أقلام ثقافية

من المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية (8)

هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة مقالاتي بعنوان (من المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية)، والتي تضم – كما هو الحال في الحلقات السابقة - ترجمة حرفية لمجموعة من الامثال الروسية والتعليق حولها .

ض. ن.

 

الترجمة الحرفية – حسب الملابس يستقبلون، وحسب العقل يودعون .

التعليق – يضرب في ان الرأي يتكون حول الانسان في البداية نتيجة مظهره الخارجي، وبعدئذ يتبلور الموقف تجاهه حسب عقله و أقواله و تصرفاته . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه الكبير كما يأتي – يقيٌم المرء في البدء بالشكل وفي النهاية بالعقل، وهي ترجمة صحيحة .

 

الترجمة الحرفية - المحاولة ليست تعذيبا .

التعليق – يضرب للحث على المحاولة رغم احتمالية عدم نجاحها . يترجم بوريسوف هذا المثل كما يأتي – لا بأس في المحاولة، أما جابر فيترجمه – لا ضير من المحاولة / لن نخسر شيئا في كل الاحوال، وكلها ترجمات صحيحة . يوجد مثل طريف باللهجة العراقية قريب لهذا المثل الروسي من حيث المعنى وهو – حجارة بلاش، عصفور بفلس ( بلاش – مجانا)، وهو مثل يضرب في العمل الذي قد يثمر دون تكاليف، اي انه يستحق محاولة تنفيذه لأنه دون خسائر في كل الاحوال .

 

الترجمة الحرفية – بقرشك انت جيد في كل مكان .

التعليق – يضرب في ان الشخص قوي ويحترمه الاخرون بمقدار ما يملك من مال. توجد امثال عديدة باللهجات العربية المختلفة مناظرة لهذا المثل الروسي و في هذا المعنى منها باللهجة العراقية – فلوسه بعٌبه والناس تحبٌه / او / فلوسك بعٌبك وكل الناس تحبٌك . (العٌب - بكسر العين وتسكين الباء، تعني المكان الذي يضع فيه الشخص نقوده والاشياء الثمينة ويكون عادة طي الملابس قرب صدر الانسان او بطنه ) / الماعنده فلس ما يسوى فلس / وباللهجة السورية – طول ما الكيس مليان بيكثروا الخلان / معاك قرش تسوى قرش ...

 

الترجمة الحرفية – لا يلتقي الجبلان، بينما يلتقي الانسان بالانسان .

التعليق – يضرب عندما يلتقي الاصدقاء بشكل غير متوقع بعد فراق طويل، وهو مثل شائع في الكثير من اللغات، بما فيها لغتنا العربية، والذي استقر فيها كما يأتي – لا تلتقي الجبال وقد تلتقي الرجال .

 

الترجمة الحرفية - دبٌان لا يعيشان في مأوى واحد .

التعليق – يضرب لاستحالة العيش لاثنين في بيت او مكان واحد، كل واحد منهما يريد أن يكون الشخص الاول . يوجد بالعربية العديد من الامثال في هذا المعنى منها – سيفان في غمد واحد لا يجتمعان، وباللهجات العربية المختلفة - حصانين على مربط واحد ما تنربط ...

 

الترجمة الحرفية - اينما تسير الابرة يتبعها الخيط .

التعليق – يضرب لوصف حالة الارتباط الذي لا ينفصم بين اثنين – تابع ومتبوع، فاينما يذهب الاول يتبعه الثاني . يوجد مثل بالعربية مناظر لهذا المثل الروسي وهو – الحبل يلحق الدلو .

 

الترجمة الحرفية – من أجل ان تعرف الانسان يجب ان تأكل معه رطلا من الملح .

التعليق – يضرب في ان معرفة الانسان بشكل دقيق وحقيقي يقتضي مخالطته وقتا طويلا جدا . يوجد العديد من الامثال بالعربية في هذا المعنى منها – خالطه وبعد سنة جربٌه ...

 

الترجمة الحرفية - من اجل ان تأكل سمكة يجب الغوص بالماء .

التعليق – يضرب في ان الحصول على شئ يقتضي القيام بالعمل اللازم من اجل ذلك وبذل الجهد المطلوب . يوجد بالعربية مثل مقارب لهذا المثل الروسي من حيث المعنى وهو – من يخشى البلل لا يصطاد السمك .

 

الترجمة الحرفية - الكلمة الطيبة ( الحلوة ) تكسر حتى العظمة .

التعليق – يضرب في ان الكلام الطيب واللطيف والرقيق يؤدي الى حل المشاكل الصعبة والمستعصية بين الاطراف المختلفة . يوجد مثل عربي بمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى وهو – اللسان الحلو يطلع الحية من وكرها .

 

الترجمة الحرفية – العمل ليس ذئبا، والى الغابة لا يهرب .

التعليق – يضرب لتبرير عدم الاسراع بتنفيذ الاعمال والواجبات بحجة انها لا تهرب، وهو من الامثال الساخرة عند الروس . يوجد مثل عربي بمختلف اللهجات العربية في هذا المعنى وهو – العمر يخلص والشغل ما يخلص .

 

الترجمة الحرفية – يقطعون اشجار الغابة – الشظايا تتطاير .

التعليق – يضرب في عدم امكانية تجنب او تفادي الخسائر والضرر اثناء تنفيذ الاعمال الكبيرة . يترجم جابر هذا المثل الروسي في قاموسه الكبير كما يأتي – لا يمكن تحقيق انجاز ما بدون خسارة او تضحية، / لابد دون الشهد من ابر النحل، وهي ترجمة دقيقة وصحيحة .

 

الترجمة الحرفية – عاش حتى شاب شعره، لكنه لم يكتسب عقلا .

التعليق – يضرب في ان الاعوام وطول العمر لا تؤدي بالضرورة الى ان يكون الانسان حكيما . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – شابت لحانا والعقل ما جانا، وهي ترجمة جميلة ودقيقة جدا لهذا المثل الروسي .

 

الترجمة الحرفية - تسافر ليوم واحد خذ خبزا لمدة اسبوع .

التعليق – يضرب لضرورة الاحتياط لكل الطوارئ و الحذر من كل الحالات غير المتوقعة في الحياة، وربما يمكن القول ان المثل العربي المشهور – الحذر يقيك الضرر قريب من حيث المعنى العام لهذا المثل الروسي .

 

الترجمة الحرفية - نباح الكلاب تحملها الرياح .

التعليق – يضرب لعدم اعارة الانتباه الى الاقاويل الحاقدة والنميمة . توجد امثال عربية عديدة في هذا المعنى منها – لا يضر السحاب نباح الكلاب / القافلة تسير ولا يهمها نباح الكلاب ...

 

الترجمة الحرفية - لن يكف اللص عن السرقة حتى لو تعطيه جبلا من الذهب .

التعليق - يضرب لعدم امكانية اصلاح الانسان الفاسد حتى لو تخلق له أفضل الظروف . يوجد مثل طريف باللهجة السورية ربما يمكن القول انه يتناغم مع هذا المثل الروسي من حيث المعنى العام وهو – القط حج سبع حجٌات وما بطٌل قنصاته.

كرم وتحضرالآشوريين ولؤم وتخلف الأعداء

sadiq alsafiمهما قلنا عن كرم أمراء العرب،حاتم الطائي الذي ضحى بناقته ثم فرسه لأكرام الضيوف،أو ضيافته حتى للنمل الوافد لخيمته، فأن الحديث يبقى قاصراً أمام حقيقة الكرم الآشوري الذي جسده ملوكهم قبل اكثر من 3 ثلاثة الاف عام،حتى عُدَ أصل الكرم لدى الكثيرين- آشوريا- وصفوا السلوك الآشوري -الجوهر،الأيمان،الفكر- والقوة العسكرية والشجاعة ولازمهم الكرم والبساطة

حسب معلومات موسوعة غينس،فأن أكبر وليمة في التأريخ،تلك التي أقامها الملك الآشوري -آشور ناصربال الثاني- عام 883قبل الميلاد،بمناسبة أفتتاح قصره الملكي في كلح-نينوى،حكم الدولة الآشورية 25عاما من-883-ق.م،كان قائدا شجاعا أشتهر بفتوحاته العسكرية ووسع رقعة الأمبراطورية من- الجهات الأربع- حتى وصلت مصر وفينيقيا وقضى على الفتن والأضطرابات التي كانت تثيرها الدول المجاورة وبعض العصابات، وكان يعاقب الأعداء بقسوة بالغة-قسم المملكة الى وحدات أداريه يدير شؤونها ولاة يعينهم بنفسه،أدخل نظام الخيالة في الجيش،أهتم بالبناءوالأعمار وزخرفة جدران القصور،تماثيل البوابات الضخمة مثل الثيران المجنحة رمزا للقوة والاستقرار،نقل عاصمة الدولة من -آشور- الى -نمرود-كالح-في الضفة اليسرى من نهر دجلة وهي ثاني عاصمة آشورية قريبة من الموصل والتي -تعمد المتخلفين - داعش- ومن معهم من الهمج الرعاع -بتدميرها قبل أيام قليلة.!!!بمحاولة حقيرة ودنيئة تمثل مدى الأنحطاط وجريمة نادرة غير مسبوقه في كل التاريخ .!!!

تذكر المعلومات عن وليمة الملك الآشوري -بأن عدد الضيوف 70 ألف من كبار المدعوين ومن الشعب، تم ذبح 2000 ألفي ثور سمين،و14000ألف رأس غنم من عائدات الآله عشتار،و2000الفي عجل،و1000 الف خروف ترعرع في ربيع نينوى

،و1000غزال،و1000بطه و1000وزة برية، و10000عشرة الآف طائر صغير،و 1000طائر غاربيو، و1000حمامه و1000حمامة برية، و10000عشرة الاف سمكة، و10000 عشرة الآف جربوع و10000 عشرة الاف بيضة،و10000عشرالاف رغيف، و10000عشرة الآف وعاء من البيرة،و1000 الف جراب من الخمر،و10000عشر الاف حاوية من الحبوب والسمسم، و1000الف صندوق من الخضروات،و300حاوية من الزيت، و300حاوية من الشعير المنقوع،و100سلة من الرمان، و100سلة من العنب، و100 حاويه من القديموس، و100حاوية من الفستق، و100حاوية من البصل، و100حاوية من الخردل، و100حاوية من الحليب، و100حاوية من الجبن، بالأضافة الى مئات الحاويات المختلفة الاصناف من الحلوى وغيرها

أضافة الى الكرم،أمتاز ملوط آشور بالقيادة الحربية فكان الملك رجل دولة من الطراز الأول، وفتوحاته العسكرية،حب الآداب والفنون،وتشجيع التأليف وترجمة العديد من الكتب الموضوعة باللغات السومرية والاكدية والبابلية ووضع الفهارس والمعاجم،وأسسوا المكتبات العامرة في نينوى أحتوت الألوف من المدونات والرقم الطينية والحجرية..ومنحوتات كبيرة حفلة الصيد وقنص الحيوانات المفترسة بوصفها هواية رجولية -صيد الأسود-وتعد من أشهرالاعمال الفنية التي تحمل خصائص مدهشة..!!.

أن تعدي عصابات داعش ومن معم من المتخلفين تدمير كنوز الحضارة الآشورية وكنوز لحضارات تأريخية أخرى تعد جرائم ضد الأنسانية لابد من ملاحقة ومحاكمة مرتكبيها اينما حلوا ورحلوا لأي أرض، وتعكس مدى وحشية هؤلاء الحثالات أعداء العراق وأعداء التأريخ والأنسانية جمعاء

 

أعداد وكتابة: صادق الصافي

كاتب وأعلامي - مقيم في النرويج

دفاعا عن المرأة

moamar habarأتابع الفضائية المغربية السادسة باهتمام شديد، لما تضمه من علماء وفقهاء في التخصص الذي أبدعوا فيه. وما شدني أكثر، تلك المرأة العالمة الفقيهة ، التي تقدم الدروس للرجال وأكيد للنساء داخل المسجد، في جو كله خشوع وإنصات وإهتمام، وأدب وإحترام من الرجال التلاميذ المتتبعين لها باهتمام شديد، لما تقوله المرأة وترويه وتمليه..

إحذري أن تلقي الدرس في المسجد.. إذن، لماذا تحرم المرأة من إلقاء الدروس في المساجد، ولو كانت الفقيهة العالمة المحدثة المفسرة، وتجبر، وإذا سمح لها، بالاستماع إلى رجل أقل منها علما وفقها وحديثا وتفسيرا، إن لم يكن الجاهل الضعيف.

هذا الإجحاف في حق المرأة المتمكنة، حرمها من أن تفيد المجتمع، بما تملكه من علم وفقه، وما يمكنها أن تبدع فيه. وفي نفس الوقت حرم الرجال من معين ومنافس على مخاطبة المجتمع، والوقوف على أمراضه، ومحاولة تقديم العلاج المناسب له.

لم يكن في يوم من الأيام، إلقاء الدروس في المساجد ، حكرا على الرجال دون النساء، إلا حين تقهقرت الأمة، وأصبحت تمنع من الذهاب إلى المساجد، ناهيك عن إلقاء الدروس في المسجد.

منع المرأة من الإعلام باسم الدين.. أتذكر جيدا، ومنذ سنوات، قال شيخ عبر الفضائية المصرية التي يملكها، لايمكن الاستعانة بالنساء في فضائيتي، بل إنه لا يجوز لها تقديم برامج مخصصة للنساء، لأن ذلك حسب رأيه، يضر بالدعوة الإسلامية !!.وباسم الدين يمنعها من تقديم حصص نسوية عبر الفضائية التي يملكها الشيخ، مابالك بإلقاء الدروس عبر المساجد.

النساء إلى الخلف.. خلال هذا الأسبوع، تابعت محاضرة علمية، شد إنتباهي جلوس النساء في الخلف، وقد سبق أن حضرت محاضرة منذ 10 سنوات في كلية الاقتصاد بجامعة الشلف، فأجبرت الطالبات على الجلوس في الخلف.

لماذا يفرض على المرأة المتعلمة المثقفة، أن تجلس في الخلف، وقد تكون أحسن علما، وأفضل خلقا، وأدرى بموضوع المحاضرة من الرجل، الذي يتصدر المجلس؟. لماذا إذن، يفرض الجلوس في الخلف على النساء، من طرف رجال متعلمين مثقفين متدينين؟.

ممنوع المرأة أن تتحدث عن نفسها.. بين يدي الآن، أسبوعية جزائرية، تعرض على قراءها، أرقام هواتف 07 رجال مكلفين بالإجابة على تساؤلاتهم، فيما يتعلق بالفتوى والدين، وامرأة واحدة، تجيب على الأسئلة المتعلقة بالنساء.

أمتنا لاتعرف فقها للنساء وفقها للرجال، وحين كانت في أوجها ، كان هناك الفقيه، رجل كان أو إمرأة، يتطرق للمسألة، من جوانبها العلمية، التي تخدم المجتمع، دون أن يحتكر الرجل ، التحدث عن الرجل والمرأة معا.

بأي حق، يتحدث الفقيه من الرجال، ومن دونه في العلم والأدب والفقه عن أدق تفاصيل النساء، ومن خصوصيات المرأة، ثم يأتي ويمنع المرأة عن التحدث عن نفسها، وخصائصها، وميزاتها، ناهيك عن أن تتحدث عن "فقه الرجال !!".

هذه بعض الملاحظات السريعة، والتي أمكن إستحضارها، دون الإشارة إلى ملاحظات أخرى، سبق لصاحب الأسطر أن تطرق إليها في مقالات سابقة، عبر سنوات لمن أراد الزيادة والوضوح.

 

 

تحية للمراة العراقية في يومها العالمي

qassim salihyيحتفل العالم هذا اليوم (الثامن من آذار) بعيد المرأة العالمي ،ويسر الجمعية النفسية العراقية بهذه المناسبة ان تتقدم باصدق التهاني واحلى الأماني للمرأة العراقية بيومها العالمي.

ان واقع الحال يشير الى ان المرأة العراقية هي الوحيدة بين نساء العالم التي تعرضت الى معاناة قاسية على مدى (35) سنة..بدءا من الحرب العراقية مرورا بالحرب الطائفية فالحرب الداعشية.

لقد سرقت الحروب الفرحة من عيونها وافقدتها الزوج والاب والابن والاخ،وحفر الزمن تجاعيده بوجهها على عجل..وما تزال تنظر بريبة وخوف من المجهول، فضلا عن تراكامات الهمّ المتزايد يوميا باعداد الارامل والشابات بعمر الزهور.

كانت المراة العراقية تتمنى ان تتحقق لها ظروف افضل لتتمكن من الاحتفال بهذا العيد بصورة تليق بهذا اليوم الكبير فبقيت معظم امنياتها مؤجلات. نعم لقد تحقق للمرأة مكسب كبير بدخولها المعترك السياسي،وصار لعدد مميز منهن صوت مسموع ومؤثر في الحياة السياسية التشريعية والتنفيذية،ومع ذلك فالمرأة العراقية ما تزال تعاني من الاضطهاد والخوف وتوقع الشرّ،والتعرض الى التشريد في الخيام خوفا على ازواجهن وابنائهن وبناتهن من القتل والسبي والبيع .

المفارقة،ان بعض النساء العراقيات لا يعرفن شيئا عن هذه المناسبة، والكثير منهن يبدو لهن الثامن من آذار تاريخا مجهولا في حياتهن وهن يواصلن رحلة العمل اليومي المضاف الى تعب السنين الطويلة التي حفرت تضاريسها على وجوههن بقسوة.

ان الاحتفال بعيد المراة هو اعتراف من العالم بدورها وحضورها في الحياة والمجتمع.فالحياة بدون المرأة..بيت مظلم..بستان بلا ورود..بلا عصافير.. باختصار ..الحياة بدونها وحشة..فمن منّا يطيق الوحشة؟!.

من دونهُنَّ كَيفَ يَكُون المُجْتَمَع؟!

yousif abolfawzلم يخف صديقي الصدوق، ابو سكينة، فرحه، وهو يراني بصحة جيدة، معاودا نشاطي واهتماماتي. وكان انقطاع زياراتي له لفترة، وانشغال الآخرين عنه، جعله منقطعا عن بعض الاحداث. وأحتياطا للأمر، ففي زيارتي الاخيرة له، جعلت حزمة الصحف معي كبيرة، وبح صوتي وانا اقرأ له تقارير من هنا وهناك عن كل ما يهم احوال الوطن والناس. كان ابو جليل، بين فترة واخرى، يهمس لابي سكينة شيئا، فأفهم انه يذكره بأهمية الاستراحة قليلا لنشرب شايا تجود به علينا العزيزة أم سكينة.

كان ابو سكينة، الى جانب استمتاعه بسماع الاخباروالتقارير، مسرورا بعودة اللقاءات وتجمع الاخرين من حوله. لاحظت سكينة ذلك فقالت: لا يوجد أجمل من تجمع الاحباب، حتى الاخبار السيئة حين نسمعها معا يكون وقعها المحزن اخف. فعقبت زوجتي مكملة : والاخبار الحلوة تكون أكثر فرحا.

كنت قد قرأت لهم ردود الافعال وتضارب الاخبار حول قرار رئيس الوزراء حيدر العبادي بإسناد منصب أمين بغداد إلى أمرأة، مهندسة مدنية ناجحة في عملها الوظيفي، وكيف ان القرار نال تأييد وترحيب النخب الفكرية وقوى المجتمع المدني، متأملين ان يساهم وجودها في اضفاء لمسات خاصة على حياة بغداد، خصوصا انه نقل عنها تعهدها بأن تبذل جهدها لتجعل بغداد انظف. بينما تصاعدت اصوات معترضة لاسباب مختلفة، منها كون المنصب يخضع للمحاصصة. قالت سكينة: يبدو انه صعب جدا على البعض ان يشاهدوا أمرأة في موقع مسؤول وفاعل؟ قالت زوجتي: هذا البعض يريد أن ينغص علينا يوم عيد المرأة في الثامن من آذار. وتدخل جليل لاول مرة: كل اعيادنا سوف تظل باهتة، بدون طعم ولون، ما دمنا ندور في طاحونة وباء المحاصصة الطائفية. تجارب الشعوب المتمدنة التي تطورت وبنت مجتمعاتها بسرعة، تخبرنا أن احد اسباب نهوضها كان اعطاء المرأة حقوقها وفسح المجال واسعا امامها لتظهر مواهبها وقدراتها في البناء. والتفت جليل لي مضيفا : أكيد هؤلاء يتجاهلون كون اول وزيرة في الوطن العربي كانت عراقية، وهي المناضلة نزيهة الدليمي، إحدى رائدات الحركة النسوية العراقية، والان ..

سعل ابو سكينة، فسكت جليل مضطرا. واذ وجد ابو سكينة ان الانظار كلها متوجهة اليه قال : هؤلاء الذين يعارضون ان تأخذ المرأة العراقية دورها في تنمية وتطوير المجتمع، زين نذكرهم، بأن الاحصاءات السكانية تقول ان عدد النساء في العراق اكثر من عدد الرجال، وهذا يعني أنهن اكثر من نصف المجتمع، يعني بدونهن ومشاركتهن فأن المجتمع مو بس راح يمشي تك رجل، يعرج ويكزل، وانما راح يضطر يزحف على بطنه!

 

من المعجم الروسي- العربي للامثال والحكم الروسية (7)

هذه هي الحلقة السابعة من سلسلة الامثال والحكم الروسية والتي تتضمن – كما في الحلقات السابقة - الترجمة الحرفية لتلك الامثال مع التعليق حولها .

 

الترجمة الحرفية - لا يمكن ان تملأ بالماء برميلا بلا قعر

التعليق – يضرب للجهد غير المجدي والضائع الذي يبذله الانسان بعض الاحيان في مسيرة حياته . يوجد مثل عربي مناظر لهذا المثل الروسي وهو – لا تنفخ في جرٌة مثقوبة .

 

الترجمة الحرفية – لا يمنح الرب قرونا للبقرة التي تنطح

التعليق – يضرب في ان الرب لا يمنح للانسان الردئ القدرة والامكانية على تحقيق نواياه السيئة تجاه الآخرين .

 

الترجمة الحرفية – البيض لا يعلٌم الدجاجة

التعليق – يضرب للسخرية من الشباب المتبجح الذي يحاول توجيه كبار السن المحنكين وتعليمهم كيفية التصرف . يترجم جابر هذا المثل الروسي في قاموسه الكبير كما يأتي – ما أن فقس من البيضة حتى عزم أن يعلٌم امه الطيران، وهي ترجمة موفقة وجميلة وتحافظ فعلا على روحية المثل الساخرة .

+++++

الترجمة الحرفية – للخوف عيون واسعة

يضرب في ان الانسان الخائف يرى دائما خطرا يحدٌق به رغم عدم وجود ذلك واقعيا، وهذا يؤثٌر طبعا على مسيرة حياته اللاحقة . يترجم بوريسوف هذا المثل في قاموسه كما يأتي – الخوف له ألف عين، وهي ترجمة جميلة وصحيحة فعلا لهذا المثل الروسي . توجد بالعربية امثال عديدة حول دور الخوف في حياة الانسان بهذا المعنى بالذات منها – ان لم تقتل الخوف قتلك / الخوف يشلٌ الانسان ...

 

الترجمة الحرفية - عقل واحد جيد، لكن عقلين أفضل

التعليق – يضرب عند بلورة رأي او قرار، فان من المفيد معرفة رأي الآخرين واستشارتهم . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه الكبير كما يأتي – رأيان خير من رأي / رؤوس كثيرة خير من رأس واحد / أربعة عيون ترى أفضل، وكلها اجتهادات صحيحة . يوجد مثل عربي معروف في هذا المعنى وهو – ما خاب من استشار .

 

الترجمة الحرفية – في الاذن دخلت ومن الاذن الاخرى خرجت

التعليق – يضرب للشخص الذي لا يولي اي اهتمام للنصيحة او القول العقلاني من قبل الآخرين له . يوجد مثل باللهجة العراقية مناظر تماما لهذا المثل الروسي وهو – تخش بها الاذن وتطلع من ذيج الاذن . (تخش – تدخل، ذيج – تلك).

 

الترجمة الحرفية - الحياة ليست في الشباب، والموت ليس في المشيب

التعليق – يضرب في ان الحياة والموت لا يرتبطان بالضرورة بمراحل معينة من عمر الانسان . توجد بالعربية امثال عديدة في هذا المعنى منها – كم عليل تعافى وكم معافى توفى / الاعمار بيد الله ...

 

الترجمة الحرفية – الحياة ليست مثل عبور حقل

التعليق – يضرب لصعوبات الحياة وتعقيداتها. يترجم جابر هذا المثل الروسي في قاموسه الكبير كما يأتي – الحياة ليست طريقا مفروشا بالورود، وهي ترجمة صحيحة وموفقة .

 

الترجمة الحرفية - سبعة لا ينتظرون واحدا

التعليق – يضرب عندما يتأخر شخص واحد فان الجميع يجب الا ينتظرونه . يترجم جابر هذا المثل كما يأتي – ان الاكثرية لا تنتظر الاقلية، وهي ترجمة صحيحة وموفقة .

 

الترجمة الحرفية - سبع مرات لتقيس، ومرة واحدة لتقص

التعليق - اي سبع مرات يجب القياس قبل ان تقرر ان تقص . يضرب في ان الانسان يجب ان يفكر بامعان ودقة وشمولية وعمق قبل ان يقرر القيام بعمل ويحسمه . يترجم بوريسوف هذا المثل في قاموسه كما يأتي – اعقل ثم توكل، وهو حديث شريف ومعروف طبعا، اما جابر فيترجمه بشكل تفسيري في قاموسه الكبير وكما يأتي – فكٌر مليا قبل الشروع بعمل ما، وكلاهما يترجمان هذا المثل الروسي بشكل صحيح .

 

الترجمة الحرفية - البرميل الفارغ يرنٌ

التعليق - هذا مثل عالمي في كثير من اللغات، بما فيها لغتنا العربية . يشير المثل الى ان الشخص الفارغ والتافه والفاشل في الحياة هو الذي يثير ضجة حوله ويطلق صياحا كي يجلب الانظار اليه، ويضرب هذا المثل بالذات لتحديد الانسان الفارغ والتافه هذا وتمييزه عن الانسان الآخر، الذي يمتلك قيمة حقيقية في الحياة .

 

الترجمة الحرفية – سيقان الذئب تطعمه

التعليق – يضرب للحث على العمل وضرورة بذل الجهد من اجل ضمان العيش . توجد امثلة عربية عديدة مناظرة لهذا المثل الروسي منها – رزقه في رجليه (وهكذا يترجمه جابر في قاموسه الكبير) / الرزق تابع للقدم / الرزق يحب الخفة ...

 

الترجمة الحرفية - في بيت المشنوق لا يتكلمون عن الحبل

التعليق – يضرب في عدم الكلام عن الاشياء التي ترتبط بالكارثة في المكان الذي حدثت فيه، وهو مثل شائع في الكثير من اللغات، بما فيها العربية، وقد استقر في المصادر العربية كما يأتي – لا تتحدث عن الحبل في بيت مشنوق .

 

الترجمة الحرفية – جيدا ان تكون ضيفا، لكن في البيت افضل

التعليق – يضرب في ان الانسان يرتاح دائما عندما يكون في بيته وبين أهله . يترجمه جابر في قاموسه كما يأتي – لا مكان مريح مثل البيت / جنة الرجل داره / وهي ترجمة صحيحة . يوجد بالعربية مثل مناظر تماما لهذا المثل الروسي وهو – ما أحلى الضيافة، ولكن المرء لا يرتاح الا في بيته . يوجد باللهجة العراقية مثل طريف وقريب الى هذا المثل من حيث المعنى وهو – رحت الى بيت الله، مثل بيتي لا والله . (رحت – ذهبت).

بغداد "الأجمل" في الوجدان.!

falah almishealلا توجد في التاريخ مدينة أمتلكت من اسرار وجودها وشبابها مثل مدينة بغداد، كل المدن تعيش تلك الدورة التسجيلية للحياة، ولادة ثم نمو بعدها شباب وازدهار ثم كبر وشيخوخة فعجز فنهاية، المدن لاتموت بل يسكنها الموتى إن تعذرت الحياة .

بغداد وحدها إستثناء بالروح وفتنة الشباب الدائم ومحاكاة العصور المتنوعة بما يوازيها من إبداع وحضارات، احيانا تدير وجهها صوب الماضي لتطمئن " بن زريق البغدادي" على أمانته فيها،

(أستودع الله في بغداد لي قمرا .. في الكرخ من فلك الأزرار مطلعه)

لم تكن بغداد الأسوء للعيش، إنما طغى بها السيئون ففاضت بالدم والعنف والفقر والمجاعة والغرباء وبقايا ظلال هولاكو، لكنها بخلاف المدن تختزل أحد أهم شروط الطبيعية فتحفظ في عمق روحها أسرار الأحداث وصور القتلة، كما تحفظ جذور إنطلاقها من جديد ...هكذا يرسم الموقف مصطفى جمال الدين .

(بغداد مهما أشتبكت عليك الأعصر .. إلا ذوت ووريق عودة أخضر)

 

وكم أخلصت للجمال في مجده وصدقه كلمات الأخوين رحباني في عصرنا الحديث، حين أبرزت بعض خصائص بغداد بكونها مدينة للشعراء وصور المجد وعبق الزمان وثرائه ؛

بغداد والشعراء والصور ذهب الزمان وضوعه العطر

يا ألف ليلة يامكملة الأعراس يغسل وجهك القمر

بغداد الضوء والعطر والنارنج والنخيل ودجلة وروائح تاريخ نديّة،إيقاعات موسيقى لاتنتهي يتنقل في هديها بشر حالمون، يمطرون حلاوة ونقاء في إيقاعات جمال يتبدى ويتبغدد في منحى للترف الباذخ الصاعد من ضفاف الأعظمية الى شواطئ الجادرية .

بغداد الراهن تظهر الأسوء للعيش في تقرير شركة "ميرسر" وللسنة السادسة وفق تاريخ الخراب العبعوبي وحكومة الفساد والتزوير واللصوص الذين أذلوّا بغداد وجعلوا يومها بكاء ً، ولم تكن مفاجأة أن تذل أم الدنيا في زمن الدخلاء والجهلاء والأميين، ذاكرة بغداد لن تمحى عنها صور الإبتذال والإهانة والخراب والخرافة التي أوجدها العثمانيون والصفيون إبان تعاقب إحتلالهم لها، لكنهم رحلوا وبقيت بغداد تعانق المجد مابقي الليل والنهار ..تلك منائر موسى بن جعفر الكاظم وهنا مرقد النعمان الإمام الأعظم، يتقاسمان الأمانة في حراسة بغداد مع أفواج المتصوفة والقديسين والفلاسفة والشعراء وأهل الشرف والأخلاق .

مقياس البغادة يختلف عن "ميرسر" فهي لم تزل حاضنة القلب وجنته ..والأجمل في كل الدنيا ..سيغسلها المطر ويعود الأمير نزار قباني يحتمي بثيابها الزاهية .

بغداد ..جئتك كالسفينة متعبا ً

أخفي جراحاتي وراء ثيابي

ورميت رأسي فوق صدر أميرتي

وتلاقت الشفتان بعد غيابي .

شابلن أسطورة الكوميديا الحزينة

abduljabar noriفي بريطانيا 1889 وُلِد شارلي شابلن، ومات في ديسمبر 1977 عن عمر 88 عام، مكان الوفاة / مدينة فاود سويسره، من أصٍلٍ بريطاني، نوع التمثيل كوميديا تهريجية، أيماء، كوميديا بصرية، أفلام صامتة، وحصل على جائزة المرتبة العاشرة في ترتيب (معهد الفيلم الأمريكي) ل100 عمل سينمائي و100 ممثل.

الكوميديا من أهم أسلحة الشعوب المتحضرة في أحداث التغيرات الأجتماعية والقيمية وهذه هي الثوره، حين تقدم كشفاً لكل ما يعوّقْ الأستمتاع بالحياة، ولكل كائنٍ حي من حقهِ أن يستمتع بوجودهِ فوق هذه الأرض، وأنّ شابلن هو المحرك الدراماتيكي الفلسفي لهذه المحفزات الثورية في عملية التغيير حسب منطق جدلية حتمية التأريخ، فهو حاول أصلاح العالم بواسطة السخرية فهو شاعر على طريقتهِ الخاصة، وصانع مجد للسينما وتأريخها فهو أهم شخصية كوميدية أمتعتْ العالم وقدمت للبشر كشفاً أخلاقياً لتجليات المجتمع الطبقي في الظلم والفساد، وأصبح شارلي من خلال شخصية الصعلوك أشهر نجوم الدنيا لآنّهُ أوجد من الصعلوك المتشرد ذو الأخلاقيات التي ترفض الزيف في البشر فقيراً بملابسه لكنه كبيراً بكبريائه وتعففه إلى نجومية " ملك السينما العالمية " وحصل على هذا النجاح لأنه أبن عصرهِ الذي عاش فيه، وبمناسبة مرور 126 عاماً على غياب عبقري الكوميديا السوداء ( المضحكة – المبكية) والذي أدهش الملايين في العالم، وتوج بلقب " ملك الكوميديا الملهاة " فهو بطل الفقراء والبؤساء، وتحققت نجوميتهُ في السينما الصامتة ولمدة 25 عاماً حتى عام 1940 عندما نطق بفيلمه المشهور " الدكتاتور العظيم " الذي جسّد فيه شخصية هتلر بطريقة كوميدية لقصة رجل زرع القلق في العالم، وجعل هتلر المشاهد الأول والأكثر أهتماماً لفيلمه الدكتاتور والذي وصفهُ يومئذٍ (أنهُ كاريكاتير خارق لذاتي ) .

عالج شارلي شابلن بأفلامه الصامتة:

1-سلط الضوء على آفة (الفقر والتشرد) والتي عكستْ طفولته البائسة والتي ذاق فيها شظف العيش والعوز فترجمها بفيلمه ( أطفال يتسابقون في فينيس) مثّل فيه دورالصعلوك " . 2- أجج روح الثورة داخل الأنسان في كل مكان، وعالج مشكلة الأدمان في فيلمه (الملاكم) . 3- وبحث في مشاكل المجتمع الصناعي الي هي سمة المجتمع الأوربي في ذلك الوقت وبيّن بوضوح الصراع الطبقي بين البرجوازية المترفة وبين الطبقة المسحوقة من الشعب . 4- فضح النظام الدكتاتوري ومساويء الأثنية المقيتة المتمثلة بالنازية بفيلمه الدكتاتور والتبشير بتحرير العامل من حيتان الكارتلات الرأسمالية الجشعة، وأهتزاز العالم أمام أيبولا النازية الفاشية المدمرة لكل القيم الأنسانية والأخلاقية للعصر النازي، والذي شدني عند رؤيتي للفيلم الدكتاتور هو خطاب شابلن – والذي تقمص فيه شخصية ميرابو خطيب الثورة الفرنسية – قال : أنني أتوجه للجميع --- لا تيأسوا، ناضلوا في سبيل الحرية، لديكم أمكانية خلق حياة حُرة وجميلة، ولنتحد جميعاً ونناضل من أجل العالم الجديد، لذا أحبتهُ الطبقة العاملة والنخب اليسارية، وكرهتهُ البرجوازية التي كان شابلن يسخر منها بأستمرار، وأنّ الحكومة السويدية منعت عرض فيلم الدكتاتور بناءً على أمر وقح غير دبلوماسي من غوبلز وزير الدعاية النازية في وقتها واستمرت الحكومة السويدية في عدم عرضهِ حتى نهاية عام 2014 حيث عُرِض قبل ثلاثة أشهر وتمتعنا بمشاهدته وهو يتحدى الفكر النازي بشخص هتلر . 5- وبهذه الروحية اليسارية الثورية المهيجة لمشاعر الفقراء من العمال والشغيلة وقد أقترب وتعاطف مع الآيديولوجية الشيوعية وخاصة فيما يخص الصراع الطبقي وحتمية التأريخ . 6- ولأنهُ كان صادقاً مع نفسهِ ومع الآخرين أستعمل السخرية اللاذعة كسلاح وحيد لجلب أنتباه الجمهور إلى عيوب وأسقاطات مجتمعاتهم وحكوماتهم المستبدة، والقى الضوء الكاشف على التطورات السياسية والأجتماعية والأقتصادية في العالم الأوربي . 7- وكره أمريكا لكونها تمثل الأمبريالية في العالم الرأسمالي وعانى من الموجة (المكارثية) العدوانية للكتلة الحرة ومنعتهُ أمريكا من السفر أليها سنة 1952 وحتى 1972 أجازت له دخول البلاد وتوج حينها بجائزة الأوسكار من هوليود، وخاصة عندما أنتج الفيلم المشهور (كونتيسه من هونغ كونغ) 1967 تتألق الممثلة الفاتنة صوفيا لورين أمام الممثل الأمريكي مارلون براندو الذي يؤدي دور الدوبلوماسي الأمريكي، وفي الفيلم يتحدي شابلن أمريكا ويكشف زيفها وتآمرها على الشعوب المقهورة أصلاً .

من أقواله / *حياتي للآخرين لا أستطيع أنْ أغيّر هذا .* أكره منظر الدم ولكنه في عروقي. *الجوع لا ضمير له . *يومٌ بلا ضحك هو يومٌ ضائع .*لن تجد قوس قزح مادمت تنظر إلى الأسفل .

الجنازةُ الأسطوريّةُ /تلك الجنازة التي أحتشد بها أكثر من 30 مليون شخص، رافعين صورهُ، وفي مقدمتهم أكثر من 20 دولة حضروا خصيصاً من شتى أنحاء العالم والذي أنتابهم شعورٌ بالغم والحزن لرجل أسطورة الكوميديا .

خواطرتحليلية/ 1-استعمل شابلن الأيحاء، التهريج، والعديد من الروتينات الكوميدية المرئية . 2- طغتْ التراجيدية المأساوية المضحكة ( الملهاة) المتمثلة بالفقر والتشرد والضياع على أفلامهِ الصامتة منذ 1914 . 3- وكان شابلن أكثر الشخصيات أبداعاً وتأثيراً في عصر الأفلام الصامتة . 4- لعب دور الصعلوك ليعكس حياتهُ الخاصة والعامة رفيعة المستوى خالية من التملق والجدل . 5- وحسب تحليل النخبة المثقفة الفرنسية في القرن العشرين : أنّ أعمال شابلن ليست دعابات مسلية فحسب بل أنّها نصوص شعرية هادفة ملتزمة غير عبثية . 6- النخبة السريالية في الفن قالت عنهُ : كان شابلن يقلق قوانين المكان والزمان، ويقلب رأساً على عقب كل القيم الزائفة من خلال قدرتهِ الخارقة للطبيعة في نفخ الحياة في أشياء جامدة .

أخيراً //أصبحت حكايات شابلن ملجاً وملاذاً للهاربين من رمضاء البؤس والحرمان في عصر الظلمات والعبودية والسيطرة الكنسية، ونحن في العراق وقد عانى شعبنا من نظام شمولي والقائد الرمزصدام بصورة أعتى دكتاتور مزّق العراق أرضاً وشعباً وأحرق ثروات وشباب الوطن في حروبٍ عبثية ---- أقول ألم تلد ولادة مخرجاً وكاتباً شجاعاً في بلاد " الغربة" ويصنع لنا فيلما يصوغ فيه معاناتنا المرّة بشكل فيلمٍ ساخرشبيه لشابلن العبقري الذي اخرج فيلم الكتاتور يسخر من هتلر وهو في أوج غطرسته   {رباه لقد مللنا الأحلام !!!}

 

السويد/ في 5-3-2015

 

كيف تُوقف شخصاً يريد الموت؟

fatima almazroweiلم يعد خافياً أن التغلب على المتطرفين والإرهابيين بات اليوم مسألة وقت، فقد عرفت وسائلهم وأساليبهم الدنيئة، ولذلك فقد افتقدوا عنصر المفاجأة التي كانوا سابقاً يجيدون توظيفها، فيحدثون ضجيجاً يستغلونه ويسخرونه لخدمة أهدافهم والتغرير بكثير من الأبرياء.

الوضع اليوم تغير تماماً، وبات هناك وعي ينتشر ويتسع كل يوم، إن هؤلاء أعداء للحياة، وإن من يدعمهم ويتبنى أجندتهم يحمي أطفاله وأبناءه منهم، بل وصل الحال أن نسمع من يلقي خطبه ملتهبة بالكراهية ضد الغرب وأمريكا، ويشاء القدر أن يرسل ابنه أو ابنته للالتحاق في كبرى الجامعات الغربية لمواصلة تعليمهم.

وبما أننا نتحدث عن التناقضات الصارخة في خطاب الإسلام المختطف أو ما يعرف بالإسلام السياسي، أتذكر قصة روتها لي قبل فترة من الزمن إحدى الصديقات من دولة خليجية، تقول: إن شقيقها استمع في يوم لخطبة جمعة، خصصها الخطيب المُفوَّه للحديث عن أمريكا، وأننا يجب أن نقاطع المنتجات الأمريكية، ولكن كيف تتم هذه المقاطعة، أخذ هذا الخطيب يشرح للمستمعين شروط المقاطعة بأنها شاملة وعامة، وتتمثل في عدم شراء أي مستلزمات من الصناعة الأمريكية، سواء كانت أدوية أو معدات أو أجهزة أو سيارات أو حتى أغذية، وذهب يؤكد أن هذه المقاطعة ستؤثر في الاقتصاد الأمريكي، بل قد تؤدي لانهيارهم اقتصادياً، لذا حث الناس على سرعة البدء ونصر دين الله، والغريب في الأمر أنه عند خروجه من باب المسجد ركب سيارة صناعة أمريكية، وليس هذا وحسب، بل كانت آخر موديل.

هذه التناقضات باتت معروفة عن كل من يتاجر بالدين، ويستخدمه لنصرة قضاياه الشخصية ورغباته ونزواته، لذا دوماً أول طريقة يمكن محاربة الإرهابيين بها هي زيادة وعي المجتمعات بأكاذيبهم وخططهم وطموحاتهم.

المشكلة دوماً في هذا السياق تكمن في ثلة من المغرر بهم ممن تم غسل أدمغتهم، وبأن طريقهم نحو النعيم وجنات الخلد لا تأتي إلا بتفجير أنفسهم وقتل أبرياء من الأطفال والنساء، هؤلاء المرضى مَن الذي يوقفهم ويُبلغهم بفداحة الخطأ الذي يرتكبونه؟ لذا دوماً أعود وأؤكد أن مكافحة الإرهاب تتطلب حزمة من الإجراءات، في مقدمتها تجفيف منابعه الفكرية بالقضاء على أي من مدارسه والمتعاطفين معه، ثم تجفيف منابع الدعم المالي الذي يتلقاه، وأيضاً القضاء على مواقع في شبكة الإنترنت تعتبر صوتاً له وداعماً إعلامياً له، ولا ننسى تكثيف الجرعات المعرفية للمجتمعات، ونشر قيم الإسلام الصحيح النقي، إسلام التسامح، دين رسولنا الحبيب الكريم صلى الله عليه وسلم.

المكان والزمان والإنسان!!

الإنسان يقترن بزمانه ومكانه ويتغير بتغيرهما، ولا يمكنه أن يكون إبن زمانٍ آخر أو مكانٍ آخر؟!!

فالإنسان اليوم هو إبن القرن الحادي والعشرين، ولايجوز أن ننسبه إلى قرنٍ آخر من القرون الماضية أو الآتية، وإنما حقيقة الحياة وإرادة الدوران المتحكمة بالوجود الأرضي، تقضي بالتغيرات والتبدلات المتجددة اللازمة لديمومة الحياة، وإنسياب تيارات بقائها وصيروراتها المتلاحقة المتوالدة المتفاعلة الواعدة.

فلا يمكن للأرض أن تسمح بوضع الحياة في زوايا حادة خانقة مغلقة، وإنما قوة دورانها تطحن الموجودات وتذيبها وتُفاعِلها وتجدّدها، وتمنعها من تنفس الهواء الفاسد والثبات بذات البقعة المكانية والزمانية.

فكلّ موجود أرضي مهما كان نوعه، هو إبن زمانه ومكانه الذي هو حي فيه، ولا تسمح إرادة الحياة وقوة الأرض بالثبات والسكون والتجمد، لأن في ذلك يتحقق التفسخ والإتلاف الحتمي.

والأفكار موجودات أرضية أيا كان مصدرها ومنبعها، حتى وإن كانت دينية أو سماوية أو من وحي قوة ما، إنما تكون مرهونة بمكانها وزمانها، وقد تتفاعل مع الإنسان لأنه مخلوق من فصيلة واحدة، لكنها تخضع لقوانين الدوران وأولويات العلاقة بين المكان والزمان الذي وجدت فيه، وكلما تقادم عليها الزمان تفقد الكثير من درجة صلاحيتها وقدرتها على التوافق مع متطلبات الحياة، وتطلعات الإنسان في أي عصر غير عصرها، وهذا يعني أن التجدد من ضرورات بقائها والتحجر من أسباب تفسخها وإنقراضها، وأن جميع العقائد والأفكار عليها أن تتوافق مع قوانين الحياة وضوابط الدوران ، ومنهج التجدد والتقدم الرقاء وتعزيز البقاء.

ولهذا تجدنا اليوم في مأزق أخلاقي وفكري وعقائدي، وتفاعلات إتلافية تدميرية لواقع الحياة، بسبب إنحشار الناس في مفاهيم عتيقة، وتصورات بالية يريدون فرضها على غير عصرها ومكانها وبشرها، وهذا يتسبب في ويلات وتداعيات مروعة وفظيعة.

فالكتب السماوية مهما كانت قوية وصادقة وشاملة في تعبيرها، إنما هي إبنة مرحلتها، ولا يمكنها لكي تبقى إلا أن تعاصر وتتجدد من خلال الإجتهاد، والفهم المعاصر لما فيها من الرؤى والتصورات، فلا يمكن القول بأن ما جاء في الكتب السماوية ينطبق تماما على العصر الحالي، وإنما أن الكثير مما فيها قد فقد دوره وتفاعله مع العصر، ولا بد من قدرات عقلية واعية تساهم في تجديد الرؤى وعصرنة التفكير والتفاعل مع الزمن الذي نحن فيه.

وهذه معضلة تواجه جميع الأديان وبعضها أدركها وتواصل وتجدد، والبعض الآخر تحجر وتقدد وتعدد ودخل في ظلمات النفي والإجتثاث، مما أدخل أصحاب الدين الواحد في متاهات باطلة، ودفعهم إلى مسارات إنتحارية إنقراضية متنامية، بينما المطلوب من جميع الأطراف النظر إلى واقع الأفكار والمعتقدات بعيون العصر، والتفاعل المنهجي الواعي مع تطورات الحياة ومستلزماتها المتجددة.

وعليه فأن المتزمتون لمنقرضون، فالأديان جاءت لتنظيم الحياة وتحقيق التفاعل الإنساني الرشيد فيها، وإن كانت غايتها كذلك، فعلى الجماعات المنغلقة المتكهفة أن ترعوي وتستعيد رشدها، لا أن تنزوي وتتمادى في غلوّها وعتيق تصوراتها.

فهل أن الأديان مستنقعات راكدة أم أنهار جارية؟!!

 

د-صادق السامرائي

اليوم العالمي للمرأة

hamid taoulostها قد حل شهر مارس ككل سنة معلناً عن انتهاء فصل الشتاء وقدوم فصل الربيع بحلته الزاهية الفواحة بعبق براعم الزهور الجميلة المتفتحة، حاملا معه بشائر الخير والأمل والعطاء وتجدد الحياة التي أتعبتها أيام البرد القاسية، وبهذه المناسبة التي تصادف يوم "المرأة العالمي" -والمناسبة شرط كما يقول الفقهاء-يسرني أن أتقدم لشريكة عمري بالشكر كله على ما قدمته كمناضلة في شتى الميادين من أجل أن تصل المرأة لمثل ما هي عليه في هذا اليوم السعيد على قلوبنا، ومن خلالها أتقدم لكل نساء العالم، الأم، الأخت، الابنة، الزوجة، الحبيبة، وكل العاملات الكادحات منهن، اللواتي يشكلن القوة الناعمة، اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، تلك القوة الثورية التي تعمل خفافيش الظلام، وأعتى الحكومات الدينية وأعنف ميليشيات الإسلام السياسي على إخماد وهج ثورتها وانتصارها، وإبطال دورها الفاعل، والقضاء على جودها الفعال، أتقدم لهن بأحر التهاني وأطيب التمنيات بحياة حرة كريمة عمادها المساواة مع نصفها الثاني ليكملوا بعضهم، ويحققوا للمرأة في المغرب وفي الوطن العربي، ما تم لأختها في الغرب من انجازات ونجاحات وامتيازات في كل الميادين، ضدا على كل قوى الشر وقوى التخلف، التي تضمر لها، مع الأسف، الضغينة والحقد ومختلف أنواع التمييز والعنف والاضطهاد، وتبذل كل الجهود المضنية لحرمانها من حقوقها الشرعية والقانونية في التحرر والمساواة، التي ليست منة من أحد وإنما هي عطاء رب العالمين الذي كرمها، والتي حولها أغوال الكهوف ودعاة دولة الخلافة إلى ضرب من ضروب الخيال، وجعلوها من باب النفخ في القرب المقطوعة، كما يقال، على اعتبار أنه المرأة عورة وناقصة عقل ودين وجاهلة .

وأتمنى لهن في يومهن العالمي - رمز التغيير وطموح الإنسانية - لهذه السنة، أن يكون مختلفا عن كل السنوات الماضية، خال من شوائب التمييز وسمومه، ومنقى من الاستغلال والعبودية، ومليء بالأهداف التحررية الرامية لعالم أفضل لها ولكل الإنسانية، والذي لن يتحقق بالتهليل والفرح والسرور والابتهاج والغبطة والسعادة - التي هي من حقهن – في يوم يتيم مرة في السنة، ولكن بمواجهة كل القوى التي بايعت الشر والتخلف والانتهاك على سلب المرأة هويتها الإنسانية، والذين لا يمكن أن يتخيل عاقل أنها ستحزن، يوما ما، أو تفيق من تلقاء نفسها، ويرق قلبها لحال المرأة، وتتخلى عن مصالحها وامتيازاتها وتعلن أنها تابت وأنابت عن الفتك بأحلام هذا الكائن الذي كرمه الله، وتمكنها من كافة حقوقها، لذلك فليس أمامكن سوى أن تتضامن نساء العالم وتوحد جهودها لمواجهة كل من يحاول سلبكن هويتكن الإنسانية، ونسف كل السياسات التي تعمل على تحويل النضال النسوي إلى شعارات جوفاء تلوكها تنظميات ومنظمات تسمي نفسها جمعيات نسوية تخلط بين الأهداف والمقاصد لتجثم فوق صدر النساء وتعرقل مسيرتها ونضالها نحو بناء عامل الإنسانية الأفضل بغرض الكسب والاسترزاق، من منح الكثير من الجهات المانحة ..

فليكن يومكن العالمي هذا يا نساء العالم، يوم تضامن ضد حكومات الدين المشوه وسياساتها العرجاء، التي تهدف لعزلكن عن ثورتكن من اجل مستقبل زاهر لأبنائكن -أبنائنا- ومستقبلهم .. وليكن يومكن هذا يوم تضامن ضد كل أشكال العبودية، وثورة ضد كل قوانين العار والخزي والانتقاص والدونية ..

وكل عام وأنتن منتصرات ..

حميد طولست

برامج تليفزيونية في الذاكرة .. "أسعد طه" نموذجا

faysal roshdiتعتبر البرامج التلفزيونية حدثا بارزا في حياة الناس، لأن هذه البرامج تحتفظ بها الذاكرة، فالحديث عن البرامج التلفزيونية هو حديث يقاس بجودتها ومدى شعبيتها. فهناك برامج تمر عليك مرور الكرام وهناك برامج تبقى في الذاكرة حتى لو مضى عليها زمن طويل، فقيمتها تكمن في المكانة التي تحتلها في قلوب الملايين من المشاهدين في العالم بشكل عام ، وفي الوطن العربي بشكل خاص.

ومن بين أهم هذه البرامج التلفزيونية التي احتفظت بها الذاكرة على سبيل المثال: برنامج "نقطة ساخنة"وبرنامج"يحكى أن" والبرنامج الجديد "الرحلة" للإعلامي المصري الكبير أسعد طه.

قبل الحديث عن البرامج، ينبغي الحديث أولا عن هذا الإعلامي الكبير، هذا الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ببرامجه الرائعة، بعد أن سطع نجمه من خلال أدائه الرائع، وصوته الساحر الذي يكسر الصمت، ويخلق شيئا اسمه التشويق، صوت يجعلك تعيش الأحداث وكأنها وقائع. حيث تفاعل الجمهور العربي مع برامجه منذ الوهلة الأولى، من خلال ظهوره لأول مرّة في برنامج "نقطة ساخنة" الذي كان عنوانه يدل على مدلوله، حيث تناول بقاع التوتر في العالم، بشكل دقيق يستمتع به المتلقي وهو يتفاعل مع الأحداث.

غاب أسعد طه مدة من الزمن، ليعود من جديد ببرنامج جديد تحت عنوان "يحكى أن"، هذا البرنامج سيبقى صداه إلى يومنا هذا، بصوته العذب وطريقة المتفردة في الحكي التي فاقت توقعات الجماهير، فما أن تبدأ الحكاية حتى تدخل إلى عوالم الزمن القديم. هنا تكمن قوة الأستاذ أسعد طه في إرجاعك إلى العالم القديم عالم الحكايات.. إنه عالم ألف ليلة وليلة.

برنامج" يحكى أن" مكان تلتقي فيه العجائب والغرائب، الحقيقة والخيال، وكل شيء يقوله أسعد تعيشه وكأنه حقيقة . مر على البرنامج عقد من الزمن لكن صداه لا زال حاضرا في أذهان العديد من المشاهدين، حظيت بشرف أن أكون رفقة أصدقائي مطالبين بإرجاعه من جديد، فكانت استجابة الأستاذ أسعد سريعة بإعادة برنامج "يحكى أن" على شكل حلقات مكتوبة. ولعل أبرز حلقة هي حكاية "فاطيمة" التي تركت في نفسي ذكرى مؤثرة.

سنوات مرت، وغياب طويل للأستاذ أسعد طه؟ الكل يترقب عودته، إلى أن عاد الأستاذ من جديد بوجه جديد وبرنامج جديد تحت عنوان" الرحلة" حيث تبدأ مسافة ألف ميل بخطوة. هكذا بدأ أسعد رحلته التي أعادت من جديد سحر الشرق الأوربي، وبالضبط من سراييفو.

في أول حلقة له في برنامجه الجديد "الرحلة" يبدأ بهذه الكلمات الجميلة : " كل ذكرى رحلة والرحلة حكاية، وشرط الحكاية الدهشة والحكمة هي ما يبقى من الحكاية". بهذه الكلمات يعيد أسعد طه الأمل إلى جمهوره الكبير، الذين أعجبوا بأدائه الرائع، والذي سوف يتوجه فارسا للإعلام العربي.            

                  

فيصل رشدي

الشكر شكران

ibrahim alkayatفي 8 آذار 1908، تظاهرت الآلاف من عاملات النسيج في شوارع مدينة نيويورك وحملن بأيديهن قطعاً من الخبز اليابس وباقات من الورود في خطوة رمزية اذ اخترن لحركتهن الاحتجاجية تلك شعار "خبز وورود".

طالبت المسيرة بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع. وكانت هذه التظاهرة بداية تشكل حركة نسوية ملتزمة لا سيما في الولايات المتحدة.

وبدأ الاحتفال بالثامن من آذار يوما للمرأة الأمريكية تخليداً لتلك التظاهرة، ثم تبنته الدول الأوربية ـ أيضا ـ يوما للمرأة. غير أن تخصيصه عيدا عالميا للمرأة لم يتم إلا بعد سنوات طويلة، وتحديدا عام 1977، عندما تبنت منظمة الأمم المتحدة هذه المناسبة فأصدرت قرارا يدعو دول العالم إلى اعتماد أيّ يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة، فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من آذار, ليتحول هذا اليوم إلى رمز لنضال المرأة اذ تخرج فيه نساء العالم في تظاهرات للمطالبة بحقوقهن ومطالبهن.

وبهذه المناسبة، وجهت الأمانة العامة لمجلس الوزراء قبل أيام الوزارات كافة والجهات غير المرتبطة بوزارة للإيعاز إلى اللجان المختصة بالمرأة ووحدات النوع الاجتماعي للقيام بزيارات ميدانية لمجمعات النازحين في محافظات العراق.

وذكرت الأمانة أن الزيارات تأتي لتقديم المساعدات العينية الخاصة بالنساء إحياء لمناسبة الاحتفال بـ (اليوم العالمي للمرأة) الذي يوافق الثامن من آذار من كل عام وخروجا عن الإطار التقليدي للاحتفال المذكور سنويا وانسجاما مع التحديات المالية الراهنة.

وهنا نشكر الأمانة، ليس لأنها وجهت بالاحتفال بيوم المرأة العالمي، ولكن لأنها لم تتذرع بالتحديات المالية الراهنة، فالشكر شكران، أحدهما أن تشكر مَن يسدي جميلا إليك، والآخر أن تشكر مَن لم يُسيء إليك على غرار ما قال كوكب حمزة.

وأقصد فناننا الكبير الذي لحّن فاستقرت أغانيه في ذاكرتنا ووجداننا: يا نجمة، أفيش، بساتين البنفسج، مكاتيب، محطات، الكنطرة بعيدة، شوك الحمام، تانيني، وين يا المحبوب، همه تلاثة للمدارس يروحون، شيلي تمر بالليل، ورائعته "ياطيور الطايرة" التي يعدّها الفنان محمد نوشي منعطفا في مسيرة الأغنية العراقية، ومن علو ريشته وشهرته فان الصحافة والنقاد والمحبون والمعجبون لم يتركوا شاردة أو واردة في حياته لم يتناولوها، حتى أنه مرة سُئل: كيف أسموك أهلك بهذا الاسم الجميل، لا سيما وأنت قد ولدت قبل منتصف القرن الماضي وفي بلدة نائية هي ناحية القاسم بمحافظة بابل.

فأجابهم: عندما ولدت، أراد الأهل أن يكون اسمي مباركا فآثروا اختياره من القرآن الكريم، ولما فتحوا القرآن، ساعتئذ، ظهرت لهم الآية 35 من سورة النور: "كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ .....".

وأضاف: وأنا أشكر أهلي، ليس لأنهم أسموني "كوكب" بل أشكرهم لأنهم لم يسمّوني "درّي".

 

اجنحة المعاني

abdulrazaq alghalibiكلمات الحق وقحة تتأبط اجنحة كلسانها الطويل، تحلق عاليا في اثير المعنى والتبليغ، تستمد عقيدتها من المنابع الدافقة في جغرافية التصرف والمثل وحقول الممارسات الانسانية المترعة بالخضرة والنضارة في تشكيلات الاطياف اللونية والمزاجية لشخوص المجتمع المخططة انواعها بخطوط اجنحة الفراشات المحلقة فوق مياسم الزهور تقبلها بشهوة وتكرع بنهم رحيق التجارب والخبر الذي يثملها فتتنقل مترنحة من زهرة الى اخرى فوق اجنحة الالوان المبعثرة في اثير منهك من موجات الجمال المكثفة في حرب يشتعل اوارها بين مياسم الزهور حول احزمة الضوء الذهبية التي تنثرها الشمس بكرم يديها الناعستين في هذا الاثير السرمدي ....!

تأخذ كلماتي منحى مجنح احيانا بجناحي ذبابة حين تطارد وجها دبقا يطرد الخير والخبز ويتزين بقباحة الشر العقيمة واخرى جناحي فحل نحل لسعته موجعة، ينتفخ موطئها في الحال وهو يطارد اشرعة الخبث، واجنحة حمامة بيضاء تزين اكتاف حدث يكافح جبروت الفقر من اجل رمق يومي وآخر وضع صدره سدا للوطن وزندة مسندا للسلاح واصبعه ملتصقا بالزناد ذودا عن حياض موطأ الرأس والجسد ويفترش ساحة اهتمامي وجه من وجوه الانسانية المعمدة، بالبؤس طريقا والحرمان منهجا والفقر رداء ويحمل في قيضته مصير عائلة وفي فلبه حقوق مسروفة لشريحة مسحوقه نذرت نفسها للعطاء والدفاع فقط......!

لم يتجاوز العاشرة، يتوسد بلاط الرصيف غائبا تماما عن الواقع الصباحي المكتظ بجلبة وفوضى توقظ اهل المقابر الا جزء من حزمة نومته الصباحية قد بتر بفعل مغيب لي على الاقل حين غلبه الوسن في باب بيتي ليكملها، تخطيت المشهد بهدوء وجسده المتهالك محشورا بين الحائط وبلاط الرصيف وراسه يتدلى فوق عتبة الباب، غلبتني عجالة العمل والقتني بعيدا عن متناول الفضول وعبرت نحو الجهة الاخرى للشارع استوقف مركبة للذهاب لعملي وذهني وافكاري واحاسيسي جزءا يرتع في اطار تلك المأساة التي لم تبلغ من الرشد سنا وتحمل ثقلا كبيرا وهي تواطن اثير البراءة المفترض وتصبح وتمسي تحت رفيف علم رسمي تغطي الوانه جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى التشريعية، واخذني عملي من كل المفترضات التي تساكن اخيلتي وغاب المشهد بقية اليوم على الاقل...!؟

وتوالى المشهد بالروتين صباحين، اثار دهشتي وسمك فضولي لملاحقة هذه المأساة، وفي اليوم التالي استيقظت مبكرا وجلست في باب المنزل منتظرا، وهلت بوادر المأساة واخرى صبية اكبر قليلا بالمقارنة، افترقا عند باب المدرسة المقابلة وعبر الشارع نحو المعتاد، فاجئه وجودي ولصق ظهره في الحائط، يبعد عني مسافة المترين وقبل ان يخطفه النعاس المعتاد من وافعي، بادرته السؤال:

" ما اسمك....؟" اجابني من اعماق نوبات التثاؤب التي تهاجمه بين حين وآخر:

" علي...!"

" وما هو عمل والديك...!؟" اجاب هذه المرة بانتباه كامل يظهر نجاحي باهرا بطرد النعاس من عينيه واختلاس انتباهه كاملا :

" لقد توفى والدي قبل سنة وتبعته والدتي بعد شهرين ....!"

" يا الله ....!" ومع من تعيش...؟"

اطرق رأسه قليلا وتحسر بعمق وبدأت عيناه تلألأ وقبل ان يتفجر بالبكاء قال:

" مع اختي التي ارافقها الى المدرسة كل يوم وانتظرها هنا حتى ينتهي دوامها.....!"

ضاق صدري قليلا وتحاملت على نفسي لالتقاط انفاسي وتفاقم الحاحي وفضولي كثيرا وقررت بلوغ نهاية المطاف من بؤس متفرد لا مثيل له ولا مقارنة فيه مطلقا فهو لباس فصل بدقة متناهية لكي يلائم اجساد اهلنا واطفالنا العراقيين فقط ويشكل موصى به ومصير محتوم ان نرتضيه قسرا شئنا ام ابينا، مسحت بيدي على رأسه وقلت :

"لا تهتم يا ولدي، ربك كريم ورؤوف بعباده ولا يقبل الظلم ابدا...لتكن ثقتك كبيرة به....!" هدأ قليلا عندما لاحظ تفاعلي معه واهتماني بقضيته وقال:

" ونعم بالله....!

ساد صمت بينا عند تكاثف ضوضاء المركبات المكتظة في الشارع العام ما جعل استمرار المحادثة مستحيلا وبعد انحسار هذا الموقف عدنا للحديث مجددا وقلت:

" وكيف تعيش انت واختك وهل لديكم مورد رزق ثابت....!؟" اجاب بتلعثم واحراج:

" لا والله.....!.... فانا اخرج في الصباح الباكر، قبل شروق الشمس لالتقاط الفضلات من مزابل المحلة والقناني الفارغة وعلب الالمنيوم لبيعها ثم اكمل بقية اليوم في السوق لبيع اكياس البلاستيك وما يخرج عن ذلك قوتا لنا وبالكاد يسد الرمق ...!" مسك قليلا ثم استأنف الحديث قائلا:

" احيانا تمدنا بعض المناسبات مثل المآتم والاعراس بوجبة دسمة حين املا كيسا من فضلات المدعوين ليعيننا يومين او ثلاثة ايام ونلقي ما يفسد في القمامة لعدم وجود مجمدة او ثلاجة في بيتنا في حي الصفيح المكان الذي صار علامة واضحة ومعروفة لقياس درجة العوز والبؤس في جميع محافظات العراق وخصوصا المحافظات الجنوبية...!؟"

لمحت عقارب ساعتي وهي تعدو نحو الظهيرة بشكل متسارع غطى فترة عملي لهذا اليوم وانا افكر بقضية علي والملايين مثله من فقراء وبؤساء في بلد يطفو على بحار من ذهب...!

الزوجة المتغطرسة المتعالية!

fatima almazroweiهناك كثير من المشكلات البينية، أي خلافات تحدث بين اثنين قد يكونان زوجين أو صديقين أو أباً وابنه أو ابناً وأمه .. إلخ، يكون سببها الفهم الخاطئ. والمعضلة العظمى الحقيقية أنه يحدث تطور في مثل سوء الفهم هذا الذي بدأ صغيراً جداً لينمو ويكبر، حتى يتمكن من التسبب في انهيار، سواء في العلاقة الزوجية بين زوجين أو الغضب وطرد للابن من قبل أبيه أو لغضب وحزن للأم ضد ابنتها أو ابنها.

لكن، ماذا لو كان هناك سبب آخر مختلف تماماً عن سوء الفهم؟ وأقصد تحديداً المرض النفسي، نعم أن تكون زوجتك أو ابنك مريضاً وأنت لا تعلم، وهذا واقع وحدث، لن أذهب بعيداً فقد وجدت كتاباً شائقاً وجميلاً في علم النفس السلوكي المعرفي، وكيف يكون الإنسان جريئاً ومعبراً عن نفسه روى المؤلف في كتابه ثلاث قصص مؤثرة وقوية تظهر لنا فداحة الجهل وأضراره، وأيضاً تكشف أنه قد يكون هناك ضحايا كثر بسبب هذا المرض من دون أن نشعر.

في إحدى تلك القصص، رُوي عن أحد الآباء غضبه من ابنه الأكبر والسبب هو تجاهل هذا الابن لكل مناسبة يقيمها الأب في منزله، فهو لا يحضر للجلوس مع الضيوف ولا يقدم لهم الشاي ولا القهوة وكأنه متعالٍ يتنكر للعادات والتقاليد، وهذا ما جعل الأب يقسو على ابنه ويطرده من المنزل، كاد الابن يفقد مستقبله ويتعرف إلى أصدقاء سوء، لكن بتدخل العلاج النفسي وبعد جلسات عدة، اكتشف الأب أن ابنه مريض بالرهاب الاجتماعي، وكان يعانيه في صمت وخوف وحده، نجح العلاج في إعادة إدماج الابن في مجتمعه وهو اليوم متخصص في الهندسة الميكانيكية.

وهنا أسأل، كم من ابن أو ابنة تعاني الأمراض النفسية وتقف جملة من الموانع في اكتشاف وعرض حالتها على متخصصين، فيذهب مستقبلها وزهرة شبابها سدى؟

قصة أخرى أوردها المؤلف، تحت عنوان: " الزوجة المتعالية "، وهي عن امرأة كانت ترفض دوماً وتتملص من المناسبات الاجتماعية التي تقيمها أسرة الزوج، ويكون هناك حضور كبير للنساء فيها، ما جعل الزوج وأهله يصفونها بالمتكبرة والمتغطرسة، بل وصل الأمر إلى رفضها الذهاب للتسوق خصوصاً عندما يكون السوق مزدحماً جداً، وهكذا باتت حياتها الزوجية مهددة بالطلاق، إلا أن فطنة الزوج وتعليمه جعلاه يعرضها على معالج نفسي، وبعد مضي بعض الوقت استجابت للعلاج وبدأت حياة اجتماعية مختلفة، في مكان آخر يمكن لمثل هذه الحالة أن تنتهي بالطلاق وهناك حالات كثيرة.

الذي أريد الوصول إليه هو أن هناك مبررات لدى الناس عندما يمارسون فعلاً نرفضه، فإما أن يكون الجهل أو عدم الرغبة بالمشاركة أو حتى وجود مرض تماماً مثل تلك القصص، لكن أن نقسو ونستعجل في أحكامنا ونجعل حداً فاصاً بين تحقيق رغبتنا أو العداء، فهذه ليست حياة متكافئة متوازنة بل هي أشبه بحرب، فلنحاول فهم الآخرين ولنتلمس لهم الأعذار، فقد يكون لديهم بدلاً من العذر الواحد مئات الأعذار والأسباب.

نصيحة لا تقسوا على من يختلف معكم وحاولوا تقدير ظروف الآخرين.

الأعلى .. الأعلم .. الأفضل

wadea shamekhمن المقومات المهمة لحياة المجتمعات البشرية المتحضرة أن تكون لها نظرة واضحة للحاضر وإستشراف ثاقب للمستقبل مع حوار فعّال ونقدي مع الماضي بوصفه مرحلة سابقة تحمل في طياتها ما يمكن الاستفادة منه أو طرحه في عملية جدل وفحص دائمين .

كما لابد لهذه الشعوب من قدرات بشرية قادرة على الإمساك بهذه الرؤية وصياغة برامج عملية لغرض تطبيقها على الواقع وحصد نتائجها لصالح تطور الإنسان وتعزيز مكانته بوصفه صانع الحياة وبانيها ومستخدمها معا .

......................

ولا تسعى الشعوب البشرية والفاعلين فيها الى تنميط حياتها على أيّ نموذج مسبق دون المشاركة في فحصه والتفاعل معه نظريا وعمليا، وهنا تنشأ النظرة الواقعية – العملية، للبرامج في مجالات الحياة كافة.

وهنا لا مجال لنشوء عقدة الخوف أو الإنبهار من الآخر وفي شتى الحقول . وبهذا التوازن في الرؤيا ينتج البحث الشامل والدقيق لكل مفاصل برامج مسيرة الحياة الاجتماعية والنفسية والاقتصادية .. الخ ..

وتسير الحياة بوتائر متصاعدة دون الحاجة الى قفزات أو أبطال أو رموز بشرية كانت أم مادية، وهنا ينشأ الفرد السوي والمجتمع المتوازن والذي تحكم حياتهم القوانين والقوة المطلوبة للدفاع عنها على المستويات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتتحقق العدالة وفقا لتقسيم وفصل السلطات بحسب " مونتيسكو".

...................................

في الجانب الآخر من حياة المجتمعات القلقة، المجتمعات التي تعاني من قصر نظر وعشوائية في تعامعلها مع الآخر زمنيا ومكانيا، داخليا وخارجيا، المجتمعات المنقسمة في شخصيتها وولائها نحو ماكنة السلطة واشتراطاتها وبين سلطة الدين قوة العرف الاجتماعي والعادات والتقاليد أيضا .

هنا يكون المجتمع منقسما والفرد متوزعا، لا توازن ولا أفق مشترك للرؤيا ومن هذا الجو المحتقن بالقلق وفقدان الإستراتيحية العملية للحياة ينشأ التمايز االخطير فتجد شيوع صفات غالبة على الأفراد مثل " الأعلم "، وصفات للأشياء ك" الاعلى :" وصفات للمجتمعات للتمييز ك" الأفضل "

..........................................

عدم التوازن الداخلي في توصيف الأشياء والكائنات سيقود الى خلل كبير في التعامل مع الآخر المختلف، لا بوصفه ندا نتفاعل معه ونقيم معه حوارية الحياة الدائمة، بل بوصفه " الأعلم، والأعلى، والأفضل "، ونحاول جاهدين استنساخ هذه الصفات كي نسبغ على حياتنا تصورا كارتونيا للتفوق او مضاهاة الآخر المتفوق !

فحين نبني جسرا أو برجا نصفه بالأعلى في العالم، وحين نريد الحديث عن فضائل اجتماعية نقول " نحن الأفضل "، وحين نريد اجترار تاريخنا الماضي نتصرف وكأننا أساتذة مزمنين للعالم ونحن " الأعلم " !!

هذه النقصات، الضعفات، التخوفات، هي التي تقف وراء تحجرنا في التعامل مع الحياة الجارفة لكلّ شيء.

.............................................

عقدة النقص التي تسيطر على الكائن المنشطر الولاء، والدولة العاجزة عن الإستفادة من تنوع أعضائها ستكون عرضة للزوال التدريجي بحكم قانون الفناء الحتمي للدول والإمبراطوريات حسب منطق عالم الاجتماع الكبير " إبن حلدون" .

ولكن إنهيارها لا يكون بشكل تدريجي ووفقا لأداور إستحالة الكائنات والدول في النشوء والزوال، بل أن سقوطها سيكون مدويا في حاضرها قبل مستقبلها .

...........................

في المجتمعات المتعددة الثقافات والأعراق والتي تتسم بحضارية الفكر ومدنية الحياة تختفي مثل هذه العقد الفردية أو المجتمعية الى حد بعيد، ففي حديث مع صديق مهاجر الى أستراليا قال :" لقد خرجنا من مطار سوريا المتواضع في ظل ظروف أمنية خطيرة لم نشعر سوى بلحظة مغادرة الأجواء السورية حتى هبطنا في مطار دبي الدولي حيث قضينا يوما هناك " ترانسيت " ولقد بهرنا تماما بالفخامة العالية للمبنى وكذلك بوجود خدمات ممتازة، وعندما حان موعد الطيران الى أستراليا قلت في سري : إنها فرصة ذهبية لأرى مطارا من طراز أوربي في سيدني، وحين حطت الطائرة في مطار سيدني الدولي ونزلنا الى باحة المطار فقد صُعقت من بساطة المباني قياسا بمطار دبي "

وهنا أوقفت صاحبي عن الكلام المباح وحلم الليالي الملاح، قلت له : يا صديقي أنت ستعيش في ظل مجتمع وحكومة ودستو ر، متحصنين من عقدة التفوق في الأعلى، والأعلم، والأفضل "

 

مذكرات ايليا ايرنبورغ

قال احد الباحثين الكبار في تاريخ الادب الروسي مرة، ان نتاجات ايليا ايرنبورغ من روايات وقصص واشعار وترجمات ستصبح يوما – ما جزءا من التاريخ ليس الا عدا مذكراته، اذ انها ستبقى حيوية ومتفاعلة مع مسيرة الادب الروسي، وسيبقى القارئ الروسي يطالعها دائما ويتمتع بها ويتعلم من احداثها ومن نظرتها الشاملة والموضوعية والعميقة . وعلى الرغم من مرور وقت ليس بالطويل على هذه الكلمات، فانه يمكن القول فعلا ان قراءة نتاجات ايرنبورغ قد بدأت تتقلص لدى القراء، ولم تعد رواياته الشهيرة مثل (سقوط باريس) او (العاصفة) مثلا (واللتان حازتا على جائزة ستالين في حينها، وترجمتا الى لغات عديدة، ومنها لغتنا العربية) واسعة الانتشار بالنسبة للقارئ الروسي بشكل خاص والقارئ الاجنبي الذي يتابع الادب الروسي عموما، عدا مذكراته تلك.

مذكرات ايليا ايرنبورغ صدرت بعنوان – (الناس، الاعوام، الحياة)، وجاء هذا العنوان في بعض المقالات والترجمات والدراسات العربية هكذا – (الناس والاعوام والحياة) وليس ذلك بخطأ طبعا . بدأ ايرنبورغ بالتخطيط لنشر مذكراته في نهاية خمسينيات القرن العشرين، وبالذات، عندما استقرت الى حدٌ - ما أفكار وتوجهات المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي المشهورة والمضادة للستالينية وعبادة الفرد في المجتمع السوفيتي، هذه المرحلة الجديدة التي اخذت من ايرنبورغ نفسه تسميته لها، عندما نشر عام 1954 قصته الطويلة بعنوان استقر في المصادر العربية هكذا – (ذوبان الجليد، او، ذوبان الثلوج)، وهو عنوان يتكون من مفردة روسية واحدة تعني بدء الدفء، الذي يؤدي بالطبع في روسيا الى ذوبان ثلوج الشتاء، وقد دخلت هذه الكلمة الى اللغة الروسية المعاصرة بمعناها المجازي هذا لدرجة ان واضع القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير الصادر عام 2012 في موسكو الدكتور جابر قد أشار في قاموسه المذكور الى ذلك قائلا انها تعني – (فترة انفراج نسبي في حياة البلد السياسية اثناء تزعم نيكيتا خروشوف للحزب والدولة في الاتحاد السوفيتي)، (وهو شرح يحمل وجهة نظر خاصة بالطبع ويحتاج الى اثباتات وتبريرات لا مجال للحديث عنها تفصيلا في اطار هذه المقالة) . ومن الواضح، ان ايرنبورغ اراد الاستمرار بتوثيق كل ما رآه او سمع به او ساهم فيه اثناء مسيرته الحياتية الفكرية الطويلة على مدى نصف قرن تقريبا، ولهذا أخذ يكتب مذكراته تلك، ويجب القول والاشارة والتأكيد حتما الى انه نجح نجاحا باهرا في عمله الابداعي هذا . لقد لفتت هذه المذكرات نظر القراء رأسا عندما بدأ ايرنبورغ بنشرها في مجلة (نوفي مير) (العالم الجديد) الشهرية، والتي كان الشاعر الروسي تفاردوفسكي رئيسا لتحريرها (وهي المجلة التي قدمت قصة سولجينيتسن الشهيرة يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيتش )، وكما حدث مع سولجينيتسن، اضطر ايرنبورغ ايضا الى الاتصال بالزعيم السوفيتي خروشوف لمساندته ضد الرقابة الحزبية التي بدأت تتدخل بقوة وتشطب هذا الاسم او ذاك وتمنع نشر بعض المقاطع من مذكراته، خصوصا عندما كان يتناول الاسماء الممنوعة او شبه الممنوعة في ذلك العصر، وعلى الرغم من ان (خبراء قسم الثقافة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي) قد بدأوا يتساهلون نوعا – ما مع ايرنبورغ بعد توصية خروشوف، الا ان النص الكامل لتلك المذكرات ظهر – مع ذلك وبالرغم من ذلك - بعد سنين طويلة من رحيل ايرنبورغ (توفي عام 1967)، وفي عام 2013 دخلت هذه المذكرات ضمن قائمة ال (100 كتاب) التي نشرتها وزارة التعليم والعلوم الروسية ، وهي القائمة التي اوصت الوزارة ان يطلع عليها الجميع في القراءات الخارجية لاكتمال ثقافتهم وبلورتها .

تقع هذه المذكرات في سبعة كتب باكملها، وقد بدأ ايرنبورغ بكتابتها عام 1958 وقال عندها انه بدأ بكتابة كتاب سيكرس له كل سنين حياته المتبقية وسينهيه في نهاية عمره، وهذا ما حدث فعلا .

في عام 1960 ارسل ايرنبورغ الكتاب الاول من تلك المذكرات الى مجلة (نوفي مير) كما ذكرنا أعلاه، ولم يستطع رئيس التحرير ان ينشر الفصل الخاص بنيقولاي بوخارين، الشخصية السياسية الكبيرة في تاريخ الحزب الشيوعي السوفيتي والذي أعدمه ستالين عام 1937 اثر محاكمة صورية كما هو معروف، وذلك لان اسم بوخارين لم يرد آنذاك في قائمة الذين اعادوا اليهم الاعتبار، وان نشر اي شئ عنه يتطلب موافقة خروشوف شخصيا، وقد اضطر ايرنبورغ ان يكتب رسالة الى خروشوف وقال فيها ان بوخارين رفيقه في المدرسة، ولكن خروشوف – مع ذلك - لم يوافق على النشر وطلب من ايرنبورغ التأني بشأن ذلك، وقد تم نشر هذا الفصل وبشكل مختصر في عام 1988 فقط، اي بعد 28 سنة من تاريخ كتابته لذلك الفصل، وبعد وفاة ايرنبورغ وخروشوف بسنين طويلة، وتم نشر الفصل هذا كاملا في عام 1990 ليس الا .

لقد أراد ايرنبورغ ان يقدم للجيل الجديد تلك الاسماء الكبيرة في الادب والفن والسياسة ...الخ، والتي لم يكن يعرفها ذلك الجيل نتيجة منعها من قبل الرقابة الصارمة ايام ستالين، مؤكدا على ان الجيل الجديد يجب ان يعرف تاريخ بلاده واعلامها. لقد طرح ايرنبورغ فعلا تلك الاسماء بكل شجاعة مثل تسفيتايفا ومندلشتام وميرخولد وأخماتوفا وبابل ...وتناول اسماء اوربية في الفن التشيكيلي لم تكن معروفة للقارئ السوفيتي الاعتيادي بشكل واضح المعالم مثل موديلياني وبيكاسو وسلفادور دالي وشاغال ... والذين كان يعرفهم شخصيا اثناء اقامته في باريس، وتوقف طويلا عند همنغواي وحدد شعاره – من وجهة نظره - في الابداع كما يأتي– الحب، الموت، العمل، النضال ...وتحدث عن ذكرياته اثناء الحرب الاهلية في روسيا في عشرينيات القرن العشرين وعن الحياة الثقافية في موسكو في تلك الفترة وعن المؤتمر الاول لاتحاد الادباء السوفيت ونقاشه مع غوركي وتناول طبعا فترة اقامته الطويلة في المانيا واسبانيا وفرنسا وعلاقاته الثقافية مع كبار الادباء الاوربيين ومساهماته في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم... وباختصار فقد عرض للقارئ السوفيتي عوالم جديدة بكل معنى الكلمة والتي لم يكن يعرف عنها اي شئ، لهذا أخذ هذا القارئ ينتظر بلهفة وحماس منقطع النظير تلك المذكرات ويتلاقف تلك المجلات التي تنشرها، وقد أثار هذا الوضع بعض الصحف والمجلات السوفيتية الاخرى وبالتالي وقفوا ضد تلك المذكرات، ومنهم رئيس تحرير مجلة (أكتيابر) (اكتوبر) الادبية المعروفة وغيره، معتبرين ان القضايا التي يثيرها ايرنبورغ هي (ظواهر ثانوية وذاتية بحتة)، وازدادت هذه الحملة المضادة له بعد تنحية خروشوف عن السلطة عام 1964، وقد ساهمت في تلك الحملات حتى جريدة (ازفيستيا) السوفيتية الشهيرة لدرجة ان ايرنبورغ لم يستطع نشر الكتاب السابع للمذكرات كاملا، وهو الكتاب الاخير من المذكرات، واوقفت المجلات الرسمية طبع الفصول الاخيرة منه، وقد تلاقفتها طبعا المجلات والاصدارات غير الرسمية والتي بدأت في تلك الفترة بالنشر السري والتداول بين القراء ...

ان مذكرات ايليا ايرنبورغ تتعايش مع القراء الروس المعاصرين لحد الان، وقد كتب احد النقاد قبل فترة قصيرة يقول، انه حضر نقاشا حول بيكاسو وشاهد كيف ان الشباب كانوا يستشهدون بآراء ايرنبورغ في مذكراته حول بيكاسو، ويستنتج الناقد قائلا – (ذلك يعني ان تلك المذكرات لا زالت تحيا معنا في القرن الحادي والعشرين).

عندما يصبح "العقّاد" عيبا!

asya rahahliaنحن نعيش عصر الرداءة بلا منازع، ولو تنافست الأزمنة منذ بدء الخليقة على كأس الوجود لتدنّي الذوق وهبوط الحس الفني والأدبي لكان لزماننا هذا شرف الفوز عن جدارة واستحقاق.أحيانا يُخيّل إلي أنني أعيش فوق كوكب آخر أو أنني جئت قبل زماني أو بعده، لكثرة ما تصدمني مواقف أجدني أمامها كالمصعوق.

ابنة أختي طالبة في الجامعة وتعجبها كتاباتي كثيرا... أخبرتها إنني أفكر في جمعها في كتاب ونشرها يوما ما...فصاحت " جميل! " ثم قالت " ولكن خالتي لا أظن أنّ أحدا سيشتريها" عندما سألتها لماذا أجابتني متسائلة ومستغربة "من الذي يقرأ اليوم مقالات عاطفية رومانسية!؟."

أحتفظ دائما في السيارة بأشرطة لأم كلثوم وكلما أردت الاستماع لها وكان ابني المراهق معي إلا وصاح بي" أمي، من فضلك لا أريد أن أنام ! " ويضع هو موسيقى غريبة يهتز لها جسمه ويهتز المقود في يدي وأدعو الله أن نصل بسرعة كي لا افقد أعصابي وتوازني وتكون الكارثة.. وأتعجب من هذا الجيل... أمّ كلثوم ! ..الهرم الفني !...معجزة الصوت والأداء... تلك التي كان العشاق وغيرهم يسهرون ﻷجلها ليال بأكملها...و كان مجرد سماع المقدمة الموسيقية ﻷي أغنية من أغانيها يطيّر النوم من عيون متعبة أو نعسانة...أمّ كلثوم أصبحت تجلب النوم!

أحيانا أضطر إلى ركوب تاكسي وأفاجأ بما يشبه الموسيقى ينطلق من راديو السيارة وكلمات ليست كالكلمات وأنظر إلي السائق وهو يهز رأسه جذلا ويردد الأغنية مع المغنّي ...و أتعجب من الفرق بيننا .. وأتساءل...ما الذي يجعله يطرب ويجعلني أكاد أنفجر من الغيظ ؟. وأندم لأنني حرصت على أن لا تتورّم ساقاي من المشي فتورّم ذوقي وأهين سمعي...

أذكر أنني كنت أستمع يوما إلى إحدى الإذاعات الوطنية وكان البرنامج غنائيا منوّعا وطرحت المذيعة سؤالا عن أغنية ' يا جارة الوادي '، وجاء الجواب على الخط من إحدى المستمعات لتقول " أغنية يا حجرة الوادي ...." وقبل أن تكمل قاطعتها المذيعة " يا أختي الكريمة...عبد الوهاب لم يغن أبدا على حجرة ".أقفلتُ الراديو بعصبية وخرجتُ إلى الشرفة . أحسستُ بضيق في التنفس..

أبناؤنا في الشوارع والمدارس يعرفون أدق التفاصيل في حياة الممثلين الأمريكيين والأوروبيين ومغنيي 'الراب ' و'الروك' وأبطال أفلام الرعب و' الأكشن'...يعرفون قصص طلاقهم وزواجهم وأسماء كلابهم ومساحة منازلهم وماركات سياراتهم...و يجهلون كل شيء عن علمائنا وأدبائنا وكتّابنا سواء القدامى أو المحدثون وما روته لنا مؤخرا زميلة، أستاذة أدب عربي، يمكن وصفه بالبلية التي تضحك.فقد طلبت من تلاميذها-في الصف الثانوي-تعريف العقّاد فأجابها أحدهم بكل ثقة " هو عيبٌ من عيوب القافية "...

تلميذنا النبيه يعرف أن للقافية عيوبا ولا يعرف أن للأدب والنقد عَلَم اسمه العقّاد.

و أسفاه على زمن صار فيه العقاد عيبا وأم كلثوم منوما!.

2009

الناشر والمؤلف خلل يعيق التطور!

fatima almazroweiفي عالمنا العربي نلاحظ جهود ذاتية صرفة يقوم بها المؤلف لتقديم منجزه، وهناك شبه غياب للمؤسسات الثقافية، ولا أعمم ولكن لطالما سمعت من العديد من المؤلفين من مختلف الدول العربية نفس الشكوى والأنين وقد يكون معظمنا سمع تصريحات أو كلمات لكثير من الأدباء في حواراتهم الصحفية يثيرون نفس المعضلة. عندما يتحدث أحدهم عن انفصال بين المؤسسات الثقافية وبين المبدع، فهو لا يبتعد عن الحقيقة، ولا يتجنى على دورها ومنجزاتها. وبحق فإن المبدع يبقى وحيدا يصارع على أكثر من جبهة عند رغبته نشر كتابه، فهو يقع مع سبق الإصرار والترصد فريسة سهلة بيد دور النشر، التي تضع عقوداً وفق ما تراه مناسبا لها دون الالتفات لمصالح المبدع، ومعظمنا نعلم أن دار النشر تلتزم بتقديم بعض الكتب مجانا للمؤلف أحياناً عشرين نسخة وفي أفضل الأحوال أكثر بقليل والعقد مدته خمسة أعوام، ولن أتحدث عن النسبة التي تعود للمؤلف من مبيعات كتابه وأيضا لن أتحدث عن مدى المصداقية والدقة في المحاسبة – هذا إذا التزمت الدار بتقديم كشف حساب سنوي فعلا للمؤلف - ثم تبدأ معاناة أخرى تتعلق بهذا المؤلف الذي يقوم بالتواصل لإهداء نسخ كتابه المحدودة والشحيحة والبعض منهم يقوم بشراء كتابه من أجل إهداء منجزه للمكتبات العامة أو لمكتبات المدارس أو لإرساله لمؤسسات عامة. هنا أيضا يظهر تساؤل عن دور المؤسسات والهيئات الثقافية، في وضع قوانين أو لوائح تنظم العلاقة بين الناشر والمؤلف، تنصف الطرفين تقدم المشورة والإرشاد خاصة للمؤلفين الذين يسلكون هذا الطريق لأول مرة.

البعض قد يقول: إن دور النشر هي بنفسها تعاني من عدة مشاكل وتحتاج للدعم، وأنا أتفق تماما مع مثل هذا الطرح، ولكنني في الوقت نفسه اسأل إذا كانت معاناة دور النشر حقيقية وبهذا الحجم الكبير من الضبابية والسوداوية والتعثر والخسائر، فكيف تستمر في عملها بل نشاهد كل يوم دار نشر جديدة تظهر للعلن ليس على مستوى بلد دون آخر بل في كافة أرجاء الوطن العربي.

والذي يمكن الوصول له أن ابتعاد المؤسسات الثقافية عن مهمتها الأساسية وهي دعم المنتج الأدبي – مؤلف أو ناشر – يسبب خللاً ما بالغاً في تطور هذا المجال. نحن بحاجة للفعالية، نحتاج أن تكون هذه المؤسسات مسكونة بالمنتج وبالبرامج الطموحة وأن تعمل على تطوير مهامها بشكل مستمر وأن تقف دوما بجانب هذه الصناعة.

من المعجم الروسي – العربي للامثال والحكم الروسية (6)

هذه هي الحلقة السادسة من سلسلة مقالاتي حول الامثال والحكم الروسية، وهي تضم – مثل سابقاتها – الترجمة الحرفية لمجموعة من الامثال الروسية والتعليق حولها .

ض.ن.

 

الترجمة الحرفية – الذي يعيش بالخداع يموت بالفقر

التعليق – يضرب للحث على العيش بشرف وكرامة، اذ ان الخداع يؤدي الى الهلاك . يوجد بالعربية مثل مطابق لهذا المثل الروسي وهو – الذي يعيش بالحيلة يموت بالفقر .

 

الترجمة الحرفية - ليس كل ما يلمع ذهبا

التعليق – يضرب في انه ليس كل ما يلفت النظر يمتلك نفس القيمة، وانه يجب التمييز بين الاشياء المتشابهة على وفق قيمتها الحقيقية، وهو مثل شائع في الكثير من اللغات، بما فيها لغتنا العربية .

 

الترجمة الحرفية - بما نمتلك، نحن سعداء .

التعليق – يضرب عندما يقترحون على الضيف غير المنتظر ان يشاركهم بما يوجد لديهم رغم تواضعه . يوجد بالعربية مثل قريب لذلك المثل الروسي من حيث المعنى وهو – الجود من الموجود.

 

الترجمة الحرفية – الكوبيك القريب أغلى من الروبل البعيد .

التعليق – الكوبك أصغر عملة روسية، ويقابل الفلس او المليم، ويضرب هذا المثل في ان الفائدة الصغيرة، ولكن الملموسة ، افضل من الفائدة البعيدة المنال . توجد امثلة معروفة في الكثير من اللغات بما فيها العربية في هذا المعنى ولعل اشهرها هو – عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة . هناك عدة امثلة باللهجة العراقية تتناول هذا المفهوم ايضا منها – بيضة اليوم أحسن من دجاجة باجر / غديني اليوم ولا تعشيني باجر... (باجر - الغد) .

 

الترجمة الحرفية – الكوبيك يحمي الروبل

التعليق – يضرب لعدم التفريط باي شئ صغير وضرورة أخذه بنظر الاعتبار، اذ ان تلك الاشياء الصغيرة تؤدي الى الحفاظ على الاشياء الكبيرة . يترجم جابر في قاموسه الكبير هذا المثل كما يأتي – حصوة بتسند جرٌة، وهي ترجمة صحيحة، ويوجد باللهجة العراقية مثل مناظر وهو – نوايه تسند حب (النوايه هي نواة التمر والحب بكسر الحاء هو زير الماء المصنوع من الفخار) .

 

الترجمة الحرفية - للباخرة الكبيرة – رحلة كبيرة

التعليق – يضرب في ان الانطلاق الكبير يحققه ذاك الذي يستحق فعلا الوصول الى أعلى المراتب . يترجم بوريسوف هذا المثل بقاموسه كما يأتي – السفن الضخمة تلزمها مياه عميقة، وهي شبه ترجمة حرفية وصحيحة لكنها لا توضح معنى المثل، أما جابر في قاموسه الكبير فيترجمه – لصاحب المقام الكبير اعمال واسعة وامكانيات ضخمة، وهي ترجمة أقرب – بلا شك – الى روحية المثل . يوجد بالعربية شطر شعر ذهب مثلا وهو – على قدر أهل العزم تأتي العزائم، ونظن انه ربما يمكن لهذا المثل العربي ان يعبر بشكل أدق وأجمل عن المعنى العام لهذا المثل الروسي .

 

الترجمة الحرفية - اذا تخاف من الذئاب – لا تذهب الى الغابة

التعليق – يضرب في ان الانسان الذي يقرر القيام بعمل ما فيجب عليه الا يخاف من الصعاب التي تواجهه . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه الكبيرمستخدما شطر بيت الشعر الذي ذهب مثلا وهو – من يركب البحر لا يخشى من الغرق، وهي ترجمة صحيحة ودقيقة .

 

الترجمة الحرفية – الطفل بلا عناية عندما يكون عند سبع مربيات

التعليق – يضرب لضياع الاهتمام والمسؤولية عندما يناط العمل لعدة اشخاص . يترجم جابرالمثل الروسي كما يأتي – من كثرة الملاحين غرقت السفينة، وهي ترجمة صحيحة.

 

الترجمة الحرفية - الاواني المكسورة تعيش قرنين

التعليق - يضرب للحث على الحرص بشأن الاشياء القديمة التي يمكن الاستفادة منها - رغم نواقصها – في مسيرة الحياة . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه كما يأتي – الاواني المتكسرة تخدم طويلا، وهي ترجمة صحيحة الا انها تكاد ان تكون حرفية ولا توضح روحية المثل . يوجد بالعربية مثل مقارب لهذا المثل الروسي وهو – لا جديد لمن لا قديم له، ونظن انه ربما يمكن اعتباره الاقرب الى المعنى العام لذلك المثل .

 

الترجمة الحرفية - والبعوضة تصرع الحصان اذا الدب (الذئب) يساندها

التعليق – يضرب لحث الضعيف على الاتحاد والتعاون مع القوي كي ينتصر. يوجد بالعربية العديد من الامثلة في هذا المعنى منها – في الاتحاد قوة / ضعيفان يغلبان قويا / الكثرة تغلب الشجعان ...

 

الترجمة الحرفية - غطاء لكل برميل

التعليق – يضرب للشخص الفضولي الذي يتدخل في كل القضايا بغض النظر عن علاقته بها . يترجم جابر هذا المثل في قاموسه كما يأتي – يحشر انفه في كل الامور، وهي ترجمة صحيحة . يوجد مثل طريف باللهجة العراقية في هذا المعنى وهو – حمص بكل جدر ينبص .

 

الترجمة الحرفية – كادت السعادة ان تكون مستحيلة، لكن التعاسة ساعدت.

التعليق – يضرب عندما تصبح المشاكل والمصاعب فجأة سببا للسعادة . يوجد مثل عربي مناظر لهذا المثل الروسي وهو – رب ضارة نافعة .

العقيدة العلمية الغائبة

المجتمع العربي يعاني من غياب العقيدة العلمية وإنتفائها بالكامل، مما تسبب في سيادة العقائد الأخرى على الحياة، وأخذها في مسارات تدميرية ذات خسائر حضارية وإنسانية فادحة.

فلولا غياب العقائد العلمية، لما تفشت العقائد المنحرفة المعبّأة بإرادة الإنتقام من الحياة، وتحويلها إلى وجود خانق قاتم الألوان.

وما بين هذا الإنقطاع الشبة تام عن عقيدة العلم ومناهج العصر، ونظرياته وقوانينه ومعادلاته الفكرية والإدراكية الفائقة التقدم، والإنغماس في ظلمات الرؤى والتصورات، تتحقق حالة تراجيدية مرعبة في مجتمعات لا ترى أبعاد الزمن وخصوصيات المكان، ولا تعي آليات ومهارات كتابة التأريخ بمداد الأنوار.

وفقا لهذا التصادم المرعب تجدها في إختناقات حضارية مصيرية، تؤهلها للإنقراض الحتمي والخسران الفظيع، وهي تتحرك منومة وسكرى لحد الغثيان بأساطير الأجداث ومناهج الرميم الغائب في التراب.

والعلة الأدهى، أن هذه العقائد الظلماء تستخدم أحدث ما توصلت إليه وإبتكرته عقائد العلم، التي لا تؤمن بها وتنكرها بالكامل، أي أنها سخرت العقائد العلمية لتدمير ذاتها وموضوعها.

فأصحاب العقائد السوداء لا ينتجون شيئا نافعا للناس، ولا يمتلكون مصنعا صغيرا واحدا، ولا يساهمون في إثراء الثقافة المعاصرة، وإنما يعتاشون على منتجات العصر، ويستخدمونها للإستثمار في مشاريع الشرور الدمار والبشائع وسفك الدماء.

ولايُعرف كيف يبررون إستخدام ما لا يصنعون وينتجون، وهو من إبداع ما ينكرون، في التعبير عن محتويات أمّارات السوء البشرية القابعة في دياجيرهم المعتمة؟

فإن كانت عقائدهم صادقة، فعليهم أن يقدموا بواسطتها ما يمكنهم أن يهزموا عقائد العلم ومناهجه، لا أن يستخدمونها لتأكيد ما فيهم من نوازع السلوك المنحرف البغيض!!

العقائد الصحيحة هي التي تكون معاصرة، وذات قدرات إنتاجية وإستثمارية وصناعية إبتكارية تميزها، وتمنحها علاماتها الفارقة وتأثيراتها الواضحة، لأنها قد أرضت حاجات ضرورية لدى الناس وأنارت دروب الحياة.

أما هذا التفاعل السلبي مع العصر، والرقص على هامش المكان والزمان، فإنما يشير إلى رغبات إنتحارية ودوافع مضطربة، ستحرق كل شيئ، وتجعل الوجود رمادا، والضياع أكيدا، وما هذه العقائد إلا سرطانات فكرية ونفسية، مؤهلة للإنتشار الخبيث في بدن المجتمعات، في زمن الفوضى الخلاقة، وديمقراطيات الإضطراب والتدمير الشامل لأركان الدول والأوطان.

فهل تمتلك مجتمعاتنا عقيدة علمية تحافظ على وجودها؟!!

 

د-صادق السامرائي

قانون الجذب وصديقي زاحم

moslim alsardahقال لي الاديب القدير زاحم جهاد مطر: "كلما ارى اسمك في لوحة النصوص تغمرني سعادة غامرة". وكان ذلك اثناء تعليقه على احد نصوصي النثرية في المثقف. ولان هذا هو نفس شعوري وانا اشاهد اسمه ، فلقد حفزتني الفكرة في ان اكتب في ذلك استنادا الى قانون اثبت علميا ومنذ حوالي العشرين سنة الاخيرة. ولقد سمعت الناس يقولون "ان القلوب سواجي" اي سواقي اي ان لها مجرى واحد. ولقد اثبت ذلك علميا من قبل علماء الفيزياء، التي هي والحق يقال انها اي الفيزياء ام العلوم . فماذا يقول العلم عن ذلك؟.

ان الفيزياء تعرّف: بانها العلم الذي يدرس المادة والطاقة وتحولاتهما. ولقد اثبت العالم اينشتاين بان:

الطاقة = المادة مضروبة في مربع سرعة الضوء

ومنذ بروز فيزياء الكم ولغاية الان ويوما بعد يوم يكتشف العلم ان المادة ليست بذي بال قياسا الى كمية الطاقة المتضمنة معها .

ويقول العلم الان ان الكون هو كون طاقة. وهاكم مثالا على ذلك:

لو ان مجموعتنا الشمسية اي الشمس مع كواكبها السيارة التسع ومجموعة كويكباتها ، وبضمنها ارضنا العظيمة وقمرنا الرائع، بالطبع ، فقدت طاقتها وتحولت الى ثقب اسود فسيتقلص حجمها ليصير بمقدار حجم البطيخة الصغيرة الحجم ولها جاذبية بقدر جاذبية الشمس والكواكب والاقمار طبعا. والحجم الباقي كله عبارة عن فراغات بينية مليئة بالطاقة الهائلة. وسيصدق هذا الكلام على الجسد الانساني الذي يتكون بمجمله من طاقة متذبذبة على هيئة حزم ترددية . ويزعم العلماء الاميركان ان الطاقة الموجودة في جسم الفرد البشري الواحد تكفي لتغذية مدينة كبيرة كمدينة نيويورك لمدة اسبوع كامل .

ويقول العلماء ان المشاعر الانسانية تقسم الى قسمين القسم الاول هي المشاعر الايجابية كالحب والامتنان والشكر والفرح والاحترام . والقسم الثاني هي المشاعر السلبية كالكراهية والبغضاء والحزن والجحود والحسد. وان كل تلك المشاعر يترجمها الجسم البشرى على هيئة حزم ترددية وان الجسم الانساني يعمل كما يعمل برج الموبايل والتلفاز في ارسال واستلام تلك الحزم الترددية ليستقبلها الجسم الاخر.

ومما اكتشفته الفيزياء والاجهزة الحديثة ان المشاعر الايجابية لها حزم ترددية سعتها 4000 وحدة وان المشاعر السلبية لها حزم ترددية سعتها وحدة واحدة. اي ان شخصا ايجابيا واحدا يعادل بالطقة التي يمتلكها طاقة 4000 شخصا سلبيا .

وبناء على هذه المعطيات يفسر العلم ظواهر الحب والاعجاب وغيرها كما تفسر ظاهرة الارسال والاستقبال الراديوي بانواعها كالراديو والتلفزيون والموبايل والستلايت . ان المرسلة ترسل طاقة تردداتها الى الفضاء وحين تقابل في طريقها جهاز استقبال يعمل على نفس التردد فانه يتناغم مع تلك الذبذبة وذلك التردد بظاهرة كهرومغناطيسية تسمى ظاهرة الرنين. وتحدث ظاهرة الرنين الكهرومغناطيسي حين تتداخل الترددات مع بعضها وعند ذلك يكون التردد ذو السعة الاعظم هو تردد الرنين.

وعلى هذا تفسر ظواهر الحب والاعجاب والاحترام المتبادل بين البشر والعشق المتبادل بين الجنسين، على اساس ظاهرة التجاذب المذكور . وينص قانون الجذب على ان "شبيه الشئ منجذب اليه". وتفسر مختلف الظواهر على اساس قانون الجذب المذكور ومن ذلك ظواهر الحب والزواج غير المتكافئ كما يبدو في ظاهره للناظر من الخارج وهو في حقيقته ينتج من حزم ترددية متكافئة .

فتحية لكل من يحمل مشاعر ايجابية ومنهم صديقي الاديب الرائع زاحم جهاد مطر .

وللحديث بقية |...............

المطر في آذار أحلى..!!

shaker faredhasanنحن نحب المطر، لكننا نحب المطر في آذار أكثر .. نحب حبات المطر النازلة من السماء الزرقاء على الحقول، ولكننا نحب سنابل القمح أكثر..نحب السيول الجارية في الجداول والوديان، ولكننا نحب التلال والروابي أكثر .

نحب الرذاذ، المطر، الثلج، لكنا نحب الأرض والورد والزيتون والزعتر ودقة العدس (الزوفا) والخزامى أكثر . نحب الحياة والكون والتعب والعرق، لكننا نحب التراب والصخور والمروج أكثر .

نحن شعب ان نسينا فلن ننسى البيادر والطابون والغربال ومناجل الحصاد وجاروشة القمح والخوابي والقناطر، ولا ننسى صوت شبابة الراعي وحلقات الدبكة على أنغام "الدلعونة" و"ظريف الطول" و"المعنى" و"الشروقي"، التي تأسر لباب القلوب . كما لا ننسى ثغاء قطعان الماعز والأغنام وهي عائدة من مراعيها في التلال المجاورة، ولا الصبايا الجميلات في بداية تفتحهن وهن يتهادين بجرارهن إلى الينابيع وآبار الماء القريبة كأنهن في نزهة ، بينما يتمتع الشباب بـ"القصدرة" في الأزقة والطرقات قرباً من هذه الينابيع والآبار .

حقاً، أننا نحب المطر والشمس، ونحب الفقراء والعمال، أصحاب الجباه السود الذين تمتد سواعدهم فتدرس التاريخ وتتعلم من تجاربه، وتهيء الميدان للثورة الطبقية القادمة .

إن المطر في كانون وشباط جميل، لكن في آذار أجمل، والمطر في تشيلي وكوبا والعراق وبلاد الشام حلو، لكن في فلسطين أحلى .

فمطر بلادي له رونقه الخاص وجماله الساطع، وله أغاني العاشقين وأهازيج الشعب وأناشيد الأرض والوطن والحب والكفاح والثورة . والمطر في آذار الربيع وشم النسيم، آذار المرأة، الأم، والأرض الأحلى من الشهد الطيب .

فسلاماً يا آذار من قلب عاشق نابض بالحب والعشق، ومن ساعد فلاح يعتمر الكوفية الفلسطينية ويحرث الأرض ويزرع القمح، ويحمل قلباً رقيقاً في عطفه على دابته التي تشاركه أيامه، ويحمل قلباً شاقاً في غضبه على من يريد أن يغتصب منه ملحه وزاده .

وسلاماً يا آذار من قبضة عامل ينزف عرقه على جبينه تعباً وكداً من أجل رغيف خبز، ومن قلوب كل الفقراء والجياع والمهمشين الذين يتطلعون للحرية والفرح، وللمستقبل الذي لا بد أن يأتي .

وسنظل يا آذار نسير في قارب العشق الوطني حتى الوصول للمرساة، التي لن تكون سوى وطن العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين وكل المعذبين في الأرض .

 

قِفْ..لا تَنْشُرْ (٣)

nazar haidarلقد عالج القرآن الكريم قضيّة التّعامل مع الخبر من جذورها من خلال رسم الحدود الصارمة التي تعتمد العقل اولاً واخيراً، فالعقل السليم يتعامل مع الخبر بشكلٍ سليم، والعكس هو الصحيح، فالعقل المريض لا يتعامل مع الخبر الا بطريقةٍ مريضةٍ، فلقد ورد مثلاً عن امير المؤمنين عليه السلام معيارٌ في ذلك بقوله {وَلاَ تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِهِ، فَكَفَى بِذلِكَ كَذِباً} لماذا؟ يجيب عليه السلام في قول آخر {الْكَلاَمُ فِي وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ، فَإذَا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ فِي وَثَاقِهِ، فَاخْزُنْ لِسَانَكَ كَمَا تَخْزُنُ ذَهَبَكَ وَوَرِقَكَ، فَرُبَّ كَلِمَة سَلَبَتْ نِعْمَةً [وَجَلَبَتْ نِقْمَةً]} لانَّ الامام عليه السلام يرسم بذلك حدود مسؤولية التعامل مع الخبر، فقال يوصي ولده الحسن السبط (ع) {لاَ تَقُلْ مَا لاَ تَعْلَمُ، [بَلْ لاَ تَقُلْ كُلَّ مَا تَعْلَم] فَإِنَّ اللهَ سبحانه قد فَرَضَ عَلَى جَوَارِحِكَ كُلِّهَا فَرَائِضَ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ولكل ذلك يرفض الامام التعامل العبثي مع الخبر او طريقة النقل المجرد قبل التثبّت والتعقُّل والتفكير ما اذا كان الوقت مناسباً لنشره ام لا؟ فقال عليه السلام {اعْقِلُوا الْخَبَرَ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَة لاَ عَقْلَ رِوَايَة، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ} فطريقة التعامل مع الخبر تعبّر بشكل أو بآخر عن طريقة تفكير المرء وكذلك تعبّر عن شخصيّته، فالعاقل قلّما ينقل خبراً ما، أمّا غيره فتراه ثرثاراً يتناقل الاخبار ويكثر من الكلام بمناسبة وبغير مناسبة، فقال عليه السلام {إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلاَمُ}.

نعود الى القرآن الكريم لنرى كيف رسم لنا حدود التّعامل مع الخبر؟ فقال تعالى مثلاً؛

اولاً؛ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا.

فلا نتّبع او نرتب اثرا على ما لم نتأكّد من صحّته ابداً، فليس من العقل ان نتّبع الظنّ او الدعاية او ما اسماه السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي بـ (الكذب المتواتر).

ثانياً؛ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.

فلنطلب الدّليل من كلّ مَن ينقل لنا خبراً او صورة او فيلماً، فلا نكتفي بثقتنا بالمصدر الاخير فقد يكون المصدر العاشر او ما بعده او ما قبله كاذباً او مغرضاً او غير دقيق.

ثالثاً؛ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ.

فالعقلُ يحتّم علينا ان ننشر ونتّبع ونتبادل احسن القول وليس كلّ قول، والا فلو اتّبعنا ايّ قولٍ من دون تمييز او مفاضلة لَضِعْنا في متاهات التناقض بين الاقوال لكثرتها وتعدّدها خاصةً في زمن العولمة الذي نعيشه اليوم، وكثرة وسائل التواصل الاجتماعي التي تنقل لنا الاخبار والصور والافلام كزخّات المطر!.

رابعاً؛ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ.

فكم من خبرٍ ندِمنا على نشره والتعامل معه بعد ان تبيّن لنا انّه كَذِبٌ محض؟ فبدلاً من ان نستغفر الله ونعتذر لهذا وذاك كلّ يوم تعالوا لا نتعامل مع مادة قبل التثبُّت منها، من اجل ان لا نخطأ ولا نعتذر بعد النّدم، ولقد ورد عن المعصوم ان المؤمن لا يخطأ فلا يعتذر وان المنافق يخطأ في كل مرة ويعتذر.

ولعلّ من الطّرق البسيطة التي يمكننا ان نتبيّن بها من الخبر، هو ان نسأل صاحبه عن مصدره، بلا خجل، فذلك لا يعني انّك تطعن بصاحبه وانّما يدلُّ ذلك على حرصك على معرفة الحقيقة من جانب، وحرصك على مصداقية صاحبه من جانب آخر، فاذا اخطا احدُنا وتعامل مع خبرٍ كاذبٍ او صورة او فيلم مفبرك مرتين او ثلاثة فسيفقد مصداقيّته ولم يعد أحدٌ يعير لما يبعثه من مواد ايّ اهتمام، وبذلك فقد نخسر أشياء جميلة يبعثها لنا لأننا لم نعد نهتم به ابداً، بسبب عدد من التجارب الفاشلة.

ان ذلك يحتاج الى ان يتحلّى المتلقّي بقدرٍ ما من الشجاعة والصراحة ليسأل عن المصدر او ربما يحتاج الى ان يتتبع الخبر الى النهاية، كما ان ذلك يحتاج الى ان يتحلّى المصدر بقدرٍ من الرّوح الرّياضيّة ليتقبّل السؤال برحابة صدرٍ فلا يعتبر ذلك طعناً به وبصدقيّته.

خامساً؛ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ.

التريث في ردّ الفعل وتأجيل التعامل مع الخبر للوقت المعلوم فليس من العقل والحكمة ان تنشر كل ما يصلك في اللحظة ذاتها، فقد لا يخدمنا الان الا انّه سيُصيب الهدف في وقت اخر، ولذلك فان نبيّ الله يوسف عليه السلام اجّل عملية التعامل مع الخبر، وهو هنا كلام اخوته الذين كانوا يكذبون عليه ظناً منهم بانّه لا يعرف الحقيقة، الى إشعار آخر على الرّغم من معرفته المطلقة بالحقيقة، كون الوقت لم يكن مناسباً لإبداء رأيه او ايّ نوعٍ من انواع ردّ الفعل، فأجّل قول الحقيقة الى إشعار آخر.

٢٧ شباط ٢٠١٥

الإنسان حلم وخيال!

fatima almazroweiتميزالإنسان منذ الأزل بصفة فريدة لا توجد إلا لديه هو وحده وهي الخيال، وهذه الميزة إذا صح التعبير، ساعدته في التغلب على كثير من الأوجاع والمحن التي مر بها، لكن بسببها نشأت الخرافات، فقد حاول أن يبتكر ويقدم شيئا مختلفا لواقعه القاسي المؤلم الذي يعيشه وكانت الآمال والأحلام هي البديل الذي سرعان ما تحولت إلى خرافات لا تمت للواقع بأي صلة.

أعود للقول بأن الإنسان هو الكائن الوحيد كما يؤكد العلماء يتمتع بعقل يمكنه الخيال، وبالمثل كانت إنجازات هذه الأحلام دوما عظيمة، بمعنى لم ينتج عن الخيال الخرافات وحسب بل إن كل فكرة خلاقة وعظيمة خدمت البشرية كانت بدايتها حلم، ولعل أهم أحلام الإنسان والتي تحققت وعمل لتحقيقها منذ مئات السنين حتى اليوم هو حلم الطيران، ألم يحلم الإنسان وهو يشاهد الطيور تحلق في السماء أن يكون مثلها ويستطيع التنقل بسهولة بدلا من مشقة صعود الجبال ونزول السهول؟ ألم يكن يحلم بمعانقة السحب والسباحة في الفضاء وهو في كل ليلة يجلس الساعات الطويلة ينظر للنجوم والشهب؟

بل إن أحلام الإنسان جعلته متحررا من قيود البيئة وحدود المكان، حرا سيدا على هذا الكوكب، وهو الجانب الذي تحدث عنه مطولا العالم الدكتور جاكوب برونوفسكي، في كتابه المفيد والثري «التطور الحضاري للإنسان » يقول: «تمتلئ كل المناظر الخلوية في العالم بالتكيفات المضبوطة الجميلة، التي ينسجم بها الحيوان مع بيئته فالقنفذ يظل نائما ينتظر حلول الربيع ليتفجر نشاطه ويملأ الحياة، والطائر الطنان يظل يضرب الهواء بجناحيه وهو مصوبا منقاره الدقيق كابره داخل الأزهار المدلاة، والفراشات تحاكي أوراق النباتات، بل وتحاكي بعض الحيوانات المؤذية، كي تخدع المفترسات، ولكن الطبيعة – نقصد التطور البيولوجي – لم تشكل الإنسان ليتوافق مع بيئة بذاتها، حيث أن جهازه يمكنه من التوافق داخل كل البيئات ومن بين هذه الوفرة من الحيوانات التي تعدو، وتطير، وتحفر، وتعوم من حولنا، سنجد الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لم يحبس داخل بيئته، فخياله ومنطقة وحدة ذكائه وخشونته، كلها تجعله قادرا على ألا يقبل بيئته، وأن يغيرها. وهذه السلسلة من الابتكارات التي أعاد بها الإنسان صياغة بيئته على مر العصور هي نوع من التطور مختلف، تطور ليس بيولوجيا وإنما هو تطور حضاري. إن الإنسان يتميز على غيره من الحيوانات بمواهبه التخيلية. أنه يرسم الخطط والابتكارات والاكتشافات الجديدة عن طريق تجميع ملكات مختلفة، وتزداد اكتشافاته حذقا وذكاء وهو يتدرب على تجميع ملكاته بطريقة أكثر تعقيدا وعمقا. ولذا فإن الاكتشافات العظيمة للعصور المختلفة والحضارات المختلفة كلها تعبر في تعاقبها عن اقتران أكثر ثراء وتعقيدا بين الملكات البشرية، عن تشابك متصاعد لمواهبه.

لسنا بحاجة للخرافات لتغذي أي نقص نعاني منه، ولنجعل أحلامنا فعالة مفيدة، ولنبني بواسطتها جسرا للمستقبل ونكون مفيدين منتجين لمجتمعاتنا، وغني عن القول إن أي امة تخفي وتدمر انجازاتها وتلغي ذاكرتها وأحلامها وتهدم ارثها أمة أنانية لا تتمتع بالحس الإنساني والبصيرة لتترك للأجيال التالية ضوء حقيقي من أحلام الماضي لعله يرشد وينير دروب الحاضر والمستقبل، ويساعد في البناء ورخاء الإنسان، لذا نحن أمة تحب الماضي واحلامه وكل هذا العمق التراثي الذي أفرزته تلك الأحلام وتبشر به، ولكن بعين حادة على المستقبل وقلب مطمئن محب للحاضر.

إن إهتمامنا بالتراث هو في الحقيقة واجب إنساني تفرضه القيم والمبادئ، فمن حق الأجيال القادمة أن تعرف كل شيء عن تاريخ الأجداد وعن احلامهم التي باتت واقعا نعيشه، وهو أيضا تصحيح لخطأ الإنسانية اقترفته مرارا وتكرارا عندما حاولت أمم وشعوب تجاهل ماضيها فباتت تعيش الحضارة مستجدية تاريخ الأمم الأخرى، التراث بالنسبة لنا حلم جميل وليس ماضي انتهى، بقدر انه وقود لحاضر جميل ومستقبل واعد لنا وللأبناء. لأن الأحلام والآمال مستمرة وخالدة.

صحن عدس مجروش

dina salimيذكرني صحن شوربة العدس المجروش بجدتي جميلة، اليوم بما أن درجات الحرارة انخفضت قليلا والأمطار غزيرة في الخارج، جاء على بالي أعمل شوربة، وكيلو العدس في أستراليا يصل أحيانا إلى ثماني دولارات وأكثر، وهيهات حتى نلاقيه على الرفوف الأمامية في محلات البقالة.

سألتني ابنتي عن سبب سعادتي بصحن العدس وحبّات الزيتون. أجبتها:

هذا الطّبق يذكرني بأيام زماان، عندما كانت جدتي تضع فتوت الخبز بالعدس وتطعمني من يديها الشهيتين، آآخ.. يا.. ما.. أحلاها من أيام مضت!

صدمتني ابنتي عندما قالت لي: تتذكرين أيام الطفولة والصّبا فقط، وتنسين مرحلة طويلة من حياتك نحن نتاجها، معك حق فلو مسح جميع البشر من أدمغتهم المراحل الكئيبة لكانوا سعداء مثلك، معجبة أنا بهذا الزّر الذي يعمل داخل دماغك الذي يدعى (ديليت) مسح.

نظرت داخل عينيها وتفحصتهما جيدا لأعرف إن كانت صادقة بقولها، لكنها تهربت من نظراتي وقالت: نظراتك يا أماه تفضحان كل شيء فيك وتعري ابتسامتكِ الجميلة، كم أنتِ امرأة قوية، لا أقوى من النظر إليكِ، لكني سأفعل لنا وجبة أخرى فاعذريني لأني لا أحب هذا الطعام، وقد حرمت من جدتيّ، الأولى فارقت الحياة، والثانية بعيدة جدا، ولا أملك مثلك ذاكرة جميلة تعوضني عن غيابهما بصحن عدس مجروش!

العامل المساعد النموذجي

mahmod salamaalhayshaيحدث كلَّ لحظة في هذا الكون عدد غير نهائي من التفاعلات الكيماوية البيولوجية، أو الكيموحيوية، وأي تفاعل دائمًا وأبدًا يحتاج إلى طاقةٍ لإتمامه للوصول لنتائجه، وتسمى هذه الطاقة بطاقة التنشيط أو بالطاقة الحرة Activation energy (EA) or Free Energy.

 

وهناك تعريفان لهذه الطاقة التنشيطية:

1- هي: الطاقة اللازمة لتحويل الجزيئات المتفاعلة إلى الحالة النشطة.

2- أو هي: أقلُّ قدر من الطاقة يحتاجها الجزيء لإتمام التفاعل.

والسؤال: هل يمكن تقليل كمية طاقة التنشيط؛ حتى لا يتطلب التفاعل كمية كبيرة منها؟

والإجابة: نعم، يمكن ذلك عن طريق استخدام عامل مساعد "إنزيمي أو غير إنزيمي".

ومن أمثلة العوامل المساعدة الإنزيمية وغير الإنزيمية:

1- إنزيم الكتاليز Catalase:

في تحلل فوق أكسيد الهيدروجين وتقليل الطاقة اللازمة من 18.000 كالوري/مول إلى 2.000 كالوري/مول؛ أي: تقليل الطاقة المطلوب 9 أضعاف.

2- عنصر البلاتينيوم Colloidal platinum:

عند تحليل فوق أكسيد الهيدروجين يتطلب 18.000 كالوري/مول إلى 17.000 كالوري/مول.

ومن أهم الخواص التي يتميز بها العامل الإنزيمي المساعد النموذجي أنه لا تتغير صفاته أثناء التفاعل، وأن يدخل ويخرج من التفاعل بنفس صفاته دون تغيير أو تبديل.

العامل المساعد النموذجي في التفاعلات الإنسانية:

1- تكوين علاقات قوية، قائمة على الثقة والاحترام المتبادلين.

2- متعاون مع الآخرين، ولديه الرغبة الصادقة في المساعدة وتقديم خدماته للناس.

3- عادل وموضوعي، وغير متحيز، ومتَّصف بالصبر، والتسامح، والنزاهة.

4- تقدير المشاعر، والظروف والمواقف، والقدرة على معرفة دوافع السلوك وتفسيرها.

5- مؤمن بمسؤوليته الإنسانية والأخلاقية تجاه من حوله، وأن يكون عضًوا فعَّالاً وإيجابيًّا، فالحكمة تقول: "لا يستحق أن يولد من عاش لنفسه فقط".

وفي الختام:

الذي يحاول الإصلاح بين الناس من غير أن يعتمد على المنهج والقلب والخلق السليم، مآله الفشل وتضييع الوقت والجهد، وإطالة عمر الفساد.

عزيزي الإنسان المصلح بين الناس والمساعد لإحداث العلاقات الإنسانية، تعلَّم وتشبَّه بالإنزيمات لإحداث تغيرات كبيرة في معدل وسرعة التفاعلات، وبدون أن تَظهَرَ في التفاعلات النهائية؛ أي: لا تؤثر على طبيعة الناتج النهائي، فكان يعتقد خطأً بأن الإنزيمات لا تساهم في التفاعل، بل إنها تتفاعل وتتداخل مع المواد المتفاعلة حتى تكون ذات تأثير فعَّال في إنهاء التفاعل، وفي العَلاقات الإنسانية نقول: في إنهاء صراع دار بين البشر، فلكل تفاعل بيئتُه الخاصة والعوامل التي تؤثر عليه بالإيجاب والسلب لتنشيطه أو تثبيطه.

فكما أن الإنزيمات مواد مساعدة حيوية تفرزها الخلايا الحية سواء نباتية أو حيوانية أو ميكروبية، فكن أنت من العوامل المساعدة الإنسانية التي تفرزها أسرتك ومجتمعك، وتعمل الإنزيمات على الإسراع من التفاعل ولكنها لا تظهر في هذا التفاعل ولا تستهلك، فصِرْ أنت أيضًا على نفس الطريقة، اعمل على الإسراع في التفاعلات والعلاقات الإنسانية دون تحيُّز، وأن تحافظ على نفسك من السلبيات والمحبطات حتى تخرج من كل تَجربة إنسانية بخبرات أكبرَ؛ كي تساعدك على الدخول في تفاعل جديد، فالمجتمع مليء بالتفاعلات التي تحتاج لعامل مساعد متميز مثلك، وللإنزيمات القدرة على العمل خارج الخلايا التي تنتجها، فهل ستكون أنت أيها الإنسان المساعد المنتج داخل حاضنة ربّتك على القيم والمبادئ الصالحة، قادرًا على العمل خارج وَحدة بناء المجتمع، ألا وهي الأسرة التي أُنتجت داخلها؟!!

وتتميز الإنزيمات بتخصُّصها في المساعدة على إجراء التفاعلات الكيماوية، بحيث يكون لكل إنزيم عملية محددة في التفاعل الكيماوي، وهذه الخاصية ترتبط بالتخصص الدقيق لفعل الإنزيمات، ونفس الشيء بين البشر، فلكل إنسان تخصص عامٌّ وآخرُ دقيق، سواء جاء هذا التخصص من خلال الدراسة الأكاديمية والتعليمية ثم تم نقلُها بالخبرات العملية، أو من خلال العمل منذ الصغر فأدَّى إلى مرور الإنسان بالمراحل المعرفة المتلاحقة بَدءًا من الإحساس ثم الانتباه ثم الإدراك فالتعلم حتى نصل للذاكرة، والتي يخزن فيها الخبرات التي تظل داخل عقلِه، ويستخدمها في حلِّ أي مشكلة تخص تلك الخبرات.

 

بقلم محمود سلامة الهايشة

كاتب وباحث مصري

أبو القاسم الشابي رائد الرومانسية العربية

faysal roshdiسيظل هذا الاسم حاضرا في قلوب الملايين من الذين عرفوا قيمة الأدبية، وبعده النضالي، وحبه للوطن. كتب الشابي في العديد من الاتجاهات الأدبية وما ميزه هو اتجاهين هامين وهما: الاتجاه الرمزي و الاتجاه الرومانسي حتى أصبح من الرواد الأوائل للمدرسة الرومانسية وخير ممثل لها على الصعيد العربي.

إن البعد النضالي يتجلى أساسا في بيتين من الشعر جعلا منه رمزا من رموز النضال يقول :

إذا الشعب يوما أراد الحياة           فلابد أن يستجيب القدر

ولابد لليل أن ينجلي                 ولابد للقيد أن ينكسر

أصبحت هذه الأبيات شعارا من لا شعار له ، يستعملها العمال والنساء والأطفال والعاطلين عن العمل إضافة إلى الطبقات المسحوقة، التي لا تتوانى عن رفعه بين الفينة والأخرى. قال هذه الأبيات ليجعل منها نشيدا وطنيا لبلده تونس.

حياة قصيرة جعلت من الشابي اسما كبيرا من خلال نضاله وشاعريته إنه شاعر كتب اسمه بأحرف من نار. إن الحديث عن حياته هو حديث ذو شجون حيث ولد أبو القاسم في 26 فبراير 1909 في بلدة الشابية بضواحي تورز الواقعة في الجنوب الغربي لتونس، عرف عن هذه البلدة باعتبارها عاصمة الواحات الخضراء، إذ فتح عينيه على المساحات الخضراء وجمال المناظر الخلابة.

كان والد الشابي شيخا وقاضيا أي أنه عاش في كنف أسرة متعلمة متأثرا بأبيه الذي كان له السند الرئيسي في تكوينه والمتأسس على تعلم أصول اللغة العربية وحفظ القران الكريم.التحق بجامعة الزيتونة وتخرج منها .1928 اطلع على الأدب العربي وقرأ لجبران خليل جبران فهو حاضر بشكل قوي في كتاباته من خلال توظيف قاموس الطبيعة .

قلائل هم من يعرفون مهنته إنه كان معلما، وذهابه إلى مصر سيكون له وقع خاص فمصر كانت النموذج العربي ومنارة العلم وستكون مصر محطة للزيارة من طرف الشاعرين وهما مفدي زكرياء وعبد الكريم بن ثابت اللذان سيتمكنان من الإطلاع على معارف أكثر .

إن الشابي يعبر في كتاباته انطلاقا من الأحداث التي وقعت له وأولها فقدانه لحبيبته التي سيتأثر بها كثيرا وقد كتب عنها عبارات ستكون لها وقع على المتلقي، حيث يشعره بمرارة فقدان الحبيبة ، إذ لم ينتظر وقتا طويلا حتى ودع والده الوداع الأخير فهو بالنسبة له نور الحياة وابتسامتها.

إن مفهوم الحب متعدد عنده فهو تارة يرمز للمرأة وتارة أخرى إلى الوطن ...) إذ سيفقد العالم في سنة 1934 الشابي الذي عاش حياة قصيرة لكنها مليئة بالأحداث ، كتب أشعارا لم يعرف قيمتها معاصروه في ذلك الوقت إلا بعد مرور سنوات عديدة إذ أن التاريخ أنصفه .

إن كتابات الشابي في النثر والشعر دليل قاطع على أنه استثناء مغاربي فهو ند للمشارقة لو عاش عمرا طويلا لغير مركزية الشعر العربي لينتقل من الشام ومصر إلى تونس.

 

فيصل رشدي

 

 

البحث عن زوج مثالي

fatima almazroweiإيجاد رجل بمواصفات مثالية في هذا الزمن، بالنسبة للمرأة، يبدو كحلم طويل المدى، فالمرأة قد تجد المال والسيارة والوظيفة والمنصب بأسهل من إيجاد هذا الرجل.

في الماضي كانت المرأة تحلم بزوج في مواصفات والدها أو جدها، قوي، شهم، كريم، حليم..

ولا تزال بعض النساء تساورهن الأحلام نفسها وإن تنازلن عن بعض من تلك الشروط والمواصفات إن شعرن بأن أعمارهن تمضي دون زواج، ليرضين بالزواج ممن يعتبرنه أقل، وهن يتنازلن عن صفات كثيرة ومنها ما يعد صلب الرجولة، ويعترفن بأن الرجل كن يحلمن به هو مجرد خيال، أو هو مجرد وهم جسدته أفلام الأبيض والأسود وروايات القرن الثامن عشر، أما رجال هذا الزمن "البعض" فقدوا الكثير من معاني الرجولة، وإلا كيف نفسر ظاهرة تكالب البعض من النسوة على شخصية سينمائية!؟ ألا يعد مثل هذا دليلاً على افتقار المرأة للصفات التي تحلم بها في زوجها أو في الزوج الذي تريده أن يشاركها حياتها؟

أما حول الرجل المثالي فإنه بحق هناك تعدد في نظر المرأة، فبعضهن من يرينه في الرجل الرومانسي الذي يزيد ثقة المرأة بنفسها عن طريق الثناء على جمالها ودلالها فتشعر معه بالحنان والحب، تشعر بقوته وحنانه بإخلاصه، ويحاول أن يبتكر أي طريقه لإسعاد شريكة حياته. وبعض النساء تعشق الرجل الغيور وتجدها علامة من علامات الرجولة، وربما ترجعها للزمن القديم وأفلام الأبيض الأسود، فالمرأة يسعدها بأن يتشاجر الرجل عليها مع الشبان حينما يحاولون مغازلتها أو الوقوف في طريقها أو التحرش بها. فتجد بأن غيرة الرجل دليل على حبه.

كما أن الرجل الصريح، الحنون، الواضح، الصادق، يبقى خيارًا مهماً للمرأة لأنها تكره الرجل الكاذب، وتحب أن يشاركها الرجل بمشاعره، بل ويمد لها يد المساعدة في الحياة ومنها في الاعتناء بأطفالها، وفي تدريسهم وحل واجباتهم، وفي المطبخ. كما يتذكر المناسبات الخاصة بها كيوم ميلادها، ويوم زواجهم أو خطوبتهم، كلها أمور تضرب على الأوتار الحساسة لدى المرأة العاشقة. إضافة إلى أمر مهم، فالمرأة تحب أن ترى زوجها يدعمها ويقف معها ويشجعها ويساندها في وقت نجاحها، كما أن سعة الاطلاع والخبرة شيآن مهمان للتكافؤ بين الزوجين.

ولا نخفي أمراً مهماً أن المرأة تحب الرجل المحترم الذي يحترم ويقدر زوجته ويلبي كل طلباتها أمام الآخرين، حتى وإن كانت طلباتها على غير ما يهوى، ويساعدها في كل شيء بداية من تربية الأطفال إلى الأمور الخاصة بالمنزل أيضاً، لأنها تعمل مثله وتسانده في الأمور المادية. وبعد هذا السرد من الصفات التي ترغب بنات حواء به في صفات الزوج المثالي، فهل يمكنهن أن يستغنين عن كل تلك الصفات السابقة إذا توفر عنصر المال؟! إنه سؤال جدير بالنقاش، لكنني في قرارة نفسي أحسب ان عنصر المال قد ينسف ويلغي جميع المواصفات التي سبق سردها.. محفظة عامرة ستكون مناسبة لاحتواء جميع الصفات والشروط.

داخل حسن .. السومري الحزين

falih hasunaldarajiداخل حسن السومري الحزين، أو (أبو كاظم) كما يحب أن يسميه أصدقاؤه وأهله ومحبوه، أو مطرب الوجع، ومغني العذاب، كما يسميه المتخصصون، والموسيقيون، وبعض الإعلاميين.. أما أنا فأسميه (ناي الأسى) الذي ينزف أنيناً وبكاء وغناء، وللعشاق، والشعراء الآخرين، والموجوعين في جنوب الله، واللائذين بصوته من رياح البعد، والهجر، والفراق المر، فلهم تسمياتهم الخاصة.. إذ أن لكل منا حصة في (كنز) داخل حسن، ولكل منا حق من إرث هذا الجمال النفيس والساحر. داخل حسن ليس مغنياً كبيراً فقط، مثل حضيري أبوعزيز وناصر حكيم وغيره من المغنين الريفيين، وغير الريفيين في العراق، ولا هو فناناً موهوباً فحسب، مثل عشرات الفنانين الموهوبين في مدن العراق المكتنزة بالمواهب والفنون والإبداع، إنما الرجل شيء آخر، شيء مختلف عن الفن والغناء والمواهب والإبداع، على الرغم من انه فنان كبير، وموهوب كبير، ومبدع متنوع كبير أيضاً. لكن المشكلة أن في داخل حسن سحراً لا يمكن للمرء اكتشافه دون أن يتعمق في أسرار صوته، وفي سريالية إحساسه الذي ليس له مثيل في كل الغناء العربي، إلاَّ لمن كان مثله في هذه الإشكالية السحرية الخرافية.. فداخل حسن كشكل وكمضمون يختلف كما قلت عن جميع الفنانين، فلا شكله براق، ولامع، ولافت للنظر، وشبيه بالفنانين الآخرين، ولا مضمون غنائه، أو جمال صوته، أو طريقة أدائه، أو حضوره المميز مشابه لزملائه، ورفاقه من مطربي جيله، أو الأجيال الأخرى. لذلك تجد الناس يحترمونه كثيراً، ويحترمون تميزه، ويعشقون لوعته وأساه، ويذوبون في كارثية بحة صوته.. فهذه البحة خصوصية مئة في المئة، منحها الله الى داخل حسن دون غيره، وكأن الله جلَّ جلاله أراد ان يعوضه في حلاوتها عن كل مآسي ومصائب وعذابات هذا الرجل، سواء أكانت طبقية أم اجتماعية أم عاطفية! لقد وهبها الله له فقط، كي لا ينافسه فيها أحد. فهذه البحَّة التي في حنجرة داخل حسن، اختزلت جميع أوجاعنا، وفواجعنا، من زمن السومريين، حتى زمن (النجيفيين إخوان).. وإلاَّ دلوني على حنجرة فيها مثل هذه البحة، ولكم كل المغنين في التاريخ بدءاً من المطرب الكبير حسن خيوكة، وانتهاء بالمطرب الكبير أحمد الانضباط!! سأضرب لكم مثلاً واقعياً وعائلياً.. فوالدي الحاج أبو خيون رحمه الله معروف لأهالي مدينة الصدر بتقواه، وطهره، وإيمانه، فالرجل بدأ الصلاة والصيام منذ ان كان في التاسعة من عمره، وهذا أمر قلما يحدث في الريف العراقي قبل عقود من الزمان.. وعندما توفي والدي وقد تجاوز التسعين من عمره، لم يتأخر فرضاً واحداً عن صلاته، ولا مناسبة واحدة عن الزيارة، ويوم فقد بصره كان يبكي كثيراً، لا لسبب، إلاَّ لأنه لا يقدرعلى الذهاب الى حبيبه الحسين مثلما كان، وهذا الأمر يعرفه كل أصحابنا وجيراننا ومحبينا، فوالدي رحمه الله نجح في دينه، ودنياه، إذ كان يجمع بين التزامه الديني الصارم وبين عمله، وإعالة عائلته الكبيرة، وتربية أولاده وبناته تربية كاملة، فوفر لهم رغم شحّة رزقه أغلب ما يحتاجونه في دراستهم ومعيشتهم.. وملخص كلامي عن الوالد، فإنه رغم تشدده في الالتزام الديني، كان يسمع داخل حسن، ولا يسمع أحداً غيره قط. لقد كنت ألاحظه حين يسمع صوت أبي كاظم، يتقدم نحو الشاشة، وعلى وجه الخصوص بعد ان ضعف بصره، ثم يقرب أذنه من التلفاز، وما أن يقول داخل: (ويلاه ويلاه) حتى تبدأ دموعه السرية بالنزول على وجنتيه الطاهرتين. لقد كانت ثمة علاقة (خاصة) بين صوت داخل حسن ودموع أبي، وقد كانت هذه (العلاقة) محل دهشة واستغراب الجميع، فأبي (المتدين جداً)، ليس له في أمور الغناء، واللهو مقام ولا مقال، لذلك كنا نستغرب هذه العلاقة الإنسجامية الوثيقة بين صوت داخل، ومشاعر والدي النبيلة والصافية جداً. لقد رحل والدي وبقي هذا السر معه الى الأبد، ولم أستطع معرفته رغم علاقتي القوية معه، باعتباري الفرد الثاني في ذريته حسب الترتيب العائلي الكبير. وفي يوم من الأيام سألت أمي رحمها الله عن هذا السر، فقالت لي، إن أباك ينظر الى صوت داخل حسن بشكل مختلف عن غيره، فهو لا يعتبره صوتاً غنائياً تطريبياً مثل بقية الأصوات، إنما يعتبره من الأصوات المباركة، والمفجوعة لفقد عزيز، لذلك كان يبكي تضامناً مع وجعه، ومأساته، كما كان أبوك يعتبر صوت داخل قمة في السلوى، والصبر، والطمأنينة، والملاذ الآمن.. لقد كان يحبه كثيراً استثناء من قافلة المغنين، والفنانين الآخرين. إذن، فقد كان والدي يحب صوت داخل حسن، لأن في هذا الصوت ملاذه، وهو الهارب من الأسى، والظلم، والخوف، والفقر، والمستقبل المجهول. وكان من الطبيعي أن أرث عن والدي الذي أحبه كما أحب الله، هذه الرؤية، وهذا الوعي الخرافي، فتخيلوا ان فلاحاً جنوبياً من أقاصي (كميت) يجد في صوت مغنٍ ملاذاً له من كوارث الأيام، وفواجع الأزمان. فتحية لصوتك، وبحتك الخرافية أيها السومري