أقلام ثقافية

حلمي الذي إنتهى

hadi  jalumreiيطوف البلدان كسفينة تائهة في بحار بعيدة لاتنتهي، والبحار يسمونها عجائز الطبيعة التي تمر عليها السنين وهي تتطاول وتهرم وتشيخ لكنها لاموت وربما ستزول بأمر من الغيب في يوم ما كالذي يسمونه القيامة لانعلم موعده ويعلمه الله وحده.

يزور المدن واحدة واحدة ويلتقي الناس ويضيع بينهم كطفل نسته أمه وتاه عنها فلم تعد تهتدي إليه في الزحام، يرى الناس يتكاثرون من حوله ولايعرفهم ولايعرفونه وهو كان يظن أنه أشهر من أن يتجاهله عامل القمامة في الشارع والمسؤول عن الخدمة في غرف الفندق، وموظف الإستقبال الذي أبدى إهتماما اكبر برجل رث الثياب دون أن ينتبه إليه برغم هيئته الأنيقة وطلته المميزة عن بقية الوافدين من السياح الباحثين عن التغيير.

خرج الى الشارع وسار على البحر في إستنبول وكان يزاحم المارين الذين يتجاهلون بعضهم البعض رغم كثرتهم الكاثرة وتعدد أجناسهم والوانهم وصورهم وأحلامهم التي لاتنتهي سوى على رصيف البحر، أو حين ينشغل كل واحد منهم بشراء شئ، أو النظر الى سفينة عابرة لاقرار لها ويتخيل كم العاملين فيها والذين يقودونها وهل فيها كهرباء وماء وخدمات ، يريد أن يتعرف الى حياة البحر لكنه يجهل الوسيلة وليس له من حيلة. تذكر وقوفه في المطر منتظرا إطلالة البابا من شرفة الفاتيكان في ناحية من روما، وكان يشارك الجموع تلك الوقفة، ولم يميزه رجلا الشرطة وطلبا إليه التوقف طويلا في الطابور الممتد، وحين عجز عن الإنتظار قال في سره، البابا شخص غير مهم بالنسبة لي، وسيموت في يوم وينتهي الى الذكرى كعشرات البابوات ممن سبقوه.

تنقل عبر الطائرات والسفن والقطارات وسيارات الأجرة والحافلات عبر كندا وامريكا لأسابيع، وكان يدخل الفنادق منتشيا، ويزور المقاه، ويتجول في الشوارع المزدحمة ويذهل إن جميع من يصادفهم كأنهم أشباح تمر لاتعرفه ولايعرف عنها شيئا سوى إنه يراها في لحظة تنتهي الى المجهول ويطويها النسيان الأبدي ويقرر أن يعود الى غرفته، وينام طويلا فهو مجرد شبح عابر لاقرار لروحه، ويعرف رويدا إن الجسد الذي يحتمل تلك الروح المتوهجة سيندثر في تربة منسية.

يالها من عبرة يستجلبها المرء بمرور الوقت حين تكبر معه الأحلام، تذكر كلمات أستاذه في الكلية الذي وجد فيه علما وفهما وتألقا في الصف، أراد منه أن لايسبق الاحلام، وأن يسايرها وذكره بقول بعيد.

إذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

حلمه ينتهي حين يدرك الحقيقة، لكن الحقيقة هي في مسايرة الوجود والرضا بماقرره المعبود.

 
 

هادي جلو مرعي

المرصد العراقي للحريات الصحفية

 

المسيرة البيضاء !

tara ibrahimما يميز مجتمعا عن مجتمع آخر هو مدنيته وموقفه إزاء حدث ما وكيفية التصرف تجاهه، هذا الموضوع الذي يمس الجميع، هو من اجمل ما رأيته في فرنسا بل إن سبب اعجابي الشديد بهذا الشعب يكمن في المدنية التي يتمتع بها وطريقة تصرفه ازاء الاحداث التي تقع في بلاده صغيرة كانت أم كبيرة، والحس الوطني تجاه ارضه وانفعاله مع اي قضية تمس مقدساته الإنسانية بسوء، هذا الحس الذي لا ينم إلاعن حبه الشديد لوطنه والافتخاربالانتماء اليه مهما كانت اتجاهاته السياسية يمين إلى يسار.

المواطنون هنا لهم الحق في التعبيرعن آرائهم، والكل يعتقد انه من الطبيعي ان يمارسو هذه الفعالية بكل مدنية مع احترام الرأي الآخر، والكل في الحقيقة له وجهة نظر في اي موضوع يمسهم، وليس لهم موقف حيادي، بل ويعبرون عن ارائهم بكل جرأة .. مع ابسط حدث قد يقومون بالتظاهر السلمي ودون اي مشكلات..ولعل من اجمل هذه التظاهرات التي رأيتها هي ما تسمى بـ (بالمسيرة البيضاء) التي يقوم بها الفرنسيون للتعبيرعن غضبهم وسخطهم الشديد لدى حدوث جريمة ما، فالجميع يرتدون الثياب البيض ويتظاهرون بهدوء دون نطق اي كلمة أورفع شعارات، فقط يجوبون الشوارع بصمت تام وبلا ضجيج .

وعلى الرغم من ان هذا التقليد بعود بالاصل إلى بلجيكا الا ان الفرنسيين يتقنونه وبتفننون فيه بشكل رائع، والمسيرة تم تنظيمها سابقا ضد "قانون الصمت" الذي اتبعته السلطات البلجيكية في تعاملها مع مجرم قام بإعتداءات جنسية وقتل ضحاياه من مئات الاطفال في عام 1996 والتي فشل البوليس في الوصول الى الجاني في الوقت المناسب، ما اثار سخط وإستنكارالشعب ومن هنا اتت فكرة القيام بالمسيرة البيضاء والتي اشترك فيها الالاف من البلجيكيين تعبيرا عن حزنهم وغضبهم. لذا فالمسيرة البيضاء منذ ذلك الوقت اتخذت طابعا وحيدا وهوالتظاهر من اجل الاطفال وإدانة الاعتداءات وجرائم القتل التي تقترف بحقهم، وكذلك هي مسيرة ضد الظلم تجاه القاصرين، واي مشكلات تتعلق بالشباب والتي قد تؤدي الى موتهم على أيدي المجرمين اوالسكارى او البيدوفيليين اوالغلمانيين بعيدا عن السياسة والمعضلات الاخرى، فهذه المسيرات هي متعلقة بالامور الاجتماعية بشكل خاص .

المسيرة مستقلة مدنية لاتمت الى جهة اوحزب ما بصلة، وغالبا ما يتقدمها اهالي الضحايا من الاباء والامهات والاصدقاء، فوجودهم مهم جدا فيها، وكما يقال : ذلك هو اضعف الايمان من قبلهم.. اما الناس الذين يشاركون في المسيرة فهم يعبرون عن تضامنهم مع عوائل الضحايا كونهم عاجزين عن تفسير الموضوع أو منع وقوعه، وفي النهاية يتركون الامرللقضاء العادل للبت فيه.

المثير للاهتمام اننا لو اردنا ان نطبق قانون المسيرة البيضاء في العراق عامة وإقليم كوردستان خاصة، لتم القيام بها كل يوم، ولكن ما من احد يشعر بالمسؤولية تجاه هذه الحالات ،إذ من المهم ان يعبرالمجتمع عن تضامنه مع المسائل المتعلقة بالجرائم وخصوصا المتعلقة بقتل النساء او الفتيات القاصرات اللواتي يمرخبر قتلهن بلا مبالاة لدى المواطنين ودون أي إهتمام وكأن الامر طبيعي جدا. هنا نحن لانناشد بعض المنظمات النسائية الكارتونية التي كثرت بعد سقوط النظام السابق التي تناضل حسب قولها من اجل حقوق المرأة ولا المنظمات المدنية التي تعنى بحقوق الانسان بما فيها حقوق النساء بالطبع. فعندما يتعلق الامر بالمرأة الكل صم بكم لا يعقلون، كأنه موضوع تافه لايستحق التحدث فيه.

المسيرة البيضاء هي مسيرة عفوية، لا تحتاج الى التفكير العميق للقيام به لان الظلم ليس لديه اكثر من تعريف، بل تعريف واحد وهوان الحياة تعاش مرة واحدة وهي ثمينة للجميع نساء واطفالا وشيوخا ...كل انسان يحق له أن يعيش بأمان وسعادة وحرية.. ومن اجل مجتمع اكثر مدنية، نحن بحاجة الى هكذا نوع من المسيرات التي إن لم تقم بها المنظمات والجمعيات والروابط، فليقم بها ابناء الحي الواحد.. نحن جميعا مسؤولون عن صمتنا..الصمت القاتل والمخجل الذي يبعدنا عن الالتحاق بأضعف اساليب التعبير عن رأينا وهي المسيرة البيضاء .      

 

د. تارا إبراهيم ـ باريس

        

الاعلام العراقي وأسئلة النهوض

samir qasimhashimيتساءل الكثير من المواطنين .. هل فقد الإعلام مصداقيته وهم يسمعون ويشاهدون الكثير من الأنباء المتضاربة، أيهما أصح وأيهما يمكن أن يكون بوصلة يجذب إهتمام المواطنين الذين بدأوا ينقسمون على أنفسهم، ولعل الكثير منهم يدرك أن هذه المهنة أصبحت هشة ما جعل الكثير ممن لا علاقة لهم يدخل الى هذا المجال الخطير الذي من الممكن ان يكون مؤثراً صانع رأي ام في الكثير من الدول التي تمتلك حرية الاعلام وعدم تبعيته .

ولا شك فيه ان الاعلام يسهم في تشكيل افكار المجتمع وهذا التشكيل اما ان يكون عامل بناء او عامل هدم

، ربما يكون الإعلام هو المهنة الوحيدة التي من الممكن العمل فيها دون تخصص ولكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى مهارة وخبرة ودراية بما يتم تقديمه من بواباتها الكبيرة والواسعة، ما يدفعنا إلى التساؤل لماذا إذن هناك دراسات أكاديمية للإعلام، ولماذا هناك مراكز تأهيل وتطوير إعلامي هل أصبح تدريس الإعلام داخل الجامعات تحصيل حاصل ؟، وهل ما يتم تدريسه بالحرم الجامعي يعدُّ شيءٌ، وما يقومون بتطبيقه على الواقع شيء أخر هل أن ذلك يرجع الى المصلحة التجارية والربحية التي جعلت من سوق الاعلام مجالاً للتنافس التجاري ؟ .

وان الاعلام النزيه هدفه واضح يبين القضايا والحقائق بشكل امينا ويقف بالقرب من جميع الاطراف التي يتعامل معها فلا يجامل طرفا على حساب اخر ولا يتحامل عليه لان كل همه الوصول للحقيقة فليس همه احداث سبق صحفي ولا يستخدم اعلامه من اجل تحقيق منافع شخصية

وإذا كانت الصحافة المكتوبة قد حافظت ولو بجزء يسير على خصوصيتها فإنَّ الإعلام المسموع والمرئي تعرض إلى سيل من الدخلاء على المؤسسة الإعلامية حتى أنَّ الكثير ممن لا علاقة لهم بالاعلام أصبحوا إعلاميين بارزين يخصص لهم برامجكثيرة لكنها لا تختلف عن بعضها في أسلوبها ومضمونها، يقدمها مجموعة من الدخلاء الجدد على الإعلام، أليس من الواجب الإلتزام بالأخلاق الاعلامية، وهذا الكلام ينطبقُ على الصحافة المكتوبة أيضاً، سواء الأليكترونية أم الورقية .

هل أصبح الإعلام العراقي ما بعد 2003 سوقا تجارية أكثر منه مهنيا وإلى أي مدى يمكن أن يفقد أو تفقد هذه السلطة الرابعة سلطتها؟ وهل ستتخلى في يوم ما عن عرشها نتيجة الدخول غير المحسوب للكثيرين على هذا المجال ؟،أم أن الإعلام يمكن أن يفقد هيبته ومصداقيته بالنتيجة الحتمية للدخول الطاريء للبعض على هذه المهنة ؟

أسئلةٌ كثيرةٌ، وأجوبة لا تحل اللغز، لكن الواقع يفرضُ أحياناً أجندته على الإعلام والصحافة في العراق والخارج بشكل عام، ومع هذا يجب أن يتحلى الصحفيُّ عن أخلاق مهنته، لأنها بالنهاية رسالة يمكن من خلالها لإعادة رسم الملامح التي دمرتها الحروب والحصارات والإرهاب، وهذه المهمة يجب أن توكل إلى من يمتلكون الأكاديمية بالدرجة الأساس، لأنهم أقسموا وهم يستلمون شهاداتهم على شرف المهنة، ومن ثمَّ إلى الأشخاص الكفوئين الذين يمتلكون رسالة أخلاقية ووطنية هادفة يمكن من خلالها أن تحقق رفاهية المواطن الذي شتتهُ وسائل الإعلام بشكلٍ أو بآخر، ولنكن يداً واحدة تنظرُ بعين المستقبل إلى وطنٍ علم الأرض الكتابة .. ولا نكون متشرذمين بسبب هوياتنا الفرعية، لأنَّ هويتنا الكبرى هي العراق .

 

سمير قاسم هاشم

 

أنين النوارس

wedad farhanيحتفل اخواننا واخواتنا الصابئة المندائيون بعيدهم الصغير (الدهفة حنينا) عيد الازدهار، الذي نشاركهم فيه الفرحة ونقدم التهاني والتبريكات حيث دبت الحياة في الارض وأزدهر العالم.

ويأتي عيد الازدهار متزامنا مع ازدهار العراق وامتلاء شوارعه وأزقته بمياه الامطار التي أبت ان تجد طريقها في أنابيب الصرف الخاملة كحكومتنا المزدهرة فسادا والمعتكفة سرقة!

أحبتنا، لقد التصقت عقيدتكم بالماء فهو الطهر وهو الحياة التي دبت في العروق والارض، لقد فاضت بغداد مؤازرة أرجاء العراق في عيدكم وكانت خيم النازحين كأنها ”الجبايش“ تطوف فوق شفة ماء الهور لكن الطيور بألوانها وتنوع ألسنتها غابت عن المشهد، فغابت جماليته.

بقي صدى أنين الناي يتردد فوق أمواج المياه حزنا على وطن هجره محبوه وعشاقه، وتسيده الظلمة المفسدون الذين يرون في فيضانه ونقصان خدماته، وضياع بنيته التحتية إنجازا حققوه عبر عقد ونيف من الزمان.

انه الماء ايها المندائيون ولكن عذرا طاف معه ما علق في شباكه المزكومة فضاع طهره ورحلت عنه النوارس.

هكذا يمر الوطن بعيدكم، أسفا!!

عيدكم مبارك يا انقياء الوطن المذبوح والمنهوب عمدا!

عيدكم مبارك أيها النوارس المهاجرة قسرا وظلما.

 

وداد فرحان/ سيدني

 

الرأي والرأي الاخر

samir qasimhashimتتميز ثقافة عصرنا هذا بثقافة الاختلاف وتوتر الحوار بين فريقين أو شخصين أو ثقافتين. ولعل كنه هذا اللون يرجع إلى تدني الوعي وتدني الثقافة عند البعض، مما يتمخض عن انحدار مستوى الحوار، فهو عصب الحياة والحضارات وأكسير البناء والارتقاء، دون مراعاة ذلك الخيط الرفيع بين الخلاف والاختلاف، فنقع في هوة سحقيقة بين هذين الطرفين أو نكاد. والخلاف أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله. فالخلاف أمر طبيعي لا بد من حدوثه بين البشر، ويكون مثمرا إذا ما اتسم بالعقلانية ونبذ الأهواء، بينما يصبح الاختلاف أمرا معاديا، إذا ما اتسم بعدم الاكتراث بأولويات وأهداف الطرف الآخر، وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه تحكمه أهواء ونوازع شخصية ومصالح وذاتية مفرطة، وبهذا يتحول الخلاف إلى اختلاف إلى تنافس على مراكز وتصادم على أمل تحقيق أهداف معينة مرجوة على حساب الطرف الآخر، فهو نجاح على حساب الفريق الآخر. فالأول محمود لأنه يثري الثقافة ويعمل على تلاقح الأفكار وتصحيح المسارات الفكرية إلى ما فيه نفع عام إذا ما نشأ في بيئة سليمة وناضجة وبعقول منفتحة وبمعرفية واسعة وصدر رحب يسقي ويستقي من روافد العلم والمعرفة بدون ت

هذا النوع من الخلاف هو خلاف في الغايات. ويطلق عليه خلاف مذموم لأنه يؤدي بكل فرد أو مجموعة أو فريق للاعتزاز برأيه والعمل عليه

 

سمير قاسم هاشم

دموع فرح تختصر مأساة شعب

jawdat hoshyarتلقّت الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيج نبأ فوزها بجائزة نوبل في الآداب لعام 2015، بينما كانت تقوم بعمل بيتي روتيني، وهي كي الملابس في شقتها الصغيرة المتواضعة، كما قالت للصحفيين إثر اعلان فوزها بالجائزة .

سفيتلانا - التي تسكن في عمارة ضخمة متعددة الطوابق، أشبه بمجمع سكني، يضم مئات الشقق ويقع بالقرب من وسط العاصمة مينسك - معروفة بين سكان المجمع بكياستها ولباقتها وحسن تعاملها مع جيرانها ومع الناس جميعاً . صحيح أنها دائمة السفر والتنقل بين العواصم الأوروبية لمتابعة الأصدارات الجديدة لكتبها المترجمة الى العديد من اللغات الأجنبية، ولكن سكان المجمع كانوا على علم بعودتها الى مينسك، وقد احتشدوا عند باب الخروج لتحيتها فور علمهم بالنبأ السار. نزلت سفيتلانا وما أن فتحت الباب حتى سمعت احدى جاراتها تقول لأخرى: "هل تعلمين؟ سفيتلانا حصلت على نوبل مثل بونين".

فشلت سفيتلانا في ايجاد قاعة ملائمة في المدينة لعقد مؤتمرها الصحفي الأول فور الأعلان عن فوزها بنوبل، فقد أغلق النظام في وجهها كل المنافذ واضطرت الى عقد مؤتمرها الصحفي الأول بعد اعلان فوزها بالجائزة في 8 اكتوبر، في مقر صحيفة "ناشا نيفا" المعارضة، التي تشغل بناية صغيرة، لا تتسع سوى لخمسين شخصا، ولم تكن سفيتلانا تتوقع ان يحضر المؤتمر اكثر من هذا العدد، في حين ان عدد الأعلاميين المحليين والأجانب الذين تدفقوا على مكان عقد المؤتمر بلغ أكثر من 200 اعلامي.

سيارة تابعة للسفارة السويدية في مينسك أقلّت سفيتلانا الى مكان انعقاد المؤتمر الصحفي . كان الناس متجمهرين على جانبي الطريق في صفوف طويلة يحملون العلم الوطني وصور سفتلانا وهم يحيونها ودموع الفرح تنهمر من عيونهم حباً بوطنهم وزهواً بمواطنتهم، التي جعلت من بيلاروسيا المنسية على كل لسان. ذهلت سفتلانا لهذا المشهد الفريد، مشهد مواطنيها وهم يبكون من الفرح، ولم تجد له تفسيراً، سوى ان الشعب البيلاروسي المقهور الذي يعاني من وطأة حكم استبدادي، ينتهز أي فرصة للتنفيس عن عواطفه المكبوته . ربما كان الترحيب الجماهيري الحار بسفيتلانا، المعارضة العنيدة لنظام لوكاشينكو تعبيراً عن كراهيتهم وازدرائهم للدكتاتور .

عانت الشعوب التي كانت رازخة تحت الحكم السوفييتي أهوال ومصائب كثيرة . فقد قتل حوالي عشرون مليونا من سكان البلاد واصيب أكثر من ضعف هذا العدد . بإعاقات دائمة، خلال الحرب العالمية الثانية . ولا يعرف على وجه الدقة، عدد الذين قضوا نحبهم في حرب النظام ضد الشعب، أولئك الذين اعدموا رمياً بالرصاص أو امضوا سنواب طويلة في معتقلات ومنافي سيبيريا الرهيبة، أو الذين هاجروا الى الخارج، حيث لم تنشر أية أرقام رسمية عنهم لحد الآن، رغم مرور حوالي ربع قرن على تفكك الأمبراطورية السوفيتية، لأن السلطة تعتبرها من أسرار الدولة . صحيح ان جميع شعوب الأمبراطورية المنهارة عانت من ويلات الحروب والقمع والأستبداد ولكن المصائب التي كابدتها بيلاروسيا الصغيرة المسالمة أفظع وأكثر ايلاماً . فبعد عقد ميثاق مولوتوف ريبنتروب، في اغسطس 1939، احتلت القوات الألمانية والسوفيتية بولونيا في أوائل أيلول من العام ذاته وتم تقسيمها بين العملاقين . وجري اثر ذلك اعادة بيلاروسيا الغربية – التي كانت ملحقة ببولونيا في ذلك الوقت – الى بيلاروسيا . رحب الشعب البيلاروسي بعملية توحيد البلاد، ولكن لم تمض سوى أيام قليلة حتى قامت السلطة السوفيتية بترحيل ما لا يقل عن 200 ألف من سكان بيلاروسيا الغربية الى مناطق نائية وإبادة حوالي 30 ألف من سكانها . وعندما هاجمت ألمانيا الهتلرية في 22 حزيران 1941، الأتحاد السوفييتي، تلقت بيلاروسيا الضربة الأولى وجرى احتلالها بشكل كامل من قبل جحافل الفاشست خلال الأشهر الأولى من الحرب .. وقاوم الشعب البيلاروسي الغزاة بضراوة، ويكفي أن نقول أن ثلث سكان بيلاروسيا – ومعظمهم من الرجال - قد قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، سواء في جبهات الحرب أو خلال عمليات المقاومة البطولية . وتتذكر سفتلانا طفولتها البائسة في احدى البلدات البيلاروسية، التي قتل جميع رجالها في الحرب ولم يبقى من سكانها سوى النساء والأطفال .. وعندما انهارت الأمبراطورية السوفيتية تحررت الجمهوريات التي كانت ملحقة بها قسراً من ربقة موسكو، ولكن ذلك كان تحررا ظاهريا لأن النظم الدكتاتورية ما زالت قائمة في العديد من تلك الجمهوريات وبضمنها بيلاروسيا التي يحكمها لوكاشينكو بيد من حديد منذ عام 1994، وقد أعيد (أنتخابه) قبل أيام للمرة الخامسة .

لوكاشينكو يعاني من عزلة دولية وحصار اقتصادي غربي خانق ويحاول هذه الأيام مغازلة الغرب، وفعلا قام بمناورة بارعة، بالأستجاب لطلب الأتحاد الأوروبي واطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين بعد (فوزه) بالأنتخابات الأخيرة . وهي مكرمة يذكرنا بمكرمات صدام . وبالمقابل ألغي الأتحاد الأوروبي القسم الأكبر من العقوبات التي كانت مفروضة على بيلاروسيا، ومنها حظرسفر عدد كبير من أعمدة النظام الى الخارج، ولكن رفع الحظر لم يشمل لوكاشينكو شخصياً .

بعد فوز سفيتلانا بجائزة نوبل وجد دكتاتور بيلاروسيا نفسه في ورطة حقيقية . الكاتبة الجريئة تحارب نظام لوكاشينكو بقلمها الجبار منذ سنوات عديدة وقد اضطرت الى مغادرة بيلاروسيا في عام 2000 ولم ترجع اليها، الا في عام 2011، في فترة شهدت محاولات لوكاشينكو للتقرب من الغرب والقيام ببعض الأصلاحات الشكلية ومنها تخفيف القيود على المعارضين . قيل لسفيتلانا : لماذا عدت الى بيلاروسيا؟ أجابت : " اريد أن أكون مع شعبي في محنته. " ومنذ عودتها تجاهلها النظام تماماً، كأنها غير موجودة .فهي ممنوعة من النشر في بلادها رغم أن نتاجاتها الرائعة فكراً وفناً تلقى رواجا منقطع النظير في بقية انحاء العالم . ورغم أنها كانت مرشحة قوية لنيل نوبل طوال السنوات الماضية، الا أن فوزها أخيرأ وجه ضربة موجعة للوكاشينكو، الذي ظل حائراً لعدة ساعات .هل يهنئها بالفوز أم يتجاهلها كالعادة ؟، ولكن بعد أن انهالت مئات البرقيات والرسائل والمكالمات الهاتفية من أنحاء العالم على سفيتلانا، بينها برقيات عدد من رؤساء الدول، أولهم الرئيس الألماني، وبرقيات أشهر ادباء العصر، ورسائل قرائها في شتى أنحاء العالم . وبعد ست ساعات على اعلان فوزها بالجائزة، وجه لوكاشينكو برقية خجولة الى خصمه اللدود صاحبة نوبل يقول فيها : " ارجو ان تكون هذه الجائزة في مصلحة بيلاروسيا " .ولا شك انه يقصد بذلك مصلحة النظام .

سفتلانا سخرت من هذه التهنئة الباردة لأنها أتت بعد برقيات زعماء عدد من الدول الأوروبية، وفي الوقت ذاته قالت أن لوكاشينكو استطاع التغلب على العائق النفسي وهنأها بالفوز رغم أنها ومنذ سنوات عديدة تعد من ألد خصوم النظام .

سفيتلانا حاصلة على أكثر من عشرين جائزة أدبية عالمية، بينها جوائز المانية وفرنسية وأميركية اضافة الى جائزة الدولة التقديرية التي منحت لها في فترة البريسترويكا (1987)، عن روايتها، متعددة الأصوات " للحرب وجه غير أنثوي" التي صدرت في موسكو عام 1985 - بدعم من ميخائيل غورباتشيف - بمليوني نسخة نفدت خلال فترة قصيرة .

سأل صحفي بيلاروسي سفيتلانا : " كيف ستتصرفين بمبلغ جائزة نوبل ؟ .

أجابت: " لقد اعتدت ان انفق مبلغ اية جائزة احصل عليها لأشتري بها حريتي، وجائزة نوبل هي حماية لي من نظام لوكاشينكو " .

 

نوبل للآداب في رأي الادباء الروس

نشرت صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا) (الجريدة الادبية) الروسية الاسبوعية في عددها الاخير، الصادر في 14- 20 / 10/ 2015 آراء خمسة ادباء روس حول منح جائزة نوبل للآداب للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسييفتش، التي تكتب باللغة الروسية، ونقدٌم للقارئ العربي مقاطع من تلك الآراء، والتي يعبر فيها هؤلاء الادباء بالطبع عن افكارهم الشخصية ومواقفهم الذاتية تجاه هذه الجائزة وتجاه الكاتبة البلاروسية التي حصلت عليها، ولكن هذه الآراء بمجملها - وبشكل او بآخر - تعبر طبعا عن موقف عام لتلك الصحيفة بلا شك تجاه الجائزة، وكذلك تعبر عن آراء الكثيرين من الاوساط الادبية الروسية .

 

سيرغي يسين

ان منح جائزة نوبل للآداب لسفيتلانا الكسييفتش يبدو عادلا فقط من وجهة نظر انها تكتب باللغة الروسية، كما هو حال العديد من الادباء السلاف ... واقول مخلصا باني لا اتابع ما تكتبه منذ زمن بعيد . ان التحيٌز الذي ابدته واعلنته في فترة – ما اصبح واضحا بالنسبة لي . وبشكل عام، فان كل شئ يرتبط بجائزة نوبل ليس بعيدا عن السياق السياسي طبعا، بل وبتعبير أدق، يوجد هناك سياق سياسي لا غير . انا حتى لا أتذكر متى منحوا هذه الجائزة آخذين بنظر الاعتبار النتاجات الفنية . باسترناك لم يمنحوها له من اجل شعره البديع، بل من اجل روايته المتوسطة ... وشولوخوف منحوه بعد قصارى جهود بذلتها الدولة السوفيتية آنذاك ...ويجب ان اشير ايضا الى ان معظم الجوائز الادبية الروسية، الموجودة عندنا في روسيا تمتلك نفس التحيٌز الموجود في جائزة نوبل .

 

فاليري كازاكوف

اولا، اريد تقديم التهاني لسفيتلانا الكسييفتش باسمي وباسم جميع محبي الادب السلافي لحصولها على هذه الجائزة الرفيعة . انا اعتبر انه - ولاول مرة- وطوال فترة طويلة وصلت هذه الجائزة الى الادباء السلاف. من الممكن بشكل مختلف تقييم الافكار والقناعات تجاه هذه الجائزة، لكن لا يمكن عدم الاعتراف بعدالة اختيار لجنة جائزة نوبل..

الكسييفتش كانت دائما كاتبة مقالات صحفية غير مريحة، وكل كتبها كانت في غير اوقاتها، لكن تلك الكتب والكتابات كانت دائما حقيقية . ومع ذلك فان حقيقة عن حقيقة تختلف . توجد حقيقة عند بونداريف في (الثلج الحار).. وعند بيكوف في (البقاء حيا حتى الفجر / او/ سأعيش حتى ارى الفجر حسب ترجمة غائب طعمه فرمان) ..وعندالكسييفتش .. وعند ايفانوف ...الخ .

هناك نظرتان الى نفس تلك الاحداث ونفس تلك الحرب... وانا اعتقد انه بفضل كتب الكسييفتش قد تغيرت اشياء كثيرة في الحياة، اذ انها عرضت الحقيقة الهائلة، والتي جمعتها في الشوارع واوصلتها الى القارئ .

 

محمد احمدوف (رئيس اتحاد ادباء داغستان)

هناك الكثير من الادباء الروس العظام ألذين لم يخونوا انفسهم ووطنهم لا بالكلمات ولا بالاعمال من اجل سعر الاسواق، وهؤلاء لم يستلموا جوائز نوبل . في السابق تم عمل الكثير لصالح السياسة، والان يحدث الشئ نفسه .الكسييفتش شغلت المكان المناسب في الزمن المناسب . انها ضد روسيا ..، ولهذا الموقف اعطوها الجائزة . افضل منها كتبوا ويكتبون باللغة الروسية، لكن لا البيلوروسي فاسيلي بيكوف، ولا الروسي فالنتين راسبوتين، ولا القرغيزي جنكيز آيتماتوف حصلوا على هذه الجائزة، مع الاسف ...

 

فلاديمر ليجوتين

سفيتلانا الكسييفتش تعمل في الوسط الادبي ... وتشغل مكانة متوسطة في مجال عملها، وهي ايضا كاتبة مقالات وتحقيقات صحفية .. ولكنها لم تكتب – حسب ذاكرتي - نتاجات فنية بحتة . لقد منحوها جائزة نوبل للآداب قبل كل شئ على موقفها وعلاقتها الانتقادية تجاه روسيا. في تاريخ جائزة نوبل للآداب كان هناك الكثير من الامثلة السياسية المماثلة ... واذا ما تكلمنا عن الادب بالمعنى الخالص للكلمة، فهل يمكن ان نضع الكسييفتش في مستوى واحد مع بونين او برودسكي، اللذان حصلا على هذه الجائزة ؟ وهل لم يكن مثلا أحق منها للحصول على هذه الجائزة الاديب فالنتين راسبوتين، الذي رحل عن عالمنا قبل فترة قصيرة؟

 

سيرغي شارغونوف

سفيتلانا الكسييفتش كاتبة اعلامية وصحفية عبقرية . بالنسبة لي كان من الممتع جدا قراءة كتابها الموسوم – (لا وجه نسائي عند الحرب) (جاءت تسمية هذا الكتاب بعدة ترجمات عربية منها – الحرب بلا وجه نسائي / الوجه غير الانثوي للحرب / الوجه غير النسائي للحرب )، وغيره من كتبها... ان قصة التراجيدية الانسانية وهي تروى باسم الضحية نفسها- هو ادب باهر بلا اية مجازفة لامكانية الفشل. في نفس الوقت يوجد هناك احساس بشوائب سياسية – ففي الفترة الاخيرة اصبحت الكاتبة تتميٌز بمواقفها الحادة بشأن صراعها مع السلطة ورئاستها في بيلاروسيا، او تقريع روسيا وانتقادها، والتي اتهمتها باحتلال القرم، وما شابه ذلك . يوجد عندنا ادباء احياء، وهم رواد واساتذة بحق في مجال الادب الابداعي مثل – اسكندر، او، بيتوف . انهم بلا شك جديرون بالحصول على نوبل . ان فالنتين راسبوتين الذي رحل قبل فترة وجيزة كان ايضا يستحق جائزة نوبل، هذا الكاتب الذي لم يكن باستطاعته حتى ان يعتبر نفسه ضمن قائمة الذين يكونون قريبين من تلك الجائزة . لماذا؟ لأنه لا يخفي موقفه الوطني تجاه روسيا .

 

أ.د. ضياء نافع

 

معاداة ضد تفوق وتميز المرأة ثقافة أزلية !!

fatima almazroweiفي الفترة بين 350 و450 ميلادية، عاشت امرأة تحدياً حقيقياً تمثل في أن تكون متعلمة في عالم من المرجفين يسوده التخلف، لكنها قاومتهم برسالتها العلمية ومبادئ العلماء، وفي نهاية المطاف لقيت مصرعها على أيدي هؤلاء الغوغاء، إنها الفيلسوفة هيباتيا السكندرية، التي تعد أول امرأة في التاريخ يلمع اسمها كعالمة رياضيات، إضافة لنبوغها في الفلسفة وعلم الفلك.

في تلك الحقبة الغابرة من الزمن لم يكن متقبلاً وجود امرأة لها حضور في المجتمع، وتقدم اكتشافات وآراء علمية، لكنها لم تلتفت لكل ذلك، كما أنها لم تستسلم للأمور التي كانت تأتيها من الكنيسة التي كانت ترفض تميزها وحضورها الاجتماعي، خاصة مع تزايد محبيها وتلامذتها بل وتأثيرها حتى في العلماء أنفسهم، وهناك إرث علمي لها جعل العلماء والدارسين يتفقون على نبوغها وتميزها، لكن في عصرنا الراهن نجد من بين ثنايا إرثها العلمي ومقولاتها ما يمس حياتنا وله أثر وفعالية، مثل مقولتها: " الخرافات يجب أن تُدَرَّس كخرافات، الأساطير كأساطير، المعجزات كخيالات شعرية، تقديم الخرافات على أنها حقائق هو شيء فظيع، لأن عقل الطفل يقبلها ويصدقها وفقط بعد ألم عظيم وربما مأساة يمكنه أن يتخلص منها ". وببساطة متناهية هي تقول مثل هذه الكلمات في زمن الخرافات وانتشار الجهل، ففي ذلكم الوقت كانت مساحة العقل والعلوم ضئيلة جداً ومحدودة جداً، مجتمع بدائي يقوم على القسوة والعنف والكراهية وإلغاء الآخر، فكيف يستمع لمثل هذه الآراء القيمة العظيمة؟!.

وهذا ما حدث في نهاية المطاف، فقد ضاق بعلمها الواسع الجهلة والغوغاء، ولأنها عاشت في عصر تكتنفه الفوضى وسيطرة واضحة للكنيسة ومحاولاتها لإلغاء أي صوت آخر، ورفضها للعلوم والمخترعات، تم اتهامها بممارسة السحر والإلحاد، وهذه التهم الموجهة ضدها سببت حالة من الغليان بين حشود من الناس الجهلة فقاموا بالهجوم عليها أثناء عودتها إلى منزلها بعد تقديمها أحد دروسها العلمية، وتم جرها في شوارع المدينة، وطعنت في أجزاء متفرقة من جسدها، وبعد أن فارقت الحياة تم إحراق جسدها.

كثير من العلماء في ذلكم العصر نعوها وحتى هذا العصر يوجد من كتب عنها وعن سيرتها وتم اعتبارها أول شهيدة من أجل العلم، تقول عنها العالمة كاثلين وايلدر: " يعتبر مقتل هيباتيا نهاية للعصر الكلاسيكي القديم"، أما الناقد والفيلسوف ستيفن غرينبلات، فقد قال عن حادثة اغتيالها: " إن مقتلها أثر بشدة في انحدار الحياة الفكرية السكندرية ".

ولكم أن تعلموا أن معظم أعمالها تمت بالمشاركة مع والدها ثيون الكنسدروس، الذي كان أستاذاً للرياضيات في جامعة الإسكندرية والسبب يعود لعدم وجود أعمال أنثوية منفردة للنساء في تلك العصور القديمة، ورغم هذا قدمت منجزات علمية مهمة في مجال العلوم منها قيامها بعمل رسم الأجرام السماوية، واختراعها مقياس ثقل السائل النوعي والذي سمي بالهيدرومتر، وغيرهما كثير.

لكن من أين كان مصدر التهم الموجه لها والتي سببت كل هذا العداء؟ سنجد أن مصدرها كان أحد رجال الدين ويسمى سيرل، وسبب عداوته لأنه كان يدعوا لبقاء النساء في منازلهن، فهو يرى أنه ليس لهن أي حق في العمل، بل يرفض الاستماع لآراء أي امرأة.

وفي هذا عبرة لنا في عالمنا المعاصر، أتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت بشكل واضح لنا جميعاً.

 

فاطمة المزروعي

 

رسالة من تموز الساكن في العالم السفلي

لقد تعودت العيش في ظلمات العالم السفلي (عالم الاموات) أو بالاحرى عوّدت نفسي على ذلك ،على برودة المكان وجفاف الاركان .. ولكني مازلت أحن الى الماء والشمس والخضرة ، وأحن الى عشتار بقدّها الممشوق وعينيها السوداويين..

لذا لا ملجأ لي سوى الذكرى وعسى أن أخرج يوما لأعاود العيش في عالمكم وألقى عشتاري الجميلة..

أذكر أنه في يوم نيساني جميل كنت وعشتار في حقل أخضر فسيح يقع على جرف الفرات الاسمرخارج أسوار بابل العظيمة.

مازلت اذكر عشتار وهي تتمايل كغصن نضر في شجرة حور طرية. كانت تتمتع بالشمس الدافئة والنسمات العذبة القادمة من الشمال حيث الجبال العالية برؤؤسها الثلجية الناصعة.

على طول خط من الاشجار داكنة الخضرة كانت عشتار تجري وتتقافز كقطة برية بثوب شديد البياض. حاولت عشتار أن تحني أحد تلك الاشجار ولكن الشجرة أبت أن تنحني لأن أشجار بابل واوروك لا تنحني لأحد الا لربها أوتموت وهي شامخة.

جواميس ضخمة تمخر عباب النهر الخالد لا ترى منها سوى رؤوس مستطيلة بقرون مفتولة تتمتع بالماء الغريني.

راعي ماشية بعمر الزهور يتكأ على عصى معقوفة ينظر بشغف الينا بينما ماشيته ترعى بنشاط في مراعينا الداكنة الخضرة. عصافير وحمائم وضفادع وأوز وسلاحف، كل يسعى لرزق معلوم.

واذا بصوت رخيم هو صوت محبوبتي عشتار يصدح كهديل حمامة. كانت تغني وتتمايل كالاغصان الطرية. أخرج الراعي نايا ينفخ فيه ليملا المكان أنغاما شجية ..وعشتارترقص و تنشد ..

تعال مع الرياح تعال مع النهر

أجلب لنا الغذاء أجلب لنا المطر

أظهر لنا النهار لوّن لنا الزهر

طرّز لنا ثياب واملأها بالدرر

واكتب لنا كتاب سطّره بالعبر

 

أنتهت الاغنية وأنتهت الذكرى ولكني أود أن أقول لكم..

ذاك كان حال بلادكم بلاد مابين النهرين العظيمين قبل أن تغرب شمس حضارتها ..ذاك كان حالها عندما كنت موجودا في ربوعها دائما يدي بيد عشتار الجميلة التي كانت تملأ أرضكم بهجة ..

ولكن شراركم سرقوا مفاتيح بابل وأجبروني على النزول للعالم السفلي وأجبروا عشتار أن تهاجر الى نصف الارض الشمالي فغابت بركات ارضكم وعم الخراب وأخذت اشجاركم تحني رؤوسها لمن تنادى مع ندمائه وسلّ سيفه وفرض عليكم قانونه.

أرفعوا رؤوسكم يا سكان بابل وأوروك وباقي مدن مابين النهرين وساندوا جيشكم العظيم لتطردوا البرابرة القادمين من بلاد الافغان والشيشان وعمّان، لتبعدوا البهائم النازلين من جبال اليمن والوحوش المتسحبين من صحارى الحجاز لايفقهون شيئا سوى النهب والسطو وسفك الدماء وانتهاك الاعراض الذين فتح لهم بعضكم ذراعيه مرحّبا فأثخنوه جراحا وتقتيلا وانتهاكا للحرمات. أنهم عازمون أن يحكمونكم بدستور

بغيض ما انزل الله به من سلطان.

أحيوا أنفسكم بتماسككم واقتلوا من يريدون أن يفرقونكم طوائف وجماعات وقبائل وديانات ومدائن ومحميات متناحرة وكفاكم عارا ومعيارا بعضكم لبعض، فكلكم واحد ويجمعكم نسب واحد هو انتماءكم لبلادكم وأرضكم التي اوجدكم الله عليها منذ الأزل.

كفاكم تراخيا وأنبطاحا على جنباتكم وبطونكم وظهوركم يعتلي عدوكم صهواتكم. كونوا كأشجاركم أشجار بابل واوروك التي لا تنحني لأحد وان كان لا مفر لها من الموت فأنها لا تموت الا وهي شامخة.

 

محمود شاكر شبلي

خصوصية الأدباء والفنانين

mohamad aldamiنظرًا لأن رجال الأدب والفن والثقافة عامة عصيون على الانتظام في أنظمة ماكينة العمل في المؤسسات والشركات عامة والدوائر الحكومية خاصة، يندر أن تجد من بين القائمين على إدارة المؤسسات الثقافية في عالمنا العربي من هو أو هي من أهل الثقافة والفنون والآداب. لنلاحظ هنا أن أولي الأمر عامة، هم أرباب سياسة، وغالبًا ما يصعب عليهم التعامل مع أمزجة الأدباء والفنانين المتضخمة، الأمر الذي يضطرهم حال استلام السلطة أو الإدارة الحكومية إلى تعيين من هم من أتباعهم أو مريديهم سياسيًّا، على رأس المؤسسات الثقافية، ابتداءً من وزارات الثقافة وانتهاء بمحرري الآنية الإعلامية.

يكتفي أولو الأمر، والحال هذه، بتوصية من يتعين على رأس المؤسسة الثقافية بأن يتذكر دائمًا بأنه يتعامل مع أدباء ومثقفين، بمعنى التعامل، ليس مع أفراد عاديين في المجتمع، لأن هؤلاء الكتاب الخياليين والشعراء والمفكرين يتميزون بذوات متضخمة، وليس بذوات عادية، معتقدين بأنهم مركز العالم، علمًا أن تضخم ذات الأديب أو الشاعر إنما يكون مبعثه الدفين هو “عقدة تفوق”. هو لا يخفي شعوره بأنه أفضل من سواه من العامة اضطرارًا، ولكنه يتصرف حسب آلية وذبذبة تفرض على رؤساء المؤسسات الثقافية الشعور بأنهم إنما يتعاملون مع حالات خاصة تتطلب مرونة قصوى، وكأنهم أطباء نفسيون يتعاملون مع أفراد غير أسوياء، بمعنى أنك تتعامل مع أفراد يمكن أن يفعلوا أي شيء ويمكن أن يفاجئوك بأغرب السلوكيات والإعلانات.

وإذا كان القائمون على المؤسسات الثقافية أفرادًا يحملون هوية سياسية وينفذون إرادة سياسية، وليست ثقافية أو أدبية أو فنية صرف، فإنك غالبًا ما تجد في سلم الإدارات وهو يواظب على تذكيرهم بأن “حذار استفزاز الأدباء والمثقفين والفنانين”. يكفي تحييدهم، على أقل تقدير، إن لم تتمكن من كسبهم. هذا ما انتبه إليه أولو الأمر في حالات كثيرة تستحق الرصد والتحليل، منذ العصر الوسيط في عالمنا الإسلامي: وبعكسه، فما معنى أن يزن الخليفة أو الأمير قصيدة المدح بميزان الذهب ليهدي شاعرها ما يساوي وزنها ذهبًا صافيًّا؟

أما في عصرنا هذا، فلم يبقَ الشاعر ذو الصوت المسموع والعالي هو الذي يحتكر تشكيل الرأي العام: “مع أو ضد” هذا النظام وذلك الشاخص الحكومي، باعتبار إنهاء وسائل الإعلام هذا الاحتكار لأنها الأكثر وقعًا في نفوس كتل القراء ومؤشرات تفضيلاتهم الذوقية أو الاجتماعية أو السياسية.

وإذا ما كان عصر الإعلام هو العتلة الأساس في تشكيل الرأي العام طوال حوالي قرنين من الزمن (خاصة عبر القرن التاسع عشر والقرن العشرين)، فإن قبضة الإعلام الفولاذية على الرأي العام راحت تتراخى وتضعف أمام قبضة قنوات الاتصال الاجتماعي التي أخذ الكثيرون يعتمدون عليها بدائل عن نشرات الأخبار. بل ألاحظ هذه الأيام أن هناك من الشعراء والأدباء والكتاب الذين يعمدون إلى نشر نتاجاتهم بأسمائهم على صفحاتهم الخاصة في وسائل الاتصال الاجتماعي، قافزين على سلطة المحرر وعلى مقص الرقيب في آن واحد.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

مستقبل النشر بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي

abdah haqiأصبح النشر الإلكتروني في الوقت الراهن واقعا وحقيقة تحاصرنا كل يوم بعد أن إعتبره إلى وقت قريب عديد من مقاومي (جبهة الورقيين) معركة خاسرة منذ البداية ووهما بل موضة لن تفتأ أن تمرق بعمرها القصير مثل كثير من الموضات الغربية التي برقت لفترة قصيرة ثم أفلت ، في حين كانت جل المؤسسات الإعلامية العملاقة ودور النشر الرائدة خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية تعيد هيكلة بنياتها التحتية واللوجيستيكية وفق استرتيجية جديدة تتماشى والثورة التكنولوجية والرقمية التي إنعطفت بعلاقات الإنسان وأسانيد النشر التقليدية إلى 180 درجة أي من أطنان الأشجار التي تحولت إلى ورق إلى فسحة فضاء الرقمية صديقة البيئة والقابلة للتمدد بلا حدود تماشيا مع طموح وغواية النص السردي وليس لإكراهات سلطة البياض وجغرافيته المحدودة ...

مايؤكد هذه الحقيقة أن جميع المنابر الإعلامية الورقية المستقلة ثم الحزبية فيما بعد قد أطلقت في مجرة النشرالإلكتروني نسخها الرقمية بعد سنوات من التردد مخافة إنهيار صرحها الورقي الشامخ الذي شيدته قبل زهاء نصف قرن ونيف على أقل تقدير وأيضا مخافة التراجع الكارثي للمبيعات اليومية والذي من دون شك يهدد بالدرجة الأولى مستقبل مؤسساتها بالإغلاق وطاقمها بالتسريح إن لم يكن التشريد مثلما وقع للعديد من المنابر الإعلامية السيارة مثل (لوموند والواشنطون بوست ونيوزويك ..إلخ )

لم يعد إذن من باب السخرية اليوم أن نتحدث عن صحافة (البيجامة) كما كانت تنعت قبل عشر سنين حيث يكون باستطاعة الصحافي أوالمدون عموما وهو على سريره يحتسي قهوته ويمارس مهنة (المتاعب) بعيدا عن جدران قسم التحرير ومحاطا فقط بملحقات إلكترونية معدودة على رؤوس الأصابع : هاتفه الذكي وحاسوبه أو أيباده والربط الشبكي وتلفازا متطورجدا وحساب بريد مايل لتلقي أوالرد على الرسائل ..إلخ

وأعتقد أن الصحافة الورقية اليوم على إختلاف توجهاتها حزبية كانت أم مستقلة ، متنوعة أو موضوعاتية قد بدأت تتحسس ضرورة الإنتقال بأقل الخسائر من السند الورقي إلى السند الإلكتروني ، ما يؤكد هذه الحقيقة هو إرتفاع عدد زوار مواقعها الذي بات يتجاوز يوما بعد يوم المئات الآلاف فيما عدد مبيعات النسخ الورقية في المقابل لايتعدى بضعة آلاف في أحسن الأحوال .

وماكان لهذه الطفرة أن تحقق غاياتها في إستهداف مئات الآلاف من القراء والمتلقين الرقميين لولا الإنتشار الواسع للحوامل الإلكترونية وارتفاع عدد المواطنين المتصلين بالإنترنت في مختلف الأوساط والشرائح الإجتماعية وبحث هذه المنابرعن المعلومة الطاجزة وأخبار الإثارة التي تحقق إشباع فضول القارئ وتجعل منه مواطنا متشبعا بالمواطنة ومتفاعلا كل لحظة وحين مع أحداث مجتمعه على إختلاف مستوياتها وأهميتها ...

لايمكن أن نتحدث بهذا الصدد عن ثورة النشر الرقمية دون أن نتحدث عن إستحواذها على مختلف وسائط نشر المعرفة والعلوم وفي مقدمتها (الكتاب) بما رسخه في ذهنية وذاكرة الإنسانية وعقلها أيضا منذ قرون كوسيط مقدس بين تعاليم وشرائع ووصايا الله وعباده من البشرية وباعتباره أيضا ذخيرة وأثرا وشاهدا على تطورها العلمي والمعرفي والفلسفي والأدبي .. إلخ

آفاق شاسعة إذن فتحتها الرقمية والنشر الإلكتروني منذ مطلع التسعينات حيث عمد مايكل هارت عبر مشروعه الموسوم ب(غوتنبرغ) الرائد عالميا على مستوى النشر النتي ، عمد إلى رقمنة الآلاف من الكتب العالمية المجانية غير الخاضعة لحقوق النشر إلى كتب إلكترونية متاحة عبر الشبكة العنكبوتية لملايين القراء عبر العالم ثم في أواخر التسعينات تم إختراع برنامج (لوجيسيال) أدوب رايدر (بي يدي إيف) الذي أتاح للمتلقي إمكانية تخزين الكتب وأرشفتها في المكتبة الإفتراضية ، ومسايرة للتطور الرقمي والتكنولوجي صارت هذه الكتب عبارة عن كتب (ميلتيميديا) تتضمن بالإضافة إلى النص السردي فقرات صوتية وفيديوهات وصوروعناوين متحركة في الإتجاهين مما جعل عالم النشر ينتقل من الكتاب البضاعة المحسوسة المعروضة على الرفوف وأرصفة الأكشاك والتي نقلب صفحاتها بين أيدينا إلى بضاعة رقمية إفتراضية وربما بأبعاد ثلاثية مخبأة في جيوبنا ترافقنا في كل مكان وزمان بالليل كما بالنهار مما مكن عديد من الدول في العالم وفي عملية إستدراكية للوقت الضائع إلى نسخ تراثها العلمي والأدبي وعرضه على الأونلاين وبالمجان إلا فيما ندر وبالتالي فقد أصبح كل مواطن يملك حاملا إلكترونيا (حاسوبا أو هاتف سمارتفون ) مجهزا بالتطبيقات الضرورية للقراءة الفائقة صار هذا المواطن حاملا أوتوماتيكيا لأضخم مكتبة عالميا لم يكن ليتصورها عقل إنسان قبل ربع قرن وتضم أشهر الأعمال الكاملة للأدباء العالميين مثل تولستوي وتشيخوف وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وأبي الطيب المتنبي وامرؤ القيس وغيرهم ...

أما في المغرب فمازالت تجربة نشر الكتب الإلكترونية تجربة غائبة إن لم تكن مغيبة من برامج واستراتيجيات دور النشربسبب الإرتباط العضوي لهذه الصناعة أساسا ببنية تحتية إقتصادية وثقافية وعلمية متجذرة وحاضرة بقوة على المستويين العمودي والأفقي وهي على كل حال غير مستعدة في الوقت الراهن بل حتى على المدى المتوسط على المغامرة بالإستثمار في هذا المجال الرقمي إستئناسا واقتداءا بتجارب بعض الدول الرائدة مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية التي فاق فيها إنتاج الكتب الإلكترونية عدد الكتب الورقية بفارق مهول يجعلنا نخمن أننا فعلا قد ولجنا عصر نهاية الورق بكل تأكيد ...

وتعتبر تجربة مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة التجربة الوحيدة الرائدة على المستوى المغربي حيث بادرت إلى نشر مايناهز ثلاثين كتابا إلكترونيا على مدى سنتين فقط لأشهر الشعراء والكتاب المغاربة والعرب نذكر من بينهم الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة (ديوان شعر في ثلاثة أجزاء) والشاعر العراقي سعدي يوسف ومحمد سناجلة رائد رواية الواقعية الرقمية وأفنان القاسم والشاعر الليبي سعد المنصوري والقاصة والإعلامية المغربية ليلى الشافعي ومحمد أديب السلاوي وغيرهم

ولا مراء في أن هذا التطور التكنولوجي فضلا عن دمقرطة وسائط الإتصال ودسترة الحق في الوصول إلى المعلومة والإنخفاض التدريجي في أسعار الحوامل الذكية كل هذه العوامل سوف تكون حوافز قوية على حث دور النشرعلى الولوج إلى عصر صناعة الكتب الإلكترونية وإعداد الآليات القمينة بالإنتقال السلس وبأقل الأضرار إلى عصر التواصل والمعرفة وخاتمة القول أن الكتاب الإلكتروني قادم رغم أنفة الكتاب الورقي . إن الأمر لايتعلق هنا بصراع أو حرب بين غريمين بل بحتمية التطور أحب من أحب وكره من كره ...

 

عبده حقي

 

من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (23)

الحلقة الثالثة والعشرون لمقالاتي حول الامثال الروسية .

 

الترجمة الحرفية - الحقيقة المرٌة أفضل من الكذب الحلو.

التعليق – المعنى واضح في هذا المثل. يوجد بالعربية مثل مشهور يؤكد على ان الصديق المخلص هو الذي يقول الحقيقة لصديقه، وهذا المثل هو - صديقك من صدقك وليس من صدٌقك . يمكن القول – بشكل او بآخر - ان الهدف العام لهذا المثل يصب في نفس المعنى للمثل الروسي .

 

الترجمة الحرفية – مذنبون بلا ذنب .

التعليق – يضرب في حالة خرق العدالة وقوانينها، واتهام اناس ابرياء . هذا المثل مشهور جدا لان الكاتب المسرحي الروسي المعروف أستروفسكي (1823- 1886) استخدم كثيرا من الامثال الروسية عناوينا لمسرحياته، ومنها هذا المثل عنوانا لاحدى مسرحياته الشهيرة ، والتي لا زالت تعرض في المسارح الروسية لحد الان (انظر مقالتنا بعنوان استروفسكي - شكسبير روسيا).

 

الترجمة الحرفية – يوجد في عصرنا ما يكفي من الحمقى .

التعليق – يضرب عندما يجد الانسان كيف يتصرٌف الحمقى حوله، خصوصا عندما يدور الحديث عن تقريرمصير الناس في مسيرة الحياة .

 

الترجمة الحرفية – الرأس لا ينتظر الذيل .

التعليق – يضرب عند اتخاذ قرارات حاسمة يتطلبها موقف محدد ومهم في الحياة لا يقبل التأجيل، او التشاور بشأنه مع الآخرين .

 

الترجمة الحرفية – تاج القيصر لا يمكن ان يحميه من الصداع .

التعليق – يضرب في ان المرض لا يفرق بين البشر حسب طبقاتهم ومواقعهم، اذ انهم جميعا سواسية امامه.

 

الترجمة الحرفية – الزوج هو الرأس، لكن الزوجة هي العنق .

التعليق – يضرب في ان الزوجة هي التي تدير الامور في العائلة، اذ انها الرقبة التي تدير الرأس كما تريد، رغم الاعتراف ان الزوج هو الرأس . توجد تعليقات ساخرة كثيرة حول هذا المثل في المجتمع الروسي .

 

الترجمة الحرفية – اذا تحب ان تكون ضيفا، يجب ايضا ان تحب دعوة الناس اليك .

التعليق – يضرب في ان الحياة هي أخذ وعطاء، ومن الضرورة جدا الاقرار بذلك، و التنسيق المتوازن بين الجانبين .

 

الترجمة الحرفية – دهاء الثعلب في غباء الدجاج .

التعليق – يضرب في ان الغباء – بعض الاحيان - هو السبب الاساسي والحاسم في عملية انتصار الدهاء.

 

الترجمة الحرفية – ليس حسب واجب الخدمة، وانما على وفق الصداقة .

التعليق – يضرب عند تقديم طلب او رجاء للآخرين بغض النظر عن الموقع الاجتماعي لهم . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي - ليس خدمة بل صداقة / أخ لأخ، وهي ترجمة سليمة جدا .

 

الترجمة الحرفية – بايدي الآخرين يجرف اللهب .

التعليق – يضرب للشخص الذي يستغل جهود الآخرين لمنفعته . يترجم بوريسوف وجابر هذا المثل كما يأتي – حرٌك النار بايدي الغير، وهي ترجمة حرفية صحيحة لكنها لا توضٌح جوهر المثل ومعناه، الا ان جابر يضيف الى ترجمته تلك – استغل الآخرين لبلوغ مآربه، وفي مكان آخر من قاموسه يترجمه هكذا – استغل جهود غيره لمنفعته الشخصية، وهي ترجمات تفسيرية صحيحة ودقيقة .

 

الترجمة الحرفية – السوط الاول للواشي .

التعليق – يضرب في ان الواشي هو المتهم الاول، و هو الخائن الاول الذي يستحق العقاب الشديد .

 

الترجمة الحرفية – من يبحث عن اصدقاء دون نواقص، سيتصادق فقط مع خيبة الامل .

التعليق – يضرب في ان لكل انسان نواقصه، ولا يوجد انسان كامل الاوصاف . يوجد في هذا المعنى بالذات بيت شعر معروف بالعربية ذهب مثلا وهو-

اذا كنت في كل الامور معاتبا صديقك لن تلق الذي لا تعاتبه.

 

الترجمة الحرفية – الصديق غير المجرٌب مثل الجوزة غير المفلوقة .

التعليق – يضرب في اهمية تجربة الصداقة قبل اعتمادها والاقرار بها . توجد أمثال عديدة لدى مختلف الشعوب في هذا المعنى، وقد سبق لنا ان عرضنا بعضها في هذه الحلقات.

 

الترجمة الحرفية –   عمل أكثر – كلمات اقل .

التعليق – يضرب في ان الثرثرة والكلمات الفارغة تصبح أقل في سياق العمل الحقيقي.

 

الترجمة الحرفية – فكٌر في المساء ماذا ستعمل في الصباح .

التعليق – يضرب لضرورة التخطيط المسبق والدقيق للعمل بغض النظر عن اهميته.

 

الترجمة الحرفية – لا يمكن قلع المسمار بالاسنان .

التعليق – يضرب لضرورة الخضوع للمنطق والقواعد الطبيعية للاشياء في الحياة والتصرٌف على اساسها.

 

الترجمة الحرفية – النملة ليست كبيرة لكنها تحفر الجبال .

التعليق – يضرب لقيمة العمل و المثابرة و بذل الجهود في تحقيق الاهداف الكبيرة رغم كل الامكانيات الضعيفة.

 

الترجمة الحرفية – الشمس تجمٌل الارض، والعمل يجمٌل الانسان .

التعليق – توجد صورة فنية جميلة في هذا المثل الروسي، خصوصا وان الطبيعة الروسية تفتقد الشمس اصلا في بعض فصول السنة، ولهذا فان هذا المثل يؤكد على ان العمل يشغل مكانة كبيرة ومتميٌزة فعلا . يضرب في اهمية العمل في حياة الانسان وقيمته الحيوية والضرورية .

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

أوهام الهوية

emadadeen ibrahimلقد تعددت مفاهيم الهوية ومن هذه المفاهيم والتعريفات: أن الهوية هي الإعلاء من شان الفرد. كما أنها تمثل الوعي بالذات الثقافية والاجتماعية، وهي لا تعتبر ثابتة، إنما تتحول طبقًا أو تبعًا لتحول الواقع. فهي تمثل السمات التي تميز شخصًا عن شخص، أو جماعة عن جماعة. وللهوية مكونات أساسية منها الأصل أو العرق المشترك، كذلك التاريخ المشترك واللغة المشتركة والجغرافيا المشتركة والعادات والتقاليد المشتركة وغيرها. ونحن عندما نتحدث عن أوهام الهوية فإننا نقصد بها العزلة والشعور بالتهديد والارتياب من الأخر والذي يخلق في النهاية سوء فهم عميق بين البشر ومن ثم تهيئ الأرضية النفسية للعنف. ويجب أن نشير إلي أن هناك أمرين هامين يؤثران في محتوي الهوية هما : بزوغ فكرة الفردية، وحصول حراك اجتماعي يسمح بانتقال الفرد طبقيا من مستوي اجتماعي إلي آخر. والحديث عن هوية أصلية نقية منعزلة عن المجتمع هو الوهم بعينه. فلا يمكن للهوية أن تحيا في عزلة عما يحدث في العالم أو الواقع الخارجي. لأنها تتشكل من هذا الواقع وتتفاعل معه لأنها دينامية وليست ساكنة أو جامدة. فكل من يتحدث عن هوية منعزلة لا تتغير فهو يتحدث عن وهم كبير. وهناك كتاب مشهور وهام بعنوان (أوهام الهوية) يتحدث فيه عن مشكلة أو معضلة الهوية في البلدان الإسلامية من حيث طبيعة العلاقة بالحداثة الغربية، وكيفية التعامل معها، فالنخب المسيطرة في البلدان الإسلامية رأت في الحداثة الغربية مجمل التقنيات الحديثة فنقلتها إلي مجتمعاتها وأجرت تحديثا وليس حداثة لذا شكل النقل المشوه الثغرة الأولي في هوية المجتمعات الإسلامية وخصوصا في علاقتها مع الغرب. فالهوية لا يمكن أن تحيا في عزلة عن العالم الخارجي، فهي تمثل علاقة جدلية مع الآخر أيا كان هذا الآخر. أيضا في كتابه (النقد المزدوج المزدوج) ينتقد عبد الكريم ألخطيبي ما يسميه الهوية الأصلية، لان كل هوية ترتد في النهاية إلي مجتمع الإنتاج المتعين بحدود تاريخية وزمنية مضبوطة، لذا فان ألخطيبي يعتبر الحديث عن هوية غير ملوثة هي هوية ميتافيزيقية ولاهوتية يقول (لا يمكن للهوية الأصلية التي تقوم علي الأصول اللغوية والدينية وأن تحدد وحدها العالم العربي، فهذه الهوية قد تصدعت وتمزقت بفعل الصراعات والتناقضات الداخلية، ثم أنها مرغمة علي التكيف مع مقتضيات الحياة العصرية والتفتح علي العالم. إذن نحن مطالبون في ظل هذا الانفتاح وتقدم وسائل التقنية والاتصالات ان نتعامل مع هذه الحقيقة كواقع وليس وهم. وأن نحافظ علي هويتنا في ظل هذه المتغيرات وأن نوفق بين خصوصيتنا وكل ما هو متغير. علي سبيل المثال تحدي العولمة كتحدي للهوية ومحاولة افتراسها يجب علينا أن نوازن ونوفق بين هويتنا والعولمة ونأخذ من العولمة جانبها الايجابي والذي يتمثل من وجهة نظرنا في إيقاظ الوعي والمقاومة لدي الشعوب من اجل الحفاظ علي هويتها وخصوصيتها . إذن وهم الهوية النقية الأصلية المنعزلة المنغلقة علي نفسها هو وهم لا يتحقق علي ارض الواقع . بل كل هوية لابد أن تتشكل من الواقع الخارجي أيا كان هذا الواقع سياسي أم اجتماعي أم اقتصادي. فالهوية مشروع غير مكتمل قابل للتحقق في الواقع . مشروع نضال وكفاح من اجل التحقق أي مفهوم دينامي.

 

بقلم الدكتور: عماد الدين ابراهيم عبد الرازق

في تورخة الأدب العربي

mohamad aldamiيدرك الفلاسفة ومؤرخو الأفكار جيدًا أن تواريخ الأدب والثقافة لا تقل أهمية عما يسمى بـ”التواريخ العامة”، بل إن بعضهم يذهب بعيدًا حد عد النوع الأول أكثر أهمية من الثاني.

إذا كانت التواريخ العامة أقرب إلى التواريخ المدرسية باقتصارها على أن تكون سجلات أحداث أساسية، فإنها غالبًا ما تخفق في تورخة قصص الشعوب والطبقات العاملة أو الكادحة، مركزة جل اهتمامها على تواريخ البلاط والمعسكر. البلاط يرمز للتاريخ السياسي أو لتاريخ السلطة، أما المعسكر، فيرمز لتاريخ الحروب، وهي جميعًا قصص القتل والتخريب، لا قصص التقدم وسعادة الإنسان وإبداعه.

ومن منظور ثانٍ، يعد آخرون تواريخ الأدب والثقافة أكثر أهمية مما يسمى بالتواريخ العامة، فيرفضون إلحاق تواريخ الأدب بالتواريخ العامة بصفة ثانوية أو مساعدة. وعلة ذلك هي أن الأدب ليس مجرد سجل حولي للأحداث، وإنما هو رصد ومتابعة لتطور الأمة أو الجماعة الوجداني والنفسي والروحي. ودليل أهمية تواريخ الأدب هو أن العرب لا يملكون تواريخ دقيقة أو تقليدية عن الحقب السابقة لظهور الإسلام، باستثناء إشارات وشذرات طافية هنا وهناك تمر على المرء كمرور الكرام على الردى، كما تقول العرب.

أما الدليل المعزز لما نذهب إليه في أعلاه، فهو أننا نعتمد تاريخ الأدب فقط، مرآة لتاريخ عرب ما قبل الإسلام: فما أن تنطق بلفظ “ما قبل الإسلام”، تقفز المعلقات إلى الذاكرة، ناهيك عن قصص شعرائها، أما الطافيات الأخرى، فلا تزيد عن قصص نصف خرافية ونصف تاريخية عن شواخص وقيم أخلاقية: حاتم الطائي، هو رمز للضيافة والكرم العربي، عنترة، هو رمز للشجاعة والفروسية، زيادة على رمزيته للتمييز عند العرب على أساس لون البشرة.

أما تواريخ الأدب التي درسناها في المدارس وحفظنا منها نصوصًا بالآلاف، فإنها هي الأخرى لا تخدم سوى مرايا لذائقة العصور التي دونت بها هذه التواريخ، ناهيك عما اعتورها من خيلاء وانحيازات وتحاملات سياسية أو طائفية.

وللمرء أن يتصفح أيا من تواريخ الأدب المدرسية أعلاه ليتأكد من أن مؤلفيها قد اضطروا لحذف أسماء ونصوص شعراء وكتاب جهابذة، محاباة لأولي الأمر وللقائمين على السلطة، بدليل حذف هذه الأسماء أو دفعها خارج النص التاريخي.

والحق، فإن هذه الظاهرة البارزة في تواريخ الأدب العربي، للأسف، وهي التي تدفع المرء إلى الدعوة إلى “تورخة الذوق”، بمعنى رصد التغيرات والتحورات الذوقية التي يعكسها الأدب أكثر من سواه من الفنون، الأمر الذي يقرر كذلك طبيعة انتقاء أسماء الأدباء وانتخاب أعمالهم كي تقدم للتلاميذ أو للقراء عامة.

ولأقسام اللغة العربية في جامعاتنا من المحيط إلى الخليج أن تتأكد من أن مؤشرات التحولات الذوقية تدل على أن ما رصد أو سجل من تواريخ الأدب في القرن الزائل لا يمكن أن تتواءم مع الذوق العام السائد اليوم بسبب التغيرات الجذرية التي طرأت على الحياة العربية مذاك حتى اليوم.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

 

أعرف الناس من أفعالهم وليس من أقوالهم

قال كونفوشيوس"أنا لستُ حزيناً لان الناس لا تعرفني، ولكنني حزين لأني لا أعرفهم".

تبقى حياة إنساننا مُتناقضة وغامضة بعض الشيء. لأنهُ على الرغم من اختلاطك بمُختلف شرائح المجتمع إلا أنك لا تستطيع أن تعرفهم حق المعرفة أو تعرف كل ما يدور في خلجاتهم وخبايا فكرهم. لا تستطيع أن تعرفهم على حقيقتهم حتى وإن كان بينك وبينهم صداقة او قرابة. حتى أنت نفسك مرات كثيرة لا تستطيع فهم ذاتك أو تفسير ما يدور فيها! لأن الإنسان يبقى لغزا مفتاحه ضائع كلما حاولت الدخول إلى أعماق أعماقهِ اكتشفت الأكثر والأكثر واحترت في طريقة التعامل معه.

وخصوصا في زماننا المتذبذب هذا، الذي اصبح الغموض يعتكفه ويسيره على نهج لم نعهده من قبل! نعم هكذا أصبح الوضع وهكذا سار الحال ، بسبب الإنسان الذي أصبح أسير نفسه وواقعه ومجتمعه، يفعل ما يرغم عليه ويريد ما لا يقدر عليه ويبحث عما ليس أمام ناظره.. فقط من أجل أن يمضي فيه ويا ليته مضى ودعى الأخرون يفعلون ذلك .... ولكن؟! أنه يريد بلا إرادة ويسعى بدون هدف ويحاول بدون أن يخطط ويقول بدون أن يفهم ويستوعب!

باتت الحياة مواقف مُتباينة يمر الفرد بها ... موقف يسعده ... موقف يحزنه ... موقف يبكيه ... موقف يبقيه صامتا إزاء صدمته به. وكم من موقف جارح يتلقاه، أو مُسيء يصادفه ويضعه أو الأصح يجبره أن يردّ هذا الموقف أو هذه الاهانة بالإهانةِ، وأحيانا يدفعه للتعامل مع هذا الموقف الدخول في نقاش طويل عقيم .. فارغ بدون معنى! أو في ردود تخرج عن آداب الحوار والاحترام لأن هذا الآخر هو من دفعه واستفزه ولكن مع ذلك نقول العاقل في النهاية هو من يُدرك قيمة عقلهُ وقيمة نفسه ويحترمها.

الحياة مهما مرتْ بك أو مررت بها ألا انك ستشاهد من الناس ألوان وأشكال يصعب استيعاب ما يدور في داخلهم ويصعب إدراك ردة فعلهم باختلاف المواقف.

إنساننا يحاول أن يخلق عالم فريد من صنعه، عالم فيه التجرد والمجرد.

إنساننا الذي زادّ فيهِ مع احترامي للبعض الخبث بينهم والمكر والكذب والنفاق، لدرجة لا تستطيع أن تفرق فيما إذا كان شريرا أو خيرا كون العقل يفكر بشيء والقلب يضمّر كل دفين وشرير واللسان ينطق بما يشاء.

إنساننا الذي يلوح لكل ما في الحياة بالوداع.

إنساننا الذي بيده ممحاة محاولا بها أن يخفي كل جميل من أجل القبيح الذي يتملكه.

إنساننا الذي يقول أنا فقط وليس هناك آخر محاولا أن ينافس نفسه ويوصلها إلى مرحلة لا يستطيع الرجوع عنها.

إنساننا الذي يحاول أن يهمش الحياة من أجل حياة لا بقاء لها.

إنساننا بدون تكلف يصنع الاستغناء والاحتياج في نفسه أولا ومن ثم في الآخرين.

إنساننا هذا الذي يشاركنا عالمنا، تكاد الدهشة تأخذنا عندما نرى إلى أي مدى أصبح اسير نفسه .. نفسًا لا يستطيع عبور ما يتملكها ولا يقدر أن ينفك مما يكبلها!

إنساننا الذي غالبا ما يميل إلى ممارسة الخطأ على الرغم من إدراكه لذلك.

إنساننا الذي اصبح يعيش التشيؤ ويسعى إلى التغيب والتمرد.

إنساننا الذي احترنا في وصف فعله الغريب وتفسير فكره ؟!

دائما يجب أخذ الحذر في الدنيا لان إنسان اليوم ليس مثل إنسان الأمس ولن يكون مثل إنسان الغد، أنه يحاول بكل الطرق أن يدفع الآخر ويوقعه في الخطأ! غير مُبالي ألا بمصلحتهِ وذاتهِ الأنانية. فكيف تصلح وتصحح يا إنسان لو أخطأت بحق الآخرين؟!

ودائما يجب النظر إلى فعل الإنسان وليس إلى قوله لأنه بمجرد أن يدير ظهره لك، سوف ينسى كل ما نطق به وسينفيه، كونه ليس له قدرة على صنع طريقه، فكيف بالأحرى بالآخر نظيره؟!

 

سهى بطرس قوجا

آداب المناسبات

moamar habarيمتاز كل مجتمع بمناسبات وطنية ودينية وشخصية، يعبّر عنها بما تعلّمه عبر الزمن، وعايش ممارسات ممن كان قبله. ولا تخلو ممارسة عبر العالم أجمع من حسنات وسيّئات، التي تزول عبر الزمن وتظهر عادات أخرى.

لم تعد هناك عادات مغلقة لايطّلع عليها إلا أهلها، بل أصبحت مفتوحة للعالم أجمع عبر وسائل الإعلام وتعدد الفضائيات. فالمرء يتابع عبر المباشر تفاصيل المناسبات الوطنية والدينية لأي مجتمع وفي نفس اللحظة، وربما بنفس الحماس الذي يعيشه صاحبها فوق الميدان.

وبما أن ممارسة العادات لا تخلو من حسنات ولا سيئات، فكذلك يظل نقدها من حيث نثر الحسنات وكشف السلبيات قائما، على أن يكون النقد نابع من حب الخير والسعي له، وإصلاح مما لا يليق بالمناسبة.

والمطلوب أن تحترم عادات المجتمعات، حتّى يحترم المجتمع الآخر مناسباتك والتي يرى فيها من السلبيات مالا يراها صاحبها.

وللحد من المظاهر المشينة، فإن التعاون مطلوب داخلي وخارجي، لمعالجة المظاهر السيّئة التي إجتاحت مناسباتنا الوطنية والشخصية والدينية. فالمرء المنغمس في عاداته لايرى منها مايراه الخارج عنها الذي يراقبها بهدوء وروية. وصاحب المناسبة أدرى من غيره بمقاصد المناسبة وجوهرها، والذي لايظهر للبعيد عنها.

من أسوء مايتعرّض له المتتبع وهو يبدي رأيه بشأن المناسبات بصدق وإخلاص، التهم التي تلاحقه والشتائم التي يتعرّض لها، بحجة أنه تدخل فيما لايعنيه، وأنه أساء الأدب مع أصحاب المناسبة وأهل البلد، وأنه لايفقه شيئا.

إني كجزائري أنتقد باستمرار، كيفية ممارسة المناسبات الشخصية والوطنية والدينية في الجزائر، وأعلن ذلك عبر مقالات ومنشورات وتعاليق عبر صفحتي، ولم أستثني يوما أحدا من النقد ولا مناسبة، ولا القائمين عليها ولا المدافعين عنها أو المحاربين لها. وأخذنا عهدا على أنفسنا أن نظهر الحسنات وننتقد حين يتطلب المقام ذلك، غير مبالين بعاشق أو حاقد، ومراعين في نفس الوقت شعور كل منهما.

أصبحت المناسبات اليوم، ذات صبغة عالمية أكثر مما هي محلية وطنية، فليفتح النقاش حول المناسبات بين المجتمعات، ولا يحتكر لأصحاب البلد وحدهم دون غيرهم، ولا يمنع من يقدّم ملاحظاته حول مناسبة لمجتمع آخر، أو يتّهم بمحاباة مجتمع آخر أو بالعداوة والبغضاء والجهل وسوء التقدير.

وصاحب الأسطر يتعمّد في هذا المقام، عدم التطرق لمناسبات بعينها أو مجتمعات بالإسم، لأنه يعلم جيدا، أن مجرد ذكر المناسبة سيعرّضه لما لم يكن يقصده ويرمي إليه.

القهر الذي تعيشه المجتمعات العربية والإسلامية، هو الذي دفع بالأفراد إلى التعصب للمناسبات مهما كانت طبيعتها وأهدافها، ويرفضون بشدة تقبّل الرأي الآخر ولو كان صادقا ونصوحا، ويرمي إلى التقليل من حدّة المصائب التي تعتري المناسبات.

 

معمر حبار

 

آراء وأفكار في الآداب واللغات: اور في اللغة الألمانية

karim alasadiلا توجد كلمة أور في اللغة العربية ولغات الشرق القديم فقط بل ان لها وجود في اللغة الألمانية أيضاً!!

ووجود الكلمة ـ أور ـ كأسم عَلم أو أسم مدينة في لغات أخرى أو في كل لغات العالم مسألة طبيعية يفرضها العِلم وعلى الأخص علم الآثار وعلم التاريخ وعلم اللغات وعلم الأدب وتاريخه ، فما من عجب ان يكون اسم المدينة الأولى في العالم أو اسم حاضرة تُعتبر من أقدم حواضر البشرية المعروفة في التاريخ معروفاً في كل لغات العالم . لكن العجب ان يكون أسم أومقطع ـ أور ـ في اللغة الألمانية يقترن بمعنىً ثانٍ الى جنب المعنى الدال على أسم المدينة ويصبح هذا المعنى من تركيبة اللغة الألمانية نفسها حتى لو كان طارئاً عليها وليس هناك مايدل على وجوده في أصل هذه اللغة !!

المعنى الثاني لكلمة اور في اللغة الألمانية ـ والتي تُكتب في الحالتين ككلمة مكونة من حرفين (Ur) ـ يعني الأصل أو المرجع!!

  

الأكثر غرابة ان الأسم ثنائي الحرف تحول الى مقطع لغوي يُضاف الى كلمات أخرى فيكسبها معنى العراقة والأصالة والغور في القدم فمثلاً هناك كلمة (uralt) والكلمة مكونة من المقطع الأول (ur) مضافاً اليه كلمة (alt) حيث ان هذه الكلمة صفة في اللغة الألمانية تقابل تماماً وتشبه كلمة (old) في الأنجليزية وتعني قديم .أما الكلمة مع المقطع سوية أي ـ uralt ـ فتعني: العريق أو الموغل في القِدم!!

وهكذا مع كلمات في اللغة الألمانية يدخل عليها هذا المقطع الساحر فيمنحها معنى السببية مثلاً (Ursache) وتعني المسبب أو السبب أو أصل الشيء حيث كلمة ـ   Sache ـ تعني شيء فتكوِّن مع المقطع (Ur) سوية مايعني أصل الشئ أو المسبب أو الجذر أو المنشأ!!

كما ان هناك تعبير ـ   Urquelle ـ وهو مكون من المقطع (Ur) بالأضافة الى كلمة (Quelle) وتعني مفردةً : الينبوع أو النبع أو المنبع أو المصدر أو المرجع ، أما حين تأتي مندمجة مع مقطعنا فتتخذ معنى: المنبع الأول أو المرجع الأصل !!

الغريب في الأمر أيضاً بل الأشد غرابة ان هذه الكلمة (Ur) في اللغة الألمانية لاتمتلك فعلاً أو مصدراً أو مايسمى في اللغة الألمانية ب   (  Infinitiv) .

فكرتُ في الحقيقة في هذا الأمر : لماذا توجد هذه الكلمة في اللغة الألمانية كأسم مدينة وايضاً ككلمة داخل اللغة تعني المعاني التي تطرقنا اليها دون ان يكون لها أصل فعل أو مصدر ؟!. وتوقعتُ ان تكون الكلمة قد انتقلت مع المعاني التي تفيد القِدم السحيق والعراقة والمصدر والنبع والأساس والمَنشأ من كلمة أور التي تُطلق على أور السومرية.

ولكن هذا مجرد توقع وعليَّ ان أسأل وأتأكد !!..

والتأكد يكون من علماء وخبراء اللغة ممن هم أدرى وأكثر معرفة في اختاصهم.

في يوم ما وفي المرحلة الأخيرة من دراستي لنيل شهادة الماجستير في فرع الأدب العام والأدب المقارن مع فرع الأدب العربي كان لدي موعد مع استاذي رئيس قسم الأدب العام والأدب المقارن في جامعة برلين الحرَّة البروفسور الدكتور جيرت ماتنكلوت Gert Mattenklott وهو من علماء اللغة الألمانية والأدب الألماني والأدب المقارن البارزين والمعروفين في المانيا وأوربا بل وحتى في أميركا سبق وان درَّس في دول عديدة منها المانيا وفرنسا وايطاليا واميركا واليابان ، وكنتُ أزور بعض الفصول الدراسية التي يقدمها لطلاب الماجستير والدكتوراه .

موعدي معه كان بشأن الحصول على شهادة خبير أو توصية مختص أو مايسمى في اللغة الأكاديمية الألمانية ب (Gutachten) ، وهذا عرفٌ متبع في الجامعات الألمانية حيث يقوم أحد الأساتذة من ذوي المعرفة والخبرة في اختصاصه بكتابة تقييم لأحد طلبته أو الباحثين العلميين معه يستند عليه الطالب أو الباحث العلمي في الحصول على زمالة أو بعثة دراسية أو منحة تفرغ لأنجاز عمل ما .

كنتُ أنوي آنذاك الحصول على منحة تفرغ لأنجاز عمل أدبي وقد أخذتُ معي نسخاً من قصائد ومواضيع كنتُ نشرتُها في الصحف والمجلات الناطقة في الألمانية وعلى الأخص في جريدة زيوريخ الجديدة (Neue Zürcher Zeitung) الصادرة في سويسرا والتي تحظى المواضيع المنشورة في قسمها الأدبي والثقافي باهتمام اساتذة الأدب الألمان ويعتبرها بعضهم أفضل الجرائد الناطقة بالألمانية في هذا الخصوص.

استقبلني الأستاذ البروفسور في مكتبه في القسم بالترحاب وأثناء الحديث ودَّ ان يعرف بعض الشيء مني عن وطني ومدينتي وعن الأدب والتاريخ هناك رغم انه يعرف مسبقاً انني أتحدر أصلاً من العراق .

حين أخبرته انني من أحدى مدن العراق اسمها الناصرية استوضح أكثر.

فقلت له انني أنحدر من مدينة صغيرة في جنوب الناصرية اسمها الفهود ضمن منطقة الجبايش ومن مناطق الأهوار في جنوب العراق .

أردف ان هذه المناطق تعتبر أصل الحضارات في العالم لأنها مناطق السومريين ، وسومر أصل الحضارات!!

قلتُ له ان مدينة أور التي كانت مملكة قبل خمسة آلاف عام ومركزاً لهذه المنطقة تقع على بعد عشرة كيلومترات فقط من مركز مدينة الناصرية الحديثة.

قال : ياللدهشة.

آنذاك أتت الفرصة كي أسأله السؤال الذي كنتُ افكر في طرحه يوماً على أستاذ مختص. قلتُ له :

أستاذ هناك تعابير في اللغة الألمانية يدخل ضمن تركيبها اللغوي مقطع ـ أور ـ وكلها تفيد التعبير عن العراقة والأصالة والقِدم والمنشأ والسبب ! ثم أوردتُ الكلمات الألمانية التي تحتوي على هذا المقطع والتي ذكرتُها قبل قليل في مقالي هذا. كما أبديتُ استغرابي ان مامن فعل أو مصدر لكلمة Ur في اللغة الألمانية . بعد ذلك حاولتُ أن أسمع رأيه في توقعي أو استنتاجي الذي مفاده ان هذه الأشتقاقات في اللغة الألمانية مشتقة أو قادمة من أسم مدينة أور في العراق أو مابين النهرين !!.

وياللمفاجأة حين أخبرني بعد أطراقة قصيرة انه يرجح هذا الرأي حيث ليس من مصدر أو أصل لكلمة Ur في اللغة الألمانية !! ، ثمَّ أبدى أعجابه الشديد بالسؤال والفكرة.

تركتُ القصائد والمواضيع الأدبية عنده مثلما طلب لنتقابل في موعد آخر وليكتب شهادته عني على ضوء ما قرأ لي .

حينما تقابلنا بعد ذلك أخبرني الأستاذ انه أطلع على القصائد والمواضيع بروية وان القصائد المنشورة في جريدة زيوريخ الجديدة كانت معروفة لديه قبل ان يستلمها مني وحينما سألته كيف أطلع عليها ، أجابني ان زوجته قرأتْ تلك القصائد في الجريدة واحتفظتْ بنسخة الجريدة لتقدمها له في البيت . وزوجته بروفسورة جامعية أيضا في حقل علم الجمال والمواهب التربوي أو علم المواهب الجمالي التربوي ، وتدرِّس في جامعة الفنون في برلين.

طلب مني بعد ذلك برجاء وتهذيب ان اقدم له المزيد من قصائدي ومواضيعي الأدبية ، كما طلب مني وهو رئيس قسم الأدب العام والأدب المقارن ان أقدم له الأعمال الأكاديمية الأدبية التي كتبتُها عند زملائه الأساتذة الآخرين في القسم ضمن المنهاج الدراسي والتي حصلتُ مقابل انجازها على درجات ستؤهلني للتقدم الى امتحانات الماجستير.

عرفتُ حينها ان فضوله للأطلاع على أعمالي كبير وان الأمر طيب وليس فيه تجاوز على أحد فهو رئيس قسم وعلّامة وحجَّة في الأدب وأنا طالب لديه !!

جلبتُ له بعض قصائدي و بعض الأعمال ألأكاديمية التي كتبتُ بعضها كمقالات أدبية دون الأستعانة بمصادر خارجية بل اعتمدتُ فيها على محاولات فهمي وتحليلي للنص الأدبي روايةً أو قصةً أو قصيدةً ، ومن الذين كتبتُ عنهم كتّاب المان مثل فرانزكافكا وبرتولد بريشت وهولدرلين وباول سيلان.

بعد فترة استلمتُ الشهادة على شكل تقرير مكتوب بلغة المانية أدبية عالية جداً مع ملاحظة في اللغة الأنجليزية تقول : لمن يهمه الأمر!

قال لي الأستاذ هذا التقرير الذي تستحقه موجه الى كل فرد ، وكل مؤسسة وكل جهة ، بأمكانك تقديمه دون تردد في أي زمن ولأي مكان!!

قرأتُ شهادة استاذي ففكرتُ حينها انه لم يمنح من قبل طالباً أو باحثاً علمياً شهادةً بمثل هذا الحماس ، هذاالمديح ، هذا ألأطراء ، وهذه الثقة بما يكتب وبالذي يكتب عنه ، صفحة كاملة تقريباً عبارة ثناء تردف عبارة اعجاب وتوقع لمستقبل كبير لشاعر وكاتب وناقد يعقب تعريف بشاعر وكاتب وناقد.

وربما يسأل القاريء الكريم ومن حقه ان يسأل : ماالنتيجة؟!

النتيجة انني لم أحصل على هذاالدعم من المؤسسات (الثقافية) التي تقدمتُ اليها بأعمالي مرفقة بهذاالتقرير من استاذ الأساتذة وهواستاذ بعض اعضاء لجان التحكيم !!

والغريب الغريب في الأمر انني في أحدى المحاولات تقدمتُ بأعمالي مرفقة بشهادة هذا البروفسورالى مؤسسة دعم ثقافي وكان هذا البروفسور نفسه عضواً في لجنة التحكيم في ذاك الموسم فأرفقتُ شهادته بأعمالي ، لكن هذه المؤسسة التي اعتادت رفض أعمالي فيما سبق دون تبرير وتفسير رفضت طلبي هنا أيضاً في برلين المفارقات والعجائب والغرائب ، ولا أعرف الآن هل وصل ملف طلبي وأعمالي الى استاذي عضولجنة التحكيم أم ابتلعته الأفاعي والعقارب !!

لم أسأل الأستاذ الذي ساءت حالته الصحية وتدهورت بسرعة حينما بدأ السرطان يتقدم ويفتك بجسده ولم يكن بالمتقدم بالعمر أو الشيخ الكبير الى ان اسلم الروح قبل بضع سنوات!

بقي لدي منه هذا التقرير بالمديح النادر والثناء الفاخر والتوقع العالي لمستقبل لا نعلم متى سيأتي ، وبقي معي ـ وهذا هوالأهم ـ أعجابه بفكرتي ان كلمة اور في اللغة الألمانية مأخوذة من اسم مدينة اور السومرية ، من بلاد النهرين !!

نعم من المدينة التي تروي عنها الأديان والآداب انها مسقط رأس ابي الأنبياء والديانات السماوية أبراهيم الخليل ، ومن العراق حيث يرقد الأمام علي بن أبي طالب وأبنه الأمام الحسين بن علي عليهم جميعاً وعلى العراق السلام !!!!

وابراهيم يسمى في الألمانية أيضاً (Der Urvater) وهذا يعني الأب الأول أوالأب الأصل.

قبل بضعة أيام وأنا أتهيأ لكتابة هذا المقال أردت ان أعرف من الحس الشعبي العام ماذا يقول ويفكر عامة الناس عن كلمة اور في اللغة الألمانية .كنتُ حينها أجلس في مقهى قرب بيتي وقرب طاولتي جلس شابٌ الماني رفقة شابتين من ألمانيا أيضاً. سألتهم فيم اذا كانت اللغة الألمانية لغتهم الأم وفيما أذا كان بأمكانهم الأجابة عن سؤال فأجابوا بالأيجاب ، حينها سألتهم ماذا يعتقدون من اين اتت كلمة أور في اللغة الألمانية ؟!

أجاب الشاب انه يعتقد ان الكلمة لها علاقة بالمدينة التي ولد ونشأ فيها مؤسس الأديان ، ثم أردف: نسيتُ اسمه !

قلتُ له : تعني ابراهام؟!

قال : نعم ، نعم . تماماً ابراهام .

ووافقت زميلاته على قوله . كان الثلاثة طلبة في كلية الحقوق.

أمس سألتُ زميلة المانية تدرس الأدب الأنجليزي وأبديتُ لها رأيي في أصل الكلمة ، فعقبت بالقول: هذه نظرية ممتعة.

واليوم وفي كافتيريا المكتبة سألتُ زميلة تدرس على الدكتوراه في الأدب الألماني ومن أصل الماني أيضاً ونحن نشرب القهوة ، ابدتْ سرورها البالغ في الألتفات الى هذا الموضوع وأيدتْ رأيي في انتقال الكلمة واشتقاقاتها من أصل وأسم المدينة السومرية ثم غاْدرتْ كافتيريا المكتبة لتعود شتيفاني(Stefanie) الي بعد نصف ساعة تقريباً ممسكة في يمينها ورقة في أسماء مصادر ممكن ان تعزز بحثي هذا .

ولكنني لاأميل الآن الى استخدام المصادر فالأمر يتعلق في أجتهاد فكري وتنظير ، سأعمل مستقبلاً على برهنته وتعزيزه وأثباته ، وقد يتطلب الأمر بعض الوقت وقد يكون مشروع اصدار كتاب !

 

كريم الأسدي

..................

* هذاالمقال هوالمقال الأول من سلسة من المقالات سانشرها تحت العنوان العام: آراء وأفكارفي الآداب واللغات .

 

بين الجواهري والامام الحسين مآثــر وشعــر

rawaa jasaniلم يتردد الجواهري ذات يوم من الاعلان- بوضوح لا ينافس، وبصوت هادر- عن مواقفه، وترسيخ رؤاه في الإباء والشموخ والفداء، وذلك في فرائد عديدة، وقصيد زاخر بالابداع .. وإذا ما اختلفت في الصورة والاستعارة، فهي متشابكة في المفاهيم ومباشرة في المقاصد .. وفي مقابل ذلك تماماً، لم يجامل الشاعر العظيم أو يهادن في هجو الخنوع والانحناء، كما وأولئك المقيمين على الذل، بل وحتى من يتوسط "كاللبن الخاثر" وغيرهم من اللاجئين "لأدبار الحلول فسميت وسطاً، وسميّ أهلها، وسطاء"..

ولربما نجتهد، ونصيب، فنرى في قصيدة "آمنت بالحسين" المنشورة عام 1947 مجمعاً للشواهد والأدلة الأبرز عن تلكم المفاهيم الجواهرية المتميزة... فالمطولة ذات الاكثرمن ستين بيتاً ، تفيض من مطلعها، وحتى ختامها، بآراء ومقاييس بالغة الرفعة في تبجيل "الواهبين النفس" فداءً للمبادىء التي يؤمنون بها، وتلكم بلا شك التضحية الأضخم للدفاع عن القيم والذود عنها... كما يرى صاحب "آمنت بالحسين" فيقول:

فـداء لمثـواك من مضـجـع ... تـنـوّر بـالابلــج الأروع ِ

ورعياً ليومـك يوم "الطفـوف" ... وسـقياً لأرضك من مصرع ِ

تعـاليت من مُفـزع ٍ للحتـوف ... وبـورك قبـرك مـن مَفزع ِ

وهكذا، وبدءاً من بيتها الأول يحدد الجواهري الاتجاه الذي يريد قوله في تضحيات الحسين الثائر و"نهجه النير" الذي بات "عظة الطامحين العظام" لاولئك "اللاهين عن غدهم" والقنوعين دون احتجاج وتمرد أو ثورة... كما يفيض عديد آخر من أبيات القصيدة بعواطف ومشاعر انسانية فائقة التعبير في تقديس الثبات والصمود لرجل يوم "الطفوف" و"الملهم المبدع" الثابت أمام "سنابك خيل الطغاة" دون خوف أو رهبة، وبهدف أن يندحرَ "جديب الضمير بآخر معشوشب ممرع"...

شممتُ ثـراك فهب النسيم ... نسيم الكرامـة من بَلقـع ِ

وطفت بقبرك طوفَ الخيال ... بصومعـة المُلهـم المبدع ِ

تعـاليت من صاعق يلتظي ... فـان تـدجُ داجية ُ يلمـع ِ

وفي مقاطع أخرى من القصيدة يتمثل الشاعر مأثرة الحسين التاريخية، ويمحص الأمر دون أن يرتهب من "الرواة"، أو يخدع بما ينقلون، هادفاً للحقيقة لا غيرها، وبدون تزويق أو مبالغات... وبعد ذلك فقط، يجد الجواهري أن في فداء الحسين دفاعاً عن مبادئه، وقائع لا أعظم منها، وفي سبيلها " يطعم الموت خير البنين، من الكهلين الى الرضّع"...

ثم تعود القصيدة لتجدد في الختام تقديس ذلك الصمود والعطاء الذي "نوّر" ايمان الجواهري، وفلسفته في الإباء والفداء والتي تجسدت، كما سبق القول، في الكثير من قصائده ومن بينها "بور سعيد 1956" و"كردستان ... موطن الأبطال 1962" و"فلسطين الفداء والدم 1970"، فضلاً عن قصــائد الوثبـة، الشـهيـرة، عــام 1948... ومما جاء في ختام "آمنت بالحسين":

تمثلـتُ يومـك في خاطـري ... ورددت "صـوتك" في مسـمعي

ومحصـت أمـرك لم "ارتهب" ... بنقـل "الرواة" ولـم أخــدع ِ

ولما ازحـت طـلاء "القرون" ... وسـتر الخـداع عن المخـدع ِ

وجدتـك في صـورة لـم أُرعْ ... بـأعـظــمَ منهـا ولا أروع

وللاستزادة، نقول أن القصيدة نشرت في جميع طبعات ديوان الجواهري، ومنذ العام 1951، وقد خُط خمسة عشر بيتاً منها بالذهب على الباب الرئيس للرواق الحسيني في كربلاء، كما أُنشدت، وتنشد، منذ عقود والى اليوم في مختلف المجالس والمناسبات الاحيائية لواقعة "الطف" التي تصادف كما هو معروف في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم، كل سنة.

 

رواء الجصاني

 

ملحق آراء في يا دجلة الخير

syrawan yamalkiالاديب والناقد الاستاذ جمعة عبدالله

الشاعر والموسيقار القدير

جوهرة سحرية في الاداء واللحن والموسيقى , لقد سمعتها اكثر من مرة ولم ارتو منها بعد , ان هذا الاسلوب في الغناء واللحن , يفزز العواطف , ويحيى مشاعر الوجدان بحب العراق , تعجز الكلمات في وصف هذا السحر الغنائي , المنبثق من اعماق القلب , امام روعة التقمص لاداء قصيدة ( يا دجلة الخير) ان سامعها يقع تحت تأثير السحر الموسيقي الخلاب .

الله يحفظ هذه الحنجرة الرائعة , كأنها في عز الشباب , وهذه الانامل الساحرة بالنغم والعزف .

اتمنى لكم الصحة والعمر المديد , ومزيداً من السحر الموسيقي الذي ينادي بأسم العراق .

ارجوك رجاءً اذا كانت هناك مقطوعات موسيقية اخرى , ارجو نشرها , انها ابداع موسيقي جميل . وادعو كل محبي العراق سماعها , انها تحفة تفوق الوصف.

 

الدكتور سمير حنا

عزيزي الفنان المبدع، الرجل الرائع الذي كنا نأوى الى داره عندما كنا طلبة، نحن مجموعة من المتمردين، ونلقى منك كل الكرم والمشاركة الأدبية والفنية .

بحثت عنك كثيرا ً، وكانت مفاجأة، أن احد الاصدقاء أرسل لي قصيدة الجواهري الكبير (با دجلة الخير ) مغناة، وهو يعرف مدى أعجابي بالموسيقى والألحان الصادقة والنقية، في زمن الأغاني المسيئة للذوق في اللحن والكلمات، وهي في رأيي معبرة عما يمرٌ به وطننا من مأسي وتدمير في كل المجالات !

وإذا انت هو صاحب اللحن والأداء، وكان في ذهني اربع تجارب سابقة لنفس القصيدة، واستمعت لك قبل القصيدة، كُنتَ تصور كل كلمة باللحن، وبطريقة أدائك.

ساءلت نفسي، ربما أنني متحيز لك، فعدتُ واستمعت لها ثانية وثالثة، فكنتُ ازداد إعجاباً بالمطرب واللحن والكلمات التي أراها أمامي، وألغيتُ من ذهني مفاجأة اللحظة الفتية البكر الاولى، وعدتُ أبحث عن التجارب السابقة الأربعة لنفس القصيدة وبألحان وأداء أربعة مطربين وأربعة ملحنين .

وتعمق ثقتي برأيي الأول، أنه لحن يصور دجلة الخير والمطرب يذوب روحيا وعاطفيا مع الأماكن والناس المتوارية في كل جملة شعرية من القصيدة .

أعتقد أن المخرج، عمل بالإمكانات المتاحة له، هناك لقطات، لا تعجبني من الناحية الجمالية، والتصويرية للقصيدة .

هناك لقطة لك، وفي عمقها مجموعة من الشموع مضاءة، اجدها صبيانية، وتفتقد الى العفوية، أن الإضاءة الفنية يجب أن لا تكون مفتعلة. وهذا رأي قابل للصواب والخطأ، ولكني فنان درس الاخراج المسرحي ومن ثم التلفزيوني والسينمائي، ولي خبرة في هذا المجال، أقول أن كل الإضاءة الفنية هي مقصودة على شرط أن لا يلاحظها المشاهد . لك كل الشوق والمودة.

 

الدكتورفارس التميمي

عزيزي سيروان،،، أسعدتني رسالتك بما تحمله من متابعة الأخوة المهتمين بشأن الفن والأدب العراقي،،، وأسعدني أنهم أبدوا آرائهم في عملك الرائع،،، لم يجاملك أحد فيما قال يا عزيزي،، فعملك ينتزع التقدير ولا يحتاج للمجاملة،، فقد كنت صادقا في إحساسك وتأديتك،،، أبدعت بالفعل،، والإبداع لا نهاية له،،، فهو محفز لإبداعات أخرى،، هو بتعبير فيزيائي (مقتبس) التفاعل المستمر والمتسلسل مثل الذي يحدث في إنفجار الذرة،،، وهنا ننتظر ما سيأتي في القادم من الأيام،،، تحياتي وتمنياتي،، فارس .

 

 

الاستاذ ضياء العلي

استاذنا العزيز تعجز الكلمات ..أضفت للكنز كنزا وأكملت شدة الورد بلحنك وصوتك الرخيم الذي أعطى لشعر الجواهري طعما اخر اما الفيديو كليب كنت تتحدث عنه ولكننا لم نتصور ان يكون بهذا الروعة مبروك لكم ولكل الذي عمل على ان يكون هذا الفيديو كليب بهذا الابداع.

 

الناقد الموسيقي الاستاذ عدنان الحسيني

العزيز العزيز سيروان : تحية طيبة مع شوق لا يوصف لسماع نغم وانت تجس عودك بالرفق واللين . انه فخر لي ان تهتم برأيي في عمل لك وهو دليل ثقتك الغالية عندي في ما افكر فيه وما اطمح ان اسمعه خاصة ونحن نعيش هبوطا مؤسفا في النتاج الموسيقي والغنائي منذ مجئ السادات الى الحكم ! استمعت الى (يادجلة الخير) اكثر من عشرين مرة لكي احاول اعطاء رأيي بها لأنني لا امتلك كتابتها الموسيقية (النوتة) لأن من خلال النوتة نستطيع نحن النقاد الموسييقين اعتمادها كمادة اساسية اكثر من الإعتماد على الأذن والسماع رغم ان الأذن تعشق قبل (الحب) احيانا ! سأعتمد على الثواني والدقائق المرافقة للتسجيل المثبتة على شريط (يوتيوب) لكي تستطيع ان ترافقني فيما سأكتبه . يبدأ العمل بمقدمة رصينة في الثانية التاسعة للشريط ، وتنبؤنا هذه المقدمة بعمل رصين لشعر رصين وهي رائعة بحق وتملك فكرة (ثيمة) موسيقية يتخللها ارتجال على العود استطيع ان اصفه انه نادر الطرق لأن اكثر الإرتجالات مطروقة إلا ارتجالات الراحلين جميل بشير وسلمان شكر . في الدقيقة الأولى و36 ثانية تدخل بمناجاة وقورة وهادئة للبيت الأول وتستمر هكذا حتى الدقيقة الثانية و ثلاث ثواني تفاجأت بقفلة نهائية للحن وكأن العمل الموسيقي قد انتهى وتسمى هذه القفلة (قفلة تامة - بيرفكت كادنس) ولا يجوز ان تستعمل هذه القفلة إلا في نهاية القصيدة ، فقد كنت في الحقيقة اتوقع دخولك مباشرة الى البيت الثاني بنفس اللحن مع تصعيد في شطره لكي تهئ المستمع للأنتقال الى جنس آخر مع الأستمرار في ابيات أخرى للقصيدة لكي تمنح المتعة للمستمع شعرا ولحنا خاصة انك تجمع المجد من طرفيهما . في الدقيقة الثانية و11ثانية اعادة غير مبررة للمقدمة الموسيقية وكنت افضل ان تعطينا فاصلا موسيقيا قصيرا لأننا يصدد شعر مغنى ولسنا بعمل موسيقي مجرد . الدقيقة الثانية و58 ثانية مدخل رائع يتناسب مع (ظمآنا الوذ به) وكنت اتمنى ان تستمر ايضا في ابيات اخرى واخرى شرط انتقالات تتفنن بها وحدك ولا تركن الى المقدور عليها حنجريا . في الدقيقة الثالثة و56 ثانيةامتداد مقبول ولكن الهبوط في الدقيقة الرابعة و26 ثانية هبوط آخر لسنا بحاجة له واعادة غير مبررة لفاصل موسيقي وهناك هبوط آخر عند (لي النسائم). العمل لا يخلو من المتعة ولكنك تستطيع ان تمنحنا لذة الإستماع لك وللجواهري . في عملك اللاحق سأكون اكثر شدة معك .

 

الاستاذ سليم سبنداري

عزيزي كاك سيروان الغالي،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

شكراً جزيلاً على إرسال آخر أعمالك الموسيقية. تبهرنا دائماً بأعمالك الرائعة وصوتك العذب. لا أجد كلمات أعبر فيها عن مدى إعجابي بعملك الموسيقي الرائع. ليحفظك الله عزوجل لتقديم المزيد من مثل هذه الأعمال الرائعة. مع جزيل الشكر.

 

الاستاذ شاكر المنذري

يا دجلة الخير لسيروان ياملكي كانت مؤثرة نقلتني من متاهة الغربة الى متاهات الواقع..شكرا.

 

المركز الخبري لجريدة السيمر الإخبارية

من رصف الكلمات كالجبال الشامخة جواهري العرب الكبير ، وابدع في اللحن والأداء الفنان سيروان ياملكي ، مع تصوير بلقطات جميلة أخاذة .. نترككم مع الفنان المبدع وكلمات الجواهري الكبير ، ويا دجلة الخير .

 

 

مقهى العراقيين في كندا وامريكا

عمل رائع ويستحق الدعم للشاعر والموسيقى والملحن

الاستاذ "سيروان ياملكي" المقيم في فانكوفر/ كندا والذي له امسيات موسيقية وأخرى شعرية في السنوات الماضية في نشر اخر أغنية قام بها ( يا دجلة الخير) كلمات الجواهري وأداء وتلحين الاستاذ سيروان ياملكي.

 

للاطلاع

يوتيوب: (يا دجلة الخير) من الحان وأداء الشاعر سيروان ياملكي

 

 

سؤالان حول علم الاجتماع

hamid shakirبعث لنا الاستاذ (زيوار محمد المدرس) عبر الفيس بوك سؤالا حول علم الاجتماع مفاده:

السلام عليكم استاذنا الحبيب

كيف حالكم ؟

حقيقة اود شكرك على كتاباتك الراقية والرائعة

وقد قرات الكثير من سلسلتك اكذوبة علم الاجتماع العراقي االتي عريت فيها علي الوردي تماما

اود هنا سؤالك استاذنا الحبيب حول قضية يصر عليها الكثير من علماء الاجتماع بما فيهم الوردي

ومفادها كما تعلمون ان الانسان لايختار سلوكه

انما يختاره له المجتمع

ما قيمة هذه الاطروحة على ضوء علم الاجتماع الحديث او مدارس الاجتماع عموما .. وكيف نظرتكم لذلك؟ .. وما قيمتها بالأحرى في ميزان الرؤية النقدية ومعيار العلم

 

فاجبناه بالاتي:

تحياتي اخي زيوار محمد وشكرا لكم على التقييم: نعم لكل مدرسة علمية في العصر الحديث رؤيتها الخاصة لما حولها من اشياء لاسيما الشيئ الارقى وهو الانسان، فمدرسة علم النفس الحديثة (مثلا) عندما نطرح عليها مفهوم الانسان فمن الطبيعي ان تنظر الى هذا الانسان على اساس انه صناعة نفسية مئة بالمئة، وغير مطالبة هذه المدرسة من الناحية العلمية ان تنظر للانسان بمنظار اخر غير مدرستها وتخصصها بهذا العلم !!. وهكذا يقال بالنسبة لعلم الاقتصاد او علم الفيسلوجية او ... علم الاجتماع ايضا، فمدرسة علم الاجتماع ترى ان الانسان صناعة اجتماعية مئة بالمئة اي ان المجتمع او المصنع الحقيقي لبناء الانسان الفرد روحيا وفكريا وسلوكيا و....غير ذالك هو المجتمع فحسب !!. والى هنا لم تزل هذه الرؤى للانسان رؤى علمية باعتبار ان كل مدرسة تدرس الانسان من خلال منظارها ومنهجها ومنطلقاتها و .... تعتبر نفسها انها المرجعية الاخيرة لكل ما يختص بالفرد الاجتماعي؟. نعم عندما تؤكد مدرسة علم الاجتماع الحديثة ان الفرد الانسان ماهو الا صناعة اجتماعية فهي لم تخرج عن قاعدة التخصص العلمي الحديث، وعندما تصل مدرسة علم الاجتماع الى نتيجة من قبيل ان سلوك الانسان واختياراته وتركيبه النفسي والعقلي والروحي والفكري والثقافي والعقدي و .... ماهي الا نتاج ما غرزه المجتمع داخل هذا الفرد، فهذا هو عمق مدلول علم الاجتماع الحديث بل وهو الرؤية العلمية لهذا العلم بالتحديد !!. تمام ربما يتسائل البعض عن حرية الانسان الفرد قبالة هذه الجبرية الاجتماعية التي يصورها علم الاجتماع الحديث على اساس انها الجدران الحديدية التي يسجن داخلها الفرد الانسان ولا قدرة ولا حرية ولا اختيار له في داخل هذا السجن الاجتماعي؟. ويتسائل الكثير عن معنى هذه الرؤية الاجتماعية التي توحي بفقدان الانسان لاهم ميزة عنده الا وهي حريته وارادته امام هذا المارد الاجتماعي المتغول؟. هنا وعلميا وعند ارادتنا للاجابة على مثل هذا الاشكال لابد من التفريق بين مناهج التفكير العلمية من جهة ومناهج التفكير الفلسفية او الكلامية من جانب اخر؟.لكل علم ومدرسه منهج بطبيعة الحال في تناول الزوايا المعرفية وخاصة التي تحيط بالانسان، فليس داخل في اطار مناهج العلوم الاجتماعية ان يدرس الانسان منفصلا عن مجتمعه ولذالك لم يصبح المجتمع مادة لعلم ما الا عندما اصبح المجتمع مادة لعلم الاجتماع له قوانينه وسننه الثابته التي تميزه عن باقي مناهج وقوانين العلوم الاخرى، فعلم الجيلوجي لايمكن ان نطالبه بدراسة قوانين التفكير الانسانية، والعكس صحيح عندما نؤكد

ان الفلسفة كمدرسة لدراسة ظواهر التفكير الانسانية (هذا تعريف الفيلسوف الايراني مرتضى مطهري للفلسفة) لايمكن لها ان تشرح او تفسر لنا طبقات الارض الجيلوجية او تتمكن هذه الفلسفة من تناول قوانين هذه الطبقات الارضية !!. علم الاجتماع هو الاخر علم مختص بدراسة المجتمع ككل واذا اردنا ان ندرس ظاهرة حرية الانسان الفردية وارادته السلوكية بعيدا عن المجتمع فلا بد ان ننقل الدراسة والبحث لعلم الفلسفة حتى نجيب على سؤال: هل الانسان مخير ام مسير قبالة جبرية المجتمع؟؟. وهكذا اذا اردنا ان نبحث سؤال: هل الانسان مخير او مجبر امام ارادة الله سبحانه وقضائ؟. فاننا حتما اذا كنا نحاول دراسة هذه الاسالة بنوع من الاختصاص العلمي المنهجي سندفع بالسؤال لدائرة علم الكلام اللاهوتية اسلامية كانت او غير اسلامية لنبحث هذه الزاوية وهذا النوع من الاسالة كل حسب مناطه ومنهجه واختصاصه!؟؟. ولا نستطيع منطلقين من منهجية علم الاجتماع الحديث مثلا ان نجيب على مثل هذه الاسالة التي مناط اختصاصها يدور في فلك علم الكلام والمدرسة الفلسفية !!. الخلاصة هي القول:ان جميع ظواهر الوجود والكون والعالم والانسان اليوم تدرس من خلال اختصاصاتها العلمية ومن الخطأ العظيم ان يتناول اي مفكر اي ظاهرة في هذه الحياة وهو لايمتلك منهجية علمية واضحة ومختصة بدراسة وبحث هذه الظاهرة بالتحديد، ولعلي واخذت وانتقدت الدكتور علي الوردي في افكاره وتناولاته الفكرية بسبب انه رجل طرح نفسه كمؤسس لعلم الاجتماع الا انه تناول الكثير من الظواهر الفكرية الفلسفية والكلامية والنفسية و ..... بفوضوية ولا منهجية محددة وخلط عجيب غريب حتى انه فقد اي نوع من التوازن العلمي في طرحه !!. ارجو ان اكون قد اوضحت وجهة النظر العلمية الاجتماعية وكيف انها لها منهج وحدود في تناول الفرد الانساني داخل اطارها !!. شكرا لك عزيز واذا كان هناك اشكال او غموض ببعض النقاط التي ذكرتها لك فانا بخدمتكم للتوضيح والابانه !!

 

سؤال اخر للاستاذ زيوار محمد المدرس: استاذنا الحبيب اشكر لكم ودكم ولطفكم كما اشكر لكم كل هذا الجهد الذي بذلتموه في تفصيل وتأصيل المسالة . سيدنا جوهر السؤال هو هل الانسان منتج اجتماعي بحت كما هو مقرر علم الاجتماع . ام انه كائن له ابعاد اخرى ؟ وحتى لو لم نشخص ذلك بالية علم الاجتماع كيف يمكننا القرهنة على ان الانسان يفكر مستقلا عن المجتمع وانه ليس على الاقل فقط كائنا صنعه المجتمع؟

الجواب: تحياتي استاذ زيوار: يمكن الاجابة على هذا السؤال من وجهات نظر متعددة: الاولى اجتماعية تقول: نعم الانسان منتج اجتماعي بحت . الثانية فلسفية وتقول: الانسان كائن متعدد الابعاد . دليل علم الاجتماع:ان الانسان اي انسان اذا فصل عن المجتمع فقد هويته الانسانية العقلية والفكرية والروحية والنفسية والسلوكية، فكل هذه البناءات الانسانية الفردية هي نتاج الاسرة والمجتمع والا انسان يعيش فريدا (لو فرضنا) بغابة او صحراء قاحله فانه سيكبر بلا لغة ولا نمط تفكير ولا سلوك انساني سوي ولا روح او عواطف انسان !!. وهذا هو دليل علم الاجتماع على ان الانسان منتج اجتماعي بحت والتجربة العملية دليل ذالك . ثانيا دليل الفلاسفة ان الانسان ذو ابعاد متعددة وهو: ان الانسان الفرد وان كان منتجا تربويا واجتماعيا بالمحصلة الا انه يمتلك عنصرا فرديا يميزه عن المجتمع الا وهو عنصر الفطرة العقلية التي تتمكن من صناعة وتركيب الافكار وتنظيمها حتى تصل الى بناء الانسان وتميزه عن باقي المخلوقات الاخرى !!. بمعنى اخر في قصة حي ابن يقظان للفيلسوف الاندلسي ابن طفيل اجابة على: ان الانسان لو فرض انه نمى وكبر بعيدا عن المجتمع هل بامكانه ان يبقى على عنوانه الانساني المختلف عن الحيوان وباقي الموجودات؟. ام انه يفقد كل معنى لانسانيته حتى يصبح الانسان هو المجتمع لاغير وبدون مجتمع لاوجود للانسان بفكره وبكل كيانه؟. ابن طفيل فلسفيا يؤكد ان الفطرة العقلية التي يمتلكها اي فرد انساني هي القاعدة التي يتمكن الانسان من بناء ارادته وحريته قبالة المجتمع ونعم المجتمع متمم لانسانية الانسان الا ان الانسان عنده قدرة وامكانية على ان يمتلك ارادة اعلى وحرية اوسع مما يقدمه المجتمع اليه؟. وبهذا يدلل الفلاسفة على ان الانسان كائن ذو ابعاد متعددة !!. الخلاصة هو ان الجمهور العام من البشرية هم ولادة مجتمعاتهم ولايتمكن اي فرد بسيط داخل مجتمعه من امتلاك ارادة وحرية فوق مايهبه المجتمع وهذه هي قاعدة علم الاجتماع العام، اما من تميز عن الجمهور بسلامة الفطرة وعبقرية التفكير ونبوع الوعي فهذا وغيره شواذ القاعدة الذين يتمكنون من الرجوع لفطرتهم العقلية الاولى ليتسائلوا ويراجعوا كل ماتلقوه اجتماعيا من افكار وتقاليد واعراف و... ليبحثوا في داخلها عن امكانية الخروج والتمرد عليها وهذا الصنف من افراد البشرية هم الفلاسفة والمصلحون الذين يشكلون (دينمو) الحركة الانسانية في التاريخ وحتى اليوم ؟. سالت عميقا عليك ان تدرك عميقا تحياتي

ملاحظة: في المدرسة الفلسفية يدرس محور نظرية المعرفة ويبحث في هذا الاطار ماهية موارد العقل البشري في معلوماته ومعارفه ؟. ويبحث الاتي: هل المادة والحس فقط هو المورد الوحيد للمعرفة الانسانية في هذه الحياة ؟. ام ان هناك موارد اخرى للعقل البشري يستقي منها معارفه الفكرية والانسانية وهي غير مادية بطبيعتها الوجودية ؟. تمكن الفلاسفة من البرهنه العقلية ان موارد المعرفة الانسانية ليست فقط المادية الحسية وهذا يعني ان المعرفة الانسانية بالبداهة لاتخضع مئة بالمئة لمورد المجتمع القائم لاغير وان الذهن الانساني قادر على انشاء معرفة وادراك مختلف عما يضخه المجتمع للعقل الانساني الفرد

 

حميد الشاكر

 

شابه المصنوع .. الافكار والصور

قد لا يخطرُ على بالِ احد حدود العين حين ترى الاشياء، أو تضفي عليها نورها، يكفي أن يأتي ظلال الشيء لتعرفهُ وتعرف ماهيتهُ واستعمالهُ ووظائفهُ، وفي فلسفة أخوان الصفا، لا توجد مصنوعات وأشكال خارج صورتها، والصور مجرد أفكار وصور الاشياء أو تجسيد لها، والكون بأجمعه مع مخلوقاته الأصلية والمصنوعة عبارةٌ عن صور عن الأصل، والأصل لدى اخوان الصفا يعني «الجوهر".» .

نحن لانرى الأصل.. نرى صورته، أو إن المخلوقات الجامدة والحيّة كما تفسّرُ رسائل أخوان الصفا، عبارةٌ عن صور لجواهر.. أي كل جامد ومتحرك، صورةٌ عن الأصل أو عن جوهره!! وهكذا فأن عالمنا عبارةٌ عن صورٍ مأخوذة من هيولي الجوهر أو نسخة عنه تماماً، كما تلتقطُ صورة فوتوغرافية، فتعكسُ شكلك غير المرئي لك، ما ذكّرني بفلسفة أخوان الصفا.. هو أننا نعيشُ في عالم الصور حقّاً بعد الثورة التكنولوجية الهائلة، وتسيّد العالم الرقمي ووسائل الإتصالات الفورية لوسائل الإعلام .

ففي الفضائيات، نرى العالم والاحداث بالصور والإعلانات تطغى عليها الصور من مختلف الأنواع والاحجام على الكتابة، والتي هي بدورها عبارةٌ عن صور لجواهر وجدت قبل الكتابة، فكلّ حرف في أبجديتنا عبارةٌ عن صورة هيولية لجوهر ثابت وخالد خلود الزمن، وحين نطالع كم الصور التي تصادفنا يومياً، نشعرُ بالدهشة والذهول.. سواء في الشوارع أو في الفضائيات أو على الانترنيت والكتب والجرائد والمجلات، وسواها، وحتى في الأحلام فأنها تأتي على شكل أفلام مصوّرة ولقطات، سواء كانت فنتازية وغير معقولة أو قريبة من الواقع، ويتم على الرؤية واللقطات التي حدثت فيه تفسيرها . واذا اردنا ان نجري عمليات حسابية بسيطة، نجدُ كميات الصور في مجال رؤيتنا اليومية، ربّما تفوق ما نقرأهُ من كلمات أو قد تتفوق الصورة على الكلمة أحياناً ..ليس في عددها وإنّما في مجال المرئيات اليومية التي تصادفنا في الشوارع والمنتزهات والمقاهي وأماكن العمل، وفي كل مكانٍ نرتادهُ يومياً.

اذكرُ إن استاذنا في درس الاحياء كان مولعاً بوسائل الإيضاح، وأعتقدُ بأنهُ المدرّس الوحيد الذي يرتاد مخزن ومختبر الثانوية يومياً، لأنهُ أينما نراه.. نجدهُ يحملُ ملفوفات مطوية أو ثابتة أو خرائط وصور وأشكال مُجسمة تشبهُ الرسوم، مصوّرة أو مرسومة، واذا لم يجد ضالته في مخزن الثانوية، فأنهُ يجلب وسائل الإيضاح من أماكن أخرى، نسيتُ أسمه «ما اكرمه» ولكنني اتذكرُ صورته أو شكله، لهُ عينان غير متشابهتين، واحدة خضراء والثانية زرقاء، تمنحاهُ جدّية وانفتاحاً على الطلاب، لا تجدهما لدى سائر المدرّسين أو بدرجات أقل، بحيث إن درس الاحياء، صار أشبه بمعرضٍ تشكيلي، لا تخلو منه صور الحيوانات والغابات والأنواع النادرة منها، وفي أيّ القارات والدول تتكاثر وماشابه، والأنواع المهددة منها بالانقراض والتشريح، فكان درسهُ مصوّراّ حقّاً،الصور تتكلم أكثر منه أو عنه أو عما يريد أن يشرحهُ ويوضّحهُ لدرجة، لا يمكن نسيان المعلومات التي نتلقاها بدرسه، و لدرجة يمكن ان نسمّي درسه بدرس الاحياء المصوّر، لأنها فعلاً كذلك، لا تنسى على مر السنين، وحين تتجول اليوم في الشوارع، تجدُ نفسك محاطاً بجميع أشكال الصور والإعلانات المصوّرة والشاشات التي تنقلُ أخباراً مصوّرة من جميع دول العالم، كأنما انتقلت من درس الاحياء المصوّر الى الحياة اليومية واحداثها بكل مكان، إضافة الى صور السياسيين ورجال الدين والفنانين وسواهم التي تمتلأ بها الشوارع، وتزدحم بها الأعمدة الممتدة بكل اتجاه، حتى في الأزقة والشوارع الفرعية أكثر من الاشجار والنخيل!! اشعرُ حين أرى كثرة هذه الصور، كأنني في درس الاحياء المصوّر، إضافة الى إن نفس الأشكال والصور نجدها في الصحف وعلى أغلفة المجلات، وتطلُ علينا كذلك من عشرات الفضائيات على مدار الساعة. أننا حقّاً نعيش في عصر وعالم الصور والإعلانات بمختلف دلالاتها واتجاهاتها ومعانيها وأغراضها السيئة والجيدة، ولا شيء يمكن ان يجنبنا الحاحها وحضورها لدرجة الملل واللامبالاة والقرف أحياناً .

ولكن هل كل ما نراه من صور وأفلام ثابتة ومتحركة وإعلانات واشكال فوتوغرافية أو مرسومة عبارة عن هيولي لجواهرٍ أو اشكالٍ صورية لجواهر استُبدل هيوليّ جوهرها بالصورة والشكل حسب فلسفة أخوان الصفا؟! وهل كانت صور الاشياء كامنة في الهيولى القديم أو الموغل في القدم قبل أن تتجسد بالصور والرموز والأشكال التي نراها؟! وهل كل مصنوعاً بقوة الفكر صورة لجوهر .." يوم ينفخ في الصور" !! أمّا أن تذهب الصورة ويبقى الجوهر أو تذهب الصورة الى العدم إن لم تكن جوهراً، ولكننا لا نستطيع التمييز بالعين المجردة بين الجوهر والصورة، أو اذا كانت الصورة لجوهرٍ أم لا، وكيف تشكلت تلك الصورة من هيوليّ جوهرها.

وفكرة الجوهر وصورته مشابهة لشريحة أو « تب» الحاسوب والموبايل، فالتب أو الشريحة او الجوهر حسب فلسفة أخوان الصفا، وشاشة الموبايل أو الكمبيوتر، تعطينا صور محتويات التب أو الشريحة.. أي تجسد ما هو مخزون بهذه الشريحة من صور ورسوم وابجديات وسواها، ما نراه على الشاشات صورٌ لجواهر دقيقة مخزونة بهذا التب أو الشريحة، ينقلها لنا جهازٌ مصنوع بواسطة شاشة صغيرة أو كبيرة، وما نراه عبارة عن صور للأصل أو الجواهر المخزونة في الشريحة، بهذا فإن ما نشاهدهُ يعتبرُ صوراً، يمكن التحكم بها بإزالتها أو إبقائها بعيدة عن الأصل أو جواهر مخزونة في الشريحة التي بدونها الشاشة صناعة ليست ذات قيمة أو آلة فارغة، لا يمكنها أن تجسّد الصور والأشكال والأبجديات بدون الجوهر أو التب أو الشريحة، وهو أصل فلسفة أخوان الصفا عن الجوهر وصورته أو هيولى الجواهر التي تجسّدُ الأشكال والصور منذ الأزل .. إمّا ان تزول وتفنى أو تبقى خالدة .

 

قيس العذاري

الفراهيدي ولعبة الكلمات!!

الخليل بن أحمد الفراهيدي عالم رياضيات قبل أن يُسخّر هذا العلم لقراءة الشعر العربي، وله باع طويل في وعيّ مفردات النغم وإيقاعاته، وبحسه الموسيقي ومنظاره الرياضي إخترع علم العروض الذي أحكم به ضوابط الشعر العربي، والتي مضت على سكته الأجيال حتى اليوم، وإن بُذِلت محاولات في العقود السبعة الماضية لزعزعة أركان عمارته الرياضية النغمية المتسامقة البنيان.

ومن المعروف أن الرياضيات لغة العلوم كافة، ولا يمكن لعلم أن يكون صاحب قدرة بقائية وتأثيرية ومادية إن لم يستند على الرياضيات، لأنها تضع له الضوابط والمعايير المتوافقة مع الحسابات الكونية المتحركة بمقدار دقيق وفق بوصلة حكيمة مُحكمة الإتجاهات.

وعندما تسعى أية قوة للضياع والغياب فأنها تنحى نحو التسيب والإنفلات، لأن في ذلك تتوفر طاقات الإتلاف الذاتي والموضوعي، وهذا القانون ينطبق على جميع الظواهر والسلوكيات، فلكي تقتل أية حالة حقق فيها سلوك الإنفلات، فأنها ستذوي وتموت.

ولهذا فأن أي موجود في الكون يكتسب صفة التواصل والبقاء عندما يكون معبّرا عن صيرورة منتظمة ذات قوانين ذاتية التوالد والثبات، وفيها ديناميكة التسرمد التي تعني الحفاظ على طاقاتها الذاتية وتجديدها والإستثمار فيها وفقا لإيقاعات مكانها وزمانها الدوّار.

وإنطلاقا من الوعي الرياضي والإدراك الكوني الحكيم، تمكن الفراهيدي من قراءة الشعر العربي بأبجديات رياضية ذات تفاعلات منضبطة ودقيقة، فأوجد البحور الشعرية وأرسى قواعد علم العروض.

والعجيب في أمر السلوك الشعري المعاصر أنه يحاول أن يهدم ما هو راسخ ودائب، بدلا من دراسته وتجديده وتحقيق الإضافات المعاصرة ذات القيمة المعرفية والإبداعية الأصيلة، والكفيلة بإنجاب الروائع من رحم الفيض الرياضي الذي أطلقه الفراهيدي.

ويبدو من تتبع آليات تفكير الفراهيدي أنه يرى الشعر علما مثل غيره من العلوم، ويتميز عنها بأنه يمتلك شروطا نغمية وإيقاعات موسيقية، أو أنه الموسيقى المعبّر عنها بالكلمات المعبأة بالأفكار والمشاعر والتصورات وغيرها من بدائع الخيالات.

وعلم الشعر هو الذي أقنعه بضرورة تطبيق علوم الرياضيات في دراسته وفهمه، ولهذا تبين له أن البيت الشعري ما هو إلا معادلة ذات شقين متوازنين، وما يتفاعل في شطريه تتحكم به موازين نغمية، أرست دعائم تكراره وإستيعابه لما يراد قوله وتوصيله ونحته في قوام رياضي، لا يختلف عن أية معادلة رياضية أو جبرية.

فالساعون إلى تحطيم معادلات الشعر الفراهيدية، " كناطح صخرة يوما ليوهنها...فلم يضرها فأوهى قرنه الوعل"، أو كالهائم في الرمضاء ويحسب السرابَ ماءً، فالباقيات محكمات بقوانين رياضية، ولا يمكن لحي أن يبقى إذا إختلت قوانين ما فيه، وهي متنوعة وكثيرة، وجميعها ذات طبيعة رياضية منضبطة.

ووفقا لمعادلات الفراهيدي فأن القصيدة صيرورة كيانية ذات قانون وآليات متوافقة متناغمة ومنسجمة، وهي إختراع مثل أي مخترع مادي، يجب أن تتوفر فيه متطلبات النشأة المتوازنة والصُنعة الماهرة، الكفيلة بإظهاره كموجود خالد متفاعل مع معطيات الدوران.

 

وأي خلل في بناء المُخترع وإعداده يتسبب بإصابته بعاهات ومعوقات تمنعه من التأهل للحياة، فلا يمكن لسائب أن يدوم ويؤثر ويتجدد، وإنما لابد له أن يكون محافظا على شكله وقوامه في مواضع متكررة، وذات أحكام مقررة لطبيعة التفاعلات الكيانية الكفيلة بالحفاظ على ملامحه ومواصفاته المميزة الفارقة، وبهذا يتحقق التنوع في ربوع الحياة في أي مكان.

وما دام الكون محكوم بقوانين رياضية متناهية الدقة، فأن كل موجود فيه لا بد له أن يكون مولودا من رحم النظام الكوني الأكبر، والذين يتوهمون بأن البقاء للسراب إنما يعارضون بديهيات الأبد، ويتقاطعون مع مناهج البقاء والرقاء، التي تفرض علينا التجدد والتوالد والتفاعل في معادلاتها وقوانينها الرياضية التي لا مفرّ منها!!

ولهذا فأن رؤية الفراهيدي الشعرية ما هي إلا معادلات رياضية ذات إمتدادات سرمدية، وطاقات تجددية تساهم بالتعبير عنها الأجيال في عصورها المتواكبة، وإذا انفرط عِقدُ كينونتها تتلاشى وتندثر، كأي حالة تتعارض ومناهج المعادلات والتفاعلات الدورانية، التي بموجبها يتحقق البقاء في جميع البقاع الكونية.

فهل لدينا القدرات العقلية الكفيلة بتوليد معادلات رياضية عروضية معاصرة؟!!

 

د-صادق السامرائي

تولستوي ينتقد رجال الدين

abdulkarim qasimتستطيع أن تعيش بطريقتين:

إما أن تعيش كشخص موجه من قبل الدماغ:عندئذ ستنجح في العالم الخارجي، وتكدس ثروة كبيرة، هيبة في شهادة دراسية، سلطة في سياسة، وتكون في نظر العالم هرما يقتدى بك، او مستقرا من فوق صلبا تحيط بك الاسوار والحراسات المشددة ذات الانذار 100% ، إنما من الداخل ستكون فاشلا تماما. الإنسان الموجه من قبل الرأس لا يمكنه الولوج الى الباطن على الاطلاق، ذلك أن الرأس يتحرك نحو الخارج، هو منفتح نحو الجهة الأخرى.

أو تعيش كشخص موجه من قبل القلب: فتصبح رجل دين متزمت فقط.

المستثنى في حديثي السوبر مان، والإنسان الأوسط: إنه إنسان لا يكترث من أين يأتي هذا الكون، والى أين ينتهي. كما اعتقد، هو الإنسان الذي لا يسأل أية اسئلة ، فالوجود قائم، وحدهم الحمقى من يتسائلون من أين يأتي الكون؟ وبدلا من ذلك فإنه يبدأ الحياة في كل لحظة.

إن تحطيم تلك الجدران التي هي في الحقيقة ليست مصنوعة من الحجارة، بل من الأفكار، إذ ليس هناك ما هو اصلب من الفكر المتحجر الديني الذي يظهر على سطح مجتمعنا العراقي والذي يتبناه رجال دين غير معتمدين من مرجعياتها العلمية، لأنه مصنوع من المعتقدات، والكتب المقدسة المؤلفة من قبل اشخاص أو فتاوى مدمرة، التي تحيط بنا من كل جانب، ونحملها معنا اينما نذهب، إنك سجين ما تحمله معك، سجنك هو رقبتك، فكيف تحطمه؟.

بث تولستوي افكار عديدة في ثنايا قصصه. انتقد فيها مكونات أو نكرات تدير الشعوب. وصل الامر الى انتقاد رجال الكنيسة في قصصه القصيرة خاصة في روسيا. من هذه الافكار التي وردت في قصصه واعتقد ان القارئ يعرف ذلك لكنني اسلط الضوء عليها في هذا الوقت الصعب، حتى لاتغيب عن بال القراء الكرام موضوعات في النقد الاجتماعي للسلوك البشري الذي يعتبر التابو خطا احمرا. خلاصة الفكرة؛ إن كان عليك أن تكون ممكيجا، حتى مع الله، فمع من ستكون طبيعيا، وحقيقيا، واصيلا وبسيطا يا بني آدم؟.

كانت هناك قصة فلكلورية من افكار تولستوي العظيم تدور حول حمقى ثلاثة.

في إحدى بقاع روسيا، كانت توجد بحيرة. انتشر خبرها بسبب ثلاثة قديسين. الناس بالآلاف يقومون برحلات اليها لرؤيتهم.

كبير الكهنة في البلاد، غدا خائفا على مستقبله. إذ لم يكن قد سمع بهم واخبار معجزاتهم تصل اليه ولم يعتمدوا من قبل مرجع الكنيسة، فمن الذي جعل منهم قديسين؟ حيث كانت الكنيسة تمنح شهادة قديس.

اضطر الكاهن الذهاب ومعاينة الوضع بنفسه. ركب في زورق الى الجزيرة حيث يعيش أولئك. لقد كانوا فقراء بلهاء، لكنهم سعداء، هكذا ظنهم. يجلسون تحت شجرة، يضحكون، مستمتعين. ما إن رأوا الكاهن حتى خروا ساجدين.

اراد اختبارهم في كيفية الصلاة، حاله حال رجال الدين في الديانات الأخرى. نظر كل واحد منهم الى الآخر، ثم قالوا: نأسف ياسيدي نحن لا نعرف صلاة الكنيسة لأننا جهلاء. غير أننا ابتكرنا صلاة بسيطة خاصة بنا لعل الله يقبلها. فكما تعلم، إن الله في المسيحية يرمز له بالثالوث المقدس؛ الأب، الأبن، الروح القدس. ها نحن ثلاثة ايضا. لذلك، قررنا أن نصلي على الشكل التالي: يارب، أنت ثالوث، ونحن ثلاثة، فارحمنا.

استشاط الكاهن غضبا، هذه ليست صلاة. خروا ساجدين عند قدميه قائلين، علمنا الصلاة. تلا عليهم الصيغة المعتمدة من قبل مراجع الكنيسة الروسية. كانت طويلة ومعقدة، ذات كلمات طنانة ورنانة، تسبقها حركات معينة، انها عليهم صلاة مستحيلة، وباب الجنة مغلقة في وجههم.

ثم قرأها عليهم مجددا، قالوا: اننا سننسى. شكروه، وقد بات على وجهه الرضا، ذلك أنه قام بمأثرة عظيمة بإعادة ثلاثة حمقى الى صراط الكنيسة.

ركب الكاهن العتيد زورقه عائدا. في وسط البحيرة، لم يصدق ما رأته عيناه. يا للهول..أولئك الحمقى الثلاثة، يركضون على سطح الماء وهم يصرخون: مهلا، مرة اخرى، لقد نسيناها !.

كان امرا يستحيل تصديقه ! فعندما وصلوا: خر الكاهن ساجدا عند اقدامهم، قائلا: اغفروا لي، وعودوا الى صلاتكم البسيطة.      

 

عبد الكريم قاسم

 

الرؤية والتبعية!!

المفكرون والعالمون بالدين والمثقفون يتناولون الأشخاص ويهاجمونهم ويوعزون سبب التداعيات إليهم لأنهم إجتهدوا في موضوعات دينية وفكرية تسببت بتحشدات عنيفة أضرت بالمجتمع والدين، ويغيب عنهم جوهر المعضلة التي تواجهها الأمة، والتي تتلخص بضعف اللغة وسيادة الأمية والميل الكبير للتبعية.

فضعف اللغة العربية تسبب في تحقيق الأمية القرآنية، التي أدت بدورها إلى تعزيز نوازع التبعية والتفاعل مع الذي يفكر ويجتهد، ويتصور وفقا لتجربته وما عنده من قدرات معرفية، حتى يتم تقديس الشخص وتبعيته بعميائية وإنتمائية حمقاء مجردة من أبسط مفردات ثقافته ووعيه للحالة.

ففي مجتمعات الدنيا كافة يظهر مفكرون ومجتهدون وناقدون، ومَن يرون أنهم قد إكتشفوا شيئا ما في هذا النص أو ذاك من النصوص الدينية، بل أن محطات التلفزة تعج بالدعاة والمفكريين الدينين لجميع الأديان، لكن هؤلاء لا يُتبعون إلا بتبصر وتفاعل معرفي وثقافي يوصلهم إلى قناعة ما، وخصوصا في هذا الزمن المعلوماتي المعرفاني الفياض بالمستجدات والتبدلات والإبتكارات، التي نقلت البشرية إلى مراحل أخرى من مستويات الحياة.

وفي مجتمعاتنا تتحقق التبعية العمياء والحمقاء، ذلك أن الأمية الطاغية وجهل لغة الضاد وإهمالها، قد أسهما في إضعاف النفوس وتنضيب العقول، وتجفيف النفوس من عناصر الصيرورة الحضارية المعاصرة، مما أسقط البشر في حفر ظلماء، وسجنهم في مستنقعات تزداد عفونة وأمراضا أصبحت مزمنة وبعضها سرطانية الطباع والسلوك.

ولهذا فأن المفكرين والمثقفين والعالمين بالدين عليهم أن يتوجهوا نحو المجتمع لا نحو الشخص الذي إجتهد وفكر، عليهم أن ينقلوا المجتمع من قيعان الأمية إلى آفاق المعرفة والحرية، ويتفاعلوا معه بلغة عربية فصيحة، ويجتهدوا في تنمية المعجمية العربية عند الإنسان لكي يدرك ما يسمع ويقرأ، ويؤمن بنفسه وقدرته على النظر والرأي، وبهذا تقل نوازع التبعية وتضمحل الظواهر المدمرة للحياة والدين.

إن التركيز على الأشخاص يزيد من أهميتهم ويُحشّد المزيد من الأميين حولهم، وهذا ما يقوم به رموز الأمة الثقافية، إذ ترقب حلقات متواصلة في التلفاز تتحدث عن شخص وتنال منه وتغفل جوهر العلة، التي هي ليست في الشخص وإنما في المجتمع الذي يمتلك الألية العالية للتبعية.

فالأمية وضعف اللغة يجعلان البشر مثل الإسفنج يمتص كل شيئ، أو مثل القشة تتناهبها الرياح أنى تشاء، بينما المعرفة وقوة اللغة تصنعان بشرا صلدا لا تتسرب إليه الأشياء وإنما تصطدم به وترتد، ولا يأخذ منها إلا وما يتفق وما تراكم فيه من معارف وآليات إجتهاد وتصور ورأي.

فالبشر صاحب الرأي لا يتبع، والذي بلا رأي تستعبده التبعية وتصادر إرادته ومصيره.

فهل سنساهم في صناعة بشرٍ ذي رأي أم يتبع ويقبع؟!!

 

د. صادق السامرائي

وحدة الأجناس في رحم التراب

haidar husansoariلكي تولد الأشياء (كل الأشياء)، فلا بُدَّ من وجود الجزء الأول (الجنين)، وهذا الجنين يحتاج الى مكان وزمان معينين تحت ظروف مناسبة، ليتكون في مرحلته الأولى حتى خروجه الى النور، ويعرفُ ذلك المكان الذي يهيئ المولود للخروج الى عالم النور بـ(الرحم) .

هكذا هي كل الأشياء في تكوينها قبل أن تصبح جنيناً، تحتاج الى رحم فيه بيضة، وسائل منوي قادر على الإخصاب لتبدأ نشأتها الأولى في هذا العالم الفسيح .....

فالأفكار مثلاً في بداياتها، ما هي إلا بيوض، تعيش نشأتها الأولى في العقل، حتى إذا تلاقحت مع من يستطيع إخصابها، أكتملت في صورتها الأولى، ثم تخرج الى النور، ولعل ولادتها يسيرة أحياناً، عسيرة أحياناً أُخرى، فالعقول تختلف كما الأرحام ...

فإذا كانت الأشياء مفيدة، جلبت الثناء لها ولرحمها، وإن كانت سيئة جلبت العار لها وتبرئ منها رحمها، بعد أن عرف فسادها على أرض الواقع، وهو قادرٌ على القضاء عليها، وولادة غيرها كما جاء بها، من ذلك ظهر الموت، وهو صورة من صور العودة الى الرحم ...

يُقر الدين وعلماء الطبيعة بأن الرحم الأول لكل الكائنات الموجودة على الأرض، هو الأرض نفسها، فبيضتها التراب، والذي أختلط بالسائل الذي تم من خلاله خلق الزيجة الأولى، وهو الماء، كما صرح بذلك القرآن الكريم(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ [آل عمران : 59])، وكذلك(وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ [الأنبياء : 30])، وطابقته نظرية(النشوء والإرتقاء) لداروين في ذلك ...

إذن فنحن في أصل وجودنا في هذا العالم، وجِدنا من رحم واحد، ولا فضل لأحدٍ منا على آخر، وإنما الفضل يكون بالعمل ومقدار فائدته، فالأشياء إذن تقدر قيمتها بما تقدمه من فائدة ...

فلماذا يظهر بيننا من يدعي أنه شعب الله المختار؟!

ولماذا يظهر بيننا من يدعي أنه الحق ولا حق سواه؟!

ولماذا نسير نحو الطبقية المفرطة دائماً؟ بالرغم من إطلاق كثير من الشعارات، التي تنادي بإلغائها؟!

لماذا يقتل الإنسان أخيه الإنسان ويمنعه الحياة؟!

هل هناك شئ يستحق أن نقتل الأخرين من أجله؟

لماذا التعنصر والتخندق؟! أليس هذا هو مرض الأغتراب الذي أشار اليه علم النفس؟!

متى سيعي مجتمعنا الأنساني أنه مريض؟

نعم إننا مرضى شعارات فارغة، لن تدخل معنا حين عودتنا الى رحم أُمنا مرة أخرى، عندما نموت ...

بقي شئ...

عندما نعي من أين جئنا وإلى أين نذهب، حينها سينتهي الظلم البتة.

 

حيدر حسين سويري

 

مثقف بـالقرعة

mohamad aldamiما فتئت "بوصلة المحظوظية" تغير اتجاهاتها بداخل البنى الاجتماعية والقيمية عبر عالمنا العربي على نحو متواصل، إذ لم يزل أفراد من الذين جايلوني يستذكرون تفضيلات الأمس ويقارنونها بتفضيلات اليوم، بشيء من التعجب.

في ستينيات القرن الماضي كن حسان الشابات في العراق يجبن بالجملة الشرطية التالية عندما يتقدم أحدهم لخطبتها: “لو مُلازم، لو مَلازم”! وبكلمات أخرى، هي تقول أما أن يكون المتقدم ملازمًا بالجيش، أو لا لزوم لي بعريس. بيد أن هذا التقليد ما لبث وأن اختفى شيئًا فشيئًا، درجة أن حسان بغداد لم يعدن يواشجن مستقبلهن بمستقبل ضباط الجيش الأحداث، بسبب ما مر على العراق وسواه من الدول العربية من حروب لا تبقي ولا تذر، حروب استهلكت من الأرواح الكثير، للأسف. وهكذا استدار مؤشر المحظوظية من الملازم ذي النجمة الواحدة على الكتفين، إلى “المثقف”، فلم تعد حسناء اليوم في عالمنا العربي المترامي يقتنعن بسوى هؤلاء الذين يمكن أن تطلق عليهم صفة “مثقف”، الأمر الذي دفع نخبة المثقفين الحقيقيين إلى نمط جديد من الاغتراب في مجتمعاتهم، لأنهم وجدوا أنفسهم فجأة في بحر متلاطم من المثقفين وأدعياء الثقافة الذين تكتظ بهم المقاهي والنوادي الاجتماعية وسواها من أماكن الاجتماع السكاني.

وإذا لم يكن أحد يكترث بالمثقف في عصر “لو ملازم، لو ملازم”، فإن التهافت على أبهة وصف “مثقف” بقي منحصرًا بين دوائر محدودة من الشبيبة المتطلعة التي شعرت بدورها الاجتماعي الاستثنائي تأسيسًا على الفجوة الواسعة التي تفصل بينهم وبين عموم الجمهور. لذا وجد هؤلاء المتوثبون للتقدم أن من واجبهم لعب دور اجتماعي إصلاحي لا يمكن أن تضطلع به الثقافة المدرسية الحكومية، بقدر ما يمكن أن تضطلع به النخبة المثقفة التي راحت تعرف دورها الإصلاحي تأسيسًا على درجة “الاستنارة” والقدرة على التنوير في فضاء اجتماعي عد دميمًا.

بيد أن عنصر التحولية الاجتماعية راح يتغير، كما لاحظنا في أعلاه، درجة إتاحة اقتناء صفة مثقف من أسواق العرض والطلب ببساطة متناهية. وإذا ما زادت هذه الظاهرة، على حسن التشبث بها، من اغتراب المثقف الحقيقي ومن خبو صوته في زحمة الضوضاء التي تتجسد على وسائل الإعلام وقنوات الاتصال الاجتماعي، فان المتوقع كما لاحظنا في مقالة الأسبوع الماضي “ما هذا النفاق”، أن تستجيب السوق الحرة، أي سوق العرض والطلب للطلب المتزايد على لقب مثقف بطرائق سلسلة وبأسعار ميسرة تجعل إيجاد مثقف حقيقي ملتزم اجتماعيًّا أشبه ما يكون بما يقوم به صيادو اللؤلؤ في غمار مياه الخليج العربي، غوصًا وبحثًا غن اللؤلؤ الأصيل، غير المصنع في مختبرات اليابان.

وللأسف، فإن الإسفاف والخلط في هذا الموضوع إنما هو الذي شجع العديد من الفضائيات والآنية الإعلامية على العبث بالثقافة الجادة، أما لأنها لا تجد المثقف الحق ليدلو بدلوه في القضايا المهمة، وإما لاختلاط الأمر عليها، فتعمد إلى انتقاء المثقف “بالقرعة”!

 

أ.د. محمد الدعمي

 

مرة اخرى في حالنا الثقافي..!!

shaker faredhasanالناظر في حياتنا الأدبية والثقافية يلحظ البؤس الثقافي الذي نعيشه في السنوات الأخيرة.فقد تحول الفكر الى تجارة في السوق الحرة، وأستفحلت ظاهرة الأرتزاق والتلون وازدواجية المواقف ومسح الجوخ، وكثر الأنتهازيون والوصوليون والمتعهرون الذين يمارسون كل أنواع وأشكال الزنى واللواط الفكري والعقائدي والبغاء الثقافي والسياسي. كما وتخلى المثقفون عن دورهم الطبيعي والطليعي في صياغة شرف الكلمة، وشاعت الفوضى الأدبية على مستوى الأفراد والجماعات ،وأنحلت الأخلاق والقيم الثقافية،وغابت المؤسسات والتنظيمات الأدبية مثلما غاب الوقار الأدبي والشعر الحقيقي، وانهار الأدب وتراجع ووصل حضيضاً لم نعرفه سابقاً .وايضاً تراكمت الأصدارات والمطبوعات المحلية رزماً في جنبات البيوت وامتلأت بالغبار المتطاير ولا ينظر اليها أحد، وبات الشعراء يقرأون قصائدهم لنفر قليل أو لأنفسهم، وعدد المتحدثين في الندوات أكثر من عدد الحاضرين. هذا ناهيك عن أن المشهد الثقافي أخذ يقتصر على بعض المهووسين الذين ما زالت الكتابة الأدبية تسحرهم وما فتىء الكتاب يجذبهم .والأنكى من ذلك ان التسويق والعلاقات العامة و"صناعة " النجوم غدت عنصراً أساسياً ً وهاماً في حياتنا الثقافية ، فيسوق هذا الكاتب من هذه القبيلة أو هذا لشاعر من تلك العشيرة، ويعتم على اخرين ممن لا يجيدون العلاقات العامة ويفضلون البقاء في الظل والذين يعانون من الجاهل المتعمد الملفوف بنرجسية بعض الكتاب والنقاد.

ولا تسل عن العلاقات الأدبية والتنافس والتزاحم بين الكتاب والمتثاقفين وأهل القلم والدفتر ، اذ تنتشر الدسائس والمكائد والقيل والقال وتتعمق النرجسية البغيضة ومظاهر الذاتية والغرور واللهاث وراء الشهرة الرخيصة الفارغة والسباق على الميكرفونات والمنصات الأدبية. وتزداد حالة الاستكتاب والتوسل والالحاح من المتشاعرين وأشباه الكتاب على محرري الصحف للكتابة عن أعمالهم وكتبهم وأخبار نشاطاتهم . هذه الأخبار التي يكتبونها بأنفسهم ويتم توزيعها عبر الناسوخ والاميل على جميع الصحف والمواقع الألكترونية . وزيادة على ذلك فأن الكاتب لم يعد صاحب رسالة كما كان في الماضي الجميل بل أضحى همه وشغله الشاغل حصد الجوائز الأدبية بأية طريقة وبأي ثمن ودون وجه حق وباللف والدوران ، وأمسى الكتاب يصدرون 3 كتب متتالية لكي يحظوا بجائزة التفرغ.!

فرحم اللـه تلك الأيام التي كانت الجائزة ذات وزن وقيمة ورونق وتعطى لمن يستحقها بجدارة، ولم يكن الكاتب بحاجة الى الاستجداء وتقبيل الايادي وبوس اللحى ليحصل عليها. ويكفي في أيام العهر والدعارة الثقافية الحالية ان تعرف اسلوب الحك وكيف تضرب بسيف السلطان و"من أين تؤكل الكتف" فتحصد العديد من الجوائز المالية. ثم فأن حياتنا الثقافية لا تزال تفتقر الى فرع أساسي وهام هو فرع النقد، حيث أن النقد هو أحد المعايير الحاسمة لنضج وتطور الحركة الأدبية بل النهضة الحضارية للشعوب.

قد لا اغالي ولا اجافي الحقيقة اذا قلت ودون تجن اننا أمام مهزلة وحيال اكذوبة وخداع ولم نعد نملك حركة أدبية بمفهومها الايجابي الواعي، فمثل هذه الحركة غائبة اليوم ، من حيث الطرح والتأثير وتأدية الرسالة المنوطة بها، وطنياً واجتماعياً وثقافياً وأنسانياً على المستوى الشعبي والجماهيري.

ولا ينتطح عنزان بأنه في الماضي كان الكاتب صاحب رسالة يؤمن بها وينطلق فيها ويدعو اليها ويعمل على ترسخها وتأصيلها في مجالات التوعية والترشيد والتطور وخلق وانشاء المجتمع الأفضل، وملتزماً بالقيم الاصيلة والأهداف والمصالح العليا وقضايا المجتمع والجماهير التي يستمد منها ويتوجه اليها في نتاجاته وابداعاته الأدبية.، وعلى رأسها القيم الوطنية والثورية والانسانية والجماعية والقضايا المصيرية لهذه الجماهير. أما اليوم فقد تغير الحال وغدا الكاتب يهتم ويناجي الذات ويعشقها ويركز على الهموم والغرائزالفردية ويفتقر لهوية ثقافية وفكرية.

أخيراً، وازاء الحال الثقافي المتسيب والفوضوي فأن المطلب الأساسي هو الدفاع عن القيم الثقافية الحضارية والصمود في وجه جرافة الانحطاط والمد الطافح بالقذارة والبؤس والفيروسات، فالناس بحاجة ماسة الى الخبز والورد والفرح والثقافة الشعبية الحقيقية. لذا هنالك ضرورة لاعادة الاعتبار لحركتنا لثقافية والأدبية وتطوير الأشكال الأخرى لنشر الوعي الاجتماعي والثقافي، وتطوير فولكلورنا الشعبي العريق في حفلاتنا وأعراسنا ومناسباتنا وأعيادنا الوطنية بحيث لا تنطفىء دبكة شمالية ولا يختنق ارغول ولا تختفي السحجة، ولنحرس الكرم ونغني للأيام الجميلة التي لم تأت بعد ـ على ذمة الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت. وكم نحن بحاجة الى تطوير منهج نقدي أصيل ، وفق معايير نقدية تعتمد على المعرفة المتعمقة وبناء من جديد ـ حركة أدبية وثقافية شاملة ومتكاملة ذات رسالة واضحة المعالم والتأثير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

من اجل حركة نقدية فاعلة

shaker faredhasanلا أحد ينكر دور العملية النقدية في تعزيز المستوى الأدبي ورفع شأن الحركة الثقافية . فالنقد أحد ركائز الأدب وأهم مقومات ومؤثرات الحركة الادبية، وهو النهج الواعي والإرادة العلمية التي يستطيع بها الناقد تصحيح مسار حركة الأدب. وبدون النقد الموجه الهادف الذي يبغي البناء الواعي لا يمكن ضمان عدم الانحرافات والتجاوزات في مسار حركتنا الثقافية وضمان استمرار العطاء والابداع المتجدد. وتتمثل مهمة الناقد في قراءة النص الادبي والحكم عليه بالجودة او الرداءة وكشف عيوبه ومزاياه بموضوعية تامة ،بعيدا عن المحاباة والمجاملة. ولا يمكن ان نفصل النقد الادبي في رؤيته الشاملة المعارضة عن مجمل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي ،بانماطه المختلفة والمتباينة.

وعلى الدوام كان النقد الموجه هو الرقيب على تراث الامم والشعوب وحضارتها والسيف المسلط على رقاب الدخلاء والمتطفلين ورقاب كل من تسول نفسه حرف المسيرة على امتداد التاريخ العربي الحضاري .كما ان النقد الادبي الموجه كان وسيظل بمثابة الكشاف الذي ينير الدرب وقنديل الزيت الذي يشكل خط زوال المزيفين من الكتاب وادعياء الادب والثقافة .

وللامانة والمصداقية اقول ان النقد المحلي في كل مراحله متواضع ومفرط ومفسر ،انه نقد الاطراء والمجاملات وتحكمه نوازع الصداقة او العداوة ووشائج العلاقات الفكرية والحزبية والعقائدية والتنظيمية ،وهذا الامر بات نهجا واضحا تثبته وتؤكده ما تمتلىء به الصحف والاوراق الثقافية والمواقع الالكترونية .

وما من شك ان غياب وانعدام حركة نقدية فاعلة ونشطة سبب رئيسي ومباشر وراء الفوضى اوالمهزلة الادبية السائدة، وهذا التدهور والانكماش الحاصل في الحياة الادبية والثقافية المحلية .وكذلك الضحالة والاسفاف الذي يميز الكثير من الاعمال والنصوص الادبية بمختلف اجناسها والوانها ،النصوص الخالية من البعد الاجتماعي والسياسي والمضمون الانساني الجمالي وخصائص العمل الابداعي الجاد والرفيع .فقد اختلط الحابل بالنابل والقمح بالزوان وانحسر الابداع الادبي الجميل والاصيل المؤثر المرتبط بقضايا الحق والحرية والجمال والعدالة والمعبر عن الالام والامال والطموحات الشعبية .

لقد كانت هناك اصوات واقلام نقدية قدمت لحركتنا الثقافية قسطا وفيرا من خلال ما كانت تكتبه وتنشره من دراسات في الصحف والمجلات ،لكن للاسف ان هذه الاصوات تراجعت وخفتت وصمتت وبعضها جف مدادها .وغني عن القول ان حركتنا الادبية ستظل تتخبط ان لم تتدخل موازين النقد في صياغتها وتحديد اهدافها .

وتاسيسا على ذلك هناك حاجة ملحة لحركة نقدية تاخذ دورها في معمعان الحركة الثقافية ،ودعوة الاقلام الناقدة العودة الى المرافئ القديمة لتسهم في دفع المسيرة الادبية واغنائها ،فوجود حركة نقدية فاعلة اصبح ضرورة موضوعية ومطلبا ادبيا هاما من اجل تقييم وتصحيح حركتنا الادبية وتجديد انطلاقتنا الثقافية والتخلص من حالة الشلل والترهل والبؤس والضمور الادبي الراهن ،وغربلة هذا الكم الهائل من الانتاج الادبي الرديء والغث الغارق في الذاتية والعدمية ،ولاجل اعادة الوهج والاصالة والاحترام والاعتبار للكلمة الادبية الجميلة المرهفة القادرة على اثارة المشاعر والاحاسيس الانسانية والعمل على التحريك الثقافي الحضاري الحداثي .

 

شاكر فريد حسن

 

بوابات التغيير

tara ibrahimمن منا لم يفكر في لحظة جنون او حلم يقظة ان يغير حياته كاملة مهنته، اسمه، عائلته ووطنه؟!. قد يعتبرالبعض هذا الامر مغامرة جنونية نهايتها الفشل اوحماقة يرتكبها صاحبها للهرب من حياته. ويعتبرها البعض الآخر امرا معقولا وقابلا للتحقيق بل وهنالك من يرغب في مواصلة المغامرة الى آخرها عل وعسى ان تلبي او تشبع ما في نفسه من رغبة في التغيير.. وعند التفكيرفي الامر نرى ان قليلين يقومون بالمساس بحياتهم لان هذا الامر يتطلب جرأة كبيرة بل وشجاعة، وخصوصا مع الاخذ بنظرالاعتبارأن التجربة قد تبوء بالفشل ويفقد بعدها جميع الاشياء التي كان يمتلكها...

نحن الان في أوطاننا نعيش حالة حرب فضلا عن إستشراء الفساد واملنا الوحيد في التغيير هو ان يعم السلام ونعيش مرتاحي البال بعيدا عن القتل وسفك الدماء والاخبارالتعيسة والحزينة، التي ليس من شأنها إلا رفع وتيرة الاحباط ..نتمسك فيها باصغر الاشياء لكي نجلب لانفسنا السعادة بعيدا عن الواقع المرير..نكتفي بما لدينا ولانطمح الى التغيير"كما يجب" كي لا ينقلب الحلم كابوسا مزعجا حسب ما نعتقد، إلا ان أجراس الموت والفزع واليأس بدأت تدق وتسللت الهواجس الى القلوب البأس والظمآء لتعيش بقية حياتها كبشرهؤلاء كانو أكثرجرأة من الاخرين من مواطني البلدان الهادئة في البحث عن التغييرمن خلال رحلتهم الى المجهول وهم يجابهون الموت في كل لحظة، من سماسرة تجارالاعضاء البشرية وامواج البحارالمتلاطمة، وقسوة الدرك..أما في المجتمعات الاخرى التي يعمها السلم والتي نحن بصددها فالتفكيربالتغييرهوأمردائم ولكنه في بعض الاحيان قد يصل الى حد التطرف المضحك.. نسمع غالبا أونرى تقاريرا تلفزيونية عن مدير شركة يترك شركته وحياته السعيدة من وجهة نظر الاخرين ليعيش في الريف ويقوم بتربية الحيوانات ويمارس الزراعة، وشخصا ما في منصب مرموق يترك منصبه ليقوم بالإلتحاق بدورات في الطبخ وصناعة الخبزكي يقوم بعدها بفتح مخبزأو مطعم...وغيرها من الامثلة الحية التي لاتدل إلا على جرأة الشخص واندفاعه وراء ما يحب، وغالبا ما يشعرهؤلاء بالسعادة عند تغييرهم لحياتهم...حتى وان كان ما يجنونه هو اقل من السابق .

اما التغيير الآخر فهوالاكثرتطرفا حينما يضيق الشخص ذرعا بنفسه وبمحيطه، ويرحل عن بيته دون أن يأخذ شيئا ويختفي لكي يظهر بعد ذلك في مكان ما، باسم آخر وبمهنة اخرى وزوجة او زوج آخرين..دون ان يفكر في حياته السابقة التي قد تصبح فقط محطة في حياته للذكرى دون الالتفات اليه...أما السيناريوالاغرب هو ان يختفي ثم يظهر في مكان بعيد عن وطنه وعائلته منتحرا ومنهيا حياته الى الأبد .

التغيير مهم جدا في حياة الانسان ولكن الذي تجب معرفته ان الفرق كبير ما بين التغيير والحلم او الخيال، فقد يكون التغيير حلما لم ولن نستطيع تحقيقه او امرا محالا غير قابل للتحقق... وعند التمعن في التغيير فقد نجد اسبابا كثيرة قد تدفع الشخص اليه مثل حادث ما، او ولادة طفل او رؤية فيلم وثائقي على شاشة التلفاز، وعلى الرغم من ان الشخص ليس واثقا من اختياره كون ذلك ينطوي على تضحيات مثل الاندفاع نحو المجهول ولكنه يخاطر ويمضي قدما في ذلك عله يلقى الراحة النفسية...

في كل عام تسجل وزارة الداخلية الفرنسية حوالي 35000 شخص مفقودين، وهذا الرقم يشمل المطلوبين من قبل العدالة، والقاصرين الهاربين من بيت العائلة، والبالغين الذين يعانون من الكآبة، والاشخاص الذين يودون تغيير حياتهم والذين تطالب عائلاتهم بالبحث عنهم لدى اختفائهم.وحسب وزارة الداخلية فخلال سنة واحدة هنالك 2500 إمرأة ورجل من المتزوجين والمتزوجات وامهات اطفال رضع يختفون هربا من واقعهم. نصف هؤلاء يعودون الى البيت اما النصف الآخرفإنهم يرفضون العودة واقامة العلاقة مع عوائلهم بل يرفضون حتى إعطاء عناوينهم ، وبذلك يتم شطب اسمائهم من سجل المطلوبين او المفقودين في وزراة الداخلية.

لاشيء يجبرأي عائلة في فرنسا على القيام بالبحث عن فقيدها الذي لايود ان يتواصل معها، فكل فرد حر في تغييرنمط حياته حسب المادة 1 و2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ..هنا في فرنسا كل مواطن له الحق في الاختفاء بإستثناء القاصرين !! ..  

 

   د. تارا إبراهيم - باريس

 

من قلبي كلمة .. من عقلي أخرى

asmaa mohamadmustafaـ لاشيء يحتاجه العاجز كي يقدر، والمريض كي يشفى، أكثر من الحب ..

ـ كيف نصل الى الضوء وسط عتمة حياتنا إن لم نبحث عنه في دواخلنا أولاً ؟

ـ لاتطلق العنان لكراهيتك، لأنك ستندم بعد حين .. الكارهون المتعاملون بفظاظة وشر مع الآخرين هم الأغبى لأنهم مكروهون من الغير، لايبقى معهم صديق ولايتعاطف معهم أحد، ولايذكرهم إنسان بخير .. على عكس أصحاب الحكمة والمحبة الذين مهما تتصور أنهم بنقائهم أبرياء إلا أنهم الأذكى، لأنهم يمسكون بزمام الامور ويسيطرون على الغير بلطافتهم وحسن سلوكهم، كيف لايسيطرون على الآخر وهم قد سيطروا على أنفسهم أولاً ؟

ـ بين محطات الحياة، لطالما تسير قطارات الوجع على سكك تمتد بين القلب والعقل ..

وبين محطات حياة إنسان يتحدى الألم، لطالما يكون الراكب الوحيد في تلك القطارات ابتسامته ..

ـ في الحق .. ثمة فارق بين .. يقول .. ويريد .. ويفعل او يستطيع .. فالكل يمكن أن يقول كلمة حق .. المهم مَن يريد إحقاق الحق .. والأهم مَن يستطيع أن يفعل ذلك .

ـ لاأحد منا يحب الألم عادةً .. لكننا لانعود نكرهه حين يُترجَم الى جمال .. فللألم وجه جميل .

ـ إذا لم نستطع او نظن أننا لانستطيع تغيير شيء من حولنا أكبر منا ومن قدراتنا، فليكن التغيير في أنفسنا .. بإتجاه أن نكون إنسانيين أكثر، ونحب الآخر فعلاً، ونجد فسحة للضوء والامل في دواخلنا وحولنا، لنضمن بها استمرار حياتنا التي تتطلب منا أن نكون أقوياء متشبثين بحلم مضيء .

ـ الإنسانية تسبق القوميات والأديان والانتماءات الأخرى .. وبالإنسانية نحب بلا خوف او تحسب او توجس او شك .. فمهما تعددت المسميات والتسميات، يبقى للإنسانية اسم واحد.

ـ نتألم كثيرا .. ونُحبَط كثيرا، لكننا نزداد حكمةً وثقة وقوة .. وقدرة على المحبة أيضاً .

ـ كلُّ خيرٍ .. محبة . بعضُ الكرهِ .. محبة .

 

أسماء محمد مصطفى