أقلام فكرية

الكبت وتكوين الأعصبة والأذهنة.. شيء من التحليل النفسي

اسعد شريف الامارة(إن المطالب الجنسية المستهجنة هي أول شيء يتناوله الكبت).. سيجموند فرويد*

ان الكبت هو دومًا عملية منتظمة الدقة، وعلى علاقة وثيقة بالقلق الذي سوف ينحبس، أي على علاقة بالحقيقة، التي هي على الدوام بنت لحظتها، يمكن ان يُعد هذا التوقع المسبق حول المدلول الذي يتضمنه هذا المفهوم بمثابة حالة خاصة للآلية الفاعلة في تركيب أي جملة، ذلك أن معنى جملة ما لا يكتمل إلا في لحظة تمامها، أي نهايتها، ويمكن وصف الكبت، من هذا المنظور بمثابة إنقطاع التوقع الذي يعطي تكوين الجملة قوته الدافعه" صفوان، 2016، ص 195" ويعرف الكبت Repression في موسوعة علم النفس والتحليل النفسي بأنه حيلة تلجأ إليها النفس البشرية ويقوم بها الأنا في الشخصية وتتم بشكل لاشعوري، لاواعي، إذ لايحس الفرد أنه يقوم بعملية الكبت ولا يعي بها، وفي هذه الحيلة يقوم الفرد باستبعاد الدافع النفسي كلية أو باستبعاد الذكريات او الأفكار أو المشاعر من منطقة الشعور Conscious بالنفس البشرية إلى منطقة اللاشعور Unconscious بها، إلا أن هذه الدوافع أو الذكريات أو الأفكار أو المشاعر التي كبتت في اللاشعور لا تموت بل تظل حية نشطة تعمل على الولوج إلى منطقة الشعور، إلا أن قوى الكبت في النفس البشرية تظل لها بالمرصاد حائلًا بينها وبين أن تصبح شعورية، وتضيف موسوعة التحليل النفسي أن دور الكبت بارز في تكوين الأضطرابات النفسية، حيث تنشأ أعراض الأضطرابات النفسية كنتيجة لإيقاع كبت على دوافع مرفوضة من جانب الشخصية فتضطر هذه الدوافع إلى التحايل والتخفي والالتواء والظهور في شكل غير مفهوم ومموه، هو أعراض الاضطراب النفسي، وازاء ذلك يقول "سيجموند فرويد" مؤسس التحليل النفسي إن ما تم أبعاده من الداخل يعود بالظهور في الخارج"لاكان، 2017، ص 95" وَيعرف من يمتهن التحليل النفسي أن الاضطرابات العصابية هي اضطرابات الأنا، ويتقي الأنا العاجز هذه المشكلات بمحاولات الهرب "الكبت بانواعه.. أقصد هنا الكبت الجنسي، الكبت والشعور بالأثم، كبت الرغبات المحرمة..الخ" التي تغدو فيما بعد عديمة الجدوى فتؤلف عقبات دائمة في سبيل النمو اللاحق" فرويد، ب.ت، ص58" أما "أنا فرويد" فترى أن الكبت يحتل مكانًا فريدًا بين العمليات النفسية، فدلالة الكبت تتقلص بحيث تصبح: اسلوبًا" خاصًا للدفاع مثل العلاقة بين الكبت والهستيريا، وقولها أيضًا أن الكبت ليس فقط أكثر الميكانيزمات – الآليات- فاعلية، بل أيضًا أكثرها خطورة " فرويد، ب.ت، ص 47" ونحن بهذا الصدد في معرفة فاعلية قوة الكبت ودوره في العمليات النفسية السوية إن وجدت، أو في الإضطرابات العصابية أو الذهانية فإننا بأزاء مدخل عميق لهذا التأثير فترى "هيلين دويتش" ان الصراع الكامن لا يصبح فعليًا إلا عندما يتجاوز حدود قدرة الفرد المعني على تحمله، وقد يحدث هذا أما نتيجة درجة الإحباط ذاته، أو بسبب ضعف الأنا، أو بسبب صلة معينة بين الإحباط والميول التي أمكن كبتها بنجاح، وهنا أيضًا يلعب السبب الفعلي دور العامل المثير المنشط" دويتش، ب.ت، ص 18" أما "سيجموند فرويد" واضع أولى بصماته عن هذا الميكانزم الدفاعي، اقصد "الكبت" قوله إذا نشأ دافع ما في نفس المرء ولكن اعترضته ميول قوية توقعنا حدوث الصراع النفسي على النحو التالي: ذلك أن القوتين الديناميتين ستصارع إحداهما الأخرى فترة من الزمن في ضوء الشعور الكامل حتى تنُحى الغريزة وتستبعد منها شحنتها من الطاقة، ذلك هو الحل السوي، بيد أن الصراع في العصاب يفضي إلى نتيجة مغايرة، يتقهقر الأنا بعد اول صدمة يتلقاها في صراعه مع الدافع المحظور فيمنع الدافع من أن يصبح شعوريًا ويحول بينه وبين الانصراف الفعلي المباشر، ولكن الدافع يبقى مع ذلك محتفظًا بكامل شحنته من الطاقة، أطلقت على هذه العملية" الكبت" ويضيف "فرويد" ينتج عن القيام بالكبت عواقب أخرى: ففي المقام الأول يتعين على الأنا أن يحتمي من خطر دائم لهجوم لا يفتأ يشنه الدافع المكبوت " نجدها في حياتنا اليومية في أجبار التكرار لفعل ما، مما يسبب لدى البعض حالة من الوساوس"، الأمر الذي يقتضي منه أن يبذل جهدًا مستمرًا، أي يطلق دومًا شحنة مضادة Cathexis، وبذلك تنقص قوته، ومن الناحية الأخرى فإن الدافع المكبوت الذي أصبح لاشعوريًا "لاواعيًا" بوسعه أن يجد منصرفًا وإرضاء بديلًا خلال طرق ملتوية وبذلك كأن الكبت لم يحقق الغرض منه، ففي حالة الهستيريا التحولية يفضي الطريق الملتوي إلى أعصاب الجسم، إذ يقتحم الدافع المكبوت إحدى المناطق مُحدثًا بذلك الأعراض، ويختم "فرويد" قوله: اصبحت نظرية الكبت حجر الأساس في فهمنا للعصاب" فرويد، ب.ت، ص 35" وله رأي أيضًا "سيجموند فرويد" حيث يقول: يقودنا إلى مفتاح أساس في أحد عوامل تكوين العصاب دون أن ندري من خلال الحلم : أن كل حلم إنما هو تحقيق (مقنع) لرغبة – أمنية (مكبوتة) وهكذا نتبين أن الأحلام تتكون كأي عرض عصابي: فهي محاولات توفيق بين مطالب دافع مكبوت وبين مقاومة تبذلها قوة الرقابة في الذات. أما "جاك لاكان" فيلسوف التحليل النفسي فيقودنا في رؤيته العميقة في هذا المضمار النفسي العقلي من خلال قوة تأثير هذا الميكانيزم- الآلية بقوله يمكن أن يحصل كل ما يمكنكم تخيله، وذلك تحت ألوية المجالات الثلاثة: التكثيف والكبت والإنكار، وسنحاول أختصار الأول والثالث ويكون تركيزنا على ما نحن بصدده وهو الكبت. فالتكثيف هو قانون سوء التفاهم ليس إلا، فبضله نبقى على قيد الحياة وبفضله أيضًا نتمكن دفعة واحدة من إبراز أعراض متعددة. أما الإنكار فهو من قبيل الخطاب ويتعلق بما نحن قادرين على الاتيان به إلى قارعة النهار بطريقة ملفوظة، وعلى هذا المستوى بالتحديد يتدخل مبدأ الواقع، أما ما نبحث عنه بهذا الصدد وما يعنينا في هذا المبحث فهو الكبت فهو ليس قانون سوء التفاهم، إنه ما يحدث عندما يكون الأمر ليس على ما يرام على مستوى السلسلة الرمزية، فكل سلسلة رمزية يكون لنا بها ارتباط، تتوفر على ترابط وتناسق داخليين مما يجعلنا مضطرين في لحظة لاحقة، لتسديد دين استَدنا به سابقًا، ولكن قد لا يكون بإمكاننا تسديد الديون على كل الجبهات دفعة واحدة، وهكذا بتعبير آخر، يصبح القانون غير محتمل بالنسبة لنا، وهذا لا يعني أن القانون غير متحمل في حد ذاته وإنما الوضعية التي نجدنا فيها تتطلب منا تضحية تصبح مستحيلة على مستوى الدلالات وهكذا نعمل على كبت بعض من أفعالنا ومن أقوالنا ومن سلوكنا، إلا أن السلسلة لا تلبث في مواصلة جريها من تحت، ولا تتوانى في التعبير عن متطلباتها والتأكيد على مديونيتها، وكل ذلك من خلال العَرض العصابي، وعلى هذا الأساس يكون الكبت بجانب العصاب" لاكان، 2017، ص 98". أما "أوتو فينحل" فيرى ليست كل الحفزات وكل الإدراكات شعورية "فدون العتبة" ثمة مثيرات يمكن التدليل على إن إدراكها قد تم دون أن تكون قط شعورية، هذا إلى أنه توجد إدراكات مكبوتة، كما في العمى الهستيري مثلا حيث تمكن ملاحظة فاعلية الإدراكات اللاشعورية، وهناك أيضا حركة لاشعورية كما في التجوال النائم" فينخل، 1969، ص 55"

الكبت وإجبار التكرار:

نرى أن الكبت وعودة المكبوت ترتبط بفكرة "إجبار التكرار" وقرنها "سيجموند فرويد" بالوسواس قوله : يدفع المريض إلى إعادة الماضي والحياة فيه مرة أخرى كما لو كان جزءًا من الحاضر، ذلك لأن اللاشعور"اللاوعي" أي الأمور المكبوتة لاتبدي أي مقاومة ضد محاولات العلاج، بل هي في الواقع لا تهدف إلا إلى التخلص من الضغط الذي يثقل عليها وإلى شق طريقها إلى الشعور، أو إلى التنفيذ بوساطة فعل حقيقي. فالمقاومة التي تظهر أثناء العلاج إنما تصدر عن المستويات بالنظم العليا للحياة النفسية، تلك المستويات التي قامت هي من قبل بعملية الكبت. ويقول "محمد درويش" في محاضرة عن الخطاب اللاكاني بتاريخ 23 / 10 / 2021 قوله عن الكبت: الإنسان لا يقول الحقيقة كاملة، الإنسان عنده حقيقة مكبوتة ولا ينطق إلا نصف قول، وهي حالة من التكرار غير قادر على لفظ الحقيقة كاملة" درويش، 2021) ويضيف "فرويد" يتضح لنا توًا أن أجبار التكرار لابد أن يكون نتيجة ما هو مكبوت في اللاشعور، وإن العلاج التحليلي قد أفلح في فك اغلال الأمور المكبوتة. وما من شك في أن المقاومة التي تصدر عن الأنا الشعوري والأنا اللاشعوري إنما تعمل على وفق مبدأ اللذة، فهي تسعى إلى تجنب عدم اللذة الذي قد يأتي نتيجة تحرير الأمور المكبوتة، وتوجد صلة بين إجبار التكرار وهو مظهر لقدرة المكبوت، وبين مبدأ اللذة" فرويد، ب.ت، ص 42" ويتناول البروفيسور "عدنان حب الله" العلاقة بين الكبت وإجبار التكرار بالصدمة ويذكر أن التفكك النفسي الناتج عن الصدم أطر إعادة البناء من أجل أن يتمكن ما كان عنفًا خياليًا يظهر بشكل أوهام "هوام" قديم، ولكن يستوعب البنية المتماسكة للذات بفضل عملية الترميز وأزاء ذلك يستطيع المريض أن يسيطر على الحدث، وأن يضبط قوة فاعليته، حيث تهدف عملية الترميز هذه بعد إعادة إقرار التصور والتمثيل إلى استيعاب الفرق بين "قبل" و"بعد" لاستعادة الدال الناقص للذات في نظام الترميز. إن إعادة التكامل والاستمرارية إلى السلسلة الدلالية تتيح للذات أن تأخذ مكانها حتى تتجنب آثار الطرد التي بليت بها في فترة وقوع الصدمة أثناء الصدم" حب الله، 2006، ص 222" ويمكننا القول أن ما يتم كبته في مرحلة ما وتحت ظرف ما، لا يمكن أن يعود أو يظهر بنفس الشكل أو المعنى أو الصورة التي كبت بها، واعتقد حتى في الجلسلت العلاجية بالتداعي الحر يحاول المعالج أن يستأصل شيء غرس في أعماق المريض أو من يطلب المشورة، وقول "عدنان حب الله غياب الشيء لا يعود كما هو " حب الله، 2006، ص223" بعد ان يكون تم ترميزه وإذا قلنا تشفيره برمز، ولو حاول المعالج أن يستدعيه فإنه يعود بعد مقاومة عالية جدًا وليس بصورته الأولية كما حدث الترميز، ويرى "فرويد" في عمله العيادي أن التحول بين المتحلل والمحَلل يخضع لهذا المبدأ ذاته مبدأ التكرار، وما يعنينا في تاثير قوة الكبت "كحيلة دفاعية " يلجأ إليها كل الناس وفي مختلف المراحل العمرية، في حالة السوية أن وجدت واللاسواء وهو السائد في حياة الإنسان وحتى في حالات النفسجسمية " السيكوسوماتية" يرى "محمد شعلان" أن العنصر المميز للاضطرابات النفسية الجسمية هو انها قلما تكون لها دلالة رمزية كبديل مباشر لرغبة سطحية مكبوتة مثلما هو الحال في الهستيريا، وإنما هي تعبير إنفعالي مزمن وبدائي عن رغبات عميقة، فالاضطرابات النفسية الجسمية من الناحية النشوئية الدينامية إنما هي أقرب إلى حالات الذهان منها إلى العصاب بقدر ما هي تعبير عن صراع على مستوى مبكر" شعلان، 1979، ص 124" وهذه الفكرة تنقلنا إلى الحالات الحدية من الاضطرابات، ولو اضفنا شيء ربما يتفق مع تقدمنا به من طرح لحيلة " آلية" الكبت فإن من يعانون من الاضطرابات النفسيجسمية لا يميلون إلى التعبير اللفظي، أو الحركي عن إنفعالاتهم بل يستخدمون لغة الجسد وهي لغة بدائية عرفها الإنسان فضلا عن ميولهم لتحويل الإنفعال إلى الداخل بدلًا من البيئة الخارجية، حينها تفتك النفس بنفسها، فتضرب المعدة بقرحة، ويضرب الإنفعال القولون العصبي، ويضرب شدة الإنفعال ضغط الدم، أو مستويات السكري في الدم، حتى الصدفية أو الثعلبة، أو الأفازيا بأشكالها الأربعة مثل أفازيا النطق، الصياغة، التسمية، الفهم، ولا نغالي إذا قلنا أن البعض يشعر بارتباك في الصوت كما لو ان هناك حشرجه في صوته وتشكل مثل الحساسية الجسدية واساسها نفسي وهي حساسية حالة الأغشية المخاطية التي ترتبط بدورها بالحالة النفسية، وهي ظاهرة سيكوسوماتية " نفسجسمية"، وفي الاخير يمكننا القول ان عملية إنهاء الكبت هي عملية إكتشاف الإنسان نفسه بمساعدة نفسه أولًا ومعاونة المعالج بالتحليل النفسي بالتخلص قدر المستطاع من النزعة المكبوتة لدى البعض سواء في الأطفال أو البالغين.

***

د. اسعد شريف الامارة

......................

المصادر:

* فرويد، سيجموند ( 1978) محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، ترجمة أحمد عزت راجح ومحمد فتحي" ص 420" مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

 - حب الله، عدنان (2006) الصدمة النفسية، أشكالها العيادية وأبعادها الوجودية، ترجمة علي محمود مقلد، دار الفارابي، بيروت.

- درويش، محمد (2021) محاضرة عن الخطاب اللاكاني – مفاهيم أساسية، من محاضرات رابطة الفضاء الفرويدي الدولي، باريس، غير منشورة.

 - دويتش، هيلين ( ب.ت) محاضرات في التحليل النفسي والعصاب، ترجمة فرد أحمد فرج، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- شعلان، محمد (1979) الاضطرابات النفسية في الأطفال ج2، مؤسسة روز اليوسف، القاهرة.

 - صفوان، مصطفى (2016) التحليل النفسي علمًا وعلاجًا وقضية، ترجمة مصطفى حجازي، هيئة البحرين للثقافة والآثار، المنامة.

- طه وآخرون، فرج عبد القادر (1993) موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، مكتبة سعاد الصباح، الكويت.

- فرويد، سيجموند (ب.ت) الموجز في التحليل النفسي، ترجمة سامي محمود علي وعبد السلام القفاش، دار المعارف، القاهرة.

- فرويد، أنا ( ب.ت) الأنا وميكانيزمات الدفاع، ترجمة صلاح مخيمر وعبده ميخائيل رزق، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.

- فرويد، سيجموند (ب.ت) حياتي والتحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم المليجي، دار المعارف بمصر، القاهرة.

- فرويد، سيجموند (ب.ت) ما فوق مبدأ اللذة، ترجمة إسحق رمزي، دار المعارف، القاهرة.

- فينخل، أوتو (1969) نظرية التحليل النفسي في العصاب، ترجمة صلاح مخيمر وعبده ميخائيل رزق، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة.

- لاكان، جاك (2017) الذهانات، ترجمة عبد الهادي الفقير، دار التنوير للطباعة، تونس، بيروت، القاهرة.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5732 المصادف: 2022-05-16 02:06:32


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م