أقلام حرة

الإبداع والغموض!!

الغموض الهدف منه إضفاء المتعة والتفاعل الإبداعي اللذيذ مع النص، وعليه أن لا يختلط مع الإبهام المزعج ذو التعقيد المشوش للوعي والإدراك؟.

وقد تناول الأدباء العرب الغموض في عصور الإزدهار الحضاري، وبالخصوص في العصر العباسي الأول.

وبرز في العصر الذهبي للأمة،  أبو تمام (188 - 231) هجرية،  ودافع عن أسلوبه أبو إسحاق الصابي (313 - 384) هجرية،  والمتنبي (303 - 354) هجرية، وعالج الغموض عبد القادر الجرجاني (400 - 471)  هجرية في كتابه (أسرار البلاغة)، وغيرهم من رموز الإبداع ونوابغه المتوافقين مع أحوال عصرهم المتألق.

وفي المجتمعات المزدهرة ظهر الغموض لأنه من خصائص الترف الحضاري والإبداع الفائق، فهو يتواكب مع الحالة الفاعلة في المجتمع، فإن تألقت صار له دور، وإن تردت وخمدت فقد قيمته ومعناه.

إن دعاة الغموض في الإبداع العربي والواقع في مضطرب، والفقر والجهل في مصطخب، والدجل والتضليل الذي يمارسه أدعياء الدين في ذروته، لا يلامسوا ما يحصل فوق التراب.

فهي تحليقات معزولة ونخبوية تتمنطق بالإبداع في زوايا معتمة، لا يقترب منها ضوء الوعي والإدراك الجمعي.

إنه إبداع العبث والضياع وفقدان حبل الوصل مع جوهر الأمة، والتفاعلات الإستنساخية مع الغير البعيد.

قد يقول قائل نحن في عصر العولمة، وهذه فرية إعلامية، فالعالم منقسم بين مجتمعات متقدمة ومتحررة، وأخرى متأخرة ومفهورة، فكيف يصبح ما تحقق في الأول صالحا في الثاني؟

الذي يعاني من الحرمان من الحاجات  الأساسية، والذي لا يُعترف بحقوقه الإنسانية، بل وبوجوده كإنسان، كيف بربك سيتفاعل مع إبداع غامض ومبهم في أكثر الأحيان، وينم عن إضطراب أفكار؟

علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا، ونقترب من الإنسان الجائع الفقير المكبل بقيود الذل والإمتهان، ونكون واضحين ومباشرين معه،  لكي يتبصر ويرى إنه إنسان له حقوقه المشروعة.

إن إسقاط ما في المجتمعات المترفة المرفهة، على مجتمعات الفاقة والحرمان لا يصح في الأفهام.

هذا ليس ضد الغموض في الإبداع، ولكن لكل إبداع واقعه الذي يتخلق فيه، وواقعنا العربي في هذه المرحلة بحاجة إلى الوضوح والمباشرة.

الإبداع يتفاعل مع زمانه ومكانه، ولا يأتي من كواكب أخرى، ولهذا الإبداع متنوع، ولكل مجتمع خصائصه التي تميزه، والإبداع مثل اللهجات المحلية، فلكل قرية أو مدينة لهجتها التي تعبر بها عما فيها.

فلماذا تقرنون الإبداع بالغموض وحسب؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5906 المصادف: 2022-11-06 01:21:33


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5996 المصادف: السبت 04 - 02 - 2023م