أقلام ثقافية

لطفي شفيق سعيد: لوحة تجريدية بعنوان (أواه يا وطن)!

latif shafiqلوى الطير عنقه. والزهر ذوى في غصنه

وشمس النهار في انكسار!

سماء كالحة ملبدة بالسخام

انعكاسات عذابات الإنسان

1059-latif

كيف لم يجدوا لهم طريقا للخلاص؟

أهي الصوفية؟ المهيمنة لدرجة الهوس والبكاء!

أم أن العظم قد وهن منهم وبلغوا من اليأس عتيا؟

أو لأن الأحداث تدحرجت خارج إطار التوقعات

ولا فارس يلكز مهماز جواده (العراق)!

ويصرخ صرخته المفاجئة:

لبيك يا وطن -  ويمحق الشيطان.

 

لطفي شفيق سعيد – نورث كورولاينا

 

فاروق مواسي: جولة نحْـوية مع إعراب جملة: الكلمة ثلاث: اسم، فعل وحرف

faroq mawasiبدءًا أود أن أنبه إلى أن استخدام الواو وحذفها في الجملة هو بتأثير اللغات الأجنبية، حيث لا يكررون الواو، ويذكرونه قبل المعدود الأخير، ففي العبرية مثلاً:

אכלתי פרות, ירקות, בשר וממתקים.

لاحظ أن الفاصلة لا تكون قبل حرف العطف.

وهكذا هي الحال في الجملة الإنجليزية والفرنسية والألمانية....

 

الإعراب:

الكلمةُ ثلاثٌ: مبتدأ وخبر (كما تعرف).

اسم: بدل تفصيل مرفوع، وعلامة رفعه الضمة.

فعلٌ: أفضل شخصيًا إعرابها كما يلي:

 معطوف على (اسم) بحرف عطف محذوف، وهو مرفوع.

وحرف: عاطف ومعطوف على سابقه.

...

مع ذلك فثمة من يجيز إعراب آخر لكلمة "فعل": بدل إضراب،

 ودليلي على ذلك:

في كتاب (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) لابن هشام الأنصاري (ص 831- باب حذف العطف) ورد ما يلي:

حكى أبو زيد:" أكلت خبزًا لحمًا تمرًا " فقيل: على حذف الواو، وقيل: على بدل الاضراب،

وحكى أبو الحسن: "أعطه درهما درهمين ثلاثة" وخرج على إضمار أو، ويحتمل البدل المذكور."

..

أما أبو زيد فقد اهتديت إليه وهو أبو زيد الأنصاري اللغوي المشهور (738- 731 م).

وأما  أبو الحسن فلست متيقنًا منه، هل هو الكسائي (ت. 805م) أم الأخفش الصغير

أم أبو الحسن الإشبيلي أم ابن سيدَه؟ هل هو الرماني؟ طاهر بن باشباذ المصري؟ الواحدي؟ وكلهم أعلام.

..

ويبدو لي أنه ابن سيدَه (1007-1066 م)، ذلك لأنه المؤلف استشهد به كثيرًا في تضاعيف الكتاب،

ومن المؤسي أن الطباعة وضعت على الهاء نقطتين (هكذا: سيدة؟!)، وهو خطأ شائع كثيرًا ما يقع فيه الدارسون.

....

ملاحظة: لا أرى رأي من اعتبر (فِعل) بدل إضراب، فهو لا يضرب عن المعنى السابق، بل يعدّ أو يضيف، ولذا قلت: معطوف على كلمة (اسم) وحرف العطف محذوف.

..

فائدة:

كلمة (اسم) -في الجملة التي نتدارسها- إعرابها غالبًا بدل تفصيل، وتتبع المبدَل منه، ولكن يجوز أن يكون لها أكثر من إعراب: خبر لمبتدأ محذوف أو مفعول به..

 في هذا النوع من البدل يجوز الإتباع على الأصل- (مررت بالرجلين محمدٍ ومحمودٍ)،

 والرفع على تقدير "هما"- (مررت بالرجلينِ محمدٌ ومحمودٌ)، وعندها فإن إعراب "محمد" خبر لمبتدأ محذوف.

 والنصب "مفعول به" على تقدير الفعل أعني- (مررت بالرجلين محمدًا ومحمودًا).

 

جــودت هوشيار: إله الكتابة

jawdat hoshyarشهد الفضاء الثقافي العربي في السنوات الأخيرة موجة لافتة للنظر من الأدب الإيروتيكي النسوي، وخصوصاً في مجال الرواية، منها رواية "نساء عند خط الاستواء" لزينب حفني، و"على فراش فرويد " لنهلة كرم، و" أنا هي أنتِ " لألهام منصور، و“خارج الجسد” لعفاف البطاينة، و“مرافئ الوهم” لليلى الأطرش، و“أصل الهوى " لحزامة حبايب، و"برهان العسل" لسلوى النعيمي، و“صمت الفراشات” لليلى العثمان، و“الغلامة” و" المحبوبات " لعالية ممدوح، وغيرها كثير. هذه الموجة لا ترتبط بتطور المجتمعات العربية - التي تشهد تضييقاً شديداً على حرية المرأة وهضم حقوقها وفرض الحجاب والنقاب عليها بالقوه بإسم الشريعة. ولو قارنا بين العهدين الملكي والحالي في العراق، لرأينا بوناً شاسعاً بينهما في مدى الحرية الممنوحة للنساء .

في العهد الملكي كانت المرأة العراقية حرة وسافرة تعمل وتبدع الى جانب الرجل، في شتى مجالات الحياة، اما في العهد الحالي، فقد تفشى الفكر الغيبي المتخلف في المجتمع العراقي واتسع نطاق المحرمات والمحظورات، التي الصقت بالدين الأسلامي الحنيف ظلماً وبهتاناً.

ولم يقتصر هذا التراجع الحضاري على العراق، بل شمل حتى مصر الكنانة،مصر قاسم أمين وهدى شعراوي، مصر الحضارة والتمدن . فقد رأينا بالأمس مباراة الكرة الشاطئية للسيدات، التي جمعت بين منتخب مصر ونظيره الألماني في أوليمبياد ريو 2016، ظهرت خلالها لاعبات منتخب مصر، يرتدين الحجاب وبنطلون وتيشيرت بأكمام طويلة، فيما كانت الألمانيات يرتدين «البيكيني» وهو الزي المعتاد في مثل هذه الرياضة . كان الفرق صارخاً بين ثقافتين مختلفتين تماماً. كل ذلك يدل دلالة قاطعة على زيف الأدب الإيروتيكي النسوي المفتعل التي تنشرها دور النشر العربية التجارية لكاتبات الستريبتيز، وتطرحها في السوق كسلعة بورنوغرافية لتحقيق اقصى الأرباح، تحت مسميات شتى، مثل تمرد الأنثى على القيم الذكورية، وانتزاعها لحريتها، وانطلاقتها الجديدة، ولا أدري عن أي تمرد وحرية وانطلاق تتحدث دور النشر العربية في ظل الأنظمة الظلامية، فالواقع يكذّب هذه المزاعم جملةً وتفصيلاً .

 الكتابة عن الجسد والعلاقات العاطفية الحميمة بين الجنسين، لا ضير فيها، إذا ما وظفت لخدمة الفن، ففي الأدب العالمي نماذج راقية من الأدب الإيروتيكي . ولكن ثمة حد فاصل بين الفن واللا فن، وبين الإبداع والإفتعال، وبين عمق تصوير عاطفة الحب السامية، وبين السرد الجنسي المباشر، ووصف ما لا ينبغي وصفه .في روايات كبار كتاب العالم مقاطع ايروتيكية رائعة. فالكاتب الجاد يعرف حدود الفن ولا يلجأ الى المباشرة والإبتذال أبداً.

معظم قصص ايفان بونين هي عن الحب العارم بين الرجل والمرأة، بشتى تنويعاته وأشكاله وصوره، حتى نعنه بعض النقاد بـ( موسوعة الحب)، ولا نغالي اذا قلنا انه لا يوجد في الأدب العالمي نظير له في عمق وجمال تصوير الحب الحقيقي اللاهب . يكفي أن تقرأ بعض قصصه مثل " ضربة شمس " و" في باريس" لتتأكد أن الكاتب المبدع يستطيع أن يصور كل الإنفعالات البشرية الروحية والحسية والجسدية بعمق أخاذ ولغة شاعرية وجمال استيتيكي دون أن ينزلق الى حضيض الأدب المكشوف .

ولدي دليل بليغ وقاطع في الفرق بين الأدب الحقيقي وأدب الإثارة الزائف . ففي شهر ايلول من العام الماضي وخلال زيارتي لمعرض الكتاب الدولي في موسكو ابتعت كتاباً رائعاً بعنوان " دروس الحب الروسي " وهو كتاب ضخم يتألف من 600 صفحة من القطع الكبير . ويضم مقتطفات عن الحب في مائة قصة روسية . لعدة أجيال من الكتّاب الروس، من عمالقة الأدب الروسي وصولاً الى الروائيين الروس المحدثين، وكتاب ما بعد الحداثة، بينها قصص عاطفية لعدد من الكاتبات الروسيات. قصص شديدة التنوع من حيث المضامين والأساليب الفنية، ولكنها تتصف جميعاً بسمة الإبداع الحقيقي. ومهما حاولتَ البحث بين دفتي هذا الكتاب الضخم عن وصف مكشوف أو فاضح، فلن تجده أبداً، فهي مقاطع تلمح ولا تصرح، وتشف ولا تكشف . في حين تتمتع المرأة الروسية بحرية شخصية مطلقة في حياتها، والمساواة التامة مع الرجل في كل الحقوق والواجبات، وفي تناول موضوعة الحب في نتاجاتها،، ولا يمكن مقارنة وضعها بوضع المرأة في المجتمع العربي .

الروايات الإيروتيكية النسوية في الأدب العربي المعاصر، زاخرة بالمشاهد الصريحة غير المألوفة في أدب النساء، وتتسم بالبؤس الإبداعي والخيالي، وضعف التقنيات الفنية،وركاكة اللغة والضحالة الفكرية، حيث يتخذن من الفضائحية طريقاً للشهرة . هذا النوع من السرد الروائي والقصصي يستهوي المراهقين فكرياً وثقافيا، وهو تقليد أعمى لما يسمى "ادب اللذة " الذي ظهر في الأدب الغربي عقب الحرب العالمية الثانية، وشاع بعد الثورة الجنسية في الستينات من القرن الماضي . روايات خفيفة مسلية للباحثين عن الإثارة يطويها النسيان فور الإنتهاء من قراءتها، ولا أحد من النقاد والباحثين في مجال الأدب يعتبرها أدباً جاداً، فهي ولدت لتموت سريعا . وثمة عدد كبير من كتاب (الرواية) في العالم، تخصصوا في انتاج هذا النوع من الروايات، وتطرح دور النشر الغربية المتخصصة عدداً هائلاً منها في السوق كل عام، فهي كتابة تلفيقية سهلة، لا تتطلب ثقافة أو جهداً كبيراً، بل وسيلة للحصول على المال من اسهل الطرق .

كاتبات الإيروتيكا العربية يستخدمن لغة فاحشة لا تجدها حتى في أكثر الروايات الجنسية الغربية إبتذالاً، فهن يلجأن الى كل ما هو غريب ومنحرف في السلوك البشري من اجل إاثارة الإهتمام وولوج الأدب من أسهل أبوابه .

ومن الطريف ان ثمة في بريطانيا والولايات المتحدة جوائز لمثل هذه الكتابات تحت اسم (أسوأ وصف ايروتيكي) . ولا شك في ان اي رواية إيروتيكية نسوية عربية حديثة، ستفوز بهذه الجائزة حتماً لو ترجمت الى اللغة الإنجليزية .

لأستجلاء الفرق بين الفن الإيروتيكي الراقي - كما في روايات كبار كتّاب الرواية في العالم وبين الوصف الإيروتيكي السطحي الفاجر، مثل الروايات التي أسلفنا الإشارة اليها فيما تقدم، نتناول بإيجاز قصة رائعة للكاتب الروسي بوريس بيلنياك ( 1896- 1938) بعنوان " اله الكتابة " عن حكاية حب مؤثرة بين إمرأة روسية وضابط أجنبي . ففي أوائل العشرينات من القرن الماضي عندما كانت اليابان تحتل بعض مناطق الشرق الأقصى الروسية وبضمنها مدينة فلاديفوستوك الواقعة على ساحل المحيط الهاديء، وقع تاغاكي – وهو ضابط ياباني، رفيع المستوى، ويتقن اللغة الروسية - في حب صوفيا فاسيليفنا غينديغ، وهي شابة روسية تعمل معلمة في المدينة . وبعد اسبوع واحد من اعلان خطبتهما،غادر الى بلده بعد ان ترك لها مبلغاً من المال لتغطية كلفة سفرها بالباخرة من ميناء فلاديفوستوك الى مينا تسوروغا اليابانية .وفور وصولها تزوجا رسمياً، وبذلك خالف هذا الضابط قانون الخدمة العسكرية في بلاده، مما أدي الى فصله من الجيش وفرض الإقامة الجبرية عليه في منزل والديه على ساحل بحر اليابان. كان الضابط ينحدر من اسرة ارستقراطية عريقة . وقد أثار زواجه من امرأة عادية غضب معظم أقاربه، فقطعوا علاقتهم به .، بسبب إنتهاكه لتقاليد الساموراي الموروثة. . وبذلك أصبح خارج شريحته الاجتماعية، ولم يعد بوسعه الإختلاط حتى بمعارفه ومعارف عائلته السابقين، عاش الضابط وزوجته في منزل الأسرة على سفح جبل يطل على البحر.

كانا يمضيان كثيرا من الوقت في قراءة الكتب، وكان الزوج مشبوب العاطفة، يتقن فنون الحب التي وصلت اليه عبر ثقافة الأجداد، تلك الثقافة الغريبة عن الأوروبيين . ففي اليوم التالي لزواجهما قدمت لها ام زوجها صوراً ايروتيكية مطبوعة على الحرير .

كانت صوفيا تحب وتحترم وتخشى زوجها في آن واحد: تحبه لأنه كان قوياً، ونبيلاً، وصموتا، ومثقفاً واسع المعرفة، ولتضحياته من اجلها . كانت تحبه وتخشاه – من اجل حبه الجارف المهيمن، الذي كان يتعبها ويتركها منهوكة القوى، في حين أنه لم يكن يتعب قط . وخلال النهار كان صموتاً ومهذباً وحانياً في نبل صارم . والواقع انها لم تكن تعرف عنه وعن عائلته الا القليل، وقد تناهى الى سمعها أن والده يمتلك، في مكان ما مصنعا لغزل الحرير .

كان زوجها رجلا مثقفا لديه حاجة روحية - جمالية، فقد كان يقضي امسياته في غرفته منهمكاً بالكتابة . وبعد عدة أسابيع من إنتهاء مدة إقامته الحبرية، حدث أمر مثير،، حيث تدفق الصحفيون الى المنزل على حين غرة، وأخذوا يصورونها وزوجها وكل شيء يخصهما. وشاهدت صوفيا على صفحات المجلات اليابانية صورها وصور زوجها: صورتهما معا في داخل المنزل وقرب المنزل، وخلال نزهتهما على شاطيء البحر، وامام المعبد . هي في الكيمونو الياباني، هو في اللباس الأوروبي .

وقد اخبرها الصحفيون أن زوجها كاتب مشهور، فقد كتب رواية تصدرت قائمة المبيعات، وحصل على مردود مالي كبير، كما انها (الزوجة) اصبحت مشهورة على مستوى اليابان

 كانت قد تعلمت اللغة اليابانية قليلاً، واعتادت على دور زوجة الكاتب الشهير، ولم تلحظ في نفسها ذلك التغير الغامض الذي حدث لها، فلم تعد تخشى الناس الغرباء من حولها . واصبح من المألوف لديها ان هؤلاء على استعداد دائما لتقديم أي خدمة تطلبها. واصبحت لديها طاهية في المنزل، وتسافر الى المدينة في سيارة فارهة، وتصدر الأوامر للسائق باللغة اليابانية، وعندما جاء والد زوجها لزيارتهما انحنى لها على الطريقة اليابانية اكثر مما انحنت هي تحية له .

كانت صوفيا امرأة صموت، وقد اكتسبت خلال السنوات التي قضتها في اليابان رزانة الساموراي، وقررت ان تسأل زوجها: ما الذي حدث؟. لم تكن تتقن اللغة اليابانية الفصحى على نحو يسمح لها بقراءة وفهم الرواية، لذلك سألت زوجها عن محتوى الرواية، ولكنه لاذ بالصمت في أدب جم، ونسيتْ أن تسأله مرة أخرى، لأن ذلك في الواقع لم يكن بهمها كثيراً ..

ذات مرة جاء الى منزلهما مراسل صحيفة تصدر في طوكيو . وكان يتكلم الروسية . لم يكن زوجها موجودا، فأخذا يتنزهان على ساحل البحر القريب من المنزل ويتحدثان حول موضوعات شتى، وخلال حديثهما وجهتْ سوالاً الى الصحفي عن سبب رواج رواية زوجها، وما الأمر المهم فيها؟ وعرفت منه ان الرواية هي عن حياتها بالذات.

وخلال الأيام والأسابيع اللاحقة انكبت على قراءة الرواية ولكن ببطأ شديد وبعد عدة أسابيع اكتشفت ان زوجها كان يراقبها في المنزل ويسجل كل خطواتها وحركاتها وعاداتها، وان الرواية بأسرها هي عن حياتها بأدق دقائقها: كيف تأكل، وكيف تنام أو تغتسل، وحركاتها الدالة على الأستمتاع بمباهج أنوثتها، وارتعاشات جسدها البض، والأصوات التي تصدر عنها في ذروة لقاءهما الحميمي .

لم تكن بوسعها ان تغفر له فضح ادق تفاصيل حياتها الشخصية الحميمة . وعرضها للبيع . لملمت حوائجها الضرورية فقط وصرفت ما كان لديها من نقود مدخرة لشراء بطاقة العودة بالباخرة الى مدينتها فلاديفوستوك . وفيما بعد تجاهلت رسائله الكثيرة اليها !

ويمضي بيلنياك الى القول: " أن الثعلب شخصية مخاتلة في الفولكلور الياباني . الثعلب مطبوع على المكر والغدر والخيانة . واذا سكن روح الثعلب في الأنسان أصبح ملعوناً . الثعلب - إله الكتابة .

 

جواد غلوم: أيامٌ في الذاكرة.. فيروز تغنّي لبغداد مرّتين

jawadkadom gloomمنذ ان غنّت السيدة فيروز أغنيتها الشهيرة المسماة "دار السلام" لبغداد عام / 1960 لكاتبها الأستاذ الملحن المتجدد والشاعر الفصيح والزجّال الممتع  منصور الرحباني ومن تلحين الأخوين عاصي ومنصور رحباني والتي اذكر منها بعض ابياتها هنا:

دار السلام على الانسام ألحان ......  يزفُّــها طائرٌ والصبح فـتّــانُ

ياجنّة في الظلال السمر وارفة ...... نسيمها بالهوى العذريّ نديان

حيـيت دجلة والأيام هانـئة .... تغـفو وتصحو على شاطيـك أزمان

في حينها ومنذ مطلع ستينات القرن الماضي؛ كانت بغداد مازالت تئن من أوجاعها التي خلّفها لها انقلاب 14/ تموز / 1958 حيث الدماء لم تجفّ بعد على اسفلت الشوارع والجثث مازالت تنزف دما بريئا من خلال سحْلها في الأماكن العامة وما تلاها بعد ذلك من صراع بين اليسار الشيوعي والجماهير الملتفّة حوله وبين مؤيدي التمرّد الذي قاده الضابط عبد الوهاب الشواف وزمرته من العسكريتاريا في بداية ربيع العام / 1959والتفاف التيار القومي حوله تضامنا معه والمجازر التي حصلت وقتذاك في الموصل وكركوك مما يندى لها جبين الانسانية لبشاعتها

ومهما حاول ساسة السلطة ممن سمّوا بالضباط الاحرار وقتذاك من إرضاء الرعية وتقديم الخدمات لهم وتوفير المساكن الشعبية للفقراء والخروج من حالة الجوع والفاقة التي عانى منها الناس ايام الملكية وتحرير الانسان العراقي الريفي من نير الاقطاع لكن الجرح ظل عميقا ينزّ دما كلما حركته ذكريات ايام الملكية الدستورية التي نعمَ فيها العراق بأجواء رحيبة من السلام والأمن مع ما فيها من حاجة وعوز لاننا باختصار شديد فتحنا بوابات جهنم على مصراعيها لهذا العراق الذي كان أمينا مسالما وادخلنا مريدي العنف ومثيري الفتن والقلاقل ليؤرجحونا يمنة ويسرة حتى  وقعنا في هوىً عميقة في قاعها أفاعي وعقارب القومية الشوفينية والحزبية الضيقة ووقفنا ضد ايّ تيار ليبرالي مؤيد لانظمة الحكم الاوروبية او الملكية الدستورية كنظام الحكم البريطاني مثلا ، والويل الويل لمن كان يصرّح بحبّه وتعلقه بايجابيات المدنية الديمقراطية والليبرالية وينشد دستورا يحترم حقوق الانسان فأنت في عداد المحبين للاستعمار ومغرق في العمالة للمستعمر وتستحق ان تشنق امام الملأ لتكون عبرة لغيرك من العملاء واذناب المستعمر وانك امبريالي النزعة وعدو للشعوب المناضلة وتقف بالضد من العروبة وهكذا بقيت هذه الشماعة والاتهامات الجاهزة حائلا دون ان تصبو النخبة الراقية المثقفة المدنية النزعة والنابذة للدكتاتورية ونزعة العسكريتاريا ترتجف هلعا من اي رد فعل يقوم به دعاة القومية او مما يطلق عليهم الشيوعيون اعداء الامبريالية والرأسمالية

وكم حاولت تلك النخبة فضح قناعات القومية والاشتراكية الطيّعة للاتحاد السوفياتي السابق  والتخلص والنهوض من حراب العسكريتاريا وانقلاباتها لكنها في كل بضع سنين  تُوقعنا مجددا فيها فتتلقى اجسادهم لسعات السموم ولدغات الموت والاتهامات الجاهزة المسلفنة بعناية / عمالة وامبريالية وخيانات ومكائد .... الخ

بغداد كانت دار الحرب منذ ان تجهّم يوم 14/ تموز /1958 بطلعته الدامية ونعجب كيف غنّت فيروز وأسمت بغداد دار السلام وبرك الدماء منتشرة في كلّ الانحاء لم تتيبس بعد والعائلة المالكة بنسوتها واطفالها وغالب شخصياتها قد غيبهم الموت ولم ينجُ من الهلاك الاّ القليل القليل منهم؛ ووزراؤها ومن كان في جرابها سحلوا جثثا على الاسفلت وتنكروا بزيّ النساء خوفا من ان يكونوا لقمة سائغة بيد الموتورين وطالبي الثأر

اهزأ ضاحكا ومرارا ابكي حزنا ولا اعرف ماذا اقول كلما قرأت البيت الشعري التالي الوارد في القصيدة المغناة:

غدٌ سلامٌ وخيرات جوانحهُ ..... كأنما رشّه في الارض نيسان

لقد رشّ انقلابيو العسكريتاريا الدماء بدل الماء ونيسان المطر أضحى بعد سنوات قليلة نيسان القهر حينما انقلب البعث على نظام مابعد الملكية وجاء بالسابع من نيسان وتربى البعث فينا بعد ان ترك بلاد الشام وهجع فينا فاشتدت النزعة القومية الشوفينية وضريوا الضربة القاضية على جسد السلام وتحوّل جثة هامدة لاحياة فيها

صراعات متواصلة واحقاد دفينة وطموح نحو السلطة بين القوميين العرب والبعثيين والشيوعيين والعسكر ولا مشروع عراقي منقذ يمتلك خاصيته الواحدة المتميزة حتى الوقت الحاضر

ومع ان مدرسة الرحابنة برفقة صوت فيروز قد اثبتت جدارتها فنيّا ونجحت في ترسيخ قوامها اللحني المتجدد في ساحة فنٍّ كان من نخبتها محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش والسنباطي والقصبجي وغيرهم من العمالقة الكبار لكن الرحابنة اتجهوا اتجاها اخر اكثر في الليونة اللحنية والتماس الجميل من الالحان الاوربية ومن السوناتات وعديد السيمفونيات الا ان الموقف الأخلاقي في الفن على رقيّه لم يكن بالمستوى اللائق والاّ كيف نفسّر ان تتحول بغداد من بركة دم وساحة نزاعات الى "واحة في الدهر مزهرة" كما تقول بعض ابيات الاغنية

وفي سنة /1976 حطّت فيروز مع الاخوين رحباني وفرقتهم الى ثرى بغداد ثانيةً لتحيي ثلات حفلات في قاعة الخُلْد وما ان سمعتُ بهذا الخبر حتى سعيت الى الاقتراض من هذا الصديق وذاك القريب مالا كافيا يتيح لي ان ادخل تلك القاعة التي كثيرا ما احتضنت خيرة الفرق الموسيقية من اوروبا واميركا ومصر والشام ولبنان فاشتريت بطاقة الدخول رغم كونها باهظة الثمن وأنا الطالب الفقير الذي تخرج توا من الجامعة وزجّ في الخدمة العسكرية الإلزامية مايزيد على السنة ولم احصل على وظيفة بعد.

كنت سمعت قبل الدخول الى الحفل بان السيدة فيروز قد أحضرت قصيدة لتغنيها الى بغداد وعرفتُ بين الكواليس انها لم تفصح للصحافة عن كلماتها اذ عزمتْ ان تكون مفاجأة للجمهور العراقي وقد سمعت طراطيش كلام انها قبل ان تحضر المطربة وفرقتها للقاعة؛ طلب منها مسؤولو وزارة الاعلام مع زمرة من المثقفين البعثيين بايعاز من النخبة الحاكمة ان تأتي على ذكر بعض الشخصيات وتوردهم بأسمائهم في الاغنية نفسها وأرجّح في ظني اسمي البكر وصدام حسين؛ غير ان الاخوين رحباني مؤلفَي القصيدة شعرا ولحنا رفضا هذا الطلب من لدن رعاة وزارة الاعلام بذريعة ان هذا الطلب غير مذكور في العقد وانهما أعدّا الاغنية لبغداد حصرا لتمجيد تاريخها ولمعانها الحضاري كمدينة تعتبر حاضنة الدنيا وسليلة المجد ولا شأن لهما بهذا الرئيس أو نائبه ليتدخلا فيما انتقيا من عروض فنية وأغانٍ تم إعدادها للحفلات ولم يأتيا لمدح هذا السياسي الغرّير أو غيره وانهما لايخضعان الى اية اشتراطات فيما يقدمان ولا مانع عندهما من العودة الى بيروت وإلغاء الحفل والعقد برمّته

هذه عينة من ابياتها الجميلة دون الحاجة لذكرها كلها فهي معروفة ومغناة على اوسع نطاق :

بغداد والشعراء والصور ... ذهبُ الزمان وضوعُه العطر

يا ألف ليلة يا مكملة الاعرا... سِ يغسل وجهَــك المطــر

ولو أمعنّا النظر والسمع لهذه الاغنية سنلحظ انها اغنية يمكن ان تصنفها بانها محايدة ترضي أذواق جميع الشرائح السياسية التي ما فتئت تتخاصم وقتذاك وهنا تكمن حدّة ذكاء الاخوين رحباني في انتقاء كلماتها دون الميل لهذه الجهة السياسية او تلك ، وليس فيها اية اشارة إطراء لاشخاص معنيين او حزبٍ ما وكأنك تسمع قصيدة مغناة الى باريس أو روما أو بيروت إضافة الى لحنها وكلماتها المحببتين مما نسميه في الفنّ والادب بالسهل الممتنع وهذا هو سرّ خلودها وبقائها مقصدا دائما لأسماعنا وذائقتنا

الان نسيت بغداد ، تركتها الحناجر لتصدح في مراتع اخرى فلم يعد لبغداد غير الهمّ والبلوى والسقم والموت ؛ وكل الجمال والبهاء نزح عنها الى غير رجعة . واذا كانت بغداد قد خدش وجهَها سكين النزاعات السياسية وأوجعتها مهازل الانقلابات قبلا ؛ فانها في ايامنا هذه بلا وجه ولا طلعة بهية ولا نرى الان سوى سخام الحروب ولا نشمّ غير رائحة البارود والرصاص ولا نسمع الاّ دويّ المدافع والهاونات ولم نذق فقط طعما سائغا باستثناء طعم المرارات والمجّ

هذه هي مائدتنا اليومية التي تقدّم الينا يوميا ونحن تحت خناق بغداد  لكننا نرغم على تجرّعها واستساغتها عنوةً وتلك هي مأساتنا سيما وان الامل مازال بعيد الافق وشجى الغناء الاوّل قد ضاع بين الاصوات المخيفة للحروب وصرير الكراهية والتنابز الطائفي وما عليّ الاّ ان اقفل مسامعي واعيش صامتا في وحدتي باستثناء الإنصات بين الحين والاخر الى صدى السنين الحاكي كما يقال

 

جواد غلوم

 

فاروق مواسي: ما هو المفعول المطلق ولماذا سمي هذا الاسم؟

faroq mawasiهو مصدر يُذكر مع فعل من لفظه تأكيدًا لمعناه، أو بيانًا لعدده، أو بيانًا لنوعه، أو بدلاً من التلفّظ بفعله، فمثال الأول: "وكلّم الله موسى تكليمًا"، ومثال الثاني: قرأت قراءتين، والثالث: سار السائق سيرَ المتهوّرين، والرابع: صبرًا على كل شِدّة"! 

المفعول المطلق يكون منصوبًا (أو في محل نصب).

 سُمّي المفعول (المُطْلَـق) لأنه غير مقيَّـد (فسائر المفاعيل مقيدة بحرف أو بغيره نحو:

 مفعول بــ (ـه)، لـ (ـه)، فيـ (ـه)، معـ (ـه).

المفعول المطلق (غير المقيد) هو المفعول الحقيقي الذي فُـعِـل، فعندما أقول: " بكيت بكاءً"

أسأل: ماذا فعلت؟ فالجواب: "البكاء"- لأنه هو الذي فُعِـل؛

بينما في "قرأت الدرس" فالدرس لم يُفعل، ولا يجيب عن السؤال: ماذا فعلت؟

"الدرس" هو مفعول بواسطة الفعل المتعدي (قرأت) أي مفعول بـــه.

المفعول المطلق مصطلح نحْوي جديد- أي متأخر، وكانوا يسمونه: "مصدر منصوب"، أو "مفعول" – مفعول فقط دون أن نلحق به حرف جر أو غيره.

يقول الزمخشري عن المفعول المطلق وهو من أوائل من استخدم المصطلح: هو المصدر، سمي بذلك لأن الفعل يصدر عنه، ويسميه سيبيويه "الحدث" و "الحدثان"

(المفصّل في صناعة الإعراب، ص 36)

 

أحمد الخميسي: عزيزي جلال الرومي .. كلمني على الما سنجر!

ahmad alkhamisتوفي الشاعر الصوفي الكبير جلال الدين الرومي عام 1273 م، أي منذ أكثر من سبعمائة سنة، لكن قصائده مازالت حية تصدح بقوة، ومنذ فترة صغيرة أنشأ البعض من محبيه صفحة باسمه في فيس بوك لاستحضار سيرته وقصائده. وحدث أن توقفت شابة عند الصفحة بالمصادفة وأعجبت بقصيدة فعلقت عليها مخاطبة جلال الدين الرومي بقولها: "إيه الحلاوة دي يا جلال؟! مش ممكن يا إبني! أنت شاعر طحن مش أي كلام. المهم ما تكونش بتضيع وقتك في قهوة البستان مع العيال الصايعة اللي هناك. اسمع كلامي وركز في الكتابة واستمر. دلوقت أنا مع خالتي بس ح أكون في البيت كمان ساعتين. كلمني على الماسنجر". توقيع: فريدة. ملكة الاحساس. بالطبع لم يستطع جلال الدين الرومي أن يشكر فريدة ملكة الاحساس على إعجابها به وذلك لموانع كثيرة أحدها أنه متوفي من زمن. وإذا نحن نحينا الجانب المضحك من الموضوع، سيظل لدينا سؤال:ما مغزى هذه الحادثة الصغيرة؟ مغزاها الأساسي أن التعليم في المدارس عندنا، خاصة في مجال اللغة والشعر والأدب عاجز وفاشل حتى أن الشباب لا يعرفون " جلال الدين الرومي"، وإذا أمسى من الممكن مخاطبة شاعر عظيم بعبارة " إيه الحلاوة دي ياجلال؟" فلن أستغرب إذا خاطب البعض المتنبى بقوله " يا كوتو موتو أنت يا مبدع"! لدينا مشكلة في التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالأدب والشعر، إذ يتم وضع المناهج الأدبية من قبل مجموعة من الموظفين لا علاقة لهم بالأدب، ولا ذائقة، ولا فهم، ومن ثم يتحول الشعر العربي بكل ثرائه إلي نوع من جلد التلاميذ وتعذيبهم وتلقينهم كراهية الشعر. وعادة ما تبدأ المناهج عندنا بأسخف نماذج الشعر القديم من نوع ما كتبه النابغة الذبياني:" أتاني أبيت اللعن أنك لمتني"، ولكي نثأر من التعليم كنا نرددها " أتاني أكلت اللحم أنك قفشتني"! في اعتقادي أن تعليم الشعر العربي يجب أن يبدأ بتحبيب الشعر إلي التلاميذ، مما يقتضي أن يبدأ تعليم الشعر بشعراء العصر الحديث أولا: إبراهيم ناجي، ومحمود حسن اسماعيل وغيرهما من شعراء أبوللو، ثم رجوعا إلي حافظ إبراهيم وشوقي، ثم رجوعا إلي ما قبل ذلك، وصولا إلي الجاهلية. من خلال الشعر الحديث، الذي تخلى عن الكلمات والصياغات المهجورة، يمكن للطالب أن يحب الشعر العربي. يتبقى اختيار القصائد، ولهذا ينبغي أن تتشكل لجنة من الأدباء والشعراء لتضع المنهج مع وزارة التربية والتعليم، لكي يتوقف دور الوزارة في تبغيض الشعر إلي الطلاب، بحيث نجد أننا إزاء حالة من تفشي الجهل تحديدا في مجال الأدب. وأذكر أن عبقريات العقاد – خلال دراستي في الثانوية العامة – كانت على سخافتها مقررة علينا، وفوجئت بعد ذلك بطه حسين يقول عن إحدى تلك العبقريات إنه " لم يفهمها" وذلك في لقاء تلفزيوني نادر مع أدباء مصر والمذيعة ليلى رستم. وإذ كان طه حسين لم يستطع أن يفهم مقررات وزارة التربية، فمن الطبيعي أن يكون جلال الدين الرومي لدي الشباب" جلجل" الذي ينتظرون مكالمته على الماسنجر، وأن يغدو أبو العلاء المعرى " علوة يا عسل.. يخرب عقلك.. أنت تجنن "!

 

د. أحمد الخميسي. كاتب مصري

 

عبير خالد يحيي: رحلة فوق السحاب

لم يخطر ببالي أبدا اليوم، وأنا أتوجه إلى مكتبة الاسكندرية في ظل احتفالياتها بمهرجان الصيف لحضور حفل الموسيقار العربي المصري الكبير عمر خيرت، أنه كان ينبغي علي أن أتحضر بـ (باراشوت) أو معدات أمان تقيني مخاطر التحليق أو الهبوط ...ا

نعم تحليق ..تحليق بدون أجنحة ..!

أنا لم أسمع أصوات آلات موسيقية ..!

ولم أسمع نغمات موسيقية .. بل ظننت أن النوت الموسيقية الموضوعة أمام أعضاء الأوركسترا، هي نوع من التمثيل ليكمل المشهد ..!

حتى أعضاء الأوركسترا .. ظننتهم ممثلين .. وممثلين احترافيين ..

سمعت قلوبا تذوب شوقا ... يأكلها الحنين ..

ورأيت عيونا تذرف عشقا ..تبكي فراق المحبين..

سمعت هدير الدم ..في شرايين المكلومين. .

وصراخ آلاف آلاف المعذبين..

رأيت عرق المجهدين ..

وسنابل القمح الذهبية .. تعد بالخير الوفير ..

سمعت صوت الموج غاضبا يضرب قسوة الصخر العنيد..

سمعت دعاااااااء الخائفين ...

وضحكات الزمن الجميل ...

رأيت أمي تناديني...

تباهي بثوبها الأبيض البهيج ...

وصوت قنابل الموت البغيض ...

رأيت كيف يحمل ملاك الموت أرواح الطيبين..

وكيف يرقى الأطفال في بلادي إلى عليين..

وكيف هي بائدة. . أطماع الجشعين ..

معركة بين خير و شر ..

ينتصر فيها الأمل .. ويبكي فيها الحنين.

طبول الحرب يغلبها. . صوت الناي الحزين..

قيثارة الرقة ..تغزل ثوب العروس والعريس..

وكمان تتطاير من أوتاره .. فراشات سحر مضيء.

و أصابع مبدعنا تتراقص على السواد والبياض بخطوات راقص رشيق..

يعلو بنا إلى الأعالي ..حتى نخال أننا لن نبين..

وفي نقطة الفجأة .. يهبط بنا في واد سحيق ...

لم يكن الأمر حلما... بل واقعا لكن ..جميل ..

أيها الموت المقيم في ربوع أوطاننا...غادر بربك و دعنا نعيش..

رسالة قالها من عزف لحنا.. خلته وهما.. بل جدا صريح...

 

د. عبير خالد يحيي

 

فاروق مواسي: جولة أدبية (11): لا كرامة لنبي في وطنه

faroq mawasi"لا كرامة لنبي في وطنه"، قول مأثور، ويرد في روايات أخرى: "في بلده، في قومه، في أهله، في أرضه"-، وهو قول نستخدمه عند إغفال شخصية مهمة أو تهميشها، كذلك شأن العالم أو الفنان أو العظيم الذي لا يجد  في مجتمعه التقدير له حق قدره، وخاصة بين ذويه وممن حوله، حيث لا يجد احترامًا يليق به. بل تجد الغرباء عنه هم الذين  يحترمونه ويُكبرونه، ويعرفون الفضل فيه.

كنت أظن أن المثل حديث، وليس واردًا في نصوص قديمة، غير أني قرأت المثل عن كرامة النبي فيما يلي:

  ورد في إنجيل يوحنا:

"وبعد اليومين خرج من هناك ومضى إلى الجليل، لأن يسوع نفسه شهد أنه ليس لنبيّ كرامة في وطنه" – إنجيل يوحنا الإصحاح 4: 44

وورد المثل بشكل أحدّ في إنجيل مرقس:

"فكانوا يعثرون به، فقال لهم يسوع:

"ليس نبي بلا كرامة إلا في وطنه وبين أقربائه وفي بيته".

                                                      مرقس الإصحاح 6: 4

....

كما ورد المعنى الدالّ على  شعور الشخصية المهمة بأنها غريبة- في شعر المتنبي:

أنا في أمّة -تداركها الله-  ***   غريب كصالح في ثمود

(جملة "تداركها الله" اعتراضية قد تعني دعاء عليهم أو دعاء لهم، فأما "عليهم"  فالمعنى: أدركهم الله بالإهلاك لأنجو منهم، وأما "لهم" فالمعنى: تداركهم الله  بالإصلاح، ونجّاهم من لؤمهم. وقال ابن جِنّي  في كتابه "الفَسْر" أنه بهذا البيت لقب المتنبي).

وقد سبقه أبو تمام  بهذا المعنى:

كان الخليفة فيهم صالحًا *** فيهم وكان المشركون ثمودا

...

من شعر أبي الفرج ابن الجوزي في هذا المعنى:

عذيري مِن فتية بالعراق     =        قلوبُهُم بالجفا قلّب

يرون العجيب كلام الغريب = وقول القريب فلا يعجب

ميازيبهم إن تندّت بخير =       إلى غير جيرانهم تقلب

وعذرهمُ عند توبيخهم  =         مغنّية الحي ما تطرب

ثم هناك بيتان للسريّ الرفّاء، قال فيهما:

قوّض خيامَك عن دار ظُلمت بها   ****     و جانب الذل، إن الذل يجتنب

وارحل إذا كانت الأوطان مضيعةً ****  فالمندلُ الرطب في أوطانه حطب

إذن "مغنية الحي لا تطرب"، و "المندل الرطب في أوطانه حطب"، كما ورد في أمثال دارجة أخرى:

"زمار الحي ما بيطرب" وفي رواية أخرى "طبال الحي..." أو "مغني الحيّ..".

وفي ذلك قال أحد الشعراء:

لا عيبَ لي غير أني من ديارهم  ***  وزامر الحيّ لا تُشجي مزامره

وعلى ذكر ابن الجوزي- "يرون العجيب كلام الغريب...." فقد تذكرت بائية حافظ إبراهيم في هذا السياق:

أنا لولا أن لي من أمتي *** خاذلا ما بتُّ أشكو النُّوَبــا

أمّة قد فتَّ في ساعدها *** بغضُها الأهلَ وحبُّ الغربــا

.....

ترى، هل هذه الأقوال دقيقة وصحيحة؟

أم أن ا"المطرب" عليه أن يشدو، وألا يحفل بمن يتجاهله، كقول الهادي اليمني:

ومطرب الحي يشدو *** لا عاش من ليس يطربْ

 

ضياء نافع: من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (36)

diaa nafieالحلقة السادسة والثلاثون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية.

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية – لا قرابة بالنقود.

التعليق – يضرب في ان القرابة بين البشر لا تمتلك اي تأثير او علاقة بدخل الفرد ونقوده او ثروته بشكل عام، اذ ان ذلك الامر يعد مسألة شخصية بحتة، وهي قاعدة عامة تقريبا في كل المجتمعات .

 

الترجمة الحرفية – لا تجلس في غير زلاقتك.

التعليق – يضرب لحث الانسان على ان يشغل مكانه الملائم، ولا يأخذ على عاتقه تنفيذ أمر لا يقدر ان ينجزه . استخدم الكاتب المسرحي الروسي أستروفسكي (1823- 1886) هذا المثل عنوانا لاحدى مسرحياته الشهيرة. يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – لا تشغل مقاما لا يناسبك، وهي ترجمة سليمة . لنتذكر القول العربي الجميل – رحم الله امرءا عرف قدر نفسه.

 

الترجمة الحرفية - اذا تحب التزحلق، فيجب ان تحب حمل الزلاقات.

التعليق – يضرب في انه يجب على الانسان ان يتحمل تبعات تمتعه بما يحب من اعمال. يترجم جابرالمثل هذا بشكل طريف وشيق جدا (رغم ابتعاده الكبير عن بنية المثل الروسي) وكما يأتي – من يلعب مع القط يتحمل خرابيشه.

 

الترجمة الحرفية - توجد قوة – لا حاجة للعقل.

التعليق – يضرب للسخرية من الانسان الذي يمتلك القوة و يستخدمها لحسم الامور، بينما يحتاج الامر الى التفكير والتروي والاحتكام الى العقل والمنطق .

 

الترجمة الحرفية - الكلمة – فضة، الصمت – ذهب.

التعليق – مثل عالمي يضرب في تفضيل السكوت على الكلام في بعض المواقف، وقد استقر هذا المثل بالعربية كما يأتي –

اذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب.

 

الترجمة الحرفية – بايدي الآخرين يجرف اللهيب.

التعليق – يضرب للانسان الذي يستغل الآخرين لمصلحته . الصورة الفنية لهذا المثل جميلة. يترجم بوريسوف هذا المثل هكذا – حرٌك النار بايدي الغير، وهي ترجمة ليست خاطئة ولكنها تكاد ان تكون حرفية وغير واضحة المعالم، اما جابر فيترجمه بصيغتين وهما – استغل الآخرين لبلوغ مآربه / استغل جهود غيره لمنفعته الشخصية، وترجمة جابر أكثر وضوحا و دقة بلا شك.

 

الترجمة الحرفية – اي بقرة اخرى لتجأر، لكن بقرتك لتصمت .

التعليق – يضرب لشجب الانتقادات الصادرة من شخص هو نفسه ليس بلا ذنوب . يذكٌر هذا المثل طبعا بالقول المشهور للسيد المسيح – من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

 

الترجمة الحرفية – لا لحم ولا سمك.

التعليق – يضرب في انعدام السمة المميزة والمحددة والذاتية الخاصة لكل الظواهر والاشياء. يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – لا هذا ولا ذاك، اما جابر فيترجمه – عادي لا ميزة له، ونظن ان ترجمة جابر أكثر دقة.

 

الترجمة الحرفية – الشعير لا يسير وراء الحصان .

التعليق – يضرب في ان الانسان بجهوده وعمله يجب ان يحصل على الشئ الذي يريده ويحتاجه، ولا يمكن حدوث ذلك تلقائيا . الصورة الفنية للمثل الروسي هذا طريفة جدا.

 

الترجمة الحرفية – الفرد من اجل الجميع، والجميع من اجل الفرد.

التعليق – يضرب للدعوة من اجل التكاتف والتعاضد بين البشر، وذلك لان العمل معا هو الذي يحقق النتائج الكبيرة . يوجد مثل عربي معروف في هذا المعنى وهو – الاتحاد قوة.

 

الترجمة الحرفية – بين المطرقة والسندان .

التعليق – تعبير شهير في روسيا دخل من اللغة الالمانية و قد ذهب مثلا، ويضرب لوصف حالة الانسان عندما يقع بين شيئين سيئين او شرٌين او نارين ...الخ . استقر هذا التعبير في لغات عديدة اخرى، ومنها العربية .

 

الترجمة الحرفية – تحت الحجر الراقد حتى الماء لا يجري.

التعليق – يضرب لحث الانسان على النشاط والعمل، اذ بدون ذلك لا يمكن ان يتحقق اي شئ . يوجد بالعربية مثل جميل في هذا المعنى بشكل عام وهو – في الحركة بركة / كل حركة فيها بركة.

 

الترجمة الحرفية – يدي هي ربٌة الامر.

التعليق – يضرب للشخص الذي يتصرف على وفق رغبته ليس الا، وبالتالي يعمل ما يحلو له فقط . يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – انه حرٌ بتصرفاته، ويكرر جابر هذه الترجمة، الا انه يضيف ترجمة اخرى وهي – انه سيٌد نفسه.

 

الترجمة الحرفية - ثوبي أقرب لجسمي.

التعليق – يضرب في ان المصلحة الشخصية أغلى من مصلحة الآخرين . يترجم بوريسوف هذا المثل (وكذلك جابر) كما يأتي – كل يجر النار لقرصه، وهي ترجمة صحيحة (من حيث المعنى العام طبعا) باستخدام هذا المثل العربي الطريف و المعروف .

 

الترجمة الحرفية - حملك ليس عبئا عليك .

التعليق – يضرب في ان كل شئ يعمله الانسان لصالحه ليس عملا ثقيلا او صعبا بالنسبة له، ما دام يصب في مصلحته.

 

الترجمة الحرفية – لا تبك الغابة على شجرة واحدة.

التعليق – يضرب في ان الحياة ومسيرتها لا تتوقف عند وفاة شخص ورحيله الابدي من الحياة .

 

الترجمة الحرفية – التفاحة لا تسقط بعيدا عن شجرة التفاح.

التعليق - يضرب في ان الابناء يرثون خصائص والديهم، وان (الولد على سر أبيه) كما يقول المثل العربي المعروف . هناك مثل عربي طريف وبمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى وهو – الذيب ما يخلٌف واوي .

 

أ.د. ضياء نافع

.........................

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدر قريبا في بغداد عن - (دار نوٌار للنشر).

 

وديع شامخ: فلسفة الضحك

wadea shamekh"الضحك تمرين جسدي ثمين للصحة" ..  أرسطو

 يمثل الضحك ظاهرة تعبيرية إنسانية عن السعادة والفرح، وهو رد فعل فسيولوجي نتيجة التعرض لموقف هزلي أو مشاهدة صورة مضحكة أو سماع نكتة كما يعبر ايضاً عن حالة الدهشة والذهول كما يتماشى من المثل العربي "شر البلية ما يضحك"، وكما أشار اليه عالم النفس الشهير فرويد في انتباهته الذكية عن الضحك بوصفه “ظاهرة وظيفتها إطلاق الطاقة النفسية، التي تم تعبئتها بشكل خاطئ أو بتوقعات كاذبة”. والضحك جزء من السلوك الإنساني الذي ينظمه المخ، وهو إشارة إلى تواجد الإنسان اجتماعيًّا، وقبوله للتفاعل الإيجابي مع الآخرين.

 .............

تعودنا من مورثنا الشعبي ومن امثاله التي تشكل حكمة ورؤية معينة بان الضحك بلا سبب هو من قلة الأدب، وعلى العكس من هذه النبرة الحكمية القارة، سنجد في الطرف الآخر مثالا يدل على عكس ذاك تماما " بين الاحباب تسقط الآداب "، ولست بمعرض تقييم الامثال عامة وتقييمها بقدر ما اريد تناول موضوع الحساسية السلبية من الضحك في المجتمع العربي الذي يوقر الجهامة والجدية فيما هو مجتمع مستهلك لا يعرف للوقت قيمة ولا الجدية ولا الصرامة واضحة في سلوكه مجتمعيا.

 .....

ولعل مثال الضحك بلا سبب من قلة الأدب، جاء كنتيجة عرضية لعلم المنطق الذي يفيد بوجوب المقدمات الصحيحة والتي تفضي الى نتائج صحيحة، وبهذا الاشتقاق الجزافي صار الضحك بلا سبب قلة أدب، اذ لا بد من سبب ونتيجة لكل ظاهرة وتفصيل.

وكأن حياتنا الاجتماعية خصوصا قائمة على منظومة متوازنة مستمدة من المنطق في فضائها العام وقانونها الخاص أيضا.

 ...........

لكن الحقيقة لم تكن ذاك ابدا إذ ان الامثال والحكم احيانا لا تمتد ببصرها الى استيعاب حاجة الانسان والمجتمعات لكل جديد في التفاعل الاجتماعي لخلق بيئة ايجابية، يتم من خلالها انتاج قيم وعلاقات غير مبينية على وصايا مسبقة سواء اكانت امثالا ام حكما، لتجاوزها زمنيا، حاجة الانسان الى حياته الجديدة التي يصوغها بمعاييره المستحدثة، ولعل الضحك الذي اقصده هنا هو ليس الضحك المنظور اليه من جهة قلة اللياقة وعدم الكياسة، واللهو والاستخفاف، الضحك الذي يبحث عن مبرر له وينضوي تحت اسر المنظومة الاخلاقية المتجبرة بكل نوازعها الاقصائية لكل فعل انساني ايجابي، لتغليب القانون والمنطق على الحياة جميعا بوصفها اصفادا لامعة فقط

.............

الخلفاء في الدولة العباسية كان لهم السبق في استخدام البهاليل والمضحكين كندماء لهم، في الامتاع والمؤانسة، ولعل حكايات هارون الرشيد والسيدة زبيدة في هذا الباب اشهر من أن تعاد هنا .

الضحك الذي أعنيه هو حاجة نفسية وفكرية معا وموقف من المجتمع، فلو ذهبنا مع العلم في فوائد الصحك لوجدنا فوائد عظيمة على صحة القلب والرئتين والدماغ وتنظيم نسبة السكري في الدم، تحسين وظيفة الجهاز المناعي، نوم مريح، لياقة بدنية، تصفية الدهون، التخلص من التوتر ..الخ، ولو اعتمدنا الكوميديا سلاحا لنقد الظواهر السياسية والحكام لوجدناها سلاحا ماضيا فتاكا، فقد قيل أن الرئيس المصري جمال عبد الناصر استخدم جماعة من العسس للاستماع الى النكت والطراثف التي تروى عنه، كيف يعرف قياس ونبض الشارع والرأي العام في نظامه، وكذا استخدم الرئيس السوري حافظ اسد الكوميديا من اجل امتصاص النقمة الشعبية او التنفيس عن مكبوتات المجتمع السوري، وكأنها تطهير بالمعنى الأرسطي .

 ........................

لا ضحك بلا سبب، بل لا سبب للضحك احيانا، فهو غير مرتبط شرطياً بمنظومة قيمية أخلاقية فقط كما رأينا في سياق المقال، الحياة الانسانية تحتاج الى زيت قائم لديموتها، تحتاج الى حراك اجتماعي، تحتاج الى عقل متوقد ورؤية واضحة تستثمر كل المعطيات والطاقات الإنسانية للتعبير عما يجول في مكنونها الداخلي، ولعل الضحك أبلغ بيان للقيام بهذا الدور المزدوج، فهو ان كان بلا سبب سيدخل في خانة قلة الحياء وربما الجنون، وسيحقق الضحك غايته بلافتة مستترة، وكأنما الضحك يعيد للجنون وقلة الأدب هيبتها في مقارعة الصرامة والكياسة الاجتماعية والسياسية الفارغة، وان كان الضحك بسبب فهو يقدم نفسه بكامل عافية العقل العربي لان الضحك بلا سبب من قلّة الادب

 

فاروق مواسي: حديث في اللغة: الاشتقاق من غير المصدر

faroq mawasiرأى البصريون أن الاشتقاق يكون من المصدر، لكنا نجد  اشتقاقات أخرى من غير المصادر- وذلك فيما يلي:

*اشتقاق من الأعداد: فنقول ثنّاه وثلّثه، ذوّت، وسبّع- أي غسله سبع مرات.

*من أسماء الأزمنة: فقالت  العرب أعصَر، وأخرَف، وصاف (صيّف) وأربع، ومن جديد اللغة رمضن أو ترمضن، عصرن (تبع العصر).

*الحروف: فقالوا سوّف (بمعنى ماطل)، وعنعن (نقل الرواية عن فلان عن فلان...).

*من أسماء الذوات: فقالوا استأسد وتنمّر، استنوق، واستتيس وبنّج وبوّب، وتجورب، وتتوج، تخشَّب، استحجر، تبغـّل...

وهناك اشتقاق من (مسكين) تمسكن، و(تمنطق) إذا شد وسطه بالمنطقة، وتمندل ...

*من أسماء البلدان والطوائف والجماعات: أتْهم وأنْجد، تنصّر وفي اللغة المعاصرة تأسرل، وتأمرك، تبلشف وتبغدد.

* هناك اشتقاق مما نُحت من كلمتين وأكثر: بسمل، حوقل، هيلل، دمعز، طلبق، فذْلَك... وفيما اقترحتُ من نحت، ومنه (حتّـن) ترجمة للكلمة العبرية (עדכן) من لفظتي "حتى" + "الآن"، وقد أرادها آخرون (حتلن) الثقيلة صوتيًا.

من هنا أجيب الصديق "عويف القوافي" الذي سألني عن كلمة (تعزيم) المشتقة من شخص اسمه (عازم)، فكتب لي:

" لدي سؤال أود طرحه عليك بالنسبة للفظة "تعزيم" والتي تعني البيع الآجل-  وهي كلمة منسوبة لصاحب فكرة البيع الآجل، واسمه عزمي- وهو رجل من منطقتنا جنوب الأردن، فهل تعتبر هذه المفردة تطورًا في الدلالة على لفظة "تعزيم"-  التي تعني قديما الرُّقى لطرد الأرواح الشريرة؟

إجابتي هي:

تجيز العربية أن نشتق من أي كل اسم يتيح ذلك صوتًا ولفظًا وذوقًا، و"تعزيم" هنا كلمة ترِد بمعنى جديد لا علاقة له بالمعاني الواردة في المعاجم، فكما يصح لنا أن نقول "تعنتر" و"دروش"، فلا أرى مانعًا أن نقول "عزّم" أو "تنزر"- نسبة إلى نزار ....

وليسمح لي قارئي إذا ذكرت أنني ابتدعت" تأدنس" في مقالة لي عن ناجي ظاهر (الرؤيا والإشعاع- 1984، ص 110).

ومن نماذج الأدب القديم ما قاله العجّاج:

ربيته حتى إذا تمعْـددا ... وآضَ نهدًا كالحصان أجردا

قال ابن جِنّي في شرح التصريف: "تمعدد" من لفظ (مَعدّ) بن عدنان وإنما كان منه، لأن معنى تمعدد: تكلم بكلام معدٍّ، أي: كبر وخطب. هكذا قال أبو علي.

ومنه قول عمر: "اخشوشنوا وتمعددوا". قال أحمد بن يحي: "تمعددوا"، أي: كونوا على خلق مَعدّ.

انظر أيضًا "الخصائص" لابن جني (1/159-160).

 اشتق العرب كثيراً من أسماء الأعيان، والمجمع يجيز هذا الاشتقاق للضرورة في لغة العلوم، ثم رأى التوسع في هذه الإجازة بجعل الاشتقاق من أسماء الأعيان جائزاً من غير تقييد بالضرورة. واشتقوا من أسماء الأعيان المعرَّبة كالدرهم والفهرس، فقالوا: دَرْهَمَ وفَهْرَسَ، ويقال من الكهرباء والبلّور: كَهْرَبَ وبَلْوَرَ. كما وضع هذا المجمع قواعد الاشتقاق من الاسم الجامد العربي والاسم الجامد المعرَّب.

 وقرر كذلك أنه تصاغ مَفْعَلة قياساً من أسماء الأعيان الثلاثية الأصول للمكان الذي تكثر فيه هذه الأعيان، سواء أكانت من الحيوان أم من النبات أم من الجماد، فيقال: مَبْقَرة ومَلْبَنة ومأسدة...

ثم إن مثل هذه الاشتقاقات ترد كثيرًا في الكلمات الدخيلة، وبعضها نستخدمه في لغتنا المعاصرة:  تلفز، تلفن، أرشف، منتج، تبرجز، تفلسف، تفرنج، تأكسد، فكسل (أو فكسس)، موسق...

وهذه الأفعال المشتقة جميعها تصاغ منها المصادر وأسماء أخرى كاسم الفاعل واسم المفعول.

سأصحبكم في جولة مع التراث ومع الكلمات الأعجمية:

أهدي إلى علي – كرّم الله وجهه- في يوم النَّوْروز طعام الخَبِيص فقال:

"نَـوْرزوا لنا كل يوم"! وفي رواية أخرى: "نَوْرِزونا كل يوم"!

وقال العجّاج في أرجوزة له:

"كالحَبَشِيِّ الْتفّ أو تسبَّجا"

(تسبَّجَ) هو تفعَّل من (السَّبيج) أي الْتف به، والسبيج معرب قولهم شَبيّ- أي ثوب أسود.

وقال الآخر:

"فكرنَـبوا ودولَـبوا"!.

أي قصدوا كرنب ودولاب، وهما مَدِينتان عجميَّتان.

وقال الأعشى: "حتى مات وهو مُحَرْزق"

وهو معرّب (هرزوقا) أي مخنوق، وأصله نبطي.

لكن الأعشى استخدم  هنا- في كلمة - (محرزق) ما قد نهى عنه، حيث قال

في قصيدة أخرى له مؤكدًا على عربيته وعدم لحنه:

يقولون لي "شنبِذ"، ولستُ "مشنبذا" ... طوالَ الليالي ما أقام ثَبِير

ولا قائلا "زودا" ليعجل صاحبي ... و"بستان" في قولي علي كبير

ولا تاركا لحني لأتبع لحنهم ... ولو دار صرفُ الدهر حيث يدور

فبنى من "شنبذ" مشنبذا.

وهو من قول الفرس: "شون بوذ" أي كيف - يعنون الاستفهام

 وزود: عجّل.

وبستان: خذ.

...

(لقراءة نماذج أخرى انظر "المزهر ج1" للسيوطي، ص 290- 294.)

 

ضياء نافع: من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (35)

diaa nafieالحلقة الخامسة والثلاثون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية.

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية – الذي يتكلم كثيرا يعمل قليلا.

التعليق – معنى المثل واضح، وقد أشرنا ضمن هذه الامثال الى مثل روسي مناظر له وهو - عمل اكثر – كلمات اقل، وكلاهما في نفس المعنى، فالثرثرة تعرقل الاعمال، و(اذا تم العقل نقص الكلام) كما يقول المثل العربي الجميل.

 

الترجمة الحرفية – العيون تخاف لكن الايدي تعمل .

التعليق- يضرب في ان الانسان يخاف ويقلق قبل بداية الاعمال الصعبة او المعقدة، ولكنه ينفذها رغم تلك الاحاسيس.

 

الترجمة الحرفية – صديق مخلص افضل من مئة خادم.

التعليق – يضرب في ان الصديق المخلص هو (الصديق وقت الضيق)، وبالتالي فهو افضل من (مئة خادم) للانسان في محنته . الصورة الفنية في هذا المثل الروسي جميلة رغم ما فيها من مبالغة .

 

الترجمة الحرفية – المعدة الجائعة صماء امام كل شئ.

التعليق – يضرب في ان الانسان الجائع لا يستمع الى الكلمات بتاتا، اذ انها (لا تغني ولا تسمن من جوع)، و(الجوع كافر) .

 

الترجمة الحرفية –  التوغل في العلم – هو الصبر تجاه المعاناة.

التعليق – (دون معاناة لا يوجد علم)، هذا ما يشير اليه مثل روسي جاء ذكره ضمن هذه الامثال، واحدى هذه المعانات هي ضرورة الصبر عند التعمق في العلم .

 

الترجمة الحرفية – وعند العجوز توجد اخطاء.

التعليق – يضرب في انه لا أحد دون اخطاء وحتى كبار السن الذين يمتلكون الخبرة والتجربة في مسيرة الحياة، وهو مثل عالمي . يترجم جابر هذا المثل بعدة صيغ وكما يأتي - العصمة للنبي / لا احد بدون اخطاء/ الكمال لله / وهي ترجمات صحيحة طبعا رغم ابتعادها – بشكل او بآخر - عن الترجمة المحددة والدقيقة للمثل الروسي .

 

الترجمة الحرفية – ما تبذر تحصد .

التعليق – مثل عالمي مشهور، وهو واضح المعنى، ويترجمه جابر كما يأتي - حصد ما زرع ، وهي ترجمة سليمة تعتمد على الصيغ العديدة الموجودة لهذا المثل (من زرع حصد / كما تزرع تحصد / انت تحصد ما تزرع / كما تبذر سوف تحصد ...). يضرب في ان الانسان (يحصد) حتما نتائج ما يقوم به من أعمال في مسيرة حياته .

 

الترجمة الحرفية – عند كل حكيم ما يكفي من السذاجة .

التعليق – يضرب في ان الانسان الذكي قد يكون بعض الاحيان ساذجا وقصير النظر، ويقوم باعمال ساذجة وغير حكيمة لا تتناسب مع مكانته . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – لكل جواد كبوة، وهو استخدام صحيح للمثل العربي المعروف .

 

الترجمة الحرفية – الاماكن الرهيفة هي التي تتمزق.

التعليق – يضرب في ان الاماكن الضعيفة والمنخورة وغير المحصنة هي التي تنهار وتسقط قبل غيرها . يترجمه بوريسوف كما يأتي – لا يحصل الضرر الا في اماكن الضعف، وهي ترجمة سليمة.

 

الترجمة الحرفية – من النار الى اللهيب .

التعليق – يضرب للشخص الذي يحاول التخلص من مشكلة صغيرة فيقع في مشكلة أكبر . يترجم جابر هذا المثل بصيغتين عربيتين وكما يأتي – كالمستغيث بالرمضاء من النار / هرب من الدب فوقع في الجبٌ. يوجد مثل روسي مناظر أشرنا اليه ضمن هذه الامثال وهو – هرب من الدخان فسقط في النيران، وأشرنا فيه الى مثلنا العربي (بمختلف لهجاتنا) في هذا المعنى وهو – هرب من المطر فوقع تحت المزريب.

 

الترجمة الحرفية – من الشباب، لكنه مبكٌر.

التعليق – يضرب لشجب ذاك الشخص الذي يحاول الحصول على المناصب العليا مسرعا (وهو لا زال غض العود) دون تجربة وخبرة ودراية، والتي غالبا ما تنتهي بالفشل.

 

الترجمة الحرفية –  جاءت المصيبة – افتح البوابة.

التعليق – يضرب في ان (المصائب لا تأتي فرادى) كما يشير المثل العربي المعروف، ويترجم بوريسوف هذا المثل هكذا- المصائب لا تاتي منفردة، ويترجمه جابر- لاتاتي المصائب فرادى . يوجد مثل روسي آخر ذكرناه وهو - لا تاتي المصيبة لوحدها ابدا، لكن الصورة الفنية هنا تختلف، اذ انها اوسع خيالا .

 

الترجمة الحرفية – الانسان ينوي والرب يدبٌر.

التعليق – يضرب في ان الرب يساعد الانسان الذي يخطط ويعمل. يترجم جابر هذا المثل مستخدما المثل العربي المعروف وفي نفس المعنى وهو – الانسان بالتفكير والله بالتدبير.

 

الترجمة الحرفية - اعتمد على الرب، ولكن انت نفسك لا تتقاعس.

التعليق – يضرب لحث الانسان على العمل والاعتماد على النفس بعد الاتكال على الرب، اذ (يساعد الله الذين يساعدون أنفسهم) كما يقول المثل العربي .

 

الترجمة الحرفية – عندما لا توجد اسماك، فالسرطانات اسماك.

التعليق – يضرب للاقتناع بما هو موجود عند عدم الحصول على الشئ المطلوب . يوجد مثل جميل بالعربية في المعنى الواسع جدا لمفهوم القناعة، وربما يمكن الاستشهاد به هنا باعتباره يشمل المعنى العام نفسه وهو - القناعة كنز لا يفنى.

 

أ.د. ضياء نافع

...........................

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدر في بغداد قريبا عن – (دار نوٌار للنشر).

 

سرمد السرمدي: مسرحية الذباب العراقية في عرب جوت تالينت

sarmad sarmadiاين استنكار وزارة الثقافة العراقية ونقابة الفنانين العراقيين على فعلة القناة والمشارك العراقي بسم العراق، حسين الدرويش احد المشاركين المتنافسين في مسابقة عرب جوت تالينت الذي تعرضها قناة ام بي سي السعودية، عندما تم عرض صوره في موقع القناة للتصويت لاحظت وجود ذبابات وضعت من قبل المصور من خلال برامج الفوتوشوب او ما يماثلها، فهي ليست متناسبة وحجم الصورة التي التقطت للمشارك، هذه الذبابات كانت على خده وكتفه وصدره، وكان يرتدي قميصا ابيض اللون مما يسهل الملاحظة، وبقيت الصور والذبابات إلى اليوم في موقع الام بي سي وصفحة برنامج عرب جوت تالينت رغم ان وقت مشاركة العراقي حسين الدرويش قد فات عليه عام واكثر، بل وبقيت هذه الصور عندما يتم البحث عن اسم المشارك او البرنامج في جوجل وغيرها من محركات البحث على الانترنيت.

ان القراءة الفنية لهذه الاضافة على صور المشارك ليست محل نقاش بل لم ترد في بال حتى المشارك ربما، فهي لم تضيف له بعدا فنيا بالمرة، بل ان وجود العلم العراقي مع الصورة بوصفه مشاركا ممثلا لبلده العراق جعل من التأويل فنيا لهذه الإضافة الغريبة يعد غريبا ايضا.

تعد القراءات الاعلامية التي يمكن الركون اليها حينما يتم التفكير بمغزى هذه الاضافة من قبل مصور وموقع القناة والبرنامج على علم العراق وصور المشارك الذي يمثل بلده تكون محل خلاف حينما يكون هنالك واقعة ماثلة للعيان مدى مااستمرت محركات البحث على الانترنيت بعرض هذه الصورة بما لا يقبل الشك بوجودها ولا يقبل النقاش بغرابة هذا الفعل تجاهه وتجاه بلده.

ان وجود هكذا اهانة مقصودة للمشارك وبلده قد تم تدعيمها بعدم فوزه بالسابقة لكن هذا لا يعني جودة فنه التي أصيبت بالضرر جراء هذا الفعل بل على العكس قد يكون هو من اضر بفنه حينما اكمل المسابقة وهو يرى ما تم فعله بصوره، وهنا يكون من المنطق السؤال عن مغزى القناة ومغزى المشارك من هذا الفعل والسكوت عليه فاستمرار القناة بعرض هذه الصور واستمرار المشارك بالمسابقة بل وعدم صدور أي اعتذار من القناة وعدم وجود أي استنكار من المشارك في وسائل اعلام اخرى على هذه الصور يضع الطرفين محل تساؤل لابد ان يجد له اجابة عند كل ملاحظ لهذه الذبابات تحوم حول مشارك باسم العراق في مسابقة قناة سعودية دون أي تبرير مقبول لا من المشارك اولا ولا من البرنامج والقناة ثانيا، بالتأكيد لا يعد هنالك تبرير مقبول لصمت الجهات المعنية بسمعة ومكانة الثقافة العراقية وقداسة تمثيل العلم العراقي داخل وخارج العراق، ازاء هذه المسرحية المهينة.

 

عبد القادر كعبان: الطاهر وطار.. رائد الرواية الجزائرية على أمواج "صوت العرب" المصرية

abdulkadir kabanكلما تحدثنا عن الرواية المكتوبة باللغة العربية في الجزائر، تعود بنا الذاكرة إلى اسم لا يزال راسخا في الأذهان وهو المبدع الطاهر وطار، الذي نحتفل اليوم بالذكرى السادسة لرحيله، لكن تبقى انجازاته الأدبية والثقافية والفكرية حية في ذاكرة قراءه وعشاق قلمه عبر ربوع وطننا العربي.

على صعيد الرواية كتب وطار الزلزال، اللاز، الحوات والقصر، عرس بغل، العشق والموت في الزمن الحراشي، رمانة، الشمعة والدهاليز، الولي الطاهر يعود إلى مقامه الزكي وغيرها، أما في القصة فقد كتب دخان من قلبي، الطعنات والشهداء يعودون هذا الأسبوع. له في الكتابة المسرحية أيضا على الصفة الأخرى والهارب.

أصبحت هذه الأعمال اليوم وغيرها من انجازات هذا الأديب الجزائري موضوعا للكثير من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والنقدية، ومحورا للعديد من الملتقيات والندوات داخل الجزائر وخارجها، كما عرفت طريقها إلى الترجمة إلى العديد من اللغات الأجنبية.

ولد الطاهر وطار في 15 أوت سنة 1936 بمحافظة سوق أهراس، تحديدا في منطقة "عين الصنب" وسط أسرة بربرية. هو الطفل المدلل الذي ورث عن جده الكرم والأنفة، وورث عن أبيه الزهد والقناعة والتواضع كما ورث عن أمه الطموح والحساسية المرهفة.

التحق وطار بمدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين عام 1950 وكان من خيرة طلبتها النجباء، ثم أرسله والده إلى قسنطينة ليتفقه في معهد الإمام عبد الحميد بن باديس سنة 1952. في مطلع الخمسينات، راسل بدوره مجموعة من المدارس المصرية فتعلم الصحافة والسينما، ثم التحق بجامع الزيتونة سنة 1954، ليجد نفسه بعد ذلك منخرطا بصفوف جبهة التحرير الوطني عام 1956. وافته المنية يوم 12 أوت 2010.

الطاهر وطار رائد الرواية الجزائرية شخصية متمردة وثائرة ومثقفة وصلبة تأثرت بالواقعية الاشتراكية والصراع الطبقي، حيث لعبت دورا حقيقيا وطليعيا في تنشيط الحركة الثقافية والإبداعية في الجزائر من خلال تأسيس جمعية الجاحظية عام 1989، ولها الفضل في تأسيس جوائز أدبية قيمة كجائزة مفدي زكريا التي كانت في بداياتها جائزة وطنية لتصبح فيما بعد جائزة مغاربية.

إذاعة "صوت العرب" المصرية، تحديدا من القاهرة، أعادت إلى متابعيها سيرة هذا العملاق الروائي عبر برنامج "جسور المحبة" الأمس (11/08/2016) على الساعة الثانية عشر والنصف بتوقيت الجزائر، حيث تناولت الحلقة سيرة ومشوار الطاهر وطار ذلك المخلص لرسالة الأدب والفكر والنضال الوطني، باستضافة وزير الثقافة الجزائري السيد عز الدين ميهوبي، والأديب الجزائري واسيني الأعرج، والروائي رياض وطار والكاتبة الجزائرية الدكتورة أسماء كوار. كما استضافت الحلقة التي جاءت من إعداد وتقديم الدكتور عبد البديع فهمي الناقد المصري الدكتور مصطفى الضبع.

 

بقلم عبد القادر كعبان

 

فاروق مواسي: جولة أدبية (10): في رحاب القرآن

faroq mawasiدلالة التعبير الوارد في صفحتي أمس: "سُقط في يده"

ورد في الذكر الحكيم  "سُقط في أيديهم":

{ولما سُقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا قالوا لئن لم يرحمْنا ربنا ويغفرْ لنا لنكوننَّ من الخاسرين"}.. الأعراف- 149

يقال للنادم المتحير: "سُقط في يده"، وورد كذلك في القرآن وفي هذا المعنى: "يعَض الظالم على يديه"- الفرقان، 27، كما ورد في آية أخرى:

" فأصبح يقلّب كفيه على ما أنفق فيها" – الكهف 42.

الندم يكون في القلب، ولكن الآيات أوردت ذكر اليد، لأنه يقال لمن تحصّل على شيء: قد حصل في يده أمر كذا، لأن مباشرة الأشياء في الغالب هي باليد، قال الله تعالى :في بيان أهمية اليد في الفعل: "ذلك بما قدمت يداك".- الحج 10.

 إن الندم وإن حل في القلب فإن أثره يظهر في البدن، لأن النادم الشديد الندم يعض يده، أو يضرب إحدى يديه على الأخرى.

وردت في اللغة: سُقط وأسقِط، والأولى أفصح لأنها لغة القرآن، ولا يجوز- على رأي الحريري، وكثير غيره-  أن نقول سَقَط في يده (بفتح السين).

انظر: الحريري: درة الغواص في أوهام الخواص ، ص 174.*

ورغم تحرّز الحريري إلا أن (لسان العرب) أجاز "سَقط في يده"، بل إنه ذهب إلى أن بعضهم قرأ الآية الكريمة- "ولما سَقَط في أيديهم"، وقد علل ذلك ابن منظور بقوله:

 "كأنه أضمر الندم أي سَقط الندم في أيديهم، كما تقول لمن يحصل على شيء وإن كان مما لا يكون في اليد: قد حصل في يده من هذا مكروه، فشبّه ما يحصل في القلب وفي النفس بما يحصل في اليد ويُرى بالعين".

انتبه إلى أن الفعل المعلوم أَسْقَـط (في قوله أو فعله) تعني أخطأ وزل.

ثم إن التعبير (أسْقِِطَ في يده) شاع في لغتنا المعاصرة أنه بمعنى (عدِم الحيلة) ولم يعرف كيف يتصرّف، وهذا لا أصل له في المعاجم، بل هو معنى مستجدّ. 

قال الزجّاجي: لم يُسمع بـ "سُقط في أيديهم" قبل القرآن، ولا عرفته العرب، ولم يوجد ذلك في أشعارهم، فحتى أبو نواس النِّحرير في اللغة أخطأ في قوله:

"ونشوة سُقطتُ منها في يدي"**،

 وقد نقل ذلك الميداني في (مجمع الأمثال) – 1774 مادة السين، أن الزجّاجي يقول إن "فُعلت" لا يبنى إلا من فِعل يتعدى، فلا يقال رُغبت، ولا يقال غُضبت.

أما القول عن بني إسرائيل- (سُقط في أيديهم) فهو كناية بمعنى اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل، لأن من شأن من اشتد ندمه أن يعَـض يده غمًا، فتصير يده مسقوطًا فيها،لأن فاه قد وقع فيها، ومن هنا ورد الفعل (سقط).

انظر: جلال الدين القزويني – (الإيضاح في علوم البلاغة)- ص 461.

وهناك شرح آخر للفظة (سُقط) أورده القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)- في تفسيره للآية:

 قيل: أصله من الاستـئسار، وهو أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره أو يكتفه، فالمرميّ مسقوط به في يد الساقط .

أما السمين الحلبي فيرى:

"وقيل: مِنْ عادةِ النَّادمِ أن يُطَأطِئَ رَأسَهُ، ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها، ويصير على هيئةٍ لو نُزِعت يده لسقط على وجهه، فكأنَّ اليدَ مَسْقُوطٌ فيها".- ج5، ص 461.

 

...............

• ملاحظة: في كل بحث نتعلم جديدًا، فقد وقعت هنا في كتاب الحريري أن التعبير (طُـرَّ شاربُه) – لمن نبت شاربه هو خطأ، والصواب أن يقال بفتح الطاء (طَرَّ شاربه)، ذلك لأن معنى طُرّ بالضم- قُطع، وبه سميت الطُّرّة لأنها تُقطع.

• ** لم أجد في شعر أبي نواس هذا الشطر، ومن العجيب أن الشطر يتردد في عدد من المصادر، وبأن أبا نواس أخطأ في استخدام العبارة، ومنها ما اقتبسه محيي الدين الدرويش في كتابه الهام (إعراب القرآن الكريم وبيانه ج3 ، ص 47)، حيث ذكر اسم الزجّاج (بدل الزجاجي) فيما أوردته أعلاه.

 

ضياء نافع: من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (34)

diaa nafieالحلقة الرابعة والثلاثون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية .

ض.ن.

الترجمة الحرفية – لا يمكن شراء صديق بالنقود.

التعليق – يضرب في ان النقود ليست كل شئ في الحياة، وانها لا يمكن ان تلعب دورا في مجال العلاقات الانسانية مثل الصداقة وغيرها .

 

الترجمة الحرفية – ثق ولكن دقق.

التعليق – معنى المثل واضح طبعا، ويضرب في ان الانسان يجب ان يكون حذرا ويقظا بتعامله مع الآخرين حتى في حالات الثقة . المثل واسع الاستخدام بين الناس في روسيا، ويقال ان الرئيس الامريكي ريغان استخدمه – وبالروسية - في خطابه بموسكو.

 

الترجمة الحرفية – اذا أردت أن تعيش اعرف كيف تراوغ.

التعليق – يضرب في ان الحياة تتطلب (الكرٌ والفرٌ) كما يقولون، وان مشاكل المجتمع تقتضي من الانسان التعامل المباشر وغير المباشر لحلها.

 

 الترجمة الحرفية – اطرق الحديد ما دام ساخنا.

التعليق – يضرب في ضرورة الاستمرار بالعمل و حسم الامور كليٌا في حينها،اي ما دامت هناك ظروف مناسبة لانجازه،لان (الحديد يجمد عندما يبرد!). هذا المثل عالمي وقد استقر بالعربية ايضا بهذه الصيغة.

 

الترجمة الحرفية – دون عمل جيد لا توجد ثمار.

التعليق – معنى المثل واضح، وهو بشكل عام مثل عالمي . يضرب للحث على اداء كل عمل بشكل جيد ومتقن كي تكون هناك نتائج جيدة له . توجد بالعربية امثال عديدة في هذا المعنى، منها – من سعى جنى.

 

الترجمة الحرفية – ثق اكثر بالاعمال مما بالاقوال.

التعليق – مثل عالمي واضح المعنى، ف (الاعمال تتكلم اعلى من الاقوال) وبمعظم اللغات، والثرثرة هي (كتابة على الماء) كما يقول المثل الروسي الآخر، الذي أشرنا اليه ضمن هذه الامثال .

 

الترجمة الحرفية – لا نوافذ في القلب.

التعليق – مثل شاعري جميل يشير الى ان الاحاسيس في القلب لا يمكن ان (تتسرب !)، بل تبقى هناك الى الابد، و(ما الحب الا للحبيب الاول) .

 

الترجمة الحرفية – الشفة ليست حمقاء .

التعليق – يضرب في ان الانسان يعرف دائما ما يريد قوله وبلسانه عندما يعبٌرعن رغباته بشكل دقيق ومباشر، اذ ان الانسان يختار – بالطبع - الافضل و الاحسن لنفسه.

 

الترحمة الحرفية – النقود تعبٌد الطريق .

التعليق – يضرب في ان المال يؤدي دورا مهما في تذليل صعوبات الحياة وحل مشاكلها، ويذكٌر بمثل روسي آخر جاء ضمن هذه الامثال وهو - النقود تفتح كل الابواب . يوجد مثل طريف باللهجة العراقية في هذا المعنى وهو – الفلوس تجيب العروس (تجيب – تأتي ب) .

 

الترجمة الحرفية – عند الرأس ألذكي مئة ذراع.

التعليق – يضرب لتمجيد الذكاء، اذ ان الانسان الذكي يمتلك وسائل عديدة لايجاد حلول للمشاكل الصعبة التي تواجهه في الحياة. الصورة الفنية لهذا المثل جميلة جدا.

 

الترجمة الحرفية - اللحية كبيرة والروح شابة.

التعليق – يضرب للرجل الكبير في السن ومع ذلك يتصرف بشكل لا يتناسب مع عمره وشكله . يوجد تعبير شائع باللهجة العراقية (وربما باللهجات العربية الاخرى) في هذا المعنى وهو - روحه خضره .

 

الترجمة الحرفية – كل العائلة سوية – الروح في مكانها.

التعليق – يضرب للقلق الذي ينتاب العائلة (وخصوصا الوالدين) عندما يتأخر الابناء بالرجوع الى البيت، وهي حالة عامة عند الجميع.

 

الترجمة الحرفية – الابجدية – درجة نحو الحكمة .

التعليق – يضرب للتاكيد على اهمية التعليم، الذي يبتدأ بالابجدية، وينتهي في نهاية المطاف بالمعرفة التي تؤدي الى الحكمة، ولنتذكر المثل الخالد – العلم نور...

 

الترجمة الحرفية - المحتاج داهية في الابتكار.

التعليق – يضرب في ان الحاجة تدفع الانسان الى ان يجد حلولا جديدة ومبتكرة . يوجد مثل مناظر عند الروس أشرنا اليه هنا، وهو – (الحاجة تعلٌم كل شئ) . هناك امثال عربية عديدة في هذا المعنى منها – الحاجة ام الاختراع / الحاجة تفتح باب المعرفة / الضرورة تفتح باب الحيلة / الحاجة تفتق الحيلة ...

 

الترجمة الحرفية – يشتري قطٌا في الكيس.

التعليق- يضرب عند عملية شراء اشياء غير محددة وغير واضحة المعالم، والمثل العربي المناظر هو – يشتري سمكا في الماء (وهكذا يترجمه جابر)، ونظن ان المثل العربي اكثر دقة، رغم طرافة المثل الروسي.

 

الترجمة الحرفية – سبع مصائب – الجواب واحد.

التعليق – يضرب عندما يواجه الانسان عدة حالات من التجاوزات او الاخطاء او المجازفات ...الخ، والتي تقتضي الاجابة عليها وتحمل مسؤلياتها مجتمعة . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – تتعدد المصائب والموت واحد، مستخدما بيت الشعر الذي ذهب مثلا وهو – تعددت الاسباب والموت واحد، وهي محاولة طريفة رغم الابتعاد قليلا عن المعنى المحدد للمثل الروسي.

 

............................

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدر قريبا في بغداد عن (دار نوٌار للنشر).

 

فاروق مواسي: سؤال في اللغة: هل يقع نائب الفاعل شبه جملة؟

faroq mawasiس: هل يمكن اعتبار نائب الفاعل شبه جملة من الجار والمجرور أو شبه جملة ظرفية، مثلا:  قُبض على اللص، أو يُصلّى أمام المسجد؟

هل  يمكن اعتبار النائب شبهَ الجملة- مع العلم أن التعريف هو أن نائب الفاعل حلّ مكان الفاعل، وأن الكلمة التي كانت مفعولا به في الأصل تحولّت من مفعول به إلى نائب فاعل مرفوعة بالضمة أو بالحرف؟

إذن، كيف يكون نائب الفاعل شبه جملة إذا كان المفعول به لا يمكن أن يأتي شبه جملة، فهل يكون نائب الفاعل – تبعًا لذلك-  شبه جملة أم ضميرا مستترا؟؟

بنان-  معلمة

ج- التحيات أولاً:

هناك عدم وضوح لديك، بل ثمة أخطاء في السؤال نفسه، وقد سجلت سؤالك كما هو، فلنبدأ خطوة خطوة:

* نائب الفاعل هو المسند إليه بعد الفعل المجهول (أو شبهه) بمعنى أنه لا يشترط أن يكون هناك مفعول به في أصل الجملة.

..

ثانيًا: التعدي يكون أيضًا بعد حرف جر، فنقول: ذهبت بالرجل: فالرجل مجرور لفظًا منصوب محلاً على أنه مفعول به (لكننا نوفر على الطلاب هذا الإعراب، وحسنًا نفعل) ومثلها: أهبت به، حكمت عليه، صفحت عنه ...

..

ثالثًا: يرد نائب الفاعل في حالات أربع:

أ- بدل المفعول به (شرب الطفل الحليبَ= شُرب الحليبُ)

..

ب- يكون في المصدر المتصرف المختص (اقترح الرئيس اقتراحًا جيدًا=

اُقتُرِح اقتراحٌ جيدٌ، ومثلها الآية: وإذا نُفخ في الصور نفخةٌ واحدةٌ [الحاقة 13].

..

جـ - يكون في الظرف المتصرف المختص (سهر الرجلُ ليلةُ ممتعة= شهِـرَتْ  ليلةٌ ممتعة).

..

د-  المجرور بحرف الجر (كقوله تعالى: [ولما سُـقِط في أيديهم]-  الأعراف 149 ، فإعراب أيدي: مجرور لفظًا، وعلامة جره الكسرة المقدرة، وهو مرفوع محلاً على أنه نائب فاعل.

..

يشترط في هذا النوع الرابع ألا يكون حرف الجر للتعليل، ففي قولنا "وُقـف لك" يفهم معنى لأجلك، ومثل ذلك: "يُخشى من شره"، لذا فنائب الفاعل هنا هو المصدر المحذوف، ونحو ذلك ما ورد في بيت الفرزدق:

يغضي حياء ويُغضى من مهابته

فنائب الفاعل (الإغضاء- المحذوفة) ومهابة اسم مجرور لفظًا في محل نصب مفعول لأجله، ويمكنك عدم ذكر المفعول لأجله في الإعراب، وأن تكتفي بأنه: جار ومجرور متعلقان بيغضي، وهذا هو الأيسر.

..

يرجى الانتباه إلى شبه الفعل (اسم المفعول) الذي يكون بعده نائب فاعل، نحو:

"المحمودُ خلُقُه كريمٌ"، فكلمة (خلقُ) مرفوعة على أنها نائب فاعل، لأن (محمود) تعني (حُمِد).

...

•أخلص إلى القول إن نائب الفاعل في الجملتين اللتين ذكرتهما في السؤال لا يرد شبه جملة، وإنما المجرور هو نائب الفاعل، وهو مرفوع محلاً.

 

عقيل العبود: المقالة كتبت باليد اليسرى

akeel alabodمرضت يدي اليمنى وأصبحت بنصف طاقتها، حتى منعني الطبيب الخاص بالعائلة ال primary Doctor من استعمالها تماما لمدة أسبوع، ولذلك انتابني شعور بالعجز الذي ينطوي في معناه على فقدان القدرة على اداء المهام المطلوبة.

لم أكن أفكر ذات يوم بان يدي اليمنى ستصبح عاجزة هكذا عن اداء مهمتها الكتابية، بعد ان نذرت حياتي تماما للكتابة والبحث منذ زمن بعيد، ما يفرض علي نمطا لا يمكن تغييره في باب العلم، وما يرتبط بهذه المفردة من مسؤؤليات يخضع أكثرها الى استعمال الكومبيوتر، ووسائل الاتصال الاخرى المعروفة كالايباد، او الايفون.

احسست، أنا المنتصر على نفسي- بالالتزام بثقافة الاكتفاء والقناعة، باعتباري من العراقيين الذين تناسوا، اوغضوا الطرف عما يسمى بحقوق المهجرين تارة، اوحقوق الموظفين المتقاعدين، اوالسياسيين، اوالصحفيين، تارة اخرى، وذلك كما نوهت سابقا، باعتبارنا في بلد اللجوء نشعر اننا قد حققنا من الحقوق والضمانات الانسانية ما عجزت عنه اوطاننا، اقصد العراق.

هذا الوطن الذي لم أر منه الا الحروب، والاستفزازات الأمنية ايام الطاغية، يقابلها جرائم السرقات، والفوضى والموت، والدمار في عصر تم تسميته "بالتغيير".

وهذا "التغيير" جعلني في وضع شعوري يكاد ان يكون بنفس ما كنت عليه زمن الخوف، وثكنات السيطرات الأمنية، وترسانات العسكر.

المهم، انني اليوم وبحسب ما يفرضه حاجز العمر، احسست بالتعب والمرارة، كوني لم أكن اقدر بعد على مواصلة عملي كباحث أكاديمي اولا، وكمساعد تدريسي ضمن نظام مؤسسة جامعية ثانيا، ما يفرض علي طوقا من الراحة، وهذا بحسبه سيؤدي الى أزمة تكاد ان تؤثر تفاصيلها في باب ما يسمى الاقتصاد، اوالمستوى المعاشي.

ولكن ترفعا ورغم هذه الأزمة فنحن نعيش في بلد يحترم فيه الانسان نفسه، مهما كانت ظروفه، فالمسؤول لا يحق له ان يسرق، او يرتشي، اويكذب.

نحن قياسا الى ما اسمعه عما يسمى بقرارات الحقوق الخاصة بالعراقيين، والتي يدخل فيها نظام الواسطة، والملل، والكذب، والروتين، نعيش في بلد نستطيع ان نوفر ما تفرضه علينا شروط إنسانيتنا في أبواب متعددة كالتأمين الصحي مثلا.

ولو انه احيانا يدعوني شعور شوق لخدمة وطني الام، لكنني أقف حائرا امام من لا يفهم معنى الاوطان، لذلك ينتابني التردد، خاصة وانا اسمع عن نمط الإجراءات المملة الخاصة بحقوق ما يسمى كذبا بالمهجرين، وما يتعلق بها.

 ولهذا مذكرا، بين الفينة، والفينة، ارفع راية استنكار كبرى ضد حكومة لا يمكن لها ان تحكم هذا الانسان.

 

 عقيل العبود

 

حيدر الزبيدي: لهجتنا هويتنا

يؤثر عن طه حسين عميد الادب العربي، انه وعند سماعه لهجة أهل بغداد،  فرح كثيراً ودهش وقال انها اقرب لهجة الى اللغة العربية الفصحى...

يعرف علم اللغة واللسانيات اللهجة، بأنها (مجموعة من الصفات اللغوية تنتمي إلى بيئة خاصة) وهذه البيئة تحددها الجغرافية، وبمرور الزمن وكر الايام اصبحت هذه اللجات هويات، وأنتماءات، ولها أبعاد ثقافية واجتماعية وحضارية...

واسباب ظهور اللهجات هي العزلة التاريخية وعدم التواصل مع الاخر، فاصبح لكل اقليم لهجة خاصة به فهناك لهجة خليجية ولهجة سورية وعراقية ومصرية ومغربية والخ فكل اقليم منعزل بنفسه له لهجة خاصة به، ولاعلاقة لهذه اللهجات باللغة العربية الام، وعندما يلتقي الجزائري والعراقي في عصور العزلة فان المترجم للهجتيهما هو اللغة الام العربية التي هي اللغة الاساس واللهجات هي تفرعات ...

وربما من هنا جاء الخلاف حول شعر العرب في الجاهلية، حيث ذهب المستشرق مرجليوث وتبعه طه حسين الى ان الشعر العربي منحول لان الشعراء يتحدرون من مشارب واقاليم شتى لكن شعرهم جاء باللغة العربية، والذي يبدو ولسنا متخصصين بذلك ان اللغة العربية الفصحى التي كتب بها جميع الشعر الجاهلي كانت لاتعبر عن لهجات اقوام الشعراء التي هي بطبيعة الحال تمثل (الاقليم المنعزل) وخصوصيته اللغوية وتعبيراته، فكانت لهجة الشاعر يستخدمها للتواصل مع محيطه وقبيلته، اما شعره فيكتبه بالعربية الفصحى التي هي لغة شعر جميع الشعراء ...

وفي العراق تبرز عندنا لهجات واضحة كالبغدادية والبصرية والموصلية والبعض يضيف الانبارية ...

وان توسعنا اكثر سنجد ان هناك توغل اكبر كلما حثثنا المسير منحدرين صوب القرية التي هي الحلقة الاولى في تشكيل اللهجة، واذكر انني وجدت في ناحية الموفقية(وتسمى محيرجة، واصلها محيرقة، وسميت موفقية نسبة للموفق طلحة شقيق المعتضد بالله الذي جهز جيشاً كبيراً لاخماد ثورة الزنج انذاك) ان لهم لهجة خاصة وغريبة حيث انهم يختمون كل كلمة بحوف  (م) مثل گالو من قالوا، وهم يلفظونها (گالم) وهكذا راحم من راحوا

في لقاء مع راديو (BBC ) اجرته الاعلامية اللبنانية جيزيل خوري، مع السياسي العراقي عزت الشابندر، الغريب ان الشابندر كان يتحدث باللهجة اللبنانية، وهكذا تجد الحال عند كثير من العراقيين ككاظم الساهر الذي هوبطبيعة الحال يحاول جاهداً ان يسكب مشاعره العراقية بلباس لبناني او مصري وهو امر كثيراً مايخفق فيه، ويكون ثقيلاً على مسامعنا نحن ابناء جلدته ..

حقيقة اكثر ما يزعج في العراقي عندما يتحدث بلهجة غير عراقية مع عرب يتحدثون بلهجتهم، والغريب انها سمة سيئة طُبع عليها البعض من العراقيين، وما أكثرهم، ولاأريد ان اخوض باسبابها التي قد تتعدد من سياسية الى اجتماعية الى موروثات نفسية وتراكمات اضطهاد، بل وللاسف ربما هي وسيلة من وسائل جلد الذات وتحقيرها والذي يؤدي بدوره الى احساس فضيع بالدونية،  ولنا ان نسأل : أين الانصاف لنفسك وهويتك عندما تحاور الآخر بلغته الا يعني انك تعطيه زمام نفسك وانتمائك وهو يتطلع اليك وشعوره كله فخر واعتزاز بلهجته التي يحاول محاوره أن يقلدها سواء أأجاد ام هو يخفق دائماً...

في ثمانينات الحرب العراقية الايرانية، تم إستقدام العمالة العربية من مصريين وسودانيين واعداد قليلة من سوريين ومغاربة وفلسطينيين، سكنوا العراق كأجراء وأيدي عاملة ومكثوا في العراق طيلة عقد كامل او اكثر ولكنهم ظلوا يتحدثون معنا بلهجتهم، والحق نقوله ان هؤلاء العرب بلهجاتهم المختلفة لو وجدوا أمامهم شعب يحب ويحترم لهجته لتكلموا بها، فهم يفهمون مانقول بلهجتنا ولكنهم يتحدثون معنا بلهجتهم، في حين تجد ان غيرهم من العمالة في الخليج يتحدثون بلهجة اهل الخليج، والكل يدرك وإنصاً ان لهجة العراق اكثر جمالاً ورشاقةً من لهجة الخليج العربي ...

قد يكون للسياسة واثرها دوراً في ذلك، ففي السابق ايام العصر العراقي الجميل، لم يكن الجواهري الكبير ليتحدث الا بلهجته النجفية المحببة، ويقول شاعر زاره في داره في دمشق ان الجواهري سأله هل الطريق من دمشق الى بغداد بعيدة بالسيارة، قال له : حوالي عشر ساعات .. فاطرق الجواهري واجاب: اسا عبالي گريبة . بلهجة نجفية معروفة ..

ويبدأ النفور ومحاولة الانسلاخ من الانتماء عند العراقيين من القرية قياساً بالمدينة الصغيرة، ومن المدينة قياساً بالعاصمة بغداد، ان اللهجة في العراق قد أدلجت وأخذت أبعاداً تفصيلية وهذا ليس بعيب فالانتماء معيار يرافقك مدى الحياة وأي محاولة للتخلص من جذورك يجعلك معرضاً لأي هزة قد تودي بك الى الضياع، وهذا مايحصل ...

- [ ] النفور من لهجتنا يبدأمن القرية ويصعد الى القضاء والمحافظة حتى بغداد التي هي القمة التي لاتجارى والتي تمتحن بها الثقافة والتحضر

 

نهلة بورزق: الهوية

تعتبر الهوية المنبع الرئيسي للوجود الانسان على هذا الكوكب منذ ملايين السنين والتي تميزه عن باقي المخلوقات الاخرى الذين هم بدورهم لهم هويتهم الخاصة التي لم يتخلوا عنها منذ وجدوا، فنجد مثلا ان الحيوان لم يتجرد يوما من صفته ألحيوانية وفي المقابل نجد ان الانسان هذا المختلف قد تجرد العديد من المرات من صفته الانسانية ولم يصبح لديه ذلك الشغف الاول للحفاظ على هويته مثل ذلك الانسان الأول، الذي وجد نفسه عوقب على خطئه بالبقاء على الارض كسيد لها وصاحبها الاول دون منازع كنوع من التكريم، ولا أعتقد ان هناك افضل من هذا حيث يعاقب المجرم في قانون الرب بالتكريم وإعطاء سيادة له، ولكن على هذه الارض وجد عدو له لا بد من محاربته حيث كان السبب الاول في خروجه من جنة الخلود الى هذا الكوكب الفاني، إلا انه قرر الحفاظ على هويته لعودته الى الجنة مرة اخرى ولكن وسط هذا القرار يجد ان ابنا له خان هذا العهد وكان أول من تجرد من انسانيته ولم يبالي بهوايته ويرتكب اول جريمة انسانيه بقتل اخ له بدافع الطمع، وهنا نكون على يقين ان الطمع هو العدو الاول للإنسانية ولكن لم تتوقف الحياة هنا بل استمرت بصراع بين الانسانية والقوة الشرية التي فضلت عدائنا منذ وجودنا الاول، فنجد فيما بعد ان كل انسان اراد ان يبني حضارة وسط هذا المجتمع الذي وجد دائما ما يبحث في البداية عن فكرة نبيلة يغرزها داخل هذا المجتمع لتصبح فيما بعد هوية يدافع عنها جيل وراء جيل...

فالهوية هي من تجعل للإنسان صفة الوجود والتكريم فحين وجدنا على هذه الرقعة الجغرافية التي نسكنها، هناك شيء داخلنا جعلنا نحبها حتى الموت وما الذي يجعل الفرد يحب و يؤمن بقطعة تراب حتى الموت من أجلها هذا الانسان الذي يحب نفسه بالدرجة الاولى بطبيعته الاولى كيف يتجرد من نفسه لهذه الدرجة ؟ فتصبح تلك الرقعة الجغرافية تدعى وطن له حدود له مبادئ ويصبح صاحب عقيدة يدافع عن ابنائه باسم الهوية تلك المصطلح الذي نجده تائها وسط المفاهيم التي نجدها قد تخلت عن معانيها الحقيقة الاولى واعتمدت مفاهيم خاطئة كغيرها من المفاهيم...

فالهوية هي ايمان بفكرة اكثر من أي شيء لحد التضحية لحد المبدأ الأول لوجود الهوية التي هي التجرد من الغير متمسكا بمجتمعك فقط  وتلك الرقعة التي خلقت فيها فكثيرا ما بحثت عن الهوية كيف وجدت في المجتمع فوصلت إلى التحليل الأتي:

وجود بيئة معينه بعناصرها يسكنها مجموعة من الافراد الذي يتناسلون يحتاجون الى وجودهم هم وتجريدهم من الاتباع إلى غيرهم فيوجدوا لأنفسهم فكرة تميزهم عن غيرهم تنجح هذه الفكرة داخل ذلك المجتمع الصغير نتيجة سلوكيات معينة لذلك المجتمع المختلف فيمارس هذه الفكرة حتى تولد مجموعات افكار أخرى لتصبح عادات وتقاليد تنتقل من جيل إلى أخر وسط ذلك المجتمع الصغير لتصبح تاريخ يتبع لدولة معينة وشعبها يدافع عنها متجردا من كل التشبيهات أو التبعية لغيره ليتخلى بدوره عن فكرة القابلية للاستعمار التي أصبحنا اليوم نرثها وراثة الشبه والعقيدة دون ان نعييها وان نجحت هذه الهوية أسست لحضارة ستنجح بالتأكيد إن كانت تحمل هذا المعنى الانساني وتصبح كل المجتمعات تدرس هذه الحضارة وتلقينها نتيجة الهوية نعم الهوية بكل ما تحمله من انسانية ..

فالهوية ترتبط ارتباط وطيد بالإنسانية بل أنه إذ حافظ الانسان على انسانيته يجعلها المؤسس الاول للهوية التي تستحق ان يدافع عنها هذا الانسان من اجل تلك الرقعة وتلك العقيدة لتصبح عادات وتقاليد من الصعب التخلى عنها فيما بعد...

وإنها لمغامرة جريئة من العقل الذي اسس لكل هذه الافكار النبيلة من الاول فمثلا لو بحثنا في تاريخ الجزائر منذ البداية نجد اصحاب هذه البلاد حافظوا على هويتهم وحاربوا من اجلها لحد اليوم ونجد اصالتها التي كثيرا ما حاول المستشرقين طمسها باعتباره مجتمع بدائي همجي خاطئ والكتابات والشواهد التاريخية دالة على ذلك، فحضارة هذا المجتمع ولدت منذ وجد فنجد الكاتب هوميروس يفند كتابات هيرودوت حيث وصف هذا الاخير مجتمع شمال افريقيا في مرحلة ما قبل التاريخ بأنه مجتمع بدائي يأكلون اللحوم ميتة وينامون على الارض إلى غير من هذه التشبيهات التي توصف هذا المجتمع بالتخلف كما ذكر هوميروس ان مجتمع شمال افريقيا مجتمع حضاري أثناء رحلته هناك حيث وجدهم يطهون الطعام ويقومون بتنشيف جلد الضفادع وتصفيفه ووضعه فوق الحليب لتزين ولذوقه الرائع وكذلك استعمالهم للخشب وتزين اوراق الشجر لأرضية البيوت وهذه احد الأدلة التي أعطاها هيميروس على حضارة شمال افريقا عكس ما ذكر هيرودوت لمحاولة زرع داخلنا خلفية ان هذا المجتمع همجي متخلف إلى أن هذا المجتمع من أكثر المجتمعات حفاظا على هويته والحروب الاولية تدل على ذلك منذ البداية وتدل على تحضره لاحتكاكه بالثقافات الاخرى وتمسكه بهويته منذ البداية .

وقد جعل هذا المجتمع الهوية هي الهدف الاول للقضاء على الاستعمار ولكن الغريب في الامر ان يتولد لنا مجتمع هذا اليوم لديه قابلية مطلقة للاستعمار وان لم يكن لهذا الاستعمار وجود يختلقه في خياله ويخضع لعاداته وتقاليده ويتجرد من هويته وحضارته التي تميزه عن غيره ..

 

بقلم: بورزق نهلة

 

بسّام البزّاز: ملاحظات في لغة الترجمة

(2) كينونة و"هينونة" و"موجودية": بناءان أجنبيان آخران قادانا إلى استعمال ما لا مكان له في لغتنا الفصيحة: إنّهما فعل الكينونة/ Être  To be والبناء الدال على الموجودية   / There is  il y  a ومشتقاتهما.

- TO BE فتح باب الكينونة و " الهينونة " على مصراعيه فصرنا نسمع " السماء تكون غائمة " و " السلحفاة هي حيوان برمائي ". من مشتقات الكينونة والهينونة قولهم " هو عبارة عن " و " يتمثّل في "، وهو في الحالتين مبتدأ وخبر بسيطان مجردان:

• القط هو عبارة عن حيوان سنوري = القط حيوان سنوري

• مسرح العرائس يتمثل في دمى تتحرك على المسرح = مسرح العرائس هو دمى تتحرك على المسرح.

..................

- أمّا البناء الدال على الموجودية THERE IS, THERE ARE  فقد خلّف لنا استعمالات عشوائية غير منضبطة من  "هناك " و " يوجد " ومشتقاتهما بين المبتدأ والخبر الذي هو شبه جملة من جار ومجرور أو ظرف مكان. تأمّلوا:

• يوجد رجل في الدار  = في الدار رجل أو رجل في الدار

• تحت الطاولة هناك قط  = تحت الطاولة قط

• فوق الشجرة يوجد طائر = فوق الشجرة طائر

• ثمّة معطف على السرير = على السرير معطف

• يوجد فيها خمسة كتب = فيها خمسة كتب

• يوجد لديهم الكثير من النفط = لديهم الكثير من النفط

• المسجد يقوم / يقع / في وسط المدينة (وهو غير قولنا: " يقع المسجد أو يقوم المسجد وسط المدينة "

• على يسار النافورة هناك شجرتان = على يسار النافورة شجرتان.

من هذه المباني ما يحشر حشرا مع " حيث " الدال على ظرف المكان فيقال:

• وصلنا إلى الساحة حيث يقع بيته = حيث بيته

• انتقلنا إلى الفندق حيث رأينا هناك نفرا من الشباب = حيث رأينا نفرا من الشباب

يتبع... (3) الحشو في لغة الترجمة.

 

د. بسّام البزّاز

                                                                                                                  

ضياء نافع: من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (33)

diaa nafieالحلقة الثالثة والثلاثون من مقالاتي حول الامثال الروسية.

ض.ن.

الترجمة الحرفية – يضع الشيطان ملعقة عسل على الزوجة الغريبة.

التعليق- مثل ساخر يضرب لشجب (نظرات!) أعين الازواج على الزوجة الغريبة .

 

الترجمة الحرفية – ألاكثر فقرا – اكثر كرما.

التعليق- عادة ما يكون الاغنياء بخلاء لانهم تعودوا على جمع الثروة طوال حياتهم، ويضرب هذا المثل لشجب صفة البخل عند الاغنياء والتذكير، بان الفقراء اكثر كرما منهم .

 

الترجمة الحرفية – الدجاجة عند الكريم تبيض بيضتين.

التعليق – مثل طريف يضرب للحث على الكرم، وان الله يعوض الكريم من حيث لا يدري، ويفتح امامه آفاقا غير منتظرة او متوقعة.

 

الترجمة الحرفية – حافظ على الحاجب وستكون العين عندها سليمة .

التعليق – يضرب في ضرورة الحفاظ على الاشياء الثمينة عن طريق الحفاظ على ما يوجد حولها احتياطا وحرصا.

 

الترجمة الحرفية – ليس حبيبا لانه جيد، وانما لانه حبيب فهو جيد.

التعليق – يضرب في ان المحب يبرر كل شئ، ولنتذكر شطر البيت العربي الشهير الذي ذهب مثلا وهو – عين الرضا عن كل عيب كليلة.

 

الترجمة الحرفية – ابن واحد ليس ابنا، ابنان نصف ابن، ثلاثة ابناء ابن.

التعليق – مثل طريف، يضرب للحث على التكاثر في العائلة الواحدة من اجل ان تسير الحياة بشكل طبيعي جيد واستمرارها.

 

الترجمة الحرفية – الاعمال تتكلم اعلى من الكلمات.

التعليق – يضرب للسخرية من الثرثرة الفارغة، والتأكيد على اهمية العمل وقيمته، وهو مثل عالمي استقر بهذه الصيغة في العديد من اللغات، بما فيها العربية.

 

الترجمة الحرفية – من كلمة شكرا لا تخيط معطفا.

التعليق – مثل ساخر يضرب لضرورة ان يقدٌم الانسان اجورا ملموسة للتعبير عن شكره للآخرين مقابل خدماتهم له وتسهيل اعماله، اذ لا فائدة من كلمات الشكر والامتنان فقط.

 

الترجمة الحرفية - لساني – عدوي.

التعليق – يضرب للانسان الذي لا يفكر بعواقب اقواله، وهو مثل شائع في كثير من اللغات، ومنها العربية، اذ يوجد مثل مطابق له وهو – اللسان عدو الانسان . توجد ايضا العديد من الامثلة العربية في هذا المعنى منها – لسانك حصانك ان صنته صانك وان خنته خانك / ربٌ كلمة سلبت نعمة / الجرح يطيب والكلمة ما تطيب (باللهجات العربية المختلفة)، واصوله من بيت شعر ذهب مثلا وهو

وقد يرجى لجرح السيف برء  ولا برء لما جرح اللسان ....

 

الترجمة الحرفية – كثير النوم لا يرى خيرا.

التعليق – معنى المثل واضح، ويضرب للحث على العمل والنشاط لان الكسل والخمول وكثرة النوم تتناقض مع متطلبات الحياة الطبيعية. يعد هذا المثل الوجه الآخر المضاد للمثل العربي الشهير – الصباح رباح.

 

الترجمة الحرفية – المهم وجود الرقبة، اما اللجام فيمكن ايجاده.

التعليق – يضرب في ان المهم ان يكون هناك الشخص المستعد والمؤهل للعمل، اما العمل نفسه الذي يناط به فيمكن ايجاده دائما .

 

الترجمة الحرفية – الموعود ينتظرونه ثلاث سنوات.

التعليق – يضرب في عدم امكانية انتظار الموعود ابدا، وان لكل شئ يجب ان تكون نهاية .

 

الترجمة الحرفية – نحيا ونرى.

التعليق – يضرب في ان الايام القادمة ستبين الحقائق والوقائع، وهو مثل عالمي في مختلف اللغات، واستقر بالعربية ايضا – (من يعش – ير)، وباللهجات العربية المختلفة – (عيش وشوف).

 

الترجمة الحرفية – بعد العراك لا يلوحون بقبضات الايدي.

التعليق – يضرب في عدم الجدوى من التهديد والوعيد الفارغ بعد انتهاء الحدث وحسم الموضوع .

 

الترجمة الحرفية - مثلما النداء هكذا الرد .

التعليق – يضرب في ان لكل فعل رد فعل يتناسب معه، حسب القاعدة المعروفة لكل فعل رد فعل يوازيه . يترجمه جابر كما ياتي – عامل الناس كما تريد ان يعاملوك، وهو اجتهاد صحيح لتوضيح استخدام هذا المثل في مواقف حياتية معينة .

 

الترجمة الحرفية – لا يمكن ان تقفز اعلى من الرأس.

التعليق – يضرب في ان الانسان لا يستطيع ان يقوم بعمل اكبر من قدراته وامكانياته، وان على الانسان ان (يعرف قدر نفسه) كما يشير المثل العربي المعروف.

 

الترجمة الحرفية - دون رب البيت – يتيم البيت .

التعليق- يضرب في ان الحياة الطبيعية في اي بيت او عائلة يقتضي ان يكون رب البيت موجودا، وبدونه فان هذا البيت يكون يتيما.

 

أ.د. ضياء نافع

..............................

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدرقريبا في بغداد عن (دار نوٌار للنشر).

 

عزيز العرباوي: ياسين عدنان: رواية "هوت ماروك" رواية تعبير عن التلفيق والتدليس

aziz aelarabawiفي لقاء مفتوح معه قال الكاتب والإعلامي ياسين عدنان، عن روايته "هوت ماروك" الصادرة عن دار الفنك بالرباط 2016، أنها رواية تعبر عن التلفيق الذي يعيشه المغرب، بل إنها تعبر عن التدليس الإعلامي والسياسي والثقافي الذي أصبح يغرق فيه البلد. حيث تحدث عن شخصيات روايته المتعددة والتي تعبر عن العديد من النماذج البشرية في المجتمع.

وفي إطار إجابته عن أسئلة المنشطة الشاعرة مليكة فهيم، وذلك خلال اللقاء الذي أقيم بمناسبة افتتاح الدورة الثالثة للمكتبة الشاطئية التي تنظمها المكتبة الوسائطية إدريس التاشفيني وجمعية أصدقائها، تحدث ياسين عدنان عن أهمية الشخصية الروائية في نصه، وأهمية الاحتفاء بها لأنها مغيبة في العديد من النصوص الروائية التي يكتبها المغاربة بالخصوص. كما عبر عن أسفه على ما آلت إليه مدينة مراكش وعن الحالة الترييفية التي تتعرض لها يومياً، حيث تغيب ملامح المدنية فيها وتتلاشى يوماً عن آخر، معتبراً هذا الأمر بمثابة تلفيق عمراني، ينضاف إلى التلفيق السياسي والإعلامي والثقافي.

وتأتي أهمية هذا اللقاء المفتوح، بعد افتتاح هذه الدورة من طرف عامل المدينة، من كونه لقاء يحاول من خلاله المنظمون أن ينفتحوا على مبدعي ومثقفي المغرب وعلى مبدعي الإقليم ومناقشة وتقديم كتبهم وإصداراتهم الجديدة، حيث يحفل برنامج الدورة بالعديد من الأنشطة الثقافية والفنية واللقاءات الأدبية والثقافية والفنية المختلفة.

لقد برعت منشطة اللقاء في استمالة الكاتب إلى الحديث عن أهم مواضيع الرواية وعناصر البناء الروائي فيها، من خلال حديثه عن المكان وأهميته وعن الشخصيات الروائية المختلفة، وأهمها شخصية "رحال العوينة" الذي يمثل بحق شخصية الملفق والمدمر للثقافة والفن والناس، حيث يتحول من النقيض إلى النقيض، من كونه في البداية رجلاً جباناً منبطحاً، إلى رجل منحط ومدمر لكل حلم بشري، وموقف سليم...

 

شوقي مسلماني: سجونٌ طارَ الله منها

shaweqi moslmaniأحدُهما يَرى إنّها نقمة، والآخر يَرى إنّها تُعالَج!.

**

صحيحٌ إنّ طبيعةَ الإنسان خيِّرة، ولكن: "لقد أسمعتُ لو ناديتُ حيّاً، إنّما لا حياة لمن تنادي". و: "أرى حمراً تأكل وترعى، وأسوداً جياعاً تظمأ الدهرَ..". طبيعةُ الإنسان خيِّرة، ولكنّ المجتمع هو المخرِّب. ولجهةِ الإتّساعِ فهي دليل إنّ الولادةَ مستمرّة، أو قلْ لم تُنجَز بعد. وهناك مَن تحيط به شبهةُ النخاسة. والذين لا يعتقدون أنّ المهمّة الأصعب هي مهمّة الخلق. والذين لا يخجلون من التسبيح إنّه أحلّ بالقهر شعباً محلّ شعب. والذين ينظرون ولا يزالون إلى الغراب، فإذا كان يُفلّي جسمَه، أو تهوي منه ريشة، سرعان ما تشحب وجوههم، والذين يُسيؤون الجوار ويطلون القَذَر بالقضاء والقَدَر، والذين لا يؤمنون أنّ التحرّر الإجتماعي والوطني  انفصالهما هو من أسباب هذا التقهقر، وأنّ الأرضَ كوكبٌ من ثمانية، يدورون جميعاً حول الشمس التي مثلها بلايين في مجرّتنا "درب اللبّان" التي هي أيضاً واحدة من بلايين المجرّات في كون هو في ولادةٍ مستمرّة، أو في ولادة لم تُنجَز بعد (والروحُ هي كلُّ عضوٍ في الجسم يؤدّي عمله المختصّ به). وهناك الذين يتثقّفون لكي يبيعوا أسماءهم وخبراتِهم. "يودّ أن يمسي سقيماً لعلّه، إذا سمعتْ عنه بشكوى، تراسله،  ويرتاح للمعروف في طلبِ العلا، لتُحمَد يوماً عند ليلى شمائله". وأخيراً قالت: "يا ابن الزانية، وهي تبكي".

**

الأرضُ تدور حول ذاتها مرّةً كلّ 24 ساعة تقريباً، ولا تتعجبْ من لفظة "تقريباً"، وتدورُ مرّة واحدة حول الشمس كلّ 12 شهراً تقريباً، وعن الدورة الأولى ينتجُ الليلُ والنهار، وإذا عُرِف السبب بطُل العجب، وعن الثانية تتعاقبُ الفصول. وقيل بالفصل الذي كان سنة. وهناك معارك شكليّة تُخاض بجديّة. وهناك معارك جوهريّة تُخاض كأنّها نوافل.

**

إذا أُخِذتْ المقاييس.. لن يبقى غير تصميم الحركات . 

**

"المعيارُ هو عددُ مواليدِ السنة أم ديناميّةُ التكنولوجيا والإنتاجيّة العالية"؟.

**

"أيديولوجيا لعرضِ الممتلكاتِ العامّة في سوقِ النخاسة،  فيما المبرّرات العمليّة والذرائعيّة تبقى قيد الكتمان".

**

الوقتُ في ناحيةٍ: شبكةُ أمان، وفي ناحية: قيد.

**

حجابُ الطائفيّة.. ورأسُ المال.

**

أنظرْ إلى حالك يصِفون لعلاجِهم أن يشربوا من دمّك.

**

"دائماً المستقبل هو المواطن رقم واحد".  

**

حمّال  يتعارك مع حمّال آخر. واحدٌ يمشي قطرةً قطرة. واحدٌ لا يدري ما الذي حصلَ ويحصل.. (أفادَ سقراط في شهادته أمام تلامذته إنّه إذا غضبتِ الآلهةُ من فئة لا تثور وتعاقبها على الفور، ولكن تتركها تعاقب ذاتَها بذاتها). واحدٌ مُحاصَر، يُطلِق في الظلام رصاصاته الأخيرة. يرمي سلاحَه ويرفع صوتَه قائلاً أنّه قد استسلم. يتقدّم من تلقائه ليكتشفَ أنّ رصاصاته الأخيرة قتلتْ آخِر الذين هاجموه. واحدٌ يعرف أنّ القيمة ليست بالحدث إنّما بالعبرة المستحقّة (والتاريخُ  وإلى الآن  هو الإقتدار).

**

أنفسٌ عزيزةٌ فوق سخفِ أصحابِ الطيالس والصوالج، تبرأُ من مخزيات أقوال وأفعال. وقالَ الشاعر: "ظننتُ بهم خيراً، فلمّا بلوتُهم نزلتُ بوادٍ منهم غير ذي زرع".

**

النبتةَ التي تصغي تنطق بلغةٍ فصيحة. لا صلحَ مع السمّ. نحن بحاجةٍ إلى كَمٍّ هائل مِن الشجاعة لكي نعبث مع الدبابير. احتمالاتٌ بعددِ النمل، أفعالٌ وردّ أفعال، معادلة لا يفلت من شِباكها أحد. والحالُ هو من كل هذا التسلّط.  يموتُ السمُّ بالسمّ.

**

"قد لا تتألّمُ النّبتةُ التي تحترق" ولكن "للنبتة ردّ فعل".

**

الجرادُ الذي يخشاه الإنسانُ يرتعدُ فرَقاً أمامَ شتلة تبغ، فيما فَرَاشة تفترس شتلةَ التبغ مثلما يُقضَم الخسّ.

**

اتّصلتْ هاتفيّاً، قالَ: "ألو" قالت: "أنا صديقتُك، يقتلني العطش". ثمّ اتّصلتْ وقالت: "قلبي يحترق لجرعة ماء". ثمّ اتّصلتْ وقالت: "أنا صديقتُك النبتة، أعيش معك في البيت، أين أنت أيّها الأخرق، إنّي أموت عطشاً".

**

دودةٌ كأنّها فانوس تحكُّه نملة، ينهمرُ العسل، وفيما النملة هي السيّد، قد تكون الدودةُ قد استأجرت النملة وجعلتْها في خدمتها تصدّ عنها، الدودة أيضاً سيّدة، أم معاً أدركتا سبيلَهما الأمثل؟.

**

الحبُّ ملاذٌ آمن فيما القوى الأمنيّة ملاذٌ أقلّ أمناً. استنباتُ إذاعاتٍ ومجلاّتٍ وفضائيّاتٍ من منطلق إنّ أوّل الحرب كلام. الفهم لا الحفظ.  ومن يسعى بغضِّ النظرِ عن الوسيلة. ومن يفرك يديه ليحرِّك فيهما الدمّ.  الوفرةُ لا الكثرة.  وسجونٌ طارَ الله منها.  

**

يا هذا العالم إنّك تزيد في ثقلِ الحمولة!.

 

ضياء نافع: من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (32)

diaa nafieالحلقة الثانية والثلاثون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية: النقود جذر كل انواع الشر.

التعليق: يضرب في ان المصالح المادية هي هدف الصراع بين البشر وهي التي تخلق كل انواع الشر في الحياة الانسانية . يوجد بالعربية مثل معروف في هذا المعنى وهو : الفلوس تخرب النفوس.

 

الترجمة الحرفية: بكاء لا ابكي، لكن الدموع تجري.

التعليق: يضرب عندما يكون الانسان في حالة مأساوية ولا يقدر ان يسيطر على دموعه بسبب الحزن الشديد .

 

الترجمة الحرفية: يقولون ان الابقار تبيض وانهم يحلبون الدجاج .

التعليق: يضرب للسخرية والاستهزاء من الاكاذيب والمبالغات التي يطلقها البعض في احاديثهم.

 

الترجمة الحرفية: لا دخان بلا نار.

التعليق: مثل عالمي واضح المعنى، وقد استقر هكذا في مختلف اللغات بما فيها العربية.

 

الترجمة الحرفية: الصباح اكثر حكمة من المساء.

التعليق: يضرب في ان الصباح هو اكثر الاوقات صلاحا لاتخاذ القرارات الصائبة، لان الانسان في بداية نشاطه . يترجمه بوريسوف: الصباح رباح، وهي ترجمة صحيحة باستخدامه للمثل العربي المعروف . يوجد بالعربية مثل آخر في هذا المعنى وهو – اصبح تربح.

 

الترجمة الحرفية: العيون مرآة الروح.

التعليق: مثل واسع الانتشار في روسيا، ويستخدمونه حتى في مناهج المدارس كموضوع من مواضيع مادة الانشاء . يضرب في ان العيون تعكس الروح الحقيقية للانسان، وانها لا تكذب مثل الكلمات .

 

الترجمة الحرفية: أطفئ الشرارة قبل الحريق وابعد المصيبة قبل الضربة.

التعليق: يضرب في ان الانسان يجب ان يحسم الامر في بداية المشاكل، اي قبل وقوع المصائب واستفحالها، اذ ان ( الحذر يقيك الضرر ) كما يشير المثل العربي.

 

الترجمة الحرفية: من (يذهب) الى الغابة ومن (لجمع) الحطب.

التعليق: يضرب عندما يكون هدف الناس مختلفا حتى اذا كانوا يسيرون في اتجاه واحد. يترجمه بوريسوف – بتنافر / ليس باتفاق، وفي مكان آخر في نفس القاموس – كيفما اتفق (ويكرر جابر هذه الترجمة)، وكل ذلك صحيح بشكل عام، ولكن تلك الترجمات لا توضح بدقة هذا المثل دون اعطاء الترجمة الحرفية له.

 

الترجمة الحرفية: لا تمتلك مئة روبل، بل امتلك مئة صديق.

التعليق: يضرب في ان الاصدقاء اثمن من النقود، وانهم يأتون للمساعدة عند الحاجة، ولا يمكن للنقود ان تحل محلهم ابدا.

 

الترجمة الحرفية: سالت على الشوارب، لكن في الفم لم تدخل.

التعليق: يضرب للسخرية من عدم تحقيق الاحلام رغم انها كانت قريبة جدا من الانسان.

 

الترجمة الحرفية: يد تغسل اليد الاخرى.

التعليق: يضرب لتصرفات الناس غير الشريفة، وكيف ان الشخص يغطي عيوب الشخص الآخر من اجل المنفعة الشخصية المتبادلة. يوجد مثل باللهجة العراقية في هذا المعنى وهو – واحد يغطي (او يطمطم) للآخ. (يطمطم – من الفعل طمٌ اي دفن / للآخ: للآخر).

 

الترجمة الحرفية: الشبعان لا يتفهم الجوعان.

التعليق: يضرب للشخص الذي يمتلك كل شئ، وبالتالي لا يمكن ان يتفهم احتياجات الفقير. يوجد بالعربية مثل مطابق وهو – الشبعان لا يعرف حال الجوعان.

 

الترجمة الحرفية: لا وردة بلا اشواك.

التعليق: مثل عالمي واضح المعنى . يترجمه جابر حرفيا، لكنه يضيف ترجمات اخرى طريفة وجميلة له وهي – لا كسب بلا تعب / لا حلاوة بلا نار، وهي اجتهادات ذكية فعلا .

 

الترجمة الحرفية: مرة واحدة كذب – اصبح كذابا للابد.

التعليق : الناس يفقدون الثقة بالانسان الذي يكذب (حتى ولو مرة واحدة) . يضرب لحث الانسان على المحافظة على سمعته من الكذب لانه سيكون كذابا الى الابد ويفقد احترام الناس له وثقتهم به.

 

الترجمة الحرفية: تسافر وحدك – والطريق (يصبح) طويلا.

التعليق: معنى المثل واضح، ولنتذكر جمالية المثل العربي المعروف ومعناه – الرفيق قبل الطريق .

 

الترجمة الحرفية: وراء بعوضة ليس بالطبر.

التعليق: الصورة الفنية في هذا المثل طريفة جدا . يضرب في ان الانسان يجب ان يستخدم الادوات اللازمة والمناسبة للقيام باي عمل يقدم عليه، والا فان ذلك ينعكس سلبا على العمل نفسه .

 

الترجمة الحرفية: ربيع واحد في الوطن أفضل من مئة ربيع في الغربة.

التعليق: يضرب في الحنين الى الوطن عندما يعيش الانسان في الغربة، وتكون الصور الفنية ذات مبالغات في مثل هذه الامثال، ونجد صفة المبالغة هذه في كل الامثال المشابهة عند بقية الشعوب، ومنها طبعا الامثال العربية.

 

الترجمة العربية – البضاعة الجيدة تمدح نفسها بنفسها.

التعليق: يضرب للشئ الجيد الذي لا يحتاج الى دعاية للاعلان عن نفسه. يوجد مثل عربي مناظر وهو – البضاعة الجيدة تبيع نفسها .

 

الترجمة الحرفية: يرغب ويشتكي.

التعليق: يضرب عندما يريد الانسان تحقيق شيئا – ما ولكنه يتردد في الافصاح عن ذلك او يتخوف من الصعاب ...الخ . يوجد مثل عربي معروف في هذا المعنى وهو : يشتهي ويستحي.

 

...............................

من كتاب :معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدر باللغتين الروسية والعربية في بغداد عن (دار نوٌار للنشر) قريبا.

 

 

محمد بونيل: صورة فوتوغرافية حوت الدلفين - Dauphin

mohamad bounilبدخول صيف هذه السنة (2016)، تمر عشرون 20 عاما على إلتقاط صورة فوتوغرافية جد مميزة هذا بحسب شهادات من حضر إلى ذلك الفضاء الرائع والواسع، الكبير والجدير بالعروض الفنية المتميزة والكبيرة، وشاهدها خلال مروره بالمعرض الفوتوغرافي الجماعي الذي شاركت فيه، حيث أقيم بالمكتبة الوطنية بالحامة وكان يومها الآكاديمي، الأديب والروائي الكبير أمين الزاوي مديرا عليها، في فترته كانت المكتبة الوطنية قطبا علميا وثقافيا وفنيا لا تغيب عنه شمس الفكر، والمعرفة، والإبداع، والفن، كانت المكتبة الوطنية في وقت الأستاذ أمين الزاوي بمثابة قبلة للعلم والمعرفة، الأدب والفكر، الثقافة والفنون، ومنارة يحج إليها الطلبة والأساتذة الجامعيون وكذا المفكرين والفنانين، إلى حد ذكر أيضا الصحفيين كانوا يأتونها من كل فج عميق، من داخل البلاد هنا في الجزائر أو باقي البقاع في العالم، نص مقالي هذا أعتبره (شهادة) ولست مبالغا فيه بل لكم أن تتصفحوا أرشيف الصحافة الجزائرية وتقرؤوا قدر وإحترام الناس وبالخاصة أهل الثقافة للرجل، الأستاذ أمين الزاوي ترك بصمته الخاصة أثناء تقلده هذا المنصب الجد حساس، لأن المكتبة الوطنية هي الواجهة الأساسية لكل بلد، فهي خزان ومنبع العلم والمعرفة والمكان الجيد لأرشفة التراث الوطني بما في ذلك الكتاب، (في الصورة والدتي بالقرب من أعمالي الفنية العمود رقم 19، الصورة أخذت سنة 2005)، النص التالي مدعم ويستشهد بوثيقة صحفية تمثل صورة فوتوغرافية من أرشيف صحيفة الوطن - El Watan - الجزائرية الصادرة باللغة الفرنسية والذي يزيد عمرها (يومية الوطن) عن الربع القرن من الصحافة المستقلة وحرية التعبير "بالكلمة والصورة الفوتوغرافية في الجزائر"، الصورة الفوتوغرافية من توقيعي، تحمل علامة (ح.م)، بعد صدور العدد الذي يحمل موضوع الصورة "بلا توقيعي"، تم فيما بعد تدارك الأمر من قبل القائمين على صحيفة الوطن وذلك بذكر تحفتي الفوتوغرافية وإسمي الفني في عدد آخر من أعداد الجريدة.

في الموضوع الصورة الفوتوغرافية من إنجازي أخذت في الفترة الصيفية عام 1996م، والتي تحاكي في ظاهرها الفاكهة -حبة تفاح - إلى حد الآن الأمر عادي، ولكن الغير عادي في خبايا وأسرار هذه الحبة، أي حبة التفاح، ظهور علامات وملامح وجه، يبدو هذا الأخير قريب جدا ويشبه كثيرا حيوان من فصيلة الثدييات البحرية!

 

بقلم: محمد بونيل/ فنان وكاتب من الجزائر

 

حسيب شحادة: حِكم.. أقوال وأمثال في كل مجال (ث)

haseeb shahadaاستوقفتني خلال مطالعاتي، حِكم وأقوال وأمثال وآراء وطرائفُ كثيرة جدّا، وارتأيت أن أنشرَها، علّها تعود ببعض الفائدة الفكرية والروحية، بالإضافة إلى ما في بعضها، على الأقلّ، من التسلية وروح الدعابة ومدعاة لشحذ الذهن. إذ أننا نعتقد أن إشاعةَ الثقافة الجادّة، وتقديم كلّ جديد ومفيد وممتع، هما مَهمّة شِبه مقدّسة ملقاةٌ عـلى كاهل كلّ مثقّف ملتزم. كنت قد نشرت نتفًا من هذه الجمل في منابرَ مختلفة على الشبكة العنكبوتية، كما أن زهاء عشرين حلقةً منها كانت قد أُذيعت عبرَ صوت ابن فضلان في هلسنكي في ركن الثقافة والفكر في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

- الفلسفةُ هي الحَنينُ إلى الوطن.  

- محبّةُ المعرفةِ لا تفترِقُ عنِ الإيمان.

- المعرفةُ زينةُ الغنيّ وغِنى الفقير.

- كلُّ الناس ذاهبون إلى الله بعدَ الموت، الرجُل الحكيم يذهَب إليه قبلَ موته.

- القناعةُ في طلَب العِلم والمعرفة انْتحار.

- المعرفةُ أن تعرِف أن البَنْدورة فاكهةٌ؛ الحِكمةُ هي عدمُ وَضْعِها في سَلَطة الفاكهة.

- معرفةُ الذاتِ بدايةُ الحريّة.

- كلَّما زادت حِكمةُ الإنسان كلّما قلّت رغبتُه في الكلام.

- إنَّني أُفَضِّلُ الأخطاءَ التي تصدُرُ نتيجةً للحماسِ على الشُّعور باللامبالاة من جانب رجُلٍ يتّصِفُ بالحكمة.

- الناس صِنْفان، موتى في حياتهم وآخرون ببَطْن الأرض أحياء.

- لو كان العالَمُ في كفّة وأُمّي في كفّة لاخْترتُ أُمّي.

- المرة بلا رِجّال مثل البستان بدون سياج.

- الشخصُ المهمّ في حياتك ليس الشخصَ الذي تشعُر بوجوده ولكنّه الشخصُ الذي تشعر بغيابه.

- الرجُل في مجتمعِنا الذكوريّ شريفٌ ولو كان فاسِقا.

- أجملُ ما في امرأةٍ شديدة الأُنوثة هو نفْحة منَ الذكورة.

- الحَياء نوعٌ من أنواع الأناقة المفْقودة.

- إنّ الكتّابَ والشُّعراءَ يُحاولون إدراكَ حقيقةِ المرأةِ، ولكنّهم للآن لم يفهموا أسرارَ قلبها ومخبآتِ صدرها لأنهم ينظُرون إليها من وراء نِقاب الشهوات، فلا يرَوْنَ غيرَ خطوطِ جسَدها، أو يضعونها تحتَ مُكبّرات الكُرْه فلا يجِدون فيها غيرَ الضَّعْف والاستسلام.

- إنْ أردتَ أن تبنيَ مجتمعًا، فعلى المرأة أنْ تتحرّر.

- إن أجملَ امرأةٍ على الشاطىء هي التي ترتدي ثيابَها.

- كان المهلب يقول: يُعجبُني أن أرى عقلَ الرجل زائدًا على لسانه، وفعله زائدًا على قوله.

- قُتِل فتىً شجاعٌ في حرب، فدخل المأمونُ على أمِّه معزيًّا بقوله: لا تجزعي يا أمّاه، فإني ابنُكِ بعد ابنك، فأجابته: كيف لا أجزَع على ابن أكسبني ابنا مثلَك.

- يخسَرُ الرجلُ الكثيرَ باستبعاد المرأة كصديقة، دون جِنس.

- كلّما أحبّتِ امرأةٌ رجلاً تمنّت لو كانت عذْراء.

- إن المرأةَ تولدُ في الشرق بغيًّا ثم تقضي العمرَ في لَفْق البَكارة.

- إنّ المرأةَ منَ الأمّةِ بمنزلةِ الشُّعاعِ منَ السِّراجِ.

- أحْسنُ زوجٍ هو عالِمُ الآثار، كلَّما شاختِ الزوجة كلَّما زاد اهتمامُ الزوجِ بها.

- شيئان يُضعِفانِ الثقةَ بين الزوجين، الكَذِب ونقْل الخُصوصيات.

- ما يجعَل الزواجَ غيرَ سعيد، ليس عدمُ الحبّ بل عدم الصداقة.

- المرأة تحبُّ ما تعتّق في الرجل.

- الرجل رأس العائلة والمرأة الرقبة، فهي تحرك الرأس كما تشاء.

- بمثلكم مثلُ الرجل الذي أراد أن يُغيظ امرأتَه فخَصى نفسه!

- الرجل القوي يعمل والضعيف يتمنّى.

- لا تبحَث عن الجمال، لأنّك عندما تجِدُه تكون قد شوّهت نفسَك.

- أوضوحُ الشِّعر يفقِده جمالَه؟

- حُدودُ لغتي تَعني حدودَ عالمي.

- إذا أردتَ أن تعرِفَ ما يحدُث في بلدِك فارحلْ بعيدًا عنه.

- هناك من يصنَع القِّصصَ، وهناك آخرون يحكوها.

- نـَحْنُ فِي المُـؤَخـَّرَة  وَهَـمّـُـنـا المُـؤَخـَّرَة.

- إنّ الإنسانَ في حاجة إلى عامين ليتعلّمَ الكلام وإلى ستّين عامًا ليتعلمَ الصمْت.

- صحِّةُ الجسم في قلّة الطعام، وصحِّة القلب في قلّة الذُّنوب والآثام، وصِحِّةُ النفْس في قلّة الكلام.

- يستحيلُ أن أقول ما أعنيهِ بالضّبط.

- منِ اشتغلَ بتفقّد اللفظة وطلبِ السجعة نسي الحُجّة.

- إن غلبك أحدٌ بالكلام فلا يغلبنّك أحدٌ بالسكوت.

- إجمعِ الكثير ممّا تريد في القليل مما تقول.

- الكلمةُ الهادفةُ كالرَّصاصة.

- الكلامُ من اختصاص المعرفة، أمّا الاستماعُ فهو امتيازُ الحِكمة.

- الصمتُ عميقٌ كالأبدية، أمّا الحديثُ فسطحيّ كالزمن.

- الترجمةُ فنُّ الفشل.

- إنتهاكُ شرف البنْت يقيمُ الدنيا ولا يُقعدُها في مجتمعاتنا، لكن العُدوان على شرف الأمّة لم يعُدْ يحرّك ساكنًا.

- أَطمَحُ أن أقولَ في عشر جُملٍ ما يقولُه آخرون في كتاب كامل.

- لأنّ العربَ يؤمنون بالقِسمة، وضعتهم أمريكا في جدول الضرْب.

- إن الذي لا يحب لغتَه الأم، هو أسوأ من سمكة نتِنة.

 

إعداد حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

ضياء نافع: من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (31)

الحلقة الحادية والثلاثون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية.

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية: في الحب وفي الحرب كل الوسائل جيدة .

التعليق: مثل عالمي، يضرب لتبرير استخدام كل الوسائل في الظروف الاستثنائية مثل الحرب، ولكن المثل الروسي هذا يجعل الحب ايضا ظرفا استثنائيا ويجعل كل الوسائل متاحة ومسموح بها، وهو أمر قد لا يتفق معه البعض، وربما تكمن طرافة هذا المثل في هذه النقطة بالذات .

 

الترجمة الحرفية: الايادي البيضاء تحب جهد الغرباء.

التعليق - الايادي البيضاء تعني هنا تلك الايادي التي لا تمارس العمل اليدوي الضروري في الحياة اليومية، ولهذا يحافظ هؤلاء الناس على بياض ايديهم ونعومتها، لانهم يستخدمون جهد الغرباء . يضرب لشجب استغلال الاخرين.

 

الترجمة الحرفية: مضطجعا لن تحصل على الخبز .

التعليق: يضرب للحث على العمل باعتباره وسيلة ضرورية للحياة الانسانية . الصورة الفنية في هذا المثل جميلة . توجد امثال عديدة بالعربية في هذا المعنى، منها مثل طريف سبق وان أشرنا اليه هنا وهو – الكسل ما يطعم بصل .

 

الترجمة الحرفية: لا تكن ديكا ما ان يحل الصباح.

التعليق: يضرب للسخرية من هؤلاء الذين يدعون بما لا يتميزون به من خصائص . يوجد مثل باللهجة العراقية في هذا المعنى وهو - الما ينكر ليش يعوعي . (ينكر – ينقر / ليش – لماذا / يعوعي – يصيح كالديك).

 

الترجمة الحرفية: من يكذب، فانه لا يصدق الآخرين .

التعليق: يضرب للكذاب، الذي يعتقد ان الاخرين يكذبون مثله ولهذا فانه لا يصدقهم بشكل عام .

 

الترجمة الحرفية: لا يمكن اخفاء الخرز في الكيس.

التعليق: يضرب في انه لا يمكن اخفاء الشئ الذي يعلن عن نفسه . يترجم بوريسوف هذا المثل كما اشرنا اليه في الترجمة الحرفية، اما جابر فيترجمه كما يأتي - لا بد للسر ان ينكشف، وهي ترجمة تفسيرية صحيحة واكثر وضوحا و دقة من ترجمة بوريسوف، رغم ابتعادها كثيرا عن النص الروسي وبنيته .

 

الترجمة الحرفية: نمت اللحية، لكنها لم تجلب العقل.

التعليق: معنى هذا المثل واضح طبعا، وهناك مثل عربي مناظر بل ومطابق تماما، وربما يمكن اعتباره حتى اكثر دقة من هذا المثل الروسي وهو - شابت لحاهم والعقل ما جاهم.

 

الترجمة الحرفية: دون القيصر – الارض أرملة .

التعليق: يضرب في ضرورة وجود الرأس او المركز اوالقائد لتنظيم الحياة على الارض، والا فان الحياة لن تسير بشكل طبيعي.

 

الترجمة الحرفية: الايادي تعمل، لكن الرأس يطعم .

التعليق: يضرب للتأكيد على دور الفكر (الرأس) في ادارة الامور الاساسية للحياة الاجتماعية رغم ضرورة العمل بالايادي .

 

الترجمة الحرفية: عند التوغل في الغابة ابعد، يكون الحطب اكثر.

التعليق: يضرب في ان الاستمرار في العمل والتعمق فيه يؤدي الى نتائج افضل .

 

الترجمة الحرفية: وفي قدح القيصر تسقط ذبابة .

التعليق: يضرب في ان جميع البشر يخضعون للظواهر الاعتيادية في الحياة بغض النظر عن مكانتهم الاجتماعية . يوجد في هذا المثل ايضا نوع من السخرية تجاه الطبقات العليا في المجتمع، وانهم لا يتميزون عن الاخرين رغم مواقعهم تلك .

 

الترجمة الحرفية: اشاعة الناس – موجة بحر.

التعليق: يضرب للاستهزاء من الاشاعة والاكاذيب، اذ ان اشاعات الناس وثرثرتهم ليست سوى موجة من امواج البحر تصطدم بالشاطئ وتتلاشى، وبالتالي لا قيمة لها امام الواقع .

 

الترجمة الحرفية: لا تأتي المصيبة بمفردها ابدا .

التعليق: يضرب عند تلاحق المصائب تباعا، وهو مثل موجود عند العديد من الشعوب، وقد استقر بالعربية هكذا – المصائب لا تاتي فرادى .

 

الترجمة الحرفية: الابجدية علم لكنها للصغار عبء .

التعليق: يضرب لمن يبدأ بدراسة مواضيع جديدة قد تثير لديه الخوف والهلع في بداية الامر .

 

الترجمة الحرفية: الفقر ليس عيبا، لكنه تعاسة .

التعليق: يؤكد المثل العالمي ان الفقر ليس عيبا، والاضافة هنا تعني ان الفقر مع ذلك شئ تعيس وسئ . يضرب لوصف الفقر وتحديد مكانته في الحياة الانسانية .

 

الترجمة الحرفية: الغني لا ينام الليل لانه يخاف من اللصوص .

التعليق: يضرب في ان الثروة تؤدي بمالكها الى الخوف الدائم من ضياعها وسرقتها، وبالتالي فان هذه الثروة تؤرقه وتصبح همٌا يسيطر عليه. يوجد مثل باللهجة العراقية في نفس المعنى وهو – الزنكين ما ينام الليل . (الزنكين – الغني).

 

الترجمة الحرفية: الرب وهب والرب استرد .

التعليق: يضرب للتعزية عند رحيل انسان او عند فقدان الاشياء الغالية والثمينة، تاكيدا على انه لا اعتراض على أمر الله وارادته . استقر هذا المثل العالمي بالعربية هكذا – الله اعطى والله أخذ .

 

الترجمة الحرفية: الرب يفضح المحتال .

التعليق: يضرب في ان المخادع او المحتال يكون مفضوحا امام الناس لأن الرب يفضحه . يوجد مثل بالعربية مناظر تماما وهو باللهجة العراقية – اللي يدٌور وره الناس الله يفضحه (يدٌور – يبحث / وره – وراء)

 

الترجمة الحرفية: الرأس الاحمق لا يعطي الراحة للسيقان .

التعليق: يضرب في ان الانسان الاحمق لا يستطيع الوصول الى الاستنتاجات الصحيحة في مسيرة الحياة وحل مشاكلها عن طريق التفكير السليم، وبالتالي فانه يبحث عنها مستخدما ساقيه، ولهذا فانه يفقد الراحة.

 

أ.د. ضياء نافع

.........................

من كتاب: معجم الامثال الروسية / روسي – عربي، الذي سيصدر قريبا عن (دار نوٌار للنشر) / بغداد - موسكو

 

فاروق مواسي: في اللغة: سنين وسنون

faroq mawasiقرأت في قصيدة لك: "مرّت سنينٌ كنت فيها الشاهده"

أظنك أخطأت، فكيف تجيز (سنينٌ) واللفظة ملحقة بجمع المذكر السالم؟

ج_ من جموع (سنة)= سنوات ( ج. مؤنث سالم) وسنون (ملحق بجمع المذكر السالم)

أو  سنـيـن.

...

حقًا فإن أكثر ما ورد في اللغة هو إلحاق (سنون) بجمع المذكر السالم، فنقول:

 مرت سُِنونَ (بكسر السن، ويجوز ضمها، وبفتح النون)، وقضيت  سنينَ إلى سنينَ - ترفع بالواو وتنصب وتجر بالياء.

..

هذا هو الأغلب، ودليلنا القرآن الكريم، حيث أنه أورد (سنين) الملحقة بجمع المذكر السالم اثنتي عشرة مرة- في حالتي النصب والجر، بينما لم ترد (سنون) المرفوعة.

 

نماذج من الذكر الحكيم:

{وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}- الأعراف 130

{هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}- يونس 5

{فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا}- الكهف 11

{قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}- الشعراء- 18

{أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ}- الشعراء  205

..

* الملحق بجمع المذكر السالم هو ما لا يخضع لشروط هذا الجمع- كأن يكون المفرد اسمًا مذكرًا، لكنه يُعامل معاملته في الإعراب، فيرفع بالواو، وينصب ويجر بالياء، ومن هذه الملحقات أسماء العقود وغيرها مما أورده ابن مالك في ألفيّته:

وشبه ذين وبه عشرونا ***  وبابُه ألحِق والأهلونا

أولو، وعالَمون، عِلِّيونا *** وأرضون –شذَّ-  والسُّنونا

ابن عقيل: شرح ألفية ابن مالك ج1، ص 29

يقول محقق كتاب ابن عقيل-  محمد محيي الدين عبد الحميد:

"اعلم أن إعراب "سنين" وبابه إعراب الجمع بالواو رفعًا، وبالياء نصبًا وجرًا هي لغة الحجاز وعلياء قيس، وأما بعض بني تميم وبني عامر فالإعراب بحركات على النون، وتلتزم الياء في جميع الأحوال، وهذا الذي أشار إليه ابن عقيل بقوله "ومثل حين" ومثله قول جرير:

أرى مرَّ السنينِ أخذن مني *** كما أخذ السِّرارُ من الهلالِ

وقول الشاعر:

ألم نسقِ الحجيجَ – سَلي مَعَـدًّا  *** سنينًا ما تعدُّ لنا حسابا"

(شرح ابن عقيل، ص 31)

...

ثم إن جواز إبقاء (سنين) في الحالات الثلاث وارد كذلك في كتب اللغة، فهم يجعلون الإعراب على النون الأخيرة:

مرت سنينٌ، قضيت سنينًا، وفي سنينٍ.

(انظر مادة "سنه" في لسان العرب أو تاج العروس!)

وردت كذلك في قول الشاعر:

دَعَانِيَ مِنْ نَجْدٍ فإنَّ سِنِينَهُ ***     لَعِبْنَ بِنَا شِيبًا وشَيَّبْنَنَا مُرْدَا

هنا وردت (سنين) منصوبة بالفتحة الظاهرة على النون مع لزومها الياء، ولم تحذف النون مع أنها مضاف، فدل ذلك على إعرابها بالحركات الأصلية الظاهرة على النون.

.........................

تنبيه:

يخطئ الكثيرون في تشديد  الياء في كلمة (سني عمره)، فأصل (سني) هو (سنين)، وقد حذفنا النون للإضافة (على أنها ملحقة بجمع المذكر السالم)ـ فالياء لا تُشدّد، ولا مسوّغ لذلك، وقد لاحظت هذا الخطأ في كتابات الكثيرين ومحادثات من هم من أهل اللغة.

سأورد لكم مثلاً مما  كتبه أحدهم:

"جاء في حديث دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على قريش:

اللهم أعنّي عليهم بسنينَ كسِنِيِّ يوسف".

هل لاحظتم كيف أخطأ وشدد الياء؟

الخطأ شائع ، ويجب ألا نثقل هنا على اللسان!

............

أعود إلى السؤال، فأجيب:

نعم يجوز لي أن أقول: مرت سنينٌ...، حتى لو أن استخدامها أقلّ، بل أرى أن الذوق اللغوي أحيانًا يشفع لها، قياسًا بقولنا في حالة الرفع:

انتهت سنو الطفولة.

(سنو) بحذف النون لأنها مضاف، ولكن من يقولها؟

أليس الأيسر على اللفظ:  (مضت سنينُ االطفولة)، واللغة تجيز لنا ذلك؟

 

أ.د فاروق مواسي

 

بسام البزاز: ملاحظات في لغة الترجمة (1): هجرتُ "جدا" و"كذلك" بمعنى "أيضا"

تقرأ القرآن الكريم مرات ومرات فلا تجد فيه ذكرا واحدا لـ "جدّا" التي تملأ كتاباتنا وترجماتنا وكلامنا.

هذا الكتاب المنزّل بلغة فصيحة رفيعة بليغة ترسم حدود كلّ صفة وكلّ وصف، من أقصاه إلى أقصاه، وتجمع كلّ صفة مطلقة وكلّ درجة عليا في وصف الجنّة والنار والظلم والعدل والحكمة والعذاب والحور العين والمؤمنين والكافرين، يخلو من "جدا". 

لا يقف الأمر عند القرآن الكريم، بل يتعداه إلى تراثنا اللغوي كلّه: من أحاديث نبوية شريفة وأمثال سائرة وأشعار وخطب ونثر رفيع.

يقال عن " جدا " هذه أنّها مفعول مطلق من الفعل "جدّ". وهي على هذا صيغة مشتقة من فعل، لذلك لا يضمّها قاموس ولا يحتويها معجم. وكيف يتناول القاموس مفعولا مطلقا لفعل من الأفعال؟

" جدّا " هذه محض نسخ جاءنا من الأساليب الأجنبية حين أكثرنا من ترجمة ما يعادل الإنكليزية Very و Très في جميع اللغات. فصرنا نقول " جميل جدا " و " قوي جدا " و " طويل جدا " جريا على قولهم very nice وvery strong و very tall، وساعد على ذلك فقرنا اللغوي وشحّة مخزوننا من المفردات.

وربّ قائل يقول: وماذا كانت العرب تقول؟

العرب كانت تقول "امرأة غانية" و"رجل وضيء الوجه" و "مغوار/ صنديد" و " فارع / طُوال ".

كانت تقول:

هو ترب الندى وربّ القوافي وسمام العدا وغيظ الحسود

هو خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح

هو بحر في الجود وغاية في الكرم

هو كالكلب في حفاظه للود وكالتيس في قراع الخطوب

هو البحر جودا والقمر جمالا

لم نسمعهم يقولون هو كريم جدا ولا شجاع جدا ولا أمين جدا أو مخلص جدا.

أمّا القرآن الكريم، ، فلم يقل أكثر من " قطوف دانية " و " نار حامية " و "ماء كالمهل يشوي الوجوه" و "عيشة راضية" و "أمرا نكرا" و "شيئا إدّا ". ولم يقل إلا " سميع " " بصير " " حكيم ". ولم يستعمل، في أقصى حالات الوصف، غير مشددات من مثل: " كثير" و " كبير " و " شديد " و " عظيم ".

.................

أمّا " كذلك " التي نستعملها بدلا من " أيضا " فهي مزيج من حرف الجر (الكاف) الذي يفيد التشبيه + اسم إشارة، أي إنّها تعني " مثل ذلك " أو " هكذا " أو " مثل هذا ".

" كذلك كنتم فمنّ الله عليكم " أي كنتم كما وصفنا

" كذلك كدنا ليوسف " أي مثل هذا الكيد كدنا ليوسف

" كذلك الخروج " أي إنّ البعث سيكون كالخلق أو على شاكلته.

كذلك قالت لي الكائنات وحدثني روحها المستتر

 

د. بسّام البزّاز

.....................

يتبع...

(2) أفعال الكينونة وظرف المكان

                                                                                                             

محمد بونيل: النساء في الصورة هن الجميلات...

mohamad bounilوأنت تشاهد الصور الفوتوغرافية، من خلال معرض للفن الثامن، فن الصورة الفوتوغرفية، أحيانا قد تختلط الأمور على المتلقي "المتمكن" وأضع سطرين على هذه العبارة الموجودة بين القوسين الصغيرين، فالزائر المتميز لمثل هذه الفضاءات المتخصصة في لغة العصر الجديدة والتي تكمن في الصورة وخاصة الثابتة منها، قد يجد مثلا في لجنة التحكيم المتخصصة في مسابقات التصوير الفوتوغرافي، هذه الأخيرة متكونة من الرجال والنساء، طيب التنوع أمر جميل ولكن فيما يكمن الخلل، في رأيي المتواضع في توزيع المهام بينهما أي (الرجال والنساء)، إذ تجد مثلا الصور الفوتوغرافية التي تميل إلى العنف المشهدي والموضوعي كـ (صور الحرب، المظاهرات، ...إلخ) مثلا يعطى فيها الحكم بعد تشاور أعضاء لجنة التحكيم فيما بينها، فبتالي التحكيم النهائي، في القبول أو الرفض إلى الجنس اللطيف النساء، بل في إعتقادي أن صفة التحكيم في مثل هذه المواضيع لمسابقات ومعارض الصور الفوتوغرافية التي تحتوي مشاهد "العنف"، اللائق والجدير بالأمر أن تسند المهمة في ذلك إلى صنف الرجال، أما ما دون ذلك من الصور الفوتوغرافية وبالأخص التي تعكس في ظاهرها الطابع الفني والجمالي الأجدر بها والأولى في ذلك أن تسند الفصل فيها إلى النساء، قد يتسائل السادة القراء عن المغزى من ذلك؟ ففي الغرب جل ما نشاهده ونسمعه أو نقرأ عنه، من خلال لجنة التحكيم في كذا مسابقات في الصورة الفوتوغرافية وخاصة منها "الصورة الفنية" نجد عبارة "المدير الفني" إذ في معظم الأحوال عندهم في تلك البلدان المواكبة للتطور وخاصة في المجالين الثقافي والفني، تسند المهام في هذا المركز إلى صنف النساء، لآن الحكم في أمور الجماليات قد نجد النساء المتخصصات في الشأن الثقافي والفني الإبداعي، يستشعرن كل ما هو فني وجميل، فلهن القدرة والذوق العالي على بلورة الأفكار وتحليل أدق تفاصيل ومكنونات تلك المواد الفنية الإبداعية الفوتوغرافية، وهن النساء المتخصصات كما سبق ذكره، بأحاسيسهن وعواطفهن وطيبة قلوبهن نجدهن دوما المتمكنات في ذلك..

الإبتسامة في الصورة بين الرجل والمرأة، الأحاسيس والمشاعر الطيبة نحو الآخر ما هي إلا إحدى الممهدات " للحب الحقيقي"، هذا الأخير هو بمثابة المفتاح الجيد للقلب، لذلك تجده أكثر ما يبحث عنه العاشقون في حياتهم ويتيهون في ذلك، في زخم المفاتيح الكثيرة ويبقى المفتاح الجيد هو شغلهم الشاغل لقلوب عاشقيهم في دروب و مسالك هذه الحياة، إلى حين ذلك فالنبقى متفائلين بغد جميل ولنحرص على الإبتسامة التي قد تشد الآخر إلينا ..

من باب المطالعة والتجربة يتضح أن المرأة حريصة أيما حرص على صورتها، كما تحرص على جمالها، فتجدها تعتني في بيتها بشؤون زوجها وأطفالها، كذلك تفعل إذ تحتفظ وتعتني بألبوم صورها وذكرياتها الجميلة من خلاله، ومن حين لآخر تفتحه وتستنشق منه بنظراتها عطر تلك الأيام التي تعني لها أشياء وأشياء وتسعد من خلالها، ودوما هن النساء الجميلات بقلوبهن، العطوفات بأحاسيسهن اللواتي هن يقيمن جمالهن ويعتنين بصورهن، تجدهن في زاوية من زوايا البيت جالسات متكآت كأنهن مسافرات على متن قطار ألبوماتهن الحامل لصور ذكرياتهن وهن بذلك مستأنسات بتلك اللحظات الجميلة ومتفاءلات حيث الإبتسامة لا تفارقهن كيف لا وهن المتألقات الحريصات على أناقتهن في الحياة و رقة قلوبهن، ففي الصورة دوما هن الجميلات..

 

محمد بونيل - فنان وكاتب

 

فاروق مواسي: تذكير لغوي: متفرقات في الإملاء

faroq mawasiمما وقعت عليه عيني في كتابات بعض كتّابنا، ومما يتكرر وأنقحه في بعض الإصدارات:

قرأت: "يتألف الكتاب من جزئين، وهو بجزئيه حافل بمواد مهمة"

الصواب: من جزأين ، بجزأيه.

السبب أن الهمزة وقعت بعد سكون، فتكون إذن على حرف يلائم صوتها: جزأَين، جزؤُه جزئِـه.

أذكّر: نكتب جزءان، ولكن جزأين، وقد شرحت سبب  كتابة الأولى في حلقة سابقة، وهي كذلك في موقعي في صفحة: اسأل فاروق مواسي:

http://faruqmawasi.com/answers.htm

........

قرأت:  أولائك لا يعرفون لهم إلاهًا.

الصواب: أولئك لا يعرفون لهم إلهًـا.

السبب أن الألف تحذف من أسماء الإشارة (ذا) المتصلة بلام البعد وبكاف الخطاب:

ذلك، ذلكم!

كما تحذف من كلمة (أولاء) إذا اتصلت بالكاف= أولئك.

أما (إله)  فالقاعدة الإملائية تقول:

 تحذف الألف من لفظ الجلالة (الله)،  و من (إلـه) معرّفة أم غير معرّفة.

قرأت: "ظهر ضوؤه ساطعًا".

الصواب: ضوءُه (الهمزة منفردة).

السبب: تكون الهمزة منفردة بعد واو ساكنة= ضوءُه ، ضوءَه،

 (إلا إذا كانت حركتها الكسر فهي على نبرة= ضوئِه).

وقرأت في هذا السياق من كتب: نتؤات مخبؤة...

إذن ليس الخطأ طباعيًا.

الصواب: نتوءات ، مخبوءة

السبب:  الواو حرف لين، وهو ليس ضمة،

ثم إن الهمزة بعد الواو الساكنة -كما أشرت أعلاه- تنفرد.

قرأت: تبوّؤ الفريق أو ...

الصواب: تبوّء

السبب:  تقع الهمزة منفردة بعد  واو مشددة (أو واو ساكنة كما ذكرت):

إن تبوّءَهم أو كان تبوّءُهم .....

إذن تقع الهمزة منفردة بعد الواو الساكنة أو المشددة بشرط ألا تكون الهمزة مكسورة.

يتردد كثيرًا:  إن جزءً ... قرأت جزءً... أرجو له  برءً.

الصواب: جزءًا. برءًا.

يجب إضافة ألف النصب، فالهمزة هنا ليست واردة في اسم ممدود- مثل مساءً، سماءً، داءً، نساءً- التي تحذف الألف فيها.

مرة أخرى ليس الحديث عن خطأ طباعي عابر لدى هذا أو ذاك، فأنا لا أذكر الأسماء، ولا يعنيني الأمر على المستوى الشخصي، بل أحببت  أن أذكّر لعل الذكرى تنفعهم وتنفع  الأدباء والمتأدبين، وإلى اللقاء في مقتطفات أخرى.

 

أ‌. د. فاروق مواسي

 

عقيل العبود: اللئيم

akeel alabodالاخوة، والصداقة، والقرابة، جميعها تتصف بالبطلان. الدنو هو عندما تتقدم انت ببطاقات الاحترام كونه بالنسبة اليه كيفية خارجة.

يخفق قلبه عندما يشعر بالامتعاض. العلو زاوية قائمة على ركن واحد. الكبر بكسر الكاف، بناء عليه منطقة معروفة اتجاهاتها؛ كونها مفردة مكونة لصفاته. التواضع، كلمة لا علاقة لها في قاموس تصرفاته.

الآخرون جهة مناوئة. هو لا يقدر على تحمل المشقة، وأكثر المشقة عناء، انه عندما يشعر بان الاخر كما نبتة، أغصانها تفترش المحبة علوا، في ساحة ينظر العاشقون اليها بهيبة.

السلام، أي التحية شىء لا علاقة له بالصفاء، انما رتابة تتبعها رتابة. أوجاع الاخرين موضوعة ليس لها اهمية في ترتيب المفردات الخاصة بكيانه.

هو ذات تكبر فقط عندما تاخذ شيئا، بيد انها تشعر بالتضاؤل لحظة العطاء؛ اقصد عندما تعطي، الفخر ينتابها، اي ذاته لحظة النيل من غيرها. جميع المفردات الخاصة بالحياة ساقطة في وحل هذا الغرور الذي ينتابه لحظة الفوز. قد يكتب شيئا، قد يقدم إنجازا ما، ولكن ليس بدافع الشعور بنكران الذات، بل من باب هذه إلانا التي تحتاج دائماً لان تكون هي الاعلى؛ تتسيد. المواقف، الارتباط معها شعور حسي بالخذلان.

التناقص وليس التزايد،  عندما يسأله من حوله، لان يمنحهم مساعدة ما. امتداح الاخرين كلام لا يجلب له السعادة، اما مذمتهم، او الانتقاص منهم فهو علو وتزايد ينتابه لحظة الإتيان به.

 

عقيل العبود

 

عادل مردان: خواطر في غرفة الموسيقى

adil merdanالى المحرر الثقافي، لجريدة الصباح الجديد، الذي زاول القتل والتنكيل، على المتن، في العدد (20 مايو 2016).

أقدم هنا النص كاملاً، لتروا بشاعة الفعل المشين .

يغطي الغبار النصوص، ثم يمتلكها مستحوذ جاهل، وتُزيّف بغباء، فأساليب الأصل واضحة للعيان . ذلك ما تتمناه العقول، التي لا تغادر الوحل، وهي تنسج أساطير، حول سيرة الشاعر .

1038-ADILتَلّفُ السلسلة الحديدية، بعناية خبير . في ظهيرة لاهبة . يأتي الإسخريوطيون، ويهزّ كليمهم، القفل المحكم: كيف يسمعنا ؟ هو هناك، في الطابق الثاني، حيث تضطجع مخدّرة، غرفة الموسيقى .

تتمدد على السرير بالبرنس، الذي ذبلت أزهاره . بين يديك (تاسو) شارداً، وقد أخذتك، عذوبة (الوترية)، إلى عوالم إخرى . القفل محكمٌ، والكليم يهّز السلسلة: إفتحْ ياحارس الألم، جئناك بفضائح الشعراء .

لا عليك، إذ غادر العبيد بقصائدهم الفلكلورية . (أيّها المستغني، لقد صَنعتْ عزلتك عبيداً).

تطلُّ من النافذة المواجهة، بعد أن توقفت الإسطوانة، وكعادتك تقطع الصمت: عذوبة لا توصف . إنه الموسيقار الأصم، الذي أمطر سماء الصيف .

لماذا هو مستنير، الآخر الذي نتأمل؟: لأنه أنار العقل، ودفن خرافات ظلّه . يأخذك الإندهاش . عبارة خاطفة، إنها من عطايا الكأس الرابعة . لو تسكر مرّة، لرحلتْ أشباح

القلعة، أقصد قصر (المفزوع)، الذي كتبَ، على بوابته يوماً: (دافعْ عن براءتك الآن،

لتربح إتهامك الجديد)

لم تعجبك (آلام بودلير وصلت)، وتعجبك (سعادة عوليس) الصلعاء،(فلتفرح آلهة الحبّ).

لأن مفاتيح الشعر، وُضعت بين يَدَي، سليلك الآشوري . بينما تشن هجوماً على لغته .

لماذا تثور؟ الأجيال تستمر . أما لغته فهي لغة حلم . ثم تسأل: مَنْ سحركَ في حداثة العرب؟

أرشف قليلاً من الكأس: (ماضي الأيام الآتية) .

لنؤجل تحفة (أغاني موت الأطفال) . حدثني عن معارككم الطاحنة، في حانة (علي بابا) .

في الثلاثين من ألمي، كنت أحدّثه عن جيل (الكوارث) . جيل الحروب المتوالية، الكافية لتحويل القديسين الى حيوانات . حسناً نؤجل (ماهلر) الى الغد .

كأني على جناح إشراقة، أصف لك الزمان الجديد . وأنت تعيدُ الإسطوانة الى بيتها، وتذكر  (الرازي) . أتفق معك في حبي له . عقلاني في زمن الخرافات . ثم أعيد عليك،  من أسى   (بشار) الذي تحب .

إرجعْ إلى سكنٍ تقرّ به                مضى الزمان، وأنت منفردُ

ترجو غداً، وغدٌ كحاملةٍ              في الحي، لا يدرون ما تلدُ

أسألك عن (الإشتقاق المعماري للنغم الموسيقي) . فتفيض متفقّهاً في الأنغام . مستفسراً بعد أشهر من السماع . ماالذي تسرّب الى النفس ؟: الكثير لكن  (سترافسكي)،إختصر كلّ شئ.

لو عشت في الصحراء . لكفتني (بشائر الربيع) ... (الريفية) ... (الخامسة المحلّقة) ... (الكونشرتو المؤثر) ... (رقصة النار) ... (الليليات) ... (الدانوب الأزرق) ... (الفصول الأربعة) . مقدمة كارمن ساحرة (المقدمة المرحة) . أعتقد إنّها أذهلتْ (نيتشه)، فجعلته ينقلب على (فاكنر) .

بمنتهى الرقة والدماثة، تصنف الأعمال الشعرية . (لست إبناً لإيثاكا) قصيدة ساخرة  .

(الرجل الأخضر) مقطوعة صوفيّة  . (الأخضر بن يوسف ومشاغله) ديوان جميل .

ثم تغير الحديث: إعلمْ أنّ الصورة تقتل (الخيال السمعي) .

أيام لا تُحصى أحاديثها تتشعب، وهي مملّة بعض الأحيان . حين تتفكّر بالأدب الحديث، هارباً من مفهومَي (السيمياء واللسانيات) . وبقيت أنهل من تلك المكتبة الكريمة، التي تضمُ كنوز الموسيقى العالمية .

في حوار عن الفلسفة، يقف الرائد الذي يوصف بالخارج عن السرب، عند (شوبنهاور) .

لا يبارح تلك الإرادة . فكأني به يقاوم (حداثة مقبولة) . إذ أحببت أن تستمر تحولات الرائي، كقراءة فعّالة، الى رموز حاضرنا . كان يتضجّر حين أخص (فيلسوف الإختلاف) . سطرٌ أتوسّع به دائماً . فلكي يحطم الشاعر أصنام سلطته،التي تجعل منه (بطل المأساة التاريخي).

يتوجب أن يسافر في فكرة (الريشة) . عندها يكون ريشة خياله .تأخذه (اللحظة الشعرية)، الى حيث لايدري . وفي المناطق الخطرة يولدُ فكر شعري . يشحن النصوص الساحرة . عند قَدمي الخيال تتبدد السلطات الغاشمة . لأنّه السلطة الشفافة التي تجسّد إرادة الحياة . هنا

تشحب أساطير السيرة، وتقرأ (المتون) بلا وصايا . حيث النصوص بأجناسها، تحاول أن ترقص، وتحلّق مثل الشعر . لم يحلم المطعون (حارس الفنار) إلا بقائد الأوركسترا الحزين.

فكم كان يبجّل (كارويان) . ظلّ (محمود البريكان)، وفياً لعلمانيته، عاشقاً مشرقياً (لباسترناك)، عزلة وموسيقى .

 

هوامش لابد منها:

1- سُرقت بعض النصوص، ثم كُتبتْ بصورة رديئة . هذا مافضحه الناقد حاتم العُقيلي، في جريدة الأخبار .

2- تاسو: مسرحية غوته التي كانت تُجسد مأساة شاعر، هي من الأعمال التي كان يحبها . مُعيداً قراءتها بإستمرار، كذلك (هكذا تحدث زرادشت)، (مذكرات من بيت الموتى) .

3- سوناتا 14: من أعمال بتهوفن (ضوء القمر) . أتذكر بعد المغيب بقليل، بدأت أنغام البيانو بالسيطرة على الغرفة العلوية تماماً . كان الجو غائماً، فتحَ (البريكان)

النافذة ضاحكاً: (مطرّهه بتهوفن) .

4- (دافعْ عن براءتك، لتربح إتهامك الجديد): العبارة (لفرانز كافكا)، الذي كتبَ في المحكمة حين كان قاضياً (من أين يأتي هذا الدوي) .

5- (آلام بودلير وصلت): قصيدة سركون بولص التي أُشيدُ بها أمامه . أما السر الأعظم الذي بقي مخفياً لديه، مايتعلق ب (إنشودة المطر) .

6- (سعادة عوليس): قصيدة سامي مهدي، وهي إحتفاء عوليس، حين يعثر على سعادته في جبهات القتال . كان (البريكان) يقبل بعض شعره بتحفظ  .

7- (ماضي الأيام الآتية): ديوان (انسي الحاج) .

8- (أغاني موت الأطفال): عمل غنائي ل (غوستاف ماهلر) .عبارة عن ست أغنيات، ألفه في ذكرى رحيل إبنته الصغيرة . وهو العمل الأروع الذي حظي بسبق طلبي للإستماع إليه .

9- (بشائر الربيع): أبرز أعمال (سترافنسكي)، إذ كان محايداً معه، حيث يدعو إلى سماع الموسيقى بكل مستوياتها .

10- (الكونشرتو المؤثر): تسمية شخصية لعمل (جايكوفسكي). مرة في المحكمة، والرواية للشاعر بينما طال إنتظاره أمام باب القاضي . في هذا الجو البوليسي كتب قصيدة . .. حين إلتقينا في المساء، قال لي ذلك مسروراً . هذا تأكيد، ان القصيدة تقتحم الشاعر إقتحاماً .

11- (الريفية): السمفونية السادسة (لبتهوفن)، إذ يذكّرني الشاعر بموقف الأخير من غوته، الذي إنحنى للأمير، بينما إكتفى بتهوفن بمسك قبعته .

12- (الخامسة المحلّقة): السمفونية الخامسة ل(غوستاف ماهلر)، التسمية خاصة من الشاعر . يعتبرها من أهم الأعمال القريبة إلى نفسه . عموماً يعتبر هذا الموسيقار النمساوي بعوالمه الميتافيزيقية، هو الأقرب إليه . يهوّم (البريكان) مع هذا العمل ناسياً صحبتي . في إحدى الحركات عميقة الألوان الموسيقية ومذهلة، لحن بطئ حزين، رائع أكثر من الروعة . يدعوني إلى الإنتباه (تأملْ ... تأمل)، وهي لازمة جميلة في كلامه .

13- (رقصة النار): عمل موسيقي للإسباني (دي فايا) . للتذكير فإن حارس الفنار هي قصيدة الشاعر الأشهر، صار العنوان أكثر دلالة، عندما نتحدث عنه .

14- (الدانوب الأزرق): عمل ل (ريتشارد شتراوس) . مضت شهور لم أكتب حرفاً، فأصابني القلق، فطرحت عليه ذلك، فأكد لي: بإنه ظلّ ست سنوات، لم يكتب إلا ثلاث مقطوعات قصيرة ... يومها تعلمت منه، بإن الشاعر يكتب الأروع، في حالات اليأس التام، من الأنقطاع .

15- (الليليات): للفرنسي (ديبوسي) .

16- (الفصول الأربعة): فيفالدي .

17- (لست ابناً لإيثاكا): قصيدة (حسين عبد اللطيف) . حين سألته: من تقصد ؟

قال ساخراً: جميعنا .

18-(الرجل الأخضر): قصيدة (عبد الرحمن طهمازي) . وهنا يطول الحديث، من كتابة (طهمازي) عن (البريكان) في مجلة (الكلمة)، إلى إعادة الكتابة ونشرها كمقدمة في الكتاب، الذي طُبع في دار (الآداب)، مختاراً بعض قصائد الشاعر .

أما الملف الشعري الذي ظهر 1994 م، في مجلة (أسفار)، فكان يصف طريقة التقديم بالمعقّدة جداً . أما عن النصوص، فإنه كان يميل إلى القصيرة منها . نبهني (البريكان) إلى المرح المبثوث في بعضها، وكيف يمكن إستثماره .

19- حين وضع إسطوانة (أغاني موت الأطفال) . إنشرحت أساريره، حيث أشاد بقابليتي في الإستماع ... ثم غبت عنه مدة، كتبت فيها قصيدتي (من لا تحضره السكينة) .

20- حين مُنِحَ (البريكان) درع الإبداع، من جامعة البصرة، وإنتهى كل شئ في القاعة، حيث كلمة الشكر موجزة جداً ... خرجنا إلى الكورنيش يتقدمنا (رياض إبراهيم) الناحل العذب، والموعود منذ سنتين من التأجيل، بملف شعري إلى مجلة (الأقلام) راكضاً مع إبنه (ماجد)، وهو يحمل درع الجامعة . ليسلي الولد النزق، واضعاً الدرع على قاعدة تمثال (السياب) الرمادية . إذ طلبت مازحاً من رياض أن يرفع الدرع، (لأن بدر ما يقبل) . ضحك (البريكان) معنا بطريقة خجولة،واضعاً يده على فمه ... ثم تقدمنا إلى مصطبة كونكريتية، لإلتقاط صورة فوتوغرافية . لم أرها إلا بعد سنوات، عندما وقف أحد الأصدقاء المولعين ب(الأرشفة)، وأخرج حاسوبه الشخصي من الحقيبة، وأراني الصورة، كان (البريكان) يتوسطنا بنظاراته السوداء .

 

يوسف جزراوي: ماذا لو كان .. حقيقة؟

yousif jazrawiخرجتُ في وقتٍ كان قرص الشمس قد مال إلى الغروب، والليل أرخى سدوله، ناشرًا نجومه المتشحة بالسواد. لم اخرج في النهار، نازعًا عني ثوب الكهنوت، لئلا  يحيط بي الناس ويتكأكأوا عليَّ ولربّما عرفوا ملامحي، وقد آثرتُ أن أغيّر ملابس الكهنوت السوداء التي اعتدت على ارتدئها منذ عقدين، تزينتُ بملابس متبرجة بالوان قوس قزح، اضع على كتفيّ شالاً من قماش الحرير، والصقت شعرًا طويلاً مسترسلاً على رأسي، ووضعتُ لي ذقنًا غيّر ملامح وجهي. انتصبتُ بشموخ استعدادًا للمضي في جولة  بمدينة عُرفت في التاريخ بمدينة السلام، اسير بشوقٍ بِلا هوادة، كقطار يسير ولا يقف في المحطات!.

اتجول بروح عصرتها الهموم البغداديّة والاوجاع العراقيّة. رحلة تكشف خبايا النفس، تابعت سيري ودلّفتُ إلى احد الطرقات، وعرفتُ من الناس أنني في "المنطقة الخضراء" ببغداد، تهللت اساريري وقصدت أوّل مبنى، طرقت الباب عدّة مرّات، لكن ليس من مجيب. همستُ في سري: ربّما ليس من أحدٍ في المبنى، ثمّ وقع على مسمعي اصوات: لا تفتحوا يا حراس ....بلا شك أنه معارض ومتظاهر  شحاذ!.

نكستُ رأسي ومضيتُ نحو بيت أحد اعضاء البرلمان. طرقتُ الباب الموصدة بحكمة، فظهر رّجلٌ  يتقدمه كرشه الكبير وراح يصرخ بي: آهٍ وكم آهٍ منكم، ماذا تريد. نحن لا نصرف الرواتب، كلنا فقراء، هاك 10 الالف دينار عراقي وليكفنا الله ازعاجك، وقفل الباب بوجهي منزعجًا!.

لسعني الأسى، ورحتُ أسأل هناك الساسة واصحاب كراسي الحكم عن حال بغداد، فدلّوني إلى قلاعهم وتيجانهم المرصعة باللؤلؤ والمرجان، واشاروا إلى عروشهم الفخمة ومبانيهم الشاهقة التي اعتلوها على حساب الفقراء والابرياء، حسبهم انهم سيؤبدون فيها.

في صباح اليوم التالي سألتُ قادة الحراسات هناك عن عروس الشرق بغداد، فرايتهم مُدججين بالأوسمة والأسلحة واحاطت بهم الحمايات والعساكر من كلّ حدبٍ وصوب.

رمقتُ بنظري أحد القادة العسكرين، في الحال مدَّ يده إلى سلاحه وجرده من جرابه قائلاً: هذه هي.

امعنت النظر في السلاح، وإذا به مخضّب بالدماء.

صرختُ: كلا والف كلا! لأنني عرفتُ بغداد مبشرةً بالسلام وواحة للتسامح ونموذجًا للتعايش والآخاء.

صرخ وردّدوا معه، ارهابي، مجنون، وانهالوا عليَّ ضربًا.

جريتُ هربًا من عنفهم الذي شجّ رأسي وقيحَ جسدي الذي اصبح ينزف دمًا.

سادني احباط كبير، وقررت البحث عن بغداد في دور العبادة بكلّ مسمياتها، فيا هول الصدمة حين وجدتها منهمكة بامور سياسية وقومية وطائفية بحتة. لقد رأيتها منقسمة ترفض الوحدة، فدعوتهم بأن يعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله.

- ابعد عنا ايها الغريب، وقانا الله رأيك. بهذه العبارات زجروني!

أزمعتُ على الرحيل إلى حي الكرادة، وفيما أنا سائر مرّرتُ ببيوتٍ عديدة متشحة بلافتات سوداء، الناس منكوبة، وسمعت صوتًا بل صياحًا من أمّ ثكلى تنعي وحيدها، وأب مفجوع يبكي أبنته المفقودة!

خاب ظني ككلّ المرّات السابقة، حثيتُ الخطى، ولكن أين سأذهب في هذه العاصمة الجريحة؟ فكرتُ في الذهاب إلى أبي نؤاس، لأقبع في إحدى حدائقها، محاولاً الاسترخاء لأريح نفسي من عناء المسير. ولكن فضاعة المشاهد التي رأيتها ولسعات الحزن حرمتني من الإغفاءة والراحة. أخذت أصلي حتّى لاحت خيوط الليل.

سمعتُ وقع أقدام رّجلٍ يتقدم صوبّي، حدقتُ به، فقذفني بكلامٍ جارح: أيها الشحاذ ارحل في الحال. ألم تجد مكانًا اخر حتّى تجلس هنا.

جاء ليطرد المساكين من المكان، مُعلنًا بدء الحفل الذي يقيمه أحد الساسة.

شدّدتُ الرحال وأنا اتلصص النظر نحو مبنى، وإذا بالساسة  يتراقصون على ايقاع واهتزاز اجساد الراقصات، وهم يدسون النقود في نهودهن!!.

وهنت قدماي واشتعل رأسي شيبًا.  سرتُ على غير هدى حتّى قصدتُ أحد المحلات الفخمة، وسألتُ صاحبهُ التاجر الغني لعلّه يدلّني على بغداد التي اعرفها؟ فأصطحبني لموضعٍ ليطلعني على ما تكدّس فيه من أموال وذهب وفضة. وراح يفاخر بغناه. في الحال همّ أحد الفقراء بالدخول، كان  ينتعل نعالاً قديمًا وقدميه متسخة، بل قُلّ قد اسودت جرّاء السير في الطرقات للتسول، جاء ليرجوه حفنة الالاف.

عنّفه الغني، بعد أن مسكه من ياقة دشداشته النتة: أيها الشحاذون، ألّا خلصنا الله من فقركم، اذهب من هنا وإلّا سلمتك للشرطة.

حلّ الصمتُ المطبق، وخرجتُ من صمتي متفوهًا: لقد عرفتُ العراق والعراقيين اغنياء القلب والنفس والكرامة، سخاؤهم وطيبتهم اهلهتما لمد يد العون لسابع جار. فهل أنت عراقي؟!!.

طرقتُ باب إحدى المكتبات، بحثًا عن بغداد. فأومأ إليّ صاحبها نحو أكداس الكتب قائلاً: ستجدها في بطون هذه المجلدات.

غادرت المكان وانا اترنح في الطرقات حتّى قادتني خطاي إلى جزيرة الأعراس، هناك رأيتُ الشبانّ يفترشون الحدائق بساطًا، يفوح منهم عبق الغزل.تهبّبتُ كثيرًا وأنا أسألهم، وكادت الحنجرة تحجم عن النطق، لكنني لملمتُ نفسي مُخاطبًا إياهم: أبحث عن حبيبة تدعى بغداد. فوجدت نفسي في وضع لا أُحسد عليه حين قهقه الجالسون.  اجابتني فتاة: هل اضعتها، لعلّها ماتت في الانفجار؟!. وعلق أحد الشباب: هل تاهت كطفلة؟ وقال آخر: ربّما هي مختبئة في مكانٍ ما؟ أو ركبت البحر وهاجرت؟. أم خطفتها المليشيات أو عصابات داعش؟. هكذا كانوا يُهرّجون ويضحكون كلّهم في وقتٍ واحد!.

توقفتُ لوهلة عن بحثي وخرجت أسير ليلاً واضعًا ذراعي فوق الأخرى بعد أن طفح الحزن في داخلي وغزا اليأس قلبي. تسكعتُ فوق جسور: السنك والجمهوريّة والصرافيّة  والآئمة،  تعبتُ وغفت عينيّ تحت جسر الطابقين.

لسعتني اشعة شمس الصباح، تثاقلت خطواتي حين طالعني منظر أناسٌ كادحين، ينهضون مع بزوغ الفجر على صخب المولدات الكهربائيّة، بعد أن تقضّ مضاجعهم أصوات الانفجارات المدويّة. يستيقظون للذهاب إلى اعمالهم الشاقة، وهم يتثاوبون القهر في سيارات الأجرة، ويساومون التعب ويتحدون الموت.

في هذا الصباح لم يخرج الناس للعمل، بل للمظاهرات. سرتُ في ركابهم ضد فساد ساسة المنطقة الخضراء، ابحث عن بغداد وسط الناس، هالني الأمر حين ايقنتُ أننا شعب مغرم بنفاق الحاكم ( ليس الجميع لأنني ضد مرض التعميم)، لأن الشعب يثور ضدهم ثمّ يعود  فيصوت لهم!!.

طالعتني في الدروب صور السياسيين على لوحات كبيرة الحجم تشوه مباني بغداد! في الصور رأيتهم يبتسمون أو يضحكون علينا، عيونهم لا ترى ما يدور في شوارع بغداد والعراق من بؤس وموت وتعاسة اقتصادية وإنفلات أمني ودمار إنساني، لا يشعرون بعرق الكادحين ودموع المنكوبين. إنّ أكثر أولئك الساسة لا تخلو شعاراتهم من الكلام عن الشعب الكادح، ولكن هل من بينهم من استيقظ مرّة باكرًا وجاء ليرى بأمّ عينيه بؤس الناس ووجعهم؟!!.

لقد اصابتني دهشة قادتني إلى حد الانبهار وأنا أتأمل منظر الحشود وهي مجتمعة في ساحات بغداد، تتظاهر بالشعارات الرنانة، ضد عصابة تحكمهم بالعبارات الفضاضة. فالشعب الذي ينتخب الفاسدين والمحتالين واللصوص والخونة هو ليس شعبًا ضحية،بل شعب متواطئ!.

يا لخيبتي وفشلي وحزني، لقد ذهب بحثي وجهدي سدى، وعندما خاب ظني في العثور على بغداد، اطلقتُ بأعلى صوتي صرخةً قويةً، بحيث دوّت صيحتي في ارجاء بغداد، فحسبها الناس صوت ارهابي يدعو إلى التفجير ، فتشتتَ العباد!

هربتُ معهم وأنا اجر خلفي اذيال الخيبة، وكانت اجراس الكنائس واصوات المأذن وصلوات المندي لخطواتي حُراس.

حينها صحوت من الحلم على انغام جرس منبه ساعتي، وعرفتُ أنني على سريري في صومعتي وليس في بغداد.

كان حلمًا، بلى والله كان حلمًا. بكيتُ بصمتٍ، لأن بغداد لا تفارقني حتّى في الأحلام.

 

الأب: يوسف جزراوي - سيدني

 

عقيل العبود: فاطمة

akeel alabodفي نظراتها شىء ربما يكاد ان يكون معبرا عن عبقرية فذة.

ليس في باب واحد من ابواب هذه التفاصيل، التي  بموضوعاتها تكاد ان تتركب وتتفرق في ان واحد، بل هي ابواب شتى، تلك المفردات التي ابجدياتها تفرض على الجميع فهمها، بغية الاستمرار على هذا النهج من المواصلة دون تلكؤ او تعثر.

تلح عليها مقولة الإصرار، لتفرض متوالياتها الهندسية يوما بعد يوم، ما يجعلها هكذا ماثلة امام فصول اخرى من التحدي. 

الموصوف هنا طالبة وموظفة وكاتبة ومترجمة لم تكن تتجاوز حد العشرين بكثير، لكنها بحكم تعاملها مع أبجديات الوصف المذكور، استطاعت ان تفوق من سبقها في التجربة، فهي كما كونها تجيد فن الحوار والترجمة في عملها لدى عيادة الطبيب المختص في الأمراض النفسية، تراها تمتلك القدرة للغور في ابعاد الشخصية كمستشارة للتعامل مع المراجعين بطريقة بارعة، كما لو انها تعيش حيثياتهم، ذلك من خلال فهمها الخاص لطبيعة الحياة التي يمارسونها وبناء على تفسيرها الحاذق لطبيعة ثقافاتهم، بعد مطابقة ما يتم ملاحظته مع أعمارهم وأنماط علاقاتهم الاجتماعية.

 هي بشخصيتها المتواضعة والمثابرة استطاعت من الولوج الى عمق أنماط مختلفة من الشخصيات على شاكلة مخرج مسرحي يبحث عن اقصى ملائمة ممكنة لانجاح لغة الحوار.

هذه الملائمة تشبه في دقتها وكيفيتها تلك الرقائق  التي من خلالها، فاطمة تعشق فن الكتابة والتنقيح باللغتين العربية والإنجليزية وفقا لقاعدتي التنقيط والتنضيد.

 هذا اضافة الى مؤهلاتها الاخرى للتحدث باللغة الاسبانية تلك التي ما زال لنكهتها أثر تحتويه تجربة دراسية ارتبطت معها وفقا الى معاملات تاريخ له علاقة بزمن تارشفت محطاته، ليكون شاهد عيان على ماض ما زال يفرض نفسه.

المغرب انذاك مشاهد تحمل بين طياتها نوع اخر من المفارقات؛ قصص ما انفكت تتلو فقراتها وفقا لالية، سيناريوهاتها تلازمت مع مذكرات كتبت فصولها بدقة بالغة.

فاطمة رغم عمرها الصغير، لكنها كبيرة بأفكارها ومشاعرها التي تكاد ان تفوق او تتجاوز في تنوعها وعمقها هذه المديات، التي جزئياتها، تحكم هذا النوع من المبدعين.

 

عقيل العبود

 

احمد الغرباوي: يوسف إدريس عبقرى إبداع يلتزم بَقواعد الحَيْاة!

ahmad algharbawiالخميس 4 مايو مَولد خير بشريّة الفنّ القَصصى فى مصر والعالم العربى والشرق الأوسط.. عام ماذا..؟

لايهمّ.. ماذا يَعنى العُمر.. وعَدد السنين.. ماذا تضيف.. ولازلنا نحب لك أيّها الإنسان.. وأنت ماتزال تحيْا.. تحبّ وتكره.. تفرح وتبكى.. تبنى وتهدم.. الخ

ماذا تضيف الأرقام فى حَيْاة القلب.. مادام بين الجفنين يترقرق دمعاً.. بَهجة أو وَجعاً..!

ماجدوى تِعداد العُمر.. وأنت تَعش الحَيْاة حَيْاة..؟

وهاهى شخوص يوسف إدريس تتحرّك.. وتتحاور.. وتشجى الروح.. وتنام وتصحو فى أيّام حَيْواتها.. وتموت وتعش فى عوالمها بيْن أحضاننا كَلما.ً. وحَرفاً.. وأسود سَطراً..!

ويأتى مايو ليتوّج مصر بتشيخوف الأدب العربى فى فن القصّ.. ويولد فنان.. مقاتل.. مُبدع.. طائر مُحلّق فى سماوات الإبداع.. مُتحديّاً غيْوم الأرض.. مُصارعاً لريح الربّ فى تزمّت بشر.. وسلفيّة حواديت.. يَعصف فى قلمه.. ويوجع فى إصرار رأيه..!

مَعكم فقط.. مُجرد أتوجراف..

أتذكر.. وأتساءَل ونفسى المهترئة.. وتشوّه إبداعى الأعرج.. الذى لايَشفع له إلا أمل فى غد خلق فنى يثير حِسّاً.. ويُحي الروح قليلاً من سِكون تلوّث أرض.. لتنتظر نوارس الفجر.. تنتشى وهى تترقّب نِسمة نشوة فنيّة.. لهو طفل يَهرب من زبد موج لحفر وجبال رمل..!

ففى أوّل إبداعاته.. مجموعته القصصيّة الأولى.. (أرخص ليالى).. يَقف سَداً منيعاً أمام كبار الكتاب وجهابذة اللغة العربية وسدنة النقد وعلماء اللغة..

وكثيرون غيْرهم.. يطالبونه بَحذف حَرف اليْاء من العنوان.. ليصبح (أرخص ليْال).. اتباعاً لقواعد النحو واللغة.. بدلاً من (أرخص ليْالى)..

ومن كان يتقدّم هذا الجمع العظيم.. تَصوّرا..؟

 عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين..!

وماذا يَفعل الفنان.. وهولايملك غير موهبة ربّ.. وثورة روح.. ونِداء غيْب.. و

وماذا فَعل الفنان الثائر.. والمُبدع الحَائر.. وصاحب مَدرسة الفنّ والحياة..!

يصرّ على مايؤمن به.. وفى تحدّ صارخ.. يقف أعلى إبداعه الهرمى..

ويصرخ:

ـ  لا..

أنا أنطقها هَكذا.. وإننى مُلتزم فى كتاباتى ..؟

بأىّ شيء أيّها المُبدع الحر.. وكل كتاباتك تحرّر حياة.. وتجاوز كل حدود عوالم البَشر..!

يواصل عِناده.. بلّ إيمانه بموهبته.. وعَظيم ثقته فى فنّه:

ـ أنا مُلتزم بقواعد الحياة.. وليْس بقواعد النحو..!

رغم أن حَذف اليْاء لن يَضيف.. أو ينقص من المَعنى شيئاً..!

أىّ ثقة.. وأىّ إيمان بسحر فنّه.. ودوام تأثير نَشوة الخلق الفنى بأرواح متابعيه..!

وذاك المُبدع.. المخلّد بيننا.. المؤمن بقواعد الحيْاة.. هى نفسها الحيْاة التى ضنّت عليه فى مصر إلا بجائزة الدولة التقديرية..!

وماذا تَعنى الجوائز لإسطورة فن..؟

بل هى التى تزدان بَشرف حمل إسمه.. وليْس العكس..!

وهذا شَأن آخر..!

هل يمكن لواقع الحياة فى مصر.. يلتفت إلى أعمال الفنان الكبير والكاتب الأثير..؟

 منأضاف لمصر فخراً وعِزّة.. وللعرب إنجازاوأثرا فى مقدمة طابور قوتها الناعمة.. فما شابهه.. ولا ماثل حرفه.. ولا جاوز فى الإبداع أحد.. يَبدع فناً..!

هل يمكن..

فتعيد وزارة الثقافة مُمثلة فى هيْئة الكتاب.. أو الثقافة الجماهيرية.. أو وزارة التربية والتعليم.. أوالقطاع الخاص.. فيْتم إعادة طباعة كتبه بأسعار زَهيدة.. أو حَتى توزّع مَجاناً مع الاصدارات المختلفة.. كما تفعل الآن دار الهلال ومجلة المصور أسبوعيا.. مع اصداراتها القديمة..!

هل يمكن..

أن نَهدى شباب مصر من أرقى فنون الإبداع المصرى على مدى التاريخ..

لست أدرى..!

لست أدرى..!

 

بقلم: أحمد الغرباوى

 

عقيل العبود: البراءة

akeel alabodنقاء يشبه بياض السحب، طفلة لا تعرف من هذا الكون الا ابجدية الصراخ، هذه الأنفاس التي معناها البحث عن هارمونيا الاعتدال. إيماءات  قبل ان تدنو من فضاءات هذه التقاطعات من الخطوط، كانت على شاكلة حركات متصلة. المشيمة قناة تشبه في تقوسها ارتباط الشجرة مع أوراقها في علاقتها مع النسغ الصاعد والنازل، لذلك أوكسجين الحياة كما ينبوع يتدفق بغزارة عبر هذا الشريان الذي يختزله القلب ليعلن رائحة المحبة. الزمن انسياب تتعلق سمائه بصمت الهة تحتاج الى زاوية وقور؛ هي في حقيقتها قبة تكبر في داخلها، استجابة لقانون وضعت فقراته بناء على نظرية الخلق.

الجنين يشبه في تكوره هذه القابلية التي بموجبها، الكبرياء يتحول الى خلق جديد. العالم بناء على هذا النوع من الانشطار، يتسم بصفة يستحيل على جميع العلماء العثور على مفاتيح الغازه. 

الموجود كائن من نسيجه تتكور كتلة، من خلالها تتشظى لغة الوجود. الطفلة رقة لا صلة لها بتزاحم جميع الأضداد في هذا العالم؛ هي في ذاتها قانون يحمل في ضديته هذا السنخ من الترابط، لذلك الصراخ يحمل في طياته مفردة لا علاقة لها بمقولة الالم، انما موضوعها حصرا، الإعلان عن رابطة عبرها أوكسجين الحياة، تتنفس أوردته رحيق هذا النوع من التكون.

 

عقيل العبود 

 

فاروق مواسي: حديث في اللغة (33): تعريف الاسم المقصور ولماذا سُمّي هذا الاسم

faroq mawasiالاسم المقصور هو اسم معْرَب ختم بألف لازمة "ثابتة"، نحو"الهدى" و"العصا" (والمهم أن تكون ألفًا من حيث النطق ولو رسمت بالياء).

فألف "العصا" و "الشذا" مقصورة، وليست ممدودة كما يتوهم بعضهم، ذلك لأن الألف الممدودة هي ألف زائدة تليها همزة نحو "خضراء"، "أصدقاء"، وللتمييز بين اسمي الحرفين الأخيرين في كل من "العلا" و"التقى" (وكلاهما اسم مقصور) نسمي الألف الأولى"قائمة" أو "طويلة"،

ونسمي الثانية "ياء مهملة" أو على سبيل الاختصار "ياء".

..

ملاحظة: كلتا الألفين ليّنة، وحروف اللِـين هي الألف والواو والياء، ولكن بعض كتب الإملاء الموثوقة أسمت الياء المهملة ألفًا ليّـنة. (انظر كتاب عبد الرءوف المصري- قواعد الإملاء، عمان- 1918، ص 18)

أكتب ذلك للمعلومية فقط.

الاسم المقصور- كما ذكرت في التعريف- معرب، تقدر عليه حركات الإعراب رفعًا ونصبًا وجرًا، فنقول في إعراب "الهدى" في قولنا "إن الهدى هدى الله":

الهدى: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره للتعذر.

هدى: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة للتعذر.

 

لماذا سمي الاسم المقصور بهذا الاسم؟

ذكر ابن مالك في ألفيّـته ما يتعلق بالاسم المقصور، فقال:

فالأول الإعراب فيه قدّرا   ***     جميعه، وهو الذي قد قُصِرا

ولفظة  "قّصِر" لم تكن محددة الدلالة في معاجم اللغة، ففي (لسان العرب) و(تاج العروس)، حيث نجد الشرح موجزًا: "والقصر خلاف المد...".

وقد عرف المستشرق رايت (ت 1889) الألف المقصورة بأنها- "الألف التي اختصرت لفظًا أو اختزلت، وهي خلاف الألف الممدودة التي تقيها الهمزة في نهايتها" (1). فهي مقصورة، لأنه لم يردفها همزة حتى تمدّ.

...

مع وجاهة هذا التفسير إلا أن الأشموني (ت 1495م) في شرحه لألفية ابن مالك كان متميزًا في ربط الاسم بالمعنى، فهو يشرح:

..

 "القصر" بمعنى"الحبس"، ومنه قوله تعالى "حور مقصورات في الخيام". أي محبوسات على بعولتهن. وسمي  الاسم المقصور بذلك، لأنه محبوس عن المد أو عن ظهورالإعراب[2]، وفي هذا الاقتباس إمكانيتان متاحتان للتفسير الذي أغفله معظم الشارحين.

 

.....................

1- انظر:

W. Wright: A Grammar of the Arabic Language

. 3rd Edition Cambridge University press - 1967،  (Part 2 P. 11)

2- انظر شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، ج1. دار الكتاب العربي، بيروت- 1955، ص44

هذه المادة من دراسة طويلة كتبتها عن الاسم المقصور، وقد اقتطعت هذه المادة لأجيب عن أسئلة وجهت إلي حول (الشذا) و (السنا) و (الفلا) إن كانت أسماء مقصورة أم لا.

 

من يرغب بمطالعة المادة كاملة والاحتفاظ بها فهي في كتابي "من أحشاء البحر".

الرابط:

http://faruqmawasi.com/ahshaa.htm

 

رواء الجصاني: الجواهري في عواصم ومدن الدنيا.. قصيدة وثلاث زيارات لبولندا

rawaa jasaniوهذه هذه "مقامة" اخرى من "مقامات" الشاعر الخالد، محمد مهدي الجواهري، في دول العالم، عواصم ومدناً، وما بينهما. عربية وأوربية وآسيوية وأفريقية وأمريكية. ولقد احصيت على عجالة، ومن الذاكرة وحسب، فتجاوز العدد الخمسين مدينة وعاصمة، ومنطقة وحتى قرية احيانا. دعوا عنكم مقاماته في"العراق وشطيه والجرف والمنحنى" شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً ووسطا..

... نقول "مقامات" ونعني بها حلوله في تلك البلدان وعواصمها ومدنها، إقامة أو مرورا، او مشاركة في مؤتمرات ثقافية وسياسية حينا، أو اغتراباً ونفياً، احايين اخرى . وما بينهما دعوات واستضافات رسمية، او سياحة وارتياحاً وعلاجا. ولفترات تطول أو تقصر، وعلى مدى نحو سبعة عقود، كما نوثق ..

... ولا ندري هنا، إن كان ثمة اي شاعر عربي أو غير عربي، قد طاف في ارجاء الدنيا، مثل ذلك الجواهري، وهو لا يحمل غير "منقارٍ وأجنحة، اخف ما لمّ من زاد أخو سفر" كما يوثق عن حاله تلك، في عصمائه: "أرح ركابك" عام 1969.. أما ما يميّز ذلكم "الطوفان" في العالم أكثر فأكثر، انه – الشاعر العظيم- قد أرخ للكثير من "مقاماته" وحله وترحاله، شعرا معجباً بتلك المدن والعواصم، واهلها ومجتمعاتها.. مقارناً وشاكياً ومحاوراً وشاكراً، ومهضوماً ومهموماً، وسوى ذلك من حالات ومحاور وتأرخات.

وبعد هذه المقدمة العامة، دعونا نرجع لموضوعنا، الذي يحمله عنوانه، ونقصد "مقامة الجواهري البولندية" فنقول انها أبتدأت بعيّد انتهاء حرب  القرن الماضي، العالمية الثانية، حين دُعي الشاعر الخالد، للمشاركة في مؤتمر عالمي للمثقفين من اجل السلام عقد عام 1948 بمدينة " فروتسواف" الواقعة غرب بولندا، وقد كان العربي الوحيد فيه، الى جانب اسماء وشخصيات عالمية لامعة من ابرزها، الرسام الفرنسي الكبير بابلو بيكاسو(1). ولمن يريد الاستفاضة اكثر، فذلك هو الجزء الثاني من مؤلف الجواهري، الموسوم بـ"ذكرياتي" يحمل الكثير والمتعدد من التفاصيل، عن ذلك المؤتمر، وعن اجوائه وظروفه، باستضافة  بولندا، الخارجة الى الحياة من جديد بعد ان دمرتها تماماً – أو كادت- قنابل الحرب...

لقد جاءت الدعوة للشاعر الكبير الى المؤتمر، باعتباره مفكرا ومثقفا وطنيا مميزا، وداعية للسلام والحرية، كما تؤكد ذلك قصائده وكتاباته، ومواقفه خلال، وبعد حرب العالم الثانية. وقد أعتبر ذلكم المؤتمر، بحسب العديد من التأرخات والتوثيقات، اللبنة الاولى على طريق تأسيس، وإنبثاق مجلس السلم العالمي، ذائع الصيت.

ومن جملة ما جاء به ايضاً، مؤلفه " ذكرياتي – الجزء الثاني"  بهذا الشأن، وقائع عن ظروف سفرته وصعوباتها، وفرحه بالدعوة الموجهة " اليه للمشاركة في "مؤتمر يحضره العمالقة من المثقفين الاوائل، ويا لها من دعوة، ويا له من مؤتمر خطير"  يعقد في بولندا " البلد الذي يعد في قاموس المتحكمين، من البلدان الحرام" ذلكم الوقت، بحسب ما كتبه الشاعر الكبير..

وفي سياق تأرخته وحديثه عن الزيارة، قال الجواهري في ذكرياته ذاتها، انه توجه الى وارسو عبر باريس " وبعد يومين خصصا للاستراحة، كان موعد انعقاد المؤتمر، وكنت اقضي ساعاتي في التجوال عبر شوارع وحدائق هذه العاصمة الجبارة- او ما تبقى منها- لان فارصوفيا- وارسو،  ويا للهول كانت خرائب واطلالاً، وبقايا قصور فخمة"...  وتابع "ما زلت اذكر  تلك السقوف المتدلية المعلقة التي تأبى السقوط، وكل قنابل "هتلر" وقذائفه لم تستطع ان تحني هاماتها، وترميها ارضا...". وهكذا يروح مسهباً في وصف الاحوال، معبراً عن  رؤاه في اسبابها ومسبباتها، وغيرها من شؤون وشجون . 

وأيضاً، بحسب الجزء الثاني من ذكريات الشاعر الخالد، فأنه زار وشاهد "فرصوفيا- وارسو" عام 1963 اي بعد 15 عاما على زيارته الاولى لها. وجاء في الذكريات: ان تلك العاصمة " ارتدت كبريائها، ونهضت من تحت الرماد" ... وتساءل مع نفسه:" أهذه "فارصوفيا" التي رأيتها مدمرة وأطلالاً وخرائب؟... أهي تلك المدينة المنهارة تتحول  الى هذه البدائع والجنان؟... واردف:" وتصورت كم هو عظيم الانسان البولوني الذي استطاع خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة ان يحول الرماد جمالاً، والخرائب حدائق، والابنية المتهدمة ابراج حضارة" (2)..

ولم يتحدث  الجواهري في ذكرياته اعلاه عن اسباب تلك الزيارة الثانية الى بولندا، عام 1963 .. ولكن الديوان العامر، يؤرخ عن الامر، وشعراً هذه المرة بالطبع، ويوثق عن وارسو، التى تُسمى بلغة اهلها السلافيين " فرشافا" وتعريبها "فرصوفيا ".. وجاء في مقدمة قصيدته بالمناسبة انه زارها تلبية لدعوة رسمية، وقد القى خلال فترة اقامته فيها رائعته متعددة القافية، امام مؤتمر للطلبة العراقيين. وجاء في مطلعها (3):

(فـرصـوفيـا): يـا نجمـةً تَـلالا، تُـغـازلُ السُـهـوبَ والتّـلالا

                                      و تَسـكُب الرقّـةَ والـدّلالا

فوقَ الشفاهِ الظامئاتِ الحامياتِ الحانيه..

من ذا يوفّي سحرَكِ الحلالا؟، وحُسـنَكِ المـدمّـرَ الـقَـتّـالا

يُـجشّـــمُ الـلـذّةَ و الأهـوالا، حالانِ، ألأحلى أمرّ حالا

إذا أجـلـتُ فكريَ الجـوّالا، فـي كيفَ صيـغَ حسنُكِ ارتجالا

أتـعـبَـتِ الأســــطـورةُ الخَـيـالا ...

وتستمر القصيدة في الوصف، والوجدانيات والشكوى والحنين والتغزل والغزل:

(فرصوفيا): والحسرةُ الحرّى تُريح الكَبِدا، واحسرتا أنّي وُلِدتُ تحتَ أطلالِ الردى

جئتكِ فـي (الستّينَ) ما أشقى وأدنى عددا، إذ مَيْعتي تهرّت اللّحمةُ منها والسّدى

(فرصوفيا): آهٍ على شَرْخِ صِباً تبدّدا، آهٍ على صادحِ أيكٍ لم يجد عندي صَدى

غَرّدتُ إذ ناح وأمسِ نُحتُ لما غرّدا، لم أغترف غيدَك إذ كنت الفتيّ الأغيَدا ...

ثم ينتقل الشاعر الخالد ليسجل ويصف ما علق بذاكرته من اجواء زيارته السابقة لـ (فرصوفيا – وارسو) عام 1948 كما سبق القول، فكتب:

(فرصوفيا): والدم يَستَبقي مدى الدهر دَما، والموت بالعزة يبني لحياةٍ سُلّما

(فرصوفيا): أمسِ رأيتُ الحَجَرَ المكوّما، كان جنيناً وفؤاداً ويداً ومِعصَما

جيلٌ تأبّى أن يُطاطي فَرَموه فرَمى،  لولا الرجولاتُ أراح نفسَه واستَسْلَما

(فرصوفيـا): ما أبدَعَ الأمثـالا، يستـنهـضُ الجيـلُ بهـا أجيـالا....

وبحسب التاريخ الموثق، وأنا شاهد عيان هنا، تلقى الجواهري عام 1986 - وهو مغترب عن بلاده، ومقيم في براغ -  دعوة رسمية لزيارة بولندا، وحضور مؤتمر عالمي، جديد، للمثقفين، من اجل السلام، تستضيفه وارسو، بمشاركة نحو 200 كاتب وعالم ومفكر وأديب اجنبي، من نحو 50 بلدا، اضافة لزهاء 200 آخرين من اقرانهم البولنديين،  وقد لبى الشاعر الخالد تلك الدعوة بعد تمنع وتردد، وكان - في تلك المشاركة الجديدة في المؤتمر الجديد- واحدا من قلة سبق ان شاركت في المؤتمر العالمي، الاول، للمثقفين دفاعا عن السلم في العالم، الذي انعقد عام 1948 في مدينة فروتسواف البولندية، كما اسلفنا.

ووفق معلومات خاصة(4) فقد رافق الجواهري الخالد خلال تلكم الزيارة الثالثة الى وارسو، الناشط الطلابي والوطني، الفقيد شاكر الدجيلي،  كما التقى معه طلبة، وسياسيون عراقيون كانوا يدرسون  او يقيمون هناك، وكانت الزيارة في كانون الاول 1986..

وبعد اختتام الفعالية، وعودة الجواهري الى براغ، تحدث لنا ، ولنخبة من صحابه واصدقائه، بإنتشاء ولأكثر من مرة، عن مشاركته في تلك الفعالية الثقافية- السياسية المميزة، وما رافقها، مستعيدا بعض ذكريات ولقاءات عن زيارتيه الاولى والثانية، السابقتين لبولندا..كما نشر عدد من وسائل الاعلام العراقية والبولندية عن تلك المشاركة الجواهرية. (5).

 

توثيق: رواء الجصاني

...........................

احالات وهوامش

 (1) كتب السيد احمد حسين، متابعة مفصلة بشأن الزيارة الاولى للجواهري الكبير الى بولندا، ونشرتها مجلة "الثقافة الجديدة " عام 1998 وكذلك في شبكة الانترنيت على الرابط:  http://www.althakafaaljadeda.com/ahmad_hussain.htm

ومما جاء في تلك المتابعة: ان تلك الفعالية كانت بعنوان " المؤتمر العالمي الأول للمثقفين- للدفاع عن السلام"  وقد افتتح صباح يوم الأربعاء 25 آب/ اوغسطس 1948 على قاعة كلية الـ«بوليتكنيك» (Polytechnic) في مدينة فروتسواف.

(2) كتاب "ذكرياتي" الجزء الثاني / الاربعينات – الفصل المعنون: مؤتمر المثقفين العالمي.

(3) ديوان الجواهري / قصائد الستينات ..

(4) تفضل علينا د. صالح ياسر، مشكوراً، بتوفير بعض معلومات ذات صلة، حصل عليها في تموز2016  عن زيارة الجواهري الثالثة الى وارسو عام 1986..

(5) أعـدَّ وكتب د. مجيد الراضي، متابعة حول الزيارة الثالثة، والاخيرة، للجواهري الى وارسو، ونشرها في القسم الثقافي من جريدة " الغد الديمقراطي" اوائل العام 1987..