أقلام حرة

وضاعت الأيام

اه كم هو جميل الإبحار في الماضي والغوص بحثا عن ذكريات غادرت الذاكرة أو اختفت تحت صخوره او بين تلافيفه المتناثرة في بواطن السنين التي فقدت عبقها .. انا الان اجلس على دكة الزمن وارنو بعيون محايدة لما جرى في تلك الأيام التي تحولت إلى جزء من ركام الماضي السحيق فيترائى لي بيتنا يلاصق بيتهم قريبا من النهر وفي الجهة الثانية التي تجاور بيتهم ماكنة الماء الكبيرة والتي تصب ما تأخذه من النهر في ساقية كبيرة تتهادى نحو حقول بعيدة وقرى لا اعرف عنها شيئا ولا حتى مسمياتها .. اولاد عمي حسين هم حمادي وسعيد وبناته وضحه وسعاد وزوجاته زهره ورفعه وانا واخي علي وعبد الكريم واخواتي فاطمة وزينب وكلثوم وامي سلوى وزوجة ابي الأخرى عقيلة هم امتداداتهم تصل حتى منطقة (الكرمه) على مشارف الفلوجه ونحن تبدأ امتداداتنا من حديثة حتى العزيزية وصولا إلى الحويجة . كان حمادي أكبر مني بعام وأخوه سعيد أصغر بعام لكنه أكبر من اخي عبد الكريم أيضا بعام نذهب صباح كل يوم إلى مدرسة (المفيد) القريبة من سكننا ومعمل (الدبس) الواقع على شارع المحيط لم يجمعنا صف إذ تفرقنا حسب أعمارنا وتوزعنا على الصفوف من الأول حتى الرابع وكان بيني وبين حمادي تنافس رهيب فكنا الأوائل على صفوفنا كل عام واكتفي سعيد وكريم بالنجاح .. كنا في أغلب صباحات ايام الدراسة نفطر معا ثم يقودنا حمادي العاقل الهاديء الشاطر نحو المدرسة وننتظر بعضنا عند انتهاء الدوام .. بين بيتينا فوارق ومشتركات كثيرة لم أنتبه لها إلا بعد ثلاث سنوات من عمر المدرسة إذ تختلف لهجة ابي وامي وضرتها عن لهجة عمي حسين وزوجتيه لكن التفاهم بينهم موجود وكوفية ابي مرقطة بالأسود وعقاله سميك وكوفية عمي حسين بيضاء خالصة وعقاله أقل حجما لكنهما لم يتوقفان عند هذا وفي الصلاة يضع عمي حسين ذراعاه أسفل صدره في حين يسبلهما والدي لكنهما لا يتوقفان عند هذا الاختلاف وغالبا مايذهبان إلى زيارة مرقد الإمام الكاظم لكن عمي حسين وعائلته لا يذهبون معنا إلى كربلاء والنجف ويفطر عمي حسين في عيد رمضان قبلنا بيوم كل عام ولا يتزاوران في هذا اليوم بل يكونان معا في اليوم الثاني أما المشتركات فهي كثيرة وكثيرة إذا ما أن تأتيهم حصتهم من تمور بساتين منطقة (الجذول) حتى تكون حصتنا منها معلومة وما يأتينا من شيء إلا ولهم حصة فيه وكم حاولت أن أعرف من ابي مدى قرب عمي حسين له فيردني ردا جميلا ويخبرني انه اخوه وعمي وهكذا حتى حانت الفرصة وكنا انا وحمادي في طريق العودة من المدرسة وسألته..

- حمادي هل نحن أقرباء أو جيران فقط؟

- ابوك عمي وابي عمك

- لكن اسماء الأجداد تختلف؟

- هكذا فهمت من ابي وقد يكون هناك خطأ في السجلات

- لا أعتقد أن هناك خطأ ولو كان لصححه أحدهما

- لماذا لا تسأل عمي؟

- سألته ولم يرد إلا بما ذكرت انت

- طيب وماذا تريد أن تعرف؟

- فقط نوع القرابة بيننا؟

- حاولت قبلك ولم أصل إلى غير هذا

- هناك اختلافات ياحمادي في اللهجة والسلوك والتعبد وقد ينشغل أباك في صلاة التراويح في ليالي رمضان في حين يسميها ابي بدعة؟

- وبعد؟

- كثير .. منها أنكم لاتزورون مراقد الأئمة مثلنا ويصلي ابوك خمسة أوقات وابي ثلاثة

- نفس ما يجول بخاطري لكني مثلك اسال ابي ولا احصل على ردود مقنعة

- والحل؟

- نترك كل شيء للزمن وهو كفيل

ومرت الأيام وشتت بنا السبل واكملنا دراستنا بعيدا عن بعض بعدما ارتحلوا هم إلى الفلوجة وتركنا المنطقة إلى غيرها ولم يزورنا عمي حسين ولم يذهب ابي لزيارتهم وصدفة ذات يوم كنت مدعوا إلى مؤتمر يخص مكون لا انتمي له وجدت حمادي من شخصيات ذلك المكون المهمة وهو يرتقي المنصة ويطالب بحقوق مكونه بحماسة منقطعة النظير تصل إلى حد شتم المكونات الأخرى فعرفت ان الأيام قادرة على تبديل القناعات وأن (الاخوة) مهما طالت لها صلاحية محددة وتاريخ انتهاء.

وهكذا ضاعت الأيام واخذت معها الاخوة

***

راضي المترفي

 

في المثقف اليوم