أقلام ثقافية

عودة إلى قصيدة النثر

و أنا أقرأ مقال الأستاذ محمد العرجوني، ما المقصود بقصيدة النثر؟ ارتأيت أن أدلي فيها بدلوي، ليس من باب الرد، بل رغبة منّي في إثراء الموضوع.

قصيدة النثر، مصطلح أدبي ونقدي دخيل على أدبنا العربي. فهو مزيج مركّب من لفظين، أحدهما يدل على الشعر، والأخر يدل على النثر. فالقصيدة، كما عرّفها القدماء، كلام موزون مقفى، بينا النثر كلام خال من الوزن والقافية. أيّ هو جمع الشيء ونقيضه او عكسه في سيّاق واحد، قد يبدو للبعض تجانسا وتجديدا.

هي بدعة ابتدعها أدباء الغرب وتسلّلت إلى أدبنا العربي على حين غفلة، وفي فترة (ولع) مجتمعنا الثقافي بكل هو وارد من الغرب، فضلا عن الأغذية وو الألبسة والأحذية وأدوات الزينة ومراهم التجميل.

الشعر النثري، أو قصيدة النثر، مصطلح مشوّه المعنى، خادع للعاطفة، مليء بالتناقض الصارخ. كيف يمكن أن نستوعب هذه المغالطة الأدبيّة، التي أصابت القصيدة العربيّة في مقتل؟ أيّ طعم، بقي للشعر، بعد تجريده من أوزانه وقوافيه، وهي مقوماته الأساسية الحافظة لصورة وجوده وسحره؟

و قد مرّت على القدماء، وعلى أدبائنا قرون من المحن، وعصور. بقيّ الشعر شعرا، والنثر نثرا. إلى أن حلّ علينا زمن الولع والاتّباع والابتداع، باسم التجديد وحجة الحداثة وميزان المعاصرة.

هل نحن ملزمون – كأدباء وشعراء - باتباع كل ما ينتجه الغرب ويبتدعه؟ لهم قواعد شعرهم ولنا قواعد شعرنا. لهم فنيّات نثرنهم ولنا فنيّات نثرنا. قد نشترك ونتقاطع في المضامين الإنسانيّة، فلا حرج. مثل الحرية، الأخوة، العدل، الرحمة، ا في التفاعل مع جمال الطبيعة وسحرها، أو غضبها، أو معاقب ليلها ونهارها، في رصد المشاعر الإنسانيّة المختلفة، وغيرها من المضامين المنظورة بالعين المجرّدة، أو بعدسة الإحساس أو الذوق أو الحدس.

يقول الأستاذ محمد العرجوني في مقال له بعنوان (ما المقصود بقصيدة النثر؟) والمنشور بصحيفة المثقف في عددها 5842، بتاريخ 03 / 09 / 2022 م ما يلي: " فكُتاب هذا "الجنس" أو هذا الفرع من جنس الشعر، إذا صح التعبير، يعتبرونه شعرا وليس نثرا، إلا انه لا يحترم قواعد الشعر العروضية، وهو ما يجد معارضة قوية من قبل الشعراء الذين لا يتصورون شعرا بدون قواعد. "

و السؤال الذي يطرح نفسه بقوّة، كيف يمكن تمييز الشعر من النثر إذا أهملنا قواعده؟ أليست القواعد الفنيّة هي التي تعطي للفنّ الشعري جنسيته وخصوصيته وتميّزه؟

أعتقد، بل أجزم عن قناعة لا لبس فيها - ورأي لا ألزم به أحدا - أن كتّاب ما يسمى في أدبنا زورا " قصيدة النثر " يشوّهون الشعر والنثر معا. وهم كتّاب أضاعوا بوصلتهم الأدبيّة وغايتهم، وتاهوا في عوالم السراب الأدبي، لأنّهم عجزوا عن استيعاب علم العروض وإتقانه.

التجديد ظاهرة صحيّة، إذا كانت تصب فيما هو مفيد وجيّد وإيجابيّ. لقد خاض الشعراء القدماء في العصر العباسي، معركة التجديد، دون مساس بالبناء العروضي للقصيدة العموديّة، ولم ينجرّوا وراء تقليد الشعر الفارسي أو ملاحم الشعر اليوناني. فقد ظلّت القصيدة العربيّة العموديّة محافظة على بحورها الخليليّة، وأوزانها العروضيّة.

ثم انتقل الشعراء – بسلاسة وتأنّ - من المقدّمة الطللية في عصري الجاهليّة وصدر الإسلام، إلى المقدّمة الخمريّة والحكميّة، عندما امتزجت الثقافات العربية والفارسية والرومانية في العصر العباسي، وظهر إلى السطح نمط مولّد من الشعر العباسي على أيدي شعراء فطاحل من أمثال: أبي العلاء المعري، والمتنبي، وابن الرومي، وعبد السلام بن رغبان بن عبد السلام بن حبيب الكلبي، المعروف ب (ديك الجن)، والبحتري، وأبي تمام، وغيرهم.

و لم يكن ذلك التجديد في مقدمة القصيدة العربية العمودية ليشوه وجه الشعر العربي. بل زاده قوّة في المعاني ورونقا في البيان والبديع، وإشراقا في اللغة. ولم يتخلّ الشعراء آنذاك عن نظرية الوزن والقافيّة التي أقرّها القدماء. لأنهم أدركوا أنّ الشعر بلا وزن وقافية ضرب من الادّعاء لا مبرر له.

ولكن ابتداء من القرن السابع الهجري، اعترت الشعر العربي مظاهر الضعف في المبنى والمعنى، وفي اللغة والمواضيع بسبب سقوط بغداد وخرابها مكتباتها العلمية والأدبية على أيدي المغول والتتار، ثم نشوء الصراعات الطائفية في المشرق وبلاد الأندلس. وتولّي السلاطين العجم مقاليد الحكم والإمامة.

ولمّا ظهرت القصيدة الحرّة (قصيدة التفعيلة) بعد نهاية الحرب العالميّة الثانيّة على أيدي شعراء المعاصرة، كنازك الملائكة، وبدر شاكرالسيّاب والبياتي وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي، هلّل لها دعاة مدرسة التجديد والمعاصرة. معتقدين أنّ التخلّص من القصيدة العمودية انتصار للشعر العربي الحديث. وهو خطوة جبّارة للحاق بالعالمية الشعرية. متناسين أنّ ما صلح في الغرب، ليس بالضرورة صالح عندنا. وأن تقليد الأدب الغربي، بأبصار كليلة، مآله الخسران لا محالة.

لقد تجرّعنا مرارة قصيدة (التفعيلة أو الحرّة) بعسر من أجبر على كسر الحجر بأسنانه، وكدنا أن نغص، لولا الظروف القاسيّة التي مرّت بها الساحة الأدبيّة في القرون الثمانيّة المنصرمة. فقد حاول الاحتلال الأجنبي وأعوانه من المستشرقين والمستعربين والمفتونين بالأدب الغربي - بعد سايكس بيكو - حاول القضاء على هويّة الأمّة العربيّة وتراثها الأصيل، فارتفعت أصوات شاذة، تشكّك في كل ما هو أصيل وجميل. وكان ثلّة من الأدباء والنقاد، في النصف الأول من القرن العشرين، قد رفعوا لواء التجديد، بعد اطّلاعهم على الحركة الأدبية في أوربا وأمريكا، ومنهم: الأديب المهجري اللبناني ميخائيل نعيمة في كتابه النقدي " الغربال "، وأصحاب مدرسة الديوان (العقاد وشكري والمازني) في كتابهم " الديوان "، وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في كتابه " في الشعر الجاهلي ". وتبعهم رهط من شعراء القصيدة الحرّة (التفعيلة)، المعاصرين و(أشباه الشعراء) من دعاة (قصيدة) النثر، ليعلنوا – صراحة – أنّ عصر القصيدة العموديّة قد ولّى. وأنّ عصر القصيدة (الليبرالية والمتحرّرة) من القيود الخليلية، ومن أغلالها قد حلّ. وهكذا تحوّل الشعر – في نظرهم – إلى حشد من المعاني والصور في أوعيّة لفظيّة وسياقات تركيبية، تزيّنها صور من البيان ومحسّنات من البديع.

و بعد....

فإنّ الحديث عن (قصيدة) النثر، حديث ذو شجون...

***

بقلم الناقد والروائي: علي فضيل العربي – الجزائر