عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

صابر الحميدي: لماذا لم يدقّوا جدران الخزان؟

ليس السؤال الذي أطلقه غسان كنفاني في نهاية الرواية سؤالاً عن ثلاثة رجال ماتوا في صهريج تحت شمس الصحراء، بل هو سؤال يطارد البشرية منذ أن تعلّمت الصمت أكثر مما تعلّمت الكلام. فكم من إنسان حمل خزانه على ظهره ومضى؟ وكم من روح اختنقت داخل أسوار الخوف وهي قادرة على أن تصرخ؟

أغلقت الكتاب، لكن الكتاب لم يغلقني. ظلّ أبو قيس يجلس إلى جواري كفلاح اقتُلعت جذوره من ترابها، وظلّ أسعد يركض في ممرات العمر باحثاً عن نافذة تطل على غد أقل قسوة، وظلّ مروان يحمل على كتفيه من الهموم ما لا يطيقه إلا الرجال الذين سرقت الطفولة من أعمارهم قبل أوانها.

أدركت يومها أن الشمس ليست دائماً مصدر الضوء، فقد تكون أحياناً شاهدة على المآسي. وأن الخزانات ليست كلها من حديد، فبعضها يُصنع من الخوف، وبعضها من اليأس، وبعضها من الاعتياد على الألم حتى يصبح الألم وطناً مؤقتاً.

نحن أيضاً نعبر صحارينا الخاصة. لكل واحد منا حدود يحاول اجتيازها، ولكل واحد صهريج يختبئ فيه من مواجهة الحقيقة. قد لا يكون الصهريج خزان ماء، بل وظيفة لا يحبها، أو علاقة تستنزف روحه، أو حلماً أجّله حتى ذبل بين يديه. ومع ذلك يظل السؤال معلقاً فوق الرؤوس كجرس إنذار: لماذا لا ندق جدران الخزان؟

لقد علّمتني الرواية أن الموت لا يبدأ حين يتوقف القلب عن النبض، بل حين يتوقف الإنسان عن المقاومة. وأن الهزائم الكبرى لا تأتي من قوة العدو بقدر ما تأتي من استسلام الروح. فالجدران مهما كانت سميكة تخاف من الطرق المستمر، والظلام مهما طال عمره يرتبك أمام شرارة صغيرة من الضوء.

ما أشبه الحياة بصحراء طويلة، وما أشبه أحلامنا بقوافل تبحث عن واحة. غير أن الفرق بين من يصل ومن يتيه ليس قوة الخطى وحدها، بل الشجاعة في أن يصرخ حين يضيق عليه المكان، وأن يرفض الاختناق بصمت.

لهذا بقيت رواية رجال في الشمس أكثر من حكاية، وبقي سؤالها أكثر من جملة. إنه مرآة نرى فيها أنفسنا كلما خنقنا الخوف، وكلما آثرنا السكوت على المواجهة. وكأن غسان كنفاني لم يكن يخاطب أبطاله الثلاثة، بل كان يخاطبنا جميعاً قائلاً:

إذا ضاقت بكم خزانات الحياة، فلا تموتوا صامتين... دقّوا الجدران، فربما كان خلفها باب ينتظر شجاعتكم فقط.

***

صابر الحميدي