أقلام فكرية

العلاقة المعقدة بين الهويات الدينية والعلمانية (3)

هويات علمانية حديثة

لقد بدأت هذه السلسلة بالتعبير عن شعور بعدم الارتياح تجاه ثنائية الأسود والأبيض التي تفصل بين عناصر الدين عن عناصر العلمانية. زعمت، في الجزء الأول، أن هوية الشخص يمكن أن تتشكل بطرق مختلفة؛ من خلال ثقافة رغبة غير مقيدة، وثقافة مُثُل عليًا، وثقافة قيم متعددة. وتختلف كل ثقافة عن الأخرى وقد تعارضها. وزعمت فيما يخص الهويات الدينية" أنه على الرغم من أن إحساسنا بالهوية الدينية يتشكل من ثقافة ذات مُثُل عليًا لا تضاهى، إلاأنه  توجد هويات دينية أخرى داخل كل من الثقافات المذكورة أعلاه. بعبارة أخرى، توجد أشكال مختلفة من الهوية الدينية داخل كل دين من الأديان الكبرى المعروفة، وهي في صراع محتمل مع بعضها البعض. وينطبق هذا بالقدر نفسه على الهويات العلمانية. فلكل نوع من أنواع الهوية الدينية كالمؤمن والايديلوجي والمتعصب-  التي ذكرناها  في الجزء الثاني من هذه السلسلة- نظيره العلماني.

يدعي يعض النقاد التقليديين أن الحداثة تعتمد على ثقافة ذات أفعال قاسية وعنيفة وغير مبررة  وتعبر عن رغبة بلا قيود أو محددات، قد يكون حدث ذلك فعلا لكن هي الوحيدة وأول من أطلق  هذه الثقافة ومارسها؟ وهل الثقافة الحديثة والهوية المتكونة داخلها قابلة للاختزال في ثقافة تقوم على الرغبة المطلقة؟ يعتقد هؤلاء النقاد أن حالة الالتباس التي تبدو لدي نقاد الحداثة تأتي من وصفهم لها أو تصورها بأنها ثقافة رغبة معادية للمُثل العليًا. إنهم بذلك يكررون رأيً المؤمن والمتعصب والأيديولوجي آزاء العلمانية ذات النزعة الانسانوية الحديثة. وتعبر وجهات نظرهم هذه عن مدي رفضهم أو سخطهم الشديد علي الحداثة، بوصفها المجسدة لما يعتبرونه الجحيم على الأرض، والمعبرة عن تقويض المُثُل، والمتنكرة لكل القيم. وهذا يرجع إلي تصورهم إن مُثُلهم العليًا ترتفع فوق بقية العالم هي فقط يمكنها أدعاء الارتقاء عن هذا الوحل. يقلق مسيرًي شؤن الأديان من اللحظة الكارثية التي تغرق فيها البشرية في هذا العالم وتكون مفتقرة إلى المصادر الثقافية (الدينية) للخروج منها. وأن العالم الحديث، من وجهة نظر اصحاب الهوية الدينية، هو الشكل الأكثر معاصرة لثقافة الرغبة غير المقيًدة. لكن في الحقيقة ليست الثقافة الحديثة هي الوحيدة التي يمكن أن توصف هكذا على ألأقل لو افترضنا  صحة الوصف وأنما الدينية ايضا.

فليس الحداثة وحدها من تحمل ثقافة الرغبة المطلقة. وقد قدمت نفسها كشكل من أشكال المذهب الطبيعي الذي يتشجع على الشك في المثل العليا. وهذا هو السبب في أنه إذا ما طُرحَ السؤال الرئيس بمصطلحات صارمة مثل: "هل ستطيع الله أو تتبع رغباتك الخاصة؟"، يُنظر اليها حينئذ على أنها أسرع انزلاق للإنسانية الى عالم لا قيمة له ولا يعبر إلا عن  مجرد نزعة غريزية. ونادرًا ما يُلتفت الى الجذور الروحية للحداثة التي تشبه الروحانية الدينية من قبل حتى أكثر مؤيديها المتحمسين. باختصار، تتشكل هوية علمانية حديثة داخل كل  ثقافة من الثقافات. ولا تتشكل من خلال ثقافة الرغبة الخالصة فقط ولكن من خلال ثقافة المُثل العليًا والقيًم المتعددة والخيرات المتعددة التي يغمرها مثال روحي رفيع أيضًا. هذا ما سنعمل علي توضيحه أكثر.

ما هي المثل العليا للعلمانية الحديثة؟ هناك العديد من وجهات النظر حول المُثُل العليًا للعلمانية. أشير هنا إلى واحدة منها. تطورت النظرة العلمانية الحديثة على عكس الرأي القائل بأن العالم بأسره هو تجسيد للأفكار، ويعبر عن المعنى، وله هدف شامل. إن العالم، بالنسبة لما قبل الحداثة، هو نص يجب تفسيره. ويُعرفَ العنصر الأساس أو المكون الأساس لهويتنا من خلال العلاقة بهذا الكون. وأن أسئلة الهوية لا معنى لها ما لم تتم صياغتها في علم الكونيات. لذلك، من أجل تحقيق ذاتنا، يجب أن نضعها داخل هذا الكون ذي المعنى، وتكون متصلة به، ونعرف أين نقف بالنسبة للأشياء الأخرى فيه. وقد جاءت إحدى معارضات هذا المنظور من المذهب الطبيعي الحديث كما هو معروف. وكان التحدي الرئيس الآخر هو ما يمكن أن نسميه بالنزعة الإنسانية الكانطية. تقبل هذه النزعة الإنسانية الثنائية، أيً، أن الطبيعة لا معنى لها في ذاتها، وأنها تتألف من كيانات مختلفة ترتبط ببعضها البعض بشكل احتمالي ومشروط وآلًي. وتدعي هذه النزعة بعد تجاهل الرؤية التفسيرية للطبيعة بأن أي معنى موجود في الحياة البشرية، وفي المجتمع، والتاريخ، يرجع بالكامل إلى الأفعال الواعية أو اللاواعية للبشر. فنحن الذي نضفي المعنى على المجتمع والتاريخ. لذلك، لا يجد البشر هويتهم في العالم المنفصل عنهم. لذا عليهم أن يصنعوا هويتهم الخاصة من خلال إنتاج "شبكاتهم ذات المعنى"، ومن ثقافتهم الخاصة.

ربما يكون هذا مكونًا لأيً شكل يمكن الدفاع عنه من العلمانية الحديثة ولكن تنفتح هنا عدة مسارات، يؤدي أحدها مباشرة إلى أحد المُثل العليًا  للعلمانية الحديثة، وهي الإنسانية الفائقة. تحتفل الإنسانية الفائقة بموت الإله ولكنها تخلق بدلاً من ذلك إلهًا جديدًا؛ إنه الإنسان الذي يرتقي الى مرتبة الإله. إنها تكرر بأدق التفاصيل بنية التفكير اللاهوتي. فنجد سمات الإنسان هي نفسها سمات الإله بالمعنى اللاهوتي: يمكنه تخطيط أي شيء وتنفيذه إلى حد الكمال. لا يوجد شيء لا يستطيع أن يعرفه أو يتوقعه أو يتحكم فيه؛ وأن الإنسان فقط، هو من يفعل هذا، وليس الله. قوى الإنسان الطبيعية غير محدودة. قد يصنع الإنسان التاريخ في ظروف مقيدة ليس كليًا من اختياره الآن ولكن سيأتي اليوم الذي يصنع فيه الحرية الراديكالية. يمكن ترويض كل من العمليات الطبيعية والتاريخية بشكل كامل. لذلك، فإن المثل الأعلى للعلمانية الحديثة هو خلق الإنسان بشكل مثالي فائق القدرات. الهوية الأساسية للبشر هي هوية ناتجة من ما يخلق ويبدع. ويُعرف البشر من خلال قدراتهم المتطورة على تحقيق الذات باستمرار. كل شيء له ما يبرره في خدمة هذا المثل الأعلى . يمكن للمثل الأعلى للعلمانية الحديثة أن يكون صارمًا وقاسًا مثل نظيرتها الدينية.

لكن طورت العلمانية الحديثة أيضًا قدرًا كبيرًا من الأرتياب وعدم الثقة في مثل هذه المُثل العليًا أيضًا. أنظر، على سبيل المثال، العلمانية السياسية؛ حيث يعتمد الفهم الأكثر ثباتًا لمبادئها على الفهم المسبق لما سماه تايلور "تأكيد الحياة العادية".[1] تنشأ الحاجة إلى فصل شؤون المُثل العليًا عن إدارة المصالح والقيم الدنيوية على وجه التحديد لأن لم يعد من الممكن التقليل من قيمة الوجود العادي والدنيوي. ومهما يكن الأمر، تعكس العلمانية السياسية الحديثة أيضًا الاعتراف المتردد بأن السعي المستقل وراء القيم الدنيوية لا يقل أهمية عن النضال من أجل الحصول على منافع عالم أخر. إن المعنى الضمني هنا واضح  بالنسبة لنا وهو: تخفيض المُثل العليا ورفع مستوى التعددية. يرى مادان أن العلمانية هي "هدية من المسيحية".[2] ولكن أرى حتى لو كان هذا صحيحًا، أنه قد فشل في ملاحظة إمكانات التعميم. فأعتقد أنه يمكننا إيجاد جذور ثقافية تدعم عالمية هذه القيم. إن المهم أبتعاد العلمانية الحديثة عن مخاطر المُثل العلياً. وعلى وجه التحديد المثل الأعلى الشامل لتحقيق كمال الإنسان في الشؤون العادية لهذا العالم. فالمُثًل العليًا تجلب الفوضى بقدر ما تجلبها الرغبة غير المقيدة. وأن الصراع بين المُثل العليا لا يمكن التوفيق فيه مثل الصدام بين الرغبات. لذلك، ولدت ثقافة القيم المتعددة من الاعتراف بأن جميع القيم الأساسية لا يمكن أن تتحقق بالدرجة القصوى وفي الوقت نفسه.[3]

لكن كيف تدرك العلمانية الحديثة ذلك وهي محاصرة داخل مُثُلها العليًا؟ أعتقد أنها يمكن أن تحقق ذلك من خلال استعادة جذورها الروحية، وتضمنها الكامل للنزعة الإنسانية، وفي تفكيرها في معنى الحياة بدون إلًه، ورفض الحياة العابرة للزمان والحياة الدنيوية الأخرى يعني عليها أن تتجنب تخيل الآلهة  تمامًا لا أن تستبدل الآلهة القديمة بآلهة جديدة. وهذا يعني أيضًا ادراك وأحترام حدود البشر وامكانياته والكافح بتواضع من أجل مُثُل أصغر.

إن تقبل هذه العلمانية الروحانية والإنسانية أننا لا نستطيع معرفة كل شيء والتنبؤ به والتحكم فيه. وأن هناك حدودًا لمحاولاتنا لترويض نظام الطبيعية وحتى والعمليات التاريخية؛ ولا يمكن التغلب على تلك الحالة الأحتمالية والعرضية الطارئة في الطبيعة أو التاريخ؛ وبالتالي، ستبدو بعض مناطق العالم مظلمة وغامضة وعبثية دائمًا. إن الإنسانية بعد كل شيء هي فقط ما هي عليه: فلا تتعلق النزعة الإنسانية بإيمان بإله في تصوره الديني ولا بإنسانية متفوقة عظمى – السوبرمان بتصوره العلماني العلموي. وعلى العلمانية العلمانية الروحانية أن لاتتبنى التصور المفرط للبشر كما تصورته العلمانية الأنوارية. يوجد فينا الكثير مما لم نصنعه وهو مٌعطى لنا. نحن سلبيون فيما يتعلق بجزء من الطبيعة  يقع خارجنا وداخلنا.[4] فلا يمكننا أن ننسى ما عرفه البشر منذ قرون، أي أن أولئك الذين يولدون سوف يشيخون ويموتون، أوحتى يمكننا  السيطرة على الأمراض والعجز في الشيخوخة، وليس القضاء عليها تمامًا، وبالتالي، لا يمكن هزيمة المعاناة تمامًا. يعلم العلمانيون الروحانيون أن المعاناة غالبًا ما تكون من صنع الإنسان لكنهم ينسون أن بعض المعاناة لايخلقها الإنسان.ى

وإن هذا بالضبط مايقع على عاتق الروحانية الدينية وما تعلمنا إياه : أنه يمكننا في كل شيء نفعله أن نشعر بعلاقتنا بالكون، باللانهائية؛ أن نعرف عيوبنا، وبالتالي، لا نتجاوز أنفسنا أبدًا. نتعلم بهذه الروح أنه على الرغم من أنه يمكن تسوية العديد من النزاعات البشرية، إلا أنه ليست كل الظروف ملائمة بشكل متساوٍ لحلها عن طريق العقل، وبالتالي، هناك أوقات يكون فيها التعايش مع النزاعات أفضل من السعي إلى حل قسري. إن هذا التواضع في النهاية هو الذي يعلمنا التسامح وحب التنوع. وأيًا كان ما يتضمنه خطاب الحقوق والعدالة، فإنه يعكس أيضًا هذه البصيرة الإنسانية العظيمة. أنا لا اقول أن لغة الحقوق والعدالة، المركزية جدًا في بعض اشكال العلمانية الحديثة، لها صلاحية سياقية. وأعتقد أن جميع الفضائل ذات الصلة المرتبطة بالمثل العليا يمكن تحقيقها في ثقافة ذات قيم متعددة. ليس الجذور الروحية للعلمانية الحديثة بعيدة عن كل ما له صلة  بالتعددية والتسامح الذي تحمله تعاليم الديانات العالمية الرئيسة.

لقد حاولت أن أوضح أن هناك ثقافات تغذي الهويات الدينية والعلمانية بشكل متساوٍ. اسمحوا لي أن أتحدث عن أحد الآثار الضمنية لهذه الحجة. أعتقد أنه يتبع مما قلته أنه على الرغم من أختلاف الديني والعلماني عن بعضهما في احد  المستويات، إلا أن هناك مستوى آخر يتشابهان به من الناحية البنيوية. تشترك الهوية الدينية المستنيرة بالمُثل العليًا في الكثير من القواسم المشتركة مع الهوية العلمانية التي تشكلت داخل الثقافة نفسها. ويمكن تمييز كلاهما بشكل واضح عن أي هوية شكلتها ثقافة الرغبة غير المقيدة. لذلك، فإن شكل الهوية لا يقل أهمية عن محتواها. إن الهوية الدينية والعلمانية متمايزان في مضمونهما، ولكن لايجب أن يؤدي هذا بحد ذاته إلى صراعهما. يتطور الصراع فقط عندما يفترض كلاهما أشكالًا شديدة الانقسام.

لا معنى للسؤال، "هل يمكن تصنيف الهوية الدينية في إطار الهوية الثقافية أم أنها تمتلك سمات خاصة" ما لم نحدد شكل الهوية الدينية التي نفكر فيها ونشير إلى الشكل الدقيق للهوية الثقافية التي يجب أن يتضمنها. فعن سبيل المثال، يمكن تصنيف هوية المؤمن الموحد ضمن فئة أكثر عمومية من الهوية الثقافية المستنيرة بالمثل العليا ومن هوية الإنسان الفائق. لكن لا يمكن تصنيف هوية الأيديولوجي الديني أو المتعصب ضمن أوسع فئة ممكنة للهوية التي تشكلها ثقافة المُثل العليًا. باختصار، إن الرأي القائل بأن هناك تناقضًا عميقًا دائمًا بين وجهات النظر الدينية والعلمانية للعالم هو في أفضل الأحوال وجهات نظر مضللة. إن ادعائي هو أن عدم التوافق موجود بين الأشكال المختلفة للهوية الثقافية، وهذا يشمل كل منهما الهوية الدينية والعلمانية.

إذا كان هناك أي معقولية في الآراء التي قدمتها، فيمكننا أن ننظر من جديد في بعض الأسئلة المهمة التي لا تزال تشغلنا. هل تتعارض الحداثة مع الإيمان والتعددية والتسامح ومع أساليب الحياة  التقليدية والدينية؟ هل تغرق  جميع المجتمعات بالضرورة في فوضى عديمة القيمة، وفي ثقافة الرغبة المطلقة التي يخافها المثاليون بسبب الحداثة؟ أليس من غير المألوف الادعاء بأن الحداثة قد عطلت أو همشت حياة المؤمن، وأنها أنتجت الايديلوجي الديني وشكله المرضي والمتعصب الديني الحديث معقول؟ هل تفرض علينا الحداثة حقًا الاختيار الأخلاقي الذي لا يمكن الدفاع عنه بين خيارين كلاهما غير مقبول، بين غير المبدئي، والأناني، والفاسد والأيديولوجي، المتعصب وعاشق التقليد؟

لا أنكر أن الحداثة قد أطلقت العنان لعمليات تجانس ذات نطاق وقوة تكنولوجية غير مسبوقة. ولا بد أن هذه القوة والعمليات تغيًر أي طريقة ثابته للحياة وفي كل مكان في العالم. وبقدر ما ترتبط الحداثة بالصناعة والرأسمالية، فإنها قادرة على تعطيل العقيدة التقليدية، وتعدديتها، وسلطتها. لأن هذه القوى تنتزع من الرموز الدينية القوة التي تمتلكها. وتفسح الثقة، والالتزام غير المشروط ، والتنازل الطوعي عن الأختيار، والمشاعر القوية مثل الحب الذي يحوّل الاعتقاد إلى إيمان، والقناعة تدريجيًا المجال للعقل والشك. يجب دعم الإيمان بالأدلة أو الحجج في ظل هذه الظروف المتغيرة، وعندما لا يتوفر أي منهما، على الإيمان أن يحاول الأعتماد على نفسه. لكن هذا الاعتماد على الذات يكون متذبذبا مما يجعل الإيمان دوغمائيا عدائيًا.

إذا كانت العلمانية الحديثة مليئة بأوجه القصور فأن هدفي هو أقتراح ما يولد مصادر ثقافية يمكن بواسطتها مواجهة العديد من عيوبها. وهذا غالبًا ما ينساه العديد من منتقديها. اسمحوا لي أن أضع القضية بالصوغ التالي: صحيح اتخذت الحداثة والعلمانية، في بعض الأوجه والأحيان، شكلاً مرعبًا وطائشًا. ومن الصحيح بالقدر نفسه أن بعض هذه الأمور لا مفر منها. لكن  كيف تكون استجاباتنا عندما نواجه هذه الأوضاع؟  المطلوب أن لا تكون إستجابة المرء لها أو رد فعله أزاءها إما بتهور وبشكل أعمى من خلال الانغماس في تأييد الأشكال السابقة من الأديان والتقاليد، أو الدفاع عن هذه الأخيرة  ليس ضد كل أشكال الحداثة والعلمانية السائدة حاليًا ولكن حتى السابقة منها. إن كل ما قلته هو نقاش  مباشر او غير مباشر على طرح ناندي، فأنا معجب  بطرحه عن العلمانية، ليس فقط بسبب أنه يعبر عن تركيز و ذكاء حاذق، وأنما بسبب عمقه وطرافته أيضًا. لكن عند تفكيري فيه، لا يسعني الأً الشعور بأنه على الرغم من كل عمق أفكاره وقوة طرحه العلماني و وجهة نظره المركبة والمعقدة للدين إلا أنها لا تقدم معالجة مناسبة تماما للمشكلة أو حلأً نهائيا لها. إن ناندي حساس تجاه الفروق الدينية الداخلية. لكنه يستسلم في نهاية المطاف إلى كعب أخيل لكل ناقد ومجادل قوي. باختصار، إنه يعمل باستراتيجية هجومية رتيبة وفق سلسلة من الأجراءات التي يتبعها بانتظام وبشكل ثابت: وصف الآخر بالشر المطلق وعندما يتناول الوجود البغيض لميزات مماثلة في وضع الآخر، يقول:" إن هذه آلام مؤقتة وعرضية ويمكن التخلص منها عن طريق المواجهة الحاسمة معها وهي تحصل اجباريا".

لا تحاول الاستجابة البديلة -التي أقدمها- عزل الدين عن الحداثة، أو التقاليد عن العلمانية، ولكنها تحاول أن ترى بالضبط كيف تعمل كل واحدة من هذه في ثقافات مختلفة، في تلك الرغبة غير المقيدة، والقيم المتعددة، والمثل العليا التي تتجاوز القيم المتعددة، و في الثقافة الناضجة الأخرى التي تمر عبر هذه القيم المتعددة. إن القيام بذلك هو رؤية قوة كل من الحداثة والتقاليد، والتوجهات العلمانية والدينية. إنه أيضًا رفض اتخاذ خيارات سهلة تُفرض علينا تكرارًا.

لا يزعجني إذا وجد القارئ في وجهة النظر هذه نفحة من التسوية للوصول الى تفاهم. وقد يقول:" أن هذا الحل الوسط لا يعمل". لكن هل نعرف ماذا يعمل؟ يبدو لي أن الرفض التام للحداثة ليس ممكنًا ولا مرغوبًا فيه. إن تحقيق  نمط من حداثة أخرى هو الخيار الأكثر منطقية المتاح لنا وكنت قدمت رؤية عنها.[5] أنا متأكد من أن العقل السليم بين المناهضين للعلمانية، في لحظاتهم الأقل جدلاً، يعرفون هذا بالفعل. ولكن حان الوقت لأن يقولوا ذلك بصراحة.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................

[1] تايلر، تشارلز، منابع الذات تكوين الهوية الحديثة، ترجمة، حيدر حاج اسماعيل،  بيروت، المنظمة العربية للترجمة، 20014 ، ص 55.

[2] T.N. Madan, Non-Renunciation, New Delhi: Oxford University Press, 1987, p. 9.

[3] T.N. Madan, Non-Renunciation, p. 10.

[4] أفضل تعبير عن هذا في رأئي هو لـ:

S. Timpanaro, On Materialism, London: New Left Books, 1975.

[5]  أنظر: د. الربيعي، علي رسول، حداثات أم حداثة غربية واحدة

https://www.google.com/url?sa=t&rct=j&q=&esrc=s&source=web&cd=&cad=rja&uact=8&ved=2ahUKEwi0la68zNP7AhWQaMAKHc12Cc0QFnoECA8QAQ&url=https%3A%2F%2Fwww.almothaqaf.com%2Faqlam-3%2F951658-%25D8%25AD%25D8%25AF%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A7%25D8%25AA-%25D8%25A3%25D9%2585-%25D8%25AD%25D8%25AF%25D8%25A7%25D8%25AB%25D8%25A9-%25D8%25BA%25D8%25B1%25D8%25A8%25D9%258A%25D8%25A9-%25D9%2588%25D8%25A7%25D8%25AD%25D8%25AF%25D8%25A9%25D8%259F&usg=AOvVaw3JK9a8hAlEtAtkym8Xl7S4

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5936 المصادف: 2022-12-06 01:39:59


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م