أقلام ثقافية

عود على كتاب (تشيخوف).. بقلم ايرنبورغ

اتصل احد طلبتي القدامى، الذي كان يدرس (في القرن الماضي!!!) بقسم اللغة الروسية في جامعة بغداد، وقال لي، انه جلب لي خصيصا هدية من بغداد الى موسكو، ضحكت انا وقلت له، انك تعرف حق المعرفة، انني لا اتقبّل اي نوع من (الهدايا!!!) من طلبتي، فضحك طالبي ايضا وقال، اولا، لم أعد انا طالبا لديك منذ زمن بعيد جدا، وثانيا، لا يمكنك (رفض!!!) هذه الهدية في كل الاحوال. جواب طالبي كان طريفا ومثيرا، رغم انه كان (استفزازيا!) في نفس الوقت، فسألته رأسا وبحدّة، وما هي هذه الهدية من طالبنا سابقا، والتي لا يمكن لي ان ارفضها في كل الاحوال، فأجابني (رأسا أيضا وهو يضحك ايضا) – ان الهدية هذه هي عبارة عن كتاب عتيق وجدته مرميا ضمن كومة كتب عتيقة اخرى على الرصيف في شارع المتنبي ببغداد عندما كنت هناك، واشتريته خصيصا لاقدمه هديه اليك، عند اللقاء معك في موسكو، وهو كتاب صادر في بيروت قبل اكثر من اربعين سنة من الآن وعنوانه – تشيخوف بقلم ايليا ايرنبورغ وبترجمتك. فوجئت انا طبعا بهذا الكلام، وقلت لطالبي السابق رأسا - اني اعترف – وبكل روح رياضية - انك حققت وبمهارة وجدارة هدف الفوز على استاذك.

عندما استلمت (الهدية البغدادية!)، حاولت - قدر الامكان - السيطرة على احاسيسي (وعلى دموعي ايضا!)، فاللقاء مع (الكتاب الاول!) بعد كل هذه السنين الطويلة ليس سهلا، مثل اللقاء مع (الحب الاول!)، وأثار هذا اللقاء ذكريات كنت أتصور انها منسية تماما، ولكنها برزت فجأة مرة اخرى وبكل وضوح، فقد تذكرت كلمات استاذ جيلنا المرحوم د.علي جواد الطاهر، التي كتبها آنذاك في جريدة الجمهورية عنه، والتي قال فيها ما معناه، انه لم يشعر بانه كتاب (مُترجَمْ)، وتذكرت، كيف اني قدمت ثلاث نسخ منه مع معاملة ترقيتي الجامعية باعتبار الكتاب المترجم يمكن ان يساعد على الترقية مع البحوث المطلوبة، وبعد حصولي على الترقية، استلمت مظروف المعاملة، ووجدت على المظروف كلمة – (اخذ الخبراء نسخ الكتاب المترجم ولم يرجعوه اعجابا به)، وتذكرت كلمات الكاتب المرحوم ناظم توفيق عن الكتاب، والتي قالها لي في شارع السعدون عندما التقيته صدفة – لولا هذا الكتاب - الذي حلّقت مع افكاره عن تشيخوف - لما استطعت تحمّل مشاق السفر بالقطار كل هذا الوقت الطويل، وتذكرت، كيف جاء شخص وطلب منّي اصدار الطبعة الثانية للكتاب في بغداد، ووافقت طبعا، واستلمت منه مبلغا يعادل تقريبا (نصف راتبي آنذاك!)، وصدرت الطبعة الثانية فعلا، وتذكرت، صدور طبعة اخرى (ثالثة) للكتاب في القاهرة دون علمي ومعرفتي، ولكني ابتسمت عندها وقلت للشخص الذي أخبرني بذلك – في الاقل سيعرف القارئ المصري خصائص تشيخوف الحقيقية بشكل دقيق وصحيح، وهذه المسألة بحد ذاتها خدمة كبيرة للادب الروسي واستيعاب دوره الاصيل في مسيرة الحياة الانسانية عموما. وبمناسبة معرفة خصائص تشيخوف، فان هذا الكتاب، الذي كتبه ايليا ايرنبورغ في بداية الستينيات ونشره بحلقتين في مجلة (نوفي مير) (العالم الجديد) السوفيتية الشهرية، ثم أصدره بعدئذ بكتاب مستقل، هو استمرار لتلك الآراء الجريئة جدا والشجاعة جدا، التي طرحها ايرنبورغ في النصف الثاني من خمسينيات القرن العشرين حول تلك الظواهر الادبية التي كانت الستالينية تمنع بتاتا الكلام عنها، والتي تسمى في تاريخ الادب الروسي الان بمرحلة (ذوبان الجليد)، وهي التسمية التي اطلقها ايرنبورغ نفسه على احدى نتاجاته الادبية، وأخذ النقاد يستخدمون هذا المصطلح في تاريخ الادب الروسي بعد وفاة ستالين. لقد تحدث ايرنبورغ عندها عن تسفيتايفا (التي انتحرت) وأخماتوفا (التي منعوها من النشر) وماندلشتام (الذي أعدموه) وغيرهم من الاسماء اللامعة في الادب الروسي الحديث، اما بالنسبة لتشيخوف، فقد سخر ايرنبورغ في كتابه هذا من تلك المفاهيم الجامدة و(المعلّبة!)، التي كان النقد الادبي آنذاك يستخدمها عند الكلام عن تشيخوف، مثل – (المعبّرالفذ عن سنوات الثمانينيات) او (سجلّ السنين الجهمة) او (كاتب الغروب) او (شاعر العتمة)، وكذلك سخر من القاموس الموسوعي السوفيتي، وقد استشهد بجملة عن تشيخوف من ذلك القاموس، وهي – (.. يرسم تشيخوف في نتاجاته بحث المثقفين الروس عن الايديولوجية، ويحطّم علم النفس البورجوازي.. واوهام حركة الشعبيين الليبرالية.. ويطرح تعميمات اجتماعية.. ويخلق شخوصا نموذجية تجسّم النظام القيصري البوليسي.. ويعرض نمو العلاقات البورجوازية في المدينة والريف.. ويكتب عن فقر الفلاحين وتفكك النظام الاقطاعي – البورجوازي..)، وقد استطاع ايرنبورغ فعلا ان يرسم في كتابه ذاك – وبابداع – صورة تشيخوف الفنية الرشيقة الشفافة.

اتصل (طالبي القديم) مرة اخرى بعد أيام من استلامي لهديته، وسألني عن انطباعاتي بشأن تلك (الهدية!) بعد ان هدأت العواطف، فضحكت أنا، وشكرته من جديد على هذا (العمل الجميل)، وقلت له، انني اطلعت على النص، ووجدت، ان ايرنبورغ يذكر هناك العشرات من اعلام الادب الروسي والادب العالمي والظواهر الفكرية وعناوين نتاجات ادبية مختلفة، وهذا مفهوم للقارئ الروسي، لكن تلك الاسماء والظواهر تتطلب كتابة هوامش توضيحية للقارئ العربي، وانني اخطط الان لاضافة عشرات الهوامش التفصيلية للكتاب بطبعته الجديدة، كي يكون مفهوما وممتعا للقارئ العربي، فضحك طالبي وقال، اني انتظر (هديتك!) الجوابية على (هديتي!).. .

***

أ.د. ضياء نافع

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5878 المصادف: 2022-10-09 02:16:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م