أقلام ثقافية

عن الذكرى المئوية الثانية لميلاد تولستوي

ولد ليف نيقولايفتش تولستوي عام 1828، وتستعد روسيا للاحتفال عام 2028 بالذكرى المئوية الثانية لميلاد مؤلف رواية (الحرب والسلم)، الرواية التي لا مثيل لها في مسيرة الادب عالميا، وبدأت الاستعدادات لهذه الاحتفالات في روسيا الان، اي قبل ست سنوات من تلك الذكرى، فقد اصدر الرئيس الروسي (بتاريخ شباط / فبراير 2022) امرا رئاسيا بشان البدء في التحضير لهذه الاحتفالات في عموم روسيا، ويعدّ هذا الامر الرئاسي وثيقة رسمية تعني (فيما تعنيه) الاهمية الاستثنائية، التي توليها روسيا للاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لعملاق الادب الروسي والعالمي ليف تولستوي . ينص هذا الامر الرئاسي على ضرورة تشكيل لجنة خاصة لتنظيم هذه الاحتفالات والاشراف على تنفيذها في عموم روسيا الاتحادية، وحدد الامر الرئاسي مدة ستة أشهر لتنفيذ ذلك، وفعلا، أصدر رئيس الوزراء الروسي بتاريخ آب / اغسطس 2022 أمرا اداريّا لاحقا للامر الرئاسي المذكور حول تشكيل هذه اللجنة المركزية المشرفة على الاحتفالات برئاسة مدير ديوان رئاسة روسيا الاتحادية وعضوية وزير الثقافة ووزير المالية ووزيرالعلوم والتعليم العالي ورئيس اكاديمية العلوم الروسية ورئيس لجنة الدولة للمطبوعات الدورية وصناعة الكتب ورئيس متحف تولستوي الحكومي ومدير عام المكتبة الوطنية الروسية ورئيس معهد غوركي للآداب ورئيس جامعة موسكو والرئيس الفني لمسرح موسكو للفن الحديث واعضاء آخرين . ان النظرة الاولية لاسماء هذه اللجنة تبين - وبكل وضوح – الاهمية القصوى التي توليها الدولة الروسية للاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لميلاد تولستوي، اذ ان رئيسها على اتصال دائمي بالرئيس الروسي بحكم منصبه، والاعضاء فيها يمثلون العناصر الاساسية لتنفيذ عمل هذه اللجنة، مثل وزير الثقافة والمالية والتعليم العالي ورؤساء المؤسسات الثقافية مثل اكاديمية العلوم والجامعات المختصة ومتحف تولستوي والمكتبات العامة والنشر ...الخ، وقد علّق أحد اصدقائي الروس على تشكيل هذه اللجنة ضاحكا، ان الدولة الروسية اصطادت (ثلاثة عصافير بدلا من عصفورين !!!) بحجر واحد، اذ انها اثبتت اولا الاهمية الكبيرة التي توليها للقيام بهذه الاحتفالات بالذكرى المئوية الثانية لتولستوي، وثانيا، تريد ان تثبت للعالم ان روسيا دولة عظمى في تراثها الفكري ومكانتها الثقافية عالميا في هذه الاوقات الحرجة من تاريخها، حيث تدور الحرب الروسية – الاوكرانية منذ اكثر من سبعة اشهر، وان هذا الحدث العالمي (اي الحرب) يمرّ خلال منعطفات دولية في غاية التعقيد، وتحاول الدولة الروسية ان تقول للعالم، ان هذه الحرب لا تعرقل روسيا بتاتا ولا تؤثر عليها بشأن القيام بالاحتفالات الواسعة والمتنوعة لكاتب روسي وعالمي بمستوى تولستوي، وثالثا، ان الحديث عن تولستوي يعني الكلام عن انتصار الروس في حروبهم عبر التاريخ الروسي كما كتب تولستوي في (الحرب والسلم) عن اندحار نابليون في حربه ضد روسيا او في قصص سيفاستوبول (او سيباستوبول كما يكتبها العرب) وبطولات حرب القرم الشهيرة، وفي الاعادة افادة كما يقول المثل المشهور، فقلت لهذا الصديق الروسي ضاحكا ايضا، ان روسيا قد (اصطادت فعلا ثلاثة عصافير!)، وكل ذلك بفضل تولستوي ليس الا، فما أعظم الادب (وبقية انواع الفنون الاخرى طبعا) عندما يوجد اناس في ادارة الدولة يتفهمون دور تلك الفنون في مسيرة الحياة الانسانية وشعابها، ويعرفون كيفية توجيه هذا الدور لخدمة الاهداف النبيلة .

في الذكرى المئوية الاولى لتولستوي عام 1928 احتفل الاتحاد السوفيتي آنذاك بشكل مهيب جدا، وعندها ابتدأ طبع المؤلفات الكاملة لتولستوي، وهكذا ظهرت المؤلفات الكاملة له بتسعين مجلدا، وهو أجمل تكريم لاي كاتب في العالم، وفي الذكرى المئوية الثانية لتولستوي ابتدأت روسيا بطبع المؤلفات الكاملة له مرة اخرى، ويتوقعون هذه المرة ان يتخطى عدد مجلداتها المئة، اذ تم ايجاد الكثير من المخطوطات الجديدة من مسودات ومذكرات لم يسبق نشرها سابقا، وكلها وثائق ترتبط بتولستوي، وبالتالي، تمتلك اهمية في اكتمال الدراسه المعمقة لهذا المفكر الكبير وتحديد افكاره ودورها في روسيا وفي العالم قاطبة .

ختاما لهذه السطور اريد ان اشير، الى اني (أحلم!) بصدور كتاب في بغداد بالذكرى المئوية الثانية لهذا الكاتب العملاق عنوانه - (تولستوي في العراق)، كتاب يسجل ألاعمال الابداعية من بحوث وترجمات قدّمتها اقلام عراقية حول تولستوي مثل - غائب طعمه فرمان وحياة شرارة ومحمد يونس ونجيب المانع وخيري الضامن وعبد الله حبه وجودت هوشيار وتحسين رزاق عزيز وفالح الحمراني و..و..و...الخ، كتاب يجرد المجلات الفكرية والصحف العراقية ويشير في الاقل الى عناوين تلك المقالات حول تولستوي ابتداءا من مجلة انستاس الكرملي (لغة العرب)، اذ اني وجدت (عندما كنت أتصفح هذه المجلة الرائدة) اسم تولستوي في احدى اعدادها، وكم أتمنى ان يحقق زملائي وطلبتي سابقا، (وهم الان تدريسيّون يحملون درجات علمية رفيعة) في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، ان يحققوا (حلمي!) المتواضع والجميل والمهم طبعا، اذ ان انجاز هذا الحلم (يخفّف قليلا من جراحات عراقنا !).....

***

أ.د. ضياء نافع

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5864 المصادف: 2022-09-25 02:43:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م