أقلام ثقافية

عذرا يا نهر "يارا"

سلام البهية السماويلم أكن أتوقع أني سوف أشعر يوما ما بعد أن وصلت الى أستراليا بشيء اسمه الضجر أو الانزعاج، فلقد تخلصت على حد تصوري من جميع الهموم وتركت الشقاء الى غير رجعة، ولكن يا ترى ما الذي يجعلني أشعر في هذا اليوم كأن هموم الدنيا ألقيت على كاهلي، ولماذا ضاق صدري وأحتبس نفسي في هذا اليوم الجميل.. الشمس طالعة والهواء معتدل وكل ما حولي يوحي بالسعادة والسرور، ان كل ما سمعته سابقا عن استراليا بدأ يتجسد أمامي، فها أنا لامست شوارعها، وجلست في حدائقها، واختلطت مع أهلها، وسرحت ببصري في طبيعتها فوجدتها حقا كما قالوا بلدة جميلة طيبة هادئة بعيدة عن الصخب والضوضاء..

نعم الضوضاء التي كانت تملأ سمعي وبصري عندما كنت هناك، أه.. ما أشوقني الى سماع الضوضاء انها أمنية غريبة حقا في بلد التقدم والحضارة والهدوء !.

قادتني قدماي الى نهر "يارا" ذلك النهر الذي طالما تغنى به القادمون الى مدينة ملبورن، واتعز به المقيمون فيها أيما اعتزاز.

ذهبت اليه لأفرغ همومي، وأروح بقربه عن نفسي التي تداخلها اليوم حزن عميق.. أظن أنه الشيء الوحيد الذي يستطيع أن يفهم حالتي ويشخص ألمي الجديد !.

قصدته وأنا واثق تمام الثقة أنه سيضمني الى أحضانه، ويفيض علي الحنان الذي افتقدته، ولكن ما الذي افتقدته وأنا أعيش في أكثر بلدان العالم تمدنا وتطورا؟

سألت نفسي هذا السؤال قبل أن تطأ قدماي ضفاف نهر "يارا" واذا بي أجد الاجابة مرسومة على أمواج هذا النهر الكبير..

انك جميل حقا يا نهر " يارا " اني بحاجة الى أن أتحدث اليك وأشكو لك الامي..

لا تعلم يا نهر " يارا " كم أنت جميل في نظري هذه الساعة، ولا تدري ما أدخلته رؤيتك في نفسي من راحة وسرور.. ولكن أعذرني أيها النهر الحبيب اذا ما قلت لك انك لم تستطع أن تقتلع مافي داخلي من ألام رغم صفاتك وجمالك وعذوبة مياهك !

وما دمت قد صارحتك بهذه الحقيقة فأرجو ان تستمع الي وأنا افضي لك بمشاعري الحقيقية نحوك.. أريد أن أتحدث لك بصراحة عن مشاعري وأحاسيسي لا عما يقوله الأخرون لي أو يظهرونه أمامك وأمامي.. أريد أن أقول لك أنك لست الأجمل في نظري، ان هناك من هو أجمل منك.. نعم ان هناك نهرا بائسا تعرفت عليه قبل أن أتعرف عليك تفوق عليك في صفاته وجماله، انه النهر الذي كنت ألهو على ضفافه أيام الطفولة، وأحوم حوله أيام الصبا، وأسرح ببصري فيه أيام الشباب.. انه الرفيق الذي صاحبني طول حياتي، والطبيب اذي كان يداوي جراحاتي..

كنت أذهب اليه عندما أشعر بنفس ما أشعر به الأن، فأراه يمد الي يدا رحيمة رقيقة تقشع عني كل أحزاني والامي، فلماذا لا تمد الي يا نهر " يارا " نفس تلك اليد، يقينا اني لا أستحق منك ذلك والا لما تباطأت أنت عن ذلك، وحاشا لجودك وكرمك الكبير أن لا تطالني ولا يصلني لأنك لا تعرف معنا للتمييز بين جميع من يأتيك شاكيا باكيا.

ولكن أرجو منك أن لا تفهمني خطأ اذا ما أسمعتك من الكلام ما لم تسمعه من أحد غيري من قبل، وقلت لك بأن هناك من هو أجمل منك وأرق منك وأحلى منك، من الصحيح أن تقول ان مائي هو أعذب المياه ومنظري أرق المناظر، وشكلي ألطف الأشكال وهذا ما لا أستطيع أن أجادلك فيه، ولكن الذي ترتاح اليه نفسي، ويهدأ به ألمي ذلك النهر البعيد عني الذي عاش هو البؤس بينما عشت أنت النعيم، وعاش هو الجفاف بينما عشت أنت الحياة، عاش هو بين من لم يقدره ويعرف قيمته وعشت أنت معززا مكرما بين اصحابك، عاش هو وأنا أعلم ما تعني حركة أمواجه وأشاهد ما تنطوي عليه أعماقه وتعيش أنت أمامي ولا أرى منك الا سطحك البراق ولا أعرف ما في أعماقك من مجاهيل، عاش هو يتيما ليس له أحد يبتسم في وجهه وعشت أنت وكل من حولك يمرحون ويضحكون، عاش هو سجينا لا أحد يسمع صوته وعشت أنت حرا تملي ارادتك على الجميع، عاش هو قاسيا شديد الملامح لم يمد له أحد يد التجميل والتزويق وعشت أنت رقيقا منمقا في كل يوم يضاف حولك شيء جديد.

أرجو أن لا تنزعج يا نهر " يارا " اذا ما أخبرتك بأنك لو كنت مكانه لعاملوك بنفس المعاملة القاسية، وحينها تعرف كم هو مظلوم ذلك النهر الصابر الكئيب، كما أنك ستعرف حينها كيف تدفع الكائنات ضريبة ظلم الأنسان على الأرض، وحينها سوف تعرف مقدار ما كنت أعانيه وما أنا اليوم أعانيه من هموم وألام، وحينها سوف تعرف لماذا كان ذلك النهر يداوي جراحاتي ويقشع أحزاني بينما لم تستطع أنت أن تفعل ذلك على الرغم من صفاتك وجمالك وعذوبة مياهك !.

سامحني يا نهر "يارا" على ما فاضت به قريحتي فأنت سلوتي وانت حياتي المتجددة التي أحسست ولأول مرة وأنا على ضفافك الجميلة أنها بدأت تنقضي وتذوب مع الأيام وكما أني لم أستطع أن أشاهد ما في أعماقك من أهوال فأني الان لا أستطيع أن أشاهد ما في مستقبلي من مصير مجهول.

عذرا يا نهر "يارا" والى لقاء اخر قريب بأذن الله.؟

***

سلام البهية السماوي – ملبورن 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5703 المصادف: 2022-04-17 01:29:25


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5874 المصادف: الاربعاء 05 - 10 - 2022م