مقاربات فنية وحضارية

في تجربة الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي

الفن.. تلك الرحلة المحفوفة بالذات في تجلياتها وما يعتمل في شواسعها من هواجس وممكنات تذهب بالكينونة الى أقاصي الرحلة..ثمة سفر وذهاب مفتوحعلى العناصر والأشياء والتفاصيل في حيز من الرغبات وهي تستبطن نظرها العميق في حالة من الوجد وشاعرية التلقي والتأويل..

هكذا هي الفكرة الملونة تستدعي ما به ترمم الذات ما تداعى من تفاصيلها وتتيح للآخرين ما به تسعد اللغة والأحوال والصور بكثير من شجن وحنين وتأمل حيث النظر بعين القلب لا بعين الوجه ..

الفن هنا تلوين أحوال وباطن يتحرك مع كل ذهاب وكلما تعددت وتنوعت الأمكنة والأزمنة صار للروح ما به تحلق في سمو ونزوع للأعالي..الأعالي هنا كون من تجريدية الحال وفسحة تتلاطم فيها أمواج النظر والقراءة والتأويل وفق نشيد انساني قديم متجدد.

هكذا نلج عوالم فنان هام باللون خبأ سحر قوله في دواخله مكتفيا بالاحساس والنظر في حله وترحاله مشيرا للآفاق حيث الكائن الحالم المتألم المتحول المعبر الساكن المتحرك القلق الشغوف...التلوين عنده بهجة لا تضاهى وسعادة متخيرة حيث الأسى يبرز في الأحوال والجغرافيا..

تعددت حالاته التلوينية وهو يزين القماشة بكثير من تجريدية الألوان قولا بالغرام الدفين الذي سكنه وهو ينشغل عنه بالعمل وما تقتضيه مسؤولياته الديبلوماسية حيث كان في ذلك متعدد المدن والعواصم وهنا عبرت لوحاته الفنية عن هذا التعدد المكاني فلكل مدينة نورها ودرجة ألوانها وأحوالها التشكيلية ..

لوحاته كون من عبارات جامحة وقلقة قلق الانسان والمكان في عالم متحول أرهقه السؤال الدفين...سؤال الحلم هذا الذي حمل الفنانين منذ أزمنة بعيدة الى جزر اتلوين الخالص والبهاء التشكيلي النادر ..

نعني هنا الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي الذي تخير ألوانه ورسوماته وتيماتها وهو يتنقل بين عواصم هذا العالم لشؤن ومقتضيات الدراسة ثم عمله الديبلوماسي فكانت لوحاته بمثابة صفحات من كتاب الرحلة الملونة التي اطلعنا على حيز هام منها لتبوح لنا بما يعتمل في عالم صاحبها من أمنيات وأحلام وأحاسيس وتفاعلات ..هي بالنهاية تفاعلات فنان تجاه أمكنة..و عوالم وبلدان تختلف أجواؤها لتلتقي في دروب الفن..تلك الدروب التي أدت الى أعمال هذا الفنان .

الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي يستعد لمعرضه الشخصي بفضاء صوفونيبه بقرطاج حيث الافتتاح يوم الجمعة 27 ماي عند الساعة السادسة مساء  ليتواصل هذا النشاط الى غاية يوم 7جوان 2022 وذلك ضمن عنوان لافت هو " رؤى متعددة ".

الفنان لسعد محيرصي وكما يقدم نفسه هو رسام تونسي و دكتوراه في الأدب المقارن من جامعة السوربون نوفيل باريس 3 و دبلوماسي محترف وسفير تونس السابق باليونان والمدير الحالي لأوروبا بوزارة الخارجية.سمحت له مسيرته الدبلوماسية بالعيش في عدة دول من بينها فرنسا والأرجنتين وإسبانيا والسنغال ولبنان واليونان.و منذ عام 1998 بدأ الرحلة مع عالم الرسم.أقيم معرضه الفردي الأول في اليونان في عام 2019 في معرض بلدية ليا في أثينا.و شارك في المعرض الجماعي الأول في تونس في مايو 2022 بدعوة من جمعية الفنانين المغاربيين.و هو في هذا المعرض بصوفونيبه يعرض بصورة فردية 40 عملاً تجريديًا تغطي العديد من الأساليب والجوانب المتعددة بالنظر لرؤيته الخاصة للفن والتي من خلالها ينتصر الخيال.له كتاب بعنوان "تونس - إسبانيا من قرطاج إلى يومنا هذا" صدر عن دار الصدر في بيروت عام 2012.و هو حاصل على وسام الصليب الأكبر من وسام العنقاء للجمهورية اليونانية في عام 2021.

هكذا هي رحلته الفنية التي انتقل فيها بعد تجارب متعددة في الأساليب والنظر الفني الى عالم التجريد الذي رآه ساحرا وقابلا لقراءات متعددة و"...لطالما كان الرسم بالنسبة له مرادفًا لمتعة العيش في عمل يكاد يكون مفعما بالمتعة. إنه هذا العرض حيث تكون اللحظات الممتعة باهتة...تحوي لوحاته ألوانا شفافة وخطوطا تتقاطع حيث القماشة كون احساس وحركة وعبارات ضاجة بالمعاني المختلفة .. هذه الرغبة في بحث مفتوح عن الجمال، حيث فضاء اللوحة بستان من التشكيل فيه موسيقى وأشكال ناعمة وحادة في ذات الآن وفق ايقاع تلويني ينزع نحو عوالم من الجماليات التي يرنو اليه لسعد المحيرصي وهو يصغي للطفل الكامن فيه والذي يلون بدلا منه الأمكنة ليسعد بالنهاية في تحويل العالم الى علبة تلوين...اللوحة عنده عالمه المدهش المفعم بالغموض الذي يشمل الفضاء الحقيقي والفضاء "الافتراضي" إلى حد ما وكما رسمته الأنسجة المعروضة على خلفية بيضاء، مرايا متناقضة مع الأعماق الحقيقية والخادعة.و بحثًا عن نهجه الفني الخاص، يبني لسعد محيرصي الواقع  الذي يدركه بطريقته الخاصة بعد أن تشرب من أكثر الحركات الفنية تنوعًا من الانطباعية، والسريالية، ...هو يسعى من خلال عالمه هذا الى التعبير ضمن الرسم التجريدي بما هو كون دقيق وفيه تدفق للعواطف، واندفاع من العفوية الخالصة، وهروب إلى عالم رمزي مفعم بالحيوية.و هو  يلعب ويتلاعب بالألوان والنغمات والاهتزازات ..".

هي رؤى الفنان المتعددة داخل فكرة الرسم والتلوين لدى الفنان التشكيلي لسعد المحيرصي التي يقترحها على جمهور الفن ورواد فضاء صوفونيبة وأحباء الفن التشكيلي في هذا المعرض الشخصي الذي ينطلق مساء يوم الجمعة 27 ماي الجاري ليتواصل الى غاية.

***

شمس الدين العوني

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5738 المصادف: 2022-05-22 02:56:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5928 المصادف: الاثنين 28 - 11 - 2022م