شهادات ومذكرات

مارون عبود.. شيخ النقادِ والأدباء اللبنانيين

محمود محمد عليفي ظل اختمار الوعى بشروط النهضة وانفجار التحديث الإبداعي، ظهرت بنيات إبداعية متنوعة في الأدب العربي تمخض عنها تصور جديد لمفهوم الأدب، فقد ظهرت في العقود الأربعة الأولي من القرن العشرين أعاصير المهجرين والديوانيين وصاحب " الغربال"، وصدرت كتب رائدة في مجال النقد الأدبي والتنظير للعمل الإبداعي، وظلت هذه الحركة النهضوية تتطور ضمن البيئات الإبداعية العربية، إلى أن وصلت إلى حد الانخراط في الموجة التجديدية، فظهرت أصوات نقدية متميزة تعطي للقول الشعري ماهيته وبعده ووظيفته الحضارية، وأخذت الأذواق تعزف عن النماذج الجاهزة والنمطية في الكتابة بعد ان انحنت المقاييس والقيم السائدة أمام موجات جديدة وتصطدم بها .

لقد كانت الحياة الأدبية أكثر المجالات تأثرا بالتغير والتطور، حيث تزاحمت قيمتها ومفاهيمها ونظرياتها، وتعالت أصوات الهدم والبناء، والقبول والرفض، والمحافظة والتجديد، فكان لزاما على الفكر العربي أن يعيد النظر في تراثه، وأبعاده الحقيقية دون تهوين ولا تقديس، وتحليل مكوناته ومقوماته، والتمييز بين ثوابته ومتغيراته، وظل الأدب العربي يغالب من أجل إثبات ذاته وتحقيق هويته بالنظر لما اعتوره من أزمة على مستوى المنهج والمصطلح والإجراء، وطريقة التعاطي مع الظاهرة الأدبية، وبرأي البعض، فإن النهضة الأدبية الحديثة عند العرب قد ظهرت أول ما ظهرت في بلاد الشام قبل غيرها من البيئات العربية، وهذا ما أشار إليه أحدهم يقول:" ليس من شك في أن النهضة الأدبية الحديثة عند العرب قد بدأت في سوريا ولبنان، وقد عرف لبنان – بالتحديد هذه اليقظة الجديدة في مطلع القرن التاسع، وظهر ناد وأدباء تأثروا بمعطيات الجديد الطارئ في الفكر والحياة، فكانوا همزة الوصل بين التراث والمستجد الحديث ".

ومن هؤلاء " مارون عبود" (1886 - 1962) الذي كان له فضل في تحقيق هذه الوثبة، من خلال أعماله الرائدة التي انتشلت الأدب العربي من هوة التقليد إلى ذروة التجديد ن حيث أقبل على الجديد، وظل يدعو إليه ويرعاه، وينظر له، ويجسده عمليا، إلى جانب نخبة من النقاد والأدباء والشعراء في لبنان وسوريا الذين كان لهم فضل السبق في التحرر من التقليد، ولذلك فهو يمثل في نظرى سعد رائِدُ النَّهْضةِ الأَدَبيَّةِ الحَدِيثةِ في لبنان، وهُوَ الكاتِبُ الصَّحفِي، والرِّوائيُّ الساخِر، والقَصَّاصُ البارِع، والشاعِرُ الَّذي نَظَمَ الشِّعرَ عَلى اسْتِحْياء؛ فلَمْ يَرِثِ الأَدبُ منهُ سِوى القَلِيل، وهوَ الناقِدُ الَّذي فُلَّتْ سِهامُ النُّقَّادِ أَمامَهُ إِجْلَالًا واحْتِرامًا، والمُؤرِّخُ والمَسرَحِي، وزَعِيمٌ مِن زُعَماءِ الفِكْرِ والفنِّ في العَصْرِ الحَدِيث.

ولهذا كان لمارون عبود القاص والشاعر والناقد والمترجم، الذي تنقل بين الأنواع الكتابية، هواية أثيرة، وهي أن يضم إلى منزله ما استطاع من الأعمال الفنية من تشكيلية ونحتية، فقد كان صديقاً للتشكيليين، والمصورين، الذين يزورونه في قريته، ويلتقطون له الصور ويضيفون إلى منزله العائلي المزيد من الأعمال التي لا تزال تزين كل غرفه، خصوصاً قاعة الخالدين التي كان لها موقعها الأثير في نفسه، لاتساعها، حيث يستقبل كبار زواره، ووضع في صدرها لوحة العادات والتقاليد اللبنانية التي رسمها له الراهب اللبناني نعمة الله المعادي، وهو من أوائل اللبنانيين الذين رسموا البورتريه في النصف الأول من القرن الماضي، كما زين له الأسقف والجدران برسوماته، مما استغرقه ثلاث سنوات، حيث ازدانت الصالة بوجوه شخصيات تاريخية مثل صلاح الدين الأيوبي، فخر الدين الثاني وبشير الثاني، حيرام وزنوبيا، ومشاهد طبيعية من الأرز، صنين، قلعة بعلبك، نهر بردى، قلعة تدمر، الجامع الأموي، ومن العراق، والحجاز، ومصر، وجامع قرطبة، وقصر الحمراء في الأندلس.

علاوة على أنه كان متسامحاً لا يعرِف التعصُّب إلى قلبهِ سبيلا، ولم يكن تسامحه قولاً فقط بل فعلاً وعملا، والدليل الاسم الذي أطلقه على ابنه والكُنية التي يُباهي بها. يقول عزّة بشور في مقاله: ”حاربتَ التعصُّب الديني قولاً وعملا، فأسميت ابنك محمداً، فقامت قيامة الناس عليك، فريق يستهجن ويكفّر، وفريق يوالي وينتصر، وكان أول من قدّر لك هذا العمل فيلسوف الفريكة المرحوم الريحاني، فكتب إليك مستحسناً عملك: "أحسنت يا مارون أحسنت، وخير الآباء أنت، " وله قصيدة عصماء في النبي محمد ﷺ ذكر فيها أحداث كثيرة من السيرة النبوية، وقد بلغ عدد أبياتها ١٠٩، نشرتها الصحف وتناقلتها المجلات في وقتها ١٩٣٤م.

ولد مارون عبّود في (عين كفاع) من قرى منطقة جبيل اللبنانية سنة ۱۸۸٦ للميلاد، أدخله أبوه في مدرسة (ماريوحنا مارون) المسيحية لكنه تركها بعد أربعة أعوام لأن أباه كان يقصد تهيأته للحياة الكهنوتية، ثم إختار الدراسة في مدرسة الحكمة وفيها تفتحت مواهبه الأدبية.

وكغيره من الشخصيات الفذة، فقد ترك مارون عبود بصماته جلية في مضمار الأدب، والنقد، والفكر، فكان حظه موفورا في التأثير في أبناء عصره وجيله الذين اقتفوا أثره وترسموا خطاه، وتبنوا مذهبه في الأدب والحياة، ومن ملامح شخصيته أنه كان رجل ملئ حبا وهمة ونشاطا دؤوبا على البحث والقراءة والتحصيل، فلم يعرف اللهو إلى نفسه سبيلا، لأن الحياة في مذهبه جد وبناء وغرس، غير أن جديته وحزمه لم يمنعاه أبدا من أن يكون القلب الكبير الذي يسع الجميع .

أما ألمعيته وانفتاحه علي الثقافات والمدنيات المختلفة، فقد أخذ منها بسقط وافر، الأمر الذي جعله " أديبا موسوعيا"، فكان القصاص البارع، والناقد المجلي، والكاتب المسرحي والمصلح الاجتماعي، ولقد واستجمع وسائل الدرس والتقعيد والتحليل والتهذيب بفضل ما تهيأ له من إلمام بالثقافة العربية قديمها وحديثها، وما تأتي له من ذائقة وخبرة، وكل من يق{ا لمارون عبود تتجلي له قوة شخصيته وعمق ثقافته، ودقة نظره، ونفاذ رؤيته .

إنه يمتع القارئ بجمال أسلوبه، ويبهره بسحر بيانه، حتى غدا رافدا ثرا أغني الثقافة العربية، وأمدها بعناصر البقاء والقوة والتجدد، فُعد بحث حاملا لواء العربية في قلبه وعقله، وظل يتغني بتراث العرب، ويعمل على تجديد دمائه مشيرا في هذا السياق كما جاء في كتابه " أعلام ورواد في الأدب العربي" إلى أن العرب قد هضموا ثقافات الحضارات القديمة، واستفادوا منها، فأبدعوا ثقافة غنية وباهرة أفادت العالم كله.

لقد كان مارون عبود بحق مرآة عصره، وفارس مجتمعه، ومنارة جيله، حتى أنه يذكرنا بالجاحظ وفولتير وأمين الريحاني ومصطفي لطفي المنفلوطي، فهو في أدبه كالنحلة تلثم الرحيق وتعطي العسل، كما كان في طبيعته التي جبل عليها مؤمنا إيمانا عميقا بالمبادئ الإنسانية والقيم الأخلاقية والاجتماعية، بوصفها أركانا تحفظ للمجتمع كيانه، وتحميه من الفوضى، وتشيع فيه ثقافة الإيجابية، والإتزان في التفكير ونمط العيش وأشكال التواصل، وأداء المصالح والحاجات، لبناء الحياة المثلي، التي يضمن فيها الإنسان غذائه الروحي والفكري، كما يضمن غذائه .

وتتجلي نزعته الإنسانية في كل ما كتب، وهي نزعة وليدة موقف مبدئي اتخذه مارون عبود قضية كبرى، لها علاقة بقناعاته وتشبعه بثقافة عربية أصيلة، وانفتاحه على المذاهب والطوائف والقوميات الأخرى، من غير تعصب ولا تزمت، لذلك نري قضيته المركزية، هي قضية الإنسان العربي واللبناني، وها هو في كتابه " في المختبر ص 6 يكشف عن بعض جوانب شخصيته بقوله:" فكل أمنيتي ألا أذيب شخصيتي في مستنقعات الآخرين، وأن أظل منسجما مع ذاتي، وان أبقي ساذجا لا تكلف ولا تعقيد في حياتي، وألا أتخلي عن شئ من بساطة أورثنيها المربي فأكره شئ إلى التقليد.

لقد كان يمتلك مارون عبود شعور فياض بضرورة الإمساك بالمعرفة، على اختلاف ألوانها، فكان لا يقر له قرار في ارتياد حقول العلم وحدائقه ورياضة، فينهل منها ويستزيد، مدفوعا إلى بعامل شخصي، وهو طموحه ورغيته في التفوق والتميز، وعدم الاكتفاء بالعادي المعروف لدي الناس، فلم يكن ليستسلم للهين والبسيط من الأشياء، وإنما ظل يجاهد نفسه من أجل السبق، معتقدا أن الموهبة لا تعتمد على ما ترسب في وعي الإنسان من تجارب وانفتاح على العصر فحسب، إذ لا بد من الدرس وتعمق الحياة .

كما عرف عنه أنه صاحب ثقافة واسعة، وأفكار غزيرة ومشارب متعددة واطلاع واسع على التيارات الفكرية والأدبية التي سادت عصره، حتى إنه يبدوا كما لو كان يحلق فوق الزمان والمكان بأجنحة بصيرته النافذة، وكما لو كانت المسافات والأبعاد تمحي والعصور تنهار أمام عينيه، وفي خاطره فتظهر الحياة الإنسانية في صيرورتها ووحداتها واستمرارها وسيرها الصاعد نهرا متصلا يجري كله في قبضة يده، أو أغوار قلبه .

وكان له فضل في غرس اللغة والأدب في قلوب القراء، وجعل الأدب ظاهرة حضارية ذات أثر كبير في تهذيب الأذواق والأخلاق، وبناء الرجاء والأوطان، وإغنائه المكتبة العربية بكتب ومؤلفات في شتي ألوان المعرفة.

ولمارون عبود ستون مؤلفاً في علوم العربية والأدب والتأريخ والكيمياء وغيرها وقد ترجمت عدة من قصصه الى اللغات الروسية والفرنسية، وتم تكريمه بكثير من الأوسمة الرسمية، وتابع نشاطاته الأدبية والكتابية إلى حين وفاته سنة ۱۹٦۲ للميلاد.

تحية لمارون عبود الذي لم يعرف عنه في حياته أو بعد مماته أنه داهن كبيرا، أو جامل عظيما، أو نافق سلطانا لجاه أو مال أو سلطان، فلم يكن يري العمر إلا عملا نافعا ومن ثم رأيناه باستمرار متجها نحو الكتابة في مجال النقد والتنظير ومتابعة كل ما يصدر من أعمال وابداعات خالدة .

***

د. محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

....................

المراجع:

1- مارون عبود: رواد النهضة، دار ماورن عبود، دار الثقافة، بيروت، 1970.

2- سوسن الأبطح:  الأديب الموسوعي اللبناني مارون عبود كما يراه حفيده  مرور 60 عاماً على رحيله، الشرق الأوسط، الأربعاء - 14 ذو القعدة 1442 هـ - 23 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15548].

3-مبرك حسين: التجربة النقدية عند مارون عبود – دراسة نقدية تحليلية، رسالة دكتوراه غير منشورة، 2017.

4- أنظر مقال يعنوان: زعيمُ النُّقادِ وشيخ الأدباء، 8 يونيو، 2021.

5-أسعد السكاف: الثورية ومصادرها عند ماورن عبود، دار الثقافة، بيروت، بدون تاريخ.

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5748 المصادف: 2022-06-01 01:45:30


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م