أقلام ثقافية

مراتب الحب

شهرزاد: ليس كل لذة حب محسوسة أو مدركة تصل الى مرتبة العشق، كما إنها ليست بالضرورة شهوة، أجد هذا الوصف ظالما للمحبين !.

شهريار: دعينا نستعرض بعضا من معاني الحب البشري دون العشق، يقول أهل اللغة وشرّاح المودة، وهم يجعلون أصل الحب بعد الأحساس بلذة محسوسة أو مدركة: (الحب ميل قلبٍ إلى قلبٍ آخر، أو تعلّقه به).

ذلك التعلق الناتج عن كم هائل من المشاعر الرقيقة القاصدة للمحبوب تدفع المخ لإفراز هرمون (التستوستيرون) الذي يندمج بدوره مع الهرومونات الأخرى بطريقة معقدة لم يتوصل العلماء الى تفاصيلها حتى الأن لكنهم يؤكدون أن هذا الهرمون يزداد إفرازه كلّما زاد الحب.

وإذا كان الحب ياشهرزاد ميل القلب وتعلقه بقلب المحبوب فهو الحافز الأعظم للبحث عن النفس الشبيهة، وقد قيل في مراتب الحب الكثير، ومما قيل: إنه خمس مراحل قبل أن يصل الى العشق وهي: الهوى، ثم الصبوة (الصبابة)، ثم الشغف، ثم الوجد، ثمّ الكلف لنصل إلى العشق.

وفي قول آخر: أوله العلاقة لتعلق القلب بالمحبوب، ثم الصبابة لانصباب القلب إليْه، ثم الغرام وهو الْحبّ الملازم للقلب، ثم العشْق، وآخرُها التتيم يُقَال تيم الله أَي عبد الله فالمتيم هو العابد لمحبوبه.

والمتيّم ياشهرزاد صفة محبة لا تصح إلا مع الله، وإن كنتُ أعرف من الرجال والنساء من يكرر في حضرة محبوبه كلمة (أعبدك)، وقد يكون المعنى هنا الطاعة للمحبوب في كل مايطلب دون نقاش أو ممانعة.

وصار بيّنا أن جميع مراتب الحب بإستثناء التَّيْمُ (العبد) تسير نحو العشق الذي لا يتحقق إلا بتمازج النفسين، ولذا فإن العشق لا يتحقق إلا بالمطاولة والصبر الجميل، والتفحص والتمحص، وطول المعاشرة والتجربة، فقد يقع الحب في موضع من القلب بنظرة أولى، أو لمسة خاطفة، أو صوت شجي، أو رائحة عطرة، لكنه لايبلغ مرتبة العشق من دون ذلك التمازج، والتمازج أعظم من أن يتحقق من غير تلك المطاولة للبحث عن الطباع المخفية في النفس الشبيهة، كما ذكرنا.

ولعلّنا ندرك صعوبة أن تمتزج النفس البشرية بنفس أخرى من غير معاناة عظيمة - وان كانت شبيهتها ومنها- إنْ أمعنا النظر بما يعانيه المحتضر، فخروج النفس من الجسد حدث جسيم.

وفي الأثر: (أن الله عز وجل قال للروح حين أمره أن يدخل جسد آدم، وهو فخار، فهاب وجزع: إدخل كرهاً واخرج كرهاً).

ولذا فأن أختراق الحجب الأرضية للتمازج بين نفسين عاشقتين يمر بمراحل وصعوبات، وأجدها تلك المراتب الأولى من الحب وهي مجموعات لا تحصى من التفاعلات النفسية والمشاعر المتنافرة او المتآلفة قد ينتج عنها العشق، أو تقف عند مرتبة أدنى، وكلما كانت الصعوبة والمطاولة أكبر كان العشق أعظم وأدوم، فإذا وقع التنافر بين النفوس لم يبقَ إلا تعلق القلوب، والقلوب متقلبة لا يُؤمَنُ دوام نبضها من غير نفس عاشقة، فكيف نضمن دوام المحبة بإنقضاء الشهوة أو تحقيق الهدف الذي كان سببا للتعلق أو الصبابة أو الغرام؟.

يقول ابن القيم: (إذا انتفت المناسبة والعلاقة بين المعشوقين لم تستحكم المحبة وربما لم تقع البتة فإن التناسب الذى بين الأرواح من أقوى أسباب المحبة فكل امرىء يصبو إلى ما يناسبه).

وحتى لا تتهمينني بالإجحاف بحق المحبين من غير العاشقين أقول قد لا تكون الشهوة سرا مطلقا لمحبتهم لكنهم في الحالات كلها سيشعرون بالملل يوما بعد آخر فكما أن التمازج النفسي كان سببا لدوام العشق، فان التنافر سيكون مقبرة للحب، ولو كان التعلق والصبابة والغرام وحتى الوجد نابعا من أرق القلوب وأنبلها.

شهرزاد: يا الله!.. تدافع عن العشق كمرتبة شرف وحيدة في قاموس المتحابين!، ألا تعلم أن بعض الباحثين في ماهية العشق يصفونه بالمرض؟!.

سنفصل ردنا على هذا الوصف في المرة المقبلة

***

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5867 المصادف: 2022-09-28 03:01:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م