أقلام حرة

عبد الملك بن مروان والحجاج!!

صادق السامرائيظاهرتان عربيتنا إسلاميتان تم إغفالهما والتركيز على الجانب الآخر من السلوك الذي قاما به، وما تنبهنا إلى الجوهر الحقيقي المتسبب بتفاعلاتهما التي لا تُمثلهما عندما كانا بعيدين عن الكرسي.

فعبد الملك بن مروان (26 - 86) هجرية، وتولى الخلافة (21) سنة، (65 - 86) هجرية.

قالوا عنه قبل الخلافة: " كان عابدا زاهدا ناسكا بالمدينة قبل الخلافة"، "لقد رأيت المدينة وما بها  شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك بن مروان"

"فقهاء المدينة، سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن مروان، وعروة إبن الزبير، وقبيضة بن ذؤيب ..."

"قيل لإ بن عمر: إنكم معشر أشياخ قريش يوشك أن تنقرضوا قمن نسأل بعدكم؟ فقال: إن لمروان إبنا فيها فاسألوه".

"أفضي الأمر إلى عبدالملك والمصحف في حجره، فأطبقه وقال: هذا آخِر العهد بك"!!

والحجاج بن يوسف الثقفي (41 - 95) هجرية، ولد في الطائف، ومن عائلة كريمة من بيوت ثقيف، حفظ  القرآن على يد أبيه، وحضر حلقات عبدالله بن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب وغيرهم، وفي بدايته إشتغل بتعليم الصبيان، وكان فصيحا فشب خطيبا، وقال عنه أبو عمرو بن العلاء " ما رأيت أفصح من الحسن البصري ومن الحجاج"، وتتميز خطبه بمقدرة فائقة في البلاغة والبيان.

وهو الذي نقط القرآن، وشجع أعلام اللغة (نصر بن عاصم)على ضبط مخارج الحروف، وجزأه ووضع إشارات تدل على نصفه وثلثه وربعه، وجعل قراءته واحدة. وكان من المولعين بالقرآن ويجزل العطاء على المهتمين به وبحفظه.

هاتان شخصيتنان إجتمعتا في زمن تأريخي متميز، فتحقق بوجودهما ما لم يتحقق بدونهما، والدرس الواضح من الحالتين، أن الدين عالم والكرسي عالم آخر، ولا يمكن لدين أن يكون في الكرسي إلا بواسطة نبي ورسول، وفي تأريخ البشرية لا يوجد إلا الأنبياء داود وسليمان ومحمد مَن تسنموا القيادة والنبوة معا.

عبد الملك بن مروان والحجاج كانا من أدرى الناس بالقرآن ومعاني الإسلام الجوهرية، وعندما تربعا على كرسي السلطة، أدركا أن للكرسي ضوابطه ومعاييره، فالكرسي تعبير عن القوة الغابية الفاعلة فوق التراب، ولا يمكن لدين أن ينتصر عليها مهما توهمنا، فهي تأكل أكبر دين، وتدمر أي قدرة على الإلتزام بدين، لأن القوة تسوِّغ كل شيئ وفقا لتمكنها وسطوتها.

ولهذا صار التفاعل بين الكرسي وما حوله دموي الطباع، وشرس التوجهات، فلا يوجد إلا السيف حَكما بين الكرسي ومَن لا يخضع له، وليكن مَن يكن في علمه ودينه وورعه، فالمطلوب الطاعة للكرسي، أو للسيف.

وهاتان الظاهرتان تؤكدان أن لا وجود لدين في كرسي، وإنما الكرسي فوق الدين، والدين يجب أن يكون لخدمة الكرسي وتمرير إرادته، ولهذا فقهاء الكراسي يتكاثرون في جميع العصور !!

فلا تقل أن الدين يصلح للحكم!!

***

د. صادق السامرائي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5818 المصادف: 2022-08-10 02:14:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م