الشيخ الضرير عازف الربابة ومستودع سر القائد الرضواني. لكن هناك نبوءات تفصيلية دقيقة تفصّل مسارات الخراب المستقبلية التي ستنتظر الملّا متشفية على أبوابها. لقد أخبرت البدوية العجوز ذات الأسنان المنخورة، المُلّا عن ولده خليل بـ (أنه من هنا سيُعلق.. من هنا سيموت)، فانتحر خليل شنقا !!

ولكن الأمَرّ، هي النبوءة المُضمرة التي يشعر بها كل فرد من أفراد العائلة، لكنه يخشى الإفصاح عنها.. كأي نبوءة مميتة نتحصن عليها خوفا من تحققها ؛ إنها النبوءة الأم التي لو تنبهنا إليها لكان ممكنا أن نغلق كل أبواب أنهار الدم في تاريخنا. قتَلَ الرضواني الكبير (المُلا) أخته الصغيرة عاشقة الجندي الهندي بربطها بالحبال:

فـ (ظلت الحبال بذكراها المميتة تسبب للملّا أحزانا واسعة المدى وكأن في داخله نداء يلهب ضميره في أنها ستكون ذات علاقة مريرة مصاحبة لمصائر أبنائه – ص 23).

بلاد الحبال والأعناق المشنوقة هذه.. بلد أول اغتيال يقوم به ابن لأبيه.. لا تصغي لنبوءات المتنبئين.. من تجربة خاسرة دامية إلى أخرى أكثر دموية.. وكلها أشارت إليها بإصبع نافر النبوءة الفجة. لكن ما حصل أكثر غرابة وفجعا، فالنبوءة الآن لا تأتي من بدوية متخلفة ولا من جنية متخيلة، علما أن هؤلاء يكونون أقرب للإستشعار المتقن بفعل تلقائية استجاباتهم. النبوءة تأتي - الآن - مؤسّسة على فعل خرابي مُرعب يتمثل في سحل وإعدام الملك الشاب الصغير الذي تفتت جسده تحت أقدام الرعاع الغاضبين. وهنا تبزغ براعة "ذكرى" المذهلة التي لا تفوِّت أية فرصة سردية دون أن تستثمرها برقي مسموم. لقد أكثرت من ذكر مفردة / أو رمز (العجينة)، لكنها الآن، وفي مشهدية سحق الملك الشاب توائم بين عجينتين أساسيتين هما عماد الحياة: عجينة الموت وعجينة الحياة. فحسب قولها: لقد ديس جسد الملك حتى تحوّل إلى عجينة لينة طُوِيت في ثلاث لفّات كوّرت بقاياه. في الوقت نفسه، كان هناك نداء للحياة يكوّر عجينة الولادة:

(عجينة بشرية صغيرة حمراء، أُطلق عليها اسم (الوضّاح). نزل جائعا صخابا. ألقمته ثديها.. قالت وهي تنظر إلى بقع دم الولادة التي لم يتم تنظيفها بعد: - لم يكن هناك دم على جسده. قد يكون الملك بذاته. لا أعلم إلا أنه أحدهم بلا شك – ص 58). لكن النبوءة قد لا تُورّث ولا تُسمع، بفعل النزوع السادي البشري المتأصل. الإنسان ليس حيوانا ناطقا ولا هو حيوان اجتماعي كما يقول الأخ أرسطو، لكنه حيوان قاتل. اذكروا لي مجموعة من الحيوانات شنت حربا عالمية وقتلت 25 مليونا من أبناء جنسها !! قد لا تُسمع النبوءة وقد لا تُورّث، لكنها تتحقق لأنها خيول الحادثات المنذرة التي تشبه الأحلام النبوئية والتي تصل إنذاراتها قبل وصول الواقعات الماحقات. من يراجع سيرة مايكوفسكي بدقة يستطيع الاستنتاج بأنه سوف ينتحر ؛ هذا " الحادلة البشرية". وليست رواية "حقل الحيوان" نبوءة عن انهيار الاتحاد السوفيتي بقدر ما هي قراءة وتوقع واستشراف مدروس. الفارق هو أن لاشعور المبدع مثل مؤشر الراديو الذي تحركه ببطء وهدوء واتقان كي تحصل على الموجة الإرسالية. تعلّق "الشمرّية" على سحل جسد الملك الصغير بالقول: (- إنه من آل البيت. ألا يذكر أحدهم هذا ؟ هل دِيسَ بالأقدام ؟ اسمعوني: لعنة الدم مخيفة.. ستأكل اللعنة أقدام من تعثّر بجسده – ص 59). الرواية بأكملها هي شرح سردي عظيم للمصائر التي نصبتها تلك النبوءات المشؤومة ؛ مصائر تجري وكأنها مرسومة وفق "حتم" لاشعوري يصح معه مقولتي التي عنونت بها الجزء الأول من كتابي عن المبدع الراحل "مهدي عيسى الصقر": مخيرون بالشعور مسيرون باللاشعور". نبوءات كان من الممكن الإنتباه إليها لتخفيف حجم الخسارات التاريخية الباهضة. لكن يبدو أننا مسيرون فعليا بتراكمات قوى فاعلة ووحشية مختزنة في لاشعورنا الجمعي والفردي على حد سواء.

 

(لو) الآمال العراقية التي لن تخضرّ:

ومثلما لكل عراقي نداء استغاثي مُمزِّق: (يمّه)، ولكلّ عراقي نداء تساؤلي وحشي يخز خاصرة روحه بالندم حتى الموت: (ولك وينك خويه ؟).. ومثلما لكل عراقي تقويم انتظار لخيبة ما.. لتجربة مُجهضة ما.. لولاء مُحبط ما.. فإن لكل عراقي – وحسب تشخيص "ذكرى" الدقيق – حرف (لو) تمحورت حوله حياته المؤجلة.. و (لو) أبطال "ذكرى" المُذلّون المهانون هي ليست (لو) علماء اللغة المتنفجون.. لو حرف امتناع لامتناع.. تقول لو درستُ لنجحتُ، وهذا يعني: أن النجاح امتنع لامتناع الدراسة ؛ أي أنني لم أدرس ولهذا لم أنجح. والأمر في (لو) المحنة غير ذلك. (لو) عائلة الرضواني لا تخضع لأية قاعدة لغوية. إنها لو الخراب.. كانت (سُبل) تصرخ من أعماقها كلما خلت إلى نفسها مؤنّبة إياها:

(- لو أنك امتثلت لأمر (نوّاف الضامن) بالعودة لبقى مرتضى حيا..

ويتحد الصوت ثمة مع ذكريات موت أخيها (تغلب):

- لو أني أبكرت قليلا.. ثانية فقط.. لكان (تغلب) حيّا

فتستغيث جزعا، وتهرب من النداءات اللجوجة في دمع تسفحه، حيث لن تعد أحضان (مراثي) كافية لتخدير أحزانها، وكم بدا غبيّاً لأن تسمع مجددا "كل شيء سيكون بخير" – ص 228).

وفي الظاهر فإن الـ (لوّين) السابقتين هما حرفي امتناع لامتناع ؛ فلأن سُبل لم تمتثل لأمر الجلاد نواف بالعودة إلى بيت الزوجية فإن أباها مرتضى لم يبق حيا.. ولأن سُبل - أيضا - لم تبكّر قليلا وتلحق بأخيها (تغلب)، وهو يصعد الدرج، فإنه لم يعد حيّاً، فقد أطلق النار على رأسه. لكن الواقع السردي له قوانينه وقواعده وهي قوانين وقواعد الواقع النفسي التي تختلف عن قوانين وقواعد الواقع الموضوعي برغم أنها تحمل قوة إلزام مماثلة له. لقد نشر نواف - مدير الأمن السياسي - شِباكه على سُبل بطريقة وضيعة، سنتعرض لها، وتزوجها، لكنه أجهضها عندما عرف أنها حامل منه، وقد ترتبت على ذلك مشاعر ناقمة هائلة تجاهه استولت على سُبل:

(ثابر نواف الضامن منذ عزلته عنها، على استرضائها. كانت تعرف أن قتله المتعمد لجنينها في بطنها وإجهاضها لوليدها دفن كل مشاعرها تجاهه بقدر ما هو وأدٌ لكل إيمانها به ؛ إيمان أنفق نواف الضامن سنواتٍ وسنوات في تلقينها إياه وترويضها عليه. إنه نبي كاذب – ص 206).

هذا النبي الكاذب رسم طرقا نفسية معقدة هي مزيج من الترغيب والترهيب، وخلق الآمال بـ "المنقذ" من أجل أن يظفر بها كما سنرى، لكنها طردته بعد إجهاضها شرّ طردة. لم تفلح كل محاولاته في استمالتها وانتزاع مسامحتها وعفوها. بعد عدة محاولات فاشلة قُتل أبوها مرتضى في البيت قتلة شنيعة. طرق الباب رجلان من الأمن، فتحت لهما سُبل. كانا يبغيان أباها مرتضى. قادتهما إلى الداخل.. أطلقا الرصاص على رأس أبيها وفجّرا جمجمته:

(كانت سُبل تصرخ مشدودة بلا وعي، وتعيد بهمّةٍ النثار الأبيض المتطاير زَبَداً من دماغ أبيها بسبب الفزع، لم يستوعب عقلها ما حدث، فكانت تقف لساعات متتالية تعيد ترتيب اللحظة الجبارة حسب تسلسل وقوعها: سقطت الصحيفة ثم النظّارة.. لا.. النظّارة أولا.. سألمّ الأشياء.. كنت أنحني.. ثم تناثرت تلك الرغوة اللزجة، دافئة، أمطرها رأس أبي. رغوة ممتزجة بالدم. تهاوى الجسد ثم الرغوة.. لا.. الرغوة أولا.. والرجلان.. أين اختفى الرجلان ؟ - ص 226 و227).

لقد تبخر الرجلان القاتلان، وحدّد الطبيب الشرعي سبب الموت بأنه حالة فريدة من انفجار الدماغ. لكن سُبل كانت على قناعة أكيدة بأن الأمر ليس بعيدا عن أصابع نواف الضامن بمحاولاته المستميتة لاستعادتها ورفضها العنيد له. رشقته ببصقة عنيفة عندما جاء ليعزّيها بأبيها. كانت تصرخ بهستيرية مخيفة بكلمة واحدة:

- قاتل.. قاتل.. – ص 228).

الآن، يصعد على كتف سُبل شيطلنُ خطيئةٍ جديد هو: مقتل أبيها، وصارت تجترّ فرضية التأنيب: (لو) عادت إلى نوّاف لما قتل أبوها. لكنها لا يمكن أن تعود إلى نوّاف بعد ما حصل. بل هي - ومنذ أول خطوة للعلاقة بينها وبينه - كان محكوما عليها بالخراب والإنفصال لأن العلاقة كانت نتيجة صلة مشوّهة بين شخصيتين متناقضتين، وبين واقعين صارخي التعارض: واقع الضحية وواقع الجلاد. وبالتالي فإن هذه الـ (لو) التأنيبية المتكرّرة هي ليست حرف امتناع لامتناع ؛ هي ليست حرف يصل بين فعلين يكون ثانيهما تحصيل حاصل للأول: لو عدت لنواف لبقي أبي حيّاً، ولأنني (امتنعت) عن العودة فقد (امتنعت) نعمة البقاء على أبي. هنا يبسّط الفعل اللغوي الآلي الكارثةَ ويسخّفها. لكن هناك ما هو أكثر بلاغة وشراسة في دور الـ (لو) هذه على المسرح النفسي معبّرا عنه هنا بالمسرح السردي. هنا تستتر معادلة مغايرة للـ (لو) التي سيتسع دورها ليتجاوز دائرة حرف لا محل له من الإعراب (ولا أعلم كيف يكون لا محل له من الإعراب وهو أس إعراب الفاجعة اللاحقة كلّها) إلى ركيزة موقف نفسي عقابي ذاتي هائل المرارة. فهناك - في الإدراك النفسي والإدراك السردي - (لواحق) باطنة لا يتم استكمال دور الحرف ولا معنى الجملة من دونها. هي الاستطالات المتعلقة بالصراعات الدفينة التي لا تظهر على (شاشة) الجملة. فسبل، في الواقع، عوقِبت بقتل أبيها.. وأُرهبت إرهاباً عنيفاً ومرعباً لردعها عن سلوك صحيح اتخذته في وجه أذى حقيقي وصادم وُجِّه إليها. لقد تمت تصفية أبيها السياسي المعارض السابق، لأنها لم تستجب لدعوة نواف للعودة إلى بيت الزوجية السري. أي أنها ؛ لأنها لم تعد إلى نواف تمّ قتل أبيها كترهيبٍ لها. وبالتالي، فإنّ دور الـ (لو) على المستوى النفسي سيكون كالتالي: لو أنني عدت إلى نواف لما قُتل أبي، وهو امتناع لامتناع جديد. هنا تبحث الذات اللائبة عن ربط مؤجّل غير عادل وطغياني بين فعل يسير في اتجاه وحياة إنسان تجري في اتجاه آخر، والـ (لو) تتأرجح حائرة بينهما في ربط عجيب. فلأن سُبل لم تنفّذ رغبات نوّاف قام بقتل إنسان ترتبط به عاطفيا ليجبرها على العودة !! وبالتالي فإن عودة سُبل (لو) تحققت كانت ستمنع جريمة قتل لا أساس لها منطقيّاً أو عرفيّاً، ولا تبرير لها، إلا بمفهوم السياسة.. والسياسة كالدعارة، لكليهما شُبهة كما تقول الحكيمة "ذكرى محمد نادر". (لو) عودة سبل هي شكل للإنخذال والمهانة والعبودية تقترفها كلّها وتبررها كي تؤسس لـ (لو) بقاء أبيها على قيد الحياة. وهو ربط لا يتوقعه أحد، ولا يمكن أن تعبر عن صلات جمل شرطه وجواب شرطه إلّا لغة الطغيان وأدوات خطابه التي تزرع في روح الإنسان المقهور استعدادا تاويليّاً غريباً يُبرّر الظلم والإستعباد بصورة لاحقة للفعل المُدان أصلا.

هذا درس من "ذكرى" ذو وجهين: الوجه الأول يتعلق بلغة الطغيان الكامنة وخطابها المستتر: لو أنّكِ عُدتِ إليّ لبقي أبوك على قيد الحياة، ولأنك لم تعودي إليّ لم يبق أبوك على قيد الحياة ؛ والأدق (لأنني أريد عودتكِ فقد قتلتُ أبوكِ).. هذا ما تنفيه الـ (لو) النفسية التي تتمظهر على السطح الأمامي لروح الإنسان المُستعبد، في حين يُقمَع دور الـ (لو) النفسي الحقيقي في ظلمات الذات المحاصرة. وهذا هو الوجه الثاني من الدرس الذي له أكبر الأثر في إطالة أعمار الطغاة والدكتاتوريات. يتظافر فعل الـ (لو) المُوهِمة هذا مع الموقف المازوخي المُستقبِل للطمات العذاب مُعبّراً عنه باللغة ايضا.. اللغة التي يصوغها واقع الطغيان:

(كل شيء سيكون بخير)

كما تردّد (مراثي).

إن دراسة لغة الخطاب الشعبية التي يشكلها واقع الإنسحاق والمصادرة هو مسؤولية كبرى يفتح أبوابها المبدعون عادة. إن الضرورة التي انبنت - بثبات - على موقف سُبل الجسور المبرّر والرافض للعودة إلى الجلاد قد تحول إلى (امتناع ترتب عليه امتناع آخر جائر وغير مبرر). بعد خطوات موجزة ليس إلا، ستتأسّس رابطة (امتناع لامتناع) عجيبة تُحبط كل محاولة رافضة:

(لو امتثلت لكل ما يريده نوّاف أصلا لبقي كل شيء في حياتك على حاله).

وهنا سيجتاح الرعب أوصال الإنسان لأن التفكير بأي درجة من عدم الامتثال يعني اختلال عالم الفرد بأكمله وإهارته على رأسه. ألم يكن الطغاة يرفعون شعار أن الإنسان الذي يسير في دربه ولا يحتكّ بهم، لا يتعرضون له، ويعيش مكرّماً آمنا !!.

الرواية فن التفاصيل:

والرواية هي فن التفصيلات لا الكلّيات ؛ الفن الذي تتوقف فيه مهارة المؤلف وحذقه على التقاط الدقائق السلوكية وخلجات النفس البشرية الرقيقة والتحولات المرهفة في العلاقات الإنسانية والطّرْق على معانيها وتوسيعها وتمرير الأفكار والرؤى من خلالها وخلف أستارها الباذخة. كل نظريات الصراع الطبقي وأيديولوجيات الاستغلال التي تدعو الناس للثورة لا تعادل الكيفية التي يصف فيها دستويفسكي مهانة (سونيا) وانحطاط صحّتها والواقع الرث الذي تعيشه في ملحمة "الجريمة والعقاب". هذه المشاهد التي يقدمها دستويفسكي تعادل التأثيرات النفسية – لا الفكرية طبعا – لألف خطيب مفوّه. وعندما يقوم "راسكولينكوف" بقتل اليهودية المُرابِية، ويريد الخروج.. تحضر أختها فيقتلها أيضاً. يريد دستويفسكي (نبي روسيا) كما كان يُلقّب أن يعلن أن الدم سيجر الدم.. وأن أي تغيير – حتى في الثورات - يبدأ بالدم سينتهي بالدم حتما. هذه أعظم نظرية يختصرها الروائي بمشاهد بسيطة. الحداثة أن لا تشرح بل تصوّر، وهذا من أروع النقلات التي حققها فؤاد التكرلي ومحمد خضير في الفن السردي العراقي (راجع كتابينا عنهما). في (المملكة السوداء) ستجد المعاني الثرة لدرس التفصيلات الكبير، وخذ الدرس الأول عن تفصيلات سلوك وثوب وانفعالات المومس المباركة في قصة (المئذنة). وقد وعت ذكرى هذه الحقيقة جيّدا.. بل بصورة ممتازة. كانت لا تعظ ولا تشرح ولا تسهب.. كانت تصوّر الحالة الإنفعالية والسلوكية لشخوصها مُستعينة بأبسط، بل أتفه، المكوّنات وأكثرها ابتذالا: الفأر الخاتل.. ظفر مخلوع.. زيت الأجساد.. حمامة.. إبرة وزر وردي مقطوع.. وغيرها من الأشياء والكائنات الجامدة والحية (النباتية والحيوانية والبشرية) التي تشغّلها الكاتبة لتلقي عليها ظِلالاّ من الحالة النفسية المُحتدمة لشخوصها أو لتفعّل المعاني الحارقة للموقف النفسي في المشهد عموما.

لاحظ الحركة العظيمة للكيفية التي يلبد فيها الفأر الذي كان يُصغي لكلمات الوداع الصامتة بين "هانيا" وحبيبها "الجهم" الذي ستطويه عجلة الحرب الدامية:

(لملم "الجهم" حوائجه هو الآخر، وارتدى ثيابه العسكرية وانطلق إلى طوابير الإلتحاق. وقفت (هانيا) على سياج السور الخشبي الداخلي تودعه بعينين تحمل أسفاً شديداً لأن كلاما كثيرا كان يمكن أن يُقال لولا أن (فضائل) حاضرة. هفهفت سعفات النخلتين بتحية حانية، ولبد فأر يصغي إلى كلمات الوداع المؤثرة، وصوت العمّة "فضائل" تتلو بخوف وخشوع آيات قرآنية تناشد الرب في سلامة ولدها وأبناء الرضوانية – ص 194). وحين تعلم أن هاتين النخلتين اللتين هفهفت سعفاتهما بتحية الوداع هما اللتان دُفِن "خليل" المنتحر شنقاً و "طه" الميّت نزفاً تحت ظلالهما، فستعرف الدلالات المُنذرة لهذه الحركة. حتى الفئران صارت تفزع من سلسلة وداع الأبناء العراقيين التي لا تنتهي منذ فجر التاريخ. وقبل هذا المشهد هناك درسٌ أيضا. فقد إلتحق "الجهم" بالجيش استعدادا لحرب الكويت 1991 (الحرب العالمية الثالثة التي تحولت من حرب تحرير الكويت إلى حرب تدمير العراق)، لكن "ذكرى" تدرك أنّه ليس من واجبها أن تشتغل مؤرخة لوقائع الحروب وتداخلاتها ومسبّباتها وأطراف قواها... إلخ.. لكنها (تؤرّخ) لحروب الأرواح.. أرواح الأمّهات الملتاعة والحبيبات الخائبات والأبناء الراحلين بلا رجعة. الحروب تأكل الأبناء وتجعل الشيوخ يثرثرون. لا أعرف من هو القائل. وفي السلم يدفن الأبناءُ الآباءَ، أما في الحرب فيدفن الآباءُ الأبناءَ. هذه بلاغة كبرى لا تلحقها ألف نظرية عسكرية. وباختصار شديد وبحركة سريعة، تلخّص الكاتبة طبيعة هذه الحرب: (قال بيان الحرب الطويل وهو يئز عبر المذياع: امتثلوا راكضين بأسرع ما يمكن لنستعيد التراب الموعود بالعودة المظفرة. سيُكتشف - بعد ملايين البيانات - أنّ التُراب الموعود كان غير ذي نفع، وكان يجب لأن يُترك في مكانه – ص 193). وظّفت ذكرى (الظُفْر)، ظُفْر قدم "الصفوان" المصلوب، البسيط للتعبير عن أشدّ العواطف الإنسانية حرارة وصدقاً، وهي عواطف الأم الثكلى. بالنسبة للأمّ فإن كلّ شيء يخصّ ابنها الفقيد هو ذو قيمة نفسية كبرى، حتى (الخِراء)، حيث يقول (باسترناك) في إحدى قصص (الطرق الهوائية) أن بطلته استدلت على طفلها المُختفي من رائحة برازه. واللحظة التي تلف الأم الشمّرية ظفر قدم ابنها المخلوع وتغطّيه بشعر رأسها كأنه "الصفوان" وليداً، وتتجاوب مع نشيجها قبّرات البساتين، هو من أعظم المشاهد فَجْعاً ومرارةً وتمزيقاً لأرواحنا خصوصا وهي تختم المشهد بنداء أمومي عراقي - باللغة العامية - هو خلاصة نداءات الثكلان على وجه الأرض:

(- أولاد الكلب أتركوني.. لك وينك خويه ؟ تنقص أظفاره واحدا، فقد وجده الجهم، ظهيرة ذاك اليوم بعد أن جرت الجسد المشنوق، نساء العائلة وهن يتصارخن بدموع جفّفها الفزع. راح الجهم يركض في البيت يتبعه الأطفال، يزحف من عيونهم فضول خائف: - إظفر "عمّو".. أنظروا: كلّه دم.. أنا وجدته.. والشمّرية العجوز مسلوبة القوى، تغويه بالحلوى، تمد إليه يدين متوسّلتين مَنْحَها إيّاه مقابل درهم. وضعت الظُفر على طرف فوطتها البيضاء. هدلت عليه شعرها الفضّي وهي تنشج، فسمعتها كلّ قُبّرات البستان بنخيله المتسامق، هدلنَ معها - جميعا - في نشيدٍ يشبه أنين الموت (: - وليدي.. آخ يمّه وليدي.. – ص 67). ولا تغادر "ذكرى" أيّ تفصيلٍ صغيرٍ دون أن تُشبعه تقليباً على وجوه معانيه المختلفة، فتعود إليه - لتستثمره في مواضع أخرى من مسار أحداث روايتها المتلاحقة. فقد احتفظت الشمرية - الأم - بظُفر ابنها حتى شهقت أنفاسها الأخيرة. وحتى مع اقتراب لفظ روحها، لم يسامحها ابنها "مرتضى"، لأنّه كان يحمّلها ميتة أخيه "طه" لأنّها سقته شراباً عجيباً كي تمنعه من السفر إلى الخارج للدراسة. الحب الأمومي قد يقتل أحياناً. أرادت الأم المُحتضرة أن ترى ابنها "مرتضى"، لكنه رفض.

فما الذي فعلته قبل موتها ؟

أرسلت له ظفر أخيه الصفوان، البقيّة التي يريد الفرار منها بأي سبيل، فهو بالمقابل يتحمل دمَ أخيه الصفوان:

(أرادت أن تراه للمرة الأخيرة. رفض، فتركت له إرثاً موغلا في القسوة سيبطش به. لفّته بإحكام مُفرط في خرقةٍ لطالما مسحت بها دموعها. قالت: - إنّه لم يغفر لي دم "طه"، وهذا دم الآخر أعيده إليه، لعله يسامح نفسه.. كان ذلك الإرث الظفر المفقود للصفوان.. بقي الظفر مُعلّقا بين ثدييها إلى ما قبل وفاتها عندما قدّمته "القادرية" لـ "مرتضى". سلّمته إيّاه بقلبٍ متشف وهي تقول: - إنّه بقايا الصفوان.. واستدارت دون أن تسمع منه كلمة واحدة – ص 82 و83). بعد أكثر من (120) صفحة تقريبا، تعود الكاتبة إلى موضوعة (ظُفر) الصفوان ؛ البقية المقدسة من جسد الإبن الراحل.. بقيّة صارت (كلّه).. تُرعى ويُحافظ عليها.. تُقبّل.. وتُشم ويُمسّد عليها. لكن الكاتبة توظّف هذه الموضوعة بطريقة استدراجية تثير الاسترخاء والاستجابة المُريحة في نفوسنا، لتأتي ضربةُ الموت مفاجأة مدمرة. فقد نهض "مرتضى" المُلاحَق برحيل أخويه الفاجع، وكابوس أخيه الثالث المصلوب، وملاحقات الأمن، واعتقال ابنتيه.. وغيرها من المهالك ؛ نهض نشيطاً متفائلاً، وذهب ليزور الشيخ الأعمى. جلسا وثرثرا.. وضحكا. أعاد "الأعمى" إلى ذهنه لقب (عصابة الأخوة الأربعة) الذي كان يُطلق على مرتضى وإخوته. استعاد تجارب إخوته الغرامية ومغامراتهم:

(لمح "الصفوان" وقد نُزع عنه حبل المشنقة، وعاد معافى مشرقاً بسمرته الشمسية، مدّ إليه كفّين طروبتين باللقاء، حتى أنه تحسس - مبتهجا - ظُفر إبهامه وقد نما بعد الموت. وانتبه - وهو يبتسم - يقابله "الصفوان" بطراوة حضوره الجديد إلى سؤالٍ نسي أن يلقيه على أخيه قبل أكثر من أربعين عاما:

- ما رأيك بفيلم البارحة ؟ - ص 224 و225).

وعلى طريقة "جوليان" بطل (الأحمر والأسود) لستندال حين يقول - وهو في طريقه إلى المقصلة:

(آه. شيء غريب. منذ أصبح مُحتماً أن أموت، تعود إلى ذاكرتي كلُّ أبيات الشعر التي عرفتها طوال حياتي. هذه علامة الانحدار)

و "مرتضى" يستعيد كل لحظات الصفاء في مراحل حياته الآن غير عالمٍ بأنها من علامات الإنحدار ونُذُر الخراب، هي "فلاش باك" الموت يتيحها أخّاذ الأرواح/ ملك الموت قبل ضربته المدوية التي تنتقل إليها الكاتبة بصورة مفاجئة وبارعة هابطةً بنا - بعنف - من سماوات المُخيّلة المحلقة إلى أرض الواقع القاسية المرعبة:

(ابتسم "الصفوان" لمناكدات "مرتضى" عندما دخلت سُبل عليه مُطوّقَةً بصحبة شخصين بدت عليهما خشونة، ورانت على نظراتهما شراسة عالية – ص 225).

سيقوم هذان الشخصان بتفجير رأس "مرتضى" الأب لتتناثر على الأرض قطع مُخّه معجونةً بدم الذكريات.

وفي إدراك قيمة التفصيلات والتقاطها ووضعها في موضعها المناسب من الصورة الكُلّية، يستطيع المبدع أن يجسّد أعظم الأفكار ببساطة وبلاغة ويسر. ولا أجد أبلغ من التعبير عن خراب حياة "مرتضى"، الذي أصابه به القمع والتسلط وإثم توقيع البراءة القسري، سوى هذه الصورة الفريدة التي يجب أن تُحفظ بين دُرَر الأدب السردي المُعّبر عن تحطّم الإنسان، وحجم الرعب الذي يُمسك بخناق حياته. والصورة تصوّر وترسم بها "ذكرى" فزع سُبل وهي ترى جمجمة أبيها المهشمة، واستجابة ما بعد الموت:

(كانت سُبل تصرخ مشدودةً بلا وعي، وتعيد – بهمّةٍ - النثار الأبيض المُتطاير زَبَداً من دماغ أبيها بسبب الفزع. لم يستوعب عقلها ما حدث، فكانت تقف لساعاتٍ متتالية تعيد ترتيب اللحظة الجبارة حسب تسلسل وقوعها. لحظة سَحَقَ الرعب جمجمةَ أبيها بأقحوانة موتٍ فوّارة، ارتعشت ساقاه للمرة الأخيرة بينما كانت يده منكمشة بوضع من يمسك قلماً ؛ لعلّه أراد أن يثبت أنه: قد وقّع – ص 226).

هكذا تربّي أنظمةُ الطغيان الإنسانَ ليحيا رعب ما بعد الموت بصورة تفوق تربية كلاب (بافلوف) !!

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

قبوط هتلر ودوائر اللعبة

saleh altaeiقراءة في "قبوط هتلر" المجموعة القصصية الجديدة للأديب الواسطي حميد الزاملي

حينما تسير بك العجلة مسرعة في طريق مفتوح لا بنايات تحط على جانبية وثمة أعمدة تصطف بكسل سوف تشعر وكأنها تسابقك، تستولي على شعورك بالوحدة وتشاركك متعة وتعب السفر، بل وتسرق منك تركيزك، أنت جالس تسير بك المركبة أما هي فواقفة على جانبي الطريق ولكنك تشعر بها تهرول معك إلى اللامكان تستفز فيك رؤى ما كانت لتتوارد لولا وجود ما يجلب انتباهك هناك في خارج حيز العربة الضيق الذي يشعرك بالوحدة حتى عندما تسترق السمع لتعرف بماذا تهمس زهرة الياسمين وكأنك تخلط الأسطورة بالواقع لتخلق واقعا جديدا على مقاسك الذي تريد،

ليس من اليسير على المرء مهما كان مبدعا أن يرسم صورة لما يعتلج في قلب إنسان يتعذب، فالعذاب يتحول أحيانا الى متعة سادية تعري حقائق البشر ولاسيما حينما يضطر المرء بسبب الفاقة والحاجة إلى بيع قطعة من شيء يعتز به ويعتبره رمزا للأبهة والكبرياء لمجرد أن يحصل على علبة دخان أو صحن صغير من القيمر للإفطار وكأنه يريد أن يقطع العلاقة مع فكرة ظلت مسيطرة على شعوره سنين طوال تخدعه تستفزه تسعده أحيانا وتحزنه أحيانا أخرى.

إن لحظات اليأس في حياة الإنسان تحيطه أحيانا بهالات عرفانية، وتحمّله في أحيان أخرى هموما مصدرها أن ينتبه الإنسان بعد مسيرة عذاب أخذت من عمره سنينا، بل أخذت عمره كله؛ ليجد انه خلال كل ذلك العمر الطويل لم ينجح في أن يصنع مجدا لنفسه ليس لأن الأقدار عاندته وإنما لأنه عاش في الخيال يبحث عن شيء إذا ما عرفه أو عثر عليه لن يحقق له مكسبا يذكر.

قبوط هتلر ليست اجترار لذكريات عفا عليها الزمن، ولا مجرد سرد محاكاتي لوقائع مغمورة في عمق الذات، فغناها في تواصل محطات العمر حينما يصبح الماضي جزءً من الحاضر وجسرا نحو المستقبل، فثمة تداخل في الألوان يشتت الفكر أحيانا ليعود به في لحظات التأمل إلى حقيقة نجاهد غالبا لكي نخفيها ثم طوعا وبدون إكراه من أحد نتطوع للبوح بها مصحوبة بتنهدات حارة في لوعة حاضر ولوعة ماض تبدو أجمل.

بالرغم من قراءاتي السابقة لكثير من منجز الأديب الزاملي إلا أني وجدته في "قبوط هتلر" متدثرا بوجع عاشه وأراد أن يشاركه معنا ليس بدون مقابل، وإنما لأنه يشعر أن الهم بين العراقيين مشترك، فما مرسوم في خيالنا عن الجمال يشتته سوء اللحظة الطويلة التي تمتد لتصبح عمرا، وكأنه اعتراف بالهزيمة وأسف على دهر ولى، دهرا كان جميلا بالرغم من كل المنغصات، وهو ليس كذلك ولكن سوء الزمن الذي نعيشه ألجأنا للبحث عن ذاك التاريخ.

الزاملي لا يتغني بالزمن الجميل بل يُحَّمِلهُ بعض مساوئ الحاضر ويتخوف على المستقبل منه، أما تداخل الأزمنة والمسافات فلا يبدو عملا اعتباطيا بقدر كونه تداخل رؤى يشبه هذيان المحموم، فحياتنا التي تطاردنا بكبواتها حولتنا إلى مرضى بالوهم إلى محمومين يبحثون في ظلمات الماضي والتهيئات الضبابية التي تتوارد على الخاطر عن فرصة للسعادة تكاد لا تتوفر.

لم ينجح الإنسان بالوصول إلى السعادة الذروة لأنه عاش حياته كلها في صراع مرة مع الطبيعة وأخرى مع المفترسات وثالثة مع إخوته البشر ورابعا مع نفسه، ولكنه مع ذلك يجد ثيمات السعادة منثورة في حقل عمره حبيبات متباعدة غطاها تراب النسيان وأحياها قهر السنين.

قبوط هتلر ليست عملا اعتباطيا من تلك الأعمال الفنطازية الخالية من الهدف والباحثة عن المتعة الرخيصة لأنها في كل جملة من جملها ترسخ في عقلك قناعة من نوع جديد يصل أحيانا إلى مرحلة التسامي مع الذات.

أنا لست ناقدا أدبيا ولا أعرف الكثير عن الاشتغالات الأدبية ولكني كمتذوق أنفر أحيانا من بعض الأعمال لدرجة أني لا أحتمل رؤية غلافها، وانشد أحيانا أخرى إلى بعض الأعمال لدرجة أن أتسمر في مقعدي إلى أن أتمها مهما طال الوقت. هبوط هتلر من النوع الثاني فمن يقرأها يشعر وكأنه يأكل لوح شوكلاتا نسوا أن يضيفوا إليها السكر ولكنه يتجاوز طعم المرارة من خلال مذاق الشوكلاتا الرائع، وكما نكهة الشكولاتا تبقى في الفم كذلك نكهة قبوط هتلر تأبى أن تفارق الذاكرة.

قبوط هتلر رائعة الأديب حميد الزاملي هي مجموعة قصص قصيرة صدرت عن دار عدنان للطباعة والنشر بواقع 112 صفحة تضم 19 قصة، تبدأ بقصة "لعبة في زمن الموت"، وتنتهي بقصة "اغتيال العميد" وبين الموت في البداية والنهاية، سطر الزاملي عمرا من عمره مفعما بالذكريات.

 

صالح الطائي

 

جماليات الوثقائية الفكرية في الدراما

jasim alayffتذهب الدراسات العلمية، الخاصة بالمسرح، إلى أن قواعد بناء المسرحية، التي وضعها " أرسطو"اعتمدت الوقائع والأحداث الجزئية والأفعال والحدث والفعل الدرامي كونهما جوهر البناء المسرحي، وأن ثمة فرقاً بين الفعل والحركة من جهة النمو والتطور، و أن الصراع هو الجوهر العام للفعل المسرحي، يدور في الغالب بين قوتين متعارضتين وقد يكون داخلياً، وخارجياً . و خلال مجرى الحياة الإنسانية حدث تطور في طبيعة الصراع، فبعد أن كان لدى اليونانيين بين الإنسان والقدر الإلهي، أصبح بين الفرد والمجتمع في العصر الرأسمالي، وبظهور التيارات الفكرية والفنية الحديثة، برز الصراع بين الإنسان وذاته، أما في المسرح الملحمي، فأنه بين قوى اجتماعية قاهرة وأخرى مقهورة. وأصبح - الأخير - يحارب الإيهام بواقع مصطنع ويتجه إلى خلق وعي حقيقي بالعالم قابل للتغيير. نرى إن المسرح العراقي واكب متغيرات عاصفة، سياسية - اجتماعية وفكرية - اقتصادية، وبالتالي فأن المسرح أو بالأدق الصراع في المسرح كان انعكاساً للواقع ومعبراً عن العلاقات بين قوى اجتماعية قاهرة وأخرى مقهورة. مؤخراً صدر للدكتور عباس الجميلي " جماليات الوثقائية الفكرية في الدراما- بنيان صالح قراءة في خطابه المسرحي"- دار وراقون- ط1 -2015 . الدكتور سلمان كاصد في مقدمته للكتاب و المعنونة "سجل مدينة يكتبه مبدعان" اقر إن د. عباس الجميلي قد خلق نصاً على نص،من حيث الدلالة والصياغة والتركيب،وان في كل مدينة ثمة مَنْ يسجل أحداثها،يبرز آلامها ويعيد صياغتها، في قصائد أو قصص أو مسرحية، أو فعل استثنائي لا يتمكن منه البعض،ويأتي في هذا المنحى المؤلف المسرحي "بنيان صالح" الذي أسهم في الفعل الدرامي عبر نصوصه المسرحية المتعددة والتي علقت في ذاكرة المدينة، وكانت المنبع الذي تزودت منه الأجيال المسرحية المتعاقبة، فكان "صالح" مبدعاً مثَل نزوع الإنسان العراقي إلى قيم الحق والجمال والعدالة، وفي محاولة منه ليكون نصه المسرحي تفاؤلياً، إلا انه تلمس قتامة الواقع، فقرر أن يفضح كل السوداوية والاحباطات و التدهورات في نصوصه المسرحية.ويؤكد د. كاصد بأن د. الجميلي يدلل على إمكانات الناقد المسرحي في تصفح جماليات التوثيق الفكري الذي نجح فيه الكاتب المسرحي بنيان صالح بالتعبير عن هموم طبقته الاجتماعية فكان ممثلاً لها بامتياز،كما ذهب د.كاصد إلى إن الجميلي جهد إلى التنويع في أسلوبه، " فمرة تراه مؤرخاً،ومرة تراه ناقداً للفن المسرحي ككل،مطلعاً على كل ما تشير إليه المدارس النقدية الحديثة،في ضوء الإحالات إليها،ماسكاً بالمصطلح النقدي،محيلاً عليه في مظانه، كي يبقي العملية النقدية في إطارها النقدي الصارم، ويرسم حدود المصطلح ولا يتجاوزه، ولهذا نراه ناقداً في النظرية، وعارفاً في طبيعة حركة النص المسرحي،وكاشفاً عن دلالاته،وما تعنيه رموزه، حيث يناقش النص في بعده السوسيولوجي على الرغم من انه يعتمد على مصطلحات لمدارس نقدية حديثة أخرى، وكأنه يعيد صياغة (المنهج التكاملي) الذي يجمع مفاهيم مدارس متعددة، فينفتح عليها كي لا يظل أسير مدرسة نقدية واحدة لا غير"- ص 11. الدكتور عباس الجميلي،في كتابه، ذهب إلى أن مسرحيات الفترة التأسيسية في العراق وفي بدايات القرن الماضي،فقيرة في بنائها الدرامي ويشوبها الكثير من النقص والضعف، من خلال عدم تبلور الصراع، وكذلك وضوح الشخصيات المسرحية،وافتقادها لحبكة ماهرة لرسم الشخصيات داخل النص المسرحي، و أن هذه الأمور حولت مسرحيات تلك الفترة إلى نصوص متواضعة تحمل معها صفات "تعليمية وعظية عبر مواضيع تناولت أموراً اجتماعية غَلبَ عليها طابع المباشرة والسذاجة الفنية"، ويعيد هذا الأمر لأسباب ومحددات تتعلق بالمنحى العام للتجربة الدرامية العراقية وتاريخها في العراق وأهمها" الأعراف الاجتماعية العشائرية السائدة في تلك المرحلة، وكذلك هيمنة الدين على أفعال الناس بوصفهم مجتمعاً إسلامياً"، من خلال الأكثرية السكانية. إذا عدنا إلى التاريخ المسرحي العراقي فإننا نجده قد بدأ تقليداً لأعمال فرق مسرحية عربية وأجنبية- مدارس التبشير- وهي مجاميع تبشيرية مسيحية كانت تزور العراق وتعمد لفتح المدارس وتقدم نشاطات ثقافية - فنية واجتماعية، وكانت البداية في الموصل ثم انتقلت إلى محافظات أخرى.وفيما يخص التاريخ الحديث للمسرح العراقي لابد من ذكر الحقائق التالية، تشير " المس بيل" في رسالة إلى والدها مؤرخة بتاريخ الثاني من شهر آب عام 1920:" حضرتُ عصر ذات اليوم عرض مسرحية وطنية قام بتمثيلها جماعة من الشبان العراقيين الوطنيين، وان جميع مَنْ كان حاضراً في القاعة كان يصفق بحماس كلما وردت كلمة (الاستقلال) إثناء التمثيل".كما تؤكد الباحثة" بديعة أمين" على إن المسرح العراقي استمد ملامحه وتوجهاته وموضوعاته من الواقع الاجتماعي - السياسي، ونستطيع أن نجد انعكاسات ذلك الواقع مثلاً في المسرحية العراقية (وحيدة) 1926م لـ"موسى الشابندر". كما تؤكد الباحثة" أمين"، في دراستها المعنونة (المسرح العراقي.. إخفاقات وعثرات)، شبكة الانترنت العالمية، أن:" المسرح العراقي - الحديث- تأثر في إطار الواقع الاجتماعي الذي كان قائما آنذاك،وبما كان يكتنف ذلك الواقع من ظروف سياسية واقتصادية طاغية، وثقافية عامة". وتضيف:"إيجازاً نستطيع أن نحدد تلك الظروف بانتهاء السيطرة العثمانية وبداية السيطرة الاستعمارية البريطانية، ثورة العشرين، الحكم الوطني مرتكزاً بصورة أساسية إلى الإقطاع، والنضال من اجل إنهاء السيطرة الاستعمارية وإقامة سلطة وطنية حقة". وورد في كتاب الأستاذ عامر بدر حسون " كتاب العراق..1200 صورة قديمة" وبطبعته الثانية - بغداد 2012، الصفحات(269 -273 ) ما يلي: صورة جماعية لأول فرقة حملت اسم المسرح القومي عام 1920، وقدمت في بغداد مسرحية (وفود النعمان على كسرى انو شروان)، وثمة صورة أخرى لمسرحية (الحمال) التي قدمت على قاعة ثانوية الموصل عام 1927، و خمس صور لعروض مسرحية قدمها الجيش الانكليزي بالتعاون مع بعض البصريين لعروض مسرحية متنوعة عرضت عام 1938 في البصرة بمناسبة أعياد (الكريسماس) وقد أتاحت للجمهور البصري التعرف على إشكال متنوعة من العروض المسرحية، وثمة صورة جماعية لفرقة مسرحية كردية تعود لأوائل الأربعينات وضمت أكثر من (45 ) ممثلاً وممثلة، كما نشير إلى أن السيد طالب النقيب، المرشح، حينها، لتولي عرش العراق، قد افتتح عرضاً مسرحياً عام 1920 قدم على قاعة إحدى المدارس في منطقة البصرة القديمة.كتاب الدكتور عباس الجميلي أشتمل على جهد توثيقي تناول الحركة المسرحية في البصرة خلال عقد السبعينات، وتناول السيرة الذاتية - الثقافية للكاتب المسرحي بنيان صالح ومكونات وعيه الأولي و مشروعه الطموح في تكوين " جماعة كتابات مسرحية" بالاشتراك مع الكاتب المسرحي "عبد الصاحب إبراهيم" وإصدارهما البيان المسرحي الأول عام 1970 ثم انضم إليهما بعد ذلك " حميد مجيد مال الله وكاظم عيدان لازم وعزيز الساعدي وجبار صبري العطية" وتأسيسهم فرقة"كتابات مسرحية" ومساهمتها في العروض المسرحية التي قدمت في البصرة. كما درس وظيفة عناصر النص عند" بنيان صالح" من خلال مشروعه الثقافي، وعناصر البناء المسرحي لديه عبر الفكرة و الشخصية،والحوار، والحُبْكة،والصراع، وتصادم المصالح، والحداثة الفنية، ومشهد الجحود، ونماذج طبيعية، في مسرحيته "العمة الزرقاء" التي نشرت في مجلة (الأقلام)، السنة الخامسة والعشرون- العدد الخاص بالمسرح العراقي ص(132 - 138)، وقد نشر إلى جانبها ثمانية نصوص مسرحية لكل من" محي الدين زنكنه،و يوسف العاني،وجليل القيسي، وسعدون العبيدي وعبد الستار ناصر، وشفيق المهدي وشوقي كريم، ومسرحية لـ"كارلوا كولوني" ترجمها عبد الله جواد .وقد جهد د. الجميلي لتحليل النص المسرحي مع الارتباط بفترة مغامرة "احتلال الكويت"، من قبل النظام المنهار، وما أعقبها من أحداث مروعة أصابت المجتمع العراقي في الصميم،ونرى أن نص مسرحية" العمة الزرقاء" كان نصاً،مواجهاً بقوة لتوجهات النظام المنهار السياسية- الاجتماعية من خلال إشاراته وشفراته،الرمزية الفنية ودلالتها، وقد أحجم كل المخرجين العراقيين عن تقديمه على المسرح بالرغم من الكلفة المادية البسيطة التي تترتب على ذلك، إذ لم يحدد الكاتب أي مكونات في ديكور العرض المسرحي غير"شجرة يابسة في منتصف أعلى المسرح"، وشخصياتها (6 ) فقط، كما لم يتم تناولها في البحث والدراسة أو حتى الإشارة إليها، وتعد دراسة د. عباس الجميلي الأولى في هذا الشأن، وقد لاحظنا بعض الفروقات في النص المنشور سابقاً، والنص المعتمد ضمن كتاب د. عباس الجميلي ومنه الإهداء الذي وجه: "إلى:نازك الاعرجي ..في حبها للمسرح العراقي وذودها عنهُ"، وأمور أخرى، لسنا في وارد التطرق إليها كونها لا تغير الطبيعة العامة - الجوهرية لتحليلات د. الجميلي في عطاءات الكاتب بنيان صالح ورحلته المسرحية التي تضعه ضمن رواد المسرح العراقي كناقد لامع وكاتب مسرحي متميز.

قمر سادس لليل القصيدة .. قـراءة في ديـوان "أوتـار النزيـف" للشاعـر"عبـد العزيـز أبو شيـار"

على سبيل التقديم: "هي تغريدة روح حبيس ضاق بصلصال الهوان فأشعل الحرائق في رمـاد اليأس ثم أفـرد جناحيـه فوق واحات الحلم. شاعر وطائر..يرفع فوق كل حلم ظله .....

روح جريح منكسـر ...لكنـه...

قوي، متمرد وثائـر ... روح نسـر تسكن روحه .

أو روح أسـد جريح، وليس أقوى من أسـد جريح.

والشاعـر/النسر يسمو فوق جرحـه ويعلي فوقه ، صوتـه ، ليزرع في السراب نخيلا من الكلمات ويفجر في اليباب أعينـا للسياحين العطاش لعيـون الشعر."

 

فرادة العنـوان

أول آيـة لتميز الديوان الشعري للأستاذ أبو شيار تطالعك في عنوانـه "أوتـار النزيـف".

فقد وفق الشاعر في تركيبـه مـن رمزيـن قوييـن ومعبريـن عـن واقع حال ما يعتمل طي ضلوعـه من يأس وأمل وما يعتمل في الواقع من مآس وتطلعـات وأحلام .

الأوتـار تحيل على النغـم /   والنزيـف يحيل على الألم

الأوتـار موسيقى     /       والنزيف جراح

الأوتـار شـدو وغنـاء / والنزيف بـوح وبكاء

الوتـر لسان العـود والقيثـار والهجهوج والكمان والمندوليـن..

الوتـر لسان الحال حين تضطرم نـار العشـق في الصدر ويطفح الوجـد بصاحبـه. ومن بيـن كل الآلات الموسيقيـة فليس أروع ولا أقـدر ولا أجـدر   بالتعبير عن الأحـزان والأشجـان من الآلات الوتريـة، ومـن بين الآلات الوتريـة فليس أروع ولا أجدر ولا أقدر من العـود على حمـل رسالـة الروح لأهـل الأحـزان والأشجـان.

   الشعـراء الملهمـون نادرا ما يفارق العـود حضنهم قبل كتابـة قصائدهم وبعدها، و عبد العزيـز أبو شيـار واحد من هؤلاء الملهميـن الذيـن يعزفـون وجراح أرواحهـم تنزف بالآمال والآلام فيطربـون الناس ويرقصـون الأرواح على إيقاع أحلامهم وصفاء سرائرهم . الروح الحبيس في قفص الواقع المخيب للآمال كيف يستطيع البـوح والإفصـاح عما يضنيـه ويعانيـه لولا الوتـر. ولولا العـود.؟

فتقاسيم العـود كلمات الروح أما القصائـد فهي النزيـف. إذ ليس الجسم وحده الذي ينـزف.

الروح أيضا ينـزف

الروح ينـزف حيـن ينكـوي بنـار العشـق المستحيـل

وينـزف حين يستحيـل تحقيق الأماني الغاليات..........

وينـزف مـن غدر الأيـام وصد الحبيب

وينـزف من هجـر الخلان وجحود الأوطـان

نزيـفا أحمر قـان كنزيـف الدم.

وذاك النزيـف هـو ما جعـل الشعوب   تبدع الأوتـار وهـو ما جعلهـا تصنع من جسم العـود جسدا آخر للشاعـر، حيـن يئـن أو يحن أو يشكو ما بـه ويعري جراحـه للريـاح.

وديـوان "أوتـار النزيـف" عـود أوتـاره القصائـد والشـاعر عـازف ينـزف بالكلمـات.

الكلمـات دم الشـاعر، كلمـا لا مسـت أنـاملـه الأوتـار صـدح الجرح بالنشـيد.

يقـول الشاعر مـن قصيدة النـزف العـازف.

" أنـزف ونزيـفي بعـزف.

رأيـت فتاة ... تستهلك الجسـد المنهـوك بالمساحيـق

كي تحظى بالإعجـاب والتصفيـق

عبر طقوس العـرض والطلـب

وأخـرى ترصع الخصر ..

غصـن زيتـون وزعتـر

تكحـل بالبارود

تتخضب بأحمـر الدمـاء

تفتـل ضفيرتها مقلاعـا..

تزفـه للحجـر ...

أنـزف ونزيـفي يعـزف ..."

كل القصائـد في الديـوان تحمل موسيقـاهـا الخاصـة وعزفهـا الخاص.

القصائـد ألحـان تهفـو للكلمـات وتعانقهـا كمـا لـو أن الشاعـر عزفهـا قبل أن يكتبهـا أو ينزفهـا.

حقـا لقـد عزفهـا داخلـه .. لقد عزفهـا في سـره، ثم تدفق من خفق القلب نزيـف الكلمـات .. صار الدم حبـرا بين يديـه وصـار الألم العصي شعرا ينبض بالحياة وبالتمـرد وباللوعـة وبالقلق وبالعشق وبالجنـون وبالأمـل في أن تأتي أيـام أخـرى أحلى وأبهى مـن هذه الأيـام التي تكتـم على الأنفـاس وتخمـد في القلب جـذوة الحياة.

أوتـار النزيـف ديـوان أراده الشـاعـر بوحـا صريحـا وعاصـفا باللهـب المستعـر في أحشائـه وبين جوانحـه.

ديـوان من حروف مشتعلة تقاسيـمَ وترانيـمَ على خمسـة أوتـار كما هي أوتـار العـود.ولأنـه شاعـر وموسيقي أو لأنـه وسيط بامتياز بين ألـم الروح وأحـرف اللغـة فهو يحـول موسيقـاه الداخليـة إلى كلمـات مغنـاة على تقاسيم العـود.

لقـد جعل الشاعـر لكل ألم وتـرا.

خمسـة أوتـار للعـود وخمسـة أوتـار للألم ولليأس وللكبريـاء وللجرح وللحلم وللأمل.

وللعـود وتـر سادس، وتر سادس لا يستغني عنـه الشاعر ولا الموسيقي الذي يقـود يد الشاعـر إلى الكتابـة مثلمـا يقـودهـا إلى العـزف على الجراح.

• الوتـر الأول للشعـر.

• الوتـر الثاني للحبيبـة الملهمـة.

• الوتـر الثالث للذات الشاعـرة .

• الوتـر الرابع للمـوطن والوطـن.

• الوتـر الخامس للأمـة النائمـة.

أما السادس فلا يستقيـم تقسيم ولا ترانيم ولا أمل ولا أمل ولا غنـاء ولا شـدو أو بكـاء إلا بـه.

الوتـر السادس هـو الوتـر الأقصى .. وتـر القدس والوطـن المشتهى .. وتـر المنفى .. وتـر سادس لنزيـف الجرح الفلسطيني وحـده.

أو قمر سادس لليل القصيدة .

 

أوتار النزيف

1. وتـر الشعـر :

الشعـر عنـد أبـو شيـار موقف

الشعـر رسالـة وبوصلـة.

الشعـر قـدر الشاعـر الملهم.

وهو حيـن ينـزل واديـه ، تحيـط به جنيـات عبقـر لتزفـه عريسـا للقصيـدة، فجنيـات الشعـر يحطن به لا ليلهمنه فـن القـول وإنمـا ليرهفـن السمع إليـه يتقدم سلالـة الشعراء الحقيقييـن معلنـا :

"أنـا الشعـر والشعـر أنـا

     الشعـر يسكنني"

شعـر يعبـر نقاط التفتيش، شعـر يرفع الرؤوس كبريـاء وشمـوخا، شعـر يحترف الحـزن أو يمسحـه عـن العيـون .. شعـر يعبـر شمسا لظلام السجـون، هذا هو الشعـر عند أبي شيـار وهـذه وظيفتـه .. الشعر ليس ترفـا وليس بضاعـة أو تسالي يتاجر بها الشطـار والتجـار في سـوق الكلمـات، الشعـر لا يسلي و لا يلهي ولا يباع ولا يشترى .. الشعـر رسالـة الشاعـر الإنسـان لشبيهـه مـن الناس في الألم والمعاناة.الشعـر موقف من الحيـاة.

 

2. وتـر الملهمـة:

     حبيبـة و ظامئة العينيـن

تضع رأسهـا على صـدر الشاعـر، وخيالهـا يسكـن جسـده.

قـد تكـون فكـرة أو صـورة أو أمـا أو لغـة أو عاصمـة أو وطنا أو ثورة.

قـد تكـون امرأة .. مـن بين أسمائهـا / الحريـة.

ظامئـة العينيـن هي الملهمـة التي تسكن جسد الشاعـر، تلهمـه قولـه وتلهب مشاعره وتلتهم قلبه .. أو تلتهمـه كلـه، فيتماهى معها.

"أنت أنـا" يقـول.

ظامئـه العينيـن تتخلق في الصورة أو الفكرة التي يريد لها الشاعر أن تكون صورتها أو فكرتـه هو عنها.

ظـامئـة العينيـن قـد تكون القصيدة فقط.

وقـد تكون سورة الغضب حين يصرخ الشاعر غاضبـا مـن هوان الأعـزة في ديارهم.

ظامئـة العينيـن تلهـم الشاعر قصـائده الجديدة .. لوقتـه الجديد إذ "يـورق العالـم في رأسـه" ويجهـر بالنشيـد.

والشاعـر لا يبخل على ملهمته بالصفات التي تحب .. فهي الزهرة بين الغصـون وهي الشعاع في الدجى وهي القيثارة وهي النـور وهي الحلـم.

الشاعـر الذي يكتب القصيـدة . ليست تلهمـه غير القصيدة.

وقصيدة الشاعر ظامئـة العينين وبها عطش لا يروى .

وهي ظامئـة القلب أيضا لكي تحب وتحب.

شاعر ويعشق القصيدة كيف لا تلهمه القصيدة ؟ . و لقصيدته صفات المرأة لأن النساء أجمل القصائد على الاطلاق.

 

3. وتـر الذات الشاعـرة:

عبد العزيز أبو شيـار شاعـر "رسـولي"

يتقلب منبسطـا ومنقبضـا بين أهوال الشعـر وأحـوال القلب.

فتارة يسبقـه حلم الأطفال .. فيصير غجريـا يركب رياح الكـون كالسياحين في الأرجـاء وطليقـا كالطيـر يعيش أعمـارا بعدد القصائـد .. فهـو فراش وهو نبع سرمدي يروي العطـاش. وتـارة أخـرى يصرخ في الأنـام محذرا مـن الأمـل الزائف كالسراب، يرفض ما سيكـون، يرفض انهيار أحلامـه وأيامـه، يرفض رحلتـه الأولى، يقتل الغجري فيه، يعتبر أسفاره ضربـا من الجنـون. لكنـه في تناقضـه يبقى شاعر الأمـل البنـاء. شـاعر الإرادة والفعل، وليس تناقضـه سوى عنـوانا لتعارض الحلم والرغبـة مع الواقع المـر العنيـد.

تعارض الحلم والرغبـة في العـزة والعيش الكريم مع واقع يئد الرغبات والأحلام ..

كيف لا يناقض الشاعـر نفسـه وأمـام عينيـه تنكسـر الأحلام ؟

وهل في تعبيـره عن انكسـار الأحلام لطف أم ضعف أم غضب أم عنف؟

أليس مـن واجب الشـاعر أن يكـون أحيانـا لطيفا لطيفا كطيف لكي يحس أكثر من الآخريـن فيستشرف الأحزان والأفراح الآتيـة ؟ وأليس مـن حـق الشاعر أن يكـون غاضبـا .. غاضبا و قويـا لكي يسبـق واقعـه ويتقدم أهلـه إلى الواجهـة.

هذا هو الشاعـر عبد العزيـز أبو شيـار.

   لطيف في غير ضعـف.

وغاضـب في غيـر عنـف.

لأن لطفـه ليس لطف الهـوان ولأن غضبـه ليس غضب العدوان ، وإنمـا لطفـه مـن رقـة إحساسـه وغضبـه مـن قـوة إرادتـه.

"شاعـر رسولي" يرفع أقدار أهلـه كصخرة سيزيف على كتفيـه ويرتفع بأقدار أمتـه مـن حـال الهـوان إلى حـال العـز ويشير بأصابع الاتهـام إلى أقـدار أوطـان تـوزع صكـوك الغفـران بالمجان على من يعلنالإذعان ..

يصرخ الشاعـر بالأمل مـرة أولى وثانيـة ويشعـل الحروف ليضيء الطريق للسالكيـن : ها هنا السؤال :

فإذا صرخ الكل مثلـه

فكيـف يكـون الحال ؟

 

4. وتـر المـوطـن والوطـن:

الموطن والوطن عند الشاعر صنوان ، فذاك وطن الهوى والقلب و الأنفاس وهذا موطن التاريخ والحضارة والذاكرة ..والشاعر طائرهما المغرد معا ، يحلق فوق الموطن مطلا على رباه وقراه ويحلق فوق الوطن حاملا البشارة لربوعه أو باكيا ما حل به وحالما بإيقاظه من سبات ، يطوف الشاعر الطائر بالموطن والوطن يجمع البسمات من وجوه الكادحين ويزرع الياسمين في جسد الإنسان ، يا وطني يقول الشاعر :

   "يا وطني فقـراء نحن

   ونملك كل سلاح الفقراء.

الكرامـة والوقت وأحلام الآتي."

الشاعـر يؤمـن بالآتي مـن دم ومـن عرق الفقـراء .. ويؤمـن بمستقبل الوطـن، حتى وإن كان يحزنـه ويؤسيـه أن تكون كل الأحلام قد صارت من الماضي وأن تكون الكرامة مجرد ذكريات خاليات، وهو والوطنسيان، يعانيان من قيود ومن قفار وزهور ذابلات.

ما أشد حسرته .. وما أعظم يأسه وخيبته في وطن تغير من حال إلى حال.

ولا عجب أن يختـم الشاعـر ديـوانـه كما لـو أنه يغلق صفحـة الوطـن بقصيدتـه الرائعـة عـن ورطاس.

فورطاس الموطـن هو ورطـاس الوطـن.

أيتشابهـان أم يتماهيـان في ما ضيهمـا وحاضرهمـا، وكيف ؟

ورطـاس بلا مستقبل والوطـن بلا ذاكـرة.

أليس ورطـاس ذاكرة لمجـد الوطـن ؟.. فلم فككـت أوصالـه وفتـت أحجاره ؟؟ فقط لكي ترتفع في كل الأرجاء مدن بلا ملح ولا روح وبلا طيروبلا ورد وبلا مجـد، أليس ذلك ما حـل بالوطـن ؟

ألـم تفكك أوصـال ماضيه وتفتت أحجار ذاكرتـه ؟..

يتحسر الشاعـر على المآل الذي لم يكـن منتظـرا وعلى الأحلام المؤودة في أسرتهـا لأن أصحـابهـا لم تكـن لهم الإرادة ليقوموا مـن أسـرة النـوم واكتفـوا بالأحلام.

الأحلام وحـدها لا تكفي لحمايـة الموطـن والوطـن.

 

5. وتـر الأمــة:

والأمـة هي بيت القصيـد في الديـوان، بل هي "صدر" كل بيت و"عجزه" خاصـة بعد أن صار صـدر الأمـة "ظهرا" يمتطيـه الأعـداء والأغـراب والتافهـون والزمـارون والطبالـون والراقصـون على الحبـال.

وصار عجز كل بيت في قصائدهـا وخطبهـا العصماء عن مجدها التليد العنوان الأبرز لعجزها وذلها وصغارها في عصر لا يقبل بغير الصدر أو القبر، وينبذ العجز والضعف والجهل والوهن.

الشاعر في حقيقة الأمـر لسـان حـال الأمـة، يعتصـر الألم قلبـه على واقع هوانهـا على أبنائها وتنزف روحـه تحسرا على مآلها بين أمم الأرض التي تقدمت أو قامت من كبوتها لتلحق الركب وتصطف إلى جانبصنـواتها في المقدمـة مـن مضمار السباق نحو الرقي والعيش الكريم ..

يصف الشاعر ضعف الأمة وتكالب أعدائها على نهش جثتها و لحس قصعتهـا

فهذه الصهيونـة مكشرة على الأنياب ، وهذا الغرب بنى لأهلـه معابد لآلهة الحب وأشهـر على بلـدان العرب ( العراق) راية وأسلحـة الحرب.

هولاكو جديد تدك سنابك خيل حديـده جنان المدنية وتقتلع أشجـارهـا وأزهـارها مخلفـة وراءها غبـار الخراب والدمار. لا يهمهـا مسـن أو طفـل أو امرأة أو زنبقـة، بل عينها على الثروات التي تحرك عجلـة اقتصادهـا وتضمـن الرفـاه لأبنائهـا.

وهذه الأمـة .. أمـة الشاعـر غارقـة في الوهـن بفعـل قرع الكؤوس وشرب الأنخاب وضرب الطبـول، ترقص على إيقـاع الخـوف والجـوع، أقطـارهـا رقع وهي بين الخلق مهزلـة تضحك مـن نومهـا ومـن حمقهـا الأمم.

و ليكـن : .. فالشاعـر لا يقبل بالهزيمـة.

أنه يعرف الداء ويعرف الدواء.

ومثلمـا يديـن الأعداء والخصـوم ويصف ما عليـه الأمـة مـن ركون للغرب و إذعان لظلمـه وطغيانـه فإنـه يصدر في المقابـل بيـان نهضـة الأمـة وتقدمهـا .. فهي ليست كما يوهمهـا أعداؤهـا، وليست كما يعتقـدأبناؤهـا : أمـة ميتـة .. بل إنهـا لا تزال تحضن جذوة الحياة .. وتلك الجذوة هي ما يسعى الشاعر لتأجيجـه فينفخ فيها شيئا مـن روحـه ومـن عـزة نفسـه لتهـب واقفـة في وجـه العدوان و الطغيـان وتستعيـد ماضيهـاومجدهـا.

فيقـول باسم هذه الأمـة التي لـن تمـوت .. وليس الهـوان والذل في عمرهـا إلا مرحلـة لـن تـلبث أن تتجاوزهـا إن هي أخذت بأسباب النهـوض.

يقـول الشاعـر:

لكننـا رغـم هـذا الليـل نعلنهـا   * ولير الأعمى وليسمع من به صمم

إن طال ليل الأسى واشتدت ظلمته   * وأرق الأمـة المكلومـة الظلــم

فالصبح يأتي هنا والشمس طالعـة   * عما قريب وليـل الظلـم منصرم

هذي دمـاء طيـور بالحق تنتفض   * ترمي العـدا شرارا كأنـه الحمم

في قصيدة "دمع الحروف" التي اقتطفنا منهـا المقطع السابق نجـد الرؤيـا الفكريـة والسياسيـة واضحـة ونجـد العبارة اللغويـة قويـة كما نجـد البنـاء الشعري متماسكـا، وبهذا الوضـوح والقـوة والتماسك نفسـه يقدم الشاعر البيان المقترح لنهضـة الأمـة قائلا :

"من كـان يفخر أن جرج قدوتـه     وأن قبلتـه عجـل أو صنــم

فنحـن قدوتنا بالوحي شاهــدة     قوامها السنـة الغـراء والقلـم

بالعلم نرسم للأكـوان خارطـة     حدودها العز والتمكين والقيم

بنهضـة ألبس العرفـان فتيتهـا     ثوب الشجاعة لا جبن ولا هرم

درب المعارف فرض في عقيدتنا     والله ناصرنا منه العون يستلـم"

التشبت إذا بالهويـة، التشبت بالوحي والسنـة والعلم والأخلاق والقيم والشجاعـة في مواجهـة الصعـاب وعدم الجبن أمـام معضلات العصـر تلك هي الطريق السالكـة إلى النهضـة والتقدم في نظـر الشاعـر المهمـوم بأمـر أمتـه والملتزم يقضاياها .

وعلى غرار هذا النهج ينحو في بقيـة القصائـد التي تنزف أسى وحسرة وتعزف على أوتار الأمل في غـد أفضـل.

 

6. وتـر الأفصـى:

التقسيم على أوتـار النزيـف لا يستقيم إن لم يلمس الشاعر العازف وتـر الأقصى.

فالأقصى يقيم في كل القصائد ، وترنيمتـه تصاحب كل التقاسيـم.

الأقصى في وادي الشعـر، شعـر.

وفي العيـون الظامئـة، حبيبـة ملهمـة.

وفي الذات الشاعرة الأقصى هو الإرادة .

وفي الوطـن هو ورطاس وواد كيس وقريـة نمريس

ومن الأمة الأقصى هو القلب والروح

الأقصى وتر فريد

الأقصى قلب الشاعـر وروحـه

الأقصى مقلاع وحجر

الأقصى أطفـال

الأقصى زيتـون وزعتـر .

يقـول الشاعر محدثا عـن نفسـه في أقصى عزلتهـا.

"فإذا اشتد بـه الوجـد

أدخلتـه الانتفاضـة محرابها

فيستحيل كتلـة لاهبـة"

الأقصى وليـد ينـام :

"على الصدر الحنـون"

"الأقصى دمـوع الثكالـى...

وأنيـن الأسارى في غياهب السجـون"

ولعل الأقصى في النهايـة هو الملهمـة الحقيقيـة للشاعـر ولعنـوان الديـوان، وهو الكلمات المغناة على تقاسيـم الأوتار، لعل الأقصى هـو الجرح النازف مـن صدر الشاعـر الثائـر ... جرح الأقصى قديـم ... وموجع ومؤلم قـدم المأساة وقـدم ألمهـا وأوجاعهـا.

يقـول الشاعـر :

ستون عاما من النكبات موجعـة ... والأرض نرويها بدمـاء ثـوار

لا تحسبوا أنـا ننسى جرائمكـم ... في الصدر تنفجر غضبا كإعصار

 

الذاكـرة الشعريـة للديـوان

وبعد : فقـد رأينا آيـة التميز الأولى لديـوان الشاعـر أبو شيـار في العنـوان.

ثم رأينا آيـة التميز الثانيـة في الأوتار / القصائـد التي نزفت بجراحـه.

وبقيت آيـة ثالثـة مـن آيات تفرد وتميـز هذا الديـوان وتلك هي ذاكرتـه الشعريـة الشيقـة الرقراقـة والتي تمتح مـن معيـن الشعـر السلسبيل الذي ارتوت منـه سلالـة الشعراء الحقيقييـن.

والديـوان يشي بأن صاحبـه ليس شاعرا نرجسيـا أو شاعرا منكفئـا على   نفسـه يمجد ذاتـه ويلعق جراحـه الخاصـة ويجتر همومـه الشخصيـة، بل هو شاعر ملتزم بقضايا وطنـه وأمتـه بقدر مـا هـو شـاعر منفتح على كل التجارب وجواب لكل الآفاق، إنـه شاعـر يتفاعل مع هموم الأمـة كما يتفاعل مع ذاكرتها الشعريـة، فيحاور أصوات وطبقـات وأنمـاط شعريـة منهـا القديـم والحديث ومنها المقيـد والمنثور، ولكنـه في النهايـة لا يكتب إلا تجربتـه الخاصـة والمتفردة.

والحقيقـة أن الذاكرة الشعريـة للديـوان عريضـة وفسيحـة يجوبها الملهمـون المنفيـون عـن الأنـام وعـن الأوطـان في القصائـد وفي القصائـد وحدهـا.

الديـوان يعبره الشعر الحقيقي لشعراء الحقيقـة ، وتجوبه الخطى العابرة للزمـن ويجوبـه ضياء الحروف الخالدة.

فهاهنا لمحـة مـن حكمـة جـبران أو غضبة الشابي أو أنـة مطـران وها هناك آهـة مـن أنفاس المعتمـد أو زفـرة مـن كبريـاء المتنبي ومن تلك الكلمـة ها هناك يمر خيـط الضوء الشارد لمعنى جديد ورهيف كيأس درويش أو يمشي حادي الشعر وراء قوافي البدو التائهين في صحراء المعلقات .

المنفيـون في غربـة القصائـد لم تخنهـم قصائـد الديـوان وإنمـا أحسنـت وفادتهـم ولم تتنكـر لهم ذاكـرتـه بل حفظت أسماءهم وشمس كلمـاتهم كمـا حفظت لهم قمـرا من الود الذي يحفظـه كل شاعر أصيل لأهلـهوأحبابـه وشركائـه في الحلم والأمل.

فذاكرة الشعر مشتركـة كالحقيقـة. وهي أيضا سخيـة وفيـة معطاء، فقصائـد هنـا تعارض القصائـد وقصائـد هناك تعانق الأغاني وكلمـات تنثني في دلال أمام اللحن الشجي وأخرى تنحني للبهجـة في صوت المغني، مما يجعل من قراءة الديـوان متعـة حقيقيـة باعتباره ديوانا مضاعفـا ومتعدد الأصـوات، ديـوان حـوار وتفاعل مع الذاكـرة الشعريـة للأمـة. وقصائده المركبـة مـن أصوات متنوعـة ومتناغمـة ترغمـك على الانحنـاء تقديرا لشاعـر يستطيع أن يودع في شعره الأسرار المتفردة لحقـب شعريـة متباعدة وكأنهـا محايثـة لبعضهـا، وذلك أمـر لا يستطيعـه إلا شاعر أسلست القصيدة قيـادهـا لقلمـه، مثلمـا أسلست الأوتـار قيـادهـالأناملـه./.

 

بقلـم: جمال الديـن حريفي

 

الهايكو العراقي والعربي بين البنية والرؤى (1 - 2)

bushra albustaniتعد اللغة من أكثر الأدوات البنائية تداولا في الفنون كونها الأداة التواصلية التي تتصف بالتلازم مع الحياة وبتفاعل معها وديمومة، مما يجعل الفنون التي تكتب بها أكثر طواعية للتطور والاستجابة لانطلاقات جديدة تؤهلها لصنع منعطفات أدبية كلما ضاق النوع السائد بالتعبير عن توتر الحياة الجديدة ومتطلباتها، فالبحث عن أنواع فنية متطورة تعبر عن أزمة الإنسان وعن معاناته ومشاعره في صميم الأزمات التي يعيشها أمر مشروع، بل ومطلوب أصلا. وهو في بحثه عما يخفف الأزمة يدرك أن فنَّ أيِّ شعب من الشعوب ليس ملكا له، ولا يجب أن يكون قارا بحدود ذلك الشعب، لأن عظمة الفنون أنها لا تعيش الا في فضاءات الحرية، وأن الإبداع لا تحده حدود ولا قيود، وأن سمته التواصل، فهو ملك الإنسانية كلها ولا سيما حين يكونُ هذا الفن بعيدا عن التعصب والتعقيد.

لقد ظل الهايكو يترجم الى اللغة العربية عبر لغات وسيطة كالانكليزية، حتى صدر (كتاب الهايكو) الذي ضم الف هايكو وهايكو عن دار التكوين بدمشق عام 2010، لمترجمه السوري الشاعر محمد عضيمة عن اللغة اليابانية مباشرة معتمدا مئة مرجع ومستوعبا ما يقرب من خمسة قرون بمقدمة كتبها عضيمة موضحا مسيرة هذا الفن ومراحل تطوره وابرز شعرائه، وما زاد الكتاب قيمة، إدراج النص الأصلي بلغته اليابانية مع المترجَم بوجود مؤلف آخر للكتاب هو الياباني كوتا – كاريا.

لقد كانت شعوب العالم وما تزال تتلقف الهايكو الياباني لأسباب عدة منها البنيوية المغايرة ومنها الرؤيوية، ولما كان للفنون أهدافٌ ومقاصد انسانية تؤشّر توجهاتها، فإن أهداف الهايكو كانت جمالية رؤيوية، وليست أيديولوجية ضيقة، وأمام الجمال تندحر الايديولوجيا وتنهار حدودها والقيود، ولهذا كانت حركته حرة في اتجاهات عدة ولعل في اختلافه عن شروط الشعرية المتعارف عليها عربيا وغربيا ما يفسر بعض ذلك أولا، وثانيا يكاد يجمع نقاد الهايكو - وأشك في ذلك - أنه يتسم بسهولة اشتراطاته البنيوية التي تتلخص في كون شروط كتابته لا تتسم بالعسر والتعقيد، بل تتكون بنيته من جملة شعرية تتوزع على ثلاثة أسطر ذات تشكيل موجز باقتصاده اللغوي وتحرره من ملحقات التزيين، لكنها ذات طاقة مكثفة قادرة على إطلاق دلالات عدة يتيحها تعدد القراءات وتباينها، وقد تقوم لغته على المقابلة والتوازي والمفارقات لدى مقاربتها نقديا، وعلى اكتنازها لحظة جمالية يشتبك فيها الساكن بالمتحرك وهما يلامسان فاعلية المادة وحيويتها من خلال ملامسة الوعي الانساني لها، وقدرتها على البث الدلالي حال تشكيل العلامة، فالعلامة تتكون من عنصرين، مادي مقروء أو منطوق مسموع، ومكون ذهني يعمل بتنبيه من الدال على تشكيل العلامة. فالهايكو مشهد يبدو ساكنا، لكنه يختزن طاقة حركية تكمن شعريتها في هذا اللبس الكامن بين الصمت الظاهر والحركية المضمرة، بين التعبير المقتصد لغويا والدلالة المطلقة ذهنيا، يقول جمال مصطفى:

الهلال الذي:

يتلامع في غابة الخيزران

مجرد منجل

فالدال الاول اعتيادي، منظر طبيعي، إنه هلال يتلامع في غابة خيزران، لكن الدال الثاني الذي يصدم حيادية اللقطة الهلالية الاولى (منجل) يخرق لقطة الهلال الاولى ويصدمها، لكن الصدمة تعمل على تشكيل الدلالة التي قصدها الشاعر في الاشارة الى الزيف الكامن وراء مراوغة الاشياء اللامعة وخطورتها. ومن سماته التي يؤشرها دارسوه استعمال الكلمة بدلالتها الواضحة والتعبير عن الامور الاعتيادية بطرائق حيادية، لكني لا اتفق مع هذا الرأي اذ لا حيادية في الادب والفنون أبدا، ولا حيادية في الحياة عموما، فللإنسان رأي وموقف لكنَّ أسباباً كثيرة قد تقف حاجزا دون الافصاح عنه، وليس الحياد الا ذريعةً للصمت خوفا وخشية أو تحسبا، كما أن الكلمة الواضحة في الهايكو لا تستعمل لوضوحها، بل لأدائها دلالة أبعد من الوضوح، وهذه سمة أخرى من سماته . إن كلّ زهرة وفراشة في الهايكو، وكل حبة رمل، وكل شجرة تمثل صورة مصغرة للحياة التي نعيشها، وللعالم المعاصر الذي يمور بالوقائع. ولاهتمامه بالطبيعة وإشراقاتها، بحقولها ورياضها، أُطلق عليه شعر الربيع أو الشعر الأخضر، ولذلك رأى بعضهم أنه يقوم على الوصف، وخالفهم آخرون بأنه يمكن أن يتناول مختلف الموضوعات الشعرية لو توفرت فيها سمات هذا الفن بنيويا، فضلا عن اشتراط الهايكو الياباني أن يشتمل على سبعة عشر مقطعا صوتيا حسب الألسنية اليابانية، تتوزع على الأسطر الثلاثة بـ خمسة، سبعة، خمسة مقاطع، وهذا الشرط تجاوزه الهايكو العراقي والعربي عموما مراعاة لخصوصية اللغة العربية واختلاف تشكيل مقاطعها العروضية عن مقاطع اللغة اليابانية . لكنه التزم ببنية الاسطر الثلاثة لترسيخ الشكل الهايكوي، لما للأشكال من أهمية في الفنون حدّ تأكيد بعضهم أن الفنون أشكال.

أما من حيث الرؤيا، فإن الهايكو الياباني كما يرى الكثير من نقاده، يقوم على مرجعية معينة ترتكز على فلسفة الزن البوذية والتي تحثُّ على التأمل والتفكر، والوقوف عند الأشياء ومفردات الطبيعة والظواهر المادية لجعلها إشارة لدلائل أكبر، إنها فلسفة الروح والحكمة والسلام التي استقت الكثير من معطياتها من فلسفات الشرق القديمة كالبوذية والكونفوشيوسية والطاوية، ويقرُّ أصحابها أنها ثقافة أرضية ناتجة عن حاجات واجتهادات إنسانية تدعو للمحبة والتسامح واحترام مظاهر الحياة والاشياء واستنطاق قدرتها على تشكيل الانسجام وسط التناقض فالزهر ينمو في صميم الشوك والماء يحتضن اليابسة والبحر يجاور الصحارى، والرياح الهائمة في الأعالي تحمل البذور التي ستضمها الأرض، إلى غير ذلك مما تحمل من تعاليم وقيم إنسانية تحثّ على الألفة وتشكيل الانسجام، وما تدعو إليه من تسامح ومحبة ووعي للذات واحترام الطبيعة التي تحتاج هي الاخرى فن الهايكو ليعيد لها اعتبارها من استغلال ثرواتها وخيرها الوفير في الشر، ومن تدميرها وإحراق كنوزها وزهورها وشجرها بالصواريخ والمتفجرات والصراع الذي يجري عليها بجنون وعنجهية، كما تؤكد على ضرورة وعي الذات من خلال تفعيل حركية ذلك الوعي ليكون قادراً على استقبال تلك المبادئ، وعلى تفكيك النص الهايكوي الذي يتسم بالرغم من بساطته المضللة باللبس والتمنع، لتعيد تشكيل دلالاته المفتوحة على آفاق عدة بعدد قرائها وأفق توقعاتهم.

 

(2)

من السمات المهمة للهايكو وللغة اليابانية أصلا أنه يقوم على القطع التركيبي والوصل الدلالي، وهذا القطع هو ماعرفته السينما اصطلاحياً بفن المونتاج، ولعل من اعتقد من الباحثين أن الشعر الحديث استعار فن المونتاج من السينما كان واهما،، فالقضية معكوسة؛ لأن الأدب أقدم وجودا في الفن من السينما، وأكثر رسوخا في التاريخ الانساني وهو الحاضن الاول للشعرية ولفن التصوير ولقطاته والحوار ورسم الشخصيات وغيرها ؛ ولذلك فإن السينما قد استعارت الكثير من الأدب بأنواعه، قصة ورواية ولغة شعرية ومونتاجا، لأن المونتاج مرافق للتصوير، ولا بد للتصوير من قطع ووصل، وخلال هذا القطع والوصل يتم حذفٌ كثيرٌ واختصار أكثر، ويحدثُ إيجاز يضمر الايحاء لتكون الجملة الناتجة عن القطع والوصل قادرة على الانفتاح بين يدي المتلقي لمنحه الدلالة المحذوفة واكثر، يقول سالم الياس:

فراشة بيضاء

تئن

لهب شمعة

فاللقطة الاولى هنا تركز على فراشة بيضاء في حالة أنين، بينما تلتقط كاميرا الشاعر بعدها لهب شمعة، ويأتي دور المتلقي لربط فجوة القطع بين اللقطتين كي يشكل الدلالة ذهنيا على مستويين الاول - بعد اجتياز المسافة الجمالية أو مسافة التوتر- أن أنين الفراشة ناتجٌ عن احتراقها بلهب الشمعة، والثاني ما تفتحه دلالة فعل الفراشة على التلقي من كون البراءة كثيرا ما تنخدع بمظهر جمال يضمر حتفها، مع الانتباه الى دقة التشكيل في توظيف النكرة والنعت والفعل المضارع المستمر. فمفهوم اللقطة في التصوير يقوم على التقريب بين لغة الفن ولغة العقل، بين اللغتين التواصلية والشعرية، وإن وجهة نظر ايزنشتاين المخرج الروسي الذي يؤكد دارسو فنه المبدع افادته من قطع الهايكو في مفهوم اللقطة والصورة الذهنية إذ يؤكد أن ما تعنيه اللقطة الواحدة لن يستمر عندما ترتبط بلقطة اخرى مختلفة المضمون، وأن الحصيلة الذهنية عند المشاهد ستكون حصيلة التصادم الصوري للقطتين، وبطبيعة الحال فإن اللقطة الثالثة سيخلقها عقل المشاهد ويصنع حدودها في الزمان والمكان على وفق ما هو مطروح في اللقطتين المعروضتين وبهذا يكون قد خلق معنى لا تحويه الصورة بصفة موضوعية بل ينتج من ارتباطها وعلاقتها مع الصورة الاخرى ..(قراءة أولية في نظرية المخرج السينمائي ايزنشتاين وفلسفته في المونتاج الذهني، أحمد علي سليمان،137، نت) ولذلك فإن مبدع فن الهايكو وناقده معا يحتاجان إلى وعي مدرك لفن المونتاج ؛ لتتضح طرائق وصل ما انقطع في الهايكو القائم على القطع في بنائه ولغته، بينما يُعدّ الوصل سمة من سمات اللغة العربية، ولذلك فإن كتّاب الهايكو في اللغة العربية لم يلتزموا كليا بهذا الشرط حسب متابعتي لنماذج مختلفة من أقطار الوطن العربي؛ لأن طبع اللغة يحكمهم وهم يكتبون هايكو عربيا إلا بالعمل على إدامة قراءة النموذج المترجم والتمرن على الاشتغال بالمونتاج كما فعل شاعر التفعيلة العربي المعاصر، وإلا فيما يراه الشاعر العربي جماليا من القطع ويضفي على اللغة العربية بُعداً جديدا، أو يُطوّر فيها ما كان موجودا من سمات لم تلفت اليها النظر لقلتها أو صعوبة الإمساك بها، فالقطع موجود في العربية لكنه - بوصفه صيغة - موجود في النحو، وأكثر ما يكون في أمرين: في النعت والعطف بالواو التي تقطع اشتغال تأثير ما قبلها على ما بعدها، فضلا عن كونه يحتاج الى إدراك دلالي للسياق جملة وتفصيلا، بينما الوصل بالغ الوضوح، وله أدوات عطف وصيغ وإحالات كثيرة تعمل على تماسك النص واتساقه، مما يعني أن القطع في كتابة الهايكو العربي قد يعيد توظيف هذه الصيغة والتواصل مع سمة لها أهميتها في تحريك الاسلوب وتنشيطه وتلوينه، وفي تشكيل الدلالة، وهي سمة لها حضورها في الأسلوب القرآني وفي الشعر العربي القديم.

 

(3)

إن الهايكو لحظة جمالية لا زمنية في قصيدة مصغرة موجزة ومكثفة تحفز المخيلة على البحث عن دلالاتها، وتعبر عن المألوف بشكل غير مألوف عبر التقاط مشهد حسي طبيعي او إنساني ينطلق عن حدس ورؤيا مفتوحة تتسع لمخاطبة الإنسان في كل مكان، من خلال ومضة تأملية صوفية هاربة من عالم مادي ثقيل محدود ضاق بأهله حتى تركهم باقتتال ومعاناة، بسبب هيمنة حضارة مادية استغلت الإنسان وداست على كرامة روحه وحرمته الأمن والسلام، مما جذب انتباه الشباب الواعي ولفت المبدعين الى أهمية البحث عن السلام الداخلي المفقود، من خلال الاقتراب من الروح وجوس عوالمها بحثاً عن صفاء فضاءاتها وسمو هدوئها وتجلياتها بعيدا عن توحش العصر وتغوّل احتكاراته وجشعه اللامتناهي في التعامل مع رغبات النفس وشهوات الجسد، وذلك باعتناق المحبة والإيثار وملامسة الرقي في التجليات الإنسانية البعيدة عن زيف الحياة، ومغادرة التمركز على الذات والنرجسية المفارقة لروح التواصل، تلك هي مرجعيات الهايكو الياباني التي يحيلها الكثير من المفكرين والنقاد على منطلقات فلسفة الزن كما يصفها المعجم العالمي، وكما شرحها مؤلف كتاب (فلسفة الزن، رحلة في عالم الحكمة) لمؤلفه جان لوك تولا-بريس، لكن الشاعر العراقي والعربي لا يحتاج لمرجعيات الهايكو الياباني ولا فلسفاته لانه يمتلك من التعاليم الروحية في أدياننا وفي تراثنا، ولدى الكثير من فرسان العرب ونبلائهم ما يفوقها، لكنا بحاجة لمن يقترب منها ويمارسها اليوم عمليا ، فانقلاب الزمن ومفارقة القيم وويلات الهجمات الشرسة التي مرت على أوطاننا، والتقدم التقني والمعلوماتي الغربي الهائل الذي شهده العصر الراهن وما جلب معه من بشاعة القطيعة الإنسانية والانصراف للآلة، كل ذلك أبعد الإنسان العربي عن روح الأديان وصفاء القيم وهدوء السلام وأصالة الروح، وأبعده عن الحدس الذي يحتاج شفافية ولحظة نقاء . وصار الرجوع للأصل اليوم ضرورة لا بد منها لتعديل مسار الإنسانية وإنارة طرق التواصل الحميم مع حياة تغادر الحقد والكراهية واسترخاص دم الإنسان والعمل على إقصائه وهدم حياته وإلغاء قيمه وسمات نبله.

إن الذين ينتقدون الشباب العربي على اهتمامهم الراهن بفن الهايكو عربيا، وليس يابانيا، ينظرون للقضية على أنها مجرد لعب، على أهمية اللعب الفني الذي يمتلك قوانين اللعبة ويحافظ عليها من الانفراط، لكن المتدبر للأمر يجدها أبعد من ذلك وأهم، إنها ليست عملية ممهدة ولا يسيرة، بل هي طريق محاط بالمكابدة والمعاناة من أجل خلاص الروح والعقل والجسد، لأتها ليست مسألة تغيير بنية أو تجديد شكل كما يتصور بعضهم، بل هي تغيير رؤيا أولا، وبدون هذا التغيير لن يكون لتغيير البنية كثيرُ أهمية. إن تطور الأشكال عبر تاريخ الفنون لم ولن يكون حقيقيا إلا إذا كان نتيجةً لتطور الرؤيا، والمطلوب من هذا التغيير أن يطال أمورا كثيرة بالغة الخطورة، كون الإنسان بأمس الحاجة إليها، لأنها من المحتمل أن تكون تحفيزاً على فعلٍ جذري فشلت الميادين الأخرى في ريادته، فعلٍ يغير بنية فكرية تقليدية أودت بالحياة العربية وحوَّلت شوارعها إلى ساحات دموية، تحجرٌ في الفكر وطرائقُ سلوكيات ضيقة وردود فعل مغلقة، وأدلجة لا تبصر غير مصالحها ومواطئ أقدامها، وثقافة ذات بعد واحد عاجزة عن الانفتاح وعن الوثوب في النور والتجول في حدائق الآخرين .. نحن نجرب كما يفعل زملاؤنا في أقطار عربية أخرى من المغرب والجزائر حتى العراق عبر سوريا وفلسطين .. نجرب ألا نكتب بطرائق جديدة حسب، بل برؤى جديدة، وبلغة جديدة تغادر الأحادية وتتخفف من تراكم المجازات والظواهر البلاغية والخطب الاعلامية التي أرهقنا بها إعلاميو السلطات، مستعيضة عن ذلك بالاقتراب من الأصل بطرائق أكثر شفافية وبشعرية جديدة ، حتى لو كانت التجربة في البدايات مربكة، وحتى لو نجحت مقاطع ولم تنجح أخرى، فقصيدة الكوليرا لم تكن تلك القصيدة الباذخة، لكنها كانت البداية لانعطافة غذت وأغنت نصف قرن كامل بتجارب مهمة وشعراء ذوي تجارب خلاقة مستوعبةً إشارات الوقائع والأحداث التي كانت ذات خطر بالغ الأثر على حياة الأمة ، قبل أن تهيمن قصيدة النثر التي أدى الإهمال النقدي في متابعتها والإشارة إلى الإخفاقات التي اكتنفتها، إلى ترهلها وخفوت ضوئها سريعا.

لقد وصلنا في الحياة العربية عموماً إلى مرحلة يتفق فيها المخلصون على أن العملية التعليمية لم تعد ذات جدوى، لأنها تحولت إلى مؤسسات تلقينية لا تعلِّم طرائق التفكير ولا تحث عليه، إنها مؤسسات لا غاية لها سوى منح شهادات ورقية، وصارت الجامعات تعمل بالطريقة ذاتها، دون مناهج ولا تخطيط بدليل أنها تُخرِّج الآلاف وربما الملايين في الوطن العربي لكنهم لا يذهبون للعمل في ميادين تخصصاتهم، بل يذهبون للشوارع وإلى مشاكل البطالة، فصارت الجامعة لدينا مؤسسةً لتصدير المشاكل، وكانت وظيفتها الستراتيجية التي اندثرت هي حل الإشكاليات وتوظيف الطاقات الشابة والتخطيط لبناء مستقبل ذي ركائز قوية قادرة على تأمين غد أفضل لشعبها وأمتها. ينتج عن كل ذلك غيابُ فلسفة تنهض استجابة لظروفنا كي تلبي حاجاتنا الملحة،ولتعمل على تأسيس نظرية عربية تحمل سمات خصوصياتنا، وتحثّ بمثابرة على رسم مناهج تطبيقية، تخطط لمعالجة متطلبات إشكالياتنا المعضلة، وترسم لنا طرائق تفكير جديدة، تتأنى وتتأمل بعمق وتنظر إلى البعيد. وكان لا بد للإعلام العربي أن يكون ناتج ذلك التعليم العقيم والواقع المجدب، فلا نجد في المؤسسات المذكورة أعلاه إشاعة ثقافة السؤال ولا بثّ أهمية ثقافة الاختلاف والتقبل والحوار، ولا الدعوة المتكررة للتفكر والتأمل الذي حث عليه القرآن الكريم ولا القبول بالرأي الآخر، ولا نحن ندرُسُ ولا ندرِّسُ علم الجمال من الصغر، ولا نُدرجُ درس الفلسفة والحكمة في مناهجنا التعليمية عبر المراحل الدراسية كلها، كل ذلك صاحبه عدوانات هائلة على بلداننا من قوى استعمارية ذات أهداف وأطماع في خيرات أوطاننا عطلت المسيرة وأودت بالمنجز منها، مما أدى الى انكفاء وإحباط ورتابة شاملة في التفكير وإلى توترات مرضية في السلوكيات وصراعات دموية عنيفة ومرعبة في الداخل، أنتجت أدبا مربكا من جهة، وإبداعاً طافحا بالعذاب والاغترابات من جهة ثانية ونقدا شديد الاضطراب من جهة أخرى .

لقد بذل شعر التفعيلة الجيد جهداً لا ينكر في العمل على تحويل النص الإبداعي العربي ونقده من مرحلة التفسير الى مرحلة التأويل، تلك المرحلة التي استغرقت طويلا في تراثنا الشعري والنقدي ولا سيما فيما أُنتج من مضامين تقليدية انتزعت من طاقة الشعر العربي الكثير كالمديح الذي ظل ساعيا وراء الحكام مضحيا بقدراته الشعرية وابتكاراته الابداعية ؛ لأسباب عدة طُرِحت في مواضعها، لكنّ الاستثناءات التي سجلها شعراء ذوو مواهب راقية ونقاد اهتموا بتلك المواهب تبقى حاضرة في الذهن، وكذلك فعلت النماذج الجيدة من قصيدة النثر، لكن ذلك لم يمنع التراكم الذي التبس بخلط كبير بين الجيد النادر والكثير من التراكم اللفظي، وتغطيته كميا على النوعي، أما أن تكون جوهر التشكيلة الرؤيوية للهايكو قائمة على جهد شعري جديد، فذلك هو الأمر المهم، إذ لم يعد الخلط هنا متاحا في نظر النقد الجاد، فإما هايكو عربي ذو حركية جمالية قيمية جديدة، وإما المغادرة خارج النموذج، هايكو قائم على ومضة سريعة أو على مشهد قادر على احتواء متناقضات تمثل الحياة برمتها هما السكون الذي تموج في داخله حركية تعمل على إطلاق الرؤيا والانفتاح الدلالي الذي يثير دهشة ما، ويحفز الفكر لتشكيل الدلالات المتاحة بمؤازرة التأويل، مع أهمية الالتزام بعلوم اللغة من نحو وصرف وتلاؤم صوتي وضبط أسلوبي وإيقاعات منسجمة بعيدا عن التراكمات البلاغية، ويكون الشاعر مدعواً إلى ملاحظة ضرورة التوازن في التشكيل بين المتطلبات والابداع والخصائص، بما يجعل الهايكو عربيا حقا في تشكيله ورؤيته معا وفي معاناة أهله، محافظا على ترسيمته الأصلية في أول نشوئه، وعلى سماته الجمالية، وملاحظة التوازن بين تقنيتي الفن وجمالية التلقي، عارفا أن النص الإبداعي الحقيقي يقاوم تقاليد نوعه مثلما يقاوم النمطية وتسلط النموذج القار، على أن الدعوة لهذا الفن لا تعني كونه بديلا لأشكال الشعر العربي أو إنكاراً لأهميتها، بل هو إثراء للشعرية العربية وتنويع على أشكالها ومنظوماتها التعبيرية .

إن انسحاب جماليات الهايكو من الخاص ذاتا ومذهبا وطائفة الى العام أرضا كونية ووطنا وشعبا ومجتمعا وانسانية، ومن المحدود إلى الشمولي، هو تخليص للإنسان من وحشة الذات وانغلاقها بالعمل على جرّها – بفن- إلى رحابة الجماعي وجماليات الكوني انطلاقا من حقيقة ملخصها أن الحياة بأصالتها لا يمكن أن تتجلى إلا خارج الذات حيث يتألق الفعل الجماعي بحركية الانساني وفاعليته أولا، وأن الجمال الحقيقي لا يتبدى رائعا إلا خارج السياق ثانيا، ولذلك فنحن نبحث عن الغائب في الحاضر، وعن المفقود في الموجود خارج النص لكن بإشارة لماحة منه. ولعل هذه الأسطر الأخيرة تلخص محنتنا في الثقافة والفنون، فغياب دور الثقافي والفني والجمالي في الحياة، وانفراد السياسي بها هو الذي أدى بضيق النظر الأناني الشرير وغياب صفاء الروح إلى تنمية الكوارث والانقسامات والتمزق النسيجي لشعبنا الواحد ولمجتمعنا الذي يدفع من دمه وحياة أبنائه ثمنا لمصالح الجهلة وأنانيتهم ....... يتبع.

 

أ.د. بشرى البستاني

قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية وجوه وامكنة للشاعر مجبل المالكي

ryad abdulwahedغلبة البعد النفسي على القيمة الخبرية: يعد العنون واحدا من اهم القيم الاتصالية ما بين المؤلف والمتلقي، كونه الاشارة الاولى التي تحيط بالنص وتوازيه . هذا الملفوظ اللغوي على صغر حجمه، يشكل بنية قادرة على تحديد هوية النص برمته . اذن العنونة موجه قرائي مهم، لا يمكن الاستغناء عنه كونه يساعدنا – كمتلقين - على الدخول الامن الى النسيج النصي . وقد يتخذ هذا المنحى طريقا اخر بواسطة الدخول الى اقبية النص التي تستحيل – في بعض الاحيان – الى مركز بؤري ينبغي معالجته على مهمل .

عود على بدء، تتخذ العنونة في هذه المجموعة بعدا مرجعيا وايحائيا معا، كون الوجوه قد دخلت عاملا مهما ضمن بؤرة الامكنة بكل ما تحمل من دلالات، ثم ان عملية التنكير قد اضفت بعدا ترميزيا للوجه كونها وجوه غير مشخصة وغير معروفة، وجوه لا تقف عند شخصانية معينة، فقد تكون وجوها متعبة، ارهقها الزمن، او وجوها نضرة لم يرسم الدهر عليه خربشاته المعهودة، وينسحب الامر على الامكنة، فقد تكون امكنة ادمنت الاحزان، او قد تكون امكنة افرزت السعادة لاصحابها ، او قد تكون امكنة اللامكان كالمقبرة . اذن العنونة – هنا – لم تعلن عن مقصديتها ونواياها، بل ظلت بعيدة عن الفهم اللحظوي، مؤجلة الى اشعار اخر، انها جزء من كل لا يمكن فصله عن الجسد العام ، جسد النصوص التي يتداخل معها في اكثر من موقع ومكان. هكذا اراد الشاعر لها ان تكون لأمر في نفس يعقوب سنستبينه لاحقا .

ان العنونة تتفاعل مع نصوصها، اذ انها احالة برانية لما هو جواني، اذ انها تشخص المكان بنحو واسع، وتجسد الواقع الموضوعي الذي يحيط بتلك الامكنة، لهذا يمكننا القول ان العنونة مرتبطة بالنص الاصلي ماخصة لنا بنحو استباقي ما يمكن ان توحي به النصوص . يشكل الغلاف الخارجي الاول العتبة الرئيسة، اذ يتخذ اللون الاصفر معظم الغلاف وهذا يدل على الثقة بالنفس والانسان والتفاؤل وكذلك الحماس والطاقة الكامنين في تلك الذات . كُتبت العنونة الرئيسة بالخط الكوفي الذي له علاقة مباشرة ومتماهية مع المعمار والجدران الصلبة، فهو اذا لا ينفك متصلا بالمكان . اما اللوحة التي تتوسط الغلاف الخارجي الاول فهي للرسام اليماني مظهر نزارالذي تتسم لوحاته الفنية بالبعدين التجريدي والتعبيري . يتوسط اللوحة وجها نسويا، والوجوه – كما هو معلوم – تعكس حالة الانسان ومتغيراته الداخلية ومحمولاته النفسية، كما يترشح من الوجه ما هو مكتوب وغير مكتوب في اطار اللوحة بنحو عام . اذن اللوحة جاءت متعاضدة مع الجو العام للمجموعة ومعبرة عنها لانها تحمل وجها غير معروف . هذا الوجه يطل من مكان تستقر على جداره الخارجي بعض الخطوط الهندسية المنحنية التي توحي بالضيق والصدمة . اتخذ اسم المؤلف مساحة صغيرة تحت اللوحة وجاء التجنيس \ شعر \ في الزاوية اليسرى بنحو صغير .

في الدخول الى اجواء المجموعة، نواجه في المستوى التداولي انفراجا نصيا لحمولة نفسية وعاطفية يعلو فيها صوت الحزن لملابسات الواقع المنتج لها . فبناء الصور جاء من عناصر انتجها المكان وما ترشح منه من بعد نفسي، وهي وان بدت متعاضدة الا انها في الوقت نفسه متنافرة مما يعتليها من التجربة الشعورية المنتجة لها

دوني قصة من مروا على سورك

واغتيلوا

وكانوا واهمين

 

لاحظ اللاعجة الروحية التي تعتلج في صدر السارد \ الشاعر وهي وان كانت متشحة بالخيبة والمرارة واليأس مما حصل، وتساوقها مع دواخله التي غطتها سحب الفجيعة النفسية الا انها بقت متعالقة مع ذلك الضوء المتخفي في نهاية نفق الروح، لهذا نرى ان الشاعر استطاع بنحو جيد من جعل حركته الذهنية قادرة على الانعكاس في الصياغات اللغوية بنحو لا يفقها لبريق المبتغى على الرغم من سوداوية الموقف العام

 

مهما تغير وجه الزمان

ومهما استدارت رياح المدارات

يبقى الذي بيننا شائكا

محض وهم يفتت احلامنا

ينحر الامنيات التي اوشكت

ان تنث البنفسج في ظل روحين

افناهما الانتظار

 

ان استقراء الفكرة الداخلية ليس عسيرا، اذ انها تدفع بالمفردات الى الظهور على السطح من دون ان تفقد جوهرها . انها احاطة ذكية باللغة وبالمعاناة في الوقت نفسه مما يشيع جوا روحيا مفعما بالحزن الموشى ببريق نفس تتوق الى فك رموز مشتهاها من دون ان تخسر وجودها ووجدها . ولا ينفك الزمن المضارع ان يتخذ موقعا مركزيا من البنية العامة اذ تكون مترشحاته يقينية بنتائجها التي لا تدعو الى الشك وان لم تكن متحققة على المستوى العياني

تسطع الشمس من رونق خديك

ويصفو الخمر في اثداء موج عابق

يهمي بأحضان كؤوس الرمل،

يصطاف بأعماق المحبين

ويستل قلوب الشعراء

 

هنا يجمد – الشاعر – نفسه حتى نحس وكأنه ليس المتكلم، بيد ان اللوحة المتشكلة كلاميا هي التي تسفر عن نفسها، اما الشاعر فيحاول قطع السيرورة الزمنية من اجل ان يأخذ الوصف مساحته التي يستحقها، لهذا نرى مجيء الافعال المضارعة متعاقبا من اجل تحقيق خطوتين في الحاضر وخطوة في المستقبل (استرجاع لحظوي + استباق لآت)، وهذا ما نجح الشاعر في تحقيقه، اذ استطاع ان يمسك بجمرة التوازي الدلالي بواسطة طرح محور الاحساس بالمرارة والحزن والفراق من دون ان يخسر النص انسيابيته المطلوبة

 

جالس يرقب العابرين

والزمان الذي قوس الظهر،

واختط احزانه في سماء الجبين .

من ترى سوف يؤنسه ان جثا الليل

وانهال فوق ارتعاشات هيكله الصخر وارتحل الصحب والاهل

في موكب الناحبين ؟!

 

يستهمل الشاعر تقنية التجانس الخلفي الامامي في عملية التكرير لكي يثري نصوصه، وهذه التقنية عبارة عن كلمتين متواليتين يجانس الصوت الاخير من الاولى الصوت الاول من الكلمة الثاني ليشيع جوا مموسقا في فضاءات النص كقوله

 

هكذا مثل سرب من الغيم مرت فصول الربيع التي اصطاف في ظلها وردة

تبهر الروح والحالمين

وتطفو بنية الاسترجاع الذاكراتي بنحو واضح في معظم النصوص حيث يترك الشاعر صوته ويعود الى الماضي بطريقة القطع المبرمج ليصحب مترشحات الاني حتى يبدو الزمن وكأنه مرحلة تمضي لحدث سابق ينبثق في حدث اني

 

اكتب في اخر رق منقوش بدمي :

هذا نقش مدونة لمحب

كان يرتل بعض اناشيد البحر

واسفار بلاد

غاض بافلاك سماها النجم

وكفن احلام بنيها العشاق

سراب الامل المخذول

 

ان المكان في هذه المجموعة ليس عاريا والوجوه تستنطق ازمنتها وثمة صلة بين النص بموضوعه والعالم المتشكل بظروف انتاجه اللحوظية

 

رياض عبد الواحد

شفاهيات عراقية خالدة .. ما أختزلته ذاكرة الكاتب علي أبو عراق

abdulzahra lazemلا شك أن الكاتب في هذا المضمارأراد أن يبين مدى أهمية النص الشفاهي أو ما يسمى بالشعبي المتاوارث والمتداول بين عامة الناس، سوى كان شعراً أم نثراً أم قصةً أم غيرها من النصوص الأخرى التي أراد بها أن يثبت مدى أهميتها التاريخية والإنسانية على السواء، لأن الكثير من المساجلات الخطابية والشعرية التي تنحو منحى هذا التراث الشعبي ما زالت باقية ومتداولة حتى الآن!

فالكاتب أراد أن يوضحها ويذكًر بها حتى لا تنسى رغم انشغال مجتمعاتنا العربية عموماً والمجتمع العراقي خصوصاً بالحركات الثقافية وصخب التكنلوجيا والأنترنيت والهواتف النقالة التي أخذت الجزء الأكبر من أوقات الكثير منا !

إذن هذه لمحة لا شك أنها تاريخية مهمة وضح بها الكاتب مراسيم الحزن الذي اكتنفته المرأة طوال العصور التي عاشتها في القرون المنصرمة وما زالت مستمرة لحد هذه الأعوام .

والتي اشتملت على الكثير من الكوارث البيئية وأهمها الحروب الطائشة والتقاتل القبلي المقيت الذي راح ضحيته الكثير من الناس .

فكانت المرأة الشلال الهائل الذي انثالت هواجسه وأمطرت غيومه ورعوده على مأساوية هذه الأحداث وغيرها، فهي ترى وبتأكيد معنون حسب ما تمليه تلك العواطف الجياشة من الحب الفطري الذي تحمله بين جوانحها، فهي تسكب هذا الوقود الوجداني على لحود محبيها ومن رقدوا فيها من الأهل اعتقادا منها التخفيف عن أرواحهم شدة الفراق واللوعة وعن نفسها وطأة تكالب الزمن عليها، وهذا ما أكدته الكثير من الدراسات المثيولوجية وذكرته القصص والأساطير الأخرى التي رسمت لنا لوعة وحزن المرأة في المجتمع العربي بصورة عامة والعراقي بصورة خاصة ولا أنكر إن هذه الدراسة التي بين أيدينا واحدة من الأدلة التي كتبت بهذا المضمار، وقد لا أقول أنها الوحيدة، ولكنها أحد حلقات السلسلة المفصولة التي بالتأكيد أثارت شجونه وحركت قلمه المبدع على الخوض بها .

ليس مراثي المرأة وحدها على فقدان من تحب فقط ولكن امتدت به هواجسه إلى المراثٍ الأخرى الدينية مثلاً التي اعتاد الناس الولوج فيها والركون إلى الدموع لترميزها وأرخت مناخاتها المختلفة حتى أصبحت ثيمة تميز المجتمع العربي والعراقي على وجه الخصوص !

حيث يذهب الكاتب على تأكيده لمجمرته التي تخزن الحزن والرثاء بقوله : - (إن المرأة هي بطلة الحزن العراقي وعرابته وسادنته)

وهنا اباح الكاتب لنفسه أن يحلل هذه السمة عن المرأة العراقية لما يلحقها من حيف وضرر في العصور الغابرة وحتى في عصرنا الحاضر إذا ما قورنت تلك الحقب بالحاضر !

ويستمر الكاتب في بناءه المتكامل عن أسطورة الحزن الأزلي منذ العصور القديمة عن الآشوريين والبابليين وملاحات المرأة وبكائها على أخوتها وفاقديها بأبيات من الشعر الوجداني المفجع وهي تخاطبهم بلوعة وحزن شديد، حتى يصل به إلى هدفه المنشود وهو المرأة العراقية ودورها في احتضان الحزن ومناغاته بأبيات من الشعر ما زالت خالدة على أفواه الكثير من الناس تتداولها في الدواوين وفي جلسات السمر على المواقد الدافئة أيام الشتاء الحالك السواد في القرى والأرياف !

فالحزن عندنا وكما أكده الكاتب نوع من الإشكالية المأثورة التي لابد منها في حياة المجتمع العراقي الذي يمثل على ما أعتقد التأريخ الإنساني للحزن والفواجع التي مرًت على البشر منذ القدم، والذي مثلته بكل جدارة المرأة العراقية حتى كان البكاء والنحيب عندها فناً عراقياً خالصاً لا يشاركها به أحد كما يقول الكاتب بحديثه عن الحزن وتمثيل المرأة له وربط واقعة الطف الخالدة به :

( ..... ربما أميل إلى رأي قد لا يلقى قبولاً لدى الكثيرين، وهو لو أن ملحمة الطف حدثت في أرض أخرى غير العراق لما أغرقت بهذا الطوفان الهائل من الحزن وهذا الانسجام الرهيب .......!!)

وهذا ما يقوله العقل أيضاً لأن العراقيين وحبهم المتواصل والمنقطع النظير للمبادئ الإسلامية الحقة ولأهل بين المصطفى محمد (ص) وعليهم السلام، وانفعالهم المتجدد عبر السنيين مع فاجعة كربلاء واستشهاد الأمام الحسين وأبناءه وأصحابه جعل هذا الحزن يتجدد كل عام وبكل قوة، وهذا ما يؤكد انتصار العراقيين للحق الذي سار عليه الأمام (ع) مقاتلاً بوجه الظلم والطغيان المتمثل بالحكام الأمويين على طول تأريخهم الأسود !

وهذا المدخل حقيقة أراد به ابو عراق على ما أعتقد الولوج إلى مفتاح مهم للدخول إلى شفاهيات ومروريات العراقيين وهم يخلدون موتاهم أولاً ومن ثم الدخول إلى بعض القصص والمواقف التي ما زالت تذكر عند كل مساجلة وحديث حيثما يكون المثل وموقعه من أصول الكلام!

فهذا شنيين الأخرس وما له وما عليه من أمر الدنيا التي واكبته وجعلت من أهله وعشيرته أعداءً لا أعواناً وهو اليتيم الوحيد الذي فقد النطق منذ الصغر، بفعل عمل خبيث دسه له بعض الحاقدين وأوصله إلى شيخ العشيرة التي هي أهله وناسه جعلت منه رجلاً منبوذاً لا يكلمه أحد ولا يتعامل معه أحد !

فالكاتب هنا أراد أن يبين لنا ماهية العلاقة الوجدانية الحقة وتفاعل ابناء القبيلة المبنية على الحب والألفة والتعاون والعطف فيما بينهم، وانصهار الرئيس معهم كسبيل إلى الرفعة والمنعة والحياة السعيدة الأمنة التي تضم أبناء العشيرة كلها ابيضها وأسودها . ناطقها وأبكمها، شيخها وفلاحها !

وينتقل الكاتب إلى جانب آخر من جوانب الحياة ليضع على بساط البحث قصة الشابة الجميلة المدللة التي أحبت (هويش) العبد الذي يعمل في مضيف أبوها وهو عبد أسود البشرة رغم ما توافد على خطبتها كبار القوم، وأصرت على رأيها مخاطبة جدتها بأبيات من الشعر تؤكد هذا الرأي :

(حجيه أريد هويش لا عن ولا عن

بعد الحجي شيفيد وعلومه شاعن)

هذه الانتقالة أراد بها الكاتب أن يبين مدى أهمية الحب وسلطانه على النفوس مهما بلغت الفوارق، ومهما بلغ اختلاف الجنس واللون، إلى الحد الذي لم يكن سوى الهروب الأخير إلى جنة التلاقي والرضوخ إلى الحتمية التي غرست في القلوب، متحدية كل المصاعب والقيم الاجتماعية الأخرى !

ويبقى الكاتب على فرسه الجموح تارة يتنقل من فريج إلى فريج (1)

بين قرى وأرياف الجنوب . وعلى مشحوفه المطلي بالقار، من قصبة إلى أخرى ومن كلك إلى مجمع سكني بين القصب والبردي في أهوار محافظة ميسان الجميلة تحفه الطيور بأصواتها العذبة وتفتح شهيته رائحة الشواء الزكية، يقطف ما لذ وطاب من شفاهيات ومرويات بلده العزيز عراق السلالات والنخيل الشامخة تارة أخرى !

يجلب أنتباهه صمود أبناء بلده وشجاعتهم ووقوفهم بوجه الظلم والطغيان وانتصارهم على رفع قيمهم التي تربوا عليها وأوقفوا حياتهم من أجلها، فهذا الشيخ شعلان أبو الجون يثب مقاتلاً بكل عزم وقوة مردداً لأثارة العزم والثورة في نفوس العراقيين عندما بلغه بأن العدو حشد على قتالهم أبان أستعار ثورة العشرين حيث قال :

(( بي خير ويجشر عسكر وريلات

اسواريه أو بيادة وفوك طيارات

بعزم الله وعزم حيدر أبو الحملات

( يتوزع وطروح أنشيله ) )))

وكذألك عندما رأت أحدى العراقيات أبنها يقتل قاته أنبرت شعراً وقالت :

(عفيه أبني الجاتل جتاله)

وهكذا بقي العراقيون بمواقف البطولة والعنفوان يتعرضون ضد الظلم والتسلط عبر التاريخ ولحد الآن، مما يثير شجون كتابنا وشعرائنا المبدعين على السير بمراكب البحث الصعبة والتقصي عن القصص والروايات الجميلة المشبعة بالأشعار والمواقف التي تحرك وجدان القارئ والمتتبع

وهذا الفيض هو واحد من هذه الكتابات التي اراد بها الكاتب علي (أبو عراق) أن يحرك شجوننا بها لعله يضع أمامنا جزءً من التأريخ الذي لا شك أننا قد عشناه وربما جزء منه !

لم تختصر شفاهيات (أبو عراق) على ذكر مواقف الثورات والبكاء والحزن على الشهداء والأموات، بل تعدت إلى المواقف الأخرى التي هي من فعاليات مجتمعنا العراقي كالحب وما له من خصوصيات سلبية في كثير من الأحيان، وأعمال الزراعة والحصاد ولقاءاته العاطفية، ومواويل العاملين انتظمت في سمفونية بديعة أراد بها مبدعنا أن يطَلّع عليها قرائنا بروح من التأني والوقوف عند كل شاردة وواردة،فهذا موسم الحصاد الذي يعدونه أهل القرى والأرياف الحاضنة التي تجمع الأهل والأحباب والعاملين الذين يأتون من مناطق أخرى لأجل الكد والعيش وجمع ما يمكن جمعه في أيام الحصاد وهو موسم سنوي ! هذا الموسم النيساني الجميل يعتبره أهل الريف المهرجان الذي يجمع الجميع مكللا بزغاريده وهوساته وأغاني الموهوبين من أصحاب الأصوات الجميلة التي تبعث الحب والمودة في قلوب السامعين اضافة إلى النشاط الذي لابد منه لحصاد أراضي واسعة غطتها المزروعات من الحنطة والشعير والشلب، وهذا الفيض من الأغاني الذي يشكل متوالية الحصاد الجميلة عكف الناس في أعمالهم اليومية حتى أصبحت سمة تميزهم، لأنها وحسب رأيهم تخفف عنهم أعباء الحياة ومشاق العمل الدؤوب، اضافة إلى انصهارهم مع البعض بروح المودة والحب !

فهذا الشاب ( ناهي السرهيد ) بن الريف الجنوبي الذي يردد رافعاً صوته العذب والذي يبعث الدفء في قلوب المحبين ويتمنى على السماء أن تجعل الحصاد ليلاً حتى يستطيع اللقاء مع حبيبته التي هي الأخرى تسمعه، حيث يقول :

(يزرك يبو أنجوم ..... خلي الحصـــــاد بليل

ونذب الهــــدوم ..... ونخالف الذرعــــــان)

وبصوته هذا المشبع بصدى الليل وأبياته الدارمية الجميلة يحرك شجون غيره من المحبين !!

وتنطلق عرابة الشابة الجميلة (بدرية) التي رحل عنها قطار العمر وسافر بعيداً تقول :

(شـــــــــــفت الزين بالبيدر يحدس

وعنده ريحة أخضـــــــيره اتعطس

إن جاك الشيب ريت الشيب يدرس

ولعنك بالعزب أول شـــــــــــــبابه)

وهكذا الأخريات تندمج بهذه المتوالية الجميلة التي تجمع القلوب مع بعضها مما تجعل من الريف والريفيين رمزاً خالداً يتعاطاه الناس دائماً في مواويلهم وأغانيهم الخالدة !

ولا أريد أن أستمر في تحليل هذه المروريات وأسلب حق القراء فرصة التمتع بدراستها، حيث أرى أن هذه الدراسة تستحق النقد والتحليل لما لها من أهمية في حياة مجتمعنا العراقي الأصيل، والتذكير بمواقف القيم الإنسانية التي كان وما يزال يتحلى بها شعبنا رغم أخطبوطات هذه الأزمنة التي غصت بالمواقف المخجلة وراحت تمتهن الخيانة ضد أبنائها وشعبها

عليه أرى أن الكاتب أثبت وبكل جدارة هذه المروريات التي جاءت على شفاه العراقيين ووضعها على مائدة القراء والنقاد بهدف دراستها والوقوف على محاسنها !!

 

البصــــ22/4/2015ـــــــــــــــرة

(1)     الفريج : المنطقة السكنية يسميها أهل الريف بالفريج !

تحليل ديوان "المحبرة" للمبدع الكبير جوزف حرب

husan sarmakوقادة الحرب هؤلاء الذين جعلوا جراح الأبرياء في الحروب تفوق باشواط الورود الحمر التي تنجبها الطبيعة، يجمع علماء النفس على أن السمة المركزية التي تجمعهم هي "موت الضمير"؛ الضمير أو الأنا الأعلى (أو الله في الداخل) الذي هو القاضي الداخلي الذي يعاقب الأنا على أي فعل آثم لا تقترفه حسب، بل لمجرد التفكير فيه أيضاً . هذه السلطة الداخلية هي عين راصدة لا تنام ابداً، لكنها يمكن أن تتبلّد بالتدريب المبكّر على الشرّ، أو باقتناع "مثال الإنسان" وهو جزء من الأنا الأعلى بأنّه عندما يمارس عملية القتل في الحرب فإنه إنّما يؤدي واجباً مقدّساً . وهنا يبرز الدور الخطير للفلاسفة والمفكّرين "التافهين" كما وصفهم جوزف بحق، حين يشحنون روح الإنسان بالمثل العليا التي سوف تحققها الحرب، فيشعلون طاقة الغرائز التدميرية بنيران الأفكار المثالية، ويصبحون حلفاء حقيقيين لصانعي الحروب الذين مات ضميرهم فلم يعودوا يشعروا بالذنب من الجرائم التي يرتكبونها . لقد مات الله في داخلهم، فصار قتل الناس لديهم "هواية" وهو العنوان الدقيق الذي اختاره الشاعر لقصيدته:

(منْ صنعوا عبرَ الزمانِ

كلّ هذه الحربْ،

يجمعهم في الأرضِ أنّ كلّهم

لم يشعروا

بالذنبْ .

أغلى هوايةٍ لهمْ، رميُ

عظامِ

الشعبْ

في الحربِ، للموتِ الذي

يلمّها

كالكلبْ . – ص 924 و925) .

يكرّر جوزف حرب وصف الكلب لصنّاع الحروب كثيراً . الكلب وفيٌّ للإنسان . هذا صحيح، لكنه حيوان شمّي لا يستحي ويمارس اللواطة، والميثولوجيا الدينية لا تدخله – هو والخنزير - الجنّة لهذا السبب . وصنّاع الحروب من هذا النوع . بل أردأ من ذلك وأسوأ، ففي الحرب، أعطوا للكلب الفرصة ليتجرّأ على الإنسان . وقد اثار جوزف ثلاث تجارب لي مع "الكلب" في الحروب الثلاثة التي عشتها:

في الحرب العراقية الإيرانية، وبعد أن هدأ وطيسها في إحدى معارك "مجنون" شاهدت كلباً أسود يسحب بين فكّيه أمعاء أحد الجنود القتلى الطافين على مياه الهور .. كان صديقي وقد حاولت تخليده في روايتي "ما بعد الجحيم" .

في الحرب العالمية الثالثة التي شُنت لتدمير العراق في عام 1991، شاهدت في مدخل مدينة كركوك مجموعة من الكلاب تنهش بحماسة جسدي مدنيين عراقيين قتيلين .

بعد حرب الإحتلال التي شنها الأمريكان الخنازير الكلاب على العراق في عام 2003، قال لي صديق شاعر بأنه شاهد فجر أحد الأيام كلباً يهرول فرحاً، وهو يحمل بين فكيه ذراع طفل صغير .

ومن الظواهر التي لفتت أنظار أغلب المقاتلين في تلك الحروب هو أننا كنا نعرف أن معركة سوف تحصل عندما تبدأ الكلاب بالتجمع قريباً من الوحدات العسكرية المقاتلة .. إنّها تلتقط – برادارها الكلبي – قرب مجيء الموت محمّلاً بهدايا الجثث .. الجثث التي كانت تتطاير وتُسحق وتتعفن بلا رحمة، ومعها تُسحق قلوب أمهات وآباء وحبيبات .. جثث تزداد أعدادها الماحقة كلّما تطوّر الإنسان، وهنا يتحالف العلماء "التافهون" مع الفلاسفة "التافهون" ليشدّوا أزر جهود صنّاع الحروب ولصوصها . فليس الفلاسفة التافهون فقط كما يصفهم جوزف حرب هم الذين يؤججون نار الحروب بجعل الحروب جهاداً مقدّساً، وقتل الإنسان لأخيه الإنسان واجباً وطنياً ودفاعاً عن الحضارة حسب، بل – وهذا هو الأخطر إجرائياً – العلماء ايضاً الذين يضعون كل إمكانات عقولهم العبقرية لتصميم وابتكار واختراع أكثر الأسلحة تدميراً وقتلاً وأشدّها فتكاً . في التسعينيات نشرت صحيفة العرب اللندنية خبراً يشير إلى اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية – دولة الموت والحرب ورمز الشرّ في الحياة الحديثة – مع كوريا الجنوبية على شراء سبعة عشر ألف جنين مجمّد من عمليات الإجهاض، لإجراء تجارب "علمية" تهدف إلى إنتاج مقاتل لا يشعر بالألم . قبلها طلع العلماء علينا ببشرى إنتاج سلاح رحيم هو القنبلة الهيدروجينية التي هي أرحم من القنبلة النووية لأنها تذيب الإنسان فقط وتترك البنايات والعمارات . يا لها من رحمة . العلماء التافهون هم الذين ابتكروا فكرة استخدام النفايات النووية في صواريخ كروز، صواريخ تخلّف مادة سرطانية تبقى في التربة لمدة أربعة آلاف سنة .. أكرّر أربعة آلاف سنة . هل نتحدّث عن حيوان أم عن إنسان ؟! .. أنا لا أدري:

(الأسلحهْ

كانتْ لأنْ تطيرَ هذي الأرضُ

في مدارها،

لكنْ،

بغير أجنحهْ . – ص 972) (نصّ "حمامة خضراء") .

ومن خطايا العلم ومفاسده هي أنه ألغى "حرمة الميّت"، فقد كان بين البدائيين طقس اسمه "حرمة الأموات"، وفيه كان المقاتل الذي يعود من معركة ما قتل فيها أحد أعدائه، يُحتجز في كوخ منعزل عن القرية لمدة معيّنة، ولا يلمسه أي أحد حتى زوجته، ويجلبون له أكله دون أن يروه، وفي بعض القبائل لا يلمس أي شيء حتى الطعام نفسه ويأكله بفمه . والسبب هو الخوف من العدوى فقد خرق الحرام فصار محرّماً، ومن لعنة روح الميت الذي قتله، وللتخلّص من الشعور بالذنب الذي يثقل ضميره .

فما الذي فعله العلم الآن ؟ لقد صارت الحرب تُدار عن بُعْد، وأصبح المقاتل يقتل آلاف الناس الآخرين من دون أن يراهم، بل من دون أن يعرف حجم الخسائر الرهيبة التي سببها ولا الآلام الفظيعة التي خلفها في قلوب ضحاياه وأحبائهم . وفوق ذلك فقد قام العلم بتقسيم الأعمال، بحيث أن هناك آلاف الأشخاص يعملون في تصنيع جزء معيّن من بين عشرات الأجزاء التي يتكون منها سلاح فتّاك أو صاروخ مدمّر أو قنبلة محرّمة . وهذا يمنع الشعور بالذنب أو يخفّفه كثيراً من خلال "توزيعه" على أعداد كبيرة من البشر . في الماضي السحيق كان الموت "طبيعياً" . أمّا الآن فقد جعله العلم "مصنّعاً" وأخرجه من دائرة إرادة الله إلى دائرة إرادة الإنسان .

وصنّاع الحروب الكلاب – والخنازير أيضاً كما رأينا وبلا تردّد – يستعرض الشاعر، في ثماني عشرة قصيدة، بعضاً من شخصياتهم التاريخية والمعاصرة، ويصوّر جوانب بشعة ومروّعة ومقزّزة من أفعالهم التي يضعهم بعضها في دائرة "الجنون"، فهي غير قابلة للتصديق لولا أن التاريخ حفظها موثّقة ومدعمة بشهادات جعل حتى ما يأتي نتاجاُ لفعل مخيلة الشاعر أقل من ضراوة أفعالهم وخسّتها في الواقع في بعض الأحوال . وقد صاغ الشاعر قصائده هذه بضمير المتكلّم، أولئك المجانين المنهوسون بالحرب والموت والتقتيل هم الذين يرسلونها:

-قصيدة "حكم الفضّة" من "جنكيزخان" الذي كان – تأريخياً – يتمنطق بنطاق مكتوب عليه "الحق هو القوّة" قبل نيتشه بمئات السنين . جنكيزخان كان يسكب الفضّة المغليّة في عيني وأذني التاجر في خوارزم إلى أن يقضي ! ويلحقها الشاعر بقصيدة أخرى هي "حكم السيف" للخاقان جنكيزخان نفسه، يأمر فيها بشقّ بطون كل الناس لأنه اُخبر بأن امرأة ما في خوارزم قد ابتلعت جوهرة لتخفيها عن جيشه !

-قصيدة "السهل" رسالة من "الإسكندر" يأمر فيها أن يصحو غدا، وقد أصبح السهل الأخضر المزروع بالناس .. سهلاً أحمر !

-قصيدة "جنين" لنيرون يأمر فيها بجلب امرأة حبلى في الشهر السابع، ويبقر بطنها – وسط السكر والرقص والألحان - ليرى كيف يكون الجنين !

-قصيدة "أصابع" من الملك لويس التاسع بأمر فيها بقطع أصابع كل من بقي حيّاً من المصريين كي لا يحمل أحدٌ شيئا !

وهكذا تتوالى الصور الدموية المرعبة التي رسمها السلوك الوحشي لصنّاع الحروب الفتلة عبر التاريخ، صور هي من الفظاعة بحيث نترفّع عن نسبتها إلى أشرس الحيوانات . ولا فرقّ بين سفّاح معاصر مسلّح بالأفكار الفلسفية مثل هتلر (قصيدة "النازي" – ص 930و931)، أو قديم جدا مسلّح بالأساطير وبزعيق الآلهة مثل سنحريب (قصيدة "قبل القتل" – ص 964 – 967)، أو ما بينهما مثل أبو العباس السفّاح والمتوكل من العرب، وامبراطور اليابان والصين وكسرى وقمبيز والسلطانان سليم الأول وعبد الحميد من الأجانب .. وغيرهم . مثلما لا فارق في الأديان، أو بين التديّن والوثنية، فكلّها لا تشكّل رادعاً مؤثّراً إذا ما انفلتت غريزة العدوان من عقالها في أعماق الإنسان، بل قد تكون الأديان غطاءً وحافزاً .

ويمكنك أن تقرأ الكثير من الأخبار والمعلومات عن وحشية هؤلاء في كتب التاريخ، لكنها تُعرض الآن وتُصاغ شعراً ضمن سياق ملحمة خليقة لا يعرف فيها خالقها الشاعر المجاملة أو المهادنة، لتصبح أغاني الموت والخراب التي تكشف زيف هذا الموقع المتسامي والطبيعة الربّانية التي نلصقها – عبثاً - بالإنسان، الذي يُخلع عنه الغطاء الإنساني في ساحة الحرب، لتظهر الحقيقة الحيوانية المستترة والمتوحشة بصورة مباشرة وبلا تزويقات نظريّة . ولعل من بين أهم مضامين رسالة الشاعر في هذه النصوص، هو أن يحيل المتلقي إلى موقع يجري فيه - من حيث لا يشعر - مقارنات بما يقدّمه من صور الماضي السحيق، وما تحاصره في كل لحظة من حياته الراهنة من صور القتل والعدوان "المتحضّر" الذي نعيشه بكل تفاصيله . إن مكتسبات الحضارة التي حققها الإنسان أيها الأخوة، هشّة، بل شديدة الهشاشة، ولن تجعلنا – كمحللين نفسيين - نعتقد بأن الناس متحضّرين فعلاً وتخلّوا نهائياً عن ميولهم العدوانية الموروثة عن الإنسان البدائي، ما زال الإنسان رمحاً مميتاً مستعداً للقتل في كلّ لحظة، وما تفعله الحضارة هو أنها تعلّق وساماً على صدره باسم المثل والواجب والقيم القومية العنيدة كما يفلسفها الفلاسفة "التافهون" الدمويّون . هذا ما يعلنه الرمح القاتل الذي "يستعير" الشاعر صوته في مقطوعة "رمح":

( يقولُ

رمحْ:

تُعلّقُ الحربُ وساماً من دماءٍ

فوق صدريْ

كلّما ارتكبتُ جرحْ . – ص 952) .

وهو نفس الإعلان الذي "يستعيره" الشاعر من صوت السيف:

( يقولُ

سيفْ:

أشربُ خمراً من دمٍ، يُمدُّ هذا

الجسدُ الفتيُّ لي مائدةً حمراءَ، كلّما على حربٍ

نزلتُ ضيفْ . – ص 981) (نصّ "سيف") .

إنّ الإنسان هو ذئبُ الإنسان، فمن يملك الشجاعة، أمام كل تعاليم الحياة والتاريخ، لنفي هذا الأمر ؟ إنّ هذه العدوانية، كقاعدة عامة، تكون قاسية، أو تنتظر إثارةً ما، أو تضع نفسها في خدمة مشروع ما يتحقق هدفه بوسائل أكثر ليونة ونعومة . وفي بعض الظروف المؤاتية، يحصل العكس، عندما تقف القوى الأخلاقية مثلا في مواجهة هذه التعبيرات فتصدّها إلى حين ثم تتعطّل، عندها تظهر العدوانية بشكل تلقائي وتكشف في الإنسان حيواناً متوحّشاً لا يقيم أيّ اعتبار لبني جنسه . إنّ الحرب تنزع منّا آخر إضافات المدنيّة، وتطرح في العراء الإنسان الأول في كلّ منا، حتى أن الوحش يتعفّف ويبتهل إلى ربّه ويدعوه أن يحمي فيه الحيوان كما يقول الشاعر في مقطوعة "صلاة" التي ترتبك الصورة فيها قليلا عندما لا تتناسب العلاقة بين طرفي الصورة ؛ المشبه بالمشبه به، حيث لا تماثل الأظافر في حدّتها القاطعة سيولة ونعومة دموع الإنسان:

(حينَ يصلّيْ الوحشُ يدعو ربّهُ:

ربِّ احمِ فيَّ الحيَوانْ .

لا تجعلِ اللهمّ لي أظافري

جارحةً

كأدمعِ الإنسانْ . – ص 980) .

لكنّها الحماسة ؛ حماسة الشاعر، الذي تحطّمت آماله على صخرة عدوان الإنسان المسنّنة، وحروبه المتحضّرة . ولو قرأتَ هذه الحادثة الوحشية المتحضّرة سيّدي القاري الكريم:

(ذات يوم تناقلت الفضائيات العالمية صورة جنود من فيالق القبعات الزرقاء يعملون في البعثة الأممّية على (اعادة الأمل) في الصومال، و(اعادة الأمل) هو الأسم الذي اطلقه الأمريكيون على عملية الصومال مثلما سمّوا عملية يوغسلافيا بـ (الوفاء بالعهد)، كشفت الصورة تسجيلا سرّياً: يأخذ الجنديان تباعاً الطفل الصومالي، يمسكانه كلّ من طرف، ثم يديرانه على أتون أوقد لهباً وسعيراً ونزعوا عن الطفل أثوابه، وتضوّع اللهيب برائحة الشواء فاحترقت باحتراق اللحم صورة من صور الثقافة الكونية، فاكتوت اللغة بأزيز مجازات الأمل، ويتمادى مسلسل الرعب الثقافي: يعترف الجنود الإيطاليون، ويكشفون تواطؤهم مع جنود بلجيكيين وجنود أمريكيين، ويستقيل بعض قيادات الجيش الإيطالي ويعمّ الشعور بالفاجعة . ثم يأتي التحقيق بتورط جنود كنديين . ثم ينزل خبر كالصاعقة: إنّ مجلس الحرب في بلجيكا قد أعلن براءة الجنود البلجيكيين رغم أنهم اعترفوا بصدقية الشريط المسجّل، ثمّ أيّدت المحكمة ذلك . ثم رُفع الملف الى الأمين العام للمنتظم الأمّمي عسى ان تنبعث محكمة دولية، وخيمت السحب على ثقافة الإنسان المعاصر وادلهمت صورة الرجل الأبيض حيال الرجل الأسمر، وتطايرت روائح أحماض الكبريت من براكين الكونية الثقافية في مشهد مأساوي خليق بروايات كافكا وأفلام هيشكوك) (66) .

أقول لك سيّدي القاريء: بعد أن تقرأ هذه الحادثة الفاجعة، ما الذي سيتبقى لديك من ثقة بالإنسان وبمؤسسات عدالته وبالفلاسفة "التافهين" الذين يقفون خلفها ؟ ألن "تتماهى"، وبقوّة ناقمة، مع ما يرسمه جوزف حرب من صورة عن هذا الإنسان ؟ ألن تتساءل معه، وهو يرى دمه / دمك، يجري فوق أصابع رسام لوحة موت الحياة تلك؟:

(لا أعرفُ هذي اللوحةَ كيفَ

الأحمرُ يقطرُ من

أعناقِ حمائمها،

لكنّي أعرفُ أنّ دمائي

فوق أصابعِ راسمها . – ص 982) .

والمشكلة الأخرى المضاعفة التي تتعلق بالسلوك الإنساني وببنية النفس البشرية هي أنها لا "تتعّض"، وبرغم أن هذا النزوع هو سرّ المعرفة ونماء الحياة، إلّا أنه في بعض الأحوال يورّط هذه النفس في كل ما هو مميت ومدمّر . لعلها غريزة هذه التي نسمّيها غريزة "التجريب" .. تجريب كلّ الأشياء حتى المحظور منها، بل المحظور منها بشكل خاص . فالإنسان – وحسب رؤية الشاعر الكاشفة المنذرة – ليس بحاجة لأن يضع يده في النار كي يعرف بأنها تؤذي وتحرق . صارت الكلمة المجرّدة هي الإنذار . أمّا الحرب .. فبرغم أن شكلها شكل الغولة، وبرغم أنها الجحيم التي تحرق وجودنا وتحيله هشيماً، ترانا عائدين لإلقاء أنفسنا، ومن معنا، وما نمتلك مرّات ومرّات .. حربنا مستعرة منذ فجر خليقتنا، وأول حرب أشعلها الإنسان هي تلك التي شنّها على الله خالقه في الفردوس واستمرت حتى يومنا هذا ! وديمومة استعار لهيب هذه الجحيم / الحرب يعكس قوّة الغرائز العدوانية التي تستعر في نفوسنا . والتاريخ يثبت بشكل مأساوي، أن دور العوامل العقلية (والأخلاقية والدينية) كان ضعيفاً بالقياس إلى دور النزوات في حياة الإنسان خصوصاً العدواني المدمّر منها . ومعها ينتفي مظهر عظيم من مظاهر تطوّر الإنسان، حين جعل "الكلمة" تقوم مقام الشيء ثم مقام المفهوم . إنّها القفزة الكبرى والمفتاح الأعظم لإنسانيته ولكل تقدّمه الحضاري . فصار ينجنب المحفّزات المؤذية بمجرد تسلّم دلالات مسمّياتها . وهذه دلالات مسمّى "الحرب" يحدّدها الشاعر في مقطوعة تحمل اسمها:

(عريسها الخرابُ،

وهي المذبحهْ،

تكلّلتْ بالدمِ، ألقتْ ريشَ بومها

على قامتها،

تزيّنتْ بالاضرحهْ . – ص 977) .

هل يريد الإنسان إيضاحاً لدلالات "كلمة" الحرب أكثر من هذا ؟ ما الذي يتوقّعه من "عروس" عريسها الخراب والدمار .. وهذه العروس هي "مذبحة" متنقّلة .. إكليلها الدمُ، وفستانها من ريش البوم .. وزينتها أطواق وأساور وقلائد من أضرحة . ما الذي يريده الإنسان من اللغة، وقد اختزنت له كل دلالات الموت في هذه المفردة من جانب، ثم تكفّل الشاعر بتصويرها أبشع تصوير مثير للرعب من جانب ثان مكمّل ؟ لماذا يقترب الإنسان من مفردة لها "قاموس أحمر" مكتوب بالدم، ولماذا يخوض غمارها ؟:

(لا تنتظرْ، كي تعرفَ الحروبَ،

أنْ تخوضَ

في ويلاتها .

يكفيكَ كيْ تعرفها

وحشيّةُ المعنى بمفرداتها . – ص 976) .

وهنا تحضرني من جديد، وللمرة التي قد تثير ملل وضيق البعض، ناحية من نواحي عبقرية اللغة العربية "الأم" المظلومة، المظلومة من قبل أبنائها المثقفين الذين يسقطون عليها عجزهم وذيليتهم "الحداثوية" . راجع معاني الجذر "حرب" ودلالات كلمة الحرب في المعاجم العربية، ستجد بالتأكيد كل الصور الوحشية المفعمة بالرعب التي رسمها الشاعر . هذا أمر مفروغ منه . فاين تتجلى العبقرية ؟

تتجلى العبقرية في أن من معاني كلمة "المحراب" المشتقة من الحرب، هو بيت الأسد .. فلماذا يدخل الإنسان بيت الأسد برجليه ؟ وهل يتوقع أن يخرج منه سالماً ؟ والدلالة الأخرى الأكثر إدهاشاً و"شاعرية"، هي دلالة صادمة . فقد تحدّث جوزف حرب كثيراً عن شناعة هذه الغولة وبشاعة أفعالها، وعن الروح الكلبية لقادتها ولصوصها ومسعّري نيرانها، ووصفهم بالكلاب، وتحدثتُ انا عن تجربتي المريرة في ثلاث حروب مع الكلاب المسعورة . هل تعلم سيّدي القاريء أن من معاني الجذر حرب هو انكلبَ، وأصابه داء الكلب !!!:

حَرِبَ الرَّجُلُ بالكسْرِ كَفَرِحَ يَحْرَبُ حَرَباً: كَلِبَ، واشْتَدَّ غَضَبُهُ، فَهُوَ حَرِبٌ، مِن قَوْمٍ حَرْبَى مِثْلُ كَلْبَى، قال الأَزهريّ: شُيُوخٌ حَرْبَى، والوَاحِد: حَرِبٌ، شَبِيهٌ بالكَلْبَى والكَلِبَ، وأَنشد قولَ الأَعشى:

وشُيُوخٍ حَرْبَى بِشَطَّيْ أَرِيكٍ وَنِسَاءٍ كَأَنَّهُنَّ السَّعَالِي

تجد هذا المعنى في معاجم العربية المهمة: لسان العرب، وتاج العروس، وتهذيب اللغة، والمحيط في اللغة .. وغيرها .

ولا تتوقّف غايات جوزف حرب، وأهداف رسالته، عند هذا الحدّ الذي وصفنا جوانب قليلة منه، إنه يحرّك أذهاننا – والأهم يخز أرواحنا السادرة في ظلال أفكار الفلسفات المضللة والأديان المخدّرة وإنجازات العلم القاتلة – لأن تتساءل ليس عن مسيرة هذا الخراب، ومقارنة جحيم العالم الراهن المعقّد المظلم للإنسان الحديث، بالفردوس البسيط للإنسان القديم حسب، بل أن نتجرّأ على أن نطلق السؤال الأكثر شراسة ونكأً لجراح نرجسيّتنا: ألسنا مسؤولين عمّا أصاب هذا العالم، ويصيبه، من خراب ؟ ألسنا مساهمين – ولو كشياطين خرس صامتين – في هذا التدهور المخيف الذي يقودنا فيه الساسة عليهم لعنة الله – والبغي أشرف منهم فهي تمنحك اللذة بمقابل، وهؤلاء يقتلونك بلا مقابل – والفلاسفة التافهون، والعلماء التافهون نحو هاوية الجحيم السحيقة ؟

واميتاز جوزف هو أنّه، بصورة مباشرة قليلاً، وبالإيحاء كثيراً وهذا فرض تخصصه الشعري، فتح أعيننا ومجسّات أنفسنا على حقيقة مساهمتنا البشعة في هذه الجريمة، ليس في خوضنا المتحمّس الهوسيّ للحروب، وتتبعنا خطى الساسة وافكار الفلاسفة ومنجزات العلماء التافهين حسب، بل في تآمرنا على "قتل الأم" .. وإفناء ركائز الحضارة الأمومية .. ومطاردة الأم / الرحم السمح الباذل المُعطي / الأرض الكريمة بكل خصبها ونعمها، نطاردها الآن كغزالة مسكينة شاردة، تأتيها سهام العدوان من كلّ جانب:

(غزالةٌ ذي الأرضُ

طارَ فوقها غرابُها .

جريحةٌ . أمامها صيّادها . عن جانبيها

فخّها . وتحتها ضريحها .

وخلفها ذئابها . – ص 934) (نصّ "غزالة") .

فأين المفر أيها (البياض) الحزين المُطارد؟

 

د. حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

2012 - 2013

ملاحظة: حلقات من كتاب للكاتب سوف يصدر عن دار ضفاف (الشارقة/بغداد) قريباً .

قراءة في نبضة وردية لـمؤيد اليوزبكي

(نبضة وردية)

(قبل حلول الصيف لم تُهدِه وردة.. بل بذوراً وقالت له : ازرعها في حديقتك.. وقبل حلول الصيف نَمَت وأورقت وأزهرت عند حافة ممشاه.. كانت تتفتح وتستيقظ عند إغفاءته ليلا وتنكفىء وتغفو حين يقظته نهارًا.. وحين يحلُّ الشتاء تذوي وترتمي على تربة الحديقة لتجرفها مكنسة البستاني دون أن تترك أدنى أثر.. اختفت كما اختفت صاحبتها..هكذا فَكَّرَ.. ثم نسى أمرها وأمر صاحبتها وقبل حلول صيف العام اللاحق فوجىء بنموها وايراقها وازهارها مجددا.. وهكذا ألِفَ حضورها قبل حلول الصيف وغيابها شتاءً.. ومنذ أن انقشعت بعض سحب انشغالاته اليومية وباتت الحديقة فضاء متعته صارت تلك الزهور تشاركه يقظته وإصغاءه لهمس الأرواح في هدأة السَحَر فيما راح يشاركها إغفاءتها ببعض آنات ضجيج نهاراته..... )

  

تبدأ الومضة القصصية بمخالفة المتوقع والمألوف، إذ تضخ مفرداتها البسيطة بإتجاه الرقة والجمال المستقبلي الذي نلمحه يتجدد كل سنة كتجدد الأمل فينا.

فيتحول الإهداء الذي يُمنح للآخر على سبيل الاحتفاظ باللحظات الجميلة من الإهداء بالوردة إلى البذور التي تنبت وتتجدد في الظهور بزي وردة لها من الحضور والتألق في أرواحنا قبل أرض بيتنا الشيء الكثير، إلى شيء اسمى قابل للتجدد والحضور.

وهذا ما يعطي للإهداء حيوية وحركة في المواصلة والاتصال بالآخر ، فتتجدد قيمته بما تنتجه كل سنة بحلية جديدة ولها من الروح نفسها، القابلة لإثارة الجمال في النفوس، فلا تبقى اسيرة الزمن بوقت معين تتلف ويذهب رونقها، هكذا يكون الإهداء ذا فاعلية على التواصل أكثر يأخذ مداه على مر الزمن وسعته في السيطرة على مدارك الروح ودخولها من منافذ بسيطة ،وكأنه يعلمنا معنى الإنفلات من قبضة الواقع المعتاد ومن قيود الزمن التي ما انفكت تسخر طاقتها لمسابقة انسان هذا العصر والقضاء على رمز جماله وحيويته.

أخذ القاص رمز الوردة مدخلا غير طبيعي لومضته، لأنه يخالف المعتاد في (كانت تتفتح وتستيقظ عند اغفاءته ليلا وتنكفىء وتغفو حين يقظته نهارا)، وكأنها تمارس حق الحماية عليه لترقب نومه ليلا وتحرسه، كما هو يفعل في النهار هذه المعادلة المتبادلة في المعاملة من الاعتناء جعلت روح الحب موجودة على الرغم من تبدل الفصول وإدراك الشتاء لمنابت العمر، وإن اختفت في هذا الفصل لكنها تبدي تباشيرها في صيف قادم يبقى ينتظره في حس عال بالمشاركة لأصغر أمور الحياة .

فتأتي المخالفة الأخرى غير المتوقعة من اختيار فصل الصيف، لتفتح الوردة بدلا من الربيع، وكأنها تفتح أبواب الأمل على عتبات قيظ العمر .

إن اللعب هنا بعناصر الزمن أكسب الومضة نوعا من التضاد بين (الصيف والشتاء). لتبق الوردة رمزا للتواصل بين البشر ،ولكل ماهو جميل في حياتنا على الرغم مما طالت هذه الحياة من تغيرات جمة .

هكذا يلتفت القاص إلى هذه الخصوصية الذاتية وإلى الذرات الأوكسجينية في الحياة اليومية ،فيشكلها بقصة ومضة بسيطة أتخذت عنوانا (نبضة وردية) بلون الورد وفعله الحيوي من الجذب والجمال في الحياة، فيجتذب من الحياة أجملها وأحلاها، كما اختار نبضة وهي نبضة من نبضات الحياة .

 

د. إخلاص محمود عبدالله