أقلام فكرية

ماذا يمكن ان نتعلم من الرواقية الاممية؟

حاتم حميد محسنكان العالم اثناء فترة الجمهورية الرومانية الأخيرة أكثر ميلا نحو العالمية نتيجة لتأثير الرواقية. رواقيون مثل بانيتيوس الذي انتقل ذهابا وايابا من اثينا الى روما، وروتيليوس الذي ناصر سكان آسيا ضد رجال بلاده، والسوري بوسيدونيوس الذي انتقل من اثينا الى رودس ليبدأ العمل في مدرسة أصبحت محطة الامبراطورية، لم يكونوا يونانيين او رومان بقدر ما هم مواطنين عالميين. الرواقية العابرة للقومية تعود في جذورها الى الساخر دايوجينس (323ق.م) الذي حين سُئل عن بلده، أجاب،" انا مواطن في العالم"، وهو ادّعاء راديكالي في ذلك الوقت وكان اول استعمال مسجّل لكلمة عالمي "cosmopolitan". موسونيوس أحد معلمي الرواقية ينقل عن المسرحي اليوناني يوربيدس قوله" ان النسر يستطيع الطيران في كل الهواء، والرجل النبيل يمتلك كل الأرض كوطن له". الحكيم يستطيع ان يجعل من نفسه في وطنه في أي مكان،ولهذا يكون المنفى ليس عقوبة له كما يبدو. في الحقيقة، احدى المزايا العديدة للمنفى هو اننا لا ننجرف نحو العمل السياسي من جانب بلد يبدو كأنه بلدنا، ولا ننزعج من اناس هم فقط كأنهم اصدقائنا، ولا يتم التعرض لنا من أقارب تافهين. روتليوس بلغ أوج رقيّه كثيرا في المنفى لدرجة انه رفض دعوة القائد الروماني سولا للعودة الى روما.

حتى ماركوس اورينوس كامبراطور، لم يفكر بنفسه كروماني فقط : "مدينتي ودولتي هي روما .. لكن بلدي كانسان هو العالم. لذا بالنسبة لي، تعني "جيد" فقط  ما هو جيد لكلا الجماعتين".

لماذا الأنانية غير مفيدة؟

تؤمن الرواقية الاممية بأن جميع البشر يشكلون جزءا من نفس الكائن الحي وان هذا الكائن مثل أي من أجزائه. صحيح ان بعض الناس يتصرفون مثل السرطانات، لكن حتى مع هذا، هم يعلمون انهم يقومون بعمل الله او الكون. تماما مثل عيوننا او آذاننا او أسناننا كل واحد يلعب دورا في أجسامنا، كذلك نحن، كل شخص له دور يلعبه في المجتمع، حتى لو كان فقط يعمل كتحذير للآخرين. ذكر سينيكا،"ان ذلك الذي تسميه عبدك انبثق من نفس المواد الخام، هو يبتسم الى نفس السماء، وعلى قدم المساواة معك في الأنفاس والحياة والموت".

العيش بأنانية هو بالأساس عمل تدميري ولا يعود بالفائدة على صاحبه. لكي نشعر بالحياة والسعادة، نحتاج ليكون لدينا إحساس بالعمل مع الآخرين ولأجل الآخرين لأننا مخلوقات مثل النمل او النحل. ان لم  نساهم لجاليتنا، سوف نشعر بالإنفصال والكآبة. يذكر الامبراطور ماركوس، انه مهما كان العمل الذي نقوم به  جيدا، يجب ان نقوم به بهدوء، بدون ان نتوقع أي مردود له، تماما مثل "الحصان حين يعدو، او النحل حين يعمل العسل، او كرمة العنب حين تعطي الثمار موسما بعد آخر دون ان تفكر بالعنب الذي تهبه". مكافئتنا ستكون نحن بالذات وهي أكبر من أي ثروة او مجد قد نناله او لا نناله: لكي نقود حياة جيدة هو ان نعمل ما وُلدنا للقيام به.

بالطبع الناس قد يختلفون نوعا ما عن النحل والنمل، هم قد يتصرفون بسوء او يختفون بعيدا في بيوتهم. هناك الكثير يُتوقع حياكته ضمن نسيج العالم. حين تكون غاضبا ومنزعجا ذلك يجعل المسألة أسوأ او ربما أكثر سوءا. نحن ربما ننظر للسلوك السيء كفرصة. في يوم ما، الوغد الذي جرح عين ليكورجوس كان قد اُرسل له للعقوبة. ولكن بدلا من جلده قام ليكورجوس صانع قوانين اسبارطة بتعليمه ومن ثم أخذه الى المسرح. وعندما اندهش الاسبارطيون عند النظر اليه، أعلن ليكورجوس "الفرد الذي تسلمته منكم كان عنيفا وعنيدا والآن اعيده لكم انسانا خيرا ومواطنا صالحا".

لماذا التعليم أفضل من العقوبة؟

سقراط، جد الرواقيين، قال ان الناس الذين يقومون بعمل خاطئ ذلك بسبب انهم في تلك اللحظة، هم يعتقدون ان ذلك العمل هو أفضل ما يمكن القيام به. في محاكمته، هو جادل انه لو كان فعلا أفسد الشباب كما اتهموه، كان يجب ان يقوم بهذا بشكل غير مقصود طالما هو كان دائما يعلم ان إفساد الشباب، او أي شخص، هو بمثابة جرح لنفسه. لذلك، لو هو فعلا أفسد الشباب فان المدينة وقضاتها سيكون من الأفضل لهم تعليمه بدلا من معاقبته.

في تعاملنا مع الناس الآخرين، من المفيد التذكر بانه ، في أذهانهم هم فقط يقومون بما يعتقدون هو الصواب. هم مثلنا  يعملون في حدود فهمهم، لأن ذلك هو كل ما نستطيع فعله لا اكثر اهمية ولا اقل.

أحيانا يكون التعليم غير عملي او مستحيل. ولكن حتى لو كان لزاما علينا معاقبة الناس، فيجب ان لا يكون ابدا لغرض الانتقام وانما فقط لتحسين السلوك. في قصة مشكوك فيها، ان افلاطون بدأ مرة بضرب عبد قبل ان يمنعه من عمل ما. وعندما جاء تلميذ بعد ساعات من ضرب العبد وجده لايزال في هذا الموقف المحرج، هو قال، "انا اعاقب انسانا غاضبا". وفي قصة مشابهة، افلاطون الغاضب طلب من ابن اخيه سبوسيوس ان يقوم بجلد عبد غير مطيع نيابة عنه، موضحا ان العبد لا يجب ان يكون في سيطرة على من لايملك السيطرة على نفسه.

اذا كنا عازمين على الانتقام، نحن لا نحتاج لنلطخ ايدينا وانما ببساطة نترك كل شيء للقدر والحظ الذان يميلان لجانب الخير. الموت، ان لم يكن هناك شيء قبله، سوف يجيب على مظالمنا ويدفن أعدائنا في غبار ضحالتهم.

***

حاتم حميد محسن

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5818 المصادف: 2022-08-10 02:29:19


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م