أوركسترا

تاريخ نشوء الأهوار

الأهوار: مستنقعات مائية تحتوي على نباتات القصب والبردي وتعد مكانا

ملائما لتكاثر وتربية الأسماك والطيور، وقد كانت هذه الأهوار وما زالت بيئة للسياحة والاصطياف وموردا اقتصاديا مهما، وجاء في المعجم الوسيط أن الهور (بحيرة تندفع إليها مياهُ غِياضٍ وآجامٍ فتتّسع ويكثر ماؤها)(1)، يعود تاريخ نشوء الأهوار إلى  ما قبل خمسة آلاف سنة، وإن التسمية للأهوار جمع هور: وهو المنخفض من الأرض يجتمع فيه الفائض من مياه النهر والترع والمبازل مكونة بحيرات مختلفة الأعماق، تتصل فيما بينها بقنوات تسمى بالمصطلح والعرف الأهواري (الكواهين) جمع (كاهن)(2) وهذه الكواهين هي الممرات المائية التي يتنقل فيها سكان الأهوار بين قراهم، أو هي الطريق أو المسلك العام الذي يربط قرى الأهوار بقرى الأرياف المحيطة بها، ثم بالقصبات والمدن الصغيرة التي تزودهم بما يحتاجون إليه من طعام وملبس، وهذه الكواهين العميقة نسبيا عن قاع الهور لا ينبت فيها لعمقها شيء من القصب والبردي، لذلك فهي واضحة المعالم بين الغابات المحيطة بها.4282 اهوار العراق

تسمية الأهوار

الأهوار كما أسلفنا هي المنخفض من الأرض وقد تعددت التسميات للأهوار، ففي المعجم المندائي تعني كلمة هور (hwr) البياض(whitn)، وتعني كلمة هور بالفارسية النجم الساطع، وكانت الفارسية متداولة بحدود أيام الحكم الفارسي قبل الإسلام، وكثيرا ما نسمي مناطق الأهوار بالبياضة، ولعل الأمر يصبح واضحا إذا علمنا أن بلاد سومر هي الأرض الساطعة وإن أصل التسمية للكلمة السومرية تعني التل (3)، وفي الأهوار ما فيها من الحواضر السومرية، مثل أور وكيش ولغش وتل أبو شيرين وأم العقارب وتل الأحيمر وسيبار وتل أبو حية ولارسا، وفي تاريخ المنطقة ظهرت آراء عديدة منها ما يُرجع وجود الأهوار إلى العهود التاريخية القديمة، فنباتات القصب والبردي ظهرت في الألواح السومرية والأكدية والبابلية ووردت إشارة إليها في ملحمة جلجامش والأهوار كانت تسمى قديما بالبطائح ولعل في تسمية (الحمّار)(4) ناحية البطائح مايشير إلى ذلك، وهذه البطائح هي منبسطات منخفضة قليلا عن الأرض، تبدأ من ملتقى دجلة والفرات في قضاء القرنة ثم تتصاعد في الفسحة بين النهرين حتى تصل إلى أعالي سوق الشيوخ في مجرى الفرات وأعالي المجر وقلعة صالح ولعل مساحتها أكثر من عشرة آلاف كم مربع.

أصل سكان الأهوار

يقول هنري فيلد (إن سكان الأهوار هم النسل المباشر للسومريين الذين عاشوا في العراق قرابة خمسة آلاف عام) ويعتقد هنري فرنكفورت إن منطقة الأهوار كانت مأهولة منذ الألفين الخامس والرابع ق.م، واختلفت النظريات وتعارضت الآراء عن أصل سكان الأهوار، لكن معظم المؤرخين يتفقون على أن الإنسان استوطن أرض العراق الكائن بين دجلة والفرات منذ آلاف السنين، وتمكنت أول تجمعات بشرية من الاستيطان في دلتا الفرات، وأخذت تبني بيوتها من القصب والبردي.

وبعد مرور خمسة عشر قرنا (35..ق.م) انتشرت الحضارة السومرية في المنطقة، وفي القرن الثلاثين قبل الميلاد تعرضت المنطقة إلى فيضانات شاملة ومتتابعة، واستطاع السومريون على الرغم من ذلك أن يبنوا مدنهم وحضارتهم التي تعد من أقدم الحضارات وتبعتها حضارات سامية، وقد تعرضت المنطقة إلى غزوات الأشوريين والفرس.

وعلى هذا يكون تاريخ الأهوار ضاربا في عمق التاريخ، ولكن الغالبية من سكانها هم من قبائل هاجرت من الجزيرة العربية واستقرت في هذه المناطق متخذة من رعي الجاموس والزراعة وسيلة للعيش فضلا عن صيد الأسماك والطيور، وامتاز بعض سكان الأهوار بالتنقل الدائم بحثا عن علف حيواناتهم المكون من القصب الذي بدأ ينمو توا بالنموّ أكثر، ويطول ويعلو حتى يتركه الجاموس، ليجبر رعاته على الانتقال إلى مكان آخر بحثا عن ( العنكر)(5) كما يدعى القصب وهو لم يزل نبتا صغيرا بلغة أهل تلك المنطقة.4283 اهوار العراق

نشوء الأهوار:

ظن معظم المؤرخين أن نشوء الأهوار منذ القدم، وارتفعت فيها الكثير من المعابد والزقورات والصروح، وشيدت فيها الدور والقصور، ويرى قسم آخر من المؤرخين أن عمر الأهوار بقدر تاريخ نشوء دجلة والفرات، ولأنني من سكنة القرى المحيطة بتلك الأهوار، فأزعم إني على معرفة قريبة إلى الدقة بمنشأ هذه الأهوار وطبيعة تكونها واتساعها، ومعرفة تامة بالعشائر والقبائل العربية التي سكنتها، وهذا ما أكده الشاعر الدكتور مصطفى جمال الدين(6)، والجدير ذكره إن هور الحمّار كان يسمى قديما بالبطائح، وهي الأماكن المحيطة بنهر الفرات والمنخفضة عنه قليلا، حدث لها في بعض الظروف ما زلزل جرف النهر، فاتسعت البطحاء المحيطة به وتكوّن هذا الهور، وقد قضيت أكثر أيام طفولتي في هذه البحيرات الجميلة.

نشوء هور الحمّار

يتكون هور الحمار من مصدرين: أحدهما أساسي وهو نهر الفرات والثاني فرعي وهو نهر دجلة، فنهر الفرات بفروعه المثيرة المتشعبة التي تبلغ أكثر من عشرين فرعا، لعل من أهمها أربعة (كرمة حسن) في ناحية (العكيكة) و(الحفار) و(أم نخلة ) و(أم بني سعيد) في ناحية (كرمة بني سعيد) حتى تصل هذه الفروع إلى ناحية (الطار) وهي مدخل الهور،تذوب جميعا في هور الحمار، أما فرع دجلة (الغراف) فهو بعد أن يتفرع من الكوت لإرواء أراضي (الحي) و(قلعة سكر ) و(الرفاعي) و(الشطرة) تنتهي بـ (زايزة) بناحية (الفهود) التابعة لقضاء (الجبايش)، فيذوب أيضا في هور الحمّار، لأن الفهود تقع في بدايات الجانب الشمالي لهذا الهور، ويكوّن ماءا  دجلة والفرات مسيلا واحدا يتسع باتساع حوض النهر، (وترجع أقرب التقارير إن عمر هور الحمّار يعود إلى السنة 6... قبل الميلاد)(7)، والماء في تلك المنطقة من هور الحمّار ليس راكدا شأن البحيرات الأخرى، كما يتصور البعض، بل هو جارٍ ابتداء من ناحية الفهود شمال البحيرة، وقرية (آل اسماعيل) جنوبها، حتى يصل إلى قضاء الجبايش أي في مساحة طويلة تتجاوز5. كيلو متر مربعا فإذا وصلت هذه البحيرة الجارية ناحية (المدَيْنة) تضايقت قليلا قليلا حتى كونت الفرات من جديد بجرفيه الواضحين وشطآنه اليابسة حتى التقى بنهر دجلة  في قضاء القرنة انبثق منهما معا نهر شط العرب في محافظة البصرة، فهور الحمّار أو برقة الحمار كما تسمى محليا، ولعل هذه التسمية (برقة الحمّار) جاءت من البريق؛ لأنها على سعتها لا تنبت فيها النباتات فيشتد بريق الشمس على أمواجها وعدم وجود النبت راجع إلى عمقها، ويشكل هذا الهور مساحة كبيرة من محافظة الناصرية، بطول أكثر من  5. كيلو متر، وعرض أكثر من 2. كيلو متر مربع ولكننا إذا أضفنا إلى هذا العرض مساحة هور(السناف) المحاذي لسكة القطار، تصبح المساحة التقريبية لهور الحمار25.. كيلو متر مربعا، تحيط بهذا الهور أراض صحراوية وزراعية تسمى ب(الشامية) أو (الجزيرة) وليس في الشامية زراعة أو قبائل ريفية مستقرة السكن، أما الجزيرة فهي أراض زراعية.4284 اهوار العراق

الجذور التاريخية للمنطقة:

لقد ارتبطت الأهوار تاريخيا بحضارات البلاد القديمة كحضارة سومر وأور وغيرها، وحتى أدوات صيد الأسماك كالفالة فإنها منقوشة في مسلات ورسومات تلك الحضارات، وتكونت في الأهوار سلطنات وإمارات كإمارة عمران بن شاهين، وكانت لهذه الإمارات مكانتها الثورية في رفض السلطات الحاكمة بعد وقبل عملية التجفيف، ولعل حقد الطغاة على الأهوار وسكانها وحالة الرفض التي كانت تسود الأهواريين هي إحدى الأسباب التي أدت إلى فنائها وتدميرها.

لعل هناك حقيقة بادية لم يغفل عنها الباحثون، وهي أن تلك الأهوار أو المنخفضات محاطة بأراض ترتفع عنها تدريجيا باتجاهات الشمال الشرقي وشمالها الغربي، وكذلك تلك المنخفضات عن أراض ترتفع من الجنوب الأمر الذي حافظ على وجود الأهوار رغم تقادم الزمن .

إن الجذور التاريخية للأهوار لا تحدد بسنة أو عقد معين وإنما هي تأريخ أمم وحضارات عاشت قرونا وسنوات متتالية فوق هذه الأرض، وإن كانت مصر تفتخر بالأهرامات وحضارات الفراعنة، ويفتخر الرومان والإغريق بحضارتيهما، والفرس بطاق كسرى، والصينيون بعظمة سور الصين، فإن من الفخر لأبناء وادي الرافدين أن يعتزوا ويفاخروا الأمم بالأهوار وطبيعتها الساحرة، والكثير من بلدان العالم تعيش الجفاف، أما العراق ففيه نهران سماويان جعلهما الله ليكونا سواقي وروافد خير وبركة إلى تلك التربة، (ومن المدهش بعد عملية التجفيف عثر على أقداح وصحون وبيوت مندثرة يعود تاريخها الى عدة قرون)(8)، وإن معظم الأيشنات هي بقايا الدور السكنية السومرية عثر عليها على أساس تاريخها بعد عملية التجفيف،وهذا الشيء إنما يدل على قدم هذه الأماكن، ومن المؤسف أنه لم يسجل المؤرخون تاريخ الأهوار وعراقتها، ولو كانت هذه الحضارة في أماكن أخرى من دول العالم المتطورة لاستغلت ثرواتها الاقتصادية والسياحية واعتنوا بها، ولأصبحت ذات أهمية قصوى، ولكن جهل وتجاهل الحكام في الفترة ما قبل عام 2..3م وقلة وعيهم وثقافتهم وحقدهم على كل شيء جميل في هذه البلاد، مما جعل الأهوار وقاطنيها يعيشون الأهمال والمحاربة والمطاردة الإرهابية.4285 اهوار العراق

لقد عثر الأهالي في تسعينات القرن المنصرم (في منطقة الجزيرة على أشياء ثمينة لتراثيات وتحفيات في تلك المنطقة)(9)،وأغلب تلك الآثار كانت تباع إلى القنصليات الدبلوماسية، أو تهرب عن طريق سماسرة وتجار إلى خارج القطر كما عثر في أواخر عقد التسعينات على مجموعة من الأدوات المنزلية المصنوعة من الفخار والصدف والنحاس يعود تاريخها إلى  أربع مئة سنة قبل الميلاد، أي يعود تاريخها إلى الحقبة السومرية، وهذا الشيء هو خير دليل على إن هذه المنطقة كانت تمثل حياة أخرى للإنسان الرافديني.

ومن يراجع المصادر التاريخية لحياة الأنبياء يجدها تتمركز فوق تراب وادي الرافدين، وحتى ولاداتهم وقبورهم هي خير شاهد على قامة العراق الحضارية الشامخة التي تعد مهد أقدم حضارة عرفها الإنسان، وفي الآونة الأخيرة أصبحت الآثار لهذا البلد مهنة اللصوص والمتنفذين وأقرباء الجلاد، فحالات التهريب التي كانت تمارسها الحكومة البائدة (جوقة) الأوغاد من أمثال أرشد ياسين ببيع تراث هذا البلد، وبيع هذا الإرث في الأسواق العالمية مقابل حفنة أموال، ماهي إلا خسارة فادحة لتراث العراق الثقافي والحضاري ومن يحاول أن يمتهن هذه الحرف فإنه لا ينتمي إلى تراب العراق ولا يستحق العيش بين أفيائه،ولكن هؤلاء مصيرهم الزوال، فالحكام الطغاة زائلون والعراق باق أبد الدهر، وياحسرة على هذا البلد الذي أصبحت حضارته وتراثه عرضة للسرقات والإباحة، ولابد أن يأتي ذلك اليوم الموعود الذي سيصبح فيه بلد الأنبياء والحضارة قمة شامخة من الإشعاع التراثي ويعود الهور، كما كان عليه أخضرَ بقصبه وبرديه وأزرقَ بمياهه ومزهوا بأبنائه.

4286 اهوار العراق

صلاح جبار ابو سهير

............................

(1) المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية في القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، ط4، 2..4م:999

(2) كاهن جمع كواهين: تعني ممرات مائية وسط الأهوار، وهي تشبه الطرق تماماً، وهذا ما اعتاد على تسميته أهل الأهوار، وهو بخلاف ما جاء في المعاجم بأن الكاهن رجل الدين عند غير المسلمين، ينظر المعجم الوسيط:8.3

(3) ينظر: رشيد الخيون، مجلة المدى، دمشق_سوريا، ع27: 33

(4) الحَمَّار: من أكبر أهوار الجنوب في العراق.

(5) العنكر: نبات القصب الطريّ، يستخدم علفاً لحيوان الجاموس.

(6) من محاضرة له في تسعينيات القرن المنصرم في العاصمة البريطانية لندن.

(7) المحاضرة نفسها.

(8) مقابلات خاصة للمؤلف مع شخصيات عراقية أهوارية معارضة للنظام السابق وقتئذ، مثل (طعمة الأسدي، وجبار الموسوي، وأبي طه الناصري، وغيرهم).

(9) مقابلة خاصة للمؤلف مع نازحين من أبناء الأهوار يقطنون في مدينة الأهواز الإيرانية آنذاك.

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5856 المصادف: 2022-09-17 04:04:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5865 المصادف: الاثنين 26 - 09 - 2022م