أقلام ثقافية

الحكمة وبيت الحكمة!!

حسب ما ورد في المدونات التأريخية أن بذرة بيت الحكمة قد وضعها أبو جعفر المنصور (135 - 158) هجرية، عندما إهتم بتجميع الكتب في دار الخلافة، ومضىت على ذات المنوال في زمن المهدي (158 - 169) هجرية، ومن ثم في زمن الهادي (169 - 170) هجرية.

وعندما تولى هارون الرشيد الخلافة (170 - 193) هجرية، وجد القصر قد ضاق بالكتب، فكان الرأي أن أن تنقل إلى مكان آخر، وبذلك وضع الحجر الأساس لما صار يُعرف ببيت الحكمة، الذي رقدت فيه الكتب في زمن الأمين (193 - 198) هجرية، مع بعض نشاطات الترجمة والتأليف.

وعندما تولى المأمون الخلافة (198 - 218) هجرية، بعد قتل أخيه الأمين من قبل قائده (طاهر بن الحسين)، إهتم ببيت الحكمة وطورها فإزدهرت وشعشعت أنوارها المعرفية.

ويمكن القول أن بيت الحكمة قد بلغت ذروتها  في الفترة (170 - 218) هجرية، وبعد أن تولى المعتصم الخلافة (218 -227) هجرية، وإنتقال العاصمة إلى سامراء، ضعف الإهتمام بها، فالمعتصم بعيد عن الثقافة ومحدود القدرة على القراءة والكتابة.

ويقال أن الواثق (227 -232) هجرية، قد أولاها بعض الإهتمام، وربما بقيت بعض النشاطات فيها إلى حين من الوقت، لأن العمل فيها يحتاج لإمداد مادي وميزانية محفزة للإبداع والعطاءات المتميزة.

وهولاكو دمر بغداد سنة (656 هجرية، 1258 ميلادية)، أي بعد وفاة المأمون بأكثر من أربعة قرون (438) سنة، فهل يعقل أن بناية بيت الحكمة، وما فيها من الكتب قد بقيت على حالها طيلة هذه القرون؟!!

فلم يذكر كثيرا عنها بعدما عادت العاصمة إلى بغداد، لكن من المرجح أن أعلامها تفرقوا، وما تواصلوا، ومعظم كتبها تم نسخه وتوزع على المدن والحواضر.

كما أن العديد من الناس كانت لديهم مكتبات خاصة، ومنهم مَن كان مولعا بجمع الكتب وبالآلاف، والكلام عن دولة شاسعة الأطراف وليس عن مدينة بحجم بغداد.

والقول بأن هولاكو بجنوده أغرق كتبها في نهر دجلة لا يمكن قبوله عقليا، فهو الذي أحرق بغداد حسب ما تذكر كتب التأريخ، فكيف لم يحرق بيت الحكمة، بدلا من أن يكلف جنوده عناء إلقاء الكتب في نهر دجلة.

فهل وجدها خربة فيها أكداس من كتب أكلتها الآفات وعاثت فيها الجرذان؟

لا يوجد دليل قاطع على أن فيها كتب كما يتم تصويره لنا وإيهامنا بأنها كانت متواصلة على مدى عدة قرون.

هذا وهم، والأصوب أنها أفلت بعد المأمون، ودبت فيها آفات الفناء وتوزع ما فيها بين المدن والحواضر، والقول بغير ذلك لإيهام العرب بأنهم بلا تأريخ، وما أنتجوه أجهز عليه هولاكو وجنده.

 فالمتهم بحرق المخطوطات ربما هو التنور!!

***

د. صادق السامرائي