شهادات ومذكرات

أدباء طواهم النسيان.. عبد المطلب صالح المكتنز أدباً وعلماً

ليس من الميسور على الكاتب، تناول شخصية أدبية مرموقة، بكتابة مستوفية شروط الموضوعية والكمال، حين لا يجد الكاتب ضالّته بصورة واحدة على الأقل تعزز موضوعه في التعريف بالشخصية، من المحزن جداً ان محاولات البحث في الأرشيف الثقافي،( الصحف والمجلات والمؤسسات التي عمل فيها) لم تسعفنا في الوصول إلى تلك الغاية. لولا بعض اللمحات واللقطات الشحيحة المنشورة عنه، وهي لا تشكّل مادة تغني الباحث. (لم أعثر له على أية صورة في الفضاء الألكتروني).

ان مترجماً مهماً وكاتباً رصيناً مثل عبد المطلب صالح، أجد من الانصاف والوفاء  أن أسجل لهذا الرجل مأثرته في الكتابة، بعد أن طواه النسيان، كان صالح من الكتّاب العراقيين القلّة الذين آثروا المكوث في الظل بعيداً عن الأضواء، برغم موهبته في الترجمة عن الأدب الفرنسي، وتخصصه الأكاديمي في الأدب المقارن، وإذا كانت الذاكرة الثقافية العراقية تحتفظ لجعفر الخياط، وعناد غزوان، وداود سلوم، وضياء نافع، بقسط وافر من الاعتزاز والاحترام لجهودهم المتميزة في الأدب المقارن، فأن عبد المطلب صالح، ومنجزه الإبداعي في هذا الميدان يعدّ شاهداً على غنى تجربته، وعمق ثقافته.

كان عبد المطلب قد درس الأدب العربي في دار المعلمين العالية، تخرّج فيها مع نازك الملائكة، والسياب، ولميعة عباس عمارة، وعبد الرزاق عبد الواحد، ثم بعثته الحكومة لدراسة الدكتوراه في الأدب المقارن، في احدى الجامعات الفرنسية، منذ خمسينات القرن الماضي، إلا أنه للأسف الشديد لم يكمل الدراسة، وعاد إلى بلده بسبب المرض.

صدرت له العديد من الكتب، منها على سبيل المثال : دراسات في الأدب المقارن، دانتي ومصادره العربية والإسلامية، ترجم للشاعر لويس أراگون كتابه (فيكتور هيغو)، شاعراً واقعياً في ضوء المنهج الماركسي، وآخر: دراسات في أدب الواقعية والواقعية الاشتراكية، و صدر له (في أدب البروليتاريا، التأثير الفرنسي في أدب محمد مندور، مباحث في اللغة).

فضلاً عن عشرات الترجمات والمقالات في الأدب والثقافة والفكر المنشورة في المجلات، والصحف الصادرة في العقدين السادس والسابع من القرن المنصرم.

وأقرب الأصدقاء له، كانوا نخبة من علماء اللغة، والأدباء، وأساتذة مرموقين، أمثال: مصطفى جواد، أكرم فاضل، ابراهيم السامرائي، كامل مصطفى الشيبي، حسين علي محفوظ، شاكر خصباك، علي جواد الطاهر، جليل كمال الدين، باقر سماكة، الشاعر محمود البريكان، الفريد سمعان، وغيرهم.

بعد خمسة عقود من الزمن، ما زلت أتذكر اللقاء الأول بعبد المطلب صالح، تلك الأعوام الأخيرة من عقد الستينات، عادت مجلة الثقافة الجديدة إلى الصدور، تحول المبنى إلى ملتقى أدبي، فكري، سياسي، فيه جرت المحاولات الأولى لعودة إتحاد الأدباء، وتشكيله من جديد، كما شهدت تلك الفترة هامشاً من الحرية، وتراجعاً عن الوصايات الأيديولوجية والحزبية، لحساب محاولات التجديد في الأدب العراقي، التي أشاعها الجيل الستيني نهجاً وسلوكاً. وأجواءً للحوارات والمراجعات على مستويات عدّة.

أبيض الوجه أقرب إلى التدوير، ، جبهة عريضة واسعة، شارب برونزي، عينان لامعتان ملونتان، تشعّان بريقاً ذكياً، قامة متوسطة أقرب إلى البدانة، تلك أولى الإنطباعات التي تناهت إلى مخيلتي، وأنا أتأمل وأنتظر ما سيسفر عن قدوم هذا الرجل الذي ناء بحمله مثقلاً بحقيبة جلدية سوداء، تآكلت أطرافها، منتفخة.

يبدو أن مدير التحرير الشاعر الفريد سمعان أوحى له بمهنتي في المجلة، فبدأت يده تتجه نحو مفتاح حقيبته، ثمة أشياء كثيرة كانت في جوفها، لا تكاد تميزها من أول نظرة، تبدو يده الأخرى منصرفة لإطفاء سيگارته التي ظلت مشتعلة حتى النفس الأخير، تلك اللحظة، اخترقني إحساس بانشداد سحري لهذا الرجل، لتلك الشخصية التي تنطوي على غموض، كأن صمته ينتمي لطفولة مدهشة، نادراً ما يتحدث، مستغرقاً في الإصغاء والتأمل، يبدو لمن لا يعرفه أحياناً شارد الذهن، سارحاً في الخيال.

من جميل المصادفات أن يكون هذا اللقاء بداية لعلاقة جديدة توطدت وازدهرت بمرور الأيام، بعد أن بات يتردد على جريدة طريق الشعب اليومية، مشاركاً وكاتباً ومترجماً نشيطاً، ثم علاقة جميلة ورفقة طيبة وصادقة تشكّلت بسمات تلك الحقبة من الزمن بكل تفاصيلها، وتشابكها. كنت ممتناً له حين إلتمس مني تصميماً لغلاف كتابه دراسات في الأدب المقارن، وآخر في أدب البروليتاريا، وهو في غاية السعادة حين أنجزت ما أراد، برغم تواضع وبساطة التصميم، ضمن الإمكانات المتاحة أنذاك.

لا ريب أن صالح أحد أندر الكتاب العراقيين، وأكثرهم دقة في صياغة أفكاره، لما يتمتع به من قدرات لغوية، وموهبة في الترجمة، واطلاع على الأدب العالمي، إذ قطع شوطاً بعيداً في تتبعه ودراسته، على وفق قناعاته، إذ كان من أبرز الدعاة لأدب واقعي اشتراكي، فأثار جدلاً واسعاً بشأن الموضوعات التي تطالعنا في كتاباته، التي لم تجد لها سبيلاً نحو الثبات، والقبول.

كان يتصدى بجرأة ومن دون هوادة لأدباء معروفين، ليكشف (محاولات الانتحال)، لدى البعض، كما حصل مع محمد مندور، في كتابه ( نماذج بشرية)، بالقول : أما كان بوسع مندور أن يترجم كتاب (جان كالفيه)، من دون أن يدعيه لنفسه؟ يؤكد صالح ان مندور سرق مجهود كالفيه، في كتابه (النماذج العالمية في الأدب الفرنسي والعالمي).

ظل عبد المطلب مخلصاً لنهجه الفكري لم يتراجع قيد أنملة، مؤمناً بشكل مطلق في متبنياته، عنيداً بقناعاته، بالمقابل كان هناك جيل ينظر بحساسية بالغة إلى تلك الرؤى، يتحدث بلغة جديدة، ضد ما هو سطحي ومباشر في الكتابة، كان هذا الجيل مختلفاً حتى في نمط قراءاته، لم يعد رواد الواقعية الكبار يحظون بدرجة من الإعجاب، لم يكن أولئك  مثلاً يستحق الاقتفاء، وأصبحت الواقعية الاشتراكية، وأدبها شيئاً رثاً متخلفاً، ومن يدعو لها متحجراً.

لم يسلم عبد المطلب صالح من تلك الأحكام، ومقاسات (الموجة الصاخبة)، لأنه يقدم أفكاره وفق طبيعة وعيه، وثقافته التي اكتسبت مفرداتها وعوالمها من خلال موقفه وعاطفته هو التي تملي عليه أن يكون حالماً بطريقته الخاصة، ان عالمه عالم غني مضيء، فيه الكثير من القدرات الموحية،  يقدم تجربته برصانة وموضوعية كعارف ومتخصص، وأحياناً بصرامة بعيداً عن العواطف، إذ يذكر: ان حبنا للواقعية الاشتراكية في الأدب شيء، وتشخيص ملامحها في المشهد الأدبي شيء آخر، في إشارة لرأي الناقد فاضل ثامر عن توفر ملامح الواقعية الاشتراكية في العديد من تجارب الأدباء العراقيين في عقدي الخمسينات والستينات.

هذا الكلام يعطي تفسيراً متأرجحاً لماهية الواقعية الاشتراكية، وأسسها، واغفالاً للظروف الموضوعية، حسب رأي صالح، الذي يؤكد على ان الصواب في وصف تلك الملامح انها تنتمي إلى تيار الواقعية النقدية، بأطر إنسانية

ان ما قدّمه من أراء بشأن قصة الستينات، وكتابات (وفية أبو قلام) عن الواقعية الاشتراكية، يعطي الدليل على عمق قراءاته النقدية ووعية المتقدم الرصين.

كان يعتقد انه ليس من الصواب عدم التصدي للآراء التي تفتقر لمنهجية البحث العلمي الموضوعية، وعلى هذا الصعيد كان يصحح (لأبو أقلام) آراءها بشإن الروائي الفرنسي بلزاك، واصفة إياه: انه كان ذا إتجاه اشتراكي في الأدب، في حين ان الحقائق تقول غير ذلك، وقدّم عبد المطلب أكثر من دليل لتفنيد رأي (ابو اقلام).

عبد المطلب صالح من القلّة التي إستطاعت الإمساك بالخيط، الذي يشد الكاتب إلى أفقه بجدارة أخلاقية ومعرفية، هو في كل الأحوال مكتشف للمعاني عبر ما أنتجه عقله النيّر، وفي هذا السياق، يربح المتزلفون، ومزورو الشهادات، وفي هذه الحمى يفوز البارعون في التملق، وبوس اللحى، ومسح الأكتاف، كيف لمثقف مثله يحمل في ذهنه صبوات الماركسية أن يعيش وسط عالم يستمرئ الحياة في الظلام ويعيد توليده؟

هل تمنحنا الحق أن نتحدث عنك بعد نصف قرن يا صديقي؟ كيف تركناك أن ترحل من دون أن نعرف؟ وأنت المكتنز بالأشياء، لم تترك لنا سوى ذكريات، نحاول أن نصطادها، لكننا لا نمتلك عدّة الصيد، هناك من يتربص بنا نحن ليلتهمنا.

إشارة لابد منها:

ما كان لهذه المقالة أن تنشر، لولا (نجدة) الأستاذ الناقد فاضل ثامر، الذي أسعفني في الوقت الضائع بصورة من أرشيفه للكاتب عبد المطلب صالح، ومعلومات مهمة في سيرته الشخصية، ألف شكر وإمتنان للصديق ثامر، أنه أنقذ المقالة من محنة حقيقية.

* ولد عبد المطلب صالح مهدي ابراهيم العبيدي في 31 آذار 1928، بغداد، محلة الخلاني.

* أكمل الإبتدائية في المدرسة الجعفرية، كذلك الثانوية.

* تخرج في دار المعلمين العالية بدرجة (شرف).

* درّس في المتوسطة الغربية، في أول تعيين له.

* توفي في 19كانون الثاني 1996

***

جمال العتّابي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5853 المصادف: 2022-09-14 02:32:11


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5934 المصادف: الاحد 04 - 12 - 2022م