نصوص أدبية

قصي الشيخ عسكر: صداقة

قصي الشيخ عسكرالفصل الثاني من رواية الآنسة تيدي

أصبحنا صديقين أنا والآنسة تيدي

غالبا مانخرج.. نتبضع.. أو أتركها تتبضع لي وربما فكرت بزيارة السينما معها خلال الساعات الأربع التي تزورني فيها أو الذذهاب إلى هوكي الجليد،كان العاملون في قسم link workers منغلقين يؤدون واجباتهم بدقة ولا يدخلون في تفاصيل مع مستخدميهم.وثقت بها وعرفت منها أن جدها لأبيها من جامايكا.مجهول الأب انفصل عن جدتها  ثم عاد إلى جامايكا لكن عودته خلفت جرحا في روح جدتها . تطلعت بالصور التي خزنتها في الموبايل فوقع بصري على أمها التي لم يزد عمرها عن الخمسين وأختيها .خيل إلي أنهن أجمل منها بفارق كبير قالت نحن أيضا في أسف

قاطعت مجرد المقاطعة:هل يستحق الأمر الأسف  فابتسمت وقالت تراودنا في غالب الاحيان رغبة في معرفة جذورنا جدتي هي الأكثر أسفا

جدّتك؟

نعم لا أدري لمَ تأسف لأنها تتمنى لوتتابع أصول جدي فتعرف من هي عائلته سواء في جامايكا أم هنا في إنكلترا لكن جل جهودها ذهبت عبثا.

أستبق الصور:

والدك؟

نعم

وسيم .. يجمع بين الملامح الإفريقية والغربية عيناه بخضرتهما وتوقدهما وطوله واستدارة وجهه

أنت اكثر شبها به وبأمك من أختيك؟

really

ربما يكون ماقلته غير دقيق فأستدرك:

حكمي على الصورة لا أكثر لأنك بملامح إنكليزية (أبحث في الآي باد عن كلمة مناسبة):your feature ووالدك أقرب إلى جدتك من جدك!

هو لا يعيش معنا رجل غريب الأطوار انفصل عن أمي ومازال يحتفظ بعلاقات طيبة معها أخذ يسيح في دول كثيرة يغيب عن بريطانيا ولا يأتي إلا كل عام مرة يحتفل بعيد ميلاده معنا!

قلت مع نفسي  إذ خانتني الشجاعة أن أصارحها:ربما يرحل بحثا عن أصوله

لكن مايثير حنقي بعض الاحيان صورة صديقها الboy friend الشاب ذو اللحية السكسوكة وتسريحة الشعر التي تشبه أناقة المغنين.

أسف لاغير

ليس عندي غير الاسف سوف عدد نفوس الأرض ستة مليارات،في كل ساعة،كل دقيقة يلتقي رجال ونساء..  أدع الملايين من النساء والرجال يتواصلون يفعلون اشياء مثيرة

يتعرون

تتلامس أجسادهم

يلهثون

أبقى مستمعا ومتفرجا

أراقب ولا أفهم أني لست أقدر

بصورة أخرى :لا أعرف السبب

أجدها مثيرة من دون أن أملك الرغبة.حتى لو كنت قادرا فهي موظفة جاءت تؤدي عملها وغدا حين تنهي الجامعة وتجد وظيفة تترك خدمتي كما غادرتني الأخريات،لم تسألني إلى الآن عن حياتي

لا شأن لها بذلك

ولو فعلت فلن أثرثر عن خصوصيات كثيرة :

علاقتي بابن عمتي

الحشيش

التهريب

العنة

مقدسات مثل الخطوط الحمر في عالم السياسة.. قبل سقوط بغداد اكتشفت عجزي وبعد السقوط سقطت فأصيبت رجلي وظهري.لا أثق بأحد .. فتحت الtablet قصدت جوجل وكتبت بالعربية أعاني من عجز جنسي .. العنة.. قبل سقوطي من الدراجة.. لا أريد أي عربي يعرف ذلك.. عندنا عار وفضيحة.. كان غوغل يترجم لي ثمّ قصدت غرفة الاستعلامات وقابلت الإنكليزية ذات الوجه البشوش وضعت الtablet أمامها فابتسمت وقالت لا تقلق وغمزتني بعينها اليمنى :Don’t worry في اللقاء الثاني مع المحقق قابلني مترجم إنكليزي في الخمسين حين يتكلم العربية يمط لسانه خارج فمه حتى يكاد طرفه يلامس أرنبة أنفه.اطمأنت نفسي كثيرا.لست اشعر بالخجل ولا أخاف على سري فكلهم أجانب لكن علاجي وفحوصاتي  لن تتم إلا حين تسوى معاملتي.

ملفي الطبي لا يطلع عليه أحد

يؤكد المترجم بلعقة من طرف لسانه.

فارتاح وأنفث الهواء من رئتي.

تيدي لم تطلب مني معلومات عن أهلي.حدثتني عن عائلتها وسكتت،ولم تكن معي أيّة صور لعائلتي.لكني لمحّت لها عن إخواني وأخواتي نصف الاشقاء وشقيقي من أبي.بيتان كبيران أسسهما أبي قبل الحصار من تجارة الملابس  وإخوة اشتغلوا في مهن مختلفة.في سوق النحاس، والخشب وآخر صاحب مطعم،ثم خيّم الحصار فانقلبت الأوضاع اصبح كل واحد يفكر بعائلته،ثم بنفسه ثم  لم يعد يبالي بالآخر.

وأنا مشغول بعجزي

حتى جاء اقتراح ابن عمتي

فوجدتها فرصة أغتنمها

أعمل

أتحرك

أستطيع أن أفعل شيئا ما 

بعد مغادرتي المشفى ألحت علي رغبة شديدة في ترك البلد.قلت لأهلي لاتقلقوا حين أغيب وقرأت الأسف والحيرة في عيون أمي فقط ابي نفسه لم يجمل كلامي محمل الجدّ ولم يشعروا بي إلا حين أتصلت بهم من أربيل.كان معي المبلغ الذي جمعته من تصريف الحشيش

ومادامت معي نقود فليست هناك من مشكلة

الوقت الآن ..

الاحتلال

الفوضى

دهشة الناس التي ارتسمت على الوجوه بدلَ الكآبة وقتَ الحصار

دمار بشكل آخر

وفوضى بصورة أخرى

زوال الكابوس،واختلاط الحقيقة بالأحلام.

أكثر من فرصة أمامي تجعل المحال يمكن أن يصبح حقيقة مادامت الفوضى تتحكم بالعالم

الرجل الأربعيني سائق الشاحنة التي تصل إلى فرنسا قال لي ولكردي شاب هاجر معي في شاحنة أخرى  تعقبتنا.أنت سائق مساعد لي.نظام أوروبا الموحد لايسمح لسائق أن يقود شاحنته من تركيا إلى باريس وحده.لابدّ أن تكون معي.هذا جواز سفرك وهذه إجازة السوق وماعليك إلا أن تمزق الجواز والإجازة إذ تصل برّ الأمان.

كنت أغمض عيني بعد هذه الرحلة التي تلخصت بحلم عابر واسترخي وأنا أنام على بطني لأنامل تيدي التي تمسّد ظهري.

رحلة طويلة من العراق إلى هنا

كانت معي نقود تكفي فلم ألاق كثيرا من المتاعب

رحت أرى في وجهها ابتسامة مرحة فقدتها منذ اكتشفت عجزي.ابتسامة

متفائل أم متشائم

سيان

وقد أحسست بشئ غريب ذات يوم.حالما دخلت تيدي وجدتها في شأن آخر عادة ماتأتي من دون حقيبة،

وجه أصفر

روح يائسة

نبرة حزينة

هل سينتهي عقد عملها معي؟

انتزعت الحقيبة من كتفها وألقتها على الأرض بعصبيّة

أظنها بكت

انهارت على الأريكة ودخلت في صمت مريب.

مابك؟

وضعت يديها على عينيها وانفجرت بنغمة حزينة كادت على وشك انهيار فظيع وكدت أراها انتهت مثل شجرة اقتلعها سيل عنيف لا يدرك الرحمة،قلت وأنا أضع يدي على كتفها

ماذاجرى.. أنت أقوى من أن تبكي.. كل شئ هين

فكابدت دموعها وبقيت صامتة

لم تعودي ممرضتي وموظفة لقد أصبحنا شبه أصدقاء

فتنفست بعمق كمصاب بربو استراح بعد أن استرخى لبخاخ طويل:

My boy friend!

Boy friend? what’s the mater?

اليوم تركني..  تركني بعد صداقة أربع سنوات.فجأة من دون مقدمات مارتن القذر.. ياللشيطان..

قلت ولايهمك ليذهب كل شئ إلى الجحيم

كان بودي أن نخرج في جولة نذهب إلى حديقة ألبرتون أو مركز المدينة لكن فضلت مراعاة لحالتها بعد أن فاجأتني بخبر انفصالها  أن نبقى  في البيت

لم يكن شجاعا كان يتذلل ويبكي يقول وقعت في حب فتاة أخرى

تعود للصمت

تبدو مشلولة

صماء

أم خرساء

يمسك يدها يدلكهما يجثو على ركبتيه أمامها.. يشعر بنشوة خافته ،،فرح أم تشفٍّ.من باعك بيعيه  هكذا هي الحياة.. هذه أمور تحدث كثيرا.. لايقدر أن يثرثر بالإنكليزية وإذا احتاج إلى معنى ذهب إلى جوجل..

هل أعمل لك شايا.

Thank you I am ok.

تراوده فكرة عابرة:

هل لديك عمل بعد أن تفرغي من عندي؟

لدي ساعتان ألغيتهما

طيب بدلا من أن تستقلي الحافلة إلى داربي وأنت في مثل هذه الحالة تستطيعين أن تنامي في الغرفة المجاورة

لا يدري أهو استهجان أم استنكار أم دهشة ما من عرضه المفاجئ:

ماذا؟ وقد نظرت إليه نظرة غامضة

قال باسف لاتسيئ الظن ثم بحماس مفرط ألم تطلعي على ملفي ؟ أنا عاجز .مصاب بالعنة ولم أقصد أي معنى  ونطقتً الجملة كما قرأتها في جوجل

Impotent

نطقتها مرّة أخرى فاستوحت دهشة غريبة انتزعتها من صدمتها مع صديقها:

حقا نحن لا نطلع على أي ملفات سوى معلومات عامة أخبروني فقط أنك مصاب بضرر في رجلك وبعض الضرر في ظهرك

يبدو أنها تشاغلت عن صدمتها بخبر عجزي فتغيرت ملامحها من الصدمة والإنكسار إلى دهشة بانت في عينيها المرهقتين:

أخبرت طبيب الصليب بالأمر

حتى لو علموا فإن شؤون ذوي الاحتياجات الخاصة لا يعدون العنة عوقا التزموا بك بسبب إعاقتك الجسدية.

أعرف ذلك لكني بانتظار تقرير الطبيب الخاص حول عجزي

ذهبت إلى المطبخ وأدارت الصنبور فكرعت كاس ماء .خيّل إلي وهي تتلذذ بالماء أنها قدمت من صحراء مترامية الأطراف ووقفت عانت من حرقتها حتى استقرت في الظل، ورجعت إلى الصالة وهي تقول:

 ويمكن أن اساعدك occupational thearapy  تخصصي في الجامعة

شعرت بسعادة غامرة.ستظل معي هنا بضعة أيام وأحسست بأمان أكثر حين وجدت علاقتها تنقطع بصديقها.لا هي واحدة من ملايين النساء اللائي يمارسن مع أزواجهن واصدقائهن كل ليلة بل كل ساعة لكن ذلك لا يعنيني.. لا أدري لم ارتحت لحالة تيدي .كثيرا ماكنت أراقب التلفاز في الصالة فأغفو من دون أن أشعر على الأريكة التي تعمدت أن ابتاعها بوجهين:أريكة وسرير نوم،كنت اقضي ليالي مع برامج مثيرة،لا أهتم بالأخبار،ولو راقبتها لما فهمت معظمها.كانت أمامي محطات تعرض أشرطة للعراة وأخرى لآكلي لحوم البشر وجرائم غريبة.وفي تلك الليلة بدت أجواء العالم جديدة عني.كنت أجلس على الأريكة من دون أن أفتح التلفاز وقد جلست تيدي جنبي دقائق ومازالت هالة من الإرهاق تحيط عينيها وجبينها.

هل أعمل لك طعاما

سأكتفي بقطعة جبن وكاس شاي

كل شئ في البراد

ونهضت إلى المطبخ وهي تقول

يمكنك أن تتابع الأخبار لا تتقيد بي سأخبر مكتب التشغيل أني أؤجل ساعات العمل وغدا اذهب إلى الجامعة لأتحدث مع أستاذي عن بحثي

 ولم أتابع التلفاز وتجاهلت التابليت تظاهرت بالنوم وفي ساعة متأخرة نهضت إلى دورة المياة مررت بالغرفة ودفعت الباب برفق فوقع بصري عليها من خلال الضوء الخافت العابر من ستائر النافذة. كانت تغط بنوم هادئ عميق تأملتها لحظات

كأن شيئا انزاح عن صدري

شئ ثقيل بعمق البحر وثقل جبل

ثمّ عدت إلى فراشي

***

د. قصي الشيخ عسكر

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5785 المصادف: 2022-07-08 02:22:22


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5873 المصادف: الثلاثاء 04 - 10 - 2022م