أقلام ثقافية

الزمن الجميل.. وذكريات سينمائية

عبد الجبار نوريتوطئة: إن البحث عن واقع السينما العالمية وهويتها نجد قدسيتها ومكانتها المرموقة لدى شعوب الغرب الأوربي التي مارست الديمقراطية منذ حوالي قرن من الزمن وأستوعبت مفرداتها برضا وقناعة وجدانية نجدهذه الشعوب أبدت رغبة وشوقا بصداقة السينما لدرجة المغالاة في عشق السينما لتصل للتقديس كما قال الناقد الفرنسي "رولان بارت ": إن السينما مقدسة ترقى زيارتها كزيارة المعابد .

إذا تعتبر السينما الركيزة الأساسية في أثارة الوعي للرأي العام ونقل الأحداث اليومية إلى الشارع، وهي واحدة من ثلاثة أحداث مهمة تسيطر على أهتمامات الشعوب التي هي: مسابقات كرة القدم والأولمبيات ومهرجان كان السينمائي .

الموضوع: كانت البدايه في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي في أقبال الناس وأرتيادها لدور السينما القليلة والمتاحة في ذلك الزمن مثل صالة سينما فردوس الصيفي والشتوي في شارع غازي المسمى اليوم شارع الكفاح فقد عرضت رواية عنتر وعبلة، وصالة سينما غرناطه في الباب الشرقي وقد عرضت فيلم سبارتاكوس التاريخي بطولة الممثل البريطاني كيرك دوكلاص وبالمقابل من غرناطة كانت صالة سينما غازي في حديقة غازي وسميّت بعد ثورة تموزبحديقة الأمة وتمتد بأمتداد لجدارية الحرية لجواد سليم اليوم وقد عرضت سنة 1957 رواية ثلوج كليمنجارو تأليف الكاتب والروائي الأمريكي أرنست همنغواي وقد شاهدتُ الفيلم بواسطة زيارة مدرسية لثانوية غازي التي سميت اليوم ثانوية النضال في السنك وبأشراف أستاذ الرياضيات الراحل باقر البعلي وكنت طالبا فيها .

وأن المجتمع البغدادي المحافظ أستساغ أرتياد هذه الدور السينمائية لأن أغلب الأفلام تستورد محتشمة وهادفة وموضوعية وذات أتجاه ثقافي ولكون أغلب الروايات مقتبسة من أشهر الروايات العالمية مثل الشيخ والبحر لهمنغواي والحرب والسلام لتولستوي وهيلين طرواده الفيلم الحربي التأريخي الملحمي تمثيل روبرت دوكلاص والحسناء البريطانية روزانا بوديستا بدور (هيلين) وقد شاهدت الفيلم للمرة الثانية في عمان الاردن في أيلول 2004 .

أما الستينات والسبعينات (الزمن الجميل) من هذا القرن ونحن في عنفوان شبابنا يبدو أننا منقسمون الى قسمين من باب رواد السينما – كما هو اليوم بين فريقي مدريد وبرشلونه – جماعة السينما الواقعية والملتزمة الهادفة الذي يكون الأنسان فيه محور الفلم حسب رأي السيد ماركس (الأنسان أثمن رأسمال) أي عشاق السينما الواقعية وعشاق الفن الجاد، وبين جماعة أفلام الأكشن والمغامرات وأفلام الرعب والخيالية وأفلام الأغراء .

وتعتبر هذه الفترة الزمنية الفترة الذهبية للسينما في تطور الفن السينمائي وأرتفاع سقف الطلب عليه مما شجع القطاع الخاص الى بناء صالات دور راقية أكثر من مئة صالة عرض سينمائية فيها التكنيك المعماري الحديث من تبريد وشاشات عملاقه وكراسي وثيرة وكامرات حديثة وطاقم أداري وعمالي لخدمة المرتادين لهذه الدور مثل سينما النصر، وسميراميس، وأطلس، وسينما الخيام، وسينما روكسي وريكس (في بغداد طبعا) .

والسينما العالمية منذ أنطلاقتها في أمريكا والغرب الأوربي دخلت في سباق تنافسي بخط متوازي مع الثورة الصناعية أعتبرت التأريخ: نوعا فلميا في توضيح دورها الآيدولوجي من جهة في الأنتشار الجماهيري للسينما من جهة ثانية لذا نرى الأحداث التأريخية الكبرى أحتلت حيزا في السينما الى جانب أعتبارها فنا وصناعتاً، فن ومجتمعي أساسهُ أبداع فردي وجماعي، وأن وظيفتها تحدد على مستويين: مستوى كونها عامل ترفيهي وثانيها أداة تأثير في الأذهان أذ سرعان ما يزول العامل الترفيهي بتقادم الزمن ويبقى العامل النفسي الذي يحفر في الذهن أخاديد لا تنسى كما أن الطاقة لا تفنى فأن الفن أيضا لا يفنى بل في تجدد مستمر، وأن العديد من مؤرخي الثقافة العربية المعاصرة يتعاملون مع ذوقيات المثقف العربي خلال أرتياده للسينما ونوعية الأفلام التي يحبذها .

والغريب أن الحداثة تطغى على العالم في كل المجالات التقنية والفنية، ولكن نجد أنحطاط واقع السينما العراقية – بالرغم من أهميته الرقمية في توثيق الأحداث في أرشيف الأمة – بعد سنة 2003 حيث أغلقت ابوابها وتبخر روادها، ربما يكون تداول الفلم عن طريق الأقراص المدمجة، وعالم اليوتوب الفسيح، والفضائيات، وجيل الآيفون المتطور، وهذا الأنحسار ربما بسبب المد الدينى الراديكالي الذي يعتبره من المحرمات، وأشعر بالأسى حين أتذكر الزمن الجميل حين نشاهد فلمين في يوم الأجازة بالأضافة كنا نترقب بشغف برنامج ( السينما والناس) التي تعدها المذيعه المتألقة الطيبة الذكر{ اعتقال الطائي} وتعرض في آخر البرنامج فلما عالميا على شاشات التلفزيون العراقي، ويمكن القول أهتمام العراقيين بالسينما وأبراز هويتها الثقافية إن الفيلم السينمائي الحائز على جائزة نوبل (جريمة في الحي اللاتيني) عرض أول مرّة في بعض دول الشرق الأوسط منها العراق (الخبر مقتبس من محاضرة للناقد علاء المفرجي في كلية التربية) وللأسف الشديد أصبحت دور السينما بعد 2003 هياكل تراثية وربما مخازن تجارية .

وسوف أستعرض بعض الأفلام الهادفة والملتزمة أنسانيا والتي تحضرني بمشاهدة أغلب هذه الأفلام هروبا من حر تموز وآب اللهاب والأحتماء بهذه الصالات المبردة، أما المسرح الوطني كان يعرض المسرحيات الجادة والهادفة من تأليف عباقرة أدباء العراق وشخصيا ربما أني كنت مولعاً في أرتياد دور السينما والمسرح لمشاهدة هذه الدرر من الروايات العالمية الموسومة بأقلام عباقرة كتاب العالم والمعروضه سينمائيا،وأعتذر عن نسيان بعضها (لأن العمر اتعدا ال-------لا يا فلان).

-ذهب مع الريح: تأليف ماركريت ميتشل 1939 عرض الفيلم على صالة سينما ريكس – شارع الرشيد- سنة 67 ومدة الفيلم 222 دقيقة، تمثيل كلارك كيبل وفيفيان لي وترجمت الى ثلاثين لغة منها اللغة العربية، ولروعة الفيلم وشدة الطلب عليه أعيد عرضه سنة 1971 على صالة سينما روكسي، ويدور أحداث الفيلم حول الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال الصناعي والحنوب الزراعي وتحرير العبيد وأنهيار الأقطاع وحب جارف ومندفع بجنون ولكنه ينتهي بنهاية غير سعيدة .

- الرز المر: من الأفلام الأيطالية الواقعية و من أخراج المخرج الواقعي (جوسيبي دي سانتس، وتمثيل الحسناء الأيطالية سلفانا منكانا) 1949 وعرض سنة 1961 على صالة سينما ريكس في شارع الرشيد، ويحكي أستغلال النساء العاملات في حقول الرزفي ايطاليا، وهو يمثل الواقعية الجديدة في السينما الأيطالية .

-افلام المخرج الأيطالي الواقعي (فيتوريو دي سيكا) يحكي الواقع الأيطالي البائس حيث الجوع والتشرد من أنتاج الحرب العالمية الثانية منها: سارق الدراجة وهو فلم مأساوي، وماسح الأحذية، وأمرأتان عرض على صالة سينما الخيام سنة 1961تمثيل الممثلة الأيطالية المتألقة(صوفيا لورين) التي حصلت على جائزة الأوسكارفي تمثيلها في هذا الفيلم، وأخرج افلام المرح والتأمل برومانسية شفافة رائعة مثل (خبزوحب ومرح) بطولة الحسناء جينا لولو بريجيدا وعرض في بغداد في 61 على صالة سينما الخيام في الباب الشرقي .

ومن الأفلام السوفياتية: دستوفسكي 1821- 1881هو واحد من أكبر الكتاب الروس ومن أفضل الكتاب العالميين كان له أثر بالغ وعميق على أدب القرن العشرين، ورواياته تحوي فهما عميقا للنفس البشرية، كما تقدم تحليلا دقيقا ثاقبا للحالة السياسية والأجتماعية الروحية لروسيا في ذلك الوقت، والعديد من أعماله المعروفة تعد مصدر ألهام للفكر والأدب المعاصر، وشاهدنا له (الأخوة كارامازوف) بطولة يول برينر سنة 77 على صالة سينما ساميراميس-أذا أسعفتني الذاكرة- وشهدنا له روايته المشهورة (الجريمة والعقاب)على صالة سينما النصر في السبعينات، والفلمين عباره عن تشريح فسلجي للنفس البشرية وما يختلج فيها من مشاعر وأحاسيس وعندما تتغلغل داخل أعماقي أحس وكأنها تتحدث عني بوضوح.

الحرب والسلام: فيلم روائى للكاتب الواقعي (تولستوي) وضح بأسلوب واقعي معاناة الشعب البائس في خضم أهوال الحرب وفضائحه وما تجلبه من دمار ومآسي للشعب ليأكد للمشاهد الحاجة للسلام ضرورة ملحة لأنقاذ ما تبقى منه.

-شكسبير:1554 – 1616 شاعر وكاتب مسرحي انكليزي يغوص أغوار النفس البشرية ويحللها في بناء متناسق هو أبرز الشخصيات في الأدب العالمي – أن لم يكن أبرزها على الأطلاق – تاجر البندقية، هاملت،عطيل، مكبث، يوليوس قيصر، جميعها عرضت على مسارح بغداد الجادة ومُثل بعضها وتُرجمت الى العربية وتبقى النسخة الأنكليزية هي الأفضل كأنك أمام هذا الطود الشامخ يحاكيك قلبا ولسانا.

- آرنست همنكواي: امريكي الجنسية كوبي الأقامة، وضح تجاربه في الحرب العالمية الأولى والثانية والحرب الأهلية الأسبانية – لأنه شارك فيها فعلا- ومن رواياته التي مثلت وشاهدناها بشغف: الشيخ والبحر، لمن تقرع الأجراص، وداعا للسلاح.-

-فكتور هيجو: روائي فرنسي شاهدنا له رائعته الرومانسية (أحدب نوتر دام) بطولة انتوني كوين والممثلة الأيطالية الحسناء جينا لولو بريجيدا، يوضح الظلم وغياب العدل وأنصات لصوت الضعفاء المحرومين وعُرض على صالة سينما ريكس في شارع الرشيد المجاورة لصالة سينما روكسي في شارع الرشيد.

-ظهرت في مصر موجة الواقعية في السينما المصرية: مثل فيلم أفواه وأرانب للكاتب الجاد سمير عبد العظيم والمخرج الواقعي هنري بركات خص قضية الفقر وعدم التخطيط الأسري، وفيلم اللص والكلاب للكاتب نجيب محفوظ 1973 يوضح الصراع الطبقي ذلك الصراع (بين المجرم والناس) .

-المسرح الجاد العراقي: من أبطاله المخرج والكاتب والممثل الراحل قاسم محمد، والمخرج المبدع ابراهيم جلال، والمخرجه والكاتبة د - عواطف نعيم، ورائد الفن الملتزم الراحل الأستاذ (يوسف العاني)، والكاتب الواقعي الجاد غائب طعمه فرمان الذي ابهجنا بغبطة وتفاؤل ونحن نشاهد النخله والجيران، والشريعه، والكاتب المبدع والواقعي (عادل كاظم)، والممثلات المبدعات فاطمه الربيعي وانعام الربيعي، والراحله فخريه عبد الكريم (زينب) وناهده الرماح وزكيه خليفه وطه سالم وشذا سالم و الممثل والكاتب د- سامي عبد الحميد وجعفر السعدي وخليل شوقي وسليم البصري وبدري حسون فريد و مقداد عبد الرضا وطعمه التميمي وحمودي الحارثي ومحسن العزاوي ومحسن العلي، وألف تحية وأجلال لهذه الكوكبة العراقية التي لا تخبو ضوءها الى الأبد.

***

عبد الجبارنوري 

كاتب وباحث عراقي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5720 المصادف: 2022-05-04 09:09:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م