تقارير وتحقيقات

جامعة ميسان واتحاد أدبائها يحتفون بالشاعر د. سعد ياسين يوسف

3779 سعد ياسين- الشاعر المحتفى به يعانق أشجار طفولته وقصائده الأولى...

احتفت جامعة ميسان بالمنجز الإبداعي للشاعر الدكتور سعد ياسين يوسف لمناسبة صدور مجموعته الشعرية السابعة الأشجار تحلق عميقاً في جلسة أقامتها كلية التربية الأساسية في قاعة المعرفة في الحرم الجامعي وذلك بالتعاون مع اتحاد أدباء ميسان وحضرها جمهور من الشعراء والمثقفين وأساتذة النقد الأدبي وطلبة الدراسات العليا في قسم اللغة العربية في الجامعة .

 وأفتتحت الجلسة بكلمة لرئيس قسم اللغة العربية في كلية التربية الأساسية الدكتور قاسم القرشي قال فيها:

 انه لمن دواعي فخري واعتزازي وسروري أن يلتئم شملنا اليوم مع نخبة من حملة الفكر والهم الإنساني والإبداع للاحتفاء بقامة ميسانية كبيرة ليس لي أن أشير إليها أو أن أدلَّ عليها فليس لمثلي أن يشير للشمس في وضح النهار، تاركاً المنصة للأساتذة النقاد ولأوراقهم النقدية للأضاءة عما خفي عنا من جوانب هذا الكوكب الميساني الكبير سعد ياسين يوسف فمرحبا بك سيدي الكريم في رحاب قسمك وكليتك وجامعتك شرفتنا بمقدمك الكريم .

 قدم بعدها الشاعر والناقد نصير الشيخ الذي أدار الجلسة السيرة الإبداعية للشاعر المحتفى به وأبرز منجزاته واحتفاء الأوساط العراقية والعربية بمنجزه وقال:

نلتقيكم اليوم بنشاط مميز هو ثمرة يانعة من جهد متميز بين جامعة ميسان واتحاد أدبائها هذه الأصبوحة التي يحضر فيها الشعر متدفقا من نهر شاعر الأشجار ويزخر فيها نبضه كشفا جماليا للقصيدة ، هذه الاصبوحة تأتي لتأكيد أن الشعر حقل أخضر والنشاط الأجمل الذي يعيد لنا بهجة الحياة وعنفوانها ويسكت أبداً أصوات الاستلاب ومحو الهوية ،ولذا سيكون الشعر حاضراً متدفقا ، كيف لا وقائله ابن مدينة العمارة وأزقنها ومقاهيها ومكتباتها ، ففي كل ركن من محلة القادرية كان قد زرع رسالة حب مؤجلة وعند كل زقاق أليف كانت له أبتسامة موزعة على أبواب البيوت ومابين كنيسة أم الأحزان حيث المحبة وخطاه في شارع التربية ومحلة التوراة والحروف الأولى في قاعات المكتبة المركزية والصحف الأولى عند المكتبة العصرية كان شاعرنا يجد ذاته برفقة أصحابه رفقاء الدرب الحاملين لمشعل القصيدة والأمنيات .

قدم بعدها الشاعر كلمة شكر لمدينته ولجامعة ميسان واتحاد الأدباء والكتاب فيها وللحضور وقال:

العمارة تجري في دمي نبضاً ونوراً أحمله معي حيثما كنت في العراق أو في خارجه وتولد في كل قصيدة ٍ أكتبها .

ثم قرأ الشاعر المحتفى به عدداً من قصائدهِ التي تفاعل معها الجمهور لتبدأ القراءات النقدية .3780 سعد ياسين

- أ. د . سمير الشيخ أستهل القراءات النقدية بقراءة نقدية بعنوان (نظرة سيميائية في أشجار سعد ياسين يوسف) جاء فيها:

 (السيميائيات) الدراسة الفاحصة لطبيعة العلامات وأشكالها ووظائفها، بمعنى وصف وتحليل وتأويل بل ومقارنة علامات الحياة، وفي مقدمة علامات الوجود (الشجرة) التي تمحورت حول رمزيتها الفلسفات والأديان والآداب،فيما تغدو االعلامة محور الدرس السيميائي. العلامة الشيء الذي يوميء إلى شيء في العالم المادي الخارجي. والعلامة تغدو رمزاً إن هي أرتبطت يثقافة إنسانية متاحة. بهذا التصور، كانت (الشجرة) وماتزال مصدراً للمعنى الرمزي عبر الثقافات الإنسانية، هذا الجذر المتجذر عميقاً في الأرض وتلك الغصون الطليفة التي تكاد أن تعانق ثغر السماء يعطي الشجرة ذلك التناظر الذي يسبغ على وجودها معنى في الأساطير.والسيميائيات في أحد أشكالها المعرفية (فلسفة المعنى). ففي الأساطير الكونية تُعد الشجرة تمثيلاً أو ترميزاُ للحياة والقوة والرخاء. ولعل من أقدم الرموز للشجرة هو أنها تمثيل للنماء الجسدي والروحي بل الحرية والخصب. والشجرة قد توميء إلى الأنوثة في إحدى صورها الرمزية نظراً لإغصانها الطوال وأورقها الدالية، فيما يظل الجذع ترميزاً للفحولة.

لقد كان ظهور الأديان التوحدية التحول العظيم في رمزية الشجرة. ففي (الإنجيل) برز مفهوم (شجرة الحياة) Tree of Knowledgeفي (جنة عدن) والتي يظل مكانها (ميسوݒوتيميا) أو (بلاد ما بين النهرين)، وهي ترميز للحكمة مثلما هي ترميز للإغواء الشهوي والخظيئة. أما في خطاب (الكتاب المنير) حيث (جنة عدن) مسكنها السماء فإن علامات المشهد المقدس (الشجرة / الأفعى / التفاحة) والخصف على السوءة من لدن (آدم) و (حواء) لا تبتعد بعيداً عن فعل الإغواء الجسدي. والمساءلة الآن: ما رمزية الأشجار في (الأشجار تحلق عميقاً) ؟

هذه النظرة السيميايئة العجلى لا تروم البحث عن المعنى الرمزي لشجرة الشاعر (سعد ياسين يوسف) قدر ما تبغي الربط الخاطف لمعنى الشجرة بمسالك الوجود. فالشعر في معتقدي ثقافة تجري مجرى الصور، والعلامة شكل ثقافة قدر ما هي شكل معنى. في البدء، يرتبط الكون – الشجرة بمبدأ (الحب)، الجوهر الفلسفي الذي نادت به الإفلاطونية منذ أقدم الأزمنة:

(تتمايل في حضرتك ملايين الأشجار

رافعة كل غصون الورد

الأعشاش ، عصافير البهجة،

أطراف كفوف أرز الرب)

(محاولة ليست أخيرة، ص 22-23)

**

إن روح الحب يبعث في علامات الطبيعة سرانيتها وقوتها في الوريق الأبدي، وتقنة (التشخيص)، أي إضفاء السمات البشرية على الكائنات الطبيعىة من قبيل (أطراف كفوف أرز الرب) تسبغ على تلك الكائنات ذياك التوهج الذي لا يهدأ. لكن شجرة الشاعر لا ترتبط بماهو تجريدي حسب، بل أيضاَ هو ثقافي ما ثل في الذهن وفي السمع: أنها الموسيقى:

(حين أرتقيتِ

سلم شجرتي

شددنا معا وتر الغصن السادس

فتبسم "زرياب"

لتهبط علي الملائكة

وأنا في محراب التوهج

أنتظر نجمك المتلإليء

يمطرني بفراشات الضوء

بغيوم الأغاني الهاربة

عمداً إلى التيه

مع صوت تنفس الصبح

إذ نتوضأ بالدهشة.)

(شجرة العود، ص 26)

**

 لا يحتاج العقل الناقد إلى مزيد من المعرفة لإدراك العلامات الموحية بالفضاء الموسيقي (سلم / الوتر / زرياب)، غير أن المقطع الشعري بكليته يشكل (إستعارة ممتدة)، فثمة صور شعرية دافقة تتجاوز البيت الواحد لكأنها تيار مائي موار لا ينتهي إلا حين يبلغ مبتغاه. هذه البنبة الخطية تشهد تحولاً في المعنى تحيد عن لغة الإحالة لتدخل مدن المجاز الغرائبية التكوين. لنقرأ ثانية (يمطرني بفراشات الضوء / غيوم الأغاني الهاربة / صوت تنفس الصبح). هذه الدفق الصوري ليس بالمتاهة اللسانية أو الرطانة المتهافتة، بل ثمة دفق شعوري خبيء يقود قياد العلامات صوب الخلق الشعري السادر.

يرتبط الكون – الشجرة بالإنسان، صورةٍ الإله في الأرض، الإنسانِ الباحث عن وطن ليغدو بعد حين أبتسامة من دم أو أغنية للرصاص:

(كم من الدم يلزم هذه الأرض

لتغسل عتمة الحزن

عن وجهها،

ظلام ألف عام

وعام ؟

ألا تكفي ابتسامات الدم

في صدورهم

حين تعروا للرصاص

الباحث عن وطن فيهم

في رحلتهم الأزلية

للبحث عن وطن !)

(عطر أور، ص 8-9)

**

 قد يغني المغني غربته أو النفي عن وطنه، ولكن كيف تغني دماء الوردة اليانعه في أرضها وهي تُسفك على مقربة من (مجسر الزيتون) صادحة بنشيدها البكائي الرثائي الحزين (أريــد وطن) ؟!3781 سعد ياسين

- الشاعر ماجد الحسن فقد قدم قراءة نقدية بعنوان (تداولية الحدث اليومي الأشجارُ تحلّقُ عميقاً أنموذجاً)

جاء فيها:

لابد من الإشارة إلى أن تداولية الحدث اليومي هي مفارقة رؤيوية فتحت أفقاً مهماً في مسار التشكيل الشعري الذي تغير في ضوئه المعنى الشعري الذي اقترب إلى هموم الناس وتطلعاتها، فما عادت الرؤيا المتعالية لوحدها تعمق النص بل اليومي صار الأكثر حضوراً فيه، بالشكل الذي صار فيه عنصراً من عناصر الشعرية، ومن مميزات النص الحداثي، هي الابتعاد قدر الإمكان عن التراكيب اللغوية الموغلة بالإبهام والاقتراب من الهامش والمهمل، يعني الاقتراب إلى اليومي بتبسيط لا يخل بالعمق، حتى ظهرت الى العيان ما يسمى بـ (القصيدة اليومية) التي لم يدرج عليها الشعر العربي القديم إلا بشكل مختصر ونماذج قليلة فرضتها طبيعة اللحظة الحياتية (الآنية) التي يعيشها الشاعر، وإن مثل هذا الوعي بكل ما هو يومي يمكن تلمسه وبشكل عميق وانسيابي في نصوص الشاعر سعد ياسين يوسف، وحصراً في مجموعته الشعرية الموسومة (الأشجارُ تحلّقُ عميقاً) التي تسعى إلى تجسيد مهيمنات مضمونية وتراكيب لغوية ذات نسق خاص ترصد من خلاله عمق اللحظة.

 إن انفتاح (الأشجار تحلق عميقاً) ينطوي على وعي كبير يكشف عن إشكالية حياتية وفي بعدها المغيب، وأن هذا الوعي أسهم بإنتاجية المعنى وتعميقه، واتساع فضاء الدلالات، فنصوص المجموعة برمتها تكشف عن المضمر في الحياة اليومية، فالشاعر جسّد هموم الناس وجعلها كامنة في النص، فالمجموعة عكست حقيقة هذه المقاربة وهي المطابقة الحية بين النص والواقع أي بين التجسيد اللغوي ومراحل الوعي بهذا الواقع،

 الواضح من استقطاب اليومي هو للكشف عن جواهر الأشياء، الجواهر الحية التي تحكم الحياة اليومية، التي لم تكن كشفاً عن (الأنا) المتعالية، بل الكشف عن (الآخر) المهمش، ومن هنا يتبين لنا علاقة الذات بالعالم وما طبيعة هذه العلاقة، فاليومي يعطي دوراً مهماً للوعي النصي، وما الأشجار إلا تخليق لهذا الوعي.

 إن الوعي باليومي الذي جسدته المجموعة الآنفة، يظهر لنا أن هناك حياة مهملة، فاستقطابها مطلب ضروري وأساسي في النص، فلم تعد العلاقة بين تشكيل النص وبين السياق اليومي علاقة عابرة، فهذه المقاربة تمكننا من تسليط الضوء على كل ما هو إنساني، مع إدراك المعاناة وتمفصلاتها الوجودية كبنيات نصية لها فعلها وحراكها، ومهما يكن من أمر فان النص إذا ما أراد اكتساب صفة الحداثة فعليه أن يفعّل تلك البنيات بوصفها جزءاً مهماً من الاستراتيجيات النصية.

 إن معطيات اليومي بوصفها وحدات تشي بتنوع مضموني لها أهميتها في تعميق رؤى النص، وهذا ما يمكن تلمسه في مجموعة (الأشجار تحلق عميقاً)، لكون هذه الوحدات لا تنتمي إلى نسق ثقافي أو اجتماعي واحد أو محدد فالمعاني تتعدد فيه وكذلك الدلالات، وعلى هذا النحو فان النص الشعري عند الشاعر سعد ياسين يوسف يكشف عن عالم الواقع من مكونات تتسق داخل شبكة مضمونية متجانسة، على الرغم من أنها تتسم بطابع الاختلاف والتحول،

 إذن مقاربة اليومي وتشكيلاته تعكس رؤيا النص وبنائه، وبهذا تصبح النصوص في مجموعة الشاعر سعد ياسين يوسف هو البحث الدائم عن تفاصيل هذه التشكلات مع إعادة اكتشاف كل ما هو مهمل فيها، فالتفاصيل اليومية التي يستقطبها النص وفقاً لخصائصه السياقية تمكنه من الكشف عن الحياة الإنسانية، ليجعل النص ليس تشكيلاً متعلياً فحسب، بل يجعل القدرة على الحفر في المناطق المغيبة وتحولاتها الوجودية، فهذه المقاربة هي رهان شعري ينفتح على عوالم كثيرة تعد أهم جزء في معطياته، لغرض تجسيد رؤية الذات عن العالم، وإن هذه الرؤيا تخضع لتحولات تنطوي على دينامية نصية .

- و قدم الشاعر حامد عبدالحسين حميدي قراءة نقدية بعنوان:

)يابس وأخضر وشجرتها)

قال فيه وحدة النصّ الفاعل حضورياً مدخل / عنونة المجموعة (الأشجار تحلق عميقاً) الجملة الاسمية التي فيها مدلول انشطاري متضمن احتمالية التعاكس مرة والترابط ثانية ، فالتعاكس بين صفة التحليق والتسامي الى الأعلى وبين النزول في العمق السفلي العكسي المتمركز ضمن بعدية محددة .. واحتمالية الترابط في صفة التحليق لكن ضمن مدياته العميقة والتوغل فيه ضمن مستويات علوية مترابطة . فــمفردة (عميقاً) يمثل الجذر القاعدي الثابت وقبولية المعقول ، بينما (التحليق) هو الجذر الحرّ المتفرّع الرافض ... وحدة النص الفاعل / ثمة ترابطية بين قصيدتين: الأولى (يابس وأخضر) والثانية (شجرتها) ، حيث تضمنتا كينونة الأم وما تمثله من بعد حياتي وارتباطي كبير ، حاول الشاعر سعد ياسين يوسف ، أن يجعلها مرتكزا ومنطلقاً للبعد الدال المتحرّك ضمن منحيين متقاربين مرة ومختلفين ثانية . (في يابس وأخضر) الأمّ صورة ذات معنى عام وشمولي ، إنها الأشجار / الأغاني / البلاد / بوابات أوروك / الحاضنة الحقيقية لولادة الفرح والحزن . لنجد أن الشاعر في عنونته هذه جمع بين نقيضين (اليابس) ضده (الأخضر) وبما يحملانه من دلالات بعيدة ... ثم نجد قدرة الشاعر وبراعته في تطويع الأفعال ضمن متدرجات متتالية ، (أنجبن / ثُكلن / أنكرنَ/ رحنَ/ يركضن) والتي منحت النصّ حالتين تصاعدية وتنازلية لتنتهي بنقطة وقوف ثابتة .. أمّا في قصيدة (شجرتها) المهداة الى (الأم) خاصة ، والتخصيص أحياناً يهدف الى التعميم والشمولية ، فالشاعر خاصّ بما يحمله ، عام فيما يبثه من جزئية ضمن المجتمع العام . هنا صورة (الأم) اختلفت عما في النص الأول ببعض المؤثرات الداخلية واتفقت معها في المؤثرات الخارجية ، حيث انطلق الشاعر معبّراً عن نص مفتوح ضمن مدارات (النور / الخضرة / قناديل البهجة / شط العمارة / سحابة / السماء / الأفق / الضياء / التمتمات المقدسة / الهلاهل) لنجد أن ادراكية الشاعر كانت ضمن مؤثرات باعثة للأمل والتفاؤل في بداية البؤرة الدلالية ، لكنها سرعان ما توحدت مع النص الأول (يابس وأخضر) في تقاربية الضياع والبحث والفقدان والدخول في متاهات يومية ضاغطة ، الضياع في النص الأول / استرجاعي لموروث قديم ، بينما في النص الثاني / ضياع حدثي يومي ، حينما صوّر لنا عن تعرضه للخطف من قبل امرأة غجرية خبأته تحت عباءتها السوداء ليدخل في ظلامية قطع الأنفاس وتلاشيها ، وبين لهفة (الأم) وحرقة قلبها وهي تركض هنا وهناك بحثاً عنه ، لتبرز قدرة الشاعر وبراعته في تطويع النص القرآني في وصفه لــ هاجر ع ، وهي تركض بحثاً عن الماء بين الصفا والمروة ، ليستقر الأمر بعودته سالماً ... إذاً / النصّان حملا اقترابية واحدة في البحث والضياع ، وباختلافية نصية العموم والتخصيص ، فالشاعر مدركٌ وموفق في توظيف الصورة الموحدة ذات التشظي المتفرع الموروث والحدث اليومي.3782 سعد ياسين

وتوج الشاعر رعد زامل جلسة الاحتفاء بقراءة نقدية بعنوان (للأشجارأيضا ... قداستها الخضراء في قصائد د . سعد ياسين يوسف)

جاء فيها:

 لم يشهد مشهدنا الشعري الراهن ترسيخا وتكريسا وإخلاصا لصورة الشجرة ورمزيتها وتحولاتها ودلالاتها في تجربة شعرية واحدة كتجربة الشاعر العراقي د . سعد ياسين يوسف . وسيجد الدارس والفاحص لنصوص شاعرنا أن هناك علاقة حميمية تربط روح الشاعر بالطبيعة هذه العلاقة التي تذكرنا بشعراء الحركة الرومانسية في الأدب الانكليزي خاصة في نصوص وليم وردزورث الأب الروحي للشعراء الرومانسيين .

في كل الكتب الشعرية التي أصدرها الشاعر د . سعد ياسين يوسف سترى أن مفردة الأشجار أو الشجرة هي قطب الرحى أو مركز العنوان .. بحيث شكلت هذه المفردة لازمة جمالية في معظم أسماء الكتب الشعري مثلا (شجر بعمر الارض \ الأشجار تحلق عميقا \ شجر الأنبياء \ الأشجار لا تغادر أعشاشها \ أشجار لاهثة في العراء\ أشجار خريف موحش) فالشاعر هنا يوزع اخضرار روحه على كل أغلفة الكتب مثلما يوزع الأب ملامحه ليورثها عنه الأبناء والبنات تلك هي سنة الحياة بين الناس وتلك هي سنة الشعراء والكتب . من هنا ندرك أن خضرة الشاعر سعد ياسين يوسف ليست خضرة عابرة إنما هي خضرة الوارثين ثياب الأمل وخضرة المانحين ظلالهم الوارفة للمتعبين على قارعة القراءة . وهي خضرة من يصنع من دموعه بلسما للمجروحين في دوامة الحب في حدائق القصيدة .

في واحدة من أجمل نصوصه يمنح الشاعر أمه لقبا جميلا إلا وهو (شجرة الأشجار)

(معَ أوّلِ صرخةٍ

وأوّلِ إبصارٍ للنورِ

كانتْ خضرتُك تُربّت على صدري

- أنْ لا تخفْ ....

وكلَّما أدلهمَّ ليلٌ

أضاءتْ أغصانُ شجرتِكِ قناديلَ

البهجةِ

فتنطلق الكركراتُ ....

ناعمةً بيضاءَ

مثل رفيفِ نوارسِ شطِّ العمارةِ    ....)

**

لقد ذبلت في عين الشاعر صور المدن التي سرقت عمره إلا أن مدينة الشاعر (العمارة) ظلت روحا تسكن ذاكرته الخضراء فراح يرسم أنهارها وأشجارها وسوقها العتيق وهو يمضي في حوارية مع الأم بصور شعرية لا تتكرر أبدا إذ يقول:

(ومازالتْ لهفتُكِ محفورةً

على جدارِ ذاكرتي الغضَّةِ

يوم غرقتُ في زحمةِ السُّوقِ العتيقِ

لتسرقَني عباءةُ الغجرِ*

كانَ الأسودُ يسرقُ صوتَي

وكنتِ كمثلِ "هاجرَ" تبحثينَ عن بريقِ وجهي

وأنتِ تركضينَ بينَ "مروةِ" مدخلِ السوقِ

"وصفا "نهايتهِ

حتى أشارَ لي الواقفونَ وأخرجوني

لينهمرَ نهرُ ضياعِك

يقيناً وعناقا ....)

**

هنا يستذكر الشاعر طفولته الخضراء ففي الثالثة من عمره حاولت غجرية ما أن تخطفه تحتَ عباءتِها... نعم لقد كانت سرقة الأطفال من عادات الغجر إذا مروا في المدن لكي يعلموه الغناء إذا اشتد عوده لكنَّ القصيدة قبل الغجر سرقت روح الشاعر سعد ياسين يوسف وعلمته الغناء على ضفاف الحنين عند أنهار العماره ... لتسرقه بعد ذلك الجميلات من النساء غير أن الشاعر ظل مسكونا دائما بطهر الولادة وقد استوقفته صورة الأم المتداخلة مع صورة مدينته الأم ليعلن أن كل صلاة لا ترسم بريق عيون أمهاتنا إنما هي صلاة باطلة قائلا:

(وحينَ كبرتُ

كتبتُ القصائدَ لنساءٍ كثيراتٍ

ويا لجحودي !!!!

لم اكتبْ لك ِ

إلا السَّاعةَ بعدَ أنْ أدركتُ

أنَّ القصيدةَ التي

لا ترسمُ بريقَ عينيكِ

يا أُمّي ....

صلاةٌ باطلةٌ

لن تبلغَ السَّماواتِ)

في مثل هذا النص وفي نصوص اخرى يطرز الشاعر مشهدنا الشعري بصورة الشجرة الراسخة في وجدانه الانساني العميق ولسان حاله يقول ان كل شجرة في حقل الوطن انما هي صلاة خضراء في محراب القصيدة .

جرت بعدها مراسم تكريم الشاعر سعد ياسين يوسف بشهادات تقديرية وبباقات ورد ودرع الابداع من اتحاد ادباء ميسان وجامعة ميسان كليىة التربية الاساسية .

قام الشاعر بعد ذلك بتوقيع مجموعته الشعرية السابعة وتوزيعها بيت الحاضرين ... شاكراً اتحاد ادباء ميسان ورئاسة جامعة ميسان وكل الأدباء من نقاد وشعراء أسهموا في إغناء الجلسة .

***

المثقف / ميسان

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5755 المصادف: 2022-06-08 02:57:20


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م