أقلام ثقافية

جمهورية المتنبي

saleh altaeiالمتنبي؛ الشارع المسكون بالضوضاء والضجيج، ضجيج الأفكار والرؤى، منه جاءت هذه الومضة ... فمن يلج دنيا "المتنبي" لا يجد شيئا مألوفا إلا الوجوه، وجوه العراقيين، كل العراقيين، تلك الوجوه التي أضناها التعب فلم تعبأ به وإنما حملت بعضها لتلتقي ببعض، ترتسم الطيبة على محياها رغم العبوس الصارم الذي فرضته حياة تعتمل فيها القسوة كشعار متفرد يستوحي قوته من أنموذج الحقب الدكتاتورية التي وطأت كواهلهم عبر التاريخ، ولا زالت تئن مع جراحهم تعزف نشيد الوجع.

 في المتنبي أكداس بشرية بعضها تسير مطأطئة رأساً أثقله الفكر، وعب من كأس الحصار الفكري فلم يبقي ثمالة، رؤوسا تحمل إما لوحة فنية، أو معزوفة شجية، أو تمثالا خشبيا، أو مجموعة قصصية، أو ديوان شعر، أو كتاب فكر، أنجز كل منها بإنفاق مدخرات الأولاد، أو بلقمة عيشهم، أو حتى بثمن الملابس الجديدة التي يحلمون بشرائها للعيد؛ ولكنه لم يجد من يشتريه في بلد تحول فيه الإبداع من ضرورة إلى تفاهة لا تجدي، فأبى المبدع أن يترك جهده حبيس النسيان، فحمله يبحث عن وجوه تقدر الكتاب وتحترمه ليضعه بين يديها أمانة في منتهى البذخ والكرم.!

وفي المتنبي أكداس بشرية أخرى، تسير وهي تنظر إلى الأفق، جل أفرادها ممن يحملون فكرا، ولكنهم تركوا مساحات فارغة شاسعة في عقولهم تمنحهم نوعا من التوازن.

وفي المتنبي من غير هؤلاء وهؤلاء هناك الدهماء الذين جاءوا إما مدفوعين أو طائعين أو مقلدين أو مدعين، جاءوا بحثا عن صيد أو مجرد متعة في بلد تضيق فيه مساحات المتع حتى تكاد أن تتلاشى، أو لرؤية وجوه معروفة أو شخصيات نافذة، أو حتى لمجرد أن يلتقوا في مكان يحلو فيه تطبيق مثل "حشر مع الناس عيد"

كل هذا الحراك الفكري، الأدبي، الثقافي، العلمي، العبثي، الفوضوي، المنظم، اجتمع سوية ليرسم صورة شارع المتنبي أيام الجمع، لتتحول الجغرافيا من مكان لبيع الكتب إلى مهرجان، فالعقل العراقي المبدع المتجدد المتألق الذي يزيده العنف والاشتعال تألقا وتفردا، رفض أن يبقى المتنبي مجرد شارع لبيع وشراء الكتب.

وحقا من الإنصاف القول إن المتنبي ليس مجرد شارع لبيع وشراء الكتب، المتنبي جمهورية يحكمها الفنانون والأدباء وتحرس حدودها وجوههم التي أرهقها عسف الزمان، حراس لا يحملون بنادق ومدافع ومدي وخناجر، فقد نبذوا السلاح خلف ظهورهم، وتنكبوا الفكرة ينوءون بحملها، يشهرونها بوجه المحبين، يتباهون بها كما الطاووس يفخر بريشه الزاهي الجميل، فليس كل الطيور مثل الطاووس تملك ذيلا، ولا كل البشر مثل المبدعين يملكون سموا!.

المتنبي ليس مجرد بقعة جغرافية فحسب، المتنبي جمهورية بلا حدود، لم تولد من رحم الحروب والانشقاقات والانقلابات الدموية والثورات الغبية؛ وإن كانت تلك المماحكات قد سرّعت في ولادتها، إنما ولدت من رحم أمل الإنسان بغدٍ أكثر إشراقا، لتقف بوجه وحشية الإنسان، بوجه قبح البشرية التي تخلت عن عقلها لتفرض إرادتها الغبية على الجميع. جمهورية تسعى لأن تطرز الحياة بفسيفساء مطعمة باللؤلؤ والمرجان والألماس والياقوت والذهب وحتى الحجارة والرماد، وموشاة بالرؤى والخيال والأحلام الوردية؛ بعد أن طرز المنحرفون فضاءاتها وحقولها وبيادرها ومروجها بالأشلاء البشرية، فخنقوا مساحات تنفسنا وصادروا بقايا حرياتنا المستباحة.

المتنبي ليس مجرد أرصفة ووجوه، المتنبي جمهورية تناضل من أجل زرع المحبة بدل الكراهية، والألفة بدل التوحش، والسعادة بدل الحزن، والبناء بدل التفجير والتخريب، لا بالقوة والإكراه وإنما هو جزء من فيض قلوب سكانه المملوءين بالطيبة؛ الذين جادوا به كرما باذخا ليكون الرد الحقيقي على من يريد زرع الحزن أو يزايد على كينونتهم.

جمهورية المتنبي لا تحتاج إلى تأشيرة دخول أو موافقات مسبقة، أو رسوم مكس أو جواز سفر أو كفيل ضامن، وكل ما تحتاجه منك أن تكون عراقيا طيبا، جاء ليشارك إخوته العراقيين فرحهم، وحينما تلتقي وجوه العراقيين مع بعضها ترى خارطة العراق الواحدة مرسومة على جباه الجميع وعلى شغاف قلوب عذبة تبحث عن الفرح في أنقاض بغداد التي كانت ولا زالت ما إن تنفض عن جسدها غبار وأثر دخان حرب قاسية حتى تتهيأ لسماع قرع طبول حرب جديدة، يروج لها الأغبياء لا هدف ولا معنى لها سوى أن ترضي طموح المجانين.

المتنبي فرصة خلقها العراقيون لأنفسهم دونما تدخل أو دعم من أحد، أو من حاكم، فأخذت مداها، ونجحت غايتها، لكنها تحتاج إلى لمسات تخصصية تزيل عنها عفوية التنظيم والتخطيط لتحولها إلى مساحة للفكر المطلق، تسع الوافدين الذين ضاقت بهم المساحات، وباتوا يبحثون عن بدائل، بشرط أن لا تمتد الأيدي التخصصية إلى نوع النشاطات التي تؤدى والأفكار التي تطرح، فجمهورية المتنبي مكان فريد تفتح فيه بوابات العقول والألسن لتعبر عن حرية لم يسبق أن تنسمنا عبيرها، ويجب أن تبقى كذلك دونما قيد أو رقيب.

جمهورية المتنبي لا شبيه لها في كل العالم بما فيه البلدان المتقدمة، وقد بزت بعفوية وتلقائية زوارها حديقة الـ(هايد بارك) الملكية البريطانية خلفها، وهي من مفاخر العراقيين وحدهم، العراقيون الذين ولدت من إصرارهم على الحياة أسطورة طائر العنقاء.!

سطور .. في ميلاد خاتم الأنبياء والمرسلين

yousif alsadiترددت في صياغة ألفاظي .. قبل أن يأذن البيان لمدادي الوجل .. ليرتقي سدة السنا .. ذاكراً نور الكوكب الهاشمي .. مجلجلاً في ميادين الذكرى ألعطره ليطيب وقعاً على القلوب في خروجه من كهوف ألصياغات ألبلاغيه .. يحلق روضاً قشيباً نازعاً آفاق الكلمات شذاً عنبرياً .. وحيث يسطر يراعي سفرَ خير الأنام في مولده الأغر .. في ربيع الكرامات وغيض البحر الخضم .. وشمس الكمال في عليائها .. تمتص حشاشاتها لتفنيها هدياً على مسالك العابرين .. لدرب الرسالة ألمحمديه .. وهم على قلتهم كالأعمدة تنفرج فيما بينها قسمات الهياكل .. وترسوا على كواهلها أثقال المداميك .. لتومض من فوق مشارفها قبب المنائر .. وأنهم في كل ذلك كالرواسي .. تتقبل هوج الأعاصير وزمجرة السحب لتعكسها من مصافيها على السفوح .. .. خيرات .. رقيقة .. رفيقة عذبة المدافق .وفي ميلادك يا حبيبي أبا الزهراء .. وأنت تبرز في هالة الرسالة .. ونور ألنبوه .. اللتان فاضتا عليك انسجاماً واكتمالاً .. كما احتويتهما لوناً .. وإطارا .. توفرت السانحة لتخلق في ليل كالح طال دجاه .. على دهر من دهور .. بني ادم فيه من الجهل والحيف ما يضم .. ويذل .. رجلاً تزاخرت فيه وفرة كريمة من المواهب والمزايا .. لا يمكن ان يستوعبها إنسان دون أن تقذف به إلى مصاف العباقرة .. وهكذا الدخول إلى هذه ألشخصيه .. ليس اقل من حرمة الولوج إلى محراب النور .. .. وكيف استطيع أن أصيغ الحروف والكلمات لذكرى مولدك يا سيد الكائنات .. وتصوير مشهد المعالي التي ساومت خطابها .. لأن التصوير يهون عليه أن يلتقط بالأشكال والإعراض .. في حين يدق عليه أن يتقصى ما خلف الإعراض من معان .. وألوان .. ومحمد بن عبد الله (ص) عصي على الحرف بتصويره .. بقدر ما هو عصي عليه بمعانيه .. فهو لم يأت دنياه بمثل ما يأتيها الناس .. زرافات ووحدانا .. يأتي الناس دنياهم يقضون فيها لبانات العيش .. ثم أنهم بحكم المقدر .. يرتحلون .. لا تغمرهم بعد آجالهم إلا موجة النسيان .. أما نبي ألرحمه المصطفى (ص) فقد أتى دنياه وكأنه اتى بها .. ولما أتت عليه .. اتى دنياه ليقتلع حصون الجهل والاميه والخرافة .. برمتها .. إذ تتعاصف لياليها على عقل الإنسان .. وهكذا ونحن في ذكرى مولدك الزاهر .. نقول انه من باب الفضاضة أن نربط عبقريتك سيدي بخيوط الأحداث التي بعثرتها حولك ظروف كئيبة .. كما تبعثر الريح في الجو بعض الغيوم التي لا يمكنها بحال من الأحوال أن تطفيء شمس الالق الإلهي .. الذي اشرف على شواطئ مجرتنا ألفلكيه .. حيث جمعت مجد العلى .. وشوط الفخار .. وسمو ألمكانه .. مكانةٌ سبقت أبراج السموات ومسارات الارضين .. ميلادك يا رسول الله (ص) .. مجد .. علا نجوم السماء .. وساد آفاق الفضائل .. وكنانة العلياء .. ومجامع البلغاء .. وأنت دنيا من المثل الجليلة التقت أطرافها حلقاً من حولك محدقة بك .. وضمامة الخلق العظيم تعبق طيباً مع طلاقة الوجه .. وبشاشة الثغر .. وقلب يفيض من الحنان عواطفاً ترقرقت من مناهلها .. وتواضع من خشية ربك العلي القدير .. حتى تكاد تصعق من تضرعك لخالقك العظيم .. وها أنذا اليوم سيدي يا رسول الله .. ونفسي كالأفق الرحيب وأنت شفق يشع ويشرق في صفحاتها .. وقلبي مرآة .. وأنت صورة وروضة غناء معشوشبه .. وجدول زاه على شطآنه .. طغت خواطره زورقاً يشق دروب الأمل .. طوفي أيتها الكلمات على دنيا الخلود .. وسامري روحاً تقمصت الفضيلة .. والنهى .. والتقى .. ألقداسه .. والوفاء .. رفرفي أيتها الحروف .. كما ترفرف عواطف يراعي .. على ظلال ذكرى الميلاد الانور .. في رياض الآمال ومواطن الرجاء .. ردد أيها القلم مع مدادك الوجل .. ترانيم المفاخر .. ومآثر المكارم .. في ساحات المحامد .. والعلا .. متسلقاً على الأسوار .. لتسطر بين حناياي اظلعاً تحيط قلبي الذي يخفق طربا .. جذلاً بميلاد سيد المرسلين .. فعذراً يا رسول الله .. يا سلطان البيان .. فهذا من بعض وفائي ..

 

الدكتور

يوسف السعيدي

 

الجمال في الإختلاف؟!!

كنت في (وارسو) برفقة مرشدة سياحية، وقد إفتتحت مشوارها معي بالقول معتذرة: "أن واجهات عماراتنا إشتراكية وهي ليست جميلة ومتنوعة كما في برلين التي كنتَ فيها"!!

لم أستوعب قولها، فالبنايات شامخة باهية متراصفة تنبعث منها الحياة، وينطلق منها الرجاء والإصرار والتحدي والثقة بمستقبل أرقى.

قلت: وما العيب في واجهاتها؟!

قالت: أنها ذات لون واحد أو ألوان قليلة، وكما تشاهد يطغى عليها اللون الرمادي والحليبي.

قلت: لكنها عمارات مأهولة ومعاصرة ومتكاملة!

قالت: لكن واجهاتها ليست ذات مسحة فنية وعمرانية أخاذة!!

إحترت فيما أرى، وأنا أقارن أحوال مجتمعاتنا العربية، ومجمعات العشوائيات في أغنى دولنا

لكنها أضافت: نحن نعمل على تجميل واجهاتها وإضفاء لمسات عمرانية فنية عليها، لجعلها تختلف جماليا عن بعضها البعض!

 

أشارت محدثتي إلى فكرة الجمال بمفرداتها العملية، فالموجودات لكي تكون جميلة عليها أن تعبّر عن مناهج الإختلاف في سلوكها ومظاهرها، أشكالا ومحتوى، فالعمارات المتشابهة رغم كفاءتها لا تشيع الجمال في نفوس الناظرين إليها، وعليها أن تختلف لكي تشارك في رسم لوحة الجمال العمرانية.

وفي عالمنا نعيش وهمَ التشابه ونسعى للتحرر من الإختلاف، ظنا منا بأنه القوة والقدرة على الحياة الأفضل، وفي هذا إنحراف فكري وإدراكي مروّع سيؤدي إلى الضياع والخسران الأكيد.

فالإختلاف نعمة وبركة، والتشابه نقمة وإنحسار!!

فالمُتشابهات في عرف القوانين الكونية كافة تمتلك طاقات تنافرية عالية، والمختلِفات تتجاذب لولادة الجديد، فتفاعل الذكر مع الذكر لا ينجب، وكذلك الأنثى مع الأنثى من كافة الموجودات الحية.

ومن المعروف أن التفاعلات القائمة في وجودنا المطلق، أساسها التلاحم ما بين الشحنات السالبة والموجبة، فكل موجود بنيته الأساسية تنطلق من هذا التواشج الإختلافي الخلاق.

والذين يسعون إلى مزاوجة المتنافرات سيبوؤن بخسران عظيم.

فهل سندرك قيمة الإختلاف، وثروته المعرفية والحضارية والإبداعية لكي نكون، وهل سنستثمر في ما عندنا من عناصره لصناعة الزمن الأصيل؟!!

 

د-صادق السامرائي

بين إرث الماضي ورائحة المستقبل تنبت الحياة

akeel alabodالوطن ليس مساحة من مساحات الجغرافية والتاريخ، بل هو مقولة حية يجسدها أولئك الذين لم تساومهم صفقات الخنوع ومؤتمرات الجبابرة .

قبل ان اودع العام (2014) أتوقف قليلا ربما لأستقريء تلك الخطوط التي تجمع مكونات هذا الارث الذي عهدته متناسلا بطريقة التنافر والتجاذب مذ ودعت العراق عام 1994، أوربما قبل عقود لم اشهدها من السنين، ولكن هي محطة من المحطات تبقى؛ تلك التي تركت عند ضفافها جميع ما بحوزتي من التفاصيل، حتى ذلك الدفتر الصغير من الذكريات والذي ينتمي معي الى دموع مقولة تعد من اسمى المقولات في قواميس السياسات لو لم يتم قمعها واستهدافها وتفرقتها هذه الأيام عند نقطة ما من نقاط ذلك التقاطع، لتضاف الى مدياتها خطوط هذا العالم الذي ما زال ينتصف عند خط الاستواء بطريقة التوحش.

هنا كونها ارتبطت مع محورين من محاور الحياة اصبح للحرية طقوسا وشعارات، تتفق جميعها على تحرير رقاب المستضعفين من سيوف الطواغيت وحرابهم وبنادقهم ومعتقلاتهم، لعله ينجو هذا الكائن الذي يجمع بين طيات انفاسه روعة الخلود ويحمل في ثنايا عقله لغة الإبداع وروعة التحدي .

 

لذلك تراها مقولة الحرية تأبى ان تتراجع عن حقيقة سموها الأبدي، كما مقولة الخلود تلك التي علمنا إياها جلجامش في مخطوطة ارثه عن مقولة الوفاء .

العراق انذاك صفحات تتحدث عن تاريخ الشهداء والعلماء والمبدعين، اولئك الذين أبوا ان تساق مقولة الحقيقة الى مقصلة الجلاد، لتبقى شامخة تنبض بالاباء وتفيض بالكبرياء آثارهم .

لقد حمل الحب بقايا عشتار لينبت معها في بقعة اخرى من الارض تنبض بالعفة والنقاء، فالوجوه التي كنا نحلم ان نراها، رأيناها فكانت سوريا الملتقى والدموع والخصب، كما آلهة نعيش في ظلها ونتحدث عن أوجاع غربتنا على على غرار دموعها، لم تكن (داعش) بعد تأتي لتلوث البقاع التي نبتت على محبتها ذات يوم قصائد الشعراء ونمت مع عطور زعفرانها لغة السنابل حتى طاب للعصافير ان تتغنى برحيق اقحوانها.

لذلك يوم ودعتها مع الألفين بقيت أرواحهم اولئك الطيبين محمولة فوق أوجاع أكتافي التي أستأنفت مسيرة رحلتها المكابدة، لعلها ترد لذلك العطاء جزءا من كبرياء استحقاقه الأشم .

لقد ودعت الجواهري كما ودعت سيد مصطفى جمال الدين وهادي العلوي، فكانت مقبرة الغرباء كما مقهى الهافانا تحتفي وإياي بصحبة الطيبين ذلك يوم التقيت مع فنجان قهوة استضافني صدفة بصحبة قامة من قامات الشعر، فكان النواب حاضرا كما دمشق، بينما منتدى الأربعاء يشدني لأفتخر بصحبة شاعر المهجر مصطفى المهاجر، هذا الذي بقي في سجلات الناصعين كما قصائده على شاكلة أرث تذوب مع عطر روعتها رائحة المحبين.

هنا ونحن نودع تلك السنين يودعنا أقوام ونستقبل اقواما، بينما محطات الخالدين تنأى بعيدا، لم تستفزها ظاهرة السلطة وعروش السلاطين.

 

متخصص في صناعة "البشت"!

mohamad aldamiلا يملك المرء إلا أن يشعر بثقل “الفجوة الحضارية” التي تفصلنا عن العالم المتقدم، الذي قطع شوطاً طويلاً في حقول العلوم الرقمية والتقنية، وهو يشاهد رجلاً، لا يخلو من الوسامة، بوصفه من المتخصصين في صناعة “البشت” على إحدى الفضائيات العربية قبل بضعة ايام. لست أخفيكم بأني لا أعرف معنى الـ”بشت” بدقة، إلا أني إفترضت بانه رداء للرجال يستعمل ملبساً شعبياً في بعض صحارينا وسواحلها، برغم أن المصادر تشير إلى أن العرب قد أخذوه من الفرس.

على كل حال، ومع احترام المرء للباس التقليدي وللصناعات اليدوية لكل مجتمع، فإن عليه، كاتباً ومشكلاً للرأي العام، أن يلاحظ بأن هذا النوع من التفاخر بصناعة الـ”بشت” أو التخصص بحياكة الكوفية أو العباءة او بصناعة الآنية المنزلية التي تعيد الإنسان العربي “الحالم” إلى قفار الصحارى، أقول بأنه لم يعد مقبولاً في عصر تعرض به الفضائيات متخصصين بصناعة المكائن الثقيلة وبتطوير البرامجيات الإلكترونية ومتخصصين بعوالم أعماق البحار ومديات الفضاء. لا يدري المرء كيف يمكن لمن يرنو إلى مواكبة العصر أن يفتخر بصناعة البشت الذي يمكن أن تنتجه المصانع الصينية بكميات هائلة، تكفي رجالنا لعقود، مقابل حفنة من “الدنانير”.

ولكن على الرغم من تمتع المرء بالموروث والفولكلور، عليه أن يرتجع الى النظرية التي روج لها بعض كتاب ومفكري العالم الثالث، ومفادها أن الغرب هو المسؤول عن ابتكار “نظرية الفلولكلور” وعن تسويغها وتسويقها لعالمنا القابع خلف الفجوة الحضارية على سبيل “كبسه” هناك، بعيداً عن التشبث بالعلم والصناعة على طريق إبقاء عالمنا المسكين مجرد “مستورداً” سلبي، يستهلك ثرواته الطبيعية باستيراد كل شيء، خاصة بعد أن قفزت دول مثل الصين والهند، من بين سواهما، إلى خانة التنافس العلمي والرقمي مع أميركا واوربا، ثم بزتهما.

هل صحيح أن ادفاعنا المتعامي للفولكلور ولمراكز الصناعات التراثية ولمحاكاة أجدادنا بدلاً عن بزهم والتفوق عليهم هو مؤامرة بالغة النجاح، عنوانها “نظرية الفولكلور”؟ بل إن الأكثر مدعاة للملاحظة وللتندر، أحياناً، هو توجيه أموالنا للإنفاق على هذا النوع من المشاريع، مشاريع الحنين النزق واللامجدي إلى الماضي، درجة إحالة الفولكلور إلى زنزانة بلا نافذة تطل على المدى!

إن المعضلة الفكرية أو الجدلية هنا تتلخص في أنك لو قلت ما قلته أنا في أعلاه لكنت قد حذفت من قائمة “الأصالة” و”الوطنية”، بل وحتى من قائمة “المخلصين” عامة. وهذا مأزق فكري يعاني منه أفضل النقاد العرب للثقافة العربية الإسلامية، لكون الرأي العام غالباً ما ينحو منحى تجريمياً وتشكيكياً وتخوينياً حيال كل من يقترح استبدال “تنور” شيّ الخبز الطيني القديم بالأفران الإلكترونية الحديثة وإحلال الماكنة والكومبيوتر محل الصناعات اليدوية التي لاذ بها الإنسان عندما كان كائناً بدائياً لا يملك أن يتجاوز جوعه اليومي وحاجاته الغرائزية نحو أجواء العلم والمعرفة الواسعة.

ما رأيك، عزيزي القارئ، أن نراجع بعض أخطاء إعلامنا الشائعة ونحن ندق أبواب عام 2015، لتحقيق مبادرة شجاعة للانتفاض على جميع عوامل التردي والنكوص، التراجع والرجوعية.

سنكون ونكون!!!

اليُسر ينتصر على العسر، والنور على الظلام، والخير على الشر، والفضيلة على الرذيلة، والمحبة على الكراهية، والألفة على الشقاق والتناحر، واللون الأخضر على الأسود، وتنقشع الغيوم وتتضاحك السماء، لتمنحنا البهجة والطمئنينة والشعور بالأمان.

والدنيا تتمسك بثوابتها البقائية المتوّجة بأعمال الرحمة والتكافل والتفاعل الإنساني السامي المبين.

وتمر في نهر الوجود البشري أمواج وأعاصير وزوابع، وتحصل فيضانات، وكل يمضي إلى مداه الأليم، لكنه ينكمش وينتهي، ويجري نهر الحياة بإنسيابية الأمواج المتهادية المنسجمة الإيقاع.

فلن يدوم ويتواصل إلا ما ينفع الناس، ولن يحيد عن هذا القانون أي عصر من العصور.

فالدنيا تمضي في رحلتها الدورانية، وفي كل يوم هناك جديد، وصيرورة ذات ولادة واعدة مؤسِّسة لمتوالية إنطلاقية ذات طاقات لا محدودة.

وما يئِست البشرية ولا أذعنت لجحيم الويلات وسعير التداعيات، وإنما إنتفضت في جميع الملمات ونهضت أقوى وأحكم وأعظم إصرارا على أن تكون.

وتجاربها القريبة تعضّد ذلك وتسانده، فعندما تتجول في طوكيو اليابانية وتتخيل محقها في الحرب العالمية الثانية، وتتأمل صورتها اليوم تجد أنها إنبثقت من تحت الركام، وكذلك برلين الألمانية، ووارسو البولونية، ومدينة براغ، وغيرها من مدن الأرض التي أزيلت عن بكرة أبيها في الحروب البشعة في نهاية النصف الأول من القرن العشرين.

هذه الدول والمدن والشعوب، لم تيأس أو تذعن أو تستكين، وإنما تلاحمت إراداتها وأفكارها، وتوحّدت كلمتها في طريق النهوض والتقدم والبناء، فكانت معبّرةّ أصدق تعبير عن مجدها الإنساني الوطني الحضاري.

ونحن اليوم يمكننا أن نكون أحسن وأقوى، ونوفر للأجيال الأسس الصحيحة لإنطلاقات حضارية معاصرة تليق بثرائنا المعرفي والحضاري، الذي علينا أن نترجمه إلى شواهد مادية وأخلاقية وسلوكية، مدونة بدستور جامع مانع يحرس مسيرة التفاعل المتطلع إلى الأفضل الصالح الدائم السليم.

نعم سنكون، وتلك إرادة الأرض والسماء، وديدن الأكوان، وإصرار الزمان، وعزيمة الإنسان، الذي يأبى الذل وما يوما إستكان.

نعم سنكون، فقد بلغ السيل الزبى، وإندحرت العواصف في ذراها، وما عاد في الوجود متسع للخراب والدمار والخسران، ونداء سنكون يحاول التحرر من سينه والتحول إلى "نكون"!!

فهيا بنا جميعا لتحقيق إرادة "نكون"، لأننا إمتلكنا الأهلية النفسية والفكرية والعملية، لقيادة دفة سفينة مصيرنا المبحرة في غاب الوجود الأرضي، الذي يستنفر فينا طاقات "نكون"!!

وليكن عامنا الجديد عامَ "نكون"!!

ولكم أطيب الأماني والأمان والسلام من قلب "نكون" الواعد بالخير واالمحبة والوداد الوطني السعيد!!

 

د-صادق السامرائي

ساره وعدنان النجم واحلام عبوسي

radi mutrafiاذا كانت في الماضي تفتخر امارة موناكو بشاطيء سياحي ونادي قمار وحسناوات وقصر للامير رينيه فلا فخر لها بعد اليوم عندما امتد شاطيء الفيسبوك من ذيل العجل مرورا بمحيرجه وصولا الى صحراء نيفادا وتعرت على ضفافه الكرعه وام الشعر دون حساب لعمر اومال اوسلطه وتبادل العشاق الفيسبوكيين كلمات غزل لم تقال على شاطيء اخر . ومن ميزات هذا الشاطيء الجميل المريح ان العري على ضفافه فيه نعمه وستر اذا لايراك الا من تعريت له وليذهب المبصبصون الى الجحيم كما لاتبور بضاعة مهما مر عليها من زمن على ضفافه (طبعا لان السوك حامي على طول) والك ياطويل الـ... لكن عندما يحصل الاختلاف تظهر النوايا السيئة كما يسميها السياسيون وتظهر قبلها (قلاقيل) الاستاذ الستيني الذي تعرت له صبية من اشقائنا في المغرب العربي فبادلها العري بمثلها او باحسن منها وعاد وراها ما تتصلح الامور لو يجمع كل الاجاويد وماترهم والمغربية ما ترضى اتطيح تحت الفراش لكن تتساهل وتفضها بشي بسيط ورمزي مو هواي (الفين دولار) وتسلمه التسجيل مال ليلة (التعري) ووراها يلف (جوالاته) ويغلق الصفحة القديمة ويبدل اسمه وصورته ويجوز يخليها بلحيه وسبحه وينشر احاديث وادعية ويوعظ ولا عبالك ذاك النزع جلده على بعد الاف الاميال واظن وليس كل الظن اثم ان الاستاذ شينوار يحتفظ بعدة قصص لاساتذة ستينيون تورطوا ونزعوا سروايلهم من الحر يوم كان على الطرف الاخر لحم بض وكادت هذه الامور تصبح قديمة وينسونها ملوك العري لو ما يطلع الهم الاستاذ عدنان النجم بسالفه صفح لا على البال ولا على الخاطر .. عدنان الملتهي بظيم الوكت ولا كذله ولا شعر سرح على غفله وتدك باب بيته الفيسبوكي صبيه حلوه وناعمه ودلوعه ومايعه واسمه ساره وصورتها تكوم المكسور لا وفوكاها كتلونيه يابويه عدنان كال هاي اذا مو صاحبة ميسي صاحبة بويول وقرر ما يضيع الفرصة لكن من ظيمه قرر يعصر الفرصة عصر راح بليلة ظلمه اشترى شكو سيديات للعبات برشلونه مع الريال حتى بلكي يشوفها بالملعب تشجع النادي الكتلوني وافتر على اهل الخبرة والهكرات ورجع متحزم ليش يتكاتب ويا الصبيه كتابه خل يسمع صوتها الموسيقي والجماعة علموه اشلون يطلع الرقم واشتغلها ابو صلعة بطريقة حريف وصاح بصوت اعلى من صوت نيوتن من لكا الرقم وامتشق موبايله الطابوكه وهو فرحان اوي ولما كمل كتابة الرقم اخبره الموبايل وكاله (صديقي هذا الموبايل مسجل باسم عبوسي او الستوته) وعبوسي معميل لعدنان حافظ رقمه لان كل شغلاته يخابره وينقلهن بالستوته المسكين مثل ما يكولون المثقفين (احبط) واسقط في يده لكنه لم يشتم عبوسي ولم يذكره بسوء وانما وجد له محملا حمله عليه وذبها بركبة الحظ وقال (اعتقد هي صدك ساره وصدك كتلونيه بس حظي التعس كلبها عبوسي)

 

 

القلم رسالة نبيلة بعيدة عن تعظيم الشُخوص

sadiq alasadiقال الرسول محمد: (اعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) .. هكذا علمنا رسولنا الكريم بان كلمة الحق هي عنوان الشجاعة وحقيقة الايمان وقنطرة يعبر منها المسلم الى الجنة، حينما تمتلىء العقول بخواطر وأفكار من صميم الحياة المتلونة بمختلف واشكال الاحداث والمفاجآت لفترة ليس بالقصيرة تتجلى من الذاكرة كلمات طيبة وجمل خالدة واسطر عامرة بالشوق والحنين فيضطر القلم ان يترجمها لواقعها الحي لتستقر على شكل مواضيع تتدفق الى المتعطشين والمحبين دائما من بعض القراء الذين يجدون انفسهم ان غذائهم الروحي هو ان يتفاعلوا مع المعاني السامية للاقلام الحرة والنبيلة، أن القلم والافكار كلهما يصنع الكتابة على يد كاتب لايقاس ضخامة انجازه بما يحمله من شهادات او تفوق دراسي، فالكتابة عند الاقلام الشريفةهي موهبة وعشق ملتصقة بأفئدتهم وتولج الى خلجات ارواحهم دون استأذان، وما يهمني في الامر مع شديد الأسف ان بعضا من كتابنا وهم يوصفون بانهم صحفيين او اعلاميين لايعطون لهذه الصفة القيمة حجمها وبعدها الحقيقي وتأثير فاعليتها في اوساط المجتمع وتحملهم مسؤولية شرعية وتاريخية، فهي رسالة الابداع النبيلة التي يتم فيها نقل المعلومة والادلاء بالرأي الصريح والشجاع، ومن خلال كتابتهم تجد ان وصفهم لبعض الشخصيات بالتمجيد والتملق واطلاق عبارات تعظم فيها اسمائهم فيرفعونه بالوصف والتهليل الى السماء متغافلين تاثير اعمالهم وما تركوه من اثر سلبي يكون شاهد عليهم، ولايختلف الامر ان بعضا من هولاء المحسوبين على الاقلام الحرة اشاد بمدير اعلام سابق وهو بعيد عن النزاهة ولايستحق كل ما جاء بكتابة ذاك الصحفي لما عرف عنه بالمفسد والسارق للحق العام حسب معطيات الواقع الاجتماعي وعدم رضا اكثر الناس عليه واخر وصفَ الوزير السابق بانه شمس بازغه على العراقيين ولولاه لما وهجت الضياء ليستدل بها الناس، وقال احدهم في كتاباته ينتهي الفن ويقف الفنانون اكبارا واجلالا ويخشى من الموت ان يسرق كل جميل بعده وتتوقف انشودة العذب والحديث يطول بهذا الخصوص وقد اكتفينا بذلك للتذكير ، مثل تلك الجمل التي يسطرها هولاء الكتاب لاتخدم القلم النزيه المثالي وهي بعيدة كل البعد عن مفهوم التعبير الصادق والقلم الحر الذي يخرج الخبء كما يعتبره اكثر الشرفاء بانه حلقة الوصل بين الانسان المظلوم الذي لايجد اذانا صاغيه وبين المسؤول صاحب القرار ليتم بذلك رفع الغبن عن المجتمع او ايصال رسالة الانذار للرأي العام، ولايخلو شرف مهنة الكتابة على ان الكاتب هو بمثابة القاضي الذي يصدر الحكم الصريح من قلمه دون مجاملة ليبين للمجتمع رأيا حازما لاخوفا في اي موضوع ير فيه منفعه واحقاق الحق بايصال كتاباته، وكم كلمة كانت لها وقعة في نفوس الناس وحفرت في قلوبهم اثرا وغيرت مجرى الاحداث، سأل الامام الصادق عليه السلام اصحابه ما حقيقة الايمان قالوا الصلاة ثم قالوا الصوم قال الامام لا.. حقيقة الايمان هو ان تجهر بالحق وان ضرك على حساب الباطل وان نفعك، انا لا اريد ان اقيد الكاتب وقلمه حينما يظهر حالة الابتكار والابداع ويسلط الضوء على منجز وابداء مساعدة المتضررين ويثمن المواقف الطيبة والشجاعة ونحن احوج اليوم ان ننمي مثل تلك المواقف من اجل اعلانها والاشادة بها لتكون مأثرة يتسابق الاخرون لها وليعم الخير بدلا من التركيز على النشر والترويج فقط لحالة اليأس والضعف والفساد وقتل روح الأمل في نفوس ابناء الشعب، كما تظهره قناة البغدادية وبوقها المسموم انور الحمداني كل يوم في الساعة التاسعة ومنذ اكثر من عام لم اسمع وار الا النقد الجارح والفساد المستشري وحالة التجاوزات والتشهير والتسقيط في جميع مفاصل الحكومة، والمشكلة انه يستضيف مسؤولون في الدولة وكل واحد يرمي التهم على الاخر ويبدأ باستعراض الفساد والتسقيط وفي يديه حزمة من ملفات تتعلق بامور عمله ولم يجد لها علاجا او حلول ناجحة وهو اقرب الى سلطة القرار والمسؤول الاول وباستطاعته ان يحسم تلك الامور قبل الذهاب لقناة التشهير وعرضها على الاعلام، ولا اتصور ان تلك القناة تحب العراقيين وتطمح من خلال برامجها على ايجاد طرق حضارية تهدف الى معالجة الاخطاء وانقاذ الشعب من السرقة والفساد، كما لم تظهر تلك القناة اي بادرة وحسن نية ان هنالك اشارات مضيئة او اعمال حسنة ولو لمرة واحدة على الاقل، انا لااقول اننا نعيش في اوج حالة الاطمئنان اونعيش اليأس المفرط بالتاكيد هنالك خير وشر كما هي الحياة وسيبقى الصراع الى يوم التلاقي هكذا ، الكلمة الصادقة زلزال في وجه الظلمة وصاروخ موجه الى صدور الطواغيت في كل عصر ودهر،

 

هل يمكن مواجهة داعش ثقافيا ً؟

forate asbarيشهد الواقع العربي والأسلامي اليوم صراعا ًعنيفاً على المستوى الديني والثقافي والسياسي في مواجهة داعش، هذه الظاهرة التي شكلت نفسها ضمن مفهوم العنف والقوة وسحق الآخر .

بالرغم من كل المواجهات التي يواجهها العالم اليوم في محاربة داعش وكل التحديات سواء على الصعيد العربي والمحلي والصعيد الدولي، الجميع يعترف بأن مقاومة داعش ستستمر لسنوات طويلة .

داعش باتت مشكلة عضال بالنسبة للأسلام وللمرأة المسلمة وباقي النساء من غير المسلمات اللواتي يجبّرن على اعتناق الاسلام أو بيعهّن كجوار ٍ

أمام هذا الواقع المخيف الذي تمثله داعش على جميع الأصعدة سواء ثقافيا أو أخلاقيا، بات علينا أن نطرح الكثير من الأسئلة التي لا بد من طرحها في هذا الواقع المخيف.

الحرب لم تؤثر على داعش رغم هذه السنوات، فهل تؤثر عليها الثقافة؟

ما هو هو دور الثقافة في مواجهة الوحش الداعشي؟

بلا شك أن الثقافة هي عدو داعش، ولكن كيف لها استقطاب هذا العدد الهائل من البشر من جميع أنحاء العالم؟

داعش في رسالتها الدموية تناقض كل فكر وكل ثقافة بكونها تلغي الأخر تماما .

وسنبقى في الأمل بأن هنا ك أبراجاً ضوئية تنيٌر هذا العالم الأسود ولا بد أن يبقى هناك من يحارب داعش بالفكر والرؤية والقلم. وتأتي مجلة ذوات في وقت نحن فيه بأشد الحاجة إلى فضح وكشف المستور عن هذه الظاهرة التي تثير قلق العالم وتشوه صورة الاسلام .

في مجلة "ذوات" المجلة المغربية الفكرية التنويرية التي تصدر بعددها الأول عن "مؤسسة مؤمنون بلا حدود" تؤكد رئيسة التحرير سعيدة شريف: إلى أن المجلة تسعى بفكرها التنويري إلى فتح المجال امام التساؤلات الثقافية والفكرية والنقدية وكل ما يؤرق الانسان في هذا العالم .! وتجعله أمام تحديات وتحولات عصيبة.!

وتؤكد رئيسة التحرير سعيدة شريف في افتتاحية العدد : بأن ما تثيره داعش من اسئلة مؤرقة حول حقيقة هذا التنظيم وحول تحوله في وقت قصير إلى ظاهر كونية اصبحت تتداول بشكل خطير باعتباره ضلع الحدث الديني والامني والسياسي لذلك أرتات ذوات أن تقدم عددها الاول بملف عن الظاهرة الداعشية " شارك فيه كبار الكتاب .

تؤكد المجلة في عددها الأول، "أن استكمال المؤسسة لسنتها الثانية، في العمل البحثي، مع بداية العام الجديد، يأتي ليكون موعداً خاصاً، تكون به "قد وضعت بعضاً من الأسس الحقيقية للفكر التنويري، من موضوع الجماعات المتشددة بعنوان "الظاهرة الداعشية: الأسباب والمخارج"، من إعداد الباحث المغربي منتصر حمادة، عدة مقاربات تتوزع على محاور المجلة التي تتكون من، "ملف العدد" الرئيس الذي يضم بدوره أربعة مقالات بحثية لباحثين من العالم العربي، وهي: "المخارج النظرية والعملية الكفيلة بالتصدي للظاهرة الداعشية" للباحث عبد اللطيف الحناشي، و""داعش". قُلْ هُوَ مِنْ عنِد أَنْفُسِكم" للباحث عادل الطاهري، و"في السياق السياسي لظهور الظاهرة الداعشية" للباحث ياسر أوروين، و"دولة الكفر أم دولة الإسلام؟" للباحث محمد الدويك، بالإضافة إلى حوار الملف مع الباحث المغربي سمير الحمادي، وبيبليوغرافيا ودراسات حول الملف.

أما باقي مواد المجلة، فتتوزع على كل من "رأي ذوات" الذي يضم ثلاث وجهات نظر، من بينها مقال "التدين والتمدين"، للدكتور محمد برهومة، و"إغواء الكتابة" للباحث عصام القيسي، وفي ركن "ثقافة وفنون" نقرأ مقال "الحداثة وما بعد الحداثة؛ مقاربات فلسفية" للباحث إحسان الشيخ التميمي، و "من الذاكرة إلى التاريخ" للناقد الفني والجمالي فريد الزاهي. ثم "حوار العدد" مع الناقد والمترجم المغربي شكير نصر الدين من إنجاز الكاتب صدوق نورالدين. وفي ركن "تربية وتعليم"، سيجد القارئ مقالا للباحث مصدق الجليدي بعنوان "ماذا يعني أن أكون مربياً اليوم؟"، فيما يختتم العدد بركن خاص بإصدارات الكتب الذي يسلط الضوء على أهم الإصدارات العربية الحديثة لدور النشر العربية، وكذا الإصدارات الخاصة بمؤسسة مؤمنون بلا حدود .

ذوات مجلة ثقافية فكرية .

رئيسة التحرير سعيدة شريف

والمشرف العام على المجلة :

الدكتور أحمد فايز، المدير التنفيدي لمؤسسة مؤمنون بلا حدود .

 

حديث الخريف في نزهة الربيع

zayd alheliمنتصف هذا الاسبوع، تنقضي سنة، ونهيئ انفسنا لاستقبال اخرى، ولا نعرف هل تسعفنا الايام القليلة القادمة، ان ندرك لحظات السنة الجديدة ام ان القدر يكون لنا بالمرصاد، فلا نشهد ذلك؟ ... فاذا كنا سنموت في نهاية المطاف: لماذا هذا السعي المحموم وراء الحقد والنميمة، والشهرة والثروة ؟ وأهم من ذلك كله: لماذا ارتكاب الشرور، بحق من فرش دربنا بالورود والحب، ونسعى لفرش دربه بالشوك واللامبالاة ..؟

في حسابات الايام، اشعر ان سنة 2014 اعادت لي في بعض لحظاتها ألقا كان مفقودا لعقد من السنين او اكثر، ثم ما لبث هذا الألق ان ضاع او كاد، في لجة الشكوك والريبة غير المبررة، وقد صدق عمنا "برناردشو" الذي قال يوما حين خفق قلبه المتعب لحب باغته: الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها، وأما الرجل فإنه يقتحم قلبه دون استئذان، وهذه هي مصيبتنا .!

وايضا، فتحت السنة التي اودعها، شباكاً من آمل شخصي، في اصدار مطبوعة هيأت لها كل مستلزماتها، ودفعنا موادها الصحفية الى المطبعة، لكن احداث الموصل، اوقف ذلك الامل ودمره، حيث كنا اعددنا ملفاً مستفيضاً، متكاملاً عن تلك المحافظة قبل ان تضيعها السياسة، فبات اصدارها، مثل اضحوكة مرة !! وامرنا المطبعة بإتلاف العدد الوليد، وربما ترى مجلتنا (دنيا) النور في العام الجديد .. ربما .

وفي سنة 2014 ادركت ان الحياة تمنحنا سرها متأخراً، حين لا نكون قادرين على العودة للخلف ومسح كل الاخطاء التي اقترفناها، وحين نرغب في تمرير سرها لمن يصغرنا سناً لا يستجيب لنا، كونه لايزال غرّاً بما تمنحه الحياة ..!

والادراك المتأخر أشبه ببركان خامد، نستوطن قمته وسفوحه بيقين جازم، من تكلس حممه، وقبل أن نطمئن في جلوسنا، يثور فجأة، فيغرقنا او يحرقنا كما فعل في ثورته الأولى، فهو مثل الحب في خريف العمر، نراه ورداً بلا أشواك .. في حين ان الحب جحيم يُطاق . . والحياة بدونه نعيم لا يطُاق !

ان التجربة الانسانية تجربة طويلة، متنوعة الالوان ومن العسير على اي انسان ان يبلغ حقيقتها او شطراً منها، او يبلغ جمالها او شطرا منه، عن طريق سعيه الوحيد، ولابد ان تصالب الجهود، وتتآزر الهمم في سبيل الكشف شيئاً بعد شيء، وبحركة متطورة متقدمة دوماً عن المعاني الثانوية في الكون والاشياء ..

الى جميع من اعرفه ومن يعرفني، اعترف بصدق وحرقة ان الليل دائما ما يطول بي وانا استذكر كل سني حياتي وما مر بي، بانتظار الشفق المأمول .. لكنه لم يأت، وهذا ما يؤلمني !!

عامكم ود وزهرة حب .

حضارة سامراء!!

تعودنا أن نقرأ في كتب التأريخ عن حضارات وادي الرافدين، التي تبدأ بالسومريين وتنتهي بالآشوريين، وعندما نتساءل عن أصل تلك الحضارات لا يكون الجواب واضحا أو وافيا.

ذلك أن معظم المؤرخين والعراقيين خصوصا قد أغفلوا حضارة سامراء، التي هي أصل إنطلاق تلك الحضارات، فهي الحضارة الإنسانية الأولى التي يمكن إطلاق وصف حضارة عليها.

فقد سبقتها بعض البدايات الحضارية في شمال شرق كركوك (جيرمو)، لكنها كانت مجموعة بشرية صغيرة محدودة العدد.

بينما حضارة سامراء إنطلقت بقدرات متقدمة وذات آليات تنظيمية، على المستوى الإجتماعي والزراعي والإروائي والصناعي والعمراني.

وقد كشف عن ذلك عالم الآثار إرنست هيرزفيلد، وأشار لمقابر حضارات عريقة وساحقة في القدم.

كما أن تل الصوان، يعد متحفا حضاريا متكاملا فيه شواهد دامغة على أن حضارة سامراء هي أم الحضارات، ولهذا أتخذ هذا العنوان للإحتفال بحضارة سامراء في متحف برلين قبل عامين.

فلم تكن التسمية إعتباطية، ولكنها أصيلة وتعني ما ذهبت إليه، فحضارة سامراء كانت متزامنة ومتفاعلة مع حضارة (عبيد) التي سبقت السومريين، فحضارة وادي الرافدين بدأت شمالا وإنحدرت جنوبا.

ولا تزال المدينة لم تخضع لتنقيبات كافية وبحوث واعية للكشف عن مزاياها الحضارية المتميزة.

وأغفل الآثاريون جميعا (كهف القاطول) الذي تم ردمه وإزالة الكثير من معالمه، فيما هو على ما يبدو كان موطنا للإنسان القديم، لما يتوفر فيه من أسباب الأمان ووفرة الصيد، وهذا الكهف لم تجري فيه أية تنقيبات، وطمرته المدينة بالنفايات، وخربت جماليته السدة الترابية التي حولت ماءه إلى مستنقع فاندرس وصار ترابا أجردا.

وتستدعي المسؤولية التأريخية من المعنيين وخصوصا كلية آثار سامراء أن تعيد آليات التفكير التأريخي بخصوص المدينة، التي وُجدَت فيها الحضارة قبل ان يختارها المعتصم عاصمة لدولة بني العباس بعدة آلاف من السنين.

فمن الواجب والأمانة التأريخية، أن نكشف عن معالم حضارة سامراء، ونرفد الدنيا بما أنجزته المدينة في مسيرتها الإنسانية الإبداعية الطويلة، وهي التي لعبت دورا مهما ومؤثرا في الصراعات التي كانت قائمة ما بين القوى المتنافسة على الهيمنة والإمتلاك.

ولقيمتها المتكاملة المتعاظمة، غدت أكبر مدينة أثرية في الدنيا، وأغنى بقعة أرضية بالمعلومات والمعارف الواضحة عن الأزمان السابقة.

فهل سيتمكن أبناء سامراء من مواصلة كشف كنوز مدينتهم الحضارية؟!!

 

د-صادق السامرائي

الفلسفة والشعر والعبقرية .. شذرات لوغولوجية لـ"نوفاليس"

hamoda ismaeli(1): في المعنى الواضح، التفلسف هو فعل مداعبة، شهادة على الحب الأكثر حيميمية للفكر، للرغبة المطلقة والحكمة.

 

(2): قصيدة المنطق تسمى فسلفة ـ إنه الزخم الأكثر علواً الذي يتخذه المنطق لكي يتجاوز ذاته ـ وِحدة الفهم والخيال. من دون فلسفة يظل الإنسان مشتّتاً بين قواه الأكثر جوهرية ـ هناك إنسانان ـ إنسان المنطق، والشاعر.

من دون فلسفة الشاعر ناقص ـ من دون فلسفة المفكر ناقص ـ القاسم الأصلي.

 

(3): الشاعر يختم مساره كما بدأه. حينما لا يفعل الفيلسوف غير أن يرتب ويصنف كل شيء، فإن الشاعر يتجاوزه مخترقا كل الحدود. كلماته ليست إشارات عامة ـ إنها نبرات ـ أقوال سحرية، التي تحرك حولها مجموعات جمالية. مثلها مثل لباس الكاهن الذي يحتوي بداخله قوى إعجازية، بعض الكلمات تكسب قداسة عن طريق تمثيلها لذكريات مبهجة فتصير لوحدها قصيدة. بالنسبة للشاعر، اللغة ليست فقيرة أبدا، لكنها عامة جداً دائما. إنه بالمجمل بحاجة إلى كلمات لا تتوقف عن العودة، كلمات تسقط عبر استخدامها الساري. عالمه بسيط، كما هي أداته ـ لكنه لا ينضب من الألحان.

 

(4): كل ما يحيط بنا، الأحداث اليومية، العلاقات العادية، وعادات أسلوبنا المعيشي، كل ذلك له تأثير متواصل، وفقط لهذا السبب، يصعب ملاحظة ذلك، غير أن له كبير الأهمية. هذا التداول أمر صحي وضروري بالنسبة لنا، قياساً على أننا مصاحبين لزمن محدد، أعضاء ضمن شراكة خاصة، هذا التداول نفسه عبارة عن عقبة أمام تنمية فضلى لطبائعنا. الطبائع ذات قدرات كشفية، عجائبية وشعرية على نحو أصيل، لا يمكن لها أن تنبثق ضمن الظروف التي نعايشها.

 

(5): الشعر هو الفن العظيم لبناء الصحة المتسامية. حيث الشاعر هو الطبيب المتسامي. يتعامل الشعر مع سعادته وفقا للألم والرغبة ـ المتعة والنفور ـ الخطأ والصواب ـ الصحة والمرض ـ مازجاً بين كل التناقضات ضمن رؤية نحو هدف أسمى: ارتقاء الإنسان نفسه بنفسه.

 

(6): الشعر يُحل ذاتاً غريبة محل الذات الخاصة.

 

(7): العبقري هو نفسه شاعري ـ هنا حيث يقوم العبقري بشيء ما ـ فإنه يفعل ذلك بطريقة شاعرية. الإنسان بشكل خاص، مفكر وشاعر.

 

(8): البداية الأصلية هي شعرية الطبيعة. النهاية والانطلاقة الثانية ـ هي شعرية الفن.

 

(9): قديما، كان كل تجلي روحانيا. الآن، لا نرى سوى تكرارا ميتا والذي لا نفهمه. دلالات هيروغليفية ناقصة. لانزال نعيش على فواكه أفضل الأزمنة.

La poésie est le réel absolu - Novalis, fragments logologiques

عن موقع:

Oeuvres Ouvertes

 

.................

هوامش:

- نوفاليس: واسمه الحقيقي فريدريش فرايهير فون هاردنبرج. فيلسوف وشاعر وكاتب ألماني. ولد عام 1772 في أوبرفيدرشتيت ومات في عام 1801 في فايسنفيلد. درس نوفاليس من عام 1790 حتى عام 1794 الفلسفة والحقوق وعلوم المناجم. ويعتبر واحدا من أبرز شعراء بداية عصر الرومانسية.

- لوغولوجيا: علم الخطاب والدلالات اللغوية.

لكل نهاية بداية

في نهاية كل عام وقبل أن نودعه لنستقبل الجديد (2015)، لنا وقفة قصيرة مع قراء هذه السطور المتواضعة الكرام، نذكرهم بأن الأعوام تمضي وهي مثقلة ومحملة بكل ما مرّ عليها من أشخاص كانوا فيها ورحلوا عنها قبل أن تنتهي وأستقبلت آخرين سيعطون للحياة رونقها بأسلوبهم الخاص، وأحداث برزت وتركت بصمتها وفعلتها باختلافها! هي حياة ماضية وهي أعوام تتسابق لكي ترحل بما أخذت وأعطت بنسب متفاوتة، تاركة الإنسان في الدنيا يستقي من كل شيءٍ وليس لهُ غير أن يتقبل ويقبل بما كتب له وقُسم.

كل الأشياء في الحياة بصورة عامة تبتدئ وتنتهي وهي تاركة فيما بينها فسحة كبيرة شاهدة على كل ما مرّ عليها وبقي فيها! ومثلما لكل حياة بداية ونهاية، ولكل زهرة ظهور وذبول، فأن لكل قصة إنسان يكون بطلها، يؤدي أدوارها ويمارس أحداثها ويخرج بنتيجة منها. لذا يطيب لنا في كل عام وقبل أن تقترب نهايته، أن تكون لنا وقفة على إطلاله، فيها من التأمل الكثير والكثير بما تحتويه. لنا وقفة على عتبات نهاية عام لكي نودعه ونتذكر معه كل ما كان فيه ومن كان، لأخذ العبرة والعظة للقادم ولتقويم ما يحتاج إلى إصلاح.

كثير من الناس يعملون حساب لكل ما في الحياة وهذا الصائب ولكن ليس المبالغة فيه! كثيرون يخافون مما ليس له أساس في الواقع أو بالأحرى الغير موجود! يصنعون أسبابه ويعيشون نتائجه .. أنهم يستهلكون أنفسهم ويميتون أرواحهم في سبيل إرضاء ما يخطر على المخيلة والقادم من تخمينات موجودة فقط في جعبة من يريد أن تكون حياته مجرد صورة باهتة. الحياة نعم لا تخلو ولكن لا يجوز أن نتعامل معها بأسلوب أن لم نغلبها غلبتنا وأدمتنا! لا يجوز عيش التباين الموجود بين مختلف فئات البشر ولكن بالمستطاع عيش التقارب إلى أقصى حدّ ممكن من أجل حياة بسيطة وفيها معنى أجمل.

الحياة ليست بتلك القوة والقساوة ولكن الإنسان حينما يقسى على نفسه يجعلها قاسية وصعبة المزاج والمراس، ومن ثم يراها وكأنها طوفان وأصابه! يعاملها بمزاجية متقلبة ويعاندها ويخاصمها ويعيش التحرر الأعمى منها، بمعنى يريد منها ما ليس منها، بل ما هو صانع فيها حينما يعيش الرغبات والتقلبات!

ونعلم بأن الحياة فيها الكثير وهذا بدوره يحمل الأكثر والذي بنفس الوقت يحمل السلبي والإيجابي من الإنسان ذاته، لكن هي لم تخلق بصورة مشوهة وقبيحة ولكن فعل الإنسان بأختلافه هو من يجعل الحياة تبدو كذلك في عين كل قاطنها. هو من يخلق المشكلة وهو من بيده من يجعلها لا تكون، حينما يقلص من حجمها ولا يجعلها تأخذ مداها في حياته وتؤثر على من يحيطه. الحياة باقية وتنتظر من الإنسان الكثير لكي يبقيها بنفس درجة نقائها وجمالها التي خلقت منه، عليه أن يحافظ على روحيتها لكي تبقى نابضة ويشعر هو بطعمها وبقيمتها وبقيمته ودوره المكمل لها.

كل شيء في هذا الكون له حقه وبعده ويجب أن نحافظ عليه. هنالك شيءٍ اسمه تكامل وتجديد لابد من تطبيقهما وليس فقط ترديدهما! تجديد للحياة من خلال تجديد الذات ومحاولة صقلها قدر المستطاع بدون انقسام وإزدواجية وفرض وتفضيل. كما للإنسان روحًا كذلك للحياة روحًا لا تحيا بدونه، وهذه هي رسالتنا نحن البشر في الحياة، أن نحافظ على روح الحياة ونتجاوز كل ما يبقي ذواتنا تحتار في زحمتها. حينما نعطي لكل شيء بساطته حتى وإن كان فيه صعوبة، فإننا بهذا نعطيه الفرصة في النصر عليه وجعله يكون في قبضة اليد فينفعنا ويفيدنا. ففي الإنسان قوة جبارة في تخطي كل ما يعترضه ولكن غالبا لا يعرف كيف يستغلها أو كيف يخرجها من أعماقه.

دائما أقول أن للحياة لحنًا رقيقًا ليس كل أذنًا تعرف أن تميزه .. أليس كذلك؟! أحيانا كثيرة يدرك الإنسان كم هو بحاجة إلى أن يستمع لصوت الحياة ويعيش لحظات مع ذاته ويستمع لها بعيدًا عن ضجيجها وعن كل ما هو شارد فيها. وجميعنا مطلوب منا أن نفهم أنفسنا لكي نحبها ونفهم الحياة ونحبها في كل وقتًا.

أكتب لحياتك قصة جميلة فيها لحنًا فريد خارجًا من أعماقها وله صداه. أجعل نفسك لا تُصارع أي رغبات أو أفكار شريرة بل حاول دوما أن تعيش الاشتياق لها لكي تكون أقرب منها وتحاول أن تكون فيها. حاول أن تتواصل معها لتذوق السلام الداخلي وتعيش الأمان. وكن على يقين بأن كل يوم لهُ تدبيره وكل ساعة لها دقائقها ولحظاتها. أشعر بروعة الحياة وفكر بعمق ذاتك، فهي من تجعلك إنسانًا يعرف ويحس بقدره.

.. كل عام وأنتم بخير وسلام وسنة مباركة للجميع ...

من حياتي .. درس بحرارة الماء

asmaa mohamadmustafaفي التاسعة من عمري وربما أصغر، وحين كنت يوماً في بيت عمتي، رحمها الله، وقع إبريق الماء من الطباخ واندلق ماء ساخن في درجة الغليان على يدي فانسلخ الجلد واعتصرني ألماً، لكنني لم اتفوه بكلمة، ورحت الى حيث كانت عمتي تجلس ووقفت صامتة، فسألتني عما بي؟ أجبتها بأن ماء الإبريق المغلي اندلق على يدي .. سألتني مندهشة: احترقت يدك ولاتصرخين؟!

مرت السنوات، ودلقت الدنيا عليّ الكثير من مائها الحار ! وبقيتُ على طبعي في التكتم على آلامي .. تلك الآلام زادت من قدرتي على التحمل والمكابرة وتجاوز الخذلانات بوجه يبتسم للدنيا ..

مرت السنوات وبقيت الدمعة المحبوسة وراء عيني تعيد إنتاج ذاتها عبر شفتيّ في شكل ابتسامة، مثلما يعيد ماء الإبريق الساخن إنتاج ذاته في ذاكرتي كلما أعدّت الدنيا إبريقا من أباريقها لتضعه في طريقي، او كلما وجدتُ من يشكي او يبكي امراً لايستحق البكاء او الحزن، لأنّ جلده لم ينسلخ بماء حار حتى يعرف مامعنى القدرة على التحمل .. ومامعنى أن يبتسم شديد الألم ويستمر في أداء واجباته والاضطلاع بمسؤولياته من غير أن يتأوه، حتى ليظن الناظرون اليه أنه من المحظوظين والسعداء، وتصيبهم دهشة المفاجأة حين يعرفون أيّ آلام ٍ يحمل في أعماقه وأيّ صعوبات يتحداها ويواجهها في حياته.

شكراً لإبريق الماء الحار الذي اندلق على يدي مبكرا .. وشكرا للدنيا التي تملك من الأباريق الحارة مالايعد ولايحصى، فالحكمة والقوة تزيدان في الإنسان كلما زاد عدد الحروق ومساحة الأوجاع .. وعرف كيف يوظفها ليرقع جلده بها ويكتسب المناعة بفضلها .

***

آخر سطر:

لاتدع قلبك يمزقهُ الألم، ولابيادرك يهشمها غضبُ العواصف . الروح العظيمة ترى الألم ريحاً صرصراً، أما الفرح فهو السنبلة التي تنحني للريح لكنها لاتنكسر .

 

 

المرأة العربية تعيش بين الوحوش

عاشت المرأة العربية أسوأ أيامها خلال هذا العام الذي سينقضي بعد أيام قليلة، سجّل أرقاما مخيفة ومزعجة في عدد ضحاياه من الجنس اللطيف، في ظل جذوة الحروب التي خلّفها الربيع العربي، وكانت المرأة العربية في وقت ما آمنة على عرضها، متوازنة في نفسها وإذا بالفاجعة تحطّ عليها من حيث لا تدري، فتفقد عذريتها إما بإكراه أو اغتصاب أو اعتداء أو بدعوى جهاد النكاح وهو نوع من أنواع الزنا المحرم قطعا لا ترضاه الحرة التي تبتغي الحرية والكرامة، توتّرت المرأة، علا صوتها مناديا، استغاثت، صرخت، نادت، ولكن لا حياة لمن تنادي؟ نادت ولكنها لم تجد من ينقذها. فالرجال أرهقتم النزاعات التي بدأت تجوب شوارع المدن يدكّ رصاصهم كل جهات المدن والأرياف، وتبقى المرأة تندب حظها في كل زاوية وتقول كما قالت السيدة مريم عليها السلام يا ليتني متُّ قبل هذا وكنت نسيا منسيا.

فالمرأة الليبية مثلا كيف تعيش في ظل أسوأ أزمة سياسية وأمنية عاشتها ليبيا، فالأمر بدأ من هناك وتحديدا بعد مقتل القذافي، صارت بنغازي بؤرة للإرهاب والقتل والتدمير والتدريب على حمل السلاح، وجعل الربيع العربي الإرهاب يتمدّد نحو جهات ساخنة أخرى كالجبهة السورية التي اشتعلت نارا وما كانت لتشتعل لولا رغبة الكبار في الإصرار على الإطاحة بنظام بشار الأسد الذي كان يفضحهم في كل قمة عربية وتيسيّد الموقف حينما يتحدث بلغة العرب وبثقة تامة أن المقاومة المسلحة التي اتخذت سوريا بيتا لسنوات عدة تقاوم الاحتلال الصهيوني للقدس الشريف وفلسطين، ولولا دعم تركيا وقطر لهذه الجماعات المسلحة، فقد كانت تركيا تسمح لهم بالعبور عبر حدودها بزعم أنهم ثوار، وكانت قطر تمدّهم بالمال في حين أن أمريكا وأوروبا كانت تمدهم بالسلاح، صدق المجانين أن هؤلاء ثوار فعبثوا بالبلاد، شرقا وغربا كما استباح يزيد بن معاوية المدينة المنورة فقتل رجالها واستباح نساءها وسبا صباياها وأطفالها تلك هي أعمال الإرهاب الأعمى.

كانت المرأة السورية هي الأكثر تأثّرا بما يحدث في العالم من محاربة الإرهاب بكافة أشكاله وصوره، صارت المرأة السورية ذليلة ترتاد الأماكن عنوة وقهرا من أجل لقمة عيش تسدّ بها رمق أبنائها الجوعى والعطشى، يصرخون من الجوع، بطونهم خاوية، أجسادهم عارية، تحمّلت العناء وربما الإكراه على البغاء، وربّما الرضا بما يسمى جهاد النكاح، هذه الفتوى المجرمة التي هتكت أعراض كثير من النساء، فتوى باطلة من الأساس وسيحاسب عليها كل من تجرّأ على الله وأباح الحرام، إنه نوع من الزنا والإكراه على البغاء، وصورة من صور الإذلال والإهانة والاحتقار والاستغلال ونوع من أنواع العبودية والرق والاتجار، كيف لا تحاسب تركيا وقطر وأمريكا على هذه الجرائم البشعة التي كانت سببا مباشرا في وجودها وبسبب خطأ استخباراتي متعمد، تعيش المرأة السورية في ظل هذا العالم المتوحش النهم وراء تمزيق الإنسان وإهانته ضاربا بمواثيق حقوق الإنسان التي صنعتها الأمم الفاسدة وراء ظهره، زد على ذلك فإن حالها وهي تطلب المعونة من الآخرين تستجديهم، تطلب منهم العون ولو بالقليل، تهرب بجسدها وأولادها إلى بلاد ظنتها آمنة وإذا بالوحوش الكاسرة تترصدها، جميلة هي السورية قال أحدهم مستغلا جمالها وحاجتها للماء والغذاء، ينهشها الجوع وتنهشه غريزة الجنس الأعمى حتى وهو يمارس حقه الإنساني، ما أبشع هذا الإنسان وكأن هذه السورية جاءت من كوكب آخر تطلب وده وإغاثتها جنسيا.

والمرأة العراقية ليست بأوفر حظا من السورية، تعاني كل يوم وتفقد أحدا أو جماعة من عائلتها، بل صارت متعة لما يسمى بداعش، هذا الوكر الفاسد بدأ يستغل النساء استجابة لرغباته الدنيئة فقتل خمسين امرأة أخيرا بدعوى أنهن رفضن أن ينضممن إلى ما يسمى بجهاد النكاح، هن في نظرهم ملك يمين، وحتى لو كنّ كذلك فإن الإسلام لا يبيح لهذه الطائفة المجرمة قتلهن فهذه جرائم حرب سيحاسب عنها داعش آجلا أم عاجلا، وأخريات يعشن في أوروبا ظنن أن الجنة في سوريا تركن أطفالهن وعائلاتهن واتجهن لسوريا عبر تركيا الممر البغائي السري ليعرضن أجسادهن هدية لما يسموا أنفسهم ثوارا بل ثيران لا يفكرون إلا في رغباتهم الجنسية وميولهم الإباحية التي يمارسونها جهرة وعلانية وتمدحهم القوى الكبرى بل وتمدحهم قناة الجزيرة على الملأ وهي تفاخر بنهجها ومنهاجها الأسود وتجري حوارات معهم وتقود عملياتهم إعلاميا، أين أنت يا قناة الجزيرة من حالة المرأة المزرية التي تعيشها العربية في سوريا والعراق والصومال وليبيا وغيرها من البلدان.

المرأة العربية عاشت كابوسا مزعجا إلى آخر يوم ولا أظن أن الفرج آت بل يزداد تعقيدا يوما بعد يوم ما دامت الأمم المتحدة صمّت آذانها، وما دامت الجنائية الدولية غارقة في مستنقعاتها، ومادامت أمريكا وتركيا وقطر قد أصيبت بالعمى بل الأحرى أنها أصيبت بالعمه فجاءها التنظيم ليعلمها درسا قاسيا في فنون محاربة الإرهاب، وليعلن نفسه دولة داخل دول متجاهلة كل الاتفاقات التي توجب احترام الإنسان مهما كان وفي أي مكان وتحميه من العبودية والرقّ والاتجار والحروب والنزاعات، وليست المرأة في تونس والكويت والسعودية وغيرها بأفضل حالا فهي تتعرض دوما لهذه الانتهاكات في عصر لا يعرف إلا إشباع الغرائز وانتهاك الحرمات.

أطباء الحضارة

mohamad aldamiلم يتجاوز مؤرخو الأفكار الحقيقية عندما عدوا الثقافة البريطانية إبان عصر الثورة الصناعية (العصر الفكتوري) أهم ثقافات ذلك العصر. ومرد ذلك لا يخلو من المنطق بالتأكيد، فقد لعب مهاد الثورة الصناعية، الأول من نوعه في التاريخ الآدمي، دوراً تشكيلياً أساسياً في خلق عدد من القدحات العبقرية التي أغنت الثقافة والحضارة البشرية، ولم تزل.

من هذه الشذرات العبقرية يمثل أمامنا المفكر الإنجليزي “ماثيو آرنولد” Arnold الذي ندرسه وندرسه في أقسام اللغة الإنجليزية والفلسفة في الجامعات حتى اللحظة، نظراً لأنه المسؤول عن قلب دلالات الفلسفة من المفهوم التقليدي، حب الحكمة، إلى مفاهيم جديدة، كان من أهمها دور الفيلسوف الحديث، طبيباً للحضارة. مسح آرنولد ثقافة عصره، فلم يجد سوى “الشعر” (بمعناه الواسع، أي الأدب) أداة للتغير والإصلاح الاجتماعي في عصر مزدحم بالجديد، ينقصه التيقن، إذ أدار المجتمع ظهره للدين بعد أن استحال إلى شكليات لا مجدية، وبعد أن خسر رجال الكنيسة منازلتهم مع العلم بعد “دارون”، من بين سواه من رجال العلم. ثم غادر المجتمع الفلاسفة التقليديين الذين صارت آراؤهم محض آثار طللية من ماضِ جامع لغبار الزمن. في مقالته الفذة “وظيفة النقد اليوم” The Function of Criticisim in the Present Day، أحال آرنولد الأدب إلى فلسفة فاعلة اجتماعياً وإصلاحياً، وذلك باستخدامه “النقد” على نحو مبتكر، لأن النقد في هذا السياق ليس هو “النقد الأدبي” التقليدي المنهمك برصد التزويق اللفظي وبالجناس والطباق وبالتمييز بين الشكل والمضمون، وانما هو منظور أوسع وأعمق للحضارة المعاصرة بمتغيراتها المزدحمة بعد بداية “عصر الماكنة” وتفجر ظاهرة المدينة الصناعية بين مانشستر ولندن وما رافق ذلك من خراب للريف بسبب نهاية الإقطاع الوسيط ومد السكك الحديد، زد على ذلك المتغيرات في البنى الاجتماعية والأخلاقية والثقافية.

هكذا أحال آرنولد نقد الأدب إلى نوع من “الطب الاجتماعي” إن صح التعبير، ليس فقط كي يعوض تراجع دور الكنيسة حقبة ذاك، ولكن كذلك ليستعيض عن مجلدات الفلسفة العملاقة التي توارثتها المكتبات من سقراط وأفلاطون وأرسطو، عبر الحلقة الإسلامية بواسطة ابن سينا وابن رشد والإمام الغزالي حتى عصر الثورة الصناعية، اي عصر الفلاسفة العقليين من أمثال “بنثام” Bentham و”مل” Mill في القرن التاسع عشر.

للمرء أن يغتنم هذه الفرصة وهذا الجدل المزدحم بالأفكار والآراء المتناقضة لعقد المقارنات والمقاربات بين عصر آرنولد، وبين عصرنا الرقمي هذا، بقدر تعلق الأمر بنا في العالم العربي الذي لم يحسن في كليهما لأنه يغرق الآن بمعطيات العصر الرقمي، مستورداً، وليس منتجاً أو مغنياً، على سبيل طرح السؤال المؤرق، وهو: هل أنتجنا فيلسوفاً عربياً أو مسلماً معاصراً يستحق أن يوصف بأنه “طبيب الحضارة” العربية اليوم؟ وهل لدينا من هذه العقول الذكية ما يكفي للادعاء بوراثة عبقريات العصر الوسيط من الفلاسفة المسلمين آنفي الذكر، هؤلاء الذين لم يبقوا مستهلكين سلبيين للفلاسفة الإغريق بل حاولوا، كما فعل المعتزلة مثلاً، من بين سواهم، تشكيل فلسفة عربية إسلامية قادرة على التوفيق بين الفلسفة والماورائيات، بين العقل والدين، أي بين المنطق والوحي.

لست أشك بأن العقل العربي والمسلم لا يمكن أن تنضب عبقريته، لولا الكوابح واللواجم التي “تقرم” مدياته وتقزم أذرعه، للأسف. وإذا كانت الحضارة تنمو وتشب ثم تشيب، وتمرض وتختل وظائفها، فإن حضارتنا المعاصرة بحاجة ماسة لطبيب لبيب قادر على معاينة أمراضها لتشخيصها وتعيين ما تحتاج إليه من دواء اليوم.

المقاهي البغدادية

تعد القهوة من المشروبات التي انتشرت وفرضت نفسها بقوة واضحت من اشهر المشروبات المنتشره بالعالم اجمع ولكافه الشرائح الاجتماعية فالقهوة التي استمد منها اسم المكان لم تدخل مصر الا في القرن السادس عشر الميلادي وكان أول من اهتدى إليها في العالم العربي هو المتصوف "أبو بكر بن عبد الله المعروف «بالعيدروس» فقد روى أنه عندما كان يسير فى حديقته ببغداد التقط ثمرة البن وصنع منها شرابا وأرشد اتباعه إلى شرابه حتى وصل أبو بكر إلى مصر فى عام 905 هجري وهكذا أدخل الصوفية شراب القهوة إلى مصر. وقد اختلف الناس حول هذا المشروب الجديد هل هو حرام أم حلال؟ ألا أن الصوفية اصحاب الطريقة الشاذلية التي أسسها أبو بكر بن عبد الله الشاذلي، أدمنوا شرب القهوة،لأنهم رأوا أنها تساعدهم على السهر وتنشطهم للتهجد ومن هنا سميت القهوة في نجد الشاذلية.

 

590-samira

من دون الخوض فيما إذا كان أصلها شرقياً أم غربياً، كانت المقاهي بديكوراتها التقليدية الجميلة بأرائكها (تخوتها) وكراسيها تعمل الشاي بالقوري والدلة للقهوة لمرتاديها ، وهي تحمل بين طياتها جمالية المكان والروح المنبعثة من جدرانها وفضاءاتها تعبيراً أميناً لأهم مرحلة من مراحل التحول السياسي والاجتماعي بعد تأسيس الدولة العراقية والتي بدأ فيها ظهور منارات للفكر التنويري في الأدب والسياسة والأبداع، فالمقاهي في بغداد كان لها دورها في أثراء الحياة الثقافية والفنية والسياسية والتجارية منذ عقود بعيدة .العشرات من هذه المقاهي تنتشر في مناطق وشوارع وأزقة بغداد وعلى ضفتي نهر دجلة الخالد تلك المقاهي الشعبية ذات التصميم والطبيعة والهوية التراثية البغدادية العريقة .

لقد تغلغلت هذه المقاهي في الساحة الاجتماعية والادبيه بل الفكرية ايضا حيث ان معظم اللقاءات بين الكتاب و المفكرين كانت تتم تحت سقف احدى هذه المقاهي , رغم ذلك الضجيج المتعالي دوما من الشوارع المحيطه واصوات الماره والبائعين كل هذه الظروف وغيرها لم تحجب ا وتمنع المقاهي من لعب دورها الرائد في الادب او حتى الامور السياسيه وما ترتب عليها .

يقول السيد ضياء الأسدي ... (لقد شكلت المقاهي الادبية ، ذاكرة للثقافة العراقية ، وأصبحت الوسط الذي تخرج منه ألمع المثقفين العراقيين الذين ساهموا بنشاط في المشهد الثقافي بأبداعاتهم الخلاقة ، فلقد لعبت المقاهي الثقافية دوراً ثقافياً واجتماعيا" وسياسيا" منذ بداية النهضة الفكرية واصبح لها دورا" مهما" في حياة المثقف العراقي. حيث خرجت منها المحاولات الأولى لتطوير القصيدة العربية و الشعر والمدارس الحديثة للفن التشكيلي والنحت)

رغم عدم جود مراجع معتمدة وغياب الدراسات عن عمر مقاهي بغداد , الا ان هنالك نقل لكلام ( فخري الزبيدي) في كتابه (بغداد أيام زمان) نقلا عن مذكرات الشاعر العراقي الكبير معروف عبد الغني الرصافي " يقول :

اول مقهى كان جغالة زادة سنان باشا والي بغداد سنة 995هـ/ 1586ميلادية فتح في بغداد في موقع خان الكمرك المتصل خلفه بالمدرسة المستنصرية وبابه على الطريق المؤدي الى سوق الخفافين وهو السوق الواقع فيه جامع الخفافين وبعدها سنة1590ميلادية فتح مقهى ثان كان يستخدم غلمانا ملاحا ملابسهم فاخرة لتقديم القهوة وقبض الدراهم وهناك جوق موسيقي في المقهى والتردد على المقهى اكثر ما يكون ليل وسمي بخان جغان.

ومن اشهر المقاهي التي حفرت اسمها ووجودها في التاريخ البغدادي:

(مقهى الخفافين .. مقهى الشط او التجار .. مقهى الزهاوي ... مقهى البرلمان .. مقهى حسن عجمي .. مقهى المقعدين .. مقهى البرازيليه .. ومقهى البلدية التي كان سابقا يسمى بمقهى وهب .. مقهى النعمان مقهى الجسر في السفينه .. مقهى السيد جعفر .. وفي الأربعينات والخمسينات توافد على هذا المقهى الى جانب الجواهري ، بدر شاكر السياب والبياتي وعبدالأمير الحصيري والكثير من وجوه الفكر والأدب. والى جانب المقاهي الثقافية هناك مقهى من نوع آخر يختلف في رواده عن المقاهي الأخرى وهو (مقهى ام كلثوم) الذي تأسس في أواخر سنة 1968 في مدخل شارع الرشيد ببغداد قرب ساحة الميدان حيث تشدوا هناك كوكب الشرق بأغانيها المؤثرة منذ الصباح وحتى المساء إضافة إلى إسماع الزبائن الأغاني الوطنية والدينية وعلى مدار اليوم....

اما مقاهي اليوم فقد فقدت بريقها وانزوت الى الزوال وابتعد معظم روادها اما بسبب الهجرة الى البلدان البعيدة او المجاورة اوانها تحولت (اسفا) الى انقاض مهملة او مطاعم كما حال مقهى البرلمان او الى مخزن لبيع الاقمشة (مقهى البرازيليه) .. فمن هذا نرى ان المقاهي اضحت اماكن لشرب النركيلة والدمنه وملاذا لتمضية الوقت بلا هدف ...

 

يسار و"أناركية"

nadeer almajedبإمكاني أن أضع التاريخ السياسي والفكر السياسي بين أقنومين متصارعين: السلطة وضدها. ففي قلب هذا الصراع يتحرك التاريخ ممطرا سيلا من الثنائيات التي يمكنها أن تشكل رديفا. نستطيع تلمس ظواهر صراعية تتخذ أشكالا وعناوين متعددة.. اليمين واليسار، المثالية والواقعية، الفوضى والنظام، كلها تتخذ الجذر الأقنومي نفسه، السلطة والمؤسسة والنظام والاستقرار من جهة، والغريزة واشتهاء الحرية والثورة والفوضى من جهة أخرى.

إن المعادل السياسي للميثولوجيا الزرادشتية التي تحكي لنا الصراع الأزلي بين أهرومين وأهرومزدا "أصل الشر وأصل الخير" والذي لا ينفك يؤثث التاريخ ويطبعه بطابعه ليس سوى صراعا مضمرا حينا ومكشوفا في أغلب الأحيان بين تمجيد للدولة والمؤسسة على الطريقة الهيغلية، أي بصفتها المآل العقلاني للروح الكلي أو المطلق، وبين نزوع لأقصى اليسار، أي نحو نفي كل أشكال السلطة بحيث تصبح الفوضى هي النموذج المثالي للفرودس الأرضي.

الفوضوية نعت ازدرائي لفصيل يساري يتهمه خصومه بالطوباوية، فهذا اليسار الطوباوي الذي يتخطى المنهج العلمي في تقويضه لشتى تمظهرات السلطة، ليس سوى بيت فانتازي، بيت تنسجه عناكب "اليوتوبيا" والأحلام السعيدة، ولكن أيضا الخيبة القدرية. مع ذلك، البيت الفانتازي "الكارتوني" هذا، هو نفسه الرحم الذي أنجب الماركسية والاشتراكية العلمية التي ما كان لها أن تتبلور وتميز ذاتها لو لم يكن ثمة جهد نقدي بذله اليسار الماركسي ودشنه ماركس عقب مداخلته المبكرة والشهيرة ضد الاشتراكي الفرنسي "برودون" في كتابه "فلسفة البؤس" والذي لم ير فيه ماركس سوى نسج عنكبوتي وطوباوي آخر، يتخذ عنوانا اختاره ماركس لكتابه في صيغة مقلوبة "بؤس الفلسفة".

لهذه الأسباب وغيرها، يفضل الفوضويون نعتا سلبيا يربطهم بأصل الصراع من منظورهم ويخلي ساحتهم في الآن نفسه من تبعات التسميات الإثباتية، فالرهان ليس على الفوضى أو إشاعتها أو حتى الحرية ذاتها، وإنما فقط على نفي السلطة. هكذا يتوجب على كل تعريف أمين أن يبدأ من هنا، الفوضوية ينبغي أن تصبح "أناركية" أي ضد السلطة كما تعني في الأصل الإغريقي، وما ذلك إلا لأنها مناهضة لكل أشكال التسلط والنظام، أكثر بكثير مما ذهب إليه "أكتون" المؤرخ الانجليزي، فليست السلطة المطلقة فقط هي الشر والمفسدة، بل الدولة والسلطة هي نفسها تجسيد لشر وخطأ تاريخي، فلأنها المآل العملي لكل آيديولوجيا خانقة، لا بد من استنفار كل شيء لتقزيمها، لابد من خوض المعركة ضدها حتى وهي في طور البذرة والكمون، كما لو كانت تجسيدا حيا لأهرومين، ذلك الشيطان المجوسي.

أينما تقع السلطة تقع الحرب والنضال والأدب الملتزم. إن الكراهية الأناركية للسلطة لا تقتصر على المؤسسة السياسية والبيروقراطية أو على الجهاز الحكومي، كل مؤسسة هي جرثومة قمعية، "هناك ميل فطري لدى جميع المؤسسات الإنسانية للتحول إلى كيانات قمعية" يقول "كولين وارد" أحد الأناركيين الجدد، من هنا ستتسم كل مؤسسة بالسمات نفسها التي يتسم بها كل كيان طارئ ومؤقت واضطراري.

الحضور المكثف للسلطة يترجم ذاته في الخطاب الأناركي في صورة مكتملة للشيطان. السلطة شر إذن، شر ميثولوجي أو لعنة أنزلها التاريخ بالمجتمع المتحضر. يقدم لنا الأناركي هذا المبدأ بحسم لا تراجع فيه، فالسلطة شر ورذيلة لأنها هيمنة وقيد يعيق التدفق العفوي للطبيعة الإنسانية. كل الأدبيات الأناركية وهي تعي ضرورة السلطة والمؤسسة بصفتها استجابة ضرورية للحاجات البشرية، تؤكد من جهة أخرى على ضرورة لجم هذا البعبع التسلطي بترشيقه وتقليصه، وذلك طبعا في كل موقع تتواجد فيه السلطة والمؤسسة، بدءا من التعليم وليس انتهاء بالسجون.

وفيما تضيق الأناركية على السلطة بصفتها تجسيد رذيلي بحت، تتسع من ناحية أخرى على خاصية الترذيل نفسها، لتصبح آفة تسم اليسار برمته، وما اليساري سوى ذلك الذي يعرف كيف يمقت ويزدري ويعارض، وبكلمة: كيف يكون انشقاقيا، على هذا النحو يتحدد اليسار جوهريا ليس فقط بصفته مواجهة ضد الساحرة "السلطة" التي أطلقت كل الشرور من "صندوق باندورا"، وإنما كمواجهة ضد الشريك اليساري نفسه، هكذا أفهم الاختلافات البينية بين يسار ماركسي ويسار أناركي حول مفهوم الدولة ومفهوم الصراع الطبقي، الخ. اليسار يحمل جرثومة النفي في داخله، كما لو كانت سيرورة النفي لما هو خارجي وطارئ "تتشقلب" على نفسها في صورة تقليص للذات، أما الآخر الرأسمالي المهيمن فيتفرج ضاحكا وهو يطلق كل شروره من الصندوق الأسطوري.

أظن أن المرحلة تتطلب تحييد الخلافات الداخلية إلى الحد الذي يتسع فيه اليسار لاحتضان كل أيديولوجيا احتجاجية، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وظهور العولمة مرورا بالأزمة الشهيرة للرأسمالية في 2008 وانتهاء بعام 2011 سنة الأحلام الخطيرة كما يسميها الكاتب اليساري "سلافوي جيجيك" إذ اليسار اليوم رغم كل التراجعات والخيبات يشهد انتعاشا وحضورا متزايدا، بحيث تبدو اللوحة متسعة لكل "اليسارات" بما فيها اليسار الأناركي الطوباوي الذي ليس بوسعه سوى "أن يهدم وينشر الضجيج ويوسع الكل نقدا وهدما ولا يقدم الحلول"!

 

قراءة في هموم الطالب الفرنسي

tara ibrahimمهما فعلنا، نحن الأساتذة ، فنحن لا نستطيع ان نهمل احاسيسنا تجاه الطلاب الذين ندرسهم، فعلى الرغم من ان علاقة التدريس بين الطالب والأستاذ هي علاقة مقدسة ولا يمكننا ان نتجاهل عواطفنا تجاههم، فنحن في النهاية جميعا بشربل وانسانيتنا تفرض علينا ان نحزن لدى حزنهم ونفرح لهم ولنجاحهم في حياتهم .

أقول ذلك بسبب مشاهداتي التي ربما بدأ من خلالها نضجي الفكري يستبق عمري بكثيروقد يتعبني في بعض الأحيان، ففي كل الأحوال العلاقة ليست طردية بين العمر الزمني والفكري والعاطفي . هذه السنة تم انتخابي لأصبح المسؤولة التربوية للمرحلة الأولى في قسمنا بجامعة باريس التي يتجاوزعدد طلابها" 200 " شخص، الأكثرية الساحقة وكما هو المعتاد هم من الذكور.. يومها بدأت المآسي وشعوري بالضعف والإحباط وعدم قدرتي على مواجهة هذا العبء الثقيل..

الامر ليس بهذه السهولة، فالمسؤولية لا تقتضي بتهيئة الطلاب لمرحلة دراسية صعبة وتوعيتهم بالنظام الدراسي الجديد الذي يختلف تماما عن نظام الإعدادية فقط ، بل الامر يتجاوز ذلك وله بعد نفسي واجتماعي ودراسي. فتعرفي بهذه المرحلة يبدأ بفتح ملف كل شخص فيها، واتضح لي ان نصف طلاب المرحلة أي ما يعادل " 100 " طالب يعيشون مع آباء وامهات منفصلين او مطلقين..غريب فعلا هذا الامر ولكن الاغرب هو أن كل طالب هو حالة خاصة بحد ذاتها..

فما بين فترة وأخرى استدعي طالبا يعاني من الفشل الدراسي لسبب أو لآخر قد يدعو الى التدخل سريعا ومنع فشله والاتصال بوالديه وبوحدة التمريض التي تستقبلهم ان كانوا يعانون من مرض جسدي ومن ثم احالتهم الى الوحدة النفسية والاجتماعية ان تم اكتشاف معاناتهم     من أسباب سيكولوجية ، ليتم إيجاد الحلول المناسبة لهم...وفي كل الأحوال علي ان اتواصل مع الجميع من أساتذة وطلاب وأطباء كي أكون على علم ودراية بحالة الطالب التي قد تؤثر على دراسته ومستقبله ..

أبلغني احد الأساتذة ان الطالب "روبن" له ميول انتحارية وان من الضروري التدخل قبل ان نتلقى خبرموته ، فقد وجد هذا الأستاذ على دفاتره صورة قدمين من على بناية عالية ومكتوب عليها "الموعد قريب" ، فتم اخباري بالأمر للتدخل الفوري ومعرفة الأسباب التي دعته الى ذلك ، وظهر أن الطالب يعاني من كآبة شديدة ...

في موقف ثان،" الكساندر" طالب ثرثار يزعج الجميع ويقاطع الأساتذة كثيرا أثناء المحاضرة، وكأن يرفه عن نفسه بالتحدث. طلبت مقابلته والتحدث اليه، فاكتشفت ان الكساندر يعاني من الوحدة كونه فقد والده منذ زمن ليس بالبعيد وانه لدى عودته الى المنزل مساء لايجد والدته لان طبيعة عملها تفرض عليها التغيب عن المنزل ليلا الى الصباح الباكر، امر في غاية الصعوبة التعامل معه فهو شاب صغيرهش المشاعر والاحاسيس..

وفتاة أخرى منفردة ولاتختلط بأحد، كأنها تخاف التحدث مع الآخرين ذات نتائج دراسية سيئة، وبعد التحدث معها، اتضح لي انها ضحية الاعتداء الجنسي من قبل زوج والدتها، أرسلتها والدتها الى بيت جدتها عند اكتشافها الامر وأبعدتها عن المنزل..الفتاة تود ترك الدراسة لتلتحق بالكلية العسكرية كون الكلية تمنح مسكنا وراتبا .

إضافة الى أنواع مختلفة من الامراض التي بدأت اكتشفها والتي لم اتخيل في يوم من الأيام انها موجودة ، فاكتشفت طلابا لديهم عمى الألوان ولايميزون بينها، وهنالك التأتأة التي يعاني البعض منها وآخرون لديهم عسرفي القراءة..الخ من الامراض التي يجب علينا معرفتها سريعا لمعالجتهم ولمنحهم وقتا إضافيا في أيام الامتحانات...

قبل عدة أسابيع اختفى "توماس" عن الجامعة فجأة، ليتصل الوالدان بي ويخبراني ان ابنهما هرب من المنزل وترك لهما رسالة يقول فيها انه رحل الى الولايات المتحدة للبقاء فيها لمدة ثلاثة اشهر، امر لم يستطع الوالدان تقبله وكانا تحت وقع الصدمة عندما اعلماني بذلك .

هذه النماذج من معاناة الطلاب الفرنسيون بغض النظر عن مشكلات الفشل الدراسي والخطأ في اختيارالاختصاص الصحيح، والتغيب المستمر، أمر يبعث على التفكير والتعامل معها بحكمة لاتخاذ القرارالصحيح كمسؤول تربوي وتعليمي . قد تكون الامور سابقة الذكرسلبية ولكنها مهمة في اكتشاف الطلاب الذين يعانون من المصاعب، فالتدريس الجامعي ليس إعطاء محاضرة ومن ثم مغادرة القاعة الدراسية فقط ، بل هو امر يتطلب نظرة عميقة ومهارة في تحديد التفاصيل التي قد تمر غير مرئية للجميع ولكنها تفاصيل مهمة قد تؤثر على مستقبل الطالب.. لذا من الضروري ان تتعاون الوحدات النفسية والاجتماعية والطبية والكوادر التدريسية لتشخيص كل ما هو غير طبيعي ومحاولة ايجاد حلول له ..

 

تمنيات باخوسية

nadeer almajedكخبير "أبراج" أخطأ في حساباته الفلكية، وكأي فلكي دجال ومزيف سأقرأ في علامات النجوم أمنيات التدمير والشغب. سأتجاسر على اختراع لغة لاذعة، لغة اختلاف محض، تشيع فيها كلمات الإدانة والضغينة والعناد ضد الاجترار الفلكي للأمنيات الرخيصة والتي تباع عند أعتاب كل عام كسقط متاع زهيد، لكنه ضروري ضرورة خطابات الدجل وأقفاص التدجين المنتشرة في كل أصقاع الأرض.

أن تسقط أقفاص التدجين، هذه أمنيتي الأولى.

وأمنيتي الأحرى أن نلقم حجرا هذا الفلكي الثرثار، هذا البوق الذي يتمم حفلات المصادرة بمصادرة التمنيات نفسها، أن نلقمه حجرا لأن ما يتقيأه علينا كل عام لا يمثل إلا توقعات قزمية.

فلكي قزم يتقيأ أمنياته القزمية لحشد أقزام يحلمون بامتلاك موطئ للمبيت وفرصة أفضل لتجديد عبودية القرن العشرين والواحد والعشرين في صورة عمل لائق بقزم وبأحلام قزم.

أمنية الأمنيات هي فقط القدرة على صوغ الأمنية، بالإصغاء إلى ذلك الفلكي المشاغب الهاجع في داخلنا، خبير الأبراج الهرطيق الممقوت عند أقرانه والمبشر بأمنيات مثيرة للفزع، لأنها وحدها الأمنيات الصادقة، الناطقة بما يتحاشى قوله الجميع، وتعلن دائما وأبدا، على طريقة مظفر النواب شاعر "التخريب" والغضب، عن حادثة "السقوط" بوصفها أم الوقائع والمعارك والأحداث، ولتكن أمنية فريدة في عام فريد واستثنائي يمتزج فيه الواقع بالرؤية، واليقين بالوهم، ويبدو فيه العقل والزمن الموضوعي معلقا إلى أن تكتمل فيه آخر فصول ملحمة السقوط: يسقط الإكراه، تسقط الكآبة، تسقط المصادرة وكل خطابات التدجين والتمنيات الحقيرة، ويعيش الفرح النبيل.. يعيش باخوس!.

يرتبط باخوس بالفرح والتدمير وربات الفن. المرأة عنصر جوهري في طقس لا يكتمل إلا بتأنيثه: عابدات يحملن أغصان مسننة وسكاكين، ينظرن للأعلى ويرقصن مأخوذات بنشوة صوفية ولذة ممزوجة بعنف. ويقدمن القرابين ثم يلتهمنها فيما يشبه وليمة طوطمية.

الفرح يمتزج بشيء من الضغينة.. إن الكاهنة الراقصة والمبتهلة إلى باخوس هي وحدها التي تدرك اللغز.. أين يكمن الخلاص.. كيف نحيا الوجود.. كيف نواجه الزيف والخداع.. كيف ندمر الأمنية ونعيش اللحظة.. كيف نساير التاريخ ونفتتح عصرنا الذهبي.. وحدها الباخوسية الحكيمة التي تمنحنا القدرة على تفكيك "الهيروغليفيا الكوميدية" التي نشهدها بشكل يومي في كل مكان.. وحدها القادرة على مواجهة الغش وكل خطابات الزور.

العابدة الباخوسية وحدها ترقص مبتهجة وهي تنثر السكاكين.. ولا تحفل بالرومانس الأبله..ووحدها التي تدرك أن المحبة تستدعي الضغينة، وأن الطقس المكتمل هو ذلك الذي يحثنا على تناقض: أن نوزع أقداحا نبيذية ثم نضرب بسكين.. وليذهب الابتذال والتفاؤل "الفلكي" إلى الجحيم..

غير أن لهذا البطل الباخوسي شخصياته المتنوعة. فإلى جانب باخوس المتبهج، وباخوس العنيف، وباخوس المنتشي المأخوذ بالوجد الصوفي، ثمة باخوس فنان يضفي على الطبيعة بعدا ثقافيا، بعدا تحويليا، بحيث يبدو رمزا ميثولوجيا للتحويل والصيرورة، فكل شيء ينبغي أن يتحول، أن يصبح غير ذاته، متجاوزا الانحباسات التي يفرضها منطق الهوية الثابتة والجوهرانية..

ليست الباخوسية إذن سوى ادمان التحويل: العقل يصبح جنونا، وكروم العنب نبيذا، والطقس ذاته فنا ورقصا وثورة وابتهاجا فريدا من نوعه، على هذا النحو يخبرنا "يوريبيدس" في "عابدات باخوس" المسرحية الوحيدة التي تسرد لنا ملامح الطقس النبيذي، عن ذلك السهل الذي "يفيض باللبن، يفيض بالنبيذ، يفيض بشهد النحل".. ثم تقع المعجزة: باخوس يضرب الأرض فتتفجر ينابيعا خمرية.

لكن التحويل يتجاوز مظاهره نحو كنهه وجوهره، إن باخوس بطل التحويل هو بطل الصيرورة، الأشياء لا "تكون" في الوعي الباخوسي وإنما "تصير"، كل شيء يصير إلى ما ليس هو إلا اللحظة، يقدم باخوس ذاته كمخلص ولكن ضد الخلاص، فالباخوسية نقيض للتمنيات واليوتوبيا والأفراح المؤجلة..

التماهي الباخوسي باللحظة دلالة على وجود حقيقي، الذين يدركون مزايا اللحظة دون تمنيات أو أوهام هم وحدهم الأحياء، هكذا ينطق الكورس في مسرحية "عابدات باخوس" للمؤلف الاغريقي يوريبيدس: "ما زالت هناك آمال لا حصر لها لأشخاص لا حصر لهم.. فمن يقض حياته سعيدا يوما بعد يوم، أعتبره أنا سعيدا"

لم يخطئ يوريبيدس حين أنطق الكورس المؤلف من عابدات تقيات لباخوس تلك الوصية الأم للأخلاق الباخوسية، فالسعادة المثالية هي السعادة اليومية ولا شيء آخر، السعادة المتولدة من رحم اللحظة، إنه رهان على "الآن" المعاش والذي يتبخر بسرعة، من هنا أمكن ليوريبيدس صياغة الباخوسية ضمن قالب تراجيدي، فالباخوسية بهجة متوحدة مع العالم والطبيعة والجماعة الكامنة في دلالة الكورس، بهجة من نوع تراجيدي والتي هي في جوهرها محاولة خلاصية لكسر قيود وحواجز العقل والتقاليد وصولا لتوحد كلي، حيث يصبح الكورس وباخوس ذاتا واحدة.

هكذا يستطيع المتلقي وبثقة خالصة تأويل الطقس كبهجة تراجيدية لا تتعالى على الألم، بل تحيله إلى ضرورة نغمية، ضرورة إيقاعية- إن جاز القول- لحكيم راقص يعرف كل عورات العالم وتسكنه الآلام النبيلة، ولا ينفك يشيح بوجهه، يتعفف ثم يأخذ بالرقص.. ليس الرقص على الألم كطائر يتعذب، وإنما بالألم ومعه وداخله..

هناك شكلان بغيضان يتوجب وضع حد لهما: الفرح المحض والحزن المحض.. الطقس الباخوسي يحمل طبيعة طاردة للتجريد، لا يفوت الباخوسية إدراك التماهي بين هذين الشكلين المتنافرين، إذ ليس الحزن المحض إلا وجه آخر لسعادة ساذجة تتغافل عن الكم الهائل من الألم والتعاسة القدرية، أما الفرح الحقيقي –كما يعبر أوفيد- فهو دائما ذلك الفرح الممتزج بالحزن.

علينا أن ندرك الباخوسية كديالكتيك انفعالي، تركيب من انفعالات تأخذ على عاتقها باستمرار في كل لحظة وفي كل عام "تجديل" الفرح بالخزن والحزن بالفرح، المزيج هنا مزيج إنساني مفرط، مزيج فوق إنساني، يأتي كمواجهة لثقافات تسودها الانفعالات البسيطة والمطلقة، يمكن القول إذن أن المزيج الباخوسي يبرز كوسط ثالث دأبه احتضان الشكلين النقيضين: ثقافة متفائلة تدشن أعوامها الجديدة بأعياد الفرح، وثقافة متشائمة لا تنفك تزاول مناحاتها الأزلية مدشنة كل عام باحتفالات جنائزية.

مع ذلك لا يعتزم الباخوسي تقديم بديل، كأن يكون تقدميا بإزاء المتشائم أو العكس، كما لا يجترح التمنيات البسيطة، تلك التي يرطن بها خبراء الأبراج "الفلاسفة أو الكهنة أو الفلكيون"، التمنيات الباخوسية نقيض ومجابهة ضد التمنيات المحافظة الجبانة المتشائمة والتخاذلية ولكنها أيضا وبالمثل ضد التمنيات التقدمية المسكونة بالآمال البسيطة وترسيمات المستقبل الخادعة. الباخوسية وهي تنأى بنفسها عن كل ذلك، تأخذ من التقدمية هوسها التغييري ومن التشاؤم واقعية الألم.

شذوذ الفيس بوك ...!

falah almishealالفيس بوك بعض إنتاج حضارة الغرب، الذي استبدل اطروحات الفلسفة والفنون والآداب والثقافة بتقنيات تستند الى العلوم، في أرفع مبتكراتها التي لم تزل تطوف في عالم الخيال لدى شعوبنا .

الفيس منحى للتواصل الإجتماعي عند الغربيين بعد تعذر لقاءاتهم اليومية، بهدف تمضية الوقت، كما هي عادة شعوب شرقنا،حيث تنعدم مهارات استثمار الوقت، وهنا يكون مظهرا لثورة الإتصالات التي تعطي خدمة إجتماعية نوعية لمستعمليه .

الأفراد الغربيون ينأى الكذب عن قاموس سلوكهم، ولايمنحهم اليوم الإنتاجي فرصة لإضاعة الوقت في قضاء ساعات طويلة بالجلوس الى جهاز االكومبيوتر في تقليب صفحات الفيس، أو توظيفه في ممارسات نصب وتمثيل، أو استخدام اسماء مستعارة بهدف شتم هذا او ذم ذاك، بخلاف مجتمعنا الذي صار ينقل امراضه الإجتماعية وأوبئته السلوكية وعقده الذاتية ن لهذا الموقع الذي جعل العالم أريكة واحدة .

الفيس يلقي ضوءا مكثفا ً على مظاهر السلوك الإجتماعي وصفاته، فهنا مثلا الأسماء المستعارة تكاد تكون استنساخا ً محدثا لإنموذج المخبر السري، أو وكيل دائرة الأمن والإستخبارات، يظهر صاحب الأسم المستعار ليشتمك أو يعطي معلومات كاذبة بهدف تسقيط ذاتي أو تشويه سمعة وأخلاق الآخرين،وفي هذا تكريس لسلوك النفاق الإجتماعي وترويج لثقافة الإشاعة والأكاذيب .

استخدامات تناقض الهدف الذي كرست أرفع العقول العلمية جهودها لإبتكاره،ليكون في خدمة مزاج الإنسان وراحته وكذلك في معرفة ماتجود به حقائب الاخبار والمعلومات المتجددة، وما تشع من أفكار .

نماذج أخرى تعكس العاهات المرضية لدى مستخدمي الفيس في العالم العربي، فهذا يطلب صداقة تحت عنوان فتاة، ويبدأ الحوار بإعجاب وتمثيل حب مخادع وينتهي بالسخرية ومشهد إحراج يصطاد العديد من المستخدمين ببراءة أو الباحثين عن حب وهمي، بعضهم يستثمر هذه الحالات للإبتزاز المالي والتهديد والنصب اللاخلاقي .

الفيس بإعتقادي وجد لمجتمع آخر غير المجتمعات المتخلفة والضاجة بالعاهات المرضية والسلوكية، كما هو مجتمعنا العراقي حيث تنتشر الأكاذيب مع الهواء، ويصبح التزوير شيمة وفخر، وتشبع مناخاته بالإشاعات ومناهج البطش الأخلاقي، وتكرس ظاهرة إغتيال السمعة وتشويه الحقائق بكونها الحالة الطبيعية السائدة ..!

شخص ينبثق بفهلوة متقنة ليصبح سياسي المرحلة، تلفيق إنتهازي يثير الإعجاب عبر كلمات فيسبوكية يكرس لها زبائنه تحت اسماء نسوية، وآخر يلطش مايكتبه الآخرون ويعيد وضعه بجمل وصياغات أخرى، وثالث يروج لصوره مع سياسي الصدفة معتبرا ً ذلك صفة شرف وعلامة فارقة ..؟؟

شخص ينشر صور قبور موتاه أو وجوده في مجلس فاتحة أو وليمة طعام مقززة، وكثيرون تكتشف عبر الفيس، ان عاصفة الإيمان الطائفي قد غطتهم، فراحت تنتشر صورهم عند اضرحة الأئمة، وتحتها هذه الجملة المكررة (رزقنا الله بزيارة .....)، ولانعرف لماذا لم يرزقهم الله قبل انتشار ثقافة الطائفة أو هذه المواسم...؟

استخدام الفيس لدى الغالبية في مجتمعنا يترجم ظواهر العقد الإجتماعية والأمراض النفسية المتوغلة عند المستخدمين،بل ان بعضهم تطغي عنده روح الشيطنة الإعتراضية فيشتم المقدس، ويبيح المحظور أخلاقيا ً، ويسيء لمجتمعات وأمم ويصفها بما لايليق، وهنا يصبح الفيس منعطفا ً آخرا في الإساءة للعلم، ومغاير لوظيفته الإجتماعية .

تنقيح التراث الإسلامي بين القبول والرفض

ali raadalftlawiبعض من الناس يظن الظنون بأهل العلم من علماء ومحققين وقد يتَهِمَهُم بانهم سيُخالفون المسار الشيعي حينما يراهم يخوضون في مجال التنقيح والتصحيح والبحث في علم الجرح والتعديل ( علم الرجال).

حقيقة أن ما قام به العلماء والمحققون ليس فيه مخالفة إلا مُخالفة العادة والتراكم عبر الزمن الذي ليس له أصل ولا دليل. وهذه مخالفة شرعية وليست سلبية ولابد منها لنفض الغبار المتراكم عبر الأزمنة . وأي مثقف شيعي إعتمد التحقيق والاستدلال في اعتقاداته ومؤلفاته، لابد أن يكون الدليل وشروطهِ مستوفاة في منهجيته ومقالاته أو أطروحاتة في العقيدة والفقه والأصول. وعباداته اليومية والشهرية أو السنوية وهذه الأفعال التصحيحية نستطيع أن نصفها أنها من صميم الحرية الشخصية والديمقراطية المدنية وحرية التفكير والاعتقاد التي يحتاجها كل فرد أو مفكر أراد أن يصعد سُلم العلم والمعرفة.

كذلك يمكن إعتمادها على انها أساس البناء الديني والمعرفي، فصحة الدليل والمعلومة المستنبطة من القول القرآني والسنة النبوية المطهرة دليل على صحة المنهج، وآلته في التحري والدقة بنقل مسلمات الدين. وحين قامَ العلماء بتحقيق بعض الاعتقادات وبعض القصص المرويه عن رجال غير ثقاة تكالبت عليهم الشتائم والاتهامات الفارغة لأجل صدهم عن مشروعهم التنويري . وكثيراً مادعوت أنا لهذا أي (التحقيق والتصحيح) من خلال الحوارات واللقاءات مع بعض الأخوة من الجاليات وتجمعات المجتمع المدني أو مواقع التواصل الاجتماعي، ولاحظتُ أن الأغلبية الكبرى مهتمة لهذا العمل التنويري، لكن القلة القليلة ممن لديهم الدعم الخارجي وقاعدة الجهلة والعوام في دفعهم الى التصدي لكل حركة تنويرية بإستخدام شتى السبل الوضيعة للنيل من أصحابها . ومن يضع على عاتقه هم الدعوة لدين الله عز وجل ونهج محمد وآله، المبني على الفهم لا الخرافة والمتمثلة بالآية الكريمة ( فاعلم أنه لا اله إلا الله ). فالعلم سلاح المؤمن ونجاته، ومن يروج للخزعبلات أما يطمع في مال أو سلطة ووجاهة مرموقة بين الناس .

إنَّ اللذين أخذوا على عاتقهم فتح أبواب التنقيح والتصحيح هم أهل العلم والدراية ليس غيرهم ، فلو لم يقُمّ به أهل العلم فمن برأيك بعدهم سيُمسِك منابر المسلمين ومكاتباتِهم غير المرتزقه والمدسوسين والجهلة من سفهاء الناس .

إذن من يعمل في هذا الباب أي باب الجرح والتعديل والتنقيح للتراث الشيعي هو ليس من أهل الانفصال والتغير ولا هو من أهل الطعن في المذهب أو من المُسيئين لمسار التشيع ولا هم داعين الى مسار آخر أو هم منحرفين عن الدين الاسلامي ، بل هم من أهل الوفاء ومن أهل التقوى والورع للمذهب وأهله حين يقفون كحُراس أمناء، منهم من يمسك بسلاحه وهو القلم ليتصدر الى كل نائبة ودسيسة تحاول تغيير سمة الدين الحنيف وتشويه مسار المذهب وشفافيته وحيويته .

ومقدمتي هذه إشارة لما يقوم به هذه الأيام السيد كمال الحيدري في تنقيح التراث الشيعي وهذا شيء مطلوب ورائع ، وقد فصّلَ أموراً كثيرة ومازال السجال بينه وبين الأستاذ احمد الكاتب حول الاتفاق على نقطة جوهرية واحدة حول الغيبة المهدوية مخالفين في ذلك للأغلبية الشيعية في هذا الباب (عصر الغيبة)

وقد حدث مثل هكذا أحوال حين خالف السيد الخميني مراجع كثر في ولاية الفقيِه فكان الامر لبعضهم كصدمة لايمكن استيعابها، حتى وصلَ بالبعض الى تكفيره على القول بولاية الفقيِه لكن سرعان ما تبخر الخلاف بعد سنين، فقد تكون الفكرة في البداية غريبة على الناس وقد تضر بمصالح البعض ويتعرض صاحبها الى إتهام ومضايقات ولكن بمرور الزمن تصبح عند الناس من المسلمات.

              

                          علي  رعد الفتلاوي

مواقع التواصل الاجتماعي .. غول سرق خصوصيتنا

fadia aissaالى وقت قريب كانت الأسرة تجتمع بكل عناصرها وتناقضاتها .. حبها وكرهها .. غيرتها وحسدها .. كان الأب هو عقل الأسرة .. والأم هي قلب الأسرة .. ويتم نقاش بين الأبوين حتى لو كان الأب يطرح فكرته من باب أخذ العلم بالشيء دون العودة للأفكار المطروحة التي قد لا تتقاطع مع طروحاته .. لكن كان الجميع يستمع وباحترام وربما بخنوع وحنق .. هذا ليس موضوعي ..

كانت البنت جل ما تحلم به أن تتلقى ورقة من حبيبها يبوح لها بحبه الخجول ..

كان الشاب جل حلمه أن يلمس يد من يحب .. ويغرق في عينيها وقد يشط حلمه بأن يسرق قبلة من خدها أو يدها ..

هذا كان منذ فترة ليست بالبعيدة ..

بالنسبة لي كأديبة أذكر أول قصة نشرت لي على الورق قبل أن أعرف النشر الألكتروني .. ركضت إلى بيتنا وبيدي الجريدة .. علقتها أكثر من ثلاثة أشهر فوق صورة والدي .. وحينما بدأت قصصي تصطدم بالرقيب بحجة الخشية على عفة النساء، والأمن الأخلاقي لجأت إلى النشر الألكتروني .. ومنها إلى مواقع التواصل الاجتماعي الني ظننت بأنني سأحقق التواصل المباشر مع القارئ

أما اليوم فقد فتحوا النوافذ في غرف نومنا .. وشقوا الأنفاق تحت أقدامنا .. وللحديث عن مواقع التواصل الاجتماعي .. فيسبوك وأخواته .. واتس آب وعماته ..... الخ، شجون

فهذا الغول الذي اجتاح حياتنا لم يفعل بنا إلا زيادة الهوة والاغتراب في الأسرة الواحدة ..

والضحية ؟ كلنا ضحايا هذه الشبكات ..

فالرجل المتزوج يجد في المرأة التي تتواصل معه امرأة (كاملة الأوصاف- المرأة الحلم) لا تشوبها شائبة .. بينما زوجته وأم أولاده تصبح في زاوية منسية تعاني من كل الأمراض الجسدية والنفسية والثقافية .. وتتلقى الانتقادات في كل تصرف تقوم به حيث يقارن الرجل بها تلك التي تتواصل معه والمقارنة لن تكون في صالح الزوجة طبعاً.. ومن هنا تبدأ الشروخ والسراديب .. والمراقبة والهروب ..

والمرأة المتزوجة تجد في الرجل الذي تتواصل معه رجل خارق هو من كانت تتمنى أن تلاقيه قبل (البغل) الذي تزوجته .. فالرجل الخارق هو من سيرضي جسدها وروحها ونفسها وعالمها ...وتبدأ الشكوى والأنين .. والتظلم .. ولا ننسى أن تراكم المتاعب لكلا الطرفين سوف يزداد عمقاً وخواء وانقساماً .. هجر في الفراش .. هجر للأولاد .. هجر لكل الواجبات .. المواظبة على نوادي الرياضة، وآخر ابتكارات النفخ والشد كي تحافظ على لقب المرأة الحلم ..أما الرابح الأكبر فهي شركات التجميل ومعدات التنحيف ..

أما الشاب العازب فهو (كازنوفا) النساء ..

هذا الشاب الذي قذفه مؤهله العلمي إلى الشوارع والتسكع دون أن يجد ما يحمي وجوده .. لا عمل ولا بيت وبالتالي لا سرير يصب فيه طاقاته الجنسية .. فيلجأ إلى هذه المواقع (وأتحدث هنا عن شريحة واسعة من الشباب) وكلنا يعرف ويلمس معاناة الأهل أمام سطحية أولادهم من جهة ومصاريفهم من جهة ..

والشابة العازبة هي ألعوبة الرجال .بمعنى آخر لا تجد غضاضة في الانتقال من عاشق إلى آخر لدرجة تصل فيها إلى حد الكفر بالحب وقيمه ووجوده .. وهذا يخلق هوّة عميقة في مفاهيم الفتاة فإما أن تسقط في هذه الهوة وإما أن يأتي ابن الحلال الذي ينقذها من براثن هذا الضياع، وغالياً يكون من انتقاء الأهل ..

(حدثتني صديقتي أنها مسكت جوال في يد تلميذة في المرحلة الابتدائية فصعقت حينما وجدت فيه فيلم إباحي يعرض كل شيء أمام هذه الطفلة)

وبعد: ربما هناك الأعذار الموضوعية التي ربما لا تقنع الكثيرين منا .. فالزوج الذي يعاني من الأزمات المادية والمعنوية .. والزوجة التي أصابها الملل .. والشاب الذي لم يعطى دوره الحقيقي .. والشابة التي قتلها الفراغ الروحي والنفسي والجسدي ..

حيث فنح غول شبكات التواصل ذراعيه لتلقف التائهين والمشردين والعاطلين عن الحياة .. وكان هو الحل وهو الوحيد في ظل عالم فارغ روحياً وفكرياً .........

لا نطالب بالانكفاء إلى الداخل بقدر ما نطالب بعدم التمدد إلى الخارج وقتل روح الأسرة والدفء بغض النظر عن ديكتاتورية الأسرة العربية .

نداء من أعماق البحر يفتح الحياة

hamoda ismaeli"عندما قرأت أشعار رامبو سمعت النداء في أعماق البحر"، موضوع نشرته جريدة الغارديان The Guardian بملحق "الكتاب الذي غيّر حياتي" A book that changed me، وهو للشاعر البريطاني جورج سيرتش George Szirtes (الهنغاري المنبت 1948)، حيث يتحدث فيه عن تأثير الشاعر رامبو في حياته، الأمر الذي يبرز أهمية "الكتاب" كمنعرج بحياة البشر، حيث الكاتب لا يكتب فقط، بل إنه يغير الحياة بنفس الوقت. الكاتب يبني الواقع عبر فتح الحياة من قوقعتها التأزمية نحو فضاءات وآفاق للتحرر. وأهم نقطة يقف عندها الموضوع هي فترة المراهقة حيث بداية طريق النضج عند البشر، يتم غالبا رسمها انطلاقا من تأثير كاتب أو كتاب في حياة الشخص يصطدم به خلال هذه الفترة، حيث ينير له الطريق الغامض والمجهول؛ وحتى بالنسبة لمن لم يتأثروا بكتاب نتيجة لامبالاة أو قلة اهتمام بالأدب، فإنهم غالبا يتأثرون بأشخاص الذين بدورهم تأثروا بكتاب أو كاتب ما. إن الكتابة هي ما يُوجد الحياة بشكلها التاريخي الإنساني، حيث الحياة تجلي للكتابة وتمظهر لها، يكتب الكاتب واقعا، أو يهرب من الواقع نحو الكتابة ـ كما في حالة كافكا ـ حيث تمثل الكتابة طريقة للتكيف مع الحياة، من منظور دارويني. ففي الكتابة خلق وحياة، أو بديل يصبح بدوره حياة.

 

نص الموضوع كما جاء بقلم الشاعر:

Du mußt dein Leben ändern "يجب أن تغيّر حياتك"، يقول راينر ماريا ريلكه في مؤلفه جسد أبولو العتيق Archaic Torso of Apollo، لا تحوير، ولا تغيير بسيط في أسلوب الحياة، ولا مزيد من الجهد، إنما حياتك غيّرها. كل الكتب الجيدة تغيّر حياتك بشكل محترم، إن بتوسيع معارفك والتي بدورها تملك القدرة على تغيير تصوراتك. بعضها يقودك نحو تغيير شامل للاتجاه (الفكري). أعرف شخصا فقد إيمانه الكالوثيكي نتيجة قراءته لسامويل بيكيت. آخر قرر الالتحاق بالجامعة بعدما قرأ جود المغمور Jude the Obscure (لتوماس هاردي). هناك العديد من الكتب المفيدة بالطبع، والمتنوعة. هناك مجموعة من الكتب الجيدة "تفيدني"، غير أن الكتاب الذي أحدث شيئا بداخلي، ولا يزال كذلك كلما أطالعه، هو كتاب البطريق الكلاسيكي : أشعار ومختارات لرامبو، بمقدمة ومنثورات مترجمة لـأوليفر برنارد. لقد كان "الجسد العتيق" بالفعل بمعنى أو بآخر.

 

كنت قد اتخذت قراراً بأن أصبح شاعراً، لم يكن هذا فقط بالتأثير الذي أحدثه فيّ : لقد كان على نحو أكثر، مفهوماً ثوريا حول معنى كينونة "الشاعر"، ليس بمعنى أخذ صيغة أو صيغتين ساعياً لأن تبدو شبيها بشاب عبقري قدر الإمكان، بل على نحو عميق حتى المستوى الأكثر عمقاً. لقد كان ولا يزال، نداءً في أعماق البحر.

"لست بالشخص الجاد وأنت في سن السابعة عشر" تقول الرومانسية، من قصيدة رامبو حول حب فترة المراهقة. من المساعد إدراك ذلك في مثل هذه السن، طالما أن كل شيء حينذاك لا يبدو شيئا جاداً، خاصةً الحب. تقول لك القصيدة بأن هذه الفتاة جذابة، و"الوهن مُسكر ويذهب مباشرة لداخل عقلك"، وبهذه، بهذه السن، كل شيء يُأخذ. كم كان يبلغ رامبو من العمر حينما كتب ذلك ؟ لم يكن بالكاد قد تجاوز السابعة عشر، بما أنه قد بدأ ينشر قصائده بسن السادسة عشر، وتوقف عن ذلك بالوقت الذي بلغ فيه الواحد والعشرين. الرومانسية كانت على نحو ما (بالنسبة لرامبو)، فارسا متأملاً، متساءلاً ومنقاداً نحو نيران "موسم في الجحيم" و"إشراقات".

يجب أن نتخيل موهبة فذة، شاباً بائساً، مفخرة المدرسة التي يدرس بها، يلف مقاطع شعرية بإحدى الاختبارات ويحوز الجوائز، لكن أيضا ذلك الذي يترك بيته المضجر وتشدّد أمه الديني الخانق، بـشارلفيل، متوجّهاً إلى باريس ليصبح برناسياً*، شاعر البناء الأدبي الأكثر صفاءً، وهو الدور الذي وُهب له على أعلى درجة. لقد صار سنداً للعامة داعماً للشعب. وقد كتب حينها مجموعة من الرسائل الخلابة، والتي يعلن من خلالها أن على الشاعر أن يكون رائياً، ويجب على حواسه أن تُفتن. وتلك كانت المسألة مع بول فرلان Paul Verlaine. حيث الهدف ـ فرلان يصيب ويجرح ورامبو يشرب حد الثمل ـ والسعي. لكن يبقى الأهم من ذلك أن القصائد ذات جرأة وعظمة فاتنة. ثم النهاية ـ أو كما كتب مارتن بيل في قصيدته : "رامبو يتمدد مستلقيا بأفريقيا" ـ ميّتاً بسن الثلاثين، كتاجر، لم يكتب بعدها أي قصيدة.

أوليست هذه بكل بساطة قصة المراهقة ؟ أوليست السبب في وقوع البشر في حب القصائد والمظاهر على حد سواء، ليس فقط سبب حبهم لهذه الفترة ذاتها، حيث الشقاء والملل، بل بسبب حبهم لمعنى المراهقة ؟ أوليست سوى أسطورة بروميثيوس**، حيث يتكرر الأمر مراراً وتكراراً ؟ حيث الحياة ك"فن" استيهامي ؟ غير أنه لا يمكنك أن تحوز الأسطورة من دون أشعار. ليست بأشعار حول النمو ـ إنما حول التدرج والإنتاجية، التنامي والقدرة على النضج داخل منبت فريد مؤقت.

لم أكن بشيء يُذكر، هكذا كشاب. كنت عاديا، مدّعيا، انطوائيا ومترددا. تخيل أن تكون كما كان رامبو، والذي أعرفه جيدا، فقط تخيل. لقد تخيلت قَدَرا جيدا بعد، بسن السادسة عشر والسابعة عشر. ومعظم ما تخيلته كان فشلا وتوقفا عن الفشل. إلى أن وصلت لتلك المرحلة التي لم أعد أريد بعدها أن أظل بائع صحف، أقرأ خلف الشباك، أحلم، ثم نعم أتخيل، وأكافح في صحراء بجزيرة الفشل، حيث يمكن للإنسان أن يسقط بسلام.

ربما أراد رامبو أن يتابع (يستوفي) بعد ؟ لا أعتقد ذلك. أدركت جيدا مقصده حول رغبته بأن يكون شخصا آخر، أن يكون رائياً، حول التشتت حيث تنفلت الحواس متناثرة، حول الرغبة بمغادرة شارلفيل (في حالتي مغادرة الشمال الغربي لضاحية لندن) والأم (من، سامحيني أمي).

بَطْريق رامبو تم تقديمه بترجمات مبتذلة، لكن مع هذا التلميذ الفرنسي والدقة التناغمية لـأوليفر برنارد، تفتحت القصائد أمامي كمفرقعات إعجازية صغيرة. لقد أحببت تلك البطاريق على كل حال، كذلك بودلير، ريلكه، غوته، مختارات الشعر الحديث من مختلف اللغات. لقد كانوا عوالم قائمة بحد ذاتها. لكن في حالة رامبو (بودلير كان كل حلمه) فقد كان الأمر أكثر من ذلك. لقد كان، ولا يزال، إشراقاً ليس فقط على نحو فني، بل مهما بدى في الأمر من مفارقة، فقد كان إشراقاً فكرياً.

حقيقة، لم أقصد كتابة الأمر على هذا النحو بالضبط، لكن هكذا كتبته الآن على أية حال. هناك حيث يجب أن يكون شيء ما بعمق الفن، إنه الإنزعاج، عدم بلوغ الرضى، التطلّب، مع هذه الحماسه للمراهقة المتزمتة. ليس هناك من "أنا" بهذا المكان : إنها هناك بمكان آخر. حيث الحواس مشتتة بحق، وهناك ربما شيء ما مرئي كأنه هناك، شيء متهكم بشكل قاتل حول التصوارت الخاصة، والتي رغم كل ذلك تصورات. هذا التهكم يشتعل داخل رامبو، حيث يمنح الفن. أما نحن فلا. تجلّي رامبو هو حينما يكتب.. كمرشد، صارم، سيء، وحشي، رائع، وحقيقي.

 

When I read Rimbaud’s verse I heard the call at the bottom of the sea

- George Szirtes

The Guardian : Sunday 31 August 2014.

تقديم وترجمة: حمودة إسماعيلي

..................

هوامش:

* البرناسية: مذهب شعري، يمثل مرحلة انتقالية بين الرومانسية والرمزية، فمن الذاتية والانطواء على النفس مروراً بالوضوح والرقة وصولاً إلى مرحلة التوازن مابين الاثنين أي إلى الرمزية أخيراً - (أحمد صالح يساوي - الفرات).

** بروميثيوس: إله بالمثيولوجيا الإغريقية، حيث عاقبه زيوس على السرقة، بأن ربطه بصخرة بجبال القوقاز، مسلطا عليه نسرا ينهش كبده كل يوم، ثم يتجدد كبده بالليل، كمعاناة لا تنتهي إلى أن قام هِرَقل (هيراكليس) بتخليصه.

الألم سر الحياة

يتألم الإنسان في حياته كثيرا، تنتابه هواجس الغضب، ينتقل من مرحلة إلى أخرى، يكتشف الأخطاء التي يرتكبها، ربما تعامى عنها وغضّ الطرف عنها، ربما لأنها لم تنهك حياته، لم تأخذ من وقته إلا قليلا، لم ينتبه لها الآخرون رغم أنها جسيمة، يتوجّع الطرف الآخر يكبت ألمه لا أحد يواسيه في مصابه، ظنّ أن العالم تغير، حوّل وجهته، لم يعد الجاني يهتم لنظرات الآخرين المريبة نحوه، استسهل الجرم فصار مألوفا، يتحسّر المألوم والمكلوم، يفرز تنهّدات عميقة تخرج من أقصى الفؤاد تعبيرا عن حزن بدأ يتنشر ويعم الجوارح كلها، يبحث عن الأمل فلا يجد إلا الألم يتصدر المشهد، حاول أن يغيّر حاله لكن حاله تفرض عليه أن يبقى في دائرة الألم، استسلم أخيرا للألم فوجد فيه متعة، لأنه عوده على جميل اسمه الصبر، ولأن الصبر جميل قال سيدنا يعقوب عليه السلام عندما فقد ولديه فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون.

يتألم الإنسان وذلك قدر محتوم، لأن الله عز وجل خلقه في الدنيا ليعيش المتناقضات، فيحزن ليفرح، ويتألم ليأمل، ويخاف ليأمن، ويموت ليحيا، تلك هي معادلات الوجود والفناء، لن يستطيع بشر القفز على هذه المعطيات لأنه في الأصل قاصر على تغيير المشهد كيف يغير وهو المجبول على فعل هذا أو ذاك ليس لديه خيار آخر غير الحياة أو الموت، فإما أن يحيا عزيزا رغم الألم وإما أن يموت ذليلا وقد غمّه الألم، يحتاج الإنسان إلى أسلحة لمواجهة الألم، لأن طبعه يرفضه فهو لا يرتاح أبدا في وجوده، يسبب له صداعا مريرا، يفتك بعقله ليلا ونهارا، يرصد كل خلية فيدمرها تدميرا بطيئا، يرفض تناول المسكنات والمهدئات، يمدد جسده على الفراش يضع يده على جبهته فيجدها ساخنة تفور منها حرارة تغلي غليان الماء تحت فوهات النار المشتعلة، تُرى ما يطفئ هذا اللهيب سوى الوجع نفسه عندما يغيب، عندما يعلن الهزيمة بعد أن ألحق بثورا واضحة على الوجه كأنها فقاعات تبشر بانفراج ولو بسيط.

فالألم محبوب وإن كان مكروها، ليست فلسفة ولكنه مكرمة من عند الله رب العالمين الذي خلق كل شيء بقدر، فالحقنة مؤلمة في ظاهرها ولكنها نافعة جدا للجسد الواهن الذي يبحث عن خلايا جديدة تجدد مناعته أو تحسِّنها، ولا يبدو أنها تتحسن إلا بالألم، ليبقى الألم عنوان الانتصار على النفس الموهومة بالكبرياء والفوز، والتاريخ يشهد على صحة هذه النظرية الفطرية في الإنسان ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولذلك قيل إن الإبداع لا يكون في شيء إلا دليلٌ على أن صاحبه تجرّع الألم صغُر أم كبر، فرحم الإبداع لا يقبل جنينا مشوّها، ولا يستقبل إلا نطفة مؤلمة تبحث عن بويضة تشاطرها الرأي ليتم التلاقح ويحصل الإبداع، الجنين الظاهر والمولود الباهر.

كل من لا يتألم لا يبدع، وإن أبدع بدون ألم يكون إبداعه مبتورا منقوصا لا متعة فيه، ومن لم يتلذذ بالألم لا يشعر بمتعة الإبداع، ومن لم يذق المرارة لا يشعر بالسعادة، فالقيام لأداء صلاة الفجر في جماعة مثلا يحتاج إلى عناء كبير، لأن ألم القيام علقم كبير وعقدة تكبّل روحه ويشغلها عن التفكير في مثل هذا الواجب في وقت يتلذذ فيه بنوم عميق، إن استسلم لشيطانه سيزداد تدثّره بالفراش وإن قام نافثا كل وسوسة ارتعدت فرائص الإبداع وانتفض الجسد معلنا الحرب على النفس الأمارة بالسوء، لا يشعر حينها بالمتعة بل يؤخرها المولى عز وجل إلى بعد انقضاء صلاة الجماعة، فاسأله حينئذ بماذا تشعر سيقول حتما بانشراح كبير.

هل تواجه ثقافتنا خطراً وجوديًّا؟

mohamad aldamiليس من اليسير الارتكان إلى الاعتقاد الشائع بأن العقل الذي ابتكر وصنع واشاع شبكات الاتصال والتواصل الاجتماعي قد قدمها لنا، أي في دول العالم، السائرة قبل الفجوة الحضارية، مقابل لا شيء. وللمرء أن يتيقن بأن هذه المنجزات التقنية الرقمية فائقة التعقيد والشائكية قد حظت بالدراسة والتحليل بدقة قبل إشعال الضوء الأخضر لها للإيذان بالانتقال إلينا في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. مثل هذه المنجزات العظيمة لا يمكن أن تقدم كهدايا مجانية من قبل مبتكرها.

وإذا لم يكن المرء كامل الوعي بفوائد هذه الشبكات لمبتكرها ومسوقها لنا، فإن عليه أن يعي جيداً بأنها من أطول أذرع وأدق استقاء المعلومات والمعارف عن “الآخر”، طبائعه وطرائق تفكيره وذائقته. زد على ذلك آثار هذه الشبكات على تقريب البعيد وإتاحة المعلومة، المفيدة والضارة في آن واحد، ناهيك عن توظيفاتها للدعاية والإعلان ولتمرير خطابات معينة، قد تكون سياسية وثقافية وفكرية. لذا يجد المرء ان هذه الشبكات تزدحم بالمواقع الحكومية أو الخاصة أو المقنعة الغربية التي لا تخلو من رسائل موجهة، ذات دلالات من الأنواع المذكورة أعلاه.

أما نحن القابعين قبل الفجوة الحضارية الممتدة والمتسعة بيننا وبين العالم الصناعي والرقمي، وأقصد بـ “نحن”، هؤلاء الذين استلموا ثمار هذا التقدم العلمي على نحو سلبي، عن طريق الشراء فقط، فلنا الله فيما يراد بنا ولنا “هناك” في الجانب المعاكس من وجه الكرة الأرضية. لذا يجد المرء من المهم للغاية اليوم الاضطلاع بدراسات مسؤولة ووافية، علمية وليست بلا منهجية، لرصد آثار شبكات التواصل والاتصال الاجتماعي علينا، ثقافياً، خاصة على فئة شابة قد أدمنت عليها حد الشلل العملي وحد التواشج مع شاشات الحواسيب 24 ساعة 7 أيام في الأسبوع.

لنا أن نفعل هذا على نحو علمي دقيق ومسند بالشواهد والأدلة والبراهين اللحظة، قبل فوات الأوان وقبل أن يكون الانزلاق نحو غياهب المجهول الذي يهدد أخلاقياتنا وتقاليدنا وتواريخنا، بل وحتى لغتنا بالتراجع والنكوص.

للمرء أن يفتح ما يسمى بـ”الفيس بوك” كي يتأكد من أن ما أذهب اليه في أعلاه ليس من قبيل المبالغة والتهويل، بل هو مستخلص من قلب الواقع المؤسف الذي لم يعد يحتمل شباناً مثقفين وشابات جامعيات غير قادرين على استخدام اللغة العربية الفصحى، أو “شعراء” و”روائيين” و”أدباء” وأصحاب شهادات عالية لا يفهمون استخدامات أبسط قواعد اللغة العربية ولا يفقهون توظيف حروف الجر. ناهيك عن النوافذ التخريبية المتاحة بغزارة متناهية ومريبة لفئات شابة متعطشة للتمرد وللجديد على نحو متعام ينذر بالخطر، خاصة مع عد التمرد على أنماط السلوك (الأخلاقي أو اللغوي) المؤسسة صار من دواعي التفاخر.

لي أن أزعم بأن شيوع هذه الشبكات، إذا لم يضبط ويراقب، يمكن أن يشكل معضلة حقيقية بقدر تعلق الأمر بأعمدة مجتمعاتنا الدينية والتربوية والسلوكية، بل وحتى الثقافية.

 

 

لميعة عباس عمارة والمربد ... وانا

rafef alfaresبتكليف من ادارة مهرجان المربد الشعري برئاسة الشاعر كريم جخيور رئيس اتحاد اﻷدباء والكتاب في البصرة، رئيس اللجنة التحضيرية لمهرجان المربد، للاتصال بالشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة وابلاغها رغبة اللجنة التحضيرية بأن تتشرف هذه الدورة بحمل اسمها الكبير.

يا له من شرف اجظى به يا لها من ثقة اتحمل مسؤوليتها. ومن فوري باشرت بعدة اتصالات وكان عوني في ذلك استاذي ووالدي الروحي البروف عبد الاله الصائغ في توجيهي الى كيفية الاتصال بالشاعرة وبمساعدة الاستاذ الاديب نشأت المندوي تمكنت اخيرا من ان اصل الى عتبة سمعها..

رنين متقطع لجهاز الهاتف كان قلبي يرن معه ترى كيف سيكون استقبلها؟ حضرت عدة جمل صغتها اكثر من مرة للتعريف بنفسي وشرح الموضع. الافكار تترى وتتسابق الكلمات على لساني تمتمة صامتة ..

الو ... سيدتي الشاعرة الكبيرة لميعة عباس عمارة

ياله من صوت عذب يحمل رقة .. حنان وعفوية في الرد كدت المس ابتسامتها العذبة من خلال الكلمات ..

-نعم انا معكِ .. انت رفيف .. اخبروني انكِ ستتصلين

اعتقد بل اجزم ان صوتي كان يرتجف وممن سمعني يعرف تماما ماذا اعني حين انفعل وتصل دقات قلبي الى حنجرتي يرتجف صوتي .. حسنا انه ضعف

 -اجل سيدتي انا هي ..

 واردت التعريف عن نفسي لاصل الى شرح مهمتي ففاجئتي الشاعرة الكبيرة بكلماتها الرقيقية كمن شعرت برهبتي امامها فقالت

 -ابنتي اسمعيني انا اعرفكِ

 والحقت هذه الكلمات الاربعة بضحكة رقيقة تطمينية واعقبت "صحيح اني اعتزلت الكتابة الا اني متابعة جيدة واقرأ كثيرا , لذا انا اعرفك "

 هل لكم احبتي ان تتخيلوا وقع هذه الكلمات لا ادري ان قفزت ساعتها فرحا ام اني اكتفيت بالخرس ام ان دمعة فارت وفاضت تكلل ابتسامة لا اعرف كيف اخفيها .. لكم ان تتخيلوا كل ما سبق لكن انا عن نفسي لا استطيع ان اجزم فقط توقف الزمن في هذه الدقائق الخمس ليعود الى سنوات طويلة سابقة حين مَثُلت امامي مكتبة بيتنا القديمة وانا اجر خلفي كرسيا لاصعد عليه اتناول احد الكتب .. مثل امامي الرف الرابع بهيبته وتجهم خشبه وعبق رائحته وهو يضم (لو انبأني العراف) .. ترى لو يوما انبأني العراف ان عملاقا يقول لي "انا اعرفكِ" هل كنت سأصدق؟؟

 وسمعتها ذلك الصوت الملائكي الذي لم يتأثر بالسنوات ولم يختل ميزانه اللحني سمعتها وهي تؤكد فرحتها لاختيار اسمها الكريم خيمة لمهرجان المربد العتيد نستظل به ونفخر بأننا نحمل راية قديمة قدم الدهر نستلمها ونسلمها ونظل نبجل حامليها السابقين .. اكدتُ لها كم نتمنى حضورها .. كم ان اجيالا في العراق يتمنون رؤيتها .. ومصافحة عينيها .. كما شرفنا اسمها الكريم في مهرجان النور السادس..

-حبيبتي اشكركم ويسعدني ان تتذكروني .. انتِ تعرفين ان السفر يتعبني

هتف قلبي اجل سيدتي اعرف واعرف ان الغربة تتعبنا جميعا واننا نخلق الوطن تلو الاخر ونسميه عراق .. واعرف ان صوت النوارس يطارد احلامنا ونسيم دجلة يداعب مساماتنا .. واعرف ان ضحكاتنا جمر على الثلج .. وما من حيلة باليد..واعرف سيدتي مسافات اشتياقك للوطن حين يخون الجسد وعد الاحلام.

 

أضرار إستعمال العامية

moamar habarمن الجرائم التي وقفت عليها في الجامعة، أن أساتذة التخصصات الدقيقة، يلقون دروسهم، لا هي بالعربية، ولا هي بالفرنسية ..

ومن يحضر لطريقة إلقاء المذكرات .. من طرف طلبة الأمس .. وأساتذة اليوم .. وهم الآن يحملون رتبة بروفسور .. يصاب بالفزع .. وهو يسمع لخليط من اللغة .. ولا يقدرون على مخاطبة طلبتهم بلغة سليمة .. فأنجبوا طلبة معوقين.. في السمع .. والكتابة ..

كان أستاذي زناتي.. في مادة اللغة الفرنسية .. السنة الرابعة متوسط، سنة 1981.. يرفض أن نتحدث باللغة العربية.. فنكتبها له في ورقة باللغة العربية .. وينطقها هو باللغة الفرنسية .. ولم ينطق يوما كلمة باللغة العربية .. طيلة السنة ..

وددت لو فعل نفس الشيء أستاذ مادة اللغة العربية.. وأستاذ مادة اللغة الانجليزية .. ومواد أخرى .. ليتمكن الطالب من لغة الأم التي تلقى على مسمعه .. فيبدع في النطق والكتابة ..

لاأحد يمكنه إلغاء العامية .. فهي وسيلة تقريب لمن يجهل الفصيح من اللغة.. ومن كان غريبا عنها .. وتبقى الأمثال الشعبية .. أحسن وسيلة للتعبير عن المستوى الذي وصل إليه المجتمع .. باعتبارها تفصح عن تجربة عميقة .. أثبتت الأيام حكمتها عبر قرون من الزمن ..

لكن لايمكن للعامية.. أن تكون وسيلة تخاطب في الجامعة .. ومن فوق المنابر.. وعبر أعمدة الصحف .. ووسائل الإعلام.. فإن ذلك يسيء للغة .. لأن اللغة وضعت .. لترتفع بالأمم .. ويرفعونها .. والإدمان على العامية .. يسقط من قدر اللغة الأصلية .. فيردي مستوى صاحبها إلى الحضيض ..

منذ يومين.. إشتكى طلبة العلوم إحدى التخصصات الدقيقة .. من لغة الأستاذة «الضعيفة".. فتبيّن بالمعاينة والمشاهدة .. أن أستاذة المادة بارعة في اللغة الفرنسية.. وفي مادة التخصص .. وضعف الطلبة في اللغة الفرنسية .. جعلهم يثورون على الأستاذة.. ويطالبونها باستعمال العامية .. عوض أن يرفعوا مستواهم اللغوي.. فضيّعوا على أنفسهم .. إتقان اللغة السليمة، ولو كانت أجنبية.. وبالتالي فاتهم فهم المادة .. لأنهم لايتقنون لغة الأستاذة السليمة المتمكنة فيها ..

بقيت الإشارة، أن العامية.. مذمومة.. سواء كانت بلغة الأم .. أو اللغة الأجنبية.. فكلاهما تغطي جمال اللغة الأصلية .. وتفرزلغة هجينة .. تضر بلغة الأم .. واللغة الأجنبية على حد سواء ..

تنقية اللغة العربية من العامية والأجنبية .. عمل مطلوب.. وجهد مشكور.. واستصغار من يتحدث بالعامية عمدا .. وهو المتقن للغة الأم .. سلوك لابد أن يتصف به المحب للأصل والمنبع..

إن إستعمال العامية في اللسان المصري ..أساء كثيرا إلى اللغة العربية .. ومستواها .. والحمد لله في الجزائر .. وفي دول المغرب العربي.. الكل يتحدث باللغة العربية الفصحى.

وحفظ الله الأستاذ والكاتب الجزائري .. عبد الملك مرتاض، حين قال .. كما أحب الله .. أحب العربية .

 

الفردية المعرفية ومعركة التغيير

reebar habonيقول الفيلسوف المعرفي (كارل ياسبرز): (إن الوعي التاريخي والأحداث والوقائع التاريخية تقرّرها البطولات الفردية، وإن أحداث الثورة الفرنسية لم يقرّرها الشعب الفرنسي ولا العوامل الداخلية والخارجية، التي أحاطت بتلك الفترة التاريخية، وكان سبباً في حدوث الثورة الفرنسية، إنما الذي أحدث ذلك، البطولات الفردية لقادة الثورة الفرنسية تحديداً، فدراستنا للعام التاريخي بأحداثه، ليس أكثر من محاولة لتبيان ما هو فردي، بطولي في هذه الأحداث)

من خلال تأملنا لهذا المقتطف في سياق الفردانية والنظرة إليها من منطلق معرفي يركز على أهم سمات ومعالم الشخصية الفاحصة والمنقِّبة لآلام المحيط وفوضاه وتناقضاته، ولعلّنا في معرض حديث (ياسبرز) نوقن مدى أهمية تلك البطولات الفردية التي ذكرتها لنا الأساطير القديمة اليونانية مثالاً، أو الاغريقية والرومانية وغيرها، وساقت لنا معالم البطولة الفردية، ودورها في صناعة التاريخ وتغيير معالمه، انطلاقاً من مدى إيماننا وصناعة الفرد وبنائه بناء محكماً، لأن صناعة الفرد من صناعة المجتمع برمته..

ولعلنا نبحث في سياق معنى البطولة لنجد أن التغيير هو منشأها في الأصل، والتغيير يستقي روافده من الإرادة، والإرادة تخضع للإدراك والوعي لأهمية المعرفة، والمعرفة تحقق للمجتمع الثروة المادية والروحية على نحو متقابل ومنسجم،ولعل الوجود مركب من حركة وتجانس وتداخل كافة العوامل المناخية والجيولوجية بشكل معقد ويفرض بنا مراعاة مبدأه المتمثل بالتغيير، مادام كل ما في الوجود في تغير دائم، إذاً فلا شيء يقف أمام أمواج التغيير المتلاطمة بضراوة، كاشتداد الأعاصير أو السيول، والذات تتشظى في هيئة إرادات متعددة تنساق لخدمة المعرفة بالبحوث والجهود المبنية والمعتمدة على آلية الحركة..

ويكمل الفيلسوف المعرفي كارل ياسبرز قائلاً:

(إن الوجود الحقيقي يتحقق عندما تختبر الذات نفسها، وتصنع شيئاً ما يميزها عن غيرها، فالعالم يقدم للذات بواعث الوقائع، والذات هي التي تصنع هذه الوقائع، ولولا الذات لما كان للوقائع أي قيمة، عند الحد ترتبط الضرورة للحدث التاريخي بالحرية الفردية لتصنع الحدث)

فعلاقة المعرفي بأدوات الواقع علاقة مستمرة وحتمية مبعثها الشعور بالحاجة والمرارة والرغبة الهائلة في إنهاء التعاسة، وتحقيق الانشراح والشعور بلذة الإنجاز بعد جهد بالغ، ومن هنا يمكن صناعة التاريخ، وتحقيق آثاره على نفسية الناس ليتمثلوا بأهم القيم التي من أجلها تتحقق مقومات العيش السامي، فالبحث الشاق والنضال الدؤوب للمعرفيين يبرهن مدى جمالية وصدقية الحفاظ على القيم التي تعني صون الحقوق والواجبات على مرّ الدهور، ولا يعني بتاتاً الاهتمام بصناعة الفرد المعرفي حصره بمظاهر التزلف والمديح وإظهاره رمزاً سلطوياً، بل إشراكه بالحياة وقيم النهضة الاجتماعية عبر سياق ظروفه التاريخية والموضوعية، ويمكن على ضوء ذلك فهم الأخلاق التي هي عبارة عن ثوابت نسبية في مجتمعات متغيرة ومتصارعة في إثبات خصائصها وثقافاتها التي تحتكرها وتنفرد بها، ولا تتقيد بذلك بماهية التنوع، مما تنتج عن ذلك بعض مجتمعات غائبة عن التاريخ وأخرى تعاني القطيعة عن التاريخ والحاضر، ولاسيما أن التصادم الاقتصادي بلغ أوجه بين أرباب المال،ومن هنا أكّد المعرفيون على الأخلاق وصونها من خلال صيانة الخير والحق والجمال، وتحفيز الأفراد وتثقيفهم لأجل إنعاش العائلة بمنحى معاصر يتجاوز التقاليد الشكلية والروابط الدموية،، إلى عائلة تجمعها المعرفة كرابطة حقيقية متقدمة تنشد الحب وثقافة التسامح، والمسالمة، كبديل عن العائلة القبلية المتعصبة قبلياً، سياسياً مذهبياً وطائفياً وقومياً وحزبياً، في خضم وجود يتأثر بكل بناء أو هدم،وطبيعي ان نوقن المعرفة كقوة مواجهة للتشاؤمية وقيمها المدمرة والتي رسخها أرباب المال بجشع غير الحياة في ظل رواج الفوضوية التي تعني اللاقانون، والذي نزع عن الوجود رداء الحضارة المعرفية

 

 

ريح يوسف العصر الحديث

mohamad alghaniأوردت جريدة البيان الإماراتية بتاريخ 09 نونبر 2012 أن شركة «شاكوبوريفيوم» اليابانية أعلنت عن ابتكار تطبيق على جهاز آيفون يسمح بإرسال وتلقي متباين الروائح بين مختلف الأشخاص والجهات، وهو بالتأكيد اختراع عظيم من شأنه أن يحدث ثورة في عالم الاتصالات المربوطة بالأحاسيس.

وللحصول على هذه الخدمة المتميزة، تضيف الجريدة أن ما على الراغب فيها سوى شراء التطبيق الذي يكلف نحو 62 دولاراً أميركياً، وتحميله على الجهاز الخاص به، ويتعين في كل مرة إرسال روائح كهدية للطرف الآخر، تحميل مرفق إلكتروني جديد من موقع شركة «شاكوبورفيوم».

ومن الناحية التقنية ولتفسير كيفية عمل هذا التطبيق، اخترعت نفس الشركة اليابانية جهازاً صغيراً يتم تركيبه على مدخل الشاحن الكهربائي في الآيفون، وهو قادر على استقبال رسالة من هاتف آخر تأمره ببخ رائحة معينة، يكون المرسل قد اختارها من بين روائح عديدة .1.

أشار القرآن الكريم الى هذا المعنى منذ ابتداء الوحي، حيث حاز السبق لتنبيه العقل البشري الى هاته الحقيقة من أجل البحث فيها، ومن أجل الإشارة أيضا الى فوائد التدبر في معانيه من أجل سبر غور الكنوز الثمينة التي تبهر الألباب لكل متفكر متمعن في جنان معارفه.

قال تعالى في محكم التنزيل على لسان يعقوب عليه السلام حين قرب لقاؤه بابنه يوسف عليه السلام، وبالضبط حين كان إخوته آيبين إليه حاملين قميص يوسف لأبيهم من أجل أن يتحقق مراد يوسف من بعث القميص لوالده، وهو أن يرتد بصيرا، "إني لأجد ريح يوسف"، سورة يوسف 94، فكيف اشتم يعقوب عليه السلام رائحة ابنه عن بعد؟

يندمج الزمان والمكان في فهم إينشتين ونظريته المبتكرة حول النسبية الخاصة عام 1905م، حيث أعلن أنه (ليس لنا أن نتحدث عن الزمان دون المكان، ولا عن المكان دون الزمان، ومادام كل شيء يتحرك فلابد أن يحمل زمنه معه، وكلما تحرك الشيء أسرع فإن زمنه سينكمش بالنسبة لما حوله من أزمنة مرتبطة بحركات أخرى أبطأ منه) .2.

يثبت العلم الحديث ظاهرة انكماش الزمن التي تحدث عنها إينشتين، حيث لوحظ في معامل الفيزياء أن الجسيمات الذرية atomic particles تطول أعمارها في نظر راصدها إذا ما تحركت بسرعة قريبة من سرعة الضوء . وعلى سبيل المثال، يزداد نصف العمر لجسيم البيون في الساعة المعملية الأرضية إلى سبعة أمثال قيمته المعروفة إذا تحرك بسرعة قدرها 99% من سرعة الضوء . وطبقا لنظرية أينشتين، فإننا إذا تخيلنا أن صاروخا اقتربت سرعته من سرعة الضوء اقترابا شديدا، فإنه يقطع رحلة تستغرق خمسين ألف سنة، حسب الساعة الأرضية، في يوم واحد فقط،بالنسبة لطاقم الصاروخ، وإذا فكرت في زيارة أطراف الكون فإنك ستعود إلى الكرة الأرضية لتجد أجيالا أخرى وتغيرات كبيرة حدثت على هذا الكوكب الذي سيكون قد مر عليه حينئذ آلاف أو ملايين أو بلايين السنين بحساب أهل الأرض الذين لم يخوضوا معك هذه الرحلة المذهلة، وذلك إذا كنت قد تحركت في رحلتك بسرعة قريبة من سرعة الضوء. 3.

ما سبق ذكره يذكرنا أـيضا بقصة أهل الكهف وكيف أن نومهم لم يطل في نظرهم إلا يوما أو بعض يوم، في حين أن الحقيقة القرآنية تثبت أن غفوتهم تلك دامت تسعا مع ثلاثمائة من السنين.

يشير القرآن الكريم أيضا الى حقيقة أخرى سبق تحقيقها من طرف من تحقق بعلم الكتاب، حسب التعبير القرآني، فاستطاع أن ينقل عرش بلقيس من بلاد اليمن مستقر مملكة سبأ الى بلاد الشام موطن نبي الله سليمان، لذلك يحق لنا في نظرة استشرافية التساؤل: هل يستطيع العلم الظاهر استكناه ما وصل اليه العلم الباطن منذ آلاف السنين؟

يتضمن القرآن الكريم مختلف الإشارات الإلهية من أجل التقاطها من طرف كل متدبر، وفي ذلك دعوة للبحث والقراءة المتمعنة من أجل تيسير الحياة البشرية وتحقيق الرخاء في الأرض وهذا عين مقصود الإله من الخلق فتحقيق عبوديته عين حسن خلافته في الأرض.

 

1، انظر مقال : انتقال الروائح العطرية عبر الهاتف المحمول بتصرف.

2، أ.د/ كارم السيد غنيم، معجزة الإسـراء والمعراج من منظـور علـمي، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

3،نفس المرجع

 
 

معلومات إضافية