نصوص أدبية

قصي الشيخ عسكر: صائد الضفادع

قصي الشيخ عسكرلقد قرف الجميع منه حقّا، وبدّلوا اسمه إلى دعبول. كان يركض ساعات كلّ يوم بين السواقي والأنهار الصغيرة يصطاد الضفادع بشبكته المقعرة التي تشبه شبكة صيد الفراشات، وربما أقنع نفسه أنّه أصبح من ذوي المقاولات أو رجل أعمال بعد أن قبل عرض جامعة البصرة في أن يجلب لها ضفادع حيّة غرض إجراء تجارب عليها وتشريحها في كلية العلوم والطب البيطري والطبّ والزراعة، ويظن الكثيرون من أهل التنّومة أن الجامعة عرضت على آخرين غيره هذه الشغلة المقرفة التي تسبب الفألول والحساسية فأبوا كل ذلك مقابل فلس لكل ضفدعة، وأقصى مايستطيع صيده على وفق التخرصات مائة ضفدعة باليوم حتّى إمام الجامع الشيخ الجليل، الذي يحظى باحترام أهل التنومة، منعه من دخول المسجد خشية على المصلّين من الثًالول والحساسية وحفاظا على طهارة بيت الله!

غير أن الأمور لم تجر حسب رغبة دعبول أو هوى الناس إذ حلّت الحرب فتغيّر كلّ شئ فهرب كثير من أهل التنومة ورحل آخرون أو ماتوا. أنا نفسي لم أضع في بالي أن ألتقي دعبول ثانية. كنت ذات يوم أنتظر القطار لأعود إلى مدينتي ولديّ متسع من الوقت فخرجت من المحطة أتنزه.. قادتني قدماي إلى حيث لا أدري ولفتت نظري لوحة كبيرة لضفدعة تنيرها أضواء متراقصة تبهر النظر، ولاح لي من خلال الزجاج الشفاف وأنا على الرصيف شبح ما.. خيال رجل ليس بالغريب عنّي.. كان قد غيّرت ملامحه السنين ولم تخفها. دعبول نفسه. تمعّنتُ فيه وأطال النظر إليّ.. نسيت أن أناديه عبّود باسمه قبل أن نغيّره بعد امتهانه مطاردة الضّفادع ففتحت ذراعي وهتفت: دعبول!

فضمّني إليه وكادت دمعة تترقرق في عينيه: هل تقرف مني؟

لا أظن قلبك أسود إلى هذه الدرجة! ماذا أرى؟

فقال مبتسما:

هذا المطعم لي ولدي في أطراف المدينة مزارع للضفادع. أنا الآن أكبر مصدر ومنتج للضفادع في أوروبا!

أخذتني الدهشة وانعقد لساني فواصل: لا تظن أن جامعة البصرة خرجت أطباء ومهندسين وعلماء يشتغلون في العالم. أنا أيضا أعدّ نفسي مثلك واحدا من خرّيجيها.

مازلت في دهشة مما رأيت فقلت بفضول: لكن كيف وصلت إلى هنا؟.

حالي حال الناس أعرفك لا تحسد. لست بذي عين حارقة. لا أدري.. هربت حتى وصلت إلى هنا. قلت لنفسي يا عبود ليس معك شهادة. ماذا أفعل بشهادة المتوسطة. فكرت بالضفادع ومطعم صغير. ثم تمعّن فيّ كأنّه  يتيقّن من أني لست شخصا آخر وتساءل بضحكة شامتة: لا أظنك تقرف مني!.

فقلت ساخرا: الضفادع الأوروبية مثل خنازيرهم جميلة لا تثير القرف!

فضحكنا ضحكات لفتت نظر العاملين والزبائن الذين انهمكوا في تناول طعامهم.

حقا لم أكن أقرف لكنه التفت إليّ وقال: ماذا قلت هل تبقى معي الليلة فنذهب غدا إلى مزارعي. فقلت وأنا أهز رأسي بتأمل: جئت إلى هنا بشغل، ولست بعيدا عنك. ساعتان بالقطار. أعدك سأزورك وأبقى معك بضعة أيام.

ثم نهضت ومددت يدي مودّعا وخرجت، وفيّ رغبة للعودة ثانية لمشهد قرفت منه ذات يوم!.

***

قصة لمحة

قصي الشيخ عسكر

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5706 المصادف: 2022-04-20 01:40:24


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5864 المصادف: الاحد 25 - 09 - 2022م