نصوص أدبية

بشرى البستاني: قصيدة العراق

قصيدة العراق

بشرى البستاني

**

تلوبُ الطيورُ:

الجبالُ، الجبالُ

الجبالُ تؤرِّقُني

وتلفُّ بأغصانِها جرحَ روحي،

الجبالُ صبايا،

تجزُّ ضفائرَها الطائراتُ

فأجمعُ عنها شظايا القنابلِ

أمسحُ وجنتَها،

فتسيلُ الغيومُ على مهلِها …

فوقَ وردِ الصباحْ …

والجبالُ حيارى

الجبالُ التي شرَّدَتْني

الجبالُ التي هَجَرتْني

وأهجرُها …. وأحنُّ إليها،

فتبكي جروحي

وأنسى الذي كان ما بينَنا

من مَلامْ ….

والجبالُ تلوبُ: العراقُ،

العراقُ متاحفُ نخلٍ، مرايا، وعاجٌ

وأروقةٌ من لُجينٍ،

وأزمنةٌ من دمٍ، وأكفٌ تدقُّ رتاجَ العصورِ

فتنهض إنساً وجانْ ...

وتعدو الفيالقُ، تعدو البيارقُ،

تعدو الخيولْ ..

**

والعراقُ الرّؤى، والمدى،

والأمانُ، العراقُ الأماني

العراقُ حديقةُ روحي

تضمُّ إليها غيوماً، وبرقاً،

وأزمنةً من لظىً

وجداولَ شهْدٍ تشقُّ أكُفَّ الترابْ.

والعراقُ عباءةُ أمّي،

وثوبُ العذارى،

اللواتي يمُتْنَ على السفحِ

من ظمأٍ وأغترابْ.

- يا قمرَ الجبالْ.

عَرِّجْ على السفوحْ.

فوجهُكَ الأبهى.

يطلعُ في الجروحْ …

- يا قمرَ المنفى.

عَرِّجْ على الحقولْ.

فوجهُكَ الأبهى

يولدُ في البذورْ .

**

فيا شجراً لا يهادِنُ

يا شجراً يستفزُّ الرياحَ

لماذا فتَحْتَ النوافذَ

والشمسُ داكنةٌ

والعيونُ قميئهْ؟

لماذا توضّأتَ بالدمِ، بالأمنياتِ،

ودهرُكَ أعجزُ من باقلٍ

والعدوُّ يهدهِدُ صبيانَهُ

والرياحُ تسيرُ بما يشتهي القتلهْ؟

أنتَ علَّمتَني أن أموتَ

كما ينبغي

وأُلَبّي الحياةَ

إذا انبلَجَتْ قنبلهْ ..

فلماذا ذهبتَ وخلَّيتَني؟

ولماذا عبَرتَ إلى جهةٍ أنا أجهلُها؟

في الطريقِ إلى مكّةٍ عيَّرتْني القوافلُ

أنْ سأموتُ بلا كفنٍ، أو سدورْ.

وفي المغربِ العربيِّ وجدْتُ ثيابي

معلَّقَةً فوق صاريةٍ،

وثيابي على جبلِ الشيخِ في الشامِ

منشورةً،

فوق حبلٍ يخطُّ هويةَ أهليَ

بينَ البنفسجِ والنارِ

بين المُدى والقتيلْ.

هناكَ وجدتُكَ تبتاعُ خبزاً لوردِ العراقِ …

وتنحَتُ صخراً لأحلامِهِ

نسيَ النّيلُ ما كانَ

آفةُ هذا الزمانِ التذكُّرُ

آفتُهُ الموتُ فوق حجارةِ أمسٍ تلَبَّدَ

تلكَ الجبالُ، الجبالُ،

الجبالُ طيورٌ تكابِدُ.

منافٍ

حصونٌ،

حقولٌ من الزَّعترِ المُرِّ،

نعناعُها كَرَمُ الأرضِ،

شحَّتُها،

قمرُ الأرضِ، لوعتُها

والجبالُ الجحيمُ،

الجبالُ النّعيمُ،

الجبالُ سياطٌ تغالبْ …

تهادِنُني،  لا أهادِنُ

والجبالُ المناراتُ:

خضراءُ،

حمراءُ،

سودْ …

والجبالُ:

القبابُ، الوعولُ، المرايا

مراكبُ تسرحُ في الغيمِ،

تبحثُ عن لوعةٍ،

ولظىً يَسَعانِ هواها …

تؤرجِحُني ….

أتهاوى إلى القاعِ،

أصعَدُ عبْرَ الجذوعِ،

أرى ذِمَماً تُشترى

وشعوباً تباعُ …

وأُبصرُ تاريخَ حبّي على السّنديانِ

ممالكَ أهلي وتيجانَهم

ونُضارَ خُطاهم وأزمانَهم

فتلوبُ الكهوفُ

وتشعلُ أنيابَ فيلٍ تمرَّدَ …

أبرهةٌ لا ينامُ،

يفتِّشُ عن بابِ مكّةَ بين السفوحْ ..

والجبالُ ملاعبُ أهلي …

أحسُّ دبيبَ سواهم على قمَّةٍ،

هي وردةُ روحي

على ربوةٍ هي جرحُ الضّفافِ

التي طهَّرَتْني،

على نبعِ ماءْ …

تغوصُ حمامةُ قلبي بأغوارِهِ

فأفوحُ شذىً ….

أتأرجَحُ ما بين ليلٍ وفجرٍ،

وعطرٍ ووجدٍ،

وما بين نارٍ، ونارْ.

وفي لحظةِ الشوقِ،

ما بين شِعبينِ،

في شجرِ الجوزِ،

في جذعِ لوزٍ يخبّئُ تاريخَ آشورَ،

في جنَباتِ الصّنوبرِ

أو عنفوانِ الشَّقائقِ،

يلتاعُ جلجامشُ، السرُّ يفقأُعينَ الخطيئةِ،

تحتدِمُ الأرضُ في قاعِ وادي العقيقِ،

الحُداةُ،

الحُداةُ،

الحُداةُ يصيحونَ بالمُدلجينَ الذينَ

يجزُّونَ شعرَ الغزالِ،

الغزالُ مُسجّىً على قاعِ رملِ الخليجْ ..

*

- يا قمرَ البستانْ.

عَرِّجْ على الشّرفهْ.

فوجهُكَ الفتّانْ.

يموتُ في سعفهْ.

يا قمرَ الجبالْ.

عَرِّجْ على السفوحْ.

فوجهُكَ الفتّانْ

يولدُ في الجروحْ.

**

وشريفُهم في الليلِ يضربُ كفَّهُ

ماذا سنفعلُ دونما تَتَرٍ ؟

همو وعدوا سيأتونَ العشيَّهْ

والعلقميُّ إذا تأخَّرَ،

من سنعطيهِ مفاتيحَ القضيّهْ

يختضُّ تاريخُ الرّماحِ

على ظهورِ علوجِهم

ترتجُّ أحذيةُ البرابرةِ، التتارِ،

على سفوحِ جباهِهم

يا ويلَ ماضيهم من الآتي …

وآتيهم من الأصنامِ والأزلامِ،

والزّمنِ المُضرَّجِ بالأسى،

ومجازرِ التفّاحِ،

هذا البحرُ غربانٌ،

وأوحالٌ، ودَمْ .

ومراكبٌ تهوي، وأخرى تُحْتَدمْ …

والبحرُ أهدى الفجرَ قُبَّعةً، وراحْ …

لم يستبِحْ وردَ الطفولةِ،

بانبلاجِ الأفقِ كان البحرُ يؤمنُ

بالخطيئةِ، بالرياحْ ..

باللّعنةِ الكبرى، وبالوطنِ المباحْ ..

أبوابُ حيفا مُذْ خرجنا …

ظلّتْ مفتَّحةً لأسرابِ النميمهْ …

سِفرُ الجريمةِ أينَعَتْ أغصانُهُ،

وعناكبُ الديجورِ،

تحجُبُ في الرّبى وردَ الصباحْ ..

ماذا ستعطيكَ الحياةْ ؟ ….

النارُ أشعلَتِ السّنابلَ في الحقولِ،

ونارُهم غرّاءُ، لا تؤذي القتيلَ،

حضارةٌ زهراءُ،

من دمِنا إكفهمو تسيلُ

فلا تمُتْ في القيظِ لا ماءٌ،

ولا خبرٌ، ولا قمرٌ ظليلْ .

أعطَتْكَ هذي السنديانةُ ذاتَها،

وهبَتْكَ عرشاً يستريحُ، ولا يريحُ،

فلا تبِعْ تاجَ الطفولةِ،

فالجبالُ هي الجبالُ،

هي الجبالْ …

وشجيرةُ الرّمانِ ألقَتْ زهرَها

فوق الرمالْ

ماءٌ يسيلُ من الغصونِ،

إلى يمامِ الرّوحِ،

أجنحةٌ تحطُّ على ذرى القلبِ،

الجبالُ منافذٌ للبحرِ،

ذاك البحرُ كان أذايَ،

كان مظلّةً سوداءَ،

كان البحرُ مرسالي إلى قيظِ الجزيرهْ

- يا قمرَ المنفى،

عَرِّجْ على البيوتْ …

فوجهُك الأبهى

ياقوتةٌ تموتْ .

- يا قمرَ الصحراءْ.

عَرِّجْ على الواحاتْ.

فوجهُكَ الوضّاءْ.

يذبلُ في الفلاةْ.

**

أهذا زمانُ الرّجوعِ  ؟

إذنْ …

أنتَ تكتبُهُ،

وتهادنُ سراً يمزِّقُنا

لا نبوحُ بهِ …

نكتوي، لا نبوحُ بهِ،

ونسيرُ إلى حيثُ تهوى المسيرَ

إلى حيث ريح الصّبا غضّةٌ

والمناديلُ آمنةٌ،

والمنايا نذورْ ..

***

بشرى البستاني

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5697 المصادف: 2022-04-11 04:18:14


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5868 المصادف: الخميس 29 - 09 - 2022م