أقلام ثقافية

شاعر عظيم وعاشق خائب

امضى الشاعر العربي المصري كامل الشناوي (7 كانون الاول 1908- 30 تشرين الثاني 1965)، سحابة عمره راكضًا وجاريًا وراء الشعر والمرأة، وفي حين سجل نجاحات عظيمة في عالم الشعر سجّل اخفاقات مدوّية في عالم الحب والمرأة، وتذكُر المصار المتوفرة وقبلها اقواله الشعرية انه كان يتنقل من امرأة إلى امرأة ومن وهم غرامي إلى وهم آخر، مُسجّلًا في دفتر يومياته أملًا يؤدي إلى اخفاق واخفاقًا يؤدي إلى أمل، وهكذا عاش بين الرجاء والجفاء، حتى ايامه الاخيرة في الحياة. أما سبب كل هذه المعاناة فقد كمن في روحه الطيبة من ناحية وفي سمنته المُفرطة من ناحية اخرى.

ولد شاعرنا وهو كاتب وصحفي ايضًا، في "نوسا البحر" مركز أجا بمحافظة الدقهلية، وكان مولده لعائلة متعلّمة، فجده تولّى منصبًا قضائيًا هو الاعلى في القطر العربي المصري في حينها، وأبوه سماه مصطفى كامل، جرّاء ولادته بعد وفاة الزعيم التركي ومؤسس الدولة التركية الحديثة مصطفى كامل اتاتورك، وكان أن التحق كامل الشناوي بجامعة الازهر القاهرية ودرس فيها مدة خمسة اعوام، وتذكُر المصادر المتوفرة أنه عمل في كبريات الصحف المصرية وإلى جانب كبار الصحفيين في عصره أمثال محمد التابعي والاخوين مصطفى وعلي أمين- مؤسسي دار اخبار اليوم وصحافتها، وكان عمله الصحفي عام 1930 إلى جانب الاديب الدكتور طه حسين واحدًا من أبرز الاعمال الصحفية التي مارسها ومن اوائلها ايضًا. لم يتجرأ الشناوي على إصدار كتاب إلا بعد أن اشتد عودُه واصلب ساعدُه الادبي، ونذكر من مؤلفاته الكتب التالية: اعترافات أبي نواس – أوبريت جميلة – الليل والحب والموت، وآخر أعماله كانت أوبريت "أبو نواس".

عًرف الشناوي بعذوبة القول الشعري وهو شقيق الشاعر الغنائي مأمون الشناوي وقد صدح بأشعاره وكلماته الشعرية كبار فناني عصره ومغنيه. غنى له محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ) حبيبها - لست قلبي - لا تكذبي ...) فريد الأطرش ونجاة الصغيرة وغيرهم.

يقول الكاتب الصحفي رجاء النقاش، عن الشناوي في كتابه اللطيف" الحب لا يتكلم كثيرًا"، إن الشناوي كان مُحبًا متيًما وعاشقًا للمرأة وأنه كثيرًا ما كان يرسل الفتاة تلو الفتاة والمرأة بعد المرأة إلى اصدقائه محرّري الصحف، طالبًا منهم النشر لهذه أو تلك منهن، لعلّ وعسى أن تعطف عليه إحداهن، ويشير إلى قصة تتيّمه الشديد وتعلقه بنجاة الصغيرة، وإخفاقه في قصته الكاوية اللاسعة معها، وما تفتق عنها من كتابته لقصيدته الخالدة" لا تكذبي"، ملمّحًا إلى آماله الكبار في العثور على من تُحبه ويهواه قلبُها، وإلى ما افضت إليه تلك الآمال من خيبات أمل واخفاقات رجاء، وقد انعكست هذه الآمال والاخفاقات فيما كتبه من قصائد، صدح بها عدد من كبار فناني عصره، مطربيه ومغنيه، لا سيما في القصيدتين الخالدتين "لا تكذبي" و"لست حبيبها". وبإمكان من يستمع الى هاتين القصيدتين/ الاغنيتين، أن يرى إلى تلك اللوعة والحرقة التي عاشها صاحبهما شعرًا وإخفاقًا.

ما عاشه شاعرُنا يُذكر بما عاشه بطل رواية "الشاعر" للأديب الفرنسي ادمون روستان (ترجمها إلى العربية بتصرف الكاتب العربي المصري مصطفى لطفي المنفلوطي تحت عنوان "الشاعر او في ظلال الزيزفون"). بطل هذه الرواية الشاعر قبيح الشكل والمظهر يكتب الرسائل الجميلة المعبّرة والمؤثرة لقائد عسكري وهذا يرسلها بدوره إلى مَن يريد اقناعها بإقامة علاقة به، وعندما تحضر هذه المقصودة إلى خيمة القائد، يختبئ الشاعر وراء ستارة ليستمع إلى أشد الكلمات إثارة لأحزانه، ويذرف الدموع وهو يستمع إلى الضيفة العزيزة الغالية على قلبه وليس على قلب ذلك القائد الرعديد، وهي تقول للقائد العسكري: لماذا حين اقرأ رسائلك أتأثر كل التأثر، وحين التقي بك.. اشعر بكل هذا البرود؟ ولعلّ الشاعر كامل الشناوي كان يشير إلى مثل هكذا قصة عندما وضع كتابه عن " الذين احبوا مي"، فقد تطرق في كتابه هذا إلى عظمة عشاق رواد صالون مي زيادة، من كُتاب وأدباء عصرها، وإلى اخفاقاتهم الغرامية معها.. فهل كان في كتابه هذا يعزّي نفسه؟ سؤالٌ بلاغي قد لا يحتاج إلى أية إجابة.. وربما هو يحمل اجابته في طياته وخفاياه المحزنة والمثيرة للأسى والشجن.

لقد عاش كامل الشناوي بهذا، قصة شاعر تمتّع بموهبة عظيمة دفعت الشاعر الكبير احمد شوقي لانتدابه نائبًا عنه لقراءة اشعاره امام الجمهور، وجعلت الكاتب رجاء النقاش يعلن ندمه لأنه لم يسجل صوته الرائع اثناء قراءاته الشعرية، كما جعلته يبدع كل ذلك الابداع فيما تركه من إرث شعري، وفي المقابل عاش اخفاقات شاعر في كل ما نشده من نجاحات في حياته الغرامية، حتى قضى وهو دون الستين من عمره.

***

ملحق/ قصيدة

لا تكذبي

شعر: كامل الشناوي

لحن: محمد عبد الوهاب، وقد صدح بها كل من نجاة الصغيرة، عبد الحليم حافظ اضافة الى ملحنها:

لا تكذبي إني رأيتكما معا

ودع البكاء فلقد كرهت الادمعا

ما أهون الدمعَ الجسور إذا جرى

من عين كاذبة فأنكر وأدعى

إني رأيتكما.. إني سمعتكما..

عيناك فى عينيه.. فى شفتيه.. فى كفيه.. فى قدميه

ويداك ضارعتان.. ترتعشان من لهفٍ عليه

تتحديان الشوق بالقبلات تلذعني بسوط من لهيب..

بالهمس، بالآهات، بالنظرات، باللفتات، بالصمت الرهيب

ويشب فى قلبي حريق ويضيع من قدمي الطريق

وتطل من رأسي الظنون تلومني

وتشد أذني

فلطالما باركت كذبك كله ولعنت ظني

ماذا أقول لأدمع سفحتها أشواقي إليك

ماذا أقول لأضلعٍ مزقتها خوفًا عليك

أأقول هانت؟.. أأقول خانت

أأقولها؟.. لو قلتها أشفي غليلي.. يا ويلتي..

لا، لن أقول أنا، فقولي..

لا تخجلي.. لا تفزعي مني.. فلست بثائرٍ

أنقذتني.. من زيف أحلامي وغدر مشاعري

فرأيت أنك كنت لي قيدًا حرصت العمرَ ألا أكسره

فكسرته

ورأيت أنك كنت لي ذنبًا سألت الله الا يغفره

فغفرته

كوني كما تبغين لكن لن تكوني

فأنا صنعتك من هواي، ومن جنوني

ولقد برئت من الهوى ومن الجنون.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5854 المصادف: 2022-09-15 02:10:31


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5927 المصادف: الاحد 27 - 11 - 2022م