 حوارات عامة

حوار مع الشاعر المغربي عبد الرحمن حمومي (عبد الرحيم حمو)

3668 عبد الرحمن حموميعبد الرحمن حمومي (عبد الرحيم حمو) شاعر مغربي  ينتمي إلى تلك الفئة من الشعراء التي لا تستغويها الأضواء فتلوذ إلى الشعر لتبني من الشعر نوافذا للإطلالة على كل يعتمل في الذات والواقع والقصيدة .

وحتى تكون له عين شعرية غير عادية ليرى أشياء أخرى لا يمكن أن يراها إلا الشاعر الذي يستطيع إقتحام الأماكن الجديدة في اللغة اختار يجترح لنفسه منذ الثمانينات إلى الآن منطقة التأرجح الممكن بين الحضور و الغياب والإسم المستعار والإسم الخاص وبين الزهد في  النشر

كان لنا لقاء معه على هامش حفل توقيع لإصداره الجديد " منذ ما يقرب من كوكب " نظمته جمعية مقدمات للابداع والثقافة بتاونات بمناسبة اليوم العالمي للشعر .

س: كبداية لهذا الحوار كيف يوجد عبد الرحمن حمومي حيزه الشعري ضمن هذه التأرجحات التي تتوزعه  بين الإسم عبد الرحمن حمومي و عبد الرحيم حمو وبين الصمت والكلام والحضور والغياب كفعل ورد فعل؟ فهل وجدت حيزك الشعري  أم لازلت في طريق البحث عنه؟

ج: مساء الخير يسعدني أن استجيب للدعوة الكريمة من جمعيتكم التي يقودها الحلم والطموح لترسيخ الفعل الإبداعي والثقافي بثراء تعدده وتنوعه بدء يمكن القول أن عبد الرحيم حمو كإسم هو مغربي يجمع بين العربي والأمازيغي أو بعبارة أخرى هو إصرار على مغربيتي وعربيتي المغربية وهو لا يخلو من بعض الأسطرة الذاتية فهو تيمن بأحد الشرفاء الحموميين الذين انزووا عن القبيلة وراح إلى الأحراش ليبتني له كوخا متواضعا وكان يلقب بسيدي حمو مداح كان لا يتوقف عن امتداح الرسول في إطار زاهد وقانت وقتها كنت مراهقا وأزور العائلة لكني كنت أهيم بين الأحراش متوعدا بأصوات اليمام والعصافير وخرير الجداول وكنت أصطاد الكلمات التي تتطاير أمامي وتطير عقلي وكنت معتادا على دندنة ما أكتبه لدرجة حفظه تماما وتنقيته حتى يتلاءم مع إيقاع النفس والأخيلة....

وقتها كنت قد عبرت مرحلة الموهبة الطفولية التي انبثقت في تزامن مع عشق القرآن الكريم والشعر القديم والحديث وأجواء جبران خليل جبران وبشارة الخوري والشعر العراقي بعظمته كامتداد للقصيدة العربية القديمة العصماء لم يبرحني حمو ولم ابرحه بل فقط عاد المرخم ليكتمل من جديد في عملية مصالحة للحروف مابين الرحمن والرحيم وحمو وحمومي لم يحدث أي تشبه باسم شرقي  بل كما أسلفت الابقاء على البصمة الأصلية هذا فقط ما يتعلق بالشكل أما المحتوى فيتعلق بمحاولة كتابة قصيدة تنتمي لي دون أن تنكر تأثرها بقراءاتي المتواضعة للشعر والادب والمسرح .3669 عبد الرحمن حمومي

س: تنتمي تجربتكم الشعرية إلى جيل الثمانينيات الذي بصم القصيدة المغربية والعربية بمجموعة من البصمات والسمات  التي كانت لها الأثر البارز في إخراج القصيدة من حالة شعرية تتماهى مع السائد في ذلك الوقت من القضايا التي طبعتها الإديولوجيا والسياسية وغيرها....

فما هي الرؤية التي حاول جيل الثمانينيات بلورتها شعريا بصفتك كأحد المنتمين إليه؟

ج: أتذكر أن مصطلح جيل  بنفسه لم يكن ليعبر تماما عن المراد قوله عن تجربة الكتابة الشعرية وإنما هو نوع من التحقيب إنما يمكن بالمقابل الاحتماء بالمتابعة النقدية التي كانت يومها تعرف فورة مهمة باعتبار أن تلك الفترة التي عرفت أحداثا هائلة نذكر منها أصداء الهزيمة وأثرها على الوعي العربي وانعكاسه على الكتابة وبالتالي ازدهار النقد والنقد الذاتي وهي ظاهرة صحية على كل حال أعود لسؤالك اذا افترضنا جدلا أن ثمة أجيالا للكتابة فإن التداخل بينها قائم لا يمكن بأي حال فصل تجربة السبعينات فصلا قاطعا عن تجربة الثمانينات ولكن يمكن الاشارة إلى نزوع الشعر المغربي في الثمانينات إلى نوع من التخلص من الأثر الشرقي على القصيدة المغربية ومن ثمة ظهور مصطلح آخر لتوصيف الظاهرة وهو: " الحساسية الجديدة " أذكر أحد النقاد ( العياشي ابو الشتاء ) كان قال تعليقا على أحد نصوصي التي نشرتها بجريدة " المحرر"1979  تحت عنوان:"ثلاث قصائد" أنه قال ما يلي:" اعطني حساسية متفردة وأطح بنظريات النقاد" هذا فقط لتوضيح ظهور مصلح " الحساسية الجديدة " خلال تلك الفترة كان ثمة أصوات شعرية مهمة مختلفة عن الكتابة السبعينية المتراوحة بين النفس الإيديولوجي والنضالي المتأوه  قلت ظهرت كتابات تلتفت الى التفاصيل وإلى مساءلات وجودية وفنية بمنزع تجريبي منفتح على التجارب الغربية والنهل منها والإستفادة من الترجمة أقول على سبيل المثال لا الحصر الشعراء: مبارك وساط/إدريس عيسى / عبد الرحيم حمو/ أحمد بركات/ وفاء العمراني/ الخ ...) من هنا يمكن القول أن مؤشرات التجاوز للجيل السبعيني ابتدات بالكتابة الإشكال وفي هذا الإطار لا ننسى الأثر المهم لتجربة مجلة " شعر" وبعدها " مواقف' في الإنفتاح على الكتابة كأفق معرفي وتعميق الإحساس بضرورة الإنخراط في المغامرة الشعرية شكلا ومضمونا نظرا لأن الكتابة التقليدية كانت قد تم زحزحتها مع الجيل الأول من الشعراء المصريين واللبنانيين والفلسطينيين والعراقيين بالنسبة للمغرب العربي فقد كانت أصوات الشعراء غير مؤثرة وربما تبحث عن اعتراف مشرقي ...

س: في قصائدكم الموزعة بين ديوانيكم صباح الخير أيتها المرارة وما يقرب من كوكب يوجد تعالق بين الرفض و الألم ما الذي يريد عبد الرحمن حمومي قوله شعريا  من خلال هذا التعالق؟

ج: لا أخفيك سرا إذا بحت لك ببعض الصعوبات الموضوعية التي منعتني من إصدار باكورتي الأولى في العقد الثمانيني رغم نشر العديد من النصوص في الجرائد والمجلات المختلفة وقد أدركت فداحة الأمر بعد ذلك لأن تلك النصوص تشهد على مرحلة مهمة جدا في مسيرتي الإبداعية والتي للأسف لم يتم توثيقها ضمن إصدار في مجموعة أو مجموعتين على الأقل وهكذا فإن العديد من مجايلي سجولوا ماكتبوا وتم احتسابهم كذلك كأصوات ثمانينية بعدها أصبحت زاهدا في النشر تقريبا أو قل يائسا وفي هذا الإطار تأتي مبادرة" الغارة الشعرية" التي ساهم فيها شلة من الشعراء المعروفين حاليا: سعد سرحان/ عدنان ياسين/ رشيد نيني / عبد الرحيم حمو/طه عدنان/ جمال أماش /والفيلسوف عبد العزيز البومسهولي كنوع من الإحتجاج على صعوبات طبع كتاب وفي هذا الإطار تم توزيع اول مخطوط للغارة الشعرية كمجموعة شعرية وهو لي تحت عنوان: "مذبح المرئي' والذي توصل به العديد من الشعراء العرب على رأسهم أدونيس ... بعدها انفرط العقد واختلى كل بكتابته فأصدروا العديد من المجموعات بعد ذلك أما عني فأصدرت أول مجموعة رسميا من طريق وزارة الثقافة المغربية سنة  2009ولولا تشجيع صديقي إبراهيم ديب ما فعلت ذلك بعده قيل انه كان سيفوز بجائزة بيت الشعر ولكنه لم يحتو سوى على ست نصوص وهو عدد ضئيل لا يسمح بذلك ومع ذلك تم التنويه به كشكل جديد من الكتابة الشعرية التي تحاول مساءلة الكتابة ذاتها بلغة شعرية مسافة التوتر قائمة وكتابتي تنحو منحى التكثيف واختيار كلمات بعينها من ضمن مرادفات عدة أنها محاولة لكتابة قصيدة النثر دون التفريط بايقاع نفسي لاهث غير مطمئن لأي شيء مثال نصوص: انفلاتات شرسة/ مجد البداهة/ صباح الخير ايتها المرارة....... بعدها تاتي طاحونة المحو على اساس التفكير في نصوص متخففة من المساحيق المتعارف عليها الى نصوص تسعى الى اشراك المتلقي في متعة الكتابةومحاولة تكسير الجدار اللغوي الذي لا يصيب في الأخير     هدفه والمتمثل في الأثر (impact)  في هذا السياق وبعد سنوات عديدة وبعد التفكير بروية في الأمر اهتديت الى الشكل الذي رايتموه في إصداري الأخير:" منذ ما يقرب من كوكب "

س: يلاحظ في لغتكم الشعرية بروز جلي للتشظي لماذا هذا الإتكاء على التشظي هل هي محاولة لقول بعض الأشياء من خلال التشظي؟ أم دعوة لتوريط القارئ في فعل قرائي عميق وندي؟

ج: اولا يجب تحديد مفهوم ما المقصود بذلك: هلى تشظي لغوي وتاتاة؟ هلىتشظي شكلي ومعانقة الصمت والبياض. المفهوم شاسع ويحتمل الكثير من التاويلات .ومع ذلك ساحاول مقاربة المفهوم من خلالل تجربتي في الكتابة الشعرية. بدءا نحن نعيش التشظي في زمن لم يعد يصغي كثيرا ولكنه يضيع في بحر الصور وتواليها اللانهائي والكتابة الشعرية في نظري تواكب ذلك بنفس لاهث وكانك تعدو بصوب الخيط الذي يتلاشى عند كل منعطف ما يتبقى هو الاثر الثمالة الرائحة الندوب الاهة الانين الفقدان اليس كل هذا تشظي اما كتابة فان الابقاء على صنبور التداعي متدفقا وتحليق المخيلة هو بالذات ما يجعل المعنى يتخلق في السيرورة والصيرورة اما المعنى القبلي المؤطر في صندوق ذهني ولغوي فلن يقول اكثر من متوالية دورانية غير مدهشة وغير محفزة . يمكن الذهاب ابعد للنظر الى الشعر كفعل تجديدي غير قابل للاحتواء مفتوح علىما يقدمه العالم من حقائق وتساؤلات في نظري بالامكان الابدع مما كان شريطة الدرايةمع التجاوز مع القلق الدائم .3670 عبد الرحمن حمومي

س: كيف تقيم تجربتك الشعرية شخصيا منذ التورط في الشعر إلى الوقت الحالي؟ هل أنت راض على تجربتك الشعرية ام لا؟

ج: ممكن القول ماذا أقول؟ ما أريد قوله وقلته في حوارات سابقة هو أن البحث عن الجدة بكسر الجيم ليس هو بالضرورة تحققها والمسؤولية شاملة فيما يتعلق بالمتابعات النقدية وهذا واقع ليس فقط بالنسبة للشعر بل بالنسبة للقصة والرواية وغيرهما بالنسبة لي لا أعتقد بأن ما أنجزته كاف ولكن الهدف هو المسعى للسير وليس الوصول على المستوى النفسي شيء واحد راض عنه هو أني لا أتكرر وحتى بالنسبة للنصوص فكل نص مستقل بتجربته رغم ما يمكن أن يقال عن ناظم رؤيوي واحد أعتقد أن على الشاعر أن يكون يقظا مثلما هو الشعركما يتجلى في الطبيعة والأشياء وإلا يستكين الى قاموس جامد أوقواعد نمطية وهذا الأمر تنبه له كل شاعر ذي موهبة وراح يحفر في أخاديد اللغة والصياغات والإستعارات والمجازات يحلو أن أكتب كما تشاء حالة الإشراق التي تحل في كمارد فاغدو أشبه بأوتار تلامسها ريح المخيلة المهم أن أكون قادرا على كتابة أحلامي وهواجسي الفكرية والجمالية كما تنطبع في قلبي أما عدا ذلك فغير مهم على الإطلاق .

س: كيف تقيم الحصيلة الشعرية المغربية منذ التأسيس للحداثة الشعرية بالمغرب إلى الوقت الراهن في منجز قصيدة التفعيلة و قصيدة النثر  مقارنة بالحصيلة الشعرية بالمشرق؟ هل استطاع الشعر المغربي أن يقول شيئا أم لا؟

ج: لست في مستوى أكاديمي يسمح لي بتقييم موضوعي وعلمي لظاهرة الشعر المغربي المعاصر ويمكن في هذا الإطار الإستشهاد بأطروحة الشاعر محمد بنيس حول ظاهرة الشعر المغربي المعاصر وكذلك المرحوم الشاعر عبد الله راجع في أطروحته: " الشعر المغربي المعاصر وبنية الشهادة والإستشهاد " وكثير من الدراسات الجامعية والأكاديمية المتخصصة ولكن هذا لا يمنع من أن ادلي برأيي في الموضوع والذي يمكن استنباطه من الأجوبة السالفة الذكر يمكن القول في البداية أن الشعر المغربي الحديث كما ظهر في الستينات كان متأثرا بالمد الوطني ومن ثمة التحولات الإجتماعية والسياسية ولكنه متنا كان متأثرا بالتجربة المشرقية ولنا في ذلك العديد من الأمثلة لا الحصر: المجاطي في ديوان " الفروسية " مثلا/الرباوي / محمد الطبال/ الزيتوني/محمد الطوبي ... وقد تراوحت كتابتهم شكلا مابين القصيدة العمودية وشعر التفعيلة/ محمد بنيس / عبد الله راجع/ محمد بنطلحة  أمينة المريني وكذلك قصيدة النثر كما ظهرت لدى وساط امبارك/ وآخرين عموما يمكن القول وبكثير من الثقة أن تجربة الثمانينات "أسست" لنمط أكثر تحررا وأكثر جرأة على مستوى الشكل كما على مستوى المحتوى فوجدنا تجارب متنوعة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: كتابات عبد الله زريقة /الهايكو المغربي مع سامح درويش/ الكتابة الشذرية كما لدى سعد سرحان وجمال أماش وعدنان ياسين ومحمد بودويك وعبد السلام المساوي ولفيف من الشعراء يكتبون ويبدعون . التجربة المغربية في الكتابة الشعرية في حاجة الى الإنصات في حاجة الى الحب في حاجة الى متابعات نقدية وأكاديمية جادة فالفورة الرقمية فرضت أنماطا من القول جديدة فيها الجيد وفيها الأقل جودة والرغبة في التواصل يفرض أيضا التعاطي مع كافة الحساسيات وفي هذا الإطار أنوه بالأعمال التي يقوم بها الشاعر السوريالي المغربي الكبير مبارك وساط فيما يتعلق بالترجمة من لغات أخرى واليها . الشعر في نظري تجربة حياة وليست وسيلة لاعتراف أجوف .

* كلمة أخيرة

ج: شكرا أستاذ محمد على إتاحة هكذا فرصة للتعبير عما خالجني ويخالجني في رأيي المتواضع والمحبة لكل من يسهر على تبيىء العمل الثقافي وإدماجه اجتماعيا بهدف تهذيب الذائقة والسلوك وتحصين الشخص من أي منزلقات وتهييء الأجيال الشابة لتبني قيم المواطنة والإعتراف بالمختلف والإعلاء من حرية التفكير باعتبارها الوسيلة الوحيدة للنهوض بالوطن الى مراتب معتبرة بين الأمم  والسلام عليكم .

***

حاوره محمد العزوزي المغرب

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5729 المصادف: 2022-05-13 03:44:46


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5740 المصادف: الثلاثاء 24 - 05 - 2022م