أقلام ثقافية

رسائــل من قطّـــة

mohamad arrobشاءت ظروف الغربة الموحشة أن يكون من يطرق بابي ويؤنس وحدتي..قطة، فرُحت أغريها بمعاودة زيارتي برمي فتات من الطعام لها في كل مرة .. وبالفعل باتت هذه القطة، التي كانت أصلاً تألف المكان بجوار المنزل، تمر ببابي وتقضي ساعات عند عتبة منزلي. وبعد فترة من الزمن جاءت بصغيريها، وكنت أقضي وقتاً لا بأس به في مراقبتهم بغرض التسلية والمرح، ولكن لم يخطر ببالي آنذاك أن ذلك سيكون سبباً أحدثه الله لأقوم بمراجعة ذاتي في أمر، وسبباً في انتباهي لعدة أمور أخرى وربطها بغيرها.

من بين مشاهداتي لسلوك القطة مع صغيريها أنها كانت، وبالغريزة التي زرعها الله فيها، تؤثر صغيريها على نفسها في أغلب الأحيان، فتقوم بحمل قطع الطعام لهما وإرضاعهما في الوقت الذي تكون فيه بأمس الحاجة إلى الطعام، كما أنها كانت تظل يقظة معظم الليل على الشجرة المقابلة للمنزل لحراسة صغيريها وهم نيام على سطحه. كل ذلك دفعني لا إرادياً للاتصال بوالدي هاتفياً، الذي تولى رعايتي بعدما فقدت والدتي وأنا بعمر الثماني سنوات، وكانت مرارة التقصير اتجاهه عالقة في حنجرتي..أحسست لبرهة أنه ربما فات أوان رد الجميل، وهذا ما زاد مرارتي وحسرتي..إلا أنني عزمت على مداومة الاستغفار له ولوالدتي ما حييت، وعلى القيام بتنفيذ أفكار لصدقات جارية لكليهما في أقرب فرصة. إن كلمتي 'الرعاية والسهر' كانتا تبدوان لي فيما سبق عاديتين، لكني أدركت حينها الحد الأدنى من معانيهما حتى قبل أن أصبح أباً.

ومن ضمن جملة تلك المشاهدات أيضاً كانت طريقة احتواء القطة لنوبة الذعر والصراخ التي أصابت إحدى صغيريها مرة عندما تعرض لاعتداء من قط آخر..حيث أنها لم تقترب منه كثيراً ولم تبدأ بلعقه لتهدئته حتى بدأت تلك النوبة تخف تدريجياً. تبادر إلى ذهني في تلك اللحظة مباشرة محاولات البعض منا لتهدئة الآخرين أثناء غضبهم، وتحديداً في اختيار اللحظة الخاطئة للقيام بذلك، أو في الطريقة غير المقصودة التي تؤدي إلى زيادة ثورة غضبهم، أو حتى في استخدام نبرة في الصوت تبلغ أحياناً بالغاضب مبلغ الجنون!

ومما آثار اهتمامي ولفت انتباهي هو ردة الفعل الودية للقطة الأم عندما كان يأتي أحد صغيريها ليلاعبها وهي نائمة، وتقبلها للأمر وتخليها حتى عن غفوتها أحياناً كثيرة لملاعبته، في حين أننا نجد بعض الآباء للأسف يصرخون في وجه صغارهم أثناء لعبهم ما يجعلهم يخرّون ساكتين لساعات! بعض الآباء لا يستطيع إدراك أن الطفل الصغير يرى الدنيا مجرد لعبٍ فور استيقاظه من النوم، وأن نموه ومصدر من مصادر تعلمه لا يأتي بالسكون، بل بالشد والفتح والضم (مجازاً).

ومما لا يقل أهمية عن مشاهداتي السابقة الذكر، هو تركيز القطة عند العراك مع صغيريها- بقصد تعليمهما وملاعبتهما- على الأنثى أكثر من الذكر، ذلك ربما أن الأنثى يفترض بها أن تكون قوية بما يكفي كي تحمي صغارها مستقبلاً. وهذا الأمر جعلني أتفكّر في أمرين: أولهما، هو الأخذ دائماً بعين الاعتبار جنس أطفالنا وتهيئتهم في البيت والمدرسة على أساس ذلك، كنوع الألعاب وطريقة المعاملة مع إحداث فروق وإضافات في مواد المنهاج المدرسي. أما الأمر الثاني، فهو التأكيد على تعليم أطفالنا من خلال حالات موقفية وليس من خلال صياغة ما هو صحيح وما هو خاطئ صياغة إنشائية، فمثلاً كي نُعلّم أطفالنا الصدق فينبغي أن يروه فينا ونحن نمارسه يومياً، وإن أردنا لهم تعلم الصفح وعدم الرد على الإساءة فينبغي أن يرونا في مواقف تجسد لهم ذلك...وإني لا أظن بأن القطة لو ملكت القدرة على الكلام كانت ستعلم صغيريها مهارات وأساليب العراك شرحاً!

وما أثار دهشتي في سلوك القطة هو التدّرج في عملية الانفصال عن صغيريها، وفي مراحل متقدمة منه كان هناك إظهار واضح للقسوة عند اقتراب أحد صغيريها منها، وكان ينتهي ذلك بالضرب غالباً. وقتئذٍ استحضرتني صورة تشكّي بعض الأمهات من أولادهن بسبب اعتمادهم وتواكلهم عليهن في كل شيء..وتشكيهن من العناد المتزايد من أولادهن لدى محاولتهن معالجة هذا الأمر، لكن لعلّ لنا فيما فعلته القطة مع صغيريها عبرة: أليس تقديم الأولاد لأية مرحلة جديدة من حياتهم بشكل تدريجي وتهيئتهم بما يكفي مع إبداء بعض القسوة يساعد في أن يكونوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم والتأقلم مع ظروف تلك المرحلة؟

إن التأمل قد يكون سبباً في تهذيب النفس ومعرفة الصواب، وإبصار الحقيقة في هذا العالم، ولم يكن المقصود من هذا وذلك كله مقارنة ذلك المخلوق مع البشر تصرفاً وسلوكاً، فالبشر أكرم وأفضل المخلوقات قطعاً، وقد كرّمنا الله بهبة العقل دون باقي خلائقه..ولكن وددت فقط أن أطرح بعضاً من تأملاتي سبيلاً لتحفيز الآخرين على التأمل..فهل سنقوم بإعطاء أنفسنا فرصاً للقيام بذلك؟

 

محمد عرّوب – أكاديمي وكاتب سوري

باقة من الشعر الأصيل

abdulrazaq mohamadjafarكم نحن بحاجة لعودة الروح للشعر الأصيل الذي تعودنا على سماعه في مجالسـنا، وخاصة في المدن الصغيرة والقرى التي لم يدخلها التلفاز، من أجل ان نخفف من قساوة واقع الحياة الأجتماعية في العهود السياسية المختلفة التي سـادت المنطقة العربية عموما والعراق خصوصا!

عرجت الى هذا الموضوع لأبتعد عن مقالات جلد الذات ونشر الغسيل (الوسخ)، في مختلف المواقع الألكترونيية، ..ووجدت في بعض القصائد التي جمعتها من حديقة العمر في كراسـة خاصة، (الكشكول)، ما يشفي الغليل، .. فنشـرت مقتطفات منها في الصحف المحلية والمواقع الألكترونية، واحاديث السـمر مع الأصدقاء منذ عدة سـنوات،   ولمسـت استحسانا من العديد منهم، زاد من رغبتي في تدوينها في صحيفة المثقف الغراء، حتى تحفظ من الأندثار، آملا ان تروق للقارئ الكريم،   والله من وراء القصد.          

 

قصيدة شاعر النيل

 

وقف الخلق ينظرون جميعا

... كيف أبني قواعد المجد وحدي

وبناة الأهرام في سالف الدهر ...

كفوني الكلام عند التحدي

أنا تاج العلاء في مفرق الشرق ...

ودراته فرائد عقدي

إن مجدي في الأوليات عريق ...

من له مثل أولياتي ومجدي

أنا إن قدر الإله مماتي

لا ... ترى الشرق يرفع الرأس بعدي

ما رماني رام وراح سليماً ...

من قديم "عناية الله جندي "

كم بغت دولة عليّ وجارت ...

ثم زالت وتلك عقبى التحدي

إنني حرة كسرت قيودي ...

رغم أنف العدا وقطعت قيدي

أتراني وقد طويت حياتي ...

في مراس لم أبلغ اليوم رشدي

أمن العدل أنهم يردون الماء ...

صفوا وأن يكدر وردي

أمن الحق أنهم يطلقون الأس

... د منهم وأن تقيد أسدي

نظر الله لي فارشد أبنائي ... فشدوا إلى العلا أي شد

إنما الحق قوة من قوى الأديان ...

أمضي من كل أبيض وهندي

قد وعدت العلا بكل أبي

من... رجالي فانجزوا اليوم وعدي

وارفعوا دولتي على العلم والأخلاق ...

فالعلم وحده ليس يجدي

نحن نجتاز موقفاً تعثر الآراء ...

فيه وثمرة الرأي تردي

 

رحمك الله يا شاعر النيل

...............

 

ا- ياقارئ الكف

شـعر عبدالأله الكويتي / استاذ جامعة بغداد

جاءتكً طائعةً لهفى مُـدً لهةً = مبسوطة الكف كي تقرأ خوافيها

ياقارئ الكف لا تقسو بطالعها = فالبنت مرهقة سكبى مآقيها

أظهر نواياكً لا لفُ يخالطها = وانشر مراميك تحت النور واجليها

فالبنت ناضحة للحب جاهزة = مـذ ان لمست يديها ناظراً فيها

مذ ان تعقبت خطاً وسط راحتها = ومـذ بنانك أضحى جائلاً فيها

 

حست نواياك تسري في جوانحها = كالكهرباء سرت لا شيئ يثنيها

ياقارئ الكف عجل في قراءته = وحول الأمر للتطبيق واقضيها

ياقارئ الكف أقرأ جملة كتبت = في آخر السطر ما اقسى مغازيها ا

أتقرأ الكف للباقين في شغف = وبطن كفك لا تدري بما فيها ؟

تروح تعبث في الممنوع سادرة = والعقل يرفع استاراً ويقصبها

لتنظر العين ما شاءت بلا حجب = ادنى الزوايا ارادت أم اقاصيها

لله درك يا قارئ وياعجبي = للسر تقرأ وأمي علانيها

تغضي عيونك تنزيهاً لأغطية = وتحتها تلتقي احداقها فيها

 

أغداً ألقاك؟

من كلمات الشاعر الهادي آدم ولحن الموسيقار محمد عبدالوهاب

 

أغدا ألقاك؟ يا خوف فؤادى من غدي

يالشوقى واحتراقى فى انتظار الموعد

آه كم أخشى غدي هذا وأرجوه إقترابا

كنت أستدنيه لكن هبتهُ لما أهابَ

وأهلت فرحة القرب به حين إستجابَ

هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا

مهجة حرى وقلباً مسه الشوق فذابَ

أغداً ألقاك؟

*

أنت يا جنة حبى واشتياقى وجنونى

أنت يا قبلة روحى وإنطلاقى وشجونى

أغداً تشرق أضواؤك فى ليل عيونى ؟

آه من فرحة أحلامى ومن خوف ظنونى

كم أناديك وفى لحنى حنينُ ودعاء

يا رجائى أنا كم عذبنى طول الرجاء

أنا لولا أنت أنت لم أحفل بمن راح وجاء

أنا أحيا بغدى ألآن بأحلام اللقاء

فأتِ أو لا تأتِ أو فافعل بقلبى ما تشاء

هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا

مهجة حرى وقلباً مسه الشوق فذابَ

أغداً ألقاك؟

هذه الدنيا كتاب أنت فيه الفِكَرُ

هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها العمر

هذه الدنيا عيون أنت فيها البصر

هذه الدنيا سماء أنت فيها القمر

فارحم القلب الذى يصبو إليك

فغداً تملكه بين يديك

وغداً تأتلق الجنة أنهارا وظلا

وغدا ننسى فلا نأسى على ماضٍ تولى

وغداً نسموا فلا نعرف للغيب محلا

وغداً للحاضر الزاهر نحيا ليس إلا

قد يكون الغيب حلوا

إنما الحاضر أحلى

هكذا أحتمل العمر نعيماً وعذابا

مهجة حرى وقلباً مسه الشوق فذابَ

أغداً ألقاك

 

نشرت أغنية أم كلثوم "أغداً ألقاك " فتلقيت الرسالة أدناه من الشاعر

"الهادي آدم" وترجمتها بالفرنسية، وفي ادناه أضافة لقصيدته السابقة

الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر لك جزيل الشكر

 

حضرت احدي المناسبات الشعرية -ربيع الشعراء -بابل السعيدة

،   LES PRINTEMPS DES

POETES.BABEL HEUREUSE

بمركز ثقافي فرنسي بالسودان، حيث شاركت العديد من الدول . شارك السودان بهذه القصيدة اي الغد للشاعر الهادي ادم

الهادي ادم

السودان

 

                         ألغد

 

أغداً ألقاك يا لهف فؤادي من غدٍ

وأحييك ولكن بفؤدي أم يدي

أم بطرفٍ خاشع اللمع كليلٍ مجهدِ

لست أدري كيف ألقاك ولكني صدي

ظاميٌ ارهقه البين وطول الامدِ

أنت يا جنة حبي واصتخابي وجنوني

أنت يا قبلة حبي وانطلاقي وشجوني

أنت يامعبد صمتي وصلاتي وسكوني

أغداً القاك يا لهف فؤدي من غدِ

وأحييك ولكن بفؤدي أم يدي

 

أنا أخشي من غدٍ هذا وأرجوه اقترابا

كنت استدنيه لكن هبته لما أهابا

وتولت دهشة القرب فؤادي فأنابا

هكذا استبطن العمر نعيماً وعذابا

مهجة سكري وقلبٌ مستهامٌ يتغابي

أتغاباك ولكني ظنني كيف تشاء

واناديك ولكن نداءتي دعاء

يا رجائي انا وحدي أدني منك الرجاء

انا لولا أنت لم احفل بمن راح وجاء

هذه الدنيا سماءٌ أنت فيها القمر

هذه الدنيا عيونٌ أنت فيها البصر

هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها العمر

هذه الدنيا كروم أنت فيها السكر

أغداً القاك يا لهف فؤادي من غدِ

واحييك ولكن بفؤادي أم يدي

فغداً لا نعرف الغيب ولا ماضٍ تولي

وغداً لا يعرف القلب لهذين محلا

وغداً تصطخب الجنة أنهاراً وظلا

وأحييك ولكن بفؤدي ليس ....إلا ؟

 

توليف/ الدكتور عبدالرزاق محمد جعفر

أستاذ جامعة بغداد / سـابقاً                


 

خدوجة العظمى

ibrahim alkayatالأمم المتحدة عرفت (العنف ضد النساء) بأنه "أي اعتداء ضد المرأة مبني على أساس الجنس، والذي يتسبب باحداث ايذاء أو ألم جسدي، جنسي أو نفسي للمرأة، ويشمل أيضاً التهديد بهذا الاعتداء أو الضغط أو الحرمان التعسفي للحريات، سواء حدث في اطار الحياة العامة أو الخاصة."

وللعنف ضد المرأة تاريخ يرتبط بتاريخ المرأة فقد عدّت تابعا للرجل أو ملكية له منذ نشوء الطبقات والدولة والظلم، واختلف وتباين هذا العنف بين مجتمع ومجتمع، وبين بلد وبلد، ففي أمريكا كانت المحاكم تعترف بقانون ينص بأن للزوج حقا في معاقبة زوجته المخطئة، بينما في بريطانيا كان هناك حق تقليدي للزوج في الحاق أذى جسماني (معتدل!) بالزوجة بادعاء الحفاظ على أدائها لمهامها.

وفي تاريخ العرب فان أبشع عنف وجه ضد المرأة، جاء على مستويين، عملي واعتباري، أما العملي فهو الوأد الذي في لغة العرب يعني دفنها صغيرة في القبر وهي حيّة، وكان الوأد سائدا بين قبائل العرب قاطبة وكان يستعمله واحد ويتركه عشرة، ويقال ان أول من وأد هو قيس بن عاصم المنقري التميمي، وقد وأد ثماني بنات، وكان قيس من وجوه قومه، ومن ذوي المال، وفي سنة غزا النعمان بن المنذر بني تميم فسبى ذراريهم، فأنابه القوم وسألوه أن يحرر أسراهم فخيَّرَ النعمان النساء الأسيرات فمنهن من اختارت أباها فردَّها لأبيها، ومن اختارت زوجها فردَّها لزوجها، إلا امرأة قيس بن عاصم فاختارت الذي أسرها فأقسم قيس أنه لا يولد له ابنة إلا قتلها فكان يقتلهن، واستبشع القرآن هذه الفعلة الدنيئة بل الجريمة بآيتين من سورة التكوير: (وإِذا المَوءودة سُئلتْ * بِأيِّ ذنبٍ قـُتلتْ).

وأما المستوى الاعتباري لبشاعة العنف ضد المرأة في تاريخ العرب، فيتجلى بان متشددين من أهل النحو والصرف قرروا "لو كان هناك حشد من النساء يبلغ عددهن المئة وبينهن امرأة حامل فيجب تذكير مخاطبة هذا الجمع، فقد يحتمل أن يكون الجنين في بطن المرأة ذكراً!"

وقيل، ونعم القول أن وراء كل عظيم امرأة، وفاتهم أن يصححوا الحكمة بأن وراء كل عظيم إمرأة عظيمة، عظيمة وليست عظمى، فـ "خدوجة بن مناصير" لله درّها وقفت مرة في حضرة محكمة الأحوال الشخصية بالعاصمة الليبية، ولما سألها القاضي عن اسمها، أجابت فوراً:

ـ خدوجة العظمى!!

استغرب القاضي من الاجابة، وقال لها: ولماذا العظمى؟

فقالت: ان أمريكا لمرة واحدة ضربت ليبيا فأصبحت الجماهيرية العظمى، وأنا زوجي يومية يضربني خمـس مرات باليوم!! فعليش ما أصير خدوجة العظمى؟!

 

خاطرة .. يموت ببطء

يموت ببطء كل من يصبح عبدا للروتين، يعيد كل يوم نفس الاشياء، من لا يغير في اخطائه، لون الثياب، من لا يتكلم بالخير ويحث عليه وعلى عمله ويعمل به.

يموت ببطء من يمتنع عن مغامرة، من يفضل الاسود على الابيض، من يفضل التعاسة على الفرح من يفضل الهدم على البناء يفضل التخريب عن التزيين .

يموت ببطء من لا يسافر، من لا يبحر، من لا يعرف نفسه ويحبها ويدللها ويداعبها ويعانقها .

يموت ببطء من يترك مشروعا قبل ان يبدأ به، من لا يسأل عما لا يعرف، من لا يجيب عندما يسأل عن اشياء يعرفها .

يموت ببطء من يكره ولا يحب، يتشاءم ولا يتفاءل، يكذب ولا يصدق، يخيب الامال ولا يغنيها، يقتل الانفس ولا يحييها .

يموت ببطء كل من يتاجر بكل شيء ولا يراعي شيء، من يحب نفسه ويكره الاخرين، من لا يسامح ولا يعفو من يعيش متثبتا بالانتقام والغدر باحثا عنه ويتعلم اساليبه .

يموت ببطء من لا يرضى بما اعطاه الله ويتمنى نعمه الاخرين، يحسدهم ويتمنى الدمار والخراب لهم، يتعلم طرق ودروب المشعوذين ليفسد سعادتهم ونعمتهم .

يموت ببطء من لا يتعلم ويدرس ويتثقف، فيعيش مع الجهل وينعم به ويستوحش في داخلة حتى يصبح عبدا له فلا يفرق بين الصواب والخطأ والجميل والقبيح والنعيم والجحيم .

يموت ببطء من لا يعمل لأخرته وينشغل بالدنيا، فيعشقها وينشغل بها ويعمل فقط من اجلها، فلا يتصدق ولا يعطي ولا يرأف ولا يرحم ويدوس على كل شيء من اجل حطامها .

يموت ببطء من لا يغذي روحه وينشغل بغذاء جسده فتتفشى فيه الامراض بأنواعها ويقتل روحه فيتحول الى حيوان مفترس يلاحق فريسته ليشبع فلا يرحم .

يموت ببطء من يصاحب اهل السوء ويجلس في اجواء الفساد فيتأثر بهم فيقسو قلبه ويعتاد على الكلام البذيء والمعاصي والمنكرات ويقتدي بهم .

يموت ببطء من لا يحاسب نفسه ويعاتبها وينظر في عيوبها ويذكرها بضعفها وفقرها الى خالقها وييقظها عن غفلتها ويعرفها بنعم الله عليها ويراقبها ويحاسبها على كل صغيرة وكبيرة حتى يقدر على التحكم بها .

فأنهض الآن...................

لا تترك نفسك تموت رويدا رويدا ولا تبخل عليها بأن ترحم وتحب وتسامح وتعفو وتعطي وتصبر وتتفاءل وتسعد وتصدق

واتركها تعيش وأطلق سراحها وحررها .....................

 

العمود الصحفي وحيرة القارئ..!!

shakir karimalkaysiاصبحنا في حيرة من أمرنا وأصابنا الملل في كثير من الاحيان ونحن نقرأ أعمدة لكتاب بارزين في صحف مرموقة. مواضيع لا تقدم ولا تؤخر. من ناحية انها لا تلامس حاجة المواطنين ولا تستفز عقولهم. ولا تشدهم الى فكرة أو هدف. فمواضيعهم ضمن الاعمدة اليومية ليس فيها جديد غير الكلام العام الذي يسمعه المواطن يوميا من على شاشات الفضائيات او يقرأه في الكثير من الصحف الورقية او الالكترونية. لم نقرأ بالسلب او الايجاب تحليلا او انتقادا في هذه الاعمدة بخوص الموازنة. ولا عن الحرب الطاحنة في الانبار التي ضحيتها ابناء العراق سواء من القوات المسلحة او من السكان الامنيين. مثلما لم نقرأ عن قرار مجلس الوزراء بتحويل بعض الاقضية الى محافظات ولا عن احتيال المنافقين من اعضاء البرلمان لتمرير قانون التقاعد والخدمة " الجهادية" الخاص بهم وبامتيازاتهم دون ان يراعي حقوق المتقاعدين اصحاب المصلحة في هذا القانون.!! ولم نقرا ولا نقراء انها مجرد اخبار تصاغ على هيئة عمود.

ادرك جيدا اني ارتقي صعبا وأنا اهم بنقد اساتذة اجلاء. واصوات شجاعة واقلام رصينة كان لها موقعها في الصحافة والاعلام. وسمعة حسنة. لكنها حيلة مضطر يرى اعمدة كبار الصحفيين وزواياهم وقد استحالت الى ما يشبه رتابة دفتر أنشاء حفيدي مصطفى طالب المتوسطة.!

وما يؤكد حقيقة ما نقول لا يحتاج لجهد كبير. وتكفي زيارة للموقع الالكتروني للصحف لترى كيف ابتعد وهجر القراء معظم كتاب الاعمدة .وعزفوا عن التعليق على ما تحتويه من مواضيع رتيبة مكررة. نتيجة انحيازهم وتعاليهم على قرائهم . وناوأ بعيدا عن اهتمامهم بشؤون الوطن والمواطنين.! كما استكثروا على قرائهم مشاركتهم النقاش في الهامش المتاح لتعليقات القراء اسفل المقال .! مما ولد شعورا سلبيا وقناعة الى ان هؤلاء باعوا اقلامهم.! وباعوا المقال او العمود الذي لا يتعارض مع هذا المسؤول او ذاك الحزب. باستغلال هذه الصحف للعزف على عواطف ومشاعر الناس.! لا لشيء إلا لأجل تسجيل مواقف امام المسؤول او الحزب الذي يعملون او يديرون صحفه او قنواته فقط بصرف النظر عن مصلحة الوطن والمواطنين.!

ولكن وللإنصاف فهناك كتاب واعلاميون اصحاب مواقف ثابتة . لن تهتز او تتغير. نعتز بهم وبالقراء لهم،. حيث يختصرون لنا مسافات كبيرة بكلمات قليلة يضيفون لنا الجديد . ويستفزون عقولنا بالمفيد. اقلام هؤلاء وكتاباتهم تعطي للصحافة هيبتها ووقارها . وان كانوا قلة. لا نجد فيما يكتبون ما يثير الشبهة. وكذلك اعلاميون اكفاء صادقون حتى وان كلفهم ذلك الكثير. حماهم الله وابعدهم من كيد الكائدين ومن تربص المتربصين ومن حبال المتسلقين..

 

المرأة آلهة وداعرة

saleh altaeiقد يكون الإنسان العراقي القديم أول من نجح في توظيف الرمز الأسطوري في حكاية بحثه عن المعرفة، ولكنه أعطاه انطباعا تكوينيا غاية في الدقة فجعله ممزوجا بالجمال، ولاسيما جمال المرأة الأخاذ؛ الذي لا يعطي انطباعا بالطيبة عادة بقدر كونه صورة تتلخص فيها كل نوازع النفس البشرية؛ من طيبة وخبث وحب وكراهية وخداع وصراع. ومن خلال ذلك نفذ إلى عمق ما هو عليه الإنسان عبر التاريخ، فكانت رمزيته المبتدعة مفتاح المعرفة، معرفة نوازع النفس البشرية المجبولة على التناقض.

وفي كل ذلك خلدت صورة المرأة الأم التي ترمز إلى العطاء غير المحدود، والمرأة الإنسان التي تجمع في شخصيتها كل تناقضات الكون، ثم حولت هذه الفكرة إلى معتقد ديني صارت المرأة بموجبه آلهة تعبد. ولكنه ربما لقسوته أبى أن يعترف بقدسيتها المطلقة فجعل ربوبيتها ناقصة، وصار يهينها ويذلها في نفس الوقت.

ومن غرائب التاريخ أن المرأة كانت آلهة تعبد ليس في العراق وحده وإنما في جميع الحضارات القديمة، وكانت تناط بها مهام من سنخ طبيعتها المتناقضة غير التقليدية، فعشتار أو إنانا التي ترمز إلى المرأة العراقية القديمة هي إلهة الجنس، والحب، والجمال، والحرب،ونجد قبالتها وبنفس صفاتها عشاروت عند الفينيقيين، وأفروديت عند اليونانيين، وفينوس عند الرومان.

ويتبين من خلال بعض الآثار والنقوش الآثارية التي تم العثور عليها؛ أن هذه الآلهة جميعهن كن يمتزن بصفات مشتركة تجمع بين القوة والقسوة، والجمال والخصب والنماء، والشر والقبح أيضا، فعشتار وفق النقوش السومرية كانت شابة ذات جمال أخاذ وقوام ممشوق جميل، ممتلئة الجسم، نافرة النهدين، حمراء الخدود، مشرقة العيون، فضلا عن سيماء السمو، ومن تحت أثر أقدامها كان ينبع النماء والخير، فهي غالبا كانت تجوب الحقول، فتتفجر الينابيع تحت قدميها ماءً رقراقا عذبا، وتُزهر الأرض بالسنابل والنماء، فهي الآلهة الأم منجبة الحياة.

لكن هذه الصورة المشرقة ما تلبث أن يخالطها الرعب والموت والدمار، فلعشتار الجميلة أخت أخرى هي الإلهة (إرشكيجال أو إيرشيكال) وهي إلهة العالم السفلي، وربة عالم الأموات.

عشتار نفسها مع كل صفات الجمال؛ الأخاذ نجدها ذات روح شريرة، حيث كانت تغوي بجمالها الرجال الآلهة والبشر سوية وتبتزهم وتسرق قوتهم، حيث كانت تدور بحثاً عن ضحاياها فتغويهم وتعدهم بالزواج، ومتى أخذت ما يملكون، تركتهم يبكونها.

وهي حتى في أشد حالات حزنها كانت تأبى التخلي عن الشر، فهي بعد أن تزوجت الإله تموز الذي سرعان ما قتل في الحرب، حزنت وقررت النزول إلى عالم الموتى لتجتمع به هناك. فتسبب نزولها بجدب الأرض وموت الزرع وانقطاع النسل وساءت الأحوال العامة مما استوجب تدخل الآلهة لإعادة الحياة إلى زوجها وإعادته معها إلى الأرض لتعود الحياة إليها.

إينانا هذه المرأة الآلهة كانت سبب نشوء وديمومة وازدهار حضارة أوروك في الألف الرابع قبل الميلاد، ولكن هذه الحضارة التي كانت سباقة في كل شيء عمدت إلى توجيه طعنة غدر إليها من خلال فتح أول بيت دعارة رسمي مشهور في العالم، وفي مدينة (نيبور)، عاصمة السومريين تحديدا، في حدود العام 2500 قبل الميلاد ، تحت اسم (مساكدين)، فأسكنوا أقرانها من النساء في المواخير، وحولوا القسم الآخر منهن إلى عاهرات رسميات في دور العبادة يرقصن للرب ويخدمن الرهبان، في دلالة رمزية إلى وجود وأبدية الصراع بين الجنسين الرجل والمرأة، ومن ثم تخليد السطوة الذكورية على مر التاريخ.

إن الرجل إذا ما كان قد نجح في إذلال المرأة من خلال تحويلها إلى ملهاة تفرغ شهواته، كان قد تحول هو الآخر إلى ملهاة بيدها تشبع من خلاله رغباتها وتنتقم منه، فضلا عن أن الدرجة المنحطة التي وضع المرأة فيها كانت من السعة لدرجة أنها احتوته أيضا بعد أن نزل إليها بمحض إرادته ليقابل المرأة فيها، فاستويا في المنزلة، منزلة العلياء والسمو، ومنزلة الانحطاط والتدني.

ويبقى الإنسان إنسانا وكائنا عاقلا ما دام يتحرك في حدود إنسانيته، ومتى ما خرج عن حدودها تطغى عليه صفات الآدمية الحيوانية التي تحركها العواطف الخيرة والشريرة، وثمة آدمية وحيوانية في كلا الجنسين، وفي كل منا.

القمر والليل والسهر .. في ذاكرة ايام زمان

حتى اواخر سبعينات القرن الماضي لم تكن الارياف وحواضرها مضاءة بالكهرباء،وكانت مجالس السمر الليلية في الصيف خاصة تضاء بالفوانيس في الليالي الظلماء،في حين تجري على ضوء القمر في الليالي البيضاء، حيث يظل القمر مصدرا لإنارة الفيافي والكون، اضافة الى انه ظل يمثل مصدرا للإلهام، والجمال،حيث يستلهم العشاق، والشعراء،والسمار منه صور الحب، في لحظات استغراقهم الوجداني ، وهيامهم في ليالي الصيف الحالمة،عندما يسهرون في مساءاتها على ضوئه، متطلعين الى بهائه بأشعته الفضية، وهو محاط بلمعان الكواكب التي تزين السماء، وكأنهم يناجونه ببواحاتهم، ويشبهون وجه المحبوب بالقمر كلما ارادوا منه نقل وجدهم له، وهو يسبح في فلكه في ذلك الليل.  

القمر.. وهو انيس السمر، والسهر، وملهم الشعر، يجسد معاناة، وتطلعات الجميع، شعراء، وسمارا، وعشاقا، فيسحرهم بإيحاءات انواره المنسابة برقة مع نسمات المساء الى وجدانهم ،ليجسدوها في أحاسيسهم، وانفعالاتهم، شعرا، وأنسا، ومكابدة،ونحن ما نزال حتى الان، نطرب اسماعنا بأغاني الليل، والقمر، بصوت امهر الفنانين.  

ومن هنا فإن علاقة التواشج الوجداني بين العاشقين، والسمار، والسهار، والقمر، ايام زمان،كانت علاقة حس، وآهات، وذكريات، تطفح بالحب والهيام، والمعاناة، بحسب حال صاحب الوجدان، يوم كان القمرهو وحده، الصاحب الذي له المشتكى، والملهم الذي من بريق ضيائه الشعر يستوحى.

اما اليوم فقد انفصمت العلاقة الوجدانية مع القمر، والليل، والسمار، حيث خطفت الكهرباء الاضواء من القمر، فاستقلت هي بالإنارة بعد ان اقصته عنها، لكنها مع ذلك عجزت عن سلبه مصدرية الالهام.

نوادر من التراث

abdulrazaq mohamadjafarمن أقوال الأمام علي كرم الله وجهه:

دع الحرص على الدنيا = وفي العيش فلا تطمع

ولا تجمع من المال = فلا تدري لمن تجمع

.....

لكل شيئ اذا ما تـمً نقصان = فلا يغر بطيب العيش انسان

.....

شيئان لو بكت الدماء عليهما = عيناي حتى تؤذنا بالذهاب

لم تبلغ المعشار من حقيهما = فقد الشباب وفرقة الأحباب

.........

مسألة رياضية:

سأل الأمام علي رضي الله عنه : ما العدد الذي يقبل القسمة على

الأعداد من 1 - 10 من دون باقي؟ ....فقال: هو ناتج ضرب ايام الأسبوع في ايام الشهر في عدد الأشهر السنوية،..اي :

2520   =30 X   12 X 7

......

لقد وصف الأمام علي حال الدنيا، حيث قال: أذا أقبلت الدنيا على أحـد أعـارتـه مـحـاسـن غـيـره، واذا أدبرت عنه..سـلبته مـحـاسـن نفـسـه !

أني ذقت الطيبات كلها ولم أجدذ أطيب من العافية .

وذقت المرارات كلها فلم أجد امـر من الحاجة الى الناس!

ونقلت الصخر والحديد، فلم اجد أثقل من الدين،.. انه هـمُ في الليل ومذلة في النهار!

....

أعلم ان الدهر يومان يوم لك ويوم عليك، فأن كان لك فلا تبطر، وان كان عليك فأصبر،..فكلاهما زائل!

.....

سأل رجل مهموم امير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام

فقال: يا امير المؤمنين لقد أتـيـتك وما لي حيلة مما أنا فيه من الهم؟

فقال امير المؤمنين :سأسألك سؤالين وأُريد إجابتهما

فقال الرجل: اسأل.

فقال امير المؤمنين: أجئت إلى هذه الدنيا ومعك تلك المشاكل؟

قال:لا

فقال امير المؤمنين: هل ستترك الدنيا وتأخذ معك المشاكل؟

قال: لا

فقال امير المؤمنين : أمرٌ لم تأتِ به، ولن يذهب معك ..

الأجدر ألا يأخذ منك كل هذا الهم فكن صبوراً على أمر الدنيا،

وليكن نظرك إلى السماء أطول من نظرك إلى الأرض يكن لك ما أردت،

ابتسم .. فرزقك مقسوم

وقدرك محسوم..

وأحوال الدنيا لا تستحق الهموم..

لأنها بين يدي الحي القيوم .

 

يقول عليه السلام:

يَحيا المؤمن بيَن أمرين يُسر وَ عُسر)،

وَ ڳلاھما " نِعمة " لو أيقَن !

ففِي اليسر : يكون الشكر

[وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ]

وَ في العسر : يكون الصَبر !

[إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ]

......

من أقوال خليل جبران:

- أنكم تتكلمون عندما توصد دونكم ابواب السلام مع افكاركم.

- ليست حقيقة الأنسان بما يظهره لك،بل بما لا يستطع اظهاره !

- اذا اردت ان تعرفه، فلا تصغي الى ما يقوله، بل الى ما لا يقوله

واذا صـمت صـديقك ولم يتكلم، فلا ينقطع قلبك عن الأصغاء الى صوت قلبه، لأن الصداقة لا تحتاج الى الألفاظ والعبارات في انماء جميع الأفكار والرغبات والتمنيات التي يشترك الأصدقاء فيها بفرح عظيم لقطف ثمارها اليانعات.

- ان المحبة متى اتسعت صعب التعبير عنها بالكلام، والذاكرة اذا كثرت احمالها سارت تـفـتـش عن الأعماق الصامته.

- أنك لا ترى سوى ظلك وانت تدير ظهرك للشمس.

- أذا ضحك أمرؤ منك تستطيع ان تشفق عليه، ولكن اذا ضحكت عليه فربما لا تستطيع ان تصفح عن نفسك.

- لجمال العظيم يأســرني، والجمال الأعظم يحرر من أســر الذات.

- لا،..ليس الحياة بسطوحها، بل بخفاياها، ولا المرئيات بقشورها، بل بلبابها، ولا الناس بوجوههم، بل بقلوبهم.

-   لا الدين بما تظهره المعابد الدينية والطقوس والتقاليد، بل بما يخبئ في النفوس ويتجوهر بالنيات.

- يظل العالم عالماً ما تعلم، فأذا قال : علمت، فقد جهل.

- المرأة التافهة المادية هي آخر من يستحق حُب رجل ذي مبادئ سامية في الحياة.

- اذا اراد العاشق ان ينسى معشوقته التي خانت،..عليه ألا يحقد عليها او يكرهها، بل يكفيه ان يحتقرها، لأن الأنسان من المستحيل ان يحب شيئاً يحتقره، وهذا الأمر يحتاج لقدر كبير من قوة الأرادة.

- انت حر أمام شمـس النهار وانت حر امام قمر الليل وكواكبه وانت حر حيث لا شـمس ولا قمر ولا كواكب،..بل انت حر عندما تغمض عيتيك عن الكيان بكليته،..ولكن انت عبد لمن تحب،..وانت عبد لمن يحبك،..لأنه يحبك.

- ليـس السخاء بأن تعطيني ما انا في حاجة اليه اكثر منك، بل السخاء بأن تعطيني ما تحتج اليه اكثر مني.

-   انت رحوم اذا اعطيت، ولكن لا تنسى وانت تعطي ان تدير وجهك عمن تعطيه لكي لا ترى حيائه عارياً امام عينيك.

- لو أصغت الطبيعة الى مواعظنا في القناعة،..لما جرى فيها نهر الى البحر،ولما تحول شتاء الى ربيع ولواصغت لنصائحنا في وجوب الأقتصاد،..فكم كان بيننا الذين يتنشقون الهواء .

- وعظتني نفسي ان لا اطرب لمديح ولا اجزع لمذمة،..وقبل ان تعظني نفسي كنت أظل متاباً في قيمة اعمالي وقدرها حتى لا تبعث اليها الأيام بمن يقرضها او يهجوها. أما الآن فقد فقد عرفت ان الأشجار تزهر في الربيع وتثمر في الصيف ولا مطمع لها بالثناء وتنشر اوراقها في الخريف وتتعرى في الشتاء ولا تخشى الملامة.

 

دمعة وأبتسامة:

ما أتعس الرجل الذي يحب صبية بين الصبايا و يتخذها رفيقة لحياته، ويُهرق على قدميها عرق جبينه و دم قلبه، ويضع بين كفيها ثمار أتعابه و غلة اجتهاده، ثم ينتبه فجأة فيجد قلبها الذي حاول ابتياعه بمجاهدة الأيام وسهر الليالي قد أعطي مجانا لرجل آخر ليتمتع بمكنوناته و يسعد بسرائر محبته،..

وما أتعس المرأة التي تستيقض من غفلة الشبيبة فتجد ذاتها في منزل رجل يغمرها بأمواله وعطاياه ويسربلها بالتكريم والمؤانسة لكنه لا يقدر أن يلامس قلبها بشعلة الحب المحيية ولا يستطيع أن يشبع روحها من الخمرة السماوية التي يسكبها الله من عيني الرجل في قلب المرأة...

................

من درر المتنبي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونـهوصـدق مــا يعـتـاده مــن تـوهـم

وعــادى محبـيـه بـقــول عـداتــهوأصبح في ليل مـن الشـك مظلـم

أصادق نفس المرء من قبل جسمهوأعرفـهـا فـــي فـعـلـه والتـكـلـم

وأحـلـم عــن خـلـي وأعـلـم أنــهمتى أجزِهِ حلماً عـن الجهـل ينـدم

وإن بذل الإنسان لي جـود عابـسجـزيـت بـجـود الـتـارك المتبـسـم

ومــا كــل هــاو للجمـيـل بفـاعـلولا كـــل فــعــال لــــه بـمـتـمـم

......................................

. ومن نـكـد الـدهـرعلى الـحـر= ان يرى عـدواً مـن صـداقـتـه بـدُ

......

.على قدر أهل العزم تاتي العزائمُ = وتأتي على قدر الكرام المكارم ُ

.....

.ماذا لقيت من الدنيا واعجبها = اني بما أنا شاك منه محسودً

......

.سـئـمـتُ تكاليف الحياة ومن يعش = ثمانين حولاً لا أبالك يسـأم ؟

................

.لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى = حتى يراق على جوانبه الدمُ

..............

.الظلم من شـيم النفوس فأن تجد = ذا عفة فلعلة لا يظلمُ

....................

ذو العقل يشقى بفي لنعيم بعقله = وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

........................................

شـطر من بيت شـعر صارمثلاً :

المثل :وهل يصلح العطار ما افسد الدهر؟

بيت الشعر:

وتدس للعطار سلعة بيتها   وهل يصلح العطار ما افسد الدهر

..........................................

المثل : وتقدرون وتضحك الأقدار

ويدور الفلك الدوار دورته         وتقدرون وتضحك الأقدار

المثل: وعـند جهينة الخبر اليقين

بيت الشعر :

تسائل عن حصين كل ركب   وعند جهينة الخبر اليقين

المثل :أياك أعني وأسـمعي يا جاره

بيت الشعر :

ياأخت خير البدو والحضارة   كيف ترين في فتى فزاره

اصبح يهوى حرة معطاره       أيك أعني وأسمعي ياجاره

.....................

المثل : فما الحب الا للحبيب الأول

نقل فؤدك حيث شـأت من الهوى     فما الحب الا للحبيب الأول

المثل :ألف عين لأجل عين تكرمُ

بيت الشعر:

ياريت قوماً في هواك وهم عـدا     ألف عين لأجل عين تكرمُ

 

توليف

أ.د. عبد الــــــــرزاق محمــــــد جعــفـــــر

 

تهنئة للمعلم بعيده الأغر

safaa alhindi(قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا .. كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا) .. احمد شوقي

 

مع اطلالة شهر آذار ..

وشروق شمس النهار ..

نزف الى صانعي الرجال ..

ومربي الاجيال ..

نسائم فخر وأجلال ..

بين طياتها آفاق الجمال ..

على ما قدموا ..

فكان اقرب للخيال ..

ومن البديع ان يقال :

أرأيت أعظم او أجل من الذي *** يبني وينشأ انفسا وعقولا .

تحايا وتهاني وتبريكات معطّرة بعبق العرفان والجميل نهديها لحامل انبل واشرف رسالة انسانية على وجه الارض رسالة الانبياء والمعمّرين والمصلحين ، مربّي الاجيال ومعلّمها " المعلم " بمناسبة ذكرى عيده السنوي " عيد المعلم " .

المعلم هذا العملاق الشامخ في عالم العلم والمعرفة وهو النور الذي يضيء حياة الناس وهو عدو الجهل والقاضي عليه وهو الذي ينمي العقل ويهذب الأخلاق لذا وجب تكريمه واحترامه وتبجيله لأنه يحمل أسمى رسالة وهي رسالة العلم والتعليم التي حملها الرسل والانبياء (ع) .

في كل سنة كمثل هذا اليوم نجتمع لنحتفي بالمعلم فهو مربي الاجيال وملهم الشعراء . ذكرى يوم المعلم المصادف الاول من آذار نريد هنا ان نقف وقفة استذكار و اجلال لمن علمنا الحرف و صاغ لنا الكلمات . واذا اختلفنا على شيء بالتأكيد سنتفق على فضل المعلم ، واذا دخل الشك الى قلوبنا في كثير من الحقائق يبقى المعلم هو الحقيقة الساطعة الابدية بيننا واذا ضاق بنا هذا العالم الواسع يبقى المعلم مكان فسيح ننهل منه العلم والمعرفة واذا كانت المسافات تفرق بين البشر فإن العالم يسكن في علمه مهما بعدت المسافة .

 

قال الشاعر في فضل المعلم:

رأيـــت الحـق حـق المـعـلـم وأوجبة حفظاً على كل مسلم

له الحق أن يهدي إليه كرامة لتعليم حرف واحد ألف درهم

 

وقال الشاعر:

لــولا المعلم ما قرأت كتابـــاً يوما ولا كتب الحروف يراعي

فبفضله جزت الفضاء محلقا وبعلمه شق الظلام شعاعي .

 

صفاء الهندي

 

شيء من الفيوض

saleh altaeiـ أهدى احد الباحثين كتابه إلى والده، وقال في الإهداء: "إلى أبي .. أنت كما أنت، لا أكثر ولا أقل .. يا للروعة" فأدركت انه اختصر الحقيقة كلها ببضع كلمات. هكذا الإبداع، يا لروعة العقل المبدع.!

*   *   *

 

ـ تختلف الفلسفتان "المثالية"؛ التي ترى أن العقل دون الحواس هو أصل المعرفة، و"التجريبية" التي ترى أن الحواس هي الأصل والعقل حصيلة المحسوس، في أصول مصدر المعرفة، ولكنهما تتفقان أن هنالك أصل قائم هو المرجع الذي يتم اللجوء إليه لمعرفة الصح من الخطأ، ومن ثم القبول أو الرفض. هذا الأصل هو فكرة في الرأس عند المثاليين، وواقعة خارجية تدركها الحواس عند التجريبيين.

فبأي فلسفة يؤمن العراقيون الذين كانوا ولا زالوا وسيبقون يتقاتلون ولا يدرون لماذا.؟! وهل يحتمل أنهم بسبب كونهم لا يريدون أن يتفقوا على مرجع عقلي محسوس واحد يثقون بقدراته ونزاهته، لجأوا إلى العنف لحل مشاكلهم البسيطة؟!

*   *   *

 

ـ في جمهورية الهند هناك ثلاثة ملايين طائفة متفرعة عن الديانة الهندوسية وحدها، فضلا عن مئات الطوائف والأديان الأخرى. هذه الطوائف تعيش وتعمل وتتعامل؛ مع بعضها دونما حاجة إلى سيارة مفخخة، أو عبوة ناسفة، أو خنجر للذبح، أو قنوات للتهريج والتخريب والشحذ الطائفي، أو مناهج للتكفير، أو مليارات تفوح منها رائحة البترول للتآمر، ولا حتى إلى رؤساء قوائم انتخابية، وسياسيين متلونين.!

أليس من العار علينا نحن العراقيين أن نعجز عن مجرد فهم العراقي الآخر لمجرد أننا نختلف معه في بعض قواعد مذهب تعبدنا، أو منهج سياستنا، أو جغرافية وجودنا؟!

*   *   *

 

ـ متى ما أدرك الإنسان الحقيقة؛ وصل إلى رتبة الخلاص. ولا يصل الإنسان إليها إلا إذا ما كان متفردا، متجردا، محايدا، منصفا، إذ ليس ثمة شك أن من يسعى خلف الحقيقة عليه أن يملك قلب مؤمن، وعقل عالم، وقوة مصارع، وتطلعات فارس، وأحلام عاشق، وحنان والدة، وعطف صوفي، وطيبة عصفور، وأخلاق رسول.!

*   *   *

 

ـ بالرغم من أن الوحدة اليابانية التي تحققت عام 1603 لم تتحقق إلا بعد معاناة كبيرة سببتها المعارك الدموية الشرسة بين جيوش الأقاليم اليابانية المختلفة، وبالرغم من أن اليابانيين كانوا ولا زالوا يتعبدون بديانتين رئيسيتين هما البوذية والشنتونية، فضلا عن أديان أخرى، إلا أنهم منذ ذلك التاريخ وإلى اليوم لم ينجحوا في الحفاظ على هذه الوحدة وهذا التوازن الديني فحسب، بل نجحوا كذلك بالحفاظ على هويتهم الفريدة، وتحولوا إلى أمة تتربع على قمة هي الأعلى.

*   *   *

 

ـ ولدت الديانة البوذية في الهند، ثم هاجرت إلى الصين، وبعدها عبرت إلى كوريا، ومنها رحلت إلى اليابان. وهي في كل هذه المحطات والجغرافيات كانت تتلون بألوان ثقافة الشعوب التي اعتنقتها، ولم تبق متحجرة على صيغة واحدة، أو متمسكة بأصلها وجامدة عليه.

ومع ذلك لا زالت تبدو من حيث الجوهر كديانة واحدة في كل هذه البلدان، بينما عجز العراقيون المسلمون عربا وأكرادا عن إيجاد مشترك واحد يمكن اتخاذه مرجعا لحل أبسط المشكلات التي ما إن تنشب إحداها حتى تتحول إلى تهديد بالحرب، حتى ولو كانت مجرد اختلاف أطفال على لعبة كانوا يلعبان ويلهون بها.!!

*   *   *

 

ـ لا داعي إلى الاهتمام الفاقع، فالعقل أجمل ميزان. ولا داعي إلى التهريج فالإنسان يمكن أن يسمع همس النسيم. كن على طبيعتك يفهمك الآخرون.

 

اللغة العربية تستغيث

ali fahimتابعت بشغف من على إحدى القنوات اللبنانية بمناسبة يوم اللغة العربية اختباراً بمادة (الإملاء) في قاعة الجامعة الطولونية اللبنانية التي تبنت الأختبار، نعم الإملاء الذي يعطى كمادة أساسية في الصفوف الابتدائية ولكن لم يجرِ الأختبار على تلاميذ في مرحلة الابتدائية وأنما كانوا شريحة تمثل النخبة في أختصاص الأدب واللغة العربية وبعضهم من حاملي الشهادات العليا بالإضافة الى وزير الثقافة ومستشارين وأدباء وكتاب بارزين وعلماء دين وغيرهم من طلبة الدراسات اللغوية من ذوي الاختصاص، بدأ الاستاذ بقراءة مقطوعته الادبية على الحضور وهم يكتبون الكلمات التي كانت من النوع الثقيل وفيها الكثير من الالغام الاملائية وكان يقرأ كلماتها بتأنٍ ويكرر قراءة الكلمات كأنما يقرأها على تلاميذ في صف مدرسي، بعد أنتهاء الاستاذ من ألقاء مقطوعته جمع الاوراق وبعدها بدأ بتصحيح الأوراق، فكانت النتيجة مخيبة للآمال فلم يحصل أيٌ من الحضور على درجة كاملة فكلهم لديهم خطأ هنا أو هناك، تأسفت على لغة الضاد وهزيمتها في ميدان الاختبار لدى النخبة فكيف يكون حالها عند من هم دونهم وخاصة في ميدان الاعلام عند مقدمي البرامج ونشرات الأخبار ومديري اللقاءات فرفع المنصوب ونصب المجرور وكسر المرفوع باتت مألوفة عند هؤلاء لدرجة أن الجمهور لم يعد يميز الصحيح من الخطأ لكثرة الأخطاء وشيوعها في أغلب القنوات الفضائية ومن جانب أخر غلبة إستعمال اللهجات  الدارجة الشعبية على اللغة الفصحى وإستسهال استخدامها للمقدم والمستمع وهذا طبعاَ ينذر بخطر كبير لان اللغة العربية لها أهمية كبيرة عند العرب لأنها تمثل الهوية العربية وأزاحتها يمثل مسخ لهذه الهوية وأي شعب تمسخ هويته يكون عرضة للذوبان والتماهي في تيارات وحضارات أخرى وسيأتي عليه يوم لا يبقى منه الا تاريخه كما وتأتي هذه الأهمية لأنها لغة القران الكريم، كلام الخالق سبحانه وتعالى، رسالة السماء الى أهل الارض فأصطفى رب العالمين لغتنا العربية لتُكتب بها هذه الرسالة، ولترسل بها الى باقي الأمم،

و يبدأ ضعف الاهتمام باللغة العربية في مراحل التعليم الأولية وأنعدام الاهتمام عند المعلم والمدرس من ذوي الاختصاص في اللغة والأدب فساعد هؤلاء في بناء الحواجز بين أجيال المتعلمين ولغتهم، فمعظمهم وجدوا أنفسهم قسراً لا برغبة منهم في هذا الأختصاص، ففقدوا حافز العطاء لعدم وجود الرغبة وساعد على ذلك الجفاف والتصحر الأدبي المستشري في عموم ثقافة المجتمع وأستغراق الشباب وفي ثورة الاتصالات وسباق الأجهزة الذكية وأنحسار دور الكتاب وأنكفاء المثقف في دوائر ضيقة وغيرها من العوامل المتراكبة والمتشابكة التي تنتج أمية ثقافية تصيب المجتمع في منظومته الحضارية ومن أبرزها ضعف اللغة العربية عافاها الله .

 

سعادة حسب الطلب

mulehim almalaekaيسعدنا أن نجلس في غرفة نظيفة مفروشة، فتسكن العائلة الى نار المدفأة، وتقشر الأم والأخت البرتقال والتفاح واللالنكي وتوزعه على الجميع، فيما يعرض التلفزيون فلما مصريا، تتخلله أغان ورقصات بألوان ساحرة وتنتهي السهرة فننام بسلام بانتظار غد مشرق نظيف.

ليس هذا صعبا، فقد عاشت أجيال من العراقيين في ظل مفهوم السعادة العائلية الجميلة، ودفء البيت النظيف. لكن هذا لا يصح على الجميع، والمشكلة هنا، فما أجده نموذجا مثاليا للسعادة المطلقة، لا يجده سليم العازب الباحث عن اللذة كذلك، فبالنسبة له، الوصول المتكرر الى أسرار الانثى، وتلمّس الحقائق والدفء في أدق الخنادق ومزالق المنحدرات الخطرة ومسارات الشوق الغامض هي أحلى لحظات الحياة، لذا هو ينأى بنفسه وبأنثاه قدر ما يستطيع عن إجتماع الأسرة وتحلّق ألأحبة من الأبناء ونسائهم والأخوات ورجالهن.

ميادة، صديقة سليم، هي الأخرى لن تجد سعادتها في إلتئام الأسرة، بل أنّها تجدها مملة رتيبة باردة، وهي تبحث عن سعادتها في زوايا مظلمة تخاف المجتمع وتسرق منها في غفلة عن الرقباء لحظات سعادة غامرة لن تعدلها سوى مباهج الفردوس.

من يحب الفلوس، و- الأغنياء هم كذلك دون أستثناء- يجد سعادته في جني مزيد من المال، ومراكمته متحلقا بالذهب والماس إن أمكن، تزيّن كلّ ذلك بيوتٌ فخمة، وسيارات مطهمة، وثياب وأحذية وعطور من أغلى المناشيء، وهو لا يتورع أن يتشري حزاما ب 300$ لأنه يحمل ماركة شهيرة غالية يتباهى بها بين الناس.

 

سعادة الجاه

من يحب الجاه والسلطة والنفوذ، تراه مستعدا ليقتل شقيقه وأقرب خاصته في سبيله، وقديما قيل الملك عقيم، وقد قتل سلاطين الأتراك وخلفاء الأمويين والعباسيين وملوك أوروبا أقرب أهل بيوتهم لهم ليحافظوا على ملكهم وسلطانهم.

وهو وإن بدا مهذبا محبا رؤوفا ورعا متقيا، فإنه مستعد لأن يشهر خنجره ويقتل من ينازعه السلطان حتى إذا اختبأ في جوف الكعبة، ولن يخدع الآخرين أن يُظهر الزهد في الجاه والملك كاتبا" إنما الملك لله" فوق باب بيته، فمن حوله يعرفون ما في داخله.

 

سعادة القتلة

الأخطر هو من يحب القتل، وهم كثر، بل هم أكثر من أن نتخيل، فما إن إنكسرت القبضة الحديدية لصدام حسين، حتى انطلقت كل وحوش القتل والتعذيب من أوكارها في دوائر الأمن الى الشارع لتمعن في الناس قتلا. حدث هذا بالطبع بسبب إنهيار الدولة، لكن تفسيره أنهم يحبون القتل وسعادتهم فيه.

وتراودني خواطر مريعة حين أرى مشاهد مرعبة تنتشر في كل مكان عن أفعالهم " من يذبح انسانا بهذه السهولة، يجد نوعا من السعادة في فعله، وإن لم تكن سعادة فهو نوع من التشفي والفخر والتيه بالتفوق على الضحية، ولكن العجيب أنهم ليسوا مئات، ولا ألوفا، بل يبدو اليوم أنهم مئات الألوف".

هذه الألوف الكاسرة البارعة في إنتزاع الأرواح تمتلك بيوتا، ونساء و أبناء وأحفاد أحيانا، فهل يجدون سعادتهم في أن يجالسوا أُسرهم حول مدفأة شتاء تعطرها قشور البرتقال؟

نحن نختلف في كل شيء، لذا تتفرق بنا الطرق وتتصادم المصالح لحد الإقتتال، وسعادتي التي أجدها بسيطة، يقف دونها، مُلك ومجد وجاه ومليارات الدولارات التي تسيل مع النفط لجيوب البحارة والقتلة، نحن نريد بيتا ومحبة حميمة، وهم يريدون جاها وملكا يقتلوننا دونه لتكتمل سعادتهم ببيت دافئ وأسرة محبة وجمع من الأبناء والبنات والنسبان والكنات.

 

ثقافة التربية .. عبر التمييز بين الخطأ من الصحيح

khoulod alhsnawiمن المهم أن ننتبه جيدا لتربية أبنائنا ونحن نجابه أخطار ثورات العلوم والأفكار المتعددة وغيرها فلا نتركهم عرضة لمهاويها، التي كثيرا ما تنعكس سلبا على حياتهم بطريقة أو بأخرى فيجب علينا التركيز وباهتمام بكل تفاصيل ودقائق الأمور التي تعنيهم، وقبل كل هذا هو التوجيه الصحيح والمناسب لهم وهم في بداية أعمارهم لما له من اثر بالغ على مستقبلهم فانه سيحدد اتجاهاتهم وتوجهاتهم وميولهم ورغباتهم وفق القواعد والأصول الصحيحة للتنشئة . من المفترض بنا حماية الطفل من أخطائه عن طريق تعويده على الأمور الصحيحة وان نركز على ترسيخ مبدأ تجنب الخطأ لأنه خطأ وغير صحيح لا لأنه حرام، فلنعمل على تشجيع الواعز الإنساني لديه قبل الديني، إذ أن الأخير ممكن تأثره بتأثيرات خارجية تبعا لظروف ومواقف معينة لذا وجب التأكيد على معاملته بأسلوب خاص بعيدا عن كل أنانية، فأحثه على مساعدة أخيه في البيت كي يتعود على إبداء المساعدة لزملائه في المدرسة ذاتياً وهكذا تستمر معه هذه الخصلة الجيدة حتى يكبر وتنمو معه لتشمل كل من يحتك بهم مستقبلا في المجتمع، وكذلك أحثه على عمل الخير مع الجميع كإبعاد الأذى عن الطريق وغيرها من هذه الأمور الجيدة والتي تنم عن أخلاقيات مجتمع راقٍ بأبنائه إذ يجب علينا بناء ثقتهم بأنفسهم وتعزيزها داخلهم، بتشجيعنا لهم وتقديرنا لجهودهم التي يبذلون وليس بتقدير النتائج فقط كما يفعل معظمنا، صحيح سنواجه بعض المتاعب بدايةً بسبب عناده أو تقلب مزاجه، إلا أننا في النهاية سنصل إلى مراحل متقدمه معه بالصبر والتحمل لأننا نرجو هدفا ساميا .. بهذا الأسلوب سوف يتمكن الطفل من أن يكتسب مهارات أخرى تولدت لديه من خلال ما اكتسبه في البداية، ولم نعتمد مبدأ إن هذا الأمر حلال أم حرام، بالتأكيد إن كل خطأ هو حرام من وجهة النظر القدسية والدينية وهو أصل الحرام فعلا أي كل ما من شأنه أن يؤذي الإنسان أو الآخرين على مستوى الجماد والحيوان وحتى البيئة والعكس صحيح الحلال كل مفيد وما يعود بالنفع على المخلوقات .. إلا انه لن يتمسك بها ما لم يعرف انه إنسان ويجب أن يتعامل مع الجميع بإنسانيته لا بعقيدتهِ أو بعرقهِ أو بغيرها فأنا ازرع بداخله بذرة الشعور بالمسؤولية دون خوف من أي فعل لأنه سيتحكم بأفعاله من خلال تلك البذرة وما ينمو عبرها من مُثل ومبادئ .. فلو جربنا كمثال على ما تقدم مع فتاة تصرخ بوجه أمها ونريد توجيه اللوم لها أو توبيخها أو تنبيهها كيف يتم ذلك ؟؟ يتم بان أقول لها إن تصرفها هذا خاطئاً وليس صحيحا لا أن أقول لها هذا حرام مع انه فعلا كذلك ومن الكبائر كما تعلمنا} قال تعالى .. وَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ وَلا تَنْهَرهُما {وأحيانا يقولون لها انه عيب مع انه فعلا هكذا !! وهذا لا يأتي بنتيجة صحيحة كيف؟؟ لو أني أخبرتها انه عيب فإنها سوف تصرخ بوجه والدتها حينما تكن معها ولا يوجد ضيوف أو شخص غريب، أي ستتعود القيام بهذا الفعل بين أفراد عائلتها وتتجنبه بحضور الغرباء .. هذا شيء والأخر إني لو أخبرتها انه حرام فإنها تتجنبه لغرض الحصول على الثواب فقط والتقرب لله تعالى وأيضا هذا لا يجوز .. أما إذا حاولت افهماها انه خطأ ولا يجوز القيام به بأي حال من الأحوال أو على أي وجه فإنها ستتجنبه بكل تأكيد ذلك لأنه خطأ وليس لأنه عيب أو حرام ..نعم أنا معكم انه أمر غاية في الأهمية رغم بساطته إلا انه يحتاج إلى جهد جبار ووقت كثير لترسيخ ثقافة الإصلاح في نفوس الأفراد عبر التوجيه المستمر والمتابعة الدقيقة كي أجد ثمار ذلك بالحصول على أفراد ذوي شخصية قوية ذات مبادئ سليمة لا تبددها الأهواء والرغبات وهذا مبتغى كل مجتمع ناضج فكريا . إذا يجب العمل على تربية أبنائنا على الحقائق والثوابت لا على المسميات النفعية

 

هل الأقلام" الواعدة" واعدة؟

faroq mawasiاعترف شاعر معروف في مقابلة إذاعية أنه كان قد غالى في تشجيع الأقلام الشابة. وبمعنى آخر فهو لو استقبل من أيامه ما استدبر لكانت له موازين صارمة حاسمة.

وأعترف اليوم أنني ما تهاونت وما توانيت في لقاءاتي في "الورشة الأدبية" التي أقمتها لتشجيع الأقلام الشابة، وكذلك في سواها، فكان شعاري قول أبي تمام: "فليقسُ أحيانا على من يرحم".

في أيامنا هذه نشهد ظاهرة الكتب الجديدة تغمر السوق، وبعضها قدّم له أحد أدبائنا بما "يشفع" له الولوج إلى دنيا الكلمة، وهيهات.

فإذا تصفحنا جلّها - إن لم يكن كلها – ألفيناها ركيكة لا رقيقة، متهافتة لغويًا ومنطقيًا لا تسعفها شاعرية ولا متانة:

 

فما هي العيوب التي تصِم شعراءنا الجدد المتعجلين؟

أولا- الأخطاء اللغوية والإملائية، ولن أستشهد هنا بأمثلة، حتى لا يكون توجهي شخصيًا. ويفتضح الأمر أكثر إذا ما دُعوا إلى منصة لإلقاء شعرهم، فهنا تكون الطامة الكبرى، وتخجل أنت على حساب الشعر، لأن الحركة الصحيحة أو الإعراب في حكم الندرة، والنحو في إجازة لا يدري أحد متى تنتهي.

ثانيا- الإغراق في التعمية والإبهام. وكنت قد دعوت بعض هذا الشعر "الشعر الأفيوني"، وقصدت ظاهرة أعتبرها زيفًا وتضليلاً قدر ما هي افتراء على الشعر والحقيقة.

وبعض هذا الشعر أَصطلحُ عليه "الشعر الدخاني"، ولعل التسمية بتأثير المثل "خير ما في منه خير ودخانه بيعمي العينين"، فهذا الشعر مؤذٍ، ولا نستطيع إزاءه إلا أن نهرب لننجو بذائقتنا ولغتنا كما ننجو من السعال والدموع.

ثمة ألوان أخرى قد أتطرق إليها – لاحقًا- مستشهدًا بنماذج ...ولن أعدم الإتيان بها من عشرات الشعراء.

وتبقى مسألة التصنيف نسبية ذوقية، وللقارئ أن يقبلها أو يرفضها.

ومأساة الشعراء الجدد أنهم يتوهمون بأن أسماءهم ستتألق كلما أغربوا، فليس كل من أغرب أعجب... .......و"الشاعر" من هذا الصنف لن يستطيع أن يخدع الناس كلهم طيلة الوقت.

كيف تريدوني أن أصدق شاعرًا يجعل شعره ألغازًا وأحاجي؟ وإذا استغبيت نفسك، وتابعت أقواله فإنك - لا محالة - واقع في وهدة سحيقة وهوة عميقة، وهات يا خيال يا شرود!

كيف يستطيع شاعر شاب أن يدخل محراب الشعر من غير تعرّف حقيقي إلى قومه تاريخًا وقصصًا وخرافات، وأهم الأهم اللغة والتراث الأدبي؟؟

بدأ أدونيس والخال ودرويش والسياب وعبد الصبور والقاسم وغيرهم وغيرهم بالقصيدة العمودية ومن ثم انطلقوا، فما معنى أن يبدأ بعض شبابنا قفزًا؟

ولو أجزنا لبعضهم – بسبب الحضارة الغربية ومفهومها الجديد للشعر – فما معنى ألا يتقنوا لغة أجنبية تؤهلهم للقراءة والتدبر؟

وما معنى ألا يقرأوا إلا العناوين؟

إن ما أرجوه – هنا – ألا يسرع الكاتب في التسلق على عربة الإبداع كي يمسك بالزمام، لأننا سنعاني كثيرًا في طريقة قيادته.

إنه مدعو لمراقبة من سبقه، يعتز به ولا يتخلى عنه.

أقول ذلك لأن التنكر آفة قد يلجأ إليها الكاتب الجديد حتى يظهر براعته الشخصية وقدرته، وحتى يظهر استقلاله في جو النفور المتبادل بين الأدباء. وإلا، فما معنى أن يغفل أديب شاب عند صدور روايته الجديدة عن شكر من قرأ له وصوّب؟

ثم ما معنى أن يلجأ أديب شاب آخر إلى التهجم على من رسخت قدمه؟

أسأل ذلك إجمالاً لا تخصيصًا.

إننا ننتظر الكثير من المبدعين الجدد، أن يتجاوزوا ويتخطوا، لكن بعد دراسة ودراية.

والطريق الأدبي أوله اللغة وأصولها واشتقاقاتها ومنطقها، ومن ثَم تتفرع به الطرق، فيختار الكاتب منحاه، فإما أن يسير فوق الأصول المرعية، ويحفظ التراث فيها، ومنها ينطلق انطلاقات جديدة، يبتكر قدر ما تسعفه القريحة.

وإما أن ينحو اتجاه الاستحداث- وهذا حق له- ولكن من الضروري أن يتقن لغة أجنبية - كما أشرت - تؤهله لخوض الأدب العالمي، ولا جناح عليه إن كتب قصيدة النثر، لأن ثقافته وشموليته عندها تنعكسان في إبداعه.

وما أجدر شعراءنا الشباب أن ينتفعوا بتجارب من سبقهم. يتعرفون إليهم..وفي أي فلك يسبحون، ماذا يقرأون، وكيف يقرأون؟ كيف يشاركون في قضايا الناس ويترجمون كلماتهم إلى لغة الواقع؟

وصدقوا أننا نفرح للأقلام الواعدة لأنها منا وإلينا، ولكن لتكن واعدة حقًا!!

 

خائن من يغتصب ورود مدينتي !

hamid taoulostشيء جميلة بل رائعة، أن ترى الناس يحملون الورد وهم عائدون إلى بيوتهم، والأجمل منه أن يصبح الورد في بلادنا أفضل ما يقدم في كثير من المناسبات السارة والمفرحة، لما يحمله من تعبيرات التأدب واللباقة والمجاملة، وما يرمز إليه من الوجاهة الاجتماعية، وقد عرفت تقليعة إهداء الورد للأهل والأصحاب والأحباب والأعزاء، انتشارا كبيرا، ورواجا مهما في الآونة الأخيرة خاصة بمناسبة عيد الحب. لكن الغريب، بل المشين والمستفز حقا، هو أن هذا السلوك الحضري الذي دخل ثقافتنا المغربية على حين غرة، لم يستطع أن يلغي عادة العبث بالورود والأغراس بكل أنواع في حدائقنا، العامة والخاصة،على قلتها، حتى غدت تتشابه جميعها في الجذب والتصحر وقبح المنظر، ولم يقضي على ما نعيشه من تناقض مع الذات والسلوك، بحيث أننا لا نزرع الورود في حدائق منازلنا، لمن يملك حدائق منزلية، أو في المزهريات على شرفات نوافذنا، أو على سطوح بيوتنا، كما كانت تفعل جداتنا اللواتي كن يستنبتن الكثير من النباتات العطرية، كالورد البلدي والنعناع ولحبق والسوسان والسالمية ولعطرسة ومخينزا والشيح والزعتر وفليو وخدوج الخانزة، وغيرها من النباتات التي تعطي المحيط خضرة ونضارة وجمالا، تستعملها في خلطاتها المضادة للبرد والحمى و"الحلاقم" الوزتين، وغيرها كثير من الأمراض التي يتعرض لها أبنائهن والأحفاد .. ولكننا نقتلعها أينما تقفناها، ومع ذلك نقدمها هدايا ذات معان رومانسية .. في ثنائية مستفزة ومثيرة للدهشة تؤثر سلبا على نفسية المواطنين وترغمهم على العيش في فضاءات تفتقر للخضرة التي أصبحت لا تتجاوز المترين أو الثلاثة أمتار للفرد الواحد، النسبة البعيدة كل البعد عن معيار الإثنى عشر مترا مربعة للفرد الواحد، الذي حددته المنظمة العالمية للصحة كنسبة طبيعية في أي تجمع سكاني، في البلدان المتحضرة، كما هو الحال، مع الأسف، في مدينة فاس التي أصبحت ساكنتها تعاني مع الحرمان من الفضاءات الخضراء، التي يعود الموجود منها - كما يمكن لأي زائر ملاحظة ذلك من أول وهلة - إلى فترة الاستعمار، والتي لم تواكب مجالسها المنتخبة مفهوم تخضير المدينة كما في البلدان المعاصرة .. وكما كانت الطبيعة، بأحسن الأحوال، بفاس عبر تاريخها الطويل، متميزة برياضاتها وبساتينها وعراصيها ومشاتلها واشجارها المثمرة المبتوثة في كل شبر من أراضيها، وذلك حين كان لها أبناء كثر ومميزون، سكنوا بها وسكنت بهم، تفاخرت بهم وتفاخروا بها، في كل مكان في الدنيا، إذا سافروا حملوها، وإذا أقاموا نبضت عروقهم بها، وانفطرت قلوبهم حزناً على حالها وأحوال أهلها، ولا تصدعت أفئدتهم كمداً أينما حلوا وإرتحلوا، على ما آال إليه جمال حدائقها، الذي نُكل بفضاءاته الخضراء التي تحولت بعضها إلى جثامين باردة بلا بأرواح .

خائن من يعاند رغبة ساكنة فاس وباقي المغاربة، ويمنعهم حق التمتع بجمال الربوع الخضراء للطبيعة الغناء التي خص بها الله سبحانه هذا البلاد، وخائن من شرع للإسمنتي أن يتمدد كالأخطبوط داخل المدينة، ويكتسح كل ضواحيها، ويطال الأرض والسماء ويغطى كل منافذ الطبيعة، ويحرم الفاسيين من استنشاق الهواء الصحي، والاستمتاع بمناظر مدينتهم كما كانت خلابة بطبيعتها الخضراء،

وخائن كل من يتكل على الظروف أو على الصدف لمواجهة مستجدات الأحداث، ويدفن الرأس في الرمل -كالنعامة- كما إعتاد الكثير من مسؤولينا إخفاء رؤوسهم في الرمل مخافة مجابهة محدثات الأمور وكلما تعرضت المساحات الخضراء للمدينة أو داهمتها المشاكل، وخائن كذلك من يتمسك من المواطنين بالصمت الجبان ويلتزم الحياد المنافق، فلا يجابه ولا يواجه، ولا يجهر بحيرته ولا يفصح عن إرتباكه، ويحل غيابه محل حضوره، ولا ينبش في جذور أسباب التراجع والتدهور الذي يعتري حدائق مدينته، ويترك الأسئلة المصيرية بلا إجابات، طمعا في مكسب مادي، أو حفاظا على مركز أو وظيفة .   وخائن أيضا من يزكي الوضع رغم فساده، بتصريحات رعناء مستنسخة محفوظة عن ظهر قلب، ويردد مع " الغياطة والطبالة " المقولة الشهيرة : "العام زين آ الغياطا زيدو غيطوا".

 

حميد طولست

 

شرفة واحدة تكفينا

hadi  jalumreiيستعد مجموعة من الفنانين الكبار في المسرح العراقي ليعودوا ويبهجوننا بعرض مسرحي يحمل عنوان (الشرفة) للكاتب الفرنسي الشهير جان جينيه في المركز الثقافي الفرنسي في العاصمة بغداد. الأسماء التي تمثل في المسرحية ليست لفنانين وحسب، بل هم من أمهر المخرجين مع إن الرائع فلاح إبراهيم سيكون مخرجا للمسرحية، وسيكون فنانون رائعون أمثال (عزيز خيون وعواطف نعيم وسمر محمد وفائزة جاسم والنجم الرائع محمد هاشم) هم أبطال العمل بإمتياز وهم مخرجون أيضا، المهم بالنسبة لي أن لايدخل قاعة العرض المهرجون الذين عودونا على الفوضى وكرهونا بالمسرح، والمهم أن لايصعد منهم أحد على الخشبة لنشعر ببعض الدفء الذي إفتقدناه لسنوات بعد تسونامي التهريج المنظم، ومع إن قطار التهريج يكاد يكون إنطلق نهاية الثمانينيات بعد سنوات حافلة قدم فيها عمالقة المسرح العراقي أعمالا ذات قيمة عالية وبروح الإبداع العراقية بحماسة لاتنقطع أبهرت من تابع فنانينا في الداخل والخارج.

لم نعد نستطع دخول المسارح العراقية لأننا لانريد أن نتسلى بمهرجين يستعرضون أجسادهم كغانيات، ويدعون إنهم ممثلين، وهم ليسوا بذلك. حولوا المسرح الساخر الى نوع من الإبتذال الصارخ، ولعلي أتساءل عن المسرح الذي قتله التهريجيون وكان من مظاهره المسرحية الرائعة (المحطة) التي أبكتنا، وكنا نضحك في الوقت الذي تدمع فيه العيون، ومسرحية (الخيط والعصفور) و(الدبخانة) وسواها من روائع. المحزن أني عرفت إن واحدا من الفنانين الذين أجادوا في المحطة (عماد بدن) يعيش في شمال أوربا منعزلا، ويعاني متاعب صحية إضافة الى حنينه الى ماض حاضر في الذاكرة، بينما المهرجون يجولون في شوارع بغداد، ويبحثون عن دعم مالي لينتجوا مسرحيات تضحك الناس ثم تذوب في الذاكرة، ولاتعود من قيمة لها تحفظ في التراث الفني العراقي، ونضطر للمفاخرة بمسرحية أبدع فيها يوسف العاني، أو وجيه عبد الغني، أو جعفر السعدي، أو عدد من الفنانين لايجود الزمان بمثلهم، ممثلين ومخرجين كقاسم محمد، وصلاح القصب، وسامي عبد الحميد، وبدري حسون فريد، وأسعد عبد الرزاق، وخليل شوقي وووووووووعذرا إني لأتذكر راحلين تركوا علامات مضيئة في مسيرة الفن العراقي.

العديد من الفنانين المبدعين والجادين في أداء أدوارهم أجبروا على الركون الى السكون وترك العمل من أجل بعض ممن يتراقصون مع بعض المبتذلات والمحسوبات على الفن. يذكرني ذلك بالحملة الوطنية لتشويه الفن بعد إنسحاب القوات العراقية من الكويت عام 1991 حيث صدر أمر من الباب العالي للفنانين الكبار ليجلسوا في بيوتهم، وتم منعهم من العمل الذي كان يكفل بعض الإلتزام الأخلاقي والمهني لتفرغ الساحة الفنية لبعض الصبيان ممن لايجيدون الفن إلا في الملاه الليلية، ويتربحون بأجساد الصبايا المنحرفات والمترنحات عند الفجر.

فرق كبير بين الإبتذال والإبداع الملتزم. أخبرني مقرب من عائلة المغني الريفي المرحوم ناصر حكيم إنه كان يضرب أولاده ويجبرهم على الصلاة في مواقيتها.

الشرفة محاولة لوقف مسيرة الإبتذال، وكشف عورات المهرجين في مسارح بغداد.

شكرا محمد هاشم.

الإبداع عبر السجون

moamar habarدخل إحدى الإدارات العمومية، وفي انتظار أن تقضى حوائجه، التفت عن يمينه، إذ بـقصيدة للشاعر مفدي زكريا، رحمة الله عليه، مكتوبة بخط كبير، قد زيّنت الجدران، جاء في مطلعها:

قسما بالنازلات الماحقات .. والدماء الزاكيات الطاهرات

وبعد أن ينتهي المرء من التمتّع من قراءة القصيدة، يقرأ القارئ العاشق، أن القصيدة كتبت بسجن برباروس سنة 1955. وهذه الملاحظة العابرة، هي التي كانت من وراء هذه الأسطر، ومفادها..

أن "قصيدة قسما بالنازلات الماحقات .. والدماء الزاكيات الطاهرات"، كتبت بالسجن. ولابد من التذكير والتركيز، أنه سجن تابع للاستدمار الفرنسي، ويكفيه من البشاعة هذا الوصف.

ورغم ذلك فقد شهدت الجدر المحروسة، والقضبان الشائكة، وسياسة التجويع، والتهديد، والقتل، قصيدة .. قسما بالنازلات الماحقات .. والدماء الزاكيات الطاهرات".

فتعمّ أرجاء المكان، وتدوي عنان السماء، وتتجاوز البحار والمحيطات، ويبكي السامع، ويحن لها الكبير والصغير، وتحوّل إلى نشيد وطني، يعتز به الراعي والرعية، ويُفتخر به بين الشعوب والأمم، فيمسي احترامه من السيادة، فيتعلّمه الصغار والكبار، ويُنقل عبر الأجداد والأحفاد، ويُطبع وينشر كل عام جديد، ويعاد على المسامع كل حين.

والسؤال المطروح، لماذا لم تنجب الجزائر لحد الآن، مثل هذه القطعة الذهبية، التي كتب لها البقاء والدوام؟.

إن الجزائر، أنفقت عمرا مديدا، وبنت لأبناءها المعاهد والجامعات والمدارس، عبر كامل التراب الوطني، وأنفقت الأموال التي يحلم بها الكبار. ورغم ذلك لم تنجب ماأنجبه السجين مفدي زكريا، الذي خطّ، "قصيدة قسما بالنازلات الماحقات .. والدماء الزاكيات الطاهرات"، وهو مشتاق لشربة ماء، ويحلم بقطعة خبز، ويرجو ساعة نوم، ناهيك عن مطاردة القتل له في كل حين، وتربص السّجان.

إن الإبداع يتجاوز السجن، ويتعدى السّجان. والسجين من توفرت له كل السّبل، ومُنحت له كل الفرص، ثم تكاسل عن أداء حقّها، ورفض أن يبدع من خلالها وبواسطتها. فأمسى وهو الذي يملك ويتمتّع، أسير الذي يحلم بما يملك، لأنه استطاع أن يجعل من الصفر الذي بين يديه، أرقاما عن اليمين، فأصبح من أصحاب اليمين.

 

لم أفلح في ان اصنع فرحاً

jawadkadom gloomعزمتُ في فورة هياج ألمّ بي ان اكون سعيدا رغما عن كل شيء محزن يحيط بنا وانسى كل الاوجاع التي تلفّني واغفل عما يجري في بلادي من انفجارات وخوف وقلق ورعب يرافقنا اينما حللنا وحيثما أزفنا

قررت ان امنح نفسي هدوءا ولو نسبيا فقد مللت اصوات صفارات الانذار وقبلها رعدة الانفجارات التي تسبقها وزحام السيارات وغلق الطرقات والهلع والترقب الذي يهجس في نفسي شتى التصورات المخيفة

ما الضير لو اكون في اسعد حال ولو لساعات مؤقتة ؟!

أليست الحياة فرحا وحزنا يعيشان معا ولماذا يداهمنا الحزن وحده وينأى عنا الفرح ابعد مما نتخيّل؟!

صممت اذنيّ عن كل ما يخدشهما وأبدلت المشاهد الدموية وركام الخراب بصور جميلة استحضرتها في ذاكرتي هي خليط من ايام الزمن الغابر الممتع الذي عشته يوما ما ومابقي لي من ضوء متألق ساطع يتراءى لي

ارتديت احلى ماعندي ، كانت يداي لاتطاوعان جسدي المنهك بالأسقام ولكني اريد ان انطلق وأزهو غير اني جمّعت كل مالدي من بقايا قوى ورسمتُ ابتسامة في فمي أبقيتها طويلا مرتسمةً امام من اقابله في طريقي من معارفي واصدقائي ومن اتعامل معهم

مشيت في شوارع الكرادة / داخل وسط بغداد والتي احبّ التبضع منها غالبا حينما انتهي من مراجعة الاطباء في مستشفى الراهبات بين آنٍ واخر ؛ فصاحب المطعم الذي أرتاده بعد مغادرة الطبيب والذي افضّله يناديني ان اخذ مقعدي المعتاد قريبا منه لنتبادل الحديث ونتسامر معا ونضحك على مفارقات الحياة التي نعيشها ، والنادل يحيطني بالمزيد من الخدمة لأني اسعى لإكرامه وباعة الفاكهة والخضار الذين افترشوا الرصيف هللوا فرحا بمجيئي

كنت سعيدا في ذلك المساء الذي قررت ان اخرق القاعدة وأتسكع بين احبتي واصدقائي من المرحبين بي فهم نعم الاهل والأولاد النجب حينما يلوّحون بايديهم ترحابا بي

لكنّ سعادتي لم تطل وفرحي انسلخ مني بغمضة عين ، وكل شفافية اللقاء الناعمة وغمرة الترحاب والحب اختفى بشكل مهول ورعب لم اعتد عليه مسبقا وفزع سلب مني كلّ جذوة سعادة جرّاء انفجار رتّبه المجرمون الاوغاد القذرون ليلة الاثنين السابع عشر من هذا الشهر حيث كنت هناك قريبا منه وانا ارى الدماء تسيل غير بعيدة عني والأشلاء تتطاير من اجساد اهلي وأحبتي وأبناء وطني من المتسوّقين والباعة على باب الله والسابلة والعابرين لا لشيء إلاّ لأنهم نذروا حياتهم للعراق ، تعلّقوا بتربته ورسخوا في أطيانه ولم يغادروه وهو في احلك الظروف واقسى الاحوال

لا ادري كيف نجوت باعجوبة وانا ارى الشظايا تتطاير فوق رأسي وكأن سجّيلا أمطر نارا وحجَرا من السماء نتيجة هطول لبَنات البناء من الاعلى على الرؤوس من جرّاء فداحة الانفجارغير اني واثق كل الثقة ان خالقي منحني فسحة اخرى من العمر لأدوّن هول مارأيت

رأيت بأمّ عيني شهامة ابناء وطني من الناجين كيف شمّروا عن سواعدهم لإنقاذ الجرحى وهم ينقلونهم على ظهورهم لأقرب مشفى وآخرين يقلّونهم بعجلاتهم المسعِفة قبل وصول سيارات الاسعاف وتهدئة النسوة والاطفال وحملْهم بعيدا رغم تصاعد الهرج والمرج والعويل وصرخات الاستنكار وسط الشظايا التي لازالت حمراء مثل احقاد قلوب الارهاب ورهطه الكافر اللعين

ألم أقل لكم ان الفرح ولّى هاربا منا رغم محاولاتنا على استدراجه واقناعه بالمكوث بين ظهرانينا وان السعادة قد وضعت اوزارها وانصرفت

اللعنة على كل من يسفك قطرة دم من جسد اهلي والخسّة والعار لمن يريد ان يقتل ابناء بلادي أيّا كانوا أعرابا ام أغرابا

موتا زؤاما وقبرا ولحدا آبدا دائما للإرهاب ورعاته الشياطين والمردة وعتاة الاجرام ومموليه وحاضنيه وأدواته

سقما لكل من يريد الاذى بنا ويعيق بلادنا ؛ من ايّ مستنقع جاءوا ومن ايّ خرائب طلعوا

العافية للعراق واهل العراق واصدقاء العراق ومحبيه وحُماته والذائدين عنه والمناصرين لشعبه

 

جواد غلوم

 

هل سَرَقَ جبرَان؟

freeyad ibrahimأثناء قرائتي لمؤلف النّبي للكاتب والشاعر والرسّام اللبناني-الأمريكي جبران خليل جبران تعثرت على بعض السرقات الأدبية. وفيما يلي بعض منها:

نص نثري لجبران:

"اليسَت الكأس التي تترعونها خمراً عين الكأس التي احترقت في مَوقدِ الخَزّاف؟"

يقابله نص شعري لعمر الخيّام:

وَجَامٍ يَرُوقُ الْعَقْلُ لُطْفاً وَرِقَّةً وَيَهْفُو عَلَيْهِ الْقَلْبُ مِنْ شِدَّةِ الْحُبِّ

تَفَنَّنَ خَزَّافُ الْوُجُودِ بِصُنْعِهِ وَيَكْسِرُهُ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ عَلَى التُّرْبِ

نص نثري لجبران:

" ثم أليس النّاي الذي يشجوكم بألحانه عين الخَشَبة التي حفرت السكين أحشاءّها؟"

يقابله نص شعري للشاعر الفارسي نظامي كنجوي المتوفى عام 1228 ميلادية.

(النص الأصلي باللغة الفارسية):

بشنو أز ني جون حكايت ميكند

أز جداييها شكايت ميكند.

وترجمتي له:

أنصت الى الناي كيف يحكي قصته

ويبث شكواه من الفراق ويبكي محنته

ومن الملاحظ ان في هذا النص الشعري تشبيه تمثيل: أي صورة بصورة

(ضمنيا): أي صورة العاشق الذي يبث شكواه لهجر الحبيب بصورة الناي الذي أُجبر على هجر موطنه: مزرعة القصب- فالنّاي عادة (أو كانت) تصنع منه. والثقوب التي حفرتها السكاكين في جسد الناي شبهت بأفواه تشدو شاكيا الم هذا الفراق .

أعود واقول قد تكون هناك علاقات تناص بين نصين، ولكن الذي حدث بين جبران والخيام وبينه وبين نظامي لهو شئ مختلف. فلو كان المستعار هو فكرة من جنس المستعار منه فيسمى هذا اقتباسا او استعارة.

فمثلا يقول أو علاء المعري المعري:

خفف الوطء فما اظن اديم الارض الا من هذه الأجساد

وبالمقابل يقول الخيام:

أجلُ عن وجهك الغبار برفق

فهو خد لكَاعب حسناء

فهنا استعارالخيام فكرة من المعري من جنس المستعار منه وهي استمرارية العالم في الأنحلال والتركيب دون انقطاع .

وان كان المستعار من عين المستعار منه وهذا الذي حدث بين جبران والشاعريين الفارسيين فيعد الأمرسرقة أدبية (حلالا كانت أو حراما).

فلفظة خزف وكأس- لفظتان خياميتان محظتان- لم يسبق اليهما أحد- فلو استخدم جبران ألفاظا أخرى مستقاة من جنس الفكرة لكان لي نظرآخر.

وهكذا فان لفظة (ناي) المعبّرة عن ألم الفرقة عن الموطن والخلان لهي لفظة بل ظاهرة نظامية كنجوية بحتة لم يسبقها اليها احد كما اعلم!

و ممن يقرب وجهة نظر السرقة خاصة أن جبران استخدم كلا اللفظتين (كأس والخزّاف) معا و في نفس المكان.

وبالمناسبة ليست هذه هي المرة الاولى التي يستخدم فيها جبران اللفظتين مقترنتين. فقد فعل ذلك- في اماكن أخرى كما في (ولأن الكأس التي يقدمها لكم وان هي حرقت شفاهكم فالطين الذي صنعت منه هو الطين الذي بلله الخزاف – النبي - باب الألم: ص 106)

وكذلك استعار جبران خليل جبران من فريدريك نيتشة ، خلاصة رأيه في الأديان عامة. فقد كتب الفيلسوف الألماني: (أرى أن الدين يستخدم بطريقة نفاقية مرائية ريائية. فرجال الدين ومسني الشرائع يحرمون على عامة الناس متع الحياة ومباهجها وملذاتها لا من اجل الدين ونشره وحمايته ولا من اجل نشر المحبة والطيبة والفضيلة فحسب بل لأن هؤلاء هم أنفسهم محرومون من هذه المتع والملذات أصلا لسبب أو لآخر وبسبب القيود التي فرضها عليهم معتقداتهم انفسهم ، فيجدون سعادة ومتعة حقيقية في شجب والتنديد بكل من يريد ان يحيى حياة حرة بلا أغلال ولا قيود. غيرة وحسدا.)

ويقول جبران خليل بما يشبه نظرية نيتشة:

(ما قولكم في الكسيح الذي يكره الراقصين؟

وفي الثور الذي يحسب الظبي والأيّل في الغاب من المخاليق المتشردة؟

وفي الأفعى الهرمة التي تعذر عليها نزع جلدها فباتت تعيب على غيرها من الافاعي العري وقلة الحياء؟

وفي الذي يبكر في الذهاب الى العرس حتى اذا تخم من كثرة الأكل عاد من العرس وهو يقول ان كل الولائم هَتكٌ للقانون، وكل الذين يشتركون فيها يمتهنون الشريعة؟

– البني- ترجمة ميخائيل نعيمة ص 96)

وأجزم بأنه هناك معاني وصور اخرى استعارها جبران من شعراء وكتاب آخرين وخاصة الشاعر الأنكليزيى (وليم بليك) المتوفي قبل ولادة جبران بنصف قرن تقريبا. وربما سيصبح هذا البحث مادة لمقال لاحق.

وأعود لصياغة نظريتي توخيا للشمولية:

(لو كان المستعار من جنس المستعار منه فهو تناص أو إقتباس أو توارد الخواطر

والأفكار، ولو كان من عينه فهو سرقة).

 

فرياد ابراهيم (الزّبَرجَد)

 

جولـة مع الاسم (يارا)

faroq mawasiإلى يارا تميم الأسدي، وإلى كل يارا تحب أن تعرف معنى اسمها:

ولا تنسوا أن تشاهدوا فيروز في أغنية (يارا):

وصل إلي أكثر من استفسار كتابةً ومخاطبةً عن اسم (يارا) وكيف أضيف إلى الأسماء العربية؟

أقول ثمة أسماء كثيرة من أسامينا بحاجة إلى شرح المعنى، وبداهة فمن الضروري أن يعرف الفرد منا معنى اسمه الذي يصاحبه ليل نهار وفي السراء والضراء، بل هناك من يحب أن يعرف من سبقه إلى هذا الاسم - إذا أمكن- .

فإذا كان الاسم قديمًا ومن التراث وأعلامه فعلينا - مثلاً - بكتاب الاشتقاق لابن دريد ، فثمة شرح لمعانٍ مثل : هشام ، لؤي ، سفيان وعثمان ....إلخ

وهناك مصادر حديثة عربية تتناول معاني الأسماء، أذكر منها:

موسوعة أسماء الناس ومعانيها (جزءان) – إعداد جمال مشعل .

موسوعة الأسماء لحسين بركات .

معجم أسماء العرب بإشراف جامعة سلطان قابوس – 1991 (جزءان)، وقد أعده محمد بن الزبير، بالتعاون مع الهيئة العلمية المؤلفة من: السيد محمد بدوي، فاروق شوشة، محمود فهمي لحجازي وعلي الدين هلال.

وأذكّر إن نفعت الذكرى أن في صفحتي هذه قبل أيام تحدثت عن اسم (رلى) فمن فاته الأمر فليعد، ولن يخسر!

لنأت إلى الاسم يارا:

ذكر حسين بركات أن الاسم مستحدث لا أصل له.

لكن "معجم أسماء العرب" استقصى المعنى، ورأى أن الاسم هو فارسي الأصل – من كلمة (يار) - المادة الأصلية للمصدر الفارسي (يارَستَــن): بمعنى قدرة واستطاعة وتمكُّن. وقد أُلحقت به اللاحقة الفارسية (الألف) التي تفيد اسم المعنى. وتبعًا لذلك فلفظة (يارا) محرفة عنها. بينما نجد أن معنى (ياره) في لغتهم: سوار، طوق، جرأة.

وقد بحثت في معجم فرهنك فارسي – عربي لمؤلفه محمد حسن بوذرجمهر (دار نوفل ، بيروت – 2002) فوجدت أن (يار) تعني صديق، رفيق، مساعد، محب، وأن ( يارا) و( يارئي) و (يارﮝــي yargi) تعني كل منها : العزم والجرأة.

وهناك اللفظة التركية (يارا) بمعنى الجرح، وأنا أستبعد ذلك .

ومن يدري فقد تكون التسمية محرفة عن (أيار)، وهو في الأصل لفظ سرياني سمي به شهر الربيع المعروف لنا، بل المعروف لدى العرب قديمًا، فهذا أبو العلاء المعري ينشد:

تشتاق أيار نفوس الورى

                                     وإنما الشوق إلى وِرده

فهل تبغي فتاة أجمل من هذا المعنى، ويرى من يدعوها أنها شهر الربيع؟!

غير أن الاسم (يارا) عرفناه اسمًا لديوان شعري أصدره الشاعر اللبناني سعيد عقل سنة 1960– دعا فيه أولاً إلى الفينيقية، وثانيًا إلى الكتابة بحرف لاتيني. وفعلاً صدر ديوانه بحرف لاتيني مع أن الكلمات عربية – وقد يكون ظنًا من الشاعر أننا نلحق بذلك العالم الغربي المتحضر؛ وظنًا كذلك منه أن هناك ضرورة لتغيير الحرف العربي بسبب كثرة أشكال بعض الحروف (نحو الهاء- مثلاً).

وخابت التجربـــــة غير مأسوف عليـــها!

(ملاحظة في هذا السياق : بحثت عن كتاب "يارا" لضرورة بحثية، فليتني أحصل على تصوير له!)، فأرجو ألا يضن به من يملكه.

أما شهرة الاسم (يارا) فقد تأتــــت – حسب تقديري – مؤخرًا، وذلك بعد أن غنت فيروز أغنيتها الرائعة (يارا)، وهي أغنية عذبة في كلماتها وفي غنائها- وللمشاهدة:

http://www.youtube.com/watch?v=4ZnHASkopzA

وإليكم الأغنية التي كتب كلماتها سعيد عقل (وبحروف عربية):

يارا

يارا الجدايلـــها شقر

الفيهن بيتمرجح عمر

وكل نجمة تبوح بسرارا

يارا

الحلوي، الغِفي عا زندها خيا الزغير

وضلت تغني والدني حدا تطيـــر

والرياح تدوزن أوتارا

يارا

الحلوي الحلوايي تعبو زنودها

ونتفي واصفرو خدودها

وبإيدها نعست الاسواره

ولمن أجت يارا

تحط خيا بالسرير

تصلي: "يا ربي صيّروا خيّــي كبير"!

وللسما ديها، هاك الدين الحرير

انلمت الشمس وعبّت زوارا

 

نشرت المقالة أولاً في صحيفة "فصل المقال" 3 أيلول 1993.

....................................

 

بعد أن نشرت المقالة كانت هناك مشاركات جميلة أودعتها كتابي في اللغة- "من أحشاء البحر".باقة الغربية: إصدار أكاديمية القاسمي- 2007، ص 202-210.

ومن أجمل المشاركات ما كتبه صديقي في أستراليا الأديب اللبناني حبيب فارس، حيث واصل البحث مع صديقة باحثة إيرانية، حتى أجمل وأرسل لي:

وردني من صديقتي الإيرانيّة ما يلي:

1) تستخدم كلمة يار على هذا النحو: صديق – شريك - رفيق – حبيب.

عندما يضاف إليها (الألف) الذي يوازي حرف النداء (بالعربية)، يصبح معنى يارا: يا صديقي – يا شريكي – يا رفيقي – يا حبيبي ...

مثال على ذلك هذا البيت من قصيدة للشاعر حافظ:

ده روزه مهر كَردون افسانه است وافسون نيكى بجاى ياران فرصت شمار يارا*

معناه:

[هذه الأيام العشرة من غزْل الشمس هي كالأسطورة والوهم، فكن كنزًا لطيفاً مع أصدقائك يا حبيبي] .

هنا وردت كلمة يارا بمعنى (يا حبيبي).

2) الاستخدام الثاني لكلمة يارا: سلطة – إرادة - قوّة - شجاعه – جرأة – قدرة ...

أمثلة على ذلك:

- بيت من قصيدة للشاعر عنصري:

به نام ايزد جونان شده ست همت او كه نيست كس را ياد خلاف او يارا**

معناه:

[إرادته هي التي أوصلته لهذا المستوى، إن شاء الله، أحداً لن يجرؤ أن يجعلها ضدّه]

في هذا البيت وردت كلمة يارا بمعنى (إرادة).

- بيت من قصيدة الشاعر العطار:

در آن مقدام كه خورشيد وماه جمع شوند نه ذره راست مجال ونه سايه را يارا**

معناه :

[عندما تستوي الشمس مع القمر لا وقت للخليّة أو قوّة للفيء]

هنا جاء معنى يارا (قوّة).

- بيت من قصيدة الشاعر سعدي:

نبايد زدشمن خطا در كَذاشت كه كَويند يارا ومردى نداشت**

معناه :

[لا أحد ينبغي أن يتجاهل العمل الخاطىء للعدو، لأن ذلك يعني انعدام الشجاعة والرجولة]

هنا جاء معنى يارا (شجاعة).

* ديوان حافظ (اللغة الفارسيّة): حرّره وقدّم له هـ . إ . سايح (اسمه الحقيقي هوشانغ إبتهاج) – 2002- طهران، إيران ، دار نشر كارنايم.

 

** معجم دهخودا (اللغة الفارسيّة).

استنتاج : إذا كان إسم (يارا) مأخوذًا من الفارسيّة، فالأرجح أن يكون من الاستخدام الثاني لكلمة (يارا)، لأنها كلمة كاملة لم تخضع للإضافة أو الحذف، وبذلك يكون معنى (يارا) الأكثر قرباً للمنطق: شجاعة ، جرأة ، إقدام ...إلخ.

أرجو أن تفيد هذه المعلومات البحث.

 

.........................

*ملاحظة: في كتابي المذكور أعلاه اجتهادات أخرى لمن أحب أن يتابعها.

 

آلوندرا دي لا بارا وآرتورو ماركيز .. قيثارتان مِن بلاد السِحر والجَمال

المايسترو سنيورا "ألوندرا دي لا بارا" هي أميرة فاتِنة في الـ33 مِن عُمرها، تعشَق الموسيقى وتعزفها بمَهارة وتحمِل شَهادة الماجستير في مَجال قيادة الفرق السمفونية، تقيم حالياً بالولايات المُتحدة الأمريكية، لكن جذورها مِن المَكسيك تلك البلاد الجَميلة الساحِرة بعَظمة حَضارتِها وطيبة شَعبها. رَغم صُغر سِنّها إلا أنها اليوم واحِدة مِن أشهَر قادة الفرق السمفونية، ومِن أجمَل مَن حَمَلت أنامِله عِصي قيادتها، ولدَيها اليوم فِرقتها الخاصة التي قامَت بتأسيسِها عام 2004 في نيويورك لدَعم المَواهِب الموسيقية الشابة في القارة الأمريكية، أسمَتها أوركسترا الأمريكتين. قبل أشهُر إستضافتها أوركسترا برلين لقيادَتِها في حَفلة سمفونية عُزفت فيها 6 مَقطوعات لمُؤلفين موسيقيين مِن أمريكا اللاتينية حالفني الحَظ لحُضورها والإستمتاع بها. تجربة نادرة لا تتكرّر يومياً أن يرى المَرء إمرأة تقود بحِرفية وإقتِدار وبلمسَة أنثوية فرقة سمفونية تعزف مَقطوعات تجمَع بَين موسيقى أمريكا اللاتينية بخصوصِيّتها التراثية المَعروفة وبَين البناء السمفوني الأوركسترالي.

مِن المَقطوعات التي عُزفت بالحَفل كانَت"أل تروبيكو" للموسيقار المَكسيكي كارلوس شافيز، و"تانغازو" للموسيقار الأرجنتيني آستور بيازولا، و"هابانغو" للموسيقار المَكسيكي خوسيه بابلو مونكايو، لكن أبرَزها وأجمَلها كانت مَقطوعة "دانزون رقم 2 / Danzón no. 2" للموسيقار المَكسيكي "آرتورو ماركيز / Arturo Márquez" التي ترَكت في نفسي كما في نفوس أغلب الحاضرين أثراً جَميلاً دَعانا للتصفيق مُطالبين بإعادة جُزء مِنها في نهاية الحَفل، والتي أحبَبت أن أتحَدّث عَنها في هذا المَقال.

(دانزون رقم 2) مَقطوعة ضَخمة كتبَت للأوركسترا بمُرافقة البيانو ويَستغرق عَزفها قرابة 10 دقائق، ألفها عام1994 الموسيقار المَكسيكي آرتورو ماركيز الذي ولد سَنة 1950 ولايزال على قيد الحياة، والذي إمتاز باستخدامه للموسيقى المَحلية المَكسيكية وتطويعَها في قالب أوركسترالي، وعَزفتها لأول مَرة بنفس السَنة أوركسترا المَكسيك السمفونية بقيادة فرانسيسكو سافين، وترافق ذلك مَع انتفاضة حَركة باتِستا ضِد الحُكومة المَكسيكية. هي حَتى الآن المَقطوعة الأشهَر لماركيز مِن ضِمن8 مَقطوعات دانزون، فمُنذ عزفِها لأول مَرة قبل 20 عاماً أصبَحَت واحِدة مِن أشهَر المُؤلفات العالمية سَماعاً وعَزفاً بالحفلات الموسيقية الى جانِب أشهَر مُؤلفات أساطين الموسيقى العالمية، ليسَ فقط بالمَكسيك حَيث تعتبر النشيد الوطني الثاني بَل في كل العالم، وهو أمر سَنفهَمُه ونحسِّه إذا إستمَعنا للمَعزوفة بتركيز وإمعان، فهذه المَقطوعة هي خلطة سِحرية وتجسيد رائِع للموسيقى المَكسيكية التي لا يُمكن مُقاومة أنغامَها المُثيرة الراقِصة عِند سَماعِها ولكن في قالب سمفوني رَصين وبناء أوركسترالي أخّاذ.

لابُد مِن الإشارة الى أن موسيقى الدانزون هي بالأساس مُوسيقى راقِصة كوبية الجذور ولها أيضاً شَعبيّتها في المَكسيك وبورتو ريكو، وهي تعتبر في دُول أمريكا اللاتينية كالفالتز Waltz في الدول الأوروبية، وقد كان آرتورو ماركيز مُبدعاً وفذاً في تجسيد طَبيعة هذه الموسيقى بمَقطوعتِه الرائِعة "دانزون رقم 2". تبدأ المَقطوعة بلحن رَئيسي أول هاديء بطيء على الكلارنيت والأوبو يَأخـذ بالإسراع شَيئاً فشَيئاً بمُشارَكة الوَتريات، ثم يَتوقف هذا اللحن بدُخول البيانو مُنفرداً مُمَهداً لصُعود كل الأوركسترا وبداية عَزفها للحن الرَئيسي الثاني القوي السَريع الذي يُجَسّد روح الرَقص اللاتيني إلى أن يَصِل للذروة، بَعدَها يَنخفِض أيقاع العَزف مُجَدداً ليُعيدنا للحن الرئيسي الأول تدريجياً مَع البيانو وكمان مُنفرد يَتبَعَهُما دُخول مَهيب شاعِري للوَتريات ثم الهَوائيّات يَنتهي بوقفة تمَهّد صُعود الأوركسترا كامِلة في تسارُع لحني مُتقن البناء يُختتم بإعادة عَزف للحن الرَئيسي الثاني بقوة وسُرعة راقِصة وتناغُم ساحِر حَتى يَصل الى ذروة تنتهي بخاتِمة انفِعالية مُفعَمة بالعَواطف تليق بمِثل هكذا عَمَل يَبدوا أن مُؤلفه قد قرّر له مُسبقاً أن يَتخلد.

هي مِن وجهة نظري المُتواضِعة عَمَل رائِع ومُتكامِل يَستحِق الإستِماع والإستِمتاع بتوليفة أنغامِه الفريدة، وفي الرابط أدناه تسجيل لأوركسترا الأمريكتين السمفونية وهي تعزف مَقطوعة دانزون رقم 2 بقيادة مُؤسّسَتها المايسترو الوندرا دي لا بارا :

http://www.youtube.com/watch?v=onB1-1xt8Ic

 

مصطفى القرة داغي

السينما والقضية الفلسطينية

husam aldujaniالمقاومة أو النضال أدواته واشكاله متعددة، فهناك المقاومة الشعبية والمسلحة، وهناك مقاومة المقاطعة الثقافية والاقتصادية، وهناك نوع من المقاومة نحن بأمس الحاجة إليه كفلسطينيين وهو النهوض بالقضية الفلسطينية وتأصيل الحق التاريخي بفلسطين للرأي العام الدولي، وكشف زيف الادعاءات الصهيونية بأنها واحة الديمقراطية والسلام، وتصوير عنصريتها واجرامها ليكون شاهداً عليها أمام دعاة الانسانية بالعالم، وربما يلعب الفن وعلى وجه الخصوص السينما دوراً هاماً في تحقيق هذا الهدف، عبر تكثيف الاهتمام بصناعة الأفلام الوثائقية بكل اللغات العالمية لتعبر عن حقيقة الشعب الفلسطيني وما يتعرض له من بطش وارهاب من قبل الاحتلال الصهيوني.

وربما ما دفعني للكتابة بهذا الموضوع هو جهود بعض المخرجين الفلسطينيين لاستثمار هذا المجال في خدمة القضية الفلسطينية، ولعل ما سعى إليه المخرج الكبير سعود مهنا منذ عام 2011م وحتى اليوم لإنجاز مهرجان العودة السينمائي هو خير دليل على حجم التقصير الرسمي في دعم ومساندة هذا الجهد، ولم يكن السيد مهنا هو الوحيد، فقد وصلتني رسالة من المخرج الفلسطيني الشاب ابراهيم النواجحة والمخرج الشاب طارق حميد، تتضمن الرسالة فكرة القيام بعقد المهرجان العالمي للسينما الفلسطينية بجهود فردية ذاتية، وقد تواصلا مع العديد من المخرجين والجاليات الفلسطينية والعربية في الدول الغربية من أجل ترجمة الأعمال المشاركة بالمهرجان، وحسب ما أفاد النواجحة لي بأن هناك ست وثلاثين عملاً باتوا جاهزين لديهم، وأنهم بانتظار انجاز بعض الاعمال الأخرى، وهذا الجهد الفردي يحتاج لمأسسة ومساندة من صناع القرار، ومن قبل السفارات المنتشرة في ربوع المعمورة، وأن يكون ضمن استراتيجية عربية اسلامية لإعادة صياغة الرأي العام الدولي  بما يخدم المصالح القومية، فهناك ثلاث تصنيفات للجمهور وهي: الجمهور العنيد- الجمهور الحساس- الجمهور اللامبالي.

والجمهور الحساس على وجه الخصوص والذي يضم النساء والشيوخ والأطفال تؤثر به السينما تأثيراً كبيراً، ومن هنا نستطيع المساهمة في تشكيل رأي عام دولي مناصر للقضية الفلسطينية ولمشروعها التحرري، لذا اتمنى على الجهات المسئولة والحريصة على القضية الفلسطينية بأن تساند مثل تلك الجهود وأن تعمل على دعمها ومأسستها، من اجل تحقيق الهدف المنشود منها.

 

حسام الدجني

باحث في مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار

 

رؤية من أجل الحياة

ahmad alhiliمرّت علينا وعلى العالم أجمع يوم 14 شباط ذكرى عيد الحب أو فالنتاين كما اعتاد الأوربيون والمسيحيون أن يطلقوا على هذا العيد، الذي يتبادل فيه العشاق التهنئة مع حبيباتهم، و(فالنتاين) لمن لا يعرف هذا الاسم هو أحد قديسي الديانة المسيحية، كان قسّيساً عاش في العاصمة روما في القرن الثالث الميلادي، عُرف عنه أنه كان يضطلع بدور إقامة الزيجات بين المتحابين، وكان يدأب على التوسط لإصلاح ذات بين العشاق إذا حصلت بينهم خصومة، ولكن السلطات الرومانية ألقت القبض عليه وجرى الحكم عليه بالإعدام .

بوسعنا أن نتساءل هنا ؛ ترى كيف تحولت فاجعة مؤلمة كهذه إلى عيد وكرنفال للفرح لم يسبق له مثيل؟

أعتقد أن الإجابة على مثل هذا السؤال تحتاج إلى أكثر من وقفة تأمل، لا سيما فيما يتعلق بمقدرة الشعوب الحية على تجاوز مآسيها الماضية والمحن والتي مرت بها في عصورها المختلفة، بحيث تتحول مثل هذه الوقائع، بمرور الزمن إلى معنى آخر يشير إلى الأمل ويكرّس المفاهيم والقيم الإنسانية، من الضروري جداً أن يحدث ذلك إذا أرادت الشعوب والأمم النهوض من كبواتها والانطلاق إلى الأمام بثقة لا تتزعزع .

بالنسبة لنا، بوسعي أن أرى أن النقيض من ذلك يحدث لدينا، فمجتمعاتنا، لا تتوافر لديها الرغبة في الانعتاق من الماضي المؤلم، بل ولا تتورع عن إضفاء هالات من القداسة على فعلها الكارثي هذا، ونلاحظ هنا أن هناك من يدأبون ويثابرون على تفريع المأساة وتعميق الجراح بغية استدار تعاطف الجماهير وضمان أن لا يخرجوا من هذا الطوق الحديدي الجهنمي .

كثيراً ما نسمع عبر المنابر وأثناء المجالس أن ثورة الإمام الحسين هي انتصار للمظلوم على الظالم، وأن الدم في هذه الثورة انتصر على السيف، طيّب هذا كلام جميل وفي الصميم، ولكن، ماذا بوسعنا أن نرى في واقع الحال؟

إن الذي نراه ويتكرر أمام أعيننا في كل عام هو استحضار مروّع لكل عناصر الحقد والكراهية وإذكاء للرغبة الجامحة في الثأر والقتل، إن الذي نراه هو أن الإمام الحسين يتم قتله وتقطيع أوصاله في كل عام مئات آلاف المرات على يد محبيه والموالين له بصفة خاصة، إنهم يعمدون إلى استحضار هذه الفاجعة بطريقة سوقية تكرّس القتل وتحتفي بالمأساة بل وأستطيع القول إن عملهم هذا يتضمن قدراً كبيراً من التشفّي، والإ فما معنى أن نقول إن ثورة الإمام هي انتصار للدم على السيف؟

كان الأحرى بالجميع أن يقيموا كرنفالاتهم ويحتفوا بدلاً من أن يتفجعوا ويلطموا .

 

(الفلنتاين) ألوان أونلاين وقلوب أوفلاين.!

ahmad ibrahimإن كنت ترى عيد الحب لونه أحمر، فلعلّك تعلم ايضاً ان (الأحمروالأبيض) لونان لايتجانسان قدرمجانسة (أبيض وأسود) في المحاكم أمام القضاة من الإبتدائية للإستئناف والتمييز، و(أحمروأخضر) في الشوارع أمام سيارات السير ومشاة المرور..!

ورغم ذلك نزل بابا الفاتيكان وهو أبيض وأبيض من الرأس لأخمص قدميه إلى ساحة الحب المكتظّة بأحمر وأحمر يدعو لبطولة عيد الحب، ويرتّل تراتيله للبطل والبطلة وهما أيضاً من الرأس للقدمين أبيض وأبيض، مهما تعددت أعدادهما إناثاً وذُكراناً، وتفاوتت أعمارهما شُبّاناً وأهراماً، وتنوعت ألوانهما أعراقاً وألواناً.

واللون الأحمر ليس بالضرورة أنه رمز الحب في كل مكان، فإنه أحياناً مؤشر النزيف والإستنزاف في أسواق الأسهم والبورصات العربية من جانب، ومن جانب آخر قد يدلّ على شلاّلات الدماء في دول الربيع العربي.!

إذ وعلى التيّار المعاكس لما فعله بابا الفاتيكان بساحة الحب في الجبّة البيضاء للورود الحمراء، فعل الآخرون بتفجير حافلة تقل سائحين كوريين بسيناء، فأسقوا عدسات الفضائيات الكأس الأحمر لثلاث جثث وأشلاء جثة رابعة، ونزيف اللون الاحمر لجروح العشرات في محافظة جنوب السيناء، حيث كان قد زارها 32 سائحا كوريا، لعلّهم كانوا يبحثون عن عيد الحب السلمي بالورد الأحمر بين معتنقي مذهبٍ إسمه إسلام وشعاره سلام.!

إلاّ أننا نتوقف هنا اليوم مع حرفين (حاء وباء: حبّ) لرأسين بحرفين (حاء وحاء: حب حلال) .. ونتسائل لماذا المحتفلون بحبّ فلنتاين الذين نعتبر حبهم من نوع آخر: حاء وحاء (حب حرام)، أنّ حمراوات حبهم الوردية تدوم دون خريف؟ .. وعيدُ حبهم ورورد تلو الورود حمراء وحمراء من المراهقة للشيخوخة ولحد دارالعجزة والنعوش.!

بينما حبنا (حاء وحاء: حلال حلال) يذوب ويتلاشي أحيانا في المهد قبل ان يلد أمام القاضي في المحاكم الشرعية، واحيانا في العش الزوجي قبل ان يفرخ، وأحيانا في القصور والفلل قبل أن يكتمل الديكور والأثاث، وأحيانا في الحفل قبل أن تطفأ الشمعة الأولى، ثم واحيانا في المطبخ قبل ان يتذوقا الكعكة الأولى.!

وقد إلتقيت قبل أعوام، في ساحة الحب لمدنية بودابست الهنغارية بسيدة تسعينيه على الكرسي المتحرك بجوار عجوز بعكازين، وضعت يدي على كتف العجوزة المرتعشة وأنا أمازحها، وكلّي ثقةُ بأن مزحتي لاتقطع رقبتي بسكين الغيرة البدوية العراقية من موصل لبغداد، ولايُهشم رأسي ساطور السيناء من أسيوط لأسوان .. لامست كتفها وأنا أهمس في أذنها بشفتين كادت تلامسها (انتِ نجمة يا سيدتي) .. فهز لي العرّيس القعيد جنبها رأسه المرتعش محييا مبتسما شاكراً لي على غزلي لعروسته، وأدارت العجوزة هى الأخرى رأسها دوران الرقبة الهزازة بالبطارية المحتضرة وهي ترد على غزلي: (وانت قمر يا أحمد) .. طبعا هي تعرف إسمي لأننا كنا في رحلة بحرية معا منذ ثلاثة أيام في باخرة واحدة فوق نهر دانوب، ونزلنا منها توّاً الساحة المشمسة لمدينة بودابست التي إحتفلت بعيد الحب في نهار مشمس يندر حصوله في الخريف الأوروبي، والكلّ سار يلوي على حبيتبه إلاّ أنا المسكين العزوبي الوحيد بينهم في الباخرة وفي الساحة، وحبيبته في دبي، لاتحب الأسفار الا بين المطبخ وغرف النوم، ومذهبه لايسمح له التصويت للوجه الحسن أينما وجد على أنها تحفة عيد الحب دون عقد القران أمام لحية القاضي.!

سألتها العجوزة كم رقم عيد حبكما هذا العام سيدتي.؟

فقالت انه الرقم ستّين يا أحمد، تزوجنا قبل ستين عاما وكل منا كان في الثلاثين من العمر.!

سألتها عن سرّ السعادة المستدامة منذ ستين سنة بإحمرار الورود، ودون إحمرار الخدوش والركلات.؟

فقالت وهى تشير الى العجوز القعيد، إنه يعاملني وكأنه لم يتزوجني بعد.! .. وكأنه متحمس لخطبتي من بكرة.! .. وفعلا إستمر يخطبني يوميا منذ ستين عام، يهمس في أذني كل صباح "أنا معجب بك وسأتزوجك إلليلة.!" .. وهكذا نحنا نحتفل كل صباح بفطور الخطبة، فيتبعها غداء النكاح وعشاء الزفاف، وهكذا من سفرة الفطور للعشاء يومياً كل منا يحاول ان يظهر للآخر أجمل ما فيه، ويتغاضي في الآخر أقبح ما فيه.!

ومن الصعب جدا على طرف إخفاء عيوب طرف، إن لم يتغاض الطرف الآخر عن عيوب الطرف الأول .. وإن إجتازاها تلك الصعوبة، فها هى الرحلة بدأت تتحول الى ثمن السعادة الزوجية الثمينة تعيد لهما عيد الحب كل صباح، ويتجدد لهما شهر العسل كل ليلة.!

- إذن عيد الحب ليس يوم الفلنتاين في العام باللون الأحمر...

- ولا شهرا من العمر ببرطمان العسل...

- وإنما هو العمر كله بقلوب للود والحب البقاء بأونلاين...

-   وللحقد والكراهية والعداء أوفلاين...

 

بودّي وإحترامي ....

أحمد إبراهيم – دبي

 

سجناء الأيقونة: جيفارا والمعري

لئن أردتَ أن تغتال عَلماً من الأعلام الساطعة في تراث الإنسانية، فما عليك سوى أن تحقن قدراً كافياً من سُمِّ القداسةِ الناقع في أوردة ذكراه؛ فسرعان ما تشحُب صورته وتشوه ملامحُه، فلا يعود هو نفسُه -إن بُعث من قبرِه- بقادرٍ على التعرف على وجهِه، ناهيك عن الآخرين.. لئن كانت بُغيتُك أن تسلبَ المرءَ عطرَ سيرتِه الرقراق، فلتمنحه قليلاً من أقمطةِ الألوهة المنمنمة بخيوط الذهب الساذج؛ فغلالات التقديس هي أخبث ضروب الأكفان وأثقلها وطأةً، هي سُجفٌ صفيقة تحول بين أعيننا المحملقة وبين الملامح المتفردة للإنسان الذي يقبع وجهه -خلف الأقنعة الذهبية- على شفا الدثور..

طالما كانت صورةُ جيفارا على "التيشيرتات" باهظة الثمن تستفزني غاية الاستفزاز، وتصيبني بنوعٍ من "الغثيان الروحي"، بينا بسمةٌ أليمة على وجهي تشهد عما يعتمل في جوفي من مرارةٍ يخالطها مذاق السخرية: "لقد ناضلتَ يا رفيقي خيرَ نضالٍ -حتى استوفيتَ أنفاسَ غربتِك- في معركتك مع الرأسمالية، لتصبح في النهاية صورةً -محض صورة- على باذخ أردية عدوك اللدود".. تتقلصُ البسمة بين شفتيّ حين إخال كل تيشيرت -تاحَ لناظريَّ ممهوراً بصورة جيفارا- رصاصةً "منسوجة" تخترمُ جسدَه: جسد جيفارا الذي أثخنته التيشيرتات الأنيقة بما يجاوز ما ألهبه من رصاصات معدنية، جسد جيفارا الذي يُصلب كل يومٍ على صُلبانٍ من القطن الفاخر تحمل أختام الرق الحداثي، أي أسماء الماركات الباهرة..

جيفارا -محنطاً على صدرِ المنسوجات- يؤنبني في الطرقات، يستصرخني أن أتجرد لإنقاذه وأمد يداً لأمحقَ الأيقونة التي تحيق به؛ فأشيح بوجهي خَجِلاً لا أُطيق حتى الاعتذار منه..

لم ينجُ -أيضاً- من سُمِّ القداسة وزنزانةِ الأيقونة أعظمُ شعراء مجرة درب التبانة: أبو العلاء المعري الذي ينطوي كل حرفٍ أملاه على رماحٍ يقظة وسيوفٍ مشهرة تنتصر للعقل وتذود عنه جحافل الظلمة وأرتال الخمول البليد.. شيخ المعرة الضرير الذي سلخَ عمره ينحت بأظافير نثره وبراثن شعره سبيلاً بيننا وبين نور الحق ذي اللهجة البليغة، ها هو يتلوى من ألم الحقنة الزُعاف..

يقول العلامة أحمد تيمور باشا في معرض حديثه عن وفاة أبي العلاء: "وقبره معروف إلى اليوم أي سنة 1327 بالمعرة، ولأهلها اعتقاد كبير فيه، ويزعمون أن الماء إذا بيت في قارورة عند قبره، وشربه في الغد صبيّ به حُبسة في لسانه، أو بلادة في ذهنه، زال ذلك عنه ببركة أبي العلاء".. هنا انتهى الاقتباس وقد رماني بثالثة الأثافي.. "ببركة أبي العلاء"؟.. أهنالك نكتةٌ أشدُ وقاحةً من هذي؟.. أأبو العلاء الذي ظلَّ يحارب الخرافة وينتهب من لحمها المترهل بسياطٍ غير شفيقة من كتاباته، يصيرَ قبرُه لقمةً دَسِمة في فمها الفاغر، أقائل "كذب الظن لا إمامٌ سوى العقلِ مشيراً في صبحه والمساء"، يصيرَ قبرُه موطناً لخرافةٍ كذوب؟!..

كم كان شيخ المعرة يُدين تلك الحوانيت الشائعة –في كل العصور- التي يقصدها البسطاء؛ ليبتاعوا منها سلعَ الخرافة المشحونة بسراب الوعود دافعين عقولهم وإرادتهم (وبالطبع بضع دنانير من قوتهم الشحيح) ثمناً لها.. أكادُ أظنُ أن المعري لو لمح في مرايا الغيبِ أن قبره سيصير حانوتاً للمعجزات وقِبلة زائفة للطالبين الشفاء لأدواء أبنائهم، لما تردد هنيهةً في الانتحار (أو على الأقل التوقف تماماً عن الكتابة).. لقد قال شاكياً "أراني في الثلاثة من سجوني.. فلا تسأل عن الخبر النبيث.. لفقدي ناظري ولزوم بيتي.. وكون النفس في الجسد الخبيث"، ولم يكن يعلم أن سجناً رابعاً سيُضاف إلى سجونه وما أضيقه من سجنٍ: التقديس، أن يصير مجرد "بركة"..

في الليلة التي قرأتُ فيها النص المذكور آنفاً عن قبر المعري، ظللتُ أرِقاً، وفي حلقي غُصةٌ، أو بالأصح، وفي حلقي قارورةٌ كالقوارير التي يغُص بها حلق قبر المعري ولكن قارورتي كانت مترعةً بالرماد الآسن عوضاً عن الماء.. غافلني النومُ، فإذ بي وسط ضبابٍ أحمر كثيف.. تهللتُ لذلك؛ لأن الأحمر كان اللون الأكثر وفاءً لذاكرة أبي العلاء.. كان يقول "لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأنهم ألبسوني حين جدرت ثوباً معصفراً، لا أعقل غير ذلك".. كنت أغذ الخطى مبهور الأنفاس لا أعرف وجهتي، فإذ بي في قبر أبي العلاء، أقعيتُ بإزاء القبر المطموس اللاصق بالأرض وأخرجتُ من حقيبتي المهترئة ضميمةً من الأوراق.. كنتُ أنتظر مجيء أبي العلاء لأعرض عليه ما تحويه الأوراق من نقاطٍ ألغزت عليّ من أعجوبته "رسالة الغفران" حتى يزيلَ عُجمتها المزمنة؛ فقد حال جهلي الغزير دون تفقُه معانيها.. وكنتُ قد أضمرت بين الأوراق بعضاً من النصوص الهزيلة التي تلعثم بها قلمي المتقزم؛ آملاً أن يُنقحها شيخ المعرة ويكشف لي ببصيرته الثاقبة عن سوءاتها.. انتظرتُ ولم يأتِ أبو العلاء فأصابني خدرٌ وافترستني القيلولة..ثم استفقتُ من القيلولة -ولم أزل في الحلم- لأجد أكداساً من القوارير قد اجتاحت تربة القبر وزاحمتني المكان.. كانت القوارير تصدر ضجةً عالية: آلاف الصراخات وقد انصهرت في بوتقةٍ واحدة لفمٍّ مصروع.. في غمرة الغضب انتصبتُ، وشمَّرتُ عن ساقيّ كي أسحق أكداس القوارير الصواخب كما لو كانت عقارباً تترصدني.. انسكب الماء من أحشاء القوارير المهشمة، فإذ به يستحيل أسراباً من الجراد تهوِّم في الهواء مدمدمةً، تنقض على أرواقي المبعثرة لتلتهمها ولا توفر منها شيئاً، ثم تلتف إلى موضعي وأزيزها يصُم أذنيّ.. هرولتُ مغمض العينين مذعوراً وأسراب الجراد تلاحقني، وإذ بصوتٍ يشق أجواز الفضاء قائلاً: "قالوا العمى منظرٌ قبيح.. قلت بفقدي لكم يهون.. والله ما في الوجودِ شيءٌ.. تأسى على فقده العيون".. أخيراً استفقتُ من الكابوس -وأنا في سريري- مقروراً مخضلاً بالعرق الراجف.. وعلى الرغم مما ألمَّ بي من ظمإٍ لم أفتح "الثلاجة" مخشاة أن أجد قارورةَ الماءِ تزأر في وجهي وتبصق سرباً من الجراد.. تململتُ في سريري لماماً، ثم قررتُ أن أنبش مكتبتي بحثاً عن ديوان "لزوم ما يلزم" لنجيب سرور.. التلميذ النجيب الذي لم يضع قارورةَ ماء على قبر معلمه متلهفاً حدوث معجزة، بل أدار مع روحه المتوقدة حديثاً حافلاً بخفق الحياة ومضمخاً بمِسك الشعر الذي لا يستمرئ دنسَ المساومة..

قال أبو الرضى عبد الرحمن بن نوت المعري في رثاء أبي العلاء: "والعلم بعدك علمٌ فات منصله.. والفهم بعدك قوسٌ ماله وترُ".. هذا البيت الجميل يصلُح -للأسف- توطئةً تُغري بأن نذبح أبا العلاء بنصل التقديس، لكن أمثال "نجيب سرور" هم مَن يرفضون هذا الصِنف من الرثاء، هم مَن يشحذون بأفكارهم منصل العلم ويضفرون بإبداعهم وتراً لقوسه، يحملون مشاعل الحق ذُخراً في أرواحهم حتى يتسلّمه القادمون غير منقوص ولا مُصفَّد بهالات التقديس التي تغشى أحداق العقل فلا يعود يبصر شيئاً..

بدلاً من أن نرتدي "تيشيرتات جيفارا"، علينا أن نقتبسَ جمرةً من حميم نضاله؛ فوجوهُ الأحباءِ تُرقم بالإبر على أشغفةِ القلوب.. وبدلاً من أن نضع "قوارير الماء" على قبر المعري، علينا أن نقرأه وندير معه حواراً مُرهِقاً قد يصل إلى محاكمته؛ فقبورُ الأحباءِ لا تنتظر إلا قواريرَ الدمِّ والعرق.. فطيورُ المعرفةِ لا تصدح بغنائها في صحراء التقديس الجدباء ولا تقيم لصغارها أعشاشاً من الذهب العقيم..

 

في ظاهرة الحنين الى الماضي

لازلنا نلحظ ان جيل شريحة كبار السن من الشيوخ والكهول يميلون لاستذكار الماضي في مجالسهم العامة، ولا يترددون في الحديث عن ان الحياة كانت أحلى، والنفوس كانت أصفى، والالفة كانت اصدق ايام زمان مما هي عليه اليوم، ويذكرون لذلك أمثالا شجية عن مزايا ذلك الزمن الحلو الذي عاشوه مع أقرانهم في تلك الحقبة، توكيدا لوجهة نظرهم، وتقريعا للمهووسين برفاهية العصر.      

واذا كان استذكار الماضي الجميل يظل جزءا من متعة الحديث في المجالس   للكثيرين من جيل شاخ، حينما يحضرهم الحديث عن موضوع العلاقة مع الماضي، فانه يلاحظ ان حسهم وان كان مرتبطا بإدراكهم لكل تفاصيل الماضي، الا ان سحر العلاقة الوجدانية معه يرتبط عندهم بمقدار بعد الفاصلة الزمنية عنه، فكلما تقدم بهم السن زادهم الحال شوقا للماضي البعيد، لأن فيه أغلى مراحل العمر، وهي مرحلة الشباب، لذلك نجدهم أكثر من غيرهم تعلقا بالماضي، ونتلمس ذلك جليا في شعرهم، وفي حكاياتهم، حيث يستحضرون الجزء الأكثر شجناً من تلك المرحلة في توصيف الماضي، في حالة من التوق المرهف لتجارب ولّت ولن تعود.

وتشير العديد من الدراسات كما يذكر الدكتور حكمت الحلو الى (ان ذكريات الانسان منذ بداية وعيه ولحد موته مخزونة كلها في اللاوعي وليس هناك من خبرة مر بها يمكن ان تتلاشى او تندثر، وفي بعض الاوقات تقفز بعض الخبرات القديمة الى منطقة الوعي فتظهر بكل ملامحها وصورها وتفاصيلها دون ان نستدعيها، ذلك انها وجدت لها مجالا للانسلال من اللاوعي الى الوعي) الامر الذي يسوغ لنا تعليل التسامى فوق ما بات يصفه البعض بالنوستالجيا المرضية، ذلك ان توق تلك الشريحة للماضي يرتبط بمرحلة الصبا والشباب، وتجاربهم النضرة فيه، لذلك فهم يستعيدونه استشعارا لسعادة وجدانية، لكي يتجاوزوا بها تعاسة غربة الحاضر، بعد هذه الرحلة الطويلة من العمر حيث ارهقهم على ما يبدو الانشغال بالحاضر المثقل بإرهاصات صخب الحياة المعاصرة، وضنك الخشية من مفاجآت مجاهيل الغد، اضافة الى التهيب من صعوبة التكيف مع معطيات الواقع الجديد، الذي فرضته متغيرات العصرنة المتسارعة، وما رافقها من تداعيات كبرى في البناء الاجتماعي، والثقافي ,والتقني، وما نجم لهم عن ذلك من اغتراب عن هذا الواقع، لصعوبة تعايشهم مع متطلباته العصرية بطريقة سلسة، بسبب سرعة توالي ايقاعات هذه المتغيرات، التي فاقت سرعة استجابة التحولات الاجتماعية والمعرفية لها، الامر الذي جسّم عندهم معاناة العزلة بفجوة الجيل في حياتهم الراهنة بشكل ملموس، حيث يسعون عندئذ لتجاوز مرارتها بلجوئهم لإعادة إنتاج صور الماضي، واستيلادها بذهنهم بطريقة وردية.

ومعروف ان التحولات والمتغيرات في الماضي كانت تجري بشكل تدريجي وبطيء، وتأخذ وقتا طويلا نسبيا قبل أن تفعل فعلها في البنى الاجتماعية، والثقافية، وبذلك تمنح الناس فرصة كافية لتمثل تلك التغيرات، والاستعداد للاستجابة لها، والتكيف معها على نحو مرن، بعكس الحال اليوم، حيث تتدفق التحولات متسارعة بطريقة قفزات ضفدعية في مختلف جوانب الحياة، بات يتعذر على جيل كبار السن مواكبتها كما ينبغي، فصار ترادفهم   مع الخلف محفوفا بالكثير من الصعوبات، الامر الذي افرز نوعا من الاغتراب المحبط في اوساطهم جعلهم يحسون كأنهم غرباء عن حقيقة الواقع الاجتماعي الذي يعيشونه اليوم مقارنة بما اعتادوه في ما مضى من عمرهم، وهذا ما يدعوهم للحنين المفرط الى الماضي، والانشداد اليه، ورغبتهم بالاستمرار بالعيش على نفس طريقة الماضي، حتى مع قناعتهم بان احجامهم عن التعاطي مع هذه المتغيرات لن يؤدي إلى نتيجة تذكر.لذلك فلا غرابة في ان نجدهم يحنون باستمرار الى الماضي في مجالسهم، ويتغنون بنمط حياتهم الاجتماعية السالفة، رغم كل ما افرزته الحداثة لهم في واقعهم الجديد من ايجابيات ورفاهية، لم تكن في متناول ايديهم في ذلك الماضي الذي ما برحوا يحنّون اليه.

إعترافاتي الموثقة في عيد الحب

hadi  jalumreiتوسل قيس بن ذريح الشاعر بشقيقه الحسين بن علي بن أبي طالب، ليخطب له لبنى الحبيبة من أهلها فقد رفضوا وصالهما برغم كل الوجاهات التي ذهبت الى مضارب أهل لبنى وأعمامها المتصلبين .

كجلمود صخر حطه السيل من عل كما كان إمرؤ القيس يصف حصانه وهو يقطع الفيافي مسرعا كطائرة كونكورد قبل إحالتها على التقاعد لتكون معلما من معالم مطار شارل ديغول في ضواحي باريس يشاهدها المسافرون أمثالي، وكان من عادة العرب في صدر الإسلام إنهم يلحون في طلب المقاصد من أهل المكارم من شيوخ قبائل العرب، فإذا وجدوا صدا سارعوا الى من يحتفظ بوفرة من الجاه والنفوذ والمكرمات، ولم يكن مثل الحسين في وجوده الروحي ليتدخل ويحسم نزاع القوم بطلب يد لبنى لشقيقه قيس. الحسين حسم نزاع القوم بالحب، بينما حسم أعداؤه نزاعهم معه بالموت، ولكي لايتوهم أحد بعلاقة الحسين بقيس فإن الخاطب كان شقيقا للحسين في الرضاعة.

بعد أسابيع طلق قيس لبنى، ولم يجن كحال قيس بن الملوح الذي لم ينل الوصل بليلى العامرية، وبقي نهبا للوساوس وسكنه الهيام فأصابه الخبال، وهام على وجهه في الفيافي والقفار ينشد في حب ليلى ماأودى بحياته، وأخذ بمجامع قلوب العاشقين من بعده فخلده الدهر، وصار مثلا في عذابات المحبين وإخلاصهم الذي لاينقطع حتى بعد موتهم وفناء أجسادهم، وكأن أرواحهم هي من ينظم الشعر ويشهد على المأساة الراتبة.

الفرق بين القيسين إن أحدهما هام بإمراة، وحين نالها تركها ( مطلقة) تبحث عن راتب من دائرة الرعاية الإجتماعية، والثاني هام بالحب، فبقي معه، ولم يفارقه حتى بعد موته، كأنه عشق المعنى، ولو إنه حظي بليلى لتركها كصاحبه الذي طلق لبنى، وربما كان ذلك هو السبب الذي دفع البعض ليكتب، إن الزواج يقتل الحب، بينما الفراق يحييه ويطيل من عمره، فزواج قيس بن ذريح بلبنى لم يخلد كما خلد حب قيس بن الملوح لليلى العامرية، وهذا هو قيس كما خلده شعره، وفي لمحة منه يقول.

اذا نظرت نحوي تكلم طرفها -- وجاوبها طرفي ونحن سكوت فواحدة منها تبشر باللقاء --- وأخرى لها نفسي تكاد تموت

إذا مت خوف اليأس أحياني الرجا --- فكم مرة قد مت ثم حييت

ولو أحدقوا بي الأنس والجن كلهم -- لكي يمنعوني أن أجيك لجيت

ألا يانسيم الريح حكمك جائر ---- عليّ اذا أرضيتني ورضيت

ألا يانسيم الريح لو أن واحدا ----- من الناس يبليه الهوى لبليت

ولو خلط السم الزعاف بريقها ----- تمصصت منه نهلة ورويت

في عيد الحب لاأجد أحلى من شعر قيس وعذاباته لتروي عني ظمأ روحي إليك

سيدتي، وأنت تعرفين ماتعانيه الروح حين تصدين، أو تغضبين، أو تتجاهلين،

أو حين تبكين وتنتفظين وتتنهدين، وتجهلين إنك قاهرتي.

 

هادي جلو مرعي رئيس مركز القرار السياسي للدراسات

العراق . بغداد

 

أحبب وافعل ما تشاء (2): المحبّة أساس العدل

madona askarشغل مفهوم العدالة أذهان الفلاسفة على مرّ التّاريخ، إلّا أنّه يبقى مفهوماً غامضاً، خاصّة أنّه على أرض الواقع، لا نبالغ إن قلنا إنّ العدالة مغيّبة، أو لنقل إنّ العدالة تطبّق إمّا بشكل جزئيّ، وإمّا بحسب مفهوم كلّ إنسان للعدالة. والمفهوم يختلف بين إنسان وآخر، وبين بيئة وأخرى، وبين طبقة وأخرى. فالعدالة يمكن أن تحمل في معناها المساواة بين الجميع بالحقوق والواجبات، وأن يخضع الكلّ بشكل متساوٍ لقوانين وضعيّة؛ كأن نقول مثلاً إنّه على المواطن أن يدفع الضّرائب المتوجّبة عليه، ولكن بالمقابل أين العدالة في تطبيق هذا القانون في حين أنّ مستوى الدّخل يتفاوت بين مواطن وآخر؟ أو كأن نقول إنّه من حقّ كلّ مواطن أن يحيا بكرامة فيؤمَّن له السّكن والتّعليم والمأكل... ولكن أين العدالة إذا ما كان المسكن المؤمَّن دون الشّروط المطلوبة أو إذا ما كان المنهج التّعليميّ دون المستوى الفكري المطلوب؟ إلى ما هنالك من تساؤلات وتباينات.

لعلّ الطّغاة على مرّ التّاريخ كانوا على قناعة أنّهم يطبّقون العدالة فيما يخصّ الإبادات الجماعيّة، أو لعلّ الجماعات الدّينيّة المتطرّفة تؤمن أنّها تطبّق العدالة فيما يخصّ إقصاء المخالف لهم دينيّاً وإعدامه، أو أنّ فرداً ينتقم من آخر بالتّعنيف أو القتل على اعتبار أنّه يحقّق عدالته الشّخصيّة. بالنّسبة لونستون تشيرشيل، إمّا أن تكون عادلاً وإمّا أن تكون قويّاً، وذلك في قوله: "أجمع تاريخ البشرية على حقيقة أنّ الأمم لا تكون عادلة دائماً عندما تكون قوية. وعندما تتمنّى تلك الأمم العدل، فهذا يعني أنّها لم تعد قوية".

بالمقابل، قد يكون أقرب مفهوم للعدالة، أو المعنى الأصح لسلامة تطبيقها هو أن تفعل لغيرك ما تبتغيه لنفسك. فيقول جمال الدّين الأفغاني: "أقرب موارد العدل القياس على النفس"، وتقول إليونور روزفلت: "ليس من العدل أن تطلب من الآخرين ما لست أنت مستعداً لفعله"، وبالتّالي المقياس الممكن اعتماده لتحقيق العدالة هو الذّات الشّخصيّة للإنسان. ولكن هذا المقياس يبقى ناقصاً وغير فعّال ما لم يرتبط بالمحبّة. فما تبتغيه لنفسك هو الأفضل والأكمل، إلّا أنّك إذا حصرته في نفسك وقعت في فخّ الأنانيّة، وبالتّالي ستكتفي بنفسك دون الانفتاح على الآخر.

أن تحبّ نفسك هو أن تحترمها كقيمة معتبراً أنّ كلّ نفس أخرى هي قيمة بحدّ ذاتها وتستحقّ المحبّة. من هذا المنطلق ستمنح الآخر ما تريد أن تمنحه لنفسك على أكمل وجه. كما يمكن لهذا المنطق أن يتّسع ليشمل الجماعة كلّها وحتّى المسؤولين عنها، فالحاكم أو المسؤول أو القاضي، أو أيّ شخص موكل إليه تطبيق العدالة ينبغي أن يمتلئ من المحبّة كيما يتمكّن من إبقاء إنسانيّته متيقّظة في تطبيق العدالة. ويجب أن نوضح أنّ حضور المحبّة في تطبيق العدالة لا ينفي الحزم والصّرامة والوضوح، إنّما يمنع المساومات والرّشاوي والتّحايل على القوانين، مانحاً الكرامة الإنسانيّة الأهمّيّة الأولى والأخيرة.

حيث تكثر المحبّة تحلّ العدالة، فالمحبّة هي الدّافع الأوّل والأقوى لرفع القيمة الإنسانيّة وانتشالها من بؤسها على جميع المستويات. فأن تحسن إلى فقير على سبيل المثال ليس عدلاً، وإنّما هو إشفاق على حالته أو مساعدة له، وفي بعض الأحيان وللبعض، استثمار للسمعة إعلاميّاً وفي أحيان أخرى إرضاء لله للبعض الآخر. وأمّا العدل الحقّ فهو أن تعيش مع الفقير وتشاركه فقره فتنقذه منه وترفع كرامته الإنسانيّة. وكي لا نُفهَم خطأ، من الجيّد أن نرضي الله في الإحسان للفقراء ولكن من الإنسانيّة أن نخدم الله في الفقراء والمظلومين والمغبونين. ففي الإحسان أنت تعطي ممّا عندك، وأمّا في المشاركة فأنت تعطي ذاتك، وتلك قمّة العدل وذروة المحبّة. كما أن العدل يقضي بمحاسبة مجرم أو سارق أو متمرّد على القانون، وهذا حقّ، وأمّا ارتباط العدل بالمحبّة فهو المحافظة على الكرامة الإنسانيّة رغم كل ما يصدر عنها من أخطاء.

المحبّة أساس العدل، فعدل بلا محبّة قد يجنح إلى الظّلم، كما قد يتحوّل إلى قوّة مسيطرة تستغلّ مبدأ العدل في سبيل احتقار الكرامة الإنسانيّة. ومحبّة بلا عدل، استهتار ولامبالاة وغضّ النّظر عن الخطأ وعدم السّعي إلى تصويبه.

 

نساء العالم يتزعمن الإضراب الجنسي .. ويسجلن أقوى الانتصارات في عالم السياسة

khadom finjanنوع غريب من الإضرابات النسائية لم نسمع بها، بدأت فكرتها سينمائياً في تونس على يد المخرج الفرنسي (رادو ميهايلينو) في فيلمه (عين النساء)، والمقصود بالعين هنا إحدى منابع المياه العذبة في جوف الصحراء الكبرى، حيث تتعرض النساء للاضطهاد والتعسف، ويتحملن جحيم الرمال الساخنة من أجل حمل جرار المياه الثقيلة لأزواجهن المتقاعسين المتبطرين، فأضربن عن المعاشرة الجنسية بغية الضغط على الرجال المتمسكين بالتقاليد البالية، وواصلن إضرابهن حتى جاء اليوم الذي تنازل فيه رجال القبيلة عن جبروتهم.

ثم انتشرت فكرة الفيلم في شرق الأرض وغربها، فانطلقت من جزيرة (مينداناو) الفلبينية أول شرارات الحظر الجنسي على الرجال من أجل إنهاء القتال المتأجج هناك، وسارت نساء (ليبيريا) على النهج نفسه عام 2003 احتجاجاً على اندلاع الحروب الأهلية الدموية، ثم بدأت نساء (توغو) إضراباً شاملاً عن المعاشرة الجنسية استجابة لنداءات زعيمة المعارضة (إيزابيل أميغانفي) من أجل إقالة رئيس البلاد (فوريه غناسينجبي)، الذي ورث السلطة عن أبيه، وأطلقت مجاميع غفيرة من نساء (كينيا) حملة وطنية عام 2007 تحض النسوة على مقاطعة الجنس احتجاجاً على استمرار الخلاف بين رئيس الدولة (مواي كيباكي) ورئيس الحكومة (رايلا آودينجا)، في حين أعلنت النساء في مدينة كولومبية صغيرة تنظيم إضرابهن الجنسي الثاني من أجل إصلاح الطريق المؤدي إلى مدينتهن النائية.

أما آخر الإضرابات الجنسية فهو الإضراب الذي نظمته النساء اليابانيات من أجل الحيلولة دون ترشيح (يوشي ماسوزي) لمنصب عمدة العاصمة طوكيو، ويعود رفض المرشح (ماسوزي) إلى تعليقات سلبية أطلقها عام 1989، شكك فيها بكفاءة المرأة اليابانية في تولي المناصب السياسية.

ترى ماذا لو أضربت نساؤنا عن معاشرة أزواجهن من أجل الضغط على برلماناتنا العربية ؟، وماذا لو اتبعن هذا النوع من العصيان المدني للضغط على الحكومات العربية حتى تنفيذ مطالبهن؟.

الأمر لا يحتاج إلى التفكير فالمرأة هنا مغلوبة على أمرها، ولن ينجح إضرابها في مواجهة الرجل المتسلح بالقوانين والتشريعات، التي تفرض عليها الطاعة والرضوخ والانصياع لأوامر الرجل.

لكننا نوجه أصابع الاتهام هنا إلى هذه القطعان الكبيرة من قوافل الرجال الذين باعوا ضمائرهم، وتآمروا على شعوبهم وتنكروا لأوطانهم، فانساقوا على غير هدى خلف سراب القوى الظلامية الغاشمة، من دون أن يفكروا في يوم من الأيام في التضامن معنا، والمطالبة بحقوقنا المهدورة منذ زمن بعيد، حتى ضاع الخيط والعصفور، ولم يعد وراءنا وراء بين الشعوب والأمم.

والله يستر من الجايات

 

الرئيس "ماو" لا يقرأ وحكامنا يقرؤون؟!!

الرئيس ماو سيتونغ (26\12\1893-9 \9\1976) هو الأب الروحي والفكري والسياسي المؤسس لدولة الصين الحديثة المعاصرة.

ففي يوم 1\10\1949 أعلن تأسيس جمهورية الصين الشعبية، كدولة الحزب الواحد.

وفي عام 1957 أطلق مشروع القفزة العظمى للأمام، وفي عام 1966 إنطلقت الثورة الثقافية الصينية لإعادة ترتيب آلبيات التفكير الشعبي الجماهيري، وتعليم الناس كيف يفكرون بأسلوب جديد يخدم مشروع القفزة العظمى للأمام.

هذا الرجل هو الذي صنع الصين بكل ما تعنيه كلمة صناعة، وتعبر عنه وتلخصه، مما يؤكد بأن الشعوب تحتاج لقائد يعرفها ويدرك مسيرة الأجيال في الوطن الذي يكون قائدا فيه.

ويُحكى أن الرئيس ماو من المدمنين جدا على القراءة، فهو يقرأ وبشكل يومي ومتواصل مدى حياته، وحتى آخر يوم كانت الكتب حوله، فأيامه مفعمة بالقراءة.

وعاش حياة بسيطة زاخرة بالمعرفة والدراسة والتأمل، وإنغمس بتأريخ بلاده، حتى إستطاع أن يكتشف قوانين الصيرورة والإنطلاق اللازمة، والملائمة للقوة والتقدم والسيادة الإبداعية.

وبتعمقه في دراسة تأريخ بلاده وتراثه أصبح من فقهاء التأريخ الصيني، والعارفين بدقائق البواعث والمحفزات ومكامن الطاقات ومنابع القدرات، فاستثمر تلك المعرفة ووظفها بحكمة وقدرة قيادية وحنكة، أثمرت نتائجها.

فأصبحت الصين على ما هي عليه اليوم، تهيمن على الأرض إقتصاديا وتغمرها ببضائعها ومصنوعاتها وإنتاجها الزراعي والغذائي، فقد إنبثقت الطاقات من العقول والأعماق، وتوظفت بإيجابية وإبداعية غير مسبوقة، حتى لأصبح من الصعب اللحاق بالصين، التي وصلت إلى هذه المرتبة الإقتدارية في بضعة عقودٍ لا غير.

ومن المفارقات، أن أحد قادة دولنا، عند زيارته للصين، سأل الرئيس ماو النصيحة في القيادة، فنظر إليه مندهشا ثم إبتسم وقال: أنتم أصحاب التراث الطويل، الغني بالتجارب والأفكار، وتسألني النصح!!

ثم أضاف: إقرأ تأريخكم!!

وكأنه أراد القول بأنه هو أولى بالسؤال وليس السائل!!

ترى هل أن المسؤولين في بلداننا يقرؤون؟

وهل لديهم إلمام حقيقي وفهم موضوعي للتأريخ؟

لم يتأكد أنهم يقرؤون، فعلى مدى القرن العشرين، تبين أن أول الذين كانوا يقرؤون هو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، ويُحكى أنه كان يقضي الليل ساهرا في مطالعة كتاب.

وعندما يقرأ المسؤول ينعكس ذلك في كلامه وسلوكه وقراراته، وينبؤك عما فيه قوله وفعله.

وما يحصل في بلداننا يشير إلى أن المجتمع مُبتلى بالذين لا يقرؤون، ويجهلون التأريخ، أو يرونه كما يتم تصويره لهم، أو أنهم لا شأن لهم بذلك، ما دام كل شيئ جاهز على طاولة التنفيذ!!

 

ولا يمكن لمجتمع أن يكون إذا أسلم أمره لقادة لا يقرؤون!

 

فهل سنتعلم شيئا قليلا من الرئيس ماو، أو أن نأخذ بنصيحته ونقرأ تأريخنا ونتفقه فيه لكي نعيد ترتيب آليات تفكيرنا، ونصنع عقولنا المعاصرة؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

معلومات إضافية