نصوص أدبية

محمود سعيد: القبّعة

تلفّتُّ حولي لم أرَ أيّ عامل في المحلّ الكبير، القبّعة تقليديّة من جهة، وحديثةمن جهة أخرى. سوداء، رسميّة، من طراز ما كان يعتمره الممثّلون القدامى كهمفري بوكارت، وغاري كرانت ومنتجمري كليفت وغيرهم، لكنّها حديثة، صغيرة جداً، لا تكاد حافتها الخلفيّة تزيد على سنتمترين، قررت شراءها، لكني توقّفت. هناك في الجهة اليسرى ثلاث أشرطة ضيقة ملوّنة. وجدت العاملة، على بعد نحو عشرة أمتار، في القسم النّسائيّ، اغتبطتُ، لوّحت بيدي وأنا انظر إلى جهتها. هزّت رأسها، زال تحفّظها عندما اقتربت، بادرتُ: رجاء هل هذه للرّجال أم النّساء. تهكّم مرح انطبع على تقاطيعها الجادّة: "أيوجد فرق؟" ابتعدت عني، حالاً. لم أزد. ربما تعتبرني مستفزّاً، إن أضفت كلمة أخرى. تتّهمني بالتميّيز. لن أشتري القبعة. دفعت عربتي. في شقّتي قبّعات مكدّسات، لم أستعمل قسما منها. عندما اكتشف تلاميذي شغفي بالقبّعات، قدّموا لي قبّعة هدية في حفلة نهاية كلّ فصل. حتى سكان العمارة أخذت هداياهم تترى. وجدت غير قبّعة معلّقة بيد الباب، خالية من الاسم،بينما أخذت د. كارولين تحصي ما أعتمره بدفتر ملاحظاتها، بالأوصاف والألوان، وتعيده ونحن نضحك في أوّل مطعم يجمعنا،وزوجها يقهقه. سأقول لها حين نلتقي: تمنّيت لو كنت معي لأتأكّد من صلاحيّة القبعة، بدل تهكم العاملة الجاف: "أيوجد فرق؟".

في البيت فتحت علّاقة المشتريات، لأضعها في الثلاجة، أو المطبخ، فوجئت، انتصبت القبّعة نفسها أمامي. من وضعها؟ لا أتذكّر، إذن من؟ يا لي من غبيّ، أخذ نسياني يتفاقم. هل هذه إحدى علامات الخرف؟ تفحّصتها، نعم هي، القبّعة ذاتها. أخذ قلبي يدقّ. ماذا لو اكتشف رجل الأمن ذلك؟ وجه الفتاة المصفر، عيناها الدّامعتان، نظراتها تلتهب بالرّعب. أحدى العاملات الضّخمات تشدّ على ساعديها بكلتا يديها، وتسيّرها أمامها وإلى جانبها رجل الأمن، العملاق، متجهّم الملامح، عيناه تتّقدان شرراً. تخيلته يدفعني بدل الفتاة، أيّ خزي؟ ستأكل الصحافة المحلية، ووسائل الإعلام بجسدي أسبوعاً في الأقلّ، هل سيصدّوقونني؟ ستشمت ألسنة حادّة بي، وستأسى أخرى لما أصابني.قبل كلّ شيء. اللعنة عليك يا أحمد صدري. أوّل مرّة رآني قال لي: لماذا تستفزّ النّاس الأبرياء بقبح صلعتك؟خذ هذه واسترها!

كيف سأدافع عن نفسي؟ أأقول للشّرطة وضعتها في الحقيبة دون أن أشعر! حتى أنا لا أقتنع بهذا الجواب السّخيف. لماذا لا أتّصل بأحمد ليخرجني من المستنقع الذي أوقعني به. لا. ستضحك عليّ زوجته. كيف سيدافع المحامي عنّي؟

الحلّ الوحيد أن أرجعها. سيطلب مني رجل الأمن إيصال الشّراء. استبعدت الأمر، سأضع نفسي في موقف الاتّهام. ماذا سأقول؟  سيشكّ فيّ أكثر، سيرسلون ثلّة من الشّرطة لتفتّش شقّتي، فقد أفعل ذلك لأتستّر على سرقات أخرى. هذا ردّ فعل طبيعيّ. لا، لن أقدم على هذه الخطوة. ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟

"هلْلُللووو". جاء صوت ماريان الغنج، في سماعة الهاتف، توسّلتُ: "ماريان، تعالي أرجوك. أحتاجك الآن."

قههقتْ: "لماذا؟"

"لا أستطيع الشّرح. عندي مشكلة عويصة، أنت وحدك تستطيعين حلّها، تعالي."

- ما هي؟

- سرّ.

- لست صاحب سر.

- رجاء.

قهقهت ببرود، يعجبني صوتها عندما تقهقه، كمغنية الأوبرا، يتصاعد درجات ثم ينفجر كقنبلة لذيذة.

- ينتهي عملي في الثّانية والنصف. بعد ساعتين. هه هه هه.

ماريان ذكيّة، نشطة، لمّاحة،انامتأكد. وحدها من سيحلّ المشكلة. لكن كيف ستعالج الأمر؟ "لا أدري.". عندي أكثر من ساعتين، أخذت ألهي نفسي، تغديّت وأنا أفكر. كيف اصبحت القبعة مع المشتريات؟ هل وضعتها أنا بدل أن أعلقها في مكانها؟ أتذكر أنني نظرت بتمعن إلى بضع قبعات أخر، أحداها زرقاء عميقة، وأخرى صفراء، وثالثة بلون الخاكي، لكنها وحدها نطت كالضفدع في الحقيبة، لماذا هي وحدها؟ لا شكّ أنها صنعت لجني أراد أن يحرجني. لا أدري ، قبل أن أرشف قهوتي، سمعت الباب يفتح، وخطوات ماريان في الممّر: هلْلُللووو

هتفتُ وأنا أنهض لاستقبالها: القهوة جاهزة.

- لا. تناولتها وأنا في الطّريق، ما المشكلة؟ ما السّرّ؟.

أمسكت ببطاقة السّعر بالسّبابة والإبهام، والقبّعة تهتز كبندول السّاعة، وكأنّها كانت على رأس أجرب، وخوف عدوى الوباء يهددني. بينما كانت ضحكة ماريان تترى من دون انقطاع، وهي تصفّق: أتخيل نفسي في مركز الشرطة أتكفّلك، أخترع الأكاذيب لأدافع عنك. لكن لا عليك.سأرجعها الآن. هيّا.

أشرت إلى الطّعام: كلي أوّلاً.

- لا، لنذهب.

في محلّ الملابس، وقفت قرب الدرج الكهربائي الصاعد، قرب الباب، قلت لماريان: اذهبي وحدك.

- لا تتردّد.

- لن أجيء.

مغامِرةٌ هذه الـ ماريان، ترى ماذا ستقول لهم؟ كيف ستحلّ المشكلة؟ تمشّيت في الجوار، لم ابتعد. بعد نحو عشر دقائق سمعت صوتها: تعال.

أخذت تلوح بكيس صغير ملفوف.

- ماذا فعلوا؟ ماذا قالوا؟

ضحكت مرّة ثانية: لم يقولوا شيئاً، لم يفعلوا شيئاٍ.

كانت تسخر من هلعي، تقلدني: "مشكلة عويصة". قلت لهم، إنّني وجدت هذه القبعة في موقف الحافلة، قبل أن أدخل، وجئت بها لأن اسم المحل في بطاقة السعر.

- ألم يسألوا عن الإيصال؟

- لا. أخذوها، وتركوني، وقبل أن اصل إلى الدّرج النّازل، سمعت شرطي الأمن ورائي يستوقفني، قال لي: "المدير يطلبك". رافقته إليه و.

قاطعتها: ألم تخافي؟

ضحكت: لماذا أخاف؟ ماذا فعلت؟

غمزت عينها: أنت تسرق وأنا أخاف؟

ضحكتُ: ماذا أراد المدير؟

- نهض من وراء مكتبه، عانقني، شدّ على يدي، امتدح أمانتي، ثم استدعى إحدى العاملات، قال لها: لتأخذ مجاناً أيّ شيء بما يعادل مئة دولار فأقل. أعادت التّلويح بالكيس ثانية.

ضحكتُ: هل اخترت شيئاً بحدود مئة دولار؟

هزّت رأسها: لا، أرخص شيء، بأحد عشر دولاراً وعشر سنتات فقط.

- دعيني أرى.

هزت رأسها وهي تضحك: لا لا لا. لا تدخل نفسك في شؤون النساء.

***

محمود سعيد 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5678 المصادف: 2022-03-23 02:22:37


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5874 المصادف: الاربعاء 05 - 10 - 2022م