أقلام فكرية

التفسير التزامني للنصّ وإمكانيته في العقل الدينيَّ

قراءة الدين ومعرفته ليست حكرًا على المؤسسة الدينيَّة ورجالها، ولا سيَّما أن المناهج المعرفية الحديثة كالمناهج اللغوية، والتاريخية، والسوسيولوجية، والانتربولوجية، لم تنبثق من داخل هذه المؤسسات، إذ ولدت وتشكلت خارجها. إلاّ أن تطبيقات هذه المناهج إذا تم من قبل علماء الوسط الدينيّ من الذين فتشوا التراث وفهموا مذاقه بالاستيعاب والوعي فإن نقدهم سيكون أعمق وتحليلهم أدق من غيرهم. لكن المشكلة تبقى في أن المؤسسات الدينيَّة لا زالت تدير ظهرها لهذه المناهج بأعذار تجدها مقبولة لنفسها. ظهرت عندنا ضفيرة من التفاسير بمختلف المناهج والاتجاهات: العقلي، والتحليلي، والموضوعي وو، ما عدا تفسيرًا واحدًا: وهو التزامني التاريخي.

ظهور هذا التفسير سيحرك المياه الراكدة في علم الكلام بل يحرك مجمل العقل الدينيّ ومجريات المقولات الإيمانيّة، ويجرد حركات العنف الدينيّ من أسلحتها الجوالة عن طريق تجمييد التفسير الحرفي للنصّ وتحييده.

تعايش المسلمون لقرون طويلة مع تفاسير تعبوية واسقاطية واختزالية وو. إلَّا أنّه من الصعب إقناعهم بالتفسير التزامني وجدواه، لاعتبارات مختلفة لعل أبرزها: ضعف الوثوق بالتاريخ وتدوينه، والتزامهم بالقاعدة الأصولية " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب" التي حموا من خلالها البعد الدلالي للنصّ من الاختزال في الوقائع والأحداث، زيادة على ما دل أن القران الكريم هو ميزان التصويب والترجيح بين الروايات، فإذا نالته التاريخية فكيف يمكن افتراضه معيارًا ؟ ولهذه الأمور وغيرها صرّح أكثر من فقيه بتحييد القرآن الكريم عن تاريخية الواقع(1). أما الدكتور محمد أركون فقد ذهب إلى أبعد من ذلك من خلال التأكيد على ضرورة مواصلة العمل في تحقيق القرآن أولًا، لأن البحث فيه لم يفقد أهميته بعد، فهذا التحقيق هو من يتحكم بمدى قدرتنا على التوصل إلى قراءة تاريخية أكثر مصداقية لهذا النص. بمعنى أنه ما دمنا لم نتوصل بعد إلى نسخة محققة تمامًا عن القرآن إن قراءتنا التاريخية له سوف تظل ناقصة. وعلى الرغم من كل الجهود التي بذلها الاستشراق منذ نولدكه وحتى اليوم إلَّا أن تحقيق القرآن لا يزال يعاني من ثغرات مهمة. ويبدو أن هذه حالة لا مرجوع عنها، لأن كل النسخ التي كانت معاصرة للقرآن دُمرت إلَّا نسخة واحدة هي النسخة الأرثوذكسية التي فرضتها السلطة الرسمية. فلو بقيت نسخ أخرى معاصرة لهذه النسخة كمصحف ابن مسعود لاستطعنا التوصل إلى صورة أكثر تاريخية أو أكثر حقيقة للنصّ وكيفية تركيبة(2).

نعم أخذ عنوان الواقع التاريخي، وضرورة فهمه بالاتساع والتمدد في العقود الأخيرة داخل الأوساط الدينيَّة، ولا يتصور هذا التأثير إِلَّا في الروايات دون الكتاب الكريم، فالشيخ محمد مهدي شمس الدين ذهب إلى أن كثيرًا من أحاديث السنة الشريفة، هي" تدبيرية" جاءت لتدبيرات عصر له أعرافه وطريقته، يقول: " لا بدّ من إعادة النظر فيما يعتبره معظم الفقهاء الأصوليين من السنة حكمًا شرعيًا إلهيًا بينما كثير منها، أعني نصوص السنة، لا تتضمّن أحكامًا شرعية إلهية، بل تتضمن ما أسميه تدبيرات، وهي أحكامٌ تنظيمية إدارية."(3) .

ويلحظ هنا ان الشيخ لم يقل بتدبيرية نصوص السنة بشكل كامل. فالتحولات الكبرى التي تطرأ على الحياة البشرية لا تمنع– منطقيًا- من وجود أحكام وقوانين ثابتة، لا تنالها يد التغيير. كما يرى الدكتور مصطفى ملكيان، مستشهدًا بنصوص لكونفوشيوس نفسه، ما تزال حية نشطة رغم القرون المتمادية.(4) والتدبيرية تعني الزمنيّة والتأقيت، فلا تنفذ إلَّا في عصره حال حياته، وهذا بخلاف ما فهمه بعضهم(5) من أن الأحكام التدبيرية تأبيدية كالتبليغية إِلَّا أن ترد قرينة على الاختصاص. مع الإشارة إلى أنه لا يوجد فقيه أو مفسر لم يُعمل دلالات الواقع وأثرها في فهم بعض النصوص بوصفها قرائن مهمة في التحليل والاستنباط والتكشيف، والشواهد أوسع من أن تطوق في هذه المقالة.

وما نستطيع ان نسجله هو ان حس قراءة الواقع، وفكّ الالتباس بينه وبين النصّ بقي محدودًا بل خجولًا عند أصحاب هذا الاتجاه، ويشهد لذلك عدم وجود دراسة خاصة عند الشيعة –مثلًا- بهذا الموضوع في علم الكلام، ولا في أصول الفقه، فالدراسات اللغوية الأصولية تحدثت عن صيرورة اللغة وتحولاتها، كما تحدثت عن بعض العناصر التاريخية المحيطة بالنصّ، لكنها كانت على الدوام تنزع ناحية السكونية، من هنا شاهدنا نظرية ثبات اللغة أو ما كان يسمى سابقًا بأصالة عدم النقل، لقد أخذوا بأصول ومبادئ تدعم– عمليًا- ظاهرة الثبات اللغوي والدلالي، وان أقرّوا نظريًا بمبدأ التحول، فهذا المبدأ لم يستطع التأثر في الميدان العملي، لأنَّ مثل قاعدة عدم النقل تعيق إنتاجه وفعاليته.(6)

كما أنَّ أكثر الفقهاء قلّما يتعاملون مع النصوص ويأخذون الدلالات المحيطة بها بعين الاعتبار في الوقت الذي تجد اهتمامًا واضحًا في الدلالة الحرفيّة للنصوص، فهذه الدلالة قد شغلت أذهان الفقهاء والأصوليين من أجل الكشف عن الحكم الشرعي. حتى إنك حين تطّلع على كتب الفقه والأصول تجد بوضوح حجم الجهد الكبير المصروف لأجل هذه الدلالة . فمباحث الظهور والمطلق والمقيد والعام والخاص والناسخ والمنسوخ وغيرها كلّها معنية بهذا الأمر.(7)

أدرك تمامًا أن تطبيق التفسير التزامني التاريخي يتطلب جهدًا صعبًا، وربما مستحيلًا- ولا سيَّما في هذه المرحلة الزمنية- إذا ما أريد ملاحقة الآيات بالتفصيل آية آية، بخلاف ما يراه بعضهم، ويشجع عليه(8)، لأننا سنجد أنفسنا أمام خطاب تنطبق عليه مقاولات ومصطلحات غريماس، وهي البحث عن: مختلف العاملين أو الفاعلين أو الضمائر الشخصية والدور الذي يؤدونه داخل الخطاب، وكذلك مصطلح التنصيص أو النطق الشفهي بالنص ومصطلح المخاطب. علاوة على ذلك في ما عدا التاريخ النقدي للقصص الذي يهتم بتاريخية ما يقوله النص، ويحكيه ويأمر به، فإن للنص قواعد انثروبولوجية ولغوية ألسنية واجتماعية ونفسية- وثقافية.

بعبارة بديلة: البحث في بعدين: الأول: العمليات الثقافية والتجربة العملية التي يندمج القرآن الكريم بواسطتها داخل البدن الاجتماعي ويمارس فعاليته فيه. والثاني: البحث في صور التلقي الاجتماعي ومشاركتها في خلق هويتهم بجدلية من التأثر والتأثير ليتماشى مع همومهم ومشاكلهم.

ان تطبيق المنهج التاريخي في قراءة القرآن الكريم بوصفه فاعلًا اجتماعيًا وتحليله بصرامة، وفهم دلالات الواقع الذي أحاط به- سواء الواقع العام، أو الخاص بنزوله- من دون تنازلات، أو ارضاءات ضمنية من السابق لأوانه في جامعاتنا العربية والإسلامية. وكل من يقول غير ذلك فليجرب حظّه.

الغرب جرب هذه المناهج لمدة مئتي سنة أو أكثر، كيف يمكن أن نستفيد من تجربته وخبرته في هذا الجانب بوصفها ومضات تلمح لهدايتنا نحو المشكلة أو الحل؟ وكيف يمكن تجاوزه من دون التنكر لمكتسباته وذاتنا أيضا؟ لا ننسى أن أوربا تجاوزت فولتير وروسو وكانط وو، وهي تبحث الآن في ما فوق الحداثة، ونحن ما زلنا لم نتجاوز عقل الشيخ المفيد والطوسي، ونزاع الغزالي وابن رشد !

***

أ. م. د حيدر شوكان

كلية العلوم الإسلاميَّة / جامعة بابل

......................

(1) صرّح أكثر من فقيه بتحييد القرآن الكريم عن تاريخية الواقع، ومنهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، 86-87. والسيد محمد حسين فضل الله، الاجتهاد والحياة، حوار على ورق، الناشر: مركز الغدير للدراسات – إيران، الطبعة الثانية -1997م، 37-38. وينظر: الشيخ حيدر حب الله، حجية السنة في الفكر الإسلامي،669-671.

(2) ينظر: الفكر الأصولي واستحالة التأصيل، ترجمة: هاشم صالح، دار الساقي، الطبعة الأولى- 1999م، 45.

(3) الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، 86-87.

(4) ينظر: مصطفى ملكيان، حوار حول ( توقعات الإنسان من الدين ) مجلة نقد ونظر، 6/ 63-64.

(5) ينظر: الشيخ حسين المنتظري، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية، الناشر: المركز العالمي للدراسات الإسلامية–إيران، الطبعة الثانية – 1409هـ، 2/ 622.

(6) ينظر: الشيخ حيدر حب الله، نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي– التكون والصيرورة، الناشر: مؤسسة الانتشار العربي، الطبعة الأولى -2006م،726.

(7) ينظر: يحيى محمد، فهم الدين والواقع، 154.

(8) ينظر: محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة- 1998م، 60.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5832 المصادف: 2022-08-24 03:08:41


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5926 المصادف: السبت 26 - 11 - 2022م