كتب واصدارات

بصدد القطيعة والاتصال المعرفيين

مصعب قاسم عزاوييلخص مبدأ القطيعة المعرفية القانون الجمودي القائل بأن «الأسلاف لم يتركوا شيئاً للأخلاف»، وأن الاتِّباع نهج العقلاء في تفسير طبائع الأمور وعلائقها فيما بينها، وأن التفكير والتفسير والاجتهاد الإبداعي مهمة ناجزة قام بها الأولون، ولم تعد مطلوبة أو محبذة إذ أنها قد تفتح «باباً لا بد من سده» في وجه «الشيطان الرجيم» الفكري ليتسرب منه ويلوث بخبثه ووسوسته عقول البشر وسلوكياتهم وحيواتهم؛ وذلك نهج انغلاقي سائد فكرياً في غير موضع من أرجاء الأرضين، وراسخ بقوة إفقار وتهميش المجتمعات المظلومة المغلوبة على أمرها التي لا حول لها ولا قوة في معادلة التسليم بأن العين لا تقاوم المخرز إلا بمصابرتها على ألمها، ومحاولة إيهام نفسها «بحظها الحسن» إذ ما زال لديها عين أخرى لا زالت تستطيع الإبصار بها بعد أن فقأت صنوها مخارز الجلاوزة والطغاة والمستبدين بحيوات كل المظلومين  المستضعفين وأحلامهم ومستقبلهم ومن سوف يأتي من بعدهم من ذريتهم.

وهو الواقع المر الذي أفصح عن نفسه في خواء معرفي واجتهادي فكري في غير بقعة من أرجاء المعمورة، قد يكون أكثرها إيلاماً تلك التراجيديا المقيمة في حال الثقافة الناطقة بلسان الضاد، التي أصبح نتاجها الفكري من الناحية الكمية كحد أدنى لا يرقى لنتاج مقاطعة صغيرة مثل كتالونيا لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين في دولة مثل إسبانيا تعتبر بالمنظار الأوروبي النموذج الأكثر نصاعة للاقتصادات الضعيفة والمجتمعات المتخلفة التي لا زالت تحمل في بناها الكثير من بقايا وعقابيل القرنين التاسع عشر والعشرين.

والحقيقة الراسخة في مجال الإبداع الفكري بمختلف أشكاله تكمن في أن «العقلاء يبدؤون من حيث انتهى أسلافهم» في نهج منطقي وعقلاني ينظر إلى المعرفة البشرية بكونها سلسلة تراكمية لا تنقطع من الإبداع المعرفي الذي يتصدى لحمل مشعله فئة من المجتهدين في زمن ما، يقومون بتسليم المشعل لمن سوف يأتي بعدهم حينما يحل دور أولئك الآخرين بيولوجياً في القيام بدورهم الوظيفي المناط بهم إبداعاً واجتهاداً. وذلك هو النسق المعرفي الذي مثل تبنيه الجوهر المحرك لكل ما وصلت إليه الحضارة البشرية راهناً، بالاتكاء على مثل ما أبدعته حضارة الفينيقيين في بلاد الشام منذ الألف الثاني قبل الميلاد متمثلاً في دمج تقنية الكتابة المسمارية بأبجدية تتألف من حروف لا مقاطع صوتية كما كانت في الطرق السابقة لها عند السومريين، أو الأكاديين، أو البابليين،  أو الكلدانيين، أو الآشوريين، أو على شكل تصوير رسمي كما في الطريقة الهيروغليفية في مصر الفرعونية القديمة من الألف الثالث قبل الميلاد. وهي الكتابة باستخدام الأبجدية التي مثلت القفزة التي مكنت البشر من تسهيل توثيقهم لتراكم خبراتهم ومعارفهم بشكل يمكِّن من سوف يأتي بعدهم من هضمه معرفياً بشكل ميسر دون الحاجة لتعلم ذلك لفظياً عبر الاستذكار والتلقين كما كان مفضلاً عند سقراط مؤسس الفكر اليوناني الحديث، لينتقل من بعده عبر أفلاطون مكتوباً إلى الأجيال من بعده بأبجدية يونانية هي تحوير عن الأبجدية الفينيقية التي استقوها من تواصلهم الحضاري مع مبدعي تلك الأبجدية من أهل بلاد الشام.

وهو الفكر اليوناني الذي تم إحياؤه وإعادة إنتاجه ونقده وتشذيبه باجتهادات الكثير من المبدعين والعلماء العرب والمسلمين إبان الدولة العباسية في نتاج بيت الحكمة في بغداد، منذ أواخر القرن الثامن الميلادي مع عهد هارون الرشيد، لينتقل بعدها بشكل طبيعي إلى مراكز الإبداع الفكري الحضاري باللغة العربية التي أسسها العرب والأمازيغ في الأندلس، والتي مثل نتاجها الفكري الدعامة التي بنى عليها مجتهدو عصر النهضة الأوربية في المدن/الدول الإيطالية في فينيسيا وفلورنس وجنوا أسس فكرهم النهضوي، إذ كان نتاج ابن رشد في «تلخيص منطق أرسطو» وغيره من مؤلفاته الفكرية منبعهم الأساسي في فهم الفلسفة اليونانية، و كانت مؤلفات ابن سينا العلمية، و خاصة كتابه الموسوعي «القانون في الطب» أس المراجع العلمية لتدريس الطب في أوربا حتى مطلع القرن الثامن عشر.

والحقيقة المرة هو عدم عقم المبدعين والمجتهدين الناطقين بلسان الضاد، وإنما تحول جلهم إلى مناضلين لمقارعة الاستبداد ومفاعيله من تلاوين الإفرازات القيحية للدول الأمنية العربية وطغاتها وبصاصيها وعسسها وجلاوزتها وجلاديها ورقبائها الذين قد لا يعلو في سلم أولوياتهم مهمة على واجب قمع حرية التعبير والتفكير التي قد تفتح «الباب الذي لا بد من إغلاقه» للتفكر بآليات الانعتاق والتمرد على ذلك الواقع المجتمعي البائس المتغول على كل حيوات البشر المتشاركين في الحطام الاجتماعي والهشيم البنيوي الشامل عمقاً و سطحاً، و الذي قد يمثل إنجاز الفساد و الإفساد الأسمى للدول الأمنية العربية.

وذاك الواقع البائس أفضى إلى فراغ وشح في مستوى وكم الإبداع الفكري للكثير من المبدعين والمجتهدين العرب، الذين تحولوا بقوة الظروف القاهرة في كثير من الأحيان إلى مدافعين عن حقوق الإنسان الأولية في الحياة وحرية التعبير، ومناضلين يوميين مشغولين بالدفاع عما تبقى من نسيج اجتماعي واه في مجتمعاتهم، وهو دفاع محفوف دائماً بمخاطر الاصطدام مع الآلة القمعية الوحشية للدول الأمنية، وما قد يستتبع ذلك من تذويب وإفناء وإعدام جسدي وفكري محتمل لكل منخرط في عملية الدفاع تلك، وهو ما أفصح عن نفسه في خواء الفكر العربي من أي «اجتهادات على شكل منظومات فكرية أو فلسفية كبرى» كما هو الحال في كل الثقافات الناطقة بلغات أخرى في أرجاء الأرضين، إذ أن جل المفكرين والفلاسفة والمثقفين العرب لما يتمكنوا بعد من حل جزئي أو كلي للمعضلة الفكرية الكبرى التي اشتبك معها شيخ المنورين العرب عبد الرحمن الكواكبي في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» حتى ينتقلوا إلى حل غيرها.

وفي هذا السياق يبرز مشروع «عقول عظيمة» بكونه محاولة متواضعة لتجميع وتكثيف خلاصة المرتكزات الفكرية لرهط واسع من المفكرين العالميين، وهو مشروع يهدف أساساً لتحفيز القارئ للاندفاع إلى قراءة النتاج الإبداعي والفكري لأولئك المفكرين كاملاً، ودون التوقف عند تلك الخلاصات التي لا يمكن لأي منها الإلمام إلا بالقليل اليسير من جهود أولئك المبدعين.

ولقد تم تجميع المادة العلمية الخاصة بمشروع «عقول عظيمة» من مصادر موثقة ومعتد بها، وتم إعدادها بشكل ميسر للقارئ العادي الذي لا بد أن يتحلى فقط بالميل العفوي والشغف للاطلاع وتوسيع الأفق المعرفي وليس سوى ذلك من مؤهلات أو أرضية معرفية. والشكر موصول لإدارة دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن التي تفضلت مشكورة بتحمل أعباء تعريب النص الأصلي لمشروع «عقول عظيمة» من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، وتقديمه بشكل مجاني تماماً للقارئ العربي، وهو جهد تنويري يستحق كل الثناء والعرفان.

 والأمل الدائم يكمن في أن استنهاض «العقل العربي المستقيل» بقوة وعسف وقهر مستبديه وطغاته وجلاديه، لا بد أن يبدأ بخطوة ما في رحلة آلاف الأميال التي لا بد أن يقطعها ليلحق بقطار أمم العالم الأخرى التي سبقته بأشواط كبيرة، ولا بد أن تكون تلك الخطوة واثقة أكثر في حذوها إن كانت مرتكزة على نسق من الاتصال المعرفي مع خلاصة ما أنتجه الأسلاف، والذين لا بد أن يكونوا فخورين وسعداء بأن يستلم «مشعل التنوير» من بعدهم أخلافهم المجتهدون المستنيرون.

وفي الختام آمل أن يكون مشروع «عقول عظيمة» بعد تعريبه إضافة مفيدة للمكتبة العربية، وهدية يستحقها كل قارئ مُكَرَّمٍ بلغة الضاد.

مقدمة النسخة المعربة من كتاب عقول عظيمة

مفاتيح الاتصال المعرفي مع الفكر العالمي

تأليف: مصعب قاسم عزاوي

تعريب: فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع في لندن

الطبعة الثالثة – 2022

***

د. مصعب قاسم عزاوي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5798 المصادف: 2022-07-21 04:39:36


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5990 المصادف: الاحد 29 - 01 - 2023م