نصوص أدبية

محمد الورداشي: ذئب الفلاة

محمد الورداشيدون الكلمة الأخيرة في تقريره الممل، ووضع القلم فوق الورقة الصفراء، ثم أخذ يفكر في شيء يقوم به، شيء ما يجعله يمضي في عمله حتى الساعة السادسة مساء. فجأة، انبلجت في ذهنه فكرة جهنمية: قرر الخروج إلى الساحة، واصطفاء ضحية مغلوب على أمرها كما جرت العادة، فخرج بعينين بارقتين كذئب الفلاة، ثم أخذ يجول الساحة طولا وعرضا، وعيناه البارقتان تدوران في جمجمته النخرة مائة درجة في الثانية، وما إن هم بطرق الأبواب واصطفاء ضحاياه بدعوى الحديث معهم في أمور دنياهم، وكذا اصلاح شؤون آخرتهم حتى رمق نملة تدب من بعيد، فاقترب منها مهرعا، ولما مثل أمامها استفسرها قائلا:

- ما خطبك؟ وما سر الدمع في عينيك؟

رفعت بصرها في ذهول، ثم نظرت إليه نظرة خاطفة متحيرة، فكرر السؤال مرات وألحف فيه، الشيء الذي أطلق لسانها من عقاله منسابا:

- أخرجنا أبي أنا وأمي من البيت و...

قاطعها نحيبها المتذبذب في حلقها، ولأيا استرسلت:

- طردنا دون لباس ولا أغراض..

تظاهر ذئب الفلاة بالحزن والأسى، فدنا منها حتى كاد يلتصق بها، ثم طبطب على كتفها فتحسس ليونته، فخاطبها ولعابه يتقاطر من فمه اليباب:

- هذا الرجل لا يعرف قيمتكما في حياته..

عض شفته السفلى بقوة ثم أردف:

- أنت فتاة طيبة و..

رفعت بصرها بتباطؤ، أحس بالإحراج، تفصد العرق من جبينه، فلم يعد يدري أيستمر في الكلام، أم يواري وجهه من سوء ما أقدم عليه. بيد أنه شرع يقول مستدركا:

- قلت إنك فتاة طيبة ومهذبة وجميلة..

سمعت المسكينة هذه الكلمات التي لم تألفها، فانفرجت أساريرها ولاحت ابتسامة خافتة على وجهها، ثم.. ثم كفكفت دموعها وقالت:

- شكرا لك، والله يرحم الوالدين..

ابتسم ابتسام المنتصر الظافر، ثم أطلق يده اللعينة على شعرها المهدل، فطفق يمرر أصابعه الموبوءة بين شعيراتها السوداء، ولما أحس ارتخاءها وانفعالها، أنزل يده إلى جيدها، ونطق متلهفا:

- حلقة أذنيك ذهبية أم نحاسية أم جالوقة؟

قهقه واستغربت أمره، فردت في وداعة:

- "مشللة بالذهب".

- وحتى ما تزينين به عنقك رائع..

في هذه اللحظة، ارتخت الفتاة بالكامل واستسلمت، فاغتنم الفرصة وأخذ بيدها:

- تعالي معي إلى المكتب حتى أنصت لك..

فتبعته كالكلب الذي يتبع صاحبه، وما إن دلف مكتبه الصغير حتى أغلق الباب وأحكمه، ثم تقرّد على كرسيه وأمرها بالجلوس قبالته، ففعلت دون احتجاج، ثم دنا من وجهها إلى أن كاد يلامس وجهه، واشتم عطرها الممزوج بالعرق والدموع، فارتعدت يداه واضطرب لسانه، ثم قال:

- أول شيء هو بعث الشجاعة فيك..

ثم استرسل بعد صمت قصير:

- درسنا الأول هو جبر خاطرك حتى لا يضيع هذا الجمال..

امتص لعابه ثم أضاف:

- جمالك فريد من نوعه، وسيعاقبني الله إن لم أصنه..

نظرت إلى الساعة، نهضت وقالت:

- إني تأخرت على..

أمسك ذراعها بقوة، احمرت عيناه وبرزت أنيابه، ثم أسدل الستار على النافذة المطلة على الساحة، وطفق يضمها إليه بجنون ويثمطها بلا هوادة حتى.. حتى ارتوى وارتوت، وأفرغ عقده وأمراضه، وسكبت دموعها وتوجعاتها، لما انتهى.. ارتدى أطماره، خطب فيها مؤكدا:

- الأمر حده هنا..

التفت يمنة ويسرة:

- هذا هو الدرس الأول في الحياة المد.. والدع.. النفسي والجسدي..

خفضت بصرها في انكسار، واسترسل في انتصار:

- أنا موجود كلما احتجت.. هنا..هناك.. في المعمل.

فانطلقت تجر ذبول نفسها نحو الحجرة، لكنها ألفت الحصة قد انتهت لتنصرف مع المنصرفين.

***

محمد الورداشي

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5759 المصادف: 2022-06-12 02:12:43


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5936 المصادف: الثلاثاء 06 - 12 - 2022م