أقلام فكرية

الموجات التاريخية الميتافيزيقية

طرحت سابقا مفهوم (التاريخ الفيزيقي والتاريخ الميتافيزيقي) وكان مفهوم التاريخ الميتافيزيقي قراءة وبحث في (ماهية التاريخ) واقصد به ان الحادثة التاريخية التي تخضع الى الابعاد الميتافيزيقية التي يتعارف عليها البشر وغيرهم، او الحادثة الخاضعة للمقولات الطبيعية، وبالتالي فان التاريخ الميتافيزيقي يقصد به ذلك المتعالي فوق الطبيعة، وقد لا يقصد به الغيب، لان الغيب وهو الموضوع الذي يذكره القران الكريم بصيغة الماضي والمستقبل (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) ويشير الى واقع معاش لمجتمع ما.

ان اطلاق قصص الموجات التاريخية التي تتعالى على الواقع هي ليست ترفا خياليا، تختلقه المخيلة بقدر ما هو قراءة للنص الديني او الادبي الذي اكدت عليه الديانات جميعها، كما اكده جيش من الفلاسفة بكل مراحلها من مراحل ما قبل اليونان ثم في الفلسفة اليونانية والقرون الوسطى والفلسفة الحديثة وبعدها الفلسفة المعاصرة وحتى ما بعد الحداثة.

وربما يمكنني وفق هذه الحوادث الميتافيزيقية اطلاق مفهوم او عنوان (الشيطان والموجات الحضارية) او مفهوم (الموجات الحضارية المعارضة). لكني وجدت ان المفهوم الانسب بداية هو التاريخ الفيزيقي والميتافيزيقي، ومن ثم مفهوم لفظة الموجات التاريخية الميتافيزيقية، واظنه بانه تركيب سيأخذ مجراه في مفهوم فلسفة التاريخ وفلسفة الدين، وتاريخ الفلسفة.

ولفهم هذا التصنيف لابد من الفهم انه يرتبط بالواقعة التي ترويها الكتب السماوية مثال ذلك قوله تعالى (فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو).

ان هذه الوثيقة التاريخية تشير الى اختلاط التاريخ الفيزيقي والميتافيزيقي في حادثة غيرت وجه البشرية، فهي الحادثة التاريخية الاستراتيجية، هنا يصبح لدينا ثلاثة انواع من التاريخ هو 1- الفيزيقي 2- والميتافيزيقي 3- والتاريخ المشترك منهما.

اما موجات ذلك التاريخ فيمكن تصنيفها بهذه الموجات:

1- الموجة الاولى رفض لحظة السجود لادم (بداية عداء الاجناس الكونية) ومن بعدها طلب النظر الى يوم يبعثون.

2- الموجة الثانية، العيش في الجنة، وتدخل العلة الميتافيزيقية السالبة التي غيرت التاريخ المنسجم الى التاريخ الديناميكي (مرحلة العداء المشترك)

2- في صورة البقرة وهي الموجة التاريخية الميتافيزيقية الثالثة (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين) (العداء البشري)

 وهو ما يمكنني مقارنته بالموجات الحضارية التي ذكرها توفلر، لكن من وجهة نظر اخرى محايثة، وكامنة ولا تبتعد عن الواقع والحقيقة طالما ان تأثيرها على الوجود الانساني لم يزل.

ويجري هذا الحديث وفق تصنيفي لتاريخ الفعل المحرك للبشرية

2- الرابعة هي كل لحظة تخص (اعاقات التاريخ الميتافيزيقي) للتاريخ الفيزيقي (الاصلاح على يد الانبياء) او اعاقات الفعل البشري الذي يتجه لتوحيد الخالق سبحانه.

على انني اصنف تصنيفا عرضيا للتاريخ الميتافيزيقي وليس التصنيف الطولي الذي ذكرته اعلاه.

فالاستمكان الذي استمكن به الشيطان من البشرية جعله عامل اعاقة على مر التاريخ، وكان يتدخل دائما بصورة الحروب او الفساد بكل تنوعاته.

والتاريخ العرضي للجانب الميتافيزيقي التاريخي تمثل بالثورات الانقلابية على الجانب الانساني الذي يستند الى لغة السماء، فكانت الثورات الشيطانية المحايثة لظهور الانسانية مستمرة تمثل محاورها كالاتي:

اولا: جانب التزيين الذي تمثل بتخريب فطرتهم في الرحمة وقلبها الى الشراسة وانكار الرحمة والصراع والحقد، وهو تاريخ فيزيقي تقاد اسسه الاستراتيجية من قبل توجه ميتافيزيقي ومنه:

1- مرحلة الاستفزاز بالصوت

2- تخريب الذرية الانسانية (لاحتنكن ذريته الا قليل).

3- اسلوب مشاركة البشرية في الاولاد والاموال.

ثانيا: مرحلة اختراق الخصوصية (اختراع التلفزيون) وذلك من خلال الثورة الاجتماعية العارية بعد الحرب العالمية الثانية، فيدخل التلفاز لكل بيت ويتطور الى ان يدخل منظومة الرقيق الابيض الى بيوت العالم فتحدث المزيد من الهزات الاجتماعية والانسانية، واخرها الشواذ.

ثالثا: هي مرحلة الانترنت السبرانية الميتافيزيقية (نوعا ما) والتي جعلت فضاء الفضيلة اقل هشاشة.

ان الصورة الاستراتيجية لتنامي اثر التدخل الميتافيزيقي في التاريخ يصبح جليا في عصرنا هذا، فالإزاحة التي نلمسها لتغيير بوصلة البشرية لا يصنعها سوء فعل الانسان وحده بل العامل الخارجي ايضا.

فسواء اكان الله (وهو الفعل الخير، ام الشيطان وهو الفعل السيء) فان هذه الالية هي ما يمكن تسميتها بالتاريخ الميتافيزيقي وفق موجاته التي يمكن تصورها عند النظر الى سير البشرية منذ بداية الخليقة.

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي