أقلام حرة

بلد جاسيندا.. وبلد الزعماء

لا تعترف معاجم السياسة في العراق بمفردة "الاستقالة"، فالديمقراطية العراقية الحديثة تنص على أنه غير مسموح بمغادرة المنصب إلا بعد أن تمتلئ خزائن المسؤول بما تم نهبه من المال العام، عند ذاك يقرر "مسؤولنا " أن يغلق ستار المسرحية ليتفرغ لمشاريعه التجارية الخاصة.

في هذه البلاد العجيبة والغريبة يجلس المواطن العراقي كل يوم أمام شاشة التلفزيون في انتظار أن يسمع خبر الانتهاء من أزمة الدولار، فيبشره السيد نوري المالكي بان الازمة ستطول وعليه ان يشد الحزام.. منذ ان حول أيهم السامرائي اموال الكهرباء الى حسابه الخاص، واخبرنا حسين الشهرستاني اننا سنعيش أزهى عصور الإعمار والرفاهية"، أدركنا أنه سوف المسؤول العراقي سيلازم الشاشة يتحدث عن الأخلاق والفضيلة، وأن الشعب لا يحتاج إلى المصانع والمعامل والمزارع، وإنما إلى تغريدات عالية نصيف .

تعلمنا، من الخراب الذي يحاصرنا منذ سنوات، أنّ المسؤول والسياسي العراقي، ما أن يجلس أمام المايكرفون حتى يتراءى له، أنه مصلح اجتماعي، ولذلك ضحكت وأنا أسمع جمال الكربولي يتخدث عن النهزاهة والحفاظ على المال العام .

أسوأ أنواع الخطباء، من يتصور أن الناس لا تملك ذاكرة، ولهذا تجده فاقد الإحساس والخجل، ويفعل ما يشاء، دون أن يقول له أحد؛ يارجل كان بإمكانك أن تعيد أموال الهلال الأحمر أولاً، قبل أن تتحدث عن جيوب المفسدين.

بسبب "هواية" الاستقالة التي يتباهى بها المسؤولون الغربيون، خرجت علينا رئيسة الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن لتعلن أنها ستتنحى عن منصبها بحلول السابع من شباط المقبل، قائلة "ببساطة.. لم تعد لدي طاقة كافية للاستمرار في السلطة أربع سنين إضافية".

تحدثت وهي تبكي: "كوني رئيسة للوزراء كان أعظم شرف في حياتي، وأود أن أشكر النيوزيلنديين على الامتياز الهائل لقيادة البلاد على مدى السنوات الخمس والنصف الماضية". وأضافت "لا يمكنك ولا يجب عليك القيام بالمهمة ما لم يكن لديك خزان ممتلئ، بالإضافة إلى احتياطي قليل لتلك التحديات غير المخطط لها وغير المتوقعة التي تأتي حتماً".

تخيلوا امرأة تبكي وتقدم استقالتها في وقت "عصيب"، يحتاج منها أن تُمسك بالكرسي بيديها وقدميها، لكنها ياسادة "قِلّة" خبرة، وضعف في "الإيمان" بأن الشعب لا يطاع له أمرُ، وغياب لمبدأ "ما ننطيها"..

هل "جنابي" يكتب هذا المقال من أجل أن يكون لدينا في حكومتنا العتيدة نموذج مثل رئيسة وزراء نيوزيلندا؟، لا. سوف يكون عندنا "روزخونية"، وأعضاء برلمان بلا حرص وطني وبلا كفاءات، وسوف يكون لدينا من يعتقد أن وجوده في حياتنا "هبة" ربانية، وأنه ثروة وطنية، لا يمكن مقارنتها بمئات المليارات التي نُهبت. والاهم ان جميع مسؤولينا لديهم خزانات لا تزال بحاجة الى مليارات جديدة.

***

علي حسين

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5983 المصادف: 2023-01-22 23:49:18


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5991 المصادف: الاثنين 30 - 01 - 2023م