أقلام فكرية

التفكيك أو البحث في المختلف

محمد كريم الساعديتتمركز فلسفة التفكيك في بحثها عن المختلف بين الظاهر والمخفي (الدال والمدلول) كعلامة اسس لها (اللوغوس) في الفكر الغربي، إذ إنَّ المشتغلين سعوا في آليات التفكيك الى إظهار المخفي والكشف عن النوايا القابعة خلف المتمظهر الذي سوق الى الذهنيات البشرية بوصفه من المسلمات التي تحمل الحلول والعوامل السليمة والبدائل المناسبة لإنقاذ إنسان الحضارات الأخرى، لذلك عمل فيلسوف التفكيك الفرنسي (جاك دريدا) في الخفر داخل الخطاب الغربي لكون هذا الخطاب الذي دعا الى فكرة التفوق وأسس لها في فكره المتعالي، إذ عمل (دريدا) على اظهار المتناقض المتغلغل داخل هذا الفكر الذي يحمل دلالات متناقضة مع ظاهره المادي، وهذا الفعل المختلف يؤيد ما قام به الفيلسوف الالماني (مارتن هيدغر) في تقويضه لمفاهيم العقل والفكر المثالي الغربي، والتي دعا فيها (هيدغر) الى رفع تلال اللغو التاريخية الكثيفة والتنقيب عن محجر الوجود المصيري أو أصل الأصول، فهو يعمل على أزاحة تاريخ الميتافيزيقا لوصل المصير بفجر الضمير .أما تفكيك (دريدا) فهو يبغي تحطيم الفكر الغربي والإبقاء على انقاضه، لأنَّه يكمل النقيض الذي يعرف البديل، كما فعل الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) في بحثه في الخطاب الغربي أيضاً من خلال ما اسماه (حفريات المعرفة) وكل هؤلاء الفلاسفة ومن حذا حذوهم بحثوا في الارث الميتافيزيقي والمثالي (للوغوس) الغربي، على الرغم من اختلاف المفاهيم لكن الهدف واحد، فـ(هيدغر) في تقويضه، و(دريدا) في تفكيكه، و(فوكو) في حفرياته، كانت تصب في نقد هذا الفكر والكشف عن الاختلاف بين الدوال والمدلولات، من أجل بناء أسس جديدة للعلامة تختلف في الفهم والتعامل مع دلالاته.

في هذا المجال نركز على مفهوم واحد من هذه المفاهيم الثلاثة وهو (التفكيك)، الذي يسعى من خلاله (دريدا) لتفكيك الدلالات التاريخية والفلسفية والأخلاقية التي جعلت من البناء الفكري والمعرفي الغربي يصل الى ما وصل اليه من هيمنة معلنة في الساحة الثقافية العالمية، فالبحث في التاريخ والفلسفة والفكر جاء من أجل جمع أكبر تراث معرفي، ومحاولة تفكيكه للخروج بآليات تظهر آلية الكشف السليمة وتدعمها بحجج، واستدلالات منطقية في هذا الجانب، وكيفية البناء والتأسيس المعرفي لهذه الحضارة المترامية الاطراف، وما انتجته من دلالات أخلاقية مختلفة كلياً عن الآخر، وكذلك عن الأهداف المعلنة لهذه الحضارة، لذلك عمل (دريدا) على إيجاد فكر جديد في التعامل يقوم على تفكيك أهم مسلَمات الحضارة الغربية، من خلال القراءات التفكيكية للنصوص (أفلاطون) و(روسو) و(هيغل) و(هوسرل) و(سوسور) و(فرويد) و(مارسيل موس) وغيرهم . كما أنه لا يترك مجالاً معرفياً أو فنياً إلا ويحاول أن يبث فيه روح التناقض بين المقدمات والنتائج أو بين المصدر المفترض والفروع المنبثقة منه.

إنَّ مشروع (دريدا) التفكيكي قام على مفهوم الكتابة التي أعدها هي المركز وليس الكلام أو القول الذي ينسبه الى الميتافيزيقيا، وهنا أراد الانتقال من التمركز حول (اللوغوس) الغربي، ونواياه غير المعلنة الى الكتابة التي عدها ثابتة، وهو يعتقد بأن الكتابة هي ليست فقط ما يدون على الورق أو ما ينتج من فكر في داخل المؤلفات، بل يعتقد أن كل عمل إبداعي، هو كتابة مثل الأدب والفن الذي يضم أصنافاً مختلفةً من الأجناس الأدبية وغيرها مثل فنون الأداء، أي أن (دريدا) حاول أن يعطي تعريفاً جديداً للكتابة قائلا: إنها النقش(Inscription ) عموماً، سواء كان ذلك حرفيا ام غير حرفي حتى وأن كان ما تم توزيعه في الفراغ غريبا عن نظام الصوت، بهذا المعنى يمكن ان نعد التصوير السينمائي والرقص والبالية والموسيقى والنحت وجميعها كتابة.

إنَّ مرتكزات التفكيك عند (دريدا) تقوم على ثلاثة مفاهيم، هي الأساس في تقويض المعنى الكامن خلف (اللوغوس) وميتافيزيقيته، وهذه المفاهيم هي:

1. الاختلاف: وهو ما يشير الى فعلين هما: (ان يختلف)، أي غير متشابهة، و(أن يرجئ) ويؤجل . وفي سياق هذين الفعلين تكون للعلامة سياق جديد تعمل عليه، أي تكون وظيفتها مزدوجة بين الفعلين، وليس بين الدال والمدلول، بل من خلال الأختلاف والتأجيل .

2. الأثر: أي أن العلامة هي أثر ثقافي ونفسي وروحي، وليس مادي أو محسوس أو مرئي أو بايلوجي .

3. الكتابة: التي تعني النقش وتعني البنية التي يسكنها الأثر وهي تعمل مع التعبيرات الكتابية وغير الكتابية.

إنَّ هذه المفاهيم الثلاثة التي أراد من خلالها (دريدا) معرفة آليات تفكيك مفاهيم كامنة خلف الإطار المادي، سعى الى تأكيد مصطلح الاختلاف بين المقدمات والنتائج، وكذلك بحث الاختلاف بين الدوال والمدلولات من خلال البحث في ماديتها وتعاليمها الكامنة في الفكر الفلسفي والثقافي الذي يشكل النواة الأساسية والمهمة للبناء المعرفي في الفكر الغربي القائم أصلاً على ثنائيات نقضها (دريدا) وأعدها ازدواجيات، وبما إنَّه ركز على الكتابة في مفهومها الجديد جعل يبحث في داخلها بوصفها نسيج مركب من إشارات وتعبيرات ودلالات متداخلة تستدعي التفكيك والعزل لفحص بنيتها وجذورها المتضاربة فالإزدواجيات: مركز /هامش، مسيطِر/مسيطَر، مادة/فكر .. هي ثنائيات أسطورية تتجاوز حلقات الاختلاف التي تنقض حلقة التطابق أو التماهي . فبينما كانت حلقة المطابقة تزعم وجود (مركز) (لوغوس، حضور، نظام، كوجيتو...) يقصي (الهامش) (الخرافة، الجنون، اللاشعور، الغياب، التبعثر...)، فأنه بجعل الهامش (مركزاً) سيرتد المركز الى (هامش) فهو مركز ولا مركز، لأنه هامش وهو هامش ولا هامش لأنه مركز. وبذلك عمل (دريدا) في تأسيس مفهوم جديد للدلالات لأنها اثرٌ داخل الكتابة ذاتها.

***

الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5799 المصادف: 2022-07-22 04:46:45


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5931 المصادف: الخميس 01 - 12 - 2022م