أقلام حرة
صادق السامرائي: كلهم يعرفون!!
كان زميلي يحدثني عن مدن الدنيا كأنه قد زارها وتجول في أزقتها، وذات مرة سألته عن كيفية زياراته للدول العديدة التي يتحدث عنها، فرمقني زميل آخر يعرفه أكثر مني مبتسما، وهمس بأذني: إنه يقرأ في كوكل ويوتيوب، إنه لم يذهب لأية دولة، إنه لا يحب السفر، ولا أذكر أنه خرج من البلاد في زيارة.
أصبحنا نعيش في عالم متوهج بالمعارف الآنية الحضور، وكأن الواحد منا يحمل مكتبة أو إنسكلوبيديات في جهاز بحجم كف اليد أو أصغر.
كأن الدنيا ترقد في جيوبنا!!
والآن صار لدينا (جات جي بي تي)، الذي يحمل الإجابات الفورية عن أي سؤال، وينفذ طلباتنا بسرعة خاطفة، ذات مرة طلبت منه أن يكتب لي قصيدة عاطفية، وإذا به يأتيني بواحدة يمكن تحريرها ونشرها، وهذا ما يحصل للعديد من النصوص النثرية والشعرية وغيرها، فهذا التطبيق وأشباهه يوفر الوقت ويقدم المعلومة المتيسرة بسلاسة وإقتدار تعبيري واضح.
الواقع المعرفي يصيب الألباب بالإضطراب والضباب والإندهاش، ويضعنا أمام تساؤلات محيرة، فعلى سبيل المثال، هل نحتاج للمترجمين، ولدينا تطبيقات تترجم أي نص بدقة متناهية؟
والعديد من النشاطات الأخرى صار لها تطبيقات تجيد التعبير عنها أفضل من البشر.
ولا ننسى تطبيقات الذكاء الإصطناعي المتنامية بسرعة مذهلة، والتي تسربت إلى معظم النشاطات الحيوية في الدنيا.
فهل بقيت المعرفة حكرا عند البعض، أم أن الجميع صار يعرف، ومتنور وقادر على إستحضار ما يريده من المعلونات، ليعلن أنه يعرف، ولا يوجد شيئ لا يعرفه، ما دام قادرا على طرح السؤال على رفيق وعيه ومنير دربه، الذي فيه ما يحلو له من التطبيقات، التي تكفيه عناء البحث العبثي الذي إعتادت عليه أجيال القرن العشرين؟
عَرفْنا كلَّ مَجهولٍ بَعيدِ
وعِشنا في مُرافقةِ الجَديدِ
عُقولُ أناسِها جلبتْ عَجيباً
يُزوِّدُنا بمَكنونٍ فريدِ
جَهازٌ حَجْمُ كفٍّ إمْتلكنا
يُوافينا بواعيَةِ السَديدِ
***
د. صادق السامرائي







