أقلام ثقافية

أمل دُنقل.. نار الشعر وعُمق المحبة

تكشف الكاتبة الصحفية عبلة الرويني في كتابها "الجنوبي"، عن جوانب وقصص خفية في حياة زوجها الشاعر العربي المصري المبدع أمل دُنقل ( 1940- 1983)، وتُلقي اضواءً كاشفة على تجربة شاعر تطهّر بنار الشعر وعاش المحبة بكل ما فيها من عمق انساني تبدّى للبعض من معاصريه وكأنما هو في منتهى القسوة. الكتاب صدر قبل سنوات بعيدة، غير أن معلومات غوغولية-نسبة إلى غوغل-تفيد أنه طُبع عددًا من المرات وما زال يُطبع حتى أيامنا الراهنة.

قرأت هذا الكتاب منذ سنوات بعيدة ماضية، وها أنذا أرى في إعادة طباعته وتكرارها مناسبةً للعودة إليه مجددًا للحديث عنه واللفت اليه، فلعلّ قارئًا مُحبًا يأخذ فكرة عنه فيسعى إلى قراءته، على اعتبار أنه واحدٌ من كتب السيرة العربية الغيرية الدافئة والملأى بالقصص والاحاسيس غير المعروفة عن شاعر عاش عمرًا قصيرًا وآثر أن تكون حياته سرًا شخصيًا لا يعرفه أو يعرف بعضًا منه للدقة سوى أقرب المقرّبين.. لعلّ اكثرهم قربًا منه زوجته مؤلفة الكتاب.

تفتتح المؤلفة كتابَها هذا بالإجابة عن سؤال كيف تعرّفت عليه؟ ونعلم من إجابتها المتناثرة في صفحات الكتاب، أنها من عائلة ميسورة وأنها أحبت الصحافة وعملت فيها، و.. أنها اقترحت على رئيس تحرير الصحيفة التي عملت فيها في أواخر السبعينيات، أن تُجري مقابلة مع الشاعر أمل دُنقل، صاحب القصيدة المشهورة لا تصلح، التي طالب بها الرئيس المصري في حينها أنور السادات بألا يصالح إسرائيل ولو ملّكوه الذهب. وكان أن جرى بينها وبين رئيسها تحدٍ عمّا إذا كانت هذه المقابلة ستتحقّق وتتم على أرض الواقع أم لا. قبلت عبلة التحدي وتوجّهت إلى المقهى الذي يتردّد عليه الشاعر أمل دنقل، وطلبت منه كما سبق وطلب منه آخرون إجراء مقابلة صحفية معه، فازورّ عنهم. وقبل أن يرفض أمل طلبها بأنفة وكبرياء إنسان صعيدي، كما حدث مع محاولات مماثلة سابقة أيضًا، تخبره أنها دخلت في تحدٍ أو رهان مع رئيس تحريرها وأن الرهان في حال رفضه إجراء المقابلة معه سيؤدي إلى تركها العمل في الصحيفة. يستمع أمل إلى ما قالته باهتمام شديد ويطلب منها أن تجلس وأن تشرع في إجراء المقابلة العتيدة. تنتهي المقابلة غير أن اللقاء يبدأ.. ويتواصل ليُكلل بالرباط المقدس بين طرفيه.. الصحفية المتحدية.. والشاعر المشاكس.

كما سلف تكشف عبلة الرويني في كتابها هذا، عن الكثير مما خفي عن حياة زوجها الشاعر أمل دنقل، كما تتحدث بدفء نادر وأحاسيس ملتهبة، تتمثل في أربعة أعوام عاشتها معه وإلى جانبه برفقة ضيف ثقيل، هو المرض العُضال الذي احتل جسد شاعرها وسيطر عليه، وتتحدّث عن أعوام مضت وكأنما هي حلم ومضى مخلّفًا وراءه حسرات وحسرات. فيما يلي أقدّم إلماحات وإشارات مختصرة جدًا عمّا اطلقتُ عليه " جوانب خفية وقصص" في حياة صاحب " أوراق الغرفة رقم 8"، الشاعر أمل دُنقل.

*من أوائل الاسئلة التي توجهها إلى شريك حياتها الجديد الطري التي آثرتهُ على حياة اليُسر وفضّلت أن تعيش معه وإلى جانبه حياة العُسر، كما توحي في كتابها، لماذا هو يُظهر كل تلك القسوة للآخرين؟ ويأتيها الجواب غير المتوقّع ومفاده انني أبدو بكل هذه القسوة ولا أسلم منهم فماذا سيلحق بي إذا ما كشفتُ لها عمّا بي من ضعف ورقة؟

*من اللطائف التي تبوح بها المؤلفة في كتابها هذا، أن أمل كان مُحبًا للسهر، وأنها كثيرًا ما كانت تستسلم إلى ملك الكرى، كما أنها كثيرًا ما كانت تشعر بيدٍ تُدغدغ قدمَها.. لتفتح عينيها ولتوجّه إليه/ زوجها أمل، سؤالًا بات مع مضي الوقت تقليديًا.. هل كتبت قصيدة جديدة؟ فيأتيها الرد بتلاوة ما جادت به عليه قريحته في تلك الليلة من قول شعري.

* في الكتاب عددٌ وفيرٌ من المواقف المعبّرة والمؤثرة، التي تُلقي اضواءً كاشفةً على حياة صاحب "العهد الآتي"، الشاعر أمل دُنقل لعلّ أبرزها ما حدث عندما دعا مجموعة من الاصدقاء لتناول وجبة عشاء. خلال طلب العشاء يتبين لأمل أن ثمنها سيفوق راتبه الشخصي الذي يتقاضاه من اتحاد الكتاب الافرو آسيويين، وهو لا يتجاوز الثلاثين جنيهًا. عندما يتبين لأمل هذا. يتوجّه إلى صاحب المطعم ويهمس في أذنه بكلمات.. ثم يعود إلى مجلسه لمواصلة السهرة. في النهاية ينفضُّ السامر ويتفرّق الاصدقاء لتسأله زوجته عمّا قال لصاحب المطعم، فيخبرها أنه طلب منه ألا يأخذ المال مقابل العشاء من أيّ من السامرين، وأنه سيدفع له المبلغ المطلوب في نهاية الشهر. وعندما تسأله عبلة عن سبب فعلته هذه يجيبها بشمم وأنفة فلاح أصيل: إياك أن تسمحي للفقر أن يدخل إلى روحك.. لأنه إذا ما تمكّن من الدخول إلى هناك.. لا يخرج أبدَ الدهر.

صفوة القول، هذا واحد من الكتب التي تستحق القراءة مرة واثنتين وربما أكثر لما حفل به من مشاعر إنسانية دافئة، إضافة إلى خفايا وقصص عن شاعر عربي مصري أصيل انطبق عليه ما قيل عن شاعر العرب الاكبر أبي الطيب المتنبي وهو أنه "شغل الدنيا وملأ الناس". وهو زيادة على هذا كله يصوّر السنوات الاربع التي جمعت بين الكاتبة الصحفية عبلة الرويني والشاعر أمل دنقل تحت سقف واحد، من عام 1979 حتى عام رحيل الشاعر الصاعق متأثرًا بالمرض العضال 1983، وكأنما هي أربع دقائق.. أو كأنما هي حلم و.. مضى.

***

ناجي ظاهر

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5857 المصادف: 2022-09-18 03:33:32


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م