نصوص أدبية

هشام بن الشاوي: ذلك الندى الذي يشبه الدموع

نمت مبكرا على غير العادة، بعد ليلتين - فقط- من السهر. كنت مرهقا، ومثقلا بمطالب داخلية؛ مطالب هذا التراب الذي خلقنا منه.  بسبب هذا التراب الذي لا يفرط في حقه البيولوجي من النوم، أبدو عصبي المزاج، لا أرغب في سماع أصوات الصغار، وهم يمرحون بخفة أبدانهم وأرواحهم، غير عابئين بجارة مريضة، تحتاج إلى الهدوء.

نمت مبكرا، فاستيقظ الحزن مبكرا أيضاً. وبلا سبب، تمططت الدموع على عتبتي عيني. عيناي المخادعتان قالتا إن تلك المرأة لم تعد جميلة! تلك بعض حيل هذا التراب. التراب يمرض، يتعب، يتوق إلى الريح، المطر والندى أيضاً.

هذه الدموع الصباحية، جعلتني أتذكر جدي، وهو يغيب في ضباب صباحات صيف بعيد، كان يستيقظ مبكرا من أجل البغلين، يتركهما في مرعى بعيد، يربطهما هناك، ليقتاتا على ما تبقى من حصيد حقل قمح... كنت صغيرا وضئيلا، أنظر إلى البعيد، ولا أرى سوى الضباب. لم أكن أعرف أن العالم بدأ قرية، لكنه لم يعد قرية صغيرة، صار مدينة كبيرة، تسكنها أفواه واسعة.. تخشى أن تطول هذه الحرب، فيجوع هذا العالم. هذا العالم الذي اكتشف أن صواريخه وناطحات سحابه رهينة بلدان لم تـبدْ قراها وحقولها. هذا العالم - بكل جبروته وسطوته- يحتاج إلى قمح رجال يستيقظون مبكرا، من أجل دوابهم وأنعامهم.. لأن الحياة تستيقظ مبكرا هناك. هناك، الحياة لا تسهر في حانات حتى الصباح، لأن التراب يحتاج إلى قسط من الراحة.

في تلك القرى، لا يوجد رجال ينكرون وجود خالق عظيم لهذا الكون، ثم ينتحرون - ذات صباح- ليس بسبب آية الكرسي، ولكن بسبب ذلك الزلزال الداخلي، الذي يعصف بتراب الدواخل.

هذه الدموع ذكرتني بذلك الندى، الذي كان يبلل أسفل سروال طفل، يريد أن يبدأ صباحه البهيج بتناول ثمار التين والتين الشوكي، قبل عودة الجد من المرعى؛ يفضل تناولها باردة، لكنه لا يحب هذه الثلاجة، التي يريد العالم أن يخزن فيها موادا غذائية، قبل حلول شهر رمضان الكريم. العالم مهموم بلهيب أسعار الطماطم، وأخواتها...

هذا العالم لم يعاتب سماسرة المدينة، الذين سرقوا حقول الفلاحين، لكي يزرعوا عمارات، تشبه الأقفاص. هذا العالم يتابع عبر شاشات هواتفه البليدة ما يجري، يبتهج بجمال المجندات الأوكرانيات، وهو يخفي اشتهاءه لهن.

هذا العالم مشغول بأطماع صغيرة وتافهة... هذا العالم لن يحزن، مثلك، لأن موزع الأكياس البلاستيكية، ذلك الرجل البسيط، الذي يطارد بدراجته النارية المتهالكة قوت يومه، ويحمد الله تعالى - دوماً- أنه بصحته، أن ترابه لم يخذله بعد.. لم ينزو في ركن ما في بيته، ثم يتذمر من ضجيج أبناء الجيران. هذا العالم لن يهمه أن الشرطة أوقفت ذلك الرجل، صادرت دراجته النارية ومصدر رزقه، وتنتظره غرامة مالية، ستنسف جيوبه، بينما المصنع السري يواصل تصدير سمومه البيئية.

أيها العالم الكريه، توقف عن صناعة أكاذيبك في مكاتب مكيفة، وأنت تشد ربطة عنقك. رجاء، توقف عن رسم ابتسامة الذئب على ملامحك البليدة، وأنت تجلس إلى طاولة مفاوضات محايدة..

أعد إلينا قرانا، حقولنا.. واذهب - أنت وصواريخك- إلى الجحيم.

***

هشام بن الشاوي 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5681 المصادف: 2022-03-26 02:19:47


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م