أقلام فكرية

السؤال الأخلاقي الأول (2-3)

آمل، بعد شرحت طرح كانط في دراستي السابقة (السؤال الأخلاقي الأول: لماذا يجب أن تكون هناك أخلاق)،[1] ألا أضطر إلى تخصيص الكثير من الوقت لهذه الاعتراضات الأولية على وجهة نظر كانط. لا تتعارض أخلاق كانط، كما رأينا، بأي حال من الأحوال مع اعتبارات السعادة. في الواقع، اشترك كانط مع هيوم والمفكرين النفعيين اللاحقين في فكرة أن جميع الأفراد العقلانيين يسعون إلى سعادتهم. لكنه أدرك، على عكس هؤلاء المفكرين الآخرين، أن السعادة لا يمكن أن تكون الأساس المحدد للإرادة في نوايا الاختيار الأخلاقي سواء أكانت الشخصية أو سعاد شخص آخر لأنه إذا كان الأمر كذلك، فستعيق الفوضى الناتجة السعي وراء السعادة. وهكذا أصر كانط عن حق تمامًا على أنه يمكن السماح عقلانيًا بأساس واحد محدد للإرادة: ويمكن قبوله بحرية كفعل من قبل جميع الفاعلين العقلانيين الآخرين، وهو الموقف الضمني في الصياغات المختلفة للأمر المطلق. لكن أصر كانط على هذا باسم السعادة، بحيث تكون السعادة هي نقطة الانطلاق وكذلك موضوع تحليله الكامل للعقل الأخلاقي.

يمكننا أن نبدأ في معرفة سبب قيام كانط بإعادة تقديم فكرة السعادة كأحد مكونات الخير السمى بمجرد أن نفهم مدى أهمية السعادة في تفكير كانط، وبمجرد أن نرى المسار الذي يجب أن يبتعد عنه العقل من أجل ترسيخ سعيه بشكل أقوى. بعد أن اثبت كانط أن أوامر العقل تخدم هدف السعادة حقًا وبعد أن أكد أن العقل يتولى الأوامر باسم السعادة؛ توصل الى أنه يمكن للأشخاص أن يتوقعوا أن يكونوا سعداء بالدرجة التي يمتثلون فيها للعقل الأخلاقي. وهذا بدوره ينطوي على إثبات أن الفضيلة والسعادة مرتبطان ببعضهما البعض كسبب ونتيجة. يدرك كانط أن إحدى طرق المدعاة لثبات العلاقة بين الفضيلة والسعادة تأتي من افتراض أن السعادة شرط ضروري وكافٍ للفضيلة، بحيث يُعتبر الأفراد الذين ينجحون في إشباع رغباتهم جديرين بالاحترام الأخلاقي. ولكن، بطبيعة الحال إن المنطلق العام لأخلاقه هو أن سعي الفرد لتحقيق إشباعه ليس صحيحًا في حد ذاته، وأن الاعتبارات القائلة بأن كذا فعل يجعل الشخص سعيدًا لا يمكن أن يكون السبب الأساس لكونه على حق، ولا يمكن أن تكون القدرة على تعزيز السعادة أساسًا لمنح الاحترام الأخلاقي لشخص ما. وبالتالي، فإن طريقة ربط الفضيلة بالسعادة هذه غير مقبولة تمامًا بالنسبة له. فاذا كانت الفضيلة والسعادة مرتبطتان، لا بد أن تكون العلاقة بينهما سببية اي علاقة سببً ونتيجة. فيجب أن تكون فضيلة الفرد بمعنى الرغبة المستمرة في القيام بما يتطلبه الواجب هي سبب سعادته.

لذلك نُقاد بشكل طبيعي تمامًا من أخلاق كانط إلى طريقته وجهوده للربط بين الفضيلة والسعادة. فلا يبدو من الصعب الربط بينهما. أليس صحيحًا تؤدي الأخلاق إلى رفاهية الإنسان بشكل عام؟ أليس أعضاء مجتمع يسود فيه العدل والحق أكثر سعادة من أولئك الذين يعيشون في مجتمع يشوبه الظلم والخداع والقسوة؟ الجواب على هذه الأسئلة هو على الأرجح نعم. لكن يجب أن نلاحظ أنه ليس هذا النوع من الأسئلة الذي يطرحه كانط أو أنها متضمنة في حجته في هذه المرحلة من تفكيره. ويؤكد أن ما يهم العقل في هذه المرحلة، ليس علاقة عامة أو محتملة بين الأخلاق والسعادة، بل تطابقها الدقيق.[2] إن الغاية التي تمثل أعظم خير يمكن أن يحمله العقل كحالة قابلة للتحقيق هي الإعطاء المثالي لكل فرد أخلاقي السعادة بما يتناسب مع فضيلته. والحالة السلبية هي أن العالم الذي لم يحصل فيه أحد الفاعلين (ناهيك عن مجموعات كاملة من الافراد) السعادة التي يستحقها أخلاقيا لايمكن قبوله عن طريق العقل. علاوة على ذلك، إذا كان العقل مقتنعًا بأن مثل هذا العالم غير الكامل هو كل ما يمكن تحقيقه، فإن العقل نفسه سوف يتمرد ويرفض القانون الأخلاقي باعتباره من نسج الخيال. فيبدو هنا أن كانط يصر على أنه لكي تكون هناك أخلاق، يجب أن يكون الخير الأعلى ممكنًا حقًا.

السؤال المهم في هذه المرحلة هو لماذا يؤكد كانط هذه النقطة بهذه القوة. لماذا يحتل الخير الأسمى مكانة مركزية في أخلاقه في هذه المرحلة؟ من المؤكد أنه لايتطلب الأمر كل هذا الجهد المبذول للإشارة إلى القيمة العامة للأخلاق. فلا يتطلب الأمر سوى ربط إجمالي بين الأخلاق والسعادة. كما أن هذه الفكرة ليست ضرورية، كما يرى البعض، لتأسيس واجب عام للسعي من أجل إسعاد الآخرين.[3] صحيح أن السعي لتحقيق أي غاية يصبح بلا معنى إذا كانت هذه الغاية بعيدة المنال أو بلا أمل. ولكن إذا كنا مطالبين أخلاقيًا، كما يعتقد كانط، أن نبذل أنفسنا من أجل سعادة الآخرين، فيجب أن يكون لدينا بعض الأسباب للاعتقاد بأننا قادرون على النجاح في جهودنا وأن كنا غير متأكدين. عموما، أنا مطالب أخلاقيا بالامتناع عن إيذاء الآخرين ومعرفة انني سأفشل في هذه الغاية لا يعفيني من المسؤولية. كما أنه لا يجعل من غير العقلاني أن لا أبذل قصارى جهدي للقيام بواجبي. لكن لا يمكن أن تنبثق فكرة الخير الأسمى والإمكانية الواقعية لبلوغه من واجب تعزيز سعادة الآخرين، وقد أظهر بعض أولئك الذين فسروا كانط العيوب العديدة في مثل هذا الموقف.[4] لكن هل هذا حقًا أساس إصرار كانط؟ لماذا يؤكد بعناد أن الخير الأسمى هو الشيء الضروري والواقعي للعقل؟

أعتقد أن الإجابة تكمن في مناقشتنا السابقة للسؤال "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟"[5] لاحظنا عند استكشاف هذا السؤال المأزق النهائي الذي وصل إليه العقل - حتى العقل المحايد - في مداولاته. فعلى الرغم من أن العقل يمكن أن يوفر تبريرًا عامًا للطاعة الأخلاقية، إلا أنه لا يمكن أن يبرر مثل هذه الطاعة لكل فرد في كل حالة. لكن هذا يرقى إلى القول بأن العقل لا يمكن أن يقدم تبريرًا كاملاً للطاعة الأخلاقية على الإطلاق. طالما أن كل فرد عقلاني يعرف أنه في بعض الحالات سيكون من غير العقلاني أن يكون أخلاقيًا في بعض النواحي، فلا يمكنه عنئذ تقديم دعمه الثابت والمطلق للقواعد الأخلاقية، على الرغم من أن هذا هو بالضبط ما تتطلبه الأخلاق.

ستكون الأمور مختلفة تمامًا إذا لم يكن من الممكن أن تنفصل الأخلاق والسعادة أبدًا، وإذا لم تظهر أي حالات من المعاناة نتيجة للطاعة الأخلاقية كما تملي فكرة الخير الأسمى. وإذا كان هذا صحيحًا، فسيتم التخلص على مأزق العقل وسيُقدم تبرير عقلاني متماسك لجميع السلوك البشري، الاحترازي التدبيري والأخلاقي. لن يقتصر الأمر على العقل التدبيري للفرد بالطاعة الأخلاقية (ايً، لن يكون له سبب للقيام بخلاف ذلك)، ولكن سيأمر العقل المحايد بالطاعة دون خوف من الموقف المعارض أو التناقض من أي زاوية. لذلك، فإن الخير الأسمى هو فكرة العقل التي يمكن أن تحل مشكلة الطاعة الأخلاقية بأكملها من خلال إظهار ذلك. وأن المعضلة التي تستند إليها ليست موجودة في الواقع ولكنها ظاهرية فقط، ولجوء كانط إلى هذه الفكرة قد يكشف عن تقديره العميق لهذه المشكلة.[6] لكن لا تلغي هذه الفكرة معضلة العقل بقدر ما تنقلها إلى مستوى مختلف. فلا يصبح السؤال، كما كان من قبل، كيف يمكن التوفيق بين العقل الأخلاقي والاحترازي التدبيري، ولكن ما إذا كان التوفيق المقترح بين هذين الأمرين (الخير الأسمى) ممكنًا حقًا. هل تحقيق الحالة التي يحددها "الخير الأسمى" يمكن أن يعتمد عليها الفاعل العقلاني حقًا؟ يركز تحليل كانط بالكامل على هذا السؤال. فجهد كانط الرئيس في الجزء الأخير من النقد هو إثبات أنه من الممكن تأكيد الإنجاز الحقيقي للوضع الذي اقترحه للخير الأسمى. ونظرًا لأن تفكيره هنا هو طريقة محتملة للخروج من المأزق الذي حددناه، فأنا أريد أن ألقي عليه نظرة عن كثب؛ وهذا في القسم التالي من الدراسة.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/964063

[2] Kant, Critique of Practical Reason, tr. Lewis White Beck (Indianapolis: Bobbs-Merrill, 1956)., p. 115.

[3] John R. Silber, "Kant's Conception of the Highest Good as Immanent and Transcendent," Philosophical Review, LXVIII (1959), 478ff.

Gerald Barnes, "In Defense of Kant's Doctrine of the Highest Good," The Philosophical Forum, XI (Summer 1971), 448.

[4] Kant, Critique of Practical Reason, p. 245.

[5] الربيعي، د. علي رسول: "لماذا يجب أن أكون أخلاقيًا؟

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/964299

[6] Kant, Critique of Pure Reason, tr. Norman Kemp Smith , New York: St. Martin's Press, 1965, p. 638.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5873 المصادف: 2022-10-04 03:00:04


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م