أقلام ثقافية

اول مدرسة في التاريخ

sabahshakir alagamتعتبر حضارة وادي الرافدين من اقدم الحضارات التي عرفتها البشرية ففيها سنت اول شريعة للبشرية وفيها خط اول حرف وفيها اخترعت اول عجلة وفيها انشأت اول مدرسة .

أن الالواح الطينية التي استخرجت من تحت الارض في جنوب العراق تعتبر من الوثائق السومرية التي كتبت قبل 5000 عام والتي اظهرت ان اول مدرسة أنشأت في التاريخ كانت في بلاد ما بين النهرين من قبل السومريون وهم اول الاقوام التي عرفت الكتابة وطوروها والتي اعتبرت الثمرة الاولى لتأسيس المدرسة السومرية وهي من اعظم انجازات الحضارة البشرية منذ قرون .

من الالواح الطينية التي عثر عليها اثناء التنقيبات الأثرية وجد ان بعض الالواح كتب عليها مفردات لمناهج دراسية تشمل مادتها معظم الفروع المعرفية علمية وادبية و ادارية واقتصادية وغيرها ، كما وجد الواح طينية اخرى تحوي تمارين مكتوبة من قبل الطلاب كجزء من واجب يومي والتي تتراوح بين كتابة الطلاب المبتدئين وكتابة الطلاب الذين أوشكوا على التخرج .

كانت اهداف المدرسة السومرية في بدايتها تقتصر على تعليم اللغة السومرية لموظفين يعملون في دواوين الدولة وفي المعابد وكانت خاضعة لسلطة المعبد ثم تحولت الى مدارس مدنية يدفع الطلاب اجور الدراسة فيها والتي تدفع كمرتبات للمدرسين لذلك كان التعليم مقتصراً على ابناء الاغنياء فقط . ثم تطورت المدارس واصبحت مراكز للعلم والثقافة تُدَرس فيها مختلف فروع المعرفة كاللاهوت واللغة وعلم النبات وعلم الحيوان والجغرافية والرياضيات وغيرها من العلوم والتي تخرج منها علماء وباحثون في مختلف فروع المعرفة واللذين قاموا بتطوير تلك المعارف .

كان للمدرسة السومرية نظامها الخاص فكان على رأس المدرسة شخص يطلق عليه (اوميا) والتي تعني الخبير او العارف، وشخص يطلق عليه (ادا ادوبا) والتي تعني مسؤول الفصول ، اما المدرسون فيسمون كل حسب اختصاصه فمثلاً (طوبشار نشدا) أي استاذ الرياضيات و(طوبشار اشاكا) اي استاذ الهندسة و( طوبشار كنكيرا) أي استاذ اللغة السومرية والذي له موقع متميز بالمدرسة . كانت المدرسة السومرية تعلم الطلاب اللغة السومرية والتي صنفت الى فئات كل فئة تتألف من مفردات ومقاطع ذات علاقة مع بعضها ، كما يوجد في المدرسة نوعين من الدراسة علمية وادبية، فالدراسة العلمية كانت الالواح الطينية تحوي قوائم بأسماء الاشجار والنباتات وانواع الحيوانات واسماء المدن والقرى واسماء الاحجار والمعادن وغيرها من العلوم . كما وجدت الواح طينية اخرى تحوي مسائل رياضية مع حلولها ، كما وجدت الواح طينية اخرى تحوي قواميس (سومرية – أكدية) بعد ان اصبحت اللغة الأكدية هي اللغة الدبلوماسية والتجارية في الشرق الادنى والتي تعتبر من اقدم القواميس التي عرفها الانسان . اما الدراسات الادبية فكانت تتضمن ملاحم شعرية تمجد أعمال الالهة والابطال مثل ملحمة جلجامش وقصائد شعرية وجدانية وقصائد تحوي الحكم والامثال وقصص دينية وقصص الحيوانات .

 

إيفا دوفيتري ميروفيتش بجوار جلال الدين الرومي: شهادات (1-2)

aesha momadكلمة السيدة YILDIZ AY صديقة إيفا دوفيتري ميروفيتش بقونية خلال مراسيم نقل جثمانها من فرنسا ودفنها بالقرب من ضريح مولانا جلال الدين الرومي.

إن الكلام عن مولانا وإيفا دوفيتري ميروفيتش لم يكن نابعا من إرادتي، بل من عالميتهما.

أن أعرف مولانا بأنه شاعر صوفي كبير أو أنه مؤسس الطريقة المولوية ليس كافيا لإبراز مكانته عبر الإسلام. فهو يتعدى الحدود الدينية، إنه رمز فكر، حب، تسامح وسلام موجه لكل الإنسانية. مولانا وجد إلهام هذه المشاعر عبر الإسلام وعبر الثقافة التركية. لقد عبر عنها وأهداها للإنسانية.

الصراعات الحالية المتواجدة بين بني البشر مصدرها غياب الحب، الأنانية، وعدم إعطاء الإنسان المكانة التي يستحقها. مولانا وجد الحلول لهذه المشاكل عبر أشعاره التي تحمل بعدا كونيا معبرا فيها عن الأمل، الحب، التسامح، وشمولية الإسلام. ما يحرك الإنسان هو حب الله الذي يبقى راسخا حائما في قلوبنا.

اليوم أشكر إيفا دوفيتري مييروفيتش رحمة الله وسلامه عليها، على نقلها لرسالة مولانا للغرب والشرق. لقد كان لي الحظ الكبير في أن أقابلها في بيتها، هذه المرأة الفرنسية الشجاعة التي أصبحت مسلمة وصوفية وتركية القلب. لم أكن أتجاوز ساعتها 16 عشر سنة وكنت أمر بمرحلة غامضة وصعبة بخصوص ديانتي. لكوني تركية ومسلمة، كانت هناك أسئلة كثيرة تعبر ذهني. لقد أتيحت لي الفرصة لولوج مدرسة قرآنية بتركيا، لم أفهم ماهية وكيفية أسئلتي التي لم يستطع والداي الإجابة عليها. كنت أبحث عن أناي، عن داخلي، عن عمق الإسلام.

لم أتجاوز 16 سنة عندما حظيت أختي بمعرفتها عن قرب بفضل أستاذ التاريخ بجامعة Selcuk، الأستاذ Hazim Karpuz، قابلتنا إيفا بكثير من الحب. أظن أنني عندما رأيتها في سريرها بابتسامتها المبهرة وهي مريضة، فأمسكت بيدي وقبلتني على خدي، قد تمكنت من تمرير رسالتها لي:" ابنتي العزيزة، اقرئيني، اقرئي قلبك، الأجوبة على أسئلتك تكمن هنا في قلبك".

كانت إيفا دوفيتري ميروفيتش وستبقى أكبر متخصصة في التصوف الغربي الحديث، فعن طريق كتاباتها:الاسلام الوجه الآخر، الصلاة في الاسلام، انطولوجيا التصوف، قونية او الرقصة الكونية. وعن طريق ترجماتها لمولانا جلال الدين الرومي: المثنوي، فيه ما فيه، الرباعيات، لم أتمكن فقط من اكتشاف التصوف الذي يعتبر لب الدين، بل الجسد "القالب" الذي هو الإسلام.

عبر كتاباتها اهتممت بتاريخ قونية موطني الأصلي واكتشفت مولانا جلال الدين الرومي، هذا المفكر الروحي المسلم الكبير، التي جاءت أعماله لتحارب الأحكام المسبقة التي يتعرض لها الإسلام.

ماكان بارزا هو أن تحس بهذا العطاء، تلك الإشارات التي كان تمتلك لجذب شخصيات بارزة طوال حياتها، وخاصة تلك الشخصية التي اختارتها كي تكون موجهها الروحي. إيفا كانت تعتبر الرومي شيخها لكن كان لها موجه روحي هو الشيخ حمزة القادري البوتشيشي، والذي استقبلها بحفاوة خلال إقامتها بالمغرب. عندما قابلها لأول مرة، أشار إلى قلبه وقال: "الرومي هنا".

الحب الذي كان بين مولانا وشمس، قد يكون بالنسبة لي نفس الحب الذي تكنه إيفا لمولانا، ونفس الحب الذي أكنه لهما.

من أجل إنهاء هذه الكلمة، أريد إضافة ما يلي: إيفا كانت كنور بقلبي وأرادت أن نحقق رغبتها في أن تدفن بجوار مولانا بقونية. اليوم تحققت رغبتها حيث يمكنها الرقود بسلام.

 

ترجمة عائشة موماد

الشهادة الأصلية للسيدة يلدز آي بالفرنسية:

http://eva-de-vitray.blogspot.com/2009/02/discours-de-yildiz-ay-konya-pour-le.html

 

المرأة بين تأثير الاطار الفكري وظهور العبقرية

haidar husansoariلكل منا اطاره الفكري الذي يتحكم بفكره من حيث لا يشعر، فأن الانسان غالباً ما يكون منوم مغناطيسياً لأطاره الفكري من قبل عدة عوامل كونت ذلك الاطار الفكري ...

(يجدر بنا ان نفهم ما هي القيود التي تقيد عقل الانسان في نظره الى الحقيقة، او بعبارة اخرى، ما هي العناصر التي يتالف منها اطاره الفكري. ان من الممكن القول بان هنالك ثلاث انواع من القيود موضوعة على عقل الانسان او عند نظره في الامور. وهذه الانواع الثلاثة هي:

1) القيود النفسية

2) القيود الاجتماعية

3) القيود الحضارية

علي الوردي / خوارق اللاشعور) ...

ان الانسان الذي يبقى تحت سيطرة هذه القيود والتي تشكل اطاره الفكري ولا يتحرر منها او حتى يسعى الى التحرر منها (لا نقول مطلقاً فمن غير الممكن ذلك) سيبقى انسان رتيباً محافظاً لا يأتي بشئ جديد ولا تظهر لديه بوادر العبقرية والابداع .....

والآن نأتي لنتعرف على معنى العبقرية، جاء في تراثنا العربي ان هناك وادي في اليمن يسمى بوادي " عبقر " تسكنه الجن ولأنهم يتهمون العبقري بالتلبس وبالجنون نسبوه الى ذلك الوادي، والصراحة نجد ان اغلب شعوب العالم تتهم العبقري بالجنون اي تنسبه الى " الجن " ففي اللغة الانكليزية تترجم لفظة عبقري (genius) وتقرأ (جنيس)، والناس لاتفرق بين المجنون والعبقري الا بشئ ظاهري بسيط، وكما قيل : خذ الحكمة من افواه المجانين!! ..... والحقيقة انما خذ الحكمة من افواه العباقرة .....

قال لي احدهم: ان الابداع محصور بالرجل وان المرأة في طبيعتها انسان غير قادر على الابداع !! ودليله على ذلك : لو قمنا بأحصائية لوجدنا ان الغالبية العظمى من المبدعين هم من الرجال !! ... والصراحة انه قام بأستخراج نتائج غير صحيحة من احصائية صحيحة 100% !! .. ولكني أقول له: ما هكذا تورد الأبل ياأخ العرب!! ...

ان الظلم والحرمان اللذان وقعت تحت وطأتهما المرأة (العربية بشكل خاص) كوّن لها اطاراً فكرياً خاصاً (يصعب التحرر منه الا باستخدام وسائل فكرية واجتماعية جديدة)، وجعل منها انساناً رتيباً محافظاً يسير بأتجاه معين رسمته له القيود اعلاه ...

يقول شوبنهور(الفيلسوف الالماني) (قد تمتلك المرأة أحياناً مقدرة فائقة ولكنها لن تستطيع ان تكون عبقرية لأنها لا تقدر على الخروج من ذاتها، فهي ميالة الى النظر في الامور من خلال عواطفها ورغباتها الشخصية) ويعقب الاستاذ الوردي على هذا الكلام قائلاً (يؤيد علماء النفس والاجتماع هذا الرأي في المرأة ولكنهم يعللون ذاتية المرأة أو عاطفيتها بضيق محيطها على اعتبار ان العقل هو وليد المحيط الاجتماعي) علي الوردي/ خوارق اللاشعور ...

ان من يريد من المرأة ان تكون عبقرية يجب عليه اولاً ان يجعلها (والاصح يتركها) تختار اطارها الفكري الذي تريد وترغب لكي تتمكن مستقبلاً من الخروج من ذلك الأطار الفكري والتحرر منه للوصول الى مرحلة الابداع والعبقرية .. (لا أقصد بكلمة التحرر ما يعرف من خسة ودنائنة وابتذال ومتاجرة بالجسد وأنما أقصد به ان يكون للمرأة حرية كافية لتكوين فكر وابداع) ...

ان مقالي هذا وأن كان يتحدث عن المرأة لكنه يخص الرجل العربي ايضاً لإن الرجل العربي قوقع نفسه داخل اطار فكري ضيق ولذلك قلّ العباقرة في المجتمع العربي .....

 

كنت أكذب

bushra alhilaliكمعظم من نشأوا في مجتمعنا، تعلمت الكذب منذ صغري لأني لم أكن أفهم الفرق بينه وبين الصدق، لكني تعرفت عليه أكثر كلما كبرت، ومع ذلك لم أتساءل لم نكذب؟ لم أكن أظن إن كلمة (بابا غير موجود) هي كذبة يطلب مني الوالد قولها لصديق له يطرق الباب ولا يريد مقابلته، ولم أعرف إنه كان علي إخبار والدتي عندما أكسر شيئا في البيت عوضا عن التهرب من قول الحقيقة أو إلقاء التهمة على أحد إخوتي. ولم أفهم لم كنت أتواطأ و ألتزم الصمت عندما أصغي لأمي وهي تتحدث مع جارة أو قريبة عن أشياء لم تحدث أو حدث عكسها لتعتذر عن موقف ما، لم أكن أظن إن كل هذا كذبا وإن كان (أبيضا) كما يسمونه. في سن مبكرة جدا، على ماأتذكر، كنت في الرابعة عشر من عمري عندما تعرضت لموقف محرج مع إحدى صديقاتي، حيث كذبت عليها بشأن أمر ما وصدقتني. وفي يوم ما، بعد شهرين تقريبا، إنكشف أمري أمامها بالصدفة إثناء مرافقة صديقة ثالثة لنا كانت تعرف الحقيقة وتحدثت عن الموضوع دون قصد. مازلت رغم مرور كل تلك السنوات أتذكر نظرة الصديقة التي كذبت عليها وملامح وجهها وهي تسأل: لماذا؟ لحظتها وددت لو إنشقت الأرض لتبتلعني فقد يكون أرحم من خسارتي لهذه الصديقة التي أحبها وأحترم رجاحة عقلها خصوصا وإنها كانت تكبرني بسنتين وتكن لي الكثير من الاحترام. لم تكن تلك مجرد حادثة عابرة بل درسا لم أنساه أبدا تعلمت منه إن الكذب عار وضعف وجبن وإن الصدق هو من يجعلني أرفع رأسي بين الناس دون خوف أو خجل، بالرغم من إن الصدق يحتاج الى شجاعة كبيرة قد لاتكون ضرورية في الكذب. فإمتهان الكذب قد يجعلنا نربح الكثير من الناس والاشياء وربما حتى الحب، فحلاوة اللسان تسحر معظم البشر، فقليل منهم يهتم بحلاوة القلب ونقاءه، لكن عظمة الصدق، وإن تضطرنا أحيانا لخسارة الكثير إلا إن فيها من الكبرياء والنقاء مايجعلنا نعشق أنفسنا ونحترمها، لن أكذب ليس خوفا أو شعارا بل كي لاأضطر أن أطأطأ رأسي خجلا أمام إنسان.. أي إنسان...

أقلامنا تقاتلنا نفسيا!!

أقلامنا تشن علينا حربا نفسية شعواء، ولا ترعوي أو تستيقظ من هذا الغثيان الإبداعي السلبي، الذي يطمر الأمل في أوحال اليأس، والتفاؤل في رمال القنوط، ويلقي بالناس في كهوف المخاوف ووديان الرعب ، ويصعقهم بعواصف التضليل والبهتان.

أقلام تكتب بإنفعالية عالية، وبمداد العواطف المُستثارة، والتجارب الشخصية التي صنعت آليات الرؤية والتفكير المنحرفة، وتمترست في خنادق آسنة، وأنفاق طويلة ظلماء، وتحجّرت في لحظة زمنية ومكانية عسيرة، فأخذت تنتقم لنفسها من الآخرين، وتحسب ما تفعله إبداعا وكتابة وغير ذلك، وإن نبهتها، إنفجرت بوجهك كالبالونات المختنقة بما فيها من الإحباطات المضغوطة، المتأهبة للإنطلاق.

وهذه الأقلام تساهم في شن الحرب النفسية القاسية على وجودنا، وتسعى لتدمير كياننا وحياتنا، وتبني المَصدات، وتضع العثرات في طريق مسيرتنا كبشر يريد التعبير عن إنسانيته وأفكاره الصالحة للأفضل.

ومَن يقرأ ما تكتبه الأقلام في الصحف والمواقع، وما تبثه محطات الإذاعة والتلفزة، وما يدور في ميادين التواصل الإجتماعي، يجد الكثير من مواد وآليات الحرب النفسية السارية والمُعدية، المهيمنة على التفاعلات والنقاشات والتواصلات، وهذا يعني أن الكثير من الذين يرَون بأنهم كتاب وأصحاب قلم، يشاركون في الحرب النفسية على البلاد والعباد.

ومعظم الأقلام لا أظنها تفعل ذلك عن قصد، وإنما بلا دراية وتحسّب وإحتراس، ولنسيانها أن الكلمة مسؤولية، والكلمة الطيبة صدقة، والخبيثة شر وعدوان وإمتهان للآخرين، فقد تتسبب الكلمة في مواقف وتداعيات، وتفاعلات خاسرة، وتبدد الطاقات، وتشوش التفكير، وتصنع مواقفَ معادية للذات والموضوع.

وأحد أهم الأسباب التي تساهم في هذه الكتابات هو عدم التأني، الذي يصنع ردود أفعال إنعكاسية بحتة، وفقا لبوصلة الإنفعال، والتأثر بما تقوم بنشره وسائل الإعلام المغرضة والموجهة بهذا الخصوص، لتأكيد ديمومة الإنهيار النفسي، وهيمنة الرعب وسيادة الخوف، والشعور بعدم الثقة بالنفس، وفقدان الأمل وتوالي الإحباطات، وترسيخ الشعور بالهزيمة الماحقة، والإنكسار المقيم، وأن الحياة تتأسن في نفق لا ضوء في نهايته، ولا بد من التخندق والتفاعل المهين المشين، الذي يعزز آليات التعادي والصراع المُستنزف للطاقات والمُدمر للقدرات.

ولكي يتحقق المستقبل المعاصر، والتفاعل الواعي الحضاري النافع، لابد للمواقع والصحف ووسائل الإعلام أن تتوخى الدقة والتقييم لما تنشره، وتقدّر آثاره السلبية على الوطن والمواطن، ولتبتعد عن نشر الكتابات الضارة المتطرفة، تحت لافتة حرية التعبير عن الرأي، فهذا ليس تعبيرا عن الرأي وإنما عن الشر، فلا يوجد في المجتمعات الديمقراطية حرية في كتابات المواضيع الداعية لتدمير البلاد وسبي العباد، وتحطيم الكيان وقتل التفاؤل والأمل، هذه الكتابات تعتبَر عدوانية ومناهضة لسلامة وأمن المجتمع والبلاد، وقد يحاسب عليها القانون.

فهل وجدتم مقالة في صحف المجتمعات الديمقراطية، تدعو للشر والعدوان وتمزيق المجتمع وتدميره.

هل وجدتم مقالة طائفية تتحدث بذات المفردات الشائعة في الكثير من الكتابات المنشورة عندنا؟

فما تحقق في مجتمعاتنا ربما أسهمت العديد من الأقلام في ديمومته وتأجيجه وتطويره، لأنها لا تكتب وفقا لمناهج العصر، ولا تبحث وتدرس وتدقق، وتحسب المقالة من وحي خيالها وعواطفها وإنفعالاتها وحسب.

وفي هذه المرحلة من الأفضل أن نتوخى الدقة والحذر، ونؤكد الشعور بالمسؤولية فيما نكتبه ونراه ونتصوره، ونستخدم الوسائل المعاصرة في البحث والإستقصاء الصادق النزيه للموضوع الذي نريد الكتابة عنه، لكي تكون أقلامنا نافعة آسية، تطبب الجراح وتملأ النفوس بعطر المحبة وأريج الأمل والتفاؤل، وتعزز الشعور بالثقة والقدرة على بناء الحاضر والمستقبل، والإنتصار على التحديات التي تواجه الإنسان والمكان.

وتمدّ العباد بطاقة الحياة الحرّة السعيدة الآمنة، فالعديد من المجتمعات قد مرت بظروف أقسى من الظروف التي تمر بها مجتمعاتنا، لكنها تعافت منها، وإنتصرت على أسبابها، وصنعت حاضرها الأقوى والأحسن، وأمامنا الإتحاد الأوربي الذي تفاعلت مجتمعاته بإيجابية معاصرة، بعد أن أمضت معظم تأريخها في حروب وصراعات مدمرة لبعضها البعض.

وفي الختام لنتأمل هذه الآيات والأحاديث والأقوال!!

"ن، والقلم وما يَسطرون" القلم:1

"الذي علّم بالقلم" العلق:4

"...كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء" إبراهيم:24

"والكلمة الطيبة صدقة" حديث نبوي.

"أيها الكاتب ما تكتب مكتوب عليك، فاجعل المكتوب خيرا فهو مردود إليك" علي بن أبي طالب

 

د-صادق السامرائي

الحرب النفسية القاسية!!

يمكن تعريف الحرب النفسية بدقة وتركيز، بأنها مهارات وآليات تحويل الهدف إلى قوة مدمرة لذاته وموضوعه حتى يتم إمتلاكه.

وهي تسعى إلى تحفيز طاقات الشر والعدوان، وتسخيرها للإنقضاض على الهدف بعد تأهيل إرادته لتكون ضد وجوده.

أي أن الحرب النفسية عبارة عن دوافع إنتحارية مُحفّزَة في ذات الهدف المطلوب.

ووسائلها معروفة منذ قديم الزمان، وتقترن بأساليب وأجندات تحطم كيان البشر النفسي والروحي والفكري والأخلاقي والقيمي، قبل بدنه ومجتمعه ووطنه ومصادرة وجوده.

ومراميها أن تُضعِف القوة المعنوية للهدف، وتحقق الزعزعة وفقدان الثقة بالنفس، وتؤكد العجز والشلل، وتميل إلى التفتيت والتمزيق والطحن، والبلبلة والتناحر والتصارع المُنهِك للقدرات والمُبدد للطاقات ، وترسيخ قيم اليأس والمظلومية والتعاسة والإندحار، وإشاعة مشاعر الهزيمة والخسران والدونية والتبعية والضعف التام، وإقتلاع الثوابت والرواسخ السلوكية الإيجابية، للوصول إلى أقصى حالات التدمير الذاتي والموضوعي.

وتلعب المناهج الطائفية بأقلامها وخطبائها وقادتها الدور الأكبر في شن الحرب النفسية، عن قصد أو غير قصد، عن وعي أو غير وعي، لأن الحرب النفسية المعاصرة تستهدف تحويل المرتكزات الأساسية في الهدف إلى قدرات فاعلة ومساهمة في وصول الهادف الى هدفه، وكأنها تجعل قادة المجتمع يقومون بسلوكيات إفنائية، وهم في نشوة وهمية وتفاعلات غثيانية، أو تم توفير الأحداث الإنفعالية اللازمة لتحقيق أعلى درجات السلوك العاطفي اللازم فيهم لتدميرهم.

ومن السلوكيات التي تعزز الحرب النفسية وتديمها في المجتمع، الدعايات المغرضة والشائعات والإغتيالات، والتفاعلات التي تساهم في تمزيق التركيبة الإحتماعية وإستنزافها في تدمير بعضها البعض، وفقا لما لا يخطر على بال من النوايا والأحداث السلبية القاسية.

كما أن الحرمان من الكهرباء وبناء الحواجز والتفجيرات والقهر بالحاجات، وإشاعة الفقر والتدهور في الخدمات الصحية والنقل والإتصال، وغيرها مما يمت بصلة لضرورات الحياة المعاصرة، كلها تلعب دورها في تحضير الأرضية الإنفعالية اللازمة للإنقضاض على الهدف وسحقه.

ولوسائل الإتصال الحديثة الدور الأكبر في شن الحرب النفسية، فوسائل التواصل الإجتماعي تشارك في الحرب النفسية بما تتناقله من صور وأفلام، وما تطلقه من كلمات ومقالات وعبارات مدروسة ومحسوبة التأثير، حيث تقوم مراكز شن الحرب النفسية ببث أدواتها المبرمجة للوصول إلى الغايات المرسومة.

ويتعرض المجتمع العربي عموما لآلة الحرب النفسية القاسية الإعلامية الدعائية، التي تشمل معظم وسائل البث المرئي والمسموع والمقروء، مترافقة مع أحداث ومناهج عملية ذات طاقات إنفعالية هائلة، تتسبب في بناء الجدران العاطفية اللازمة لتوحش البشر وفتكه ببعضه البعض.

ولمعزوفات الطائفية والألحان التفريقية الدور الأخطر الذي يؤسس لمسيرة الإتلاف الوطني والإنساني، ودفع الناس إلى الهروب من ذاتهم وموضوعهم، والتحول إلى تائهين في دروب الحياة المجهولة، مما يُسهّل إمتلاكهم ومصادرة وجودهم.

وقد أبتلي المجتمع العربي بجالسين على الكراسي، ربما لا يملكون الأهلية العقلية والنفسية والروحية والفكرية، وكأنّ معظمهم عبارة عن بالونات إنفعالية عمياء، محصنة بأتراس صلدة من العواطف السلبية التي ترشدهم إلى سوء المصير.

وبهذا فهم أدوات أساسية في شن الحرب النفسية على مجتمعاتهم، لقلة ثقافتهم ومحدودية وعيهم، ولأنهم أميّون لا يقرؤن إلا ما فيهم!!

والبلدان التي إفترستها الحرب النفسية تحوّلت جميع أرضها إلى ميادين قتال وإنفجارت وحواجز ومعوقات شاملة لمناحي الحياة كافة.

ولا يمكن التحرر من أصفاد الحرب النفسية إلا بتوفر القيادات المثقفة الجامعة، الواعية المحصنة المؤمنة بنفسها وبوطنها وبشعبها، والمتطهرة من الفئوية والطائفية والتحزبية، والمتسلحة بالروح الإنسانية النبيلة السامية.

فهل ستدرك المجتمعات المُستهدفة بأنها تنجز ما تؤهلها الهجمات النفسية الفتاكة للقيام به؟!!

 

د-صادق السامرائي

العقل بين وهم الحقيقة .. وحقيقة الوهم!!

شئنا أم أبينا ..

الظلام يكف عن أن يكون ظلاماً .. ولا يكف ..

والضياء يكف عن أن يكون ضياءً .. ولا يكف ..

والذئاب لا تكف عن العواء .. ولا تكف عن الزحف صوب المراعي الخضر ..

ولا تعيقها ثلوج الشتاء .. وهي تزحف ، تجذبها رائحة الفريسة حين يبدأ الموت يفرز لعابه اللزجة ..

والغربان، عندها، لا تكف عن التحليق ..

هي وحِدْآن الجييف تنتظر انحسار الموت مهما كان شكله ..

والجثث تجلب الضواري وتستدرج الجوارح وديدان الأرض ..

كما تجلب خيارات الموت المؤجل ..!!

الصخب يهاجم هدوء الوديان .. كما تهاجم الذئاب القطعان .. وكما يهاجم الذباب أشلاء البشر في القمامة .

فينقلب الهدوء الى عاصفة بدون غبار

سوى برك الدم وفوقها سحابات دخان ..

من يتحدى الموت أيها العميان..؟

من يؤجل الموت حين تكف الارض عن الدوران ..؟

من يمنع الوباء حين تمتلأ المدن بالقاذورات ..؟

من ينقذ النفوس التي غمرتها عفونة الحقد والفساد والثأر حين يغيب العقل.؟

من يقترف الذنب والأثم ويطلق ضحكاته في الهواء ويدعي أنه نبيل..؟

من يستطيع ان يغلق اذنيه بالشمع كي لا يسمع صراخ المطحون لحد العظم ويدعي انه عادل..؟

من يدعي ان القلب الغارق بالدموع مسكون فقط بالحب ..؟

من يدعي انه لم يبكِ في قلبه يوما ..؟

من ينكر انه يتوسل الى الله عند المحنة وينساه حين تنقشع ..؟

من يستطيع ان يوقف نزيفه ويسكت جوعه بالصراخ ..؟

من يستطيع ان يواصل مشواره بدون قدميه ..؟

من يستطيع ان يفكر ومعدته خاوية الا من الهواء ..؟

من يستطيع ان يقول انه سيعيش الى الابد ..؟

من يستطيع ان يعوي مثل الذئب طوال الليل والنهار ويدعي انه انسان ..؟

من يستطيع ان يحتكر حقيقة هذا الكون ويدعي انه ظل الخالق على الارض.؟

من يستطيع ان يدعي ان وهم الحقيقة هو الحقيقة ذاتها ..؟

من ينكر ان حقيقة الوهم هي وهم الحقيقة ذاتها ..؟

من يقول ان العالم يتحدى حدود اليقين حين يمتلأ بالشك ..؟

من قال ان الشمس تشرق من الغرب ويدعي ان مسارها خاطئ ..

من يستطيع ان ينكر ان الليل يسبق النهار او ان النهار يسبق الليل منذ نشأة الكون وحتى اللحظة الراهنة ..؟

* *

الإنسان ضعيف .. وضعيف جداً حين تصيبه حمى .. وحين يتعافى يشعر بأنه يصارع الجبابرة .. وهنا في هذا المخبئ يعيش الإنسان بين وهم الحقيقة وحقيقة الوهم ..!!

شئنا أم أبينا ..

الظلام يكف ولا يكف .. وكذا الضياء ..

والذئاب التي تزحف نحو الوديان المعشوشبة ولعابها يسيل حين تشم رائحة الدم .. تظل تزحف من كل الجهات .. حتى انها تزحف في دواخلها حين تعوي عند مغيب الشمس .. ولا تكف عن العواء ما دام الدم يسيل في الطرقات وتحت سقوف المنازل المهدمة بحمم السماء .

فيما تظل الغربان وحِدْآن الجيف تحوم عندما تزحف الذئاب من كل جهات الأرض، ومن دواخلها يستمر النزيف.!!

 

د. جودت العاني

16 / 10 / 2014

 

فن الإصغاء

madona askarإنّ عدم الإصغاء أو عدم القدرة على الإصغاء إلى الآخر، يُعتبر مشكلة قائمة بين البشر، إذ إنّه ومنذ صغرنا لم نعتد الحوار السّليم ولم نتعلّم، بشكل عام، الأسس السّليمة للحوار. والأشخاص الّذين يصغون إلى الآخر هم الّذين يجيدون كيف يسمعون وماذا يريدون أن يسمعوا من الآخر بهدف التّواصل معه بشكل سليم.

بشكل عام وخاصّة الشّرقيّين لا يتقنون فنّ الإصغاء أو يصغون بشكل سلبي ممّا يؤدّي إلى توتّر العلاقة مع الآخر بسبب تجاهلنا له. وما لم نصل إلى القدرة على الإصغاء للآخر فكيف لنا أن نتفاهم معه؟

- لماذا نواجه صعوبة في الإضغاء إلى الآخر؟

في الحقبات الحديثة للبشريّة، كان هناك تشديد على هذا الموضوع من حيث تعلّم التّقنيّات الجديدة الّتي تساعد على حوار أفضل وتواصل أحسن وبالتّالي مقدرة على الإصغاء أكثر. بمعنى أنّ هذه التّقنيات خلقت وسائل تدرّب الإنسان على الإصغاء والتّواصل بطريقة أفضل. ولوحظ أنّ هذه التّقنيّات وعلى الرّغم من كثرتها لم تؤدِّ إلى نتائج مرضية، لأنّه بالمقابل يعترض الإنسان عامل ثانٍ ومهم جدّاً، يلعب دوره في إعاقة هذه التّقنيات، ألا وهو عامل الوقت. فالمسؤوليّات الكثيرة والمتفاقمة، والصّعوبات اليوميّة الّتي بات الإنسان يواجهها بكثرة تساهم في اضطرابه فيشعر أنّ ليس لديه الوقت الكافي ليصغي للآخر.

كذلك كلّ المعطيات تشير إلى أنّ الإنسان يحتاج لتقنيّات ليحسّن آداء تواصله مع الآخر، كما أنّها تشير إلى أنّ عدم قدرته على التّواصل والإصغاء، تدخل في صلب العلاقات الّتي يريدها سليمة إن كان على صعيد العلاقة الزّوجيّة أو العائليّة أو الصّداقات.

وفي كلّ الابتكارات الجديدة ومنها التواصل من خلال الهاتف أو شبكات التواصل الاجتماعي إلّا أنّ إمكانيّة التّواصل مع الآخر اتخذت طابعاً آخر يمنع علينا مشاهدته وهو يتكلّم، أي لا يمكننا مشاهدة ردّة فعله المرافقة لكلمته. وهذا قد يشكّل حساسيّة عند البعض بحيث أنّ هذا العامل ضروريّ جدّاً في القدرة على التّواصل. بالمقابل تمّ تحديث هذه التّقنيات بشكل مهنيّ لتساعدنا أكثر على التّواصل، إلّا أنّ عمليّة الإصغاء يجب أن تأتي بشكل طبيعيّ من خلال أسلوب العيش والتّربية.

 

كما أنّ صعوبة التّواصل والإصغاء تنتج عن عوامل عدّة أهمّها:

- التّربية العائليّة:

لمّا كانت السّياسة السّائدة في مجتمعاتنا هي سياسة الإملاء وليس سياسة الحوار، فبالتّالي نحن نفتقر لتقنيّات التّواصل الطّبيعية.

يتعلّم الإنسان تقنيّات الإصغاء والتّواصل بالدّرجة الأولى في الحياة العائليّة، وهذا ما نفتقده حتّى اليوم في مجتمعاتنا. وعلى الرّغم من التطوّر الحاصل في التّقنيّات التربويّة الحديثة فإنّنا لم نتخلّص بشكل جليّ من الأسس العقيمة المتعششة فينا. ويلعب الأهل دوراً أساسيّا في كيفيّة تعليم الأبناء فنّ الإصغاء من خلال الممارسة وليس من خلال الوعظ. فإن أصغى الوالدين لأبنائهم أيّاً كانت المواضيع والهواجس الّتي يطرحونها، ساعدوهم على التّواصل بشكل صحيح. أمّا وإن استمرّت التّربية في سياق الأمر والطّاعة بدون أي نقاش فلا بدّ من أن ينشأ الأبناء على فرض آرائهم دون الأخذ بعين الاعتبار رأي الآخر. لا ندعو هنا إلى عدم طاعة الوالدين، ولكننّا ندعو إلى النّقاش والحوار في سبيل أن يطيع الإنسان عن وعي وليس عن خوف.

قد يشكو الأهل اليوم من عدم توفّر الوقت للإصغاء لأبنائهم بسبب كثرة المشاكل ووفرة المسؤوليّات والحياة الصّعبة. ولكن الوقت المطلوب للإصغاء لأبنائنا يفترض أن يكون نوعيّاً لا كمّيّاً، كما يفترض أن نخصّص لهم قتاً معيّناً لنصغي لهواجسهم ومشاكلهم. إنّ كيفيّة الإصغاء لهم والتّفاعل معهم يدرّبهم بشكل تلقائيّ على الإصغاء للآخر والتّفاعل معه.

 

- التّربية المدرسيّة:

ما زال الطّلاب في المدارس إن على مستوى المناهج أو على مستوى كيفيّة تعامل المعلّم مع الطالب، يعانون من عدم القدرة على التّواصل. وذلك لأنّ المناهج تحتاج للتّطوير المستمرّ والانتقال من كيفيّة تلقين الطّالب إلى كيفيّة استفزاز ملكاته ومناقشة أفكاره والإصغاء له. عندها يبلغ العلم هدفه الّذي هو بناء شخصيّة الفرد وليس حشو الرّأس بالمعلومات فقط. كما أنّ للمعلّم دوراً أساسيّاً وفعّالاً في تدريب الطّالب على التّواصل لأنّه قد يؤثّر في شخصيّته أكثر من الأهل، ولأنّ التربية جزء لا يتجزّأ من مهنته.

 

- افتقادنا للمؤسّسات والاختصاصات الّتي تدرّب على التّواصل:

حتّى يومنا هذا ما زال مجتمعنا يعاني من قلّة حركة فاعلة للمجتمع المدني من حيث الإرشاد الطّبي والنّفسي، ومن حيث تقبّل المرشدين الإجتماعيين والأطباء والمعالجين النّفسيين لمساعدتنا على تقويم قدرتنا على الإصغاء والتّواصل، وما زلنا نضع هذا الموضوع في إطار الكماليّات. إلّا أنّه من المهم جدّاً وفي حال الاعتراف في افتقادنا لهذه القدرة، أي التّواصل مع الآخر، أن نلجأ إلى اختصاصيّين ليمكنونا من تحسن سلوكيّاتنا وتقويمها. فالمرشد الإجتماعي أو المعالج النّفسيّ يملك التّقنيّات المهنيّة لإرشادنا ومساعدتنا وليس عيباً أن نلجأ إليهما.

 

- ما الّذي يمنعنا عمليّاً من الإصغاء بشكل صحيح؟

إضافة إلى كلّ العوامل الاجتماعيّة والحياتيّة، توجد عوامل أخرى تعرقل مقدرتنا على الإصغاء إلى الآخر. لدينا صعوبة في جهوزيّتنا لسماع الآخر وهذه الصّعوبة تنطلق منّا وليس منه. وتتجلّى هذه الصّعوبة بأربع نقاط:

- النّقطة الأولى: الانهماك بالمشاكل الشّخصيّة الّتي نعاني منها والّتي تلقي بثقلها علينا ولا يعلم بها الآخر.

- النّقطة الثّانية: عدم التّحلّي بالصّبر، ففقدان هذا العامل ينزع منّا القدرة على التّواصل، وبالتّالي وجوده يشكّل عاملاً أساسياً في تحسين القدرة على التّواصل مع الآخر. وما يمنع الإنسان من التّحلّي بالصّبر إمّا أفكاره المشتّتة، وإمّا لأنّ الموضوع المفترض سماعه لا يعني له، أو أنّه ليس بأهمّية الوقت الّذي يكرّسه للشّخص الموجود أمامه.

- النّقطة الثّالثة: في حالة الإرهاق الجسدي، التّعب، الجوع، الهمّ، يجد الإنسان صعوبة في الإصغاء إلى الآخر لأنّ ذلك يتطلّب ما هو أهمّ من الحضور الجسدي وهي القدرة الدّاخليّة.

- النّقطة الرّابعة: الدّخول مع الآخر في حوار ونحن محمّلون بأحكام مسبقة، ما يولّد في أنفسنا نفوراً منه وبالتّالي إطلاق الأحكام المسبقة يؤثّر على جميع العلاقات ويحوّلها إلى أن تصبح محدودة بإطار واحد، بمعنى أن نضع الشّخص بإطار سلبي أو إيجابي.

- ما هي الوسائل الّتي تمكّننا من تحسين المقدرة على الإصغاء؟

عندما يتوجّه إلينا شخص ما بحديث معيّن أو فكرة معيّنة، يتطلّب منّا الإصغاء عندها جهوزيّة كاملة وداخليّة، فنستنفر كلّ قوانا ونوظّفها بشكل فعّال لنكون موجودين بكلّيّتنا في حضور الآخر. كما أنّ الإصغاء يتطلّب مجهوداً نستخدم فيه كلّ قوانا بشكل أن يشعر الآخر أنّنا حاضرون له وفقط له.

الإصغاء هو فعل جسديّ وحضور ذهنيّ وداخليّ يعبَّر عنه خارجيّاً بالجهوزيّة الكاملة. وهو حدث لأنّه يتطلّب منّا الكثير من الوعي والاهتمام بالآخر.

أن نصغي، يعني أن نكون جاهزين بكلّيتنا لسماع الآخر ومهتمّين بكلّ كلمة يقولها وبكلّ تصرّف يعبّر عنه وبالتّالي هذه الجهوزيّة تسمح لنا أن نفهم فكرة الآخر ومقاصده أكثر، ونقبله ونفهمه كما يريد أن يوصل فكرته وليس كما نريد أن نفهمها نحن.

الصّمت هو مفتاح هذه القدرة على الإصغاء، لأنّ الإصغاء إلى الآخر يفترض أن ننفتح داخليّاً على الطّريقة الّتي يرى فيها الأمور وعلى المعطيات الّتي يعيشها. لذلك فإنّ الصّمت يمنحنا القدرة على رؤية الأمور كما يراها الآخر كما يجعلنا نفهم كيف يتفاعل معها. إنّما هذا لا يعني أن نعيش الصّمت كيفما كان، لأنّه حتّى الصّمت له أوجه عدّة، منها ذاك الّذي يُعبّر عن غياب أو لا مبالاة. كما أنّه يمكن للآخر أن يأخذ علينا أنّنا غير موافقين على ما يقوله.

الصّمت الّذي يجب أن نعيشه لنتمكّن من الإصغاء هو ذاك الّذي يمنحنا الجهوزيّة الكاملة والدّاخلية للإصغاء إلى كلام الآخر. بمعنى آخر وبسيط، الصّمت هو أن نمنح ذاتنا للآخر في الوقت المكرّس له لنسمعه يتكلّم ونتفاعل معه. فإذا عرفنا كيف نصمت، عرفنا الولوج إلى داخل الآخر.

الإصغاء يمنحنا سلطة في التّقرّب من الآخر وهذا ما يعطينا المقدرة على حلّ الكثير من الإشكاليّات وتخطّي الكثير من القلق والاضّطرابات، ويحوّلنا إلى إنسانيّين متمكّنين من استيعاب ذواتنا واسيعاب ذات الآخر بما يعبّر عنه.

 

مادونا عسكر/ لبنان

باتريك موديانو "ند" لكامو وماركيز!!

tara ibrahimباتريك موديانو الروائي الباريسي الذي يناهز 69 عاما، حصل على جائزة نوبل المرموقة للأدب هذا العام ليصبح الفرنسي الخامس عشر الذي ينال هذه الجائزة . كوفئ هذا الاديب على كتاباته التي تصف "فن الذاكرة الذي يعالج من خلاله المصائر الانسانية الأكثر عصيانا على الفهم وعالم الاحتلال"، هذا ما أعلنته الاكاديمية السويدية لدى ترشيحها له ، كما قال سكرتيرالاكاديمية ان موديانو يعتبر مارسيل بروست عصرنا الحاضر.

"الامر يبدو لي غير حقيقي، أن أكون في هذا الحدث ، فقد كنت في الثانية عشرة من العمر وأتذكرعندما حصل البرت كامو على الجائزة" قالها الروائي في مؤتمر صحفي في دار نشره المسمى بكاليمار في باريس. مضيفا " ان من غير الطبيعي ان أصبح ندا لاشخاص   اعجبت بهم"..." أنا متشوق لمعرفة الأسباب التي دعت الاكاديمية لاختياري.." مردفا "، بانه تربطه بهذا البلد علاقة وطيدة كون حفيده سويديا" وهو في النهاية أهدى الجائزة له كون بلده هو بلد جائزته".. وقال في مقابلة أخرى " ان الحصول على الجائزة هو تكريم لفرنسا بذاتها وهذا هو السبب وراء اتصال السيد رئيس الجمهورية فرانسوا هولاند لتهنئته شخصياً".

موديانو هذا الشباب الذكي الذي حصل على شهادة البكلورياعام 1962 سابقا اقرانه بعام واحد، ولد من اب إيطالي يهودي وام بلجيكية، وعاش طفولة صعبة حيث كان مهملا من قبل والديه، توفي اخوه الصغيرالذي كان متعلقا به كثيرا، مما اثرعلى نفسيته ، فقد انتهت بموته طفولته البريئة لذا أهدى العديد من اعماله الى أخيه الراحل، وتتميز طفولته بالهرب من مدرسته الداخلية، بسبب غياب والديه طوال الوقت وكذلك التشرد في طرقات العاصمة الباريسية .. بعد الحصول على البكلوريا يكرس الكاتب نفسه للكتابة بتشجيع من الكاتب والشاعر المعروف ريموند كينو صديق والدته آنذاك، لذا وبدعم منه ينشر اولى رواياته التي تحمل عنوان "مكان النجم"عام 1967 التي تدور احداثها حول الاحتلال والتي حصلت على جائزة روجيه نيميه و" شوارع الحزام " سنة 1972 التى حصلت على الجائزة الأكاديمية الفرنسية ثم "المنزل الحزين " سنة 1975 التى حصلت على جائزة المكتبات و" كتيب العائلة " سنة 1977 ، و" شارع الحوانيت المعتمة" سنة 1978 التي حصلت على جائزة كونكورت الفرنسية و" شباب " سنة 1981، و"أيام الأحد في أغسطس" 1984 ،و "مستودع الذكريات " سنة 1986 ، و" دولاب الطفولة " سنة 1989 ، و" سيرك يمر " سنة 1992 ، و" محلب الربيع " سنة 1993 ، و "بعيداعن النسيان " سنة 1994 ، و"دورا بروريه" سنة 1997 ، و"مجهولون" سنة 1999 ، و"الجوهرة الصغيرة" سنة 1999 أيضا، و"حادث مرير" سنة 2003 ، و" مسألة نسب " سنة 2005 ، و" في مقهى الشباب " سنة 2007، "الأفق " سنة 2010، ورواية "عشب الليالي" سنة 2012 ورواية "حتى لا تضيع في الحي" سنة 2014، السنة التي نال فيها جائزة نوبل العالمية للأدب.

تتحدث غالبا رواياته عن موضوع الغياب، أو"البحث عن المفقودين على أمل العثورعليهم ولو ليوم واحد" ويربط الغياب بفترة الطفولة التي تمر بسرعة او بالأحرى الطفولة المفقودة. وتبنى أعماله الأدبيةعلى أساس موضوعين رئيسين: البحث عن الهوية وعدم القدرةعلى فهم الاضطراب في المجتمع. فهو يحاول دائما ان يحلل الاحداث كي يستطيع من خلالها بناء هويته. موديانو أو شخصه الثالث يصف نفسه بعالم آثار الذاكرة التي يبحث فيها عن دلائل صغيرة ووثائق يمكن ان تعتبر في البدء دون فائدة تذكر ولكن عند تجميعها يمكن له ان يبني منها شخصية متكاملة.

أما الهاجس الاخرلموديانو فهو فترة الاحتلال الألماني وعلى الرغم من انه ولد عام 1945، حيث لم يعايش هذه الفترة لكنه يشيراليها باستمرارمن خلال الرغبة في فهم حياة والديه في هذا الزمن إلى درجة انه يربط ابطال روايته بهما أيديولوجيا، وخصوصا والده هذا الشخص الغائب،الغامض،ومضطرب السلوك، الذي كان يتجول متنكرا تحت اسم آخر خلال فترة احتلال النازيين لباريس لذا فهو يدخل في صميم عمل موديانو ويستوحي شخصياته منه.

يذكر ان الاكاديمية لم تستطع الاتصال بالكاتب قبل اعلان الخبر نيله الجائزة المذكورة على العالم ...ولكن وبعد عدة ساعات عندما اتصل به الناشر لتهنئته، كان الكاتب سعيدا وقال متسائلا " انه من الغريب ان يتم اختياري .." !! .    

 

د. تارا إبراهيم – باريس

 

عبقرى الرواية العربية

noha mohamadalrabeeالأديب السوداني الراحل الطيب صالح نعته البعض بـ (عبقري الرواية العربية) فالطيب صالح له إصدارات عديدة منها: منسي إنسان نادر على طريقته - بندر شاه ضو البيت - دومة ود حامد - عرس الزين - إضافة إلى روايته الشهيرة (موسم الهجرة إلى الشمال) التي وجدت صدى واسع في كل أنحاء العالم خاصة بعد أن طبعت في كتاب سنة 1967 .. ويرى الكثير من النقاد إن هذه الرواية طرحت قضايا الهوية والعلاقة بالأخر وانطوت على جسارة كتابية لم تكن موجودة في الرواية العربية لذا وجدت اهتماما من الجميع وكان نتاج ذلك عددا كبيرا من الدراسات والمقالات على امتداد الوطن العربي ....

قرأت عددا من المقالات التي يتناول بعضها النقد لهذه الرواية والتي أجمعت إنها رواية غزيرة ثرية استثنائية ...وشخصيا إن الكاتب الطيب صالح هنالك علاقة ربطت بينه والقرية ولم توهن رغم اغترابه خارج ارض الوطن وهذه العلاقة يلتمس آثارها كل من يقرأ له .

مميزات القصة الامازيغية التقليدية الشفهية .. ايت واوزكيت تازناخت الكبرى نمودجا

alhasan aabaتعتبر القصة من الفنون الادبية ولها مقدمة وعقدة وحل هده العقدة وهي عند الامازيغ فن قديم متوارث ابا عن جد.وتاتي حسب الباحثين والعارفين في المجالات الادبية في المرتبة الثانية بعد الشعر.لكن كيف تسرد القصة الامازيغية الشفهية القديمة .. ومتى وكيف .. لقد تعددت المصطلحات حول هدا الفن .. فهناك من يطلق عليها .. تيمنينت .. وهدا بالنسبة لسكان قبيلة ءيزناكن الصنهاجة الامازيغ اما عند قبيلة ايت اعمر فيطلق على هدا الفن.ب .. لحديت .. وهدا ليس معناه السنة او حديت القران وانما يطلق على القصة القصيرة عند هده القبيلة.لكن ايت اعمر يميزون بين انواع هده القصص .. فالقصة القصيرة مثلا كقصص الحيوان والطير والحشرات الزاحفة والغير الزاحفة .. هي لحديت .. كما قلنا سابقا .. اما القصص الطويلة والتي تتميز غالبا بالغزوات والحروب فيطلق عليها .. لقيست .. بالسين وليس الصاد .. وعند امازيغ سيروا ايت سمكان .. وايت واغرضا وايت ماغليف الى ايت ؤبيال فيطلقون عليها .. دمينت ونفس المصطلح نجده عند قبائل الاطلس الكبير وبالدات ب .. ءيمي ن ت…انوت .. وهناك مصطلحات امازيغية اخرى تطلق على القصة الامازيغية وهي كثيرة .. مثل .. تالاست .. وتانقسيست .. وتانفوست بالجزائر الى غير دلك من تعدد المصطلحات.اجل غالبا مانقص هده الحكايات في فصل الشتاء عندما نستدفئ حيث تقص علينا امهاتنا وجداتنا احسن واغرب القصص انداك.وتقص وتسرد ليلا.اما نهارا فممنوع لان المعتقد الشعبي السائد هنا عند الامازيغ يمنع دلك.وكما يقول المعتقد الشعبي السائد مثلا عند قبيلة ءيزناكن .. ان الانسان الدي يسرد هده القصص نهارا فسوف يزيغ ويظل ويحجب عنه الطريق الدي يمشي فيه.وعند قبيلة ايت اعمر.فان الدي يسرد هده القصص نهارا فسوف يكون خاله اقرعا ونفس الشسء ينطبق على القبائل الامازيغية الاخرى.نعم ان القصة الامازيغية الشفهية التقليدية تتقيد بعدة شروط عكس القصة الامازيغية الحديتة المكتوبة ومن بين هده القيود كدلك ان المعتقد الشعبي يفرض على السارد تكملة القصة حتى وان كانت طويلة وان لم يستطع السارد دلك فعليه مثلا ان يقول .. مسلغتين غ ؤكضي .. اي بالعربية اي اغلقت عليها في الجحر.والمعنى من دلك كله .. هو ان السارد يريد متابعة السرد غدا.ومن بين شروط القصة الامازيغية التقليدية كدلك هي ان لها مقدمة متفق عليها من طرف القبيلة فمثلا بالنسبة لقبيلة ءيزناكن فالسارد كيفما كان لابد ان يفتتح قصته ب مثلا .. ءيمين ار ءيمين د ءيكان…ومعناه .. كان ياماكان .. اما عند ايت اعمر فيفتتحونها .. مندو مندو يات لحديت ارت ءيتكا ربي د تين زازال اليغت ءيكا د تين غييض .. اي هده قصة جرت احداتها نهارا الى الليل .. ومن الشروط الاخرى التي تميز هده القصة الشعبية التقليدية الرائعة .. هي انها تختتم بخاتمة متفق عليها كدلك حيث مثلا تقول .. فلغتين غ شر اشكاغد س لهنا ءيخص بوواديف ءيمي نو تاكرتست ءيمارغن ءيلجماعت…اي تركت هده القصة بما فيها من ماسي وعدت انا غانما اما اللحم الطري لي والقديد للجماعة.

ان ايت واوزكيت وبتازناخت الكبرى كنمودجا فيها انواع مختلفة من القصص .. هناك قصص الانسان العادية وقصص الحيوان والطير والحشرات الزاحفة والغير الزاحفة .. اضافة الى قصص النوادر وهي على شكل قصة وتختتم بحكمة وبمثل شعبي يدل على تلك القصة .. مثل .. هاخور ها صباح .. نعم انه مثل شعبي لكن لديه قصة ازد على دلك الاساطير مجسدة والغير المجسدة

الاهتمام الذي تحتاجه حواء العربية

noha mohamadalrabeeموقف المرأة والفتاة في المجتمعات من أهم العوامل التي تعيق التنمية في كل أجزاء العالم وما يهمنا عالمنا العربي والاسلامى ..فالمواقف تجاه المرأة ما زالت سلبية في العديد من المجتمعات رغم التطور والتنمية التي يشهدها العالم ...فالاهتمام الذي تحتاجه حواء العربية ليس المقصود به تحسين مستوى المعيشة كما يضع الغالبية في حسبانهم ..ليس توفير المأكل والمشرب لها .. ولكن الاعتراف بها ككائن له إسهاماته في الحياة الاجتماعية والثقافية بل حتى السياسية وهذا يتطلب مساعدتها في التحصيل العلمي وإيجاد حلول للإشكاليات التي تكدر صفو حياتها وهذه عديدة مثل الزواج المبكر الذي يوجد حتى يومنا هذا في بعض المجتمعات حيث ترغم الفتاة على الزواج من احد أبناء العمومة في سن صغيرة من اجل عادات وتقاليد القبيلة ..بل ان بعض القبائل تجبر الفتاة على الإكثار من عدد الأبناء غير مكترثين بالوضع المعيشي أو الحالة الاقتصادية ...بل انه في بعض القبائل إذا لم تنجب المرأة ذكورا يحدث تعدد الزوجات ولا يتم النظر لشروط التعدد التي نعلمها جميعا عندها يلحق الضرر بالأبناء والزوجة  

ان تحسين مكانة المرأة والفتاة العربية وحفظ حقوقها يتطلب سن قوانين صارمة وحملات توعية وإرشاد حتى لا تعيش بعض المجتمعات العربية معيشة الجاهلية والعياذ بالله ...فقد كرمها ديننا الحنيف وحفظ مكانتها فكيف نفرط نحن في هذا ؟؟؟؟          

"الاطلال".. عراقية

ibrahim alkayatالأطلال ..عدّها النقاد تاج الاغنية العربية واروع اغنية عربية في القرن العشرين. تبدأ كلماتها بـ "يا فؤادي لا تسل أين الهوى" وفي الأصل "يا فؤادي رحم الله الهوى"، وهي توليفة قصيدتين للشاعر نفسه، وعدد أبياتها 125.

شاعرها د.ابراهيم ناجي (1898ـ 1952)، طبيب مصري، وكان وكيلا لمدرسة أبولو الشعرية، واجه نقداً عنيفاً عند صدور ديوانه الأول. د. طه حسين وصف شعره بأنه "شعر صالونات لا يحتمل أن يخرج إلى الخلاء فيأخذه البرد من جوانبه". وقد أزعج هذا النقد الشاعر فسافر إلى لندن. له من الدواوين: وراء الغمام، ليالي القاهرة، في معبد الليل، الطائر الجريح.

ملحنها رياض السنباطي (1906 - 1981)، موسيقار لحن لـ 120 شاعرا. في صغره استمع اليه الشيخ سيد درويش فأعجب به. بدأ مع ام كلثوم عام 1935 بأغنية "على بلد المحبوب وديني"، ثم قدم لها نحو 90 لحنا. تميّز في تلحين القصيدة الفصحى، ونال جائزة اليونسكو ليكون العربي الوحيد من بين خمسة موسيقيين من العالم حصلوا عليها.

أنشدتها أم كلثوم (1898 - 1975)، وهي المغنية الشهيرة .. "كوكب الشرق" و"سيدة الغناء العربي". يذكر لها أنها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حين غنت قصائد لأحمد شوقي، منها "ولد الهدى"، وصل طلب من القصر الملكي بتغيير كلمة "الاشتراكيون" في البيت:

الاشتراكيون أنت إمامهم                  لولا دعاوى القوم والغلواءُ

لكن السيدة لم تستجب.

في سنة 1966 غنت "الأطلال" بعد عام واحد من غنائها "انت عمري" من ألحان محمد عبد الوهاب. فجاءت "الاطلال" ردا من السنباطي على "انت عمري" التي حققت نجاحا كبيرا.

أجمل وصف لحفلات السيدة جاء على صفحات مجلة "لايف" التي كتبت تقول إن تغييرا في حياة الناس في الشرق الأوسط على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم وعقائدهم، يحدث مرة في كل شهر، ودائما في العاشرة من مساء أول خميس. فالمرور في القاهرة يكاد يتوقف، وفي مقاهي الدار البيضاء تختفي الطاولة، وفي بغداد يترك الأغنياء تجارتهم والمثقفون كتبهم، وتفرغ الشوارع من المارة، وكلهم آذان تنصت لإذاعة القاهرة في انتظار أم كلثوم.

في 3 شباط 1975 اندمجت اذاعات "الشرق الأوسط" و"البرنامج العام" و"صوت العرب" في موجة واحدة، وظهر يوسف السباعي في تمام السادسة مساءً ليلقي نبأ الرحيل، بينما وقف المهندس سيد مرعي رئيس مجلس الشعب دقيقة حداد. وأرسل الأمير عبد الله الفيصل لترات من ماء زمزم كواجب أخير. وكانت جنازتها مهيبة جداً بل عُدت من أعظم 8 تشييعات في العالم، حيث زاد عدد المشيعين على 4 ملايين شخص. ولا غرابة، فمصر فقدت هرمها الرابع.

وعندنا، بعد تشكيل حكومة د. العبادي، جلس الشاعر "ابن والي الساعدي" على رصيف اتحاد الادباء، وهو يئن ويدندن بأطلال السيدة:

وانتهينا بعد ما زال الزعيق

وأفقنا ليت أنا لا نفيق

فاذا الوضع على (حطته)

واذا الاحزاب كلّ في طريق !!

 

الفوضى في التسميات

emad aliكتبت الزميلة الكاتبة الصحفية القديرة فابيولا بدوي مقالة مؤثرة في صحيفة الرؤية الاماراتية عن الخلط في المفاهيم مابعد الربيع العربي او حتى قبل الثورات التي سيمت عفويا بهذه المسمى، وبكلمات واضحة ومعبرة بسلاسة عن موضوع يشغلني منذ مدة ليست بقصيرة، وهو الخلط في العمل واندثار او انعدام التخصص في الشرق الاوسط بشكل عام وهو عدم تسمية الشيء بمسمياته الصحيحة المعبرة عن صلبه وحقيقته بشكل صريح وملائم، واعتقد ان الامر فيه من الخلط فيما وراء التسميات وليس المفاهيم ذاتها، اي بعبارة اخرى وجود تلك المفاهيم ولكن دون وضعها او الصاقها بما يعبر عنها ويعرٌف ويعبٌر عن محتوياتها بشكل حقيقي، وتدخل في ذلك امور سياسية واجتماعية ايضا وحسب مقتضيات المرحلة والمكان، انني ارى يوميا من يخوض معركة ثقافية اذا جاز التعبير ويُعرٌف بالمحلل السياسي ومن هو نشط في مجال حقوق الانسان والمنظمات المدنية ويُسمى بالمراقب السياسي ومن هو اكاديمي واختصاصه بعيد جدا عن تسميته ولغرض ما يُبرز في مجال مضاد لخبرته وتوجهاته، ويمكن ان تكلمت بدقة اكثر انني اعبر عما اراه في العراق بشكل عام وكوردستان بشكل خاص، وهذا يمكن ان ينطبق في بلدان الشرق الاوسط بشكل او اخر . في احدى لقائاتي التلفزيونية وبعدما شاهدت البرنامج كتب تحت يافطة تعريفي مصطله ومفهوم كان جديدا في نظري وهو كادر سياسي مستقل لو حللنا الكلمات الثلاث وتضادهم مع البعض، وفي لقاء اخر؛مراقب سياسي، وفي اخر؛ كاتب سياسي او خبير سياسي ولصقت بي من المصطلحات المبتدعة والى اخره من التسميات العديدة وكل حسب راي المعد والمخرج والخلفية التي تحكم وسيلة الاعلام تلك دون اي اعتبار لحقيقة تخصصي او عملي وتوجهاتي، ولو سؤلت قبل اي لقاء لقلت عما اعتقد انني ماذا اعمل وما اختصاصي وبماذا افكر وما يلائمني وحقيقتي من المفهوم الملائم الذي استحقه، ولكنت قلت على نفسي بانني باختصار شديد كاتب صحفي فقط ويمكن ان تُعبرهذه التسمية عن كل ما سبق، لانه تحمل في طياتها ما يخص العمل الصحفي المتشعب وهو بيان الحقائق كيفما كان وباي اختصاص سواء كان سياسيا او اجتماعيا او فلسفيا وبالوسيلة المتاحة االمقروءة او المرئية او المسموعة وان تدخلت فيها التحليلات والتنظيرات حسب الامكانية والقدرة الذاتية والمعلومات المتوفرة لدينا .

اعيد، انني اتكلم عن العراق وكوردستان بالذات، ان اسباب الفوضى في هذا المجال عديدة منها موضوعية وذاتية، تدخل فيها المصالح السياسية والحزبية والشخصية، فنرى من الاحزاب من مصلحتها ابراز شخص ما في مجال وهو فقير ولم يملك من منتميه من ذلك الاختصاص فيريد ان يظهر حزبه او تنظيمه على انه قوي ولديه ما لدى غيره وهذا تضليل، او اصرار الاشخاص بذاتهم على تسمية ذاتهم بمسميات بعيدة عن مجالهم وامكانياتهم وقدراتهم، او تهدف الوسيلة الاعلامية على بيان الشخصية المدعوة على انها المعنية في البرنامج المعين او اخطاء شخصية سواء من المعدين او المعني بكل وصفة او تسمية يُطلق على المثقفين او السياسيين بالبذات .

بعد التحرر من ربق الدكتاتورية التي لم تكن هناك فرصة لحرية الراي في حينه، طفت الى السطح هذه الحالات والتي صاحبت الفوضى في المجالات الاخرى ايضا، وكانه حدثت انفلاقا في العملية الثقافية السياسية ولم تهدا الحال لحد اليوم ونرى التشويش والتضليل في امور عديدة ومنها عدم التدقيق في المفاهيم وخلطها بدءا بالتعريفات الصحيحة الحقيقية التي يجب ان تاخذ مجراها الحقيقي الى الحالة السياسية الفوضوية التي نسير عليها في كافة النواحي ومنها وضع المفاهيم في مكانها الصحيح ايضا . وكما هو الواقع استحدثت تسميات ومفاهيم وفق المرحلة وما تتطلبه من التواصل كلغة وبعضها لم تترجم لحد الان الى الغة العربية او الكوردية وتعبر عنها بلغتها الاصلية وتلصق بمضامين ومحتويات لا تعبر عن المفهوم او على التضاد معه احينا . لذا نحتاج الى اعادة النظر في التعبير لغويا عن المفاهيم بعيدا عن التعصب والانانية التي يريد البعض من خلال المفاهيم التعبير عنها وتدخل في باب الشوفينية ايضا .  

اليوم الوطنى للمرأة

hamid taoulostالأعياد مناسبات عظيمة وجليلة في نفوس بني البشر، تعم جميع بلدان العالم ، تتوافق في أحيان كثيرة في مواقيتها والعديد من مظاهرها ، وتتحد في العديد من أنماطها بين الكثير من الشعوب ، وقد تختلف من بلد لآخر في التوقيت وبعض العادات والخصوصيات ، حسب الفروق الجغرافية والعرقية واللغوية والثقافية والاقتصادية والسياسية ، ولكن فحواها وجوهرها ، يبقى تابثا لا يتغير ، ومن بين تلك الأعياد الكثيرة التي يحتفل بها المغاربة "اليوم الوطني للمرأة" المحطة المهمة والمناسبة المتميزة ، التي تدفع بنا للوقوف مع ذواتنا لنتذكر من خلالها ما وصل إليه -في بلادنا وبلاد العالم - هذا الكائن الذي أعطى من دمه وجسده وروحه وفكره وأحاسيسه من دون مقابل ، ومدى مشاركته في الحياة السياسية والاجتماعية والتنموية ، ومقدار المكانة المرموقة والمسؤوليات الجليلة ، والمناصب الراقية التي تبوءها..

وبهدا المناسبة أتقدم بأحر التهانى لهذا الكائن العظيم ، الذي يطحن نفسه ووقته من أجل تحمل ثقل ما ألقت عليه الحياة من آلام ومسؤوليات الحيض والولادة وتولي تربية الاجيال ، وتخريج الشعراء والرسل وحتى عبدة الشيطان والذين يتظاهرون بمعرفة الإسلام ، وهم أشد خلق الله جهالة به ، وأكثرهم عدوانية له ، وأفظعهم إدعائية وتمنطقا بألفاظه التي لا يتمسكون منها إلا بما تساير أهواءهم وتتماشى مع مفاهيمهم القديمة البالية التي عفا عليها الزمان ولم تعد صالحة لهذا الزمن الذي يعيشون فيه مثل الأوروبيين لكن بمقاييس لم ترتفع عن جهالة أهل الكهوف ، وغباوة المتخلفين ، الذين لا هم لهم إلا إخراج آيات كتاب الله وسوره من سياقها للسيطرة على هذا المخلوق الرقيق ومنعه من التمتع بما حباه الله من حرية وكرامة ، وإبقائه حبيس ظلمات المغارات ، وعتمات الأقبية ، بدعوى أنه ليس له الحق في الاستجابة لجوع أو ملبس أو أي شهوة حتى المباح منها شرعا ، وما عليها إلا ارتداء لبوس الانعزالية وتغطية المعالم والملامح ، خشية نشر الفتنة بين من استمرؤوا : " انكحوا ما طاب لكم من النساء ، "واجلدوهن وارجموهن واضربوهن واهجروهن في المضاجع " الذين يبحثون من خلال منطوقها عن مسوغات ومبررات لزيادة القهر والسادية الذي يبعث في نفوسهم المريضة النشوة الفرانكشطانية ..

إنها صورة بشعة رسمها المسلمون ولم يرسمها الإسلام ، تظهر مدى بشاعة استعباد وتهميش هذا الكائن ، لا لشيء إلا لكونه إمرأة ملت قيد العبودية المفروض عليها من قبل عقلية بدوىة عاشت في الجزيرة العربية قبل الاسلام ، ولم تتغير كثيرا حتى بعد الاسلام بألف وأربعمائة عام ، حيث لازال تنظر بنفس النظرة المتخلفة إليها على أنها نصف عقل ، ونصف قدرة ، ونصف انسان ، وأنها ليست إلا ماكينة للتناسل ، ورحما لحفظ الأجنة ، وفرجا لإلقاء فضلات كبت الرجل الذي ليس الجنس إلا بمزاجه ، وأن كيانها ليس إلا هبة من الرجل ، وحياتها نفحة منه ، وسعادتها مرتبطة برضاه ، وأن أي طموح لها خارج خريطة البيت والإنجاب ، هو طموح مدمر وقاتل ، ولأنها تحمل على منكبيها عقلاً ناقصاً وارادة محكومة بالعاطفة ، وأنها لم تخلق إلا لتكون آلة تفريخ كما يقول أبو الأعلى المودودى فى كتابه "حركة تحديد النسل" ص80 : "لم يخلق هيكل المرأة الجسدى إلا ليقوم بخدمة النوع البشرى ويؤدى واجب الاستبقاء على وجوده فهو الهدف الرئيسى الذى قصدته الفطرة بخلقها وهو الواجب الذى تطالبها الفطرة بأدائه" ..

فإذا ما هي اخفقت في صد نفسها عن القبوع في بيتها ، والإلتزام بتغطية خسدها ، وفكرت ، مجرد التفكير، في الانتصار لكرامتها ، أو تحقيق بعض من حقوقها الشرعية والقانونية وحتى العرفيى ، وإن هي لم تستطع كبح جماح غريزة التحرر الطبيعية فيها – كما في أي إنسان سوي- وحاولت التخلص من سفه الوصاية عليها –وكأنها طفل غير راشد - بمناهضة مهازل التابوهات الدينية والمذهبية والطائفية المشيعة للعنصرية والمستحمرة للناس ، وبمقاومة لاواقعيه ايديولوجيات الإسلامويين ، الذين يعجزون عن فهم ومسايرة معطيات العصر ، ويرفضون انتشار قيمة النزعة العقلانية ، التي لا قدسية معها لأي نص بشري مهما كان المقام العلمي والاجتماعي لصاحبه .. فإنه وبمجرد تفكيرها فيما يناقض أفكار من يتلاعبون بحاضرها باسم الدين ، أو يعارض مزاجية من يصادرون مستقبلها باسم والقيم المفترى عليها ، أو يمس قراءتهم الخاطئة للدين وللرجولة وللشرف -التي تنتمي بجدارة إلى القرون الوسطى- بما يهدد سلطة مؤسستهم الدينية التقليدية بالانهيار؛ تراهم وقد ثارت ثائرتهم وهبوا متسارعين للقذف بالمسكينة خارج إنسانيتها ، وإغراقها في تحريماتهم المعتادة ، التي تنسف كل حقوقها المتاحة عرفا وقانونا وحتى شرعا ، بما فيها حرمانها من الاستمتاع بكل ما أحل الله لها ، إلى درجة أنهم يستقبحون عليها حتى ممارسة مشاعر المحبة بكل معانيها وقيمها السامية التي فطر الله عليها كل البشر ، وتراهم مجتهدين ، بل مجهدين أنفسهم ، لإعادتها لظلمات القرون السابقة باسم التدين ، وقتلها باسم القيم والحفاظ على الشرف ، والتمثيل بجثتها باسم كل الحجج الساذجة التي لا يصدقها العقل الناضج ، والإدعاءات الواهية التي لا يقبلها المنطق السليم ، لا تستحق من الرجولة الحقة إلا الشجب والتنديد ، لعل المجتمع الذكوري يراجع مواقفه منها كأم وأخت وزوجة وإبنة وصديقة ، ويعيد النظر في تعامله معها ، ويتخلى عن ثقافة النظرة الدونية التي ورثها عن فقهاء الجهل والحقد والكراهية والتخلف الفكري والدجل الديني ، ويعمل على حفظ استقلاليتها وشخصيتها ويجعلها مساوية للرجل في كل مناحي الحياة ، لأنها لم تعد قاصرة وتجيد إثابة من يستحق الاحترام وتحسن معاقبة من يستحق العقاب ، وهي قادرة وحدها على أن تقف لمواجهة كل من يحز في نفسوه نجاحها ، ويتخذ من محاربة انتصارها لكرامتها وتحقيقها لحقوقها ، مهمته الأولى وغايته القصوى ، فاحدروا غضبتها ، وخذوا ما وصلت إليه المرأة من رفعة ونهضة اقتصادية واجتماعية وسياسية ونقابية عند غيرنا من الأمم التي مكنتها من إبراز قدراتها وإخراج كفاءاتها وإظهار تفوقها الفكري والعلمي ، كرسالة قوية لمراجعة المواقف المتخاذلة التي لن يجد فيها أحفادنا ما يباهون به الأمم ، ويندى جبينهم ويخجلون حين يستعرضون تخاذل أغلبيتنا عن عدم الاعتراف بدور المرأة الحقيقي والمشرف ، وتمادي أقليتنا في التباكي والتحسر على الرجولة والقوامة..

صحيح أن واقع المرأة لم يصل بعد إلى درجة الكمال ولكنها في طريقها إلى ذلك التمرد على قبضة الرجل الذي لا يرحم ، والفكر الاجتماعي والديني الذي يظلم المظلوم ويقمع المظلوم

 

حميد طولست

دونكيخوتية ثقافية .. النقد حين يتمذهب

معضلة التبسيط من بين العاهات الثقافية المترافقة مع تضخم نرجسي "دونكيخوتي". انخداع في الخارج وخواء في الداخل، بحيث يكون المآل الطبيعي ذلك الانبعاث الأزلي لبطولة خاوية وعبثية ومجّانية تصارع "طواحين الهواء". وكما هو كل شيء ينزع لاستطالة أيروتيكية "قضيبية"، تحتشد في الواقع الاجتماعي المساوئ السيكولوجية ذاتها التي تجعل من كل شيء عرضة للتضخم. المنازل، الأسوار، السيارات، الألقاب الثقافية والمكانات الاجتماعية، كل ذلك ينزع نحو عشق أبدي للضخم، حتى وإن كان مثل فقاعة، شيء كبير وضخم ولكن دون محتوى. إنها العاهة نفسها إذن التي تلوح كظاهرة اجتماعية وثقافية في الآن نفسه. تلوث العلاقات الاجتماعية كما تفتك بالوسط الثقافي جاعلة منه مسرحا لمهرجين منهمكين بالخدع البصرية.

التضخم انخداع بصري، معادل ثقافي لماكياج لا ينفك يعيد صياغة الوجه وتجميله بأطنان من الأصباغ ومحسنات البديع الأنثوية. ثمة "دون كيخوتية" مزدوجة هنا. تخدع على نحو بصري الداخل والخارج معا، هذا الجوهر "الدون كيخوتي" سيتمظهر في تجلياته اللانهائية، لكنه سيتجلى في الداخل تحديدا في صورة عصاب وعقدة "نرجسية"، أما خارجيا ففي صورة لقب: الناقد الفذ، المصلح العظيم، المثقف الإشكالي الذي يعصف بالعقول ويثير الزوابع.. وهكذا تتشكل سيرورة الانخداع، يصبح المشهد منظومة كاملة من الانخداع، من الانفصال وسوء الفهم المرضي، الانفصال الناجم عن تلك الهوة الشاسعة التي تفصل بين مظهر الكائن الثقافي وجوهره، هذا الانفصال ينتج إذن كائنات ثقافية خرساء لا تقول شيئا حين تتكلم.

سنحسن الظن كثيرا بهذا النقد التبسيطي "الدون كيخوتي" السائد في ساحتنا الثقافية لو اتهمناه بالقفز على شرط التاريخ. إنه بالأحرى لا يقوم على أية رؤية أو وعي تاريخي بقدر ما هو مسكون بذلك الدافع الغرائزي، الذي أميل إلى تشخيصه بالاستطالة الأيروتيكية.. لكننا سنحسن الظن وسنذعن معه إلى أهمية البدء أولا بتفكيك الخطاب الديني، انطلاقا من المقولة التي مفادها أن الإصلاح الديني شرط تاريخي ضروري لولوج الحداثة، سنؤمن بذلك معه، وسنتجاسر -لتحقيق ذلك- على قفزات أخرى، لكنها فقزات ليست تاريخية هذه المرة، وإنما معرفية ومنهجية تستهدف تجاوز اشكاليات تحديد المفاهيم، كالتاريخ نفسه، والتحولات الثقافية ومقولات العولمة، والخ.

حسنا، لندع تلك التعقيدات المنهجية لنفحص مباشرة ماهية الإصلاح الديني المزعوم. نحن بحاجة –بداية- لفضيلة الصبر لاحتمال ذلك المزيج القبيح لكائنات ثقافية وطائفية في الآن نفسه، كائنات تمارس النقد ولكن بعد تطييفه، جعله طائفيا يستهدف طائفة بعينها، كما نحتاج إلى حيل وتقنيات "دون كيخوتية" لكي نصدق كل ذلك الهراء الطائفي الذي يسمونه اصلاحا ونقدا وتفكيكا للخطاب الديني "المأزوم". سنلاحظ على الفور قاسما مشتركا يجمع "الدونكيخوتيين"، إذ تغيب حقيقة مفادها أن أي نقد مزعوم للخطاب الديني، لا تقوم له قائمة دون الخروج وتجاوز الطائفة، التفكيك يعني جوهريا الوقوف على أرض معرفية خالصة، الأمر الذي من شأنه التوغل نحو المقولات التأسيسية، نحو المفردات المفتاحية التي تشكل قاسما مشتركا، يستدعي الأمر الغوص عميقا وصولا لقاع الخطاب الديني، مرتكزاته المعرفية الناظمة لتمظهراته الأخلاقية والسلوكية والعقدية، الناقد أركيولوجي يمتهن الأشغال الشاقة وليس عارض أزياء متضخم على طريقة بطلنا المألوف "دون كيخوت".

الشرط المعرفي للنقد شرط الذاتية. هناك تعالق جدلي بين موضوعية المعرفة وتفرد المثقف النقدي وخروجه على كل وصاية، لا يخضع الإنسان النقدي لوصاية خارج الأبستمولوجيا وشروطها، النقدي أصيل لأنه بالضبط وفي لنقده، لا يخون النقدي ذاته، ولا يرضخ لإملاءات من خارجه، سواء كانت دينية أو سياسية أو سيسيولوجية، المثقف النقدي إذن لا يستعير خطابه من غيره، كما يفعل المثقف الدون كيخوتي.

المتثاقف المخدوع بما هو خواء داخلي محض، لا يفعل سوى أن يستعير. الروح والعقل، كل شيء مستعار في داخله، إن مهاجم التقليد والتقليدية لهو كائن تقليدي بحت. هل من المستغرب إذن لو استعار خطابه النقدي، وبشكل كامل، حتى دون أي تعديل ولو بطبقة رقيقة من الماكياج – لذر الرماد في العيون على الأقل- لو استعاره من طائفة ضد طائفة أخرى، كأن يقوم بالاستعانة بالشيعة لنقد السنة أو العكس.

هذه الاستعارة الواضحة والفاقعة تكشف عن خاصية جديدة للثقافة "الدون كيخوتية". الانخداع البصري خارجيا يقترن بذلك الغرق الاستبطاني الحائل دون البصر والتبصر.."الدون كيخوتية" بلا نور، بلا رؤية، إنها عمى محض، لا تحفل بالآخر، بالمتلقي، لأنها لا تراه، إنها تستعير كما تسرق "ذاتها" من الآخر.. الذات هو "الآخر" وقد صار ناقدا دون كيخوتيا، ناقدا مخدوعا وأعمى.

لكن "الدون كيخوتية" مؤنثة، نرجسية مدعومة بغواية "الأنثوي"، بحيث تحتشد مساوئ الأنثوي بكل عتاده التجميلي مع مساوئ الثقافة المدجنة "ذكوريا".. وكما في كل مكان قهري تسكنه الأحاديات الجنسية والسياسية والدينية، قدر الأنثى في قلب هذا الثالوث المحرم الخيانة الدائمة للذات، إنه خواء لا يستعير فقط خطابا ذكوريا منافسا بجمعه بين سلطة المثقف وفتنة الأنثوي، وإنما تقوم أيضا بتفتيت الاستعارة ذاتها..

وهكذا عبر تحنيط اللغة، يتحول الوجود المستعار "الدون كيخوتي"، إلى نفي الاستعارة. يقابل الخواء الداخلي اكتمالا لغويا، الاستعارة "الأنطولوجية" لتكوينه الثقافي الهش، سَتُعمّد بخراب "مالطا" لغوي، ستبدو اللغة أسماء وتعميمات فوتوغرافية مفارقة للتاريخ والتحولات الثقافية، تصبح اللغة على إثرها قوالب اسمنتية.. فتشوا في قاموسه المعجمي ولن تجدوا سوى الأسماء الثابتة دون أي اكتراث بالطبيعة الاستعارية للغة، هكذا سنجد أن الطائفة والخطاب الديني كينونتان ثابتتان أزليتان، وعلى هذا النحو لن يتوقف الدون كيخوتي الثمل بهوسه التطييفي عن ترديد أبرز مقولاته: ليس ثمة تاريخ ولا انشقاقات داخل كل طائفة.. السنة هم السنة، والشيعة هم الشيعة، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها..

 

العولمة الثقافية

bobaker jilaliصارت العولمة في الفكر الغربي الحديث من الضروريات والبديهيات المطلوبة فهي كما يقول جيرار ليكلراك: "إنّ العولمة أمر يختلف عن الأمر البسيط والمحض. العولمة كتابة عن ولادة كرة أرضية واحدة هي من الآن وصاعدا ملك الناس أجمعين:إنّها ليست ملكية أيّة حضارة كبرى ولا سيطرة لأي منها عليها، لكرة أرضية لا مركز عليها أما التغريب وخلافا لذلك فيعني انقسام العالم إلى مركز مسيطر وإلى طرف خاضع للسيطرة، إنّه اسم آخر للإمبريالية والاستعمار".23 وارتبط تعميم الحداثة ونقلها خارج الغرب الأوربي وخارج الولايات المتحدة الأمريكية بجملة من المبادئ منها نقل التكنولوجيا وتسويقها لمختلف شعوب العالم، واعتماد أسلوب الحوار من خلال حوار الأديان والثقافات والحرص على حماية حقوق الإنسان والمحافظة على البيئة والحد من التسلح النووي وغيره، فالعقلانية التي قام عليها الفكر الليبرالي الحداثي والمبادئ التي تمثلّتها القوى الكبرى أخذت طابع العولمة وصفة الكونية من خلال حرص القوى المهيمنة على نشر ثقافة العولمة الفكرية والفلسفية والتي تمُثل في جوهرها النموذج الثقافي الفكري والفلسفي الغربي الأمريكي بجميع خصوصياته، النموذج الذي ارتضاه الغرب لنفسه وفرضه على غيره - من خلال عولمة المناهج التربوية - عن طريق العولمة التي تجلّت فيه تربويا وثقافيا وفكريا وفلسفيا.

كان للوضع الثقافي في جو العولمة أثره البارز على ثقافات الشعوب في الأطراف، التي تعرّضت وحدتُها للتصدع والتشقق، وطرحت لديها إشكالية العولمة والخصوصية الثقافية، وإشكالية العولمة والوحدة الثقافية والفكرية والدينية، وإشكالية العولمة وتاريخ الثقافة وماضيها وحاضرها ومستقبلها، مما يعني أنّ العولمة نابعة من الشعور بالعظمة وصادرة عن إرادة الهيمنة، يقول محمد عابد الجابري:"العولمة GLOBALISATION إرادة الهيمنة، وبالتالي قمع وإقصاء للخصوصي. أما العالمية UNIVERSALITE-UNIVERSALISME، فهي طموح إلى الارتفاع بالخصوصية إلى مستوى عالمي:العولمة احتواء للعالم، والعالمية تفتح على ما هو كوني عالمي. نشدان العالمية في المجال الثقافي، كما في غيره من المجالات، طموح مشروع، ورغبة في الأخذ والعطاء، في التعارف والحوار والتلاقح. إنّها طريق الأنا للتعامل مع الآخر بوصفه أنا ثانية طريقها إلى جعل الإيثار يحل محل الأثرة، أما العولمة فهي طموح بل إرادة لاختراق الآخر وسلبه خصوصيته، وبالتالي نفيه من العالم، العالمية إغناء للهوية الثقافية، أما العولمة فهي اختراق لها وتمييع. والاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة يريد إلغاء الصراع الإيديولوجي والحلول محله..الصراع الإيديولوجي صراع حول تأويل الحاضر وتفسير الماضي والتشريع للمستقبل، أما الاختراق الثقافي فيستهدف الأداة التي يتم بها ذلك التأويل والتفسير والتشريع: يستهدف العقل والنفس ووسيلتهما في التعامل مع العالم:الإدراك."

وكان لإشكالية الخصوصية الثقافية والعولمة وقعها الكبير على الثقافة والفكر والمعتقدات الدينية في العالم أجمع وفي العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر بصفة خاصة، خاصة وهو العالم الأكثر استهدافا من قبل العولمة لأسباب تاريخية وعقدية وجيوسياسية وإستراتيجية، وإذا كان المركز والعولمة قد حرصا على تفتيت العالم العربي والإسلامي سياسيا هدرا للطاقة وضربا للوحدة وقضاء على التكتل والتجمع إلى سني وغير سني، إلى بربري وغير بربري، إلى عربي ومسلم إلى غيرها من الثنائيات والثلاثيات وأكبر منها تكريسا للصراعات الطائفية والمذهبية والنزاعات العرقية والجهوية وغيرها، فإنّهما حرصا على ذلك من قبل ومن خلال المدخل والمقدمة إلى ذلك، أي الانطلاق من تفتيت العرب والمسلمين ثقافيا وعقائديا وتراثيا وتاريخيا، لأنّ الشعوب العربية والإسلامية مازال التراث فيها حيّا، يحركها في وجه عواصف العولمة ورياح ثقافتها التي تستهدف إقلاع ثقافات الشعوب من الجذور، وإعادة تشكيلها وفق ما تتطلبه ثقافة العولمة وسائر مصالح المركز، والصراعات السياسية في بلدان العالم العربي والإسلامي بين أنظمة الحكم والمعارضة بمختلف انتماءاتها هي في منطلقاتها وفي جوهرها صراعات ثقافية وفكرية وإيديولوجية تحرص العولمة على خلقها وإذكاءها لإيجاد التفرقة والقضاء على الوحدة الثقافية والفكرية والعقدية، والمركز يعي جيدا دور الوحدة الثقافية في تجميع القوة والنهوض بالتنمية والتطور والازدهار، هو الوضع الذي عرفته الدولة الإسلامية في أيام عزها الديني والثقافي والحضاري عموما، وكان للوحدة الدينية وللرابطة الثقافية الأثر الأقوى في تحقيق تلك القوّة والعزة، لهذا كان من حرص العولمة أن تجعل من الثقافة والفكر في العالم العربي والإسلامي الحديث والمعاصر تيارات فكرية متصارعة، واتجاهات داخل التيارات متباينة، ومدارس فلسفية مختلفة تستمد شرعيتها من الموروث والوافد، التيار الإسلامي والتيار الليبرالي والتيار الاشتراكي والشيوعي، وكل تيار من هذه التيارات منقسم على نفسه، فالتيار الإسلامي فيه الاتجاه السلفي الأصولي المحافظ والاتجاه السلفي المعتدل والاتجاه السلفي الجهادي التكفيري وغيره بل نجد كل اتجاه هو الآخر منقسم على نفسه في مواقف تحددها أراء الأفراد والفئات، أما التيار الليبرالي القومي نجد فيه الاتجاه الليبرالي التغريبي والليبرالية التوفيقية وهكذا مع التيارات القومية الاشتراكية والتيارات الشيوعية، وصار كل تيار يقدح في الآخر ويطعن في مبادئه وأفكاره، هذا يكفر ذاك وهذا يخوّن الآخر.

إنّ أصول ومصادر وتجليات الثقافة الغربية الحديثة والمعاصرة التي تسهر العولمة بكل ما أوتيت من قوّة على ترويجها ارتبطت كلها بحركة الإصلاح الديني والفكري والسياسي والتربوي، وبالثورة على القديم في الفكر واللاهوت والسياسة وغيرها، وبالتقدم العلمي والتكنولوجي وبالثورة الصناعية، مما أدّى إلى ظهور فلسفة جديدة وقيّم ثقافية جديدة أفرزها الوعي التاريخي في الغرب الأوربي الحديث، أهم ما تميّزت به هذه الثقافة والفلسفة هو ارتكازها على عدد من القيّم وهي قيّم مستمدة من الطبيعة البشرية ومما يعطي الأولوية القصوى للجانب الحياتي في الدنيا من اعتبار للقيّم الأخلاقية والدينية، مثل الاعتماد على العقل والعقلانية ونبذ كل ما لا يقبله العقل، واتخاذ الحرية والتحرر سبيلا في الحياة الفردية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإبعاد كل ما يعيق ويقيد أو يمنع سير الإنسان نحو التقدم والازدهار في شتى المجلات، هذا ما تقوم عليه النظرية الليبرالية وفلسفتها الاقتصادية والسياسية، الحرية والتعددية والتداول على السلطة، وإبعاد الدولة والتوجيه مهما كان مصدره من التأثير في الحياة الاقتصادية، وارتكاز الاقتصاد على الحرية والملكية الفردية وعلى قوانين السوق الحرة، ومن قيّم الثقافة الغربية الحديثة التوجّه العلمي والإيمان بالعلم الذي حلّ محل كل فكر وكل حقل معرفي عرفه الإنسان، توجّه أقصى كل صنوف التجلّيات الثقافية الكلاسيكية من فلسفات وديانات وآداب وأخلاق وفنون علوم وغيرها إلاّ ما يخدم المسار العلمي والعقلاني الحر القائم في الوعي التاريخي والحضاري في الغرب الأوربي الحديث، المسار العلمي في الثقافة الغربية وانفصاله عن سائر المسارات غير العلمية جعله يقطع أشواطا رائدة في دراسة الطبيعة والطاقة والإنسان، ومعرفة العلاقات الثابتة بين الظواهر واكتشاف القوانين التي تتحكم في تلك العلاقات، التقدم العلمي وحاجة الإنسان إلى التأثير في الطبيعة والسيطرة عليها وتسخير ظواهرها وتحويل الطاقة من صورة نافعة إلى صورة غير نافعة كل هذا فجّر الثورة الصناعية والتطور التقني الذي أصبح ميزة من ميزات العصر وأبرز تحول أثّر في حياة الإنسان اليومية وبصفة مباشرة من خلال الإنتاج الصناعي للاستهلاك اليومي ومن خلال تحول حياة الإنسان من اعتمادها على وسائل وأساليب وتقنيات بدائية إلى وسائل وتقنيات متطورة جدّا يستعملها في سائر أعماله وفي مختلف مجالات الحياة. ما تحقق بعد الاعتماد على العقلانية وعلى الحرية وعلى العلم والتكنولوجيا صار التوجّه الحديث للغرب الأوربي عقلاني علمي حر، ولما أقصى هذا التوجّه كل ما هو غير علمي ومقدس أخلاقيا كان أو دينيا أو غيره، واهتم فقط بما هو طبيعي موضوعي وبشري، وبما هو دنيوي لا ديني ترسّخ الطابع العلماني في الثقافة الغربية، وأصبحت ذات قيّم استوحاها الإنسان من وعيه التاريخي الحضاري الحداثي والتحديثي في مضمونه وفي المرحلة التاريخية بتحولاتها وتطوراتها المختلفة.

إنّ الخصوصية الثقافية في الغرب الأوربي الحديث التي ارتبطت بقيّم الحداثة والتحديث والليبرالية من عقلانية وحرية وتعددية وعلمنة وتقانة وعلمانية وغيرها والتي تطورت واتسعت مجالات استعمالها، صارت تمثل النموذج الثقافي في المركز ومساره الذي يجب أن يُحتذى به في الأطراف، تضطلع بالمهمة عدة جهات مهتمة بالعولمة ومؤيدة لها في المركز وفي الأطراف عن طريق ثقافة العولمة وعولمة الثقافة، ثقافة العولمة أي تعميم ثقافة المركز لتشمل ثقافات الأطراف وتحتويها دونما اعتبار للتنوع الثقافي والفكري والديني، وعولمة الثقافة أي تحويل ثقافات الأطراف من خصوصياتها الضيقة ونقلها إلى سعة ورحابة العالمية والانفتاح على ثقافة المركز والاندماج معها في جو من الانسجام والتوافق، وفي الحالين معا سواء عولمة الثقافة أو ثقافة العولمة فإنّ النتيجة واحدة ومحسومة، هي أنّ ثقافات الأطراف الأجزاء تُصبح محتواة في ثقافة المركز الكل، ليس على سبيل التفاعل الثقافي الندّي وإنّما على سبيل إعادة تشكيل ثقافة المركز لثقافات الأطراف حسب ما تقتضيه الحاجات والمصالح المختلفة للمركز، ودون مراعاة حاجات ومصالح الأطراف، ولما كانت الثقافة الغربية ذات طابع علماني فهي لا تتقيد بالمفاهيم غير العلمانية كالدينية والأخلاقية بل لها العداء وتبدي، "ومن لغريب أن عداء الثقافة العلمانية الغربية المادية الحديثة ينصب أساسا على الثقافة الإسلامية، بل إن لقادة الغربيين السياسيين وقادة الثقافة والفلسفة والفكر يصوبون سهامهم نحو الثقافة الإسلامية ويتخذون منها العدو الرئيسي لثقافتهم العلمانية المادية، وكثير من آراء بعض هؤلاء القادة مثل الرئيس نكسون وفوكويامنا وهتنجتون وغيرهم، وصراع الحضارات وحوار الحضارات تتجلى فيها هذه الأفكار المعادية للفكر الإسلامي".25

إنّ جو ثقافة العولمة وعولمة الثقافة حريص كل الحرص على صهر ثقافات الأطراف في ثقافة المركز، وكان له تأثير ملموس في هذه الثقافات وفي أهلها، فأصبح للثقافة الغربية مروّجون في الأطراف، مما أدّى إلى الاختلاف بين دعاة العولمة ومعارضيها، وكثيرا ما تحوّل الاختلاف إلى نزاعات وصراعات مسلحة، والحقيقة أنّ الكثير من النزاعات والصراعات الدموية وغير الدموية هي نتيجة صراع بين أنظمة سياسية وثقافية دخيلة ليبرالية وغيرها من جهة وبين تيارات وتنظيمات محلية ذات انتماءات ثقافية ودينية وتاريخية موروثة، وكثيرا ما لعبت العولمة الثقافية والسياسية دورا في تمزيق وحدة الهوية ووحدة الخطاب الديني وحدة الخطاب القومي ووحدة الخطاب الوطني السياسي، "من نماذج هذا التمزق والهوية المفقودة حال الجزائر والتي لم يستقر فيها الخطاب السياسي على مفهوم واضح يحدد خصوصيات المجتمع الجزائري، وبالتالي انتماءاته السياسية، يوظف هذا الخطاب مفاهيم غير قارّة لتحديد هوية الجزائر مثل مفهوم الأمة الجزائرية حينا وأحيانا أخرى مفهوم الأمة العربية ثم مفهوم الأمة الإسلامية بكل ما يحمله هذا الأخير من تنوع وشمولية وأخيرا دخل مفهوم المتوسطية".

تحرص العولمة على نشر ثقافة التفسخ والانحلال الأخلاقي وثقافة الشهوة والمتعة وإذاعة أنشطة الترفيه واللهو واللعب والتسلية التي فيها مضيعة للوقت وهدر للجهد من دون فائدة تُذكر، ثقافة تزرع الفساد والتعفن والمسخ الفكري الذي لا يأخذ في الاهتمام سوى الجانب الحيواني الشهواني في الإنسان، يعامله بطريقة آلية في الفكر والممارسة بأتمتة صماء وبعقلانية مفرطة وبحرية مشبوهة وبعلمانية غير متوازنة، ويسحب منه كل ما من شأنه يوفر له التوازن والتوافق بين ماديته وروحانيته من قيّم عليا دينية وأخلاقية وإنسانية، وتحرص وسائل الإعلام والاتصال على غرس قيّم العولمة الثقافية في الأطراف من خلال ما تبثه من أنشطة وبرامج تطبق فيها مناهج تربوية وتعليمية باسم التجديد والتطور في حقل التربية والتعليم والتكوين، تستهدف من وراءها تربية وتكوين الأجيال على قيّم النموذج الثقافي الغربي والأمريكي، وهو مطلب وطموح المنظمات العالمية الفكرية والثقافية والعلمية مثل منظمة اليونسكو، وهي منظمات تعمل تحت إشراف وتوجيه المركز، وتشرف على وسائل الإعلام والاتصال التي تسعى للنيل من ثقافات الأطراف ومن خصوصياتها، خاصة ممن يُعارض العولمة الثقافية ويتمسك بعناصر هويته الثقافية جهات من المركز حريصة على تغليب نموذج ثقافة العولمة في التربية والتعليم والتكوين والتثقيف والمثاقفة والترفيه والتسلية وغيرها. ونجد أنّ "باسم المثاقفة يتم انحسار الهويات الثقافية الخاصة في الثقافة المركزية مع أنّ اللفظ سلبي ACCULTURATION ويعني القضاء على ثقافة لصالح أخرى، ابتلاع ثقافة الأطراف داخل ثقافة المركز.وتخفف بعض المصطلحات الأخرى من مستوى عدم الندية بين الثقافات فتبرز مفاهيم التفاعل الثقافي،التداخل الحضاري، حوار الحضارات، التبادل الثقافي، وهي مفاهيم تنتهي إلى أنّ ثقافة المركز هي الثقافة النمطية ممثلة في الثقافة العالمية والتي على كل ثقافة احتذاؤها، ويُستغل ضعف شعوب الأطراف فيتم تغيير النظم والمناهج التربوية، وتطوير الكتب المدرسية وغيرها في مؤسسات التربية والتعليم والتكوين عامة، مثل ما يحصل في جامع الأزهر بمصر وفي غيره استجابة لتحولات العصر وتماشيا مع التطورات الحاصلة في التربية والتعليم في بلدان المركز، واستجابة لآليات العولمة ومداخلها المتعددة مثل حاجة شعوب العالم إلى التسامح وإلى حوار والحضارات وإلى حوار الثقافات والأديان وتعايشها، الاستجابة وتمثل ما يترتب عنها كفيل بإفراز تداعيات خطيرة من شأنها أن تطمس الخصوصية الثقافية والسادة الوطنية والمعتقدات الدينية، وتؤيد وتؤبد الاحتلال والظلم الذي تتلقاه الشعوب العربية والإسلامية وغيرها في مختلف أقطار العالم وتنتهي أسطورة التعددية التي طالما قامت عليها حضارة المركز، وعبّر عنها وليم جيمس في "عالم متعدد" لصالح عالم أحادي الطرف. ثقافة تبدع وثقافات تستهلك، ثقافة تصدر وثقافات تنقل...والوطن هو الضحية، ميدان لصراع القوى الكبرى بالمال والسلاح، وتضيع الخصوصية لصالح الصراعات المحلية والدولية، ويصمت الحوار الوطني، ويشق صف الوطن. فالمعركة إذن بين الخصوصية والعولمة ليست معركة بريئة حسنة النية أكاديمية علمية بل تمس حياة الأوطان ومصير الشعوب".

 

الدكتور جيلالي بوبكر

 

أسئلة الكينونة والوجود

saad jasemمنذ البدء، اي بدء الوعي والمعرفة والكشف : كانت الأسئلة .. الأسئلة الشاملة التي أوجدتْ كلَّ علامات الاستفهام حول الكون والخلق والوجود وأصل الاشياء والحب والحريةوالثقافة والحداثة والابداع والجمال و.. و .. الخ

وماظهور الفلاسفة والمفكرين والعلماء والانبياء والرسل والادباء والكتاب والفنانين والمعلمين والأطباء والمهندسين والقادة السياسيين والعسكريين، ماظهور ووجود كل هؤلاء الا قدرات وطاقات وضرورات خلاقة تكتنز بافكارهم وتصوراتهم ووجهات نظرهم الساعية للاجابة عن تلك الاسئلة الشاملة التي تمخّضت بالتالي عن الكثير من المنجزات العلمية والاشراقات الروحية والافكار والطروحات والرؤى المعرفية والابداعية والجمالية والقانونية الحلول السياسية والخطط العسكرية

التي كان لها اثرها الفاعل والمهم والمؤثر في حياة الامم والشعوب .

إلّا أننا وفي العقود الزمنية الاخيرة لمسنا ان هناك حضوراً للكثير من الاسئلة المهمة التي راحت علاماتها الاستفهامية تتحرك وتشاكس وتراوغ وتصرخ وتعرض في حياتنا العربية، وقد لمسنا ايضاً ان هناك غياباً يكاد ان يكون واضحاً للكثير من الاجوبة التي يُفترض ان تكون هي نتائج ومحصّلات موضوعية لتلك الاسئلة .

وحتى يكون كلامنا هذا منطقياً ويحمل مبرراته المقنعة، فاننا سنطرح مجموعة من الاسئلة التي نعتقدا جوهرية ولها وجودها وحضورها الشاخص إلّا ان الاجوبة عنها تكاد ان تكون غائبة أو مغيّبة ومسكوتاً عنها مع سبق (الأسرار والتعمّد) ومن هذه الاسئلة :

-هل استطاع ادباؤنا وكتابنا ومثقفونا ابتكار رؤى ومفاهيم وطروحات ومناهج فكرية ونقدية ورؤيوية جديدة ورصينة، من اجل ثقافة مستقبلية بعيدة عن الاعراف والمفاهيم التقليدية والانقسامات والكانتونات والتكتلات المؤدلجة والفتن والنعرات الطائفية والعرقية والعنصرية التي تعصف بعالمنا العربي؟

-متى سيقوم المثقف العربي بتكريس منجزه المعرفي والعلمي والثقافي والادبي والفني من اجل الناس والمواطنين بمختلف مستوياتهم الادراكية والثقافية، ولاينظر لهم نظرة دونية من برجه العاجي بوصفهم قطيعاً لايفقه شيئاً؟

-متى سيتخلّص " البعض" من المثقفين من مخالبهم التي تتطاول دائماً لنهش وتجريح زملائهم واصدقائهم وذلك من خلال اجترار اخطاء الماضي وإرهاصاته المفروضة والمفترضة والتي ينبغي نسيانها او تناسيها الى الابد لما تقتضيه

ظروفنا واوضاعنا وثقافاتنا العربية أولاً وأخيراً

-ماالذي يدعو البعض من المثقفين او المتثاقفين لأن يكونوا اكثر بوليسية وإستخبارية من البوليس الرسمي والمخبرين المُكرسين، ليطاردوا زملائهم الاخرين بتهديداتهم العلنية ووشاياتهم وتقاريرهم السرية التي يدبجونها في لياليهم الخاوية كمتطوعين مجانيين احياناً او كمأجورين بأثمانٍ اكثر رخصاً من ذواتهم المعطوبة؟

-كيف يمكننا استثمار معطيات وهوامش الحرية كمثقفين منفيين او"متنافين" ومهاجرين أو مهجرين، ثم نحوّلها الى منجزات ابداعية في مختلف الاصعدة لتكون مهيئة في كل الاوقات للاسهام في بناء اوطاننا وخلاصه من الخراب؟

-في أي وقت سندرك بأننا اذا مالم نسعَ لإجراء حوارات خلاقة تعتمد اقصى درجات الوعي والضمير والاجتهاد والمثابرة والتواضع والتضحية النبوئية، والتعالي عن الصغائر والغنائم والصفقات والارباح،فاننا لايمكن ان نحلَّ خلافاتنا وإشكالياتنا الشائكة، وقد نُصبحُ مثل نعامات متكرّشة تضمُّ رؤوسها في كثبان رمال الضغائن والمآرب والاوهام؟

- تُرى: هل يمكننا أن نكون؟

ويبقى السؤال يتعالى: متى سنكون؟

المنجز الثقافي هوية المدن

basem furatعلمني التجوال والرحيل المستمران، أنا المولع بقراءة التاريخ الثقافي للمدن، أن التاريخ لا يكمن في القبور، لأنها قد تكون قبور غزاة وطارئين. إنما يكمن في المنجز الثقافي. يكمن في شعرائها وفنانيها ومبدعيها وأعلامها، يكمن في أُسَرها "البيوتات"، فهي تعطينا تاريخ المدينة. ومن خلال قراءة تاريخ الأُسر العريقة في مدينة ما نمسك بالتاريخ الحقيقي للمدينة.

اعتبار القبور دليلاً على وجود فئة وعراقتها يُعدّ أكثر الأدلة ضعفًا وتزويرًا وإساءة للتاريخ والجمال، وليست مدينة النجف العراقية صاحبة إحدى أكبر مقابر العالم تعدّ النموذج الأبرز والأوضح فقط، حيث لا تُشكّل قبور سكانها القدماء واحدًا بالمائة من مقابرها؛ بل مقابر مدن النفط والمدن التي شاءت الأقدار أن تكون محط أحلام الفقراء والطامعين في المال والأمان معًا.

لمعرفة سكان المدينة الأكثر عراقة ووجودًا، نبحث في منجزها الكتابي، فيما يخص البلدان التي عرفت الكتابة، فالكتابة بلغةٍ ما تعني أن المدينة ذات هوية رئيسية تنتمي لهذه اللغة. أما لو كانت أكثر من لغة كتابية تتقاسم تاريخ المدينة لما قبل القرن العشرين، وتنامي صناعة النفط وبناء الدول الحديثة وما تتطلبه من مصانع وشركات- مما يعني هجرة واسعة من أماكن مختلفة- فإننا أمام مدينة متنوعة لم تتمكن لغة واحدة من أن تفرض هيمنتها عليها حتى مع وجود السلطة، وهو ما نلاحظه فيما يخص اللغة السريانية قبل الإسلام رغم سيطرة العرب ومحاولة ملوك الحيرة لتأسيس ثقافة عربية فرضت لهجتها على حد تعبير الباحث سعيد الغانمي في كتابه "ينابيع اللغة الأولى" واعتبار الحيرة الأساس الذي قامت عليه نهضة الكوفة والبصرة كما يرى العلامة جواد علي في كتابه "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام".

تجدد الأمر فيما يخص اللغة العربية بعد الاحتلال العثماني للعراق وجعل التركية لغة رسمية، لكنها لم تتمكن من فرض سيطرتها على مدن لها عراقة ومنجز كبير بالعربية كما في أمهات العراق الكبرى- على حد تعبير المؤرخ سيّار الجميل، أي بغداد والبصرة والموصل- لكنها تمكنت من أن تكون اللغة الأولى في عرابخا (كركوك). ومع هذا فالعربية والسريانية بقيتا فاعلتين في المدينة، وعليه نجد أن المنجز الكتابي وهو الممثل الأعظم والأهم في هوية أية مدينة، كانت حصة الأسد فيه في أغلب مدن العراق للعربية؛ باستثناءات بسيطة للتركية تقف عربخا (كركوك) في مقدمتها، بل تكاد تكون المدينة الوحيدة التي هيمنت اللغة التركية فيها ليس شفاهيًّا فقط بل كتابيًّا، مع وجود مدن أخرى بغالبية تركمانية على مدى قرون مثل أربيل وتلعفر وسواهما.

حين جاء الحكم الوطني بعد ثورة العشرين المجيدة، وعادت لغة العراقيين الذين أبدعوا أبجديتها ونقاطها وحركاتها ونحوها وصرفها، وكان لهم شرف كتابة أولى الموسوعات بها، لغة أولى، لكن هذه العودة القوية بسبب تطرف الأتراك في سِنِي احتلالهم الأخيرة، لم يجعل اللغات الأخرى تنحسر تمامًا في المناطق التي كان سكانها في معظمهم من غير العرب. فبرز عندنا شعراء وأدباء كتبوا بلغاتهم فأثروا المشهد الثقافي العراقي بلا شك.

إذا كانت هيمنة الإنجاز بلغة ما تدلّ دلالة واضحة وقوية على هوية مدينة أو أقليم أو وطن ما، فإن وجود منجز بأكثر من لغة سبق القرن العشرين كثيرًا يدل على عراقة لغات أخرى وتنوع قوميّ في المدينة والوطن عمومًا، مما يجعل دعاة فرض هوية ما على الوطن أو تلك المدينة أيضًا، دليلاً على إقصائية مرفوضة، لأن الاعتزاز بالتنوع لا يعني وعيًا بجماليته وثرائه فقط، وإنما هو اعتراف بوجود الآخر وحقه في المدينة وبالتالي في الوطن.

التركيز في هذه المقالة على التدوين لأنه الدليل الأقوى والأهم، لكن هذا لا يلغي أدلة أخرى منها ألقاب الأُسَرِ (البيوتات) ونوعية المطبخ أي المائدة. ففي العراق مثلاً تختلف المائدة ولو قليلاً من مدينة تاريخية إلى أخرى. وكمثال؛ فإن مائدة الموصل بوصفها أقدم مدينة ذات غالبية عربية منذ سقوط نينوى حتى الآن، تتميز بخصوصية عن مائدة البصرة التي نشم فيها المؤثرات الهندية وغيرها؛ نتيجة انفتاحها على البحر، وثمة عادات وتقاليد تُميز هذه المدينة عن تلك بسبب حضور ثقافي مختلف لغة أو دينًا أو مذهبًا أو بيئة، يؤدي إلى تلاقح ينتج عنه خصوصية هذه المدينة أو تلك عن غيرها.

 

باسم فرات

 

الترجمة الروحية للعتاب الايجابي

لقد وهبنا الله تعالى القلب والعقل والروح والنفس لنعرف المغزى من هذه الموجودات وما الفائدة المرجوة من تفاعل الكل مع البعض أو الكل مع الكل او حتى البعض مع البعض، ولو انه يهمنا طرفي التفاعل، فان كان التواصل فيما بين العقل والقلب يكون الكيان الآدمي في انغماس له عن اتخاذ القرار المناسب لما يتعلق الأمر بمراجعة حسابات الضمير مع نزاع الأطراف التي نتعامل معها، ولو كان التواصل فيما بين الروح والنفس فهنا المهمة صعبة وقد تكون صعبة للغاية، خاصة وأن النفس تقوم بدور الطرف المناقض والمعاكس لما تبغيه الروح وعلى الأخص منها لو كانت تقية وطاهرة ونقية..

و لو حاولنا خلق نوع من تلطيف التفاعل فيما بين المتناقضات فان للإيمان دور لا يستهان به في ترويض النفس وحثها على الركون إلى أوامر العقل الرشيد فتنقاد تحت رغبة القلب الطائع لعاطفة الحنان والرقة وعلى الأخص لما يكون صاحبه في حوار منه لتصليح ما كان سببا في اختلال ميزان حياته خاصة إن فقد نكهة الألفة والعشرة الجميلة مع من أحب أو ألف وتعود تلقي النصح والمشورة والإعانة الأخوية آيا كان حجمها وأسلوب التلقي فيها..و عليه فان العتاب الايجابي هو بمثابة الجندي الرائد الذي يقود سريرة النفس نحو الركون إلى الهدوء وحث العقل الواعي إلى التفكير بروية وحكمة ونضج للفكرة بداية ولرد الفعل من الطرف الآخر ثانيا، وهنا تكمن ايجابية هذا العتاب ليصعد بصاحبه من على مدارج الحضارة فيرى بآم عينيه ويصنع بيديه ويبدع بعقله آفاقا لم يكن ينتظر بالمرة أن تتحقق نتيجة هذا التفوق، وهو نوع من التميز الإنساني المكر م بطيبة الخلق فيصبح شحذ الهمة مسار مسموح به لذوي الطاقات المبدعة والمفكرة بتواني العطاء، فهي ليست ترضى أن تعيش تناقضا بين إتقان الابداع في حرفية عطائية وبين التلقي والرد بين البشر بأسلوب لا يعكس صدقية تلك الشخصية المبدعة، فيحدث نوع من الاضطراب وشعور بملل وقلق، لأن ما في الروح لا يعكس السلوك الخارجي، فيحتار العقل ويضطرب نبض القلب ويصبح الجسم معلولا وما به من علة والمعنويات غير مرتفعة ولا وجود لعامل الإحباط المباشر لأنه في هذه الحالة كان غير مباشر في الباطن

الواعي فيضطر لان يكبت حقائقا إن هي ظهرت على المكشوف تزيد صاحبها تعبا على تعب ولو أن كبتا مثل هذا يجعل الفتور السلبي يهيمن على النشاط فيثبطه وتصبح حركية الجسد في غير عفويتها..

و عليه كان من الأجدر المصارحة بالمقابلة والمواجهة بكل ما في الباطن من أسرار تفسد النوم وتفقد الإنسان راحته وتجعله في منأى عن دواليب الحياة السعيدة والتي لم يعد يراها بمنظار الإرادة بل يكتفي بالنأي عنها، حتى يفتح على نفسه مجالا للكآبة والحزن الغير جادين في خدمة الكيان الآدمي من عقله وبقلبه وروحه فيصبح الكل في تشويش واضطراب، ولهذا كان للعتاب الايجابي مفتاح القيادة لربان السفينة، إنها سفينة المغامرة في إصلاح ما يمكن إصلاحه وتقويم اعوجاج ما يمكن تقويمه وعدم الاكتفاء بالصمت والحماقة أحيانا لأنهما يترجمان عن خوف يسكن صاحبه لأسباب قد تكون مجهولة وقد تكون مخفية بدافع الحفاظ على قوامة الفرد ومكانته الاجتماعية، وربما يعود لعامل التربية الأثر الكبير في توجيه الشخصية الأنانية والمبالغة جدا في حب نفسها بحيث تصبح لا ترى إلا نفسها ومن أمام مرآة الغرور التي تعكس منظرا مخادعا لحقيقة القوامة الإنسانية في الإنسان الأناني وما يجب أن يكون عليه من خلق رفيع وإحساس بالمسؤولية مع من يتعامل، لأنه من الأخطاء التي ترتكب ولا تغتفر إلحاق الألم بالإنسان الطيب والمحترم، ومن السذاجة ما تسبب انتكاسة لصاحب التقوى والتفكير الفذ فيعيش حالة لا ثقة بعد أن كان حرا طليقا يتمسك في زمام الثقة بمنطق اللاافراط واللاتفريط..

ربما نحن في زمن نحتاج فيه للعتاب الايجابي أن يعيش بداخلنا في كل موقف حتى نمسك بزمام الأمور ومن منتصفه بمفهوم الوسطية حتى لا نضيع في متاهات السخرية والجر والكر، ربما من خيال ليس حقيقي فيصبح الواحد منا يرقب ظله وهو يعلم انه له وليس لغيره فينطلق هربا منه في حين هو يتبعه لأنه لصيق به ، فالأجدر أن نتعلم فنون العتاب الايجابي لنستطيع المحافظة على كنوز الأخوة والصداقة وبالتالي لا نوصف أننا نتقن إضاعة الفرص الثمينة التي لا تأتي إلا لمن يستحقها وأخشى أن لا نكون ممن لا يتقن فن الحفاظ على هذه الفرص الرائعة والنادرة ..إلا لمن ألف لحن سنفونية العتاب الايجابي، فانطلق يعزفها بإتقان وفي قرارة نفسه أنه واثق من وصولها إلى قلب الطرف الآخر لأنها نبعت من صدق اللحن ...و ما انطلق من القلب حتما يصل القلب...

 الأستاذة سميرة بيطام

تحرير العقل قبل الأرض!!

الأرض يحررها الإنسان صاحب العقل الحر، لا العقل المُستعبَد بالضلال والبهتان والمُفترَس بالهذيان، المدحور في نفسه التي تسخره لغاياتها الإنفعالية العاطفية العمياء.

فالإنسان طاقة عليها تحقيق الإنسجام الداخلي والتواؤم الفعال مع عناصرها الذاتية والموضوعية، للوصول إلى مرحلة الإنجاز الحضاري المؤزر بالتلاحم التفسي والعاطفي الخلاق.

فما يتحقق في واقع المجتمعات التي تتهاوى جيوشها أمام الحركات المسلحة سببه فقدان الإنسجام وضبابية الرؤية وتشوهها، مما جعل البشر في مأزرق وإضطراب وتفاعل سلبي مجهول الهدف، لأن الحكومات فقد مقومات القيادة وتقديم القدوة القادرة على الإتيان بأجوبة مطلوبة وملحة، تستدعيها الحاجات القائمة، والتفاعلات المحتدمة ما بين قِوى ناهضة ذات رؤية معتقة ومدروسة وراسخة، وأخرى حاكمة بلا رشاد أو بوصلة لتحديد مساراتها وأهدافها، وإنما هي حكومات ردود أفعال، وكأنها القشة المستسلمة لإرادة الأمواج الصاخبة.

ومن الواضح أن العقل المندفع بطاقاته المؤججة، وفقا لبرامج محلقة في فضاءات اليقظة التعبوية التي تغذي الحاجات المدثرة بالحرمان والقهر والإهمال، سيكون أكثر قدرة على إبداع الوسائل للوصول إلى أهدافه، التي يرى بأنها ستجعله متمكنا من نيل حاجاته المكبوتة المؤجلة والمخنوقة أو المضعوطة.

وفي هذا الخضم التصارعي المضطرب، تدخلت عوامل وقوى لها تطلعات بعيدة، وأخذت تستثمر في تحريك مسارات القوى وتفاعلاتها ووفقا لخبراتها وإرادتها، للوصول إلى القبض على عنق جميع القوى المتفاعلة في ميادين الصراع بأنواعها المكانية والزمانية.

ووفقا لذلك أصبحت التداعيات سريعة ومتماثلة في أساليبها وكيفيات تطورها، ووصولها إلى نتائجها الحتمية المفاجئة والمدمرة، والمتفوقة على معظم التوقعات والإستنتاجات، وهذا يعني أن الذين يديرون اللعبة متنوعون ومتعددون، ويسعون إلى خلق حالة من التشويش والإضطراب، للحصول على أقصى ما يمكنهم من المنافع والإستثمارات، التي تزيدهم قوة وقدرة على الهيمنة والإمتلاك.

ولهذا فأن ما يجري في المنطقة العربية سيتحرك وفقا لتنسيق دقيق نحو أهداف ذات طبائع مرعبة، ونهايات مروعة وبأساليب غريبة ومبتكرة، تتسبب في تطورات ذات متوالية تدميرية عالية الشدة والإنقضاض.

وليس من السهل التحرر من قبضة الإفتراس، إلا بإعادة تشكيل العقل وترتيب آليات مداركه ووعيه، وتعبيره عن القدرة على فهم معايير المصلحة، ووعي عناصر النجاح الحضاري المطلوب، للوصول إلى تحقيق التوازن ما بين إرادته والتحديات الحافة به.

ولن يتغير الحال وتتطور الأوضاع للأصلح والأنفع، إلا ببناء العقل المتوافق مع زمانه ومكانه، وعدم إغفال الحاجة لتنقيته من مفردات قتل الذات وسحق المُراد!!

 

د-صادق السامرائي

نوبل للآداب تنتصر للرواية !

yousif abolfawzبعد الاعلان عن جائزة نوبل للاداب لها العام 2014، وفوز الروائي الفرنسي باتريك موديانو، قام الزميل "عبد الجبار العتابي"، المحرر الثقافي في موقع "ايلاف"، باستطلاع اراء العديد من المثقفين سائلا: "هل هذا القرن هو عصر الرواية ؟"، ارتباطا بكون من بين 14 شخصًا فازوا بجائزة نوبل للآداب خلال السنوات الـ 14 من القرن الواحد والعشرين، كان هناك 11 كاتبًا روائيًا فازوا بالجائزة، فيما كان الثلاثة الآخرون شاعرًا ومسرحيًا وكاتبة قصص قصيرة.ةوهذه كانت اجابتي:

الكاتب الروائي يوسف أبو الفوز يقول: هو حقًا أمر يثير الانتباه، إصرار لجنة الأكاديمية السويدية على تكرار منح الجائزة إلى كتاب الرواية، وتجاهل الكثير من المبدعين المرشحين لها من كتاب أجناس أدبية أخرى !. ومن فترة ليست قصيرة، صارت تتردد العديد من الانتقادات للمعايير التي تمنح على أساسها جائزة نوبل للآداب، فقد صارت تتجاوز المعايير الأدبية، ولا تتعلق بها في العديد من الحالات.

أضاف : أعتقد ان الرواية، وخصوصًا في اوروبا، ستظل تحتل مكانتها المتقدمة والمهمة بين كل الاجناس الادبية، رغم الثورة المعلوماتية والتطور في وسائل التواصل الاجتماعي، وبغضّ النظر عن الجوائز الادبية، ولمن ستمنح، وما هي الاسباب الحقيقية، سواء كانت ابداعية او سياسية. فان الرواية، وهي اكبر الاجناس الادبية حجما، تمتاز بتعدد الشخصيات وتنوع الاحداث، وتعدد اساليب السرد والمناهج، وتحتمل التجديد في اساليبها، ومنفتحة على مستوى الشكل والمضمون على الاجناس الادبية الاخرى، مما يجعلها حاملا لهموم الشعب وتناقضاته وتطلعاته، وراصدًا ماهرًا لحركة التأريخ. فهي على حد تعبير "رولان بارت": (عمل قابل للتكيف مع المجتمع، وأن الرواية تبدو وكأنها مؤسسة أدبية ثابتة الكيان، فهي الجنس الأدبي الذي يعبّر بشيء من الامتياز عن مؤسسات مجموعة اجتماعية، وبنوع من رؤية العالم الذي يجره معه، ويحتويه في داخله).

 

الهوية الثقافية

bobaker jilaliيتركب مصطلح "الهوية الثقافية" من لفظتين مرتبطتين على سبيل الإضافة والاقتران لضرورة وعلاقة وظيفية بين طرفي المركب، وظيفة لا تتحقق في غياب أحد الطرفين، طرف الهوية وطرف الثقافة مثلما هو حال مصطلح " الهوية اللغوية".

   لضبط مفهوم "الهوية الثقافية" نحتاج إلى تعريف الثقافة وإلى مراجعة تعريف "الهوية". - بالنسبة للثقافة لغويا فهي لفظة جذرها في اللغة العربية ثلاثي الأحرف "ث، ق، ف"، ويرد الجذر بصورتين ومعنيين، الصورة الأولى "ثقَف" الشيء بمعنى صادفه وأدركه وظفر به وأخذه. والصورة الثانية "ثقف" بمعنى صار حاذقا فطنا كيّسا.

نقول ثَقِفَ الكلام يعني حذقه وفهمه بسرعة وثَقَّفَ الرمحَ يعني قوّمه وسوّاه وثقَّف الولد يعني هذّبه وعلّمه.وثاقفه مثاقفةً: غالبه فغلبه في الحذق.

"ويبين ابن منظور في "لسان العرب" أن معنى ثَقَفَ: جدّد وسوّى، ويربط بين التثقيف والحذق وسرعة التعليم. ويعرف المعجم الوسيط الثقافة بأنّها (العلوم والمعارف والفنون التي يطلب فيها الحذق".

ترادف كلمة ثقافة في اللغة العربية في المعنى عدة مفردات منها الظفر بالشيء وإدراكه وأخذه، والفطنة وشدّة الذكاء والحذق والحذاقة والكيّاسة، والتسوية والتقويم، التأديب والتهذيب والتربية وغيرها.

- وكلمة ثقافة تشير إلى لفظة culture في اللغتين الانجليزية والفرنسية وإلى كلمة cultural في اللاتينية التي تترجم إلى العربية على أنّها الثقافة والتهذيب والحراثة وقد تأخذ معنى الحضارة، "هذه الكلمة جذرها cult ومعناها:العبادة والتدين، ومن مشتقاتها cultivation ومعناها: حراثة، تعهد، تهذيب، رعاية، و culturalومعناها ثقافي مستولد، ونلاحظ أن معناها في الإنكليزية لا يخرج عن معناها في العربية غير أنه يضيف مصداقاً آخر من مصاديقها وهو حراثة الأرض، ورعاية الزرع، والاستنبات والتوليد، لكنه بشكل ما يربط مفهوم الثقافة بالدين والعبادة، فهما من جذر واحد، فالدين كان المنبع الأول إن لم نقل الوحيد للثقافة قديماً. وأظن أنه حتى الآن لا يزال المنبع الأساسي والمرتكز الأهم للثقافة".

- تناول مفهوم الثقافة العديد من المفكرين والعلماء، فتعددت تعاريف الثقافة بتعدد اتجاهاتهم وأرائهم، منهم "تايلور" الذي يعتبرها الكل المركب من المعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والآداب والأعراف والعادات وغيرها، يكتسبها الفرد باعتباره أحد أفراد المجتمع. و"مالك بن نبي" الذي يحددها بالصفات الخلقية وسائر القيّم الاجتماعية التي يتأثر بها الفرد طيلة حياته منذ ولاته حتى وفاته وتربط سلوكه وحياته عامة بأسلوب الوسط الذي ولد فيه. وتُعرّف الثقافة في المعجم الفلسفي "لجميل صليبا بما يلي: "والثقافة بالمعنى الخاص هي تنمية بعض الملكات العقلية أو تسوية بعض الوظائف البدنية، ومنها تثقيف العقل وتثقيف البدن، ومنها الثقافة الرياضية والثقافة الأدبية أو الفلسفية. والثقافة بالمعنى العام هي ما يتصف به الرجل الحاذق المتعلم من ذوق وحس انتقادي وحكم صحيح، أو هي التربية التي أدت إلى إكسابه هذه الصفات...ومن شرط الثقافة بهذا المعنى أن تؤدي إلى الملائمة بين الإنسان والطبيعة وبينه وبين المجتمع وبينه وبين القيّم الروحية والإنسانية وإذا دلّ لفظ الثقافة على معنى الحضارة civilisation كما في اللغة الألمانية، كان له وجهان: وجه ذاتي وهو ثقافة العقل، ووجه موضوعي، وهو...طريقة حياة الناس وكل ما يملكونه ويتداولونه اجتماعيا لا بيولوجيا...والأولى إطلاق هذا اللفظ على مظاهر التقدم العقلي وحده. تقول بهذا المعنى: الثقافة اليونانية، والثقافة العربية، والثقافة اللاتينية والثقافة المدرسية (الكلاسيكية)، والثقافة الحديثة. وتقول أيضا امتزاج الثقافات، والنشاط الثقافي، والعلاقات الثقافية، والتخلف الثقافي الخ..."

- يتضح مما سبق أنّ الثقافة تمثل سائر المعتقدات والعلوم والمعارف والفنون والآداب والقانون والأعراف والعادات والصفات الخلقية والقيّم الاجتماعية وغيرها التي تؤثر في تكوين الفرد وفي حياته منذ الولادة حتى الوفاة باعتباره عضوا في المجتمع. والثقافة ذات طبيعة مركبة جدّا، تتعدد وتتباين بتعدد وتباين الشعوب والأمم، تتطور وتتجدد بتطور وتجدد ظروف الحياة، وتنتشر وتنتقل من جيل إلى جيل ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى ومن جماعة بشرية إلى أخرى بواسطة اللغة وبغيرها كاتجاره والأسفار والغزو والاستعمار وغيره، وهي تقوى وتضعف وتتخلّف، وترتبط الثقافة بالحضارة وتعبّر عنها وعن مكانتها وقيمتها في التاريخ وبين الحضارات، كما تحدد الثقافة الهوية القومية أو اللغوية أو الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الوطنية وغيرها للجماعة البشرية صاحبة الثقافة المعنية.

- تقوم علاقة الثقافة بالهوية على طبيعة ودور كل منهما في حياة الإنسان وعلى التأثير المتبادل بينهما، والهوية تدلّ وتعبّر عن ماهية وحقيقة الكائن إنسانيا كان أو غيره، فرديا كان أو اجتماعيا، وتحدد المكونات والخصائص التي تميّزه عن غيره، ولا توجد في غيره ولا يوجد من دونها، والكائن المقصود هنا الثقافات والهويات الثقافية، وهي متعددة بتعدد المقومات التي تقوم عليها الهويات مثل الدين واللغة والعرق والتاريخ والماضي والمصير المشترك وغيره، والثقافة بحكم تركيبها قد تحتوي العناصر المذكورة جميعا وغيرها في انسجام وتآلف وتوحيد، وداخل الكل المركب المنسجم يوجد من العناصر ما هو جوهري وأساسي ورئيسي وما هو فرعي ومكمل وإضافي، فالهوية العربية الإسلامية تتشكل من اللغة العربية الإسلامية كمقومين أساسيين وما سواهما من العناصر فهو فرعي ومكمل.

- إذا كانت الهوية تدل على الماهية والثقافة تدل على ماهية الإنسان فكريا وثقافيا وحضاريا فإنّ الهوية تدل على الثقافة وتعبر عن مكوناتها وعناصرها ومتضمنة في الثقافة فلكل ثقافة هوية وثقافة من غير هوية عدم ولا وجود لها، وبمقدار تعدد وتباين الثقافات تتعدد الهويات وتتباين، بما أنّ هوية الثقافة هي الثابت من الخصائص والمكونات لا المتحول في الثقافة المميّز لها عن غيرها من الثقافات الأخرى، ومن جهة أخرى تتصل الثقافة بالهوية اتصالا علّيا، اتصال المعلول بالعلة، فالثقافة علّة وجود الهوية، لأنّ الثقافة تصنع الهوية، ولولا الثقافة ما ظهرت الهويات الثقافية أصلا، ففي مسعى الهوية الثقافية نجد الثقافة أسبق من الهوية، والهوية لدى بني البشر في كل المستويات تتضمن دوما الثقافة والعناصر الثقافية وتعبر عنها وعن التعدد الفكري والتباين الثقافي، والثقافة تنتج الهوية وتصبغها بخصائصها ومميزاتها وتتطور الهوية بتطور الثقافة أي تتأثر الهوية بالثقافة أي الهوية الثقافية سلبا وإيجابا، تضعف وتقوى وتتلاشى بضعف أو قوّة وتلاشي الثقافة، فالهوية الثقافية العربية في عزّ قوّتها بفعل التقدم الذي حقّقه الغرب حديثا ومعاصرا أما الهوية الثقافية العربية الإسلامية في حالة ضعف وتخلف وانحطاط، الكثير من الهويات الثقافية التي قامت واندثرت مثل الهوية الثقافية المصرية الفرعونية القديمة والهوية الثقافية الزرادشتية، وغيرها.

- نستنتج من مدلول الثقافة ومن مدلول الهوية ومن العلاقة بين الهوية والثقافة هذه العلاقة التي أنتجت مصطلح "الهوية الثقافية" على سبيل الاقتران الوظيفي في الزمان والمكان وفي إطار التحولات التي عرفها تاريخ الإنسانية منذ القديم حتى الآن، مصطلح "الهوية الثقافية" الذي يعني سائر الخصائص والمميّزات والمكونات الفكرية والاجتماعية والتاريخية التي تنفرد بها ثقافة ما، تمتلكها جماعة بشرية ما، تتميّز بها هذه الثقافة عن غيرها من الثقافات الأخرى، وتحدد ماهية الجماعة البشرية وتُميّزها عن غيرها من الجماعات البشرية الأخرى، هوية طائفية كانت مثل طوائف لبنان المعاصر، أو هوية دينية مثل الأمة الإسلامية والأمة المسيحية والأمة اليهودية والأمة البوذية في الهند وغيرها، أو هوية لغوية مثل أمم أوربا الغربية الحديثة والمعاصرة، أو هوية عرقية مثل الهويات التي تعرفها بعض بلدان إفريقيا كأوغندا وغيرها، أو هوية وطنية تقوم على الوطنية كمبدأ وفكر ووجدان وسلوك وعلى تساوي المواطنين داخل الوطن والدولة في الحقوق والواجبات وهو المسعى الذي تنشده الدول المعاصرة.

 

جيلالي بوبكر

 

زوربا اليوناني

qassim salihyالبارحة سهرت مع فلم (زوربا اليوناني) تمثيل انتوني كوين الذي قام بدوري (عمر المختار) و(الحمزة) في فلم الرسالة .. انتجته هولويود في الستينات وحقق شهرة عالمية وشاهدناه في سينما النصر بشارع السعدون ايام كان يزهو بروادها.

الفلم عن رواية الكاتب الشهير (كازانتزاكيس)، وموجز قصته الفلسفية السيكولوجية ان شخصين احدهما مثقف والآخر امي (زوربا) .. يلتقيان صدفة فتنشأ بينهما صداقة حميمية مع انهما يختلفان في منظورهما للحياة، فالمثقف يعيش مع الكتب ليتعلم منها فيما فلسفة زوربا .. الأمي .. العفوي .. تقوم على حب الحياة والطبيعة. فهو لا يعرف الحزن، وان تعرض الى فشل او احباط فان علاجه لديه هو الرقص .. شرط ان يكون مع الطبيعة .. في الهواء الطلق .. في رقصة شاعت في العالم باسم (رقصة زوربا).

شاهدته فعادت بي الذكرى الى ايام كنت فيها في (بودابست). التقيت، صدفة ايضا، بفتاة تجتمع فيها صفتان (الجمال والذكاء) .. اصطحبتني عصرا الى الغابات في الجهة الثانية من نهر الدانوب. صعدنا تلالا وسط الاشجار الى ان وصلنا في الاعالي الى مكان يستقبلك بموسيقى يونانية .. افهمتني صاحبتي ان هذا نادي يوناني يعزف ويغني يوناني فقط.

تشابكت الايدي على طريقتنا في رقصة الجوبي والدبكة الكردية ورقصنا يوناني بينها رقصة زوربا .. الأمي .. العفوي .. المحب للحرية والحياة والطبيعة الذي وجد في الرقص بالهواء الطلق علاجا يشفيه من وجع احزانه.

ترى من يشفينا من وجع العراق!

https://www.youtube.com/watch?v=VTJPs8_lTiE

 

 

إيفا دوفيتري ميروفيتش تنشر رسالة العشق المولوي

aisha momadصير الرومي طيني جوهرا

من غباري شاد كونا آخر

 

هكذا قال العالم والمفكر الكبير محمد إقبال متحدثا عن مولانا جلال الدين الرومي، وقد كان سببا في انجذاب الكثيرين إلى مولانا وتعلقهم به.

لم تكن إيفا دوفيتري ميروفيتش لتتخلف عن هذا الركب، فقد وجدت في قراءتها لكتاب: "Reconstruire la pensée religieuse de 'Islam" ، والذي أهداها إياه صديق باكستاني، جوابا للعديد من الأسئلة التي كانت تطرحها على نفسها، ولكل ما وضعته بين قوسين على حد تعبيرها عن ديانتها، فقد كانت مسيحية الولادة والنشأة. كان هذا الكتاب يحاور بعض الفلاسفة الغربيين ويحلل تعددية التيارات الفكرية داخل الإسلام، ما بين التقليد والمعاصرة، التشدد وقوة التحمل، الأصولية والتطرف، ويدعو المسلمين في كافة البلاد إلى إعادة النظر في منظومة الإسلام دون تشكيل أية قطيعة مع الماضي.

عبر قراءة إيفا دوفيتري ميروفيتش وترجمتها لكتب محمد إقبال من الفارسية والإنجليزية إلى الفرنسية، "قابلت" مولانا وفتحت أبواب العشق والمعرفة على مصراعيها لكل قرائها في الغرب، وخاصة في فرنسا والدول الفرنكوفونية حيث قدمت جميع المفاتيح لولوج بوابة الإسلام عبر تدمير الكثير من الأحكام المسبقة وربط الجسور بين الشرق والغرب. هنا بدأت Eva طريقها من القرن العشرين بفرنسا، مارة بإقليم البنجاب المشبع بالتصوف، وصولا إلى تركيا وقونية خلال القرن الثالث عشر حيث عاش مولانا، فساهمت في نشر رؤية جديدة للإسلام بعد أن تشبع فكرها بمعاني التفتح، العالمية، الأخلاقيات، التعايش، الإجتهاد والإستقلالية.

قدمت إيفا دوفيتري ميروفيتش للغرب، وللمسلمين أنفسهم، قوة ثقافية وروحية، لواحد من الرجال اللذين أحيوا الإرث الروحي لسيدنا محمد عبر القرون، وساعدت إجادتها للغة الفارسية من تمكين قرائها، ليس فقط من الفهم، بل من تذوق المعاني العميقة لنصوص مولانا جلال الدين الرومي.

501-molouiتقول إيفا في كتابها"L'Islam، l'autre visage" "الإسلام، الوجه الآخر":

لقد كرست كل حياتي للشاعر الصوفي الكبير الرومي، لأني وجدت أن رسالته تخاطب الوقت الراهن. إنها رسالة حب، ذات بعد أخوي ووحدوي".

تمكنت من تحقيق حلمها عندما ترجمت كل أعمال مولانا (1)، كما ترجمت كذلك بعض أعمال محمد إقبال (2)، سلطان ولد (3) ابن مولانا جلال الدين الرومي، والعديد من الكتب والأشعار الصوفية. فكان لها اكثر من أربعين عملا مترجما من الفارسية أو الإنجليزية إلى الفرنسية، لكنها تألقت كثيرا عند ترجمتها للمثنوي، والذي يعد من أكبر الأعمال في الأدب العالمي، فهو في الوقت ذاته "ديوان شعري، عرض مفصل لفكر ورؤى روحية، دراسة معمقة في علم النفس وكتاب منقطع النظير عن علم النفس الإجتماعي خلال عصره".

يقول فوزي الصقلي (4) متحدثا عن أعمال إيفا دوفيتري ميروفيتش:

"أظن أنها قدمت أعمالا وأتت بعناصر وشهادات قل نظيرها في أيامنا هذه. من الصعب ذكر أشخاص آخرين عاشوا بنفس السعادة بين الشرق والغرب وشكلوا معبرا بين الثقافتين. قد نذكر على سبيل المثال: آن ماري شيمل، مارتن لينجز، فانسان مونتاي، نجم الدين باماط، أو تلك المدرسة المكونة من كبار المستشرقين كماسينيون و كوربن ، الذين برهنوا عن غنى روحي، الشيء الذي كان نادرا في عصرهم.

كل هؤلاء كانت لهم المقدرة أن ينظروا بعمق إلى المشاكل المتواجدة بين الثقاقتين، كان لديهم من العلم ما يسمح بذلك وكانوا يتقنون لغات عديدة. كتاباتهم كانت جميلة في نظري، فلم تكن كتابات إيديولوجية ولا كتابات مواجهات، كانت طريقا ترسم.

ويضيف فوزي الصقلي قائلا: "إن مرور إيفا دوفيتري ميروفيتش من المسيحية إلى الإسلام، يمكن شرحه عن طريق العلاقة التي يحتلها المسيح في الإسلام عموما، وفي التقليد الصوفي على وجه الخصوص، نظرا للحضور القوي للدين المسيحي في محيط عائلتها، لذلك كانت سباقة لطرح مجموعة من التساؤلات حول العلاقة بين المسيحية والإسلام".

 

.........................

1- ترجمات لمولانا جلال الدين الرومي:

- Livre du dedans "كتاب فيه ما فيه"، ترجم للإيطالية والإسبانية.

- Djalal-od-Din Rûmi، lettres "رسائل مولانا " .

-Odes mystiques «extraits du Diwan Shams de Tabriz» ~مختارات من ديوان شمس تبريز~ بالإشتراك مع محمد مقري. .

-Mathnawi: la quête de l'absolu "المثنوي : البحث عن المطلق" بالإشتراك مع دجامشيد مورتازافي

- Rubâi'yat "الرباعيات" بالإشتراك مع دجامشيد مورتازافي

2- ترجمات لمحمد إقبال

Reconstruire la pensée religieuse de l'Islam- تجديد الفكر الديني في الإسلام»،

- «Le livre de l'éternité»

Message de l'Orient- رسالة المشرق» بالإشتراك مع محمد أشنا.

- «Les secrets du Soi - أسرار إثبات الذات»

- «La métaphysique en Perse .

3- ترجمات لسلطان ولد ابن مولانا

Maître et disciple - الشيخ والمريد»،

- «La parole secrète - الخطاب سري»، بالإشتراك مع دجامشيد مورتازافي

4- فوزي الصقلي: صديق إيفا، باحث في الأنتروبولوجيا ورئيس مهرجان فاس للثقافة الصوفية ومؤلف "المسيح في التقليد الصوفي" بالإشترك مع إيفا.

 

الليل والانسان بين العلم والأدب

narmeen tahirbabaالأمر لا يخلو من صعوبة، فمنذ بدء الكون، على الرغم من أن هذا البدء لم يبت به لحد الآن بنحو علمي ونهائي، كان الليل والنهار وكانا صورتين متقابلتين، متضادتين، متداخلتين .. لا غنى لأحدهما عن الآخر .

إنه نظام (الأزواج) في الطبيعة لكي تستمر الحياة، ماء ويابسة،حر وبرد خير وشر، رجل وإمرأة، سماء وأرض، ثلج ونار، ليل ونهار .

ومنذ أقدم الأزمنة قامت الطبيعة بتوزيع الأدوار توزيعاً دقيقاً تجرَ أية تغييرات على تلك الأدوار بالرغم من ملايين السنين التي مرت .

ارتبط النهار بالنشاط والحركة والعمل واليقظة وارتبط الليل بالهدوء والسكينة والراحة والنوم، حتى ان الوظائف العضوية لجسم الانسان تكيفت لهذا التوزيع وأصبحت جزءاً من فسلجته العامة .

في استفتاء مبني على تحليلات طبية قامت بإجرائه مجموعة مؤلفة من أربعة أطباء عن موضوعة (النوم) ظهر ان الاشخاص الذين تقتضي طبيعة أعمالهم أن يسهروا ليلاً ويناموا نهاراً يكونون عرضة للأمراض بنسبة تصل الى 45% زيادة على اقرانهم الذين ينامون ليلاً ويعملون نهاراً على الرغم من أن ساعات النوم التي يمضيها الطرفان واحدة أو متقاربة جداً .

وتشير استنتاجات المجموعة الطبية الى ان الذين يعانون من حالة (النوم غير الاعتيادي) على حد تعبيرها ترتفع عندهم نسبة الامراض العضوية بنحو ملموس بخلاف الاعتقاد الطبي السائد من أن ما يتعرضون له ينحصر في مجموعة من الامراض النفسية فقط .

ثمة الكثير الكثير مما يطرحه الليل حول نفسه وما يثيره من تساؤلات قد لا نملك الاجابة عنها، فعلى صعيد الأساطير والتراث الانساني مثلاً كان النهار رمز النور والخير والحياة فيما كان الليل رمز الظلمة والشر والموت وبه اقترنت صورة القبر والعذاب وصور الخوف والخيانة والجريمة والأعمال الشريرة .

في القرآن الكريم تَرَدّدَ لفظ الليل في معظم السور الشريفة وإن شئنا التحديد فقد ورد ذكره في 92 آية تناولت صوره ووظائفه وحالاته المختلفة ومع ذلك فالكتاب الكريم يضعنا أمام تساؤل كبير ليس بإمكاننا الاجابة عنه أو الاجتهاد فيه .

لقد جاءت لفظتا (الليل والنهار) مجتمعتين في 44 آية بمختلف المعاني والأغراض وقد احتلت لفظة النهار المقام الأول أي وردت لفظة النهار قبل لفظة الليل في 7 مواضع في حين ورد اسم الليل قبل النهار 37 مرة وهذا الفارق الكبير لم يأت جزافاً، لا ليس من باب المصادفة، ولا هو من وضع البشر، فكلام الله سبحانه وتعالى محسوب بدقة وتقدير وحكمة .

من المعروف ان الخيال الانساني عادة ما ينشط ليلاً ولكن هذا النشاط لا يتوقف على الخيال وحده فمعه تتصاعد حمى المخاوف والشكوك والاوهام .

تُرى لماذا يحدث ذلك كله ؟!

عن هذا الاستفسار يقول علماء النفس : ان حواس الانسان وخاصة السمع والبصر تعمل طيلة النهار على إرباك الذهن وإشغال الفكر وحث المخ على إصدار أوامر متتابعة من شأنها تلقي الصور والاصوات المختلفة وبما ان الطبيعة العملية لأجواء الليل توفر للذهن والفكر والمخ الراحة المطلوبة فان الفرصة تكون سانحة لانشغالات جديدة هي ما يطلق عليها بتحليقات الخيال وانطلاقاته الى عوامل رحبة واسعة من غير قيود ولا عقبات .

ويجب ان نلاحظ هنا بشيء من الاهمية ان (حركة) النهار تصرف المرء عن نفسه الى الآخرين، حيث يعمل ويفكر ويناقش ويتحاور ... إلخ وان (سكون) الليل يصرفه عن الآخرين الى ذاته ولهذا يتأمل (وحدته) أو مصيره أو حاله فيفكر مثلاً بمستقبله (هو) وبالمرض والموت والحب والزواج وشؤون الحياة المختلفة ولكن بنوع من الفردية غالباً ما تثير قلقه وهواجسه .

وعلى العموم فالهواجس الليلية وما يصاحبها من مخاوف تكاد تكون صفة مشتركة بين الناس، واذا استيثنا القلة القليلة من اولئك الاشخاص الذين يعانون اصلاً من مرض نفسي اسمه (الخوف من الليل) أو من الظلام بصورة طبيعية أو تحت تأثير حالة مكتسبة كالتعرض لحادث معين فإن الناس الآخرين جميعهم عرضة للهواجس ولكن بنسب متفاوتة، فهي تزداد عند الشخصيات القلقة او في الظروف غير الطبيعية .

ويؤكد علماء النفس ان لا فرق في ذلك اي في المعاناة من الهواجس والمخاوف بين مستويات الناس الثقافية والمعاشية وان كان للبيئة والتربية دور مؤثر فابن القرية اكثر تماسكاً من ابن المدينة في مواجهة (ماديات) الليل ومخاوفه على الرغم من انه مثلاً أشد إيمانا وإقتناعا بالاشباح والجن والشياطين، ولكن نمط المعيشة والسلوك الاجتماعي للقرية يبني الفرد بناء خاصاً يجعله في موقف القوي لمواجهة متاعب الحياة العامة في الليل والنهار، فهو صبور وشجاع ويتميز بطاقة إحتمال عالية .

وإذا كانت الهواجس الليلية صفة انسانية مشتركة بغض النظر عن التفاوت والمستويات بين الناس فانها والحالة هذه تضع الرجال والنساء على قدم المساواة، إلا أن علماء النفس يزعمون انها تشتد عند النساء بحكم تكوين المرأة الطبيعي وحاجتها الى الحماية والأمن أكثر من الرجل .

ومن طرائف الليل انه وطيد الصلة بالأدباء فان معظم اولئك الادباء ينجزون اعمالهم ومغامراتهم الابداعية في الليل وهم يعزون ذلك بأن الليل يمنح الذهن الصفاء الكافي ويعطيهم الفرصة للتحليق بالخيال ومحاورة الذات واستلهام الصور وو ...... إلخ

ويبدو ان الشارع الشعبي قد أستوحى نوعاً من الصورة التراثية لفهم الحالة الشعرية فراح يطلق على كل مكان جميل هاديء يقل فيه النور وتخيم عليه سحنة قريبة من سحنة الليل المقمر اسم – جو شاعري – ومن الثابت ان الليل في الشعر الانساني عامة وفي الشعر العربي والتركماني خاصة يشكل وحده موضوعاً غاية في الاستفاضة والطرافة، والأمر نفسه ينسحب على ساحة الغناء فما زالت موالات (يا ليل يا عين) تحتل صدارة التراث الغنائي، وما زال الليل مصدر الأرق والشجن والعتاب واللوم والمناجاة والعذاب .

تطلعات في الأفق البعيد

كثيرة هي الأحلام وكثيرة هي التطلعات، لكن قد لا نراها أو قد لا نطالها وقد تتحقق أو لا تتحقق عندما نلمحها في الأفق أما تلوحّ قادمةٍ أو مُفارقةٍ، كون ليس كل ما في هذه الحياة عندما نتمناه ننالهُ وعندما نبحث عنهُ نجدهُ وعندما نلمحهُ نراهُ. هي تبقى أحلام وتمنيات نسبية تعتمد على مدىّ سعيّ الإنسان إليها سعيًا جهيدًا بدون عقبات، مع أنهُ لا ننسىّ بأن هنالك البعض من التطلعات تغرب بسبب آخرين كانوا السبب في قتلها، ولم يبقى منها سوىّ رماد الذكرى أو البكاء على الأطلال منها!

الزمن لا يترك حال على حال، زمنًا في وقت ما خطف الأحبة ولم يترك غير قلب شجون وذكرى تهتف من أجلهم! نعم تلك الذكرى التي تسكننْا والتي نتطلع إليها ونأمل منها الكثير، والتي بقدر ما كانت جميلة بذات القدر هي مؤلمة وقاسية، كون من كان فيها لم يعد لهم وجود، لم يعدّ لهم حضور، لم يعدّ لخطواتهم صوت مسموع. ذلك الوجود الذي كان عندما نغمض العين عليه في حاضرنا، نتذكر أحلى أيام وأجمل أشياء وأعذب أحاديث وأروع ابتسامات وأصدق أوقات ... كنْا نظن أنهم باقين ولكن تطلعاتنا وتوقعاتنا وآمالنا كانت خاطئة ولم يبقى منهم سوى الوحشة وألم ذكريات تدق ناقوسها ما بين أنين وحنين وما بين دمعة وابتسامة وما بين همسة وضحكة! ذكريات تبقى ترنّ في الأعماق وتستمر في الحياة ويكون لها حضورها الدائم رغم كل شيءٍ.  

نتطلع ونمدّ بنظرنا للبعيد فيتملكنا السكون ويأخذنا الصدى الساكن في داخلنا لشخص أو لشيءٍ كنا نتمنى أن يكون في واقعنا لكن لا يكون، فنبدأ نحلم ونتتطلع ونلمْلمّ النفس من البعثرة القادمة من الحزن والألم ومن أشد لحظات الحاجة إلى من مروا على البال، ونحاول أن نعيش الحياة قدر المستطاع ونسايرها بكل ما فيها، لكن ليس بوسعنا وليس بمقدرنا الانفكاك عنها! أنها تكون بين جدران جسدنا باقية لا تأبه المسير والانفكاك. ربما نحن من يكون السبب ولا نطلقها لكي تذهب أدراجها بل نكبلها ونقيدها ونسكنها فينا، علْ البعض منها يُعطي الأمل والآمال للقادم المُنتظر بكل لهفةٍ، ولكن بدون جدوىّ تأتي سنين وتذهب أخرى وما بين القدوم والرحيل لا تحمل شيءٍ فيها، مثلما تحل فارغة هكذا ترحل فارغة! والذكرى هي من تقتات على النفس وتحفر لها فيها مكان تبقى!    

تبقى الحياة تأتينا بمختلف مواسمها، والماضي يأخذ ما يريد ويمضي ويترك في الداخل ما يصعب الخلاص منهُ! ونحن لا نملك أن نغيرهُ لكن لنا لحظتنا في حاضرنا، فلما نؤلم نفسنا ونتحسر على شيءٍ ليس بيدنا أن نغيرهُ ... لا أعلم ؟! ومن يبصر لكل ما يحصل في الحياة يجدها أقصر مما يتصور! فلما يعيشها البعض في ضياع ولما يضيعها من خلال العيش في الانغلاق والانطواء على النفس وحبسها ضمن حدودها الضيقة؟!

وأقول: إن ضاقت لا تحزن ولا تفكر كثيرًا بدون جدوى بلْ وجه نظرك للسماء حيث السحاب السابح في الفضاء الواسع ولا تنظر للتراب موضع قدميك ومدى محدوديته، أحلم وجددّ الأحلام وأجعلها بإرادتك القوية وبعزيمتك تكون في واقعك، فلا مستحيل قادر على الصمود مُطولاً، أنها قوة ثباتك على الشيء والوصول إليهِ والوقوف عليه على الرغم من كل ما يمكنهُ أن يصادفك في حياتك. وأقول كذلك: استمع إلى نفسك أكثر مما تستمع لمْا حولك ولغيرك وأجعل نفسك جوهرة تبرق لتبهّر عين الناظر، فالحياة لحظة يشرق نورها في آخر النفق، فأمشي إليها حتى وإن صادفتك بعض الأشواك في الطريق، المهم أن تحاول وتصل لاحقا وتعيش لتستمر.

 

سهى بطرس قوجا

 

كل ما يهمني هو أن تتكلم

saleh altaeiليس بدعا في طباع البشر أن يتكلموا. فبالكلام عاش الإنسان تاريخيا. والكلام نعمة من الله أسبغها وأنعمها على الإنسان؛ هذا الكائن الفريد، لتتكامل به إنسانيته، ويتجوهر به تفرده عن باقي الكائنات الأخرى. ولكننا استعملنا الكلام مثل كل نعم الله الأخرى، سعيا وراء الشر كما استعملناه في طلب الخير.. فهدمنا به بيوتا وقلاعا ومدنا ، كما بنيناها به من قبل .. وأعلنا فيه حروبنا ، كما أعلنا به سلمنا. وأسسنا لفرقتنا واختلافنا كما أسسنا به من قبل لوحدتنا وألفتنا. ودمرنا به حضارتنا وعلومنا كما بنيناها به من قبل.

بالكلام توحدت الأمم وتفرقت ، ونهضت الحضارات وسقطت، وتطورت البشرية وتأخرت. والكلام كائن حي حساس مرهف الشعور يؤثر في بيئته ويتأثر بها، يفرح حين تفرح، ويحزن حين تحزن، ويمرض حين تمرض، ويتعافى حين تتعافى، ويفتقر حين تفتقر، ويغنى حينما يصيبها الغنى. لا في عراقنا وحده ولا عند إخوتنا العرب أو المسلمين فحسب، بل في كل أصقاع الدنيا تجد ثمة علاقة متينة بين الكلام وهيئه المجتمع، وهو ما أكده العالم الفرنسي "دروغايم"، في قوله: "إن أفكار الإنسان ليست حصيلة نشاطاته العقلية الخاصة به فقط، ولكنها حصيلة البيئة الاجتماعية التي هو جزء منها أيضا(1) وتجد ذلك جليا في زمن بطر حضارتنا بعد أن وفدت إلينا خلاصة حضارات العالم ومحتويات خزائن الأباطرة وخيرات الشعوب التي دخلتها جحافل جيوشنا الظافرة، وجميلات نسائهم، حيث تحول كلام الشاعر علي بن الجهم من الاشتباك بين التيس المقارع للخطوب والكلب الوفي إلى سحر جمال عيون المها ومنظر جسر بغداد الآسر. وفي زمن البطر هذا انقسم أهلنا الطيبون في كلامهم ببعض ما يخص الكلام؛ إلى فرق متباينة كل منها تسعى للظفر بحل لغز من الغاز البطر التي استجدت في حياتهم مع ما استجد كموضوعة (خلق الأعمال) التي انقسمنا فيها إلى ثلاث فرق لكل منها رأي كلامي لا يشبه ما لدى غيرها، فقالت الأولى: إنها صادرة عن المخلوق ولا علاقة للخالق بها، وهم المعتزلة. وقالت الثانية: إنها صادرة عن الخالق، وما العبد إلا أداة مسخرة لقدرة الخالق ومشيئته، ولا علاقة للمخلوق بها، وهم الأشاعرة. وقالت الثالثة: لا هذا، ولا ذاك، ولا جبر ولا تفويض، بل هو أمر بين أمرين، وهم الشيعة.

ولو صمتت هذه الفرق ولم تُدلِ برأيها ما كانت الموضوعة قد وصلت إلى أسماع الناس، وشخصت بين نواظرهم، وبالتالي ما كانوا سيعرفون حقيقة وجهها الأمثل. ولكان اللغط حولها قد اشتد أكثر واثر أكثر. فالصمت قد يثير لغطا وتباينا في الرأي والرؤى بعيدا كل البعد عن جوهر الموضوع واشد أثرا وتأثيرا مما يثيره الكلام . ولذلك دعا المفكرون قومهم إلى عدم السكوت. وأمروهم بالتكلم حتى ولو كان في كلامهم تضاد مع مصلحة القوم العامة، لأن الكلام هو ما يعرض الأفكار أمام أنظار الناس، ويعطيها فرصة التلاقح، والتبلور، والتأثير.

وقد أدركت الأقوام التي تسعى إلى تأسيس ذاتها أن الكلام واحد من الآليات المهمة في السيرورة والبناء. وقد قال الصهيوني (تيودور هرتزل): "كل ما يهمني هو أن تتكلم، حتى لو تكلمت ضد الصهيونية .. لكن لا تصمت إزاء الموضوع .. الحديث عن الشيء ولو بتفاهة، يعرضه على أنظار الناس."(2)

إن حرص الأقوام والأمم على عرض القضايا أمام الأنظار يراد منه تأسيس القواعد والركائز لفهمها ومعرفة أهميتها، وهو رأي سليم جدا، لأن تجارب الحياة أثبتت انه بإمكانك أن تستوعب وتفهم محتويات كتاب مختص في علم العروض مثلا بطريقة أسرع فيما لو كانت لديك فكرة مسبقة عن العروض، أي إذا كانت في عقلك مجموعة أفكار عن علم العروض. وتأسيسا عليه أقول: إن كلامنا في شان معين، مثلا في موضوعة التعايش السلمي بين مكونات الشعب العراقي باستمرار ـ رغم كثرة الكلام في هذا الشأن ـ سيرسخ في ذهن المتلقي مجموعة أفكار قد تتيح لصاحبها أن يقتنع بالكلام الجديد الذي سيقال في المستقبل. بما يدفعه إلى البحث عن كلام جديد أو ربما المشاركة بالكلام الدائر، وإبداء الرأي، وطرح المقترحات والحلول؛ التي قد يكون بعضها على مستوى عال من الأهمية والرجاحة، بما يسهم في حل مشاكل عويصة عجزنا عن التوصل لحلها بالطرق النمطية الموروثة.

وقد أحسن "جون لوك" التخمين عندما حاول أن يبرهن على أن جميع معلوماتنا هي نتيجة خبراتنا المبكرة وتأملاتنا التي بدونها تنعدم الأفكار(3) فقط يجب أن لا نتهيب من التكلم، ولا نتخوف من أن يكون كلامنا تافها سطحيا بسيطا غير مؤثر أو غير مقبول، لأنه حتى لو كان كذلك، فانه سيكون محاولة لرفع موضوع ما قد يكون كثير الأهمية إلى مستوى نظر الآخرين، مما يسمح لهم برؤيته وهنا يجب أن لا ننسى أن جميع الأعمال الفكرية العظيمة تبدو بسيطة وبديهية حالما تطرح، كما يرى الباحث "ألان وود"(4)

إن لكل جديد الق يبهر الناس، ويثير حفيظتهم. ولأن الجديد غير مألوف عادة، وثمة من لم يعتد عليه، فهو غالبا ما يقابل بالرفض والانتقاد والاستهجان والاعتراض ولكنه بعد أن يؤسس لنفسه موقعا ثابتا من خلال التكرار، تتغير آراء الناس حوله، مثال ذلك أنه عندما ادخل العالم "ليستر" طرق التعقيم في الجراحة قوبل عمله بسخرية لاذعة حتى من زملائه في المهنة، ثم أصبح فيما بعد مقبولاً من جميع الذين يتعاملون مع الجروح (5) لذا يجب أن لا نتخوف ولا نيأس من ردود أصحاب الذوق السيئ ذوي الاستجابات الفجّة إذا ما اعترضوا على مشاريعنا الثقافية الداعية إلى التغيير نحو الأصح والأحسن وحتى على أقوالنا المجردة. فهذا الاعتراض لا يعني بالضرورة وجود خلل في هذه المشاريع، أو عدم واقعيتها بقدر ما يدلل على وجود نوايا شريرة مسبقة لدى بعض من يتفيد من ديمومة حالة الخطأ التي نعيشها منذ ما يزيد على العشر سنين. وهو ما أكده الناقد "رتشاردز" في تلميحه إلى: أن الذوق السيئ والاستجابات الفجّة ليست مجرد عيوب ثانوية في الشخصية، وإنما هي في الحقيقة شر أصيل، تنتج عنه نقائص أخرى في الشخصية (6) أو كما يقول الأستاذ البلداوي: "إن الذين يقاومون أي تغيير في نظام حياتهم مهما كان لمجرد أن التغيير الجديد لم يألفوه هم معقدون. وكلما كانت مقاومتهم شديدة كان التعقيد المبتلون به شديدا أيضا"(7).

ومن المجدي القول: إن مجموعة ذكرياتنا تراكمية، وهي قابلة للاسترجاع بسهولة، والخبرات السابقة أيضا يمكن استدعاؤها دائما عند الرغبة في ذلك، وهي مع كل مرة تسترجع تثير فينا نفس الإحساس الذي أصابنا لحظة حدوثها الأول. ونحن لا يمكن أن نتجاوز انعكاساتها إلا إذا أسسنا لثقافة جديدة وذكريات جديدة، تحمل قناعات جديدة، تتراكم فوقها، وتعيق استرجاعها بسهولة.

ويقينا أن التأسيس الجديد سيجاهد باستماتة وشجاعة لكي يجد له موقعا في فكرنا الذي عودناه على رفض الحقيقة والتهيب منها، حتى لو كان مصدرها مقبولا لدينا. لقد دعا "كونفشيوس" إلى متابعة الحقيقة، وان لا ننكرها حتى لو كانت صادرة عن شخص لا نرتاح إليه. "لأن الحقيقة جميلة أيا كان مصدرها"(8)

وطبيعي أن الكلام من أهم آليات إدراك الحقائق، ولذا يزداد التعلم طرديا مع ازدياد الكلام المجدي، إذ يرى "ميلر ودولارد" أن هناك ثلاثة عناصر للتعلم هي الباعث، المحرض، الاستجابة (9)

وفي دراسته متغيرات الموقف لاحظ "ودولارد" أن الباعث إذا كان ضعيفا كانت الاستجابة ضعيفة هي الأخرى، وان هنالك باعثاً متداخلا سببه السلوك التنافسي، وهناك باعث الاشتراك، وباعث التكرار، حيث أن التكرار المحرّض بشكل منتظم يساعد على إبراز السلوك الحشدي (10)

ومن هنا أقول: إن الاستمرار بإعلان الحقيقة والجهر بها وتكرار ذلك ثم تكرار الأقوال التي سبق وان قيلت في مناسبات أخرى قد يكون أهم البواعث على إبراز الحقيقة أمام أنظار الناس مما يسهم في حشد إدراكهم لمغزاها وغاياتها، إذ يرى عالم النفس "بافلوف": أن الإنسان بالطبع نظام، وككل نظام آخر في الطبيعة، يكون محكوما بالقوانين الطبيعية المشتركة بين كل ظواهر الطبيعة، ولكن هذا النظام وحيد بين كل الأنظمة التي عرفها في قدرته الهائلة على التنظيم الذاتي والانطباع الأساسي. والأمر الأهم والأكثر ديمومة الذي نحصل عليه من دراسة الفاعلية العصبية العليا بطرائقها، هو المرونة الفائقة لهذه الفاعلية، وقدراتها الكامنة الواسعة، فليس ثمة شيء ثابت غير فعال أو غير ممكن، بل إن كل شيء يمكن انجازه وتغييره إلى ما هو أحسن، شريطة خلق الظروف المناسبة (11)

لذا نحاول من خلال هذه الدراسة أن نخلق ظرفا مناسبا يساعد ويسهم في إذكاء حب الحقيقة بين صفوف شعبنا عسى أن تسهم معرفتنا للحقيقة في إحداث التغيير المطلوب، وهو شيء يمكن انجازه أذا خلصت النوايا.

إن جل ما نحتاج إليه هو إدراك القيمة العليا لهذه الخصلة العظيمة في طباعنا نحن العراقيين، وبعدها كل خطب سيهون، حتى ولو كان هذا الخطب منظومة خلافية معقدة، توارثتها الأجيال مع مواريثها الأخرى منذ فجر تاريخنا، ولا زالت عالقة في أجوائها. وهذه دعوة لأن نتكلم بصراحة مع بعضنا، وليرفض من لا يريد السماع، فلابد أن نجد من يرغب بالاستماع إلينا.

 

.......................

الهوامش

(1) سارجنت و.اي؛ علم نفسك علم النفس، ترجمة باحثة الجومور، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، (د . ت)، ج1 ص 44

(2) أيار، د. فريد؛ دراسات في الإعلام والحرب النفسية، دار الرشيد، وزارة الثقافة والفنون،1979، ص 5

(3) سارجنت ، د. و .اي، مصدر سابق، ص 26

(4) البلداوي، عباس مهدي؛ العقدة النفسية والشعور بالنقص، مطبعة الزهراء، بغداد، 1978 ص14

(5) المصدر نفسه، البلداوي

(6) المصدر نفسه، ص7

(7) المصدر نفسه، ص14

(8) المصدر نفسه، ص4

(9) العطية، د. فوزية؛ المدخل إلى دراسة علم النفس الاجتماعي، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، جامعة بغداد، 1992، ص121

(10) المصدر نفسه، العطية، ص122

(11) عاقل، د. فاخر؛ اعرف نفسك دراسة سيكولوجية، دار العلم للملايين، ط4، 1977

 

 

الدماغ العالمي!!

أصبح بشر اليوم يتمتع بدماغ عالمي بفضل شبكات الإتصال السريعة، وشركات المعلومات المعاصرة، وعلى رأسها (غوغل)، التي جعلت البشرية في أصقاع الدنيا على مقربة من ذخائر المعلومات والثقافات والأفكار.

فإنسكلوبيديا المعارف والعلوم صارت في تلافيف الأدمغة البشرية، وهذا ينذر بأجيال جديدة تختلف عن جميع الأجيال التي سبقتها .

فأينما تذهب تجد العالم متصاغرا ومركّزا في جهاز تضعه في جيبك، ومن خلاله يمكنك أن تسوح في متاحف الدنيا، وأرشيفاتها المعلوماتية ومكتباتها الثرية، وتشاهد الحياة في كل مكان، وأنى شئت، لأن كاميرات التصوير تنقل الصور الحية ، بل إستطاعت أن تجعلك ترى بيتك وما حوله وأنت بعيد عنه آلاف الأميال.

وفي هذا الخضم المعرفي الفياض تجد مجتمعات عديدة تحاول أن تنكر الحقيقة، وتمعن في الإندساس في جحور الظلماء، وكأنها لا تريد أن تقر بعالمية الدماغ البشري، وتسعى لإعمائه وتقنينه ووضعه في علب مغلقة، فتحرمه من إرادة التمتع بالحياة، لتغريه بأن الموت خير له منها، وفيه تكون الحياة.

والمجتمعات المتأخرة عموما، ترزخ تحت وطأة التوجهات المنحرفة المناهضة لإرادة وطبيعة العصر، فتجدها منهمكة في إثارة التفاعلات السلبية، وتمزيق وجودها، والتطلع نحو التصارع والفناء.

وفي جوهر ما تقوم به، أنها كمَن يحاول أن يمنع أشعة الشمس المعرفية بغربال الجهل والضلال، ذلك أن طاقات تدفق الأنوار أقوى من أي مانع وجدار، وقدرة على التمترس داخل أصلد الصناديق والأتراس.

ولهذا فأن عليها أن تقرّ بضرورة الإذعان لأنوار المعرفة، وتحرير رؤوسها من آليات الممانعة والإندحار، والسعي للتبرير والغش والإختفاء والخداع.

فلا عاصم من طوفان المعارف والعلوم!!

 

د-صادق السامرائي

القراءة كإيمان وسلوك طفيلي

أغراني المفكر المصري عبد الوهاب المسيري في مقالة له حول التكفيك، وبغير قصد منه، لقراءة وإعادة قراءة دريدا ودولوز ومن لفّ لفهما من وجوه ما بعد الحداثة، وكما هو ديدني رضيت بما يشبه الفهم وبما يشبه القراءة طالما أن كل قراءة هي دائما "سوء قراءة". أغراني نقد المسيري للتفكيك بقدر ما فيه من فتنة. أحببت دريدا وتفكيكه لأن فيه ما يشبهني، وربما لأنني هامشي أمقت المتن وأميل بالمثل إلى كل ما هو هامشي، وربما لأنه يكتب، كأي "لا عقلاني" منحدر من نيتشة وهايدغر، مثلما ترقص راقصة باليه.

أيا تكن دواعي الغواية، الأكيد أن غواية النص كفكر يمتهن نحت الماء جاعلا إياه أداة للمقاومة ضد كل خطابات الهيمنة، تعود أولا إلى طاقته التدميرية، طاقة الهدم الكامنة في كل مفاصله. غير أن للغواية أيضا أسبابها الأخرى، خاصية العبث سبب لا يقل أهمية في الخطاب التقويضي.. مع دريدا خاصة، يؤدي العبث إلى ذوبان الفواصل بين القراءة والكتابة، بين النص وتفسيره، بل إن للقراءة مصيرا حتميا من التورط في المقروء، النقد لايمارس الهدم وإنما يقتات، يصبح طفيليا، هناك ما يشبه القصد "الهوسرلي" كشرط للفهم، كأن النص قبل ايمان مستغلق عصي على الفهم وبالتالي النقد، كما لو كان الأخير مشروطا بالإيمان، بحيث تتقدم المقولة الإيمانية "آمن قبل أن تفهم" على حساب الفهم الذي يسبق الإيمان.

الطفيلية والتورط تجعلان القارئ منتميا لنصه، مؤمنا به إيمانا لحظيا، النص سلسلة من الاقتباسات، والإيمان سلسة من الجحود، بهذا المعنى تبدو القراءة مثل متعة عذرية، فهم الخطاب مشروط بانتماء وقصد ايماني يتجاوز الفرض التعسفي نحو نمط معايشة، بحيث يبدو التفسير ماهية مؤنثة، والقراءة فخ، والنص دعوة.

فخ القراءة يعني شكلا من الإيمان المتحول القلق، في قفزات راقصة يأخذ شكلا نقيضا ماثلا في تعددية وثنية، ليس هنالك من تراكم وإنما قفزات، تحولات مضحكة بين النصوص والأيديولوجيات والخطابات، الطفيلي إذن رحالة بين النصوص، "فينيق" روائي يموت في حكاية لينبعث في أخرى: سيبدو المتلقي ماركسيا حين يقرأ ماركس، مسيحيا حين يقرأ المسيح، تفكيكيا حين يقرأ دريدا..

من هنا جمالية السمة الطفيلية للقراءة، إنني أفهمها دون أن أكون وفيا بشكل كامل لدريدا وتفكيكه، على أنها تحطيم لكل ما هو مؤكد في الذات المتلقية والمتكئة على النصوص، الذات المؤكدة والمتماسكة تتحول إلى ذات سعيدة بهشاشتها، ذات هي محض احتمال، هي فراغ وتقبل أنثوي منتهك بصراع مضني للنصوص والأفكار، إنه يتشكل منها لكن هذه التشكلات سريعة العطب والتبخر، ستتسم جماليات التقلي في هذه اللحظة بعشق من النوع السادومازوشي، النص ذكر يمارس ساديته المحببة لضحيته المريضة، مرض أنثوي لذيذ بالنص وتحولاته وتناقضاته وتوتراته.

سأمد التفكيك إلى أقصى مدى، سأقول مغامرا أننا بحاجة إلى الإيمان ولكن بعد التشبع بالتفكيك "الفريضة الغائبة"، سأتابع خيانتي لدريدا بما يداعب مشاعر المفكر عبد الوهاب المسيري المعروف بموسوعته اليهودية، لأقول أن التفكيك بحاجة إلى الإيمان كمخلص، ذلك لأن التفكيك سيرورة نفي، تقويض لثوابت آخذة في تقلصها، وصولا للحظة العدم، حيث يدمر التفكيك ذاته إن لم يتوقف مستدركا بنوع من التعسف الإيماني.

ترتكز المآخذة إذن، والتي هي الحل في الآن نفسه، على حقيقة مفادها أن التقويض اللامتناهي للإيمان ولكل مدلول متجاوز، لكل ميتافيزيقا، سيؤدي لا محالة إلى عدمية معلقة في فضاء جنوني ذاتي مغلق، بحيث لا يؤدي ذلك إلى سوء فهم وحسب وإنما إلى انعدام كل إمكانية للفهم والتواصل، نهاية الفكر الغربي المركزي لم تبدأ على يد دريدا، وإنما من لحظة التدمير لآخر ميتافيزيقا، مرورا بارساء عقلانية مناهضة للماورائيات، إن مآل الحداثة هو العدم، كأن مآل النقد المزيد من التآكل، مصير التهام الذات بممارسة التفكيك على التفكيك ذاته، ولكن للحؤولة دون ذلك، على التفكيك أن يتحول إلى مطلق آخر، إلى مدلول متجاوز، إلى إيمان، وهكذا يبدأ النقد بتفكيك الإيمان ليصبح هو ذاته إيمانا، لكنه إيمان الآخر المختبئ والمحتجب خلف حجب اللاهوت الثبوتي والمطلق والعقلاني، ولنقل بعبارة منحوتة: إنه الإيمان الشكوكي!

وهنا سؤال مقلق: أليست هذه مفارقة تجعل التفكيك خائنا لذاته؟ ليكن، فهذا الإيمان المتعسف والخلاصي المنقذ سيفتح إمكانية لتموضعات إيمانية منزلقة ومنزاحة باستمرار، هذا الانزياح العزيز على قلب دريدا سيتيح معانقة فريدة، مصالحة بين اللاإنتماء والإنتماء، اللاأدرية واليقين، العدم والوجود.. في التفكيك المنتهي بإيمان كما في القراءة كسلوك ونشاط طفيلي سيولد أفلاطون سفسطائي، فيلسوف دون نسق أو مبدأ أو مركز، فيلسوف دون فلسفة.

تدشن هذه القراءة غوايات وافتتانات وأفخاخ لا تنتهي، كسلسلة مستحيلة من الإحالات: كل نص يحيل إلى غيره حتى ما لا نهاية، ليس للقراءة مرسى إلا العبث، العبث ربما هو المبدأ المتعالي، هو خطيئتنا الأولى والأخيرة، هي نقصنا الفطري الذي يجعلنا في نهم دائم لكمال مستحيل، نحن نؤمن لحظيا، ودائما ما نقرأ على نحو سيء، القراءة دائما فعل ناقص، تحضرني هنا نصيحة لكاتبة مبدعة تحثنا على نبذ الكتابة الكاملة بوصفها معادلا أدبيا للطغيان، الكتابة المبدعة هي دائما كتابة مجنونة تنهل من الفوضى والنقص وحتى الرداءة، كذلك هي القراءة، وكذلك هو القارئ الذي هو دائما قيد التشكل، يتغذى طفيليا على اقتباسات تؤثث وعيه وحصيلته الثقافية، وعلى هذا النحو أيضا، ستبدو القراءة الكاملة، القراءة النرجسية التي تدعي فهما كاملا ونهائيا وايمانا مستقرا، ستبدو كنقبض لقراءة لعوبة راقصة ومعادية للصرامة، قراءة وتلقيات منغمسة في ملذات الكائن الطفيلي الملوث بأخطائه وتراجعاته والمتعطش في الآن نفسه لذلك اليقين البعيد.

معلومات إضافية