أقلام ثقافية

شئٌ لم يَنتهِ، وشئٌ لم يبدأ بعد!

سمير محمد ايوبأحافير في الحب

صديقةٌ مثقفةٌ متقاعدةٌ متأملة، عَمِلَت مُطَوّلا في الشأن العام، داخل بلدها وخارجه. مُقيمةٌ في البعيدِ من الوطن العربي، مع أول فناجيلِ قهوتي الصباحية، برفقة الكثير من الفيروزيات صبحَ هذا اليوم، هاتفتني مطولا. في ثنايا حوارنا قالت: بشغفٍ تابعتُ الجزء الخامس والسادس والسابع من حواراتك معها. واتفق معك تماما أن الكثير من العلاقات الإنسانية وما يلفها من مشاعر نبيلة حميمة بات يجتاحها، عواصف صادمة للروح والعقل، ومتغيرات متسارعة على مختلف الصعد. فيبدو المشهد بما يمور فيه من صراعات وتمزقات وازمات، مُترنّحا في حالة سيولة لزجة تامة، والأرض باتت تميد بأهلها، والقيم تضطرب فوقها، وفوضى شاملة تجتاح كل دهاليزها، فهل بات الكل يا شيخنا مستغرقا بسلبية العجز، لا حول له ولا قوة، منتظراعلى أبواب علاماتٍ كبرى لقيامة دَنَت قبل أوانها ؟!

قلتُ مهموما: إزاء هذا المشهد المجنون، تحارُ أفضل العقول، وتفقد بصيرتها وقدرتها المستنيرة، على رؤية الاحداث وما وراءها وما كان قبلها، ومن ثم تفسيرها وإدراكها وعقلنتها، والكشف عن ثيماتها العميقة المتخفية.

يمكن تتبع حيرة الفكر إزاء ما نسمع وما نرى، في ذلك السيل المتدفق من التفاصيل، سباقٌ محمومٌ بين طرفي الاختِصام، في صياغة وإبتداع وفبركة أسبابٍ لتوصيفِ المُعاش، ومنحه مُسمياتٍ ومعانٍ، يريدوننا تصديق تمويهاتها المُراوغة.

أدرَكْتُ أن عدوى الحزن والهم قد أصابتها هي الاخرى، بعد أن قالت: أعرف يا صديقي، الكثيرَ من تلك التوصيفات المطروحة للتداول الفج، في بازارات التخاصم وبورصاته، عناوين لتورِياتٍ كبيرة متأتأة، مثل: القيم الإستهلاكية الشكلانية، تفكك المنظومة الأسرية وتراتبيات المجتمع، التفسخ الأخلاقي، البُخلُ المادي والعاطفي والإيماني، نهاية عصر الرجال، إنتهاء صلاحية المرأة. وأكثرها بشاعة إرتطام وصدام مصالح صغرى عابرة، شعارها أنا ومِنْ بعديَ الطوفان. وغير ذلك من توصيفاتٍ متنوعة، ذات أبعاد نفعية فوضوية.

أكملتُ ما تفضلت به رفيقة الهم: وسط هذا الإرتطام الظاهر على السطح، المزدحم بالركام والرؤى المتنافرة، تُطِلُّ بواطن الواقع وقيعانه، بتوصيفٍ مختلفٍ لما يشهد سطح المشهد. توصيف مثير جدير بالتامل. أُسميه المسكوت عنه. جُلُّه قِوى لا يمكن الإفصاح عنها، بالكثيرٍ من الصراحة، تتحكم في بنى وصور ومضامين وإتجاهات وتبعات الإرتطام ومتفرقات الاختصام.

أزمات عميقة في قلب العلاقات، فيها دلالات إنهيار أو أفول. ليس فيها بشارةٌ لميلادِ جديدٍ، قد يبزغ من هشيم الواقع الغارب.

قالت ضيفتي: هنا يكمن سؤالي يا شيخنا. قل لي من فضلك، لِمَ تُصابُ العلاقات بهذه الأزمات المثيرة للفزع دفعة واحدة؟! أنابعةٌ هي من الإخفاق على المواجهة، أم من نجاح الصمتِ والخجلِ والجهل ؟!

قلت: للحديث اكثر من بقية يا سيدتي

***

الدكتور سمير محمد ايوب

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5826 المصادف: 2022-08-18 01:36:55


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م