أقلام ثقافية

إبراهيم قار علي شاعر الوطن والقيم

المتتبع لشعر إبراهيم قار علي يجد ذلك الهاجس الذي يسكن كلماته المضمخة بعطر الأرض وتربة الأجداد هاجس الوطن الذي تتربص به أيدي الغدر والخيانة التي تريد أن تحرق كل أشجار الحب والخير فيه، نيران الأعداء المشتعلة في غابات الوطن بنشر الفتن والتفريق بين ابناء الشعب والتشكيك في هوية الجزائر وتاريخها العريق، في هذا الجو المشحون بالصراع والخيانة يختار الشاعر "إبراهيم قار علي" الوقوف بجانب الوطن فهو يملك قلم رصاص كلاشينكوف يصيب به قلب العدو في مقتل فتأتي قصائده تحمل هذا الوهج وهذه الاحتراقات كثيرا من الأحيان مسكونة بالوجع وألم الفقد ..ففي قصيدته ألفية الجزائر النشيد الرابع عشر " النشيد " ثمة أسئلة تؤرق الشاعر، أسئلة موجعة لأن الواقع الذي يعيشه هو واقع المرارة والبحث عن الذات ..

يتساءل إبراهيم قار علي:

ما قيمة الدنيا بلا دنيانا؟

جمال الحياة وبهجتها يكون في دنيا سعيدة يعيشها الشاعر، بلا خوف ولا فقد فهو يفتح عينيه يوميا على الأحداث التي يمر بها الوطن، فتن وحرائق وأعداء يتربصون من كل مكان...

هذه الدنيا التي كان ينتظر الشاعر أن تكون شمعة في الليل الحالك المدلهم، يقتبس منها بصيص نور، فجأة تنطفئ وتحترق بعدما كانت مضيئة ..يقول مجسدا تلك المعاني التي ذكرناها:

ما أنت إلا شمعة في ليلنا

كيف احترقت وقد ضأت دجانا

نلاحظ أن الشاعر دقيق في انتقاء كلماته التي تخدم مضمون القصيدة (الشمعة، الليل، الاحتراق، الدجى)

و كأنها تعبر عن واقع متشظي يحيطه الانطفاء والظلام والاحتراق وفقدان الرؤية..

ورغم هذه المواجع والفجائع والآلام فالشاعر ينتظر الربيع الجميل حيث الإخضرار والورود والفراشات والبساتين...

عَادَ الرَّبِيعُ وَلَنْ تَعُودَ فَرَاشَتِي

لَا وَرْدَ لَا أزهَــارَ لَا بُــسْـتَــانَـا

آه كم تشتد غربة الشاعر وكم يكبر وجعه عندما يكتشف الحقيقة المرة أن الربيع فصل الجمال والاخضرار والحب والانطلاق في دروب الحياة لم يحمل معه الفراشات ولا الورود والازهار والبساتين ..

فكيف يسعد الشاعر ويهفو قلبه للحب ولعناق أشواق الحياة وربيعه ما عاد ربيعا، هو يشبه الربيع ..

بهذا الفقد والمرارة لم يعد الشاعر يستطيع أن يغني ويعزف ألحان الأمل، بل صارت ألحانه تسكن الاحزان، وكيف لا يحزن؟ وربيع الوطن ما عاد مخضرا العصافير الازمنة الجميلة لم تعد تزقزق، هالها مارأته من حرائق في بساتين الوطن فاختارت دروب الغربة والرحيل دون أن تعزف لحن الوداع الاخير ولنسمع لهذه الكلمات المطعونة بخنجر الغدر والفقد، كلمات صادقة شفافة:

مَا عُدْتُ يَا وَطَنِي أغَنِّي إنَّنِي

قَدْ صَارَ لَحْنِي يَسْكُنُ الْأحْزانَا

لَا لَا تَسَلْنِي كَيْفَ يُحْرَقُ بُلْبُلٌ

أوْ كَيْفَ صِـرْنَا نَهْجُرُ الْأوْطَانَا

مَالِلْعَصَافِيرِ الْجَمِيلَةِ مِنْ هُنَا

رَحَلَتْ ومَا عَزَفَتْ لنا ألْحَانَا

هؤلاء المجرمون الذين قتلوا شحرورة الشاعر، حبيبته، قتلوا في أعماقه ذلك الصوت المغرد( الكروان) وإذا فقد الشاعر صوته الشاعري الذي يصدح به في كل مكان فقد كل شيء ..

لَمْ يَقْتُلُوكِ الْيَوْمَ يَا شُحْرُورَتِي

لَـٰكِـنَّـهُـمْ قَتَلُوا فِـيَ الْـكَـرَوَانَـا

الذي كان سببا في حرق الأطيار فقد إنسانيته بل اعتبره الشاعر أضل من البهائم، وكيف لا وهو الذي لم يرحم حيوانا فكيف به يرحم إنسانا؟..

هذه حقيقة مرة فأعداء الوطن بلا قلب ولا رحمة، فقدوا كل ذرة إنسانية لهذا لابد أن يفضحهم الشاعر وأن يقف بجانب وطنه، بقلمه وشعره

مَنْ يُحْرِقُ الْأطْيَارَ فِي أقْفَاصِهَا

أبَـدًا فَـذَٰلِـكَ لَـمْ يَـكُـنْ إنْـسَـانَـا

قَـوْمٌ أضَلُّ مِـنَ الْبَهَائِمِ بَيْنَنَا

يَا وَيْلَنَا لَمْ يَرْحَمُوا الْحَيَوَانَا

وما أعظم الشاعر الذي لا يستسلم حتى وإن جفت عيونه فدموعه جاهزة ليطفئ بها النيران المشتعلة وهذه قمة التضحية والمساندة وحب الوطن .

جَفَّتْ عُيُونِي لَمْ يَعُدْ مَاءٌ بِهَا

إنِّي بِدَمْعِي أطْـفِـئُ النِّيرَانَا

إن الدارس والقارئ لشعر إبراهيم قار علي يخرج بهذه الانطباعات:

- مفهوم إبراهيم قار علي للشعر فهو ليس تهويمات وغزليات وكلمات عابرة دون معنى أو قضية بل هو شعر يحمل قيم الحب والتضحية والدفاع عن الوطن وهويته ضد الأعداء المتربصين .

- إبراهيم قار علي شاعر طوع القصيدة للمضامين التي يكتبها بكل سلاسة وسهولة..

- شعر إبراهيم قار علي شعر فيه شفافية وصدق وصفاء فهو بعيد عن النظم، فله قدرة على التصوير الفني واقتناص التعابير الجميلة المؤثرة ..

- إبراهيم قار علي نستطيع أن نطلق عليه: شاعر الوطن والقيم فقد أحيا تلك القصائد التي كان يتغنى بها مفدي زكريا والأخضر السائحي ولكن بطريقته الخاصة وأسلوبه المتميز..

يحتاج شعر إبراهيم قار علي إلى أن تحتضنه الجامعة في دراسات عميقة تستنبط منه تلك القيم من حب الوطن والتغني بالأرض..

فهو شاعر تعرض لبعض الجحود ربما لأنه لم يجمع قصائده في دواوين ونحن ندعوه أين يجمع شعره في أقرب وقت فهو ليس ملكه بل ملك كل الجزائريين وكل عشاق القصيدة المعطرة بحب الوطن وحب الجمال ..

***

الكاتب والباحث في التنمية البشرية

 شدري معمر علي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5844 المصادف: 2022-09-05 01:23:51


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5930 المصادف: الاربعاء 30 - 11 - 2022م