حوار مفتــوح

المثقف في حوار مفتوح مع الكاتب والسياسي موسى فرج (18)

ali alabudiخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة عشرة من الحوار المفتوح مع الكاتب والسياسي موسى فرج، وفيها يجيب على سؤال الكاتب والأديب علي العبودي.

 

 

علي العبودي: كاتب وأديب / العراق

س 81: علي العبودي: نحن ندعي من خلال شعاراتنا كوننا ضمن دائرة الإيجاب والنزاهة أنا اقصد كل فرد منا يستطيع أن يكون نزيها وسط هكذا هالة من السلطة وهل يستطيع كل فرد يصل إلى مواقع رئاسية ونافذة أن يحكم بالعدل أم أن هناك أسباب تجعله وسط الالتفاف حول حجج كما يفعله كل مسؤول ويبرر ما يفعله ولا يلتزم العدالة أو القدرة على استقرار كل شيء أهي نزعة عاطفية أو واقع تفرضه قيود الحكم أو السلطة علما أننا أهل بداوة ونحب التسلط وهي سايكولوجية موروثة ؟؟؟..

ج81 : موسى فرج: تحية طيبة للأستاذ العزيز الكاتب والأديب علي العبودي ..سؤال مركب و جوهري.. يفترض أن يوجهه كل إنسان سوي إلى نفسه ..أما غير السوي فلا حاجة به إلى طرح هكذا سؤال على نفسه ولا للإجابة عليه ..فالإنسان هذا المخلوق المدهش الذي يتربع على قمة هرم المخلوقات وحباه الله بكل ما هو متميز وانتدبه ليكون خليفته في الأرض لكن هذا التميز له جانبه المعتم أيضا فقد وصف الإنسان بأنه الحيوان الوحيد الذي يكذب .. (بالمناسبه: اعتذر من القارئ الكريم إن ورد خطأ في الأسماء أو نصوص الاقتباسات لكني أتعهد بالجوهر ..ومرد ذلك هو أنني وفي مراحل الشباب وبداية توجهي للدخول في مضمار الأدجلة والتسييس كنت شأن أترابي أضع خطوطا تحت العبارات المهمة مما أقرأ لكني وجدت نفسي مغال في ذلك فقد وجدتني أضع خطوطا تحت كل ما أقرأه ..! حتى أن الكتاب أو الجريدة تجده بعدي (أمصخم) بالخطوط فاستغربت فعلي هذا وسألت نفسي: لم تفعل ذلك ..؟ إذا كان الأمر يتعلق بتمييزه عن غيره ..؟ فلم يعد التمييز ممكنا ..وان كان بسبب الأهمية فيمكن أن تكتب على غلاف الكتاب أو الجريدة ..مهم .. وأبوك الله يرحمه .. فأقلعت عن تلك الحالة ولم اعد أتقيد بالأسماء أو حرفية النصوص وإنما المهم .. الجوهر ..) نعود .. فإذن الإنسان الذي خلقه الله بأحسن تكوين ..لكنه ينفرد بصفة كونه الحيوان الوحيد الكاذب .. والكذب يختلف عن التظاهر فالواوي يتظاهر بأنه ميت وينفخ بطنه ويفتح فاه ويستجلب الذباب ليحوم حوله لكنه عندما يتأكد من زوال الخطر يعود إلى وضعه الطبيعي وهذه تقية مشروعه، والتقية مارسها حتى الأنبياء وإلا ما معنى أن يضعون موسى في (كفه مسيسه بالشط وأخته تباريلها ..؟ هذا يعني أن ألشيعه ليسوا وحدهم عندهم تقيه ..لكن التقيه وحّد والدجل وحّد ..! والتقيه وحّد والكذب وحّد..!) , الحرباء والضفدع يغيران ألوانهما عند الضرورة هذا تظاهر لكن الكذب أمر مختلف وهو اختصاص بشري بامتياز .. والكذب أن يقول المرء شيء ويظهر غير ما يبطن أو أنه يقرر أو يقول أمرا ويفعل غيره .. ولذلك يقال في الأوساط الشعبية أن كل الموبقات يمكن التسامح فيها إلا الكذب ..وهذا هو جوهر سؤالكم أستاذ علي العبودي وطبعا يوجد من هو اقدر مني لسبر أغواره وخصوصا علماء النفس ..أما أنا ..؟ فسيكون جوابي محصورا بالجانب العملي .. يقال أن صديقان دلفا إلى مكتبة لبيع الكتب فاقتنى احدهما كتبا وجرائد وبالغ في الأمر في حين لم يفعل الآخر ولم يقتني لا كتابا ولا جريدة فعاتبه زميله وسأله: لم لا تقتني كتبا ..؟ فقال له: لقد قرأتها جميعا ..كيف ..؟ قال: هي جميعا تدعو للفضيلة والخير ..ولكن من يلتزم بها ..؟.. طبعا هذا فهم مبتسر للأمور .. فليس كلها تدعو إلى الفضيلة إنما تغلف مراميها بتلك الأغطية كي تمرر دون أن تصطدم بثوابت باتت من مسلمات البشر.. فعندما يستهجن علماء الدين اليهود القتل والربا والزنا في أوساطهم لكنهم يبيحون لأتباعهم ممارسته مع غيرهم من الأقوام ..فأي فضيلة في ذلك ..؟ وعندما يتغنى قومي عنصري بقوميته في هوس لكنه يحتقر بقية القوميات ويسعى لأن تسود قوميته على بقية البشر فأي فضيلة في ذلك ..؟ وعندما يصف الطائفي طائفته وحدها بالناجية وان مصير الـ 7 مليارات إنسان الآخرين في الدرك الأسفل من جهنم فهو ليس عاقلا وهو بهذا يتطاول و يتجنى على الله سبحانه وليس على البشر فقط .. فلو سألته عن مساحة الجنة فانه يسارع إلى الإجابة بأنها وسع السموات والأرض .. فان كانت جماعته هم الفرقة الناجية والجنة مخصصة لهم وحدهم فلماذا لم يجعلها الله على.. كدهم غرفتين وهول ..؟ هل تعقلها أنت أستاذ علي أن جوليانا جولي مصيرها النار والذي يحرض على الكراهية مثواه ألجنه ..؟ أنت تعقلها أستاذ علي ..أن الأطباء بلا حدود مصيرهم النار والحراميه مآلهم ألجنه ..؟ شنوا ألجنه خان أجغان ..؟ .. ألم يميز الله بين المنافق الذي جعل من سجاياه انه إذا قال كذب وإذا وعد اخلف وان اؤتمن خان وبين المؤمن والنبيل الذي إن قال صدق وان وعد أوفى وان اؤتمن حفظ..؟ هذا هو جوهر سؤالكم: الافتراق بين ما يقوله البشر وبين ما يفعله في الميدان ..؟فلنناقش أولا موقف الجماعات والأحزاب ومن ثم على المستوى الفردي .. 1 . الأحزاب والجماعات: المصيدة الأخلاقية التي تقع فيها الأحزاب هي السلطة فالسلطة هي العَبْرَه (المعبر) التي ينكشف فيها أبو كريوه كما في أمثلتنا الشعبية .. فعندها ينكشف الغث والسمين والصادق والدعي والنزيه وبياع الكلام.. لا شك انك سمعت بفحوى الدعاء القائل: اللهم لا تدخلني في التجربة فلو حصل وأني كنت أملأ أسماعك باني الصديق الحميم الوفي الشهم.. فان انطباعك هذا عني سيستمر ولكن إن حصل وجمعتني الصدفة بك وأنت في مأزق فان تلك اللحظات تكون الحد الفاصل لذلك الانطباع فإما أن يستمر ويتعزز أو ينقلك إلى ضده ..ولذلك يتحاشى صاحب الدعاء التجربة في حين أن المقدام والصادق والمخلص يتمناها ليثبت لنفسه وللآخرين بأنه حقيقي ويتطابق القول والفعل عنده.. وليس متهافتاً للبحث عن المعاذير.. . المنطلقات الفكرية والأيدلوجية تشكل ديونا واجبة السداد على الأحزاب بل صكوك موقعة ومختومة واجبة الأداء من قبل الحزب للناس حال توليه السلطة وطبعا يوجد فرق بين مجرد مدين متلكئ أو معسر وبين مدين يعطي صكوك بلا رصيد.. في الحالة الأولى يمكن تقسيط الدين أو تأجيل سداده في حين أن الحالة الثانية فعل جرمي تترتب عليه عقوبات جزائية.. .

 خلال الـ 48 ساعة الماضية لفتت انتباهي 3 أخبار: .

 الخبر الأول: يقول ان وزارة المالية العراقية أحبطت محاولة سرقة 7 تريليون دينار عراقي (حوالي 6,5 مليار دولار وهي تعادل موازنة دولة الأردن الشقيق ..) من خلال تزوير تواقيع لمسؤولين في وزارة المالية والأمانة العامة لمجلس الوزراء ..لكن وزارة المالية لم تعلن الأسماء ولن تعلن ولا تحيل الأمر إلى هيئة النزاهة وهذه الأخيرة حتى لو أحيل الأمر لها فان يدها وإرادتها مغلولة والقضاء أيضا ..فهل أن هذا من سمات الحكم الصالح ..؟...

 الخبر الثاني: أن أعضاء في البرلمان المصري تقدموا بمشروع قانون لتشريعه اسمه: قانون مضاجعة الوداع.. ويقضي بمضاجعة الزوج لزوجته المتوفاة خلال 6 ساعات من انتقال روحها إلى بارئها.. الله لا ينطيكم يالمسلمين.. إذا كانت النطيحة والمتردية أكلها حرام.. اشلون يصير مضاجعة الميته ..؟..بعدين .. خلصت مشاكل الشعب المصري وما بقت .. بس هاي ..؟ ما هو رأي أبطال .. ثورة الربيع العربي وشم النسيم بمصر..وحرب الجمل بمصر.. هل أنهم كانوا يتوقعون أن ينتهي ربيعهم ..إلى هذا المصير ..؟.. . الخبر الثالث: أن إحدى عضوات مجلس النواب لعراقي شنت هجوما على الحكومة بسبب تلكؤها في السماح بإطالة لحى العسكريين في حين أن جنس واسم النائبة لا ينسجمان مع تلك المطالبة.. ولماذا هي حايره بلحاهم..؟.. بعدين الوالد عندما اختار لها هذا الاسم وسماها إنجيلا .. الله عليك كان الوالد يطول لحيته ..؟.. أم أنه أرادك ثوريه مثل إنجيلا ديفيز ..؟ بعدين يا بنيتي هل أن مضمون المطالبة وموضوعها يشكلان الأولوية في قائمة المعضلات العراقية..؟.. عندك 9 ملايين عراقي تحت خط الفقر..ألم يشغلوا تفكيرك الغض فانشغل بإطالة اللحى ..؟ .. .

 في ضوء ما تقدم من أمثلة على ترهات قومنا فأنا على يقين أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه (ألصدك) أجمعين .. لو كان يعلم أن دعوته تنتهي بمضاجعة الوداع، وبتحريم جلوس المرأة على الكرسي، وبرضاعة الكبير، واعتبار إطالة اللحى أم المطالب في العراق ..؟ لقال لربه: رب أعفيني من هاي ألشغله وشوف غيري..ربي آنا وراي شمّات .. وهذولا اللي موديني عليهم أكثرهم حنقبازيه وما تصير الهم جاره .. أنت شتكول أستاذ علي العبودي ..؟.. .

 هذه القضايا الثلاث يمكن اعتبارها مجرد أمثلة تؤشر مدى افتراق سلوك الأحزاب في الميدان مع ما نادت به قبل وصولها الى السلطة من قبل إقامة العدل في الأرض وتحقيق الرخاء والمساواة وإقامة الحكم الصالح .. .

 2 . الأفراد: على مستوى الفرد .. العراقي بشكل خاص مولع بالسلطة كما ذكرت بالضبط، حتى أني أشرت في مناسبة أخرى إلى انك لو أجريت استفتاءا بين موظفي دائرة معينة مثلا وخيرت الموظف بين مخصصات شهرية مقدارها ضعف راتبه الحالي في وظيفته الحالية وبين أن يكون مديرا فان معظمهم يختار وظيفة مدير على تلك المخصصات وحتى على افتراض انه لا يحقق مكسب مالي غير مشروع من جراء وظيفة مدير لأن العراقي يرى في ذلك تميزا عن الآخرين وهو مجد بالنسبة له، في حين أن العلم يقول غير ذلك .. العلم يقول: أن حاجات الإنسان مرتبة بشكل هرم.. قاعدة الهرم تمثل الحاجات الحياتية وتشمل المأكل والملبس والسكن والعلاج والماء والكهرباء والنقل والتعليم .. الخ.. من الحاجات ذات المساس المباشر بحياته اليومية، أما المنطقة الوسطى من هرم الحاجات فإنها تنطوي على القبول الاجتماعي فقبول الفرد ضمن مجموعته حاجة أساسيه .. فالإنسان حيوان اجتماعي بطبعه .. في حين أن قمة الهرم في حاجات الإنسان هي تأكيد الذات وهي الخلود ..بمعنى إطالة عمر الإنسان لعمره الزمني ولمدى أبعد من خلال صفات و منجزات متفردة مثل الاستقامة والنزاهة والمبدئية والشجاعة أو المنجز العلمي أو الثقافي أو الفني ..

 

 العلماء يضعون شرطا لتسلق هذا الهرم يقول بأنه من غير الجائز حرق المراحل .. إنما لكي ينتقل الإنسان من طبقة إلى طبقة أخرى في هرم الحاجات لابد أن يمر من خلالهن تباعا، ولا يجوز أن ينتقل إلى الطبقة اللاحقة إلا بعد إشباعه حاجاته من الطبقة الأدنى .. فالحاجات الأساسية أولا وعندما يشبعها يفكر بـ وينتقل إلى الطبقة الثانية من الحاجات وهي حاجات القبول الاجتماعي وعندما يشبعها يفكر بـ ويسعى إلى قمة الهرم وهي تأكيد الذات .. هذه قاعدة عامة في العالم لا يشذ فيها البشر سواء كانت بشرتهم حمراء أو سوداء أو صفراء .. إلا العراقي .. فهو يقفز من الأرض إلى قمة الهرم مباشرة .. ربعنا واحدهم بعده بالكماط وراسه يرعص مثل الجيجلاوه..ويتلمظ على الرئاسه .. يابه مو قاعدة الهرم مهمه .. يقول لك: مادام كهوه وتتن موجود .. كل الأمور تهون .. يابه: التواصل والاندماج مع الجماعة مهم .. يرد عليك بما قاله جده: إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابرة ساجدينا ..! وهنا بيت القصيد أستاذ علي .. فهو عندما يريد الرئاسة فانه يريدها لا لكي يستخدمها في تحقيق النفع العام للناس إنما لكي يخروا له ساجدينا ..! في حين انك تعرف بان الناس ولدتهم أمهاتهم احرارا كما قالت العرب .. فيحقق حلمه في الخلود، والبعض يذهب به الحمق ليسرق الخلود سرقه . فصدام مثلا نبش آثار بابل واستبدل الطابوق بطابوق كتب عليه اسمه ..! لكن ربك يمهل ولا يهمل.. فقد فازت صورته التي تصوره وهم يخرجونه من الحفرة المعروفة بالجائزة الأولى من بين صوره وباتت هي الهوية التعريفية له في قادم الزمان.. ولكن هل يتعض الحمقى ..؟ أبداً .. .

 ولذلك تجد العراقيين الذين يتوجهون إلى وظائف بحثية قليل جدا.. كم عراقي حصل على نوبل بالفيزياء..؟ بالكيمياء..؟ بالطب ..؟ هو حتى المشتغلين منهم في المجالات العلمية الصرفة .. بس يصير بأظافره طحين عينه تروح على منصب مدير أو وزير .. وهذه النزعة مغروسة في تكوينه السايكولوجي وهي من موروثات البداوة .. لكن ألا توجد نظرية اسمها نظرية التطور .. أم أن هذه النظرية لا تنطبق على العراقي ..؟ طبعا أنت تعرف أستاذ علي أن المدير هو الذي ينجز المهام من خلال الآخرين ومتى ما أنجزها من خلاله هو فقد خرج من خانة المديرين إلى خانة التنفيذيين سواء كان ذلك في العسكر أو في الجهاز الإداري الحكومي أو المجال الاجتماعي نزولا إلى العائلة .. بالله خذ ورقه وقلم واحسب كم من العراقيين ينجز المهام من قبل الآخرين.. يعني قادة..؟ وكم تنفيذيين ..؟ أراهنك انك ستجد أن ثلاثة أرباع العراقيين ..قاده ..! وهذا مخالف لطبيعة الأشياء.. فهل سمعت يوما أن خلية للنحل ثلاثة أرباع المستعمرة فيها ملكات وربع شغالات ..؟ والشغالات يوم العمل بالنسبة لهن ليس 8 ساعات وإنما 24 ساعه ..! يصير ..؟ العراقي إذا مو رئيس لازم نائب وتشوف عندنا سريه نواب رئيس وإذا مو رئيس وزراء .. 24 ساعه صاكر الدنيا يريد يخمط المنصب من صاحبه وصياحهم كناره مثل الشرايج ..يابه رئيس وزراء واحد ..؟ لا .. انطوني من صلاحياته ..! وإذا مو رئيس وزراء نائب رئيس وزراء وعدد نواب رئيس الوزراء فوج .. الوزراء عدنا جحفل ولو حسبت عدد الوزراء من يوم تأسست الدولة العراقية الحديثة لحد عام 2003 فان المجموع يقل عن عدد من تم استيزاره خلال البضعة سنوات التي أعقبت عام 2003 ..موضوع انه يتنصل عما وعد به الناس عند تسلمه المنصب ويتحول إلى قنطرجي مال مناصب ووظائف هذا وارد جدا .. وسببه كونه غير نزيه ولأن الشعب ليس له سطوه .. لكن هل أن جميعهم على هذه الشاكلة ..؟ طبعا لا ..فان فيهم ذوو المبادئ وفيهم النبيل لكنك تعلم أن رأس البصل التالف يخرب كونيه بصل .. .

 ـ هل يستطيع أن يكون نزيها وسط هكذا هالة من السلطة..؟.. نعم يستطيع ولكن لن يستطيعوا كلهم إنما فقط ذلك النمط من الناس الذي يرى نفسه اكبر من تلك المناصب وهؤلاء موجودون فتكون الهالة عنده ذاتية ومن الداخل .. انقل لك شيئا من التراث: لابد انك سمعت أن الانكليز قد احتلوا العراق عام 1917 .. في تلك الحقبة لم تكن وسائل النقل الجماعي ولمسافات طويلة جدا مثل الحال اليوم وكان الانكليز منتشرون في اغلب بقاع العالم , لهذا السبب فقد كانوا يستعينون بالهنود وأيضا العراقيين للقيام بالمهام الثانوية والخدمية مثل الحراسة والخدمة , وكان احد الضباط الانكليز في خيمته في حين يقف على باب الخيمة حراس عراقيون وكان الفصل شتاء والدنيا باردة والوقت ليلا والكابتن (النقيب) الانكليزي يكتب رسالة إلى زوجته وأنت تعرف بان الأوربيون وخصوصا منهم الانكليز يتعاملون مع الكلاب بغير الأسلوب الذي نتعامل به نحن معها , أثناء كتابة الكابتن لرسالته انتبه إلى كلبه فوجده يرتجف من البرد فنهض الضابط ووضع قمصلته التي تحمل الرتبة على الكلب ليدفئه وعاد يواصل كتابته رسالته إلى زوجته , بعد لحظات وبينما كان مستغرقا في الكتابة فوجئ بصوت أداء الحراس للتحية والاستعداد فأيقن أن ضابطا كبيرا وصل في مهمة تفتشية فخرج مسرعا لكنه لم يجد زائرا ولا مفتشا بدلا من ذلك وجد الحراس عيونهم مسمرة على الكلب ويؤدون التحية له..لماذا ..؟ لأنه يلبس القمصلة أم الرتبة ولم يعيروا للكابتن الذي بدون القمصلة أي اهتمام ..! فصاح فيهم مهتاجاً: آي آم أكابتن .. أكابتن إن هيّر.. وهو يؤشر على صدغه ويصرخ وهو يكاد يجهش بالبكاء: أت أز أنمل ..! يا انملز يا ولد الأنملز !..شفت يابه ..؟ شنو فلسفتهم ألجماعه ..؟ يقولون لك نحن نحترم الرتبة ولا شأن لنا بمن يحملها ..! لماذا يحصل هذا ..؟ لأن موروثهم الثقافي يقول: إن الرتبة شيء مقرر من الأعلى وليس له علاقة بمؤهلات حاملها..فالحكم خلافة ووراثة يختص به من ينتمي إلى العرق الفلاني في حين أن بقية الأعراق مختصة بالطاعة والخضوع.. في حين أن هذه الثقافة ..ثقافة الأنملز.. ولا تمت لثقافة البشر بصلة فالمرء بقيمه وعطاءه وانجازه وليس بحسبه ونسبه .. ألم تقل العرب: المرء بأصغريه قلبه ولسانه ..؟.. سلام الله على النبي ألم يقل لهم: إن أكرمكم عند الله اتقاكم ..؟ألم أقل لك أنه لو كان يدري بما سيؤول إليه الحال لذهب إلى البوذيين أرحم له ..!.. وبدلا من الخروج على ثقافة الأنملز هذه فقد تم ترسيخها ففي وقت صدام تتذكر من يحكمك .. وداعتك كلهم أنملز .. ويا ريت من الأنواع الراقية من الأنملز..عزت الدوري وحسين كامل وكيمياوي ومزبان ووطبان وطكعان ..! في هذه الحالة حقهم جماعتنا من ياخذون تحيه للقمصله كلبا كان لابسها أو تيس.. بالعهد الجديد قلنا يمعودين دخيل الله بطلوا ثقافة الأنملز .. اشو بدلا من أن يتغير الحال .. ألجماعه بدأوا بوحيد ألخليه ..! مع ذلك فان في هذه الزحمة يوجد من هم غير ذلك وهم ليسوا ممن تنبهر أبصارهم بهالة المناصب فإشعاعهم داخلي وهالتهم مو بالقمصله وللوقوف على هذه الحالة فاني اقترح الرجوع إلى قاعدة ومعيار المتنبي .. اعني قول أبا الطيب: تكبر في عين الصغير الصغائر .. وتصغر في عين الكبير الكبائر .. يوجد اختبار معترف به عالميا يقول لك: ضع مالا وسلطة تحت يد الشخص وانظر إليه ..هل يتصرف باتزان ..؟ أم يفقد توازنه ويسيء..؟ الفرنسيون أضافوا إلى السلطة والمال الجنس فقالوا بل ضع أمامه سلطة ومال وجنس وانظر ما يفعل فان تمسك بقيمه فهذا هو الشريف وان تصرف بشكل آخر فاعلم انه فالصو .. بالمناسبه أستاذ علي .. انقل لك معاناة إحدى قريباتي أيام زمان وقد كانت فلاحه .. تكدح المسكينه 24 ساعه والأفندي زوجها 24 ساعه لو يفتر بالدواوين لو نايم تصور انه ينهض الضحى ويذهب للزرع فعثرت عليه وهو قد صنع من عباءته خيمة من خلال رفعها بالمسحاة فزهكت المسكينه ورفسته رفسة أطارت صوابه وهي تصرخ قائلة: عاد كوم سويلك فرخ ..! والفرخ بلهجتهم يعني طفلا .. فهي حتى في هذه الحالة لا تستطيع التصريح بحاجتها إلى الجنس فتعمد إلى التقيه وبدلا من أن تقول له انسوي ذيج ألشغله .. تقول له نسوي فرخ ..! .. ترضيك أستاذ علي هذه الثقافه ..؟.. .

 ـ وهل يستطيع كل فرد يصل إلى مواقع رئاسية ونافذة أن يحكم بالعدل أم أن هناك أسباب تجعله وسط الالتفاف حول حجج كما يفعله كل مسؤول ويبرر ما يفعله ولا يلتزم العدالة أو القدرة على استقرار كل شيء .. ؟ .. سؤالكم هذا يعيدنا إلى قاعدة أبا الطيب أن كان الفرد كبيرا صغرت في عينه المناصب مهما كبرت وان كان صغيرا حسب انه ملك المشرقين وملك الرقاب وما تحتها ..! في حين انه لم يزد عن خردله ..وداعتك أبو حسين بس باوع إلى شرطي عراقي يصادفه بالطريق ضابط وأنت تفهم ألشغله وما بيها ..ستلاحظ أن الشرطي يحس بحرج كبير لأنه بات في مكان يفرض عليه أن يؤدي التحية للضابط .. هو سيؤديها ولكنه سيلتفت بعد ذلك مسرعا لأقرب شخص أليه ويقول له: آنا أخذت تحيه للرتبه ..مو لهذا ..! أنا وأنت يا صديقي نسعى لنشر ثقافة تؤدي إلى أن تكون التحية للإنسان وليس للقمصله .. كيف يكون ذلك ..ومتى يتحقق ..؟ عندما يكون الإنسان المناسب في الموقع المناسب ..وإلا .. فان كان الأنملز ياخذون تحية للقمصلة .. فانا وأمثالي لا نؤديها لا للقمصلة ولا للذي تحتها ..إنما للسجايا النبيلة والقيم الرفيعة وللمنجز الرائع والمشهود ..وأأمل أن يفعل غيري مثلي ..فالشجاعة يا صديقي ليست إنزيمات إنما اختيار واع للراقي من القيم النبيلة والتمسك بها والدفاع عنها .. دمت صديقا وتقبل تحياتي .... .

 

 

يمكن توجيه الاسئلة عبر الاميل الاتي

almothaqaf@almothaqaf.com

 

للاطلاع

حوار مفتوح مع الاستاذ موسى فرج

 

 

خاص بالمثقف

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2100الثلاثاء  24 / 04 / 2012)

أضف تعليقا

معلومات إضافية