حوارات عامة

راضي المترفي وسياحة بين ازقة مدن سعدي عبد الكريم الادبية

3327 سعدي عبد الكريم وراضي المترفيسعدي عبد الكريم:

- منذ طفولتي عرفت الله، وأمسكت بنوره الذي ملء كياني، والحسين دلَّني عليه

- احتسيتها كأبي نؤاس حدّ ان جنية شعري كتبت الشعر في مغازلة النساء، ثم تركتها فأمسيت صوفيا كالحلاج

- الإغواء يخفي ذاته تحت مظلة الفضيلة، فالسياسي مثلا يطرح نفسه مصلحا، فيغويه الكرسي فيتحوّل الى طاغية

- انا رجل مسرح، وغائص منذ النشء الاول للأحياء في كتابة النصّ المسرحي

- انا ازعم بأني من الجيل الذي قرأ مبكرا، قرأ بجميع المعارف

- الآخرون من الغرباء يتهموني بالجنون، وأنا سعيد ومغتبط بهذا الجنون الجميل

- البشر الذين يعيشون في سِفْرِهم الطويل لكي يفكروا، لا لكي يأكلوا

ربما يكون الولوج لصومعته المعرفية ضرب من ضروب التيه.. فقد قيل في الامثال الشعبية لمن يعاني اكثر من همّ، او يمارس اكثر من عمل.. (هم تاجر وعداد نجم.. رمانتين بفد ايد ماتنلزم (وقد يصح او ينطبق المثل على الكثيرين، لكنه يقف محتارا حدّ فقدان معناه، وضياع دلالته عندما نحاول سحبه باتجاه (سعدي عبد الكريم) وقد يستغرب البعض عند عدم تقديم صفة او موسوم ادبي قبل اسمه، وعند هذا يتَّضح عجز المثل عن الانطباق على حالة او شخصية مثل سعدي عبد الكريم فهو يكتب القصة القصيرة، وينظم الشعر، ومُتخصّص بالنقد الادبي، ومحترف بكتابة السيناريو، ويجيد فن الخطابة، وممثل بارع، وله ولع جميل بالدراما وعلاقته بالمسرح لا يمكن دحضها اضافة لولعه بالرسم والتشكيل واللون، وعليه هو يشبه البحر لا يمكن ملاقاته إلا في قارب، لذا قررت مضطرا ان يكون قاربي الذي ألاقيه فيه محمَّلا بكلّ انواع الاسئلة التي يمكن ان تطرح على كتيبة كاملة، وليس شخص واحد، وسيكون بين اسئلتي له المعقول، واللا معقول، والفنتازيا، وأسئلة استفزازية واستقصائية وافتراضية واختصاصية، مع معرفتي بقدرته الرهيبة في امتلاك ناصية المعرفة، وقدرته ايضا على القصف الكلامي، واختيار المفردات الفخمة، مثل المبجل والمسدد احيانا، وأنا على يقين بأننا سنخرج بحوار جميل غير متوقع يكون سهل الهضم في مكان، وعسير الهضم في آخر، وعلى من لا يخاف ان يصحبني بهذه الجولة في تلافيف عقل سعدي عبد الكريم التي اتوقعها مرتبة بشكل رهيب.

بادرته بسؤالي الاول:

راضي المترفي: ما هي الصفة الادبية التي تحب تقديمها على اسمك؟

سعدي عبد الكريم: دعني اولا ايها المترفي النبيل.. ان انفث دخان سيجارتي خارج مديات اللحظة، لأكن متأكدا بأن الاجابة عن سؤالك ستكون منضبطة كانضباط ادوات اشتغالاتي الادبية والفنية والنقدية، فلا اخفيك سراً.. عندما تكون موزعا بين هذه الاجناس الابداعية ستبحث بالضرورة عن بداياتك التي تميل اليها باستحكام المعرفة الاولى، والوعي التدشيني الابتدائي الذي يمكن لك القبض فيه على ملامح ميولك الاشتغالية، وبحكم عشقي الاول لذلك المنحوت السحري (المسرح) فأنا ادين له بالقراءات الاولى، والفهم الذي اوصني الى نضج المدركات الحسية والعقلية التي شفعت لي فيما بعد بتكوين ملمحي المعرفي، انا رجل مسرح، وغائص منذ النشء الاول للأحياء في كتابة النصّ المسرحي، ويأتي بالدرجة التالية اشتغالي النقدي في الأجناس الادبية المختلفة، ثم يأتي الشعر ضيفا شفيفا ليخترق دائرة الصمت ويفجر مكنوناته الشفيفة على وجه الورقة البيضاء، اما كتابة السيناريو للدراما التلفزيونية او السينما فهذه البهجة بعينها لأن السيناريو يغوص في اعماق النفس البشرية ويفعل فعلته النبيلة في الكشف عن الخفايا كما يفعل فن الكتابة للمسرح، اما القصة والرواية فأشعر عندما انهي كتابتها بمهرجان من الفرح الدائم، اما الرسم فهو هروبي الدائم من الضجيج، والزحام، وأجد فيه متعة القفز على السائد، ويعيدني لفترة طفولتي وشبابي، وعندما احاول الهروب من هذا العالم المُتخم بالمتناقضات، والمليء بالكوارث والحروب، انزوي من خلاله في منطقة الجمال لاكتشاف عوالم بديلة، وادلف صومعة الرسم، ومملكة اللون.

راضي المترفي: هل يحدث عندك خلط بين ضرب ادبي وآخر بحيث يزحف الشعر على القصة او الدراما على غيرها؟.

سعدي عبد الكريم: لكلّ جنس من الاجناس الادبية له مقوماته التدوينية، فلا يمكن ان تكتب مسرحية ذات شخصيات حيّة تتحرك في افق الدراما لها ميزاتها الجسدية والنفسية والبيئية، وانت تفكر بقصيدة شعر مثلا، او في قصة قصيرة، الاصل في التناول هي (الثيمة) واينما تقع مواردها الحسيّة يقع معها الجنس الادبي، رغم ان ثمّة مواءمة في بعض الاحيان بين اجناس الادب فالسيناريو يقترب بطبعية تناوله للدراما مع المسرح، لكن اللعبة هنا ان تمتلك تلك الحرفية، والخبرة، والدراية الفنية التي تمكنك من الاشتغال على جنس ادبي بعينه.

راضي المترفي: ماهي علاقتك بالله؟ ومتى تنشط ومتى يصيبها الخمول؟

سعدي عبد الكريم: سؤال ملغم حقاً.. ولكني وهنا بالذات سأنحاز الى الحقيقة الكاملة دون مواربة، الله واجد الوجود من العدم، وهو بادئ الخلق من الصفرية الاولى، وهو الذي يمكن له الاحياء، والاماتة، وهو الضَّوء النوري الازلي، وأنا منذ طفولتي عرفت الله، وأمسكت بنوره الذي ملء كياني، والحسين دلَّني عليه، مذ كان مرملاً في الرمضاء جسدا بلا رأس وهو يطلب الرحمة لقاتليه، الحسين منارا باسقا لمعرفة الله، وكتابا مفتوحا للقرب منه، ولكن.. وهذه هي التي تبحث عنها ايها المترفي النابش بأسئلته صدر المعارف، وصميم الحقائق. يا سيدي الفاضل، الانسان بطبيعة تكوينه الفطري والسويسولوجي والانثروبولوجي ميال الى الاكتشاف، والوقوع في فخ الدهشة، واصل الاشياء الاباحة ما لم يأتي بها نصّ، الخمر مثلا كانت مباحة وجاء بها نصّ الاجتناب، اظن بأني قد احتسيتها كأبي نؤاس حدّ ان جنية شعري كتبت الشعر في مغازلة النساء، ثم تركتها فأمسيت صوفيا كالحلاج، وفيلسوفاً كأبن رشد، ومصلوبا كالمسيح، وشاعرا كالبياتي، وناقدا كأبن جني، وأما النساء فهنّ اجمل ما خلق الله، ومن لم يرفُّ له قلبٌ امام الجمال، فاعلم بأنه قد انتقل الى منطقة اخرى غير الادمية. ان علاقتي بالله كانت، وما زالت رفيعة المستوى، لأني أحس به قريبا من انفاسي، واشعر بروحي محلقة في ملكوته.3328 سعدي عبد الكريم

راضي المترفي: ماهي الحالات التي يكون فيها الشيطان قادر فيها على اغوائك؟ في حالات الضعف او القوة؟ وكيف؟

سعدي عبد الكريم: الشيطان كائن هلامي ضعيف امام الوعي البشري، الوسواس الأصل هي النفس البشرية، إن ميول النفس هي فوهة المدفع التي تقذف بنا الى المهالك، وحيث تستقر الرذيلة، وهنا تكمن القدرة على امتلاك ناصية كبح لجام النفس من الاغواء، فالإغواء يخفي ذاته تحت مظلة الفضيلة، فالسياسي مثلا يطرح نفسه مصلحا، فيغويه الكرسي فيتحوّل الى طاغية، او سارق لقوت الشعب، هكذا هي الحبكة، اما ما يخصّ اغواء النفس بالنسبة لي، فأنا في معارك طاحنة معها على مدار اللحظة، واعتقد بأني اعلن انتصاري عليها في جلّ الاحايين.

راضي المترفي: في الحالات المنطقية يعاني الاديب هما واحدا كأن يكون شعرا او قصة او غيرها اما في حالتك انت فنحتاج الى تزويدنا بـ (كتلوك) المخ عندك وكيفية تحديد تنوع الهاجس الادبي؟

سعدي عبد الكريم: العقل هو المحرك الاساس لفاعلية النشاط البشري، والأديب أو الفنان هما الفاعلان الاساسيان في عملية التأثير بالوعي الجمعي، وهما المحرضان في انشاء مملكة الاحتجاج، اما ما يخصّ تنوع اشتغالاتي الادبية والفنية والنقدية، فانا ازعم بأني من الجيل الذي قرأ مبكرا، قرأ بجميع المعارف، لذا تجد هذا الجيل وأنتَ واحد منه، قد وزعت جهوده الابداعية على الكثير من المهام الابتكارية والمعرفية، وأما النقد بالنسبة لي فهو المعيار الحقيقي الذي استطيع ان انفذ منه الى النصّ وأقوم بإعادة انتاج دواله وإحالتها الى مدلولات ذات خصائص فهمية عالية، اجد نفسي في تناول اي نصّ بمتعة بالغة، والمعروف عني عدم المجاملة وبخاصة ما يتعلق بالنتاج الابداعي لأنها مسؤولية خطيرة عليَّ ان اكون صادقا مع الكاتب والنصّ، ربما هناك بعض المجاملات التي تفرضها علينا احكام الصداقة لكنها لا تؤثر البتة على امانتي العلمية. إن عقلي يا سيدي المبجل.. موزع على ما تمليه لحظة الدهشة عليَّ لتنجب ملاحق ابتكار النصّ باختلاف جنسه الادبي والفني، واكتُبْ برأس الصفحة، انا اول كائن بشري خط بالحرف السومري على وجه الرُقم الطينية وقائع الملحمة الاولى.

راضي المترفي: غالبا مايحتاج الأديب إلى ملهم وبما أنك تمارس ضروبا شتى فهل ملهمك واحد، أو أكثر وكيف يتعامل معك؟

سعدي عبد الكريم: ملهمي الحقيقي في كلّ ضروب الفن والأدب هو مخيالي الذي يحاكي في بعض الأحيان جنيات افكاري لإنتاج (الثيمة)، التي أنفذ من خلالها إلى عوالمي السحريّة لأدوّن ما يتجاوز المرئي نحو اللامرئي في بون متاهاتي الداخلية، وثباتي اليقيني، وتأتي في مرحلة اخرى تالية رحلة الافتتان بالعقل الذي يمنحني قوة الولوج إلى الواقع اليومي المعاش لأمازجه بالمُتخيّل ليبعث في داخلي مواطن الدهشة، ليحيلها الى ملاحق الابتكار، واتكئ كثيرا على القلب، ذلك المنسوج الخارق، وتلك المنطقة الدافئة، لأنه يمنحني قوة تفجير اللحظة، ويزيدني طمأنينة في الحبّ، ويثبت أمام مفاتن البثّ والحفر في مذاهبيات النصّ واتجاهاته، ورصّ مكامن بنائيته.

راضي المترفي: هل يؤثر تنوعك الادبي على تصرفاتك اليومية؟

سعدي عبد الكريم: هذا سؤال جميل.. لم يطرح عليَّ في جلّ اللقاءات العديدة السابقة، إنه سؤال يفضي إلى مراتب التداخل في وظائف العقل، فربما تختلف التصرفات باختلاف تعدد الايعازات للعقل. تصوّر يا صديقي المسدَّد في بعض الأوقات حينما اكون منشغلا بتأثُيث نصّا مسرحيا بشخصياته وانعطافاته الدرامية، اسير في الشارع، او في الكلية، او في البيت وأنا أحاكي الشخصيات، وتحكي معي، في البيت يعرفون هذا الامتياز عندما أكتب وبخاصة في الدراما التلفزيون والمسرح، ولكن الآخرين من الغرباء يتهموني بالجنون، وأنا سعيد ومغتبط بهذا الجنون الجميل، لأني اقضي اوقات ماتعة مع شخصياتي التي خلقها مخيالي التصويري، وشغفي بالواقع.

راضي المترفي: في اي نوع من انواع الكتابة تجد حقيقة شخصك؟ وكيف نستدل عليك؟

سعدي عبد الكريم: أرى شخصيا.. بأن المسرح هو ابو الفنون وتحتفي بذاتها كلّ الآداب ومحاذياتها تحت كنفه الواسع، المسرح هو سيد الفنون، وهرم النتاج الادبي، ورائد التحريض، وصومعة التغيير، المسرح مواجهة حرّة بينك وبين العرض، وبين عقل المتلقي، والفكرة الجدلية الحقيقة في المعادلة، هي في طرح الأفكار النبيلة على العقول عبر خشبة المسرح التي من مهامها الأولى هي بثّ الوعي في العقل الجمعي، والاستدلال على ذلك أن حياتنا ممسرحة، أو نمسرحها حسب اهواءنا الشخصية ورغباتنا الآنية، لكن فن المسرح يضبط هذا الإيقاع المُنفلت، ويجيله إلى ايقاع متوازن يستطيع النفاذ إلى الوعي المضمر داخل النفس البشرية.3327 سعدي عبد الكريم وراضي المترفي

راضي المترفي: الكتابة الابداعية يشبهها اهلها بحالة الولادة.. فهل هناك طلق ولحظات خوف وقلق ومن يقوم بالقبالة؟ ومن يختار اسم المولود؟

سعدي عبد الكريم: نعم.. الكتابة ولادة حقيقية.. ومخاضها عسير يا صاحبي.. يرافقها هاجس، بل هواجس من الخوف، وطوابير من القلق لأني اخاف على (النصّ) المولود من الخضوع لعملية قيصرية، أو مخاض لولادة متعسرة، انا اؤمن تماما بأن النصّ يأتي أولا، وما يأتي بعده هراء، ولتكن ولادته مشوهه، الكتابة مشروع مهم وملهم في حياة الأديب والفنان كما هي اللوحة التشكيلية كلها ولادات طاهرة ونبيلة من ظهر أبٍ واحد، يقوم بعملية القبالة لهم خزيني المعرفي، وخبرة تجربتي الطويلة التي امتدت لأكثر من خمسة عقود خلّت، وجنية أفكاري الجميلة، هي التي تختار الموسوم لهذه الولادات النجيبة.

راضي المترفي: هل هناك اوقات محددة للكتابة وتحضير أجواء خاصة؟ او انها حالة يومية معاشة؟

سعدي عبد الكريم: الكتابة تأتي بعد حضور الفكرة في اي جنس من أجناس الأدب أو الفن، ومتى ما اختمرت الفكرة أصبح من الضروري اللجوء لوجه الورقة البيضاء لتدوينها خوفا عليها من الهرب من الرأس العاقل، لأن الأفكار المضيئة تأتي مرة واحدة، ولن تتكرر لفض الاشتباك الحاصل في منطقة الهدنة بين الثابت الجامد، وبين المتحرك الديناميكي بقوة التراتب التنظيمي في منظومة العقل. وبالنسبة لي فأجمل وقت للكتابة فيه وتكون فيه اجواء الكتابة هادئة ومريحة هو الصباح الباكر، لأنه يمنحني الطاقة الايجابية في عملية الخلق، وهو إعلان صريح ببدء يوم جديد آخر لحياتنا المليئة بالفرح والألم والتي علينا ان نفضي عليها ملامح الجمال، والكتابة جمال دائم يرصع التاريخ، فالتدوين ملحق مهم من ملاحق الذاكرة الإنسانية، وهي بطبيعة تكوينها الجمالي حالة يومية ثابتة بالنسبة لي اعيش فيها امتع الاوقات في صومعتي المتواضعة.

راضي المترفي: الكثير من الكتاب يعاقرون الخمر ولا نعرف المبرر؟ هل هي تنعش الذاكرة؟ او تحلق بالكاتب الى سماوات الخيال؟ او يتخذ منها مركبا الى عالم سيميائي؟

سعدي عبد الكريم: أحيلُ هذا السؤال لمن يعاقر الخمر.. اما انا ففي نشوة دائمة في علاقتي مع السماء.

راضي المترفي: لمن تكتب.. لتعيش.. لاثبات الذات.. للمباهاة.. او هو نوع من الادمان؟

سعدي عبد الكريم: انا اكتب لكي اعيش، فالحياة بشكلها الجمالي الأخاذ تستحق مني هذا العناء المضني، واكتب للاستمتاع، والبهجة، والمنفعة، اكتب لكي اقول شيء ما، ربما يوافقني الآخر عليه، أو ربما يخالفني فيه، الكتابة مرتبة سامية من مراتب النبل البشري وهي علامة كبرى من علامات ديمومة الحياة، فهي تحفظ النشاط البشري المعرفي، البشر الذين يعيشون في سِفْرِهم الطويل لكي يفكروا، لا لكي يأكلوا، أو نتناكفوا على المناصب والكراسي، الكتابة مرحلة متطورة من مراحل النزوح صوب الضوء الساطع للوعي.

راضي المترفي: لو تم منحك سلطة مطلقة في تحديد من هو شاعر ومن هو كاتب ومن هو قاص ومن هو ناقد كم هي نسبة العدد الذي تحتفظ به من الموجودين؟

سعدي عبد الكريم: كثيرون هم الذين يدعون الثقافة.. وكثيرون هم المزيفون في الأدب.. والفائضون في قائمة الفن، المهم في الامر اني اعرف من هو الغَثِّ منهم، ومن هو السمين فيهم، ولكني لا أفصح عن الأسماء، إلا عندما أضع النصّ تحت مجهري النقديّ، حينها اعرف الاسم من خلال النصّ، وأميز فيه مواطن الجودة والرداءة عبر (النصّ) كمنتج إبداعي، ولو منحت لي سلطة سماوية لتنقية الأوساط الفنية والأدبية والثقافية من المزيفين، لنفيت عدد كبير منهم إلى جزيرة لم يطأها العقل البشري.

راضي المترفي: كيف تختار اصدقائك؟ ومن هم اصدقاء الشدة؟ من عرفتهم في الجامع؟ او من عرفتهم في مكان اخر؟

سعدي عبد الكريم: كلّ البشر أصدقائي بغض النظر عن الجنس واللون والفكر، جميع الأجناس البشرية مؤهلة لتكون في مرتبة الاصدقاء بشرط ان لا يدلف اليهم الكذب والمخادعة، وبشرط رئيسي آخر ان لا يكونوا أغبياء، الغباء يقتلني، بل يشتت أفكاري، الغباء آفة العصر فمن تحلى بها أعده شخصيا من الخالدين في قعر الجهل، أنا اتحرى الدقة في اختيار الصديق، وأول شروطي أن يكون عقله خالٍ من اي تطرف، وان يكون محبّا للآخر، وصادقا لدرجة تكاد تلامس الكمال، ولدي اصدقاء كثر من هذه النوعية النبيلة. ولا أذكر أن لي صديق عرفته في جامع، لأني أمارس طقوسي مع الربّ لوحدنا، ولا احب ان يشاركني في هذا الطقس الشريف اي احد، لأنها علاقة عمودية من الأسفل إلى الأعلى، وأنا شخصيا لا اقبل أن يتسلط على عقلي أحد ويملي عليَّ ما افعله من حلال، وما لا افعله من حرام، لي عين تقرأ النصّ المقدس، وعقل يفسره ويأوله.

راضي المترفي: ما رأيك بالآتي.. صداقات الشبكة العنكبوتية.. قصيدة النثر.. قصيدة الومضة؟

سعدي عبد الكريم: إن صداقات الشبكة العنكبوتية مفيدة وجميلة تارة، وتشكل معضلة كبيرة تارة اخرى، لأنها تقرب البعيد المغترب، وتقارب ما بينك وبين أصدقاءك القدامى، وتشكل مصدرا من مصادر تبادل الخبرات، ومن الجانب الآخر بعض الأصدقاء داخلها يشكلون خطرا داهما يقتحم عليك خلوتك في أوقات الاشتغال على بحث مهم، أو دراسة نقدية أو كتابة نص أو رسم لوحة، ويسأل أسئلة سطحية تكون مجبرا على الإجابة عليها بسطحية أكثر إيلاما في نفسك. اما قصيدة النثر فقد قُتلت وتفرق دمها بين القبائل، وكتبها من لا يفقه فن الكتابة فيها، وولج معتركها من لا يعرف اعراب المبتدأ والخبر، والطامة الكبرى ان ملمحها البنائي والصوري والجمالي واللغوي والبثّي مورست ضده جميع الموبقات التي تنتمي للرخص التدويني. ومن جانب آخر هناك اسماء لامعة كتبت، وتكتب الآن قصيدة النثر بشكلها الحداثي الأمثل، وكناقد مُتخصّص بالحقل الأدبي، فلا أعرف جنس أدبي تحت موسوم قصيدة الومضة.

راضي المترفي: هل ارتقى النقد في هذه المرحلة او تراجع؟

سعدي عبد الكريم: ان العملية النقدية في العراق دائما بخير، فهناك اسماء مشتغلة في هذا الحقل الأكاديمي العلمي التخصّصي يشار لها بالبنان في الفائت من الأزمنة، وأزمنتنا الحاضرة، ولكن العملية النقدية لا تخلو من الطارئين عليها ممن شمر عن ساعديه وانبرى ليحشر انفه في هذا الحقل النبيل، واعترف باعتباري مشتغلا في حقل النقد منذ أعوام طويلة بأن الصنف الثاني من المدَّعين قد استفحل على الخارطة، واحتل مكانا واسعا على الساحة الادبية، لذا تجد بأن النقد قد تراجع من جهة، ولكنه بالمقابل حصل على حظوظه الكبرى في الإمتياز من جهة التخصّص الأكاديمي الفاعل والمتفاعل مع النصّ الأدبي.

راضي المترفي: اكثر المختصين يشخصون الخلل في الدراما العراقية في جانب السيناريو.. معهم او لك رايا اخر؟

سعدي عبد الكريم: السيناريو برأينا النقديّ.. هو فن كتابة الصورة المرئية.. فالورق المكتوب (السيناريو) هو روح العملية الدرامية، وهو الكفيل بالارتقاء بها أو النكوص عليها، لذا أجد من الضروري الإشارة هنا على أن الدراما تعتمد بالأصل على سيناريو ممتاز، ومخرج مبدع مبتكر، فإذا توفر الشرطين حينها تكتمل الدراما لتصل الى مرحلة فاعليتها الجمالية في التأثير لملامسة المنطقة المثلى لدى المتلقي.

راضي المترفي: الشهادات التقديرية ودروع (الجص) هل تصنع شعراء؟ او تفتح ابوابا للدخلاء؟

سعدي عبد الكريم: الاثنين معا.. فهي تدفع المندسين إلى باحة الأدب ليحصلوا على الألقاب المجانية لتصنع منهم شعراء، وتفتح أبوابا لا يمكن إغلاقها بوجه الدخلاء على العملية الإبداعية، ومن ناحية اخرى فهناك مؤسسات ومراكز ومواقع واتحادات رصينة تكرّم من يستحق من الادباء والفنانين على مجمل نتاجهم الفني والأدبي.

راضي المترفي: لمن تتوقع الغلبة بعد نشر هذا الحوار للغاضبين من صراحتك او للفرحين بها؟

سعدي عبد الكريم: اعتقد جازما.. بأن من يعرفني، ومن لا يعرفني وفي منحوته الإلهي (العقل) بذرات التفتح، وومضات الوعي، والمتصالح مع نفسه سيكون فرحا بصراحتي ومسرور بها، أما الدخلاء والطارئين فلا اعتقد إلا عكس ذلك.

راضي المترفي: هل تشعر انك من خلال هذا الحوار بالحرج او انك في ورطة؟

سعدي عبد الكريم: لا أخفيك سرا.. ارهقتني بأسئلتك التي لا تخلو من المباغتة، والمراوغة، حتى انك استطعت توظيف منافع مهارتك الصحفية للكشف عن الخفايا والأسرار التي احتفظ بها داخل مباهر عقلي فانتزعتها عنوة.. وهذا ليس غريبا عليك أيها المترفي النازع للاعترافات تحت مقصلة الأسئلة الفطنة.

ربما لا احتاج لكتابة خاتمة لحواري مع المتنوع ادبا سعدي عبد الكريم لعدم بقاء في القوس منزع عدا شكري وامتناني له على صراحته وسعة صدره والرد على اسئلتي باريحية.

 

حاوره: راضي المترفي