أقلام ثقافية

الكلام والطاقة السلبية

fatima almazroweiحياتنا الاجتماعية، وأقصد تحديداً لقاءاتنا بالآخرين، سواء مع من كنّ رفيقات عمر كالدراسة والطفولة، أو من التقيناهن في العمل، أو جمعتنا بهن الحياة في مختلف الشؤون والمهام. عندما نجلس مع بعضنا يجمعنا حديث وكلام ومواضيع كثيرة، ستجد لو أمعنت النظر جيداً أن كل واحد لديه اهتمامات وميول. وهذا طبيعي، بل كما يقال ميزة من مميزات الدنيا، أن يوجد كل هذا التنوع والتباين، لكن غير الطبيعي، وغير الصحي، أن تسمع يومياً حديثاً سلبياً محملاً بالإحباط والملل، وتسمع يومياً كلمات كلها يأس وعدم جدوى من بذل أي جهد وعمل للتطوير والتقدم، كلمات شكوى لا تنقطع من كل شيء، كلما تبث في قلبك السوداوية والظلمة.

وإذا كان قدرك أن تجتمع يومياً، بمثل من يحمل كل هذه الطاقة السلبية، فأنت مهدد تماماً، وأقصد بالتهديد استخدام جميع الكلمات المحبطة والمحملة بالتقليل من جدوى أي نشاط وعمل تنهيه بنجاح، كلمات تقزم أي فعل إيجابي تتمه على أكمل وجه، كلمات كلها إحباط، فأنت دون شك مهدد، لأن هذا الحديث السلبي الذي ينساب عليك يومياً ويتم تغذية عقلك به بشكل دوري لا بد وأن يكون له صدى أو أثر سلبي.

وحقيقة وجود أناس يحملون طاقة سلبية وبثها في كل من يلتقونهم ماثلة وواضحة، فكم هناك من تراجع عن مشروع قطع فيه شوط بسبب كلمات التخويف والتهويل، وكلمات مثل لا جديد، أو لن تكسب سوى التعب، أو كلمات مثل، «ما حد درى عنك»، أو لا تتعب نفسك وريح رأسك، وغيرها كثير جداً.

في الحقيقة، ما نحتاجه هو لقاء الإيجابيين، والحديث مع كل من يحمل الطموح، وكل من ينشر الفرح والسعادة ويبثها في كل مكان.

هؤلاء وإن كانوا كالعملة النادرة، إلا أنك عندما تلتقيهم تمسك بهم ولا تفرط فيهم أبد.

 

فاطمة المزروعي

 

تذكير لغوي (21):

faroq mawasiلا نقول في اللغة وفي المفعول لأجله: جاء الطالب إلى المدرسة درسًا.

طالعت العدد الرابع من مجلة اتحاد الكرمل- "شذا الكرمل"، ويبدو أن أصحابها مصرون على جواز (شذى)، مع أنني شرحت وأبنت أنها بالألف القائمة فقط،  وأثبتّ المراجع وهيهات!

...

قرأت بحثَا جادًا ومدروسًا حول اللغة كتبه صديق، ويبدو أن الطباعة أغفلت ثبت المصادر، وهذا مأخذ ليس من مسئولية الكاتب،

ولكن مما يُؤسف عليه أن الكاتب ذكر في الدراسة ما يلي:

"جاء الطالب إلى المدرسة درسًا- هي مفعول له، وتعني أن الطالب ما جاء إلى المدرسة إلا ليدرس"- ص12

...

ليعذرني صديقي إن صوّبت هنا بغية توضيح ذلك لقرائنا، فوكدي هنا أن أستثمر الخطأ لما فيه نفع  لعشاق اللغة.

الجملة المذكورة "جاء الطالب ...درسًا"-  ليست سليمة، فنحن لا نقول: خرج الفلاح إلى عمله حراثة، أو دراسة أو حصادًا، أكلاً، شربًا ...إلخ

ولا نقول: جاء الطالب كتابة، أو درسًا، قراءة، جلوسًا...إلخ

..

ذلك لأن من شروط المفعول له (أو لأجله) إذا جاء مصدرًا أن يكون هذا المصدر قلبيًا، أي ما  يعبّرعن حواس باطنة كالرغبة والخوف لا عن الحواس الظاهرة كالجلوس والضرب والأكل، فالقلبي إذن يعبر عن عاطفة أو شعور:

جاء الطالب رغبة في التحصيل، أو ابتغاء..، طلبًا لـ..، بُغية ..، أملاً في ..، احترامًا للعلم..، تقديرًا ...إلخ

...

لغتنا من وراء القصد.

...

سأعيد التذكير في مسألة (شذا)، في صفحتي على الفيسبوك- لعل الذكرى تنفع المؤمنين:

https://www.facebook.com/faruq.mawasi/posts/830989370312143

 

أما من عودة لأيام "الروزانا"؟؟

jawadkadom gloomفي زيارتي الاخيرة الى بيروت أخذني مشوار طويل الى زيارة اصدقاء فنانين وترتيب جلسات في مشاغلهم التي بعملون فيها وفي الزاوية من كل مشغل رأيت أسرّتهم ومكان نومهم تدنو منها طاولة صغيرة يفرشون عليها طعامهم وما تشتهي نفوسهم غذاءً وشراباً، وانا اجلس متسامرا في احاديث ذات شجون وشؤون معهم وبنفس الوقت كنت اتملّى مايصنعون ورؤية منتجاتهم الابداعية ولوحاتهم وتماثيلهم بما في ذلك العُدد والادوات والالوان والكانفاس الذي يستخدمونه

وفي ساعات متأخرة بعد منتصف ليلة مرهقة ممطرة بعد ان انفضّت جلساتنا، اقتعدت مكانا على رصيف مقهى " الكوستا " الشهيرة في الحمرا لأرتاح قليلا قبل ان ان اصل الشقة التي اقيم فيها وليتني واصلت طريقي رغم الجهد الذي اعترى جسدي وعدلت عن الاستراحة في تلك المقهى

لم اهنأ حتى باحتساء كوب الشاي المحلّى والمطعّم بالنعناع وقدح الماء وكم كان مريرا بذائقتي، ففي كل نصف دقيقة تفاجؤك متسوّلة يرثى لحالها او طفل يستكين امامك يدعو لك بالخير لعلك تغدق عليه مااستطعت، وهؤلاء معظمهم من السوريين النازحين وخصوصا من حلب التي كانت شهباء وتحوّلت الى شوهاء بفعل الحرب الطويلة التي تجاوزت الخمس سنوات دون بارقة أمل في السلام لا من محادثات جنيف ولا من رحلات دي مستورا العقيمة، وفيهم ايضا بعض اللبنانيين المسحوقين من الفقر والفاقة  الذين ركبوا الموجة واستهوتهم مهنة التسول التي تدرّ وفرة في المال بلا ايّ رأسمال وهذا ماعلمته منهم وانا اسألهم عن أوضاعهم وأعطيهم البخس مما بقي في جيبي من العملات النحاسية

ومما خفف من حزني والتياعي من اوضاع هؤلاء المساكين، فقد كان صوت فيروز يطرق اسماعي في تلك الليلة  من تلفاز المقهى مما خفّف من تعبي وهي تصدح وقبلها تزفر ببحةٍ حزينة  أوف .. أوف تكاد تقطّع نياط القلب :

ع الروزانا ع الروزانا كل الحلا فيها

وشو عملت الروزانا، الله يجازيهــا

يارايـحـين ع حلب حبي معاكم راح

يامحـملــين العنب تحت العنب تفاح

وقد زاد عليها زجّالو الشام والحكواتيون بعض المقاطع :

يارايحين عَ حماه صفّـولي نِــيّـتكـم

وكثـير عقـلي شرد بْهـوى بْنـيتكــم

حـلّـفْــتـكـم بالغالي ومْـنين مَـيّـتْكـم

مَــيّـتنا عاصي حماه شرب الافنديّة

تذكرت قصة الباخرة "روزانا" ايام العهد العثماني حين رست في شواطئ لبنان آتية من تركيا وهي محملة بفواكه العنب والتفاح الفائض عن حاجة الدولة العثمانية لإغراق البلاد بها وعرضها بسعر بخس من اجل منافسة السلع اللبنانية وتحطيم اقتصاد البلاد وإفقار تجارها وفلاّحيها مما سبّب كسادا كبيرا للبضاعة اللبنانية المحليّة، وفي هذا الموقف الحرج انتخى تجار حلب لمساعدة اخوانهم اللبنانيين فقاموا بشراء كل بضاعتهم المحليّة الكاسدة ونقلها الى حلب وبقية المدن السورية لترويجها وبيعها وإعانة الاشقّاء اللبنانيين . وعلى اثر ذلك عاد الانتعاش للاقتصاد اللبناني ولم تفلح محاولات الأتراك التخريبية في النيل من لبنان وأهله واقتصاده

هذه القصة ذات المعنى التضامني ألهمت الكثير من المطربين والحكواتيين في زمانها على جعلها فولكلورا تغنت بها حناجر كبار المطربين والمطربات في الشام والهلال الخصيب كلّه حتى وصلت الموصل الحدباء وكانت مادة للتسامر في المجالس والمقاهي والبيوتات وتسمعها كأهزوجة تتداولها ألسن الناس في الشام ولبنان وفلسطين وفي موصلنا الحزينة الان الواقعة تحت نقمة داعش حتى قيل ان الملا عثمان الموصلّي هو الذي قام بتلحينها فانتشرت في كلّ البقاع بألسنة شامية وعراقية ولبنانية معاً

مما يؤسف له ان كل هذا التضامن بين الاهل والاشقاء قبلا غدا مفقودا تماما في زماننا الوغد هذا، فقد تناسى اللبنانيون ان لهم اخوة طحنتهم الحرب وشتّت شملهم الرصاص الطائش بحيث لايدري المواطن السوري ايّة رصاصة يتقي وايّ برميل مليء بالمقذوفات ينأى عنه فأينما يولّي وجهه فثمّ وجه الفزع والموت والخوف والفاقة والتشرّد :

وسوى الروم خلف ظهرك رومُ ----- فعلى ايّ جانبيك تميلُ

حلب التي تضامنت مع بيروت وخلّدتها اغنية " الروزانا " استبيحت الان، فبعد ان كانت العصب الرئيسي للاقتصاد السوري والمركز الرئيسي لصناعة الغزل والنسيج الفاخر المصدّر الى ارقى الدول الاوربية عبر ميناء اللاذقية وهو الممول لخزانة بيت المال الشامي أضحت الان بلا صناعة بعد ان كانت بحوزتها قرابة الفي مصنع لصناعة المنسوجات الراقية منها مصانع  كبيرة وصغيرة، هذه معظمها ان لم نقل كلها  تم تفكيكها وتهريب قطع غيارها بعناية تامة الى تركيا ليعاد نصبها هناك في عمليات نهب منظّمة

ليست البلوى والتشرذم واقعا على رؤوس الفقراء وعامة البسطاء السوريين المقيمين في لبنان نزوحا فحسب، انما ينسحب الامر حتى على الاثرياء السوريين والحلبيين بالذات فقد التقيت خلال رحلتي تاجرا حلبيا جلس بقربي في حافلة نقل عام متّجهين الى بعلبك، كان جليسي السوريّ موفور المال يعيش في بحبوحة قبل نزوحه الى بيروت قادما من حلب ليأمن على نفسه وأسرته، لجأ الى لبنان فراراً من المعارك ويعتاش على ماادخره لتُعينه في ايام النحس هذه وأباح لي قصة ابتزازه من احد مالكي الشقق المعروضة للايجار واستغلال حاجته الى سكن مريح لأسرته اذ كان يدفع بدل ايجار الشقة مضاعفا قياسا الى بقية الشقق المماثلة مع ان المالك كان يقسم بأغلظ الايمان انه يراعي وضعه كلاجئ هارب

وفي موقف طريف ومرعب معا مثلما نسميها الكوميديا السوداء، حدثني انه كان في زيارة صديق له في الاشرفية وعاد بعد منتصف الليل الى مسكنه وفي الطريق ماشيا كان يتكلم مع احدهم من تلفونه النقّال فسمعه فتيان ساهرون في شقة قريبة منه ونادوا بأعلى صوتهم:

--- سوري ...سوري أمسكوه، إلحقوه

فشعر بالفزع ولم يجد بدّا من الهرب حيث اطلق ساقيه للريح دون ان يبدر منه ايّ ذنب مخلّفا وراءه ضحكات الاستهزاء والسخرية منه بسبب خوفه

مثل هذه الظواهر لم تكن شائعة في لبنان وهو البلد الجميل الذي تعوّد استقبال السوّاح العرب وغير العرب لكن الامر تغيّر الان بفعل الظروف الاستثنائية التي يعيشها وعدم قدرته على استيعاب هذا الكم الهائل من النازحين

نعرف بان لبنان عانى قبل عام انسحاب قوات حافظ الاسد / 2005 من تواجد سوري كثيف وان اكثر من ثلاثة ملايين سوري كانوا يعملون في لبنان وقتذاك عدا الجيش السوري الذي كان منتشرا بكثافة بذريعة حمايته من الاحتلال الاسرائيلي، لكن تلك الحالة لاتبرر ان يقف اهله موقفا سلبيا تجاه شقيقه التوأم النازح قهرا من سوريا اذ وصلت الاساءة الى مداها الذي لايحتمل حينما عمد البعض من السماسرة والقوّادين الى استغلال حالة الفقر والخوف لاستقطاب الكثير من نسوتنا السوريات وحجرهن في شقق وعرضهن للدعارة في سلوك غاية في البشاعة والقرف طوال اشهر عديدة وممنوع عليهن الخروج او حتى استحصال البخس من المال جراء شراء أجسادهنّ وفي حالات تفوق عمليات السبْي والنخاسة بشاعةً وإذلالاَ

وبالرغم من كل مايحصل مما ذكرت فان لبنان مازال الفسحة الجميلة التي يقصدها الانسان للترويح عن النفس بالقياس الى ماتعانيه بقية البلدان المجاورة وغير المجاورة وكل مانأمله ان تعالج مثل هذه السلبيات معالجة سليمة لازالة هذه الدمامل والثآليل أو على الاقلّ التقليل منها عن وجه لبنان الناصع كما عهدناه قبلا مقصدا للراحة والاستجمام والسياحة المروّحة للنفوس في زماننا المكفهرّ المتجهم الطلعة فقد يئسنا من إعادة التضامن والتآخي بين الاخوة وخرست اغاني الوحدة والنضال المشترك وسكتت " الروزانا " وغير " الروزانا " والقدود الحلبية ولم يعد يصغي لها احد

أيها الاشقّاء إن لم تستطيعوا أن تكونوا معنا فلا تكونوا علينا وبعبارة دارجة عندنا نقول بملء أفواهنا " كَفّونا شرّكم "

 

جواد غلوم

 

الشروكَـية والمعدان تاريخ وحضارة

لا تفترق العبارتان عن إحداهما، فما وجدت الشروكَي حتما ستجده (معيدي)، والشروكَية هم أقوام يقطنون شرق نهر دجلة، إمتزج من طينة خلقهم حب الضيافة، والكرم اللا متناهي، كانت الفطرة سائدة أجواءهم.

سبب تسميتهم المعدان يعللها مقال لإستاذي العجرش، حيث يقول "إن أهل الأهوار عبدوا إلهاً، وفر لهم كل مفاتن الطبيعة من أهوار وجاموس وطير، فأطلقوا عليه إسم مادي، وأخّذ الناس يسمونهم المادان، وبما إن الأهواريون يقلبون الألف عيناً، كما في قولهم القرعان أي القرآن الكريم، فسمي أولائك الأهواريون بالمعدان".

من المؤكد إن منبع الكتابة؛ قد إنطلق من هذه الأراضي الشروكَية، وبزغ نور العلم للعالم من بيوت أولائك المعدان، حيث حضارة أور وجلجامش وحمورابي وأنكيدوا وأوروك، الشروكَيين رصعوا لهم تاريخا حافلا بالكرم، وحسن الضيافة، وكذلك انصياعهم لمفاهيم الدين الحنيف، وإرتباطاتهم الوثيقة بالمرجعيات المقدسة، فكانوا وعاءاً لتفجير الثورات ضد الطواغيت.

الشروكَية مفردة مأخوذة من الشرق، ويفسرها البعض بأنها تعني: فتى الشمس أي فتى الحضارة والإبداع، وهذا دليل على إن أغلب المبدعين تجد إصولهم ثمرة من شجرة الشروكَية المضطهدة.

الشروكَيون أولائك الذين وضعوا الفكر في رأس العراق، وملئوا خزائنه نفطاً، وغذوا أرضه بدماء زاكيات من شبانهم وكهولهم، مع الشروكَيون تجد الفطرة السليمة والروح المتأخية.

عاشوا جنبا الى جنب مع الثورات، صولات تتبعها صولات من العشرين ومروراً بإنتفاضة صفر وشعبان، وهاهي إنتفاضة الجهاد الكفائي، التي يقدمون بها الغالي والنفيس لنصرة وطنهم ودينهم، بعد إن استباح الاجراميون أرض الرافدين، ها هم المعدان يسطرون أروع قصص الشجاعة، ويلجمون كل متيتم موتور أسست له المدرسة البعثية وأقنعته أن الشروكَيين عجم.

إن من يشك في نواياهم، لاشك إنه إستبدت به الأمراض وفتكت به كوابيس إنفلات السلطة من يده، فبدا يهرف بما لا يعرف، محاولا النيل من صناع حضارة الوطن، ويريد أن يفحم كل علماء الآثار وعلماء التاريخ وعلماء الجينات، والمتاحف التي تجمع على إن سكان الأهوار (الشروكَيين المعدان)، هم من السلالة الحية للسومريون.

خلاصة القول: لا يهمنا نعيق الساذجين، فنحن إمتداد للنبي الشروكَي الجنوبي إبراهيم الخليل (ع)، وإن العاصمة التي أسسها الإمام علي (ع)، ما زالت عاصمة الإسلام وتحج اليها الأفواج كل عام، ومنها سينطلق المنقذ بدولة العدل الإلهي، التي ستقضي على كل براثن حقدكم وإرهابكم، والسلام.

 

 

مرتضى آل مكي

 

وداعا أيها الطائر الجنوبي الجريح كمال سبتي

بعيداً عن ثرثرة السياسة التي لم نجني منها سوى صداع الرأس، وضياع الوطن، وضياع الأنسان، قريباً من عالم الشعر والأدب ولغة الأنسان المعطرة بعطر الأنسانية، دعونا نستذكر بألم الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر السومري كمال سبتي، ذلك الأنسان الشاعر الذي غيبته الغربة، ولكن صوته بقى يُحمل مشعل الأنسان والأنسانية في زمن يُقتل فيه الأنسان بسلاح الأنسان، ويذبح الوطن بشعارات الوطن . . .!

بمناسبة الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر الأنسان كمال سبتي، أود ان اعيد نشر النص الرثائي الذي كتبته عام 2005.

                           *               *              *             

 

هكذا هي الكلمات تقف عاجزة في رثائك .. ماذا تقول فيك وكيف ترثيك؟!!

عذراَ فالكلمات ما عادت تليق برثاء الفرسان، ومثلها تخرس الشفاه خجلاً وتتلاشى من قاموس الذاكرة كل المفردات، فيتشظى القلب في لواعجه لوعة وحنين كأنه بركان تناثرت من اعماقه آلاف الأموات.

ها نحن مثلك مقيدون بالأوجاع والآهات،  وها هو رماد العمر المتبقي ينبش فينا كل الذكريات،  فماذا يغني المغني وقد ملأ الدمع كل الدواة . . .

رحيلك كان بداية لنهاية ... رحيل مهاجر لم يذق في حياته إلا طعم السفر وكأساَ من الآلام.

لم ينم على وسادة إلا وكان العراق جرحاَ يرديه ثملاَ بالأحزان . . .

لم تغفو في عينيه إلا فراشات الأهل والأصدقاء، لم يتناول شيئاَ من الطعام إلا وجوع العراق يقطع اوصاله بسكاكين الحسرة. . .

لم يتأمل لوحة إلا وكان العراق مشهده الأول . . .

لم يكتب شيئاَ إلا وكان الوطن قصديته الكبرى الحبلى بالآهات والزفرات ودمعه الساخن الذي طالما انشد له عصارة فكره وتوجهُ في كل المحافل.

 

رحيلك يا كمال ... رحيل مهاجر بكتهُ مدن الغربة قبل أن تبكيه مدن العراق،  وتحسست عذاباته وهواجسه وأمنياته محطات المنفى قبل محطات الوطن الجريح.

رحيلك يا كمال ... يُذّكرنا جميعاَ بيوم سفرك المفاجيء الى بلاد المنفى،  دون وداع ولا أستئذان ولا حتى قبلة على الخد ... انه رحيل النوارس الى شواطيء أخرى، الى مدن أخرى، الى قارة أخرى بحثا عن مسطحات من المياه الصافية والهادئه، بعيداً عن عبث الصيادين. ..

رحيلك يا كمال ... بداية انكسار،  فكم كنا نحلمُ ان تعود الى شواطيء الوطن، الى سومرية الجنوب، الى مدينة صباك وعشقك الاول (الناصرية) لتعانق اوتار قصائدك الحان هواها وتستفيء بعطر ظفائرها،  ولكن ابت السماء أن لا تتم حلمنا إلا بأنكسار وتشظي ونزيف وبكاء. . .

هكذا ياكمال زحفت جيوش القدر لتسرقك وأنت في المنفى فلم تجدي نفعاً جيوش قصائدك ولم تصمد ابداً بوجه جيوش القدر . . .

هاهي طيور روحك المتعبة تهاجر معك لستريح من دورانها ومن رحلة العذاب في فضاء الغربة بعدما انهكها السفر وهي تبحث عن أيكة تستفيء بها.

وها هي قصائدك واوراقك وكتبك وملفاتك الشخصية تقيم لك حفلا تأبينياَ وتدعو بهذه المناسبة كل عشاق الكلمة الصادقة وكل المغتربين في بلاد المنفى المشاركة في التأبين.

وداعا وداعا أيها الطائر الجنوبي الجريح . . .

 

أحمد الشحماني

 

الجواهــري غريب الدار: من لهمّ لا يُدارى .. ولآهاتٍ حيارى

rawaa jasani... وهذه عصماء أخرى من قصائد الجواهري الوجدانية، الثائرة على النفس والمجتمع، والمقاييس السائدة في البلاد... وقد ضمها، كاملة، بعنوان: يا غريب الدار، ولأول مرة، ديوان "بريد الغربة" الصادر في براغ، بدعم من اللجنة العليا للدفاع عن الشعب العراقي الذي ترأسها الشاعر العظيم فور تشكيلها بعد انقلاب شباط الدموي عام 1963... وقد جاء مطلعها جواهرياً كالعادة في ثورته الجامحة، مما جعل الكتاب يقرأ من عنوانه:

من لِهَمٍّ لا يُجارى، ولآهاتٍ حَيارى

ولمطويٍّ على الجمرِ سِراراً وجِهارا...

مَنْ لناءٍ عاف أهلاً وصِحاباً، وديارا

تَخِذَ الغربة دارا إذ رأى الذلَّ إسارا

إذ رأى العيشَ مداراةَ زنيمٍ لا يُدارى

... وفي مختلف مقاطع القصيدة التي تجاوزت أبياتها المئة والعشرين، يفيض الجواهري متباهياً بمواقفه التنويرية، مبرزاً سمات وقيماً تبناها، ولم يخشَ ما يترتب عليها من أذى المعوزين والظلاميين، بل وراح يكررها في عديد كثير من شعره... إلا انه هنا شدد على الشموخ والاصرار، ولعله أراد بذلك مقدمة لما سيلي من مواقف ووقائع:

 

ياغريبَ الدار لم يُخْلِ من البهجةِ دارا...

تأخذ النشوةَ منه ثم تنساهُ السُكارى

يا أخا الفطرةِ مجبولا على الخيرِ انفطارا...

يا سَبوحاً عانق الموجةَ مَدّاً وآنحسارا

لم يُغازلْ ساحلاً منها ولا خافَ القرارا

يا دجيَّ العيشِ إن يَخْبُ دجى الناس ِ، أنارا...

 

ثم يعود الشاعر ليكتب ما يظنهُ يروض النفس، لتجاوز "الهضيمة" التي يشعر بها وحتى من الأقربين، خاصة وهو صاحب المآثر والمنابر، محملاً الذات جزءاً مما يعاني منه، بعد أن اختار نهج الثورة والتجديد، معيباً المهادنة والمساومة:

يا غريبَ الدارِ وجهاً ولساناً، واقتدارا...

لا تُشِعْ في النفسِ خُذلاناً وحَوِّلهُ انتصارا...

أنتَ شِئتَ البؤسَ نُعمى ورُبى الجنَّاتِ نارا

شئتَ كيما تمنحَ الثورةَ رُوحاً أنْ تثارا...

عبَّدوا دربَك نَهْجاً فتعمَّدْتَ العِثارا

وتصوَّرت الرجولاتِ على الضُرِّ اقتصارا...

يا غريبَ الدار مَنسياً وقد شعَّ ادِّكارا

ذنبهُ أنْ كان لا يُلقي على النفسِ سِتارا

إنَّه عاش ابتكارا ويعيشون اجترارا

 

ولكي يعزز بالوقائع ما يشكو ويتهضم منه، وما يعيبه على أصحاب القرار وغيرهم، يبدأ الجواهري المباشرة في التصريح، غير مبالغ... فبعد كل عطائه الوطني والابداعي على مدى عقود، يعيش – وهو الرمز الوطني- الاعتراب والمغترب بكل صعوباته وأرقه، صاباً جام الغضب على بلاد لم يستطع أن يتملك فيها حتى "حويشة" بينما يتنعم الرائبون، والمنحنون... ثم يعود الشاعر لينوّه إلى حكم التاريخ اللاحق، وعلى الآتي من الأحداث، بل ومتنبئاً بها... نقول متنبئاً، وقد صدق بما قال وأوحى، وذلك هو أمامنا، العراق وما عاشه – ويعيشه-  من مآس ٍ حد التميّز:

يا غريبَ الدارِ لم تَكْفَلْ له الأوطانُ دارا

يا "لبغدادَ" من التاريخِ هزءاً واحتقارا

عندما يرفع عن ضيمٍ أنالتهُ السِتارا

حلأَّتْهُ ومَرَت للوغدِ أخلافاً غِزارا

واصطفت بُوماً وأجْلَتْ عن ضِفافَيها كَنارا...

يا لأجنادِ السفالاتِ انحطاطاً وانحدارا

وجدت فرصتَها في ضَيْعةِ القَوم الغَيارى

 

... ولكي يخفف من ذلك الغضب العارم، يروح الجواهري في الأبيات التالية حانقاً، محملاً زعامات ثقافية وسياسية، مسؤولية ما أحاق به من ظلم واجحاف... وهو يمثل هنا بالتأكيد نموذجاً للعشرات، بل المئات من المبدعين والمناضلين وغيرهم، ممن اضطروا للاغتراب، أو اختيار المنفى اضطراراً... ثم يتطوع بعدها الشاعر ليوزع صفات ٍ يعتقدها بحق الذين تسببوا في تلك الأوضاع وما آلت إليه، بل وليبقي من ميسمه في جباههم وشماً "خالداً" يعيرون به جيلاً بعد جيل:

يا غريبَ الدارِ يا من ضَرَبَ البِيدَ قِمارا...

ليس عاراً أنْ تَوَلِّي من مسفّينَ فِرارا

دَعْ مَباءاتٍ وأجلافاً وبيئينَ تِجارا

جافِهِمْ كالنَسرِ إذ يأنَفُ دِيداناً صِغارا

خلقةٌ صُبَّتْ على الفَجرةِ دعها والفِجارا

ونفوس جُبلت طينتُها خِزياً وعارا

خَلِّها يستلُّ منها الحقدُ صُلْباً وفَقارا...

أنت لا تقدر أن تزرعَ في العُور احورارا...

 

... وأخيراً، وإذ يحين "مسك" الختام والايجاز لكل ما سبق وأشير إليه من وقائع ورؤى، يكتب الجواهري "معاتباً" "أصدقاء" ظنهم، و"أدباء" و"مثقفين" أحبهم ولكنهم تجافوا، خوفاً أو تنصلاً... أو لأنهم "حيارى" حتى في أمورهم ذاتها، مما جعله يسعى حتى لأن يختلق الأعذار لهم:

يا غريبَ الدارِ في قافلةٍ سارت وسارا

لمصيرٍ واحدٍ ثم تناست أين صارا

سامحِ القومَ انتصافاً واختلِق منك اعتذارا

علّهم مِثلَكَ في مُفتَرقِ الدربِ حَيارى

سِرْ واياهم على دربِ المشقاتِ سِفارا

فاذا ما عاصفُ الدهرِ بكم ألوَى وجارا

فكن الأوثقَ عهداً وكُن الأوفى ذِمارا

 

قراءة: رواء الجصاني

 

لنترك قلوبنا تتصرف!

fatima almazroweiمن هو الإنسان الذي لا يرتكب الخطأ؟ أو لا يقع في الخطأ؟ لا يوجد، وبما أنه من المستحيل أن تجد شخص منزهاً تماماً عن الخطأ، فإننا مطالبين جميعا بالتسامح، خاصة إذا عرفنا نوع الخطأ وكيف وقع، لأن هناك ممارسات تكون متعمدة ومبنية على الكراهية والحسد، فمن الطبيعي أن يكون النظام العام والقوانين خير رادع لمثل هؤلاء ضعاف النفوس، لكنني أتحدث هنا عن الأخطاء العفوية غير المتعمدة والتي نراها يوميا في مختلف بيئات حياتنا من العمل لداخل الأسر وحتى في الشارع، هذه الأخطاء الصغيرة هي الدلالة على العادة البشرية في هذا السلوك، فنحن نخطئ بشكل مستمر، ولا يعني بأننا نتعمد أو عن قصد.

هذا يقودنا لمحور آخر يتعلق بكيفية تعاملنا مع بعضنا البعض، لأن الذي يحدث في كثير من الأحيان ونتيجة لهفوات أو أخطاء أو ممارسات نعتبرها غير صحيحة، أننا نسيء الفهم، وعليه نقوم ببناء أحكام قد تكون قاسية، وغير مبررة، بل البعض منا من يقرر المقاطعة والدخول في نزاع، بينما الطرف الآخر بعيد تماما عن سوء الفهم أو لا يعلم عنه أو حتى سببه.

غني عن القول أنه لا سبيل لمعالجة مثل هذا الخلل، إلا بتقديم مبدأ حسن الظن، وأن يكون هذا دوما عادتنا وسلوكنا، وهي أول ردة فعلنا تجاه ما يعكر مزاجنا ويزعجنا، ثم السؤال ومحاولة التقصي والفهم الصحيح لأي موضوع، وبطبيعة الحال من المطلوب عدم ترك الأمور تمضي دون تمحيص وتدقيق، لأن هذا التدقيق مفيد أولا في تلافي سوء الظن وأيضا يساعد كل طرف منا على فهم الآخر.

ولعل هناك نقطة مفيدة وقد تساعد كل واحد منا على تقويم نفسه ومعالجة زلاتها، وهي التذكر دوما أن علينا النظر للناس كما نحب أن ينظروا لنا، في هذا السياق استحضر مقولة جميلة للدكتور جيفري لانج، وهو بروفيسور الرياضيات في جامعة كنساس، قال فيها: " أنا لا أفهم البشرية فكريا، بل أفهمها من خلال كوني بشرا".

وهذا تحديدا ما أريد الوصول له، وهو معرفة أن الآخرين بشر مثلنا يخطؤون دون قصد، وفي أحيان كثيرة بحسن نية، فلا داعي لإعطاء الأمور حجماً أكبر مما تستحق من الاهتمام، لنمنح هؤلاء الناس فرصة التعويض وتصحيح الأخطاء ومعالجتها دون هدر لإنسانيتهم، ببساطة متناهية لنعامل الآخرين تماما كما نحب أن يتم معاملتنا، ليس أكثر ولا أقل.

وبحق نحن بحاجة ماسة لنفهم بعضنا البعض، وان نجعل لطيبتنا وتسامحنا الكلمة الأقوى، ونترك لقلوبنا حرية التصرف في مثل هذه المواقف.

 

فاطمة المزروعي

 

لغة الحوار

fatima almazroweiلم تعد تخفى علينا الحاجة في عالمنا العربي إلى فعل حقيقي يقوم على نشر قيم الحوار وآدابه وفضائله وأثره، فالذي يحدث ونشاهده يومياً هو نزوع نحو الفوضى بكل ما تعني الكلمة، وتوجه واضح نحو «البلطجية» من الغوغاء وانحسار واضح للغة العقل والمنطق، وهذه اللغة تهزم دوماً أمام الصخب والضجيج والفوضى، بل تنحسر وتتلاشى تماماً أمام القسوة والعنف، وهو الأمر الذي نشاهده في مجتمعات عدة من عالمنا العربي بصفة خاصة، والعالم برمته بصفة عامة.

عندما تكون الكلمة العليا للغوغاء والضرب على وتر الحماس الجماهيري لتحقق فئة ما مكاسب سياسية على سبيل المثال، فإنك مباشرة ستشاهد الجهل وتسطيح المعرفة بكل وضوح ومن دون أي مواربة أو ضبابية، ومعها ستختفي لغة الحوار ومقوماته ومجالاته.

لأن الحوار الناجح سيؤدي إلى نتائج من أهمها التفاهم أو على الأقل فهم وجهة نظر الآخر وكيفية التعامل معها، الحوار يوضح أي لبس وسوء فهم، ويزيل أي غمامة وظلمة، إذا وجدت الرغبة لدى الطرف الآخر بالمعرفة والفهم والتفاهم.

تجربة الإنسان على امتداد تاريخه مع الحوار كانت دوماً ثرية ومفيدة، وإذا توجهت الأطراف المختلفة نحوه، برغبة صادقة لإيجاد الحلول لكل ما يعترضهم من معضلات وعقبات ومشاكل، فإنه ينجح وتكون له ثمار وفوائد كبيرة.

بعض العلماء ودارسي العلوم الإنسانية يتحدثون ويؤكدون أن الحوار هو أساس الحضارة البشرية، وأنه اللبنة الرئيسة التي قامت عليها كل خطوات التطور والرقي والتقدم، وأن المجتمعات التي تنتشر فيها قيم الحوار ومبادئه وخصاله، هي الأكثر تقدماً وتفوقاً واستقراراً وإنتاجية.

وأنا أتفق تماماً مع مثل هذه الآراء، لأن لدينا شواهد عدة عن مجتمعات قررت حسم خلافاتها بالعنف والقسوة والتقاتل، وهي مستمرة منذ سنوات في أتون الحروب والموت، فقد استبدلت لغة السلاح بلغة الحوار

 

فاطمة المزروعي

 

رسالة ستيڤ بول جوبز (١٩٥٥-٢٠١١) إلى العالَم العربيّ

haseeb shahadaستيڤ بول جوبز (Steve Paul Jobs، ٢٤ شباط ١٩٥٥ـــ ٥ تشرين أول ٢٠١١) شخصيّة عالميّة في مجال تكنولوجيا الحاسوب الحديثة، آيْ بود وآيْ فون وآي باد. إنّه أعظم رجل في تاريخ المعلوماتية الراهن. كان مثلاً المؤسّسَ الرئيسي والمدير التنفيذيّ لشركة أبِل. والداه البيولوجيان غير المتزوجين آنذاك، هما عبد الفتّاح الجندلي السوري وجوان كارول شيبل الألمانية، أما المتبنّيان له فهما بول وكلارا جوبز من أصل أرمني بولندي. سافر ستيڤ إلى الهند في مطلع شبابه واعتنق البوذية وعاش نباتياً طيلةَ حياته. عانى ستيڤ قبل وفاته ببضع سنوات من سرطان نادر في البنكرياس. أُجريت له عمليّة زراعة كَبد في عام ٢٠٠٩، إلا أنّ توقُّف التنفّس كان سبب مفارقة ستيڤ للحياة. كبرياء الجندلي منعته من مبادرة الاتّصال بابنه، وانتظر ذلك من ابنه، الذي قال إن والديه “كانا مخزنًا لنطفتي، لا أكثر”. ربطت ستيف علاقة متينة مع شقيقته، منى سيمبسون، الروائية الشهيرة بعد أن كان ابن سبعة وعشرين عامًا، وحرص على الاتصال بوالدته من حين لآخر. يُذكر أن جوبز اختار أخيرًا التفاحة المقضومة رمزًا لشركته لعمله في كرم تفّاح سابقًا، لأن رسم شجرة تفّاح يستظلّ تحتها إسحاق نيوتن كان سيحتلّ حيّزًا أكبر من المطلوب. تلك التفّاحة المقضومة ترمز إلى شجرة المعرفة التي “نتشها” آدم في الجنّة، وهي بألوان قوس قزح.

 

هذه خلاصة رسالة ستيڤ للعالَم العربي كما وردت في الصحف الإلكترونية. أُعذروني يا أصدقائي العرب على ما سأقول. إنّها الحقيقة والحقيقة صعبة ومرّة. أنا عربيّ مثلكم فالعروبة عرقيّة، بالدم. الشام واليمن ومصر تنعكس على وجهي؛ بساطتكم ولُطفكم، أنا مثلكم ولكنّكم لستم مثلي. كلّ واحد منكم عبارة عن نسخة من أبيه وجدّه وعائلته وقبيلته، أمّا أنا فلست أعرف قبيلة أبي ولم أبحث عنها. لم أبحث قطّ عن الماضي. تركته لكم، فأنتم مُغْرمون به وتتوقون إلى الرجوع إليه. تركني أبي يتيمًا عند ولادتي، بكلّ قسوة ووحشية. رغم ذلك أشكره على ذلك، لأنه تركني يتيمًا، لقيطًا، مجهولاً بلا ماضٍ وتراث أعود إليه، ولكنّه في الواقع كان أبًا مثاليًا فقد تركني في بلاد الحرية والورود، ولم يتركني في الأقطار العربية الشقيقة التعيسة. لذلك كان لِزامًا عليّ أن أشقّ طريقي بنفسي. رفعت رأسي وصنعت المستقبل وتراثي الخاصّ وليس ذلك الخاصّ بأجدادي. ها أنتم وغيركم تتمتّعون بما اخترعت.  إنّي أعيش للجديد والتجديد والتغيير والتطوير. يا أسلافي،  لم أتعلّم منكم شيئًا، حاولوا يا عرب أن تتعلّموا منّي شيئًا واحدًا: التعلّق بالماضي لن يغيّر الحاضر، ناهيك عن  المستقبل، أُتركوه. إنكم تنظرون نحو الاتّجاه الخاطىء يا آبائي وأجدادي. نعم، أنا عربيّ مثلكم ولكنّني لا أومن بالغيبيات والنفاق والتقديس. إنّي أومن بالعمل الجادّ والإنجاز والإتقان والتفكير الخلاق.

إني لا أومن بالماضي بل بالمستقبل. أجدادي العرب سامِحوني، قد لا أستطيع تغيير وضعكم إلا أنّني غيّرت مستقبل الإنسانية في التعامل مع التقنية على هذا الكوكب، وسأستمرّ في التغيير والتطوير، لأنّني أستثمر وقتي في السير قُدُمًا وليس في تقْبيل أيادي أو أرجل الحُكّام.

تمنياتي لكم بماضٍ سعيد!!

 

حفيدكُمُ المحبُّ

ستيڤ جوبز

 

 

غوغل يحتفي بحكمت.. والثقافة: هذا من أي عمام؟!

إحتفل محرك البحث العالمي "غوغل" الأربعاء، بالذكرى الـ 87 لولادة علم الفن التشكيلي وأحد أشهر النحاتين العراقيين والعرب على الإطلاق "محمد غني حكمت"، فيما المؤسسات الثقافية العراقية بل والإعلامية أيضا غطت في سبات عميق بالمناسبة ومن غير مسوغ منطقي، ولسان حالها يتساءل: هذا من ياعمام !! لأنه وعلى ضوء مفهوم "العمام" هذا والذي يعني محليا الحسب والنسب والانتماء القبلي والعشائري في مجتمع "عظامي" لا عصامي يحاول الجميع فيه أن يستمد قوته من صيت الأموات وسمعتهم وجاههم في وقت لا يعير فيه للأحياء قيمة – كيفية – تذكر إلا بعد وفاتهم، وسبق لأحد الشعراء ان حذر قومه من مغبة هذه السجية الجاهلية المقيتة قائلا لهم:

لا تـكونوا عظـاميـين مـفـخـرة ...مـاضـيهـم عـامـر فـي حـاضر خـرب

لا يـنـفع الحسب المـوروث مـن قـدم ...إلا ذوي همـة غـاروا على الحـسـب

والعـود مـن مثمـر إن لـم يلـد ثمـراً...عـدوه مهـمـا سما أصـلاً مـن الحطب

 

 وعلى ضوء – العظامية - المتجذرة فينا سيتم إتخاذ قرار - تيك اوي - يتم بموجبه تحديد موعد للاحتفال بنحات العراق الكبير من عدمه والأدهى من ذلك كله ان وزارة الثقافة التي عطلت دوامها الرسمي ومنحت موظفيها إجازة اجبارية بعد محاصرة مبناها من قبل متظاهرين متضامنين مع معتصمي البرلمان مطالبين بإقالة وزيرها، فرياد راوندوزي، بذريعة استشراء الفساد في أروقتها فيما حقيقة التظاهرة - هي صراع قومي بحت 100% بين عرب الجنوب وكرد الشمال على حقيبة الثقافة الوزارية - واقطع جازما بأن مخلوقا واحدا من محاصري الثقافة لا يدري من هو،محمد غني حكمت، ولا يدري شيئا عن إحتفال غوغل به ولا عن منحوتاته ولا يدري بأنه لا يدري وربما تتخطى هذه "اللا أدرية" حاجز المتظاهرين لتصل الى موظفي الثقافة انفسهم ايضا ولا أريد ان أرفع من سقف شكوكي أكثر لتطال موظفين في مكتب الوزير المطلوب تنحيه شخصيا !!.

من المؤسف حقا وعبر تأريخ العراق المعاصر ان مبدعينا وبمختلف تخصصاتهم هم موضع إحترام وتقدير عال في بلدان أضطروا للهجرة إليها مرغمين على مراحل فإحتضنتهم وأكرمتهم ووفرت لهم كل وسائل النجاح ما يؤكد الرأي القائل بأن (العراقي مبدع خارج بلده فيما المصري متميز داخله) على حد وصف الناقد الفني، الدكتور خالد عبد المجيد، مضيفا، " ما يثير استغرابي والكثيرين من المهتمين بالفن ان محرك البحث العالمي غوغل يبرز واحدا من أكبر فنانينا ممن برع في مجال النقد والرسم والنحت والتأليف وطرزت إبداعاته أشهر المواقع السياحية والمعالم الثقافية في العالم في حين تتناسى الجهة التي من المفترض ان تعنى بأمور الفن والثقافة في العراق هذه القامة الشامخة التي تخرج من بين يديها فنانون كبار لا حصر لهم، اصبح كل واحد منهم مدرسة قائمة بذاتها " .

وتابع القيسي والألم يعتصر قلبه حزنا على استاذه الذي رحل بلا عودة بعد أيام قلائل على رحيل قامة إبداعية أخرى في الفن المعماري المعاصر " زها حديد" في أرض المهجر، اقول للذين يتناسون ما أنجزته أنامل هذا النخلة العراقية الباسقة المعروفة بعطائها الثر الدافق، ان من ابرز أعمال حكمت التي لاقت شهرة واسعة، تمثال شهريار وشهرزاد ونصب كهرمانة وحمورابي وجدارية الطب وتمثال المتنبي " .

الى متى تبقى وزارة الثقافة غير معنية بالثقافة وأعمدتها.. الى متى ؟!، في بريطانيا هنالك متحف مخصص لشكسبير ومسرح يعرض أعماله التي يجسدها عمالقة التمثيل في المملكة المتحدة، فيما بلد مثل العراق يعج بالمبدعين والمتميزين لم يفلح حتى اللحظة في ترسيخ صور متألقيه ومنجزاتهم في عقول وقلوب النشء الجديد عبر المؤسسات التعليمية وعلى مختلف المستويات .

هل يعلم المثقفون والإعلاميون والنقاد ممن يحفظون أسماء الساسة عن ظهر قلب برغم غثائهم ومشاكلهم التي لاتحصى، فيما لا يعلمون عن مبدعيهم شيئا ما خلا النزر اليسير، ان من أعمال حكمت الكبيرة بوابات مُنظمة اليونيسيف وهل يعلمون انه أول نحات مسلم ينحت أبواب الكنائس العالمية، فهناك ثلاث بوابات خشبية لِكنيسة (تيستا دي ليبرا) في روما من إبداعاته اضافة الى جدارية الثَورة العَربية الكُبرى في عَمان، وغيرها الكثير ".

 ومن جميل ما أسرني به الزميل المبدع، مهند النعيمي، بالمناسبة، نقلا عن محمد غني حكمت، شخصيا، أثناء لقاء كان قد جمعه به في مشغله بحي المنصور ذات يوم، ان حكمت من عشيرة ألبو علوان في مدينة الرمادي، لكنه من مواليد بغداد/ الكاظمية، وانه الوحيد الذي سمّى نفسه بنفسه، فأبواه كانا يعانيان من وفاة الأولاد الذكور ولما ولد قررا ان يتركاه بلا إسم، وكانا ينادياه " ما شاء الله"، ولما بلغ السابعة من العمر وقررا تسجيله في المدرسة إضطرا الى إصدار دفتر نفوس له، وكان الخيار له بتسمية نفسه بنفسه فاختار اسم، محمد"، نم قرير العين يا محمد غني حكمت، بعد كل هذا العطاء والعناء في سبيل وطنك الى حد الفناء، ولانامت أعين الجبناء والبخلاء والسفهاء والبلهاء والأغبياء وووووالدخلاء .

 

احمد الحاج

 

شمسهم - و- شمسنا!

tara ibrahimعند مشاهدتي لاحد التقارير التلفزيونية عن البلاد التي لا تصلها أشعة الشمس او التي زمن اضاءة الشمس فيها قصير جدا مثل الدول الاسكندنافية، استنتجت ان الناس يعانون من الكآبة وبالتالي هناك نسبة عالية من عمليات الانتحار الذي يقوم به سكانها. لذا فان هذه الدول حريصة على حل هذه المشكلات التي تحدث جراءها وتهتم بها من الناحية الطبية والنفسية والاجتماعية...

  فعلى سبيل المثال فإن الكثيرين من هؤلاء الذين يعانون من الكآبة، يراجعون اطباء النفس بصورة دائمة للحصول على المهدئات والمسكنات التي من شأنها تهدئتهم، بل والاطباء يقترحون حلولا غريبة عجيبة .. حيث تم صنع مصباح له تأثير أشعة الشمس على المنازل، ويضاء هذا المصباح في الاوقات التي تغيب فيها الشمس، لان هذا الوقت حرج جدا وهو الذي يسبب الكآبة لان الناس لايعرفون في اي ساعة ينامون لان الظلام يحل عليهم سريعا .

  وبما ان اشعة الشمس قليلة في اليوم وغيرمتوفرة كل الوقت فان هذه الشعوب تعاني من نقص في الكالسيوم وفيتامين  D، في بلد يكثر فيه أكل الأسماك، تتنافس المعامل والشركات لصنع زيوت كبد الحوت الذي يعتبر عنصرا اساسيا في التغذية كونه غني بالفيتامينات الواقية من نقص التغذية وهشاشة العظام .

ولكن هذه الحلول الطبية والنفسية قد لاتحل مشكلات الكآبة والقلق وتداعياتها، لذا فقد توصلت الحكومة أخيرا إلى ان كل هذه الحلول لافائدة منها ان لم تكن هنالك حلول اجتماعية، منها تقوية العلاقات ما بين الناس والحرص والمثابرة على اقامة فعاليات جماعية لتكوين علاقات ودية دافئة تدفئ القلب وتنشط الروح إيجابيا وبالتالي تبعد الافكارالسود، مثل فعاليات الكورال والرابطات المحلية التي تربط ابناء الحي الواحد من خلال القيام بالسفرات وتناول الطعام معا..الخ

وقتها طرحت هذا السؤال عن الشمس في بلادي : فماذا عنها ؟ فبدون الحاجة الى هذه الشمس، فالعلاقات الاجتماعية تصل الى قمتها ما بين العائلة الواحدة او العوائل الكبيرة بل وحتى العشيرة نفسها، وحرارة اللقاء ما بين الناس امر تتميز به هذه المجتمعات، في وقت شمسنا عطوفة وحنونة بل حتى تتمادى في حنانها لدرجة القسوة على الناس في بعض الاحيان لتصبح حارقة لا ترحم صغيرها او كبيرها...

هذه الشمس الكريمة المعطاء تأثيراتها النفسية ضعيفة لا تبالي بها مجتمعاتنا التي تعاني نوعا آخر من الكآبة، هذه الكآبة التي لايعيرها احد إهتماما خاصا، وهل لمجتمعاتنا المجال للشعوربالكآبة وقسوتها حيال ما يحدث فيها من فساد وحروب وتشرد وهجرة الى المجهول؟! . في الحقيقة ان الحصول على لقمة العيش اليوم أصبح أهم من الشعور بالمكتئبين، واطعام أفواه الاطفال الصغار هي أهم من الالتفات الى الحالة النفسية للفرد، بل من العار الذهاب الى طبيب نفسي في مجتمعاتنا التي ستلقب فاعلها بالمجنون، فالحكومات بممارساتها اللامسؤولة تغلق كل الابواب في وجه أفرادها للحصول على عيش كريم وحياة مسالمة.

مجتمعاتنا التي تعيش على قرني ثور ما ان يتحرك حتى يختل توازن الجميع، تهرب من شمسها بل هي لا تفكر أن تضع على   جسدها واقي الشمس تلافيا لضرباتها القوية، فالضربات التي تتعرض لها من قبل السياسيين الطارئين عليها أصبحت أكثروجعا من تأثيرضربات الشمس التي لاتودي بحياة الانسان إلا نادرا..اما مجتمعاتهم، فما ان يعم الدفىء فيها حتى ترتفع معنويات الناس ويضحون اكثر تفاؤلا وسرورا ويتمتعون بكل نسيج وشعاع شمس تعم الاجواء والارجاء.

 

د. تارا إبراهيم

 

الجنس اللطيف لم يعد لطيفا

eljya ayshليس تحاملا على المرأة أو الإساءة إليها كأنثى، أو إلحاق بها الأذى، لكن من باب العدل الإنصاف أن نكشف الدوافع الأسباب التي دفعت بالمرأة أو كما يسمونها بـ: "الجنس اللطيف" التي أخرجتها عن طبيعتها الإنسانية كأنثى بحيث جعلتها تتصف بالعدوانية لأنها دخلت عالما يتسم بالعنف الإجرام، إذا كان البعض يرى بأن المرأة ضعيفة قلبها رهيف لا يتحمل رؤية المشاهد العنيفة خاصة الدّم، غير أن الواقع اثبت العكس، بحيث دفعت الظروف الاجتماعية بالمرأة إلى دخول عالم الإجرام من بابه الواسع، فلم تعد منخرطة في جمعيات أشرار تمتهن السرقة  تعتدي على الأشخاص  الملك العام، بل انخرطن في جماعات إجرامية منظمة،  الأمثلة كثيرة  طبعا، فهناك نساء يمارسن نشاطات في التهريب، المتاجرة في المخدرات، بل هناك نساء انخرطن في الجماعات الإرهابية، تحولن إلى" انتحاريات"..

 إنه سؤال يلح على الطرح كيف استطاع هذا الكائن الرقيق المفعم بمشاعر الأنوثة الأمومة التي يصفها البعض بـ: " الملاك" أن يحمل سكينا أو خنجرا يقتل روحا، أو يصب زيت ساخن على جسد كائن كرمه الله أمر الملائكة بالسجود له، كثيرة هي الحالات التي نسمع عنها نقرا عنها في الصحف عن جرائم بشعة ارتكبتها نساء،  يكفي الوقوف على السجون الجزائرية ما تحويه من نساء محكوم عليهن في قضايا إجرامية، طبعا لكل واحدة قصة، الأسباب التي انتهت بها إلى هذه الخاتمة المأساوية، وفي كل الأحوال من  الصعوبة بمكان الحكم على هذه الفئة التي اختارت طريق الشرّ لسبب من الأسباب،لأنه لا أحد يعرف ظروفهن الاجتماعية المحيط الذي تربين فيه، من كان وراء تحريضهن؟، لكن تبقى هذه الشريحة التي لم تجد يدا تأخذ بيدها تبحث عن البيت الدافئ القلب الحنون والنفس المؤمنة لإخراجها من عالم الإجرام معاملتها كإنسان،  إعادة إدماجها في المجتمع من جديد، من خلال البحث عن حلول للمشاكل الاجتماعية الأسرية، أجراء كذلك دراسات عن ظاهرة الجنوح بكل أشكاله، كل هذا متوقف على الخطاب الديني في المساجد انتهاج أسلوب خاص في عملية  الإصلاح بعيدا عن العنف  التجريح، لأنه لا أحد خرج من بطن أمه شريرا أم مجرما.

 

علجية عيش

 

البحر

akeel alabodالبحر عالم شاسع، امتداد مائي يرتبط مع منخفض، حدوده تتجاوز مساحات لا أمد لها من الأميال.

حكايات ترتديها أمواج لها علاقة بجغرافية، مناخاتها سماءات، وارضها بحيرات وجداول وانهار.

هو الزرقة هذه الذي تطوف بها الجبال، تطوقها، والأرض والنخيل والأشجار، هو الماء هذا الذي من منابعه تتنفس الحدائق، وعبره عطور الحياة، تتالف مع أنغام الطبيعة.

هو بقاع اجتمعت مجراتها، نجومها،  شمسها جميع كواكبها، تحاورت مع بعضها لتنجب روعة الدفء وسيل المطر.

 هو الدرب هذا الذي على أكتافه تسير جميع السفن وزوارق الصيد والبحارين.

أروقة ومسارات، منحدرات عبر مغارات كثافاتها لا تستطيع الأبصار ان تمتد، لذلك القارات نقاط تم الاتفاق عليها عبر صباحات الغروب، وغروب الصباحات، ذلك وفقا لمعادلات الليل وإشراق النهار.

من المسافات تلكم ربما يبدأ ومعه احداث يوم جديد، وعالم جديد ومنها كذلك نسمع زقزقات جديدة، وتفارقنا أرصفة جديدة. وصفاف جديدة  وفوقها تطير أسراب من العصافير جديدة، اما النوارس فتبقى دائماً كما ضحكات أنغامها تابى ان تودع شباك الصيادين أملا ان تعيش دائماً أحلاما جديدة.

 

عقيل العبود

 

ليتهم فعلاً علموا الأطفال القراءة والكتابة

fatima almazroweiكثيرة هي المثل والقيم التي نعيشها في الحياة، ونحن نطبقها بنسب متفاوتة، وبعضنا يطبقها بشكل متكامل، لكن مع الأسف لسنا جميعنا شغوفين بالمبادئ والقيم، ولسنا جميعنا نملك حساسية تنبهنا عندما نتجاوز أي قانون، أو عندما نرتكب أي خطأ تجاه الآخرين.

لكن ليست هذه المشكلة حقاً؛ لأن المجتمعات الأكثر تطوراً والتي لديها هاجس من النظام وسيادة القوانين، تملك من الوسائل والعلاجات لتذكير كل من يغفل وتعيده لجادة الصواب ليحترم الآخرين. المشكلة أن يأتي أحدهم ويتحدث عن القيم والمبادئ، هذه القيم التي يدعي أنها مميزة وقويمة وربانية، لا تنم ولا تدل إلا على الجهل والتخلف، بل على عقول عاشت في عصور سحيقة كان خلالها الإنسان يقتات فيها الفراغ المعرفي ولا يجيد سوى القسوة والقوة للتعبير عن حضوره ووجوده. بعد هذا كله أن تجد من يدافع وينافح عن هذه القيم الهابطة، التي تفتقر للحياة، بل ترفض الحياة برمتها، وتجدف ضد الإنسانية وكل مبدأ شريف ونقي.

أستحضر مثالاً قرأته قبل فترة من الزمن، حيث يقال إن أحد زعماء المقاومة الأفغانية إبان الاحتلال السوفيتي لبلادهم، حضر مؤتمراً دولياً، وتحدث بألم عن الاحتلال السوفيتي وقال: "إنهم دنسوا شرفنا، إنهم يعلمون فتياتنا القراءة والكتابة".

والآن وبعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً أقول ليت تلك القوات الغازية فعلاً قامت بتعليم الفتيان والفتيات الأفغانيات القراءة والكتابة، لأنهم لو فعلوا هذا بحق، لما كانت أفغانستان على ما هي عليه اليوم، لكان من يسمون أنفسهم مجاهدين من أجل الإسلام أكثر وعياً وفهماً وعلماً بالإسلام الحقيقي، وما رهنوا عقولهم لمن يقودونهم نحو الموت بحجة الجهاد، لكانوا أكثر قدرة على تمييز ما الذي تعنيه العمليات الإرهابية وسفك الدماء البريئة؛ لأن الفتيان والفتيات الأفغانيات في ذلك الزمن لو حصلوا على التعليم، أطفالهم وهم قد تعلموا من أمهاتهن معنى الخطأ والصواب، ولتمكنت الأمهات من تلقين أطفالهن معنى الحياة والسلام والتسامح، وليس الزج بأطفالهن نحو بارونات الحروب ومرتزقة القتل، بثمن بخس من الدولارات، تحت شعارات واهبة لا قيمة لها. ليت تلك القوات كانت فعلاً تحمل القلم والورق والعلم، لكننا نعلم جميعاً أن قوات الاحتلال دوماً لم تكن تحمل هذه الأدوات، بقدر حملها للموت والجوع والتدمير...

هذا الزعيم، الذي طرح شعارات رنانة عن الدفاع عن شرف بلاده من الاحتلال، فشل بعد جلاء قوات الاحتلال وتحرير بلاده، من بناء دولة حديثة تقوم على المساواة والعدالة، بل ملأها جوراً وظلماً وتهجيراً وحروباً لمّا تنته حتى هذا اليوم، لأن قيم الحياة لديه مشوهة تماماً، لم يجد ما يظهر فيه قسوة عدو احتل بلاده إلا أن يتهم هذا العدو – كذباً – بأنه يعلم الشعب القراءة والكتابة...

هل يوجد تشويه لقيم العلم ومبادئ الإنسانية أكبر من هذا؟. وكما قال أفلاطون:"غاية العلم الخير". فكيف تجلب قوة احتلال العلم معها؟ وكيف يفهم هذا البعد والمعنى العميق لوظيفة العلم والمعرفة مثل هذا الزعيم؟

هذه المفارقة الغريبة والعجيبة، أستحضرها، لنفكر في واقعنا الراهن، وتحديداً في عالمنا العربي، حيث تكثر فيه الحروب والطائفية، والتشابك اللفظي في كل محفل، وعلى كل وسيلة من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الفضائيات، وهي في نهاية المطاف دلالة على تواضع المعرفة لدى هؤلاء ، وشح العلم لدى شريحة واسعة من شعوب عالمنا العربي، إن الفقر في العلم انعدام للمعارف والمهارات الحياتية، وكما قال عالم علم الاجتماعي الشهير أوغست كونت: "المعرفة هي القدرة" وهي بحق القدرة على الفهم والتسامح والمحبة، والقدرة على تقبل الآخرين، القدرة على رفض الحروب وسفك الدماء، وهي قيم ومبادئ لن تفهم في عالمنا المعاصر، لأن الكلمة للجهل وليست للعلم..

 

فاطمة المزروعي

 

في انتظار اختيار بطل المسلسل

eljya ayshاللغة "العاميّة" تحل محل لغة "الضاد" في مسلسل رائد الحركة الإصلاحية في الجزائر الإمام عبد الحميد ابن باديس

أشار مختصون في اللسانيات أن مسلسل ابن باديس التاريخي سيرسم صورة للحرب الكلامية حول لغة "الضاد" في الجزائر، وتسويق معالم طمس معالمها، وهذا لا يخدم المسلسل، كما يسئ للرجل الذي كرس حياته في الدفاع عن اللغة العربية والعروبة، والتمسك بثوابت وأصالة المجتمع الجزائري، خاصة وأن أفكار ابن باديس استطاعت أن تخلق ديناميكية إيجابية في استقطاب الرأي العام، وتهذب النشء، وهو القائل: "شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب.."

يواجه الطاقم المشرف على إنتاج مسلسل العلامة عبد الحميد ابن باديس صعوبة في اختيار بطل المسلسل، ومن سيكون سعيد الحظ ليتمكن من أداء دور العلامة عبد الحميد ابن باديس، وتتوفر فيه ملامح الرجل، حيث لم يتم إلى حد الآن تحديد القائمة النهائية للممثلين "الكاستينغ" casting، لما شهده الفيلم من تأخير لأسباب تتعلق بالسيولة المالية، وأشار كل من تحدثنا إليهم أنه لابد من اختيار من لهم قدرات ويستجيبون للشروط التي يحتاجها المسلسل، حتى يكون المسلسل في مستوى المسلسلات التاريخية، ولعل اختيار بطل مسلسل العلامة ابن باديس من شأنه أن يفتح للممثلين الجزائريين آفاقا واسعة في القيام بأدوار شخصيات تاريخية وسياسية كذلك، ودخول عالم صناعة الأفلام، لاسيما والمسلسل كلف ميزانية أولية قدرت بحوالي مليون ونصف مليون دولار، وهو الرقم الذي تحفظت جهة مسؤولة عن ذكره.

وبالوقوف على مقتطفات من التصوير الرمزي التي عرضت أول أمس بقصر أحمد باي بحضور وزير الاتصال وشخصيات معروفة في الساحة الثقافية، فإن المسلسل سوف يخرج باللغة "العامية" والتي كما يبدوا أنها ستطغى على كل حلقات المسلسل، وكمعينة فقد أخذنا مقطع من التصوير من خلال الحوار الذي دار بين شخصيتين تقومان بدور الـ: سي إسماعيل وسي بن كحول.

قال بن كحول: الجماعة يحتاجوكْ، رانا جينا هاربين بينا بولادنا.. لازم نوقفوهم، جيت هارب من جيجل لقسنطينة، وأضاف : لكن يا سي إسماعيل مالقيناش قوة توقف هذا الحكام، وهذا الظلم ما نقبلوهش، الفرنسيس وما سلكوش من هذا الكولون، لازم نروحو عند الحاكم.

رد سي إسماعيل وقال: المهم يا جماعة راني فرحان بيكم، وان شاء الله ما يكون غير الخير).

وتجدر الإشارة أن مسلسل رائد حركة الإصلاح في الجزائر منذ الإعلان عنه أحدث جدلا كبيرا بعدما سلم السيناريو لمخرج سوري، وندد مثقفون بفشل الفيلم حتى لا يساء لرمز تاريخي مثل ابن باديس، كما أسيئ له في تمثاله الحجري الذي نصب بمناسبة تظاهرة قسنطينة عاصمة الثقافة العربية، وحسب مصادر فقد اعترضت مجموعة من المثقفين والمخرجين السينمائيين ومنهم الفنان محمد حازرلي على اختيار المخرج السوري باسل الخطيب لإخراج الفيلم بدعوى أنه يجهل خصوصيات المدينة وسكانها ويجهل تاريخ الجزائر وجوانبها الثقافية والحضارية..

كما أن استعمال "اللهجة المحلية" (اللغة العامية) في المسلسل حسب البعض هو من أجل تسهيل على الجمهور المشاهد فهم الأحداث التاريخية التي مرت بها الجزائر أيام الاستعمار، وجهود جمعية العلماء المسلمين في تحرير العقول والأذهان من الشرك وأشكال التطرف، في حين راى البعض أنه ضرب للهوية الوطنية، لاسيما واللغة العربية تعد إحدى المرجعيات الدينية للمسلمين، خاصة وأن العلامة عبد الحميد ابن باديس الذي يعتبر رجل الأمة جمعاء قد حرص في جمعية العلماء المسلمين على الحفاظ على الإسلام واللغة العربية، التي أدرجت ضمن الدستور الجزائري، وهذا يعني انه لا ينبغي المساس بها.

 

علجية عيش

 

حديث في اللغة (25): أهلاً وسهلاً ومرحبًا! .. على الرُّحْـب والسَّـعَـة!

faroq mawasi"أهلاً وسهلاً" نرددها عندما نرحّب بأحبتنا، فـ (أهلاً) تعني أنك جئت أو أصبت أهلاً، ولقيت أنسًا ورُحبًا (بضم الراء) وسَـعة (بفتح السين)، وفي المُحكَم لابن سِـيدَه – أي أتيت أهلاً ليسوا غرباء عنك، فاستأنس بهم.

قال الأزهري في معجمه (تهذيب اللغة)  في معنى (مرحبًا)- أتيت أو لقيت رُحبًا وسَعة لا ضيقًا، وكذلك قولهم (سَهلاً) أي وطِئت سهلاً بمعنى أنك جئت مكانًا سهلاً لا حَزْنًا غليظًا.

...

أما إعراب كل من (أهلاً) و (سهلاً) و (مرحبًا) إذا وردت منصوبة،  فهو أحد الوجهين:

*  أهلاً: مفعول به لفعل محذوف سماعًا، تقديره جئت،

 وسهلاً: مفعول به لفعل محذوف سماعًا،  تقديره نزلت أو وطِئت،

معنى ذلك أن (سهلاً) ليست معطوفة على (أهلاً)، فالعطف هنا جملة على جملة، فجملة (وطئت سهلاً) معطوفة على جملة (جئت أهلاً)، ومثل ذلك جملتا: سمعًا وطاعة!.

..

* أن كلاً منها تعرب على أنها مصدر منصوب (مفعول مطلق) بفعل محذوف- أي من المصادر التي تنصب بفعلها، نحو، شكرًا، لطفًا، عفوًا، سقيًا، إذ لما عُرف المعنى لم يكن هناك ضرورة للفعل،  وكان الأصل فيها: رحبت مرحبًا، وأهلت أهلاً وسهلت سهلاً.

..

لكن (مرحبٌ) في غير النصب وردت في كلام العرب، ففي شعر ابن الدُّمَينة:

وتحيةٌ وكرامةٌ لخيالها *** ومع التحية والكرامةِ مرحبُ

ويقول التهامي:

لهج اللسان لزائريه بمرحبٍ ** إن الندى عنوانه في مرحبِ

نلاحظ هنا أن التحية (مرحب) كانت واردة في السلام على الآخرين.

..

تقول العرب أيضًا (لا مرحبًا) عند الدعاء على الشخص أو الأمر، أي لا رحبت عليك بلادك.

ووردت (لا مرحبًا) مرتين في سورة ص – 59، 60

"هذا فوج مقتحم لا مرحبًا بهم .... قالوا بل أنتم لا مرحبًا بكم....."

..

كثيرًا ما وردت التعابير الثلاثة (أهلاً وسهلاً ومرحبًا)  معًا في الشعر العربي، أسوق منها:

 

أبو نُوَاس:

فقالت لنا أهلاً وسهلاً ومرحبًا *** بفتيان صدق ما أرى بينهم أَفْـنا

(الأفن= ضعف العقل أو فساد الرأي)

 

بهاء الدين زُهير:

رسولَ الرضا أهلاً وسهلاً ومرحبًا *** حديثك ما أحلاه عندي وأطيبا

 

صفيّ الدين الحِلّي:

وخلِ دعاني للصَّبوح أجبته:  وقلت له أهلاً وسهلاً ومرحبا

..

 

انتبه للفظ: على الرُّحبِ والسَّـعـة!

مصدر رَحُـب المكان = رُحْب

ومصدر وسِع= سَـعَة.

....................

من أطرف ما وجدت وأنا أبحث وأستقصي أنني كنت أجبت عن هذا السؤال في موقع "شبكة الفصيح لعلوم العربية-

 

وإليكم إجابتي آنذاك (تموز 2011):

"ورد إعراب أهلاً: مفعول به منصوب بفعل محذوف تقديره جئت، والواو حرف عطف (من باب عطف جملة على جملة)، سهلاً: مفعول به منصوب بفعل محذوف تقديره: وطئت أو نزلت، وجملة سهلاً معطوفة على جملة جئت الابتدائية ولامحل لهما من الإعراب (انظر مثلاً: د. محمد النادري : نحو اللغة العربية، ص 621 أو المرجع في اللغة العربية لعلي رضا ج 2، ص4 ...غير أن إعراب أهلاً : مصدر منصوب (مفعول مطلق) بفعل محذوف وارد في كتب اللغة، وكذلك إعراب سهلاً ....وجملة سهلاً معطوفة على جملة أهلاً .(علي رضا، المرجع في اللغة العربية، ج2، ص 54) وانظر كتاب رايت بالإنجليزية : قواعد اللغة العربية ج 3، ص 74، والمصادر القديمة كانت قد أثبتت كلا الإعرابين، ورأيي أن نأخذ بالأول)"

 http://www.alfaseeh.net/vb/showthread.php?t=70446

 

أ. د فاروق مواسي

 

التبسّم واجب اجتماعي ودرب من دروب المناعة النفسية!!

hamid taoulostيقول صلى الله عليه وسلم : "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، لما للابتسامة من إيجابيات كثيرة ومزاياها عديدة، يصعب على إحصائيات العالم قياس دفأها، لكونها اللغة الوحيدة التى تفهمها جميع الشعوب دون ترجمة، لما تحمله من معلومات قوية تستطيع التأثير على العقل البواطن للإنسان، والنفاذ، دون إستئذان، إلى أعماق نفسه، وادخال السّعادة على قلبه المفجوع، وبلسمة جراحه العميقة،، وانعاش أعضائه ونشر الارتياح بدواخلها، ومنحها الأمل والتفاؤل .

رغم أن الابتسامة هبة من الله عز وجل للطبيعة البشرية، وسلوى من همومها، تفتح مغلق علاقاتها الإنسانيه وتذيب خلافاتها مع الغير .

ورغم ما للابتسامة من المزايا والفضائل الكثيرة -التي وهبها الله عز وجل للطبيعة البشرية – التي تسلي الإنسان عما يتعرض له من ضغوط الحياة المعاصرة -على قصيرها الذي لا تستاهل هدرها في البكاء على أي شيء - المتشابكة المزعجات، المعقدة المُنغِصات،  نجد في مجتمعنا، مع عظيم الأسف، من يعمل - ربما عن غير قصد منه- على زعزعت ثقة الناس في مفعولها السحري، الذي أقرته الشرائع والأعراف، وذلك عبر بعض السلوكيات المجتمعية السلبية، ممثلة في عبارات التيئيس، التي يزخر بها قاموس التعامل المجتمعي عندنا، والتي يرددها،القريب قبل الغريب، على مسامع كل إقترف الإبتسام، فتأسر إرادة التبسم لديه، وتثبط الرغبة فيه عنده، وتقيد تطلعه للبشاشة، وتعمق الإحساس بالضعف على اقترافها، وتجعل منها فعلا مشكوكا في فعاليتها وعواقبها،  عبارات تبدو بسيطة طريفة في ظاهر منطوقها، لكنها خطيرة في تأثيرها على المتلقي، بما تحمله بين طياتها من مدلولات قادر على التسلل، دون استئذان، إلى أعماق المعني بها، فتغير رؤيته لفعل الإبتسام، وتجعله ينظر إلي الإبتسامة نظرة يائسة بائسة، تؤثر سلبا على شخصيته، وتعظم آلامه وأوجاعه،  وتحوله إلة كائن هش منكسر.

فإذا نحن ألقينا نظرة على كيفية تعاطي المجتمع عامة، والأسر والعائلة والوالدين، على وجه الخصوص، مع الإبتسام مع الغير عمة ومع الأطفال خاصة، فإننا ندرك حجم المأساة التي نزرعها بيننا وفي أولادنا عن غير قصد، والتي تشب معهم وتترسخ في مبادئهم وأفكارهم، فتغير نظرتهم للعديد من الثوابت ومن ضمنها نظرتهم للابتسامة ومفعولها، الذي ساهمت ماديات العصر، وعولمة القيم، وتعدد الوسائط، إلى تحويلها إلى نكتة ورمزا للقيم البالية المتجاوزة، وإلى فعل  مشكوك في غاياته..

ومن تلك العبارات، الطريفة والخفيفة، المرهقة والهدامة للنفوس،في نفس الآن، المسؤولة على التغيير الجدري، الذي لحق بمنظومة القيم الإنسانية، والتي كانت وراء كتابتي لهذه المقالة، اسرد بعض مما اتسقر منها في ذاكرتي من عهد الطفولة، رغما عني،  وكادت، أن تجردني من هذه النعمة التي من الله بها على الإنسان، رحمة به .

فكثيرا ما نسمع الرجل الشعبي يقول لمن يجهد نفسه حتى يكون بشوش المحيا، باسم الوجه، الين الكلام، تحببا وتلطفا مع الناس، إيمانا منه بأن الإبتسامة هي الطريق الاقصر الى قلوب الاخرين : تيضجك غير على خلاها،

ثم كثيرا ما نسمع الأخ يقول لأخيه، جهرا أو همسا أذا جاءه مبتسما : آشنو باغي عاود ثاني ؟

كما تقول الأم لإبنها إذا هو أبتسم لها: آشنو درتي ثاني آآلمسخوط ؟

أما إذا تبسم الإبن لأبيك فيقول له : ماعندي فلوس يا المفلس، فين الي عطيتك البارح؟

وحين  يبسم أحدهم للغريب فيقول له : واش كتعرفني؟

وإذا أنت تبسمت تأدبا أو مجاملة لأنثى، فيتهمك بالتحرش وقلة الأدب وتقول لك : غير خلي صحكتك عندك، راكم عيقتو!! 

وإذا تبسمت لمسؤول في ادارة ما، فينهرك قائلا : خلي الضحك را الإدارة وقبط الصف !!

وإذا حدث وأوقفك شرطي مرور، وتبسمت في وجهه تأدبا، فيواجهك بقوله : عطيني لوراق وما تضحك لي ما نضحك ليك !!

أما إذا كنت دائم الإبتسامة فتسمع من يقول عنك، ضاحك على خلاها !!

أما إذا اعترتك لحظة سعادة في مجتمعك البائس البئيس، وتبسمت لنفسك، تعبيرا عن متعة، أو سعادة، أو تعجب، فستسمع من يقول عنك : مسكين "أهبيل" تيضحك غير بوحدو !!

ما جعلنا نقتنع أننا في الشعب لا يستحسن الإبتسامة إلا بعد الموت فيقول؟ سبحان الله مات وهو مبتسم !!

الرحمه يا بشر، كفوا عن مثل هذه السلوكات السلبية، والعبارات المحبطة، رغم طرافتها، واعلموا أن الابتسامة واجب اجتماعي ودرب من دروب المناعة النفسية ..

 

حميد طولست 

 

الحب مع قهوة مسائية

akeel alabod

الحب كلمة تحمل في معناها ابعاد ثلاثة، اما الاول فمرتبط بمرتبة اسمها الحاء، وهي في دلالتها عبارة فيها حتى، حيث تسمع قصة عن قطار يسير على سكة صماء تنبض بمسافات تحمل انفاس المحبين من ساحات القلب حتى مساحات هذا العالم المليء بفن الألغاز ودهاليزه العجيبة، حيث ايضا عبره تتوقف مسيرة اخر ما تبقى من انفاس رجل ندر نفسه فقط لخدمة العلم، ليكون شاهد عيان على أبحاث تتدلى منها عروق الموت، لذلك بعد حين حيث ستشهد رحلة الزمن انقضاء محطة اخرى من محطات انقضاء الأنفاس، الرجل  سيفقد ما تبقى له من رائحة  الحياة، هكذا بحسب ما تقارير الطبيب الخاص بجراحة السكتة الدماغية والأوعية الدموية؛ اما البعد الثاني فهو داخل مع الباء هذا الذي في أعمق لحظات صمته  يعتكف البحر فتراه متلاطما بأنفاسه، كأنه يشد رحال خطاه المتعثرة على غرار اخر ما تبقى له من حكايات  صفارة إنذار تكشف الان عن موعد رحيل سفينة على أبواب سفرة لا احد يعلم عن موعدها. لذلك حيث بين الحاء والباء، موجة تتعثر في صمتها، تسير باستحياء لا احد يعلم عنه الا مديات امرأة دفنت اثار لقائها الاول مع المحبوب، على أنغام وتر ما انفكت اثار نحيبه تداعب نبض قلب اتعبته الغربة.

 

عقيل العبود

حرية الكلمة والقلم ...

hasan alakhalيكاد يذكرني هذا الوضع الذي يعيشه عالمنا العربي في شطريه الشرقي والغربي، والذي تتقاذفه أمواج الردة والرجعية والتطرف والغلو بنقيضيه الديني والثقافي، والمشهد الذي تعرفه بعض الحركات الدعوية وغيرها من جمعيات البر والإحسان، بتلك السلسلة الشهيرة من الرسوم المتحركة (Tom et Jerry) والتي كنا نقبل عليها بشغف كبير في الأيام الجميلة للتلفزيون المغربي، حيث كنا نترقب مقالب الفأر ونتفاعل معها ونتعاطف مع القط ونأسف لمصيره، غير أن براءة الطفولة كانت تحجب علينا أن القط والفأر يتصارعان على مصالحهما الضيقة ويتحالفان ضد الدخيل الذي لا يتقاسم معهما مكسب الغنيمة والربح، وهذا ما يجسد وبالملموس الكم الهائل من جمعيات الوعظ والإرشاد التي ترتدي لبوس الخير والتقوى ثارة، والسرية في كثير من الأوقات، وتنهج التقية في التعبير عن مواقفها في السر والعلن، جاعلة الجماعة موطنها الأصلي والبيترودولار والسيف ورمال الصحاري وإمارة الخلافة والجماعة مرجعيتها الفكرية والثقافية، ناسية ومتناسية على أن المغرب أمة لها من العمق التاريخي والمرجعية الدينية، والمؤسسات الشرعية الوطنية، ما يجعلها آمنة مطمئنة، لاتتأثر بريح عاتية من المشرق أو هواء زائف من الغرب، آخذة من الوسطية والاعتدال والتنوع الثقافي والتعدد الفكري مرجعها الأصلي .

 ولا بأس بأن نهمس لهؤلاء ومن يدور في فلكهم، ويتحمس في بعض الأحيان لمواقفهم، من أجل إحداث التوازن المرجعي الزائف، والثقافي البائد والحزبي الضيق، أن نذكره بأن ثرات علماء الغرب الإسلامي، ورجالات التصوف واجتهادات فقهائه، مازالت شاهدة عليهم في الأمصار والأوطان، التي عمروها أو مروا منها شرقا وغربا، وساهموا إلى حد ما في تألق الحضارة الإسلامية، ولمعان فكرها وثقافتها، ويكفي لنا فخرا أن نذكر ابن رشد وابن خلدون وابن بطوطة ولسان الدين ابن الخطيب، وغيرهم من فطاحلة العلم والفكر والآداب والشعر، الذين جعلوا من هذه الأمة المغربية منارة للفكر والتنوير والاعتدال، الذي تواصل من جيل إلى جيل، دون أن تأخذه جاذبية الحداثة الزائفة، ولا عتمة الرجعية الضالة، بل حافظ على توهجه الحضاري ومنطقه الفكري السليم، وتنوعه الثقافي في هذا الجزء الغربي من العالم الإسلامي، ولا بد أن نستحضر في كل قراءاتنا لمشهدنا المجتمعي، وبكل تموجاته ومنعطفاته التاريخية الدقيقة والحساسة، أن المغاربة شعبا مهما اختلفت تحاليلهم وانعرج فكر بعضهم، يجمعهم وعاء ثقافي حاضن، قادر على صهر كل التيارات والموجات، وتذويبها في قالب مغربي محض، يؤمن بالتعددية والتنوع والاختلاف .

إن عود الثقاب الذي يجعل من الحطب نارا، ويذكي فتن المرجعيات الدينية بقصد وغير قصد، إنما يجهل أن التوازن الفعلي والحقيقي في المجتمع، هو ما تركه لنا الأجداد من تراث، وما حققه جيل ما بعد الاستقلال من تراكمات صائبة، ومؤسسات وطنية قائمة الذات، تحفظ للوطن هيبته، وللفكر رحابته، وللإبداع حريته، ولابأس من أن ننخرط إن كان للطرف الأخر رغبة في الحوار والنقاش، بذل لغة التكفير والاضطهاد، في نقاش علمي محمود، على مختلف المرجعيات، شريطة أن يجمعنا وطن واحد، وأن تكون قبلته الإيمان بثوابت الأمة، وقاعدته حرية الكلمة والقلم .   

 

حسن الأكحل

فاعل ثقافي – حقوقي – نقابي مغربي

 

في عيد ميلادك السبعين

balkis alrobaieأبا ظفر أنت في قلبي وذاكرتي

ذاكرتي غارقة في لجة ذكرياتي معك والزمن الجميل الذي قضيته برفقتك ببهائه يكتظ مزدحما على راس قلمي .أراك يا أبا ظفر في كل مكان و أنت معي أينما حللت، واتنفسك مع الهواء

كنا يا أبا ظفر في كل منعطفات الحياة أسعد زوجين وأستطيع أن أقول أن ما تجذًر في حياتنا من علاقات جميلة كانت نابعة من دفيء العلاقة بين روحينا (أهن روحين صارن روح بروح). أـحسك حاضرا وأستمد قوتي من ذكراك . أنت في شجاعتك ونبل تفكيرك ومرؤتك لاتشبه أحدا، أنت لم تكن طبيبا فحسب، بل مؤسسة صحية وثقافية واجتماعية في رجل واحد

الحب الكبيرالذي بيننا انعكس على ظفر ويسار وبصماته واضحة عليهما، فعلاقة ظفر بأخيها حميمة وكلاهما يحبان الناس وهذا أجمل ما حققناه . ويُقال أن الطفل مرآة لاخلاقيات الوالدين، فطيبة الأم والأب الروحية وقدرتهما على فعل الخير للآخرين أفضل سمة أخلاقية يمكن أن يستقيها معهما الآطفال دون مجهود. فحين يعيش الوالدان بكل وجدانهما أفراح وأحزان الغير، يشب الأطفال طيبين ومخلصين

 رفاقك يتذكرون فيك الأمثولة الشيوعية في أفعالك وعلاقاتك والتزاماتك وفي تأديتك المهام الموكلة لك، مثلما وضعت معرفتك واختصاصك كطبيب في خدمة كادحي كردستان وفصائل الأنصار الشيوعيين .ان الدم الذي سال من جسدك سيتفتح مع تفتح ازهار العراق ونخله وتربته المعطاء ذات يوم

باقة قرنفل حمراء بمناسبة عيد ميلادك السبعين

 

في معنى الاخ والأخوة

akeel alabodالاخ شريك، ورفيق، وزميل لاخيه الذي ولد معه من رحم واحد، فهو شريك لانه يشترك مع اخيه وفقا لرابطة الدم تلك التي تتوزع عبرها رائحة الشعور بالألم، والفرح، بالحزن، والضحك، بالحلم، بالكبرياء، بالكرامة، بالاباء.  ورفيق لان الاخ يحمل نعش اخاه، حال موته، ويقيم له مراسيم العزاء، متحملا حتى اوزار عائلة اخيه، حال فراقه الحياة، وزميل لانه من صف واحد، ومن محيط واحد، ومن بيت  جمعه مع اخيه رحيق لغة، توزعت عبرها مقولة الاخوة، كونها عنوان للمودة، والوفاء، والمحبة والصدق.

لذلك يوم قتل قابيل اخاه هابيل، مات ملتحقا مع اخيه بعد موته، في تابوت تعطرت أنحائه باحزان الشعور بالهزيمة والخسة والخذلان.

اما عن قصة الفارس الذي ابى ذات يوم ان يشرب قطرة عطش كانت ترغمه لان يتنفس بعض الحياة دفاعا عن أولئك الذين كانوا بصبر ينتظرون قربة صغيرة من ماء الفرات تمزقت قرباناً لذرة رمل ساومها الشر، لكي تلفظ اخر ما تبقى لها من انفاس، مع حكاية بموجبها ولد الرضيع عبد الله، الذي بسهم سبقته، حكاية غدر لم يروق لها ان تتنفس الازهار رحيق الوجود، لذلك ليس عبثا ان يستحي خجلا، ذاك الذي بحب اخيه مات عطشانا.

وبهذا فللشريك كما للرفيق وللزميل قدسية بظلها تزهو منارة الخلود، ومن رائحة ارضها تنبت الارض، ومن سمائها تكتحل العيون.

 

عقيل العبود  

 

الأقل حين يفضي للأكثر

haitham asafلو كنّا نقرأ أكثر ممّا نكتب، لكانت حالتنا الأدبيّة على نحوٍ أفضل.

لو كنّا قرّاءً دائبين، لعرفنا ما لم يُكتَب بعد، ولَكُنّا من أهل التجديد والأصالة.

لو كنّا نقرأ وَ "ننسى" ما قرأنا، لَمَا تحوّلتْ كتابتُنا إلى إعادة صياغة لمقروءاتنا، أو إلى عمليّة "سطو" عليها.

لو كنّا نقرأ بزخم، لَمزّقْنا الكثيرَ من أوراقنا، ولارتاحت أقلامنا من ضغط أناملنا.

لو كنّا نقرأ، لَعرفنا عيوب كتاباتنا، وعزفنا عن نشر كلّ ما توهّمناه إبداعًا.

لو كتبنا بدوافع أكثريّتُها نابعةٌ من دواخل ذواتنا، لَكُنّا أعمق وأصدق.

لو عشنا الحياة بعمق، لكتبنا بعمق، وبصدق.

لو كتبنا بـِ "معاناة"، لَتقلَّصتْ درجة معاناة المتلقّي.

لو كتبنا بلا تصنُّع، لكُنّا أقرب إلى القارئ وأكثر ألفةً.

لو انطوت كتاباتنا على أفكار وظرف ومتعة، لَما نأى الناس عن قراءة ما نكتب.

لو تحرّرنا من سيطرة معجِبينا علينا، لَنَجَوْنا من فخّ المحاكاة، ولَكُنّا مبدعين حقًّا وذوي بصمات خاصّة بنا.

القارئ والمسؤوليّة

ليس القارئ هو المسؤول الأوّل أو الوحيد عن حالتنا الكتابيّة المتردّية. لا ينبغي أن ننحى دومًا باللائمة عليه، وفي المقابل نبرّئ ساحة مَن يحبّون الكتابة ويمارسونها دون أدنى إتقان وإبداع وجمال. ولو كان محرّرو الصحف والمجلاّت والمواقع الإلكترونيّة أكثر جرأة وحزمًا في إقصاء أو رفض نشْر ما يخاله كاتبوه إبداعًا، لَجَنى الجميعُ فائدة... لَكان هذا أرْأفَ بالقارئ... لَعادَ بالفائدة على أصحاب النصوص التي لا تلامس الكتابةَ الإبداعيّةَ (وكذلك تلك النصوص التي قد تلامسها -لكن من بعيدٍ بعيدٍ)، إذ قد يعيدون النظر في ما تخطّه أقلامهم أو في نشره.

 

التشجيع والخداع

ليس من كرم الأخلاق أن نَضِنّ أو نمتنع عن تشجيعِ ذوي المواهب الكتابيّة الحقيقيّة، وتقديمِ أيادي العون لهم بقدر المستطاع وبمدى المُتاح، وحثِّهم على نشر محاولاتهم الكتابيّة المبشِّرة. من الواجب رعايتهم وإرشادهم بتقديم النصْح المُحِبّ إليهم. في الآن ذاته، ليس من اللائق، ولا من المُنْصِف، أن نُوهِمَ معدومي المواهب أو محدوديها أنّهم من فلتات الزمان. تلك عمليّة خداع -وإنْ لم يتعمّد فاعلوها الخِداعَ-. صحيحٌ أنّ الكتابة فعلُ حرّيّة، بيد أنّ هذا لا يكفي كيما تكون الكتابة إبداعيّة. في الكتابة المنشورة مسؤوليّة؛ وعلى مُمارِسها أن يتوقّع النقدَ الصريح غير المُجامِل. ومن المستحسَن أن يأخذ في اعتباره أنّ بعض القرّاء ليسوا بأقلّ منه ثقافةً واطّلاعًا، وأنّ بعضهم يفوقونه في هذا وتلك. من هنا، قد يكون القارئ ناقدًا، وإنْ لم يمارس النقد على هيئة فعل كتابيّ.

 

كتابة النثر... عيب!

من المؤْسف أن يظنّ بعضهم أنّ كتابة الشعر لا تقتضي سوى جملة من المشاعر، وأنّ الشعر المنثور هو أيسر أنواع الشعر كتابةً. ومن المؤسف أنّ الكثيرين من هواة كتابة الشعر (من بين الناشئة وغيرهم من الأكبر سنًّا) يستهلّون محاولاتهم الشعريّة باللجوء فورًا إلى كتابة الشعر المنثور، دون خوض أيّ تجريب في أيّ من الألوان الشعريّة الأخرى؛ بل دون أيّ دراية في هذه الألوان. تُغريهم لفظة "شاعر"، فيصرّون على كتابة كلام يصعب نعته بالشعر، إلاّ من باب التجاوز أو العجز في التوصيف. الشاعريّة سِمَةٌ قد يوصف بها النثر، والنثريّة سِمَةٌ قد يوصف بها الشعر المباشِر التقريريّ. والإحساس بالحبّ لوحده ليس تأشيرةَ دخول إلى دُنى الشاعريّة، ولا ضمانةً لكتابةٍ مبدعة. والشعر المنثور الذي يستحقّ أن يُنعَت بأنّه شِعرٌ حقٌّ ليس بأسهل ضروب الشعر؛ وقد لا أكون مبالغًا إن قلت إنّه أعسرها كتابةً. يحزنني شديدَ حزنٍ هذا الإصرارُ على كتابة الشعر دون النثر، ظنًّا منهم أنّ النثر أدنى منـزلةً منه. النثر الشاعريّ أسمى -بما لا يُقاس- من الشعر النظميّ البعيد عن الكشف والاكتشاف، والدهشة والإدهاش، والانطلاق والإطلاق. الشعر كما الحبّ: جنونٌ مُعَقْلَنٌ، أو عقلٌ يرتدي زيّ الجنون الجميل المنعتق.

 

الكتابة القصصيّة

أمّا الكتابة القصصيّة، فإن لم يكن مُمارِسُها "حَكّاءً" بامتياز، فإنّ جهوده الكتابيّة جهود مضيَّعة مهدورة عبثيّة (أو كما يقول الشبّان من أبناء العمومة في كلامهم المحكيّ، بين الجملة والأخرى، وفي كلّ سياق وسياق، بمناسبة وبغير مناسبة: "خسارة على الوقت!"). الفنّ القصصيّ هو فنّ السرد وما يتخلّله من حوار ووصف وتصوير. القصّة القصيرة التي لا تشدّ قارئها من السطور الأولى عُرضة للسقوط أو الإخفاق (وكذلك الرواية إن لم تأسر القارئ من فقراتها الأولى أو صفحاتها الأولى). الكتابة القصصيّة (والمسرحيّة) الناجحة تستدعي -في ما تستدعي- مقدرة ومهارة في إيقاع القارئ في شِباك الكلام. إن لم يُقرأ الكلام، فأيّ منفعة منه؟! إن لم تقدَّم الأفكار على طبق من الكلام الشائق الرائق الحاذق، فقد تمكث هناك طريحةَ الورق، فيغدو الكتاب مقبرةً لها -وهو الذي يُنتظَر منه أن يكون أجنحةً تطير بفضلها الأفكارُ إلى عناوينها المنتظِرة وغير المنتظِرة.

 

لَـيْـتَـنا...!

ليتنا نمتنع عن الكتابة، إن لم يكن لدينا ما يستحقّ أن يُقال! ليتنا نرأف بالقرّاء، ولا نساهم في تنفيرهم من قراءة الأدب! عدم الكتابة أرحم بكثير من الكتابة الرديئة التي تساهم في تخريب الذائقة العامّة، والتي تجعل القارئ ينأى عن قراءة الأدب والاهتمام به، ويتّخذ حِيـاله موقفًا ينطوي على خليط من النفور والتبرّم والإدانة، فيضيع الإبداع الكتابيّ الحقيقيّ (وهو قليل، بل استثنائيّ) في زحمة العبث الكتابيّ والرداءة الكتابيّة، ولا يحظى بما ينبغي أن يحظى به من الاهتمام والتقدير. الكتابة، إن كانت خِلْوًا من الفكر أو الشعور المرهَف والصياغة الأصيلة اللطيفة المتقنة، لَغْوٌ هي وفعلٌ عابثٌ عبثيٌّ.

لو قرأنا كثيرًا، وفكّرنا عميقًا، ثمّ كتبنا أقلّ... لأبدعْنا أكثر.

 

بقلم : هيثم عساف

 

كيف تعود أنت وكيف تستعيد حياتك؟ .. نحو آليات لتطوير الشخصية

mohamad husamadinوخلف الصمت يكمن الإبصار، وقبل القول تنطق الأفكار ..

 

تمهيد:

التحرر من أى شئ يلزمه أمرين :المشقة فى البداية، والإلتزام بعد العبور. المشقة تكمن فى التخلص من الأحبال والأربطة التى تقيدنا فكريًا. وهنا أمران : (أولًا) وجوب التخلص منها مرة واحدة وبإستمرار (ثانيًا) وجوب التخلص منها بشكل صحيح هادفين إلى أمر صحيح أيضًا. أما الإلتزام بعد العبور من حقل المشقة هو جوهر الإستمرار وإلا لأصبحت مثل من يفرح بلعبة حتى يمتلكها ثم يلقيها بعيدًا. وبذلك يلزم هنا أيضًا أمران: (أولًا) حشد الدافع والتصميم والعناد الموجه صوب الهدف بشكل يقارب للتعصب. (ثانيًا) الإستمرار بشكل متصل دون إنقطاع أو راحة حتى تحقيق أول خطوة مكتملة.

 

كيفية آليات التطوير:

وجوب التخلص من القيود مرة واحدة وبإستمرار؛ لأنك –الأمر الأول- إذا تخلصت من رابط واحد أو عدد من الروابط أو القيود ثم توقفت لأي سبب أيًا كان، سوف تعود لتبدأ من الصفر من جديد، وقد يصيبك ذلك بالإحباط، وقد يحبط ويجهض محاولاتك المستقبلية، ويضعك بذلك داخل دائرة مفرغه من اليأس والعجز. الأمر الثانى إن لم تتخلص منها بشكل متصل ومباشر وعاودت مره أخرى ستجد الروابط أقوى من ذى قبل عما كانت عليه وكأنما هى خضعت للتدريب على يديك فى كل مره تمتنع فيها. لكن فشلك فى التصدى لها وتخطيها يعد تجريح لها، لذا هناك فرق بين تركي لها مع المقدرة أو الفشل فى تخطيها مع إستمرار المحاولة دون توقف حتى أخترقها.

وجوب التخلص منها بشكل صحيح، لأنه أحيانًا عند الإختراق والخروج من القيود تهيء لك النفس مخرج فى ظاهره صحيح وفى باطنه سم، كمن يحاول التخلص من فكره ما أو قيد ما أو إحساس ما، وتساومه النفس. وتلك مرحلة من مراحل الحروب التى تمر بها المساومة. لا تريد تلك القيود، حسنًا، خذ تلك وتقدم لك قيد آخر لكن شكله مختلف يقودك إلى الفشل.

بشيء من التبسيط، أخرج من القيود بفكرة قائدة تؤمن بها وبتصميم وهدف واحد وأفكار مسبقة موضوعة، لا تخرج عنها حتى وإن شعرت أنه جائك وحي جديد لسرعة التخلص منها، إلتزم بما سبق وحددته وكأنك عبد لتلك الشروط التى وضعتها. إنك مجبر على إتمامها دون نقاش دون إلتفات لأي تلاعب فكري أو لفظي أو أنفعالي من نفسك، أو حتى الأخرين.

الحشد الموجه للدافعية والإلتزام بعد العبور هو سر وصولك للقمة، كمن يتخطى أول 7 كم فى تسلقه لجبل بالفعل قد تخطى المجهود الأكبر فى حربه مع شدة الجاذبية الأرضية وكلما إرتفع كلما خف الحمل، ولكن إن توقف؟ سوف يسقط للقاع لذا لا تتوقف نهائيًا إلا عند بلوغك أول خطوة من هدفك بحيث يكون الأمر مغلق عند أمر معلوم بلا عودة للصفر.

الإستمرار فى أقرب وقت لإستكمال الخطوات حتى النهاية، بعدها الهدف الذى حققته ليس هو الحافز أو الهدية، بل هديتك هنا المقدرة ذاتها على بلوغ الهدف نفسه بنفسك.

بعض مجالات الفائدة كمختصر لفعالية الاجراء هنا: المشاعر السلبية، الأفكار السلبية، الدراسة، الخروج من الأزمات، الكسل، الملل، الحزن الطويل، التفكير المستمر الطويل، الركود، الإحباط، الفشل،..... إلخ

المطلوب: وضع جدول زمنى إلزامي، وتوقيت بدء مناسب، ليس قبل الزواج مثلًا أو قبل الامتحانات، لائحة قيادة كخريطة تمشى عليها، فقط بدل التضاريس ستكون خريطة أفكار وزمن.

 

بقلم: محمد حسام الدين

باحث في كلية التربية، قسم الصحة نفسية، جامعة عين شمس. مرشد ومعالج نفسي في عدة مراكز مصرية للخدمات النفسية والأسرية والتربوية

 

قبضة الخوف

الحالات التي تنتاب الإنسان كثيرة ومنها الخوف، الذي يعتبر دليل على قوة إدراكه وردة فعل طبيعية لمحاولة البحث عن الأمان في حياتهِ أو تجنب خطر مُحدق. والواقع يحمل الكثير من المحفزات لتولد شعور الخوف عند الإنسان وبدرجات متفاوتة تختلف شدتها باختلاف الحدث القائم أو على وشك القيام أو المتخيل. وبرأي خبراء الصحة النفسية، الخوف ما هو ألا صمام آمان يقوم بتحذير الإنسان من وجود خطر واجب تجنبه.   

الحياة البشرية كما نعهدها تسلسل متواصل من المخاطر والأحداث والتجارب كما هي سلسلة من المسرات والأمل والدفء يعيشها الإنسان ويُعيشها للغير، مولدة بينهما مخاوف في الحالتين، تصارع سكون اللحظات وبقائها في زوايا النفس. كما نجد الحياة سيرك متحرك وهي بمجملها تحدي وصراع متعدد الأوجه، يتزاحم في حضرتها الإنسان من أجل أن يكون هو! وعمومًا مع تطور الشعوب وتزامنها مع كل التطورات الحديثة المتلاحقة تزايدت مشكلات الخوف وأصبحت مصطبغة بتوتر وقلق وشعور بعدم الأمان والاستقرار.  

 

الخوف من الشيخوخة: The Fear from aging

مخاوف الحياة التي تثيرها في الإنسان كثيرة، منها الخوف من: الفشل، المجهول، العمل، المرض، الوحدة، المسؤولية، المبادرة، المغامرة، القوة، الآلام، المصاعب، المستقبل، الشيخوخة، الموت .... الخ. وأحيانا كثيرة قد يكون الخوف من الخوف نفسه! وسنتحدث عن الشيخوخة كأحد الأمثلة على حالة الخوف، التي هي في صورتها تعتبر التجربة الأليمة التي يشعر فيها الإنسان بالعجز وهجوم المرض عليه والعيش بوحدانية وصمت وانحلال حياتهِ وقربها من الموت.

الشيخوخة أن صح وصفها هي خريف الحياة أجمل فصل من فصولها، سرعان ما تدبّ في الحياة لتسقط أوراق العمر فيها ورقة بعد أخرى بعد أن أدت رسالتها فاسحة الطريق لأوراق أخرى لتنمو.

 والخوف في جوهره ما هو ألا إحساس الفرد بأنهُ لم يعد باستطاعته أن يحيا الحياة مثلما كان في شبابهِ، يعتبرها مرحلة النهاية والعجز، جاعلاً هذه الفكرة تتغلغل في أفكاره وتنعكس على تصرفاتهِ، شاعرًا بشعور أليم وبأنه لم يعد له مكان في صميم الحياة التي طالما أجتهد فيها، بغض النظر عن الأمراض المرافقة للمرحلة والتي يكون لها دورها ومفعولها في الحياة. والشيخوخة كما يقول عنها (أندريه موروا Andre Maurois ): هي الشعور بأنهُ قد فات الأوان وأن اللعبة قد أنتهت وأن المسرح من الآن فصاعدا قد أصبح ملكا لجيل آخر".

نعم، الحياة لا تتوقف وفي استمرار وهذا حالها يذهب جيل ويأتي جيل آخر، تذهب حياة أنتجت بكل قدراتها وتأتي حياة أخرى لتستفيد من تلك الخبرات وتنتج لها ولمن بعدها بصورة أفضل. ولكن يجب عدم التفكير السلبي قبل بلوغ اللحظة، عدم عيش المرحلة بالأفكار قبل تلمسها، عدم جعل شبح الخوف بابًا للكثير من الأمراض النفسية والعضوية، لما السقوط قبل بلوغ المرتفع؟! الحياة بجميع مراحلها هي حياة منتجة ومثمرة، هي في حركة واستمرار، ولكن هذا الخوف هو من يجعل الحياة تبدو في نظرهم جامدة، راكدة، خاملة! ذلك التفكير هو من يعجل بالأمور ويجعلها واقعية مع الزمن. الإنسان هو من يستدعيها في واقعه . 

بإمكان كل إنسان طرد خوف الشيخوخة من ذهنهِ، كون هذا الخوف هو من يستعجل بشيخوختهم ويجعلهم يصلون إلى حياة طريقها يأس وخمول وركود، مع أن الواقع غير ذلك فالإنسان في خريف عمره يكون أكثر إنتاجًا وأكثر حكمة ورزانة، بدليل هنالك رجال ممتازون قدموا أعمالاً فيها الخبرة الطويلة والحكمة ومزايا تتجلى في مرحلتهم العمرية والشواهد كثيرة أمثال: فكتور هيجو Victor Hugo، الذي كتب أجمل قصائده في مرحلة متأخرة من حياته، كذلك الروائي الفرنسي بول كلودل Paul Claudel كتب الكثير من رواياتهِ بعد سن السبعين، الموسيقار الألماني (فاجنر Wagner) فرغ من (بارسيفال Parsifal ) في التاسعة والستين من عمره.... وغيرهم. هذه أكبر الأدلة على أن من يفكر بالشيخوخة قبل أوانها ويخاف منها أنما يكون فاقد لمبررات وجودهِ.

  فالخوف كل أشكاله لا يجوز أن نعطيه مساحة وحرية للتغلغل في النفس، وعلى الإنسان أن لا ينظر إلى مرحلة الشيخوخة بأنها قرب النهاية، ويعطيها مبررات الخوف منها.  

 

سهى بطرس قوجا

 

ما فاتك شيء

fatima almazroweiمن الطبيعي أن تحدث خلافات بين بعض الفتيات والشباب من جهة، وذويهم خصوصاً الأبوين من جهة أخرى، وأحدد الفتاة والشاب عندما يكونان في سن المراهقة، أو في مقتبل العمر وخبراتهما قليلة ومتواضعة.

الخلاف عادة يتم في أمور مستقبلية مثل الدراسة أو الوظيفة ونحوها، حيث يقرر الشاب أو الفتاة ويتحمس ويندفع وهو يفتقر للخبرة وغير ناضج، أو الرؤية غير شاملة لجميع الجوانب، وتبعاً لهذا الواقع يحدث الاصطدام مع رأي الأبوين اللذين لهما مخاوف وينظران لجميع التفاصيل بدقة وحذر.

للتوضيح أكثر، أسوق قصة رسالة وصلتني قبل بضعة أيام من فتاة، تشكو خلالها من تسلط أبيها ـ لاحظوا تسلط ـ وتقول «بعد جد واجتهاد وبذل كل ما بوسعي للنجاح بتفوق، وحصولي على درجات عالية مكنتني من الحصول على بعثة خارجية لمواصلة تعليمي، اصطدمت برفض والدي للسفر بحجة صغر سني، إنه فعلا شيء يقهر».

أرسلت لها عدة تساؤلات، حتى اتضحت لي الرؤية كاملة حول تفاصيل الموضوع، ببساطة متناهية كان البديل للفتاة موجوداً، بمعنى أن التخصص الذي ترغب تعلمه ودراسته خارج البلد موجود في بلادها، هذا أولاً، أما ثانياً فالأب لم يرفض كما ذكرت، بل طلبها أن تنهي البكالوريوس، وأن تكون البعثة للماجستير والدكتوراه، ومنها أيضاً أن تكون قد كبرت أكثر واكتسبت خبرات، فضلاً عن هذا تكون قد تعلمت اللغة الإنجليزية بشكل أكثر احترافية.

ما نصل له، أن الأب لم يحطم مستقبل ابنته، لكنه رسم خطوطاً عريضة معقولة لهذا المستقبل وفق اختيارات الفتاة نفسها، لم يرد هذا الأب وضع ابنته في أتون تحدّ لا يعلم بنتيجته هل تنجح أم تفشل، أمّن لها التعليم داخل البلد، مع النظر للمستقبل للسفر والدراسة .. هكذا هم آباؤنا وأمهاتنا.. فقط يحتاجون أن نفهمهم

 

فاطمة المزروعي

 

حديث في اللغة (24): (طالما) و(ما دام)

faroq mawasiلا نقول: أحترمك طالما جدت بمالك،

بل نقول: أحترمك ما دمت تجود...

 (طالما) مركبة من الفعل (طال) + (ما الكافة)، فالفعل فيها لا فاعل له، إذ أن الكافة هي العوض عن الفاعل.

تعني (طالما) كثيرًا ما، فنحن نقول: طالما حزن على أبيه، وطالما أنفق من ماله، وخلافها: قلما زارنا، وقلما يفعل.

يقول إبراهيم طوقان في نشيد له:

طالما استعبدوا *** وأذلوا الرقاب

ونحفظ من نونية ابن زيدون:

لا تحسبوا نأيكم عنا يغيّرنا *** إذ طالما غيّر النأي المحبينا

يا روضة طالما أجْنتْ لواحظَنا *** وردًا جلاه الصَّبا غَضًا ونِسرينا

 

ملاحظة:

تكتب (طالما) و مثلها (قلما) كلمة واحدة، فإذا فصلنا بين (طال) + (ما) وقلنا: طال ما سافرنا، قل ما سافرنا فإن (ما) تكون هنا موصولاً حرفيًا، وتُعرب فاعلاً في محل رفع.

 

أما (ما دام) فهي تفيد استمرارية الخبر، ويكون ما قبلها مرتبطًا بما بعدها:

أثني عليك ما دمت تتطوع وتتبرع،

 فالثناء مرتبط بالتطوع .

يقول ابن الرومي:

وأعذرُه ما دام للعذر موضعٌ *** وأنظرُه ما دامت النفسُ تنظر

والمتنبي في بيته الغزلي:

زودينا من حُسن وجهكِ ما دام ** فحسنُ الوجوه حالٌ تحول

 

ملاحظة:

ما دام – تعرب (ما) مصدرية ظرفية، ومعنى مصدرية أنها تجعل ما بعدها في تأويل مصدر، ومعنى أنها ظرفية أنها نائبة عن المفعول فيه- وهو (المدّة).

و(دام) لا تعمل إلا إذا سبقتها (ما)، وإعراب (دام) -  فعل ماض ناقص (وهو جامد ليس له مضارع مثلاً).

 (ما دام) لها اسم مرفوع (أو في محل رفع) وخبر منصوب (أو في محل نصب)- أي أنها من النواسخ. قال تعالى:

"وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا"- (مريم 31)، فالتاء اسمها و (حيًا) خبرها.

...

نخلص إلى التذكير:

لا نقول:

لا أصافحه طالما دافع عن الظلم والظالمين،

بل أقول:

لا أصافحه ما دام يدافع عنهم.

فطالما دافع عن مواقف غريبة، وطالما ناقش في ذلك مع الأسف.

 

عظمة المرأة ليست في الأمومة فقط !!

hamid taoulostكثيرة هي المقالات التي كتبت في حق المرأة في يومها العالمي، احتفاء بها وتمجيدا لدورها العظيمة في شتى المجالات وعلى رأسها كلها، دورها الفريد والمتفرد في صنع أعظم بناء، ألا وهو «الإنسان»، الذي تتحمل من أجله آلام الولادة -التي أقل ما قيل عنها أنها تعادل آلام سبعين كسر - مدفوعة إلى ذلك بغريزة الأمومة،  التي لا يمكن الحديث عن المرأة في جميع أحوالها دون الحديث عن الأمومة كأقوى خاصصية ووظيفة، ارتبطت عند المجتمعات القديمة بأنها هي مصدر الخلق واعمار الكون .

شيء جميل، بل من أوجب الواجبات أن نحتفل بالأم، ونحتفي بالأمومة،  لكنه رغم كل ذلك، أمر مستهجن اختصار كينونة هذا الكائن - الذي عانى الوأد على مر تاريخ العرب، كمصير لكل من تخرجت للوجود صبية وليست ذكرا - وحاجاته النفسية، والجسدية، والاجتماعية في الأمومة فقط، وتضخيم هذا الدور لديها على حساب غيره من أدوارها الجليلة الأخرى، بحجّة أنّه الدور الأهمّ، والرسالة الوحيدة في حياتها،  والتي تتفرد بها وتتميز عن الرجل، وننسى أنّها قبل أن تكون "أُمّا" هي إنسان جنسه أنثى، ننعثه مجتمعياً امرأة.

ولا أقصد بهذا الطرح الإساءة لدور الأمومة أو التقليل من ضرورته وأهمّية وجوده في الحياة، كما يمكن أن يتبادر لبعض الدهنيات المريضة، وأؤمن بالعطاء والعاطفة الفريدة التي تنطوي عليها الأمومة التي لا يختلف حولها اثنان. لكن أقصد التنبيه فقط إلى مدى خطورة استحواذ دور الأمومة، وتلبسه شخصية المرأة، إلى درجة إلغاء كل الأدوار الأخرى التي تؤديها وبفعالية، وتكريس الصورة النمطية التي تربط ما بين الأنثى والأمومة، على اعتبار أنه لا شرعية لوجود الأنثى إلا بطاقة الخصوبة والإنجاب الذي يعتبر المعيار الوحيد لوجودها الإيجابي اجتماعيا، المعيارية التي لا تنال المرأة ذلك النصيب من التقدير والإكرام إلا به وعليه، أي عندما تنجب وتصبح أماً فقط، إلى درجة أن آمنت المجتمعات غير المتقدمة بأنه لا يعقل أن يكون الكائن الإنساني امرأة دون أن يكون أماً، أي لا شرعية لوجود أنثوي بدون انجاب وإنجاب الذكور بالتحديد، هذه المعيارية  المفتقرة  في الكثير من وجوهها، للمعاني الإنسانية وقيم الحرية، تمثل للأنثى في وجودها عنفاً صارخاً ، لا يقل عن عنف إعتبارها وعاء لتفريغ كبت الذكر الجنسي  وما يشكل من قهر جنسي، ناتج عن ذلك التفكير المتخلف الذى أفرزه الفقه الصحراوي البدوي، والذي عمل ويعمل الرجل والمرأة، على حد سواء، وبشتى الطرق لتكريسه كثقافة مجتمعية، وإن كان بأهداف مختلفة، حيث وجد الرجل في الأمومة، وعبر عصور التاريخ، السلاح الأجدى لاستعباد الأنثى، والوسيلة المثلي لإقصائها عن الميادين التي يصول فيها ويجول على هواه والتي تزيد من سلطويته الذكورية، ووجدت المرأة في ثقافة تقديس المجتمع للأمومة، فاستغلتها لأغراض دفينة متنوعة المرامي والأهداف، من توطيد مكانتها في محيطها وفي المجتمع، أو الحفاظ على الزوج وتقييده، عند من ترى أن الأمومة جزء مهم في تمكين المرأة، واستقرار علاقتها الزوجية، أو للانتقام من الرجل والمجتمع عند من تعتبر أنهما أقصياها بعيداً عن كلّ ما ترغب في تحقيقه من المكانة، العلمية أو الاجتماعية أو الاقتصادي أو السياسية ؛ رغم عدم اعتقاد النوع الأخير من النساء أن الأمومة أمر طبيعي وحتمي، وغريزة فطرية مقدسة، كما نظرت إليها الأديان السماوية، والتي لم يخرج الإسلام عن منظومتها، التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: "تكاثروا فإني مفاخر بكم الأمم". بل ترى فيها ما تراه معظم الحركات النسوية المعاصرة، أنه دور اجتماعي، فُرض على المرأة منذ أقدم العصور، ويحتاج الى استعداد نفسي كبير يمكّن المرأة من أن تعيش جميع أدوارها التي تتكامل وشخصيتها الإنسانية بتوازن من خلاله، فلا يطغى دورٌ على آخر ..

 وإذا كانت الأمومة بالنسبة لبعض النساء أمرا فطريا وغريزيا، فإنها بالنسبة للبعض الآخر لا تتعدى كونها إرث نظام ديني بطريركي ذكوري كان وراء ردة فعل عنيفة لنساء متعلمات ك"سيمون دو بفوار" التي رفضت الأمومة واعتبرتها "عبودية التناسل"، و"فرجينيا وولف" التي ثارت على الصورة النمطية للمرأة الزوجة غير الأنانية والنقية والجميلة والسامية وشبهتها بـ"ملاك البيت" الذي يجب أن تقتله كل امرأة بداخلها لكي تنجح وتبدع، و"ثبيتي رولن" التي قالت عن الأمومة أنها "الأسطورة محطمة الأرقام القياسية لأطول الضلالات عمراً في التاريخ".

ومهما كان من أمر الأمومة، وما قيل فيها وعنها، فإن حنان الأم لا يوازيه حنان لأنها الأصل والأساس والجذر والمنبع والمنبت والمنشأ. وكلنا يريده أن يبقى دائماً وأبداً حتى وإن كبرنا وحتى لو شخنا.. وهي تستحق كل تكريم لأنها هي الأخت... والإبنة... والزوجة... وهي فوق كل ذلك الأم والمدرسة فهي التي تربي وتوجه وتقوم وتعلّم وتنَشئ وتدير وتدبر الشعوب الطيبة، كما قال فيها الشاعر صادقا:‏

        الأم مدرسة إذا أعددتها      أعددت شعباً طيب الأعراق

 

حميد طولست

 

تماثيل بوشكين في العالم

توجد تماثيل لبوشكين في الكثير من بلدان العالم خارج روسيا، ويقدرون عددها تقريبا بحوالي (200 تمثال)، وهذا رقم غير اعتيادي بتاتا بالنسبة لاديب روسي عاش ومات في روسيا طوال حياته ولم يسافر منها الى خارج بلده ابدا (وهذه ملاحظة مهمة جدا في هذا المجال، وتعني ما تعنيه بهذا الخصوص، اذ انها تشير وتؤكد – قبل كل شئ – ان هذا الشاعر قد اصبح واحدا من رموز روسيا)، و نتوقف في مقالتنا هنا قليلا عند هذه الظاهرة الغريبة جدا، والطريفة والمتميزة فعلا في آن واحد .

نود ان نشير - اولا- الى تلك البلدان الاجنبية التي يوجد فيها تمثال واحد لبوشكين (او أكثر من تمثال واحد له بعض الاحيان)، وحسب ترتيب حروف الهجاء العربية لتلك البلدان طبعا، وهي (48) بلدا وكما يأتي –

ابخازيا // اذربيجان // ارمينيا // اريتريا // اسبانيا // استونيا // المانيا // اندنوسيا // اوزبكستان // اوكرانيا // ايطاليا // بلجيكا // بلغاريا // البوسنه والهرسك // بنما // بولندا // بيلاروس // تركيا // تركمانيا // تشيكيا // تشيلي // الجبل الاسود// جورجيا // الحبشة // رومانيا // سلوفاكيا // الصين // العراق // فرنسا // فنلندا // قبرص // قرغيزيا // كازخستان // كندا // كوبا // كوريا الجنوبية // المانيا // المغرب // مصر // المكسيك // منغوليا // مولدافيا // النرويج //النمسا // الهند // هنغاريا // الولايات المتحدة الامريكية // اليونان // .

 توجد ثلاثة بلدان عربية – كما هو واضح اعلاه - وهي العراق والمغرب ومصر بين تلك البلدان . نتوقف قليلا عند بلداننا العربية قبل كل شئ .

 تم تدشين التمثال النصفي لبوشكين في حدائق كلية اللغات بجامعة بغداد في عام 2011 باحتفال مهيب شاركت فيه وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وجامعة بغداد واتحاد الادباء والكتٌاب العراقيين وسفارة روسيا الاتحادية في بغداد . والتمثال هذا هو هدية من الرئيس الروسي مدفيديف جوابا على هدية الرئيس العراقي جلال طالباني لتمثال نصفي للشاعر العراقي الكبير الجواهري عام 2009 في جامعة فارونش الروسية، وقد خططنا(شخصيا) لاقامة هذين التمثاليين عندئذ في مركز الدراسات العراقية – الروسية في تلك الجامعة (عندما كنت رئيسا له) بالتنسيق مع الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية، والتي كنت نائب الرئيس فيها (انظرتفصيلات ذلك العمل الرائد في مقالتنا بعنوان - قصة تمثال بوشكين في جامعة بغداد)، وكان من المفروض ان يتم تدشين تمثال بوشكين في جامعة بغداد عام 2010، ولكن الروتين عرقل ذلك مع الاسف، لهذا فانه يعد التمثال الثاني لبوشكين في عالمنا العربي، اما التمثال الاول فقد تم تدشينه بمصر في عام  2011 ايضا، ولكن قبل ثلاثة اشهر فقط من افتتاح التمثال في بغداد، ولم يكن هناك اي تنسيق بين الحدثين، والصدفة لعبت دورا في كل ذلك ليس الا . تم افتتاح تمثال بوشكين بمصر في مكتبة الاسكندرية الشهيرة، وذلك ضمن ايام الثقافة الروسية هناك، والتمثال كان هدية من فنان روسي ومؤسس ورئيس الاكاديمية الطبية الدولية، ويعد هذا التمثال تحفة فنية بكل معنى الكلمة ويجسُد بوشكين كاملا و واقفا وملتفتا الى جانبه الايمن، وقد تم افتتاحه في اجواء مهيبة ورائعة، وشارك بعض الطلبة المصريين بالقاء قصائد لبوشكين في اطار فني جميل و متميٌز . التمثال الثالث لبوشكين في العالم العربي تم تدشينه في المغرب في احدى مدارس مدينة اكابر المغربية عام 2015، وقدم عضو مجلس الدوما الروسي ليخاتشوف هذه الهدية (محبة وتقديرا للمغاربة ...كي يفتح آفاقا اخرى من الدبلوماسية الشعبية بين المغرب وروسيا) كما جاء في وسائل الاعلام المغربية آنذاك .

لا مجال طبعا للاسترسال هنا في الحديث عن تماثيل بوشكين في بقية بلدان العالم وقصصها بمثل هذه التفصيلات، التي تحدثنا عنها في بلداننا العربية، ولكننا نود ان نتوقف قليلا عند بعض الملاحظات البارزة في هذا الموضوع .

1 – تم تدشين اول تمثال لبوشكين خارج روسيا عام 1837(بعد وفاته مباشرة) في روما، وقد شارك الروس في روما حفل التدشين ومنهم مجموعة من الادباء والفنانين كما تشير المصادر، وان هذا التمثال قد تم نصبه بمبادرة من المثقفين الروس في روما آنذاك اعتزازا وتقديرا لبوشكين وللتعبير عن حبهم لشاعرهم الكبير، الا انه لم يبق الان اي أثر من هذا التمثال مع الاسف .

2 – شارك الرئيس الروسي فلاديمر بوتين في حفل تدشين احد تماثيل بوشكين في ايطاليا (في الذكرى السنوية 201 لميلاد بوشكين)، وكانت رحلة بوتين تلك الاولى الى الخارج بعد تسنمه منصبه رئيسا لروسيا الاتحادية في ذلك الوقت، ويشير بعض المعلقين السياسيين الى هذه الحادثة ويرون فيها محاولة من قبل الرئيس الروسي الجديد آنذاك ربط اسمه باسم بوشكين، لأن بوشكين - رمز روسيا امام الشعب الروسي وامام العالم ايضا . وبغض النظر عن صحة او دقٌة رأي المعلقين السياسيين هؤلاء ام لا، الا ان الموضوع – مع ذلك - يبقى مثيرا وطريفا، ومن المؤكد انه سيكون – في نهاية المطاف وفي كل الاحوال – لصالح بوشكين ومكانته الساطعة في تاريخ الادب الروسي والعالمي بلا ادنى شك .

3 – يوجد تمثال لبوشكين في الحبشة (اثيوبيا) تم تدشينه عام 2002، وكذلك يوجد تمثال له في اريتريا تم تدشينه عام 2015، باعتبار ان بوشكين هو واحد من احفاد هانيبال، الافريقي (الذي ينحدر من تلك المناطق)، والذي قدموه هدية الى القيصر الروسي بطرس الاعظم في القرن الثامن عشر، والذي اصبح جنرالا بارزا في الجيش الروسي آنذاك، وكما هو معروف في تاريخ روسيا عموما و تاريخ الادب الروسي خصوصا .

4 – بقيت تماثيل بوشكين العديدة جدا في الدول التي انفصلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 دون تغيير، ولم تنظر هذه الدول الى تلك التماثيل بتاتا على انها رمزا لروسيا كما هو الحال بالنسبة لتماثيل كثيرة اخرى (تم نصبها اثناء الفترة السوفيتية)، وبالتالي بدأت بازالتها من اراضيها او اهمالها او حتى التقليل من قيمتها الحضارية، وكذلك الحال بالنسبة للدول الاشتراكية سابقا. لقد فرض بوشكين شخصيته الادبية وقيمته الفكرية على الجميع، واصبح أعلى من تناقضات السياسة والاعيبها وتغيراتها وتقلباتها، رغم انه يعد رمزا لروسيا منذ ذلك الحين والى حد يومنا هذا .                                                                          

 أ.د. ضياء نافع

 

الحُبُّ من أول نظرة فلسفة إسلاميّة خالصة

هل صحيح أن الحب من أوّل نظرة هو الحبّ الصادق الذي ينفذ إلى القلب مباشرة، هو الحبّ الذي يدوم ويبقى رغم المتغيّرات والتباينات في الأحاسيس والمشاعر، ماذا يقول الشابّ المُقبل على الزواج؟ وماذا تقول الفتاة التي تنتظر فارس أحلامها بكل شغف؟ ذلك الفارس الذي سيملأ حياتها حبًّا ودفئًا، وما موقف الإسلام من الحبّ من أول نظرة؟ هل هي متوافقة مع الشرع والفطرة أم أنها عمل محرم قطعا؟

من الفطرة التي فطر الله الناس عليها أن الشابّ يطمح إلى إكمال نصف دينه عبر زواج شرعي كما أراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الفتاة تنتظر فارس أحلامها بفارغ الصبر لتكمل معه مشوار حياتها وتكوّن أسرة وتنعم بأطفال يملؤون عليها حياتها فرحا وسرورا، ولكن ما السبيل للوصول إلى شريك الحياة من الجانبين؟، فقديما كان الشباب لا يتعارفون لأن الأمر موكل لأولياء الأمور وهم الذين يختارون لأولادهم وبناتهم الأزواج والزوجات، لكنها طريقة لم تنجح طويلا لأنها خلّفت كثيرا من المشاكل منها النفور وعدم التوافق بين الزّوجين، واختلاف وتباين في الأفكار والمشاعر والميول.

وبما أنها سبّبت جرحا في القلب، إذ ربّما يتزوج الشاب بناء على رغبة من الأب أو الولي دون حبّ ودون ميل للفتاة التي اُختيرت أن تكون زوجة، وكذلك الأمر بالنسبة للفتاة فقد يختار لها وليّ الأمر منْ لا تشاركه المشاعر نفسها ولا يميل قلبها إليه، فيحدث جفاءٌ كبيرٌ في العلاقات ونفورٌ بين الزوجين لأدنى نزاع بينهما، وربما يحدث الشقاق الذي لا ينفع معه إلا الفراق، لأن هذه العادات عاندت الفطرة وأحدثت شرخا كبيرا في مشاعر الشباب، قد يدفعهم إلى التمرّد عليها أو إلى إغفالها وتحدّيها.

وكلما ازدادت ثقافة الشباب وسفرهم إلى البلدان شغفت أنفسهم وتطلّعت إلى حرّيّة الاختيار، لأن القلب هو الذي يختار القلب الذي سيشاركه الحبّ ولأنه سيعيش معه بقية الحياة وسيتشارك معه في السرّاء والضرّاء، فإذا توافق القلبان تآلف الجسدان وصارا وحدة متكاملة متناغمة لها نفس الجذور والأوراق اليانعة، تفاهمٌ وتناغمٌ وتناسقٌ وتوافقٌ، وانسجامٌ ووئامٌ، وهذا ما يسعى إليه كل طامح في الحياة، فالرغبة في الاقتران أمر فطري في الإنسان يحتاج إلى تنسيق ومتابعة كما هو الشأن في الشراكات، فالله عز وجل خلق الذكر والأنثى، وخلق كذلك المشاعر والأحاسيس والميول، ولولا ذلك ما حدث تناسل وإنجاب، فالحمد لله على هذه النعمة الغالية .

وعندما نخوض في غمار الحبّ لا نطلق الأمور على عواهنها، فالإسلام وإن كان لا يعارض فطرة الإنسان ويسمح له بتلبية رغباتها إلا أنه وضع ضوابط وأسسا خوفا من الانفلات والدخول في متاهات أخرى تعود بالضرر على الفرد والمجتمع، فقد سمح الدين بالنظرة التي تجلب الحبّ، ويؤمن بالحبّ من أول نظرة ولكن في إطارها الشرعيّ الذي لا تشوبه أي شائبة، وحدّد لها أركانها، بحيث تكون النّظرة معمّقة، إذ تتحدث العينان بما لا يستطيع أن يعبّر عنه الفم، والدليل على ذلك ما ورد عن الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا" فقد أباح الإسلام للرجل أن ينظر إلى الفتاة التي ينوي الزواج بها في جوّ عائلي وفي حضور أولياء الأمور الذين يكونون شاهدين على حاجة الطرفين إلى مثل هذه العلاقة.

سمح الإسلام للشابّ أن يرى خطيبته وهي تتجلّى في أبهى صورة، قد تنشأ حينها علاقة خفيّة بين الخطيبين، وقد تتبادل العيون عبارات الحبّ والوئام، وقد يسمح للطرفين بالتحدث لبعضهما البعض لبعض الوقت حتى يتعرّف أحدهما على الآخر من خلال هذه الجلسة الشاعرية العاطفية أو بالأحرى الرومانسية بالتعبير الحديث للكلمة، الرومانسية الإسلامية الشرعية، بعيدا عن أيّ شبهات، وقد علّل الحديث النظر إلى الخطيبة عندما قال صلى الله عليه وسلم: " فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي أن تدور الصحبة بينكما وأن يُوفّق بينكما، وتكون حالتكما حالة طيبة إذا أقدمت عليها وقد عرفت ملاءمتها ومناسبتها وجمالها وكمالها مما يحدث في النفس إما اقترابا منها أو نفورا، وليس ذلك عيبا بل هو أمر تنادي به الفطرة وتتطلّبه العلاقة والشراكة، فالحياة الزوجية شراكة قبل أن تكون علاقة جسدية، وهي إنما تقوم في الأساس على الحبّ والودّ والوئام، فبالحبّ ينسى الطرفان المشاكل التي قد تحدث بينهما، وبالودّ يتبادل الطرفان الاحترام والثّقة، وبالوئام يعيش الطرفان بسلام، على أنّ الإسلام أعطى الحقّ الكامل للفتاة أيضا أن تنظر للرجل الذي جاء لخطبتها، ومنحها حقّ الرّفض أو القبول، فهي التي ستقترن بهذا الشابّ وهي التي ستتزوّجه وهي التي ستتحمّل كل التبعات إن وافقت على طلبه، وهي وإن وكلت أمرها لوليّها لكن رأيها مطلوب شرعا ولا يحقّ لولي أمرها أن يجبرها على فعل لا ترتضيه، فهي قد بلغت من  الرشد والعقل والتكليف ما يجعلها مؤهّلة لاختيار من تشاء.

وفي المقابل نهى الإسلام عن النّظر المحرّم الذي يقع خارج هذا الإطار الشرعي خوفا من العلاقات المشبوهة، ولذلك أمر الشباب بغضّ البصر وعدم إطلاق العنان له من ذلك قوله تعالى : "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون" فالله عز وجل ينبّهنا في هذه الآية الكريمة أن ما نفعله معلوم عنده سبحانه وتعالى، وهو الخبير بأمور العباد الذي خلقهم من العدم، ورغم ذلك فقد جعل النظرة الأولى الخاطفة دون تحديق لك، ولكن إذا تمعّنت النظر في المرأة أو تمعّنت المرأة النظر في الرجل فقد يورث ذلك الحرام ولذلك هو يحرّم هذا النوع خوفا من الوقوع في براثن الفساد. فكثيرًا ما يتبادر إلى أسماعنا في عصرنا الحاضر ما يسمى الحبُّ البريء أوالعلاقة البريئة أو ما يسمّى الزمالة، هي زميلتي أو هو زميلي، فيجيز لنفسه أن يختلي بها رغم علمه بأن الخلوة بأجنبية حرام قطعًا؛ لأنه ما من اثنين إلا والشيطان ثالثهما، قد يوقعهما في ما لا يحمد عقباه؛ لأن الإنسان ضعيف مهما أبدى من قوة إيمان وعزيمة وإصرار، وكذلك الفتاة قد يغريها الكلام المنمّق المعسول الذي يمدحها ويمدح جمالها وهيئتها وربما وصف عينيها ووجنتيها وكامل تفاصيل جسدها وهي تسمع بحياء، لكنها في قرارة نفسها تستمتع بما يقال لها من مدح وثناء، وربما يقع في نفسها شيء من الانجذاب نحو الشخص الذي يحدّثها خاصة إذا كان ممن تفضّله في حياتها أن يكون فارس أحلامها.

هذا النوع من العلاقات لا يورث حبّا بل يورث ندما، لأنه نوع من العلاقات العابرة التي لا تؤسّس بل تدمّر، ولذلك نرى أن الإسلام وإن كان يبيح النظرة إلا أنه في الوقت نفسه يحرّم النظر بخلوة لأنه يؤدي بالضرورة إلى الفساد، وقد عمل الغرب كثيرا على إفساد الرؤية الشرعية واستبدالها بهذا  النوع من العلاقات، ونجح في ذلك نسبيا في مجتمعاتنا العربية التي تعاني من حالات طلاق متفشّية إلى حدّ كبير والسبب الحبّ قبل الزواج كما تروّج له وسائل الإعلام الغربية والمسلسلات العربية والأجنبية ولكن هذا النوع ثبت فشله، إذ سرعان ما تفتر العلاقات بعد الزواج بعد أن علم كل طرف تفاصيل الآخر فينشأ الخلاف والشقاق والنزاع  وقد يؤدي ذلك إلى الطلاق وتفكّك الأسر ونهاية لتجربة امتدت لسنوات قبل الزواج وبضعة أشهر بعد الزواج.

فالإسلام لا يخالف الفطرة لأنه يعلم علم اليقين أنها من صنع الخالق عزّ وجل ولكن أمر بضبطها لأن الإنسان بطبعه يميل إلى المتعة واللذة، فإذا لم يكبح جماحها سالت شهوته في مستنقع المعصية ابتداء من النظر إلى الابتسامة إلى اللقاء وكلها قواعدت وإن بدت عادية في عالمنا اليوم إلا أنها جاءت بنتائج عكسية، فكيف نستطيع أن نقنع شبابنا اليوم أن العلاقات لا تنشأ على الطريقة الغربية التي صارت مقلّدة في هذا الزمان أكثر من أي وقت مضى من التعرّف على شريك الحياة إلى الخطوبة والدبلة وحفل الزفاف، ولا غرو إذا تنبّأ ذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم حينما قال: "لَتَتْبَعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا شِبْرًا وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى قَالَ فَمَنْ؟".

 

فوزي بن يونس بن حديد

 

أسئلة الكتابة: الفعل التجربة الذات الآخر .. أو ما معنى أن تكتب؟

mohamad alazouziكلام لابد منه: الكتابة سؤال عصي الإمساك بناصيته سواء قمت بطرحه على نفسك بمحاولة الإجابة إذا كنت عارفا بخبايا الفعل منخرطا فيه مدركا لشروطه السيكولوجية السوسيوثقافية... بما تمثله من أساس في بلورة الفعل ودفعه إلى التحقق والتأصيل وجوديا كفعل أساسي ومحوري أوعلى الأخر لتلمس مختلف الأوجه التي يتبدى للخارج أو ضمن المتن الإبداعي لتجارب إبداعية أخرى لها رؤيتها المميزة والخاصة للفعل كشروط وظروف .

سؤال لن يمنحك الخيط الذي به تتلمس الطريق بيسر للإحاطة بجوانب الإجابة عنه والتخفيف من قسوة وإلحالية التساؤلات المرتبطة به المسنودة بمفاتيح يمكن أن تكون مداخلا نحو فهم أعمق وأشمل لفعل وتجربة الكتابة في علاقاتها بمختلف الترابطات والوشائج التي تولدها أو تتوالد ضمنها وتحاول الدفع بها نحو أفاق تتسع وتتعمق بإتساع التجربة وتعمقها "إن لحظة الكتابة للحظة هاربة مثل سراب لأنها تلتمع من بعيد،فكيف القبض عليها ؟سيرمي لها الكاتب المعني بالأمر بصنارة الإنتظار إلى أن "تأتي" إليه (1) .

أسئلة اللماذا ولمن وكيف وأين ومتى ...وغيرها المسنودة بتموضعاتها المختلفة أكانت علاقة بالذات الكاتبة أوتمفصلات الكتابة كفلسفة ورؤية أوتموقع الذات ودرجة ذلك التموقع ضمن واقع سوسيوثقافي و يتم عبرها محاكمة ونقد الفعل ورد الفعل لنشدان كتابة استشرافية تنهل من معين الأمل والحياة كروافد وتتغيى تطهير الذات من الأدران العالقة بها...

حرقة الفعل كمحاولة للقبض على الهارب والمنفلت باستمرار بأسره باللغة وإعطاء وجوده وجودا أبقى بتمتيعه بحياة لانهائية وبأجنحة جمالية للتحليق ككائن حاضر في عالم جمالي يتغيى الخروج من المأساة بقهر جنوحها الجموح لصنع العدم والعبث والفوضى... الملهاة كسخرية يجب التخفيف من إفراطها.

تصادمات التجربة مع أكثر من جهة وصيرورة وسيرورة التحولات التي تنخرط فيها بوعي أو بلاوعي بغية بلوغ

الواقع المأمول إنشاءه لإضفاء جدوائية على الفعل والتجربة معا باجتراح أفق أوسع وأرحب  ونحن نبحث عن الجواب في سياقات التجارب الأخرى التي انخرطت في التجربة (الكتابة) بكل ما يعتريها من معاناة وإكراهات تبعا للظروف والشروط التي ولدت فيها نفسية ثقافية إجتماعية إقتصادية سياسية...

 

الذات والفعل:

وتبقى الجوانب النفسية والمرتبطة بذات المبدع هي اللبنة الأساسية في فعل الكتابة لتوزعها على الحالات والمواضع الموزعة مابين السعادة الحزن الإنشراح والألم لطبيعة الحالات التي يكون عليها جسد المبدع ودرجة تفاعله مع المحيط بمختلف تلويناته "إننالانكتب أونرسم إلا في لحظات الوحدة والضعف وعندما  نعانق وهم الفرح السعادة فإننا نوثرأن نعيشه أولا" (2) كما يرى الروائي والناقد المغربي محمد برادة على لسان أحد أبطاله يحضر فعل الكتابة كمحاولة للخروج من حالة الحزن التي يحياها المبدع أوالألم والمرض فيتحول الفعل من مجرد تنفيس إلى رغبة في المقاومة والصمود كما يقول الكاتب المسرحي السوري سعد الله ونوس"منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان وكانت الكتابة وللمسرج بالخصوص أهم وسائل مقاومتي"(3) وعن الظروف التي يمكن أن يكتب ضمن شروطها وتأثيراتها خصوصا حين يغيب الأمن بمختلف درجات حضوره وعلى أكثر من مستوى وصعيد يقول الكاتب الجزائري واسيني الأعرج "يستطيع الكاتب أن يكتب مهماكان مقدار الخطروالتهديدالمحدق به،لأنه يدخل في سباق مع الموت وتكتسب حياته معناها من فعل الكتابة"(4).

تجربة أخرى ترصد التحولات التي تطرأ على الذات الكاتبة ما قبل الفعل ومابعده قبل الشروع وبعد الإنتهاء منه"عندما أكتب أو أنهي كتابا أحس بأن أجزاءا مني قد بترت وأنني لم أعد نفسي"(5) تقول الروائية الفرنسية مارجريت دوراس.

 أنطولوجيا تدخل الكتابة مع الذات في علاقة جدلية الذات تحقق فعل الكتابة وتأسس له والكتابةتعطي للذات معنى ماأسمى تصبح معه الكتابةوالذات وجهين لعملة واحدة أنا أكتب إذن أناموجود ووجودي له قيمة ومعنى ضمن الحياة وسياقاتها المختلفة حتى وإن انبنت على الألم "إن الكتابة نفسها ألم لأنها نابعة من الشعور به بغض النظر عن غايتها .(6) و "بشرط أن تقبض ... على جمرة الذات الملتهبة والحقيقة الهاربة إلى مناطق النسيان"(7)

 

أفق التجاوز:

لكن تبقى جوانب أخرى  لها إرتباطها بالكتابة كفعل وتجربة تمتح  من معينهما الذي لا ينضب بدونها لا تمثل الكتابة إلا مجرد تمرين إنشائي لا غير لا يقوم إلا بتسويد بياض الورق وإنتاج عمل ضحل فاقد المعنى والجدوى والرؤية الملزم إمتلاكها.

التجربة المعيشة بتلوناتها وتشعباتها بما تحمله الكلمة من قوة ورغبة في الإنطلاق والتحرر والإنقذاف لمعترك الحياة وآتونها بوضع الذات على محك التجربة الأعمق والأجدى "...التعثرات الملموسة هي التي تجعلنا ندخل في علاقة حقيقية مع الحياة..."(8) وفي نفس السياق يقول إدريس الخوري "لا تفعل الكتابة شيئا أكثر مما تصف، إنها تصف الحالات والإنكسارات والفضاعات "(9) .

 فالتجربة خيط مسارات الذات وهي تكابد أهوال الواقع تحولاته من أقصى تخوم اليأس إلى أقاصي الحلم جسرالنجاة نحو الحياة عبوره يعني تخطي كل المثبطات والحواجز المادية واللامادية بأغلالها النازعة لكل ماهو استشرافي 

حيث تمثل" كل ممارسة للكتابة هي فرصة لتحقيق أعمق للذات والكون والآخرين..."(10) وبصيغة أخرى"عندما تصبح التجربة أقوى من الندم ينمحي الشعوربالذنب"(11)

الحلم وفعاليته في الدفع بالذات ومن ثم الكتابة لاجترح أفق أعمق للفعل بتجدده المستمر"إننا لا نختار أحلامنا ولكن لها صلة بوعينا ولاوعينا كثير من إحلامنا تكشف لنا عن سر ماعشناه وما سنعيشه أحلامنا هي قدرنا،وما شئنا من سحرها ومالم نشأ،وكثيرا ما أنارت لنا جزءا من حياتناالمظلم وألهمتنا مبتغانا..."(12)

 

على سبيل الختم:

  لكن إلتماسها بالآخر بتوع تصوراته ومواضاعاته أكانت ذاتا موازية للأنا ندخل معها في علاقة تفاعل إيجابي أو الآخر الذي يجهلنا كذات ويتململ موقفه بين القبول والرفض والآخر الذي يقف كحامي لحوزة مسيجة بالأسوار المعلن في وثوقية قل نظيرها مخلفا ردات فعل من المبدع الذي يلجأ للمواجهة أو الرضوخ أو مراجعة وسائله وأساليبه  بإعادة تشكيل لغته الخاصة لتفي بالمضمر والرسالة المراد إيصالها 

 

محمد العزوزي  شاعر وقاص

...............................

هوامش

1 ـ إدريس الخوري ـ الصوت والصدى مقالات في الأدب والحياة ـ منشورات فكر ـ ص 55 و 56 ـ ط 1 ـ 2009

2 ـ محمد برادة ـ الضوء الهارب (رواية) ص ـ ط 2 ـ نشر الفنك

3 ـ سعد الله ونوس ـ باب قالوا مجلة العربي العدد 450 الصادر بتاريخ ماي 1996

4 ـ واسيني الأعرج ـ نفسه

5 ـ مارغريت دوراس ـ نفسه

6 ـ إدريس الخوري ـ سبق ذكره ـ ص 66

7 ـ نفسه ـ ص 63

8 ـ محمد برادة ـ ورد ورماد رسائل محمد برادة ـ محمد شكري  ص 74 ـ ط 1 ـ 2000

9 ـ إدريس الخوري ـ سبق ذكره ـ ص 66

10 ـ محمد برادة ـ سبق ذكره ـ ص 38

11 ـ محمد شكري ـ وجوه ص 5 ط 1 ـ 2000

12 ـ نفسه ـ ص 155 و156