شهادات ومذكرات

محمود محمد علي: وداعا ياسر رزق.. ناظر الصحافة المصرية

محمود محمد عليصدق من قال بأن الحياة هي رحلة مجهولة الهوية، تحمل معها منعطفات لا نعرف وجهتها.. الحياة هي المساحة الجميلة في أعمارنا، والتي تحملنا معها من بين السنوات الكثير من المناسبات، والكثير من الرائعين منهم من يترك في كل مساراته وسنينه هوامش كبيرة ومؤثرة تشكل بصمة لهذا الإنسان وتجعل منه ضمن مجرات الحياة وعطاءاته إضاءات متلألئة، كل شكل منها يكوّن إضافة متميزة لا يحملها إلا القليل من هؤلاء النخب العظيمة.

قصدت هذا القول لأقول: تعددت الأسباب والموت واحد، ففي الخميس الماضي رحل عن عالمنا الكاتب الصحفي المثابر، صاحب المعارك الوطنية "ياسر رزق"- رئيس مجلس إدارة دار أخبار اليوم ورئيس تحرير جريدة الأخبار السابق، عن عمر ناهز 57 عاما، إثر تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة بعد مسيرة حافلة من العمل الصحفي.

وأعلنت أسرة الكاتب الكبير نبأ وفاته بأزمة قلبية، حتى أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانًا نعت فيه أحد رموز الصحافة المصرية، الذي طالما خَطَّ بقلمه وسُجلت كتاباته في حب مصر وجيشها بحروف من نور.. ونعى مجلس الوزراء الكاتب الراحل، مؤكدًا أنه قاد بقلمه الحر المستنير مسيرة التنوير بقضايا الوطن وأولوياته في أوقات عصيبة، وأسهم في كشف ما يُحاك ضده في فترات عصيبة مر بها الوطن الغالي لن ينساها التاريخ.

وقد ترك الراحل إرثا كبيرا من العمل والإبداع في كل مكان عمل به، رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم ورئيسا لتحرير الاخبار والمصري اليوم ومجلة الإذاعة والتليفزيون، كما كان الراحل مثالا للصحفي المهني الوطني المدافع عن الحقيقة وهموم المواطن وقضايا الوطن.

كان بحق كاتب صحفي مخضرم، وأديب رقيق الجُمَل، شاعري التعبير، لقد كان بعضهم ما يزال يشتري الجريدة الورقية، حتى يستمتع بقراءة مقال ياسر رزق الأسبوعي الطويل من الورق، أشهد بهذا، رحل صاحب سيرة ذاتية صحفية ثرية وقديرة تنوعت بين الرؤى والكتابة والإدارة والنجاحات والتحقق النزيه في بلاط صاحبة الجلالة.

رحل ياسر رزق الأستاذ، الوطني بلا مزايدة، المُعَلِّم، ورجل القلم الشريف أيضًا، رحل إنسان بلا حسابات ومصالح؛ عدا مصر، طيب القلب، نقي النفس، صادق اللسان، مخلص العمل، مُحِب ومحبوب، رحل الأستاذ ورثاه الجميع، رثاه الجميع كبارًا وصغارًا، باعتزاز واحترام، فقد كان إنسانًا حقيقيًا، قبل أن يكون صحفيًا لا يتكرر.

رحل رجل تحمل الكثير بصبر وقوة، وثبات، وأحسبه لم يعرف للنفاق طريقًا، ولم ينطق بغير قناعاته يومًا، وحتى أشرس المختلفين معه، بل وحتى الكارهين له، لن يشهدوا بغير هذا إذا حكَّموا الشرف في قولهم فيه.

وكان ياسر رزق يعد أحد رموز الصحافة المصرية الكبار الذي سخر قلمه لخدمة قضايا وطنه، وامتلك إلى جانب دماثة الخلق، المهنية والاحتراف في كل ما قام به من مهام لخدمة صاحبة الجلالة، وكان قلمه من أروع الأقلام السياسية، كما كان دائم الارتباط بكل الأحداث المهمة في مصر، على مدار العقود الثلاثة الماضية، مشاركا وراصدا ومحللا، وكانت الإنسانية جزء رئيسي له في كل قراراته، إذ مكث 12 عاما عضو مجلس نقابة الصحفيين 3 دورات متعاقبة، وفي يوم من الأيام كان هدف الإخوان التخلص من هذا العملاق منذ ربع قرن.

ولد ياسر رزق في محافظة الإسماعيلية عام 1965، وتخرج في كلية الإعلام جامعة القاهرة عام 1986، بدأ ياسر رزق عمله الصحفي في مؤسسة أخبار اليوم لمدة 30 عامًا، وذلك منذ أن كان طالبًا في السنة الأولى بكلية الإعلام التي تخرج فيها عام 1986، حيث تنقل بين أقسام متعددة لصحيفة "لأخبار"، قبل أن يعمل محررًا عسكريًا، ثم مندوبًا للصحيفة في رئاسة الجمهورية حتى 2005، وهو العام الذي شهد توليه، ولأول مرة، منصب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون الحكومية أيضًا.

بدأ ياسر رزق عمله الصحفي فى مؤسسة أخبار اليوم القومية، لمدة 30 عامًا، وذلك منذ أن كان طالبًا في السنة الأولى بكلية الإعلام التي تخرج فيها عام 1986، حيث تنقل بين أقسام متعددة لصحيفة «الأخبار»، قبل أن يستقر على العمل محررا عسكريا، ثم مندوبًا للصحيفة في رئاسة الجمهورية، حتى 2005، وهو العام الذى شهد توليه، ولأول مرة، منصب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون الحكومية أيضًا.

وبعد 6 سنوات قضاها في إدارة شؤون المجلة الصادرة عن "ماسبيرو"، عاد "رزق" إلى مؤسسة أخبار اليوم مرة أخرى، لكن كرئيس لتحرير صحيفتها اليومية، وذلك في 18 يناير 2011، ثم انتقل إلى المصري اليوم، ثم عاد مرة أخرى إلى مؤسسة أخبار اليوم رئيسا لمجلس إدارتها ورئيسا لتحرير جريدة الأخبار، ثم رئيسا لمجلس الإدارة حتى سبتمبر 2020.

وقد عرف ياسر رزق بكثرة كتاباته الصحفية وقلة ظهوره على شاشات التلفزيون. تحصل خلال مسيرته على نوط الواجب العسكري من الدرجة الأولى، وميدالية الخدمة الطويلة والقدوة الحسنة، وقد كلّل ياسر رزق، مسيرته بصدور كتاب «سنوات الخماسين.. بين يناير الغضب ويونيو الخلاص»، والذي رصد فيه تفاصيل الأحداث المتعاقبة التي شهدتها البلاد منذ ثورة يناير 2011 وحتى ثورة يونيو 2013، وما شهدته من كواليس داخل أروقة صناعة القرار.

وقدم ياسر رزق إهداء في أول أوراق الكتاب إلى الشعب المصري، وقال: إلى شعب عظيم لا يرضخ لظلم، ولا ينحني لعاصفة، ولا يركع إلا لرب العباد، كما وجه الإهداء إلى الأجيال وقال: إلى أجيال آتية هذه ملامح من قصة آبائكم فى زمن عصيب، ولمحات من حكاية وطنكم فى حقبة فاصلة، عساها تنير لكم طريقاً، وتُعبد دربا، وأنتم تشيدون مجداً جديداً، معطراً بعظمة تاريخ.

كما وجه “رزق” الإهداء إلى الأجيال وقال: إلى أجيال آتية هذه ملامح من قصة آبائكم فى زمن عصيب، ولمحات من حكاية وطنكم في حقبة فاصلة، عساها تنير لكم طريقاً، وتُعبد دربا، وأنتم تشيدون مجداً جديداً، معطراً بعظمة تاريخ.

ويقول رزق في مقدمة الكتاب، "قبل أن أبدأ "هذه ليست محاولة لكتابة تاريخ، إنما محاولة لقراءة حاضر، علنا نهتدى بها عند مفارق طرق قد تقابلنا في المستقبل.. فلا يمكنك أن تؤرخ لأحداث ماض قريب، بينما هي تنبض وتتحرك وتتفاعل، أو هي ما زالت تدمى وتوجع وتؤثر.. لكن يمكنك أن ترصد مجريات أمور تثري، بعدما تنقضي مسبباتها وتفتش عن جذورها. ليس هذا أوان التاريخ لما جرى في مصر في العقد الثاني من الألفية الجديدة، الذى اعتبره. وهذا رأيي ـ أكثر الحقبات صعوبة وتقلبات، وأشدها جزراً ومدا في تاريخ مصر الحديث والمعاصر. ربما يحين الأوان عندما تكتمل كل مكونات "البازل" المصري في ذلك المنعطف غير المسبوق أمام من يتصدى لمسئولية التاريخ".

وينتقل الكاتب - في مؤلفه، الذي يؤكد أنه ليس محاولة لكتابة تاريخ وإنما لقراءة حاضر - من لحظة التنحي ليعرض إرهاصات الحراك الشعبي الذي دفع الرئيس الراحل حسني مبارك إلى التخلي عن الحكم، والتي يلخصها في تفاقم الأزمات المعيشية، ثم التزوير الكبير لإرادة الناخبين في انتخابات مجلس الشعب عام 2010 إلى جانب رفض الشعب والمؤسسة العسكرية لمشروع توريث الحكم من الأب الرئيس إلى ابنه الأصغر جمال، والذي كان يتم الإعداد له وفق سياق ممنهج.

وتعرض الكتاب لسلسلة الأزمات والأخطاء وأعمال الغدر بالشعب التي ارتكبتها جماعة الإخوان الإرهابية والرئيس الأسبق محمد مرسي، والتي تسببت في نقمة شعبية واسعة على الجماعة التي أرادت تغيير هوية الشعب وتقويض كيان الأمة المصرية، على نحو أدى إلى تفاقم الاحتجاجات الشعبية ضد نظام مرسي على نحو غير مسبوق، لا سيما بعد أعمال البلطجة والعنف التي نفذتها الجماعة وتسببت في إراقة دماء المصريين في الشارع، بعد احتجاجات مناهضة لأفعال وتصرفات الجماعة التي مثلت انقلابا على جميع التعهدات وإهدارا لاستقلال القضاء وانتهاكا للدستور وخرقا للقوانين بالتوازى مع فشل ذريع في معالجة أبسط المشكلات والأزمات المعيشية للمصريين.

واستعرض رزق في كتابه تداعيات انسداد الأفق السياسي جراء تصرفات جماعة الإخوان وممثلها على رأس السلطة في ذلك الوقت محمد مرسي، ورفضه التام لكافة المبادرات والمخارج التي من شأنها إيجاد حلول للأزمات الخانقة التي كانت تمر بها البلاد، على نحو أدى إلى زيادة معاناة الجماهير، لا سيما مع الفشل المتلاحق لحكومة الإخوان في توفير أبسط مقومات الحياة، بعدم القدرة على توفير الخبز وانقطاع مياه الشرب والكهرباء وشُح الوقود.

رحل ياسر رزق بعد حياة مهنية مهمة قدم فيها مثالاً للصحفي الوطني الذي يتبنى قضايا وطنه ويدافع عنها، وعبر رحلته الطويلة، ظل " ياسر رزق " القدوة لأجيال من رجال الصحافة الذين رأوا فيه الالتزام والصدق والحرص على حرية التعبير والدفاع عن قضايا الوطن والمهنة؛ من خلال رحلته كاتباً وعميداً وقيادة سياسية بارزة.

وهنا أقول مع نزار قباني:  وداعاً .. أيها الدفتر.. وداعا يا صديق العمر، يا مصباحي الأخضر.. ويا صدرا بكيت عليه، أعواماً، ولم يضجر.. ويا رفضي .. ويا سخطي .. ويا رعدي .. ويا برقي .. ويا ألمًا تحول في يدي خنجر.. تركتك في أمان الله.. يا جرحي الذي أزهر.. فإن سرقوك من درجي.. وفضوا ختمك الأحمر.. فلن يجدوا سوى امرأة..

وفي نهاية حديثي أقول نسألك يا الله أن تغفر لياسر وترحمه، وأن تتغمده بواسع رحمتك ورضوانك وأجعله يا ربي من عبادك الفائزين في أعلى الجنان، وأجرنا في مصيبتنا وألهمنا الصبر والسلوان..   إنا لله وإنا إليه لراجعون، غفر الله سبحانه لك وتقبلك بواسع رحمته وأفسح لك مكانا في جناته مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وأسبغ صبرا واسعا على زوجتك الكريمة وأبنائك الأحباب، "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي.. ولكن تلاميذه ومحبيه سيظلون دوما عَلى العهد أوفياء لمهنتهم المقدسة.. لاحول ولا قوة إلا بالله.. وداعا يا أجمل من تعاملت معهم، وكنت تنشر لي كل ما يبدو غير مُحتمل، وكنت تجعل أي جريدة أو مجلة توليت رئاسة تحريرها مكانا لكل الاتجاهات والأفكار.. ألف رحمة ليك يا أخي ياسر، وليفتح لك الله أبواب جناته.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5626 المصادف: 2022-01-30 01:51:11


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5874 المصادف: الاربعاء 05 - 10 - 2022م