أقلام فكرية

إشكالية الزمن.. هل الزمن موجود حقا؟

حاتم حميد محسنفي السؤال عن الزمن هل هو موجود ام لا، قد يبدو الجواب واضحا بالايجاب، ما علينا الاً النظر الى التقويم او الى الساعة. لكن التطورات في الفيزياء تشير الى ان إحتمال عدم وجود الزمن هو إحتمال قائم ويجب أخذه على محمل الجد. كيف سيكون هذا، وماذا يعني؟ سنرى هنا، لكن لا حاجة للقلق، حتى لو كان الزمن غير موجود فأن حياتنا سوف لن تتأثر وستستمر كالمعتاد وبشكل طبيعي.

أزمة الفيزياء

الفيزياء هي في أزمة. منذ القرن الماضي، جرى توضيح  الكون طبقا لنظريتين فيزيائيتين ناجحتين جدا: وهما النسبية العامة و ميكانيكا الكوانتم. ميكانيكا الكوانتم تصف كيف تعمل الأشياء في عالم صغير جدا من الجسيمات وتفاعل الجسيمات. النسبية العامة تصف الصورة الكبرى للجاذبية والكيفية التي تتحرك بها الأشياء. كلا النظريتين تعملان بشكل رائع لكنهما يُعتقد انهما تتعارضان مع بعضهما. مع ان الطبيعة الدقيقة للتصادم بين النظريتين هي شائكة ومثيرة للجدل، لكن العلماء عموما يتفقون على ان كلا النظريتين بحاجة الى استبدالهما بنظرية جديدة أكثر عمومية. الفيزيائيون يريدون انتاج نظرية في "الجاذبية الكوانتمية"quantum gravity"تحل محل النسبية العامة وميكانيكا الكوانتم،مع احتفاظها بالنجاح الاستثنائي لكليهما. مثل هذه النظرية ستوضح كيف تعمل الصورة الكبرى للجاذبية على مستوى مصغّر من الجسيمات.

الزمن في الجاذبية الكوانتمية

لقد اتضح ان انتاج نظرية في الجاذبية الكوانتمية هو عمل بالغ الصعوبة. احدى المحاولات للتغلب على التعارض بين النظريتين هي نظرية الأوتار string theory. نظرية الأوتار هذه تستبدل الجسيمات بأوتار تهتز في أحد عشر بعداً. لكن نظرية الأوتار تواجه صعوبة اخرى. هي توفر عددا من النماذج التي تصف الكون الواسع مثل كوننا، لكنها في الحقيقة لا تضع أي تنبؤات واضحة يمكن إختبارها بالتجربة لمعرفة أي النماذج هو الصحيح. في أعوام الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أصبح الفيزيائيون غير مقتنعين بنظرية الأوتار وجاؤوا بعدد من الاتجاهات الرياضية الجديدة للجاذبية الكوانتمية. أحد أبرز هذه الاتجاهات هو الجاذبية الكمومية الحلقية loop quantum gravity التي تقترح ان نسيج المكان والزمان صُنع من شبكة من القطع الصغيرة جدا والمنفصلة، او "حلقات". من بين أهم المظاهر الهامة للجاذبية الكوانتمية الحلقية هي انها تبدو تزيل الزمن تماما.

الجاذبية الكوانتمية الحلقية ليست وحدها التي تزيل الزمن، هناك عدد آخر من الاتجاهات ايضا يبدو تزيل الزمن كمظهر أساسي للواقع.

نشوء الزمن

لهذا نحن نحتاج لنظرية فيزيائية جديدة لتوضيح الكون، وان هذه النظرية قد لا تتضمن الزمن. افرض ان مثل هذه النظرية ثبت انها صحيحة . هل ذلك يعني ان الزمن غير موجود؟ انه امر معقد، ويعتمد على ماذا نعني بـ  موجود. نظريات الفيزياء لا تتضمن أي طاولات او كراسي او اناس، ومع ذلك نحن لا نزال نقبل ان الطاولات والكراسي والناس موجودون. لماذا؟ لأننا نفترض ان مثل هذه الاشياء موجودة في مستوى أعلى من المستوى الذي تصفه الفيزياء. نحن نقول ان الطاولات مثلا،"تبرز" من الفيزياء الاساسية للجسيمات التي تتحرك بسرعة حول الكون. ولكن مع اننا لدينا فهم جيد حول كيفية صنع الطاولة من جسيمات أساسية، لكننا ليست لدينا فكرة عن كيفية صنع الزمن من شيء ما أكثر اساسية. لذا مالم نستطع المجيء بتفسير جيد لكيفية نشوء الزمن، سيبقى من غير الواضح إمكانية الافتراض البسيط بوجود الزمن. الزمن ربما غير موجود في أي مستوى كان.

الزمن والأفعال البشرية

القول بان الزمن غير موجود في أي مستوى يشبه القول بعدم وجود أي طاولة على الإطلاق. محاولة العيش والتعامل مع عالم بدون طاولات  ربما أمر صعب لكن العيش في عالم بلا زمن يبدو كارثيا. كل حياتنا بُنيت على الزمن. نحن نخطط للمستقبل في ضوء ما نعرف عن الماضي، نحن نحمّل الناس مسؤولية أخلاقية على أفعالهم في الأوقات الماضية وعيوننا تتجه نحو توبيخهم لاحقا. نحن نعتقد بأنفسنا كوكلاء (كيانات تستطيع عمل أشياء) جزئيا لأننا نستطيع التخطيط للتصرف بطريقة سوف تؤدي الى تغييرات في المستقبل. ولكن ما الفائدة من التصرف لأجل التغيير في المستقبل حينما لا يكون هناك مستقبل نتصرف لأجله؟ ما الفائدة من معاقبة أحد ما بسبب أعمال حدثت في الماضي، حينما لا وجود هناك للماضي، وبالتالي لا حدوث لذلك الفعل؟ إكتشاف ان الزمن غير موجود قد يدفع العالم بأكمله الى التوقف تماما. سوف لن يكون لدينا سبب للنهوض من السرير.

العمل كالمعتاد

هناك طريقة للخروج من هذا المأزق الصعب. بينما الفيزياء قد تلغي الزمن، لكنها تترك السببية سليمة: الإحساس بأن شيء ما يمكن ان يؤدي الى آخر. ما تخبرنا به الفيزياء ربما هو ان السببية وليس الزمن هو السمة الأساسية للكون. اذا كان ذلك صحيحا،عندئذ فان الوكالة او فعل الانسان يمكن ان يبقى ويستمر، لأنه من الممكن إعادة بناء معنى الوكالة كليا بلغة سببية. على الأقل، ذلك ما يجادل به المؤلفون الثلاثة Kristie Miller, Jonathan Tallant, Sam Baron في كتابهم الجديد الصادر عن مطبعة جامعة اكسفورد بعنوان: خارج الزمن، دراسة فلسفية لـ اللازمنية، 2022. الاقتراح بان الزمن لا وجود له ليس له تأثير مباشر على حياتنا اليومية حتى عندما يدفع الفيزياء الى عصر جديد.

***

حاتم حميد محسن

.....................

The conversation. April 14, 2022

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5713 المصادف: 2022-04-27 10:51:04


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م