شهادات ومذكرات

جابر أبو حسين.. هوميروس السيرة الهلالية

محمود محمد عليتعد السيرة الهلالية من أشهر السير الشعبية العربية التي لاقت قبولا واسعا داخل البلاد العربية، فالكثير من تلك البلدان كان مسرحا لأحداث السيرة من الجزيرة العربية لتونس الخضراء مرورا بمصر وخصوصا الصعيد الذي احتضن تلك السيرة وتغني بها شعراؤه ورددتها خلفهم أجيال متعاقبة عبر الحفظ والرواية شعرا وسردا، مغناة علي الربابة أو الطار فقط أو حتي القيام بسرد أحداثها نثرا، ولعل الصعيد بطبيعة تكوينه من قبائل عربية تري من هذه السيرة جزءا من تاريخها المباشر، والأهم من ذلك أنها تحتوي منظومة القيم الحاكمة التي تتبناها هذه الجماعة.

ومن ثم فهي تحافظ عليها عبر ترديد السيرة وتمثل مواقفها وأحداثها في مختلف نواحي الحياة التي تمر بها، لذا تقوم الجماعة الشعبية بانتخاب بعض أبنائها توكل إليهم الحفاظ علي هذه السيرة وترديدها ونقلها من جيل إلي جيل، هؤلاء الذين تنتخبهم الجماعة يجب أن يتحلوا بخصائص معينة بداية من قدرتهم علي الحفظ السريع والقدرة علي إنشاء الشعر وفق النسق الشعبي السائد والارتجال السريع بما يتوافق مع طبيعة الموقف والأحداث بالإضافة لجمال الصوت وقدرته العالية علي التعبير وفق الحدث داخل السيرة وغيره ثم الحضور الخاص وقدرته علي جذب الانتباه لما يرويه، وهنا تتبني الجماعة هذا الشاعر أو ذاك وتعتبره المعبر عنها فهو ابنها ونتاج تربيتها والحامل لمنظومة قيمها والقادر علي التعبير عنها بجمال وإبداع عال.

لعل "جابر أبو حسين" (3 نوفمبر 1913 - 1992) واحدا من أشهر الشعراء الشعبيين الذين تغنوا بالسيرة الهلالية ليس في صعيد مصر، بل في جميع أنحائها والوطن العربي كله، وربما يرجع الفضل في ذلك للشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي الذي قدم مع جابر أبو حسين عدداً كبيراً من الحلقات الإذاعية عبر الإذاعة المصرية إبان سبعينيات القرن الماضي مما كفل لأبو حسين هذه الشهرة الممتدة، لكن ذلك لم يكن ليتم لولا قدرة هذا الشاعر الفذ وشهرته داخل الصعيد الأوسط قبل لقاء الأبنودي به.

وجابر أبو حسبن هو ابن بلدتي مركز أخميم – قرية آبار الوقف بمحافظة سوهاج، كبير شعراء السيرة الهلالية في الوطن العربي، الحفلات التي كان يحيها العم جابر أبو حسين، وكانت غالبيتها مناسبتها في الأفراح التي كانت تمتد لثلاثة أيام يسرد خلالها الراوي أحد قصص السيرة ذلك التراث الشعبي الخالد الذي كان يسجل من خلال مسجلات شرائط الكاسيت.

والعم جابر، كما كان يحب يناديه الشاعر القنائي الراحل عبدالرحمن الأبنودي، وجابر أبو حسين من أشهر منشدي السيرة الهلالية في العالم العربي. كان يحفظ نحو مليون بيت شعر من القصيدة. كان يقدم نصف ساعة يومياً من السيرة الهلالية في إذاعة "برنامج الشعب" المصرية بتقديم من الشاعر عبد الرحمن الأبنودي. سجل الباحث الأمريكي جون رينولدز، من جامعة برنستون، عدة مئات من الساعات من أدائه للسيرة.

نعم لقد كان جابر أبو حسين من أعظم رواة السيرة الهلالية، وجميع من قاموا برواة السيرة الهلالية تعلموا منه، فهو يقدم دراما شعبية، وكان رحمة الله عليه لا يتقاضى أجرً وكانت له العديد من المواقف الإنسانية، وكان يحفظ نحو مليون بيت شعر من السيرة، وكان يقدم نصف ساعة يوميًا من السيرة الهلالية فى الإذاعة مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودى، وساعدت الموالد والأفراح وجامعيها فى جعل السيرة ملحمة غنائية تجمع التراث المتناثر الموجود حتى الآن وله عشاقه فى الوطن العربى وليس فى مصر فقط

كما كان جابر أبو الحسن هو واحدًا من أهم مؤرخي قصص السيرة الهلالية عبر شرائط الكاسيت في الصعيد، إن مقولة “لولا أنه يخشى حرمة الله، كان رقص الطير في سماه”، والتي كان يرددها محبو الشاعر، لم تأت من فراغ، مشيرًا إلى عذوبة الصوت التي كان يتمتع بها الشاعر وتمكنه منه أدواته فبجانب أنه كان شاعرًا وقوالاً لا يشق له غبار.

علاوة علي فإن أبو حسين كان “حريفًا” في العزف على الرباب، وكان سبيب الرباب يضحي بين يديه قطعة من الحرير ينسج بها معزوفات تجبر أصحاب البنادق على التوقف عن ضرب النار الذي كانوا يطلقونه تحية لأهل الفرح، للاستماع لصوت الشاعر الذي كان يكره عادة إطلاق الرصاص في الأفراح، وكان يردد دائمًا: “بتطرد الملايكة من المكان”، وحرصًا على مزاج الشاعر كانت تنكس البنادق وتخضع رجالة بشنبات وتسيل دموعهم، مثل الأطفال عندما يصل لهذا الموال: “يقول أبوزيد المسمى سلامة جور الليالي يبهدل الإنسان، آهين من الأيام يا كبير بلوتي، تريها الليالي تبهدل الشجعان، بتميل على الأمراء وتهدم فرشهم، وترفع أسافل مالها برهان، وتميل على الأخين تاخد عزيزهم ما تخلي غير الخاين الندمان، كنا بنجد في سرور مع هنا، كنا فى راحة وخصمنا حزنان، جتنا ليالِ شوم لا مرحب بها، خلت دموعي مزقوا الأجفان، ياما ضحكنا وكان البكاء عند غيرنا وادي اليوم بكينا وخصمنا فرحان، فاصبر على حلو الليالي ومرها لما يريد الواحد الرحمن”.

وجابر أبو حسين هو جابر حسين أحمد آدم، وشهرته "جابر أبو حسين"، والتي أطلقها عليها عبدالرحمن الأبنودي. وكان مفتونًا منذ صغره بالغناء الشعبي، وكان يواظب على الحضور بين يدي شيخ "الكتَّاب" حتى سن عشر سنوات، وحفظ القرآن الكريم وبعض الألفيات القديمة، التي كانت تُتلى عليهم في كتَّاب القرية، وكان يعشق المديح النبوي، ويحضر مع المنشدين في ليالي القرية ومجاوراتها ليردد وراءهم ما يقولون من ابتهالات وتواشيح، حتى لفت الانتباه صوته العذب الجميل وذاكرته القوية في الحفظ، وكان يعجب به مدَّاحو القرى ويصطحبونه معهم في الليالي والموالد. رحلة التغريبة والريادة.

إلى أن أحس ابن عمه ويدعى "أحمد بخيت"، أن جابر بدأ يسلك مسالك القوالين، أو الشعراء كما يسمونهم في الصعيد، وهم جماعة يعزفون على آلة الربابة، ويجوبون البلاد يغنون قصص السيرة الهلالية ليكتسبوا بها لقمة العيش، أنذره ابن عمه بأن يترك المشي وراء هؤلاء الناس، ويلتفت إلى حياته إلا أن جابر أصرَّ على ما نوى عليه، وعقد العزم على المضي في نفس الطريق، وزادت المضايقات، وكان قد بلغ من العمر 16 عامًا، فترك القرية وتوجه إلى الإسكندرية، وعمل بأحد الأفران ليوفر لنفسه مقومات الحياة والمعيشة في غربته.

وبدأ جابر يتردد على المقاهي التي يوجد بها الشاعر الشعبي الذي يروي السيرة الهلالية أو غيرها بواسطة كتاب يقرأ منه على الناس، وكان يدعي الشيخ "محمد الطباخ"، وهو من المداحين لرسول الله "صلى الله عليه وسلم"، حيث إنهم يجيدون الاستهلال الديني الذي حفظوا مادته من الأذكار والأوراد والقصائد العربية الشهيرة في المديح النبوي الشريف.

وحذا حذوهم جابر أبو حسين في استهلاله للسيرة فانظر إليه، وهو يقول: "أصلِّي على النبيِّ الهادي/ خد النبي نادي/ أنا قصدي ومرادي/ أشاهد ولد عدنان/ صلاتي على النبيِّ العربي/ طه عالي النسب/ مرادي ومقصدي وطلبي/ أشاهد صفوة الرحمن".

وكانت رحلة جابر أبو حسين بمثابة "الريادة" في طريق السيرة الهلالية، فقد استمع وتعلم وعرف واستطاع أن يزود نفسه بالعلم عن رحلة الهلالية في رحيلهم من الجزيرة العربية، قاصدين تونس الخضراء، مارين بمصر وصعيدها، والتي تركوا بها أنسابًا وجذورًا لبني هلال، ولا تزال تعرف حتى الآن في بلاد الصعيد.

وكانت رحلة الإسكندرية فرصةً جيدةً للتعلُّم الفني في الأداء والغناء على يد أهل الخبرة والدراية لسنين طويلة، حتى استطاع أن يحفظ السيرة بأكملها من الألف إلى الياء، واستوعبها فصلًا فصلًا، وقصة قصة، واختزنها في مخيلته وذاكرته المتقدة، حيث تعلم فن الأداء والمقامات اللحنية على يد المشايخ الذين يجيدون فن التجويد في الأداء الصوتي، والتلوين لحفظهم القرآن الكريم وقراءته، وحفظهم للشعر العربي القديم، ومعرفتهم بفنون التدريب الصوتي.

وقد وصف الدكتور محمد أمين عبد الصمد، الباحث في الانثروبولوجيا الثقافية، الفنان جابر أبوحسين بأنه أمير شعراء السيرة الهلالية، وقال إن جابر أبوحسين ابن مركز أخميم بمحافظة سوهاج، دائما يستهل حفلاته للمديح النبوي بـ “قد خاب عبدُ لا يصلي على النبي، نبي عربي قد جاء بالبرهان، أصلي على طه الذي جاء بالهدى، نبي الهدى يا صفوة الرحمن، يا سعد من أكثر صلاته على النبي، ويا سعد من صلى وصام رمضان، أصلى على المبعوث من آل هاشم، نبي الهدي صفوت كريم رحمن” .

وأضاف باحث الانثروبولوجيا الثقافية، أن غالبية حفلات جابر أبو حسين مناسبتها في الأفراح التي كانت تمتد لثلاثة أيام، يسرد خلالها الراوي أحد قصص السيرة ذلك التراث الشعبي الخالد الذي كان يسجل من خلال مسجلات شرائط الكاسيت، مشيرًا إلى عذوبة الصوت التي كان يتمتع بها الشاعر وتمكنه من أدواته، بجانب أنه كان شاعرًا وقوالاً لا يشق له غبار.

ولن أنسي طقوسي في الاستماع إلى "الشاعر" جابر أبو حسين ،  راوى سيرة "بنى هلال"، ذلك الرجل الضرير الذي أتحفنا بسماع أخبار "بنى هلال" وتفاصيل المعارك والغزوات، التى جرت بين "بنى هلال" و"زناته" على أرض "تونس الخضرا"، وكان "جابر أبو حسين" يختار مقهى من المقاهى بأخميم ، ويُفرش له صاحب المقهى فرشا بدائيا بسيطا، ليتغنى بالسيرة كل ليلة، وينام فى المقهى، ويأكل ويشرب وينفق من عوائد ما يجمعه له زبائن المقهى، كل ليلة.

وبمرور السنوات تخلقت أجيال تحفظ السيرة الهلالية، وتكونت أحزاب، منها حزب "أبوزيد"، و"حزب خليفة الزناتى"، وانقسمت القرى، قرى تدعم مواقف "أبوزيد" وتعتبره البطل الغازى، وقرى تؤيد "خليفة الزناتى"، وترى فيه الشيخ الحكيم الذى يدافع عن أرض تونس ضد جيوش الأعداء القادمين من الجزيرة العربية لاحتلال بلاده الثرية الغنية.

وفى سبعينات القرن الماضي بدأت إذاعة الشعب الحكومية تذيع الحلقات المسجلة للسيرة الهلالية، بشرح "الأبنودى" وغناء "جابر أبوحسين" فتحول ، المسرح إلى صورة أخرى، وأصبح الناس يجتمعون كل ليلة فى حلقات فى "المناضر" ومع الساعة العاشرة مساء تبدأ طقوس الاحتفال.

يبدأ "الأبنودى" فى تلاوة المقدمة المتضمنة الحدث الذى سيرويه الشاعر، وبعدها يقول عبارته المشهورة "قول ياعم جابر"، ويقول "العم جابر" حكاية أو موقفا من مواقف "الهلايل فى بلاد الغرب" التى يعرف ، وتنتهى الحلقة وتنفجر الحكايات ويعرض كل واحد من المستمعين ما لديه من أخبار وحكايات، ويسوق للحضور ما سيحدث فى الحلقات القادمة، وما سيقع من معارك وأحداث ،حفظها منذ أن كان شابا يجلس فى "الدكان" مستمعا للشاعر" جابر أبوحسين" قبل أن يغادر أهل القرى ويصبح من نجوم الإذاعة المشهورين.

وبمرور السنوات توقفت إذاعة الشعب، وتوقفت إذاعة حلقات السيرة، وظهر بديل آخر هو "شرائط الكاسيت" فاقتنى عشاق السيرة هذه الأشرطة وأصبحوا هم المتحكمون في مواقيت الاستماع للسيرة، ولم ينقطع الاستشهاد بأبيات الشعر الواردة في السيرة عن الأحاديث اليومية، ولم ينقطع تدعيم الكلام العادي بحكاية أو حكايات ومواقف مجتزأة من السيرة، فالناس لا يقرأون الصحف ولا الكتب، رغم أن أولادهم وبناتهم التحقوا بالمدارس، والسيرة بالنسبة لهم هي الوعى والثقافة والمتعة والتاريخ المقدس والحكمة الخالصة وأبطال السيرة كبار في عيونهم وقلوبهم، ووقع الانفصال الثقافي بين ـ جيل الآباء والأجدادـ  وجيل "المدارس"، لكن جيل المدارس لم يخل من عشاق للسيرة واستفاد بوجود "أجهزة الكاسيت" والأشرطة التي تحمل حكايات "الهلايل " ومنهم من سار على نهج جده أو نهج أبيه واقترب من عالم السيرة وأحبها وتعلق بها.

ورحل جابر أبو حسين عن عالمنا عالم 1997، وتُوفي في بلدته ودفن بمقابر عائلته، وترك للحياة الشعبية إرثًا عظيمًا وملحمة عربية تفوق كل ملاحم المدنيات الأخرى. رحل جابر أبو حسين وترك لنا السيرة الهلالية بصوته تعيش معنا حتى يومنا هذا، فلو رفض وأصرَّ على رفض تسجيلها ما تمَّ تخليدها، فهما من أجمل ما ترك أبو حسين، وهنيئًا للأبنودي بها، فهي محطة يعتبرها من أهم محطات حياته التي حقق فيها النجاحات الكثيرة.

رحم الله العم جابر أبو حسين ، الذي صدق فيه قول الشاعر: وليس موت إمرئ شاعت فضائله كموت من لا له فضل وعرفان.. والموت حق ولكن ليس كل فتى يبكي عليه.. إذا يعزوه فقدان في كل يوم .. ترى أهل الفضائل في نقصان عد وللجهال رجحان.

***

أ.د محمود محمد علي

أستاذ الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- أحمد الليثي: جابر أبو حسين هوميروس العرب، القاهرة ، بدون تاريخ.

2-خالد اسماعيل: سيرة بنى هلال.. دستور عرب الصعيــد الأخلاقى وسجل تاريخ الأجداد المقدس، حكايات، ١٧:١٣:٤١ – ٢٠٢١/٠٩/٢٣

3- احمد ابو خنيجر: جابر أبو حسين‏..‏ شاعر السيرة الهلالية، الأهرام ، السبت 4 من صفر 1435 هــ 7 ديسمبر 2013 السنة 138 العدد 46387

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5829 المصادف: 2022-08-21 02:44:07


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5994 المصادف: الخميس 02 - 02 - 2023م