أقلام ثقافية

مذكرات فتاة الجيشا

قرائنا الأعزاء سنأخذكم في رحلة معنا عبرّ الزمن، سنأخذكم من عالمكم إلى عالم آخر، البعض نقدهُ والبعض الآخر أعطى انطباعهِ الخاص عنهُ والبعض الآخر حجمهُ بأكبر من حجمهِ، أي بمعنى أضفى صورة قاتمة بعض الشيء على نساء مُجتمعهِ، أنهُ "عالم الجيشا"، عالم لهُ مراسيمهُ وطقوسهُ الخاصة.

تعود جذور الجيشا للعصور الوسطى من تاريخ اليابان، حيث تولى البعض من الرجال (أوتوكو نو غيشا) مهمة الترفيه عن طبقة التجار والسياسيين والساموراي. وبمرور الوقت وفي بداية القرن السابع عشر عهد بها للسيدات، حيث كنْ يتجمعنْ في منازل خاصة تدعى (أوكييا) تشرف عليهنْ سيدة مُتقدمة في العمر يُطلق عليها (اوكاسان) أي الأم. كانت تأتي إليهِ الفتيات الشابات أما بإرادتهنْ بحثًا عن المال، أو يتم بيعهنْ من قبل أولياء أمورهم لهذه الدور!

فيهِ الفتيات يتدربنْ لسنوات مُتواصلة على فنون عزف الآلات الموسيقية التقليدية اليابانية والرقص والغناء وفن إدارة الحديث وتقديم الطعام والشاي في بيوت الشاي، مع تعلم كيفية تحية الناس بانحناءات مُهذبةٍ وبلكنةٍ هادئةٍ. مما يجعلهنْ يتمتعنْ بدرجة لا بأس بها من التعليم والثقافة والاطلاع، تتيح لهنْ بعد ذلك فتح حوار راقيّ يبعث الراحة في نفوس الزبائن الهاربين من متاعب وهموم العمل والبيت، بشرط دون المساس بهما وبسمعتهما وألا يسقط عنهم لقب الجيشا! إضافة إلى تعلمهنْ طرق اختيار ملابسهنْ والاعتناء بجمالهنْ بطريقة تجعلهنْ مميزات. وإذا أرادت فتاة الجيشا الزواج فأنها تترك العمل كجيشا، كما ولا يمكنها أن تتخذ حبيبًا لها، لأن هذا يسيء إلى عملها ويجعل الزبائن ينفرون منها. أي بمعنى أن دور فتاة الجيشا ينحصر فقط في الترفيه عن الرجال عن طريق المحادثة وأداء بعض الفنون المذكورة.  

وقد كتبت بعض القصص عن فتيات الجيشا، كما تم عمل فلم سينمائي ضخم عنهم ولاقىّ مُعارضة شديدة ونقد! منها الرواية العالمية للروائي الأمريكي الكبير (أرثر غولدين Arthur Golden) بعنوان " مذكرات فتاة الجيشا"، والتي حققتْ أرقامًا قياسية بتوزيعها البالغ أكثر من أربعة ملايين نسخة باللغة الانكليزية وبعائد وصل لأكثر من 10 ملايين دولار، وظلت الأكثر مبيعًا على لائحة نيويورك تايمز حوالي سنتين! وفي ذات الوقت حملت الكثير من النقد من المجتمع الياباني لطريقة تصوير الكاتب لفتيات الجيشا باعتبارهم كنز عظيم لتراث عريق.

غولدن درس أصول الفن الياباني وهذا الأمر انعكس بشكل بارعًا في روايتهِ وتوغلهُ في عالم الجيشا. الرواية كما وضحنا تدور أحداثها حول عالم الجيشا وأسراره الخفية بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. وهذه قراءة مُبسطة في الرواية التي أطلعت عليها وأعجبتني أحداثها المشوقة.

آرثر غولدين كتب روايتهِ بحبكة مشوقة وأحداث مُسترسلة وبإحساس يعطي للقارئ بصيرة عميقة ومعاشة لواقع فتيات الجيشا. رسم شخصيات روايتهِ بحضور متساوي من حيث قوة تأثيرها على مُجريات الأحداث والسردّ. كما واعتمد على وصف شيق ودقيق للأحداث ووصف فتاة الجيشا الأنثى، من حيث اللباس الذي ترتديه، بحيث تُظهر للقارئ أن الكاتب مولع بهذا الفن، فيصف القماش والألوان التي تميزت بها والرسومات التي عليه، كما يتوغل في تفاصيل وجه الفتاة وطريقة طلاءه من الأبيض الذي عليه والشفاه والعينين، وكأنهُ يصف لوحة فنية تضج بالحياة والحيوية والجمال.  

مذكرات فتاة الجيشا رواية تتحدث عن حضارة بلد، عن فتيات، عن البحث عن الحياة، عن الأحلام، عن الألم والطموح. رواية تحمل التراث مع جراءة فتاة في مضمون عميق وهادف في سبيل حياة تسعى إليها. رواية يحكي فيها آرثر غولدين عن حسناء يابانية فقيرة بعينين رماديتين ساحرة وصغيرة في عمر الزهور، تروي أسرار مهنة الجيشا وتجاربها في الحب مع الرجال، فتاة نشأت على تقاليد فتيات الجيشا وتعلمت فن إسعاد الرجال ببراعة. والداها نظرا لظروف الفقر القاهر التي كان يعيشانها وفقدانهم لوالدتهم المبكر، باعها لأحد الرجال وهي صغيرة وهو بدورهِ باعها لأحد بيوت تربية الجيشاوات!

عملتْ بطلة الرواية في أحد منازل الجيشا في طوكيو وعرفتْ الكثير من الرجال هناك. تميزت بجمال خاص نسبة إلى فتيات مجتمعها، كما وتميزت بقدرة وذكاء في إدارة الحديث مع الرجال في شتىّ الموضوعات وبنفس درجة التركيز ولساعات متواصلة، إضافة الى كونها تجيد الرقص والعزف ومُتذوقة للفن بشكل بارع.

ولكن لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، الفتاة كان لها مُنافسيها في الأوكييا، مما دفعها في التفكير والتخطيط للهروب والبحث عن حياة حرة والمزيد من المال! وفعلا سافرت إلى أحدى الجزر الأمريكية على ظهر سفينة متخفية بلباس غلام! وهناك كذلك بدأت رحلتها مع رجال آخرين وكانت مرغوبة، ورغم تجاربها الكثيرة، لكنها لم تستطع أن تدرك عقلية الرجل الأبيض وأساليبهِ في الحب والغزل، فتعرضت للكثير من العقبات والتناقضات في حياتها! ثم تتعرف على شاب وبعد لقاءات وصراعات بينهما يلتقيان ثم يفترقان وفي النهاية يلتم شملهما كلاهما ويعيشان حياتهما معًا.

أنها بحق رواية جميلة ومثيرة بكل ما فيها تستحق القراءة ومن عنوانها تجذب القارئ إلى حياة وتراث إنسان وحضارة. وحاليًا لم تعد فتيات اليابان ينضمون بشكل كبير إلى الجيشا مثل السابق، ولم تعّد بيوت الشاي تحظى بذاك الإقبال الذي كان عليه في الماضي، كونه أصبح مقتصرا على عدد ضئيل من الزبائن، مما جعل فتيات الجيشا يستخدمن الانترنيت لجمع المعلومات في مُحاولة لمُواكبة تطور العصر واستمرارية مهنة يتهددها الانقراض، ألا وهي مهنة "فتيات الجيشا".

لِمَنْ يَسْتَكْثِرُ عَلَيْنا الفَرَحْ

nadhom alsadiنَحْنُ شَعْبٌ نَرْقُصُ عَلى شِفاهِ جِراحِنا ونَكْتُبُ الشِعْرَ عَلى جَمْرِ مَواقِدِ الإنْتِظار، تَعَودْنا أنْ نَلْعَقَ فَجْوات الرِصَاص المَغْروز مُنْذُ أمَدٍ بَعِيْد في كُرَياتِنا ونَنْهَض لِنَسْتَقْبِل بِمَضائِفِ الخَيْرِ الأخُوة الأعْداء ..

وَطَنُنا عَبْرَ التارِيخ فَضاء هَلا ومَرْحَبا وكَلِمَة عْيونِي أولُ قُبْلَة نَضَعُها في جَبِينِ مَنْ يَأتي إلَيْنا

ويَنْهَلُ مِنْ عِلْمُنا أو يَقْتَاتُ عَلى خَيْراتِنا

فَصِرْنا عَبْرَ التَارِيخ الوَلِيمة القائِمَة والزَاد الفائِض لِكُلِ بِقاعِ الأرضْ ..

حَتى نَفْطُنا نَمْنَحُهُ قَرابِينَ مَحَبة بِأبْخَسِ الأسْعَار أو مَجاناً

لِمَنْ أقَاموا الحَدَّ عَلَيْنا ونَصَبوا أسْلاكَهُمْ الشَائِكَة لاحقاً فِي حُدودِهِمْ حِيْنَ أتَيْنا نَلوذُ بِهم مِنْ جُورِ الزَمان

ومازِلْنا نُذْبَحُ بِالجُمْلَة والمُفْرَد عَلى أيادي أصْحابِ الرَاياتِ القَذِرة واللِحَى الدَاعِشِية النَتِنة

القادِمِينَ مِنْ كُلِ الأصْقاع العَرَبِية والعَالَمِية

فاتْحَدَت بِذَبْحِنا كُلِ السِيوف وضَاعَ دَمُنا فِي هَيْئَة الأمَم المُتَحِدَة ومَجْلِس الأمِن الدُوَلي وكُل مُؤَسَسَات السَمْسَرة فِي العَالَم

و لِغَايَةِ اليَوم نُذْبَحُ بِالجُمْلَة ولَعَلَكُم تَتَذَكَرون كَيْفَ غَادَرنا فِي يَوم واحِدْ الف وسبعمائة بَطَل هَمْام ذُبِحوا بِدَم بَارِد

ولَمْ يُكَلِف نَفْسَهُ أحَداً مِنْ حُكومَاتِ الأعْراب بِقِراءَة سُورة الفَاتِحة تَرَحُماً لأرْواحِهِم

ومَازالَت ضَرِيبَة الدَم تَأخُذ نَصِيْبَها مِنْ جَدْول أيَامِنا فِي الوَطَنِ الجَريح

فَلَسْنا بِحَاجَة لِمَنْ يُذَكِرُنا بِحُرْمَةِ المَوت وطُقُوس الوَفاة واحْتِرامُ شَعَائِرها

فَمَنْ مَاتَ مِنْكُم لَم يَكُن خَيْراً مِنْ اطْفالِنا ورِجَالِنا وكُل شَعْبِنا

الذي قَدَم نَهْران مِنْ الدَم ومازَالَ يُقَيد شُمُوع الأحْزان بِمُنَاسَبة وأخْرى ..

فَدَعُونا نَفْرَح ونَمْنَح أهَلُنا أغْنية مَحَبة وَسَط رُكَام الوَجَع وطُقُوس احْتِضاره المُسْتَمِرة

بِفَضْلِكم وما صَدَّرْتُموه لَنا مِنْ مَوتٍ مَجَاني ... لا يُبْقي ولا يَذر ..     ..    

رَحِم الله الشُهَداء الأبْرار الأشْرَف والأكْرَم مِنْ كُلِ مِنْ لَحِقَهُم بِقَرارِ المَوتِ المَحْتُوم عَلَيْنا جَمِيعاً .. وعَاشَت الشُعوب المِسْكِينة

 

ناظم رشيد السعدي

السويد    

 

الثقافة العراقية في ظل الفساد

zohdi aldahoodiإذا كان المثقف العراقي من أبعد الناس عن الفساد، فإن الفساد من أقرب الناس إليه.

ما معنى ذلك؟ هل يمكننا أن نفهم بوجود علاقة جدلية بين الأثنين؟ وما هي فحوى هذه العلاقة؟. فحواها كما يأتي:

إنه من الصعوبة بمكان أن يبيع المثقف قلمه ويضع ضميره في المزاد العلني أو يبيع نتاجه بأي ثمن كان. ولكن، هل تسعفه هذه الأشياء في التغلب على العوز المادي. وإن أسعفته، فإلى متى؟

المثقف الأصيل لا يهاب أبدا. يفكر في الكتابة بشيء وخارج الكتابة بشيء آخر. لا يهمه إن وضع الشرطي القيد في معصميه وقاده إلى أحدى زنزانات السجون. في هذه الحالة تتغير الأشياء وتتكيف الكلمة مع الوضع الجديد، حيث يصان الكاتب إلى حد ما. وتتغير أساليب الإغراء. وتتزايد أعداد الصحف وتدر الإعلانات أرباحاً طائلة.

وتبدأ الأقدار بلعب دورها الخبيث في توزيع الأدوار. وإذا بصحفي مغمور يكلف أحد محرريه بتوطيد العلاقة مع أحد الكتاب المعروفين. ويغار المحرر لمجرد ذكر أسم الكاتب ويقول بحقد:

"ولكنه مجرد كاتب يا سيدي، إنه ليس صحفيا"

"وأنت يا جناب الصحفي، هل كنت صحفياً حين عينتك عندي بتوصية من (...) قلت لك إنني أريد كاتبا وليس صحفيا"

تنفس المحرر الصعداء لكون الشخص المطلوب كاتبا وليس محرراً صحفيا. وبشق النفس أوصل نفسه إلى الكاتب الذي عرف أنه يبحث عنه. قال له الكاتب:

"أنا لن أرتاد مجلسا، تجلس فيه أنت"

هذا هو موقف الصحفي أو المثقف الذي يحمل قلباً من البللور. وتكون المسافة بينه وبين الانتهازى لا نهائيا.

وتبقى نفس المسافة هي هي، بيد أن الحبل يكون هذه المرة بيد الصحفي الفاسد الذي يبشر للفساد أن يكون كبيرا جدا، كي يسبح فيه الكل.

القناص الأمريكي ولعبة التشويه

rahman khodairabasيعرض الآن في الصالات السينمائية في العاصمة الكندية (اوتاوة)، الفلم الأمريكي (القناص) وهو من أخراج الممثل المخضرم والمخرج كلنت إيستوود. والذي دفعني الى مشاهدة الفلم، ليس المتعة التي توفرها الأفلام الأمريكية والتي تعتمد على القوة الخارقة لبطل وسيم - كالعادة- ينتصر على أعدائه، ببطولة خارقة، وهو يستحق - أي البطل - ذالك لأنه يحمل صفات النبل والشجاعة والذكاء .. ألخ،وإنه سيحقق المعجزات لتأكيد القيم التي يؤمن بها رعاة البقر. أعرف كل ذالك عن السينما الأمريكية ولكن الذي دفعني لحضور الفلم، هو البحث عن سؤال يؤرقني. هل ثمة صحوة لدى صناعة السينما الأمريكية لأستحضار الضمير ومحاكمته على أسس أخلاقية؟. وهل تستطيع هذه السينما باعتبارها تمثل واحدة من وسائل المعرفة، أن تكشف المجازر التي ارتكبها الأمريكيون في حق العراق وتدمير بنيته التحتية ونهب تراثه الحضاري وتركه عاريا من الحماية بعد أنْ حلت جيشه وشرطته، واستبدلتها بميليشيات، تنتمي الى عصائب ومذاهب مستبدلة النسيج المتعايش، بنسيج غير متجانس . ولكنني كنت واهما، فالسينما الأمريكية التي تبحث عن شباك التذاكر والأرباح السريعة والجوائز، لايهمها الجانب الأخلاقي وهي مازالت منغمرة في وهم البطولة التي لاترى الآخر الا من خلال نرجسية متعالية .

تدور احداث الفيلم عن شخص اسمه كريس كايل ينخرط في المارينز بحجة (الدفاع) عن بلده وحينما يتم الغزو الأمريكي للعراق، يصبح أكبر وأشهر قناص ليحصد ارواح 255 عراقيا وليصبح اسطورة أمريكية. ولكنه حينما يعود الى امريكا بعد انتهاء مهمته العسكرية التي استمرت حوالي عشر سنوات، يمارس حياته العادية كزوج وأب لطفلين، ويحاول ان يساعد ضحايا الحرب من الأمريكيين. ولكن يدا مجهولة وشريرة تقتله. وينتهي الفلم بشكل حزين في إحتفالية الدفن لبطل دافع عن امريكا (الطيبة) ضد أعدائها (الشريرين) . وقد انتقل الحداد الى رواد العرض السينمائي الذين إخضلّتْ دموعهم حزنا على (الضحية / الأسطورة) الذي قتل 255 عراقيا دون ان يرف له جفن!

لقد دأبت صناعة السينما الأمريكية الى إنتهاج سياسة الإبادة بحق الآخر (ابتداءا من الهنود الحمر وانتهاءا بالعراقيين)، ومحاولة تشويه صورة هذا الآخر، فهوغبي وجاهل وجبان ومتوحش ويستحق القتل . وقد بدأ ذالك منذ اللقطة الأولى التي تُظهر طفلا وامه، واللذين كانا هدفا لهذا القناص، الذي أجهز عليهما ببرودة اعصاب قاتل محترف، ولكن الفيلم يظهره وكأنه يدافع عن المارينز لأن الطفل كان يحمل عبوة ناسفة . لذا فقد سقط هذا الفلم في مستنقع لاأخلاقي، لأنه برر القتل، وزيّنه وجعله مهضوما من قبل المتلقي .وقد تجاوز الفلم حتى على مذكرات القناص والتي نشرها عام 2012 والتي يعترف بها انه كان يتلذذ بالقتل، وحتى مشهد عدم قتله للطفل الثاني مجرد كذبة رخيصة اراد المخرج أنْ يؤكد نبلا غير موجود عند القناص الأمريكي الذي أدمن القتل . لقد تم تصوير أغلب مشاهد الفيلم في المغرب . وكما تقول جريدة هسبريس المغربية : ان الفلم استفاد من مساعدة مغربية وفرت الكثير من المال للمنتجين بعدما وضعت رهن اشارتهم الكثير من التجهيزات والمعدات ومنها طائرات الهليوكبتر " وينبغي على الأشقاء في المغرب أن يفحصوا ويقيموا مضامين الأفلام السينمائية التي تصور في بلادهم، لأن في هذا الفلم اساءة واضحة لشعب العراق .

وفي محاولة لجني ارباح سريعة من قبل الشركة المنتجة، فلم تبن مدنا اوديكورات مستلة ومأخوذة من صميم البيئة العراقية ولسان حالها يقول (منو يقرا، منو يكتب) .فقد كانت المدن في الفلم لاتشبه المدن العراقية إطلاقا، من حيث طبيعة البيوت والشوارع واشكال المساجد، وطبيعة الحجر المستخدم في البناء، وكتابة الأرقام وشكل الجدران، وطبعة الأثاث المنزلية. مما ابعد الفلم عن اية مصداقية لمسرح الأحداث التي يُفترض أنها تدور في مدن كالرمادي والفلوجة. كما ان ملامح المواطنين العراقيين في الفلم غير مقنعة لأن الشركة المنتجة استخدمت بعض الشخوص من أصول هندية او باكستانية والكثير من المغاربة الذين أستخدموا ككومبارس . اما اللهجة المستخدمة فهي مزيج من الخليجية والأردنية وبلكنة مغربية، وحينما ارادوا ان يقلدوا اللهجة العراقية فشلوا في ذالك. واذا كان الفلم سيمرر على المتفرج الأمريكي فمن الصعب أن يكون مقنعا لغير الأمريكي . ومن هنا استطيع القول بان الفيلم كان فاشلا من الناحية الفنية، كما انه كان فاشلا من ناحية الصدق ولذا فارى أنه يشكل عارا على السينما الأمريكية التي لوّثت في هذا العمل القيم النبيلة التي ينبغي ان يتحلى بها الفن السابع .

بؤس المؤلف!!

fatima almazroweiفي عالمنا العربي وخلافاً لكثير من أمم الأرض إشكاليات في فهم العديد من الوظائف والمهام الإنسانية، عدم الفهم هذا سبّب تسطيحاً لهذه الوظيفة أو تلكـ، بل أنتج في بعض المراحل الزمنية مقاومة وحرباً ورفضاً. أن تكون مؤلفاً وتحاول أن تسخّر نفسكـ وتفرّغ عقلكـ وروحكـ لهذه المهمة ليس بالأمر السهل أو البسيط الذي قد يتخيله البعض، وعندما أقول ليست مهمة سهلة فهذا لا يعني استحالتها لأننا نشاهد يومياَ العشرات ممن يقتحمها هواية ورغبة، وبالتالي نشاهد منجزات يتم وصفها بأنها نتاج أدبي، وإن كنت أعتقد أنه ليس كل من أصدر كتاباً بات تحت قبة المؤلفين، لأننا نشاهد في هذا الزمن تكاثراً في الدالفين لهذه الساحة، وهذا أمر جميل ويدعو للبهجة، ويبقى على النقد الأدبي أن يقوم بواجبه في تقديم المتميز.. كثيراً ما يواجهني سؤال متى سينشر عملكـ الروائي الثالث؟ وآخرون يقولون بأن الكتابة اليومية والأسبوعية وأيضاً الشهرية في عدة مطبوعات استنزفت طاقتي ولن تسمح لي بنشر رواية جديدة، وهم محقون في جانب الاستنزاف، لكنني أؤمن بأنه بقليل من تنظيم الوقت وترتيب المهام ووضع جدول فإنني أستطيع أن أقدم مشروعاً أدبياً جديداً، وهنا أبين نقطة أساسية تتعلق برغبة المؤلف في نشر عمل جديد بعد أن نشر عدة أعمال، هذا المؤلف تتلبسه حالة من الهم بأن يكون الجديد مختلفاً ومميزاً وأكثر وهجاً وحضوراً، بمعنى أن من يسألون عن روايتي الثالثة، لا يدركون أن ما أفكر فيه هو مختلف تماماً عن نشر عمل روائي وحسب لأنها بالنسبة لي ليست مهمة تأليف فقط، بل لا بد من أحداث مبتكرة وطريقة كتابة مختلفة لأن العمل لا بد أن يكون متميزاً وأكثر إبداعاً عن تلكـ التي سبق ونشرتها، وإذا لم يتحقق هذا فإنني لن أكون قد اكتسبت أي فائدة من تجاربي الروائية والقصصية السابقة، والتي من خلالها وجدت النقد وكلمات مديح، وأيضاً كلمات التهبيط والتقليل. المؤلف مسكون بعدة جوانب في عالمنا العربي تسبب له الأرق وكثير من المشاكل، وحتى أبين هذه المشاكل التي تواجه كل مؤلف أستحضر كلمة للمؤلف والمؤرخ جورج جوردون كولتون، حيث قال: " للتأليف ثلاثة مصاعب، أن تؤلف شيئاً يستحق النشر، وأن تجد ناشراً أميناً، وأن تجد قارئاً لبيباً غير متحيز". وأعتقد أن كل واحدة من هذه المصاعب ماثلة في عالمنا العربي بشكل واضح ولا تقبل الشكـ أو التأويل، فكيف يبدع ويخترع المؤلف العربي نصاً مختلفاً وهو لا يجد الدعم ولا التفرغ ولا مؤسسات تساعده، وأين هو الناشر الذي يحب هذه المهنة ويعمل بها وفق مهنية عميقة بعيداً عن الوعود الزائفة للمؤلفين، وبعيداً عن استغلالهم واستغلال منجزاتهم؟ ثم أين هذا القارئ الذي يحاول أن يستمتع بالنص وأن لا يبني في ذهنه محاكم تفتيش ضد هذا المؤلف؟ وإذا قرر هذا القارئ أن يمارس وظيفة الناقد فهل يستطيع أن يبتعد عن مفردات الشتائم والسباب، ويرقى بلغة نقدية إنسانية!.. يمكن للجميع أن يكتبوا ويؤلفوا لكنهم قلة ممن يأخذ هذا الطريق كروح وعمق وهم ورسالة معرفية، لا دخل للمباهاة والمظاهر بها.- الفكرة الجديدة والناشر والقارئ – ليتنا نرى مثلث بؤس المؤلف العربي وقد انهار وتلاشى..  

مجلة "الجديد"

shaker faredhasanمن المجلات الثقافية والفكرية، التي ساهمت في نهضة شعبنا وإرساء حركة أدبية فاعلة ونشطة وترسيخ الهوية الجماعية مجلة" الجديد" التي تعتبر من أعرق وأهم وأبرز المجلات والدوريات الصادرة في الداخل.

بدأت مجلة "الجديد" بالصدور كملحق أدبي لصحيفة "الاتحاد"في تشرين الأول عام 1951،ثم مستقلة في تشرين الثاني 1953، ومما جاء في استهلال العدد الأول:"بهذا العدد،وقد أردناه أنيقاً بقدر ما يسمح نظام التقنين في بلادنا أن يكون أنيقاً، نبدأ سلسلة من الملاحق الشهرية لصحيفتنا الأسبوعية "الاتحاد" تتناول في الأساس قضايا الأدب والفن والاجتماع مزينة ببعض البحوث السياسية بين وقت وآخر.

ويضيف القائمون على المجلة قولهم:"إننا نرجو، وسنعمل جهدنا من أجل تحقيق هذا الرجاء أن يكون "الجديد" محوراً تتجمع حوله أقلام جريئة شريفة، تدرك أن رسالة الأدب هي:"الارتباط بالنضال الثوري الذي تشنه الطبقة العاملة، والالتحام العضوي بين أماني الفرد الإبداعية ومصالح الناس العاديين".

وقد حدد الكاتب والروائي الراحل اميل حبيبي نوعية الأدب الذي تدعو إليه "الجديد" بقوله:"ان الأدب الذي ندعو له هو أدب الشعب،أدب يخدم الشعب في نضاله نحو سمو مستقبله،أدب يثير الوعي الذاتي في نفوس الشعب، ويمنح الشعب فهم دوره وفهم العالم المحيط به،وفهم التناقض الأساسي القائم في المجتمع، بين غامسي اللقمة بعرق الجبين وسارقي هذه اللقمة، هذا التناقض الأساسي الذي من الضروري أن يكون مصدر الصراع في العمل الأدبي الذي ننشده وينفخ فيه الحياة.

أما المسار الذي يجب أن يتخذه المبدعون فيقول:"يجب أن يكون الأدب إنسانياً،تقدمياً،اشتراكياً في مضمونه،وقومياً في شكله.

وتناوب على رئاسة تحرير "الجديد"عدد من الكتاب والمثقفين والمبدعين الفلسطينيين المنضوين تحت عباءة الحزب الشيوعي،الذين كتبوا افتتاحياتها وعملوا على تطوير محتوياتها ومضامينها وأبوابها،وهم:"جبرا نقولا،اميل توما، صليبا خميس، توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم، سالم جبران، ابراهيم مالك،محمد علي طه "، أما أبرز كتاب "الجديد" فكانوا من رواد الثقافة التقدمية الإنسانية التحررية التجديدية .

حملت مجلة "الجديد"فكراً أيديولوجياً ملتزماً ورسالة حزبية وسياسية واضحة، ورفعت راية التقدم والتحرر والوحدة،والنضال التقدمي الوحدوي ضد التخلف والرجعية والتبعية وفي سبيل العدالة والحرية والنهوض بالمجتمع العربي ليواكب العالم المتقدم والمتحول .وغلب على موضوعات المجلة الطابع السياسي،وكرس كتابها كل ما يملكون من طاقات لنشر الفكر والتراث الماركسي التقدمي والإنساني وترسيخ الاتجاه الواقعي الاجتماعي.كما وعملت المجلة على نشر النصوص والروائع الشعرية والنثرية والإبداعية،التي تدعو للتنور والتوجه اليساري وإبراز الشخصيات والأسماء الفكرية والأدبية ذات الانتماء الماركسي والشيوعي.

وقد أدت "الجديد" دوراً حضارياً مهماً في انتشار أدب الحياة وأدب الالتزام،الأدب الواقعي،وقدمت خدمت جلى للحركة الثقافية والأدبية الفلسطينية،كذلك شكلت حاضنة وحامية للأدب الهادف وأداة واعية في صياغة وبلورة الثقافة الوطنية التقدمية الديمقراطية الفلسطينية، والثقافة الشعبية العمالية وبعث حركة أدبية فلسطينية دينامية تتفاعل مع الأحداث السياسية والمتغيرات الاجتماعية .

وبهذا الصدد كتب الشاعر والكاتب الراحل سالم جبران قائلاً :"إن سر ميلاد الجديد ونموها ورسوخها هو أنها ارتبطت منذ البداية بالناس والأرض،فعكست ثقافياً وفنياً الطاقات الإبداعية لشعب متمسك بأرضه ووطنه،وعبر كل السنين الماضية كانت هذه المجلة الشهرية سياسياً وأدبياً،حاضنة لكل المواهب القصصية والشعرية والنقدية والفنية".

وفي ثمانينات القرن الماضي بدأت الجديد تعاني أزمات مالية أدت بالتالي إلى توقفها سنة 1991، وكانت هناك محاولات لإعادة إصدارها، فأصدر أنطوان شلحت عددين في العام 1993، وأصدر مفلح طبعوني ثلاثة أعداد بين السنوات 1998 ـ 2001، لكن وكل هذه المحاولات باءت بالفشل . وهكذا توقفت الجديد واحتجبت عن الصدور بعد أن أدت دوراً تعبوياً ريادياً في دفع مسيرة الحركة الأدبية والثقافية،وتبوأت مركز الصدارة بلا منازع بين المجلات العربية التي صدرت هنا في البلاد.

أصحاب الواحد

mohamad aldamiهي ظاهرة ثقافية راحت تشيع وتقوى في العالم الغربي، وفي العالم الشرقي في القريب العاجل، كما يمكن للمرء أن يتوقع. هذه هي ظاهرة “أصحاب الواحد”، وأقصد بها ظاهرة غلق حياة الفرد، أو استباق غلقها، بتأليف كتاب سيروي، ذاتي تمخره العواطف والإسقاطات والاستذكارات وتيارات الوعي الصاعدة والنازلة وما شابه من موضوعات يكون المؤلف محورها.

وإذا كانت هذه الظاهرة تستقطب اهتمامًا واسعًا من قبل جمهور القراء في العالم الغربي، فإن مرد ذلك ليس الكتابة، فنًّا، وإنما “الكتابة كفن”، إذ يهفو المهتمون بالمؤلف وبسيرته وبدوره الاجتماعي إلى ما أنتجه على سبيل المراجعة والظفر بالمنظور الأدق للأحداث من الداخل، أي ليس كمتفرجين على الأحداث، ولكن كلاعبين ومؤدين يقاربون في أهميتهم دور المؤلف. الطريف هو أن هذه الظاهرة راحت تشيع حتى شملت رؤساء دول وملوكًا وقادة وسفراء وجنرالات، بدليل كتب من نوع (سنتي في العراق) My Year in Iraq بقلم السفير بول بريمر Bremer، الرجل الذي وجد نفسه فجأة ملكًا غير متوج على بلد شاسع غزير الثروات ومتنوع الأعراق والأديان، وكذا الحال مع كتاب آمره، الرئيس جورج بوش الابن، الموسوم (نقاط القرار) Decision Points. وإذا كانت هذه وسواها من الكتب الاستذكارية والتبريرية، فإنها، لا ريب، تفتح نوافذ لرؤية دواخل وآليات تفكير مؤلفيها، برغم أن أغلب هذا النوع من كتب الزعماء يخط بأقلام صحفيين محترفين أو مديري حوارات يثق بهم المؤلف فيعتمدهم لغرض نشر الكتاب، كما هي حال كتاب السفير بول بريمر الذي حبره له المحرر “مالكوم ماكونيل” ليبلغ الكتاب أكثر من 400 صفحة استذكار لتجربة فريدة لا يمكن إلا أن تحدث في ذلك الشرق العجيب والبعيد الذي يرنو الكثيرون إلى التعرف عليه، خاصة على العراق.

وإذا كنت قد استعرت عنوان هذه المقالة من مؤرخي الأدب العربي الذين أطلقوا عنوان “أصحاب الواحدة” على الشعراء الذين لم يتبقَّ من إرثهم الشعري سوى قصيدة أو مقطوعة شعرية واحدة، مثل الشاعر اليهودي الجاهلي الشهير بـ”السموأل”، فإن على المرء أن يوضح بأن الاندفاع لتسجيل الشهادات التاريخية والسيروية صار بدرجة من القوة والقدرة على الجرف أنه شمل حتى الفنانات والممثلات والراقصات اللائي قد تهم قصص حياتهن البعض ممن يتأملن محاكاتهن والالتحاق بركبهن. بل إن الغريب في العالم الغربي هو أنك قد تعثر على مذكرات بائعات هوى أو ممثلات أفلام إباحية شهيرات حول حياتهن، كبنات ليل، وحول زوارهن وطبائعهم. بل لا تستغرب أن تجد كتابًا من تأليف لص أو زعيم عصابة إجرامية “متقاعد”، وهلم جرا.

هذا النوع من المؤلفات يمكن أن يستفز الكتاب المحترفين لأنه يأتي تتويجًا لدور وظيفي أو اجتماعي أغدق على المؤلف ملايين الدولارات، فقام باقتطاع جزء صغير من مدخولاته ومدخراته لإصدار كتابه الوحيد على النحو اللائق باسمه، ورقًا وتغليفًا وإخراجًا. هذه هي الحال المعاكسة للكتاب المحترفين الذين يعانون من ضيق الحال المالي والاقتصادي بسبب اعتمادهم على أقلامهم وأفكارهم المحبرة من أجل كسب الخبز ودفع القوائم وتوفير وجبات الغذاء على مائدة عوائلهم عند المساء. إن فكرة “الكاتب” المجردة لا توحي لي إلا برجال من عيار الروائي تشارلس ديكنز الذي اقتفى آثار سابقه الروائي الكبير السير “وولتر سكوت” في إنتاج عشرات الروايات الكلاسيكية كي يتمكن من سداد ديونه للأغنياء من الناشرين الذين حرصوا على “حلبه” حتى آخر قطرة عبقرية قبل أن تحضره المنية، فمات على تل من الكتب العظيمة التي لم نزل ندرّس بعضها لتلاميذنا في أقسام الأدب. بل إن بعض هؤلاء الكتاب الكبار يتوفى ويدفن ولا يذكر مشيعوه من أبنائه وأقاربه أن يسجلوا على “شاهود” قبره بأنه كان روائيًّا أو شاعرًا، إذ يسجلوا فقط: “هنا يرقد فلان ابن فلان وأبو فلان”، دون إشارة إلى أنه كان كاتبًا مجيدًا أو مؤرخًا من الثقاة، للأسف.

 

الحيوان افضل صديق للسيد الرئيس

tara ibrahimفي أعياد الميلاد هذه السنة تم منح الرئيس الفرنسي كلبة صغيرة سوداء عمرها شهران كهدية من قبل جمعية المحاربين القدماء في مونتريال . يبدو ان الكلبة حنون ورقيقة لدرجة ان السيد الرئيس منحها اسما يتناسب مع طبعها وهو فيلاي، امر أثار الضجة والدهشة في الاعلام الفرنسي كون الجميع كان يترقب ان تأتي الى قصرالاليزيه صديقة أوعشيقة للسيد الرئيس كي تعيش معه، وليست كلبة !!    

يبدو ان الكلاب والقطط وغيرهم من الحيوانات، أصدقاء السيد الرئيس، الذين يبلغ عددهم 30 مليونا في البلاد، لهم مكانة خاصة ويلعبون دورا مهما في العرض او التواصل السياسي بين الرئيس والشعب !!، وهذه ليست المرة الاولى التي يتبنى فيها رئيس فرنسي حيوانا في قصرالاليزيه فالرئيس الاسبق فاليري جيسكار ديستان كان لديه كلب من عرق اللابرادور والرئيس الراحل فرانسوا ميتيران تم تأليف اغنية جميلة خاصة لكلبه في وقتها، وجاك شيراك الذي كان له كلب من فصيلة اللابرادور أيضا سماه دوكون تيمنا باسم الرئيس فاليري جيسكار ديستان، اما الرئيس ساركوزي يبدو انه كان مولعا برفقة زوجته كارلا بروني اكثرمن ولعه   بالحيوانات على الرغم من انه كان بمتلك كلبين في القصر الرئاسي الا انه تم استبعادهما بسبب الاضرار التي لحقت بالقصرتجاوزت الـ 6000 يورو بسبب نزق وشغب الكلبين .

الامرليس تقليدا فرنسيا، بل هوعادة أغلب الرؤساء في جميع انحاء العالم فروزفلت الرئيس الامريكي كان يمتلك دببة وخنازير وسحالي، لدرجة ان خلفاءه من الرؤساء قاموا باتباع نفس العادات ولكن بمبالغة أقل، فمثلا الرئيس الامريكي الحالي اوباما يمتلك كلبين مائيين كون ابنته لديها حساسية من شعر الكلاب. أما الرئيس الروسي فهوعلى علاقة مميزة مع الحيوانات بل وله قصصا مسلية معها، في العام 2008 استقبل نمرا صغيرالعمر في بيته لفترة قبل ان يودعه الى حديقة الحيوانات وبعدها تعددت قصصه مع النمور، فمؤخرا اطلق نمرين كانا يعيشان في منزله الى الطبيعة امام العديد من الصحفيين وعدسات الكاميرات، امرأثارغضب وإستنكارالصينيين كون النمرين عبرا نهر" آمور" الذي يفصل الصين عن روسيا وباشرا بأكل الدجاج الصيني الطازج بعد إصطياده. بوتين الذي يتميز عن جميع رؤساء العالم في هذا المجال قام عام 2006 بإهداء لعبة على هيئة كلب مشعر الى مستشارة المانيا انكيلا ميركل لان الاخيرة وبعد ان عضها كلب، لا تطيق وجودهم في بيتها .

اما حيوان الباندا فقد اصبح هدية كلاسيكية نوعا ما بين الرؤساء ولكن تبقى الكلاب من اهم الهدايا التي تهدى اليهم كونها وفية جدا لصاحبها، ففي عام 1961 تم إهداء الكلبة بوشكينا الى الرئيس الاميركي جون كندي من قبل الرئيس السوفيتي آنذاك، بوشكينا هي ابنة الكلبة ستريلكا الرائدة المعروفة التي تم ارسالها الى الفضاء على متن القمر الاصطناعي " سبوتنك 5 "عام " 1960"، فهل لنا ان نتوقع نفس القدر والحظوة " لفيلاي " كلبة الرئيس الفرنسي المدللة ؟ .  

 

د. تارا إبراهيم - باريس

عن جريدة لوموند الفرنسية

محور الأدب .. ميخائيل نعيمة

madona askar"وما شرف الأديب إلّا أنّه أبداً يشاطر العالم اكتشافاته في عوالم نفسه. حتّى إذا ما وجد آخر بعضاً من نفسه في تلك الاكتشافات، كان في ذلك للأديب أطيب تعزية وأكبر ثواب. إذن فالأدب الّذي هو أدب، ليس إلّا رسولاً بين نفس الكاتب ونفس سواه." (*)

كذا يمنح الأديب اللّبنانيّ "ميخائيل نعيمة" الأدب رتبة الرّسوليّة، إذ إنّ الأديب رسول يشاطر الآخر ما يجول في نفسه من تأمّلات وخواطر ومشاعر. وكلمة رسول تعني اصطلاحاً، الموفد بمهمة عليه تأديتها مكتوبة أو شفهية، كما أنّها تعني في (الشّرع)، من يبلّغ عن الله.

ولا بدّ أنّ "ميخائيل نعيمه" يرفع الأديب إلى هذا المقام لأنّه مؤتمن على الكلمة الّتي يخرجها للنّاس ويبثّها في نفوسهم وعقولهم، ومهمّته طرح بذورها في الذّات الإنسانيّة لتنبت فكراً أصيلاً يرتقي إلى كمال الإنسانيّة. والأديب في إبداعه يؤسّس لفكر متجدّد وخاص يترك من خلاله بصمة في عالم الإبداع والفنّ.

كما يعتبر "نعيمة" الإنسان محور الأدب، فحوله تدور علومه وفلسفته وتجارته وصناعته وفنونه وآدابه. فالإنسان في رحلة بحث عن نفسه في شتّى مراحل حياته وفي كلّ حالة يمرّ بها من حزن أو فرح، انتصار أو انكسار...، كما يضيف أنّه لا قيمة لأيّ عمل إلّا بمقدار ما يدنيه ذاك العمل من معرفة نفسه أو يقصيه عنها. وبالتّالي فإنّ أي عمل يقوم به الإنسان لا بدّ أن يدلّه على ذاته بشكل أو بآخر، ومن هنا أهميّة الأديب والأدب في أن يكون الإنسان محورهما.

الأديب وفي غوصه في جوهر الحياة يتأمّل ذاته أوّلاً من خلال هذا الجوهر، فهو يبحث عن ذاته بالدّرجة الأولى. كما أنّه يضع ذاته في أدبه، فإن كتب رواية جسّد بعضاً من خبرته أو حلمه. وإن نظم شعراً لامس الأنا المستترة في داخله وأظهرها للقارئ، فيوقظ فيه مشاعر لم يكن يدركها من قبل. وإن كتب مقالة فجّر القوى الكامنة في النّفس. وكلّما ارتقى سلّم النّفس وانكشف له سرّها منح الإنسان فرصة أن يدنو من ذاته أكثر ليسافر فيها ويتواصل معها ويتعرّف إليها.

ولمّا كان محور الأدب الإنسان، أغنى فكره وساهم في ترتيبه وصقله، ورفع النّفس من أودية الجهل إلى جبال المعرفة. وتبدأ المعرفة من حسن إيصال الكلمة وذلك باستخدامها بشكل فنّيّ وأخلاقيّ، لترفع القارئ إلى مستوى الإنسانيّة، فتدفعه للتّفكير والتّأمّل. ولا تصيب الكلمة أهدافها بالابتذال وإنّما بالرّقيّ. فلا يجوز الاستخفاف والاستهانة بها، كما لا يجوز طرحها كيفما كان كي لا تقلّل من مستوى من يتلقّفها. فالقارئ أشبه بالأرض يبذر فيها الأديب بذور الكلمة لتطرح أشجار فكر عميق ينير الإنسانيّة.

إنّ حضور الكلمة في حضرة الرّسول أي الأديب، قويّ وفاعل وهو مؤتمن عليها كما هو مؤتمن على الإنسان الّذي يتلقّاها، فإن كان الزّرع طيّباً نتج عنه حصاد غنيّ ووافر. ولا يستحقّ الأديب لقبه ما لم ينحت في صخرة الإنسانيّة تمثالاً ناطقاً وما لم يبدع من خفايا النّفس لوحة تترجم العمق الإنسانيّ، وما لم ينقّب في مناجمها ليفجّر كلّ طاقاتها في سبيل التفاتة إلى "سرّ الأسرار ولغز الألغاز"، على حدّ قول " ميخائيل نعيمة"، ألا وهو الإنسان.

 

................

(*) ميخائيل نعيمة، الغربال ط 17. (بيروت: دار نوفل، 2009)، ص 23.

في كتاب الغربال فصل عنوانه "محور الأدب"، وهو مقدمة كتبها نعيمة لكتاب آخر عنوانه "مجموعة الرابطة القلمية"، أي الرابطة التي تأسست في الولايات المتحدة عام 1920، وكان أحد أعمدتها.

 

إطلالة: نسوان وعناتيل بلدنا

reem abolfadlكثيرا ما تستوقفني أحداث، أشخاص، مواقف قد أكون فيها بطلة، أو كومبارس، متفرج، أو قارئ

وليس ما يستوقفني الحدث نفسه، أو الشخص ذاته، بل أنني دوما ما أشرد أمام الحدث، أو أتأمل الموقف، أو أغوص بداخل الشخص، فتنجلي لي أمور كثيرة، أو هكذا تبدو لي

من هنا كانت إطلالتي على شخص، أو موقف أو خبر ليس لممارسة دور المتأمل فقط، ولكن لعمق قد أراه بداخل أى منهم

وأثناء وحدتي التي أقتنصها من يومِ مشحون، أمارس تأملاتي من خلال إطلالتي على يوم يطل، . أو يطول

 

اشرب، واسترجل

وكلما تذكرت بيتيي عنترة صاحب القسمات والصفات الرجولية

ولقد ذكرتكِ والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم

وقد جمع فيهما معاني الرجولة والشهامة ومعاني الحب، وقد كان الشعر فى الجاهلية الإعلان الذي يوازى اليوم الإعلام

فإذا ما تذكرت عنترة هذا الفارس الأسمر الذي كان رجلًا حتى فى عشقه، طالعتني الدراما القديمة التي لصقت الشارب والسيجارة بشخصية الرجل، ثم فى العضلات المفتولة، واختزلت الرجولة كلها فى مظاهر جسدية

ثم كانت الكارثة فى يومنا

تلك الإعلانات فى إعلامنا، وهى تتحدث عن الرجولة، وتبلور الرجولة فى كيس بطاطس أو زجاجة مشروب طاقة

بل تدعو الجميع "استرجل" "صحي الدكر"

فنجد أن الدعوات لاستنهاض الرجولة ليست إلا لتناول كيس من الشيبسى أو مشروب طاقة ؛ فيفز الرجل من رقدته لتبتسم له فتاة ابتسامة ليست بريئة فيردها لها بغمزة

فى اعتقادي أن محاولة بلورة الرجولة فى تلك الممارسات التافهة ليست من باب الدعاية فقط، وتصدير الرجولة المفتقدة للشباب من باب بسيط حتى ولو كان أكل أو مشروب

وإنما للخيبة التقيلة التي يعانى منها المجتمع العربي، أو الأمة بأكملها بافتقاد، أو فقد الرجولة فى ظل احتلال دول، واغتصاب، حريات، وقمع فكر

 

تخاذلت الرجولة أمام كل ذلك

والحل فى تعديل المفاهيم وصياغة جديدة لمعايير الرجولة حتى لا ينصرف فكر وجهد الرجال للبحث عن رجولتهم، ومن ثم إثباتها بشكل قد يُزعج السلطة

فان كانت التقاليع قد استنقدت حيلها

والإعلام قد جسد لنا الرجل فى مظاهر جسدية فى بطولة الأعمال الدرامية على مدار نصف قرن

فلابد اليوم مع كل هذا التخاذل أن يشبع الإعلام رجولة المتعطشين والباحثين عنها

فيأكلون المقرمشات ويسترجلون ويشربون مشروبات الطاقة بدلا من أن تشرب السلطة المُر. إذا ما نقحت عليهم رجولتهم

 

عناتيل بلدنا

هناك من يقود عقله سائر جسده، وهناك من يقود جسده عقله،

 

وإن كانت الأولى لذوى العقول، .فالثانية لفاقدي تلك نعمة

تصدرت الصحف أخبار الفئة الثانية بمزيد من إلقاء الضوء وإثارة وجذب الناس، وكم من البهارات الإعلامية التي حولت الفضيحة الأخلاقية لمعجزة مثلا

وإن كان أصل كلمة عنتيل بعد تطورها تعني الرجل القوى، فلا أعرف كيف ينسب فعل فاحش للعنتيل ؟

وما علاقة الرجولة بما تم التسليط عليه إعلاميًا، وقد أظهره بمثابة طفرة فى الجينات المصرية المتفردة

والأعجب أن لم تكتف الصحف والميديا بإبراز الفضائح متتالية

عنتيل المحلة

عنتيل الغربية

عنتيل البحيرة

بل أبرزت كارثة بطلها طبيب مصري يعمل بالسعودية، وأطلقت عليه "عنتيل السعودية"

بل تفاخرت بالفضيحة التي تعدت حدود البر المصري فى خبر ظهور عنتيل السعودية، ويتضمن الخبر فضيحة لطبيب مصري يعمل بالسعودية، ويتحرش بالمريضات وقد قامت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقبض عليه

 

ما العنتلة فى شخص لم يراع أخلاق المهنة وحنث بالقسم، وهو يعمل بمهنة سامية، ولم يراع حتى تقاليد بلد إسلامي وراح يتحرش بكل وقاحة بمريضاته

ما العنتلة فى فعل التحرش؟؟؟

وما الرجولة في قيام أحد العناتيل بتصوير ممارساته الفاحشة مع النساء؟

في المقابل نشرت جريدة "بديعوت أحرونوت"حادثًا يشابه أحد فضائحنا التي نعدها إنجازًا عن مدرب رياضي أقام علاقات غير شرعية مع المتدربات لديه، وقد ألقت الشرطة القبض عليه وحينها توالت المتدربات للإبلاغ عنه لاغتصابه لهن

تقدم محامي المتهم بطلب للمحكمة لمنع النشر، ولكن المحكمة رفضت طلبه وسمحت بنشر تطورات القضية باعتبارها فضيحة أخلاقية يعاقب عليها، ولكي يكون رادعًا لغيره

لم يرد على الإطلاق فى الصحف التي تناولت القضية دون أى لفظ يشير إلى فحولة هذا الشخص

المجتمع الإسرائيلي اعتبر الحادث جريمة، .بينما اعتبره المجتمع المصري إنجازًا، وراحت وسائل الإعلام تسأل زوجة أحد العناتيل عن علاقته بها وعلاقاته بالأخريات

 

هذا المجتمع ضاعت فيه الأخلاق، وتبدلت فيه القيم، وفسدت الذمم، واختلت المعايير

 

**أيها العناتيل، .

لو قيست الرجولة بالفحولة

لاستحقت الحيوانات أن تكون أعتى الرجال، وأشد العناتيل

 

نسوان وذكران

توالت على بيتنا سيدات للمساعدة فى أعمال المنزل

كلهن بالطبع من بيئة بسيطة، . بعضهن ممن يطلق عليهن المرأة المعيلة

والمرأة المعيلة فى مجتمعنا ليست تلك الأرملة التي ترك لها زوجها أطفال ؛ فتعمل عليهم وتعول أسرتها، وليست أيضا من المطلقات التي طلق "الرجل" العائلة بأكملها، .كما أنها ليست من تلك الفئة المنتشرة التي يهجر فيها الزوج البيت تاركًا الجمل بما حمل لتلك الناقة التي تحمل ولا تنوء

ولكن أغلب اللاتي توافدن على بيتنا لم يكنّ إلا من فئة المستضعفات المستعبطات

فالزوج معافٍ، وقد تخلى عن قوامته و مسؤولياته، وأصبح السعي والعمل من واجبات زوجته

أما هو فينتظر السيدة حرمه ؛ لتأتي له بالمال لتصرف عليه وعلى اللي خلفهم، لا غضاضة فى ذلك

قد تمتنع إحداهن فتنال وصلة سباب أوعلقة

وفى النهاية يتباهى هذا الذكر بأنه مكفى مراته وعياله ومالي عينها

لا أدرى أى عين اليمنى أم اليسرى، وأي عين تلك التي يملأها شخص عاطل

ولا بأي معيار يحكم أنه مالي عينها ومكفي بيته، ولكن يبدو أن معيار الرجولة اختل تمامًا، وأصبح الرجل هو من يقهر زوجته، ويجبرها على العمل، ويعيش على شقاها

وقد كان من قبل يسمى ذلك هو من يعيش على "عرق النسوان"

ولكن مع اختلال المعايير والجينات أصبح نسوان اليوم رجالًا وبات الرجال أنعامًا

و من الواضح أن الرجل فى بعض البيئات الأمية والفقيرة تتقدم صفاقته على قوامته

اعترضت إحداهن على وضع زوجها "المُستنطع" وطردته؛ فاستنكر الجيران فعلتها ب"أبوعيالها" فى حين لم يستنكروا أفعاله ب"أم عياله"

لا أعرف متى يستقيم حال المجتمع، . ومتى يستفيق نسوانه ويختشى رجاله؟

تذكرت جملة د يحيي الرخاوى حين تحدث عن قلة الرجولة الحقيقية فى مجتمعنا مُصنفًا رجال اليوم إلى ثلاثة أنوع

"راجل أحسن من قلته، .وراجل زى قلته، .وراجل قلته أحسن"

*نسوان لفطة عربية فصحى

 

ريم أبو الفضل

محمود البريكان .. راهب الشعر الخالد

wadea shamekh2مهاد: في عام الفيل، كان للشعراء معلقاتٌ مقدسة، وفي عام الخوف ُقتل الشاعر محمود البريكان

كان الشاعر "اليوت" يشمّ رائحة الموت في نيسان ..

وكان السياب يشمّ الموت كلّ يوم

ولكن البريكان إختار موته في شباط

 

وكانت أشرّ ميته لشاعر في 27 شباط .. 2002

.............................

في تسعينيات القرن الماضي، والحصار يطحن قامات العراقيين ويعصر أعمارهم في طاحونتة الدرداء .. كنّا مجموعة من شباب البصرة " جابر خليفة جابر، كريم جخيور، عزيز داخل، كامل فرعون، طه جبوري، وديع شامخ " نجتهد في عقد إجتماعات دورية في بيوتنا لمناقشة موضوعات تخص الادب والفكر والابداع عموما، ورغم كلّ المنغصات الواقعية أو المتخيلة من قبل سلطات النظام كنّا ننجز عملنا بمتعة وتحدٍ نوعيين .

كنتُ أسكنُ يومها في منطقة الجمعيات " حي الخليج العربي " وكان الدور عليّ في إلقاء محاضرة عن " قصيدة النثر .. تاريخها، جذورها العربية، الغربية .. نماذج تطبيقية "، وبعد إنتهاء الجلسة التي إستمرت اكثر من ساعتين وفرح الأصدقاء بجهدي .

شعرت بالحاجة الى زيارة الشاعر الكبير محمود البريكان لسبب،لا اعرفه حتى هذه اللحظة،

البريكان الذي يسكن في منطقة الجزائر في عشار البصرة، والتي لا تبعد عن بيتي سوى بضعة كيلومترات .. ولكنني لم ازره أبدا، رغم أني من المدمنين على قراءة ما تناثر من بوحه هنا وهناك .. وتقصي أخبار صمته المهيب في زمن " الحناجر الطرية " والمعدّة تماما للطنين نيابة عن الذباب والفحيح بدلا من الأفاعي والتثعلب بدلامن الثعالب والخرير بدلا من نقطة الحياء .

.....................................

 

لدّي عيب ظاهر- آنذاك- لا استطيع الفكاك منه حتى الآن، وهو الخجل حدّ اللعنة من الأسماء المشهورة والتقرب إليها، ومن هذا الداء السلبي حرمت نفسي من مرافقة الشاعر رياض أبراهيم الى بيت البريكان، حيث جاء الراحل رياض الى البصرة وإستطاع بجهد خارق أن يخرج الشاعر من صمته ويحصل على ملف شعري مهم نشر في مجلة الأقلا م العراقية آنذاك .

يومها جاءني الصديق جابر خليفة ومعه الراحل رياض ابراهيم الى " محل عملي " بناء على دعوتي لهما للغداء .. وهكذا قضينا وقتا ممتعا دون أن أشير الى رغبتي بلقاء البريكان

يا لهذا الخجل " البصري " الخارج من صلب الحب ..

..........................................................

 

غادر الجميع المهرجان وبقى البريكان وحده يرسم لمملكته أفقا ويلقم الفنارات ضوءا بعد كل ّ عتمة

كان البريكان شاعرا متأملا، أقرب منه الى الموت من الحياة ..

معتكفا كراهب

يتلصّص على الحياة من كوة في روحه ويحدس ما سيأتي

شاعر رؤيا، في زمن الحيطان الناطقة بالشعارات ...

أعددت ُ مائدتي وهيأت ُ الكؤوس

متى يجي ء

الزائر المجهول ُ؟

أوقدت ُ القناديل َالصغار

ببقية ِ الزيت المضيء ِ

فهل يطول ُ الانتظار؟

أنا في انتظار سفينة الاشباح ِ تحدوها الرياحْ

..........................................

 

ذات صيف ومعي أصدقاء الروح ذهبنا الى بيت الشاعر الكبير واللغز المُحير والمعلم النبيل .. محمود البريكان في " معقله"

هناك رأيت " أبو ماجد" بدشداشة بيضاء وعينيه المغلفتان بالريبة والمحبة معا ..

قطعنا الفناء الى باحة الاستقبال، وأرخينا سدولنا بترف عالٍ

" كان بيت الشاعر خالٍ من أي آثر للمرأة "

جاء البريكان بالشاي وجلس بقربي .

قال لي بحب : ماذا تكتب ؟

قلت محاولا ت في النثر

وتركت ُ البريكان في مهب الأصدقاء

وأنا أتذكر سهوي الكبير في محاضرتي عن قصيدة النثر،

لقد كانت حياة البريكان قصيدة نثر حقا

..............................

 

لم ازره بعد هذا أبدا، لم أكن من مريديه

أخاف من عدوى نصه

هو ذهب للموت وأنا أواصل الشعر قدرا

وداعا للقلم!!

قبل أيام إتصل بي أحد الزملاء، وهو رئيس تحرير موقع معروف منذ أكثر من عشرة سنوات، قائلا "مرحى بكل ما نحتت أناملك على لوحة مفاتيحك....."!!

توقفت عند كلماته وقلت: رحم الله القلم!!

فما عادت الكتابة بالقلم وإنما بلوحة المفاتيح أو الكيبورد، وتنبهت إلى أني لم أواكب العصر، لأن الورق والقلم لا يزالان يمنحاني المتعة وخصوصا الكتابة بالحبر.

فلا يمكنني أن أتصور الكتابة بغير قلم!!

ورحت أراجع نفسي وأسأل غيري وأجمع ملاحظاتي، فتبين لي أن الكثير من المدارس في العالم ما عادت تحتاج للقلم، ولا تعلّم الكتابة به، وإنما الأطفال يكتبون على الكيبورد، وأكثرهم لا يعرف كيف يمسك بالقلم!!

سألت أحد الأخوة: هل سيصبح القلم تأريخا؟

قال: من المحتمل ولكن بعد حين!!

غير أن الواقع يشير إلى أن البشرية ستستغني عن القلم في العقود القليلة القادمة، ولن تجد إلا القليل من الذين يعرفون الكتابة بالقلم!!

 

تلك ملامح بداية رحلة وداع القلم، ولن تجد مَن يعرف الكتابة به، وإنما بالكيبورد وحسب، بل ويُخشى أن يفقد البشر الكلام ويمضي متفاعلا بأنامله!!

تلك أحد وقائع عصرنا، الذي يزدحم بالمتغيرات السريعة، والتفاعلات الوجيعة الساعية إلى تغيير طبيعة الحياة وقوانينها، التي عرفتها الأرض منذ ما لا يُحصى من آلاف السنين.

فهل فقدان مهارة الكتابة بالقلم ستؤثر على مراكز معينة في أدمغتنا، وتحقق ترابطات جديدة ذات معطيات غريبة؟

لا يمكن الإجابة إلا بعد عقود، لكن الملاحظ أن أطفال اليوم عندما تخاطبهم، تجد أن أصابعهم تتحرك قبل ألسنتهم، بل أن بعضهم لا يحسن التعبير بالكلام، ولا يمكنه أن يكتب بالقلم، لكنه أسرع من البرق على الكيبورد.

ترى عندما يفقد القلم قيمته، هل سيفقد الكتاب دوره وأهميته في الحياة الإنسانية، ويتنازل العقل عن دوره؟!!

 

د-صادق السامرائي

قرنابيط وبطاطا

mohamad aldamiحاك العقل الأوروبي بخيوط من حرير أنماطاً متعددة من الخيالات الممزوجة بالأساطير والخرافات حول العالم الإسلامي وشعوبه، حيث راح ينظر اليه فريسة للاستغلال تارة، ويعده متنفساً للخيالي والأسطوري تارة أخرى، بمعنى عده ملجأً يلوذ به من عالم أوروبا الصناعي القاسي، زد على ذلك التعامل الدوني الذي شاب العلاقات مع الشعوب المسلمة تأسيساً على شعور وسواسي دفين بالقوة والفحولة اللتين منحهما التصنيع لأوروبا، كما لاحظنا ذلك في كتاب (تخنيث الغرب) بيروت: الدار العربية للموسوعات، 2014.

واذا ما أردنا أن ننتفض على ما ورد في أعلاه من أنماط تخيّل شبه متوارثة، يكرسها جيل أوروبي بعد آخر، فان علينا تجريد أوروبا من إرثها الكولونيالي القسري، على سبيل مباشرة الذهنية الأوروبية من أصول مداخلها الرومانسية للإسلام وللشعوب الشرقية عامة. بهذه العملية الكثير من الفوائد التي تساعدنا على كنه أبعاد صورة المسلم والإسلام كما هي في قعر العقل الأوروبي.

وعلى هذا السبيل يتوجب على المرء أن يمنح كتاب (ألف ليل وليلة)، الأكثر شهرة في أوروبا بعنوان (الليالي العربية) The Arabian Nights، أحقية الإسهام الفعال في تشكيل صورتنا، عرباً ومسلمين، في أعماق الوعي الأوروبي برغم حرفها. إن أية دراسة للأدبيات الرومانسية الإنجليزية والفرنسية والألمانية لا تخفق قط في ملاحظة استثمار عوالم (ألف ليلة وليلة) في الثقافة الأوروبية منبعاً لصورة خيالية طالما أبقت كتاب وشعراء أوروبا متشبثين بعالم إسلامي منفلت من الزمن الصناعي الرتيب وطافِ على أنواع الملذات الحسية غير المتاحة في أوروبا. لقد كان هذا المتَخَيل (بفتح التاء والخاء) وراء انطلاق العشرات من المرتحلين شرقاً، لاهثين وراء سراب (الليالي العربية) العصي على التجسد بشكل ملموس. لذا يمكن استذكار القصيدة الملحمية للشاعر الرومانسي شيلي “ثورة الإسلام” The Revolt of Islam عكساً لهذا التوظيف.

واذا كان عصر الضم والانتدابات الأوروبية قد اذن بتعامل علوي من نوع جديد مع الشعوب الإسلامية المقهورة حقبة ذاك، فانه قد كرس قوة الرجل الأوروبي (الأشقر والفارع القامة) مقابل ضعف وضآلة الإنسان الشرقي والمسلم عامة عمداً، درجة أن صور الحمامات التركية والآثار القديمة وسراي الحريم من بين سواها من الصور الرمزية، قد أسرت عقول المستشرقين والرسامين الكبار قبل ومع بداية عصر التوسع الكولونيالي. وإذا درس المرء الاستشراق ونتاجاته الأساس، فانه لن يفشل في الظفر بمثل هذه الأفكار المنمطة التي أبقت العقل الأوروبي حبيساً لصور متخيلة، غير واقعية، بقدر تعلق الأمر بعالمنا الإسلامي المترامي.

وتأسيساً على هذه الخلفية، نصف التاريخية ونصف الأسطورية، بقي العقل الأوروبي ينتج ذات الصورة النمطية جيلاً بعد جيل، حتى استحال عالمنا فضاءً للاسقاطات وللأحلام لرجال ونساء أوروبا. هكذا ذهب المستشرقون والرحالة الى عالمنا الإسلامي بحثاً عن غير المتاح في أوروبا نصف المتجمدة، حيث لا يتناول الفرد سوى البطاطا والقرنابيط!

إزاء هذه الخلفية، يمكن للمرء قياس قوة “الرجة” أو الصدمة التي يوجهها الإرهابيون للعقل الأوروبي عندما يقترفون جريمة من عيار الهجوم على “شارلي إيبدو”، باسم الإسلام، للأسف.

هي صدمة قوية وعنيفة تشبه “يقظة” مفاجئة، يقظة تستدعي ردود أفعال متكهربة وارتدادية سلبية يمكن أن تأكل الأخضر واليابس في فورتها الأولى: فلا عجب أن تقدم أوروبا على غريب الأفعال وعجيب الردود بسبب هذه الصدمة

 

أ.د. محمد الدعمي

كن سفيرا للإسلام!!

ذات مرة وقبل بضعة عقود، وأنا في عملي، وجدتني أغضب على أحدهم لأنه قد إقترف خطأً، وكان بقربي زميل باكستاني، إنتبه لما بدر مني تجاه الشخص ونظرني بعجب، وبعد أن إنتهينا من إنجاز ما هو مطلوب، أخذني جانبا، وقال: برذر (أخي) نحن في مجتمع لا يعرف الإسلام إلا من خلالنا، فعلينا أن نتذكر بأننا مسلمون عندما نتفاعل معه، ومضى نحن سفراء الدين، شئنا أم أبينا، وأنت سفير العرب أيضا، فعلينا أن نقدم صورة مثالية عن الإسلام!!

حدقت بوجهه بدهشة، وشعرت بالجهل والخطأ!!

ومضى بقوله : أنا أتذكر دائما بأني مسلم وعليّ أن أقدم بسلوكي ما يمثل ديني، وأضاف: كان من المفروض أن تعفو لا أن تغضب، لأن العفو من خلق ديننا!!

هذه المداخلة من زميلي المسلم، أيقظتني، وجعلتني أشعر بمسؤولية كبيرة!!

"أنا سفير الإسلام والعروبة"، ويجب أن لا أغفل عن ذلك، ومن دواعي الإيمان الصادق أن أقدم الدين على أحسن ما يجب أن يكون عليه التقديم، وذلك بالتعبير بسلوكي عن قيَمه السمحاء وتعاليمه السامية الأضواء!!

فقررت أن أعتذر وأصْلِحَ سلوكي، وأعي بأن الآخرين من حولي يرونني، على أني عربي مسلم، ويتم إقران كل ما يبدر مني بهاتين الصفتين، رغما عني!!

ترى ماذا سيحصل في العالم، لو فكر كل مسلم بأن عليه مسؤولية التعبير عن قيم الدين الصالحة بسلوكه وعمله، لأنه يُرى في عيون الآخرين، سفير الدين؟!!

هل سيجرؤ أحدٌ في الدنيا أن يتعرض بسوء للمسلم والإسلام؟

الشر يلد شرا، والخير ينجب خيرا!!

قانون سلوكي ينطبق على جميع الأحياء، ومنها البشر بمعزل عما يتصل به ويعتقده ويراه، فأبسط المخلوقات إذا تعرضتَ لها بسوء فأنها ستُطلق آلة عدوانها، وقس على ذلك، فكيف إذا تسببت في إغاضة البشر؟!!

نحن المسلمون، سلوكنا يؤذي ديننا!!

وخصوصا المسلمون العرب!!

لماذا؟!

لأن المسلمين في الدنيا ينظرون إلى العرب على أنهم أهل الدين والأعرف به وبلغة القرآن، ويتخذونهم قدوة، ويتمثلون سلوكهم الإسلامي، فعندما يقوم العربي بأعمال وأفعال مخلة بقيم ومبادئ الدين، فأن ذلك سيؤثر على سلوكهم.

قد ينكر ذلك الكثيرون، لكن حقائق الواقع تؤكده ، وأن الدين الإسلامي يبدو كما يبدو العرب، لأنهم أصله ومنبعه، ولغتهم لغته!!

فهل سنتذكر دائما بأننا يجب أن نكون قدوة حسنة للمسلمين وغيرهم، كي يستعيد الدين عزته، والعرب كرامتهم وقوتهم؟!!

أم ترانا سنبقى لكل منا دين مُصنّع من إنحرافات تأويلاته وتصورات هواه، والإسلام على الرف والمسلمون تائهون؟!!

 

د-صادق السامرائي

فاتن حمامة وسعاد حسني .. انموذجا الضد وضده النوعي

qassim salihyرحلت الفنانة فاتن حمامه (83) سنة.ولا يعنينا هنا ما قدمته للشاشة العربية، ولا ما حصلت عليه من جوائز وتكريم عبر مسيرتها الفنية من عام (1940) يوم كانت طفلة .. فما كتب عنها كثير، ولكننا نتحدث عن قضية اخرى بعيدة عن الفن تتعلق بالقيم والاخلاق وواقع المرأة في المجتمعات العربية، انطلاقا من ان الفنان يعكس هذا الواقع .. ودلالات تعلّق او متابعة او اعجاب الفتاة العربية بكل من فاتن حمامة وسعاد حسني .. بوصفهما الضد وضده النوعي.

مثلت فاتن حمامة المرأة المحافظة، الملتزمة بالقيم والاخلاق والتقاليد الاجتماعية والمضحية والمعنية بهموم المرأة والناس(افلام افواه وارانب، الحرام، دعاء الكروان، اريد حلاّ .. مثلا)، والفتاة الرصينة التي تؤمن بأن الحب يأتي مرّة واحدة، وان عليها ان تخلص وتضحي من اجله حتى لو كان على حساب راحتها، فيما مثلت سعاد حسني الأنموذج الآخر .. الفتاة الشقية المنطلقة المتمردة على القيم والتقاليد التي تعشق الحب لذاته .. وتعيش اللحظة لذاتها.

وفاتن حمامه، التي منحت لقب سيدة الشاشة العربية ليس فقط لموهبتها بل ولأنها فرضت احترامها، لم تمارس القبلة في افلامها سوى مرّة واحدة في فلم كان بطله (ميشيل شلهوب) .. فكانت سببا في تحول ميشيل الى الاسلام ليصبح زوجها فيما بعد وليكون اسمه (عمر الشريف) .. فيما القبلات في افلام سعاد حسني كانت مباحه.

وسيكولوجيا، يمكنك ان تصنف واقع الفتاة والمرأة في المجتمعات العربية الى صنفين:صنف فاتن حمامه وصنف سعاد حسني .. ولك ان تصل الى ما شاء من الاستنتاجات سواء على صعيد المجتمعات العربية، مقارنة المجتمع اللبناني بالمجتمع السوداني مثلا، او داخل المجتمع الواحد عبر مراحل تطوره.ففي سبعينيات القرن الماضي اجريت استطلاعا بسيطا على طالبات الجامعات ما اذا كن يفضلن مشاهدة افلام فاتن حمامه او سعاد حسني فكانت النسبة بحدود 80% يفضلن مشاهدة افلام سعاد حسني .. ولا اعلم كم ستكون النسبة لو اننا اجرينا الاستطلاع الان .. الذي قد يوصلنا الى استنتاجات لا تخطر على بال.

المؤسف .. ان ميدان السينما يكاد يخلو من الدراسات السيكولوجية مع ان مادة السينما هي الانسان، وأن السيكولوجيا تشكل العامل الرئيس في تحديد علاقاته بالاخرين، ونوعية الحب التي تحددها هي (السيكولوجيا) .. لا الانسان ذاته.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

18/1/2015

هو الذي لا يزال يكتب روايته!!

كل شيئ بتخطيط، ولا مكان للصدفة، ويكفي ضحكا على "أولاد الخايبات"، ولتتوقف الأضاليل والأكاذيب، وأبواق البهتان وشعارات المتاجرة بالبشر الحيران.

فهو الذي لا يزال يكتب روايته، بعد رسم فصولها وحسب أنه الرابح فيها، فوجد نفسه وسطا ناقلا للوصول إلى ما لا يخطر على بال المخططين والمهندسين والمفكرين، وأنبياء السياسات والفتن وإمتلاك البشر.

فهناك عقل سيد مستبد، وعقول عبيد!!

وما يتحقق في واقعنا من إنتاج العقول المُستعبَدة والأدمغة المبرمجة، والنفوس المَحقونة بصديد الويلات وزقوم الأحقاد والكراهية والإنتقام.

ووفقا للرواية المحبوكة الأحداث فقد جيئ بالعبيد الأسياد، وتنصيبهم سلاطين على العباد، فرفعوا رايات الطائفية ودينهم الفساد.

وأوهموهم بأنها الصدف النكراء، والأدعياء الدخلاء، وما هم إلا من إنتاج مصانع تدمير الشعوب ومختبرات إعداد الوكلاء، المسلحين بمهارات تصنيع الويلات والبلاء.

أمراء حروب وحكام جيوب، يفعلون الخطايا ويشاركون في المآثم، وما عندهم ذنوب، فهم الوطنيون الشرفاء الأجلاء المنزهون من العيوب.

وهو لايزال يكتب روايته ويعدّل بفصولها، وفقا للمستجدات والتفاعلات التي يستولدها ما يعزز المقصود، ويساهم في تأجيج الساكن من الوقود، وقد أدرك أن حرائق الدين أعظم من حرائق البنزين، فالأخيرة يمكن أن تنطفيئ، أما الأولى فأنها الجحيم المستعير أبدا.

ولا يزال يكتب روايته ويراجعها ويمدها بذروات متعاقبة، وكأنه إكتشف بأنه كتب رائعة خلاقة متفاعلة مع الأجيال، وتمتلك قدرات الأبد وطاقات السرمد، وقوة إسقاط وفود البشر في حفرة سقر، لأن روايته أصبحت منزلقا للوقوع في جحيمات الخطر.

كيف إبتكر فكرة الرواية، وأبطالها وزمانها ومكانها وكتّابها الذين يدينون برسالته البيدقية المطاوعة المتكيفة مع المتغيرات، لا أحد يعلم، إلا الذي عرف مصيره يوم اعتزم؟!!

هذا ما جنته علينا وعلى نفسها براقش التي تعرفون، بعد أن عَبرت وحطمّت الخطوط، لكنها قفزت بنا إلى محتدم!!

فلا تصدقوا ما قرأتم، وصدّقوهم، فالكذب المباح عَلمْ؟!!

 

د-صادق السامرائي

لم تُحسن اختيار صديقاتها

fatima almazroweiالحياة لا تخلو من الاختلافات، فهي واقع ماثل في زوايا حياتنا في البيت والعمل وفي أي مكان من أجزاء المجتمع، ويقع أيضاً بين الأخوة والأصدقاء وكل أفراد المجتمع، لذا لماذا نضخم الخلافات الزوجية؟ ولماذا نستغربها؟ بل أعتقد أن الخلاف بين الزوجين من المسلمات، وهو شيء طبيعي، ولا بد للزوج والزوجة أن يكونا على درجة من الوعي والإدراك بطبيعة السمات الشخصية لكل واحد منهما.

أكتب هذه الكلمات ومازالت عالقة في ذهني مشاهد عشتها وسمعتها خلال جلسة جمعتني بعدد من الصديقات، حيث كانت واحدة منا تشكو من مشكلة وقعت بينها وبين زوجها، وليست هنا النقطة التي أريد الإشارة إليها، لأن المشاكل والاختلافات تقع كما أسلفت، لكن الذي أريد الإشارة إليه هو ردة فعل البعض ممن كن جالسات ويستمعن، حيث تسمرن كأنه أصابهن ذهول واستغراب ودهشة، فلسان حالهن يقول: إنه لا يعقل أن يكون هناك خلافات بين الزوجين، وإن كنت أفسر أنهن بهذا السلوك يردن توجيه رسالة لنا، وإن بطريقة غير مباشرة، بأن حياتهن الزوجية مستقرة وتسير في وئام وخالية من المنغصات.

استغرابهن لوجود مشكلة زوجية يعد مشكلة بحد ذاته، فمن غير المعقول أو المنطق أنهن يعشن حياة متواصلة من التفاهم، رغم أنني أدعو لهن بالسعادة، لكن هذا وكما نعلم جميعاً مستبعد أن يحدث، وإن كان غير مستحيل بطبيعة الحال، خصوصاً أننا نعلم طبيعة حياة البعض منهن، وإذا افترضنا جدلاً أنهن فعلاً سعيدات بشكل متواصل ولا مشاكل مع الزوج، فهل من الحكمة أن يلفعن هذه الحقيقة في وجه صديقتهن بكل هذا الصلف وجمود المشاعر؟ هل من المعقول أن يظهرن حالتهن التي تعتبر نادرة، وليست قاعدة عامة بدلاً من المواساة والوقوف مع هذه الصديقة بالرأي والمشورة.

أحزنني أن لا واحدة منهن حاولت أن تصغي وتتفهم طبيعة المشكلة التي وقعت فيها تلك الصديقة، وبدلاً من الالتفات إليها ومساعدتها في إيجاد حلول وإبداء الرأي الذي قد تكون في حاجة ماسة له، تحولت الجلسة لأحاديث كل واحدة منهن تستعرض طيبة زوجها وتفاهمه وحسن أخلاقه، بل ذهبت إحداهن لتقديم سرد تاريخي عن زوجها، فهل هذا معقول؟ وهل هذه هي قيم الصداقة، تجاهل شكوى صديقة، وبدلاً من تفهم قضيتها يظهرن في أبشع صور التظاهر بالشكليات، لا ألوم تلك الصديقة أن فتحت قلبها لصديقاتها، لكنني ألومها لأنها لم تحسن الاختيار.

حتّى لا نصبح أداة في المنظومة الإعلاميّة

madona askarيفتقد الإعلام العربي بشكل عام إلى الأدب والموضوعيّة في النّقاش وإدارة الحوارات وفي النّقد السياسي والدّيني والاجتماعي، ويعتبر الشّتائم والإهانات حرّيّة رأي وتعبير. كما أنّه يستقطب نسبة مشاهدة عالية لهذه الحوارات والمناقشات السّياسيّة لأنّ الإعلاميين جزء من المجتمع وبالتّالي فهم يمثّلون بأغلبهم مجتمعاً لا يعي أنّ حرّيّة الرّأي والتّعبير لها أصولها وتتّسم بالأخلاق الرّفيعة وحسن الكلام وأدب الحوار واحترام إنسانيّة الآخر.

بعيداً عن التّعميم، ومع الاحترام لقلّة قليلة من الإعلاميين المحترمين الّذين يحترفون مهنتهم برقيّ وأدب، ويعرفون جيّداً أنّ للكلام معاييرَ وأصولاً لا يمكن تخطّيها وأنّ الاحترام واجب للقارئ أو المشاهد أو المستمع. ينبغي أن نسلّط الضّوء على أولئك الّذين تخطّوا حدود الاحترام وحوّلوا الإعلام إلى منابر تحرّك غرائز النّاس العنصريّة والطّائفيّة وتنحدر بالإنسان إلى ما دون إنسانيّته.

لعلّ السّلطة الأولى اليوم هي للإعلام الّذي يخترع شتّى الأساليب ليسجن الإنسان في سياساته ومناهجه الفكريّة والدّينيّة. وعلى الرّغم من أنّ للإنسان الحرّيّة الكاملة في انتقاء ما يشاهد أو ما يقرأ إلّا أنّ سحر الإعلام يستدرجه إلى هذا السجن المقيت ويسلب منه مفاتيح الحرّيّة الفكريّة وحسن اختيار البرامج أو المواضيع، هذا إن وُجِدت. والإعلاميّون، عامّة، يتنافسون في عصر الانحطاط الإعلامي والفكري على تشويه الرّوح الإنسانيّة ويفرضون عليها بلطف أفكاراً تدمّر عقلها وتشوّش على روحها بحجّة حرّيّة الرّأي والتّعبير. ويخرجون علينا إمّا بالتّحريض المذهبي والدّيني وإمّا بإشعال التّناحر السّياسي والحزبي وإمّا بالتّطاول على المؤسّسات العسكريّة، وقد يصل بهم الأمر إلى المسّ بكرامة الأوطان. وبالتّالي أصبح إنسان اليوم في مجتمعاتنا العربيّة أسير الإعلام الموجّه والمسيّس والمتحزّب، وبات رهينة السّلوك غير اللّائق والأفكار المسيئة إلى إنسانيّته، وبات لكلّ مجموعة إعلامها ومحرّضها.

كما أنّ الإعلاميين وباستحداثهم مشاركة النّاس في وسائل التّواصل الاجتماعيّة ببرامجهم وأفكارهم، بات التّناحر مضموناً ويسيراً. ولعلّه تاه عن النّاس أنّهم بتناحرهم الكلامي واستخدام الشّتائم والكلمات النّابية، يستهلكون الوقت كمخدّر لعقولهم لأنّهم لن يحرّكوا ساكناً بهذا السّلوك. فالثرثرات والإهانات لا تبني المجتمعات والأوطان ولا تساهم في تطويرها. ما يبني الأوطان وينمّي الإنسان هي الأقلام الّتي ترتقي بالقارئ والبرامج الّتي تحترم المشاهد وتستفزّ ملكاته الفكريّة وطاقاته الإبداعيّة وبالفكر الحرّ الّذي يحترم فكر الآخر أيّاً كان.

إذا كان الإعلام منبراً للحرّيّة ورسالة تدلّ الإنسان على الحقيقة، وجب على الإعلاميّين أن يتحلّوا بقدر عال من المسؤوليّة والاحترام غير مستخفّين بالنّاس، محترمين لعقولهم وكراماتهم ومشاركين في نموّهم الفكري والنّفسي والرّوحي.

إعلاميّو اليوم بأغلبهم يسرقون الحقيقة ويستبدلون بها الكذب والنّفاق، ولا ينقلون الواقع بصدق وأمانة. كما أنّهم مستعبدون للمنهج الإعلامي ولسياسته ولعلّهم يعتبرون ذلك مصالح شخصيّة أو دافعاً للشّهرة. فرجاء محبّة من أؤلئك الّذين يفتخرون بأنّهم إعلاميون متمرّسون ومحترفون، غيّروا من سلوكيّاتكم وانتهجوا الحقيقة ولا تقبلوا إلّا بالحقيقة، فالأسياد لا يثقون بالعبيد ولا يحترمونهم ويستغنون عنهم عندما ينتهون من المهام الموكلة إليهم. ومن له أذنان سامعتان فليسمع!

 

إظهار العيوب ووجهة النظر

fatima almazroweiكثير من المشاكل التي تقع في حياتنا على المستويات الاجتماعية كافة هي نتيجة بطريقة أو أخرى للفهم الخاطئ، فنحن لا نصغي لبعض، نستمتع ونسمع لبعض .. هذا صحيح، لكننا لا نصغي، ويوجد فرق بين الإصغاء والاستماع. كما أننا أيضاً لا نفهم ولا نتفهم، وهنا تكمن كثير من المشاكل، بل وتنتج وتظهر الكثير من الاختلافات فتدب الفرقة ويحدث الانفصال والابتعاد.

في عراك لفظي بين زميلين في العمل، كان أحدهم يصرخ بالآخر، ويقول له أنا أبدي وجهة نظري وأنا حر بآرائي، فرد الآخر: أنت لا تقول وجهة نظر، أنت تفرض رأيك، ويوجد فرق بين إبداء الرأي وفرضه.

في زاوية أخرى كان أحدهم يقول صارخاً: أنا أوضح وجهة نظري ومن حقي أن أعبر عما يدور في عقلي، فيرد عليه الطرف المقابل قائلاً: عزيزي نحن لم نتفق على نقطة الموضوع أصلاً حتى تبدي وجهة نظرك، نحن مختلفان حتى في الموضوع الذي نريد الحديث عنه.

وفي موقع آخر وهذه المرة داخل الأسرة بين زوج وزوجته، يقول الزوج يهمني أن يكون لك شخصية وأن تظهري آراءك دون تحفظ، ويكون لك قرار في جميع أمور هذه العائلة. فتضحك الزوجة وهي تقول: عزيزي ليست القضية أنك تريد رأياً آخر لتثري النقاش، ونصل لقرار صائب. أنت تريد فقط أن أردد آراءك كالببغاء!..

ويمكن في هذا السياق أن أطرح عشرات الأمثلة والشواهد على فجوة حوارية نقاشية تحدث بيننا. نحن نردد بإسهاب واستفاضة ودون كلل كلمات رنانة تدور حول الرأي الآخر، حول حرية التعبير والقرار، حول المشاركة وتبادل الآراء .. إلخ، لكننا فعلاً على أرض الواقع فقراء تماماً في هذا الجانب. نحن كمن يرفع شعارات هو لا يدرك قيمتها أو لا يعرف بعدها الحقيقي والمعنى العميق منها.

تقول إحدى الصديقات والتي تعمل في القطاع الخاص «قرر رئيسنا يوماً عقد اجتماع مطول وكبير مع جميع موظفي الشركة، وكان الموضوع الرئيس سلبية الموظفين وعدم تفاعلهم في تقديم مقترحات بناءة لتطوير عمل الشركة، ولام هذا الرئيس جميع الموظفين لعدم ثقتهم بأنفسهم وعدم تواصلهم مع الإدارة العليا في الشركة لتقديم الأفكار المبدعة، إحدى الموظفات صدقت.. فقدمت خطاباً للمدير العام توضح بعض السلبيات وتقدم مقترحات، وكانت النتيجة خطاب إنذار وخصم».

لسان الحال .. نريد تبادل آراء ووجهات نظر مختلفة، لكن لم نقل إظهار العيوب

ألأقزام الرماديون .. قصة لمن لا زال نبضهم يشع صبا وشبابا

كان لكتابته تلك الحكايات الرائعة حول الأقزام باللغة الانجليزية دورا كبيرا في انتشار ولمعان اسمه (ب .ب/Denys Watkins-Pitchford/ دنيس وتكنس بتجفور) كأعظم كاتب لقصص الأطفال.

وقد اعترف بمنزلته الأدبية الرفيعة حين نال وسام كارنيج جائزCarnegie Medal عام 1942 عن قصته الأقزام الرماديين تلك الحكاية التي تعتبر من أهم ما كتب للطفولة من قصص وحكايات. ولربما تكون أحداثها مستوحاة من رؤية مخلوقات صغيرة في غرفة نومه. وكما عادت (ب .ب/Denys Watkins-Pitchford/ دنيس وتكنس بتجفور) فالكتاب مليء بالكثير من الرسوم التوضيحية واللوحات الجميلة وتحليل رائع للألوان وتوظيف مذهل   للمغامرات المثيرة التي تأسر الألباب فنلحظه يسهب بوصف الحقول الانجليزية والجداول والغابات التي تجذب فكر القارئ وتدفعه إلى التصديق أن هنالك حياة كاملة تحت جذر كل شجرة أو حتى فو ق غصنها .. نعم فهنالك كائنات قابعة في الظل وانه بجانب أي شق صغير أو حفرة قد يوجد عالم رائع بكامل تفاصيله .

القصة تروي مغامرة ملحمية لأربع أخوة أقزام (دودر، بالدموني . سنيزورت وكلاود بيري) يسكنون انجلترا هنالك في جحر دافئ تحت جذور شجرة البلوط المعمرة على ضفاف فولي بروك في واريكشاير . لقد كانوا يتمتعون بحياة ملئها السعادة والهدوء حتى أصبح كلودبيري مهووسا برغبة جامحة لاكتشاف العالم الأوسع البعيد.

بالرغم من تحذيرات إخوته حول المخاطر الملتحفة بها الحياة الجديدة، لكنه خرج إلى البعيد في رحلته . مرت سنتان وكلودبري لم يعد بعد . لم يعلم احد شيء عن مكانه . بالرغم من معاندة دودر الصارمة إلا أن الأخوان الباقيان قاما ببناء قارب وانطلقا للبحث عنه. تتكشف أحداث القصة عن سلسلة من المغامرات تتضمن أحداث قتل مخيفة والغرق للتعاويذ السحرية وكذلك لقاءات مع الإله العظمى بان،Great God Pan)، ) حينها تصل الأمور والأحداث إلى ذروة مثيرة وغير متوقعة تماما.

لقد نشر الكتاب في أحلك الأيام من عام 1942 حيث الحرب العالمية الثانية وفظائعها المهولة . لكن طيبة قلب ب ب وجميل أحاديث مخيلته ما خفف الكآبة في زمن الموت والدمار لقد ألقى بسحر   حكايات جنياته   الرقيقات على الواقع لينشر الحلم . هكذا كان الكتاب موجها للصغار والكبار على حد السواء حيث انه وقف أمام اختبار الزمن فلازال ولحد الآن مطلوبا في مجال ألطباعه والانتشار. وقد واصل الكاتب تتمة منشوراته سنة 1948 حين كتب (تحت الجدول المشرق) بنفس الروح المغامرة لحكاوي الأقزام .

ربما مقدمة الكاتب بنفسه لقصته (الأقزام الرماديون) هو أفضل ما يهيئ القراء لتلك المساحة من المغامرات والأحداث لأولئك لرجال الصغار .

" تدور أحداث هذه القصة حول آخر الأقزام في بريطانيا . . أقزام حقيقيين، وليس مثل البهرجة والكذب في كتب النوم للأطفال، يعيشون عن طريق صيد الحيوانات والأسماك تماما كما الحيوانات والطيور بالطريقة الصحيحة العادلة فقط . قد لا تؤمن بالناس الصغار هذا لان معظم كتب الجنيات تصور الأقزام بأجنحة صغيرة مبهرجة الألوان تفعل كل الأشياء المستحيلة مع الزهور وخيوط العنكبوت. هذا النوع من الأشياء التي يعتقد انه من الممكن تحقيقها لكنها لي ولك هي محض خيالات لا معنى لها .. في سردي لهذه القصة اطلب من القارئ الاندماج مع رحلة النفس للنفس في الخيال الروحي! .لقد وجدت ا ن من الضروري السماح لأقزامي وحيواناتي ووهبها القدرة على الكلام . وذلك لان الكتاب موجه للناس الراشدين مما يسهل متابعة الحكاية . لكن ولأني احترم وكثيرا عقلية المتلقي فهي بأحداثها لا تتجاوز الممكن إلى المستحيل ."

 

ترجمة سميرة سلمان عبد الرسول

 

أنا شارلي ..

tara ibrahimلدى الجميع وطن واحد، ولكن، أنا لدي وطنان .. لدى الجميع قلب واحد و قلبي مجزأ الى نصفين .. وطناي يتألمان لكن العدو واحد، يحاول ان يمزق فيهما الوحدة والتضامن .. عدو يحاول ان يقتل حرية التعبير والرأي فيهما .. في زمن اصبح فيه القلم هو السلاح والكلمة اقوى من اي صاروخ ..

ولكن .. عجيب امرنا في هذه الايام، أصبحنا لانحس بالامان .. الامان الذي كنا نشعربه في بيوتنا الدافئة وأمكنة عملنا المحببة الى قلوبنا وشوارعنا التي مازالت حتى اليوم مزدانة بزينة اعياد الميلاد .. استيقظنا على حلم بل على كابوس مزعج في وقت لم تنته فيه اعياد رأس السنة ولا غادرتنا نشوة إستقبال عام جديد مليء بالأمل والتفاؤل .. وددنا ألا نصدق ما يحدث ، ولكن أذهلنا وقع الفاجعة المرة كالعلقم ..

عم السكون الرهيب الارجاء، صمت متعب ومنهك .. اصوات صافرات الاسعاف وسيارات الشرطة تؤذي الاسماع، والكل يتوجس وقع حدث ما .. بين حين وآخر نسمع ان هنالك رهينة .. طلقات نارية .. جثث هنا وجثث هناك لاشخاص أبرياء .. برجنا الباريسي اعلن الحداد واكتسى بالسواد .. رحلت عنه بهجته وأضواؤه اللامعة التي ما كانت تدل الا على عصر ذهبي .. اصبح الخوف والهلع سيدي الموقف رجال الشرطة في كل منعطف وشارع .. التفتيش والمراقبة في كل مكان ..

وطني الاول لم ينته فيه حتى الآن القتل والعنف والارهاب .. ايزيديات مختطفات باسم الله .. مسيحيون مشردون هنا وهناك .. مسلمون لاجئين او لايعرفون الى من يلتجؤون .. طال الارهاب الجميع دون تفرقة باسم الله .. .بيشمركه تعود جثامينهم الى امهاتهم وزوجاتهم واطفالهم قتلوا باسم الله .. رفات تحت الارض في مقابر جماعية تنتظر من يعثر عليها .. شعب متعب .. محطم .. يحاول ان يجد مخرجا من ازمته بالصلاة والدعاء إلى الله ..

وطني الثاني .. وطن الحرية وحقوق الانسان .. تقتل فيه الكلمة باسم الله .. رسوم واوراق ملطخة بالدماء .. صحافيون طالتهم الايادي السوداء .. اخترقت الرصاصات اجسادا تؤمن بالحرية والديمقراطية وحرية التعبير .. رهائن مختطفون هنا وهناك في باريس وضواحيها .. هذا مسيحي .. هذا يهودي .. هذا مسلم .. وطني الثاني هو وطن جريح .. وارهاب يريد ان يزرع الحقد في نفوس الناس كي ينزع حس التضامن والعيش السلمي ما بين جميع الاقوام والاديان .. ارهاب يود ان يوقع الناس جميعا في حبائله ..

الارهاب لادين له ولا احساس .. الارهاب لايرحم طفلا ولاعجوزا .. الله محبة لم يخلق البشرللمآسي .. "الرعب .. الكره .. البغض .. الحقد .. القتل .. سفك الدماء .. العنف" .. هذه مصطلحات الارهابين يؤمنون بها عن جهل وإصرار ..

وطنان احاول التشبث بهما بقوة وبكل ما لدي من قدرة وطاقة بناءة .. اقدم لهما كل تضامني .. كلماتي .. محبتي .. لأنني وبكل بساطة ثمرة كليهما .. فأنا ايزيدية .. انا مسيحية .. انا مسلمة .. انا قلم لاينكسر .. .انا كلمة حرة .. انا بيشمركه .. انا شهيدة .. انا شارلي .. .

 

د. تارا إبراهيم - باريس

 

مجموعات إكسبريس

lubna yasinأعتقد أن أسوأ ما سهى عنه مبرمجو الفيس بوك، ومحدثوه، هو إعطاء حرية الإضافة لأصحاب المجموعات في ضم خلق الله إلى مجموعاتهم دون استئذان، وعن نفسي فقد كان لي شرف الانضمام القسري غير المستأذن به من قبل ما لا يقل عن مائة مجموعة، الرقم تقديري لأنني لا أملك الوقت الكافي لعدها، وكلما وجدت وقتاً لإزالة اسمي المتواضع من بعضها جاءني الأمرُّ منها والأكثر استهجاناً حتى آمنت بالمثل القائل خليك على الشين لا يجيك الأشين منه، ومن بعض المجموعات على سبيل المثال لا الحصر:

• مجموعة الحراك الشعبي في العقبة: يا رجل، أنا لم أر العقبة يوماً، ولست من شعبها الكريم، فكيف أكون في الحراك لشعب لست منه ولم أر أرضه؟ ثم أن في بلدي مصائب الأرض جميعا، ولست متفرغة لمشاكل الجيران.

• مجموعة كأس القارات 2013: هل تصدقون إن حلفت لكم أنني لا أعرف الفرق بين كرة القدم والكرة الأرضية..ولا بين "الطابة والدحل وحبة البازيلاء" كل ما أعرفه أنها جميعاً كرات..تتدحرج.

• مجموعة محبي الملك الأردني عبدالله بن الحسين: طيب هاتوا لي دليلاً واحداً يثبت أنني أشعر بأي شيء تجاه جلالته، يا عمي أنا لا أعرفه ولا أريد أن أعرفه يكفيني أنني أعرف مصائب رئيس سوريا..وذلك أكبر من قدرتي على الاستيعاب والتحمل.

• حركة زي ما أنت شايف: ...عليّ ما عليّ لم أعد أرى شيئاً حتى في النهار لكثرة المصائب، اتركوني بحالي وشوفوا بمزاجكم.

• مجموعة حالة حوار مصرية: لن أعترض على ضمي إليها بسبب جنسيتي المختلفة، لكن: بربكم..متى كان العرب يتحاورون؟

• مجموعة الأخوان المصريين: يعني لو كانت الأخوات المصريات كنت تحملت وسكتت، لكن إخوان..يعني هل ترون شاربي يتدلى من فوق الشفاه مثلاً؟

• مجموعة ملائكة وشياطين: عذراً يا صديقي أنا ....من البشر ، حسب آخر مرة تأكدت فيها من نفسي أو حسب آخر استفتاء إن أردت.

• الخاطبة: ................بدون تعليق.

• الأردن اليوم: لا أدري ما خطب جنسيتي..أو ما خطبي أنا، حتى يحاول الجميع تخليصها مني.

• همسات غيمة ممطرة: مش لما أبقى أفهم كلام البشر، أفكر أفهم همسات غيمة..وممطرة كمان...صدقاً..ما خطبكم؟

• ليلة بدون رجال: قسماً بالله أنها اسم مجموعة أضفت إليها دون إرادتي، ولن أقول أكثر من ذلك.

• جروب الحب والرومانسية: يعني الرومانسية دابحتنا ..احضروا فيلم التايتانيك مع علبة بوب كورن، وزجاجة بيبسي من الحجم العائلي، وخلصونا من رومانسيتكم التي انسكبت في كل مكان.

• مجموعتان تحت مسمى "نحن الشعب العربي"، نحن الشعب العربي الجديد"، يعني حتى في المجموعات لم نستطع إلا أن ننقسم إلى مجموعتين..وبيقولولك " وحدة الشعب العربي" ...يا عم روح..ولي...

• مجموعة "نحن هنا": ومن قال لك أنني هنا، هل تريد مني أن أقسم أنني هناك منذ سنوات، ولم أعد هنا مطلقاً.

• الجبهة الحرة لشباب المثقفين والكتاب: هي الثقافة أيضا تحولت إلى جبهة، وبماذا سيتم التراشق، بأقلام الرصاص؟ أم بالحبر الأزرق؟ أم بأمهات الكتب..أو ربما بآبائها!!!

• مجموعة شايل جروحي بروحي: يعني لم أفهم ما المطلوب!! نأجرلك حمال يساعدك ويشيل الجروح معك، أم نطلب لك الاسعاف؟!.

• مجموعة "一個晚上和天詩亞洲": ولن أعلق عليها فحتى العم جوجل عجز عن ترجمتها.

هذا غيض من فيض..يؤسفني أن المقال لن يتسع لبقية الأسماء، ولكن ربما في العدد القادم سأكمل لكم بقية العجائب التي أجد اسمي محشوراً فيها حشراً..ودمتم.

 

لبنى ياسين

كاتبة صحفية وتشكيلية سورية

 

مالئ الدنيا وشاغل "المحافظ"

ibrahim alkayatأبو الطيب المتنبي من شعراء العصر العباسي الثاني. ولد بالكوفة ونظم الشعر صبيّا. اتصفت قصائده مثل حياته بالحكمة والشجاعة والطموح والمغامرة. وهو يعدّ من مفاخر الأدب العربي، وأحد أعظم شعراء العرب.

ترك تراثاً عظيماً من الشعر يقدر بـ 326 قصيدة، تمثل عنواناً لسيرة حياته، اذ صوّر فيها القرن الرابع الهجري أوضح تصوير.

اتصل بسيف الدولة الحمداني، أمير حلب، وعرض عليه أن يمدحه بشعره على ألا يقف بين يديه لينشد قصيده، فأجاز له وخلع عليه الجوائز الكثيرة وقربه إليه، فخاض معه المعارك ضد الروم. وتعد سيفياته من أصفى شعره، وهي تشكل ثلث ديوانه.

أصابته خيبة أمل لإعتداء ابن خالويه عليه، اذ رماه بمحبرة في حضرة سيف الدولة، فلم ينتصف له الامير. أحسّ بجرح في كرامته، ولم يستطع أن يحتمل، فعزم على مغادرته بعد تسع سنوات ونصف السنة في البلاط. وقيل أن سبب هجرته يعود الى تعلقه بخولة شقيقة سيف الدولة التي رثاها فذكر فيها حُسن مبسمها، وكان هذا مما لا يليق في رثاء الاميرات، فانفرطت الوشيجة الوثقى.

فارق أبو الطيب سيف الدولة وهو غير كاره له، ليقصد مصر ويقيم فيها ردحاً من الزمن يرقب الفرصة من كافور، حتى خاطبه:

أبا المسك، هل في الكأس فضلٌ أناله .... فإني أغني منذ حين وتشرب

فلما يئس هجاه وقصد بغداد، وقال فيه قصيدته الشهيرة التي ضمنها هجوما شرسا على كافور وعلى أهل مصر:  

عيد بأية حال عدت يا عيد .... بما مضى أم لأمر فيك تجديد

وكانت للمتنبي حظوة وتقدمة بين العلويين في عصره، حتى أن نقابة للطالبيين لم تؤسس ببغداد الا بعد مقتله. فقد كان المتنبي في الخمسين من عمره، عندما مرّ بـ "النعمانية" مع ابنه وغلامه، فخرج عليه فاتك الاسدي. أراد المتنبي الهرب لكن غلامه خاطبه: أتهرب وأنت القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني .... والسيف والرمح والقرطاس والقلم

فرد عليه: قتلتني، قتلك الله.

وحيث يرقد الشاعر الخالد في ضريحه، تصدح كلّ عام أصوات الشعراء في مهرجان تحتضنه محافظة واسط. وفي أواخر السنة المنتهية 2014 كان المهرجان جاهزا بنسخته الثانية عشرة التي تحمل اسم الناقد حاتم الصكر، وقبل الموعد بيومين أبلغ السيد المحافظ اتحاد أدباء واسط أن رؤيا طافت عليه وتأويلها أن لايعقد للمتنبي مهرجان في هذه السنة.

ذهب الادباء والمثقفون والاكاديميون والوجهاء الى سيادته محاولين ثنيه عن عزمه، ولكنه أجابهم: وانتو اشراح اتخسرون، آني اللي راح آكلها.

وبعد مفاوضات ووساطات وتأثيرات ووجاهات اقتنع السيد المحافظ على مضض بعقد المهرجان، ولكن شرط أن يؤجل لأيام، فكان له ما أراد.

لله درّك أبا المحسّد، فقد نزل غضبك على السيد المحافظ، حيث أقاله المجلس بعد المهرجان مباشرة، وكأنك تنشد:

يا ذا المعالي ومعدنَ الأدبِ .... سيّدَنا وابنَ سيّدِ العربِ

أنتَ عليمٌ بكلّ معجزةٍ .... ولو سألنا سواكَ لم يُجبِ

أهذه قابَلَتْكَ راقصة .... أمْ رفعتْ رِجلها من التعبِ

 

السائح

hayelali almotheabiلو افترضت بأنني سائح زار اليمن بعد أحداث 2011 م ماذا يمكن أن أكتب عن اليمن؟ .. سؤال طرحته على نفسي وخرجت بهذه الاجابة ..

(1)

الإنسان في الحي الذي عشت فيه خلال زيارتي لليمن لايشبه الإنسان في أي مكان آخر في العالم بمعنى أنه يتكون من ذكر وأنثى ولكن ليس من بني الإنسان ولكنه مثل الكائنات الأخرى كالهون والدوائر الكهربائية ويد المدق وأدوات التجميل والملابس الداخلية ..

الإنسان هنا يحتاج إلى معجزة ليستمر في مشوار الحياة وعقله يتوقف عن النمو في الصف السادس إبتدائي وأكثر ما يتعلمه مصدره الشارع، وثمة من – حتى لا تستسهله - يتحول إلى جمبري في بعض خواص تركيبته البيولوجية، إذ تصبح معدته في رأسه متفقاً في ذلك مع سن بلوغه، ويصبح كل ما يقوله فضلات، وتحتاج للحديث معه إلى دعاء ديني يسبق دخولك إلى حمام عمومي، ولا يبعد ما يحدث فيه للناس عما يحدث في أفلام مصاصو الدماء والمستذئبون كثيراً، فالناس هنا يتحولون في سن معينة إلى سائقي دراجات نارية " مترات "، ولو كنت منتجاً أو مخرجا لأنتجت فيلما يضاهي أفلام هوليود وبوليود وسميته " المتحولون بلا أقمار " وسبحان الله ..

في هذا الحي المتعدد والمتنوع في الطوائف والأعراق والأشكال والألوان تحتاج الشرطة إلى فيزة لدخوله كما تحتاج إلى "سلطان" للخروج منه وهو منبت جيد للجماعات الإرهابية والإجرامية ويشبه في تفاصيل طبقاته تفاصيل طبقات المجتمعات القرووسطية فثمة إقطاعيون وثمة معدمون .. طبقتان ثالثهما الشيطان ، أستغفر الله ..

(2)

وفي اليمن اكتشفت نظريات جديدة للنشوء والارتقاء، صحيح أنها ليست بجودة نظريات داروين، أن أصل الإنسان كان قرداً، ونيل شوبين، أن الإنسان أصله سمكة، ولكنها رغم ذلك تضارعها في الجرأة على الأقل فمثلاً :

ستعرف من واقع المخطوطات الجدارية أن الذي يرمي القمامة جوار السور حق بيت الآنسي أو يبول عليه أصله ابن كلب ..

مثلما ستعرف من واقع مخطوطات جدران حمامات الوزارة أن الإنسان المدير أصله حمار ... سبحان الله ..!!

وفي اليمن أيضا وطن الحضارة ستجد ذلك الإرث السبئي والقتباني والمعيني الذي يجري في عروق ابناء هذا الوطن وتلك الهواية الرفيعة في الكتابة على الجدران التي لم يكن أجدادنا القدامى يحبون غيرها كما يحب أبناء اليوم هاتف الجلاكسي والاي باد والاي تونز والايفون ليدونوا فيها مصائبهم في هذه العيشة..، ايضا ستجد تلك الهواية تتحرك وتملي على اليمني أن يكتب شيئا على جدران الشوارع لتعرف الأجيال القادمة بعد مئات السنين أن فلان كان سمخ وأن الحوثيين كانوا يكرهون أمريكا ويلعنون اليهود لكنهم عندما دخلوا صنعاء لم يقتحموا السفارة الأمريكية بل استولوا على القنوات الفضائية اليمنية، وستعرف أيضا أن جميع من رشحوا أنفسهم في الانتخابات كانوا مثالا للنزاهة وللأخلاق والشرف وكانوا يدفعون على الصوت ورقة أبو ألف ، وستعرف كذلك من واقع المخطوطات الجدرانية أن الثورة قامت بألفين ريال على كل راس ، وستعرف أيضا أن مراد سبيع استنفد الطلاءات التي في محلات مواد البناء في العاصمة ليرسم المفقودين منذ العصور الأولى والمختفون قسرياً وستعرف أن اليمن كانت تملك اكثر من ألف معهد للتنمية البشرية وتعليم الديمقراطية وشعبها جائع وينام بدون عشاء ، ويبيع صوته في الانتخابات من أجل كيس قمح ....

كل ذلك وأكثر ستعرفه وستحدثك عنه جدران هذه المدن الخارجة عن الخدمة ... وسبحان الله

(3)

كان عليّ أن أجد مأوى يلائم وضعي الاقتصادي خلال أسبوع من هذه الزيارة ، وأدهشني أن الفنادق التي كما هو مفترض أن تكون مأوى للسياح والأجانب أصبحت مأوى للإرهابيين الذين يقتلون ويختطفون الأجانب، وانتقلت من الحي المتعدد الطوائف والأعراق إلى حي آخر يشبه الحي الصيني في أمريكا وحي الجينزا في اليابان والشارع الثاني والأربعين في أمستردام ويسمونه (المدينة)..

كان الفندق يحمل اسم " المسافر " وكان لي صديق سكنت معه في غرفة في الطابق الأول وكانت معرفتي به عن طريق المؤسسة التي ابتعثتني إلى اليمن لأقوم ببحث عن العنف والتمييز الذي يمارس ضد المرأة في اليمن .

كان ذلك حرصاً من المؤسسة على سلامتي أولا من الإرهابيين والمختطفين ومساعدتي أيضا على إنجاز ما أتيت من أجله في أسرع وقت ممكن وبنتائج جيدة

(4)

كنت أسمع الناس دائما عندما كانت الكهرباء تنطفئ يشتمون ويسبون الوزير سميع، كانت شخصيته جميلة جداً، وضد السب، وضد اللعن، وضد الماء، كالساعة الرولكس، وقابلة للطرق والسحب، وتتمدد بالبرودة وتتجمد بالحرارة، وسبحان الله ...

وتمت إقالة الوزير سميع بتهمة التواطؤ مع الشمع و " المولدات الكهربائية " ضد القناديل وجاء عصر جديد من الظلام ليس له صاحب، ولم يستطع الشعب أن يحفظ اسم الوزير الجديد، فكان الناس يسبون الظلام فقط ويلعنونه كأبسط تعبير عن سخطهم وقرفهم من هذه العيشة السوداء، والليالي الصومالية ... ولا استبعد أن صعوبة حفظ اسم الوزير لدى الناس كان مخططاً له من قبل الحكومة، فتعلمت من الأخطاء السابقة ومن اسم الوزير سميع، فجاءت بوزير اسمه يشبه قصيدة الاصمعي " صوت صفير البلبلِ " التي اراد بها أن يُعجِز الخليفة، وسبحان الله ..!!

وهكذا حتى أصبحت اليمن بلا حكومة، وصار شعبها الغلبان يبحث عمن يسبه، خصوصاً بعد أن أدمن السبّ واللعن ... ووجد الشعب نفسه فجأة الشعب الحُطيئة الذي لم يجد في نهاية المطاف أحداً ليهجوه ويسبه، فراح يسب ويهجو نفسه .. استغفر الله ..

وبعضهم كانت له نظرة أخرى في الأمر وهي أن الظلام ذكر، والنور أنثى، وإذا كان الوزير لا يحب غير الذكر، أي الظلام، فهو شاذ ... أعوذ بالله

وثمة شخصية أخرى في اليمن كانت لاتقل أهمية عن الوزير سميع وهي شخصية كلفوت ولشدة ماكنت أسمع عنه وعن قصفه لأبراج الكهرباء واسمع عن إنقطاع الكهرباء في الدول العربية الأخرى خُيّل لي أنه ماركة عالمية قد يطبع أسمه على بنطلونات الجينز والـ تي شيرت والعطور ومستحضرات التجميل والمناكير والماكياج والروج النسائي على اعتبار أنه بطل قومي لايقل أهمية عن جيفارا بفارق بسيط هو أن كلفوت كان من أعداء التعددية وأعداء نظرية العالم كارل يونج التي تفيد بأن الإنسان ثنائي الجنسية على أساس أن الظلام ذكر والنور أنثى وكلفوت يرفض النور وكل مايمت إليه بصلة أو له نسب يربطه به حتى ولو كان عود ثقاب وسبحان الله ..

(5)

ومما يربكني في اليمن السعيد الذي يعتبر في مساحته وعدد سكانه كواحدة أو أقل من الولايات الأمريكية أن له اثنا عشر ألف ونيفاً من مؤسسات المجتمع المدني في حين أن أمريكا بلد الديمقراطية التي لها واحد وخمسون ولاية اي واحد خمسون يمناً ليس بها سوى 350 مؤسسة مجتمع مدني كلها فاعلة رغم أن واحدة منها تدعى الكو كلوكس كلان ...

وزارة الشئون الإجتماعية والعمل على باب الله عفوا أقصد والعمل على إنقاذ الغرقى عفوا أقصد والعمل فقط في اليمن لم تعد تعمل ولم تعد إجتماعية أيضاً لأن ذلك الكم من مؤسسات المجتمع المدني االذي ينظوي تحت لوائها استحوذ على العمل وعلى المجتمع وعلى المحصول كله واستغل الغرقى في اليمن من الشخصيات المغضوب عليها أو الضالة أو العاطلة عن العمل أصلا ذلك وصارت السفارات والمنظمات الدولية تدفع من أجل برامج وهمية لشرائح تدعي تلك المؤسسات أنها فتحت خصيصا من أجل خدمتها إلا من رحم ربك ...

وكيف لا تدعم المنظمات الدولية ذلك وهو مظهر ديمقراطي ومن أين سيعيش أصحاب تلك المؤسسات إلا من رحم الله ..

اليمن لاتعرف من الديمقراطية إلا الجوع والعطش وبيع الذمة في الانتخابات من أجل كيس قمح حتى لاينام الأبناء بدون عشاء .. وهنا كانت ثغرة أخرى يتحجج بها من ينادون بعدم المحاصصة في الحكومة وكذلك من ينادون بعودة النظام الإمامي ...

ليست المشكلة في الأنظمة أو في وجود عشرات الآلاف من المؤسسات ولكنها في عدم وعي القائمين عليها ليس بامتلاكهم شهائد ولكن بمعايير وخطط وبرامج حقيقية وشرف وهذه الكلمة بالذات بدأت أشك في أن أصولها عربية لأني لم أجدها في قاموس تلك المؤسسات وسبحان الله.

#السائح

العدوان والإعتقاد!!

البشر متنوع المعتقدات، والمجتمعات كافة تقدم أمثلة على ذلك، كالصين والهند ودول شرق آسيا، والدول الأوربية وكندا وأمريكا الشمالية، ومجتمعاتنا كذلك.

والمشكلة ليست في المعتقدات، وإنما في آليات الرفض والقبول المتصلة بها.

ومعظم المجتمعات نظمت العلاقة ما بين المعتقدات بدستور واضح صريح، ووصفته بحرية التعبير عن الرأي والمعتقد، ولهذا تجد فيها معابد لجميع المعتقدات، وشرائح إجتماعية تعتقد بما تعتقد، وما يجمعها هو العقيدة الوطنية التي تعلو على كل عقيدة.

وقد تعلمت هذه المجتمعات آليات القبول والتحمل، وأنكرت آليات العدوان والرفض والنكران، فهذه السلوكيات السلبية تواجَه برفض شعبي عارم، وهذا لا يعني إنتفائها وإنما عدم توفير المحفزات والمعززات لتكرارها، لأن القانون يحاسب عليها بشدة وقسوة.

وفي مجتمعاتنا المُبتلاة بأنظمة متطرفة السلوك والإعتقاد، تتحقق معززات متراكمة لتنمية آليات الرفض والعدوان، التي في بعضها أصبحت مواد قانونية ودستورية فاعلة ومدمرة للوجود الإجتماعي المعاصر.

ونهضت مدارس إنفعالية لتسويغ السلوك العدواني على المعتقد الآخر، وإقران ذلك بأحداث وتطورات ذات طاقات إنفعالية قاسية ومؤثرة، حتى وجدتنا أمام أجيالٍ مصنّعة في مختبرات الإتلاف الحضاري الخلاق القاضية بالإنقراض.

وأصبح لها رموز تسمي نفسها أكاديمية، لترسيخ الطاقات الإنفعالية المغلفة للمعتقد، مما أوجب عليها أن تتخذه سبيلا للتكسب على حساب الآخرين الأبرياء من أبناء المعتقدات كافة.

إنّ المضي في حشو المعتقدات بطاقات عاطفية سلبية عدوانية، سيساهم في تدمير الحياة وحشر المجتمعات في زوايا حادة من الصراعات الخالدة، التي ستنهكهم وتستعبدهم وتلقيهم في أفواه التبعية والخنوع.

أي أن أصحاب المعتقدات سيتحولون إلى عبيد، وآلات لتنفيذ إرادات الآخرين وتحقيق مصالحهم وأهدافهم التي يخططون لها، بعد أن حوّلوهم إلى أرقام.

وفي هذا الجحيم السقري الذي يُغذى بطاقات تدميرية فائقة، يتوجب على المعتقدين أن يستيقظوا من هذا الغثيان، ويتحرروا من لعب دور "القشمرة"، ويبحثوا عن المشتركات العديدة الجامعة، ويحترموا معتقدات بعضهم ويأنسون بها، بدلا من جعلها تحفز فيهم مشاعر الرفض والعدوان، التي سقطوا فيها وهم " يتقشمرون"!!

فإعتقد بما تعتقده، وكن مَن تكن، فأنت أنت وأنا أنا، وعلينا أن نبني الحياة سوية ومعا، وبتفاعل إيجابي ينفع مصالحنا ويُصالحنا.

د-صادق السامرائي

رأس السنة الأمازيغية ID N USGGAS !!

hamid taoulostدأبت فئات عريضة من المجتمع المغربي، كما في الكثير من ربوع شمال إفريقيا، مع مطلع كل سنة جديدة، وبالضبط في الثالث عشر من يناير من كل سنة ميلادية، على الاحتفال بحلول السنة الأمازيغية الجديدة، كل حسب طقوسه التي ورثها عن أسلافه، دون إدراك من الكثيرين منهم لتاريخ الحدث ودلالاته الرمزية والانتربولوجية، مع اختلاف حام بينهم في التسميات، حيث أنها عند البعض : ليلة "الناير" وعند البعض الآخر " إض- سكاس " وعند فريق ثالث "السنة الفلاحية " وهي عند فريق رابع " حكوزة " كما يسميها غيرهم "رأس السنة " دون ذكر لأية إشارة إلى السنة المقصودة، ورغم هذا التباين والاختلاف في التسمية، فإن هناك شبه اتفاق عام على طبيعة الاحتفال وتشابه كبيرين في طقوس ووصفات الاحتفال بهذه المناسبة التي تجمع بين الطابع السياسي المتمثل في تاريخها الذي يعود إلى سنة 950 قبل الميلاد حينما استطاع الأمازيغ دخول مصر الفرعونية بعد الانتصار عليها في حروب عمرت طويلا، وتمكنوا من تأسيس الأسرة الثانية والعشرين بقيادة الزعيم الامازيغي "شاشنق" أو "شيشونغ" واعتبر هذا الانتصار بدايةً وفاتحة للتأريخ الأمازيغي الذي تناقلته الأجيال، والطابع الاحتفالي بالأرض كعروس ورمز للعطاء والخصوبة، والذي هو التقليد الذي تحتفل به العديد من الأسر المغربية والمغاربية، وتتبادل خلاله التهاني، كما تفعل بمناسبات حلول السنتين الجديدتين السنة ميلادية والسنة الهجرية والمولد النبوي الشريف..

ويتنوع الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بتنوع المناطق المغربية، لكن يبقى القاسم المشترك بينها هو الطابع الجماعي للطقوس الاحتفالية التي تشكل فرصة اجتماع أفراد الأسر لمد جسور التواصل وصلة الرحم، في أجواء من الفرحة، يتم فيها إعداد وجبات تقليدية وفق عادات وتقاليد موروثة، كطبق "الكسكس بسبع خضاري" الخاص بالمناسبة والذي تضع فيه بعض الأسر-في جنوب المغرب على الخصوص - نواة تمرة "إغس" أو حبة لوز، ومن يجد تلك النواة أو حبة اللوز، يعتبر شخصا "مباركا"وتسند إليه مفاتيح المخزن "أكادير" ..

ورغم أن رأس السنة الأمازيغية من أقدم الاحتفالية الأمازيغية ببلادنا، وأنه أحد أهم الطقوس لدى أمازيغ المغرب وجل بلدان شمال إفريقيا، فإنه لم يعتمد إلى اليوم عيدا وطنيا، اعترافا منا بجميل الأجداد وبمجدهم، وحفظا للذاكرة الجماعية من الاندثار والطمس الذي طالها لمدة غير يسيرة، ونظرا للأهمية التي أصبح يحظى بها هذا الاحتفال والذي صار تقليدا سنويا لدى المناطق القروية والحضرية على السواء، حيث أصبح يتخذ أبعادا جديدة كحدث اجتماعي تبنته جل جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال النهوض بالثقافة الأمازيغية وبعض الجماعات الحضرية والقروية والمؤسسات الرسمية،مع الأسف، فقد أصبحت الدعوة إلى ترسيم رأس السنة الأمازيغية، كيوم عطلة وعيد وطني كما هو الشأن بالنسبة لرأس السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية، أشد ضرورة وإلحاحا، لما يحمله من دلالات رمزية ثقافية وحضارية وتاريخية وفنية، وأنتروبولوجية.

وفي الختام أتمنى لقرائي الأعزاء سنة أمازيغية سعيدة مباركة مليئة بكل المسرات والأفراح، وباللغة الامازيغية : أسْكًاسْ إسْعْدَنْ إصبْحانْ إفُولْكِينْ بمناسبة حلول 2963.

3 asggwas amaynu amghudu ” 296ـ

حميد طولست

الانكسار المشوّه

نظرت بتأمل إلى الشجرة وهي ممدودة بأذرعها المُتفرعة في فضاء الحياة، ونظرت بتأمل أكثر إلى أعاليها وكيف تهلهل فرحًا من مُعانقة الهواء لوريقاتها، لتعزف سمفونية لا يستطيع أعظم عازف أن يُؤلفها ولا أي أذن كانت أن تسمعها وتُميز لحنهَّا. أنهُ صوت الحياة القادم من الطبيعة ليثبت ويُعلم أن الحياة لحنًا جميلاً ونادر وليس كل من سمعهُ عرف لغتهِ ونطق بها.

ثم نظرت لأسفلها لأتأمل في مستعمرات النمل وهي تدخل قُراهّا في جذور الشجرة ذاتها لتحتمي فيهِ وتخزن طعامها، فأدركت أن الحياة تُعطي وتهبّ الكثير وتساعد، لا تترك حال على حال، حياة تُعطي الحياة لكل ما عليها، أنها دورة الاستمرارية والتواصل الواحد من خلال الآخر لإدامتها.

الحياة هذه الكلمة التي تحمل كل عظمةٍ، جميلة بكل ما فيها حينما ننظر إليها بعين الجمال، هكذا أراها عندما أجلس بوحدتي وهدوئي وأتأمل بطبيعتها الخلابة، ولكن الإنسان الذي يسكنها، أحيانًا كثيرة يُعطي لنفسهِ حرية التشويه للكثير والكثير اللامُبرر لهُ! ربما قد تكون ظروف تضطرهُ لتغيير مسلك حياتهِ، وربما اللاوعي يلعب دورهُ في حياتهِ وربما المصلحة هي من تغلب وتعبرّ، ولكن هذا ليس مُبرر للاستمرارية فيها ومُمارستها والانخراط فيها بعمق لتتجاوز حدود الأذية، لكل شيءٍ نهاية وحدود لابدّ من أن ترسم في طريقها للحدِّ منها. لكل شيءٍ حاجز لابدّ من الوقوف عندهُ، وإن كنت أنا أو أنتَ تعدينا ذلك الحاجز عندما لا ينفع فيهِ العبور والتخطيّ، عندها نكون قد جنينا على الكثير وأحدثنا شرخ من الصعب أن يلتئم حتى وأن أجمع العالم على ترميمهِ!

فكم مِن إنسان انكسرت نفسهُ بسبب جبروت إنسان آخر، وكم من حياة كُممتْ وغدتْ بلا روحًا، وكم من عينًا بقيت على أهبّة الاستعداد من الهجوم المُحتمل من كل ما هو مُخوف، وكم من توسلات أطلقت من أفواه تطلب الرحمة، وكم مِن روحًا رفرفتْ مفارقة! أنهُ الإنسان الذي يتلاعب بإنسان آخر ويجعلهُ يرى بعين الذباب كم هي الحياة ضيقة وخانقة! نعم، كثيرون هذه هي لعبتهم وهوايتهم، عيش حياتهم على أنقاض حياة وهدمها ورؤيتها مُجرد أكوام فحمية. يتلذذون برؤية الذبول والتشويه ولكنهم لا يدركون أنهم هم فقط الخاسرون وذاتهم داخل أجسادهم مُتناثرة ولا يستطيعون ترميمها سوى برؤية آخرين وهم يتساقطون أمامهم كحبات اللؤلؤ على الأرض كل واحدة في اتجاه! هؤلاء هم كارهين لذواتهم ويعيشون الحياة بسطحية وعبثية، لذلك تجدّ أجسادهم مُجرد هياكل فارغة، مُجرد قبور مُعتمة، مُجرد لمحهّم بطرفة عينًا، تُثير في داخلك الخوف والشعور بالقلق والاشمئزاز من فعلهم ومن مسكنهم!

أمثال هؤلاء لا يعيشون الحياة بل هم في خصومة معها ومع نفسهم ويحقدون عليها، ينظرون للإنسان مثيلهم كنظرتهم لأنفسهم الخانقة، ولذلك هم يسيرون عكس تيار الحياة ولا يقبلون بغير تناقضاتها كنوع من العّداء والتحّدي والتعندُّ، أمثال هؤلاء يستأنسّون لما يُلبس الأجساد! أمثال هؤلاء يقولون لكل شيءٍ في الحياة بالسلامة حتى وإن كانوا غير مُغادرين، هروبًا من سلاسل تكاد تضيق عليهم رويدًا رويدًا. أمثال هؤلاء منثورين في جميع بقاع العالم ويطوفون أرجائها كما يطوف الغيم السماء، وما الغيرة والحسد الذي يتولد عند البعض، والحروب التي تُشن ويظهر فيها هكذا نوع من البشر مُعادي لكل شخصية ناجحة ولكل عقلية نابغّة ويحاولون بشتىّ الطرق التخلص منها واغتيالها وتمزيقها، ألا دليل على خوفهم منهم وضعفهم أمامهم، لذلك يحاولون شتى الوسائل وضعهم في خانة مُظلمة لكي لا يشعّ نور الحقيقة من خلالهم ويُفشلون مآربهم.

الحياة تحتاج إلى فهم والإنسان بحاجة إلى اهتمام أكثر من قبل نفسه أولا، لذلك كنْ على يقين أن لم تدرك الحياة قبل أن يُدركك القدر مهما اختلف وقعهِ، فلا تتفاجأ كثيرًا وتوقع كل شيءٍ، هكذا هي الحياة سلف ودينّ، والخطوة التي تقودك للأمام مُجبرة أو راضخة أو مسلوبة من قبلك أنتَ وفي غياب وعيَّك وإدراكك، تأكد أنها ستُرجعك عشرات الخطوات إلى الخلف في دهاليز مُعتمة!

أن لم تُدرك أنتَ بنفسك وقناعتك بصحة الشيء، فلن تستطيع أن تعيش في سلام داخلي ولن تستطيع أن تتواصل بإنسانيتك. فكُنْ كالغيم عابرٌّ ولكن يُظلل ويُمطر على ذرات التراب التي تحتهُ والمُتعطشة إليهِ، يسقط عليها ويرويها حتى يُعطي حياة لكل ما يسكنُها، ويُلبسها الأخضر الذي يُحييّ في النفوس الأمل والتفاؤل والتأمل في البعيد لكل قديم وذابل، وأعلم أن الحياة صور مُختلفة، فأختر صورتك بحيث يكون لها مغزىّ عميق وألوان تدوم طويلاً مهما مرَّ عليها ... فالحياة من صنعك.

 

سهى بطرس قوجا

 

الأفكار بين مسارات التطور والإنحدار

badya shikatونحن نعيش هاته الأحداث العالمية المفزعة بسرعة تقلباتها، لم يعد من المجدي الإحتفاظ برؤية هي أشبه برؤية الشيخ الخبير الذي أشربه التاريخ كؤوس الحكمة والتدبير، بل على العكس من ذلك تماما نحن أحوج مانكون اليوم إلى إمتلاك رؤية الطفل الصغير الذي لايحمل بذهنه سوى فضاءات فارغة من التاريخ والخبرات، فيحاول أن يملأها بما يحيطه من متاحات، فالتجديد بالأفكار بات أساس تغيير ما تبناه الإنسان من مسارات، وحتى وإن رجعنا للتاريخ فسنجد أنفسنا نقف عند حافة البداية، أين بدأ الإنسان يبني الحضارة وهو لم يكن يملك من التاريخ غير قبس من نار، حفنة من الأحجار وكوخ من جدوع الأشجار، فكان يحتاج لكي ينهض أن ينفض من ذهنه ماعلق به من تقديس للأشياء، ونظر ضيق في حدود الأرض إلى نظر رحب في مطلق السماء، فبدأ بطرح الأسئلة الوجودية الكبرى، ماذا ؟كيف ؟ متى ؟ ولماذا ؟

أما نحن اليوم فنحاول حفر أنفاق في التاريخ لنعبرها كلما ضاق بنا الحاضر، ونتلمّس الحلول الجاهزة، وهي نظرة بلا شك ستشوبها الكثير من الضبابية، لأنّ التاريخ يحمل هو ذاته الطبائع البشرية، بمعنى أنه يحمل الصواب والخطأ، وبالتالي سينال المستقصي في التاريخ الكثير من التناقضات التي تورث الشتات بدل الثبات، وكمثال عن هاته الرؤية الأصولية نجد المتمسكين بطوق الخلافة كطوق نجاة، بناءا على رؤية تاريخية لم يتناولوها سوى من جانبها المشرق من خلال الخلفاء الراشدين، بينما غفلوا عن جانبها المظلم المغرق كما حدث في خلافة يزيد بن معاوية بعدهم، الذي ملأ الدنيا إستبدادا وفساد، يكفي أنه دعا إلى أن تُنصَّب له خيمة من خمر على ظهر الكعبة المشرفة، فينبغي أن نتخلص من هذا التنطُّع في تقديس التاريخ، لأنه لايعني سوى قداسة لجاهزية نسبية، وحتى نخرج من هاته الرؤية الضيقة الخانقة علينا أن نستأصل الأفكار من جذورها القديمة، ونحاول زرعها في أرض خصبة وسليمة، ولاُيفهَم من ذلك البتة أن نحمل معاول هدمٍ للمبادئ والقيم، بل على العكس من ذلك تماما، فنحن كمن يحاول البناء فوق ذات الأرض وتحت ذات السماء، إنما بدل الأكواخ نشيد قصورا سامقة في العلياء، لأن مانعانيه الآن هو مشكلة أفكار، وبخاصة العالم الإسلامي الذي ومنذ عصر الموحدين يواجه الدمار بسبب مشكلة الأفكار، وهو كما قال مالك بن نبي :"ما ملكه من تراث عصور الحضارة الإسلامية غذا أفكارا ميتة "

وفي المقابل نجد العالم الغربي حين تكبله الأزمات والإنهزامات لايعود أدراجه للوراء، إنما يتبنى رؤى فلسفية وفكرية للنهوض والبناء، يقول مالك بن نبي أيضا : " خسرت ألمانيا عام 1945 عالم أشياءها، وجزءا من عالم أشخاصها، لكنها لم تخسر عالم أفكارها "

ولذلك فالمفكر والفيلسوف الألماني هيجل قال: "إنّنا نتعلم من التاريخ أنه يستحيل على البشر التعلم من التاريخ "

فإذن نحن أحوج مانكون إلى البحث عن أساسات جديدة حضاريا، تماثل نقلتنا من عربة الحصان إلى الطيران مدنيا، فلا نقبل التسليم بما هو كائن وموجود، كأنه الحتمية الأبدية، بل علينا أن نكون كمسافر لاتعني له لحظة الإنطلاق إلاّ لحظة الإقتراب من الوصول، وماقطعناه من مسافات هو فقط مايقربنا من منشود الغايات

 

بــــادية شكاط

 

كاتب موقوف التنفيذ

osama benjalunالكتابة صورة من صور الإبداع البشري، وهي وليدة تجمع ضروف معيشية مواتية للحكي والملاحضة والتقييم والإستنثاج بإمكانات لغوية تمكن من إضفاء المكتسبات والإكتشافات الفكرية في قالب سردي محبوك، سواء أكان ذا طابع نثري أو شعري، ولا شك أن الأديب في الغالب يكون متدربا على أساليب الإبداع الأدبي وأنماط الكتابة وطرقها بمدرجات الجامعة، فتكون دراسته لما فيه ينشط، فإن هو كتب إذا كان مثريا لعمله ودراسته، ومغنيا إياها، لكن العصامي أو" الكاتب بالولادة" دائما ما يجد صعوبة في تطوير أساليبه أو الحرص على تحديث آلياته وميكانيزماته في طريقة تجميعه للأفكار وصياغتها، بالمطالعة ودراسة النقد...على أن المادة الخام موجودة عنده وهي ملكة الكتابة، أو تلك القدرة على تصوير المشاعر واللحظات، القدرة على إحياء المتلقي داخل الأوراق، على إسعاده وإشجانه، ووعظه، أو ربما منحه نظريات حول الحياة والناس والأشياء من حوله من وجهة نظر ذاتية مبنية على ما جابهه الكاتب من أحداث وما راكمه من مواقف مادية تخرج المفاهيم والمبادئ من لباسها المجرد الوردي، أو علمية مستندة في لبها إلى نازع ديني محض أو فلسفي، ..أو متأصل من دراسات في علم النفس وأقوال لمحللين نفسيين....  

على الكاتب بالولادة إذن وبالخصوص لو كان محيط نشاطه مغايرا لمجال كتابته أن يعيش بروحين، أن يملك عقلين وخاطرين، وهو أمر يصعب الإلتزام به في زمن تقلبت المفاهيم وضاقت الصدور فيه، بفعل ما للعولمة من آثار على النفوس وما للتضخم الإقتصادي من وقع على تصرفات الناس التي صارت تتجه نحو نهج المذهب االمادي بشكل لاشعوري، والسعي الدائم إلى الإندماج في مشاريع وأنساق تضمن المساهمة في دوامة حركة الإقتصاد الهائجة للظفر بجزء من مردوداته وغيرها، ..

قد يصاب هذا النوع من الكتاب بدوار روحي حاد ناثج عن عدم القدرة على ملائمة ضَجيجِ واقع الأحداث بحَقِيقِ مبادئ الإبداع، ففطرة الكتابة عنده صافية نقية، رغم تأقلم تصرفاته مع العالم الخارجي الخشن، وضبطه لكيفية التصرف داخل الغابة والحضي بالأمن والسلم والإحترام فيها، لكن دواخله دائما تكتب الحقَ، لا تكتب إلا حين يشعر، ولا تكون مكتوباته غير حقٍّ في نفسه يَقنَعُ به ويؤمن، هذ النوع من الكتاب قد لا يجد طريقه إلى النشر وبسهولة وقد لا يبصم على مسار حافل إلا بعد أن ينال العمر منه، أو يقضي على وجوده، لأنه لا يهدف إلى إنثاج الكتب كالبطاطس المقلية لبيعها ساخنة بعلب حمراء يافعة، بقدر ما يحب أن يكتب لغرض ذاتي بحث، ..يحمل كذلك همًّا للناس ويكتب لهم أحيانا، لكن الكتابة أمر يعنيه هو، ونظرياته له هو، يؤمن بجدواها ويحكي عنها بعفوية مطلقة، فعليه إذن أن يجابه هذا النوع من الإنفصام وهذه الإزدواجية بين مهمته كفرد في مجمع وبين هويته ككاتب داخل مكتب أو داخل فناء كونٍ، فتكونَ له دروب هنا وهناك، أن يعطي لوضعه القانوني كفاعل مجتمعي أهميته فيسهر على الكد لبلوغ المرامي العلا، وأن يحافض على "أوركازم" الكتابة وإدمانها عنده، أن يمتلك الحكمة والصبر اللذان يسمحان له بالموازاة بين عمله اليومي وبين تأطير تصوره الأدبي وصياغته بشكل لائق، وأن يملك فوق هذا كله الوقت للكتابة، ووسيطا يدعو الإلهام إلى يراعه وذهنه...

وللكتابة طقوس منها ما ينثج بداخل النفس ويتعتق إلى أن يخلق كومة من الأفكار تتسارع و"تتكركب" حتى تصاغ في بسرعة بورقة وتنسَّق وينضاف إليها ما ينضاف، فتطُول أو تقصُر، وتخرج منها القصة أو الرواية أو ما تريده أنت، فما أخرجته عصير إحساسك، جزء منك تشكله إذ اذك كيفما شئت.

ومنها ما هو خارجي، وهو في رأيي ظروف الكاتب المعيشية، إن كانت طيبة أو مزدراة، مطبوعة بالتسارع والهرولة أو بطيئة رصينة، وبعدُه في روتينه اليومي الملزم بالخوض فيه عن روح الإبداع، عما قد يقربه من الرغبة في التأليف، فلو كان مجال تخصصه مثلا تخصصا جافا كتخصصه في علم القانون، -وهو حالي-و هو مجموع قواعد وأحكام ملزمة تشمل مختلق مجالات الحياة، قد يبعده عن طقوس الكتابة ويستدعي منه تكريس كل جهده لضبط أبجديات هذا العلم الشائك والتمكن من التقرب من معالمه لإمكانية دخوله في مصاف المهتمين به، وكذلك هو الحال في كل العلوم وكل الإتجاهات والمهمام والأعمال، فكل مجال ترتزقه يسلبك كلا، ولا يمكنك معه التفرغ للكتابة التي هي مشوار عمر كامل وجلوس تأمل دائم لا تسعفك فيه "سنن الحياة الطائرة"، إلا إذا توافقت مع نمط عيشك أو فرضتها فرضا، كما كان يفعل نجيب محفوظ حين كان يخصص ساعات خمس أو ست من ليله لكتابة رواياته العالمية، وها هو استثناء وحيد من اتجاه الإنثاج الممقوت في الأدب، فتجربة محفوظ نجحت رغم الغزارة لأنه لم يكن يكتب لمراكمة المؤلفات، وإنما لتصوير مشاهد من واقع الحارة المصرية بمختلف ظواهرها وآهاتها يحتك به تكرارا ومرارا في ذهابه وإيابه من المقهي، وفي خروجه من الكلية ومجالسته للناس، وهو استثناء كذلك لأنه فيلسوف قبل كل شيئ، ولأنه منظم يعرف كيف يكتب ويعمل كموضف عمومي ويعزف على آلة القانون ويجالس الحرافيش في يوم واحد، ولأن لا أحد قد يستطيع في قادم الأحيان التمتع بهذه الرغبة الكبيرة وهذا العزم الشديد على إكمال الرسالة لن نرى إلا نجيبا واحدا والله منا أعلم...

فحين تدرس القانون مثلي، تجد نفسك في محيط بعيد عن كل البعد عن مجال الآداب حيث يهيم الدارسون بالجمال تغنيا قبل الوقوف عند مكامن الآلام..، وعليك أن تجذف لأنك اخترت عن وعي وإدراك، ولأن التحدي قد أغراك وأردت الغوص في دراسة القوة التي تحرك العالم، وتضبط تصرفات الناس لتجعلها على اضطراد وتماثل...، وأن تكتب بيد ثالثة حن تستلقي على قاربك لترتاح من التجديف، على أن تتفرغ لفنك حين الوصول إلى البر,أو في مرحلة شيخوخة، ,أو أن يكتب له الله أن ينشر بعد هلاكك كمخطوطات مقدسة...، أما الآن فأنت يا ولدي كاتب موقوف التنفيذ.

 

أسامة بن جلون

باحث بسلك الماجستير بكلية الحقوق تطوان-المغرب.

 

عطسة موظف تشيخوف واستنتاجاتها

عندما كنت أتصفٌح – كعادتي يوميا – جرائد يوم 7/1/2015 لفت انتباهي عنوان طريف وغريب ومثير في صحيفة الشرق الاوسط اللندنية وهو – (عطسة موظف) بقلم الاستاذ خالد البسام، وقلت بيني وبين نفسي، ربما يوجد موظف عربي، او موظف آخر في العالم عطس واصبح مشهورا غير ذلك الموظف الروسي المسكين – بطل قصة تشيخوف المعروفة – (موت موظف)؟ و لكني عندما قرأت المقالة فهمت ان الحديث يدور فعلا حول نفس ذلك الموظف (انظر مقالتي بعنوان - قصة تشيخوف القصيرة موت موظف)، وفرحت جدا في الواقع ليس لاني أعرف ذلك الموظف حق المعرفة، وانما لأن هذا يعني ان الكتٌاب العرب في صحفنا قد بدأوا باستخدام رموز الادب العالمي وشخصياته وافكاره في مسيرة حياتنا اليومية، وهذا شئ مفرح بلا شك لأنه دليل نضوج كتٌابنا، ولكن الشئ غير المفرح، والذي اصطدمت به هنا، هو ان الاستنتاجات التي توصل اليها الكاتب واستنبطها من مضمون الحكاية (كما اسماها) لم تكن تتناغم او تنسجم مع روحية تلك القصة القصيرة وجوهرها واهدافها، وهي اربعة استنتاجات جاءت في نهاية تلك المقالة وكما يأتي –

(لم يسخر الكاتب الروسي الراحل الشهير انطوان تشيخوف في هذه الحكاية من هذا الموظف الغلبان، لكن حكايته البليغة لها الكثير من الدلالات والمعاني، ولعل اهمها ان هناك نوعا من البشر، ومنذ زمن بعيد وحتى اليوم، يحتقرون بشرا غيرهم لمجرد انهم أقل قيمة وثراء واهمية )، وهذا هو الاستنتاج الاول، وهذه حقيقة موجودة في المجتمعات الانسانية فعلا أشار اليها الاستاذ البسام، ولكنها لا توجد بتاتا في اجواء تلك القصة، التي كتبها الشاب اليافع تشيخوف وكان لا يزال طالبا في الجامعة، ولا توجد اشارة الى ذلك في نص القصة لا من قريب ولا من بعيد، ولا يحس القارئ بهذا الاحساس ابدا عندما يقرأ تلك القصة، وبالتالي، فان هذا الاستنتاج غير وارد هنا ولا يمكن ربطه بتلك القصة .

الاستنتاج الثاني في تلك المقالة هو الآتي –

(ان المحتقرين يظلون مهما فعلوا محل احتقار من هم اعلى منهم)، وهذه ايضا حقيقة من حقائق الحياة فعلا، ولكنها ايضا لا توجد في ثنايا تلك القصة واحداثها مثل تلك التي اشرنا اليها عند الكلام عن الاستنتاج الاول. ان الشخص الذي يتحدث عنه تشيخوف في قصته تلك لم يكن مديرا كما ذكر الاستاذ البسام، ولم يحتقر ابدا ذلك الموظف المسكين الذي عطس في المسرح، بل تعامل معه بكل احترام ومودة دون ان يعرف من هو هذا الشخص ودون ان يحاول حتى التعرف اليه او الالتفات اليه، ثم حاول ان يبين له انه لم يغضب ابدا من جراء تلك العطسة وبكل بساطة واحترام، ولكن الرعب والخوف المغروس في اعماق هذا الرجل البائس تجاه كل ما يمثٌل السلطة العليا هو الذي ادٌى به الى هذا التصرٌف المضحك والمبكي معا او الكوميدي والتراجيدي معا ، وهذه هي النقطة الجوهرية والاساسية والمهمة جدا في بنية هذه القصة ومضمونها، و التي لم يلاحظها الاستاذ البسام مع الاسف، والتي ادٌت به – على ما يبدو - الى استخلاص الاستنتاج الثالث غير الدقيق وغير المنسجم ايضا مع مضمون القصة تلك وهو الآتي –

(والاهم من الاحتقار هو هذا التعذيب الكبير للضمير الذي يحمله البسطاء داخل قلوبهم، حتى في الاخطاء البسيطة والتافهة ..)، وليسمح لي الاستاذ البسام ان اعلن هنا عدم اتفاقي كليا معه بشان ذلك، فالتعذيب الكبير للضمير (أو تأنيب الضمير كما نسميه عادة) يحمله في اعماقه كل انسان حقيقي وصادق وامين لانسانيته، سواء كان بسيطا او غير بسيط، وهو احساس انساني رائع يحس به كل شخص شريف عندما يقوم بعمل غير صحيح من وجهة نظره تجاه الآخرين ولا يتناغم مع انسانيته، وليسمح لي ايضا الاستاذ البسام ان أقول له ان بطل تلك القصة لم يعذبه ضميره ولم يحس بتأنيب الضمير لانه عطس ليس الا، ولكنه – واكرر ذلك - ارتعب من العقاب الذي يمكن ان ينزله به ممثٌل السلطة الجائرة والظالمة به لاي سبب من الاسباب مهما تكن تافهة، وهو الانسان البسيط البائس المسحوق والموظف الصغير في ذلك المجتمع الاستبدادي، في حالة ان يظن هذا الشخص الكبير انه اساء اليه متعمدا (وارجو ان يلاحظ القارئ ان هذا الشخص لم يكن مديرا له، واكرر هذه الملاحظة مرة اخرى لاهميتها )، اي ان القضية هنا لا علاقة لها ابدا ب (التعذيب الكبير للضمير) لهذا الانسان البسيط كما جاء في المقالة وانما المسألة ترتبط بالخوف والرعب الذي يسيطر على الناس البسطاء من جراء الظلم والاستبداد السائدين في المجتمع الانساني ذاك، حيث لا يمتلك الانسان البسيط حقوقه الطبيعية بتاتا، و هذا هو في الواقع جوهر تلك القصة والسبب الحقيقي لشهرتها في المجتمعات الانسانية كافة، تلك التي يسود فيها الظلم والاستبداد لانها تجسٌد ذلك الظلم، و تلك التي لا يسود فيها الاستبداد والظلم لأنها تذٌكرهم بضرورة الحفاظ على العدل والمساواة بين البشر .

الاستنتاج الرابع في المقالة جاء كما يأتي –

(..غير ان الحكاية الجميلة تقول لنا ايضا ان الكثيرين من البشر ما زالوا ايضا لا يعرفون كيف يعتذرون ولا يجيدون فن الاعتذار)، وهذا استنتاج صحيح من حيث المعنى العام وفي اطار الحياة الانسانية طبعا، ولكنه ايضا لا يمتلك علاقة بهذه القصة، اذ ان تشيخوف اراد ان يقول، ان الرعب والخوف اللذان يسيطران على الانسان البسيط والمسحوق في تلك المجتمعات الانسانية الاستبدادية يؤدي الى فقدان تلك الخصائص الانسانية التي يتمتع بها الانسان الاعتيادي والطبيعي في المجتمعات التي يسود فيها العدل، بما فيها امكانية التعبير المنطقي عن كل شئ (بما فيه الاعتذار طبعا)، وعليه فان هذا الموظف لم يستطع ان يعبر عن مكنوناته ولم يستطع ان يقول ما يعتمل في اعماقه نتيجة الخوف والرعب الذي يسيطر عليه وليس لانه لا يعرف كيف يعتذر، كما أشار الاستاذ البسام في مقالته . واخيرا اود ان اشير الى امتناني وشكري للاستاذ خالد البسام على مبادرته باستخدام قصة من قصص تشيخوف لمعالجة ظواهر اجتماعية في عالمنا العربي وهي ظاهرة حضارية وجميلة في صحفنا العربية، وهذا اولا، وثانيا لانه اجتهد في استنتاجاته رغم اني لست متفقا مع بعضها، ولكني اعترف بالاجتهادات الشخصية واحترمها، ومن نافل القول ان اشير اخيرا الى ان كل الامور نسبية في نهاية المطاف .

معلومات إضافية