أقلام حرة

إنفجار صهريج النفط في الجنوب والوضع الليبي المحتقن

ابوبكر خليفة ابوبكرتتوالى الإنفجارات في ليبيا المحتقنة، تارة على وقع الأسلحة المتكدسة وتارة جراء الأزمات المتكلسة، ولن تتوقف هذه الحوادث للأسف في بلاد هي على شفا جرف هار على الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية..

سياسياً/ وفي ظل هذا التنازع والاستقطابات، والوعيد والتهديد بين الأقطاب السياسية المتنافسة على مستوى البيئة السياسية الداخلية لليبيا، يقابلها أقطاب دولية يشتد صراعها ويحتد في بيئة ليبيا الخارجية، حيث انفجر الصراع بينها على الأرض في اوكرانيا وغيرها، وهي الأطراف ذاتها التي تمترس في ليبيا المثخنة،كل طرف دولي تواليه أطراف محلية في ليبيا، مما ينذر في أي لحظة بإنفجار حروب داخلية بالوكالة في ليبيا بين الأخوة المتنازعين، بل ويكاد أن ينفجر النزاع بين هذه القوى المتدخلة في هيئة حرب فعلية بين الحكومتين المتنافستين على طرابلس، والخاسر الوحيد فيها شعبنا المكابد المكلوم.

إقتصاديا/ لايزال الإقتصاد الليبي يئن ويترنح جراء الأزمات السياسية والأمنية في ظل الفراغ والتشظي والإنقسام السياسي، وهيمنة الكيانات المسلحة والمؤدلجة والعصابات، وتمادي القوى الخارجية في ليبيا وتدخلها في الكيان الاقتصادي للدولة الليبية المنهارة، وخاصة توغلهم في المؤسسات السيادية المفصلية، وهما على وجه الخصوص؛ المؤسسة الوطنية للنفط ومحاولات الهيمنة عليها من طرف قوى إقليمية ودولية، وكذلك مصرف ليبيا المركزي، والذي "يشاع" هذه الأيام أن بريطانيا على وجه التحديد تقتطع شيئا من الإيرادات المالية فيه، وكذلك مايتداول عن محاولات جر ليبيا الى مظلة صندوق النقد الدولي، وأيضاً الإقتراح الأمريكي"الملغوم" المتمثل في فكرة إحداث لجنة أممية للتحكم في توزيع الإيرادات المالية لضمان التوزيع العادل للثروة على الليبيين.

أمنيا/ في ظل هذا الفراغ والهزال والهشاشة المؤسساتية والتكالب الدولي وكذلك تواطؤ الهيئة الدولية الأممية المناط بها على الورق حماية المقدرات الليبية والشعب وقيادة ليبيا نحو بر الأمان سياسياً وإقتصاديا وأمنيا...وفي ظل هذه الفوضى العارمة (الخلاقة إفتراضيا) وجدت الكيانات المدججة بالمال والسلاح والعصابات المناخ الملائم لنموها وتفشيها وإزدهارها وتغلغلها في كل مناحي الحياة في ليبيا، فهي عمليا ركبت كل الأجسام السياسية، وتسيدت الواجهات الإجتماعية وحتى المناشط الرياضية والثقافية، وتسللت حتى داخل أروقة المؤسسات السيادية، وبالتالي عرقلت أيضًا عجلة الإقتصاد ..

وماإنفجار صهريج النفط في الجنوب الليبي (بلدية بنت بية) إلا إنعكاس لكل هذا الإحتقان والأزمات السياسية والإقتصادية والأمنية التي تشهدها ليبيا، من العجز السياسي والدوران في حلقة مفرغة من الصراعات العبثية، والغرق في مرحلة إنتقالية دواليبها عصية على التقدم والتحرك في تربة متحركة من الإخفاقات والإكراهات ، وايضا بسبب تعنت الأطراف المحلية التي ينخرها الفساد والمصالح الذاتية، ومباركة الأطراف الخارجية المتدخلة في الصراع والتي تسيطر عليها فكرة ضمان مصالحها أيضا.. ويترتب على هذا العجز السياسي المستفحل والمتفاقم الإنفلات والإنهيار الأمني، والذي نتج عنه تغول المليشيات وتنامي نفوذهها، وفي ظل هذه الفوضى العارمة والإفلات من العقاب، وضعف الإهتمام من طرف الحكومات الليبية المتعاقبة منذ عقد ونيف من الزمن بالجنوب الليبي زادت ونمت الشراهة وضعف النفوس والطمع المتفاقم لدى المتحكمين في توزيع الوقود في الجنوب الليبي، والذين أخذوا يتاجرون ويسمسرون في هذه المادة الحيوية، حتى أصبح ثمن اللتر الواحد منها يفوق أضعافاً مضاعفة ثمنها في مدن الساحل الليبي، أضف إلى ذلك شيوع ثقافة متراكمة تستسهل وتستسيغ الإستيلاء على الأملاك العامة للدولة (رزق حكومة ربي يدومه)، ولا ننسى أن نشير إلى البنية التحتية المتهالكة كالطرق، والتي تتسبب في الحوادث المرورية القاتلة وتؤدي أيضاً إلى إنحراف وجنوح هذه الشاحنات المحملة بالمواد الحيوية كالنفط، وبالتأكيد فإن من شأن بناء دولة ليبية مستقرة وعلى أسس مؤسساتية راسخة، تعيد بناء الإنسان على ركائز مواطنة حقيقية فاعلة ومسؤولة، وقيادة رشيدة تعيد إعمار ليبيا على قواعد تنموية لامركزية تشمل كل أنحاء ليبيا،وتعمل على إرساء بنية تحتية متطورة على كافة الأصعدة الإقتصادية والخدماتية والصحيةالخ، وفي إطار مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة، لا مكان فيها لكيانات هجينة فوق الدولة أو أمامها أو ورائها أو من أي جانب، من شأن ذلك أن يجنبنا أي إنفجارات أمنية أو سياسية أو إقتصادية الأمر الذي سيكبح قدر الإمكان أي حوادث مأساوية كحادثة إنفجار خزان النفط في الجنوب، رحم الله القتلى والهم ذويهم الصبر والعزاء والسلوان، وشفى الجرحى.

***

د. أبوبكر خليفة أبوبكر

كاتب وأكاديمي ليبي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5810 المصادف: 2022-08-02 03:30:19


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5873 المصادف: الثلاثاء 04 - 10 - 2022م