تقارير وتحقيقات

أبو الحسن الجمال: الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية للكوارث الطبيعية في بلاد المغرب والأندلس

من الفتح الإسلامي حتى سقوط دولة المرابطين

في عرس جديد للدراسات المغربية والأندلسية، نوقشت مؤخراً في كلية دار العلوم بجامعة المنيا رسالة دكتوراه بعنوان "الآثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية للكوارث الطبيعية في بلاد المغرب والأندلس من الفتح الإسلامي حتى سقوط المرابطين" للباحث وليد محمد توفيق أحمد، بإشراف الدكتور أشرف سمير توفيق، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المساعد بكلية دار العلوم جامعة المنيا، وناقشها الأستاذ الدكتور صلاح سليم طايع، أستاذ التاريخ الإسلامي وعميد كلية الآداب بجامعة جنوب الوادي بقنا، والأستاذ الدكتور نصاري غزالي أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية دار العلوم بالمنيا، وقد أثنى أعضاء لجنة المناقشة على المجهود الذي بذله الباحث في الرسالة، حيث امتلك الباحث أدواته في البحث التاريخي من الوثائق والمراجع والمصادر العربية والمعربة واستعان أيضاً بالمصادر الأجنبية التي تخص الموضوع ووظفها بدقة، واستعرض الباحث الدراسات التي سبقته في موضوعه هذا، وهي مقالات وأبحاث صغيرة لم توف الموضوع حقه، فشمر عن ساعد الجد وواصل الجهود حتى توصل في النهاية إلى نتائج جديدة.

وفي السنوات الأخيرة ركز الباحثون في مجال تاريخ المغرب والأندلس على الجوانب الحضارية المشرقة ودراسة الظواهر الاجتماعية، في حين ظلت بعض القضايا الأخرى بعيدة عن مناطق الضوء ودراسات الباحثين.

ويقول الباحث في مقدمة الدراسة: "ومن المعلوم أن بلاد المغرب والأندلس قد شهدت العديد من التحولات والأزمات والانعطافـات الحاسمة التي كان لها تأثيرها الواسع والملموس على الأوضاع السياسية والحضارية ً معا في بلاد المغرب، ومـن هـذا القبيـل كانـت ظـاهرة الكـوارث الطبيعيـة في بلاد المغرب وتتمثل هذه الكوارث في موجات الجفاف والمجاعات والأوبئة والزلازل والسيول والفيضانات والآفات الزراعية وما إلى ذلك. ولقد تعرضت بلاد المغرب والأندلس − كغيرها من البلاد الإسلامية − للعديد من الكـوارث والجـوائح التـي كانـت تلـم بهـا مـن فـترة لأخـرى; ً فأحيانـا كانـت الـبلاد تتعـرض للقحط الذي يحدث إما لانحباس الأمطار أو لتأخر سقوطها عن موسم البـذر فينـتج عـن ذلك شح الغذاء وندرته مما يسبب المجاعات التي يصاحبها في الغالـب الأوبئـة والأمـراض الفتاكة، وفي أحيان أخرى نجد ً وضعا ً مغايرا لذلك حيث تشهد البلاد سلسلة مـن الأمطـار الشديدة المتصلة والعواصف الصاعقة والرياح مما يسبب السيول والفيـضانات التـي تجتـاح البلاد مسببة الغرق والـدمار لمختلـف المنـشآت العمرانيـة، كـما تـؤدي إلى إتـلاف المحاصـيل وجرف التربة وبوار الأراضي الزراعية.

ثم يذكر أن هذه الكوارث قد شكلت خطراً حقيقياً هدد حياة السكان في المغرب والأندلس، وكذلك أثرت أشد التأثير على مجريات الأحداث، وكان لها انعكاساتها وتداعياتها الوخيمة على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية والعمرانية، بل إن تأثيراتها السلبية امتدت لتشمل الحياة العلمية والثقافية في المغرب والأندلس.

والجدير بالذكر هنا أن الكوارث الطبيعية على الرغم من الدمار التي تخلفه بعد حدوثها، ولكن نجد هناك جانب إيجابي وهو الوعى لدى الإنسان إذ يعمل على كيفية معالجة هذه الكوارث بالحلول العلمية، وكيفية أخذ الحيطة والحذر عند تكرار هذه الكوارث، لذلك فهي تعمل على تنمية القدرات والوعي في المجتمع.

وقد عزى الباحث إلى أن حدوث المجاعات راجع إلى عاملين أساسين هما: عامل بشري من صنع الإنسان، يتمثل في فرض الضرائب على الرعية، وكذلك الحروب والفتن التي تقضى على الزرع، وتثير حالة من الزعر بين الناس، مما ينتج عنهما عزوف الناس عن الفلاحة، مسبباً أزمات اقتصادية، وحدوث غلاء في الأسعار، وقد يصل الأمر لحدوث مجاعات، أما العامل الثاني فهو العامل الطبيعي الناتج عن تذبذب في المناخ، لأن كثرة الأمطار أو قلتها ينتج عنها حدوث مجاعات، وغلاء في الأسعار، وكذلك السيول، والأوبئة، وانتشار الجراد، وكافة الكوارث الطبيعية التي غالباً ما كان ينتج عنها مجاعات.

ثم أكد الباحث أن الكوارث الطبيعية قد أثرت في حدوث حالة من عدم الاستقرار السياسي، بحدوث الفتن والثورات التي صادفت وقت حدوث المجاعات وبعض الكوارث الطبيعية، فقد استغل بعض المتمردين على الحكومات حدوث الكوارث الطبيعية، وقاموا بالثورات، وإثارة الفتن والقلاقل. كما أن بعض الكوارث الطبيعية قد أثرت على الجيوش، وخاصة السيول والأوبئة، وعملت على إيقاف الحروب، أو الانسحاب من المعركة، أو انقلاب مجرى أحداث الحروب من النصر إلى الهزيمة. كما تؤدي إلى إضعاف الدولة مما يجعلها فريسة سهلة للعدو، كما حدث في نهاية حكم الولاة العباسيين في الأندلس بحدوث المجاعة التي أضعفت من قوة الجيش، وهجم النصارى على الثغور الشرقية للأندلس، وحدث مرة أخرى في المجاعات والكوارث التي وقعت في عهد ملوك الطوائف بالأندلس.

وأكد الباحث أن الحكومات في المغرب والأندلس قد تصدت لبعض الكوارث الطبيعية أما بتقديم يد العون للناس، أو ببعض التقنيات الأخرى مثل إقامة السدود، وتنظيم مشاريع الري، وتخزين مياه الأمطار، كما تم استحداث نظام الخطارة وهو نقلة جيدة في نظام جلب المياه، كما أن الحكومات عملت على فرض الأمن في زمن الكوارث.

وتوصل الباحث لنتيجة مفادها أنه في وقت الكوارث تحتفى الآفات الاجتماعية مثل السرقات والقتل، والغش، والاحتكار، وقطع الطرق ويظهر الجانب المضيء في حياة الناس من التكافل والتعاون والرجوع إلى الله والخوف من عقابه، كما أنها تُظهر الجانب الاجتماعي المتمثل في التضامن المجتمعي، وكذلك تعمل على تشجيع البحث العلمي، وتطوير منظومة الطب، واستحداث أساليب جديدة للتصدي للكوارث الطبيعية، وظهور الفقهاء والأولياء في زمن الكوارث للتخفيف من حدتها على نفوس الناس، أما بصلاة الاستسقاء، أو بإصدار الفتاوي، أو بالتصدق على الفقراء والمساكين.

وأكد أن الكوارث الطبيعية أدت إلى حدوث تغيرات ديمغرافية في بعض البلدان المغربية والأندلسية، بسبب موت الكثير من السكان، أو هجرة السكان إلى مناطق أخرى بحثاً عن الطعام، مما يؤدى إلى حدوث خلل في المناطق المهجورة، وكذلك المناطق المهاجرين إليها، فتؤدى إلى خراب الأولى، وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الثانية، يزداد الطلب على المواد الغذائية، فتزداد الأسعار لكن بدرجة متفاوتة على حسب أهميتها، ويتصدر ذلك القمح والشعير نظراً لأهميتهما، مما دفع بعض الحكومات إلى التدخل في تحديد الأسعار في وقت الأزمات . كما تؤثر على التجارة بشكل عام من تهدم الاسواق، وقطع الطرق التجارية أو تخريبها من جراء السيول وقطاع الطرق، وهدم الفنادق والحمامات.

وبعد هذا بعض من كل ما ذكره الباحث في هذه الرسالة، ونتمنى أن نراها مطبوعة في كتاب عما قريب حتى يتسنى للباحثين الاطلاع عليها والاستفادة منها.

 

عرض/ أبو الحسن الجمال- كاتب ومؤرخ مصري

 

في المثقف اليوم