أقلام فكرية

السؤال الأخلاقي الأول (1-3)

يمكن أن يلعب الدين دورًا مهمًا في الحياة الأخلاقية من خلال تقديم إجابة عن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟ وهذه حقيقة معترف بها من قبل كل من المفكرين الدينيين والمناهضين للدين منذ فترة طويلة. وقد تساءل أتباع هذه المعتقدات كثيرًا ما إذا كان سيكون الناس أخلاقيين دون عقوبات الدين. اعتبره نقاد الدين طريقة ذكية ولكن شريرة للسيطرة الاجتماعية ووسيلة لفرض قانون أخلاقي مفيد لبعض الأفراد أو الطبقات. ومع ذلك، ربما لم تدرك المواقف النقدية ولا غير النقدية الطبيعة الدقيقة للعلاقة بين الدين والأخلاق تمامًا. فقد أكد المتدين، على سبيل المثال، على الطبيعة الدينية للأخلاق بالكامل ويميل إلى إنكار دور العقل في الحياة الأخلاقية. فليس المعتقد الديني، بالنسبة لوجهة نظره، استجابة مطورة مؤقتًا للمشكلات داخل مدونة أخلاقية مطورة بشكل عقلاني، بل هو أساس تلك المدونة ومصدر محتواها واساس سلطتها. لقد قدمت في الدراسة السابقة اثباتًا يقول: انه حتى هذا الاستنتاج الأخلاقي من الدين له تفسير منطقي ومبرر. لكن من سمات هذا الموقف الديني إنكار كل تفسير من هذا القبيل لادعاءاته.[1]

أرى أن وجهة النظر النقدية للدين تسيء فهم العلاقة بين الدين والأخلاق العقلانية. فعلى الرغم من أنها تقر بأن العلاقة بين الدين والأخلاق يمكن فهمها من منظور أنثروبولوجي أو اجتماعي أو حتى اقتصادي، إلا أنها ترفض عادةً منح أي أساس عقلاني لهذا الارتباط. إما، في سياق أقل نقدًا، كما هو الحال في بعض وجهات النظر الوظيفية، يُنظر إلى الأخلاق والدين على أنهما ممارسات عرفية وعرضية لجماعات اجتماعية معينة، أو بشكل نقديًا أكثر، يُفهم الدين والأخلاق على أنهما ظاهرتان مناهضتان للعقلانية. يُنظر إليهما معًا بوصفهما وسيلة معقدة للسيطرة الاجتماعية القسرية التي هي عكس الترتيب العقلاني الحقيقي للعلاقات الاجتماعية. تعكس آراء ماركس ونيتشه وربما فرويد هذا التفسير. وهنا يتم تجاهل العلاقة الصارمة بين الأخلاق العقلانية والدين أيضًا، وبدلاً من ذلك يُحكم على الدين بأنه لاعقلاني.

الهدف من هذه الدراسة هو اقتراح فهم للمعتقد الديني يختلف تمامًا عن وجهات النظر المتطرفة هذه. ما آمل أن أتتبعه هو الطريقة التي تُجبر الأخلاق المستقلة والعقلانية على اللجوء إلى شكل أو آخر من المعتقدات الدينية من أجل جعل إملاءاتها متماسكة، وأريد أيضًا التأكيد على العقلانية التي لا مفر منها وهي: أن الدين جزء ثابت من اسلوبنا وإجراءاتنا برمتها فيما يتعلق باتخاذ قرارات عقلانية. يجب أن نبدأ لفهم هذا بالمشكلة المحددة التي تناولناها في دراستنا السابقة: (لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا)،[2] وهي مشكلة الالتزام الأخلاقي الفردي أو عدم قدرة العقل على تقديم إجابة حاسمة دائمًا عن السؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟" لقد رأينا أن العقل يبدو في حالة إحباط في نهاية عمليته الاستنتاجية.

يتطلب العقل الأخلاقي طاعة صارمة لقواعد معينة، مهما كانت آثارها على سعادة الفرد، بينما يبدو أن العقل الاحترازي التدبيري يأمر بالعصيان. علاوة على ذلك، رأينا أنه لا يمكن لأي شكل من أشكال العقل في هذه الظروف اثبات سلطته أو أولويته التي لا جدال فيها كأساس للفعل. لا يمكن للعقل الأخلاقي أن يقوم بذلك لأن كل مبرراته تعتمد على العقل المحايد؛ وأنه يصبح مشتبه به أو مشكوك فيه في هذه الحالة الخاصة حتى أمام العقل المحايد نفسه. ولكن لا يمكن للعقل الاحترازي التدبيري تبرير سلطته بشكل مطلق. على الرغم من أنه قد يكون هناك حالة إقناع كحالة العقل الاحترازي التدبيري الذي يمكن أن يؤدي إلى عدم عقلانية الطاعة الأخلاقية (حالة ربما تعتمدعلى تفسير علمي طبيعي وإزالة الغموض عن القوة الأكراهية للأخلاق)، فإنها لا يمكن أن تقدم تبريرًا مطلقًا لمسار عمل المصلحة الذاتية. هذا لأنه عند القيام بذلك يجب، في مرحلة ما، أن تسعى للحصول على دعم العقل المحايد لأوامرها، وهذا لا يمكن أن يكون بلا تحفظ. وهكذا، بقدر ما قد يشعر الفرد العقلاني في حالة معينة أنه يتصرف بحماقة في الفعل الأخلاقي، يعرف أن عقله المحايد بوصفه جانبًا مسيطرًا من طبيعته لا يمكنه أبدًا أن يقول أن هذا صحيح أو لا ينبغي له أن يطيع القاعدة الأخلاقية المعينة.

من المهم التأكيد هنا على وجود معضلة خطيرة ومثيرة للقلق فيما يبدو للفرد العقلاني. لا ينبغي أن تؤخذ حقيقة أن العقل الأخلاقي والاحترازي التدبيري متوازنان بشكل متساوٍ تعني أنه يُسمح للفرد بأن يكون غير مبال بين هذين الأمرين، أو أن مسألة القرار النهائي تخضع ببساطة إلى اختياره الحر. وذلك لأن الحقيقة هي أن العقل يستلزم الفرد في كلا الاتجاهين بشكل مطلق. نتيجة لذلك، إذا كان يجب أن يتصرف وفقًا لأي من هذين الجانبين من العق، فعليه أن يتوقع الإدانة من الجانب الآخر.

إذن، يبدو أن المعضلة ثابته، ويبدو أن الفعل العقلاني بالكامل في أي اتجاه قد وصل إلى طريق مسدود. أقول "يبدو" لأن المعضلة، قد لا تكون في الواقع كاملة أو مستعصية. صحيح أنه لا يوجد توظيف مبرر أعلى من هذين الاثنين لحل النزاع. ولا يوجد، في الواقع،استعمال ثالث للعقل يمكنه الفصل في الصراع بين الأخلاق والحصافة التدبيرية. ولكن ربما ما تزال هناك طريقة أخرى للتعامل مع الخلاف بين وظيفتي العقل، واحدة تتضمن إظهار عدم وجود نزاع حقًا. أي أن التضارب الظاهر بين الحصافة التدبيرية والأخلاق هو ظاهر فقط، لذلك يجب عند الفحص الدقيق أن يتشاورالعقل الأخلاقي والاحترازي التدبيري بمسار الفعل نفسه دائمًا. إن هذا المنطق التدريجي في التفكير الذي يبدو أن كانط يأخذ فيه في عدة فقرات رئيسة في نقده للعقل العملي.[3] تعتبر حجة كانط مهمة جدًا لفهمنا لهذه المعضلة وحلها، لذا فإن الأمر يستحق النظر في غابة المصطلحات والمفاهيم الكانطية لمعرفة ما سيقوله. على الرغم من أن هذه الأجمة تكون كثيفة في بعض الأحيان، إلا أنه باتباع مسار كانط قد يكون من الأسهل أن ننتقل إلى مسار يمكن أن يتبعه العقل للخروج من هذاالمأزق المحير وغير المألوف.

يوجد في قلب حجة كانط في النقد وفي قلب الكتاب نفسه تقريبًا مفهوم "الخير الأسمى". يعرّفه كانط، أنه فكرة تتضمن "الوحدة" أو "الصلة" الدقيقة للفضيلة والسعادة بحيث يتم تصور كل فاعل أخلاقي على أنه سعيدًا بشكل مباشر مع قيمته الأخلاقية بالضرورة. يصر كانط كذلك على أن هذا "الخير الأسمى" هو الهدف الكامل للعقل العملي الخالص: إنه الحالة التي يجب على العقل المعني بالسلوك (العقل العملي)، في وظيفته "المحضة" (أو الأخلاقية)، أن يعتبرها هي: الغاية الكاملة التي يجب أن نحققها. أخيرًا، يؤكد كانط أن العقل يقود كل فاعل عقلاني إلى الاعتقاد بإمكانية تحقيق هذه الغاية حقًا.[4]

كما قد يتخيل المرء، فإن كل هذه الإلحاحات من جانب كانط قد حيرت الباحثين وأثارت اهتمامهم بشأن أخلاقه. إن تقديم كانط شبه العرضي لهذه الأفكار في وقت متأخر إلى حد ما في كتابه النقد قد أثار حيرة البعض،[5] ولكن الأكثر إثارة بالنسبة للكثيرين هو ادعاء كانط بأن العقل الأخلاقي يجب أن يحمل السعادة للأشخاص الجديرين لتكون غاية قابلة للتحقيق. أليس كانط، بعد كل هذا، هو من نفي اعتبار السعادة من الخلاق؟ أليس هو الذي أصر على أن السعادة لا ينبغي أن تكون الدافع المرشد أو "الأساس المحدد" للحياة الأخلاقية؟ لماذا إذن يعيد تقديم السعادة هنا كشيء يجب أن يهدف إليه العقل الأخلاقي المحايد؟ الأً قد يكون كانط، في لحظة من الارتباك، قد تراجع عن وعيه السابق؛ أم أنه من غير الممكن لدوافع مشكوك فيها - ربما لإعادة تقديم موقف ديني كانت فلسفته النقدية قد افقدته مصداقيته - قد تم دفعه للتخلي عن النقاط الأساسية في كتاباته السابقة عن الأخلاق؟[6]

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

[1] - أنظر: الربيعي، د. علي رسول: متطلبات العقل الديني - الأخلاقي الخالص

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/964785

[2] (لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا)

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/964299

[3] Kant, Critique of Pure Reason, tr. Norman Kemp Smith (New York: St. Martin's Press, 1965) pp. 635-52) pp. 635-52.

Kant, Religion within the Limits of Reason Alone, tr. T. H. Greene and H. H. Hudson (New York: Harper & Row, 1960) p. 307.

Kant, The Critique of Teleological Judgement, tr. James C.Meredith (Oxford: Clarendon Press, 1928) pp. 108-63.

[4] لفتت مناقشة كانط للخير الأعلى انتباه العديد من الباحثين المختصين في فلسفة كانط، مثل:

Michael Despland, Kant on History and Religion (Montreal: McGill-Queen's University Press,1973);

Carl A. Reschke, Moral Action, God and History in the Thought of Immanuel Kant (Missoula, Mont.: American Academy of Religion, 1975);

Allen Wood, Kant's Moral Religion (Ithaca, N.Y.: Cornell University Press, 1970).

[5] Lewis White Beck, in his Commentary on Kant's Critique of Practical Reason, p. 244.

[6] S. Pringle-Pattison, The Idea of God in Modern Philosophy, 2d ed. (Oxford University Press, 1920), pp. 32-33.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5872 المصادف: 2022-10-03 02:09:11


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م