أقلام فكرية

ما قبل السقراطية وجمالية التناسب الهارموني ونسبية الوجود الجمالي

انَّ الفكر الجمالي الإغريقي لم يولد مع الثلاثة الكبار من فلاسفة اليونان (سقراط، افلاطون، ارسطو)، بل له أمتدادات كما تكلمنا سابقاً مع (هوميروس) في ملاحمه، ومع عدد أخر من فلاسفة اليونان الذين سبقوا هؤلاء الثلاثة الكبار، وظهرت في فترة سابقة كل من الماديين الذريين هم أول من وضع التربة الصالحة  للفلسفة بصورة عامة، والجمالية بصورة خاصة "أمثال (طاليس وأناكيسمن، وأناكسيماندر) . إنَّ المأثر الرئيسة للذريين هي في كونهم قد ناضلوا بشدة ضد وجهة النظر الدينية الخرافية ووضعوا بدلا منها التصور العلمي للعالم وقوانينه. وكان الفيثاغوريون من أوائل من تقدم بموضوعات حول قضايا الفن في اليونان القديمة وقد كانوا مثاليين في تفكيرهم " (1)، إذ أهتموا بالتناسق في مثاليتهم من خلال العمل على بناء تناسب هارموني كما في الموسيقى،لذا عمل فلاسفة المدرسة (الفيثاغورية) على وفق هذا التناسب، كما في الموسيقى وتعد " المبدأ الذي يجمع المبادئ المتضادة التي تدخل في تكوين كل ما هو موجود .إنَّ الانسجام هو هذا التناسب الذي يوحد العناصر المتباينة في كل المجالات . إننا نعثر على هذا التناسب في الموسيقى حيث تلعب مفاهيم التنافر والتناغم دوراً كبيراً إضافة الى أنها تشتمل على منظومة حسابية " (2) قادرة على الجمع بين كل أركان البناء الموسيقي للوصول الى مثالية ترتبط بمفهوم التربية الإنسانية وأبعاد كل ما هو خارج النفس من سلوكيات سلبية،للوصول الى نقاء النفس، وهذه المثالية في قراءة الفن وبالأخص الموسيقى عند (فيثاغورس) الذي قدم نظاماً قائماً على فكرة البناء الروحي وخلاص النفس من السلبيات في المجال التربوي للنفس البشرية: " لقد وضع (فيثاغورس) نوعية التربية الأولية بمساعدة الموسيقى، هذه الانغام أو الايقاعات أو تلك، لتستعمل في تطبيب الاخلاق والشهوات الإنسانية وتعيد تكوين هارمونية القدرات الروحية الى حالتها الطبيعية الأولى . وفي الواقع يجب أن تتذكر قبل كل شيء إنه وصف لأصدقائه ما يدعى بالتهذيب الموسيقي عن طريق المزج الرائع لتلك الألحان (الدياكونية واللونية والفيرهارمونية) والتي بمساعدتها أستطاع أن يغير ويبدل الى الضد الحالة الروحية المسيطرة عليها بشكل مرضي كالجزع والتهييج والحزن والغيرة والخوف والغضب والشهوة والخلاعة ومحولاً جميع هذه النواقص الى فضائل بمساعدة الألحان المناسبة كأنه طبيب يستعمل الدواء المناسب لكل حالة مرضية" (3). إنَّ ما قام به (فيثاغورس) في بناء معايير جمالية في التحكم بالنفس البشرية تعد من الصور الجمالية التي أراد من خلال البناء الهارموني أن يجعل النفس موزعة في مشاعرها بين طبقاته في بناء معيار جمالي حقيقي لها، فكل الحالات السالبة في المجتمع الإغريقي حاولت المدرسة الفيثاغورية من خلال فلاسفتها أن تصيغ سبل للبناء المثالي القائم على الأخلاق بواسطة توظيف الارقام في الجانب الروحي، توظيف ما هو مجرد منها في صياغة الروح المثالية عند الإغريق بعد أن أصبحت الخرافة والاساطير مسيطرة على الروح، على وفق " نوع خارق من الانسجام والتساوق ناجم عن دقة كاملة في الأحجام والنسب . وليس المقصود بذلك نوعاً من (القوانين) التي تفرض أقيسة عددية دقيقة، بقدر ما هو مقصود به نوع من سحر الأعداد، مليء بالحركة والحيوية، ومقاس آنياً محسوس، يكشف بصورة داخلية من ذاته عن مركب تام من الانسجام الرياضي" (4)التي عملت عليه المدرسة الفيثاغورية في النهج السليم في بناء جماليات خاصة بتلك الفترة الإغريقية .

عرّف (هيراقليطس 576ق.م – 480 ق.م) الجمال من خلال نظرته الفلسفية القائمة على الأسس المادية النسبية، والتي يغطي فيها كل أجزاء الطبيعة والكون، فـ" يرجع النسبة في الجمال الى اختلاف الأنواع، فالقرد مختلف عن الإنسان، وتتسع آراؤه في النسبية لتشمل مفهوم الكون (...) فكل شيء في الكون متحرك موضعاً وكيفاً أي متغير في المكان والخصائص، ولا يوجد غير التعدد والتغير الذي لا يشهد وحده في أي موضوع أو يقين ثابت " (5)، هذه الخاصية التي يرى فيها (هيرقليطس) المحرك للظاهرة الجمالية في تشكيل صورة الكون، فلابدّ من الحركة في كل التصورات الإنسانية، وكذلك في الطبيعة والكون، فالحركة موضعاً وكيفاً تعطي الأستمرارية في الفهم الجمالي المستمر للحياة، وتنتج تناسق تكون صورته الحركة في تقدمها ومحاولة فهم ما ينتج عنها تناسق باطني يشكل الظاهر الجميل لذا فإنه أشار الى ذلك في أحدى مخطوطاته بالقول: " (أن التناسق المبطن أفضل من التناسق الظاهر). ومعنى ذلك أن المضمون الجمالي للتناسق يكون أكثر روعة كلما كانت الأضداد المكونة له مخفية أكثر. وهكذا نرى أن هيراقليطس وضح أهم مفاهيم علم الجمال: الجمال، التناسق، الابداع على أنها انعكاس لصفات وعلاقات العالم الموضوعي " (6). إنَّ خاصية الجمال التي أشار اليها (هيرقليطس) تبقى مرتبطة بالنسبية قياساً بالشيء الأكثر كمال وترتيباً من الذي قبله، ويشير الفيلسوف الى مستويات الجمال مقارنة بين الأدنى والأعلى حتى تتحقق النسبية الجمالية لديه، فهو يتحدث في بعض من شذراته الكلامية حول هذا الموضوع وكأنه يضع آليات قياس الجمال بين القرد والإنسان، وبين حكمة الأنسان والحكمة السماوية الإلهية بالقول الآتي: " إنَّ أجمل قرد قبيح إذا ما قورن بالإنسان (...) إنَّ أحكم الرجال يبدو قرداً بالمقارنة مع الآلهة، في الحكمة والجمال على السواء وكل شيء آخر " (7)،ويتضح القانون الجمالي عنده من خلال النسبية من جهة، والتراتبية في مستوى المتناظرين، كما وكأن الحكم الجمالي الذي يقرر وجود الأشياء مقارنة مع بعضها البعض كما في الحالة بين القرد والإنسان والسماء. وفي المدرسة (الأيلية) فقد تميز بها فكرياً وفلسفياً الفيلسوف (بارمنيدس 515ق.م – 450 ق.م )، عمل على بناء منظومة فلسفية جمالية خاصة بهذه المدرسة، مرتكزاً فيها على العقل الذي يؤسس من خلاله البناء المعرفي الجمالي، ويعده أبعد من الحواس في نظرته الجمالية، بعد أن كانت النظرة السائدة قبله تركز على ما هو مباشر وحسي نوعاً ما عند الفلاسفة الذين سبقوه ويختلف عنهم في هذه الجزئية، على الرغم من اقترابه معهم في النظرة الميتافيزيقية التي كانت غالبة على الفترة الجمالية الإغريقية  . لقد وضع (بارمنيدس) العقل قبالة الوجود الذي يدرك بالعقل وحده، وهو الأداة الفاعلة في ذلك وليس الحواس، وهذه النظرة جعلت من (بارمنيدس) " مؤسس للميتافيزيقا من حيث أنها مقابلة أو مواجهة بين الوجود والفكر أو بين الفكر والوجود، لأن مجرد تصور الموجود يدل على وجوده وعند قولنا (الوجود موجود) فليس هذا (طوطولوجيا) أو تحصيل حاصل بل فيه إضافة معنى جديد يتمثل في إثبات الوجود للشيء، أي أن الشيء الموجود يحمل ذاته معنى وجوده، فالموجود ووجوده شيء واحد " (8)في العقل الذي يقرر هذا الشيء،أو ينفي هذا الشيء من عدم وجوده، فالوجود هو الثابت في أصل الكون وكل حركة تنسب اليه فهي عملية خاطئة لا يتم التعامل معها ولا يتم القرار بها من جهة العقل، فالجمال لديه في الوجود كونه كامل ومكتمل، والشيء المتحرك يبقى دائما في تغير ونقصان عن وجوده الأصيل، لذا فهو " كان ينشد الحقيقة الثابتة التي لا ينتابها تغير ولا فناء فنظر الاشياء فأدرك أنه أنما يحس عنها صفاتها وهذه الصفات متغيرة فانية الا شيئاً واحداً ثابتاً هو الوجود فصفة الوجود هي جوهر الكون وهي أصل الكائنات جميعاً، بل هي وحدها الحقيقة  كل ما عداها وهم وخداع، يقول: ليس هناك حركة بل ما نراه هو خطأ نظري " (9). على هذا الاساس أصبح الجمال لديه مرتبط بموقف جذري من الوجود على اعتبار أن الوجود هو المرتكز الذي يمكن أن نحدد من خلاله جماليات الاشياء بثباتها، والمتحرك هو الفان الذي لا يمكن أن يعطي صورة للجمال في نظره، لأن الوجود مرتبط بالحق، بل يرى أن الحق هو الوجود، والوجود " لا يكمن إلا في النظر العقلي،لأن هذا النظر وحده هو الصحيح وليس ما تأتي به الحواس،أو التجربة المباشرة التي تقول بالتغير والحركة والتعدد والصيرورة وغيرها من الأشياء والأمور التي يقرها الظن .لذلك إذا اعتبرنا أن كل من (هيراقليطس وبارمنيدس) يسعيان الى بلوغ الحقيقة واللوغوس المبدأ المنظم والمسير من خلال ملاحظتهما التي تنطلق من الحركة والتغير وترفض شهادة الحس على اعتبار أن عند (هيراقليطس) يوهمنا بالثبات في الأشياء بينما يرى (بارمنيدس) أن الحس يخدعنا بإظهار تغير زائف في الأشياء" (10). إنَّ التركيز على التناسب في أطاره التكاملي يعطي صورة للجميل البارمنيديسي، والتناسب مسألة عقلية وليست حسية كون المسألة الحسية لا يمكن أن تدرك التناسب والتناسق الجمالي، ويرفض (بارمنيدس)  كل الحالات التي ترتكز عليها المبدأ الحسي مثل التغير والحركة والتعدد والصيرورة وغيرها من المفاهيم التي تبعد الحقيقة من إيقانها عقلياً، والعقل هو من يقيم ويقود المسألة الجمالية على وفق الوصول الى الحقيقة وهي بنظره الوجود الحق الكامن في أي ظاهرة جمالية سواء أكانت في الطبيعة وارتداداتها الكونية، أو على مستوى الجمال الفني القائم على مبدأ (بارمنيدس) العقلي الذي نتيقن من النسق والتناسب من خلال مبدأ التنظيم المسير لهذا التناسق في داخل العمل الفني وظهوراته الجمالية.

***

ا. د. محمد كريم الساعدي

.................

الهوامش

1- م. أوفسيانيكوف، ز. سميرنوفا: موجز تاريخ النظريات الجمالية، تعريب: باسم السقا، بيروت: دار الفارابي، 1975، ص12.

2- محمد جديدي: الفلسفة الإغريقية، الجزائر: منشورات الأختلاف، 2009، ص144.

3- م. أوفسيانيكوف، ز. سميرنوفا: المصدر نفسه، ص13.

4- اتيان سوريو: الجمالية عبر العصور، ترجمة: الدكتور ميشال عاصي،بيروت: منشورات عويدات،1982، ص80

5- الدكتورة أنصاف جميل الربضي: علم الجمال بين الفلسفة والأبداع، عمان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1995،ص 19.

6- م. أوفسيانيكوف، ز. سميرنوفا: المصدر نفسه، 1975، ص15.

7- هيرقليطس: جدل الحب والحرب، ترجمة وتقديم وتعليق: مجاهد عبد المنعم مجاهد، بيروت: دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2008، ص33.

8- محمد جديدي: المصدر نفسه،  ص 182.

9- د عقيل مهدي يوسف: الجمالية بين الذوق والفكر، بغداد: مطبعة سلمى الفنية الحديثة، 1988، ص39.

10- محمد جديدي: المصدر نفسه،ص 180.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5699 المصادف: 2022-04-13 04:24:10


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م