أقلام ثقافية

اخاف من القلم

mohamad thamerجربتُ اشكال الخوف كلها من درابين الفهود اذا انحنى الليل ومن نخيلها اذا اعتمر الحلكة قبل اوانها الى أزقة بغداد يوم كانت تكتظ بالبشر الماجنين .تعودت عليه طفلا وسئمته يافعا ودجنته كهلا. لكني لازلت أخشى القلم كلما فكرت ان اكتبَ ارتعدتُ كلما فكرت ان ادلي بدلوي انتابي شيء من الخشية وكأني اكتب للناس دستورا او قوانين وليس مجرد مقال.

كنت أتصور ان هذا سينفرج ان مضى بي النهار وانتصبت الشمس وطرحتُ أسانيد الكتب مغازلا وماضغا وراتعا بنهم وبدون شبع لكني ازددت رهبة وجرى بي الامر سوءا، حتي اني في احيانا كثيرة أفضلُ ان انظر الى القلم متطلعا من خشيته اكثر مني محببا استعماله . ولو عزمت على ان اكتب شيئا تجسدت فيٌ طقوس الحرف الاول والكلمة الاولى.. ثم لماذا اكتب.. ثم من سيقرأ ما اكتب.. ثم اتراه خروج عن المالوف ام سيرة ستنتظم مع احرف الكاتبين.

لا ادري بالضبط من دجن الخوف في ورقي ربما اساتذتي الذين كانوا يستنكرون لغة الأنا ويستكثرون لغة ال نحن، ولكني متأكد من ان هناك خوفا واي خوف .قرأت في سوره عز وجل ملاحم يسطرها الخوف وقرأت في نظريات السايكولوجي استثمار عنصر الخوف في تسديد خطى الانسان ولكن خوفي لا يسطر ملامح ولا يسدد خطاي بل يقلبني على اكثر من وجه حتى يكتشف المكنون من احرف سحيقة وافكار نظرة ودعوة لبني البشر ان خوفي هو من سطوة الهوى وشطط القلم .

 

 

اضاءة في قصيدة (صوت الجرح) للشاعر علي حسن الشمري

ahmad manazayadi"كل قصيدة هي جنس أدبي بحد ذاته" .. فريدريش شليغل

انطلاقاً من هذه المقولة التي اتخذها الشاعر والناقد الالماني فريدريش شليغل منهجاً في بحثه عن أصل قصيدة النثر في اوربا، قررت الكتابة عن هذه القصيدة بمفردها نظراً لِما تحمله في طياتها من جمال كامن .

في البداية، لنقل أن أسم (الجروح تصرخ بأعلى نزيفها) هو الوصف الامثل لمكنونات هذه القصيدة.

في المطلع يبدأ الشاعر بإستخدام التشبيهات بطريقة سهلة التلقي ذات طابع مأساوي نظراً للموضوع الذي تتناوله القصيدة:

(شوگي شوگ اجروحنه الماغفت طيف

ابضل سچاچين اللچم

شوگي شوگ املوحة الگاع التنخي

ومالگت ريحة زلم)

في المقطع التالي،   تحديداً في قوله:

(ينولد وجهك بالمارية القديمة

دموع ناس....وتعب خبزة)

يمسك الشاعر بكامرة سينمائية ليصوّر لنا هذه الحالة،   فهل خطر على بال أحدٍ من قب كيف –تعب الخبزة- هنا يتجلى الابداع في وصف معاناة الشعب الذي هو جزء منه.

تتضح السيمائية كثيراً وتتجلى معانيها في قوله :

(ترد واليسأل نگله

الماي يندل كل درب مهجور بي شتلة صبر)

حيث يتبين لنا عمق الوعي والدلالات ذات الطابع الغامض نوعاً ما لكي تصل القصيدة الى ما بشّر به دوسوسير الذي قال (اللغة نظام من العلامات التي تعبر عن الأفكار)

فهنا نجد الدال والمدلول والمقصود وتلك هي أهم عناصر السيميائية.

بعدها يقول:

(من تهب الريح بينه انسوي دمهم گنطره

ونوصل لحدهم گبل مايبرد الغيظ عله چفنه

ومانريد اسيوف تفزع بيها بصمه امزوره)

هنا تبدأ الحماسة وروح المقاومة،   لِمَ لا؟ وهو وريث الحروب فمنذ فجر التاريخ والعراق في حروب مستمرة،   لا يعتبر هذا البيت خروجاً عن منظومة القصيدة ولا يضر بوحدتها العضوية على العكس من ذلك بل يعطيها المزيد من الجمال . حيث يقول الشاعر الالمناي فريديش هولدرين (وظيفة الشعر هي تحويل العالم إلى كلمات، فالشعر يمتلك الواقع إذ يرسم الحدود التي تفصله عن فهمنا)

بعدها يقول:

(حتى سرجون الزعيم

غير ارموز الحضاره وبدل الثوره بلجوء ايريح باله

وقلم گلگامش تراجع عن كتابة ملحمه بحق الخبز

وعلي لساه ياخذ من الجوع حصته

ويثلم بـچفه الشريف

من تعب عمره ويوزع بالمحطات الرغيف

والحسين الهسه ينزف كبرياء

والنهر مذلول مايه وباقي بي مأتم عطش

والبطل عباس لساه جربته متروسه غيره

ابراسه يفتر وگفه دخان الخيم)

في المنقط الآنف الذكر يجمع الشاعر بين ملوك أزمنة مختلفة مبتئاً بـسرجون الأكدي –أول امبراطور في العالم- كما قال الدكتور فوزي رشيد في الموسوعة الذهبية.

بعدها يذكر كلكامش صاحب الملحمة المعروفة وهي أطول ملحمة في التأريخ تميزت بمغزاها الانساني .

بعدها نلمح أثر بيئة النجف الأشرف الدينية عليه فيذكر الأمام علي (عليه السلام) كما ذكره زملائه من الشعراء مقترناً بكلمة (الجوع) التي غالباً ما تتكرر مع الأمام علي (عليه السلام) مع مفردات أخرى منها (الخبز، الفقر) ذلك بسبب العفة والبساطة التي عاشها الأمام.

يعود مرة أخرى الى الثورة فيذكر ابطال الثورة العالمية الخالدة الأمام الحسين(عليه السلام) وأخيه العباس (عليه السلام) لكن هنا بطريقة مغايرة للمألوف (الكبرياء) يعني اعتزاز الشخص بكرامته وعدم قبوله الإهانة من أي شخص والأمام الحسين (عليه السلام) هنا يفيض كبرياءاً وهذا ليس بغريب على سليل النبوة.

كثيراً ما سمعت الشاعر علي حسن الشمري يتحدث عن الحركة الرمزية واليوم أجده متأثرا بهم بعض الشئ من خلال قدرته على تحويل الافكار الى محسوسات وتحويل المحسوسات الى افكار وهو اسلوب يعرف بأسلوب حضور الفكر :

(آلة التصوير رمده

وخشبة المسرح مريضه

وماوصل صوت الدمع

الأدوار اتقسمت

ومابقه الدور اليجسد حالة اهدوم الفقير)

أفاد الشاعر من الرمزيين وأضاف الى قدرته الفائقة على استخدام الالفاظ المبهمة في صياغة بسيطة مفعمة بالمفاجآت وبذلك استطاع ان يوحد أسلوبه الشعري بين الفكر والعاطفة وبين الظواهر التي تبدو متباعدة بطبيعتها.

أهم ما يمكن ملاحظته في القصيدة أنها طويلة تخلو من الحشو كتبها الشاعر بحرفة عالية متأثراً من حيث الحجم والقصائد الطوال بالشاعر عزيز السماوي الذي كتب هذا النوع من القصائد.

ايضاً يمكن ملاحظة الوحدة العضوية بشكل تام من خلال ترابط اجزاء القصيدة وسيرها بأتجاه واحد فكراً وشعوراً وتحقق الوحدة العضوية من خلال عنصرين مهمين نلحظ وجودهما في القصيدة هما: 1- وحدة الموضوع 2- وحدة الجو النفسي فتكون عاطفة الشاعر واحدة متناسبة مع الموضوع.

 

احمد معن الزيادي

الحب كالضباب مشكوك فيه

qasim alsaidiاستعرت العنوان من قصة قصيرة للقاص العراقي محمد منسي (الحب كالضباب مشكوك فيه وهذه صفته الوحيدة)* (1) ليثير فينا أسئلة عدة .. هل تغيرت مفاهيم الحب ؟ آم هناك فجوة تكبر لتتعاظم روح الواقع بكل شذوذه وعنفوانه على الحياة، وما هو دور صناع الجمال من الشعراء أمام فتن تفتك بالمجتمع وتحيل الحياة فيه إلى عسر دائم، هل نستطيع إن نغير حياتنا كما يقول عبدالله * (2) (إذا لم تعجبك حياتك فبدلها) أذن ما هي صورة الجمال في حياة مصابة بالقبح،وفتحت الباب وبقوة لمفردات شعرية مثل ( ألغام ، خوذة ،رشاش،وعبوة، وجثة ، كفن) وانحسر شعر الغزل وكأننا قلنا في كل ما احتوته قريحتنا الشعرية متوافقين مع مايكوفسكي (كتبت كثيرا عن الحب حتى بدأ لي إنني قلت كل ما هو موجود) آم إن تمنياتنا مثل الشاعر رامبو حين تمنى حمل الشعر إلى الشارع ، ونحمل اعتقادا لا يزال راسخا بصحة كتابات اليونان القديمة عن علاقة نسب بين الشعراء والإلهة !! لكن علينا إن نعترف إن واقعا جديدا يفرض نفسه في ظل قبضة مناخ العدوان الموجه ضد الحياة !

وحين نقرا نصوص لشعراء حالمون في رسم صورة مثلى وسط حياة سوداوية نجدها تبحث عن فسحة أمل تبدو ضيقة، وتلعلع فيها أصوات الرصاص مما يعزز السؤال المريب ؟ عن ماذا نكتب !   والوطن ساحة خوف كبيرة تتسع كل حين ، وهذا الدمار الكبير والموت المجاني والعاجل الإخباري وصورا" تلتقط عن أعضاء بشرية تنقل بعربات حمل البضائع الخشبية او عن مجزرة لا يوجد مثل بشاعتها وحقدها على الإنسان مثل سبايكر .. هل الوقت مناسب إن نكتب للقمر وان تقول له ضياءك يلهمني والسماء مرصعة بالنجوم او نكتب عن منظر غروب حزين او نندهش وتخرج ألاه قوية حين نقرأ للراحل نزار قباني (وقبلك كل النساء افتراض) هل نتهم برومانسية مغالية ونحن نعيش هذا الانفصام الرهيب وسطوة الغرائز الوحشية في الإنسان المتوارثة والتي لم تختف كما يقول عالم النفس (فرويد) لتظهر بقوة في ظروف محدده الحرب الصراعات الكوارث البشرية الاضطرابات او كما يقول بيتينوف * (الجمال لم ينقذ العالم لان قوانينه قد أخرجت من حياتنا) و قوة الفوضى هي التي انتصرت فبدا الجمال وهو يحتضر والحياة بلا ملامح والصورة Negativity وتلاشت القدرة العظمى للحلم (ونحن في الريح عصافير يتامى ) (3) الحب في بلادي يئن تحت جرافة الحرب والصورة الدفينة التي تنز خفية تستحضر الماضي كشاهد وحيد

لا زلنا نرسل إشارات كبيرة للعالم إن الحياة بخير والشاعر يقاوم بالكلمة الشعرية التي تضيء وتفتح الباب واسعا لحياة أكثر جمالا

 

قاسم محمد مجيد

...................

(1) من قصة قصيرة (السترة الخضراء) للقاص محمد منسي  

(2) عبد الله بطل رواية تسارع الخطى للروائي الكبير احمد خلف

(3) من نص للشاعر حسب الشيخ جعفر

 

من المعجم الروسي – العربي للأمثال الروسية (25)

الحلقة الخامسة والعشرون من سلسلة مقالاتي حول الامثال الروسية.

 

الترجمة الحرفية – الحب القديم لا يصدأ .

التعليق – المعنى واضح في هذا المثل ، ويضرب للتأكيد على حيوية الذكريات في أعماق كل انسان. يوجد بالعربية بيت شعر ذهب مثلا في هذا المعنى وهو –

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب الا للحبيب الاول.

 

الترجمة الحرفية – نقود أكثر – هموم أكثر .

التعليق – يضرب في ان الثروة ترافق دائما القلق للحفاظ عليها ، وان ازدياد الثروة يعني ازدياد القلق . يوجد مثل عربي طريف في هذا المعنى ( سبق وان استشهدنا به في حلقات سابقة ) وهو - المفلس في القافلة امين.

 

الترجمة الحرفية – جدر العائلة يفور دائما .

التعليق – يضرب للحث على العيش المشترك للعائلة الواحدة ، والتضامن بين افرادها، اذ ان ذلك يسهٌل عليهم دائما ايجاد حلول لمشاكل الحياة.

 

الترجمة الحرفية – دون العمل لا يأكلون العسل .

التعليق – يضرب لتمجيد العمل الانساني باعتباره اساس الحياة ، وبدونه لا يمكن الحصول على اي شئ من ملذات الحياة الانسانية .

 

الترجمة الحرفية – الحب والنار والسعال لا يمكن كتمانها عن البشر.

التعليق –الصورة الفنية جميلة في هذا المثل الروسي ، اذ جاء الحب ضمن تلك الظواهر التي لا يمكن كتمانها . توجد بالعربية امثال عديدة في هذا المعنى ، منها – وهل يخفى القمر / هيهات تكتم في الظلام المشاعل ... ، ولكن الحب في المثل الروسي أضفى عليه طرافة جميلة ورائعة وصادقة فعلا .

 

الترجمة الحرفية – الصداقة المتينة لا تتحطم حتى بالطبر.

التعليق – يضرب في ان الصداقة الحقيقية بين البشرتصمد ابدا ، ولا يمكن لاي شئ ان يدمرها او يلغيها.

 

الترجمة الحرفية – انظر الى القرى بثمارها ، والى الناس بأعمالها.

التعليق – يضرب للتأكيد على ان نتائج الاعمال - بغض النظر عن الثرثرة حولها- هي الاهم في حسم الموضوع . سبق وان أشرنا في هذه السلسلة من المقالات الى العديد من الامثال العربية في هذا المعنى ، منها مثلا – الافعال ابلغ من الاقوال ...

 

الترجمة الحرفية – الغني البخيل أفقر من الفقير .

التعليق – يضرب في عدم ارتباط الفقر والغنى بامتلاك الثروة، وانما بالعلاقة تجاهها . يوجد العديد من الامثال العربية في هذا المعنى ، منها - البخيل غناه فقر وطبيخه قفر ، أغنى الاغنياء من لم يكن للبخل اسيرا ...

 

الترجمة الحرفية – يجب التحدٌث بصوت مسموع عندما يوجد اكثر من شخصين.

التعليق – يضرب في ان الاصول والمنطق والاخلاق تقتضي ان يكون الامر مكشوفا وواضحا للجميع عند الحديث بين مجموعة من الناس ، والا فان الامر قد يثير الشكوك والارتياب .

 

الترجمة الحرفية – الشئ الجيد اذا كان جديدا ، والصديق الجيد اذا كان عتيقا .

التعليق – يضرب للتأكيد على قيمة الاصدقاء القدامى .

 

الترجمة الحرفية – لا يوجد عندك صديق – ابحث عنه ، وعندما تجده – حافظ عليه .

التعليق – يضرب لاهمية الاصدقاء في الحياة وضرورة التمسك بهم و الحفاظ عليهم ، فالصديق عنصر مهم جدا في الحياة ، وخصوصا (وقت الضيق) .

 

الترجمة الحرفية – اذا تخاف من التعاسة ، لن تكون لديك السعادة .

التعليق – التفاؤل عنصر نفسي مهم في مسيرة الحياة الانسانية ، ويؤكد هذا المثل الروسي على ذلك . يوجد قول معروف في هذا المعنى وهو - تفاءلوا بالخير تجدوه ، وهناك امثال عربية بمختلف اللهجات حول ذلك ، منها هذا المثل الطريف - اللي يخاف من الجنٌي يطلعله.

 

الترجمة الحرفية – (كل) الوقت للعمل ، وساعة (واحدة ) للهزل.

التعليق – يضرب في ضرورة الالتزام بالعمل وضوابطه واوقاته، لكن من الممكن – مع ذلك - تخصيص وقت قصير للهزل والراحة اثناء العمل.

 

الترجمة الحرفية – الى العمل آخر المتأخرين ، والى ألاكل اوٌل المتقدمين .

التعليق – يضرب للشخص غير الملتزم باداء عمله وواجباته ولكنه اول المطالبين بحقوقه ومكتسباته.

 

الترجمة الحرفية – اذا قطعت شجرة – ازرع شجرتين (بدلا عنها).

التعليق – يضرب للحث على المحافظة على الطبيعة و زرع الاشجار فيها ، وضرورة مضاعفتها دائما، حتى عند الاضطرار لقطع بعض الاشجار .

 

الترجمة الحرفية – الاحتياط لا يضر بالانسان .

التعليق – يضرب لدعوة الانسان على الاخذ بكافة الاحتياطات دائما في الحياة لكل طارئ ،لأن تلك الخطوات مفيدة ، وفي نفس الوقت فانها لا تعرقل مسيرة الحياة في كل الاحوال.

 

الترجمة الحرفية – تضعف القوة بلا عمل.

التعليق – يضرب لاهمية استخدام قوى الانسان دائما ، و ان تركها وخمولها يؤدي الى اضعافها، وحتى الى تلاشيها. يوجد مثل عربي معروف في هذا المعنى بشكل عام وهو – في الحركة بركة .

 

الترجمة الحرفية – رأس بلا عقل – رأس بصل.

التعليق – يضرب لتمجيد العقل الانساني باعتباره اساس الحياة و ركيزتها.

 

الترجمة الحرفية – ارقد كالدجاج واستيقظ كالديك .

التعليق – يضرب للحث على النوم المبكر والاستيقاظ المبكر. توجد أمثال عربية عديدة مناظرة (وسبق ان أشرنا الى بعضها في هذه السلسلة) ، ومنها - الصباح رباح...

 

الترجمة الحرفية – الغراب لا يفقأ عين الغراب الآخر.

التعليق – يضرب في ان تصرفات الحيوان مع الحيوان أرحم من تصرفات الانسان مع الانسان .

 

أ.د. ضياء نافع

 

افكار في سطور

shaker faredhasan- ثورات الربيع العربي لم تكن ثورات بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولم تحقق المأمول والمنشود، فلا تغير ايجابي ولا تطور او تقدم في الاقطار العربية التي اندلعت فيها هذه الثورات، فشعوبنا العربية تحتاج لثورات حقيقية حتى تتقدم وتحقق احلامها وطموحاتها في الحياة والحرية والديمقراطية والعدالة والمستقبل الأفضل والأجمل .

- المثقف السلطوي الذي باع نفسه وضميره لا يعنيه شيئاً سوى مصلحته الخاصة وجيبه، وهو يتعاطى التضليل والتطبيل ويتشدق بشعارات كاذبة في اطار خدمته للمؤسسة .

- وصف الأديب عباس محمود العقاد زكي نجيب محمود بأنه فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة، فهو مفكر يصوغ فكره ادباً وأديب يجعل أدبه فلسفة . كم كان العقاد صادقاً في وصفه، وكم نحن بحاجة الى قامات كبرى مثلل قامة زكي نجيب محمود وعقلانيته وليبراليته .

- كان أخي الراحل نواف عبد حسن، الذي مضى على رحيله ١٢، انساناً مثقفاً يتمتع بحس وطني، وصاحب رؤيا ورؤية بعيدة ونظرة ثاقبة، افليس هو القائل :

يتلاقح في الموت وجرح الشوق، وغيم التذكارات

تنهل بقايا الوجد، وعمر الوجع الآتي

وخاصرة الشرق

تموج بعقدة خصي الذات

ساءلني المقهى

عصر العهر على الأبواب

حقاً اننا في مرحلة خصي المثقفين والمتأدبين بجوائز التفرغ والمال السياسي النفطي القطري، وفي زمن العهر والخوف والزنى الحضاري .

- قبل سنوات كتبت مقالاً نقدياً عن احد المتشاعرين، فلم يعجبه نقدي بحق قصائده ورأيي في شعره فهجاني بقصيدة لا ترقى لمستوى الشعر .

- غالبية الشعراء والكتاب يحبون الاطراء ولا يحبذون النقد .

- اما آن للألم الفلسطيني أن ينتهي، واما آن للدم المسفوك أن يتوقف ..؟! واما آن للشعب الفلسطيني المشرد والمحاصر أن يتحرر من ربقة المحتل ..؟!

- عندما فجروا الضاحية في بيروت صمت العالم، ولكن حين فجروا باريس ارتفع صوت العالم مندداً . نعم هذا هو العالم المتلون المنافق الكاذب الذي يكيل بمكيالين .

 

شاكر فريد حسن

 

قدرة الروائح على استدعاء الذكريات

hamid taoulostكالكثير من الناس، لم أفكر قط في أهمية حاسة الشم وتأثيرها على الإنسان، وما مدى ارتباطها بعاطفته وسلوكياته، وكنت كغيري كثير، أقلل من الدور الكبير الذي يلعبه الأنف في حياة البشر، عدى عملية التنفس التي يتيحها لهم، رغم تأكيد الباحثين على أثره الكبير والواضح على صحة ونفسيته، وعلى قدرات التأثير على ذاكرته، من تهدئة الأعصاب والشعور والمزاج، وتأجيج العواطف ورفع المعنويات وتنشيط الجسم، وبث الطاقة والحيوية فيه، إلى إنعاش الذاكرة، لارتباط الروائح -في عموميتها أو في خصوصية روائح معينة - بحوادث وأماكن وأشخاص معينين، كما أثبتت الدراسات والتجارب العلمية أن للحوادث والأماكن والأشخاص روائح خاصّة، تظلّ عالقة في الروح، مغروسة في الذاكرة، متعلّقة بالنفوس، مهما تنقّل الفؤاد حيث شاء، والتي كلّما اشتمّها المرء، عادت به إلى ماض بعيد، مستدعية ذكرياته القديمة التي تعود لسنوات الطفولة الأولى التي غادرها ، وكأنه لم يتركها للحظة، حتى لو مرّ على ذلك سنوات، وعقود عديدة ، فيذكر على الفور بالكثير مما عاشه خلالها من المواقف المرادفة والذكريات السابقة، ويدخل فورا في مزاج جديد يؤجج عواطفه وينشط جسمه، ويرفع معنوياته، ليس بفعل الذكريات التي تمثل اللحظات السعيدة فقط، بل حتى تلك التي كانت تبدو مريرة وقاسية ساعة حدوثها، والتي يتدخل العقل في تصفيتها مما يكدرها، فتبدو أجمل مما كانت عليه في الزمان البعيد ..

فعلا، لم أهتم قط بقدرة جزيئات الروائح الذائبة في الهواء على استدعاء الذكريات القديمة، وإعادتها إلى الحياة، كلما تسربت إلى الأنوف، ولم أربط بين استيقاظ ذكريات الأشخاص الذين عرفتهم بحينا الشعبي فاس الجديد، وأحداث الطفولة والصبا التي عشتهما به، وبين بعض الروائح المميّزة التي أشتمها هنا أو هناك، فتذكرني بتلك الشخصيات والأحداث التي ارتبطت بنكهات الروائح المميّزة للأكلات الشعبية الشهية المختلفة التي كان يستقبلنا بها فاس الجديد، والتي كانت تشدنا توابلها التي تملأ الأماكن العتيقة، بسحر شذى "القزور"، وفوح "المعدنوس"، وعبق لحبق والنعناع، وروائح أخرى زكية نفاذة للأطايب والمآكل اللذيذة، المنبعث من مطابخ المنازل الأحياء والحواري الشعبية، والتي كانت تقتحمنا أينما توجّهت أنوفنا..

 

حميد طولست

من المعجم الروسي – العربي للامثال الروسية (24)

الحلقة الرابعة والعشرون لمقالاتي حول الامثال الروسية.

 

الترجمة الحرفية – من القذارة الى الامارة .

التعليق – يضرب في حالة انتقال شخص من موقع أدنى الى موقع أعلى وأكبر من طاقته وامكانياته وعقليته، وبالتالي يبدأ التصرف بشكل وقح وفظ وتهور. يوجد مثل شهير باللهجة العراقية في هذا المعنى وهو - شاف وما شاف...الخ هذا المثل المعروف للعراقيين .

 

الترجمة الحرفية - الفقير يعرف الصديق واللاصديق .

التعليق – معنى المثل واضح تماما، اذ ان اصدقاء الفقير يعلمون انه فقير، واللااصدقاء يعرفون ذلك ايضا . يضرب لوصف الصداقة الواضحة والخالية من الرياء والنفاق .

 

الترجمة الحرفية – العين صغيرة لكنها ترى بعيدا .

التعليق – يضرب في ان البصيرة البعيدة والعميقة والمتأنية تأتي بغض النظر عن رؤية العين المجردة. ربما يمكن اعتبار الجزء الاول من المثل العربي الشهير – (العين بصيرة واليد قصيرة) متناغما مع المعنى العام لهذا المثل الروسي .

 

الترجمة الحرفية – صقر بشكله وغراب بصوته

التعليق – يضرب لضرورة التمييز بين شكل الشخص ومضمون تصرفاته، اذ ان المظهر الخارجي لا يدل ابدا على جوهر الاشياء . يوجد مثل باللهجة العراقية طريف جدا ويمكن القول انه قريب لمعنى هذا المثل الروسي وهو – الفوك هندي والتحت بابنجي.

 

الترجمة الحرفية – من يحب لا يتغاضى .

التعليق – يضرب في ان العاشق (او العاشقة) يلاحظ ويتابع كل تصرفات الطرف الآخر بشكل دقيق جدا، و لا يمكن ان يتغاضى عن اي شئ ابدا مهما كان صغيرا او غير مهم بتاتا.

 

الترجمة الحرفية – بالسوط لن تذهب بعيدا.

التعليق – يضرب في ان سياسة القوة والقمع لا تؤدي الى نتيجة حاسمة في كل الاحوال. توجد امثال عديدة باللهجة العراقية (وربما باللهجات العربية الاخرى ايضا) حول ضرورة التعامل مع الناس بلين ولطف ومنها - بالعيني والاغاتي/ خد وعين/ اللي ما يجي وياك تعال وياه...

 

الترجمة الحرفية – يتذكر الكلب من الذي يطعمه .

التعليق – يضرب لوفاء الكلب، الذي يعرف من الذي يرعاه و يداريه ويطعمه وبالتالي يبقى مخلصا له ومتعلقا به، ومقارنة ذلك مع الانسان الناكر للجميل بعض الاحيان، حسب مفهوم المثل العربي الشهير والمثير للنقاش وهو – اتق شر من أحسنت اليه .

 

الترجمة الحرفية – الزوبعة الرعدية تضرب الاشجار العالية .

التعليق – يضرب في ان الاذى يلحق الناس البارزين قبل الآخرين . يوجد مثل عالمي في هذا المعنى وقد استقر بالعربية كما يأتي – يقذفون بالاحجار على الاشجار المثمرة .

 

الترجمة الحرفية – الموت ليس مخيفا للفقير .

التعليق – المعنى واضح في هذا المثل، فالفقير يتعايش مع الموت دائما ولهذا فانه مستعد نفسيٌا لمواجهته، وبالتالي فانه لا يخشاه .

 

الترجمة الحرفية - ستشيب سريعا اذا تعرف كثيرا.

التعليق – يضرب في ان معرفة الحقيقة تؤدي بالانسان الى المعاناة و بالتالي الى المشيب نتيجة لذلك.

 

الترجمة الحرفية – النكتة الطيبة لا تقوٌض الصداقة .

التعليق – يضرب في ان النكتة الطيبة لا تؤذي الصداقة بين البشر، اي على عكس النكتة اللئيمة التي تقوض تلك الصداقة .

 

الترجمة الحرفية – البداية الطيبة تشفط نصف العمل.

التعليق – يضرب في ان البداية الجيدة للعمل مهمة جدا وانها تؤدي الى انجاز ذلك العمل بسرعة.

 

الترجمة الحرفية – الذئب وحش بطبيعته، والانسان بحسده .

التعليق – يضرب في وصف طبيعة الحسد عند الانسان وان ذلك شئ ملازم له دائما.

 

الترجمة الحرفية – يجب الانحناء من أجل ان تشرب من الجدول .

التعليق – يضرب لضرورة الخضوع كليا لقوانين الطبيعة ومنطقها عند التعامل معها.

 

الترجمة الحرفية – وداعات اطول – دموع اكثر .

التعليق – يضرب في ان الوداع الذي يستغرق وقتا طويلا يزيد من ألم الفراق ليس الا .

 

الترجمة الحرفية – من يعرف كثيرا، يصدٌق قليلا .

التعليق – يضرب في ان المعرفة تمنح الانسان القوة في مناقشة كل شئ يقابله استنادا الى تلك المعرفة.

 

الترجمة الحرفية – حسن التدبير افضل من الثروة .

التعليق – الثروة يمكن ان تنضب ولكن حسن التدبير لا ينضب. يضرب في مدح حسن التدبير وقيمته في الحياة .

 

الترجمة الحرفية – الثروة وسخ، والعقل ذهب .

التعليق –يضرب في اهمية العقل الانساني باعتباره اساس التدبير وبالتالي اساس الثروة . يوجد مثل بمختلف اللهجات العربية يتطابق مع الجزء الاول من هذا المثل الروسي، وهو (باللهجة العراقية) – الفلوس وسخ الدنيا.

 

الترجمة الحرفية – الشئ الجيد لا يمكن أن تشتريه رخيصا .

التعليق – يضرب في ان الاشياء الجيدة تقتضي من الانسان ان يدفع ثمنا غاليا، وان يبذل – بالتالي - جهدا كبيرا من اجل الحصول عليها .

 

أ.د. ضياء نافع

 

نقوش وخواطر وومضات فكر

shaker faredhasan- لماذا يموت احبتنا في غفلة من عيون الزمن ..؟!

- هناك أناس يموتون في الحياة كل يوم فيمحى ذكرهم ، وهناك أناس ميتون لكنهم خالدون ابد الدهر .

- من اجمل ما قرأت قول الشاعر المبدع ابن قريتي مصمص احمد حسين: لا حزن ينفعكم اذا رحل الرحيل ولا غضب .

- رغم بعادها ورحيلها الأبدي إلا أنها تعيش بيننا وتسكن في داخلنا ، وهي في كل زاوية من زوايا البيت ، طيفها يلازمنا ولا تغيب لحظة واحدة عن عيوننا ، وكل ليلة تزورنا في احلامنا .

- كنا في الصباح نشرب الشاي مع الميرمية ونحتسي القهوة المهيلة ، وكان لهما نكهة خاصة ، لكن بعد رحيلها فلا نكهة للشاي ولا طعم للقهوة .

- الأمل والتفاؤل سراج بين القلوب الحالكة .

- أجمل ما في الحب الذكرى .

- الحب الذي تغسله العيون بدموعها يبقى ابداً طاهراً .

- اول الغضب جنون وآخره ندم .

- لا يشعر بشوك الورد الا الذي يقطفه .

- الوردة أجمل وهي في مكانها على الساق .

- قد لا تكن السعادة في الثراء ، ولكن شتان ما بين شقاء الأثرياء وبؤس الفقراء .

- الحياة جامعة واسعة ، مجالات الاختصاص فيها الكذب والرياء والنفاق والمشاعر المزيفة .

- المجتمع الذي يقوم على الكذب والخداع لا يمكن أن يرقى ويتطور وينهض الى أمام .

- كم كان نزار قباني صادقاً حين قال : اصبحت اقرأ النفاق في عيون الكثيرين وابتسم . فما اكثر المنافقين في زماننا .

- كم نحن الى ذلك الزمن الجميل ، زمن الاصالة والشهامة والنخوة والبساطة والقيم واحترام الكبير .

- التعصب مرض فتاك اذا تفشى في المجتمع ، فإن مصير هذا المجتمع هو التفسخ والانحلال لما يتصف به التعصب في اتجاه نفسي جامد ومشحون وانفصالي .

- من المسؤول عن التدهور الحاصل في مجتمعنا وعن تراجع الأخلاق والتمزق في نسيجنا الاجتماعي ..؟!

- مجتمعاتنا العربية بحاجة الى ثقافة التسامح والحوار والتعددية السياسية والثقافية .

- نحتاج لفلسفة عربية وفكر نهضوي معاصر وعصر تنويري حقيقي .

- سقى الله ايام زمان حين كان احترام لبيوت الاجر والعزاء .

- كم صبية وهي تقود الجيب الاسود وتلبس النظارة السوداء تقول : يا ارض اهتزي ما عليك الا أنا .

- كم نحن بحاجة للمقاهي الثقافية بديلاً عن مقاهي النرجيلة .

- الشاعر الحقيقي من يجعل قافية قصيدته هموم الناس واوزانها نبض الشارع .

- لن يسكتوا صوت " الميادين " ، صوت المقاومة والحرية ابداً .

 

شاكر فريد حسن

 

العالم: من قرية إلى شاشة

nadom alseoudلم اعد مؤمنا بالمقولة الشائعة التي تردد (العالم أصبح عبارة عن قرية صغيرة) فهذه العبارة "الجميلة في صياغتها" مجرد خدعة لا تستند الى اي حقيقة "ان كانت ملموسة او بصرية" برغم من أنها تعكس عيانا الوجود الطاغي على حياتنا اليومية لعوامل وتقنيات الانترنيت والاتصالات الحديثة وتقريب الحدود بين الدول والتجمعات، لكنني أرى أن هذا العالم (الذي يبدو كبيرا من الخارج) لم يعد كذلك في ظل وجود الثورة العلمية والتطورات التكنولوجية المتلاحقة التي قلصت المنظورات و المسافات وأزالت الحواجز (حد التذوييب والانمحاء) وأصبح بإمكاني مثلا - أنا الساكن بأطراف مدينة كربلاء - آن اتلفن وأشاهد صديقي الذي يسكن في أقصى الأرض بالصوت والصورة وأزوده وأتزود منه بالأخبار والمعلومات والمستجدات بلا تكلفة او رقابة او خوف !.العالم الآن (كما يراه ويلمسه الملايين من البشر) أصبح بيدي أنا مثلا فلا أكاد أفارقه فهو أمامي وتحت تصرفي بالبيت بل جنب سرير المرض.. اخترقه واستحصل وانهل منه ما أشاء ولذلك تحول العالم بالواقع المنظور من قرية الى .. شاشة، ودحرت المقولة القديمة (والمستهلكة) التي كانت تنظر الى العالم وكأنه غدا قرية بل المفارقة الصادمة ان الواقع العلمي والانترنيتي الجديد يخبرنا بأشكال مختلفة انه يهيمن اليوم على مفردات وتفاصيل البيت والمصائر والحاجات الفردية والرغبات البشرية (حتى غير المشروعة منها) وبذلك أصبح من المحال ان ننظر الى العالم وكأنه تصاغر الى قرية صغيرة فهذه جنحة بصرية وشعورية وعملية والأصح أن عالمنا قد تجمع في (شاشة) وأي قناعة أخرى ستدخلنا في دائرة الإيهام وهي قطعا ستنتسب الى مخلفات النظام الدولي القديم !.كنت في سطوري أعلاه ممهدا لحديث اليوم ومؤداه كيف تجمع عالمنا الكبير في "شاشة" محدودة سنجد فيها (بفعل تطور العلوم والتكنولوجيا) ما نريده من أشياء ومعارف وقيم وأحوال وملاحقات كنا نلهث حولها " ومن المستحيل ان ننال اغلبها " فإذا بها اليوم طوع أمرنا وتتجسد أمامنا بصريا باللحظة اثر " ضغطة زر واحدة " فما أقربها منّا ؟!.. وهنا وصلت إلى السؤال الذي أود طرحه منذ البداية : كيف تعامل المبدعون العراقيون مع هذه التطورات العلمية والمعرفية التي جعلت العالم مجرد شاشة تتساكن في بيوتنا بل هي قرب سرير أمراضنا وتحت إمرتنا؟! والصورة النظيرة لسؤال هام كهذا هي : كيف انعكس إبداعنا (في حقول الأدب والفن والمسرح والنقد) على الراهن الزمني وهل استجاب لما حوله من تطورات وتحديات أم تراه وقف متفرجا ومنتظرا فحسب؟ من الصعوبة - ان لم يكن مستحيلا - ان نرسم هنا خطا بيانيا نوضح فيه مدى استجابة المبدع العراقي لتحديات بل هيمنة وسائل التطور والمستجدات التكنولوجية المستعرة حوله وتأثيرها عليه إنسانا ومشروعا منتجا وأنّى لنا ذلك وسط الخصوصية والفردية وغيرها من حقوق الإنسان التي تحيط به بل وستدفعنا إلى حقول الألغام؟!.في المسرح العراقي هناك تجربة لافتة عملت على الإفادة او امتصاص لنموذج حداثي مما سمعنا به، فقد حدثني قبل سنوات الكاتب والمخرج الفنان جبار المشهداني عن عمل مسرحي مشترك بين العراق وأمريكا يتم الإعداد له في تلك الفترة ويتوزع فريق العمل الى شطرين بين بغداد وواشنطن ويقوم هو (أي جبار المشهداني) بعملية الإخراج من خلال شاشة الانترنيت ويتم التلقين من هنا وتتلقف" جماعة واشنطن" الأوامر والحركة وباقي التدريبات حتى يتم العرض هناك،وقد كلمت فريق العمل الأمريكي (وكل عناصره من العراق) أكثر من مرة ثم صمتت الأصوات واختفى العمل فجأة!وفي القصة قرأنا نماذج من (القصة التفاعلية) والتقينا بصاحبها صالح جبار محمد بل كتبنا عنها حديثا بحلقتين متصلتين وتساءلنا وقتها هل نحن أمام تجربة تفاعلية في القصة ؟ وللأسف فان النماذج التي قراناها قد أوصلتنا الى نتيجة سالبة : هذه تجربة ورقية برغم من كونها قد كتبت برؤى جماعية! وسنضطر للخروج بحصيلة نكوصية تجهر بعلانية ان التجربة العراقية قد حافظت على نمطيتها ولم تخرج عن معاطف التقليد ان كانت في الرواية أم في النقد والدراسة واللحن والموسيقى.. ولم يبق هناك إلا الشعر كي يخترق عالم التابوات والنمط هذا ويحقق الإضافة المرجوة في عالم حداثي ينتظر تحقيق الأثر النوعي من خلال التفرد في عالم عابر للهويات !.في شهر تموز من عام 2007 فاجأ الشاعر العراقي مشتاق عباس معن العالم كله بإصداره لمجموعته الشعرية (تباريح رقمية لسيرة بعضها ازرق) التي نشرها أولا في جهاز الحاسوب" فهذه القصيدة بأشكالها وألوانها وهندستها وأنغامها لا يمكن قراءتها وتملي معانيها من خلال الورق" قبل يعممها في مواقع النت وقد عدت هذه المجموعة رائدة عربيا من وقتها لانها حققت الجديد وكانت اصدق تمثيلا لاستجابة الحساسية العربية لأحدث أشكال التعبير الأدبي في عصر المعلوماتية كما ان الدارسين العرب ونقاد العراق قد زينوا شاعرنا بوشاح الريادة منذ ان اخرج رائعته، والغريب ان شاعرنا الرائد مشتاق عباس كان في مجموعته تلك مبدعا (صادما) للذائقة النمطية (وقد أطلقت عليها توصيفا آخر هو الكهفية) التي ترتضي دوما بالسكون والثبات والتشبث بما كان فأصبح من المفهوم ان تتبلد إحساساتها وتتخبط أقوالها أمام إبداع تأسيسي دهم تلكم الذائقات بما يشبه الأنوار الكاشفة والفاضحة في ذات الوقت، ومن جانب آخر مثل هذا النص الشعري / التفاعلي (والذي صنف على انه من منجزات الحداثة الثالثة) فرحة كبرى للمتنورين العرب وللمتطلعين لانجاز إبداعي عربي يتداخل ويتنافس مع إبداعات العصر ويحقق هوية شعرية متميزة بينها خصوصا وان مبدعها قد نشرها على مواقع الانتريت حصرا وجعلها متيسرة لكل من يمتلك " شاشة نت "،ولذلك بقيت هذه المجموعة فريدة من نوعها ولم يأت احد من الشعراء العرب او العراقيين بنص شعري واحد (لا 33 نصا كما في المجموعة) يكون نظيرا او شبيها بما جاء به شاعرنا العراقي،، ويبدو إننا سنحتاج أكثر من ثمان سنوات للوصول الى قصيدة تعلي الحداثة ونتفاخر بها!.

 

ناظم السعود

 

الصحراء والجبال والبحر ونظرتنا للتراث!

fatima almazroweiأصوات ليست قليلة في عالم اليوم لا يخفون كراهيتهم لكل ما يمت للماضي بصلة. بل هناك مؤلفات ترى أنه ثمة تنافرا حتمياً بين التجديد والتراث، وأنه لا سبيل للتقدم إلا بالتخلص من أي محاولة للنظر في الماضي.

ربما يوجد لًبس لدى البعض بين مفهومي الماضي والتراث، وإن كنت أرى أن هناك خلطاً متعمّدا أيضًا بينهما بهدف تمرير وجهة نظرة معادية لأي قيم ومبادى يتم استلهامها من التراث !

للبيئة المحلية أثر واضح في تفكير وحياة ساكنيها، ومنذ القدم تعامل الإنسان مع الصعاب الحياتية بشكل ناجح. في مجتمعنا على وجه الخصوص عانى الآباء والأجداد من ثالوث البيئة القاسية، ولكنهم تعاملوا معها وتغلبوا عليها، وتركوا لنا الكثير من الإرث المادي متجلياً كالأدوات والمعدات التي استخدموها، والشفهي كالأشعار والقصص التى تُظهر الشجاعة والصبر وغيرها الكثير.

هذا الثالوث المكاني القاسي، تمثل في الصحراء والبحر والجبال؛ ففي الصحراء القسوة والترحال في بحث مضني عن الماء والكلأ، تطلب التغلب على البيئة الصحراوية الكثير من المخترعات والخبرات كمعرفة كيفية تحرك الرمال والرياح ونحوها، وكيفية صناعة الملابس من جلود الحيوانات، بل كيف يتم تجنب الحيوانات المفترسة، وبناء المنازل القوية سهلة الفك والتركيب وخفيفة الحمل.

أما في الجبال وسهولها فتمت الزراعة، وهي مهنة شاقة تطلب العمل فيها تطوير مستمر للأدوات المستخدمة وابتكار حلول تتعلق بتقنين استخدام المياه لشحها واختراع وسائل جديدة في الري، بل حتى في تسميد الأرض ومتى تتم، وكيف يتم تلقيح بعض الأشجار، وحمايتها من الحشرات وغيرها من الوسائل والطرق التي كفلت للإنسان حياة الكفاف وعدم الموت جوعاً.

أما في البحر، حيث يتم صيد الأسماك واللؤلؤ، وهي مهنة أيضا متعبة ولا تقل مشقة عن الزراعة، استخدم الصيادون والغواصون الكثير من الأدوات التى خضعت بدورها للكثير من التطوير والتحديث لتحقق أكبر غلة من صيد الأسماك، مثل صناعة شباك خفيفة وطويلة وقوية، وغيرها من الأفكار.

يريد أصحاب دعوة التخلي عن التراث أن نلقي بكل هذا الإرث الحضاري والإنساني خلف ظهورنا، بدعوى التطوير والبناء!

في الحقيقة هم يستحقون الشفقة، لأنهم بنوا نظرتهم على مشاهدتهم لبعض المجتمعات التي تعثرت في مكافحة الفقر، وتعثرت تنموياً واقتصادياً، واعتقدوا أن الأمر مرتبط بتعلق تلك المجتمعات بتراثهم، لذا صبوا جام الغضب على التراث وظنوا أن القضاء عليه شرط للتقدم نحو المستقبل.

إنها نظرة سطحية، فهؤلاء ينسون أثر التخطيط ويتجاهلون أهمية العمل والتعليم، ويتجاوزون قيمة القانون والنظام، ويتجاهلون – ربما- أن أي خلل في هذه الجوانب المهمة لا دخل للتراث فيه.

أدعو هؤلاء لإلقاء نظرة فاحصة ومتمعنة للإمارات، بلادنا التي تمكنت في سنوات قليلة من المواءمة بين اهتمام كبير وبالغ وواضح بالتراث، وبين البناء الحضاري، ليدركوا أن التقدم والازدهار والنجاح مرتبط بالإرادة والتخطيط، وأن التراث كان دافعاً قوياً للتقدم نحو المستقبل.

نحن مع التراث بكل أنفاسنا، ونحن مع التعليم والتحديث والتطوير بكل جوارحنا، والمطلوب من أي مجتمع معرفة كيف ينطلق نحو المستقبل وكيف يبني حضارته من دون هزيمة أو كسر لتراثه

 

فاطمة المزروعي

 

آهِ من قيدك أدمى معصمي

ibrahim yousifسأَلَتْهُ عمَّا سَتَكْتُبُ ..؟ هُروباً أو هَزيمة..!؟

في سائر الوطن العربيّ الكبير؛ مَنْ يجتهدون في تصوير الصِبْيَةِ الأطفال من أبنائهِم عُراةً.. لتبرُزَ في الصُّوَر"حَمَامَاتُهُم" مشدودة أو مرخيَّة، تتصدَّرُ قاعاتِ الجلوس يفاخرونَ بها أبطالَ "هوميروس" في الأوديسه الملحمة المشهورة..! أما الأطفالُ الإناث؛ فكلُّ ما يبدو "منهن" عيبٌ أو حرام..! يستدعي تنبيهاً وتأنيباً؛ وصفعة على الخدَ، وركلةً عندَ الاقتضاء، والويلُ لهنَّ من سكينٍ على الرَّقبة في سنِّ المراهقة والبلوغ.

"ألبنتُ" مهزومةٌ.. وأنا من أنَصارِها بلا هوادة وبلا تواضع أو غرور.. عيبُها في ساقِها وسروالِها وتائِها؛ وفي مكانٍ آخر؛ "كما الحمامة" أو السرطان..! لكن؛ لا يُسَمَّى.. ينبغي أن يبقى محجوباً؛ حَصِيناً وعَصِيَّاً على النظر.. أمَّا "حمامة" الصبيان؛ فمن دواعي المفاخرة والإعتزاز. هؤلاءِ الصِّبْيَة مَحَاوِرُ الأرضِ وأولياؤها، في أفلاكهم تدورُ نُصرة الدِّين؛ وتتحققُ عزَّةُ الأوطان، بارَكَ اللهُ في جنسِهم..! تلك هي بعضُ الحقيقة وذلك هو بعضُ الحال في الوطن العربي المجيد..!

هل فَصَلَ الرجلُ في الأمر واتَّخَذ القرار؛ فقال كلمتَهُ ومشى..؟ أمِ استحقَّ أوانُ الخلاصِ من الفكرِ الجاهليِّ المريض..؟ وهل تتحوَّلُ النتيجة تلقائيَّاً بلا بحث واحتجاج؛ فيَتَعَزّزُ مفعولُ الأُنوثة ..؟ وينحسِرُ مفعولُ الذكورة بمرور الزمان..؟ أَم يستدعي الأمر عملاً جراحياً حاسماً..؟ لتغدو حقوقُ الأُنثى كما الذكر، ويدخل للمرِّةِ الأُولى عالمَ الملائكةِ ملاكٌ أسود..!؟

هل نواكبُ بقية خلقِ الله؛ في أُممٍ تجاوزتنا كثيراً..؟ بعدما أدَّتْ ضريبة باهظةً في الروح والدم ، ليزولَ التسلط من جنسٍ على جنس، وتسودَ عدالة حقيقية فيتعادلُ الأسوَدُ والأبيض؛ وتتساوى الأنثى بالذكر..!

هل يجوزُ للمرأة مثلاً أن تُبَوِّلَ بلا خجل على حائطٍ في قارعةِ الطريق، كما يفعلُ بعضُ الرجال..؟! أو ينبغي أن يتوقفَ الرجلُ عن ممارسةِ هذا الحق الذي شرَّعَهُ طويلاً لنفسه..؟! هذه قطعاً ليست دعوة "فاسدة" من "نوال السعداوي ونادين البدير" طيَّب الله ذكرى الاثنتين، ممن طالبن بتخليص الأنثى من براثن الرجال، ولا هي تحريضٌ أو استفزاز من قبل المرأة لمعاكسة الرجال، لكي تُبيحَ لنفسها تعدُّدَ الأزواج.. ولا هي فتوى الإرضاع الشهيرة؛ لصاحبِ الفضيلة.. يا رعاهُ الله.. ولم تكن أبداً: هل يجوز أو لا يجوز تفخيذُ الصغيرات.. "يا أُمَّةً ضحكتْ من جهلها الأُممُ" غفر الله للمتنبي وطيب ثراه. لا وليس هو ذلك اللولبُ الشائك المبتكرُ؛ يُغْرسُ في "مُسْتودع الأسرار".. لحمايةِ المرأة من الاغتصاب.

لعلَّ الممارسات المُنافية لكل معاني الفضيلة والشرف، والدم الذي يُسْفح فلا يسلم الشرف الرفيع بما عداه. هذه الممارسات المرفوضة في النهج والتطبيق وفي روح الدِّين، إنما هي شرُّ البليَّة المضحكة في طرحها من جديد..! ونحن على ما نحن عليه من أبشع أساليب القتل والتنكيل.. لكنها في الواقع مُشْبَعَة بحقيقة مؤلمة، تسْتَلزمُ حرِّيَةً في التفكير وجَرْأَةً في القولِ والعمل. فيا سادتي يا كرام في الوطنِ العربيّ الفسيح.. من " المحيطِ الهادرِ إلى الخليج الثائر". "تبلغوا وبلغوا" أنَّ خلاص البشرية ومستقبلَ الأوطانِ، وتربية الأجيال التي لا تقتل ولا تجرح.. إنّما المحورُ فيه مع المرأة دون سواها.. ولتتوقف أحلامكم عند هاتيك الحدود.

أؤكدُ لكِ يا عزيزتي وحبيبتي؛ أو ما شئتِ..؟ أنَّ المسألة جديرة بالبحثِ والمناقشة والتعميم..؟؟!! فلتجرِّبي.. وتطرقي هذا الموضوع، من خلال نصّ تكتبينهُ عمَّا قريب، وأتوقعُ أن يؤتيَ ثمارَهُ وينجح..!! فهل هذا حقّاً ما ترغبين..؟!

يقولُ الحسنُ بن هانىء قولتَهُ المشهورة في الخمر: "إذا مسَّهُ حجرٌ مسَّتْهُ سرَّاءُ".. نعم يا صديقتي.. فللخمرة قدرة سِحْرِيَّة تَبْعَثُ روحاً في جماد..!؟ لعلكِ لم تتمرَّدي يوماً؛ ولم تجربي الخمرة؛ لتُحي فيكِ هذه الروح ..؟ وأميلُ إلى الاعتقاد أنَّكِ لم تفعلي ولن تفعلي..! يُحْزِنني أن ترحلي ذاتَ يوم.. فتفوتكِ الفرصة دون أن تَسْكَري وتَنْتَشي فتكتُبي؛ وتكتشفي مفعولَ الخمرة يتغلغلُ في خلاي جسدك المنهك المحروم..

"مسكينةٌ من مرَّ عهدُ شبابِها لم تُلْثَمِ"..! على ما قالهُ نزار.. مسكينة من عاشَت عمراً فلم تسكرْ؛ ولم تجرِّبِ الخمرة ولا طعم الرجل ولو لمرَّة.. الخمرة هذا "الإكسيرُ" يخونُهُ أيُّ وصفٍ أو مديح.! أنا عاشَرْتُها طويلاً فأدَّيتُ فريضتي واستوفيتُ حقي..أحسنتُ عشرتها فقدَّسْتُها وآمنت بجدواها.. إنَّها ولا شك أو شبهة في الحقّ؛ كما وصفها أثيرُها وصفيُّها وصاحبُ عهدها أبو نواس؛ إذا مَسَّها حجرٌ مَسَّتْهُ سَرَّاءُ..!! هذا الصُّوفيُّ السكِّير؛ أكرَمَهُ ربُّهُ في مثواه؛ وهو القائل: يا كبيرَ الذّنْب عفوُ اللهِ مِنْ ذنْبِكَ أكْبَرْ.

قلادة من حديد أو " تنك" في جيدِ امرأة؛ تتحوَّل إلى حلية من ذهبٍ مُرَصَّعَة بالماس، بين نهدينِ متمرِّدَين ..!؟ تماماً كفكرة متواضعة تتحولُ إلى تعبير رائع، وكلام مجيد في مقالة أبي نواس وعمر بن أبي ربيعة والخيام.

يقولُ لها: هذي مُقدِّمتي لكِ، وهذا قلمي حبرُه من دماء قلبي.. هديَّتي من أجل عينيكِ؛ هيَّا اكتبي.. آمنتُ بعاطفة الأُم وكرامة الأُنثى، وكفرتُ بعورة المرأة وساقيها؛ هيَّا اكتبي.. يقتلني فيكِ الخمول..! بِيْني لُعِنْتِ.. فَلسْتِ مني.. ولستُ منكِ.. تقتلُكِ البلادة ويقتلني غضبٌ مقدَّس وحنين إلى الحبر والخمر؛ هيَّا اكتبي.. هوسي يثيرُ شهوتي لأصفعكِ وأغتصبَ هوانك؛ هيَّا اكتبي.. آمنتُ إيمانَ الدُّموعِ بنفسها. آمنتُ إيمان النهار بنوره؛ وآمنتُ بربِّ الكعبة؛ أن تتوَقّفي عن هذا الصمتِ المهين.

منذ أن خُلِقَ الماءُ والربعُ الخالي، نامتْ على نهدها العطشان، عَطَشاً من عهدِ عادِ.. بدَّدَتْ أيامَها واستهلكتْ ليلها رجاءً وابتهالاً وحيرة؛ وصلاة.. قتلتْ روحَها في الهواجس.. بحثاً عن أملٍ أو ضياع ، عن خيبة في حلالٍ أو حرام ..استوطنتْ روحَها غيمة سوداء خالية من المطر، رغبة يتيمة وصمتٌ موجعٌ وطويل ..صمتٌ أشدُّ بلاغة من صمتِ المقابر.

هذا قراري..!! دخِّن واغْضَبْ وعصِّبْ؛ أو فاسكَرْ لا فرْقَ عندي..! فأنا لا أُريدْ.." *( ألمَرَّةُ الخمسونَ .. إنيَ لا أُريدْ ، وَدفَنْتَ رأسَكَ في المَخَدَّةِ يا بليدْ .. وأدرتَ "وجهكَ" للجدار .. أيا جداراً مِنْ جليدْ .. وأنا وراءكَ يا صغيرَ النفسِ .. نابحةُ الوريدْ .. شعري على كتفي بَديدْ .. حتّى الغطاءَ سرقتَهُ ..! وَطعَنْتَ لي أملي الوحيدْ)" . دعني.. فأنا لا أًريدُ.. ما أنتَ تريدْ..!!

تأخَّرْتِ ما فيه الكفاية؛ والزمنُ يأزفُ على الانتهاء، وآنَ لعبد الله.. "لهذا الفارسِ المصلوب أن يَتَرَجّل". أنا في انتظارك تتسلحين هذه المرَّة بصاعق بين يديكِ. أو.. سأُعاملكِ كالإماء مِنْ فرطِ حبِّي لك ووجدي وخيبتي فيكِ..سأجلدُكِ بلا شفَقة؛ وأُحْرِقُ أصابعك بلا تردُّدٍ أو أسف؛ وأُطْبِقُ على الجيدِ الجميل بيدينِ معروقتين.. فلا أترككِ إلاَّ جسداً بلا روح.. سأرتكبُ جريمتي أمامَ المارة؛ في وضحِ النهار.. سأقتلكِ مع سابقِ الإصرار والتصميم؛ وأدفُنُكِ دون إحساسٍ بذنب.. أو ندمٍ على حبيبتي.. ذاتُ العينين المسيحيتين، والفم السكران؛ والشفتين الشهيتين.

 

إبراهيم يوسف

......................

من شعر نزار قبَّاني.

 

المثقف باعتبارها مكتبة ومرجع لنتاجات المعنيين بالثقافة والإبداع

akeel alabodما الفرق بين القراءة، والكتابة، وهل ان الكتابة، هذه السطور والموضوعات، التي يتم نشرها على هذا الموقع، اوذاك تجد طريقها الى الشارع، اقصد القاريء، بمختلف أصنافه، وما الغاية من ذلك، وهل ان هنالك نسبا معينة من المعايير اوالموازين، تعد أويتم تهيئتها لتصنيف هذه المقالة او تلك؟

للإجابة على جميع هذه الأسئلة، لا بد من الجزم والاعتقاد بان هنالك قواعد بموجبها، يتم استقراء وتقييم الموضوعات، كل بحسب درجة الإتقان في الكتابة والأهمية، اقصد نوع الموضوع، وبموجب هذا الاستقراء، تفرض الحاجة نفسها بحسب التأليف والأعداد، فالمقالة العلمية مهمة بالنسبة لمن يشتغل في هذا الباب، وكذا الامر بالنسبة الى باقي الاختصاصات، كالتاريخ، والشعر والادب، والمقالة وما الى ذلك.

هذا مضافا الى ان هنالك تنوعا ثقافيا تبرز فيه فنون جديدة من الادب والشعر، والمقالة تفرض نفسها بشكل دائم.

هنا باعتباري واحد من المعنيين بمتابعة ما ينشر، في كتابه إسلاميو السلطة، يعد الدكتور سليم الحسيني واحدا من المبدعين الذي قدموا مصدرا موثوقا يمكن القاريء ان يلتجئ اليه في المستقبل، هذا اضافة الى ما تم نشره من قصائد الشعر المترجم من الألماني والإنكليزي من قبل أساتذة الترجمة كالدكتور بهجت عباس والأساتذة الذين اشتغلوا بحقل الترجمة.

وهذا لا يعني أويشير الى ان هنالك محدودية اوحاجة الى هذا النوع من الموضوعات دون غيرها، باعتبار انه ثمة موضوعات في الفلسفة والسياسة والاقتصاد، والأديان، ما يفرض على القاريء ان يكون مجدا ومثابرا الامر لمتابعة ما يتم تدوينه.

هنا نحن ايضا امام مسؤولية أرشفة ذاكرة عصر أنجب رموزا في باب العلم والادب، والعراق واحة خصبة لعلماء ورموز غادروا منذ زمن.

وما اريد قوله ان هنالك إمكانيات تبشر بإمكانية افتتاح معارض ثقافية، يمكن لها ان تنال حظا يساهم في تثبيت النتاجات الفكرية والمنهجية بمختلف أنواعها بعد ارشفتها في ما يطيب لي تسميته بمتحف المثقف.

 

عقيل العبود/ ساندياكو

تذكير لغوي (17): تنفس الصُّـعَـداء

faroq mawasiيذهب الكثيرون في معناها إلى أن الذي تنفس الصعداء هو الذي استراح بعد تعب، وكأنه يخفف عنه عناء ما تحمله أو تعب به.

..

الأصل في معناها- هو أنه تنفس بمشقة، وكأنه يصّـعّـد، فيتنفس تنفسًا طويلاً من هم أو تعب، وهذا التعبير وارد كذلك (يتنفس صُـعُـدا)، فتخيل رجلاً يصعد في مكان عال، وهو يسحب نفسه ويمده فهل هو في راحة؟!

يقول ابن الرومي:

فكأني أراك في عكر الفكر توالي تنفس الصعداء

ويقول الزهاوي:

وسهيل وليس مثل سهيل

متعب من تنفس الصعداء

...

للباحثين عن الإعراب فإن (الصُّـعَـداءَ) نائب عن المفعول المطلق منصوب، ومثلها : جلس القرفصاءَ....

.....

ومع أن المعنى (استراح بعد تعب) وارد كثيرًا في كتب الأدب، إلا أنني أفضل أن أعبّر عن الاستراحة بعد التعب وأقول:

تنفس بعد الصعداء- أي بعد المشقة.

..

سأبحث عن تخريج لغوي للشائع،

وللبحث صلة!

 

ب. فاروق مواسي

حال التاريخ

1shaweqi moslmani (قال)

ـ ليس كالثقافة لحفر الأنفاق والمواجهة.

ـ لا صيد أسهل من صيد الكسالى.  

ـ من يسيء الإصغاء تبيضّ عيناه.

ـ صديقك لا يحوجك للتمويه في حديثك.

ـ الوجه هو الإنسان.  

ـ نظرتُ فوقعتْ عينَي على نبع الماء، ثمّ نظرتُ حولي، إلى الجَمال الربيعي، إلى الورود والزهور، وتلك السماء الزرقاء الصافية المنعشة، وجلستُ على حجر عزيزاً، مُسنِداً ظهري المستقيم إلى شجرة نخيل. وقال، وهكذا، ودائماً: لا يغني الوكيل عن الأصيل.

ـ يقع الإنسان حيث يفشل المجتمع.

ـ في كلّ غائب ميْت.

 

2 (بوذا)

"أن تفهم كلّ شيء يعني أن تغفر كلّ شيء".

**

3 (جودت فخر الدين)

"الشاعر الشاعر لا يتّكئ على موضوعه، بل ينهض به".

 

4 (خاطرة)

أسلوب الشاعر الأردني أمجد ناصر غير أسلوب الشاعر اللبناني يحيى جابر، أمجد ناصر رصين ويحيى جابر مشاكس.

 

5 (سطو مسلّح)

أعرفُ أسرة تملك محلّ سمانة وخضروات يعمل فيه الزوج والزوجة، وكنت أعرف أنّ الزوجة مبذّرة، وكانت ذاتها، ولإشباع رغبتها بالتبذير، تسرق من غلّة المتجر يوميّاً. والحقّ أنّي سمعت بذلك من زوجتي، وقد صدّقتُها في حينه ظاهراً، أمّا في باطني فقد برّأتُ ساحةَ الزوجة محتجّاً أنّها ربّما أقاويل وما أكثر الأقاويل. وقالت لي زوجتي أنّ الزوجة تسرق من الغلّة على مرأى من ولديها الصغيرين. وقد شبّ الصغيران. واليوم بلغني أنّ الشرطة ألقت القبضَ عليهما وهما مع ثالث بجريمة سطو مسلّح.

 

6 (حال التاريخ)

بالأمس البعيد كان صدّام عند بعض المفتين بطل القادسية، وبعض الشعراء في الكويت ألبسه ثوب النبوّة، وبعد فترة وجيزة قالوا أنّه كافر بعثي. وهناك اليوم من يقول عن الملك السعودي، ومن داخل المذهب الوهّابي، أنّه خادم الحرمين، وهناك من أفتى بقتله. وهناك من العراعير من لا يعرف ألف باء القراءة وأصبح بين ليلة وضحاها رمزاً من رموز الحركة الداعشية. وهناك مِن ساسة لبنان من ألبس نفسه ثوب النبوّة ويردّد بأنّ "الذي لا يريد أن يتكلّم معي مثل إجري". تركيّا ترى أن داعش أمر طبيعي وشرعي، وهناك في السعودية من يرى الشيء ذاته لجبهة النصرة، وهناك من يقول كذا هو حال التاريخ، كلّ واحد يؤرّخ حسب ما يراه مناسباً له، والحقيقة هي بالواقع عند الذين يقرأون ويتدبّرون، أي عند الذين يستعملون العقل والفكر من دون تعصّب وتحيّز. "منقول عن شخص يُدعى حسن مجهول باقي الهويّة".

 

7 (الشيطان الأكبر)

"ثلاثة في العراق: شيعي لصّ، سنّي قاتل، وكردي خائن" قال جنرال أميركي نسي أن يضيف أنّ الوسواس الخنّاس، الذي يوسوس في صدور الناس، الشيطان الأكبر، في أميركا.

 

8 (الشيخ هارون)

كلُّ لعنةٍ تنزل على عالَم لم يترك لك يا شيخ هارون خياراً إلاّ الجنون.

 

9 (علي غريب)

"لا يستقيم حوار بين إيدولوجيتين مختلفتين إلاّ إذا قام على أساس الموضوع المشترك وهو "الإنسان" والحياة الاجتماعية الكريمة على الأرض لبني البشر وحرّيتهم وقيمهم النبيلة ومساواتهم، من هنا يُبنى الأساس للعلاقة بين الشيوعيين والأحزاب الدينية، ولنا من تجربة رجال اللاهوت وتحالفهم مع الماركسيين في أميركا اللاتينية خير دليل وشاهد على ملاقاة الإيديولوجيتين بالموضوع المشترك".

 

10 (غيفارا)

"لا يهمّني أين ومتى سأموت بقدر ما يهمني أن يبقى الثوّار يملؤون العالم ضجيجاً كي لا ينام العالم بكلّ ثقله على أجساد الفقراء".

 

11 (من أغنية)

في البدء كانت الضجّة.

(ترجمتي من أغنية شبابيّة إنكليزيّة).

 

12 (حبس انفرادي ..)

"...

سأخلع الباب وأقف مكانه

لأمنع نفسي من الخروج

إلى حفرة العالم".

ـ مازن معروف ـ من مجموعة "ملاك على حبل غسيل".

 

ـ شوقي مسلماني

 

دموع أبي

fatima almazroweiيصرخ أحد الآباء على أبنائه وبناته، وهو يستجديهم فهم طبيعة الحياة، ومعنى أن يكرسوا أنفسهم ووقتهم ونشاطهم وشبابهم للإبداع والتميز والتحصيل العلمي، ويؤكد لهم أن هذا الطريق هو الطريق الأمثل للتميز والتفوق، وبالتالي تحقيق الأهداف والطموحات، دون مشقة أو تعب أو ضنك، خصوصاً وهم يعيشون رغد العيش.

هذا الأب ومثله الكثير من الآباء والأمهات الذين مروا بتجارب حياتية قاسية وعنيفة، لديهم رغبة قوية وحقيقية بأن يجنبوا أطفالهم هذه «المطبات» والأحداث، لأنهم يشفقون على أطفالهم أن يمروا بالويلات والحسرات التي مروا بها وعانوا منها، لذا هم دوماً يتحدثون بوضوح وصدق ومن عمق القلب.

لن تصدقوا عندما أحكي لكم قصة إحدى أهم الطبيبات، عندما سألتها عن سر تفوقها وتميزها بل ومهارتها الطبية، فقالت: السبب دموع أبي .. سألتها كيف؟ فقالت: «إن أبي عندما كنا نجتمع أنا وإخواني وأخواتي، كان يحدثنا عن الحياة التي عاشوها من المعاناة سواء هم أو حتى الأجداد، وما مسه هو أيضاً من هذه المعاناة، وكان دوماً يقول بأنه كان يتمنى لو أكمل تعليمه الجامعي، لكن لقمة العيش كان لها الأولوية للسعي من أجلها.

كان أبي وهو يحكي تنسكب دموعه، على زمن قاسٍ مضى، أخذ معه أحلامه من التعليم بل والتفوق العلمي، وكان ينظر نحونا ويقول: «والله إنني لا أكذب عليكم، لو تهيأت لي نفس الفرص المهيأة لكم، لكان وضعي وحياتي ومستواي التعليمي أعظم وأكبر، انتهزوا الفرصة، لا تتوانوا عن التحصيل والتفوق، فهذا هو طريقكم».

هذا الأب فعلاً تمكن من التأثير وإقناع أطفاله، لذا فهم اليوم في أعلى المناصب، لكن هناك الكثير ممن لا يقتنعون بحجم الفرص التي بين أيديهم، وسيتعلمون مع الزمن فداحة الخطأ الذي ارتكبوه، وسيندمون ولا ساعة ندم .

 

فاطمة المزروعي

 

الاستبدال والإزاحة الجيلية

mohamad aldamiيضحك في دخيلته كلما استذكر مواقف عاند فيها المرحوم والده، بوصفه شابا تقدميا في مواجهة والده كرجل رجوعي، ولكن بعد مرور الأعوام وتقادم العمر، انقلبت المنظورات والقيم عبر ما يمكن أن أطلق عليه تعبير “الإستبدال الجيلي”، إذ راح يشعر صاحبنا يوماً بعد آخر، بأنه إنما يتقمص شخصية والده، خاصة عندما يتعامل مع أولاده الشبان المتطلعين الى المستقبل والمتوثبين الى حياة أفضل من تلك التي عاشها والدهم. وهكذا تنقلب تتابع معادلة الأجيال، فعندما كان والده ينزعج من أصوات أو “ضوضاء” الموسيقى الغربية وأغانيها الشائعة آنذاك، كان صاحبنا يتحامل عاطفياً على ذائقة والده “المتخلفة” التي بقيت تتشبث بأغانِ لداخل حسن ولحضيري أبي عزيز حتى آخر ايام حياته رحمة الله عليه.

والآن، وبعد أن حملته السنوات والتجارب أعباء الخبرة وبعد النظر، أخذ صاحبنا يتندر بسلوكه المتمرد عندما كان شاباً مراهقاً نارياً مضاداً لكل ما كان كبار السن يمثلونه أو يرمزون اليه آنذاك. فعل “الإستبدال الجيلي” فعله وتركت الخبرات والتجارب المتراكمة آثارها على ذهنيته ونظرته للحياة، الأمر الذي جعله يتمنى أن تعود عجلة الزمن الى وراء ليقبّل أيدي الكبار الذين كانوا يتندرون بأفكاره “الثورية” وتطلعاته وذائقته آنذاك، بالقول: “أهكذا علمتكم المدارس؟” بما ينطوي عليه هذا الإستفسار البلاغي من نظرة دونية للثقافة المدرسية التي لم يحضر الجيل السابق صفوفها، معتمداً مناهل ثقافية لا مدرسية، منها المجالس الإجتماعية والمحافل الثقافية ومواعظ الجوامع وحكايات الدواوين (الديوانيات العشائرية).

أما هو، فيمثل آنذاك جيل المدارس التي شكلت وأنتجت نمطاً جديداً من الثقافة، نمطاً لا يابه بالحكاية ولا بالحكمة المستخلصة منها: هو نمط ثقافة مدرسية حاولت أن تغطي جميع ما تحتاجه أجيال تلك المرحلة، في جهد للموازنة بين الثقافة الدينية والثقافة الإجتماعية والوطنية، دون تجاوز معارف العلوم التطبيقية، من الفيزياء والكيمياء، الى الجبر والهندسة. وإذا كان ختيارية اليوم يمثلون غزواً ثقافياً من نمط شجاع وجديد سابقاً، فانهم يمثلون اليوم، مع ظهور أنساق وآنية ثقافية وتربوية جديدة معهودة قبلئذ، يمثلون قوة رجوعية في أعين الأجيال الصاعدة التي تقضي الساعات الطوال، ليس على حلقات الفقه والتمنطق وأخبار القدماء، ولكن على شاشات الكومبيوتر وعبر شبكات المعلومات الدولية والتواصل الإجتماعي التي تتيح كل شيء على نحو حرفي، سلباً وإيجاباً.

إذاً هي نوعية الثقافة وآنيتها وقنوات إيصالها التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية عدم إتساق أفكارنا وطرائقها مع طرائق وأفكار الأجيال السابقة والأجيال الجديدة التي ما فتئت تنشأ من ثقافة مختلفة وتتشرب بمعايير وقيم سوى معاييرنا وقيمنا، بطبيعة الحال. ومعنى ذلك كله هو ظهور فجوات ثقافية بين الجيل والجيل الذي يليه، بغض النظر عما يحدث من تواصل وراثي عبر التركات الثقافية والتربوية التي استلمناها وسنحيلها لأبنائنا، وهم بدورهم سيوصلونها لأبنائهم، وهكذا دواليك.

لهذه الأسباب، يجد المرء صعوبة بالغة عندما يتحدث عن الفجوات بين جيل وآخر بوصفها صدامات أو ارتطامات جيلية. في زمننا، لقننا مفكرو العالم الغربي بأن التمرد على الجيل السابق مفيد لأنه يكرس وجود الشاب وينحت شخصيته ويضعه على مشارف عصر جديد. لذا كنا نتمرد من أجل التمرد لذاته. وقد كنا على خطأ بالتأكيد، فلا يوجد صدام بين جيل وآخر، وإنما يوجد تباين بين مهاد جيل ومهاد الجيل الذي يليه. فلماذا الصدام والارتطام تهيئة للصراع، بديلاً عن التفاعل والتلاقح البنّاء على طريق الإتساق والتطور التدريجي؟

 

أ.د. محمد الدعمي

 

مثقف السلطة

warda bayaآخر ما سمعته من جدل حول مثقف السلطة جاء على لسان الروائي الكبير المعروف عبد العزيز غرمول، واصفا فيه وزير الثقافة الحالي عز الدين ميهوبي - في صيغة الاتهام والازدراء - بمثقف السلطة .. واسترسل ليؤكد بأن الوزير هو من يقول عن نفسه بأنه كذلك..

النظرة الى مثقف السلطة في العالم الثالث وفي العوالم المتخلفة، تعيدنا الى زمن الأعشى، الحطيئة، النابغة الذبياني وطرفة بن العبد، عندما كان هؤلاء الشعراء وغيرهم (المثقفون آنذاك) يسمى من اختار منهم نهج مدح السلطان بـ " شعراء البلاط "، يسترزقون من عطايا الملوك ويتقربون منهم زلفا، ولا يقولون الشعر الا في حضرة السلطان، في صورة بدائية لاقت آنذاك نقدا لاذعا من الطرف الآخر، واعتبروها بضاعة رخيصة تربط صاحبها بمنطق العبودية، الى درجة يتقمص فيها الشاعر شخصية البهلوان وهو مسلوب الارادة ليحقق بها نشوة سيده..

هذه الصورة النمطية انتقلت مع مرور الزمن الى عصرنا الحالي، وبرز في منظومتنا الثقافية الحديثة اتجاهان متعاكسان : اتجاه فكري سياسي متكامل يدعم السلطة ، وآخر ينتقدها ويعارضها من منطلق التعبير عن الارادة الشعبية والجماهيرية .. وتجوهر هذا الاختلاف بشكل كبير خلال المئة عام المنصرمة التي وقعت بها نكبة وانتكاسة العرب..

الشاعر الكبير نزار قباني اصطف ايديولوجيا نحو النزعة الثورية وقال في قصيدة شهيرة :

حربُ حزيرانَ انتهتْ

وحالُنا ـ والحمدُ للهِ ـ على أحسنِ ما يكونْ

كُتّابُنا على رصيفِ الفكرِ عاطلونْ

من مطبخِ السلطانِ يأكلونْ

بسيفهِ الطويلِ يضربونْ

كُتّابُنا ما مارسوا التفكيرَ من قرونْ

لم يُقتَلوا .. لم يُصلَبوا ..

لم يقِفوا على حدودِ الموتِ والجنونْ

كُتّابُنا يحيونَ في إجازةٍ ..

وخارجَ التاريخِ .. يسكنونْ ..

في عصرنا الحالي، يرفض رجل السياسة أن يختطف منه المثقف الثوري السلطة ويأخذها الى وجهتها الحقيقية، سلطة في خدمة الشعب قولا وفعلا، وليس مجرد شعارات وبروباغاندا..ووصل أمر الاختلاف بينهما الى درجة أنه نقل عن أحد الساسة قوله: "حينما أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي"..

واذن فالعلاقة بين الحاكم والمثقف الحقيقي، تحكمهما علاقة مرتبكة ومتوترة منذ الأزل، ولكن أنصاف المثقفين والأدعياء دخلوا على الخط وخلقوا علاقة متجانسة يمكن من خلالها أن يقمع بها المثقف المنبطح مجتمعه بأداة السلطة المقموع بها هو ذاته.. ويؤكد فيصل دراج ذلك بقوله: "زمن المثقف المستبد يتواتر في لعبة مزدوجة يمثل فيها دور السيد ودور العبد معا"..

ولهذا نعتقد أن هذه العلاقة المتوترة التي خسر فيها المثقف مواقع كثيرة، كانت ستعود بالفائدة على أمته لو فكر في كيفية التموقع لتحقيق أهداف كبيرة، كما يرى المفكر الاسلامي جمال الدين الأفغاني، لأن ابعاده أو بُعده عن السلطة خوفا من تهمة "الانبطاح" لا تحل المشكلة الأزلية، فالمثقف الحقيقي هو من يقتحم السياسة ويتموقع، ليقطع الطريق عن الدجالين والمرتزقة وليفرض من خلال وطنيته ورؤيته وفكره واقعا جديدا لصالح وطنه وأمته ..

الحل اذن ليس في الابعاد، ونحن نرى في عالمنا المتخلف كيف يستغل انصاف المثقفين والمشعوذين المواقع ليعيثوا في الأرض فسادا، فهم من قال عنهم الأديب الكبير الماغوط : “مصيبة كبرى عندما لا يفرق السياسي بين الخيار الاستراتيجي والخيار باللبن.. عندها لن ترى أي فرق بين السُلطة والسَلَطة”...

فما أحوجنا اليوم لمعادلة يقوم فيها المثقف والحاكم بهدنة لمراجعة أخطاء الماضي .. من منطلق أن الحاكم يمثل سلطة تنفيذية، والمثقف يمثل السلطة التنويرية التي هي عماد السلطات، تقوم بعملية مسح للأرضية التي من المفترض أن يتموقع فيها الحاكم .. أرضية صلبة لاتؤثر فيها الزلازل ولا المطبات...

 

بقلم/ وردة بية من الجزائر

 

لا تستمع لتجارب المحبطين !

fatima almazroweiتوجد حالة غريبة قد تتلبس البعض ثم تتسبب في انهياره أو في تراجعه أو في انطفاء جذوة الإنجاز وشعلة الحماس لديه، وفي الحقيقة ما يسبب مثل هذه الحالة عدة عوامل تحيط بنا دون أن نشعر بها، ولكن لها تأثير بالغ في رؤيتنا للأشياء وفي كيفية تعاطينا معها، الإشكالية الحقيقية عندما يمتد مثل هذا التأثير ليضرب جوانب حياتية مهمة في مسيرتنا، وأقصد أعمالنا وتطلعاتنا وطموحنا. تأتي حالة الإحباط أو الاستنكاف أو التراجع، بسبب عوامل خارجية في معظم الأحيان، منها المحيط الذي يلتف حولنا ويؤثر فينا وفي قراراتنا، هذا المحيط قد يكون سبباً للتميز أو للإخفاق؛ فأثر الصحبة والرفقة بالغ في حياة الإنسان، فإذا وجدت أناساً إيجابيين ينظرون للأمور نظرة واقعية ومنصفة ويؤمنون بقدراتك فإنه، ودون شك، ستتميز وتبدع، أما إذا كان أصحابك ممن ينظرون للأمور بسوداوية وإحباط فإنهم، ودون شك، سينقلون لك هذه السوداوية. ببساطة يقال: إن فاقد الشي لا يعطيه، بمعنى أن إنساناً فشل في مرحلة من مراحل الدراسة أو العمل أو في أيِّ من جوانب الحياة، كيف يصبح مُنظِّراً ودارساً ومعلماً ويوجه نصائح ! وهذه المعضلة التي نقع فيها يومياً، أننا نرخي السمع لمن هم أقل منا خبرة، ولمن هم محبطون، ولمن عاشوا تجارب مريرة تختلف كلياً عنا، أو عاشوا وفق تفكير وآلية محددة تختلف تماماً عنا جذرياً؛ هؤلاء كيف يمكننا أن نستلهم منهم الخبرة أو المعرفة، أو ننتظر منهم إفادتنا وهم عجزوا عن إفادة أنفسهم! هذه معضلة كبيرة نقع فيها جميعنا، ليس في منحى حياتي واحد، وإنما في عدة جوانب من حياتنا.

وهذا الخطأ الذي نرتكبه عندما نركن لمن هو أقل مسؤولية ونستمع إليه وكأنه يتحدث بكلمات من ذهب، هنا نكون فعلاً قد أصبنا أنفسنا في مقتل، كما يقال، ولوثنا حماسنا وتسببنا في تراجع حياتنا. على سبيل المثال، تقرر مواصلة تعليمك لنيل شهادة الماجستير، فتسمع أحدهم يقول: ماذا ستفيد من هذا؟ أنا أحمل شهادة الماجستير، وانظر أين أعمل! فهو يقنعك بواقع هو يعيشه، ويسبب هذا الواقع تكون مقتنعاً بكلماته، فتلغي قرارك، ولن تعرف فداحة الخطأ الذي وقعت فيه إلا بعد بضع سنوات، هو فعلاً لم يكذب، لكنه لم يستفد منها في عمله ، لأي سبب، فقد أعطاك جزءاً قليلاً من موضوع كبير.

الذي نصل له: ضع خطتك الحياتية وحثَّ الخطى نحو تحقيقها، ولا تلتفت لكلمات الآخرين، خاصة ممن تعثر في حياته .

 

فاطمة المزروعي

 

مسافرون

hadi  jalumreiالسفر في الصيف هروب، لكنه في الشتاء نوع من التحدي المفعم باللذة. هو يختلف مع المواسم التي تتحرك بنا وتأخذنا إليها ومعها وعندها، وتلاقينا مثل النساء العاشقات المفتونات بالمضاجعة، أو بالرغبة الحارقة، فالناس يحبون ما يسليهم عن العذاب، والذين يعيشون ففي الصحراء يستهويهم اللون الأخضر، بينما يلاحقهم اللون الأبيض لأن الأخضر يذكرهم بالخضرة والشجر والنجيل، بينما الأبيض فيدفع عنهم حرارة الشمس وهي تكوي أجسادهم، وتشتعل بها أراضيهم، ويسألني صديق عن سر إستخدام الهولنديين للون البرتقالي في علمهم وفي ثيابهم وهو لون مميز عندهم بالفعل، ففكرت قليلا وقلت، لعلهم يبحثون عن الدفء فهم أبناء البلاد الباردة واللون البرتقالي حار للغاية، وربما كان يبعث الدفء في نفوسهم، فاللون هو أيضا إنعكاس لحاجة النفس.

يهرب أهل المناطق الحارة الى المناطق الباردة في الصيف تخلصا من درجات الحرارة المرتفعة، ويفعل ذلك العرب عادة في الخليج والعراق الذين يلهب ظهورهم الصيف، ومنهم من يعاني من مشاكل نفسية بسبب الأزمات الإقتصادية والأمنية الخانقة التي تنعكس على الحياة العامة، وتجعل الإضطراب في النفس وفي الرأس الذي يتعكر ويتفكر بطريقة للهروب فيهرب، ولعل موجة الهجرة التي إندفعت من العراق بإتجاه تركيا ومنها الى أوربا تمثل برهانا على الحال الذي وصلنا إليه خلال الفترة الحارة الماضية، وفي أشهر الصيف تلك التي إنقضت حيث أعلن ملايين الناس رغبتهم بالهجرة مع إرتفاع درجات الحرارة ولكن رغبتهم خفت مع الإنخفاض الحاد خلال الأسابيع التالية.

هناك من ينظر بطريقة مختلفة لمعادلة الصيف والشتاء، فهو لايجد مسرة في السفر صيفا حيث يتوحد العالم في المعاناة مع إن البلاد المقصودة تكون أقل حرارة من نظيرتها في الخليج والعراق، فيكون السفر نوعا من الهروب من الحر، لكن السفر في الشتاء له طعم مختلف فهو نوع من التحدي الصاخب، فليس من مسافرين كثر، وتكاد تجد نفسك وحيدا متجها الى بلاد باردة فيها قمم عالية وثلوج تغطيها مثل ثوب عرس منسدل يصل من كتفي العروس الى الأرض وتجد الناس معتكفين، أو لاهين بأشغالهم. وتستطيع أن تكتشف بطريقة رائقة ماحولك من أشياء، ففي الصيف تشعر إن الكل يشاركك في السفر والتنقل والطعام والشراب والسكن ولايوجد تحد فأنت مهزوم، بينما في الشتاء فأنت مغرم بأداء دور أكثر إثارة في نفسك وعقلك، وهنيئا لك التحدي.

 

هادي جلو مرعي

المرصد العراقي للحريات الصحفية

حلمي الذي إنتهى

hadi  jalumreiيطوف البلدان كسفينة تائهة في بحار بعيدة لاتنتهي، والبحار يسمونها عجائز الطبيعة التي تمر عليها السنين وهي تتطاول وتهرم وتشيخ لكنها لاموت وربما ستزول بأمر من الغيب في يوم ما كالذي يسمونه القيامة لانعلم موعده ويعلمه الله وحده.

يزور المدن واحدة واحدة ويلتقي الناس ويضيع بينهم كطفل نسته أمه وتاه عنها فلم تعد تهتدي إليه في الزحام، يرى الناس يتكاثرون من حوله ولايعرفهم ولايعرفونه وهو كان يظن أنه أشهر من أن يتجاهله عامل القمامة في الشارع والمسؤول عن الخدمة في غرف الفندق، وموظف الإستقبال الذي أبدى إهتماما اكبر برجل رث الثياب دون أن ينتبه إليه برغم هيئته الأنيقة وطلته المميزة عن بقية الوافدين من السياح الباحثين عن التغيير.

خرج الى الشارع وسار على البحر في إستنبول وكان يزاحم المارين الذين يتجاهلون بعضهم البعض رغم كثرتهم الكاثرة وتعدد أجناسهم والوانهم وصورهم وأحلامهم التي لاتنتهي سوى على رصيف البحر، أو حين ينشغل كل واحد منهم بشراء شئ، أو النظر الى سفينة عابرة لاقرار لها ويتخيل كم العاملين فيها والذين يقودونها وهل فيها كهرباء وماء وخدمات ، يريد أن يتعرف الى حياة البحر لكنه يجهل الوسيلة وليس له من حيلة. تذكر وقوفه في المطر منتظرا إطلالة البابا من شرفة الفاتيكان في ناحية من روما، وكان يشارك الجموع تلك الوقفة، ولم يميزه رجلا الشرطة وطلبا إليه التوقف طويلا في الطابور الممتد، وحين عجز عن الإنتظار قال في سره، البابا شخص غير مهم بالنسبة لي، وسيموت في يوم وينتهي الى الذكرى كعشرات البابوات ممن سبقوه.

تنقل عبر الطائرات والسفن والقطارات وسيارات الأجرة والحافلات عبر كندا وامريكا لأسابيع، وكان يدخل الفنادق منتشيا، ويزور المقاه، ويتجول في الشوارع المزدحمة ويذهل إن جميع من يصادفهم كأنهم أشباح تمر لاتعرفه ولايعرف عنها شيئا سوى إنه يراها في لحظة تنتهي الى المجهول ويطويها النسيان الأبدي ويقرر أن يعود الى غرفته، وينام طويلا فهو مجرد شبح عابر لاقرار لروحه، ويعرف رويدا إن الجسد الذي يحتمل تلك الروح المتوهجة سيندثر في تربة منسية.

يالها من عبرة يستجلبها المرء بمرور الوقت حين تكبر معه الأحلام، تذكر كلمات أستاذه في الكلية الذي وجد فيه علما وفهما وتألقا في الصف، أراد منه أن لايسبق الاحلام، وأن يسايرها وذكره بقول بعيد.

إذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجسام

حلمه ينتهي حين يدرك الحقيقة، لكن الحقيقة هي في مسايرة الوجود والرضا بماقرره المعبود.

 
 

هادي جلو مرعي

المرصد العراقي للحريات الصحفية

 

المسيرة البيضاء !

tara ibrahimما يميز مجتمعا عن مجتمع آخر هو مدنيته وموقفه إزاء حدث ما وكيفية التصرف تجاهه، هذا الموضوع الذي يمس الجميع، هو من اجمل ما رأيته في فرنسا بل إن سبب اعجابي الشديد بهذا الشعب يكمن في المدنية التي يتمتع بها وطريقة تصرفه ازاء الاحداث التي تقع في بلاده صغيرة كانت أم كبيرة، والحس الوطني تجاه ارضه وانفعاله مع اي قضية تمس مقدساته الإنسانية بسوء، هذا الحس الذي لا ينم إلاعن حبه الشديد لوطنه والافتخاربالانتماء اليه مهما كانت اتجاهاته السياسية يمين إلى يسار.

المواطنون هنا لهم الحق في التعبيرعن آرائهم، والكل يعتقد انه من الطبيعي ان يمارسو هذه الفعالية بكل مدنية مع احترام الرأي الآخر، والكل في الحقيقة له وجهة نظر في اي موضوع يمسهم، وليس لهم موقف حيادي، بل ويعبرون عن ارائهم بكل جرأة .. مع ابسط حدث قد يقومون بالتظاهر السلمي ودون اي مشكلات..ولعل من اجمل هذه التظاهرات التي رأيتها هي ما تسمى بـ (بالمسيرة البيضاء) التي يقوم بها الفرنسيون للتعبيرعن غضبهم وسخطهم الشديد لدى حدوث جريمة ما، فالجميع يرتدون الثياب البيض ويتظاهرون بهدوء دون نطق اي كلمة أورفع شعارات، فقط يجوبون الشوارع بصمت تام وبلا ضجيج .

وعلى الرغم من ان هذا التقليد بعود بالاصل إلى بلجيكا الا ان الفرنسيين يتقنونه وبتفننون فيه بشكل رائع، والمسيرة تم تنظيمها سابقا ضد "قانون الصمت" الذي اتبعته السلطات البلجيكية في تعاملها مع مجرم قام بإعتداءات جنسية وقتل ضحاياه من مئات الاطفال في عام 1996 والتي فشل البوليس في الوصول الى الجاني في الوقت المناسب، ما اثار سخط وإستنكارالشعب ومن هنا اتت فكرة القيام بالمسيرة البيضاء والتي اشترك فيها الالاف من البلجيكيين تعبيرا عن حزنهم وغضبهم. لذا فالمسيرة البيضاء منذ ذلك الوقت اتخذت طابعا وحيدا وهوالتظاهر من اجل الاطفال وإدانة الاعتداءات وجرائم القتل التي تقترف بحقهم، وكذلك هي مسيرة ضد الظلم تجاه القاصرين، واي مشكلات تتعلق بالشباب والتي قد تؤدي الى موتهم على أيدي المجرمين اوالسكارى او البيدوفيليين اوالغلمانيين بعيدا عن السياسة والمعضلات الاخرى، فهذه المسيرات هي متعلقة بالامور الاجتماعية بشكل خاص .

المسيرة مستقلة مدنية لاتمت الى جهة اوحزب ما بصلة، وغالبا ما يتقدمها اهالي الضحايا من الاباء والامهات والاصدقاء، فوجودهم مهم جدا فيها، وكما يقال : ذلك هو اضعف الايمان من قبلهم.. اما الناس الذين يشاركون في المسيرة فهم يعبرون عن تضامنهم مع عوائل الضحايا كونهم عاجزين عن تفسير الموضوع أو منع وقوعه، وفي النهاية يتركون الامرللقضاء العادل للبت فيه.

المثير للاهتمام اننا لو اردنا ان نطبق قانون المسيرة البيضاء في العراق عامة وإقليم كوردستان خاصة، لتم القيام بها كل يوم، ولكن ما من احد يشعر بالمسؤولية تجاه هذه الحالات ،إذ من المهم ان يعبرالمجتمع عن تضامنه مع المسائل المتعلقة بالجرائم وخصوصا المتعلقة بقتل النساء او الفتيات القاصرات اللواتي يمرخبر قتلهن بلا مبالاة لدى المواطنين ودون أي إهتمام وكأن الامر طبيعي جدا. هنا نحن لانناشد بعض المنظمات النسائية الكارتونية التي كثرت بعد سقوط النظام السابق التي تناضل حسب قولها من اجل حقوق المرأة ولا المنظمات المدنية التي تعنى بحقوق الانسان بما فيها حقوق النساء بالطبع. فعندما يتعلق الامر بالمرأة الكل صم بكم لا يعقلون، كأنه موضوع تافه لايستحق التحدث فيه.

المسيرة البيضاء هي مسيرة عفوية، لا تحتاج الى التفكير العميق للقيام به لان الظلم ليس لديه اكثر من تعريف، بل تعريف واحد وهوان الحياة تعاش مرة واحدة وهي ثمينة للجميع نساء واطفالا وشيوخا ...كل انسان يحق له أن يعيش بأمان وسعادة وحرية.. ومن اجل مجتمع اكثر مدنية، نحن بحاجة الى هكذا نوع من المسيرات التي إن لم تقم بها المنظمات والجمعيات والروابط، فليقم بها ابناء الحي الواحد.. نحن جميعا مسؤولون عن صمتنا..الصمت القاتل والمخجل الذي يبعدنا عن الالتحاق بأضعف اساليب التعبير عن رأينا وهي المسيرة البيضاء .      

 

د. تارا إبراهيم ـ باريس

        

الاعلام العراقي وأسئلة النهوض

samir qasimhashimيتساءل الكثير من المواطنين .. هل فقد الإعلام مصداقيته وهم يسمعون ويشاهدون الكثير من الأنباء المتضاربة، أيهما أصح وأيهما يمكن أن يكون بوصلة يجذب إهتمام المواطنين الذين بدأوا ينقسمون على أنفسهم، ولعل الكثير منهم يدرك أن هذه المهنة أصبحت هشة ما جعل الكثير ممن لا علاقة لهم يدخل الى هذا المجال الخطير الذي من الممكن ان يكون مؤثراً صانع رأي ام في الكثير من الدول التي تمتلك حرية الاعلام وعدم تبعيته .

ولا شك فيه ان الاعلام يسهم في تشكيل افكار المجتمع وهذا التشكيل اما ان يكون عامل بناء او عامل هدم

، ربما يكون الإعلام هو المهنة الوحيدة التي من الممكن العمل فيها دون تخصص ولكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى مهارة وخبرة ودراية بما يتم تقديمه من بواباتها الكبيرة والواسعة، ما يدفعنا إلى التساؤل لماذا إذن هناك دراسات أكاديمية للإعلام، ولماذا هناك مراكز تأهيل وتطوير إعلامي هل أصبح تدريس الإعلام داخل الجامعات تحصيل حاصل ؟، وهل ما يتم تدريسه بالحرم الجامعي يعدُّ شيءٌ، وما يقومون بتطبيقه على الواقع شيء أخر هل أن ذلك يرجع الى المصلحة التجارية والربحية التي جعلت من سوق الاعلام مجالاً للتنافس التجاري ؟ .

وان الاعلام النزيه هدفه واضح يبين القضايا والحقائق بشكل امينا ويقف بالقرب من جميع الاطراف التي يتعامل معها فلا يجامل طرفا على حساب اخر ولا يتحامل عليه لان كل همه الوصول للحقيقة فليس همه احداث سبق صحفي ولا يستخدم اعلامه من اجل تحقيق منافع شخصية

وإذا كانت الصحافة المكتوبة قد حافظت ولو بجزء يسير على خصوصيتها فإنَّ الإعلام المسموع والمرئي تعرض إلى سيل من الدخلاء على المؤسسة الإعلامية حتى أنَّ الكثير ممن لا علاقة لهم بالاعلام أصبحوا إعلاميين بارزين يخصص لهم برامجكثيرة لكنها لا تختلف عن بعضها في أسلوبها ومضمونها، يقدمها مجموعة من الدخلاء الجدد على الإعلام، أليس من الواجب الإلتزام بالأخلاق الاعلامية، وهذا الكلام ينطبقُ على الصحافة المكتوبة أيضاً، سواء الأليكترونية أم الورقية .

هل أصبح الإعلام العراقي ما بعد 2003 سوقا تجارية أكثر منه مهنيا وإلى أي مدى يمكن أن يفقد أو تفقد هذه السلطة الرابعة سلطتها؟ وهل ستتخلى في يوم ما عن عرشها نتيجة الدخول غير المحسوب للكثيرين على هذا المجال ؟،أم أن الإعلام يمكن أن يفقد هيبته ومصداقيته بالنتيجة الحتمية للدخول الطاريء للبعض على هذه المهنة ؟

أسئلةٌ كثيرةٌ، وأجوبة لا تحل اللغز، لكن الواقع يفرضُ أحياناً أجندته على الإعلام والصحافة في العراق والخارج بشكل عام، ومع هذا يجب أن يتحلى الصحفيُّ عن أخلاق مهنته، لأنها بالنهاية رسالة يمكن من خلالها لإعادة رسم الملامح التي دمرتها الحروب والحصارات والإرهاب، وهذه المهمة يجب أن توكل إلى من يمتلكون الأكاديمية بالدرجة الأساس، لأنهم أقسموا وهم يستلمون شهاداتهم على شرف المهنة، ومن ثمَّ إلى الأشخاص الكفوئين الذين يمتلكون رسالة أخلاقية ووطنية هادفة يمكن من خلالها أن تحقق رفاهية المواطن الذي شتتهُ وسائل الإعلام بشكلٍ أو بآخر، ولنكن يداً واحدة تنظرُ بعين المستقبل إلى وطنٍ علم الأرض الكتابة .. ولا نكون متشرذمين بسبب هوياتنا الفرعية، لأنَّ هويتنا الكبرى هي العراق .

 

سمير قاسم هاشم

 

أنين النوارس

wedad farhanيحتفل اخواننا واخواتنا الصابئة المندائيون بعيدهم الصغير (الدهفة حنينا) عيد الازدهار، الذي نشاركهم فيه الفرحة ونقدم التهاني والتبريكات حيث دبت الحياة في الارض وأزدهر العالم.

ويأتي عيد الازدهار متزامنا مع ازدهار العراق وامتلاء شوارعه وأزقته بمياه الامطار التي أبت ان تجد طريقها في أنابيب الصرف الخاملة كحكومتنا المزدهرة فسادا والمعتكفة سرقة!

أحبتنا، لقد التصقت عقيدتكم بالماء فهو الطهر وهو الحياة التي دبت في العروق والارض، لقد فاضت بغداد مؤازرة أرجاء العراق في عيدكم وكانت خيم النازحين كأنها ”الجبايش“ تطوف فوق شفة ماء الهور لكن الطيور بألوانها وتنوع ألسنتها غابت عن المشهد، فغابت جماليته.

بقي صدى أنين الناي يتردد فوق أمواج المياه حزنا على وطن هجره محبوه وعشاقه، وتسيده الظلمة المفسدون الذين يرون في فيضانه ونقصان خدماته، وضياع بنيته التحتية إنجازا حققوه عبر عقد ونيف من الزمان.

انه الماء ايها المندائيون ولكن عذرا طاف معه ما علق في شباكه المزكومة فضاع طهره ورحلت عنه النوارس.

هكذا يمر الوطن بعيدكم، أسفا!!

عيدكم مبارك يا انقياء الوطن المذبوح والمنهوب عمدا!

عيدكم مبارك أيها النوارس المهاجرة قسرا وظلما.

 

وداد فرحان/ سيدني

 

الرأي والرأي الاخر

samir qasimhashimتتميز ثقافة عصرنا هذا بثقافة الاختلاف وتوتر الحوار بين فريقين أو شخصين أو ثقافتين. ولعل كنه هذا اللون يرجع إلى تدني الوعي وتدني الثقافة عند البعض، مما يتمخض عن انحدار مستوى الحوار، فهو عصب الحياة والحضارات وأكسير البناء والارتقاء، دون مراعاة ذلك الخيط الرفيع بين الخلاف والاختلاف، فنقع في هوة سحقيقة بين هذين الطرفين أو نكاد. والخلاف أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله. فالخلاف أمر طبيعي لا بد من حدوثه بين البشر، ويكون مثمرا إذا ما اتسم بالعقلانية ونبذ الأهواء، بينما يصبح الاختلاف أمرا معاديا، إذا ما اتسم بعدم الاكتراث بأولويات وأهداف الطرف الآخر، وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه تحكمه أهواء ونوازع شخصية ومصالح وذاتية مفرطة، وبهذا يتحول الخلاف إلى اختلاف إلى تنافس على مراكز وتصادم على أمل تحقيق أهداف معينة مرجوة على حساب الطرف الآخر، فهو نجاح على حساب الفريق الآخر. فالأول محمود لأنه يثري الثقافة ويعمل على تلاقح الأفكار وتصحيح المسارات الفكرية إلى ما فيه نفع عام إذا ما نشأ في بيئة سليمة وناضجة وبعقول منفتحة وبمعرفية واسعة وصدر رحب يسقي ويستقي من روافد العلم والمعرفة بدون ت

هذا النوع من الخلاف هو خلاف في الغايات. ويطلق عليه خلاف مذموم لأنه يؤدي بكل فرد أو مجموعة أو فريق للاعتزاز برأيه والعمل عليه

 

سمير قاسم هاشم

دموع فرح تختصر مأساة شعب

jawdat hoshyarتلقّت الكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسيفيج نبأ فوزها بجائزة نوبل في الآداب لعام 2015، بينما كانت تقوم بعمل بيتي روتيني، وهي كي الملابس في شقتها الصغيرة المتواضعة، كما قالت للصحفيين إثر اعلان فوزها بالجائزة .

سفيتلانا - التي تسكن في عمارة ضخمة متعددة الطوابق، أشبه بمجمع سكني، يضم مئات الشقق ويقع بالقرب من وسط العاصمة مينسك - معروفة بين سكان المجمع بكياستها ولباقتها وحسن تعاملها مع جيرانها ومع الناس جميعاً . صحيح أنها دائمة السفر والتنقل بين العواصم الأوروبية لمتابعة الأصدارات الجديدة لكتبها المترجمة الى العديد من اللغات الأجنبية، ولكن سكان المجمع كانوا على علم بعودتها الى مينسك، وقد احتشدوا عند باب الخروج لتحيتها فور علمهم بالنبأ السار. نزلت سفيتلانا وما أن فتحت الباب حتى سمعت احدى جاراتها تقول لأخرى: "هل تعلمين؟ سفيتلانا حصلت على نوبل مثل بونين".

فشلت سفيتلانا في ايجاد قاعة ملائمة في المدينة لعقد مؤتمرها الصحفي الأول فور الأعلان عن فوزها بنوبل، فقد أغلق النظام في وجهها كل المنافذ واضطرت الى عقد مؤتمرها الصحفي الأول بعد اعلان فوزها بالجائزة في 8 اكتوبر، في مقر صحيفة "ناشا نيفا" المعارضة، التي تشغل بناية صغيرة، لا تتسع سوى لخمسين شخصا، ولم تكن سفيتلانا تتوقع ان يحضر المؤتمر اكثر من هذا العدد، في حين ان عدد الأعلاميين المحليين والأجانب الذين تدفقوا على مكان عقد المؤتمر بلغ أكثر من 200 اعلامي.

سيارة تابعة للسفارة السويدية في مينسك أقلّت سفيتلانا الى مكان انعقاد المؤتمر الصحفي . كان الناس متجمهرين على جانبي الطريق في صفوف طويلة يحملون العلم الوطني وصور سفتلانا وهم يحيونها ودموع الفرح تنهمر من عيونهم حباً بوطنهم وزهواً بمواطنتهم، التي جعلت من بيلاروسيا المنسية على كل لسان. ذهلت سفتلانا لهذا المشهد الفريد، مشهد مواطنيها وهم يبكون من الفرح، ولم تجد له تفسيراً، سوى ان الشعب البيلاروسي المقهور الذي يعاني من وطأة حكم استبدادي، ينتهز أي فرصة للتنفيس عن عواطفه المكبوته . ربما كان الترحيب الجماهيري الحار بسفيتلانا، المعارضة العنيدة لنظام لوكاشينكو تعبيراً عن كراهيتهم وازدرائهم للدكتاتور .

عانت الشعوب التي كانت رازخة تحت الحكم السوفييتي أهوال ومصائب كثيرة . فقد قتل حوالي عشرون مليونا من سكان البلاد واصيب أكثر من ضعف هذا العدد . بإعاقات دائمة، خلال الحرب العالمية الثانية . ولا يعرف على وجه الدقة، عدد الذين قضوا نحبهم في حرب النظام ضد الشعب، أولئك الذين اعدموا رمياً بالرصاص أو امضوا سنواب طويلة في معتقلات ومنافي سيبيريا الرهيبة، أو الذين هاجروا الى الخارج، حيث لم تنشر أية أرقام رسمية عنهم لحد الآن، رغم مرور حوالي ربع قرن على تفكك الأمبراطورية السوفيتية، لأن السلطة تعتبرها من أسرار الدولة . صحيح ان جميع شعوب الأمبراطورية المنهارة عانت من ويلات الحروب والقمع والأستبداد ولكن المصائب التي كابدتها بيلاروسيا الصغيرة المسالمة أفظع وأكثر ايلاماً . فبعد عقد ميثاق مولوتوف ريبنتروب، في اغسطس 1939، احتلت القوات الألمانية والسوفيتية بولونيا في أوائل أيلول من العام ذاته وتم تقسيمها بين العملاقين . وجري اثر ذلك اعادة بيلاروسيا الغربية – التي كانت ملحقة ببولونيا في ذلك الوقت – الى بيلاروسيا . رحب الشعب البيلاروسي بعملية توحيد البلاد، ولكن لم تمض سوى أيام قليلة حتى قامت السلطة السوفيتية بترحيل ما لا يقل عن 200 ألف من سكان بيلاروسيا الغربية الى مناطق نائية وإبادة حوالي 30 ألف من سكانها . وعندما هاجمت ألمانيا الهتلرية في 22 حزيران 1941، الأتحاد السوفييتي، تلقت بيلاروسيا الضربة الأولى وجرى احتلالها بشكل كامل من قبل جحافل الفاشست خلال الأشهر الأولى من الحرب .. وقاوم الشعب البيلاروسي الغزاة بضراوة، ويكفي أن نقول أن ثلث سكان بيلاروسيا – ومعظمهم من الرجال - قد قتلوا خلال الحرب العالمية الثانية، سواء في جبهات الحرب أو خلال عمليات المقاومة البطولية . وتتذكر سفتلانا طفولتها البائسة في احدى البلدات البيلاروسية، التي قتل جميع رجالها في الحرب ولم يبقى من سكانها سوى النساء والأطفال .. وعندما انهارت الأمبراطورية السوفيتية تحررت الجمهوريات التي كانت ملحقة بها قسراً من ربقة موسكو، ولكن ذلك كان تحررا ظاهريا لأن النظم الدكتاتورية ما زالت قائمة في العديد من تلك الجمهوريات وبضمنها بيلاروسيا التي يحكمها لوكاشينكو بيد من حديد منذ عام 1994، وقد أعيد (أنتخابه) قبل أيام للمرة الخامسة .

لوكاشينكو يعاني من عزلة دولية وحصار اقتصادي غربي خانق ويحاول هذه الأيام مغازلة الغرب، وفعلا قام بمناورة بارعة، بالأستجاب لطلب الأتحاد الأوروبي واطلاق سراح عشرات الآلاف من المعتقلين السياسيين بعد (فوزه) بالأنتخابات الأخيرة . وهي مكرمة يذكرنا بمكرمات صدام . وبالمقابل ألغي الأتحاد الأوروبي القسم الأكبر من العقوبات التي كانت مفروضة على بيلاروسيا، ومنها حظرسفر عدد كبير من أعمدة النظام الى الخارج، ولكن رفع الحظر لم يشمل لوكاشينكو شخصياً .

بعد فوز سفيتلانا بجائزة نوبل وجد دكتاتور بيلاروسيا نفسه في ورطة حقيقية . الكاتبة الجريئة تحارب نظام لوكاشينكو بقلمها الجبار منذ سنوات عديدة وقد اضطرت الى مغادرة بيلاروسيا في عام 2000 ولم ترجع اليها، الا في عام 2011، في فترة شهدت محاولات لوكاشينكو للتقرب من الغرب والقيام ببعض الأصلاحات الشكلية ومنها تخفيف القيود على المعارضين . قيل لسفيتلانا : لماذا عدت الى بيلاروسيا؟ أجابت : " اريد أن أكون مع شعبي في محنته. " ومنذ عودتها تجاهلها النظام تماماً، كأنها غير موجودة .فهي ممنوعة من النشر في بلادها رغم أن نتاجاتها الرائعة فكراً وفناً تلقى رواجا منقطع النظير في بقية انحاء العالم . ورغم أنها كانت مرشحة قوية لنيل نوبل طوال السنوات الماضية، الا أن فوزها أخيرأ وجه ضربة موجعة للوكاشينكو، الذي ظل حائراً لعدة ساعات .هل يهنئها بالفوز أم يتجاهلها كالعادة ؟، ولكن بعد أن انهالت مئات البرقيات والرسائل والمكالمات الهاتفية من أنحاء العالم على سفيتلانا، بينها برقيات عدد من رؤساء الدول، أولهم الرئيس الألماني، وبرقيات أشهر ادباء العصر، ورسائل قرائها في شتى أنحاء العالم . وبعد ست ساعات على اعلان فوزها بالجائزة، وجه لوكاشينكو برقية خجولة الى خصمه اللدود صاحبة نوبل يقول فيها : " ارجو ان تكون هذه الجائزة في مصلحة بيلاروسيا " .ولا شك انه يقصد بذلك مصلحة النظام .

سفتلانا سخرت من هذه التهنئة الباردة لأنها أتت بعد برقيات زعماء عدد من الدول الأوروبية، وفي الوقت ذاته قالت أن لوكاشينكو استطاع التغلب على العائق النفسي وهنأها بالفوز رغم أنها ومنذ سنوات عديدة تعد من ألد خصوم النظام .

سفيتلانا حاصلة على أكثر من عشرين جائزة أدبية عالمية، بينها جوائز المانية وفرنسية وأميركية اضافة الى جائزة الدولة التقديرية التي منحت لها في فترة البريسترويكا (1987)، عن روايتها، متعددة الأصوات " للحرب وجه غير أنثوي" التي صدرت في موسكو عام 1985 - بدعم من ميخائيل غورباتشيف - بمليوني نسخة نفدت خلال فترة قصيرة .

سأل صحفي بيلاروسي سفيتلانا : " كيف ستتصرفين بمبلغ جائزة نوبل ؟ .

أجابت: " لقد اعتدت ان انفق مبلغ اية جائزة احصل عليها لأشتري بها حريتي، وجائزة نوبل هي حماية لي من نظام لوكاشينكو " .

 

نوبل للآداب في رأي الادباء الروس

نشرت صحيفة ( ليتيراتورنايا غازيتا) (الجريدة الادبية) الروسية الاسبوعية في عددها الاخير، الصادر في 14- 20 / 10/ 2015 آراء خمسة ادباء روس حول منح جائزة نوبل للآداب للكاتبة البيلاروسية سفيتلانا الكسييفتش، التي تكتب باللغة الروسية، ونقدٌم للقارئ العربي مقاطع من تلك الآراء، والتي يعبر فيها هؤلاء الادباء بالطبع عن افكارهم الشخصية ومواقفهم الذاتية تجاه هذه الجائزة وتجاه الكاتبة البلاروسية التي حصلت عليها، ولكن هذه الآراء بمجملها - وبشكل او بآخر - تعبر طبعا عن موقف عام لتلك الصحيفة بلا شك تجاه الجائزة، وكذلك تعبر عن آراء الكثيرين من الاوساط الادبية الروسية .

 

سيرغي يسين

ان منح جائزة نوبل للآداب لسفيتلانا الكسييفتش يبدو عادلا فقط من وجهة نظر انها تكتب باللغة الروسية، كما هو حال العديد من الادباء السلاف ... واقول مخلصا باني لا اتابع ما تكتبه منذ زمن بعيد . ان التحيٌز الذي ابدته واعلنته في فترة – ما اصبح واضحا بالنسبة لي . وبشكل عام، فان كل شئ يرتبط بجائزة نوبل ليس بعيدا عن السياق السياسي طبعا، بل وبتعبير أدق، يوجد هناك سياق سياسي لا غير . انا حتى لا أتذكر متى منحوا هذه الجائزة آخذين بنظر الاعتبار النتاجات الفنية . باسترناك لم يمنحوها له من اجل شعره البديع، بل من اجل روايته المتوسطة ... وشولوخوف منحوه بعد قصارى جهود بذلتها الدولة السوفيتية آنذاك ...ويجب ان اشير ايضا الى ان معظم الجوائز الادبية الروسية، الموجودة عندنا في روسيا تمتلك نفس التحيٌز الموجود في جائزة نوبل .

 

فاليري كازاكوف

اولا، اريد تقديم التهاني لسفيتلانا الكسييفتش باسمي وباسم جميع محبي الادب السلافي لحصولها على هذه الجائزة الرفيعة . انا اعتبر انه - ولاول مرة- وطوال فترة طويلة وصلت هذه الجائزة الى الادباء السلاف. من الممكن بشكل مختلف تقييم الافكار والقناعات تجاه هذه الجائزة، لكن لا يمكن عدم الاعتراف بعدالة اختيار لجنة جائزة نوبل..

الكسييفتش كانت دائما كاتبة مقالات صحفية غير مريحة، وكل كتبها كانت في غير اوقاتها، لكن تلك الكتب والكتابات كانت دائما حقيقية . ومع ذلك فان حقيقة عن حقيقة تختلف . توجد حقيقة عند بونداريف في (الثلج الحار).. وعند بيكوف في (البقاء حيا حتى الفجر / او/ سأعيش حتى ارى الفجر حسب ترجمة غائب طعمه فرمان) ..وعندالكسييفتش .. وعند ايفانوف ...الخ .

هناك نظرتان الى نفس تلك الاحداث ونفس تلك الحرب... وانا اعتقد انه بفضل كتب الكسييفتش قد تغيرت اشياء كثيرة في الحياة، اذ انها عرضت الحقيقة الهائلة، والتي جمعتها في الشوارع واوصلتها الى القارئ .

 

محمد احمدوف (رئيس اتحاد ادباء داغستان)

هناك الكثير من الادباء الروس العظام ألذين لم يخونوا انفسهم ووطنهم لا بالكلمات ولا بالاعمال من اجل سعر الاسواق، وهؤلاء لم يستلموا جوائز نوبل . في السابق تم عمل الكثير لصالح السياسة، والان يحدث الشئ نفسه .الكسييفتش شغلت المكان المناسب في الزمن المناسب . انها ضد روسيا ..، ولهذا الموقف اعطوها الجائزة . افضل منها كتبوا ويكتبون باللغة الروسية، لكن لا البيلوروسي فاسيلي بيكوف، ولا الروسي فالنتين راسبوتين، ولا القرغيزي جنكيز آيتماتوف حصلوا على هذه الجائزة، مع الاسف ...

 

فلاديمر ليجوتين

سفيتلانا الكسييفتش تعمل في الوسط الادبي ... وتشغل مكانة متوسطة في مجال عملها، وهي ايضا كاتبة مقالات وتحقيقات صحفية .. ولكنها لم تكتب – حسب ذاكرتي - نتاجات فنية بحتة . لقد منحوها جائزة نوبل للآداب قبل كل شئ على موقفها وعلاقتها الانتقادية تجاه روسيا. في تاريخ جائزة نوبل للآداب كان هناك الكثير من الامثلة السياسية المماثلة ... واذا ما تكلمنا عن الادب بالمعنى الخالص للكلمة، فهل يمكن ان نضع الكسييفتش في مستوى واحد مع بونين او برودسكي، اللذان حصلا على هذه الجائزة ؟ وهل لم يكن مثلا أحق منها للحصول على هذه الجائزة الاديب فالنتين راسبوتين، الذي رحل عن عالمنا قبل فترة قصيرة؟

 

سيرغي شارغونوف

سفيتلانا الكسييفتش كاتبة اعلامية وصحفية عبقرية . بالنسبة لي كان من الممتع جدا قراءة كتابها الموسوم – (لا وجه نسائي عند الحرب) (جاءت تسمية هذا الكتاب بعدة ترجمات عربية منها – الحرب بلا وجه نسائي / الوجه غير الانثوي للحرب / الوجه غير النسائي للحرب )، وغيره من كتبها... ان قصة التراجيدية الانسانية وهي تروى باسم الضحية نفسها- هو ادب باهر بلا اية مجازفة لامكانية الفشل. في نفس الوقت يوجد هناك احساس بشوائب سياسية – ففي الفترة الاخيرة اصبحت الكاتبة تتميٌز بمواقفها الحادة بشأن صراعها مع السلطة ورئاستها في بيلاروسيا، او تقريع روسيا وانتقادها، والتي اتهمتها باحتلال القرم، وما شابه ذلك . يوجد عندنا ادباء احياء، وهم رواد واساتذة بحق في مجال الادب الابداعي مثل – اسكندر، او، بيتوف . انهم بلا شك جديرون بالحصول على نوبل . ان فالنتين راسبوتين الذي رحل قبل فترة وجيزة كان ايضا يستحق جائزة نوبل، هذا الكاتب الذي لم يكن باستطاعته حتى ان يعتبر نفسه ضمن قائمة الذين يكونون قريبين من تلك الجائزة . لماذا؟ لأنه لا يخفي موقفه الوطني تجاه روسيا .

 

أ.د. ضياء نافع

 

معاداة ضد تفوق وتميز المرأة ثقافة أزلية !!

fatima almazroweiفي الفترة بين 350 و450 ميلادية، عاشت امرأة تحدياً حقيقياً تمثل في أن تكون متعلمة في عالم من المرجفين يسوده التخلف، لكنها قاومتهم برسالتها العلمية ومبادئ العلماء، وفي نهاية المطاف لقيت مصرعها على أيدي هؤلاء الغوغاء، إنها الفيلسوفة هيباتيا السكندرية، التي تعد أول امرأة في التاريخ يلمع اسمها كعالمة رياضيات، إضافة لنبوغها في الفلسفة وعلم الفلك.

في تلك الحقبة الغابرة من الزمن لم يكن متقبلاً وجود امرأة لها حضور في المجتمع، وتقدم اكتشافات وآراء علمية، لكنها لم تلتفت لكل ذلك، كما أنها لم تستسلم للأمور التي كانت تأتيها من الكنيسة التي كانت ترفض تميزها وحضورها الاجتماعي، خاصة مع تزايد محبيها وتلامذتها بل وتأثيرها حتى في العلماء أنفسهم، وهناك إرث علمي لها جعل العلماء والدارسين يتفقون على نبوغها وتميزها، لكن في عصرنا الراهن نجد من بين ثنايا إرثها العلمي ومقولاتها ما يمس حياتنا وله أثر وفعالية، مثل مقولتها: " الخرافات يجب أن تُدَرَّس كخرافات، الأساطير كأساطير، المعجزات كخيالات شعرية، تقديم الخرافات على أنها حقائق هو شيء فظيع، لأن عقل الطفل يقبلها ويصدقها وفقط بعد ألم عظيم وربما مأساة يمكنه أن يتخلص منها ". وببساطة متناهية هي تقول مثل هذه الكلمات في زمن الخرافات وانتشار الجهل، ففي ذلكم الوقت كانت مساحة العقل والعلوم ضئيلة جداً ومحدودة جداً، مجتمع بدائي يقوم على القسوة والعنف والكراهية وإلغاء الآخر، فكيف يستمع لمثل هذه الآراء القيمة العظيمة؟!.

وهذا ما حدث في نهاية المطاف، فقد ضاق بعلمها الواسع الجهلة والغوغاء، ولأنها عاشت في عصر تكتنفه الفوضى وسيطرة واضحة للكنيسة ومحاولاتها لإلغاء أي صوت آخر، ورفضها للعلوم والمخترعات، تم اتهامها بممارسة السحر والإلحاد، وهذه التهم الموجهة ضدها سببت حالة من الغليان بين حشود من الناس الجهلة فقاموا بالهجوم عليها أثناء عودتها إلى منزلها بعد تقديمها أحد دروسها العلمية، وتم جرها في شوارع المدينة، وطعنت في أجزاء متفرقة من جسدها، وبعد أن فارقت الحياة تم إحراق جسدها.

كثير من العلماء في ذلكم العصر نعوها وحتى هذا العصر يوجد من كتب عنها وعن سيرتها وتم اعتبارها أول شهيدة من أجل العلم، تقول عنها العالمة كاثلين وايلدر: " يعتبر مقتل هيباتيا نهاية للعصر الكلاسيكي القديم"، أما الناقد والفيلسوف ستيفن غرينبلات، فقد قال عن حادثة اغتيالها: " إن مقتلها أثر بشدة في انحدار الحياة الفكرية السكندرية ".

ولكم أن تعلموا أن معظم أعمالها تمت بالمشاركة مع والدها ثيون الكنسدروس، الذي كان أستاذاً للرياضيات في جامعة الإسكندرية والسبب يعود لعدم وجود أعمال أنثوية منفردة للنساء في تلك العصور القديمة، ورغم هذا قدمت منجزات علمية مهمة في مجال العلوم منها قيامها بعمل رسم الأجرام السماوية، واختراعها مقياس ثقل السائل النوعي والذي سمي بالهيدرومتر، وغيرهما كثير.

لكن من أين كان مصدر التهم الموجه لها والتي سببت كل هذا العداء؟ سنجد أن مصدرها كان أحد رجال الدين ويسمى سيرل، وسبب عداوته لأنه كان يدعوا لبقاء النساء في منازلهن، فهو يرى أنه ليس لهن أي حق في العمل، بل يرفض الاستماع لآراء أي امرأة.

وفي هذا عبرة لنا في عالمنا المعاصر، أتمنى أن تكون الرسالة قد وصلت بشكل واضح لنا جميعاً.

 

فاطمة المزروعي

 

رسالة من تموز الساكن في العالم السفلي

لقد تعودت العيش في ظلمات العالم السفلي (عالم الاموات) أو بالاحرى عوّدت نفسي على ذلك ،على برودة المكان وجفاف الاركان .. ولكني مازلت أحن الى الماء والشمس والخضرة ، وأحن الى عشتار بقدّها الممشوق وعينيها السوداويين..

لذا لا ملجأ لي سوى الذكرى وعسى أن أخرج يوما لأعاود العيش في عالمكم وألقى عشتاري الجميلة..

أذكر أنه في يوم نيساني جميل كنت وعشتار في حقل أخضر فسيح يقع على جرف الفرات الاسمرخارج أسوار بابل العظيمة.

مازلت اذكر عشتار وهي تتمايل كغصن نضر في شجرة حور طرية. كانت تتمتع بالشمس الدافئة والنسمات العذبة القادمة من الشمال حيث الجبال العالية برؤؤسها الثلجية الناصعة.

على طول خط من الاشجار داكنة الخضرة كانت عشتار تجري وتتقافز كقطة برية بثوب شديد البياض. حاولت عشتار أن تحني أحد تلك الاشجار ولكن الشجرة أبت أن تنحني لأن أشجار بابل واوروك لا تنحني لأحد الا لربها أوتموت وهي شامخة.

جواميس ضخمة تمخر عباب النهر الخالد لا ترى منها سوى رؤوس مستطيلة بقرون مفتولة تتمتع بالماء الغريني.

راعي ماشية بعمر الزهور يتكأ على عصى معقوفة ينظر بشغف الينا بينما ماشيته ترعى بنشاط في مراعينا الداكنة الخضرة. عصافير وحمائم وضفادع وأوز وسلاحف، كل يسعى لرزق معلوم.

واذا بصوت رخيم هو صوت محبوبتي عشتار يصدح كهديل حمامة. كانت تغني وتتمايل كالاغصان الطرية. أخرج الراعي نايا ينفخ فيه ليملا المكان أنغاما شجية ..وعشتارترقص و تنشد ..

تعال مع الرياح تعال مع النهر

أجلب لنا الغذاء أجلب لنا المطر

أظهر لنا النهار لوّن لنا الزهر

طرّز لنا ثياب واملأها بالدرر

واكتب لنا كتاب سطّره بالعبر

 

أنتهت الاغنية وأنتهت الذكرى ولكني أود أن أقول لكم..

ذاك كان حال بلادكم بلاد مابين النهرين العظيمين قبل أن تغرب شمس حضارتها ..ذاك كان حالها عندما كنت موجودا في ربوعها دائما يدي بيد عشتار الجميلة التي كانت تملأ أرضكم بهجة ..

ولكن شراركم سرقوا مفاتيح بابل وأجبروني على النزول للعالم السفلي وأجبروا عشتار أن تهاجر الى نصف الارض الشمالي فغابت بركات ارضكم وعم الخراب وأخذت اشجاركم تحني رؤوسها لمن تنادى مع ندمائه وسلّ سيفه وفرض عليكم قانونه.

أرفعوا رؤوسكم يا سكان بابل وأوروك وباقي مدن مابين النهرين وساندوا جيشكم العظيم لتطردوا البرابرة القادمين من بلاد الافغان والشيشان وعمّان، لتبعدوا البهائم النازلين من جبال اليمن والوحوش المتسحبين من صحارى الحجاز لايفقهون شيئا سوى النهب والسطو وسفك الدماء وانتهاك الاعراض الذين فتح لهم بعضكم ذراعيه مرحّبا فأثخنوه جراحا وتقتيلا وانتهاكا للحرمات. أنهم عازمون أن يحكمونكم بدستور

بغيض ما انزل الله به من سلطان.

أحيوا أنفسكم بتماسككم واقتلوا من يريدون أن يفرقونكم طوائف وجماعات وقبائل وديانات ومدائن ومحميات متناحرة وكفاكم عارا ومعيارا بعضكم لبعض، فكلكم واحد ويجمعكم نسب واحد هو انتماءكم لبلادكم وأرضكم التي اوجدكم الله عليها منذ الأزل.

كفاكم تراخيا وأنبطاحا على جنباتكم وبطونكم وظهوركم يعتلي عدوكم صهواتكم. كونوا كأشجاركم أشجار بابل واوروك التي لا تنحني لأحد وان كان لا مفر لها من الموت فأنها لا تموت الا وهي شامخة.

 

محمود شاكر شبلي

خصوصية الأدباء والفنانين

mohamad aldamiنظرًا لأن رجال الأدب والفن والثقافة عامة عصيون على الانتظام في أنظمة ماكينة العمل في المؤسسات والشركات عامة والدوائر الحكومية خاصة، يندر أن تجد من بين القائمين على إدارة المؤسسات الثقافية في عالمنا العربي من هو أو هي من أهل الثقافة والفنون والآداب. لنلاحظ هنا أن أولي الأمر عامة، هم أرباب سياسة، وغالبًا ما يصعب عليهم التعامل مع أمزجة الأدباء والفنانين المتضخمة، الأمر الذي يضطرهم حال استلام السلطة أو الإدارة الحكومية إلى تعيين من هم من أتباعهم أو مريديهم سياسيًّا، على رأس المؤسسات الثقافية، ابتداءً من وزارات الثقافة وانتهاء بمحرري الآنية الإعلامية.

يكتفي أولو الأمر، والحال هذه، بتوصية من يتعين على رأس المؤسسة الثقافية بأن يتذكر دائمًا بأنه يتعامل مع أدباء ومثقفين، بمعنى التعامل، ليس مع أفراد عاديين في المجتمع، لأن هؤلاء الكتاب الخياليين والشعراء والمفكرين يتميزون بذوات متضخمة، وليس بذوات عادية، معتقدين بأنهم مركز العالم، علمًا أن تضخم ذات الأديب أو الشاعر إنما يكون مبعثه الدفين هو “عقدة تفوق”. هو لا يخفي شعوره بأنه أفضل من سواه من العامة اضطرارًا، ولكنه يتصرف حسب آلية وذبذبة تفرض على رؤساء المؤسسات الثقافية الشعور بأنهم إنما يتعاملون مع حالات خاصة تتطلب مرونة قصوى، وكأنهم أطباء نفسيون يتعاملون مع أفراد غير أسوياء، بمعنى أنك تتعامل مع أفراد يمكن أن يفعلوا أي شيء ويمكن أن يفاجئوك بأغرب السلوكيات والإعلانات.

وإذا كان القائمون على المؤسسات الثقافية أفرادًا يحملون هوية سياسية وينفذون إرادة سياسية، وليست ثقافية أو أدبية أو فنية صرف، فإنك غالبًا ما تجد في سلم الإدارات وهو يواظب على تذكيرهم بأن “حذار استفزاز الأدباء والمثقفين والفنانين”. يكفي تحييدهم، على أقل تقدير، إن لم تتمكن من كسبهم. هذا ما انتبه إليه أولو الأمر في حالات كثيرة تستحق الرصد والتحليل، منذ العصر الوسيط في عالمنا الإسلامي: وبعكسه، فما معنى أن يزن الخليفة أو الأمير قصيدة المدح بميزان الذهب ليهدي شاعرها ما يساوي وزنها ذهبًا صافيًّا؟

أما في عصرنا هذا، فلم يبقَ الشاعر ذو الصوت المسموع والعالي هو الذي يحتكر تشكيل الرأي العام: “مع أو ضد” هذا النظام وذلك الشاخص الحكومي، باعتبار إنهاء وسائل الإعلام هذا الاحتكار لأنها الأكثر وقعًا في نفوس كتل القراء ومؤشرات تفضيلاتهم الذوقية أو الاجتماعية أو السياسية.

وإذا ما كان عصر الإعلام هو العتلة الأساس في تشكيل الرأي العام طوال حوالي قرنين من الزمن (خاصة عبر القرن التاسع عشر والقرن العشرين)، فإن قبضة الإعلام الفولاذية على الرأي العام راحت تتراخى وتضعف أمام قبضة قنوات الاتصال الاجتماعي التي أخذ الكثيرون يعتمدون عليها بدائل عن نشرات الأخبار. بل ألاحظ هذه الأيام أن هناك من الشعراء والأدباء والكتاب الذين يعمدون إلى نشر نتاجاتهم بأسمائهم على صفحاتهم الخاصة في وسائل الاتصال الاجتماعي، قافزين على سلطة المحرر وعلى مقص الرقيب في آن واحد.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

مستقبل النشر بين الكتاب الإلكتروني والكتاب الورقي

abdah haqiأصبح النشر الإلكتروني في الوقت الراهن واقعا وحقيقة تحاصرنا كل يوم بعد أن إعتبره إلى وقت قريب عديد من مقاومي (جبهة الورقيين) معركة خاسرة منذ البداية ووهما بل موضة لن تفتأ أن تمرق بعمرها القصير مثل كثير من الموضات الغربية التي برقت لفترة قصيرة ثم أفلت ، في حين كانت جل المؤسسات الإعلامية العملاقة ودور النشر الرائدة خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية تعيد هيكلة بنياتها التحتية واللوجيستيكية وفق استرتيجية جديدة تتماشى والثورة التكنولوجية والرقمية التي إنعطفت بعلاقات الإنسان وأسانيد النشر التقليدية إلى 180 درجة أي من أطنان الأشجار التي تحولت إلى ورق إلى فسحة فضاء الرقمية صديقة البيئة والقابلة للتمدد بلا حدود تماشيا مع طموح وغواية النص السردي وليس لإكراهات سلطة البياض وجغرافيته المحدودة ...

مايؤكد هذه الحقيقة أن جميع المنابر الإعلامية الورقية المستقلة ثم الحزبية فيما بعد قد أطلقت في مجرة النشرالإلكتروني نسخها الرقمية بعد سنوات من التردد مخافة إنهيار صرحها الورقي الشامخ الذي شيدته قبل زهاء نصف قرن ونيف على أقل تقدير وأيضا مخافة التراجع الكارثي للمبيعات اليومية والذي من دون شك يهدد بالدرجة الأولى مستقبل مؤسساتها بالإغلاق وطاقمها بالتسريح إن لم يكن التشريد مثلما وقع للعديد من المنابر الإعلامية السيارة مثل (لوموند والواشنطون بوست ونيوزويك ..إلخ )

لم يعد إذن من باب السخرية اليوم أن نتحدث عن صحافة (البيجامة) كما كانت تنعت قبل عشر سنين حيث يكون باستطاعة الصحافي أوالمدون عموما وهو على سريره يحتسي قهوته ويمارس مهنة (المتاعب) بعيدا عن جدران قسم التحرير ومحاطا فقط بملحقات إلكترونية معدودة على رؤوس الأصابع : هاتفه الذكي وحاسوبه أو أيباده والربط الشبكي وتلفازا متطورجدا وحساب بريد مايل لتلقي أوالرد على الرسائل ..إلخ

وأعتقد أن الصحافة الورقية اليوم على إختلاف توجهاتها حزبية كانت أم مستقلة ، متنوعة أو موضوعاتية قد بدأت تتحسس ضرورة الإنتقال بأقل الخسائر من السند الورقي إلى السند الإلكتروني ، ما يؤكد هذه الحقيقة هو إرتفاع عدد زوار مواقعها الذي بات يتجاوز يوما بعد يوم المئات الآلاف فيما عدد مبيعات النسخ الورقية في المقابل لايتعدى بضعة آلاف في أحسن الأحوال .

وماكان لهذه الطفرة أن تحقق غاياتها في إستهداف مئات الآلاف من القراء والمتلقين الرقميين لولا الإنتشار الواسع للحوامل الإلكترونية وارتفاع عدد المواطنين المتصلين بالإنترنت في مختلف الأوساط والشرائح الإجتماعية وبحث هذه المنابرعن المعلومة الطاجزة وأخبار الإثارة التي تحقق إشباع فضول القارئ وتجعل منه مواطنا متشبعا بالمواطنة ومتفاعلا كل لحظة وحين مع أحداث مجتمعه على إختلاف مستوياتها وأهميتها ...

لايمكن أن نتحدث بهذا الصدد عن ثورة النشر الرقمية دون أن نتحدث عن إستحواذها على مختلف وسائط نشر المعرفة والعلوم وفي مقدمتها (الكتاب) بما رسخه في ذهنية وذاكرة الإنسانية وعقلها أيضا منذ قرون كوسيط مقدس بين تعاليم وشرائع ووصايا الله وعباده من البشرية وباعتباره أيضا ذخيرة وأثرا وشاهدا على تطورها العلمي والمعرفي والفلسفي والأدبي .. إلخ

آفاق شاسعة إذن فتحتها الرقمية والنشر الإلكتروني منذ مطلع التسعينات حيث عمد مايكل هارت عبر مشروعه الموسوم ب(غوتنبرغ) الرائد عالميا على مستوى النشر النتي ، عمد إلى رقمنة الآلاف من الكتب العالمية المجانية غير الخاضعة لحقوق النشر إلى كتب إلكترونية متاحة عبر الشبكة العنكبوتية لملايين القراء عبر العالم ثم في أواخر التسعينات تم إختراع برنامج (لوجيسيال) أدوب رايدر (بي يدي إيف) الذي أتاح للمتلقي إمكانية تخزين الكتب وأرشفتها في المكتبة الإفتراضية ، ومسايرة للتطور الرقمي والتكنولوجي صارت هذه الكتب عبارة عن كتب (ميلتيميديا) تتضمن بالإضافة إلى النص السردي فقرات صوتية وفيديوهات وصوروعناوين متحركة في الإتجاهين مما جعل عالم النشر ينتقل من الكتاب البضاعة المحسوسة المعروضة على الرفوف وأرصفة الأكشاك والتي نقلب صفحاتها بين أيدينا إلى بضاعة رقمية إفتراضية وربما بأبعاد ثلاثية مخبأة في جيوبنا ترافقنا في كل مكان وزمان بالليل كما بالنهار مما مكن عديد من الدول في العالم وفي عملية إستدراكية للوقت الضائع إلى نسخ تراثها العلمي والأدبي وعرضه على الأونلاين وبالمجان إلا فيما ندر وبالتالي فقد أصبح كل مواطن يملك حاملا إلكترونيا (حاسوبا أو هاتف سمارتفون ) مجهزا بالتطبيقات الضرورية للقراءة الفائقة صار هذا المواطن حاملا أوتوماتيكيا لأضخم مكتبة عالميا لم يكن ليتصورها عقل إنسان قبل ربع قرن وتضم أشهر الأعمال الكاملة للأدباء العالميين مثل تولستوي وتشيخوف وطه حسين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وأبي الطيب المتنبي وامرؤ القيس وغيرهم ...

أما في المغرب فمازالت تجربة نشر الكتب الإلكترونية تجربة غائبة إن لم تكن مغيبة من برامج واستراتيجيات دور النشربسبب الإرتباط العضوي لهذه الصناعة أساسا ببنية تحتية إقتصادية وثقافية وعلمية متجذرة وحاضرة بقوة على المستويين العمودي والأفقي وهي على كل حال غير مستعدة في الوقت الراهن بل حتى على المدى المتوسط على المغامرة بالإستثمار في هذا المجال الرقمي إستئناسا واقتداءا بتجارب بعض الدول الرائدة مثل فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية التي فاق فيها إنتاج الكتب الإلكترونية عدد الكتب الورقية بفارق مهول يجعلنا نخمن أننا فعلا قد ولجنا عصر نهاية الورق بكل تأكيد ...

وتعتبر تجربة مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة التجربة الوحيدة الرائدة على المستوى المغربي حيث بادرت إلى نشر مايناهز ثلاثين كتابا إلكترونيا على مدى سنتين فقط لأشهر الشعراء والكتاب المغاربة والعرب نذكر من بينهم الشاعر الفلسطيني عزالدين المناصرة (ديوان شعر في ثلاثة أجزاء) والشاعر العراقي سعدي يوسف ومحمد سناجلة رائد رواية الواقعية الرقمية وأفنان القاسم والشاعر الليبي سعد المنصوري والقاصة والإعلامية المغربية ليلى الشافعي ومحمد أديب السلاوي وغيرهم

ولا مراء في أن هذا التطور التكنولوجي فضلا عن دمقرطة وسائط الإتصال ودسترة الحق في الوصول إلى المعلومة والإنخفاض التدريجي في أسعار الحوامل الذكية كل هذه العوامل سوف تكون حوافز قوية على حث دور النشرعلى الولوج إلى عصر صناعة الكتب الإلكترونية وإعداد الآليات القمينة بالإنتقال السلس وبأقل الأضرار إلى عصر التواصل والمعرفة وخاتمة القول أن الكتاب الإلكتروني قادم رغم أنفة الكتاب الورقي . إن الأمر لايتعلق هنا بصراع أو حرب بين غريمين بل بحتمية التطور أحب من أحب وكره من كره ...

 

عبده حقي