تنوير واصلاح

السيد الشهيد محمد باقر الصدر مفكرا

(من اهم ما يتصف به القائد الحقيقي – حينما يتقدم الامة – هو القدرة على تشخيص امراضها، وتقديم مستلزمات النهوض بها فكرا وادوات، وهذا هو عين ما قام به السيد الشهيد (رض)، فكما وقف ابو التوحيد ابراهيم (ع) ليصعق الأمة من خلال نهج الصدمة في معتقدها بتحطيم تلك الاوثان . وفهمأً منه لتلك الاساليب راح الشهيد الصدر يضع نفسه القدوة، وكما ارادت السماء لكي تأخذ شخصيته دورها الريادي في السير نحو الكمال المنشود، وما قدمه الشهيد يكفينا عن أي شرح ولذلك اراني عاجزا عن الاحاطة او سبر اغوار تلك الشخصية) .

وانا اقول ايضا اني اقف عاجزا امام شخصية عبقرية موهوبة مثل شخصية الشهيد الصدر (رض)، تمتلك قدرات كبيرة ومتنوعة، ورب سائل يسأل لماذا تقول (وانا اقول ايضا)، والسبب لأن المقدمة التي قرأناها قبل قليل هي ليست لي بل تعود للدكتور نعمة البكري الذي استشهد في حادث مؤسف، وكتبها رحمة الله تعالى عليه كتقديم لبحث قدمته له عن السيد الشهيد محمد باقر الصدر . لفت نظري في المقدمة التي كتبها المرحوم الدكتور نعمة، استخدامه لكلمة الصدمة، اذ اعتبر ان الشهيد الصدر استخدم اسلوب الصدمة في عملية الجهاد التي قام بها في عصره، الذي يعد من اصعب العصور التي مرت على الامة الاسلامية وعلى الشعب العراقي خاصة وهو يرزح تحت نير حكم البعث الدموي .

يلجأ العظماء والمصلحون احيانا الى اسلوب الصدمة عندما يرون أن امتهم قد وصلت الى حالة من السكون والخدر بحيث يضطرون لاستخدام الصدمة التي هي اشبه بالصعقة الكهربائية تعطى لمن يصاب بفقدان الوعي، وأسلوب الصدمة استخدمه ابراهيم الخليل (ع) عندما حطم اصنام قومه، واستخدمه ايضا الامام الحسين (ع) عندما اصرّ على الشهادة، ورفض كل دعوات الصلح مع طاغية عصره يزيد، فقدم دمه الشريف قربانا لله كي يولد صدمة في الامة يعيد اليها وعيها بعد ان اصابها الخدر والكسل، وعدم الاحساس بالانحرافات التي يقوم بها الحاكم الاموي، وبعد ان رأى زيف الاسلام الاموي الذي اراد الامويون فرضه على الامة بديلا عن الاسلام الاصيل الذي جاء به من عند الله الرسول الكريم محمد صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم، فكان دم الحسين الطاهر الصعقة التي ايقظت الامة .

الشهيد الصدر لجأ الى اسلوب الصدمة في اتجاهين، الاول عن طريق الفكر الجديد واسلوب ومنهج طرح هذا الفكر،الامر الذي دعى اصحاب الفكر التقليدي لشن هجوم شرس عليه، وسنتطرق الى هذه الهجمة من خلال حديثنا عن فكر الشهيد الصدر ولو بشكل مقتضب، لاننا لا يمكن الاحاطة بفكر الشهيد الصدر في هذه العجالة .

 كان فكر الشهيد الصدر الصدمة الكبرى والصعقة التي ايقظت الامة واعادت اليها وعيها وانتباهها.

 والاتجاه الثاني الذي سلكه الشهيد الصدر ليصعق الامة ويعيد اليها وعيها، اقدامه على الشهادة باختياره وبقناعة تامة منه تأسيا بجده الحسين (ع) عندما اقدم على الشهادة مختارا من اجل صعق الامة، الشهيد الصدر اقتنع ان شهادته هي من سيحّرك الشعب العراقي وتدفع باتجاه اسقاط النظام، فأينعت ثمار دماء الشهيد الصدر، ومعه دماء الشهداء الاخرين، باسقاط النظام في 9 نيسان 2003، وشاءت الارادة الآلهية اكراما للشهيد الصدر ان يكون سقوط عرش القاتل في نفس اليوم الذي اقدم فيه على اعدام الشهيد الصدر، وبأمر من احد تلاميذ مدرسة الشهيد الصدر السيد نوري كامل المالكي رئيس وزراء العراق، بعد ان تنصل الاخرون عن توقيع امر اعدامه .

بدأت مواهب السيد الشهيد تتفتح منذ صغره، ومن هذه المواهب موهبته الفكرية،اذ كان فقيها ومفكرا ومن النادر ان تجد الفقيه المفكر لأن الجمع بينهما من الامور الصعبة والتي تحتاج الى مؤهلات وتضحيات، لان مواضيع الفكر من الامور التي تحط من قيمة المجتهد في عرف التقاليد الحوزوية التقليدية المتوارثة، فالتفسير مثلا الذي هو من المواضيع الفكرية القرآنية يفترض ان يكون هو الاقرب الى المجتهد لكن المجتهد المفسر يُعتبر غير مقبول ضمن اعراف التقاليد الحوزوية القديمة وأرى ان هذا الرفض معناه رفض لحركة الفكر ورفض لحالة التطور، والجمود على المسلمات الفكرية القديمة.

 روى الشهيد المطهري هذا الخبر عن السيد الخوئي (رحمهما الله تعالى) أن احد الرجال الفضلاء من ايران سأل السيد الخوئي هذا السؤال (لماذا تركت تدريس التفسير الذي كنت تدرسه في السابق؟ فأجاب ان هناك موانع ومشكلات في تدريس التفسير، فقلت له: ان العلامة الطباطبائي مستمر في دروسه التفسيرية في قم، قال السيد الخوئي: ان الطباطبائي يضحي بنفسه، أي ان الطباطبائي قد ضحى بشخصيته الاجتماعية). هذا موقف الحوزة من المفسر، فكيف يكون موقفها من العالم المفكر المتنوع المواهب وصاحب نظريات في الفلسفة وعلوم اخرى؟!

الفكر مصدره العقل، فهو نشاط محسوب للعقل، والفكر قد يكون فكرا اسلاميا او غير اسلامي، الفكر غير الاسلامي في أي مجال من مجالاته، من انتاج العقل غير المسلم ويعتمد على الفكر السابق له نقدا او رفضا او تطويرا او اصلاحا ..الخ صفته الاساسية انه فكر وضعي، من ابداع الانسان وابتكاراته، اما الفكر الاسلامي فأنه يختلف عن الفكرالوضعي، الفكر الاسلامي هو فهم العقل للنصوص الاسلامية المقدسة وهما القرآن والسنة الموثقة، الابتكار في الفكر الاسلامي هو انتاج فهم جديد لهذه النصوص المقدسة، وهذا الفهم ايضا خاضع للتطور حسب الزمان والمكان اذن النصوص ثابتة وباقية حية بحيث تعطي فهما جديدا للمفكر الاسلامي يتناسب مع عصر ومستوى التطورالذي يعيشه المفكر، السيد الشهيد اطلق اسم (منطقة الفراغ) على المتغير في الفكر الاسلامي، فهناك المقدس الثابت وهي النصوص المقدسة وهناك المتغير، وهو الفهم لهذه النصوص كل حسب طاقاته في الزمان والمكان السيد الشهيد تعامل مع النصوص المقدسة، ففهم منها مالم يفهمه الاخرون في عصره، طرح نظريات عصرية حديثة في الاقتصاد الاسلامي والفلسفة والتفسيروفي الفقه ايضا، مما اثار غضب التقليديين في الحوزة وعدوا ذلك خروجا من الصدر على الاعراف الحوزوية المتوارثة .

 نحن لا ندعى القداسة لفكر الشهيد الصدر، لأن الفكر هو من انتاج العقل البشري سواء كان فكرا اسلاميا او غير اسلامي و يحتمل الصح والخطأ،والخطأ الذي يمكن ان نتوقعه في الفكر الاسلامي هو في فهم النصوص وليس في النصوص ذاتها، لأن النصوص مقدسة كونها من الله تعالى اومن المعصوم، وهذه ميزة ينفرد بها الفكر الاسلامي فقط، وهذا يعني ان لا قداسة للفكر بصورة عامة لانه انتاج بشري، وكل انتاج بشري فيه الصواب وفيه الخطأ، كذلك لايمكن ان نغفل عن تأريخية أي فكر فالفكر البشري لابد وان يمثل مرحلة تأريخية معينة، لها ظروفها وخصوصيتها .

السيد الشهيد ظهر في عصر هو في حاجة اليه، سيما وان الاسلام يتعرض لهجمة شرسة، سواء من الخارج من الفكر المعادي للاسلام تأريخيا، او من الشباب المسلم الذي وقع في اسر الانبهار بالفكر الغربي، وعاش مرحلة التغريب الفكري، لعدم وجود الفكر الاسلامي الجديد الذي يلبي طموح هؤلاء الشباب،ويملأ الفراغ الذي يشعر به هؤلاء الشباب، الشباب المسلم وصلوا درجة من التغريب بحيث بدأوا يطعنون بالفكر الاسلامي، وبالدين ككل، وعدوه دينا او فكرا رجعيا لا يساير العصر الحديث بما فيه من تطور سريع في كافة المجالات والعلوم العلمية والانسانية وصدرت دعوات للحجز على الدين في اماكن العبادة فحسب، حتى جاء الشهيد الصدر الذي قلب المعادلة وغير من الافكار التي تبناها الكثير من الشباب لعدم وجود الفكر الاسلامي الحديث، فكان وجود الشهيد ضرورة العصر التي غيرت الكثير من النظرة المتخلفة عن الدين والفكر الاسلامي،وبسبب موقف الشهيد الصدر هذا تعرض للهجوم من داخل الوسط الحوزوي التقليدي الذي يريد ان يواجه العصر بمتبنياته القديمة، موقف التقلديين في الحوزة هذا اشبه بموقف مقاتل يحمل سيفا بوجه دبابة مدرعة حديثة .

كان الشهيد الصدر بفكره الجديد شاهد العصر وحاجته، اذ غير اسلوب ومنهج التعامل مع النصوص المقدسة، فأنتج فكرا جديدا يواكب عصر العلم والتقدم،ونحى منحى حديثا للفكر الاسلامي، قال السيد محمد حسين فضل الله وهو يتحدث عن دورالشهيد الصدر في هذا الخصوص (كان يعيش التطلع الى الاعلى وهاجس اكتشاف الجديد في الفكر والموقع والحركة، كان يريد للساحة ان تهتز وللحوارات ان تتسارع، وكان يشعر ان الزمن لا ينتظر، لأن التحديات كبيرة في ساحته) .

قال الامام الصادق (ع) (العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس) يفسر الشهيد مطهري قول الامام (أي من عرف زمانه وفهمه وادرك خفاياه لم تفاجئه الامور المشتبه بها والمحيرة) ارى ان الشهيد الصدر هو من عرف زمانه وادرك خفاياه ولم تفاجئه الامور المشتبه بها والمحيرة، بل اتخذ موقفه الصحيح منها .

كان الشهيد الصدر يتمتع بذكاء كبير، مكّنه من نيل درجة الاجتهاد وهو لم يصل سن البلوغ بعد، يقول عن نفسه (عندما بلغت سن الثامنة عشرة من العمر كان الفقه في يدي ينصاع كما تنصاع العجينة في يد الخباز)، امكاناته وذكاؤه مكّناه من الخوض في اصعب المسائل العلمية، سأله السيد كمال الحيدري (لوسألكم احد كيف صار محمد باقر الصدر ؟، فأجاب ان محمد باقر الصدر 10 % مطالعة و90 % فكرا) كان يقول : (مادمت مستيقظا وغير نائم فأنا مع الكتاب .. فالكتاب كان يعيش معي وأعيش مع الكتاب) .

السيد الشهيد كان صاحب منهج فكري متميز، نستطيع ان نذكر بعضا من ملامح منهجه الفكري، بشكل نقاط :

1- اعتمد منهجه الفكري على النقد، نقد الذات اولا لا من اجل التسقيط،او الانسلاخ من الذات والوقوع في التغريب مثل ما يجري لبعض المفكرين، بل من اجل الاصلاح والتقويم مع اعطاء البدائل، ولم ينتقد الذات فحسب بل انتقد الاخر نقدا علميا موضوعيا من اجل الوصول الى النظرية الصحيحة، وبذلك يكون الشهيد الصدر قد اسس للنقد المتوازن العلمي والموضوعي، من اجل الوصول الى النظرية السليمة التي تحفظ القيم الاسلامية، وتستوعب وتتقبل المعارف الاخرى، من أي مصدر كانت وسواء كانت علمية او انسانية .

2- دعا الى الكلّية وعدم الاعتماد على التجزيئية، فقد انتقد ما اسماه الفقه الفردي او الانكماشي، كما دعى في مجال التفسير الى التفسير الموضوعي  كما دعى طلاب الحوزة لدراسة الفلسفة والتأريخ والاجتماع والسياسة وفق النظريات الحديثة، وباسلوب جديد، يقول حسن حنفي احد المفكرين الاسلاميين (محمد باقر الصدر اعطى النظرية، وعرض نموذجا تطبيقيا للسنن التأريخية وعناصر المجتمع، وليت تلاميذه استمروا في تراثه) .

3- دعا الشهيد الصدر في منهجه الفكري الى العملية وعدم الاكتفاء بالنظرية خاصة في الجانب التوعوي والجانب السياسي وبناء الفرد، فوجد من الضرورة في تلك الظروف تأسيس حزب اسلامي يعي ظروف المرحلة ويكون قوي الايمان وقادر على التضحية والمواجهة، فكان انبثاق حزب الدعوة الاسلامية، بدعم مباشر منه، وبدعم خفي من المراجع في ذلك الوقت خاصة المرجع السيد محسن الحكيم (رض)، والسيد الخوئي (رض) كذلك اتجه السيد من اجل نشر الفكر والوعي الاسلامي لانشاء او المساهمة في بعض المؤسسات الاعلامية والثقافية،والمشاريع الاخرى التي تخدم في مجال نشر الوعي الاسلامي السليم .

4- اتصف منهجه الفكري بالحداثية، وتعامل بلغة واصطلاحات العصر ودعى العلماء للنقاش العلمي ومقارعة الحجة بالحجة، بدل الشتائم والتجريح والتسقيط، لذا فأنه اعترض على احد العلماء الايرانيين الذي زاره في النجف عندما انتقد المفكر الايراني علي شريعتي وقال له : (ان الدكتور شريعتي يمتلك قدرة بيانية عالية، ويستعمل مفردات وامثلة حديثة ومن واقع المجتمع يفهمها الناس ويتفاعلون معها وخاصة الشباب، ان طالب العلم في الحوزة يقرأ كتبا الفت قبل فترات زمنية عن زماننا بعضها قبل مئات السنين، لهذا فأمثلتها ومفرداتها قديمة وبعيدة عن فهم وجذب الشباب، الذي عادة يتطلع الى الحديث والجديد، لهذا يكون تأثيركم على جيل الشباب ضعيفا، في حين الدكتور شريعتي يستعمل اللغة الحديثة والجذابة بالاضافة الى قدرته الفكرية فكيف تدخلون في صراع نتيجته خاسرة مسبقا) .

توجيه السيد هذا له اهميته الكبيرة، اذ نرى العلماء التقليديين يحصرون تفكيرهم ومناصبتهم للمفكرين الاسلاميين اصحاب الافكار الجديدة التي هي حتما ستطور الوضع الداخلي للمسلمين، ويتركون اعداء الاسلام الحقيقيين من خارج الرقعة الاسلامية، وهذا الموقف له دخل كبير في تعويق تقدم المسلمين، لان من يدعي العلمائية يقف عدوا مناصبا لكل مفكر اسلامي مجدد، والسيد الشهيد كان احد ضحايا هذا التوجه الخاطئ والمتخلف، اذ ان منهجه الفكري الجديد جلب له الكثير من الاذى والمضايقات والاتهامات الباطلة، ومن اقرب الناس اليه خاصة طلاب الحوزة العلمية، وحواشي المراجع في عصره، اما حسدا او جهلا او سوء تقدير او تخلفا، كذلك تعرض طلابه للضغط والمضايقات واحيانا للابتزاز هذه الحملة الظالمة المضادة للسيد الشهيد لم تثنه عن هدفه ومشروعه، لكنها سببت له الضيق والالم والحسرة، لدرجة انه قال (ما لقيته من اهل العلم اشدّ مما لقيته من حزب البعث) .

روى السيد احمد العاملي في كتابه ذي الاجزاء الخمسة (محمد باقر الصدر السيرة والمسيرة) الكثير من هذه الاحداث، لدرجة ان البعض من هؤلاء تآمر عليه مع الحكومة الظالمة لقتله وقال احدهم لمدير امن النجف (ماذا تنتظرون بالصدر، هل تريدونه خمينيا ثانيا في العراق ؟! لماذا لا تعدمونه ؟!)

سمع الشهيد الصدر بهذه الوشاية الوقحة الحاقدة فقال (غفر الله لك يا فلان، ان قتلوني اليوم قتلوكم غدا)، يقول احمد العاملي (ان احد اسباب الحملة ضده تعاطيه الفلسفة) (والبعض كان يمسك كتاب – اقتصادنا – من وراء العباءة كي لا يمسه بيده) .

هذا العقل المتخلف الذي يعتبر التعاطي مع الفلسفة عيب، والبحث في النظريات الاقتصادية نجاسة، هذه العقول المتخلفة هي التي كان يريدها صدام ويتعامل معها، لانها هي من تعطيه الشرعية للظلم والعبث بأموال الامة وقتل ابناء الشعب العراقي، هذا الدين الذي تبحث عنه امريكا ويبحث عنه اعداء الاسلام الدين الذي يعطي الصورة السيئة والمشوة عن الاسلام، واليوم هذه العقول المتحجرة الممثلة بابن لادن والزرقاوي ووعاظ السلاطين في قطر والسعودية من امثال القرضاوي، هم من يريدون تمثيل الاسلام، ليعكسوا للعالم الحديث صورة سيئة متخلفة عنه تخدم الكيان الصهيوني وتكرس احتلاله، اما اسلام محمد باقر الصدر فأنه محارب، ونرى اليوم الهجمة الشرسة من الفكر المتحجروالطائفي في المنطقة على العراق.

 وخير ما مانختم به حديثنا عن الشيد الصدر هذه القصة القصيرة التي نقلها الشهيد مرتضى مطهري (رض) فيها دلالة وحكمة وعبرة: (كان احد اصدقائنا يقول .. عندما كنت صغيرا .. كنت ارى الاطفال يتجمعون حول القطار عندما يتوقف،وكانوا ينظرون اليه ولسان حالهم يقول: ما هذا المخلوق العجيب ؟! وكان واضحا انه يحتل في قلوبهم مكانة ومنزلة، مادام متوقفا فقد كانوا ينظرون اليه بعين التعظيم والتكريم والاحترام والاعجاب، ولكن عندما تحين ساعة الانطلاق يأخذون بالهرولة الى جانبه ليرشقوه بالحجارة، وكنت اعجب لهذا الامر وأتساءل : اذا كان لا بد من رميه بالحجارة، فلماذا لا يرمى وهو ساكن؟! واذا كان جديرا بالاحترام فلماذا لا يكون له ذلك وهو يتحرك؟!

لقد بقي هذا الامر بمثابة اللغز بالنسبة لي، الى ان كبرت ودخلت المجتمع، حيث وجدت ان حياتنا تخضع لهذا القانون المطرد، فأن أي شخص وأي شئ، طالما هو ساكن فهو محترم وطالما هو صامت فهو معظم ومبجل، ولكن بمجرد ان يتحرك يصبح بلا معين، بل يصبح مرمى للحجارة) .

وقد خضع السيد الشهيد في حياته لهذا القانون لانه كان متحركا في كل الاتجاهات حيث واجه هذه الهجمة الشرسة من النظام البعثي الدموي، وكذلك من ذوي القربى وقد كانت اشّد مضاضة، واجهها بصبر واناة، كان ظلم ذوي القربى اكثر الما عليه من ظلم البعثيين، كان يقول وهو متألم من ظلم ذوي القربى:

 (ان محاربة امريكا وروسيا باساطيلهما اهون عليّ من بعض عمائم السوء) وفي بعض المراحل وصل الجزع عنده لدرجة انه كان يتمنى الموت (لمَ لا يعاجلني الموت ويريحني)، هذه معاناة السيد الشهيد التي دفعها ضريبة لمنهاج فكره الجديد،واخيرا قدم دمه الطاهر ومات شهيدا من اجل الاسلام والوطن عوضه الله تعالى في جنات النعيم .

 

علي جابر الفتلاوي

 

............................
الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 2408 الثلاثاء 09 - 04 - 2013م)

التعليقات (3)

  • رضا سلطان

    تبليغ

    مع جُل إحترامي لشخصكم الكريم ، لكني لستُ متفقاً معك في وصف مفهوم الشهادة على إنه إقدام من الفرد ، كما قلت : إن الشهيد الصدر وتأسياً بجده الحسين وهذه كما ترى مغالطة تاريخية ومنهجية ، وهي خلاف منطق الأشياء التي فعلها الإمام الحسين وسار بها وتبناها ، فهو عليه السلام لم يقدم على الشهادة كعنوان أولي بل جاءت إليه الشهادة بعد عناد وإصرار المجرمين على قتله ، الشهادة ليست هدفاً يسعى له المصلحون بل الهدف عندهم هو تحقيق العدالة ولهذا يسيرون بالناس ويدعون للخير ، وحبذا أخي العزيز لو تقرؤن التاريخ على نحو موضوعي غير سجالي ، أعني قراءة التاريخ كما يقرأه الأصولي تحقيقاً في السند والدلالة ، وستجدون حينها إن الإمام الحسين وكذا الشهيد الصدر لم يختاروا الشهادة هدفاً وطريقاً بل ذهبوا دعاة للإصلاح وللعدالة وللحرية ، حبذا اخي الفاضل التجرد شيئاً ما عن ضغط العاطفة ومايردده أهل المنابر والخطباء ، وتلك هي المهمة التي نحيي من خلالها ذكرى الشهيد الصدر بنوع من الثقافة والوعي الرصين .. تقبل إحترامي وشكري

  • علي جابر الفتلاوي

    ردا على : رضا سلطان تبليغ

    الاستاذ الفاضل رضا سلطان المحترم السلام عليكم شكرا لمروركم الكريم وان من يختار الشهادة هم قادة الامة ، والحسين اختارها لأنه وضع بين خيارين اما الشهادة او مبايعة يزيد الظلم ، ومصلحة الاسلام برفض بيعة يزيد لذا اختار الامام الشهادة على مبايعة يزيد ،كذلك الشهيد محمد باقر الصدر وضع بين خيار الشهادة وبين الغاء فتوى حرمة الانتماء لحزب البعث الدموي والتهجم على ايران ، فاختار الشهادة ، وليس كل انسان يختار الشهادة ، واخيرا اقدم لك تقديري واحترامي

  • جاسم النجفي

    تبليغ

    جزاكم الله خيرا

أضف تعليقا

معلومات إضافية