حوارات عامة

حوار أدبي مع ماغراس ماريا فنوك و دافيد بول فنوك (2-3)

صالح الرزوقجولة سريعة في حاضر وماضي الأدب الروماني

إعداد وترجمة صالح الرزوق

س 4:  ومن هو أهم كاتب روماني اليوم؟ لماذا؟ وما هي أهم إنجازاته؟..

جواب:  من الصعب للغاية، إن لم يكن من المستحيل، أن تسمّي كاتباً واحداً فقط، وأن تقول إنه الأفضل في تاريخ أدب أمة عظيمة مثل رومانيا. كان هناك دائماً "أفضل ممثل" في حركة أدبية أو حقبة معينة. من بين الأفضل في الأدب الروماني المعاصر أذكر نيشيتا ستانيسكو، شتيفان أوغستين دوينش، إيون باربو، مارين سورسكو، بولا رومانيسكو، أدريان بونسكو، ترايان ت. كوفي، غابرييل ستانيسكو، يوجين إيفو، جورج الخامس. أنا آسفة حقا لأنني لا أستطيع التحدث عن كل منهم. لا شك في أن ميهاي أمينيسكو بالنسبة للأدب الروماني أبرز شخصية أدبية في جميع الأوقات. قد يقول المرء بحق إنه كان ممثلاً للرومانسية، ولكن دقة وسلامة أفكاره وأعماله لا تشوبها شائبة حتى الآن. وجدير بالذكر أنه خريج جامعتي فيينا وبرلين. بمعنى أنه يمثل ظل الثقافة الجرمانية الثقيلة وعقلها المتمرد والإبداعي والثائر على مر العصور. 

وسأذكر بعض الشعراء الرومانيين المعاصرين الذين تركوا بصمة على جدار التاريخ، وجمعتني بهم صداقة أعتز بها. وقد ترجمت نماذج من أشعارهم إلى اللغة الإنكليزية الحديثة. ومن هؤلاء الشاعر والكاتب المسرحي، والصحفي، والناشر سيزار إيفانيسكو (1941-2008). وقد برز في منتصف الستينات في بوخارست، في لحظة مواتية للأدب الروماني، وكان بعمر 25 عاما. وتميز بشخصية بوهيمية فريدة مع خصال أرستقراطية موروثة من نبلاء روسيا، مع نغمة تشبه نغمات التروبادور (الشعراء الجوالون). فقد كان يحمل الغيتار بيد والكتاب بيد (وليس المطرقة والمنجل كما جرت العادة في زمن الرعب). وأنتج لنا سيلا جارفا من قصائد مشاغبة غريبة لا يوجد مثلها في عصره. ويعتبر هذا الشاب حتى الوقت الحالي من الشعراء الأكثر تميزا في الأدب الروماني. وقد كان معاديا للشيوعية، وتعرض للضرب على أيدي عمال المناجم في 14 حزيران / يونيو عام 1990. ودخل بعدة دورات إضراب عن الطعام حتى الموت تقريبا. وبعيداً عن ما يتميز به من إحساس دائم بالخطر، يبدو كل شيء في شعره متماسكا ومتجانسا، ويمكن أن تقول إن لديه تدرجا من البسيط وحتى التصور المقدر autarchical. وأخيراً، قد نقول إن نثره مونولوجي، غنائي، وشاعري. وفيه تعتمد الأشكال التقليدية على بعضها بعضا. فهي لا تقدم أفكارا بسيطة بل شعرا "أصليا" يحتفظ بمسافة عن الأشياء القريبة والتي هي بمتناول اليد. أضف لذلك التناسق العميق المتجانس في إبداعه بأكمله والذي أعده نتيجة أحلامه الرؤيوية. فهو شاعر لا يطوّر أحاسيس غيره، ولا يصور الحالات الطبيعية، ولكن الأحاسيس الميتافيزيقية. كما أنه يصف الأحلام المرعبة، ومجازات العصر الوسيط وجاذبية الباروك الرهيبة التي لا يمكن تحليلها بأساليب عقلانية وميكانيكية. هنا لا شيء يمكن تعريضه للقياس. وكل شيء متجاور. ونواته الغنائية ليست "واقعية" بل أسطورية. ومع ذلك، وراء أشكاله المختلفة، يهدر دم  متميز وضمن نظام دورة دموية خاصةبه.  ويحدد الشاعر رؤيته برمزية غامضة أولية، مما يعطيها وحدة لا تنم عنها. والتأثير الغنائي لديه دائمًا استثنائي، ومنابعه من مصدر يصعب تفسيره. وكما هو الحال في رمزية الباروك، التي كتب بها جيوفاني بيليني، كل شيء يتكون من أجزاء صغيرة، ومع ذلك إن شعره واضح لكن بخلفيات مبهمة من وجهة نظر عامة. وغالبا ينتصر العقل عنده مع أنه يذهب لما هو أبعد من الاعتراف بالمنطق الذي يؤمن بالمسائل الحيوية والكبيرة. ومن أجل فك ألغاز مثل هذا الشعر، على المرء أن يدرس رمزه المجازي. كما أن عالمه العاطفي شديد الإفراط وهادئ وله مسحة كلاسيكية لا تخطئها العين.  كما أن الوعي الغريزي موجود في كل مكان. مغرق بالغيبيات وكل شيء ملوث وقلق. ويبدو العالم كله تحت وطأة رعب باروكي محرض. وتنخفض الروح إلى عتبة الميتافيزيقيا، وتهددنا كما أنها تغرينا دون توقف. والعبارة الأخيرة لآرثر سيلفيستري في مقدمة كتبها للشاعر عام 1985. وجميع كتب سيزار ايفانيسكو من الروائع. وقد نجح في تجاوز حدود بلاده.

2257 رومانيا

ولا بد من أن أذكر جورج ستانكا (1947-2019) الذي ظهر لأول مرة في عام 1978. وتخصص بكتابة قصائد الحب، وكان مولعاً بتاريخ الصحافة الرومانية. وانتقد وأدان في كتبه كل ما هو سيء في المجتمع المحلي. وكان توبيخه قاسياً ولكنه بناء وأبوي. وبدأ مباشرة من هذه النقطة، وأحيانا اعتمد على العناصر الفولكلورية الرومانية المفرحة. وأفضل مجموعة تمثله برأيي هي “كان الملاك”، وقد ترجمتها للفرنسية والإنكليزية. وكان يكتب مثل سابقه على غرار التروبادور،  وقد ضاعف التجوال من كلماته ومنحه حساسية خاصة مع مسحة ساخرة ومتوازنة تضع معانيه على ”أقصى درجة من درجات الحنان”. وأستطيع أن أؤكد أن أسلوبه واضح وموجز ومنبه وديناميكي. ويعبر عن أفكاره بإيجاز  وحب وببالغ الدفء النابع من قلبه.  وتشعر كأنه شاعر موجود أينما كان ويهتم بالجميع وبكل شيء. ودعمته السخرية  بمزيج من الكلمات التي أضافت له معنى جديدا يكشف عن الجانب اللعوب من قلبه. وساعده ذلك على التأرجح بسهولة بين الواقع والشعر، وبسعادة غامرة وخجولة في نفس الوقت. ولذك ترى أنه يلقي نفسه  بلعبة خطيرة في عالم يخلقه لنفسه ويتوق إليه. وهو ما يعطي الانطباع بأنه قادر على امتلاك عالمه دون أن يمتلكه فعليا. وكما ذكرت في مقدمة ترجمتي له: إن عالم جورج ستانكا هناك، ولكن لا يوجد منه شيء غير حلم منظور بعيد.

وأخيرا وليس آخرا أود أن أذكر شاعرة رومانية هي باسيوناريا ستويسيكو  Passionaria Stoicescu، التي ترجمتها أنا وزوجي ديفيد بول فونك. تختار بويسيكو أن تلف نفسها بالغموض والسخرية إلى حد ما - مما يجعل المرء يفكر في الكون الذي تنتمي له. وتبدو كأنها تجري لمسافات بعيدة أو أنها تفتقد للإضاءة. وهي تسيطر على كتاباتها مثل "أن تكون أو لا تكون". وفي السيدة بونساي تبدو اللغة حقيقية من لحم و دم. وترى الأخيلة نفسها مسقطة في الحقيقة ويعاد إسقاطها في القصائد.  وعند قراءتها تتساءل:  كم تستعير بوسيوناريا من السيدة بونساي المتخيلة؟. ويأتي الجواب مع كل قصيدة بطريقة مختلفة وبسيطة جدا وتدريجية. ومن المفارقات أنه يتجسد في رجل (عريس، ولكن ليس الشخص الذي خلق كما يقول الكتاب المقدس "من غبار الأرض"، إنما من الوهم والرماد). جواب القصائد هو الحب والعاطفة والمصير.

ولكن الأدب الروماني لا يننتهي عند هؤلاء وتوجد أسماء متعددة ممن هرب من الجحيم. ومعظمهم من المنشقين. وبرأيي إن ثيودور داميان هو الكاتب الأكثر تمثيلا للشتات الروماني. وهو شاعر روماني أمريكي رائد وشخصية دولية معتبرة. ويعيش في نيويورك منذ أكثر من 30 عاماً. وهو كاهن أرثوذكسي وأستاذ فخري يدرّس الفلسفة والأخلاق في كلية متروبوليتان نيويورك. وهو المدير المؤسس لـ Lumină Lină / الضوء المقدس، ورئيس المعهد الروماني للاهوت والروحانية الأرثوذكسية، ورئيس الأكاديمية الأمريكية الرومانية. وبمجرد وصوله إلى نيويورك، أسس داميان نادي الكتاب "ميهاي أمينيسكو" الذي قام مع Lumină Lină / الضوء المقدس ببناء جسر دائم وناجح بين المجتمع الروماني وأبناء الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الجاليات.  إن ثيودور داميان ليس المبشر بالأدب الروماني فحسب، بل هو أيضاً حركة ثقافية ليس لها حدود. لقد كان دائماً فاتحة لآفاق جديدة في ثقافتنا العالمية. وقد نشر كتبا لا تحصى في الشعر والمقالات. وحصل على العديد من الجوائز بما في ذلك لقب الدكتور الفخري. و هو يؤمن أن الشعر "مفتاح عالمي" يمكنه فتح أبواب جميع النفوس مثل الموسيقى. ولطالما عبر عن إيمانه الشعري بصيغ مكثفة جداً. وأسلوبه الأدبي فريد من نوعه. إنه موجز ومفاجئ وساحر لأنه يرسل القلب والعقل من الفراغ إلى الله ومن ثم، من أجل إغلاق الثالوث، يعود ليلتهب ويحترق من خلال الشعر. وشعره مليء بالعناصر الفلسفية المطرزة بالمكونات الدينية والمفارقات والعناصر الغنائية. وهو يعتبر أن الـ "ما وراء" يمكن أن يكون هنا، وكذلك على الجانب الآخر من السماء. ويمكن الوصول إليه بسهولة. قصائده رحلة طويلة وصعبة من الظلام إلى النور. و"في عالم عادي مسكون بشكل دائم ومعذب من قبل جميع أنواع المتاعب، والتي تكثر بشكل ساخر يتأرجح بين التناقضات والشكوك". يقول:

لأنني طوال حياتي كنت أمشي / إلى الوراء / إلى الوراء أفهم الأشياء / ولكن إذا كان هذا الوراء هو الأمام / ستنبثق فكرة غريبة في ذهني. وفي عالم نستنتج منه أنك منذ أول لحظة ضائع / ولا تعرف شيئا، من الأفضل أن تختار طريقك للاختفاء والرحيل مع عقيدتك "بنسختها الأكثر مصداقية" لأنه إذا كنت لا تريد المضي قدما إن "ترددك سوف يسمرك بمكانك“.

وفي عالم عليك أن تؤمن فيه بالمضي قدما "إذا كنت ستموت على أي حال / يجب أن لا تتوقف أبدا / والموت سوف لا يصلك إلا بصعوبة / وعندما تتابع لشوط أبعد /  متشبثا بالإصرار والعقيدة / في بعض الأحيان سيحل الإرهاق بالموت“.

 وفي عالم نتعلم فيه طوال حياتنا كيفية الاستمرار واكتشاف أشياء جديدة داخل الكون، سنصل لاستنتاج مفاده "الشفاء يأتيك وأنت مستلق على ظهرك / وتنظر لما وراء الأفق".

 وفي عالم "تكون فيه القيامة مضمونة بهيئات وصور"، يمكنك أن تفهم شعر تيودور داميان.  فهو مقتنع أنه من أجل أن تكتب "قصيدة ملهمة فعلا/ عليك أن تحترق عدة مرات / متمسكا بواجبات هذا الصمت / وأنت تحمل قطعا متوهجة من الفحم / ثم تجلس مجللا بالتوقعات المقدسة والإيمان / بالكلمة / وتعلم كيفية الانتظار / سوف تتلقى صوتا ضعيفا وخافتا وهامسا / من الرياح / ولكي تحيا / لأنه إذا لم يكن هناك رياح ليس هناك فحم / وعندما يصلك الصوت / ليس عليك أن تنام / ولكن اخلع صندلك / من قدميك / وكن متواضعا وحانيا / عندئذ فقط تكون جاهزا للاستماع / فقط بحلول ذلك الوقت تكون مستعدا/ لتنفذ ما تؤمر به / هكذا تكتب القصيدة / كلمة بعد كلمة / وتصبح صلاة خاشعة".

ويمكن أن أنوه أيضا بالشاعر جورج فيليب وهو الشاعر الكندي “الأكثر اغترابا" بأصوله الرومانية والذي واتاه الحظ ليعبر الجسر الذي يصل بين الألفية الثانية والثالثة. وبصرف النظر عن عمله الأدبي لا بد من التطرق لروحه التي أعرف تفاصيل دقيقة عنها من ماضيه. لقد عقد العزم وأقسم أن لا يتعاون مع الشيوعيين، وأن يتحدى القوانين الماركسية الحمراء، وأن يضرب قلعتهم بما أوتي من قوة. كان الشاعرواحدا من ستة أبناء لوالده بانديلي وأمه فلوريا. ولكنه التزم بعزلة موحشة تسكنها الأسرار والأحلام. ورفض أن يبكي عند وفاة ستالين “والد الأمم” كما كان يقال. وفي شعره نوع من التحدي للمصاعب. حتى أنه يقول:" ببساطة متناهية أنا غير قادر على الاستنتاج من سيكون قادرا على الاستمرار في كتابة الشعر بطريقتي؟".

جورج فيليب هو واحد من الشعراء الأكثر إثارة للقلق لمجرد أنه لا يكتب بطريقة تقليدية، لكنه يستفيد من الوجوه المجهولة التي تظهر من عالم غريب وتختفي في عالم غير محدد، وهو يتلاعب بها كما لو كانت بعض الدمى البشعة، التي كانت فيما مضى جميلة. والسؤال الآن: هل هذا الجمال لا يزال موجودا؟. وإذا حدث ذلك، فمن يضع المعايير وعلى أي أساس، وعندما يكون كل شيء ليس سوى قناع في كرنفال نعبر عنه شعريا، فإن وجهه الحقيقي يتخفى متنكرا.

ويبدو من السهل أن تقرأ فيليب.  ولكن في معظم الحالات يكون فهمه مهمة مستحيلة،  هذا غير مواكبته بتفاصيل لعبته الشعرية، بما فيها من ألحان غنائية وراقصة وعابثة.  فهي جزء لا يتجزأ من بين ألعابه اللغوية الصعبة والمسلية.  وهذا كله تدعمه حقائق يعبر عنها بأسلوب يرفضها. رفض جورج فيليب الكتابة والعمل لصالح النظام الشيوعي. وقد أطلق عليه زملاؤه الصحفيون لقب "ريشة المرتزق". عمل لمدة عامين تقريبا كمحرر في فلوتا باتري (البحرية في البلاد). ثم تعرضت شقته للمصادرة، فهاجر إلى بوخارست وصادق فانوش ناغو، وميرسيا مفو، وروساليم موريانو، وبوكا، وغيرهم من “الأدباء المخمورين” كما يقال. ثم عمل في اللجنة المركزية لاتحاد الشباب الروماني. وفتح له موقعه الباب على مصراعيه إلى إذاعة رومانيا الرسمية. ثم لاتحاد نساء بوخارست. وطوال الوقت كان تحت المراقبة. ثم بدأ بكتابة عمود يومي بعنوان „الرجل الخفي“ في جريدة فيتورول (المستقبل). وقد أسر عموده انتباه القراء، حتى كتب زاوية بعنوان „مصنع الموت في توبلي“ وتناول فيها الأسباب الحقيقية لوفاة 13-14 عاملا.  ودافع عن حقوقهم بالحياة استنادا لمقولة لينين „الإنسان هو أغلى رأس مال موجود“. وبالنتيجة فتح النار على أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في المنطقة، وعلى رأسهم أمين الحزب (الذي كان آنذاك صهر نيكولاي تشاوشيسكو). في الواقع هذا ما فعله قسطنطين فيرجيل جورجيو في روايته ذائعة الصيت „الساعة الخامسة والعشرون“. ولم يكن من المقدر للهجة فيليب أن تمر مرور الكرام، في وقت كان فيه شاوشيسكو يتقرب من الصين وفيتنام وكوريا الشمالية ويفرض الواقعية الاشتراكية الصارمة، على أساس من شمولية ستالينية تركز على عبادة شخصية القائد المزعوم. ثم أضاف في وقت لاحق سلطات غير محدودة لزوجته، وأد بها الحريات المحدودة لعقد الستينات، وأسدل بها الستار على فهمه الدكتاتوري للحياة في فترة السبعينات والثمانينات.  وهكذا صدر قرار باعتقال فيليب، ويقول عن ذلك:“ قادوني مغلولا بالأصفاد كالوحوش / ولم أكن قد بلغت أربعين عاما / مع ذلك شتمت قصرهم الأحمر / وزرعت الرعب في رأس الضابط / هناك صمت عميق في أرجاء سيفرين / وفي زنزانتي الرمادية رقم 7 / كان لي حق برؤية سماء زرقاء وصافية ومشمسة / فاستلقيت مريضا بالسلاسل والأصفاد الثقيلة / داخل جحيم مظلم من تورنو سيفرين / أما جسمي الشاب والقوي المعتاد على الحرية / لم يسمح للتعذيب أن ينال مني / جورج فيليب - التروبادور / لم يتعلم في حياته كيف يموت “ (من شذرات).

السؤال هو: متى يتحدث جورج فيليب بجدية ومتى يبتسم؟ دومًا الحوار مع الشاعر هو تحد دائم، مثل قراءة كتبه. عقله، حاد، متحفظ، مرح ولكن في بعض الأحيان حزين، وبروح كئيبة ومريرة. وبعض الأوقات يبدو متعبا. وكلما قرأته أكثر، كلما أدركت أنه على حق في طريقته في التعبير عن نفسه كرجل قوي يعرض أفكاره بشكل تيارات محورية تقريباً. هناك أوقات تشعر نحوه بالكراهية، وتود أن تحاربه، ولكن في النهاية عليك أن تعترف بأنه على حق. أما ما يسمى اللامبالاة والإحساس الذي ينقله لك أنه مستعد دائما لتجاهل الجميع وكل شيء، ليس سوى انطباع مضلل. وفي الواقع، هو يفتح للجميع باب العالم بل الكون. ومن المستحيل ألا تجد نفسك معه. إذا نجحت في أول مرة تكون قد ربحت الرهان، وإن فشلت كرر المحاولة حتى تصل. وتجد أين يختبئ صديقك فيليب من نفسه.

يقول دافيد فنوك عن المتمرد جورج فيليب: في “قصائد راقصة” يضع فيليب نفسه سيدا للكلمة والاستعارة. وعواطفه مصنوعة بالمنجل والمطرقة ومن نار ماضي رومانيا، التي تعرضت للغزو السوفييتي. وتسيدتها حكومة هزيلة مارست القمع الذي لا يمكن تصوره. ومن لم يمر عمليا بهذه الظروف يمكن أن يشعر بها من قصائد فيليب ويعايش العجز والرعب والخسارة، ونعم، قدرته على اختراع حلم أفضل سواء في الحياة أو الممات.  أسلوب جورج فيليب الحر يتدفق بسلاسة دون أن يكون بالضرورة ملحنا. وترسم كلماته في عقل قارئه صورا حية، وتدعونا للاحتراس عندما يتعلق الأمر بالجو السياسي سواء داخل حدودنا أو خارجها.

 

 

في المثقف اليوم